موسوعة الإمام الخوئي - ج21

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
517 /
1

____________

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه ربّ العالمين و صلّى اللّٰه على سيِّدنا و نبيِّنا محمّد و آله الطيِّبين الطّاهرين، و اللّعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

و بعد، فيقول العبد الأثيم المفتقر إلى عفو ربّه الكريم مرتضى بن علي محمّد ابن إبراهيم البروجردي النجفي عامله اللّٰه بلطفه الخفي: هذا ما تيسر لي ضبطه من مباحث الصوم شرحاً على العروة الوثقىٰ للسيّد الطباطبائي اليزدي (طاب ثراه)، و هي نتيجة ما تلقّيته من الأبحاث القيِّمة و الدروس الراقية التي ألقاها سماحة سيّدنا الأستاذ العلّامة، علم العلم و بدر سمائه، قبلة المشتغلين و خاتمة المجتهدين، المحقّق المدقّق، زعيم الحوزة العلميّة، و مرجع الأُمّة، الذي ألقت إليه الرئاسة الدينيّة أزمّتها، آية اللّٰه العظمى حضرة المولى الحاج السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي متّع اللّٰه المسلمين بطول بقائه الشريف.

و قد بذلتُ أقصى وسعي في الاحتفاظ برموز الدرس و دقائقه، و كلّ ما أفاده في مجلس البحث و خارجه، تذكرةً لنفسي و تبصرةً لغيري.

و أسأله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، و أن ينفعني به و إخواني من روّاد العلم و الفضيلة، و أن ينظروا إليه بعين الرضا و القبول، و هو حسبنا و نعم الوكيل.

2

كتاب الصّوم

3

..........

____________

بسم اللّٰه الرّحمٰن الرّحيم

كتاب الصوم و هو الإمساك عمّا يأتي من المفطرات بقصد القربة (1).

و ينقسم إلى: الواجب و المندوب و الحرام و المكروه بمعنى: قلّة الثواب.

و الواجب منه ثمانية: صوم شهر رمضان، و صوم القضاء، و صوم الكفّارة على كثرتها، و صوم بدل الهدي في الحجّ، و صوم النذر و العهد و اليمين، و صوم الإجارة و نحوها كالشروط في ضمن العقد، و صوم الثالث من أيام الاعتكاف، و صوم الولد الأكبر عن أحد أبويه [1].

(1) لا ريب في وجوب الصوم في الشريعة المقدّسة كتاباً و سنّةً، بل و ضرورة، بل قد عُدَّ في بعض الأخبار من مباني الإسلام (1).

كما لا ريب في أنّ المطلوب فيه هو الاجتناب عن أُمورٍ معيّنة يأتي تفصيلها قد أُشير إلى بعضها في قوله تعالى كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى إلخ (2)، فالمطلوب هنا‌

____________

[1] على تفصيلٍ يأتي في محلّه [في المسألة 2540].

____________

(1) الوسائل 1: 13/ أبواب مقدّمة العبادات ب 1.

(2) البقرة 2: 187.

4

و وجوبه في شهر رمضان من ضروريّات الدين (1)، و منكره مرتدٌّ يجب قتله.

____________

أمرٌ عدمي و هو الترك، كما هو الحال في تروك الإحرام، و مع وضوح ذلك فلا يهمّنا تحقيق مفهوم الصوم اللغوي أو الشرعي و أنّه الكفّ أو الإمساك أو التوطين و نحو ذلك ممّا قيل، فإنّ البحث عنه قليل الجدوى، و إنّما المهمّ بيان تلك المفطرات التي يجب الاجتناب عنها، و ستعرف الحال فيها إن شاء اللّٰه تعالى.

نعم، ينبغي التعرّض لبيان الفرق بين العبادات الوجوديّة و العدميّة فيما هو متعلّق القصد و الإرادة، حيث إنّهما يمتازان عن الآخر في كيفية النيّة.

فإنّ الواجب إذا كان فعلًا من الأفعال لا بدّ في تحقّق الامتثال من تعلّق القصد و صدوره عن إرادةٍ و اختيار، و هذا بخلاف الترك، فإنّه يكفي فيه مجرّد عدم الارتكاب و إن لم يستند إلى الاختيار لنومٍ أو غفلة، أو كان ذلك من جهة العجز و عدم القدرة لحبسٍ أو مرض، كمن به داء لا يتمكّن معه من الجماع من عننٍ و نحوه، أو كان طعامٌ لا يمكن الوصول إليه عادةً كالمختصّ بالملك، أو ما هو في أقصى البلاد، أو كان ممّا لا يقبله الطبع و يشمئز منه و لو كان مباحاً، ففي جميع ذلك يكفي في تحقّق النيّة مجرّد العزم على الترك على تقدير تماميّة مقدّمات الفعل و تحقّق مبادئ وجوده من القدرة و الالتفات و الرغبة، فيعزم على أنّه لو تمّ ذلك كلّه لأمسك عن الفعل على سبيل القضيّة الشرطيّة، إذ لو اعتبر فيها كون جميع التروك مستنداً إلى القصد الفعلي كما في العبادات الوجوديّة لزم بطلان الصوم في الموارد المزبورة، مع أنّ صحّتها كادت تكون ضروريّة.

(1) كما نصّ عليه جمعٌ من الأصحاب. و عليه، فمنكره منكرٌ للضروريّ فيجري عليه حكمه.

5

و من أفطر فيه لا مستحلا عالماً عامداً (1)

____________

و قد تقدّم في كتاب الطهارة (1) عند البحث عن الكفر و الإسلام: أنّ إنكار الضروريّ بمجرّده و من حيث هو لا يستوجب الكفر، و إنّما يستوجبه من حيث رجوعه إلى تكذيب النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله)، المؤدّي إلى إنكار الرسالة، و هو يختصّ بما إذا كان المنكر عالماً بالحكم و بضروريّته، فلا يحكم بكفر الجاهل بأحدهما، لكونه جديد العهد بالإسلام، أو نحوه ممّن ليس له مزيد اطّلاع بالأحكام. و عليه، فيعتبر في الحكم بالارتداد صدور الإنكار ممّن يعلم بضروريّة الحكم، و حينئذٍ فإن كان فطرياً يُقتَل، و إن كان ملّياً يُستتاب، فإن تاب و إلّا يُقتَل إن كان رجلًا، أمّا المرأة فلا تُقتَل أصلًا، بل تُحبَس و يُضيَّق عليها في المأكل و المشرب و تعزَّر عند أوقات الصلاة إلى أن يقضي اللّٰه عليها.

(1) هذا في قبال المنكر المستحلّ المتقدّم بيان حكمه آنفاً.

ثمّ إنّ المفطر غير المستحلّ تارةً: يكون معذوراً كالمريض و المسافر، و أُخرى غير معذور كالفسّاق، و ثالثةً مشتبه الحال.

أمّا الأوّل: فلا إشكال فيه.

و أمّا الأخير الذي هو مردّد بين المعذور و غيره-: فلا يجري عليه شي‌ء، لما هو المعلوم من الشرع من أنّه لا يقام الحدّ بمجرد الاحتمال، و قد اشتهر أنّ الحدود تُدرأ بالشبهات، و هذه الجملة و إن لم ترد في شي‌ء من الروايات ما عدا رواية مرسلة و لفظها هكذا: «الحدّ يدرأ بالشبهة» (2)، و لكن الحكم متسالمٌ عليه‌

____________

(1) راجع شرح العروة 3: 54 55.

(2) لاحظ الوسائل 28: 47/ أبواب مقدّمات الحدود ب 24 ح 4 و ص 130/ أبواب حدّ الزنا ب 27 ح 11.

6

..........

____________

بينهم، إذ من المعلوم من الشرع أنّه ليس بناء الإسلام على إجراء الحدّ في موارد الشبهة، كما يظهر ذلك بملاحظة الموارد المتفرّقة التي منها مورد صحيحة بريد العجلي الآتية المتضمّنة للسؤال عن موجب الإفطار، فإنّها تدلّ على أنّه لو ادّعى شبهةً يُقبَل قوله و يُدرأ عنه الحدّ أو التعزير، و إلّا فما هي فائدة السؤال؟! إنّما الكلام في غير المعذور ممّن يفطر عصياناً، فقد ذكر في المتن: أنّه يعزَّر بخمسة و عشرين سوطاً، فإن عاد عُزِّر ثانياً، و إن عاد قُتِل في الثالثة، و الأحوط في الرابعة من أجل الاحتياط في باب الدماء.

أقول: أمّا أصل التعزير فقد دلّت عليه صحيحة بريد العجلي، قال: سُئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل شهد عليه شهود أنّه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيام «قال: يُسأل هل عليك في إفطارك إثم؟ فإن قال: لا، فإنّ على الإمام أن يقتله، و إن قال: نعم، فإنّ على الإمام أن ينهكه ضرباً» (1).

و أمّا التحديد بخمسة و عشرين سوطاً فلم يرد إلّا في رواية مفضّل بن عمر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في رجل أتى امرأته و هو صائم و هي صائمة «فقال (عليه السلام): إن كان استكرهها فعليه كفّارتان، و إن كانت طاوعته فعليه كفّارة و عليها كفّارة، و إن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف الحدّ، و إن كان طاوعته ضُرِب خمسة و عشرين سوطاً و ضُرِبت خمسة و عشرين سوطاً» (2).

و لكن موردها الجماع، و لا دليل على التعدّي إلى سائر المفطرات، على أنّها ضعيفة السند من جهات و لا أقلّ من جهة مفضّل الذي هو ثابت الضعف، من‌

____________

(1) الوسائل 10: 248/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 2 ح 1.

(2) الوسائل 10: 56/ أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 12 ح 1.

7

يعزَّر بخمسةٍ و عشرين سوطاً [1]، فإن عاد عُزِّر ثانياً، فإن عاد قُتِل على الأقوى (1)، و إن كان الأحوط قتله في الرابعة [1].

____________

أجل تضعيف النجاشي و غيره إيّاه صريحاً (1).

نعم، قد عمل بها المشهور. فإن قلنا: إنّ الرواية الضعيفة تنجبر بعمل المشهور فلا بأس بالعمل بها في موردها، و إن أنكرنا هذه الكبرى كما هو المعلوم من مسلكنا فالرواية ساقطة.

إذن لا دليل على تحديد التعزير بخمسة و عشرين، بل هو موكول إلى نظر الإمام، فله التعزير كيفما شاء ما لم يبلغ حدّ الحدّ الشرعي.

ثمّ إنّ التعزير كما هو ثابت في المرّة الأُولى ثابتٌ في المرّة الثانية أيضاً، بمقتضى إطلاق الدليل، أعني: صحيح بريد المتقدّم.

(1) قد عرفت ثبوت التعزير في المرّتين الأُوليين.

و أمّا في الثالثة فيجب قتله كما عليه المشهور.

و قد دلّت عليه صريحاً موثّقة سماعة، قال: سألته عن رجل أخذ في شهر رمضان و قد أفطر ثلاث مرّات و قد رُفِع إلى الإمام ثلاث مرّات «قال: يُقتَل في الثالثة» (2).

و يدلُّ عليه أيضاً عموم صحيح يونس عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) «قال: أصحاب الكبائر كلّها إذا أُقيم عليهم الحدّ مرّتين قُتِلوا في الثالثة» (3).

____________

[1] لم يثبت التقدير بحدٍّ خاص إلّا في رواية ضعيفة في خصوص الجماع.

[1] في كونه أحوط إشكال بل منع.

____________

(1) رجال النجاشي: 416/ 1112.

(2) الوسائل 10: 249/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 2 ح 2.

(3) الوسائل 28: 19/ أبواب مقدّمات الحدود ب 5 ح 1.

8

و إنّما يُقتَل في الثالثة أو الرابعة إذا عُزِّر في كلٍّ من المرّتين أو الثلاث (1).

____________

و مورده و إن كان هو الحدّ، إلّا أنّه لا خصوصيّة له، إذ يُفهَم منه عرفاً أنّ من اجري عليه حكم اللّٰه مرّتين سواء أ كان هو الحدّ أم التعزير يُقتَل في الثالثة.

فبمقتضى الموثّقة الواردة في خصوص المقام و الصحيحة الواردة في مطلق الكبائر يُحكَم بوجوب القتل في المرّة الثالثة، إمّا من بعد التعزيرين أو من بعد الحدّين حسب اختلاف الموارد.

و أمّا ما ذكره في المتن من أنّ الأحوط قتله في الرابعة فلا وجه له بعد نهوض الدليل على وجوب القتل في الثالثة كما عرفت، و لا تعطيل في حدود اللّٰه، فلا سبيل للاحتياط و إن كان مورده الدماء.

نعم، روى الشيخ في المبسوط مرسلًا: «إنّ أصحاب الكبائر يُقتَلون في الرابعة» (1).

و لكن المرسل ليس بحجّة، و لا سيّما مع عدم الجابر، على أنّه معارَضٌ بالصحيح المتقدّم و في خصوص المقام بالموثّق كما سبق، فلا ينهض للمقاومة معهما.

