موسوعة الإمام الخوئي - ج22

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
503 /
1

[تتمة كتاب الصوم]

[فصل في شرائط وجوب الصوم]

فصل في شرائط وجوب الصوم

[و هي أُمور]

و هي أُمور:

[الأوّل و الثاني: البلوغ، العقل]

الأوّل و الثاني: البلوغ، العقل، فلا يجب على الصبي و المجنون (1) إلّا أن يكملا قبل طلوع الفجر (2)، دون ما إذا كملا بعده (3) فإنّه لا يجب عليهما و إن لم يأتيا بالمفطر، بل و إن نوى الصبي الصوم ندباً.

____________

(1) يدلّنا على اعتبار الكمال من جهة البلوغ و العقل في كافة التكاليف التي منها وجوب الصوم ما دلّ من الروايات على رفع القلم عن الصبي و عن المجنون، الكاشف عن أنّ المخاطَب في أوامر اللّٰه تعالى و نواهيه إنّما هو البالغ العاقل، و غيره خارج عن موضوع التكليف.

(2) لاندراجهما بالكمال الحاصل قبل فعليّة الخطاب في موضوع التكليف، المستلزم لشمول الحكم طبعاً لهما كغيرهما من مستجمعي شرائط التكليف.

(3) لا ريب في عدم الوجوب وقتئذٍ فيما لو كان قد تناول المفطر قبل أن يتّصف بالكمال، لجواز الإفطار له آن ذاك، و معه لا مقتضي لتكليفه بعدئذٍ بالإمساك، بعد وضوح أنّ الصوم عبادة واحدة مركّبة من مجموع الإمساكات المحدودة من طلوع الفجر إلى الغروب، فإذا أفطر في بعض الوقت و لم يكن‌

2

..........

____________

صائماً فأمر غير الصائم بالإمساك التأدّبي تعبّداً يحتاج إلى الدليل، و لم يقم عليه دليل إلّا فيمن أفسد صومه، غير الشامل لمثل المقام كما هو واضح.

و أمّا لو لم يكن متناولًا فالظاهر أنّ الأمر أيضاً كذلك، لعدم عدّ الإمساك السابق من الصوم بعد عدم كونه مأموراً به حالئذٍ حسب الفرض، و الاجتزاء بالإمساك بقيّة النهار بتنزيل الباقي منزلة المجموع، نظير ما ورد في المسافر الذي يقدم أهله قبل الزوال من تجديد النيّة في هذا الحال بدلًا عن طلوع الفجر يحتاج إلى الدليل بعد كون الاجتزاء المزبور على خلاف القاعدة، و لم يرد عليه دليل في المقام.

هذا فيما إذا لم يكن ناوياً للصوم قبل ذلك.

و أمّا إذا كان ناوياً للصوم الندبي و قلنا بمشروعيّة عبادات الصبي كما هو الحقّ فبلغ أثناء النهار، فهل يجب عليه إكمال هذا الصوم و يحسب له صوماً، أو لا؟

احتاط الماتن في المقام بالإتمام و القضاء على ما يقتضيه ظاهر عبارته و إن كان الاحتياط استحبابيّاً.

أقول: يقع الكلام تارةً: من حيث وجوب الإتمام و عدمه، و أُخرى: من ناحية القضاء.

أمّا الكلام من حيث الإتمام: فالظاهر عدم وجوبه، لعدم الدليل عليه، فإنّ صومه و إن كان مشروعاً و مأموراً به حسب الفرض إلّا أنّه كان على صفة الندب، إذ المأمور بالصوم الواجب هو من كان بالغاً وقت تعلّق الخطاب أعني: من لدن طلوع الفجر و من البيّن أنّ الالتزام بانقلاب الأمر الندبي إلى الوجوبي في مرحلة البقاء يحتاج إلى الدليل، و لا دليل عليه في المقام.

و دعوى أنّ المرفوع إنّما كان هو الإلزام حال الصبا و حين صغره، و أمّا بعد‌

3

..........

____________

البلوغ فالإلزام باقٍ على حاله.

مدفوعةٌ بأنّ الصوم تكليف وحداني لا تبعّض فيه متعلّق بالإمساك من الطلوع إلى الغروب على صفة الوجوب أو الاستحباب، و الذي كان ثابتاً سابقاً هو الأمر الاستحبابي و لم يتعلّق الوجوبي من الأوّل.

و أمّا تعلّقه بالإمساك في جزءٍ من النهار و الاجتزاء به عن الكلّ فهو إنّما ثبت في موارد خاصّة كالمسافر الذي يقدم أهله قبل الزوال، و ليس المقام منها.

و أمّا قياس المقام بباب الصلاة فيما لو بلغ المصلّى آخر الوقت أثناء الصلاة المحكوم حينئذٍ بوجوب الإتمام بلا كلام، ففي غير محلّه.

و الوجه فيه: أنّ الصلاة المأمور بها المحدودة ما بين المبدأ و المنتهى طبيعة واحدة، سواء أ كان المتصدّي لها هو الصبي بعد البناء على شرعيّة عباداته أم البالغ، غاية الأمر أنّ الأمر المتعلّق بها قد يكون وجوبيّاً و أُخرى استحبابيّاً، فالاختلاف إنّما هو من ناحية الأمر دون المأمور به.

و من ثمّ ذكرنا في كتاب الصلاة: أنّ الصبي لو بلغ في الوقت بعد ما صلّى لم تجب عليه الإعادة.

و لا وجه لدعوى أنّ ما أتى به كان مندوباً، و إجزاؤه عن الواجب يحتاج إلى الدليل.

لما عرفت من وحدة الطبيعة و اختصاص الخطاب بإقامة الصلاة بحسب الانصراف العرفي بمن لم يكن آتياً بها و مقيماً لها، فلا جرم يجتزئ بما أتى به بطبيعة الحال.

و بعبارة اخرى: المأمور به إنّما هو الكلّي الطبيعي المحدود ما بين الحدّين، خوطب به صنفٌ وجوباً و صنفٌ آخر ندباً، و الطبيعة طبيعة واحدة، فإذا وُجِدت في الخارج صحيحة و متقرّباً بها إلى اللّٰه تعالى لم يكن بعدئذٍ أيّ مقتضٍ‌

4

..........

____________

للإعادة و إن طرأ وصف الوجوب حسب الفهم العرفي كما لا يخفى.

و مثله: ما لو بلغ أثناء الصلاة مع سعة الوقت فإنّه لا يجب عليه القطع و الإعادة، غايته انقلاب الأمر بقاءً إلى الوجوب، فيصبح إذن كالبالغ مخيّراً مع الغضّ عن دليل حرمة القطع بين الإكمال و الاستئناف كما هو الحال في جميع موارد التخيير العقلي، فإنّ الواجب ارتباطي و هو ما لم يفرغ عنه مخاطَب بإيجاد الطبيعة و امتثالها، و يتحقّق إيجادها تارةً بتكميل هذا الفرد و تسليمه، و أُخرى برفع اليد عنه و الإتيان بفردٍ آخر، فإنّ الصبي البالغ في الأثناء يشاطر البالغين في هذا المناط بعد ما عرفت من اتّحاد الطبيعة، فيثبت التخيير المزبور في حقّه أيضاً حسبما عرفت.

و أمّا لو بلغ أثناءها مع ضيق الوقت، فقد يتمكّن من إدراك ركعة واحدة لو قطع و أُخرى لا.

لا ينبغي التأمّل في انقلاب الأمر إلى الوجوب في الفرض الأوّل، لتمكّنه من الإتيان بالطبيعة إما بالإتمام أو الاستئناف على حذو ما عرفت، غير أنّه يتعيّن عليه اختيار الأوّل، نظراً إلى قصور دليل الاجتزاء بالركعة عن الشمول لصورة التعجيز الاختياري، و أنّه ما دام يتمكّن من إدراك التمام في الوقت و هو متمكّن منه في المقام بالإتمام لا ينتقل إلى البدل الذي هو وظيفة العاجز بطبعه عن إدراك المبدل منه.

و أمّا في الفرض الثاني كما لو بلغ و هو في الركوع الرابع من صلاة العصر فالظاهر عدم وجوب الإتمام حينئذٍ، بل له رفع اليد أو الإتمام ندباً، إذ الخطاب الوجوبي بالصلاة ذات الأربع إنّما يتوجّه نحو من يتمكّن من الإتيان بها، إمّا بنفسها أو ببدلها، ببركة دليل: «من أدرك»، و المفروض عجزه عن الإتيان بشي‌ء منهما، فإنّه لدى الشروع لم يكن بالغاً، و بعد البلوغ لم يكن قادراً على الركعة فضلًا عن الأربع.

5

..........

____________

نعم، يمكنه إدراك الأربع بإتمام هذا الفرد الذي كان شارعاً فيه قبل بلوغه، إلّا أنّ الكلام في شمول دليل الوجوب لمثله، لما عرفت من استظهار اختصاصه بمن يتمكّن و لو من الركعة بعد الاتّصاف بالبلوغ.

هذا، و لو تنازلنا و بنينا على الوجوب في باب الصلاة فلا نكاد نلتزم به في باب الصوم، للفرق الواضح بين الموردين، فإنّ الواجب هناك إنّما هو الطبيعي الجامع بين الأفراد الطوليّة المتخلّلة ما بين الحدّين من الزوال إلى الغروب و لقائل أن يقول: إنّ هذا الطبيعي مقدور له و لو بإتمام هذا الفرد فيشمله دليل الوجوب.

و أمّا في المقام فالمأمور به إنّما هو نفس هذا الفرد، أي الإمساك من الطلوع إلى الغروب الذي قد مضى شطر منه حسب الفرض الممتنع تداركه.

لا أقول: إنّ المأمور به هو الموجود الخارجي ليندفع بما هو التحقيق من تعلّق الأوامر بالطبائع دون الأفراد.

بل أقول: إنّ المأمور به هو طبيعي الإمساكات المنضمّ بعضها إلى بعض و المرتبطة من المبدإ إلى المنتهي، فليس لطبيعي الصوم في هذا اليوم إلّا فرد واحد ممتدّ، و مثله كيف يمكن إيجاده في الخارج بعد ما بلغ؟! و الممكن إنّما هو الإتيان ببقيّة الأجزاء، غير أنّ الاجتزاء به عن الكلّ يحتاج إلى الدليل، و لا دليل عليه في المقام حسبما عرفت.

و على الجملة: الفرق بين البابين لعلّه في غاية الوضوح، لفعليّة الأمر بالصلاة سيّما مع إدراك الركعة و له الامتثال إمّا بإتمام هذا الفرد أو بإيجاد فرد آخر. و أمّا في المقام فالأمر الوجوبي غير موجود بعد البلوغ، للعجز عن تمام المتعلّق، و الاجتزاء بالبعض و الضمّ بما سبق و إن أمكن و لكنّه موقوف على قيام الدليل، و لا دليل عليه في المقام.

6

لكن الأحوط مع عدم إتيان المفطر الإتمام و القضاء (1) إذا كان الصوم واجباً معيّناً [1].

و لا فرق في الجنون بين الإطباقي و الأدواري إذا كان يحصل في النهار و لو في جزء منه، و أمّا لو كان دور جنونه في الليل بحيث يفيق قبل الفجر فيجب عليه.

[الثالث: عدم الإغماء]

الثالث: عدم الإغماء، فلا يجب معه الصوم و لو حصل في جزء من النهار (2). نعم، لو كان نوى الصوم قبل الإغماء فالأحوط إتمامه.

____________

(1) قد عرفت حكم الإتمام.

و أمّا الكلام من ناحية القضاء فقد احتاط في المتن بالجمع بينه و بين الإتمام.

و لا يبعد أن يكون هذا سهواً من قلمه الشريف، لعدم احتمال القضاء بعد فرض الإتمام و عدم تناول المفطر كي يحتاط بالجمع المزبور، إذ المفروض أنّه قد أتمّ صومه، فإن كان مأموراً بالإتمام فقد فعل، و إلّا فلم يفت عنه شي‌ء ليقضيه. و إنّما يتّجه القضاء فيما لو أفطر لاحتمال فوت الصوم الواجب عليه وقتئذٍ، لا فيما لم يفطر كما هو مفروض كلامه (قدس سره). و قد عرفت عدم الفوت في هذه الصورة أيضاً، لعدم وجوب الإتمام، كما هو الحال في المجنون الذي أفاق أثناء النهار و لم يفطر، فإنّه لا يجب عليه إتمام الصوم، لعدم الدليل عليه.

(2) لم يرد نصّ في خصوص المقام يدلّ على اشتراط وجوب الصوم بعدم الإغماء، بل المسألة مبنيّة على المسألة المتقدّمة (1) في الفصل السابق من اشتراطه‌

____________

[1] لا حاجة إلى القضاء مع الإتمام، و الوجه فيه ظاهر.

____________

(1) شرح العروة 21: 456.

7

[الرابع: عدم المرض الذي يتضرّر معه الصائم]

الرابع: عدم المرض الذي يتضرّر معه الصائم (1)، و لو برئ بعد الزوال و لم يفطر لم يجب عليه النيّة و الإتمام. و أمّا لو برئ قبله و لم يتناول مفطراً فالأحوط أن ينوي و يصوم و إن كان الأقوى عدم وجوبه.

____________

في صحّة الصوم، إلحاقاً للإغماء بالجنون، فإن تمّ ذلك فلا شك في دخله في تعلّق الأمر أيضاً، و اشتراط الوجوب به كالصحّة، فلا أمر حال الإغماء بعد عجزه عن المأمور به.

و لكنّه لم يتمّ كما تقدّم (1) لعدم الدليل على الإلحاق المزبور بعد أن كان مغايراً مع الجنون موضوعاً، لانحفاظ العقل معه و عدم زواله، و إنّما الزائل الإدراك كما في النوم، غايته أنّه أشدّ منه، فلا مانع إذن من تكليفه بالصوم على ما تقدّم في أوّل كتاب الصوم (2) من أنّ النيّة المعتبرة فيه تفارق ما هو المعتبر في العبادات الوجوديّة في عدم لزوم انبعاث كلّ جزء من هذه العبادة عن داعي الأمر، بل اللّازم أن يكون على جانب من المفطرات و بعيداً عنها و إن استند ذلك إلى أمر غير اختياري من عجز أو حبس أو نوم و نحوها، و كما يجتمع ذلك مع النوم يجتمع مع الإغماء أيضاً بمناط واحد، بلا فرق بين ما استند منهما إلى الاختيار أو ما كان بغلبة اللّٰه سبحانه.

إذن فما ذكره (قدس سره) من الاحتياط فيما لو كان ناوياً للصوم قبل الإغماء وجيه و في محلّه.

(1) بلا خلاف فيه و لا إشكال كما نطق به الكتاب العزيز، الظاهر في أنّ المريض و المسافر وظيفتهما القضاء تعييناً، كما أنّ غيرهما مكلّف بالأداء كذلك،

____________

(1) شرح العروة 21: 457.

(2) شرح العروة 21: 4.

8

..........

____________

و إطلاقه و إن شمل عموم المرضي إلّا أنّ مناسبة الحكم و الموضوع مضافاً إلى النصوص المستفيضة دلّتنا على الاختصاص بمريض خاصّ، و هو الذي يضرّه الصوم، مشيراً في بعضها لتحديده بأنّ الإنسان على نفسه بصيرة، و قد تقدّمت سابقاً (1)، و هذا ممّا لا غبار عليه.

و إنّما الكلام فيما لو برئ أثناء النهار و لم يستعمل المفطر، فهل يجب عليه تجديد النيّة و يحسب له صوم يومه، أو أنّ التكليف قد سقط بمرضه سواء أفطر أم لم يفطر؟

أمّا إذا كان ذلك بعد الزوال فلا ينبغي الإشكال في عدم الوجوب، لفوات المحلّ بحلول الزوال و عدم التمكّن بعدئذٍ من التجديد، و المفروض أنّه لم يكن مكلّفاً إلى هذا الزمان، و لا دليل على قيام الباقي مقام الجميع كما هو واضح.

و أمّا إذا كان قبله فالمشهور هو الوجوب، بل عن جمعٍ دعوى الإجماع عليه إلحاقاً له بالمسافر، بل في المدارك: أنّ المريض أولى منه، لكونه أعذر (2).

و لكنّه كما ترى، فإنّ النصّ مختصّ بالمسافر، و القياس لا نقول به، و الأولويّة لم نتحقّقها بعد عدم الإحاطة بمناطات الأحكام، و لم يثبت إجماع تعبّدي يعوّل عليه في المسألة.

إذن كان مقتضى القاعدة ما ذكره (قدس سره) من عدم الفرق بين ما قبل الزوال و ما بعده في عدم وجوب الإتمام، فلا يجب عليه الإمساك بعنوان الصيام بعد خروجه عن عموم الآية المباركة من الأوّل، و من المعلوم أنّ الإمساك بعد ذلك من غير المأمور بالصيام يحتاج إلى قيام الدليل، و لم ينهض عليه أيّ دليل في المقام.

____________

(1) شرح العروة 21: 486

(2) المدارك 6: 195 196.

9

..........

____________

نعم، الأحوط ذلك فيجدّد النيّة و يتمّ ثمّ يقضيه.

ثمّ لا يخفى أنّ صور هذه المسألة ثلاث:

إذ تارةً: يفرض أنّه كان مريضاً واقعاً و قد حصل البرء واقعاً أيضاً أثناء النهار بمعالجة أو دعاء و نحوهما قبل الزوال أو بعده.

و أُخرى: ينكشف لدى البرء عدم المرض من الأوّل، أو عدم كونه مضرّاً، فكان اعتقاد الإضرار مبنيّاً على محض الخيال، و جواز الإفطار مستنداً إلى الخطأ و الاشتباه.

و هذا على نحوين:

إذ تارةً: يستند في جواز الإفطار إلى حجّة شرعيّة، من خوفٍ عقلائي، أو ظنّ الضرر، أو إخبار طبيب حاذق ثقة مع عدم بلوغ الضرر الثابت بالطريق الشرعي المسوّغ للإفطار حدّ الحرمة، حيث ذكرنا في بحث لا ضرر عدم حرمة الإقدام على مطلق الضرر، عدا ما تضمّن الإلقاء في التهلكة و ما في حكمه دون ما لم يكن كذلك كخوف الرمد و نحوه.

و أُخرى: يستند إلى الاعتقاد الجزمي بالضرر بحيث لا يحتمل معه الخلاف، أو استند إلى الحجّة الشرعيّة و لكن الضرر كان بالغاً حدّ الحرام، كما لو أخبره الطبيب الماهر بأنّ في صيامك خطر الموت.

و لا يخفى وضوح الفرق بين هذين النحوين، لانحفاظ مرتبة الحكم الواقعي في الأوّل منهما بعد احتمال عدم إصابة الطريق، فلا مانع من بقاء الأمر الواقعي، لكونه قابلًا للامتثال و لو من باب إمكان الاحتياط و استحبابه، غايته أنّ مع قيام طريق ظاهري على خلافه يكون المكلّف معذوراً لدى التعويل عليه، كما هو شأن كلّ حكم واقعي قام على خلافه حكم ظاهري من غير أيّ تنافٍ بينهما حسبما هو مقرّر في محلّة، فهو مكلّف لدى خطأ الطريق بالصوم واقعاً‌

10

..........

____________

و إن كان مرخّصاً في الإفطار ظاهراً.

و هذا بخلافه على النحو الثاني، لامتناع امتثال حكم يقطع بعدمه، أو قام الطريق الشرعي على حرمته، فلا سبيل إلى امتثاله حتّى من باب الاحتياط. و من البيّن أنّ ما هذا شأنه يستحيل جعله من المولى الحكيم، للزوم اللغويّة، إذ أيّ أثر في جعل حكم لا يكون قابلًا للامتثال بوجهٍ من الوجوه؟! فلا جرم يكون الحكم الواقعي ساقطاً وقتئذٍ بطبيعة الحال.

و كيفما كان، فقد عرفت أنّ صور المسألة ثلاث:

منها: ما لو انكشف عدم المرض أو عدم الضرر من الأوّل، و كان مستنداً في الضرر المتخيّل إلى حجّة شرعيّة و لم يكن بالغاً حدّ الحرمة.

و حيث قد عرفت آنفاً بقاء الحكم الواقعي حينئذٍ على حاله للتمكّن من امتثاله، فالانكشاف المزبور يلازم طبعاً انكشاف الأمر بالصوم من الأوّل و إن كان معذوراً ما دامت الحجّة قائمة على خلافه.

و نتيجة ذلك: وجوب الإمساك بقيّة النهار بلا فرق بين ما إذا كان الانكشاف قبل الزوال أم بعده، لوحدة المناط، و هو انكشاف كونه مأموراً بالصوم واقعاً من الأوّل.

بل يجب الإمساك حتّى لو كان قد أفطر قبل ذلك كما لا يخفى.

و لا شك حينئذٍ في وجوب القضاء، كما لا إشكال في وجوبه أيضاً و إن لم يفطر فيما لو كان الانكشاف بعد الزوال، لفوات محلّ النيّة، فلم يتمّ له صوم هذا اليوم.