(1) فلا يجزئ مجرّد الارتكاب الخارجي بلغ عدده ما بلغ ما لم يُرفع الأمر إلى الإمام مرّتين و يجري عليه التعزير في كلٍّ منهما، فحينئذٍ يُحكم بالقتل في الرفع الثالث، كما دلّت عليه موثقة سماعة المتقدّمة، حيث حكم فيها بالقتل في الثالثة من الرفع لا من مجرّد الإفطار، و كما تدلّ عليه أيضاً صحيحة بريد المتقدّمة،

____________

(1) المبسوط 7: 284.

9

و إذا ادّعى شبهةً محتملةً في حقّه دُرِئ عنه الحدّ (1).

____________

حيث إنّ المفروض فيها الإفطار ثلاثة أيام، فقد حصل منه الإفطار ثلاث مرات على الأقل كلّ يوم مرّة، و لو فرض أكثر زاد عليه بكثير، و مع ذلك حكم (عليه السلام) بالتعزير، لكونه أوّل مرّة يُرفع أمره إلى الإمام، فليس الإفطار ثلاثة أيّام بنفسه موضوعاً للقتل، بل الموضوع هو الرفع كما صرّح به في الموثق، و كذا ما تقدّم في الصحيح من أنّ أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة، أي في الثالثة من الرفع، لا من ارتكاب الكبيرة، للتصريح بإجراء الحدّ عليهم مرّتين.

(1) قدّمنا أنّ الحكم المزبور من القتل أو التعزير مخصوص بغير المشتبه، أمّا هو فلا شي‌ء عيلة، و قلنا: إنه يمكن استفادة ذلك من نفس صحيحة بريد.

و تقريب الاستدلال: إنّه (عليه السلام) حكم بالسؤال من المفطر و أنّه هل عليك في إفطارك إثم أم لا؟ و أنّه يعزَّر مع الاعتراف، و يُقتَل مع الإنكار. و من المعلوم أنّ إنكار الآثم على نحوين، فتارةً: ينكره للاستحلال، و أُخرى: لأجل أنّه يرى نفسه معذوراً لشبهةٍ يدّعيها محتملة في حقّه، و لا ريب في اختصاص القتل بالأوّل، ضرورة أنّه مع الاعتراف لم يُحكَم بالقتل فكيف يُحكَم به مع دعوى العذر؟! و إذ خصّ (عليه السلام) التعزير بالمعترف فمدّعي العذر لا تعزير أيضاً عليه كما لم يكن عليه قتل، فلا بدّ أن يطلق سراحه و يخلّى سبيله، فلا يُقتَل و لا يعزَّر.

و بالجملة: فالأقسام ثلاثة: منكرٌ مستحل يُقتَل، و معترفٌ بالفسق يعزَّر، و من لا هذا و لا ذاك الذي لم تتعرّض له الصحيحة يخلّى سبيله و لا شي‌ء عليه.

10

[فصل في النيّة]

فصل في النيّة يجب في الصوم القصد إليه مع القربة و الإخلاص (1)، كسائر العبادات.

____________

(1) لا ريب في أنّ الصوم من العبادات فيعتبر فيه كغيره قصد القربة و الخلوص، فلو صام رياءً أو بدون قصد التقرّب بطل.

و يدلّنا على ذلك مضافاً إلى الارتكاز في أذهان عامّة المسلمين، و أنّ سنخه سنخ الصلاة و الحجّ و غيرهما من سائر العبادات ما ورد في غير واحد من النصوص من أنّ الإسلام بُني على خمس: الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحجّ، و الولاية (1).

إذ من الواضح البديهي أنّ مجرّد ترك الأكل و الشرب في ساعاتٍ معيّنة لا يصلح لأن يكون مبنى الإسلام و أساسه، بل لا بدّ أن يكون شيئاً عباديّاً يُتقرّب به و يضاف إلى المولى، و لا سيّما مع اقترانه بمثل الصلاة و الولاية المعلوم كونها قربيّة، و يؤكّده ما في ذيل بعض تلك النصوص من قوله (عليه السلام): «أما لو أنّ رجلًا قام ليله و صام نهاره و تصدّق بجميع ماله و حجّ جميع دهره‌

____________

(1) الوسائل 1: 13/ أبواب مقدّمة العبادات ب 1.

11

و لا يجب الإخطار بل يكفي الداعي (1).

و يُعتبر فيما عدا شهر رمضان حتّى الواجب المعيّن أيضاً القصد إلى نوعه (2)

____________

و لم يعرف ولاية وليّ اللّٰه فيواليه و تكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على اللّٰه حقٌّ في ثوابه» إلخ (1).

فإنّ من المعلوم من مثل هذا اللسان الذي لا يكاد يخفى على العارف بأساليب الكلام أنّ المراد بالشرط صيام الدهر بعنوان العبادة و الإتيان بالمأمور به على وجهه ما عدا جهة الولاية لا مجرّد الإمساك المحض، و هذا واضح لا غبار عليه.

(1) كما تكرّر البحث عنه في مطاوي هذا الشرح، و لا سيّما عند البحث حول نيّة الوضوء، فلاحظ (2).

(2) ذكرنا غير مرّة أنّه لا يُعتبَر في العبادة إلّا أمران: أحدهما: الإتيان بذات المأمور به. و الآخر: قصد التقرّب و الإضافة إلى المولى نحو إضافة، فإذا تحقّق الأمران بأيّ نحوٍ كان سقط الأمر العبادي و لا يلزم أزيد من ذلك.

و لكن تحقّق الذات يختلف حسب اختلاف الموارد، إذ:

تارةً: يكون من الأُمور غير المعنونة بشي‌ء، كما في القيام و القعود و المشي و نحوها من الأفعال الخارجية، ففي مثله يكفي الإتيان بنفس هذه الأُمور.

و أُخرى: يكون معنوناً بعنوان خاصّ به وقع تحت الأمر و تعلّق به التكليف، و إن كانت نفس الذات الخارجية مشتركة بين أمرين أو أُمور، و هنا لا مناص‌

____________

(1) الوسائل 1: 7/ أبواب مقدّمة العبادات ب 1 ح 2 نقلًا عن المحاسن كما في التعليق رقم 2 (تحقيق الربّاني).

(2) راجع شرح العروة 5: 17 23.

12

من الكفّارة أو القضاء أو النذر مطلقاً كان أو مقيّداً بزمانٍ معيّن، من غير فرقٍ بين الصوم الواجب و المندوب، ففي المندوب أيضاً يُعتبر تعيين نوعه من كونه صوم أيّام البيض مثلًا أو غيرها من الأيّام المخصوصة، فلا يجزئ القصد إلى الصوم مع القربة من دون تعيين النوع، من غير فرقٍ بين ما إذا كان ما في ذمّته متّحداً أو متعدّداً، ففي صورة الاتّحاد أيضاً يُعتبر تعيين النوع، و يكفي التعيين الإجمالي، كأن يكون ما في ذمّته واحداً فيقصد ما في ذمّته و إن لم يعلم أنّه من أيّ نوع و إن كان يمكنه الاستعلام أيضاً، بل فيما إذا كان ما في ذمّته متعدّداً أيضاً يكفي التعيين الإجمالي، كأن ينوي ما اشتغلت ذمّته به أوّلًا أو ثانياً أو نحو ذلك.

____________

من تعلّق القصد بنفس العنوان تحقيقاً لحصول الذات المأمور بها.

و هذا كما في الظهرين فإنّهما و إن اشتركتا في الصورة إلا أنّ كلّاً منهما تتقوّم بعنوانٍ به تمتاز عن الأُخرى كما كشف عن ذلك قوله (عليه السلام): «إلّا أنّ هذه قبل هذه» (1) إذ لولا مراعاة العنوان من الظهريّة و العصريّة لم يكن أيّ معنى للقَبليّة و البَعديّة، لوضوح أنّ كلّ من أتى بثمان ركعات فطبعاً تقع أربعٌ منها قبل الأربع كما هو الحال في نفس الركعات من الصلاة الواحدة، فإنّ الركعة الأُولى واقعة قبل الثانية، و هي قبل الثالثة و هكذا، فعلمنا من هذا الحكم دخالة العنوان، فلو أخلّ به فقدّم العصر أو أتى بذات الأربعة من غير قصد الظهر و لا العصر بطل و لم يقع مصداقاً لشي‌ءٍ منهما.

كما أنّ مسألة العدول أيضاً كاشفة عن ذلك كشفاً قطعيّاً، و إلّا فلا معنى‌

____________

(1) الوسائل 4: 126/ أبواب المواقيت ب 4 ح 5.

13

..........

____________

لمفهوم العدول هنا كما لا يخفى.

و كما في فريضة الفجر و نافلته، حيث حكم عليهما بأنّ النافلة وقتها طلوع الحمرة المشرقية، و بعد ذلك تُقدّم فريضة الفجر، مع أنّهما متساويتان في الصورة. فعلمنا بذلك أنّ لكلٍّ منهما عنواناً به تمتاز عن الأُخرى.

و كما في مطلق الفريضة و النافلة من الصلاة و الصيام، حيث ورد النهي تحريماً أو تنزيهاً على الخلاف عن التطوّع في وقت الفريضة. فعلمنا أنّ هناك طبيعتين أُمرنا بإحداهما و نُهينا عن الأُخرى و إن كانتا مشتركتين في الصورة و لا ميز بينهما إلّا بعنوان الفريضة و النافلة.

و هكذا الحال في الأداء و القضاء، و في القضاء عن النفس أو الغير من الولي أو من الأجنبي باستئجار أو تبرّعٍ و نحوهما، فلو صلّى أو صام من غير قصد الفريضة و لا النافلة أو بلا قصد الأداء و لا القضاء، أو قصد القضاء و لكن لا عن نفسه و لا عن غيره، لم يقع مصداقاً لشي‌ء من ذلك. و قد وقع الكلام في جواز القضاء عن الغير باستئجار و نحوه ممّن ذمّته مشغولة بالقضاء عن نفسه. فيعلم من ذلك أنّ القضاء عن النفس و عن الغير طبيعتان كلّ منهما محكوم بحكم مغاير للآخر و إن اتّحدا صورةً.

و هكذا الحال في موارد صوم الكفّارة و النذر، فإنّ المعتبر تعلق القصد بكلّ من العنوانين، فلو صام نذراً لا يقع عن الكفّارة و بالعكس، كما أنّه لو صام بلا قصد لا يقع عن شي‌ء منهما.

بل و كذا الحال لو كان الاختلاف من حيث التقييد بالزمان، كصوم أيّام البيض أو أوّل الشهر، فلو صام من غير قصد لجهلٍ و نحوه لم يقع امتثالًا لهذا الأمر، و إن كان هو صحيحاً في نفسه، كما لو صلّى في مكانٍ و لم يدر أنّه مسجدٌ فطبعاً لم يقصد الأمر بالصلاة في المسجد، فهذه الخصوصيّة لم تقع.

14

..........

____________

و على الجملة: ففي جميع هذه الموارد نستكشف اختلاف الحقائق من اختلاف الآثار و الأحكام و إن اتّحدت في الصورة، فلا بدّ من قصد تلك العناوين رعايةً لتحقّق الذات المأمور بها، فكلّ خصوصيّة ملحوظة في المأمور به لا مناص من تعلّق القصد بها حسبما عرفت.

هذا كلّه في غير النافلة و النذر.

و أمّا لو نذر صوم يومٍ إمّا مطلقاً كصوم يومٍ من رجب، أو مقيّداً كيوم أوّل جمعة منه، فهل يعتبر في سقوط الأمر و تحقّق الوفاء تعلّق القصد بعنوان النذر؟ فلو اتّفق أنّه صام نافلةً غافلًا عن نذره حنث، أم أنّه يكتفي بذلك و لا حاجة إلى مراعاة القصد المزبور؟

لا يبعد المصير إلى الثاني، بل لعلّه الظاهر، فإنّ الأمر النذري توصّلي لا يحتاج سقوطه إلى قصد هذا العنوان، كما هو الحال في العهد و اليمين و الشرط في ضمن العقد و نحو ذلك. و مناط العباديّة إنّما هو الأمر النفسي الاستحبابي العبادي المتعلّق بذات المتعلّق و في رتبة سابقة على الأمر الناشئ من قبل النذر و نحوه، دون هذا الأمر، فإنّه توصّلي كما عرفت فلا يجب قصده، فلو نذر أن يصلّي نافلة الليل في ليلة خاصّة فغفل، و من باب الاتّفاق صلّى تلك الليلة برئت ذمّته و تحقّق الوفاء و إن كان غافلًا عنه.

و الحاصل: أنّ ما ذكرناه من أنّه ربّما يؤخذ في متعلق الأمر عنوان قصدي كعنوان الظهر و العصر و القضاء و الكفّارة و نحو ذلك لا يجري في مثل النذر و النافلة، لعدم أخذه في المتعلّق، بل المتعلّق هو نفس النافلة و قد حصلت حسب الفرض، و الأمر بالوفاء بالنذر توصّلي، و مناط العباديّة شي‌ء آخر كما عرفت، و لا يكون النذر مشرعاً، و إنّما يتعلّق بشي‌ء مشروع في نفسه و عبادي قبل تعلّق النذر به.