و أمّا لو انكشف قبل الزوال: فلا نقص في ذات المأمور به من غير ناحية الإخلال بالنيّة اللازم رعايتها من لدن طلوع الفجر، حيث قد أخلّ بها جهلًا‌

11

..........

____________

بالموضوع، و لم يرد نصّ في خصوص المقام يسوّغ التجديد، و إنّما ورد في غيره كالمسافر أو الجاهل بكون اليوم من رمضان و قد قدم أو علم قبل الزوال، فإن ألحقناه به لفهم عدم الخصوصيّة فهو، و إلّا كان مقتضى القاعدة عدم إجزاء الناقص عن الكامل.

و يجري هذا في غير المريض أيضاً، كمن قصد الإفطار زعماً منه بطريق شرعي أنّ المقصد الذي يزمع المسير إليه يبلغ المسافة الشرعيّة فانكشف الخلاف قبل الزوال و قبل أن يتناول المفطر، حيث يستبان له الأمر بالصوم من الأوّل و إن كان يجوز له الإفطار بحسب الحكم الظاهري.

و على الجملة: المقتضي لصحّة الصوم المزبور موجود، إذ لا قصور في ذاته من غير جهة النيّة، فإن تمّ الدليل على الإلحاق المذكور من إجماعٍ و نحوه فهو، و إلّا حكم بالبطلان و القضاء، لهذه العلّة، و قد عرفت عدم الدليل.

و منها: ما لو كان مستنداً فيما تخيّله من الضرر إلى القطع الوجداني، أو كان مستنداً إلى الحجّة الشرعيّة غير أنّ الضرر كان بالغاً حينئذٍ حدّ الحرمة.

و حيث قد عرفت امتناع الامتثال، لانسداد باب الاحتياط وقتئذٍ، إذ معنى للرجاء فيما قامت فيه الحجّة على الحرمة، كما لا معنى لخطاب القاطع على خلاف قطعه، فالأمر الواقعي بالصوم ساقط من الأوّل لا محالة، لوجود المانع عن فعليّته، و هو الاعتقاد الجزمي أو الطريق الشرعي القائم على التحريم.

و مع ذلك كلّه لو انكشف الخلاف وجب عليه الإمساك و إن لم يكن مكلّفاً بالصوم من الأوّل، و ذلك من أجل أنّ الاستثناء في كلامه سبحانه إنّما تعلّق بموردين: المسافر و المريض، و شي‌ء منهما غير منطبق عليه حسب الفرض، فلا مانع إذن من اندراجه في مناط عقد المستثنى منه، و إن لم يشمله خطابه فإنّ ذلك‌

12

..........

____________

مستند إلى وجود المانع المزبور كما عرفت لا إلى عدم تحقّق المقتضي. و عليه، فلا يجوز له الإفطار بعد ذلك عامداً، فهو نظير من أبطل صومه المحكوم بوجوب الإمساك بقيّة النهار.

و يمكن الاستدلال له بإطلاق جملة من الأخبار مثل ما ورد: من أنّ من جامع أهله نهار رمضان فعليه كذا، فإنّ الخارج منه إنّما هو المريض أو المسافر اللّذان هما موردٌ للتخصيص من الأوّل.

أمّا من لم يكن كذلك و إنّما كان مخطئاً في اعتقاده، فلا مانع فيه من التمسّك بالإطلاق المزبور و يثبت الحكم في غير الجماع بالقطع بعدم الفرق.

و بالجملة: فالظاهر أنّه لا ينبغي الاستشكال في وجوب الإمساك في هذه الصورة أيضاً. فإن كان الانكشاف بعد الزوال وجب القضاء أيضاً، و إن كان قبله ففي تجديد النيّة حينئذٍ و عدمه يجري الكلام المتقدّم من الإلحاق بالمسافر و الجاهل و عدمه، فلاحظ.

و منها: ما لو كان مريضاً يضرّه الصوم واقعاً، و في أثناء النهار برئ بعلاجٍ و نحوه بحيث لولاه كان المرض باقياً حقيقةً إلى الغروب.

فإن كان ذلك بعد الزوال فلا شكّ في عدم وجوب الإمساك، و أنّه لا يحسب له صوم هذا اليوم، لخروجه عن العمومات بالكتاب و السنّة الناطقين بأنّ المريض غير مأمور بالصوم.

نعم، يُكره له خصوص الجماع، للنهي عنه تنزيهاً في نهار رمضان حتّى ممّن لم يكن مأموراً بالصيام على ما نطقت به النصوص.

و إن كان قبل الزوال فلا إشكال أيضاً فيما لو كان قد أفطر قبل ذلك، لما عرفت.

13

..........

____________

و أمّا لو لم يفطر فهو على قسمين:

إذ تارةً: يكون الإفطار واجباً عليه و لو بشرب دواء و نحوه، حفظاً لنفسه عن التعريض للهلكة و نحوها بحيث يكون عاصياً في إمساكه و عدم إفطاره.

و أُخرى: لم يكن واجباً و إن كان سائغاً، لعدم البلوغ حدّ الضرر المحرّم، أو كان بالغاً و لكنّه لم يتمكّن و لو للعجز عن تحصيل الدواء مثلًا أو لغفلة أو نسيان و نحو ذلك بحيث لم يكن آثماً في إمساكه، و لم يقع منه على وجه محرّم، لكونه معذوراً فيه.

لا شك في عدم المجال لتجديد النيّة في القسم الأوّل، ضرورة أنّ الإمساك المنهي عنه لا ينقلب عمّا وقع ليكون مأموراً به و يتّصف بالعباديّة كما لو أمسك رياءً، فإنّ دليل التجديد منصرف عن مثله قطعاً.

و أمّا في القسم الثاني: فيبتني جواز التجديد على الإلحاق المزبور و عدمه حسبما عرفت.

و الأظهر عدم الإلحاق، لخروجه بالتخصيص بمقتضى الآية المباركة، و عدم كونه مكلّفاً بالصوم من الأوّل، و لو أفطر كان سائغاً حتّى واقعاً فلا يشمله دليل التجديد ليجتزئ بما بقي من النهار عن قضاء الصوم الواجب عليه تعييناً بمقتضى ظاهر الآية المباركة، فإنّ السقوط بذلك يحتاج إلى الدليل و لا دليل عليه. فالظاهر عدم الاجتزاء بتجديد النيّة، بل يجوز له الإفطار حتّى ما بعد البرء، لأنّه قد خُصِّص من الأوّل.

14

[الخامس: الخلوّ من الحيض و النفاس]

الخامس: الخلوّ من الحيض و النفاس (1)، فلا يجب معهما و إن كان حصولهما في جزء من النهار.

[السادس: الحَضَر]

السادس: الحَضَر، فلا يجب على المسافر (2) الذي يجب عليه قصر الصلاة، بخلاف من كان وظيفته التمام كالمقيم عشراً و المتردّد ثلاثين يوماً و المكاري و نحوه و العاصي بسفره، فإنّه يجب عليه التمام، إذ المدار في تقصير الصوم على تقصير الصلاة، فكلّ سفر يوجب قصر الصلاة يوجب قصر الصوم و بالعكس.

[مسائل]

[مسألة 1: إذا كان حاضراً فخرج إلى السفر]

[2506] مسألة 1: إذا كان حاضراً فخرج إلى السفر (3): فإن كان قبل الزوال وجب عليه الإفطار [1]، و إن كان بعده وجب عليه البقاء على صومه.

____________

(1) كما تقدّم البحث حول ذلك في شرائط الصحّة (1)، و عرفت دلالة النصوص على أنّ الدم يفطر الصائمة و لو قبل مغيب الشمس بلحظة، الكاشفة عن اشتراط الوجوب بعدمه.

(2) كما تقدّم الكلام حوله مستقصًى في الفصل السابق (2)، و عرفت أنّ السفر الذي يكون عدمه معتبراً في الصوم هو خصوص ما يكون محكوماً فيه بقصر الصلاة لا مطلقاً، فلا إفطار فيما كان محكوماً بالتمام، للملازمة الثابتة من الطرفين، فكلّما قصّرت أفطرت و كلّما أفطرت قصّرت حسبما مرّ.

(3) قد عرفت استثناء المسافر كالمريض بنصّ الكتاب العزيز، و حينئذٍ فإن‌

____________

[1] هذا إذا كان ناوياً للسفر من الليل، و إلّا فالأحوط إتمام الصوم ثمّ القضاء.

____________

(1) شرح العروة 21: 457.

(2) شرح العروة 21: 460.

15

و إذا كان مسافراً و حضر بلده أو بلداً يعزم على الإقامة فيه عشرة أيّام: فإن كان قبل الزوال و لم يتناول المفطر وجب عليه الصوم، و إن كان بعده أو تناول فلا،

____________

كان مسافراً في تمام الوقت أو حاضراً كذلك فلا إشكال في تعيّن الإفطار على الأوّل، كالصوم على الثاني.

و أمّا لو تبعّض فكان حاضراً في بعضه و مسافراً في بعضه الآخر، فقد يكون حاضراً يعرضه للسفر، و أُخرى ينعكس فيصبح المسافر حاضراً إمّا بدخول بلده أو محلّ إقامته.

فإن كان الأوّل: فقد تقدّم البحث عنه مستقصًى في الفصل السابق، و عرفت أنّ السفر إن كان بعد الزوال بقي على صومه مطلقاً، و إن كان قبله يفصّل بين تبييت النيّة و عدمه، و عرفت أنّ الأحوط مع عدم التبييت الجمع بين الأداء و القضاء، فراجع و لا نعيد (1).

و إن كان الثاني: فالمعروف و المشهور من دون خلاف ظاهر عدا ما يُنسَب إلى إطلاق كلامي ابن زهرة و الشيخ (2) التفصيل بين القدوم بعد الزوال فلا صوم له مطلقاً، و بين القدوم قبله فلا صوم له أيضاً إن كان قد أفطر و إلّا جدّد النيّة و بقي على صومه.

هذا، و مقتضى إطلاق ما نُسِب إلى ابن زهرة من استحباب الإمساك للمسافر إذا قدم أهله عدم وجوب الصوم حتّى إذا كان القدوم قبل الزوال و لم يكن مفطراً.

____________

(1) شرح العروة 21: 484.

(2) الجواهر 17: 6 8.

16

..........

____________

كما أنّ عكسه يُنسَب إلى إطلاق كلام الشيخ من أنّه متى ما دخل بلده و لم يفعل ما ينقض الصوم أتمّ صومه و لا قضاء عليه، الشامل لما إذا كان الدخول بعد الزوال.

و لكن الإطلاق على تقدير كونه مراداً لهما قولٌ شاذّ لا يُعبأ به، و لا يمكن المساعدة عليه بوجه، لمنافاته مع النصوص الكثيرة الواردة على طبق مقالة المشهور:

منها: موثّقة أبي بصير: قال: سألته عن الرجل يقدم من سفره في شهر رمضان «فقال: إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به» (1).