15

و أمّا في شهر رمضان فيكفي قصد الصوم و إن لم ينو كونه من رمضان (1)، بل لو نوى فيه غيره جاهلًا أو ناسياً له أجزأ عنه.

نعم، إذا كان عالماً به و قصد غيره لم يجزئه كما لا يجزئ لما قصده أيضاً [1]، بل إذا قصده غيره عالماً به مع تخيّل صحّة الغير فيه ثمّ علم بعدم الصحّة و جدّد نيّته قبل الزوال لم يجزئه أيضاً بل الأحوط عدم الإجزاء إذا كان جاهلًا بعدم صحّة غيره فيه. و إن لم يقصد الغير أيضاً بل قصد الصوم في الغد مثلًا [2] فيعتبر في مثله تعيين كونه من رمضان،

____________

(1) هل يصحّ صومٌ آخر في شهر رمضان ليتردّد فيحتاج إلى قصد التعيين، أو أنّه لا يصحّ، بل هو متعيّن فيه بالذات فلا يحتاج إلى القصد؟

فنقول: إنّ للمسألة صوراً:

إحداها: ما إذا كان المكلّف في نفسه ممنوعاً من الصيام بلا فرقٍ بين رمضان و غيره، في رمضان أو في غيره، لفقد شرطٍ أو وجود مانعٍ من مرضٍ أسفرٍ أو حيضٍ أو نفاسٍ و نحو ذلك، و لا إشكال في بطلان صومه و الحال هذه بأيّ عنوان كان، فلو صام و هو في السفر و لو عن نذر غير متقيد بالسفر بطل، لأنّ ما دلّ على عدم جواز الصيام في السفر إلّا ما استثني كما في بدل الهدي يدلّ على عدم مشروعيّته في نفسه من غير خصوصيّة لصوم رمضان.

و لا حاجة إلى الاستدلال كما في الجواهر (1) بالنبوي: «ليس من البرّ الصيام في السفر» (2)، بل النصوص الصحيحة قد دلّت على ذلك، التي منها: صحيحة‌

____________

[1] على إشكال أحوطه ذلك.

[2] لا يبعد الإجزاء فيه.

____________

(1) جواهر الكلام 16: 332 333.

(2) الوسائل 10: 177/ أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 10.

16

..........

____________

صيقل، قال: كتبت إليه: يا سيّدي، رجلٌ نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام تشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه، أو كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه: «قد وضع اللّٰه عنك الصيام في هذه الأيّام كلّها، و يصوم يوماً بدل يوم» (1).

فيعلم منها أنّ هذه الموارد التي منها السفر غير صالحة للصيام، لا لأجل رمضان، بل للمانع العامّ الشامل لغيره أيضاً.

الثانية: ما إذا كان الصوم سائغاً من المكلّف في حدّ نفسه، و لكنّه لا يصحّ إيقاع صوم رمضان بالخصوص لكونه مسافراً، فهل يصح منه صوم يوم آخر لم يكن السفر مانعاً عنه، كما لو كان ناذراً صوم يومٍ في السفر إمّا مطلقاً، أو على تقدير خاصّ، مثل: أن نذر أن يصوم في اليوم الذي يولد له ولدٌ و إن كان في السفر، فولد له و هو في السفر و صادف أنّه من شهر رمضان، فهل يصحّ منه الصوم حينئذٍ وفاءً عن نذره أو لا؟

أمّا دعوى عدم الصحّة استناداً إلى المزاحمة فغير قابلة للإصغاء، إذ المفروض عدم وقوع رمضان منه ليكون طرفاً للمزاحمة، لسقوطه عن المسافر و تعيّن القضاء عليه، فلا بدّ اذن من البحث عن مانعٍ آخر.

و قد قيل بل ادُّعي الإجماع عليه-: إنّ أيّام رمضان لا تقبل أيّ صوم ما عدا صوم رمضان، فإن كان المكلّف معذوراً منه انتفى عنه كلّ صوم في هذا الشهر، فحال أيام رمضان حال الليالي بالنسبة إلى سائر أقسام الصيام. و عليه، فلا يصحّ صوم النذر في الفرض المزبور.

و يندفع بعدم تحقّق الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام)،

____________

(1) الوسائل 10: 196/ أبواب من يصحّ منه الصوم ب 10 ح 2.

17

..........

____________

و لم ترد رواية تدلّ على المنع، و الآية المباركة أيضاً لا تقتضيه، فإنّ قوله تعالى فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ إلخ (1)، ناظرٌ إلى أنّ المسافر لا يجب عليه صوم رمضان، لا أنّه لا يصحّ منه صوم آخر و أنّ الشهر لا يكون قابلًا لما عداه، فهي أجنبيّة عن التعرّض لصوم النذر و غيره بالكلّيّة، فليس لدينا أيّ دليل يدلّ على المنع، فنبقى نحن و مقتضى القاعدة، و لا ريب أنّ مقتضاها هو الجواز، أخذاً بإطلاق دليل وجوب الوفاء بالنذر المتعلّق بالصوم في السفر بعد الفراغ عن صحّة هذا النذر في نفسه كما هو المفروض الشامل لما إذا كان السفر في رمضان.

و عليه، فالأقوى صحّة الصوم المزبور بل وجوبه، عملًا بالنذر، إلّا أن يقوم إجماعٌ على الخلاف، و قد عرفت الحال فيه.

الثالثة: ما إذا كان مكلّفاً بالصيام من شهر رمضان.

و البحث هنا يقع في جهات:

الاولى: هل الصوم في شهر رمضان معنون بعنوان خاصّ يجب قصده لدى التصدّي لامتثاله فلا يكفي مجرّد صوم الغد، أو أنّه عارٍ عن العنوان و غير متقيّد بشي‌ء؟

فصّل في المتن بين صورتي العلم بعدم صحّة غير رمضان في رمضان و الجهل بذلك، فيكفي صوم الغد في الأوّل و لا حاجة إلى قصد خصوصيّة رمضان بعنوانه الخاصّ، بل يكفي تعلّق القصد بطبيعي الصوم.

و هذا بخلاف الثاني، إذ مع الجهل و تخيّل صحّة صوم آخر فيه فللصوم في هذا الشهر أقسامٌ بنظره و لم يقصد قسماً خاصّاً، و لأجله احتاط في كفاية صوم الغد‌

____________

(1) البقرة 2: 184.

18

..........

____________

و اعتبر حينئذٍ تعيين كونه من رمضان.

و لكن الظاهر عدم الفرق بين القسمين:

أمّا في القسم الأوّل: فلا ينبغي الإشكال في الصحّة، فإنّ الملتفت إلى أنّه لا يصحّ منه أيّ صوم إلّا رمضان و قد قصد طبيعي الصوم و تقرّب بذلك، فلا جرم يكون هذا منه إشارة إجمالية و نيّة ارتكازيّة إلى صوم رمضان بطبيعة الحال.

و لو تنازلنا عن هذا البيان و فرضنا عدم استقامته، أمكن تصحيح الصوم المزبور بوجهٍ آخر يظهر منه الحال في القسم الثاني أيضاً بمناطٍ واحد، و هو أنّه لم يظهر من شي‌ء من الأدلة لا الكتاب و لا السنة أخذ عنوان شهر رمضان في صحّة صومه حتّى يلزم قصده، بل اللازم تعلّق القصد بنفس الصوم مع العلم بأنّ غداً من رمضان كما هو ظاهر قوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (1) أي من علم بالشهر يصوم ذلك الشهر، بحيث يكون الشهر ظرفاً للصوم لا قيداً مأخوذاً في العنوان ليلزم تعلّق القصد به.

نعم، يُعتبَر أن لا يقصد عنواناً آخر من العناوين المضادة لرمضان كالكفّارة أو النيابة أو القضاء و نحو ذلك ممّا لا ينطبق عليه، و أمّا إذا لم يقصد شيئاً منها و قصد طبيعي الصوم غداً القابل للانطباق على رمضان فلم يدلّ أيّ دليل على عدم الاجتزاء به، فالقيد المعتبر عدمي لا وجودي، أي يعتبر أن لا يؤخذ عنوانٌ آخر لا أن يؤخذ عنوان رمضان، و لا فرق في ذلك بين العالم و الجاهل من الشاكّ أو المعتقد بالخلاف، فمتى قصد الطبيعي و لم يقيّده بعنوانٍ آخر صحّ و كان مصداقاً للواجب.

و بعبارةٍ اخرى: الصوم في شهر رمضان كالصوم في سائر الأيّام، غاية الأمر أنّ الصوم في سائر الأيام بعنوان أنّه صوم مستحبٌّ و هنا واجب، و لم يؤخذ في‌

____________

(1) البقرة 2: 185.

19

..........

____________

شي‌ء منهما عنوانٌ آخر وراء نفس الطبيعة.

نعم، قد يُقصَد عنوانٌ آخر مضادّ، و لأجله لا يقع عن رمضان، و ذلك أمر آخر نتكلّم فيه.

فتحصّل: أنّ صوم رمضان لا يتوقّف إلّا على نيّة طبيعي الصوم المقيّد بعدم قصد عنوان آخر و بقصد التقرّب، و كلا الأمرين حاصلٌ حسب الفرض، و العلم و الجهل في ذلك شرع سواء.

الجهة الثانية: لو قصد الملتفت إلى أنّ غداً من رمضان و هو مكلّف به صوماً آخر من قضاءٍ أو كفارةٍ و نحوهما سواء كان عالماً بتعيّن رمضان عليه أم جاهلًا بذلك، فهل يصحّ صومه؟

أمّا بالنسبة إلى صوم رمضان و الاجتزاء به عنه فلا ينبغي الشكّ في عدم الصحّة، لعدم إتيانه بالمأمور به، فإنّه كان متقيّداً بعدم قصد عنوان آخر حسبما عرفت في الجهة السابقة، و المفروض قصده، فما هو المأمور به لم يأت به، و ما أتى به لم يكن مأموراً به من رمضان، و الإجزاء يحتاج إلى الدليل، و لا دليل، و هذا ظاهر.

و أمّا بالنسبة إلى الصوم الآخر الذي قصده، فالمشهور و المعروف هو عدم الصحّة، بل قد ادُّعي الإجماع و التسالم على أنّ شهر رمضان لا يقبل صوماً غيره، و لكن من المحتمل بل المظنون بل المقطوع به و لا أقلّ من الاطمئنان: أنّ أكثر من ذهب إلى ذلك إنّما ذهبوا بناءً منهم على امتناع الأمر بالضدّين، فإنّه مأمور بالصيام من رمضان على الفرض فكيف يؤمر في عين الحال بصوم آخر مضادّ له؟! سواء قلنا بأنّ الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضدّه أم لا.

أمّا على الأوّل فواضح، و كذا على الثاني، إذ لا أقل من عدم الأمر كما ذكره‌

20

..........

____________

شيخنا البهائي (1) فتفسد العبادة من أجل عدم الأمر بها.

و لكن بناءً على ما سلكناه في الأُصول (2) و سلكه من سبقنا من جواز الأمر بالضدّين على سبيل الترتب بأن يؤمَر بأحدهما مطلقاً، و الآخر على تقدير ترك الأوّل من غير أيّ محذور فيه حسبما فصّلنا القول فيه في محلّه، و شيّدنا تبعاً لشيخنا الأُستاذ (قدس سره) (3) أساسه و بنيانه كان مقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة في المقام، بأن يؤمَر أوّلًا بصوم رمضان ثمّ بغيره على تقدير تركه، فإنّ هذا ممكن في نفسه حتّى على القول بأنّ الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضدّه فضلًا عن عدمه، إذ هو نهيٌ غيري لا يقتضي الفساد بوجه، و قد أشرنا في محلّه إلى أنّ إمكانه مساوقٌ لوقوعه من غير حاجة إلى التماس دليل بالخصوص.

و عليه، فالحكم بالفساد مشكلٌ جدّاً، لعدم تماميّة الإجماع، بل الجزم بعدم التماميّة، و مقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة حسبما عرفت.

ثمّ إنّ المحقّق الهمداني (قدس سره) ذكر أنّه قصد الملتفت إلى رمضان صوماً غيره جهلًا بحيث تمشّى منه قصد القربة، وقع عن رمضان دون ما نواه، نظراً إلى أنّه لا يُعتبَر في رمضان قصد الخصوصيّة و لا تتقوّم حقيقته بشي‌ءٍ عدا الإمساك في هذا الوقت متقرّباً إلى اللّٰه تعالى و قد حصل، و قصد الخلاف زائدٌ يُلغى، و لا يكون قادحاً، فإنّه من باب الخطأ في تشخيص الأمر المتوجّه إليه، فكأنّ الداعي هو ما تخيّله لا ما أُمر به، و لا ضير فيه بعد حصول الفعل على الوجه الذي تعلّق به الطلب كما عرفت (4).

____________

(1) الحبل المتين: 151.

(2) أجود التقريرات 1: 310.

(3) أجود التقريرات 1: 310.

(4) مصباح الفقاهة: 169.

21

..........

____________

و يندفع بما أسلفناه قريباً من أنّ صوم رمضان و إن لم يكن مقيّداً بخصوصيّة وجوديّة إلّا أنّه مقيّدٌ بعنوان عدمي، و هو عدم قصد الخلاف من سائر أقسام الصيام المانع عن انطباق الطبيعي على رمضان و هو غير متحقّق في المقام.

و على الجملة: إمّا أن يتعلق القصد بطبيعي الصوم على الإطلاق، أو بالمقيّد برمضان، أو بالمقيّد بخلافه، و لا رابع، فإنّ الإهمال في الواقعيّات أمرٌ غير معقول، و الصحّة تتوقف على تعلق القصد بأحد النحوين الأولين، و هما منفيّان في المقام، لفرض تعلّق النيّة بالخلاف الذي هو النحو الثالث الباطل، و لا يصحّحه حديث الخطأ، إذ بعد أن أوجب فقد القيد العدمي المزبور المانع عن الانطباق على رمضان فكيف يقع عنه؟! نعم، يصحّ عمّا نواه على سبيل الترتّب على النحو الذي عرفت، و يكون عاصياً في صورة العلم، معذوراً في صورة الجهل كما هو ظاهر.

الجهة الثالثة: لو قصد في رمضان غيره جاهلًا أو ناسياً ثمّ انكشف الخلاف، فهل يجزئ عنه؟

أمّا في الجاهل بالحكم فقد عرفت أنّه لا يجزئ و إن علم بالحال أثناء النهار و جدّد النيّة قبل الزوال كما ذكره في المتن، لأنّ صوم رمضان مقيّد بقيد عدمي، و هو أن لا ينوي غيره كما مرّ، و المفروض أنه نوى ذلك، و لا دليل على إجزاء غير المأمور به عن المأمور به، كما لا دليل على جواز التجديد في المقام بعد كونه خلاف الأصل.

و أمّا في الجاهل بالموضوع أي أنّ هذا اليوم من رمضان كما لو صام في يوم الشكّ بعنوان شعبان ثمّ بان أنّه من رمضان فقد دلّت الروايات المستفيضة على الاجتزاء و الصحّة و أنّ ذلك يومٌ وُفِّق له.

و هل يلحق به الناسي كما لو رأى الهلال ثمّ ذهل و غفل و صام تطوّعاً مثلًا-

22

كما أنّ الأحوط في المتوخّي أي المحبوس (1) الذي اشتبه عليه شهر رمضان و عمل بالظنّ أيضاً ذلك أي اعتبار قصد كونه من رمضان بل وجوب ذلك لا يخلو عن قوّة.

____________

ثمّ ذكر أثناء النهار، فهل له العدول؟

الظاهر هو اللحوق، فإنّه و إن كان خارجاً عن مورد النصوص إلّا أنّ الفهم العرفي من تلك الأخبار يقتضي عدم الفرق بينه و بين الجهل، و أنّ هذه الخصوصية ملغاة و غير دخيلة في مناط الحكم، و لذا لو فرضنا عدم جهله بل كان عالماً قاطعاً بأنّ غداً من شعبان فصامه تطوّعاً ثمّ بان الخلاف قبل الزوال فلا إشكال في شمول الحكم له و إن كان خارجاً أيضاً عن مورد تلك النصوص، ضرورة أنّ مثل التعبير بقوله: يومٌ وُفِّق له، يدلّنا بوضوح على عدم خصوصيّة للجهل في ثبوت هذا الحكم بوجهٍ كما لا يخفى.

(1) لا يخفى أنّ مثل المحبوس و نحوه ممّن لا علم له بشهر رمضان و لا يمكنه الاستعلام بما أنّه يعلم إجمالًا بوجوب صيام شهر في مجموع السنة فمقتضى القاعدة هو الاحتياط بصيام الجميع تحصيلًا للقطع بالفراغ.

و لكن الإجماع قائم على عدم وجوبه في حقّه، مضافاً إلى أنّ الأمر فيه دائرٌ بين محذورين، إذ كلّ يوم كما يحتمل أن يكون من رمضان يحتمل أيضاً أن يكون من الأيّام التي يحرم صومها كالعيدين، و عليه فلا مناص من التنزّل عن الامتثال القطعي إلى التوخّي و الامتثال الظنّي إن أمكن، و إلّا فإلى الامتثال الاحتمالي، و حينئذٍ فصومه بحسب الواقع دائرٌ بين أُمور ثلاثة، لأنّه إمّا أن يقع قبل رمضان، أو فيه، أو بعده.

فإذا انكشف الحال و كان الأوّل فهو تطوّعٌ و لا يجزئ عن رمضان، إذ‌

23

[مسألة 1: لا يشترط التعرّض للأداء و القضاء، و لا الوجوب و الندب]

[2360] مسألة 1: لا يشترط التعرّض للأداء و القضاء (1)، و لا الوجوب و الندب، و لا سائر الأوصاف الشخصيّة، بل لو نوى شيئاً منها في محلّ الآخر صحّ، إلّا إذا كان منافياً للتعيين، مثلًا: إذا تعلّق به الأمر الأدائي فتخيّل كونه قضائيّاً: فإن قصد الأمر الفعلي المتعلّق به و اشتبه في التطبيق فقصده قضاءً [1] صح، و أمّا إذا لم يقصد الأمر الفعلي بل قصد الأمر القضائي بطل، لأنّه منافٍ

____________

لا دليل على الإجزاء قبل حلول الإيجاب.

و إن كان الثاني فهو المطلوب و يجزئ حتّى مع عدم تبيّن الحال و استمرار الجهل، فكيف بما إذا علم به و ظهر؟! و إن كان الثالث كان قضاءً. و على ذلك فالمأتي به مردّد بين التطوّع و رمضان و قضائه، و لأجله لا بدّ من تعيين أنّه من رمضان ليحسب منه إمّا أداءً أو قضاءً، و إلّا فلو لم يعيّن و قصد طبيعي الصوم لم يقع عنه بل كان نافلةً و تطوّعاً، فمن هذه الجهة احتاط (قدس سره) بالتعيين، بل ذكر أنّ وجوبه لا يخلو من قوّة.

(1) نفى (قدس سره) اشتراط جملة من الأُمور في تحقّق العبادة، لعدم دخلها في مسمّى الطاعة، و هو وجيهٌ في الجملة لا بالجملة، لعدم خلوّ بعضها من المناقشة.

أمّا التعرض للأداء و القضاء فممّا لا بد منه، ضرورة اختلاف متعلّق أحدهما‌

____________

[1] الظاهر أنّ القضاء و الأداء طبيعتان متغايرتان، و يترتّب على ذلك أنّه إذا كان الواجب في الواقع أداءً فتخيّل كونه قضاءً و أتى به بقصد أنّه قضاء بطل و كذا العكس و لو كان ذلك من جهة الاشتباه في التطبيق، نعم في خصوص شهر رمضان إذا أتى بالصوم بتخيّل كونه قضاءً صحّ من رمضان دون العكس.

24

للتعيين حينئذٍ، و كذا يبطل إذا كان مغيّراً للنوع كما إذا قصد الأمر الفعلي لكن بقيد كونه قضائياً مثلًا أو بقيد كونه وجوبيّاً مثلًا [1] فبان كونه أدائيّاً أو كونه ندبيّاً، فإنّه حينئذٍ مغيّرٌ للنوع و يرجع إلى عدم قصد الأمر الخاصّ.

____________

عن الآخر، فإنّ الأوّل هو العمل المأتيّ به في الوقت المضروب له، و الثاني هو الفعل في خارج الوقت و يتعلّق به أمر آخر على تقدير ترك الأوّل، فهما متعدّدان أمراً و متغايران متعلّقاً، فإذا تعدّد المأمور به فلا مناص من قصده و لو إجمالًا، ليمتاز عن غيره، فلو صام و هو لا يدري أنّه أداءٌ أو قضاءٌ و لكن قصد الأمر الفعلي الذي هو نوع تعيين للمأمور به و لو بالإشارة الإجماليّة كفى، أمّا لو قصد أحدهما مردّداً أو معيّناً و بقيد كونه أداءً مثلًا ثمّ انكشف الخلاف بطل، لعدم تعلّق القصد بالمأمور به، و غيره لا يجزئ عنه.

و أمّا نيّة الوجوب و الندب فغير معتبرة كما ذكره في المتن، لأنّهما خصوصيّتان قائمتان بنفس الأمر و لا يختلف متعلّق أحدهما عن الآخر، فليست هذه الخصوصيّة مأخوذة في المتعلّق كما في الأداء و القضاء لتلزم رعايتها، و إنّما هي من عوارض الأمر نفسه مع وحدة المتعلّق و هو الصوم الكذائي، فلو تخيّل أنّ صوم شهر رمضان مستحبٌّ فصام بقصد القربة و امتثال الأمر فقد تحقّقت العبادة، كما لو تخيّل أنّ صلاة الليل واجبة فصلّى بتخيّل الوجوب فإنّها تصحّ، و إن كان ذلك بنحو التقييد، بحيث لو كان يعلم أنّها غير واجبة لم يكن ليقوم في جوف الليل، إذ لا أثر للتقييد في أمثال المقام من الموجودات الخارجية و الجزئيّات الحقيقيّة،

____________

[1] الظاهر أنّه لا أثر للتقييد من جهة الوجوب و الندب.

25

..........

____________

و إنّما يتّجه التقييد في العناوين الكلّيّة، كما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح.

و من ثمّ حكمنا بصحّة الاقتداء خلف من في المحراب بعنوان أنّه زيد فبان أنّه عمرو و إن كان ذلك بنحو التقييد، إذ لا يعقل التقييد لدى التحليل، فإنّ الاقتداء جزئي خارجي دائر أمره بين الوجود و العدم، و لا إطلاق فيه كي يقيَّد.

و جميع هذه الموارد و ما شاكلها إنّما هي من باب تخلّف الداعي دون التقييد.

و كيفما كان، فليس الوجوب و الاستحباب مثل الأداء و القضاء فإنّهما من خصوصيّات الأمر، و هذان من خصوصيّات المأمور به، و هذا هو الفارق الموجب للزوم تعلّق القصد بالثاني دون الأوّل، فلا يقاس أحدهما بالآخر.

هذا على مسلك المشهور من كون الوجوب و الاستحباب مجعولين شرعاً.

و أمّا على ما هو التحقيق من أنّهما بحكومة العقل و منتزعان من اقتران طلب المولى بالترخيص في الترك و عدمه، و أنّه على الثاني يستقلّ العقل بمقتضى قانون العبوديّة و المولويّة بوجوب الطاعة دون الأوّل فالأمر أوضح، لعدم كونهما حينئذٍ لا من خصوصيّات المأمور به و لا من خصوصيّات الأمر.

و أمّا سائر الخصوصيات و الأوصاف الشخصيّة فمن الضروري عدم لزوم تعلّق القصد بها، لعدم دخلها في المأمور به كالأمر بوجه، و لا يخلو عنها أيّ فرد، فإنّ صيام رمضان هذا العام بقيد أنّه عام ثلاثة و تسعين بعد الألف و الثلاثمائة و في الخريف من الفصول لا مدخل له في الصحّة لتلزم النيّة، و ما أكثر تلك الخصوصيّات، فلو قصدها و أخطأ لم يقدح في الصحّة. و قد تقدّم أنّ العبادة تتقوّم بركنين: الإتيان بذات العمل، و قصد القربة الخالصة، و لا يعتبر شي‌ء آخر أزيد من ذلك.

26

[مسألة 2: إذا قصد صوم اليوم الأوّل من شهر رمضان فبان أنّه اليوم الثاني]

[2361] مسألة 2: إذا قصد صوم اليوم الأوّل من شهر رمضان فبان أنّه اليوم الثاني مثلًا أو العكس صحّ (1)، و كذا لو قصد اليوم الأوّل من صوم الكفارة أو غيرها فبان الثاني مثلًا أو العكس، و كذا إذا قصد قضاء رمضان السنة الحالية فبان أنّه قضاء رمضان السنة السابقة و بالعكس.

____________

(1) لأنّ خصوصيّة الأوّل أو الثاني من صوم رمضان أو غيره و كذا كون القضاء من هذه السنة أو السابقة بأن كان حدوث الأمر بالقضاء سابقاً أو لاحقاً، كلّ ذلك من قبيل الأوصاف الشخصيّة التي عرفت في المسألة السابقة عدم اعتبارها في النيّة، لعدم دخلها في الأمر و لا في المتعلّق، فلا يلزم قصدها، بل لا يضرّ قصد الخلاف خطأً بعد أن أتى بذات العمل متقرباً، و هذا نظير ما لو أجنب و اعتقد أن عليه غسلًا سببه حدث في هذا اليوم فبان أنّه اليوم الآخر أو بالعكس، فإنّ ذلك لا يضرّ بالصحّة بوجهٍ كما هو ظاهر.