فإنّها بعد ملاحظة ظهور: «فعليه» إلخ، في الوجوب كالصريحة في المدّعى. نعم، لم يفرض فيها عدم الإفطار قبل ذلك، و لكن يمكن استفادته من نفس الموثّقة، نظراً إلى التعبير ب‍ «صيام ذلك اليوم»، لوضوح عدم تحقّق الصيام المزبور إلّا مع عدم سبق الإفطار، و إلّا لقال: عليه صيام بقيّة النهار، فإسناد الصوم إلى تمام اليوم كشفٌ عن فرض عدم سبق الإفطار كما لا يخفى.

و مع الغضّ عن ذلك فغايته استفادة التقييد من الروايات الأُخر.

و منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن سماعة، قال: سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟ إلى أن قال: «إن قدم بعد زوال الشمس أفطر و لا يأكل ظاهراً، و إن قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء» (2).

و لكنّها ضعيفة السند و إن عُبّر عنها بالموثّقة في بعض الكلمات، فإنّ علي بن السندي الواقع في الطريق لم يوثّق. نعم، وثّقه نصر بن الصباح (3)، و لكنّه بنفسه لم يُوثَّق، فلا أثر لتوثيقه.

____________

(1) الوسائل 10: 191/ أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 6، 7.

(2) الوسائل 10: 191/ أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 6، 7.

(3) لاحظ رجال الكشي: 598/ 1119.

17

..........

____________

و دعوى أنّ المراد به هو علي الميثمي الثقة، غير ثابتة، لاختلاف الطبقة حسبما أشرنا إليه في المعجم (1).

نعم، مع الغضّ عن السند فالدلالة ظاهرة و لا مجال للمناقشة فيها بظهور المشيئة في التخيير فتعارض موثّقة أبي بصير المتقدّمة.

إذ الظهور المزبور إنّما يسلّم لو كان التعبير هكذا: فله صيام ذلك اليوم إن شاء، بدل قوله: «فعليه» إلخ.

أمّا التعبير ب‍ «على» فهو ظاهر في الوجوب، و حيث إنّه لا يجتمع مع المشيئة فلا بدّ إذن من حملها على المشيئة السابقة على دخول البلد، يعني: هو مخيّر ما دام في الطريق و قبل أن يدخل بين أن يفطر فلا يجب عليه الصوم، و بين أن لا يفطر و يدخل البلد ممسكاً فيجب عليه الصوم، فالمشيئة إنّما هي باعتبار المقدّمة و أنّ له اختيار الصوم باختيار مقدّمته و هو الإمساك قبل الحضور، كما له اختيار الإفطار حينئذٍ لا باعتبار نفس الصوم، لما عرفت من منافاة المشيئة فيه مع الظهور في الوجوب المستفاد من كلمة «عليه»، و قد صرّح بالتخيير المزبور في بعض الروايات الأُخر كما ستعرف.

و منها: ما رواه الكليني بسنده عن يونس في حديث-: قال في المسافر يدخل أهله و هو جنب قبل الزوال و لم يكن أكل: فعليه أن يتمّ صومه و لا قضاء عليه، يعني: إذا كانت جنابته عن احتلام (2).

و قد تضمّنت قيدين لوجوب الصيام: الدخول قبل الزوال، و عدم الأكل الظاهر في انتفاء الوجوب طبعاً بانتفاء أحد القيدين، فلا أمر بالإتمام لو دخل بعد الزوال، أو دخل قبله و قد أكل، فهي من حيث الدلالة واضحة.

____________

(1) المعجم 13: 50 54.

(2) الوسائل 10: 190/ أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 5، الكافي 4: 132/ 9.

18

..........

____________

و أمّا من حيث السند فهي على ما في الوسائل الطبعة الحديثة من ذكر لفظة «قال» مرّة واحدة (1) مقطوعة، أي غير منسوبة إلى الإمام (عليه السلام)، و إنّما هي فتوى يونس نفسه، و لها نظائر في الكافي و لا سيما عن يونس كما لا يخفى.

و لكن الموجود في الكافي تكرار اللفظة فرواها هكذا: عن يونس في حديث قال: قال ... إلخ، فهي إذن مضمرة لا مقطوعة، و يجرى عليها حينئذٍ حكم سائر المضمرات المعتبرة، نظراً إلى أنّ يونس لا يروي عن غير الإمام (عليه السلام) بحيث ينقلها الكافي و كذا الشيخ في كتابيه (2).

على أنّ الصدوق رواها بعينها عن يونس عن موسى بن جعفر (عليه السلام) (3)، فلا إشكال في السند أيضاً، و مناقشة ابن الوليد في روايات محمّد بن عيسى عن يونس مردودة لدى من تأخّر عنه كما مرّ غير مرّة.

و أمّا قوله: و هو جنب، فلا إطلاق له يشمل البقاء على الجنابة متعمّداً لكي يكون مفطراً قبل الدخول و يتنافى مع مقالة المشهور، بل هو محمول على الجنابة الاحتلاميّة، للتصريح بذلك في الذيل بقوله: يعني ... إلخ، سواء أ كان ذلك من كلام الإمام (عليه السلام) أم الراوي، أمّا على الأوّل فواضح، و كذا على الثاني الذي احتمله الشيخ لأنّ الراوي و هو يونس يرويها عن الإمام (عليه السلام) هكذا، و أنّه (عليه السلام) إنّما قال ذلك في فرض الاحتلام لا التعمّد، فيصدق طبعاً في حكايته.

ثمّ إنّه قد يستظهر من جملة أُخرى من النصوص خلاف ذلك فيُدّعى ظهورها‌

____________

(1) لا يخفى تكرار لفظة «قال» في الوسائل المحقّق جديداً.

(2) التهذيب 4: 254/ 752، الاستبصار 2: 113/ 369.

(3) الفقيه 2: 93/ 415.

19

..........

____________

في التخيير بين الصوم و عدمه، الذي لا قائل به.

و لكن الظاهر عدم الدلالة على ذلك، بل هي ناظرة إلى ما أشرنا إليه من التخيير في المقدّمة و قبل دخول البلد لا بعد ما دخل، فلا تكون منافية للنصوص المتقدّمة الظاهرة في الوجوب حينئذ.

منها: صحيحة رفاعة بن موسى، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتّى يرى أنّه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار «قال: إذا طلع الفجر و هو خارج و لم يدخل فهو بالخيار، إن شاء صام و إن شاء أفطر» (1).

فإنّها ظاهرة في اختصاص الخيار بما قبل الدخول.

و منها: صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار «قال: إذا طلع الفجر و هو خارج و لم يدخل أهله فهو بالخيار، إن شاء صام و إن شاء أفطر» (2).

فإنّ الخيار فيها مقيّد بطلوع الفجر و هو خارج و لم يدخل أهله، فلا خيار فيما لو طلع الفجر و هو داخل، أو طلع و كان خارجاً إلّا أنّه دخل أهله بعد ذلك، أي عند ارتفاع النهار و قبل الزوال. فهي أيضاً واضحة الدلالة على أنّ الخيار إنّما هو في ظرف عدم الدخول لا بعده.

و مثلها صحيحته الأُخرى و إن لم تكن بهذا الظهور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث-: «قال: فإذا دخل أرضاً قبل طلوع الفجر و هو يريد الإقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم، و إن دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام عليه،

____________

(1) الوسائل 10: 189/ أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 2.

(2) الوسائل 10: 190/ أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 3

20

و إن استحبّ له الإمساك بقيّة النهار (1).

____________

و إن شاء صام» (1).

فإنّ نفي الصيام عنه مستند إلى ما افترضه من كونه مسافراً حال الطلوع، و لا صيام على المسافر كما هو ظاهر، و مع ذلك فقد علّق الصوم على مشيئته بقوله (عليه السلام): «و إن شاء صام»، غير أنّه لم تبيّن كيفيّته في هذه الرواية، و قد أُشير إليها في الروايات الأُخر من اختيار الإمساك و هو في الطريق إلى أن يدخل بلده قبل الزوال فيجدّد النيّة و يصوم.

إذن فالروايات بمجموعها تدلّ على مقاله المشهور حسبما عرفت.

(1) أمّا بالنسبة إلى مَن دخل قبل الزوال مفطراً فقد دلّت عليه جملة من الروايات، التي منها موثّقة سماعة، قال: سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس و قد أكل «قال: لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئاً، و لا يواقع في شهر رمضان إن كان له أهل» (2).

و معتبرة يونس، قال: قال في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان و قد أكل قبل دخوله «قال: يكفّ عن الأكل بقيّة يومه و عليه القضاء» (3).

و أمّا بالنسبة إلى من دخل بعد الزوال فلم نجد عاجلًا ما يدلّ على استحباب الإمساك، بل لعلّ الوجه الاعتباري يقتضي التفصيل و اختصاص الاستحباب بالأول، نظراً إلى أنّ الداخل ما قبل الزوال بما أنّه كان في معرض الوجوب لفعليّته عليه لو لم يفطر في الطريق فيستحبّ له التشبّه بالصائمين مواساةً بهم.

____________

(1) الوسائل 10: 190/ أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 1

(2) الوسائل 10: 191/ أبواب من يصح منه الصوم ب 7 ح 1.

(3) الوسائل 10: 192/ أبواب من يصح منه الصوم ب 7 ح 2.

21

و الظاهر أنّ المناط كون الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده لا الخروج عن حدّ الترخّص (1)، و كذا في الرجوع المناط دخول البلد، لكن لا يُترك الاحتياط بالجمع إذا كان الشروع قبل الزوال و الخروج عن حدّ الترخّص بعده، و كذا في العود إذا كان الوصول إلى حدّ الترخّص قبل الزوال و الدخول في المنزل بعده.

____________

و أمّا الداخل بعد الزوال فحاله من حيث عدم وجوب الصوم عليه معلوم، سواء أكل أم لا.

و كيفما كان، فلم نعثر على ما يدلّ على الاستحباب في الثاني. نعم، دلّت رواية سماعة المتقدّمة (1) التي عرفت أنّها ضعيفة السند بعلي بن السندي على عدم التجاهر بالأكل ظاهراً، احتراماً لشهر رمضان، و لكن هذا أمر آخر غير استحباب الإمساك حتّى في بيته، الذي هو محلّ الكلام كما لا يخفى.