نعم، لو كان عليه قضاءان: أحدهما من هذه السنة، و الآخر من السنة السابقة، فحيث إنّ أحدهما و هو القضاء عن السنة الحاليّة يختصّ بأثر و هو سقوط الكفّارة لثبوتها لو لم يقض حتّى مضى الحول فنحتاج في ترتّب الأثر إلى تعلّق القصد بهذه السنة بالخصوص، و إلّا فلو نوى طبيعي القضاء من غير القصد المزبور وقع عمّا هو أخفّ مئونة، و هي السنة السابقة المشاركة مع هذه السنة في أصل القضاء، دون الحاليّة، لاحتياجها كما عرفت إلى عناية زائدة و لحاظ الخصوصيّة حتّى تؤثّر في سقوط كفّارة التأخير، و المفروض عدمها، فهو امتثال لمطلق الطبيعة المنطبق قهراً على السابقة لكونها خفيفة المئونة، و لا يكون مصداقاً لامتثال الشخص ليترتّب عليه الأثر.

و هذا نظير ما لو كان مديناً لزيد بعشرة دنانير و قد كان مديناً له أيضاً‌

27

[مسألة 3: لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل]

[2362] مسألة 3: لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل، فلو نوى الإمساك عن أُمور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى (1).

[مسألة 4: لو نوى الإمساك عن جميع المفطرات و لكن تخيّل أنّ المفطر الفلاني ليس بمفطر]

[2363] مسألة 4: لو نوى الإمساك عن جميع المفطرات و لكن تخيّل أنّ المفطر الفلاني ليس بمفطر (2)، فإن ارتكبه في ذلك اليوم بطل صومه، و كذا إن لم يرتكبه و لكنّه لاحظ في نيّته الإمساك عمّا عداه، و أمّا إن لم يلاحظ ذلك صحّ صومه [1] في الأقوى.

____________

بعشرة أُخرى بعنوان الرهانة، فأدّى عشرة لطبيعي الدين من غير قصد فكّ الرهن، فحيث إنّه لم يقصد هذه الخصوصيّة فلا جرم كانت باقية، و ينطبق الطبيعي على الأوّل الأخفّ مئونة بطبيعة الحال.

(1) فيما إذا كان ضمّ غير المفطر و نيّة الإمساك عن الكلّ من باب الاحتياط و مقدّمة للإمساك عن جميع المفطرات المعلومة إجمالًا، لا من باب التشريع، و ذلك لكفاية النيّة الإجماليّة بعد تحقّق الصوم منه متقرّباً، إذ لا دليل على لزوم معرفتها بالتفصيل، و هكذا الحال في باب تروك الإحرام.

(2) أمّا البطلان في فرض ارتكاب ما تخيّل عدم مفطريّته كالارتماس فلاستعمال المفطر و إن لم يعلم به، لعدم إناطته فيجب القضاء، و في ثبوت الكفّارة بحثٌ سيجي‌ء في محلّه إن شاء اللّٰه تعالى.

و أمّا فرض عدم الارتكاب فهو على نحوين:

إذ تارةً: يلاحظ في نيّته الإمساك عمّا عداه، بحيث تكون النيّة مقصورة على ما عدا الارتماس و مقيّدة بعدم الاجتناب عنه، و لا ريب في البطلان حينئذٍ‌

____________

[1] هذا إذا اندرج ذلك المفطر فيما نواه، و إلّا بطل صومه على الأقوى.

28

[مسألة 5: النائب عن الغير لا يكفيه قصد الصوم بدون نيّة النيابة]

[2364] مسألة 5: النائب عن الغير لا يكفيه قصد الصوم بدون نيّة النيابة (1) و إن كان متّحداً.

____________

أيضاً، لأنّه لم ينو المأمور به تماماً و على وجهه المقرّر شرعاً، فإنّه الإمساك عن أُمور و منها الارتماس، و لم يتعلّق القصد بهذا المجموع و إنّما نوى بعضه و جزءاً منه الذي هو مأمور ضمناً لا استقلالًا، و هو لا يكفي عن نيّة الكلّ كما هو واضح.

و اخرى: لم يلاحظ ذلك، بل نوى الإمساك من غير تقييد، و قد حكم الماتن (قدس سره) بصحّته في هذه الصورة، و لكنّه لا يتمّ على إطلاقه، بل ينبغي التفصيل، فإنّها أيضاً على قسمين:

إذ تارةً: ينوي الإمساك إجمالًا عن كلّ ما يكون مفطراً في الشريعة أو ما هو موجود في الرسالة، غير أنّه لا يعلم أنّ الارتماس مثلًا مفطر أو أنّه يعتقد عدمه، كما ربّما يتّفق ذلك لكثير من عوام الناس، فإنّ العلم التفصيلي بجميع المفطرات خاصٌّ بذوي الفضل و بعض الأخيار، أمّا غالب العوام فلا يدرون بها و لا يسعهم تعدادها و مع ذلك يقصدون الصوم الذي أمر به الشارع، و هنا يحكم بالصحّة كما ذكره الماتن، لأنّ عدم ارتكاب الارتماس مثلًا داخل في المنوي حينئذٍ إجمالًا لا تفصيلًا، و هو كافٍ كما تقدّم.

و أُخرى: تلاحظ النية مهملة من هذه الناحية بحيث لم يكن الارتماس منويّاً بالكلّيّة لا تفصيلًا و لا إجمالًا، و لا ينبغي التأمل في البطلان حينئذٍ كما في الصورتين الأُوليين، لعدم قصد المأمور به على وجهه الراجع إلى عدم قصد الامتثال كما هو ظاهر.

(1) إذ بعد أن رخّص الشارع في النيابة و تفريغ ذمّة الغير الذي هو أمر على خلاف القاعدة كما لا يخفى من الميّت أو الحي كما في الحجّ في بعض الموارد،

29

نعم، لو علم باشتغال ذمته بصوم و لا يعلم أنّه له أو نيابة عن الغير يكفيه أن يقصد ما في الذمّة (1).

[مسألة 6: لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره، واجباً كان ذلك الغير أو ندباً]

[2365] مسألة 6: لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره [1] (2)، واجباً كان ذلك الغير أو ندباً، سواء كان مكلّفاً بصومه أو لا كالمسافر و نحوه، فلو نوى صوم غيره لم يقع عن ذلك الغير، سواء كان عالماً بأنّه رمضان أو جاهلًا، و سواء كان عالماً بعدم وقوع غيره فيه أو جاهلًا، و لا يجزئ عن رمضان أيضاً إذا كان مكلّفاً به مع العلم و العمد.

نعم، يجزئ عنه مع الجهل أو النسيان كما مرّ.

و لو نوى في شهر رمضان قضاء رمضان الماضي أيضاً لم يصحّ قضاءً، و لم يجزئ عن رمضان أيضاً مع العلم و العمد.

[مسألة 7: إذا نذر صوم يوم بعينه لا تجزئه نيّة الصوم بدون تعيين أنّه للنذر]

[2366] مسألة 7: إذا نذر صوم يوم بعينه لا تجزئه نيّة الصوم بدون تعيين أنّه للنذر و لو إجمالا كما مرّ (3).

____________

فإنّما تتحقّق النيابة و يقع الفعل عن المنوب عنه بالقصد و الإضافة إليه، و إلّا فبدونه لا يتحقّق عنه، بل يقع فعل نفسه عن نفسه بطبيعة الحال.

(1) لرجوعه إلى قصد النيابة على تقديرها، و هو كافٍ كما لا يخفى.

(2) تقدّم الكلام حول هذه المسألة مستقصى، فلاحظ إن شئت و لا نعيد (1).

(3) قد يفرض تعلّق النذر بطبيعي الصوم على وجه الإطلاق من غير تقييد بقسم خاص.

____________

[1] على الأحوط.

____________

(1) ص: 15 21.

30

و لو نوى غيره: فإن كان مع الغفلة عن النذر صحّ، و إن كان مع العلم و العمد ففي صحّته إشكال [1].

____________

و أُخرى: يكون مقيّداً بحصّة خاصّة و نوع معيّن كقضاء أو كفّارة و نحوهما.

أمّا الأوّل: فلا إشكال فيما إذا صام قاصداً به عنوان الوفاء بالنذر.

و أمّا إذا صام من غير قصد الوفاء، بل نوى مجرّد القضاء أو التطوّع و نحو ذلك، فهل يسقط به النذر؟

حكم في المتن بعدم السقوط و أنّه لا بدّ من تعيين أنّه للنذر و لو إجمالًا.

و ليس له وجه ظاهر، فإنّ الأمر الناشئ من قبل النذر توصّلي لا يجب قصده، غاية الأمر أنّه لا يتحقّق الامتثال من غير قصد، فلا يستحق الثواب، أمّا السقوط فلا ينبغي التأمّل فيه.

و ربّما يقال: إنّ النذر كالدين في اعتبار الملكيّة للغير في الذمّة، فكأنّ الناذر يملك بالنذر عمله للّٰه تعالى و يكون سبحانه مالكاً لعمله على ذمّته، كما أنّ الدائن يملك ما في ذمّة المدين، فكما أنّه في الدين يلزم في وفائه قصد أدائه و إلّا كان عطاءً ابتدائيّاً، فكذلك في الوفاء بالنذر فلا بدّ من تعلّق القصد كي يكون تسليماً للدين.

و يندفع: بأنّه لا معنى للملكيّة الاعتباريّة له سبحانه كما لا يخفى، و لو أُريد أنّه كالدين في وجوب تفريغ الذّمة عنه و أنّ امتثاله مطلوب من العبد فهذا لا يختصّ بالنذر، بل جميع الواجبات الإلهية من هذا القبيل.

و لو فرضنا صحّة ذلك فإنّما يتمّ في نذر الكلّي، كما لو نذر صوم يوم من هذا‌

____________

[1] و الصحّة أظهر.

31

..........

____________

الشهر، فإنّ انطباقه على الفرد يتوقّف على القصد كما هو الحال في الدين الذي هو من أجل تعلّقه بالذمّة كلّي دائماً و لا يتصوّر فيه التشخّص، فلا جرم احتاج إلى القصد.

و أمّا النذر الشخصي المعيّن كما هو المفروض في المقام فإنّه متعيّن بنفسه من غير حاجة إلى التعيين، فلا يلزمه قصد الوفاء، و هذا نظير الوديعة التي لا تتعلّق إلّا بالشخص، فلو أرجعها الودعي إلى صاحبها غافلًا و بلا التفات إلى أنّها أمانة و وديعة فقد دفع الأمانة و إن لم يكن قاصداً للعنوان.

و قد يقال أيضاً: إنّ الأمر بالوفاء بالنذر و إن كان توصّليّاً إلّا أنّه إنّما يفترق عن التعبّدي من جهة لزوم قصد القربة و عدمه، و أمّا من ناحية قصد العنوان فيما إذا كان متعلّقاً للأمر فهما سيّان، و لا بدّ من قصده على كلّ حال، و إلّا لم يأت بالواجب، و من المعلوم أنّ المأمور به في المقام هو عنوان الوفاء بالنذر، فلا مناص من قصده.

و من هذا القبيل: وجوب ردّ السلام، فإنّه و إن كان توصّليّاً إلّا أنّه لا بدّ من تعلّق القصد بعنوان ردّ التحية، و لا يكفي من غير قصد.

و يندفع: بأنّ الوفاء بالنذر كالوفاء بالبيع ليس إلّا عبارة عن إنهاء التزامه، أي الإتيان بما تعلّق به نذره و ما التزم به، فليس هو عنواناً زائداً على نفس الفعل الخارجي ليتوقف على القصد، فكما أنّ الوفاء بالعقد ليس معناه إلّا العمل بمقتضاه و القيام به و إنهاء العقد و عدم الفسخ و لا يتضمّن عنواناً آخر وراء العمل الخارجي، فكذا الوفاء بالنذر لإيراد به إلّا الإتيان بما تعهّد به و ألزمه على نفسه، فلو فعل ذلك فقد وفى بنذره، إذ الانطباق قهري و الإجزاء عقلي.

و يؤيّد ذلك بل يعيّنه و يؤكّده-: أنّ الأمر بالوفاء ليس حكماً ابتدائيّاً مجعولًا من قبل الشارع لكي يدّعي فرضاً تعلّق الوجوب بعنوان الوفاء،

32

..........

____________

و إنّما هو التزامٌ من قبل المكلّف نفسه، فالتزم بشي‌ء، و ألزمه اللّٰه سبحانه بالعمل بما التزم و أقرّه مقرّه. و من المعلوم أنّ المكلّف إنّما التزم بالإتيان بذات الصوم لا بعنوان الوفاء، فلا يكون الواجب عليه أيضاً إلّا هذا الذي تعلّق به التزامه، نظير الوفاء بالشرط في ضمن العقد كالخياطة، فإنّه لا يجب عليه قصد عنوان الوفاء بالشرط.