(1) تقدّم في بحث صلاة المسافر أنّ مبدأ المسافة الشرعيّة الامتداديّة أو التلفيقيّة المحكوم فيها بوجوب التقصير هو أوّل زمان يتّصف فيه المسافر بهذا الوصف العنواني أعني: كونه مسافراً و هو زمان الخروج من البلد و الشروع في الابتعاد عنه. فلا جرم كان البلد هو مبدأ احتساب المسافة المزبورة حسبما هو مقتضى ظواهر الأدلّة، و لا تنافي بين ذلك و بين أن لا يكون هذا المسافر محكوماً بالقصر إلّا بعد بلوغه حدّ الترخّص، فإنّ ذلك من التخصيص في الحكم لا التحديد في الموضوع، فهو قبل بلوغ الحدّ مسافرٌ لا يجب عليه القصر لا أنّه ليس بمسافر كما لا يجوز له الإفطار أيضاً، للملازمة بين الأمرين حسبما مرّ.

____________

(1) في ص 16.

22

[مسألة 2: قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة و الصوم و قصرها و الإفطار]

[2507] مسألة 2: قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة و الصوم و قصرها و الإفطار، لكن يُستثنى من ذلك موارد:

أحدها: الأماكن الأربعة، فإنّ المسافر يتخيّر فيها بين القصر و التمام في الصلاة، و في الصوم يتعيّن الإفطار (1).

الثاني: ما مرّ من الخارج إلى السفر بعد الزوال، فإنّه يتعيّن عليه البقاء على الصوم مع أنّه يقصّر في الصلاة (2).

____________

إذن فما دلّت عليه الروايات المتقدّمة من التفصيل بين الخروج إلى السفر قبل الزوال فيفطر إمّا مع التبييت أو مطلقاً، أو بعده فيبقى على صومه، يراد به الشروع في السفر الذي عرفت أنّ الاعتبار فيه بالخروج من البلد.

هذا في الذهاب.

و كذا الحال في الإياب، فإنّ المذكور في الروايات هو عنوان قدوم الأهل أو البلد، أو أرضاً يريد الإقامة فيها. فهذا أعني: مراعاة البلد نفسه هو الميزان و المدار في الصوم و الإفطار، و لا عبرة بحدّ الترخّص، فإذا كان قدومه فيه بعد الزوال أفطر و إن كان قد بلغ حدّ الترخّص قبل الزوال، لما عرفت من أنّ هذا الحدّ حدٌّ للأحكام لا للسفر نفسه، فإنّه لا يصدق في الفرض المزبور أنّه قدم بلده أو أهله قبل الزوال لكي يبقى على صومه كما هو واضح.

(1) أخذاً بإطلاقات أدلّة الإفطار في السفر بعد اختصاص دليل التخيير بالصلاة خاصّة، فيكون ذلك بمثابة التخصيص في دليل الملازمة.

(2) تقدّم في بحث صلاة المسافر أنّ العبرة في القصر و التمام بملاحظة حال الأداء لا حال تعلّق الوجوب، فلو كان في أوّل الوقت حاضراً فسافر قصر في‌

23

الثالث: ما مرّ من الراجع من سفره، فإنّه إن رجع بعد الزوال يجب عليه الإتمام مع أنّه يتعيّن عليه الإفطار.

[مسألة 3: إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار إلّا بعد الوصول إلى حدّ الترخّص]

[2508] مسألة 3: إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار إلّا بعد الوصول إلى حدّ الترخّص (1)، و قد مرّ سابقاً وجوب الكفّارة عليه إن أفطر قبله.

____________

صلاته، و في عكسه أتمّ، على ما استفدناه من الأدلّة حسبما تقدّم في محلّه (1).

و أمّا من حيث الصوم فقد تقدّم قريباً أنّ الخروج إلى السفر بعد الزوال يقدح في صحّة الصوم، و الرجوع منه بعده يقدح (2). و بذلك يظهر الوجه في استثناء الموردين المذكورين في المتن من حكم التلازم.

(1) فكما أنّ الترخّص حدٌّ للتقصير فكذلك حدٌّ للإفطار، لما عرفت من القاعدة المتضمّنة للملازمة بين الأمرين، و حيث لا تقصير قبله قطعاً فلا إفطار أيضاً.

بل تجب عليه الكفّارة أيضاً لو أفطر قبله كما في الجواهر (3) و غيره عملًا بإطلاقات الكفّارة لدى الإفطار العمدي، و قد تقدّم (4) أن تعقّب الإفطار بالسفر لا يوجب سقوط حكمه، فلو أفطر في بلده أو قبل أن يرخّص فيه فسافر لم تسقط الكفّارة بذلك، لإطلاق الأدلّة.

____________

(1) شرح العروة (الصلاة 8): 354 356.

(2) شرح العروة 22: 14 15.

(3) لاحظ الجواهر 17: 144.

(4) شرح العروة 21: 355 360.

24

[مسألة 4: يجوز السفر اختياراً في شهر رمضان]

[2509] مسألة 4: يجوز السفر اختياراً في شهر رمضان، بل و لو كان للفرار من الصوم (1) كما مرّ. و أمّا غيره من الواجب المعيّن، فالأقوى [1] عدم جوازه إلّا مع الضرورة، كما أنّه لو كان مسافراً وجب عليه الإقامة لإتيانه مع الإمكان (2).

____________

(1) تقدّم البحث حول هذه المسألة في المسألة الخامسة و العشرين من فصل ما يوجب الكفّارة مستقصًى. و عرفت أنّ جملة من الروايات دلّت على عدم الجواز و كلّها ضعاف، ما عدا رواية واحدة رواها في الخصال في حديث الأربعمائة (1)، فإنّها معتبرة عندنا، لأنّ الذي يُغمَز فيه و هو الحسن بن راشد الواقع في سلسلة السند موجود في أسناد كامل الزيارات.

و لكنّها محمولة على الكراهة جمعاً بينها و بين صحيحتي محمّد بن مسلم و الحلبي الصريحتين في الجواز، فراجع و لاحظ (2).

(2) قد عرفت أنّ صحّة صوم رمضان كوجوبه مشروطة بالحضر، و أنّ المسافر موظّفٌ بعدّةٍ من أيّامٍ أُخر، فهل الحكم يعمّ طبيعي الصوم المعيّن أمّا بالأصالة كنذر يوم معيّن، أو بالعرض كالقضاء المضيّق على القول بالتضييق فكما ساغ له السفر اختياراً في رمضان و لو فراراً لإناطة الوجوب بالحضور الملازم لسقوطه بالسفر، لعدم لزوم تحصيل شرط التكليف فكذا الحال في مطلق المؤقّتات المعيّنة فلا يجب عليه قصد الإقامة لو كان مسافراً وفاءً بنذره‌

____________

[1] بل الأقوى أنّه في حكم شهر رمضان فيما إذا لم يكن صومه مملوكاً للغير كما في الإيجار، أو متعلّقاً لحقّ الغير كما في الشرط ضمن العقد.

____________

(1) الوسائل 10: 182/ أبواب من يصح منه الصوم ب 3 ح 4، الخصال: 614.

(2) شرح العروة 21: 407 409.

25

..........

____________

مثلًا كما لا يُمنع عن السفر لو كان حاضراً، لعدم استلزامه مخالفة النذر، و لا عصياناً لقضاء الواجب المعيّن و نحوه، بعد اشتراط الوجوب في الجميع بالحضور و انتفاء الموضوع باختيار السفر؟

أو أنّ الحكم خاصّ بشهر رمضان و الاشتراط فيه لا يلازم الاشتراط في غيره، فلا يجوز له السفر و تجب عليه الإقامة مقدّمةً للوفاء بالنذر و لامتثال الواجب المطلق المنجّز عليه إلّا لضرر أو ضرورة يسوغ معها ترك الواجب من أجل المزاحمة؟

فيه كلام بين الأعلام، و الكلام يقع فعلًا في النذر و نحوه ممّا وجب بالجعل و الالتزام، و منه يُعرف الحال في غيره ممّا وجب بسببٍ آخر.

فنقول: يفرض النذر في المقام على ثلاثة أقسام:

إذ تارةً: يتعلّق بالصوم و لكن مشروطاً بالحضور و معلّقاً على الإقامة، فلا التزام بالصوم على تقدير السفر، لقصور المقتضي من الأوّل، و هذا خارج عن محلّ الكلام قطعاً، و يجوز له السفر اختياراً بلا إشكال، إذ ليس فيه أيّ مخالفة للنذر بعد أن كان التزامه النذري محدوداً لا مطلقاً كما هو واضح.

و أُخرى: يتعلّق النذر بكلٍّ من الصوم و الإقامة، فينذر البقاء في البلد و الصيام في اليوم المعيّن، و هذا أيضاً خارج عن محلّ الكلام، إذ لا ريب في أنّه لو سافر فقد خالف نذره و كانت عليه كفّارة الحنث.

و إنّما الكلام في القسم الثالث، و هو: ما لو تعلّق النذر بالصوم من غير تعليق على الحضور و من غير التزام به فلم يتعلّق الإنشاء النذري إلّا بمجرّد الصوم في اليوم الكذائي، غير أنّه قد علم من الخارج دخل الحضور في صحّة الصوم و بطلانه في السفر، فهل يحرم عليه السفر و تجب الإقامة مقدّمةً للوفاء بالنذر، أو لا؟ نظراً إلى أنّ متعلّق النذر لمّا كان هو الصوم الصحيح و هو متقوّم بالحضور،

26

..........

____________

فلا جرم كان وجوب الوفاء مشروطاً به.

فنقول: لا ينبغي التأمّل في أنّ مقتضى القاعدة مع الغضّ عن ورود نصّ خاصّ في المقام هو عدم الاشتراط، تمسّكاً بإطلاق دليل الوفاء بعد القدرة عليه بالقدرة على مقدّمته، و هو ترك السفر أو قصد الإقامة، فيجب من باب المقدّمة. و من المعلوم أنّ ثبوت الاشتراط في صوم رمضان لدليل خاصّ لا يستلزم الثبوت في غيره بعد فرض اختصاص الدليل به، و كون الصوم حقيقة واحدة لا ينافي اختصاص بعض الأقسام ببعض الاحكام كما لا يخفى.

إذن فلو كنّا نحن و دليل وجوب الوفاء بالنذر كان مقتضاه وجوب الوفاء و عدم جواز الخروج للسفر.

إلّا أنّ هناك عدّة روايات يستفاد منها أنّ طبيعي الصوم أيّاً ما كان مشروطٌ وجوباً و صحّةً بالحضور كما هو الحال في صوم شهر رمضان، و لا ضير في الالتزام به حتّى في موارد النذر، فإنّه و إن كان الالتزام النذري مطلقاً إلّا أنّه قابل للتقييد من ناحية الشرع، فيقيِّد من بيده الأمر وجوب الوفاء بما التزم بما إذا كان مقيماً حاضراً، لا على سبيل الإطلاق، لكي تجب الإقامة بحكم العقل مقدّمةً للوفاء.

و العمدة منها روايتان كما ستعرف.

و أمّا الاستدلال لذلك برواية عبد اللّٰه بن جندب، قال: سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عبّادُ بن ميمون و أنا حاضر عن رجل جعل على نفسه نذر صوم، و أراد الخروج في الحجّ، فقال عبد اللّٰه بن جندب: سمعت من زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه سأله عن رجل جعل على نفسه نذر صوم يصوم فمضى فيه (فحضرته نيّة) في زيارة أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: يخرج و لا‌

27

..........

____________

يصوم في الطريق، فإذ رجع قضى ذلك» (1).

ففي غير محلّه، لاختصاص موردها بالنذر، فيحتاج التعدّي لمطلق الصوم إلى دليل آخر. هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنّها قاصرة السند، لعدم ثبوت وثاقة يحيى بن المبارك على المشهور، على أنّها مرسلة، فإنّ كلمة: من زرارة، الموجودة في الوسائل هنا سهوٌ قطعاً إمّا من قلمه الشريف أو من النسّاخ، و الصحيح كما في الكافي و التهذيب، و في الوسائل نفسه في كتاب النذر: مَن رواه (2)، بدل: من زرارة، و لعلّ تشابه الحروف أو جب التصحيف. إذن فلم يُعلَم من يروي عنه عبد اللّٰه بن جندب، فتتّصف طبعاً بالإرسال.

و هناك اشتباهان آخران من صاحب الوسائل في هذه الرواية:

أحدهما: أنّه زاد في السند قوله: عن أبي جميلة (3)، مع أنّه غير موجود في الكافي و التهذيب، و لم يذكره أيضاً في كتاب النذر، بل رواها عبد اللّٰه بن جبلّة عن إسحاق بن عمّار بلا واسطة، و هو الصحيح.

ثانيهما: كلمة «أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)» (4)، بعد قوله: «سأل» فإنّها مستدركة، لعدم استقامة المعنى حينئذٍ، ضرورة أنّ المسئول لو كان هو الإمام (عليه السلام) فكيف تصدّى ابن جندب للجواب بما سمعه مرسلًا أو مسنداً‌

____________

(1) الوسائل 10: 197/ أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 5.

(2) الوسائل 23: 313/ كتاب النذر و العهد ب 13 ح 1، الكافي 7: 457/ 16، التهذيب 8: 306/ 1139.

(3) لم ترد هذه الزيادة في الوسائل المحقّق جديداً.

(4) غير موجودة في الوسائل المحقّق جديداً.

28

..........

____________

عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و هو (عليه السلام) بنفسه حاضر؟! فالكلمة زيادة قطعاً، و لذا لم تُذكَر لا في الكافي و لا في التهذيب و لا في نذر الوسائل، بل المسئول إمّا أنّه غير مذكور لو كانت النسخة: سأل عبّاد بن ميمون كما في الكافي أو أنّه هو عبد اللّٰه بن جندب نفسه لو كانت النسخة: سأله (عليه السلام)، كما في التهذيب.

و كيفما كان، ففي هذه الرواية اشتباهات من صاحب الوسائل في المقام. و قد عرفت أنّها مع اختصاصها بالنذر غير نقيّة السند، فلا تصلح للاستدلال بها بوجه.

و العمدة روايتان كما عرفت:

الأُولى: صحيحة علي بن مهزيار في حديث قال: كتبت إليه يعني: إلى أبي الحسن (عليه السلام) يا سيّدي، رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟ و كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه: «قد وضع اللّٰه عنه الصيام في هذه الأيّام كلّها، و يصوم يوماً بدل يوم إن شاء اللّٰه» (1).

قوله: يوماً من الجمعة، إمّا أن يراد به يوماً معيّناً من الأُسبوع أو خصوص يوم الجمعة، و على التقديرين فقد دلّت على أنّ طبيعي الصوم الذي أوجبه اللّٰه سواء أ وَجب بسبب النذر أم بغيره مشروطٌ وجوبه بالحضور و أنّه ساقط في هذه الأيّام كلّها التي منها أيّام السفر، و أنّه متى صادف هذه الأيّام يقضيه و يصوم يوماً بدل يوم. و هذا هو معنى الاشتراط.

____________

(1) الوسائل 23: 310/ كتاب النذر و العهد ب 10 ح 1.

29

..........

____________

الثانية: موثّقة زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ أُمّي كانت جعلت عليها نذراً: إن اللّٰه ردّ (إن يردّ اللّٰه) عليها بعض ولدها من شي‌ء كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرةً إلى مكّة فأشكل علينا لمكان النذر، أ تصوم أو تفطر؟ «فقال: تصوم، قد وضع اللّٰه عنها حقّه، و تصوم هي ما جعلت على نفسها» إلخ (1)، و أوردها عنه بسند آخر مع نوع اختلاف في المتن في كتاب النذر (2).

يعني: أنّ اللّٰه تعالى قد وضع حقّه المجعول ابتداءً فأسقط الصوم في السفر، فكيف بالحقّ الذي جعلته هي على نفسها بسبب النذر؟! فإنّه أولى بالسقوط، فإنّ جملة «و تصوم هي» إلخ، بمثابة الاستفهام الإنكاري كما لا يخفى.

إذن فهذه الرواية المعتبرة كسابقتها واضحة الدلالة على أنّ طبيعي الصوم بأيّ سببٍ وجب من نذرٍ أو غيره مشروط وجوبه كصحّته بعدم السفر.

و من هنا ذهب جمع من المحقّقين إلى عدم الفرق في الاشتراط بين صيام رمضان و غيره و أنّ الوجوب مطلقاً مشروط بالحضور، و يسقط بالسفر استناداً إلى ما عرفت، غايته أنّ الروايات من حيث وجوب القضاء بعد ذلك و عدمه مختلفة، و ذاك بحث آخر، و كلامنا فعلًا في الاشتراط و عدمه، و ما ذكروه من الاشتراط هو الصحيح حسبما عرفت.

ثمّ إنّه قد صرّح بعضهم بجريان هذا الحكم فيما وجب بالإجارة أيضاً، فلو كان أجيراً لزيد في صوم يومٍ معيّن ساغ له السفر و سقط عنه وجوب الوفاء، لأنّ التكليف به كسائر أقسام الصيام مشروط بالحضر بمناط واحد.

____________

(1) الوسائل 10: 196/ أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 3.

(2) الوسائل 23: 313/ كتاب النذر و العهد ب 13 ح 2.

30

..........

____________

أقول: لا ريب في أنّ الأجير المزبور لو سافر ليس له أن يصوم، للنهي عنه في السفر كما مرّ، إلّا أنّ الكلام في جواز السفر و عدمه، و أنّ وجوب الوفاء هنا هل هو مشروط أيضاً، أو أنّه مطلق؟

الظاهر هو الثاني، بل لا ينبغي التأمّل فيه.

و توضيحه: أنّك قد عرفت في وجوه تصوير النذر في المقام أنّه يمكن إنشاؤه معلّقاً على الحضور، و معه لا خلاف كما لا إشكال في جواز السفر، لقصور المقتضي من الأوّل و عدم وجوب تحصيل شرط الوجوب.

و لكن هذا لا يجري في باب الإجارة، لقيام الإجماع على بطلان التعليق في العقود إلّا فيما قام الدليل عليه كما في الوصيّة و التدبير.

نعم، لو جرى التعليق فيها كان التمليك من الأوّل معلّقاً على الحضر كما في النذر، لعدم استحالة التعليق في المنشئات، غير أنّه باطل في غير ما ثبت بالدليل كما عرفت، فلا بدّ إذن من فرض الكلام في الإجارة المطلقة غير المعلّقة على الحضور، و إلّا لكانت الإجارة باطلة في نفسها سواء أسافر أم لا.

و من البيّن أنّ الإجارة المزبورة غير مشمولة للنصوص المتقدّمة لتدلّ على انسحاب الاشتراط إليها، كيف؟! و قد ملك المستأجر العمل في ذمّة الأجير بمجرّد العقد من غير إناطة على الحضر حسب الفرض، و معه كيف يرخّص الشارع في تضييع هذا الحقّ و عدم تسليم المال إلى مالكه؟! و بعبارة اخرى: النصوص المذكورة ناظرة إلى ما تضمّن الحكم التكليفي المحض و أنّ ما كان حقّا للّٰه سبحانه إمّا ابتداءً أو بعد الجعل و الالتزام كما في النذر فهو مشروط بالحضور و ساقط عند السفر، و أمّا ما تضمّن الوضع أيضاً و كان مشتملًا على حقّ الناس فتلك الأدلّة قاصرة و غير ناهضة لإسقاط هذا‌

31

[مسألة 5: الظاهر كراهة السفر في شهر رمضان قبل أن يمضي ثلاثة و عشرون يوماً]

[2510] مسألة 5: الظاهر كراهة (1) السفر في شهر رمضان قبل أن يمضي ثلاثة و عشرون يوماً إلّا في حجّ أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه.

[مسألة 6: يكره للمسافر في شهر رمضان بل كلّ من يجوز له الإفطار التملّي من الطعام و الشراب]

[2511] مسألة 6: يكره للمسافر في شهر رمضان بل كلّ من يجوز له الإفطار التملّي من الطعام و الشراب، و كذا يكره له الجماع في النهار، بل الأحوط تركه و إن كان الأقوى جوازه (2).

____________

الحقّ كي تكون بمثابة التخصيص في دليل وجوب تسليم المال و إيصاله إلى صاحبه كما لا يخفى.

و على الجملة: لا تحتمل دلالة هذه النصوص على الترخيص في ارتكاب الغصب. إذن فلا مناص للأجير المزبور من ترك السفر، و من قصد الإقامة لو كان مسافراً مقدّمةً للصيام، و تسليم العمل المملوك إلى مالكه، فلاحظ.

(1) كما تقدّم في المسألة الخامسة و العشرين من فصل ما يوجب الكفّارة (1).

(2) تدلّ على الحكمين المذكورين في هذه المسألة من كراهية الجماع و الامتلاء صحيحة ابن سنان يعني: عبد اللّٰه قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان و معه جارية له، أ فله أن يصيب منها بالنهار؟ «فقال: سبحان اللّٰه، أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان؟! إنّ له في الليل سبحاً طويلًا» قلت: أ ليس له أن يأكل و يشرب و يقصّر؟ «قال: إنّ اللّٰه تبارك و تعالى قد رخّص للمسافر في الإفطار و التقصير رحمةً و تخفيفاً لموضع التعب و النصب و وعث السفر، و لم يرخّص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان‌

____________

(1) شرح العروة 21: 406 411.

32

..........