و الحاصل: أنّ الوجوب لو كان ابتدائياً أمكن فيه تلك الدعوى و إن كان على خلاف الظهور العرفي و لكنّه إمضاءٌ لما التزمه الناذر و افترضه على نفسه و جعله على ذمته، كما عبّر بمثل ذلك في بعض الروايات من أنّه جعل على نفسه صوماً، فليس الوفاء بالنذر عنواناً خاصّاً و أمراً زائداً على الإتيان بما تعلّق به النذر. و عليه، فيسقط الأمر و إن لم يقصد عنوان الوفاء.

و أمّا الثاني أعني: ما لو كان المنذور المعيّن مقيّداً بحصّة خاصّة و معنوناً بعنوان خاصّ كصوم القضاء أو الكفارة أو التطوّع و نحو ذلك-: فإن أتى بتلك الحصّة و قصد العنوان الخاصّ و لكن لم يقصد عنوان الوفاء بالنذر لغفلة و نحوها، فالكلام هو الكلام المتقدّم من عدم لزوم قصد هذا العنوان، فإنّه توصلي، و العباديّة إنّما نشأت من الأمر المتعلّق بنفس المنذور الثابت بعنوان القضاء أو الكفّارة و نحوهما، و المفروض تعلق القصد بذاك العنوان فقد أتى بنفس المنذور، و ما تعلّق به التزامه فلا حنث أبداً، و إنّما يحنث لو لم يأت بالمتعلّق، و قد عرفت أنّه قد أتى به على ما هو عليه، غايته أنّه لم يترتّب عليه ثواب امتثال النذر، لفقد القصد.

و أمّا إذا لم يقصد تلك الحصّة، فصام بعنوان آخر غير العنوان الخاصّ المأخوذ في متعلّق النذر، فكان المنذور هو صوم القضاء، فصام بعنوان الكفّارة مثلًا فقد حنث و خالف نذره، و لم يسقط أمره، لعدم الإتيان بمتعلّقه.

33

[مسألة 8: لو كان عليه قضاء رمضان السنة التي هو فيها و قضاء رمضان السنة الماضية]

[2367] مسألة 8: لو كان عليه قضاء رمضان السنة التي هو فيها و قضاء رمضان السنة الماضية (1) لا يجب عليه تعيين [1] أنّه من أيّ منهما، بل يكفيه

____________

و بذلك افترق هذا القسم عن القسم الأوّل، لأنّ المنذور هناك كان هو طبيعي الصوم على سعته و إطلاقه، فيتحقّق الوفاء بأيّ فرد كان، و أمّا هنا فقد تعلّق بحصّة خاصّة، و المفروض عدم الإتيان بها، فلم يتحقّق الوفاء.

و هل يحكم حينئذٍ بصحّة الصوم المأتي به خارجاً كصوم الكفّارة في المثال المزبور؟

لا ينبغي الإشكال في الصحّة إذا كان ذلك مع الغفلة عن النذر، لأنّه عبادة في نفسه، و ليس هناك أيّ مانع عن صحّته ما عدا المزاحمة مع الوفاء بالنذر، فإذا لم يكن الأمر بالوفاء فعليّاً لغفلةٍ و نحوها فلا مزاحمة و لم يكن أيّ محذور من تعلّق الأمر به فيقع صحيحاً لا محالة.

و أمّا مع العلم و العمد فيدخل المقام تحت الكبرى الكلّيّة من أن الأمر بالشي‌ء هل يقتضي النهي عن ضدّه أو لا؟ و على الثاني: فهل يمكن تعلّق الأمر بالضدّ على سبيل الترتّب أو لا؟ و على الثاني: فهل يمكن تصحيح العبادة من طريق الملاك أو لا؟

و الحاصل: أنّه لا خصوصيّة للمقام، و لا يزيد على تلك الكبرى بشي‌ء، و حيث إنّ التحقيق إمكان الأمر بالضدّين على نحو الترتّب فلا مانع من الالتزام بالصحّة في المقام و إن كان عاصياً من جهة مخالفة النذر.

(1) مرّ الكلام حول ذلك في ذيل المسألة الثانية، فلاحظ و لا نعيد (1).

____________

[1] لكن إذا بقي في ذمّته أحدهما إلى رمضان آخر وجبت عليه الفدية.

____________

(1) في ص: 26 27.

34

نيّة الصوم قضاءً، و كذا إذا كان عليه نذران كلّ واحد يوم أو أزيد، و كذا إذا كان عليه كفارتان غير مختلفتين في الآثار.

[مسألة 9: إذا نذر صوم يوم خميس معيّن، و نذر صوم يوم معيّن من شهر معيّن]

[2368] مسألة 9: إذا نذر صوم يوم خميس معيّن، و نذر صوم يوم معيّن من شهر معيّن، فاتّفق في ذلك الخميس المعيّن (1)، يكفيه صومه و يسقط النذران، فإن قصدهما أُثيب عليهما [1]، و إن قصد أحدهما أُثيب عليه و سقط عنه الآخر.

____________

(1) حكم (قدس سره) بكفاية صوم واحد في سقوط النذرين و أنّه يثاب عليهما إن قصدهما، و إلّا فعلى أحدهما.

و هذا مبنيٌّ على ما تقدّم من أنّ الأمر النذري توصّلي (1) و لا يلزم قصد العنوان، فطبعاً يسقط الأمران، و أمّا الثواب فمترتّب على الامتثال، و هو متقوّم بالقصد كما ذكره (قدس سره). إلّا أنّ الكلام في أنّ مثل هذا النذر هل هو صحيح، أو أنّ الثاني يلغى؟

يتصوّر ذلك على نحوين:

إذ تارةً: يتعلّق النذر بعنوانين بينهما عموم من وجه، و من باب الاتّفاق اجتمعا و انطبق أحدهما على الآخر، كما لو نذر أن يعطي درهماً لعالم البلد، و نذر أيضاً أن يعطي درهماً لمن هو أكبر سناً في هذا البلد، فتعلّق النذر بكلٍّ من العنوانين على سبيل القضيّة الحقيقيّة، و من باب المصادفة انطبقا على شخصٍ واحد، و لا ريب في صحّة النذرين حينئذٍ، فلو دفع إليه الدرهم فقد وفى بهما و سقط الأمران.

____________

[1] بل أُثيب على الأوّل، فإنّ الثاني يقع لغواً.

____________

(1) في ص 14.

35

[مسألة 10: إذا نذر صوم يوم معيّن فاتّفق ذلك اليوم في أيام البيض]

[2369] مسألة 10: إذا نذر صوم يوم معيّن فاتّفق ذلك اليوم في أيام البيض مثلًا (1) فإن قصد وفاء النذر و صوم أيام البيض أُثيب عليهما،

____________

ففي المقام لو نذر الصيام في أوّل خميس من رجب مثلًا ثمّ نذر الصيام أيضاً أوّل يوم يولد له ولد أو يشفي المريض أو يقدم المسافر و نحو ذلك بحيث يمكن افتراق كلّ منهما عن الآخر، و لكن من باب الاتّفاق اجتمعا في يوم واحد، صحّ النذران و سقط الأمران بصيام واحد، لوقوعه وفاءً عنهما. و ظاهر عبارة الماتن بل صريحها إرادة هذه الصورة، لقوله فاتّفق ... إلخ، الظاهر في أنّه أمر اتّفاقي قد يكون و قد لا يكون.

و تارةً اخرى: يتعلّق النذر بعنوانين أيضاً، و لكن معنون أحدهما هو بعينه معنون الآخر، فتعلّق النذران بشي‌ء واحد خارجاً قد أُشير إليه بكلّ منهما، كما لو نذر أن يعطي درهماً لأكبر ولْد زيد، و نذر أيضاً أن يعطي درهماً لوالد خالد، و فرضنا أنّهما شخص واحد، فتعلّق النذران بشي‌ء واحد على سبيل القضيّة الخارجيّة دون الحقيقيّة كما في الصورة الأُولى، فكان المتعلّقان عنوانين لمعنون واحد، و حيث إنّ الموضوع الواحد غير قابل لتعلّق النذر به مرّتين، و لا يمكن أن يكون الشخص الواحد محكوماً بحكمين، فطبعاً يكون النذر الثاني مُلغى أو يقع تأكيداً للأوّل، فلا ينعقد بحياله، و لكنّك عرفت أنّ مراد الماتن إنّما هي الصورة الاولى لا غير.

(1) حكم (قدس سره) حينئذٍ بترتّب الثواب عليهما مع قصدهما، أو على النذر فقط لو اقتصر عليه، و لا يجوز العكس.

و لكن ظهر ممّا سبق أنّ الثواب المتقوّم بالامتثال و إن لم يتحقّق إلّا بالقصد و لكن الأمر الناشئ من قبل النذر توصّلي يسقط بمجرد الإتيان بمتعلّقه، و لا‌

36

و إن قصد النذر فقط أُثيب عليه فقط و سقط الآخر، و لا يجوز أن يقصد أيام [1] البيض دون وفاء النذر.

[مسألة 11: إذا تعدّد في يوم واحد جهات من الوجوب أو جهات من الاستحباب]

[2370] مسألة 11: إذا تعدّد في يوم واحد جهات من الوجوب (1) أو جهات من الاستحباب أو من الأمرين، فقصد الجميع، أُثيب على الجميع، و إن قصد البعض دون البعض أُثيب على المنويّ و سقط الأمر بالنسبة إلى البقيّة.

____________

حاجة إلى قصد عنوان الوفاء، غاية الأمر أنّه بدونه لا يثاب عليه. و عليه، فلو قصد أيام البيض دون وفاء النذر فقد وفى و لم يحنث، و لذا لا يحكم عليه بالكفّارة و إن اختصّ الثواب بالأوّل.

(1) قد ظهر الحال في هذه المسألة أيضاً ممّا مرّ و أنّ الثواب يتقوّم بالقصد، فيثاب بمقدار ما قصد و يسقط الأمر بالنسبة إلى الباقي، و هذا لا إشكال فيه بعد أن كان العمل واحداً.

و إنّما الكلام في أنّ السقوط هل هو على وجه العصيان فيما إذا تضمّن غير المنويّ جهةً وجوبيّة؟

الظاهر: العدم، لأنّه قد أتى بمتعلّقه على وجهه، و لا حاجة إلى قصد عنوانه الخارجي بعد أن كان متعلّق الأمر منطبقاً على المأتيّ به خارجاً و إن لم يتحقّق الامتثال بالنسبة إليه.

____________

[1] الظاهر أنّه لا يعتبر في الوفاء بالنذر قصد ذلك العنوان، بل يكفي الإتيان بمتعلّقه في سقوط أمره.

37

[مسألة 12: آخر وقت النيّة في الواجب المعيّن رمضاناً كان أو غيره عند طلوع الفجر الصادق]

[2371] مسألة 12: آخر وقت النيّة في الواجب المعيّن رمضاناً كان أو غيره عند طلوع الفجر الصادق (1)، و يجوز التقديم في أيّ جزء من أجزاء ليلة اليوم الذي يريد صومه.

____________

(1) تعرض (قدس سره) لحكم النيّة من حيث المبدأ و المنتهى، فذكر (قدس سره) أنّ منتهى وقتها عند طلوع الفجر بحيث يقع أوّل جزء من الصوم عن نيّة، و مبدؤه من أوّل الليل إلى آخره، فلو كان باقياً على نيّته و لو إجمالًا و نام لم يكن به بأس.

و قد نُسِب الخلاف إلى السيد المرتضى (قدس سره) من كلتا الناحيتين:

أمّا من الناحية الأُولى: فقد عُزي اليه القول بجواز التأخير إلى ما قبل الزوال اختياراً (1)، بل نُسِب إلى ابن الجنيد جوازه إلى ما قبل الغروب و لو بقليل (2).

و قد يقال: إنّ ما نُسِب إليهما مطابقٌ للقاعدة، نظراً إلى أن عباديّة الصوم لم تثبت إلّا بالإجماع، لفقد الدليل اللفظي، اذن يقتصر على المقدار المتيقن و أنّه لا بدّ من تحقّق النيّة و لو في الجملة و في آخر الوقت أو ما قبل الزوال، فلا تُعتَبر النيّة من الأوّل لولا أنّ ارتكاز عباديّة الصوم من المتشرّعة يمنعنا عن ذلك، إذ الارتكاز قائمٌ على عباديته من أوّل جزئه إلى آخره لا في الجملة و بنحو الموجبة الجزئية.

و فيه أوّلًا: ما تقدّم في صدر الكتاب من أنّ عباديّة الصوم ثابتة بالدليل اللّفظي و هو ما دل على عدّه من مباني الإسلام (3)، إذ من البديهي بحسب الظهور‌

____________

(1) جمل العلم و العمل (ضمن رسائل الشريف المرتضىٰ 3): 53.

(2) الحدائق الناضرة 13: 19، جواهر الكلام 16: 195.

(3) ص 3.

38

..........