____________

إلى أن قال: و إنّي إذا سافرتُ في شهر رمضان ما آكل إلّا القوت و ما أشرب كلّ الري» (1).

فقد دلّ ذيلها على كراهية الامتلاء و الارتواء، و استحباب الاقتصار على مقدار الضرورة العرفيّة.

و بما أنّ الظاهر منها أنّ الإفطار ترخيصٌ و رحمة و منّة على الأُمّة، و لذلك حسن الاقتصار على مقدار الضرورة رعايةً لحرمة شهر رمضان، فمن ثمّ يتعدّى إلى مطلق موارد الترخيص من غير خصوصيّة للسفر كما لا يخفى.

كما دلّ صدرها على النهي عن الجماع، المحمول على الكراهة الشديدة، جمعاً بينها و بين نصوص أُخر قد دلّت على الجواز صريحاً.

كصحيحة عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان، إله أن يصيب من النساء؟ «قال: نعم» (2).

و صحيحة أبي العبّاس البقباق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في الرجل يسافر و معه جارية في شهر رمضان، هل يقع عليها؟ «قال: نعم» (3)، و نحوهما غيرهما.

و قد تقدّم جواز مواقعة الأهل لمن يقدم من السفر بعد الزوال، لصحيح ابن مسلم: عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض، أ يواقعها؟ «قال: لا بأس به» (4).

____________

(1) الوسائل 10: 206/ أبواب من يصح منه الصوم ب 13 ح 5.

(2) الوسائل 10: 205/ أبواب من يصح منه الصوم ب 13 ح 1.

(3) الوسائل 10: 206/ أبواب من يصح منه الصوم ب 13 ح 4.

(4) الوسائل 10: 193/ أبواب من يصح منه الصوم ب 7 ح 4.

33

[فصل في موارد جواز الإفطار]

فصل [في موارد جواز الإفطار] وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص، بل قد يجب [1]:

[الأوّل و الثاني: الشيخ و الشيخة إذا تعذّر عليهما الصوم]

الأوّل و الثاني: الشيخ و الشيخة إذا تعذّر عليهما الصوم، أو كان حرجاً و مشقّة، فيجوز لهما الإفطار (1)،

____________

(1) لا إشكال كما لا خلاف في سقوط الصوم عمّن كان حرجاً و مشقّة عليه و كلفة لا تتحمّل عادةً و إن كان قادراً عليه كالشيخ و الشيخة.

و يدلّ عليه بعد عموم دليل نفي الحرج الكتاب العزيز المعتضد بالروايات الخاصّة الواردة في المقام الناطقة بأنّ وظيفته الفداء.

قال تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1).

____________

[1] بل يجب مطلقاً.

____________

(1) البقرة 2: 183 184.

34

..........

____________

تضمّنت الآية المباركة تقسيم المكلّفين إلى أقسام ثلاثة:

فمنهم من يتعيّن عليهم الصيام أداءً، و هم الأفراد العاديّون من الحاضرين الأصحّاء، حيث إنّ التعبير ب‍ كُتِبَ و كذا التعبير ب‍ فَلْيَصُمْهُ في ذيل الآية اللاحقة ظاهرٌ في الوجوب التعييني.

و منهم من يتعيّن عليه القضاء، و هو المريض و المسافر.

و منهم من لا يجب عليه الصوم رأساً لا أداءً و لا قضاءً، بل يتعيّن في حقّه الفداء، و هم الذين يقعون من أجل الصوم في الإطاقة أي في كلفة و مشقّة كالشيخ و الشيخة.

فالصيام إنّما هو وظيفة القسمين الأولين فحسب دون الثالث، و ظاهر الآية الكريمة أنّ الوجوب في كلّ من الأقسام الثلاثة تعييني حسبما عرفت.

ثمّ أشار بقوله سبحانه فَمَنْ تَطَوَّعَ إلى أنّ ما ذكر من الأقسام الثلاثة إنّما هو حكم الصوم الواجب و أمّا التطوّع فهو خيرٌ للمتطوّع.

ثمّ أكّد سبحانه ما بيّنه من الصوم في القسمين الأولين يقوله تعالى وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي أنّ خيره و نفعه عائد إليكم لا إليه سبحانه الذي هو غني على الإطلاق.

هذا، و قد يتوهّم بل ذهب بعضهم إلى أنّ الآية المتقدّمة أعني: قوله تعالى وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ إلخ، منسوخة بقوله سبحانه بعد ذلك فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ باعتبار أنّ الإطاقة بمعنى القدرة، فكأنّ المتمكّن من الصيام كان مخيّراً في صدر الإسلام بينه و بين الفداء.

و لكن الظاهر كما أشرنا آنفاً أنّ الآية المباركة تشير إلى قسم آخر من المكلّفين، و أنّ المجعول في حقّهم من أوّل الأمر لم يكن إلّا الفداء، فإنّ الإطاقة‌

35

..........

____________

غير الطاقة، و معناها: المكنة مع المشقّة، أي إعمال الجهد و كمال القدرة و القوّة و غاية مرتبة التمكّن، بحيث تتعقّب بالعجز، و هو المعبّر عنه بالحرج و المشقّة، على ما فسّرها به في لسان العرب (1) و غيره.

و عليه، فالآية الشريفة غير منسوخة بوجه، بل تشير إلى الأقسام الثلاثة حسبما عرفت، و أنّ في كلّ قسم حكم تعييني يخصّه، و أنّ في القسم الثالث و هو من يتمكّن من الصيام مع الحرج الشديد و المشقّة العظيمة المتضمّنة لإعمال غاية الجهد و الطاقة لا أمر بالصوم أصلًا، بل يتعيّن الفداء.

و لأجل ذلك ذكر في الجواهر (2) ناسباً له إلى أصحابنا و علمائنا تعيّن الفدية في القسم الأخير، و أنّه لو صام لم يصحّ، لعدم الأمر حسبما اقتضاه ظاهر الكتاب كما عرفت و الروايات على ما سيجي‌ء.

و لكن صاحب الحدائق (قدس سره) ذهب إلى صحّة الصوم أيضاً و عدم تعيّن الفداء، و أنّ الحكم ترخيصي لا إلزامي، بل ذكر (قدس سره) أنّ الصوم أفضل، مستشهداً له بقوله سبحانه وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ فجعله متمّماً لقوله تعالى وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ إلخ، و مرتبطاً به. و نقل عن مجمع البيان قوله وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ يعني: من الإفطار و الفدية (3).

و لا يبعد استظهار ذلك من عبارة الماتن (قدس سره) أيضاً، حيث عبّر بعد قوله: وردت الرخصة ... إلخ، بقوله: بل قد يجب، فكأنّ الإفطار لم يكن واجباً مطلقاً و إنّما هو حكم ترخيصي ربّما يصير واجباً كما لو استلزم الصوم ضرراً محرّماً، و يشهد له ذيل عبارته أيضاً، حيث قال: فيجوز لهما الإفطار.

____________

(1) لاحظ لسان العرب 10: 232 233.

(2) الجواهر: 17: 144.

(3) الحدائق 13: 421.

36

..........

____________

و كيفما كان، فهذا القول الذي صرّح به في الحدائق من التخيير بين الصيام و الفداء لا يمكن المصير إليه بوجه، لكونه على خلاف ظاهر الآية الكريمة جزماً، فإنّ في العدول من الخطاب في قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ إلخ، إلى الغيبة في قوله سبحانه وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ إلخ، دلالة واضحة على أنّ المراد من المعدول إليه طائفة أُخرى غير المخاطَبين بالصيام المنقسمين إلى صحيح حاضر و مريض أو مسافر، و أنّ الصوم وظيفة لغير هؤلاء حسبما تقدّم.

و عليه، فالعود ثانياً إلى الخطاب في قوله تعالى وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ كاشفٌ عن رجوع هذه الفقرة إلى من خوطب أوّلًا و كونه من متمّمات الخطاب السابق لا من متمّمات الغيبة المعدول إليها، و إلّا لكان مقتضى السياق التعبير بلسان الغيبة أيضاً بأن يقال هكذا: و أن يصوموا خير لهم، بدل قوله سبحانه وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ.

و كأنّه سبحانه و تعالى أشار بذلك إلى أنّ التكليف بالصيام أداءً أو قضاءً يعود نفعه و فائدته إليكم لا إليه سبحانه الذي هو غني عن عباده. فهو إذن خيرٌ لكم كما ورد نظيره في آية التيمّم، قال تعالى وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ (1) إيعازاً إلى أنّ الغاية من التيمّم تطهير النفوس و تزكية القلوب من غير رجوع أيّ نفع من أعمال العباد و طاعاتهم إليه سبحانه.

و على الجملة: فهذه الفقرة تأكيد للخطاب السابق و من ملحقاته، و لا علاقة و لا ارتباط لها بالجملة الغيابيّة المتخلّلة ما بين الخطابين لتدلّ على الترخيص و جواز الصيام فضلًا عن أفضليّته.

____________

(1) المائدة 5: 6.

37

..........

____________

إذن فالتكليف بالفداء في قوله تعالى وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ الظاهر في الوجوب التعييني لا معدل عنه و لا محيص من الأخذ به بعد عدم اقترانه بما يوجب رفع اليد عنه و سلامته عن المعارض، فلا يصحّ الصوم من هؤلاء بتاتاً، لأنّ الموظّف به أداءً أو قضاءً غيرهم حسبما عرفت.

كما أنّ الروايات الواردة في المقام ظاهرة في أنّ الصدقة واجب تعييني تخييري، التي منها صحيحة عبد اللّٰه بن سنان، قال: سألته عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان «قال: يتصدّق كلّ يوم بما يجزئ من طعام مسكين» (1).

و صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام، و لا قضاء عليهما» (2) و نحوهما غيرهما ممّا تضمّن الأمر بالتصدّق، بل لم يرد الأمر بالصيام في شي‌ء من الروايات حتّى الضعيفة منها.

هذا، و من جملة الروايات الواردة في المقام ما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن عبد الملك بن عتبة الهاشمي، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الشيخ الكبير و العجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم في شهر رمضان «قال: تصدّق في كلّ يوم بمدّ حنطة» (3).

____________

(1) الوسائل 10: 211/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 5.

(2) الوسائل 10: 209/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 1.

(3) الوسائل 10: 211/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 4، الكافي 4: 116/ 2، الفقيه 2: 85/ 379، التهذيب 4: 238/ 696، الاستبصار 2: 103/ 337.