____________

العرفي أنّ الإسلام لا يبتني على ذات الصوم و مجرّد الإمساك عن الأكل و الشرب بأيّ داعٍ كان، بل الذي يكون أساسه و مبناه هو الصادر على جهة العبادة و بداعي القربة.

و ثانياً: لو لم يتمّ ذلك و فرضنا أنّ الارتكاز أيضاً لم يثبت، فهذا البحث أجنبي عن محلّ الكلام، لأنّ كلامنا في نيّة الصوم لا في نيّة القربة، و قد تقدّم غير مرّة في الأُصول و غيره: أنّ العبادة إنّما تفترق عن غيرها و تمتاز عنها بقصد القربة، و أمّا قصد عنوان العمل فمشترك فيه بين العبادي و التوصّلي، فما لم يقصد لم يتحقّق الواجب و إن كان توصّلياً، كما في ردّ السلام، فإنّه متقوّم بقصد ردّ التحيّة، إلّا أن يثبت من الخارج ترتّب الغرض على ذات العمل، و عدم الحاجة الى القصد كما في غسل الثوب، حيث علمنا إنّ الغاية إنّما هي الطهارة و إزالة النجاسة الحاصلة من الغسل و لو بداعٍ آخر كإزالة الوسخ مثلًا فإن عُلِم ذلك في موردٍ فهو، و إلّا فلا يكاد يسقط الأمر من غير قصد عنوان العمل و نيّته ما لم يقم عليه دليل بالخصوص، من غير فرق في ذلك بين التعبّدي و التوصّلي.

و عليه، فلو لم يكن المكلّف قاصداً للصوم و في أثناء النهار قصده و لو آناً ما بعد طلوع الفجر، كان إجزاؤه مخالفاً للقاعدة، و محتاجاً إلى قيام الدليل، لعدم صدور هذا المجموع عن قصدٍ و نيّة فسواء التزمنا بأنّ الصوم بجميع أجزائه عبادي، أم قلنا: إنّه يكفي فيه قصد القربة في الجملة، لا بدّ من قصد عنوان الصوم و نيّته قبل العمل جزماً ما لم يقم دليل على الإجزاء.

فلو صحّ ما نُسِب إلى السيّد أو ابن الجنيد، كان ذلك باطلًا بلا ارتيابٍ حسبما عرفت.

و أمّا من الناحية الثانية أعني: من حيث المبدإ-: فإنّ المعروف جواز التقديم في أيّ جزء من أجزاء الليل كما ذكره في المتن، و لكن نُسِب إلى السيد‌

39

..........

____________

(قدس سره) التوقيت بآخر جزء من الليل المتّصل بالنهار (1).

و لعلّه يريد بيان آخر جزء من الوقت الذي به تنتهي المدّة المحدودة، لا لزوم الإيقاع في هذا الوقت فلا خلاف.

و لو أراد ذلك فيردّه: عدم الدليل عليه أوّلًا، و قيام الدليل على العدم ثانياً، و هو ما يستفاد من الروايات الكثيرة المعتضدة بالسيرة القطعيّة من جواز النوم إلى ما بعد طلوع الفجر، و لا سيّما روايات البقاء على الجنابة حتّى يستيقظ بعد الفجر، المتضمنة للتفصيل بين النومة الأُولى و الثانية (2).

و بالجملة: لا إشكال في جواز النوم اختياراً إلى ما بعد الفجر، و معه كيف يمكن القول بأن وقت النيّة آخر جزء من الليل؟! و نُسِب إلى ابن أبي عقيل توقيت النيّة من أوّل الليل إلى النصف (3) و إلى بعض العامة أنّه من منتصف الليل إلى آخره.

و كل ذلك كما ترى لا دليل عليه، إذ لم يرد في البين عدا النبوي: «لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل» (4) و نحوه روايتان أُخريان، و لكن من الظاهر أنّ المراد عدم الاجتزاء بالنيّة الحادثة في النهار، فلو استيقظ بعد الفجر و نوى الصوم لا يكفي، بل اللّازم إيقاعها في الليل، و أمّا أنّها أوّله أو وسطه أو آخره فلا دلالة له عليه بوجه، على أن النبوي كالخبرين ضعيف السند، فلا يمكن الاعتماد عليه أبداً.

فالصحيح أنّه ليس لها وقت خاصّ، بل اللازم صدور الصوم عن نيّة سابقة،

____________

(1) جمل العلم و العمل (ضمن رسائل الشريف المرتضىٰ 3): 53.

(2) الوسائل 10: 61/ أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15.

(3) لاحظ الحدائق الناضرة 13: 19، جواهر الكلام 16: 193.

(4) المستدرك 7: 316/ أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 1.

40

..........

____________

فتمتدّ من أوّل الليل إلى طلوع الفجر، ففي أيّ وقت نوى و كان مستمرّاً في نيّته الارتكازيّة بالمعنى المتقدّم سابقاً المجامع مع النوم و الغفلة الفعليّة كفى و يحكم معه بالصحّة.

بقي الكلام فيما لو قدّم النيّة على الليل، كما لو نام عصراً ناوياً صوم الغد و لم يستيقظ إلّا بعد الفجر، أو بعد الغروب من اليوم الآتي، أو بعد يومين كما اتّفق لبعض، فهل يحكم حينئذٍ بالصحّة، نظراً إلى تحقّق الإمساك خارجاً عن نيّة سابقة، أو لا؟

الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كان النوم في شهر رمضان، و ما كان في غيره:

فإن كان الثاني كما لو نام في اليوم الأخير من شعبان قاصداً صوم الغد و لم يستيقظ إلّا بعد الفجر فالظاهر فساد صومه حينئذٍ، لأنّه في زمان نيّته لم يكن بعدُ مأموراً بالصوم، لعدم حلول الشهر الذي هو زمان تحقّق الوجوب، فكيف ينوي الامتثال؟! و في زمان الأمر لم يكن قابلًا له، لأنّ النائم لا يؤمَر بشي‌ء، فلا أمر له بالصوم لا في زمان التفاته و لا في زمان عدم التفاته و إن كان الصوم بالآخرة منتهياً إلى الاختيار، إلّا أنّه لم يكن مأموراً به كما عرفت.

و إن كان الأوّل كما لو نام عصر اليوم الأوّل من شهر رمضان ناوياً صوم الغد فحينئذٍ إن قلنا بالانحلال و أنّ أمر كلّ يوم يحدث عند غروب ليلته، فالكلام هو الكلام، فإنّ الأمر بالصوم لم يكن حادثاً قبل النوم، و بعده لا يكون قابلًا للتكليف.

و أمّا إذا بنينا على أن تلك الأوامر كلّها تحدث دفعةً في أوّل الشهر و أنّه يؤمر في اللّيلة الأُولى بصيام الشهر كلّه على نحو الواجب التعليقي كما هو الصحيح، على ما يقتضيه ظاهر الآية المباركة فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (1)، و كذا‌

____________

(1) البقرة 2: 185.

41

و مع النسيان أو الجهل بكونه رمضان أو المعيّن الآخر يجوز متى تذكّر [1] إلى ما قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر (1) و أجزأه عن ذلك اليوم، و لا يجزئه إذا تذكّر بعد الزوال.

____________

الروايات، فالظاهر حينئذٍ هو الحكم بالصحّة، لوجود الأمر سابقاً، و قد حصلت النيّة على الفرض، و الفعل مستند إلى الاختيار كما تقدّم، فلا مانع من الصحّة.

فتحصّل: أنّ النيّة يمكن تقديمها على اللّيل أيضاً، لكن مع وجود الأمر لا بدونه حسبما عرفت من التفصيل.

(1) قد عرفت أنّ آخر وقت النيّة عند طلوع الفجر، و أنّه يجوز التقديم في أيّ جزء من أجزاء اللّيل، بل يجوز التقديم على اللّيل على تفصيل تقدّم (1).

هذا حكم العالم العامد.

و أمّا الناسي أو الغافل أو الجاهل، فالكلام فيهم يقع تارةً في صوم رمضان، و أُخرى في الواجب غير المعيّن، و ثالثةً في الواجب المعيّن من غير رمضان كالموسّع إذا تضيّق وقته و نحو ذلك، و رابعة في الصوم المندوب. فهنا مسائل أربعة:

الأُولى: المشهور و المعروف بل ادُّعي عليه الإجماع في كلام غير واحد من الأصحاب أنّ الجاهل بكون اليوم من شهر رمضان أو الغافل أو الناسي يجدّد النيّة ما بينه و بين الزوال، فيتّسع وقت النيّة في حقّ هؤلاء إلى ما بعد العلم و الالتفات.

و عن ابن أبي عقيل إلحاق الناسي بالعالم (2).

____________

[1] فيه إشكال، و الأحوط عدم الكفاية.

____________

(1) في ص 37.

(2) جواهر الكلام 16: 197.

42

..........

____________

و يستدل للمشهور بوجوه:

أحدها: ما ورد في المريض و المسافر من أنّه إذا برئ من مرضه أو قدم أهله قبل الزوال و لم يتناول المفطر يجدّد النيّة و يصوم و يحسب له، مع أنّ المريض و المسافر لم يكونا مكلّفين بالصوم من أوّل الأمر، و كان يجوز لهما استعمال المفطر، غير أنّهما من باب الاتّفاق لم يستعملاه، فكيف بمن هو مكلّف به واقعاً و إن لم يعلم به فعلًا كالجاهل و الناسي، فإنّ الحكم حينئذٍ ثابتٌ بطريقٍ أولى.

هذا، و للمناقشة فيه مجال واسع، فإنّ مبدأ الصوم في المريض و المسافر زمان ورود البلد أو برء المريض، لا طلوع الفجر الذي هو مبدأ الصوم لغيرهما من سائر المكلّفين، ففي الحقيقة هما مكلّفان بنيّة الإمساك خلال تسع ساعات مثلًا و غيرهما خلال ستّ عشرة ساعة مثلًا أي طول النهار من مبدئه إلى منتهاه، و قد ثبت بالدليل الخاصّ أنّ هذا بمنزلة الصوم من طلوع الفجر، فهما ليسا مكلّفَين بالإمساك حتّى واقعاً إلّا من الآن، و هذا بخلاف الجاهل و نحوه، فإنّه مأمور بالإمساك من طلوع الفجر و إن لم يعلم به و لم يأت بهذا المأمور به حسب الفرض، لخلوّ قطعة من الزمان عن النيّة، استناداً إلى الاستصحاب الذي هو حكم ظاهري. و معه كيف يجتزئ بهذا الناقص عن المأمور به الواقعي، فإنّ ما كان واجباً عليه و هو الإمساك من طلوع الفجر عن نيّةٍ لم يأت به، و ما اتي به و هو نيّة الإمساك من الآن لم يكن مأموراً به، فبأيّ دليل يكون مجزئاً؟! نعم، هو مأمور بالإمساك لا بالصوم.

و على الجملة: دليل الإجزاء خاصّ بمورده، و هو من لم يكن مأموراً بالإمساك من طلوع الفجر أعني المريض و المسافر فكيف يتعدّى إلى غيره ممّن هو مأمور به من الأول؟! فإنّ ذاك الدليل لا يقتضي مثل هذا التعدّي بوجه.

43

..........

____________

ثانيها و هو أغرب من سابقه-: التمسّك بحديث الرفع (1)، بدعوى أنّ اعتبار النيّة في هذا المقدار من الزمان أعني: حال الجهل و النسيان مرفوع بالحديث، و المفروض مراعاتها في الباقي فيحكم بالصحّة.

و فيه: أنّ الرفع بالإضافة إلى ما لا يعلمون رفع ظاهري كما هو محرّر في الأُصول (2)، فهو بحسب الواقع مأمورٌ بالصيام و إن جاز له الإفطار في مرحلة الظاهر استناداً إلى الاستصحاب، أو إلى قوله (عليه السلام): «صم للرؤية و أفطر للرؤية» (3) فالحكم الواقعي بالصوم من طلوع الفجر باقٍ على حاله، و قد تركه حسب الفرض، و معه كيف يحكم بالإجزاء لدى انكشاف الخلاف؟! و معلومٌ أنّ الحكم الظاهري لا يقتضيه.

هذا في الجهل.

و أمّا بالإضافة إلى النسيان، فالرفع فيه واقعي على ما ذكرناه في محلّه، من أنّ نسبة الرفع إلى الفقرات المذكورة في الحديث مختلفة، فإنّه ظاهري فيما لا يعلمون و واقعي فيما عداه، فالناسي غير مكلّف بالصوم حال نسيانه حتّى واقعاً.

نعم، لا إشكال في كونه مكلّفاً بالإمساك من زمان التفاته إلى الغروب، لإطلاق الروايات، فإنّ الخارج عنها عناوين خاصّة كالمريض و المسافر و نحوهما، و ليس الناسي منها، لكن وجوب الإمساك شي‌ء، و وجوب الصوم المحدود ما بين الطلوع و الغروب الذي هو المأمور به أصالةً لولا النسيان شي‌ء آخر،

____________

(1) الوسائل 15: 369/ أبواب جهاد النفس و ما يناسبه ب 56 ح 1.

(2) أجود التقريرات 2: 171.

(3) الوسائل 10: 255/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 13.

44

..........

____________

و حديث رفع النسيان لا يكاد يتكفّل إجزاء الأوّل عن الثاني كما ذكرنا ذلك في أجزاء الصلاة و أنّه لو نسي جزءاً منها و لو استوعب نسيانه الوقت لا دليل على كون الإتيان بالباقي مجزئاً عن الصلاة التامّة.

و بعبارة اخرى: حديث الرفع شأنه رفع التكليف لا وضعه و إثباته بالإضافة إلى الباقي ليدلّ على صحّته و الاجتزاء به.

ثالثها: ما روي مرسلًا من أنّ ليلة الشكّ أصبح الناس فجاء أعرابي فشهد برؤية الهلال فأمر صلّى اللّٰه عليه و آله منادياً ينادي: من لم يأكل فليصم، و من أكل فليمسك (1).

و هذه الرواية غير صحيحة عندنا، لأنّها مرويّة من طرق العامّة، فهي مرسلة عامّيّة لا يمكن التعويل عليها بوجه.

و دعوى: انجبارها بعمل المشهور كما عن المحقّق الهمداني (2) و غيره غير قابلة للتصديق، إذ لم يُعلَم بل لم يُظَنّ استناد المشهور إليها، و من الجائز استنادهم إلى أحد الوجهين المتقدّمين، أو الوجه الآتي أعني: النصوص الواردة في غير رمضان و استفادة حكمه منها لا إلى مثل هذه الرواية النبويّة الضعيفة المرسلة.

على أنّ الرواية في نفسها غير قابلة للتصديق، فإنّ الهلال لا يثبت بشاهدٍ واحد، كما سيجي‌ء إن شاء اللّٰه تعالى (3) فضلًا عن أعرابي مجهول، فكيف اعتمد النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) على قوله؟! فمضمونها ممّا يُطمأنّ بكذبه، مع أنّ‌

____________

(1) نصب الراية 2: 435، نحوه.

(2) مصباح الفقيه 14: 314.

(3) العروة الوثقىٰ 2: 48.

45

..........

____________

موردها الجاهل فلما ذا يتعدّى إلى الناسي؟! بل اللازم إلحاقه بالعالم، كما عن ابن أبي عقيل على ما تقدّم.

و ما عن الهمداني (قدس سره) من التعدّي، استناداً إلى الأولويّة القطعيّة (1).

لا نعرف له وجهاً أصلًا، فإنّ الأحكام الشرعيّة تعبّدية خاصّة بمواردها.

رابعها: الروايات الآتية الواردة في غير شهر رمضان من القضاء أو النذر أو الصوم المستحبّ، المتضمّنة لجواز تجديد النيّة قبل الزوال، فيدّعى استفادة حكم رمضان منها.

و هذا الوجه يتلو الوجوه السابقة في الضعف، إذ تلك النصوص وردت في موارد خاصّة، و ليست لدينا و لا رواية ضعيفة تتضمّن الإطلاق الشامل لشهر رمضان، فكيف يتعدّى عن مواردها؟! إذن فمقتضى القاعدة: أن لا يجتزئ بهذا الصوم و إن وجب الإمساك بقيّة النهار كما عرفت، فإنّ جواز تجديد النيّة يحتاج إلى الدليل، و لا دليل. و حينئذٍ فإن تمّ الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) على التجديد كما ادّعاه غير واحد فهو، و إلّا كما هو الصحيح، نظراً إلى احتمال استناد المجمعين إلى بعض الوجوه المتقدّمة، حيث إنّ تطرّق هذا الاحتمال غير قابل للإنكار وجداناً، و معه كيف يمكن تحصيل الإجماع القطعي؟! فالحكم بالإجزاء مشكل جدّاً، بل الظاهر عدم الإجزاء، فلا بدّ من القضاء، إذ قد فات عنه الصوم في هذا اليوم.

____________

(1) مصباح الفقيه 14: 315.

46

و أمّا في الواجب غير المعيّن (1)، فيمتد وقتها اختياراً من أوّل الليل إلى الزوال دون ما بعده على الأصحّ، و لا فرق في ذلك بين سبق التردّد أو العزم على العدم.

____________

(1) المسألة الثانية: في الصوم الواجب غير المعيّن من قضاء أو كفّارة أو نذر و نحوها، و تدلّ على جواز تجديد النيّة و امتداد وقتها إلى الزوال و لو اختياراً فضلًا عن الغفلة و النسيان طائفة من الأخبار ذكرها صاحب الوسائل في الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته، و لعلّ منها يظهر حكم المعيّن كما ستعرف.

فمنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال: قلت له: إنّ رجلًا أراد أن يصوم ارتفاع النهار، أ يصوم؟ «قال: نعم» (1).

و هذه الصحيحة لا يبعد ظهورها في النافلة، لمكان التعبير ب‍: «أراد» الظاهر في أنّ له أن لا يريد، و المنصرف في مثله هو التطوّع، و لو بُني على إطلاقها شملت الواجب غير المعيّن، حيث إنّه بميله و إرادته يطبّق الواجب على هذا اليوم و يجعله مصداقاً له.

فهذه الصحيحة إمّا خاصّة بالنافلة أو عامّة لها و لغير المعيّن، لأجل تعليق الحكم على رغبته و إرادته.

و منها: صحيحة عبد الرّحمٰن بن الحجّاج عن أبي الحسن (عليه السلام): في الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان و لم يكن نوى ذلك من الليل «قال: نعم، ليصمه و ليعتدّ به إذا لم يكن‌

____________

(1) الوسائل 10: 10/ أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 1.

47

..........

____________

أحدث شيئاً» (1).

فإنّ التعبير بقوله: «يبدو» ظاهرٌ في عدم كون القضاء متعيّناً عليه. فموردها الواجب غير المعيّن.

و لو بنينا على أنّ قضاء رمضان لا يتضيّق أبداً، بل غايته الفداء كما لا يبعد، فالأمر أوضح، إذ عليه لا يتصوّر الوجوب التعييني في القضاء.

و منها: رواية صالح بن عبد اللّٰه عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، قال: قلت له: رجل جعل للّٰه عليه الصيام شهراً، فيصبح و هو ينوي الصوم، ثمّ يبدو له فيفطر، و يصبح و هو لا ينوي الصوم، فيبدو له فيصوم «فقال: هذا كلّه جائز» (2).

و موردها أيضاً هو الواجب بنذرٍ غير معيّن بقرينة حكمه (عليه السلام) بجواز الإفطار، و لكنّها ضعيفة بصالح، فإنّه لم يوثّق.

و منها: صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قال علي (عليه السلام): إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياماً ثمّ ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاماً أو يشرب شراباً و لم يفطر فهو بالخيار، إن شاء صام و إن شاء أفطر» (3).

و لا يبعد ظهورها في الواجب غير المعيّن، لمكان التعبير بالفرض و بالذكر الكاشف عن أنّ عليه فرضاً و لكنّه لم يفرضه، أي لم يطبّقه و لم يعيّنه في هذا اليوم، لعدم قصده الصوم، ثمّ ذكر الصيام، فحكم (عليه السلام) بأنّه مخيّر في التطبيق و عدمه، و مع الغضّ عن ذلك فلا شكّ أنّ إطلاقها يشمل الواجب غير المعيّن كالمندوب.

____________

(1) الوسائل 10: 10/ أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 2.

(2) الوسائل 10: 11/ أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 4.

(3) الوسائل 10: 11/ أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 5.

48

..........

____________

و منها: صحيحة عبد الرّحمٰن بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يصبح و لم يطعم و لا يشرب و لم ينو صوماً و كان عليه يوم من شهر رمضان، إله أن يصوم ذلك اليوم و قد ذهب عامّة النهار؟ «فقال: نعم، له أن يصوم و يعتدّ به من شهر رمضان» (1).

و هي ظاهرة الدلالة، و قد رويت بسندين:

أحدهما: ضعيف، لاشتماله على علي بن السندي، فإنّه لم يوثّق. نعم، ذكر الكشي توثيقاً له عن نصر بن صباح (2)، و لكنّ نصراً بنفسه ضعيفٌ فلا أثر لتوثيقه.

و السند الآخر: معتبر، و لأجله يحكم بصحّة الرواية.

و منها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل إلى أهله فيقول: عندكم شي‌ء؟ و إلّا صمت، فإن كان عندهم أتوه به و إلّا صام» (3).

و لا يخفى أنّ أحمد بن محمّد المذكور في السند يراد به أحمد بن محمّد بن عيسى لا أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، و إلّا لقال: عن أبيه، لا عن البرقي كما لا يخفى.

و على التقديرين فالرواية معتبرة السند.

و أمّا من حيث الدلالة فلا يبعد أنّ موردها الصوم تطوّعاً، إذ من البعيد جدّاً أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان عليه صوم قضاء أو كفّارة و نحوهما، فسياق العبارة يقتضي إرادة التطوّع، و يؤكّده أنّ الدخول إلى الأهل يكون بحسب الغالب‌

____________

(1) الوسائل 10: 11/ أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 6.

(2) رجال الكشي: 598/ 1119.

(3) الوسائل 10: 12/ أبواب الصوم ب 2 ح 7.

49

..........

____________

بعد صلاة الظهر لأجل صرف الغذاء كما هو المتعارف، و إلّا فيبعد الدخول قبل ذلك لصرف الطعام، و لا سيما مع التعبير بلفظ «كان» الظاهر في الاستمرار و أنّ ذلك كان من عادته (عليه السلام) و ديدنه.

و ستعرف إن شاء اللّٰه تعالى أنّ نيّة الصوم بعد الزوال خاصّ بالمندوب، و عليه فلا تُعتبَر هذه الرواية مستنداً في المقام و إن كانت صحيحة السند، و يكفينا غيرها.

و منها: صحيحة أُخرى لهشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يصبح و لا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم «فقال: إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حُسِب له يومه، و إن نواه بعد الزوال حُسِب له من الوقت الذي نوى» (1).

فإنّ الذيل المتضمّن للاحتساب من الوقت الذي نوى خاصٌّ بالنافلة بطبيعة الحال، فتدلّ على مشروعيّة النيّة بعد الزوال و أنّه يثاب عليها، من غير أن يكون ذلك من الصوم الحقيقي في شي‌ء، إذ لم يعهد صوم نصف اليوم أو ثلثه مثلًا كما هو ظاهر. و أمّا الصدر المتضمّن لاحتساب اليوم بتمامه فإطلاقه يشمل الواجب غير المعيّن كالنافلة.

و منها: مرسلة البزنطي (2)، غير أنّ ضعفها من جهة الإرسال يمنع عن صلاحيّة الاستدلال.

و منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان و يريد أن يقضيها، متى يريد أن ينوي الصيام؟ «قال: هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت‌

____________

(1) الوسائل 10: 12/ أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 8، 9.

(2) الوسائل 10: 12/ أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 8، 9.

50

..........

____________

الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم، و إن كان نوى الإفطار فليفطر» إلخ (1).

و هي واضحة الدلالة في جواز تجديد النيّة في الواجب غير المعيّن، غير أنّ سندها لا يخلو من الخدش، و إن عُبِّر عنها بالموثّقة في كلمات غير واحد منهم المحقّق الهمداني (قدس سره) (2) و غيره اغتراراً بظاهر السند، غفلةً عن أنّ الشيخ لا يروي عن علي بن الحسن بن فضّال بلا واسطة، بل له إليه طريق لا محالة، و حيث إنّ في الطريق علي بن محمّد بن الزبير القرشي و لم يوثّق فالرواية محكومة بالضعف.

و المتلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّه لا شكّ في جواز تجديد النيّة في الواجب غير المعيّن بمقتضى هذه النصوص.

و أمّا المسألة الثالثة: أعني: الواجب المعيّن-: فلا يظهر حكمه من هذه النصوص، و إن ادّعى المحقّق الهمداني (قدس سره) أنّ إطلاق بعضها شامل له (3)، إذ ليس فيها ما يشمله بوجه، للتعبير فيها ب‍: «يريد» أو: «بدا له» و نحو ذلك ممّا هو ظاهر في غير المعيّن، فالمعيّن و كذا شهر رمضان خارج عن منصرف هذه النصوص قطعاً.

و مع ذلك كلّه فالظاهر إلحاق المعيّن بغير المعيّن في غير صورة العلم و العمد، أمّا معه فباطلٌ كما تقدّم (4)، فلو كان جاهلًا أو ناسياً بأنّ هذا هو اليوم الثالث من الاعتكاف، أو اليوم الأوّل من الشهر و قد نذر صوم اليوم الأوّل منه، فلم‌

____________

(1) الوسائل 10: 13/ أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 10، التهذيب 4: 280/ 847، الاستبصار 2: 121/ 394.

(2) مصباح الفقيه 14: 311.

(3) مصباح الفقيه 14: 313.

(4) لاحظ ص 41.