38

لكن يجب عليهما في صورة المشقّة (1)

____________

و قد وصفها في المدارك بالصحّة (1)، و تبعه غيره، و ليس كذلك كما نبّه عليه في الحدائق (2)، فإنّ عبد الملك المذكور مهمل في كتب الرجال، و الذي وثّقه النجاشي إنّما هو عبد الملك بن عتبة النخعي، لا عبد الملك بن عتبة الهاشمي، قال (قدس سره): و الكتاب المنسوب إلى الهاشمي و الناسب هو الشيخ ليس له و إنّما هو للنخعي (3).

و قد اشتبه الأمر بينهما على صاحب المدارك مع تضلّعه و سعة اطّلاعه.

و كيفما كان، ففي ما عداها من الروايات غنى و كفاية.

و على الجملة: فهذه الروايات المعتضدة بظهور الآية و المقترنة بتسالم الأصحاب كما سمعت دعواه من الجواهر تكفينا في الدلالة على ابتناء الفداء على الإلزام و عدم كفاية الصيام، و إن كان التعبير بالترخيص في كلمات بعض الأصحاب و منهم الماتن كما تقدّم يشعر بخلافه، إذ لا عبرة به تجاه الدليل القائم على خلافه حسبما عرفت.

(1) بعد ما عرفت من بطلان القول بالتخيير و عدم الاجتزاء بالصيام فاستقصاء الكلام في المقام يستدعي التكلّم في جهات:

الاولى: في وجوب الفداء، و هو في الجملة ممّا لا إشكال فيه، و قد قامت عليه الشهرة العظيمة، بل ادّعي الإجماع عليه.

____________

(1) المدارك 6: 294.

(2) الحدائق 13: 417.

(3) رجال النجاشي: 239/ 635.

39

..........

____________

و لكن نُسب إلى أبي الصلاح القول بالاستحباب (1)، فكما لا يجب عليهما الصوم لا تجب الفدية أيضاً.

و هذا كما ترى مخالف لظاهر الأمر الوارد في الكتاب و السنّة حسبما تقدّم.

نعم، ربّما يستدلّ له بما رواه الشيخ بإسناده عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء لضعفه و لا يمكنه الركوع و السجود «فقال: ليومئ برأسه إيماءً» إلى أن قال: قلت: فالصيام؟ «قال: إذا كان في ذلك الحدّ فقد وضع اللّٰه عنه، فإن كانت له مقدرة فصدقة مدّ من طعام بدل كلّ يوم أحبّ إليّ، و إن لم يكن له يسار ذلك فلا شي‌ء عليه» (2).

نظراً إلى أنّ ظاهر التعبير ب‍ «أحبّ» هو الاستحباب، و قد استدلّ بها في الجواهر أيضاً لسقوط الصيام عنه (3).

و كيفما كان، فالاستدلال المزبور لا بأس به لو لا أنّ السند ضعيف، فإنّ الكرخي المعبّر عنه تارةً بإبراهيم الكرخي، و أُخرى بإبراهيم بن أبي زياد، و ثالثةً بإبراهيم بن أبي زياد الكرخي مجهول لم يرد فيه أيّ توثيق أو مدح، فكيف يمكن التعويل عليه في الخروج عن ظواهر النصوص؟! على أنّه لا يبعد القول بعدم التنافي بين قوله: «أحبّ» و بين الوجوب، لأنّ ظهوره في الاستحباب ليس بتلك المرتبة، لجواز أن يراد أنّ إطاعة اللّٰه أحبّ إليه من معصيته، لا أنّ تركه جائز، يعني: بعد أن لم يتمكّن من الصوم الواجب‌

____________

(1) الكافي في الفقه: 182.

(2) الوسائل 10: 212/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 10، التهذيب 3: 307/ 951.

(3) الجواهر 17: 146.

40

بل في صورة التعذّر [1] أيضاً التكفير بدل كلّ يوم (1)

____________

فأحبّ أن يعمل بوظيفته البدليّة، فإنّ من المعلوم أنّ اللّٰه و رسوله و أولياءه يحبّون أن يعمل الناس بطاعاتهم و واجباتهم.

و كيفما كان، فيكفينا ضعف الرواية. إذن فالقول بعدم الوجوب في غاية الضعف.

(1) الجهة الثانية: هل يختصّ وجوب الفداء بمن يشقّ عليه الصيام أي يتمكّن منه مع المشقّة الشديدة، و هو المراد بالإطاقة كما تقدّم (1) أو يعمّ العاجز المعذور الذي لا يتمكّن منه حتّى مع المشقّة؟

المشهور هو الثاني و اختاره في المتن.

إنّما الكلام في مستنده.

أمّا الآية المباركة: فهي قاصرة الدلالة على ذلك، نظراً إلى توجيه الخطاب فيها إلى المتمكّنين خاصّة إمّا بلا مشقّة، أو عن المشقّة كما هو معنى الإطاقة على ما مرّ، و أنّه يجب الصوم على الأوّل إمّا أداءً كما في الصحيح الحاضر، أو قضاءً كما في المريض أو المسافر، و الفداء على الثاني، فهي ناظرة إلى بيان الوظيفة الفعليّة لجميع المكلّفين المتمكّنين بشتى أنحائهم، و أمّا من لم يكن متمكّناً من الصيام فهو خارج عن موضوع الآية المباركة رأساً، و مقتضى ذلك عدم توجيه تكليف إليه بتاتاً لا أداءً و لا قضاءً و لا فداءً كما لا يخفى.

و أمّا الروايات: فهي على طائفتين: إحداهما ما يدّعى إطلاقها للمعذور،

____________

[1] لا يبعد عدم الوجوب في هذه الصورة.

____________

(1) في ص 34 35.

41

..........

____________

و الأُخرى ما وردت في خصوص العاجز.

أمّا الطائفة الأُولى: فالظاهر عدم صحّة الاستدلال بها، لأنّها بين ما لا إطلاق لها، و بين ما هو شرح للآية المباركة التي عرفت عدم الإطلاق فيها من غير أن يتضمّن حكماً جديداً.

فمن القسم الأوّل: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان: عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان «قال: يتصدّق كلّ يوم بما يجزئ من طعام مسكين» (1).

فإنّها في نفسها غير شاملة للعاجز، إذ الضعف في مقابل القوّة لا في مقابل القدرة، و إنّما المقابل لها العجز دون الضعف.

و بالجملة: الضعف غير العجز، و لذا يقال: ضعيف في كتابته أو في مشيه، و لا يقال: عاجز، بل هو قادر و لكن عن مشقّة.

على أنّ التعبير فيها ب‍ «طعام مسكين» المطابق للآية الشريفة لا ب‍ «المدّ» فيه إشارة إلى أنّها في مقام بيان ما ورد في الآية الكريمة، التي عرفت أنّها خاصّة بالضعيف و لا تعمّ العاجز.

و من القسم الثاني: صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام، و لا قضاء عليهما، و إن لم يقدرا فلا شي‌ء عليهما» (2)، فإنّ دعوى الإطلاق فيها للعاجز غير بعيدة.

إلّا أنّها وردت في سند آخر أيضاً عن علاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم،

____________

(1) الوسائل 10: 211/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 5.

(2) الوسائل 10: 209/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 1.

42

..........

____________

عن أبي جعفر (عليه السلام)، و لكن تفسيراً لقول اللّٰه عز و جل وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ «قال: الشيخ الكبير و الذي يأخذه العطاش» إلخ (1).

فيظهر من ذلك أنّ الإمام (عليه السلام) لم يكن بصدد بيان حكم جديد، بل في مقام ذكر ما ورد في الآية الكريمة التي عرفت عدم الإطلاق لها. و ليس لدينا أيّ رواية أُخرى معتبرة تدلّنا على لزوم الفداء للشيخ الكبير كي يتمسّك بإطلاقها.

و أمّا الطائفة الثانية فهي روايتان: إحداهما: ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: قلت له: الشيخ الكبير لا يقدر أن يصوم «فقال: يصوم عنه بعض ولده» قلت: فإن لم يكن له ولد؟ «قال: فأدنى قرابته» قلت: فإن لم تكن له قرابة؟ «قال: يتصدّق بمدّ في كلّ يوم، فإن لم يكن عنده شي‌ء فليس عليه شي‌ء» (2)، فإنّها وردت في خصوص العاجز.

و لكن الاستدلال بها ضعيف جدّاً:

أمّا أوّلًا: فلضعف السند على المشهور، فإنّ يحيى بن المبارك الواقع فيه لم يرد فيه توثيق و لا مدح.

و أمّا ثانياً: فللقطع بعدم ورودها في صوم شهر رمضان، إذ أيّ معنى حينئذٍ لصيام بعض ولده أو قرابته عنه؟! فإنّه إن كان متمكّناً وجب عليه الصيام عن‌

____________

(1) الوسائل 10: 210/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 3.

(2) الوسائل 10: 213/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 11، التهذيب 4: 239/ 699، الإستبصار 2: 104/ 340.

43

..........

____________

نفسه، و إلّا كان ساقطاً عنه أيضاً، فهذا لا ينطبق على صوم رمضان أبداً، مضافاً إلى أنّ النيابة عن الحيّ في الصيام غير ثابتة، فإنّها تحتاج إلى دليل قاطع كما ثبت في الحجّ.

فلا بدّ إذن من فرض الرواية في مورد آخر، و لا يبعد حملها على صوم النذر، فإنّه المحكوم وجوباً أو استحباباً بمدّ أو مدّين بدل الصوم عن كلّ يوم، على الخلاف المقرّر في محلّه. و يمكن القول بأنّه مع العجز عن الصوم بنفسه يصوم عنه بعض ولده أو قرابته و إلّا فيتصدّق. و المهمّ أنّها ضعيفة الدلالة.

الثانية: ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره، عن القاسم بن محمّد و الظاهر أنّه الجوهري و لا بأس به عن علي، عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «أيّما رجل كان كبيراً لا يستطيع الصيام، أو مرض من رمضان إلى رمضان، ثمّ صحّ، فإنّما عليه لكلّ يوم أفطر فيه فدية إطعام، و هو مدّ لكلّ مسكين» (1).

و هي و إن كنت واضحة الدلالة إلّا أنّها قاصرة السند جدّاً، فإنّ الراوي عن أبي بصير هو قائده علي بن أبي حمزة البطائني الذي ضعّفه الشيخ قائلًا: إنّه وضع أحاديث في أنّ موسى بن جعفر (عليه السلام) لم يمت (2)، ليكون ذريعة إلى الامتناع عن إعطاء أمواله (عليه السلام) إلى الرضا (عليه السلام)، فهي غير صالحة للاستدلال بها بوجه.

و من جميع ما ذكرنا تعرف أن الأظهر اختصاص الفداء بمن يشقّ عليه الصوم، و لا يشمل المعذور العاجز عنه رأساً، فإنّه لا يجب عليه أيّ شي‌ء.

____________

(1) الوسائل 10: 213/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 12، نوادر أحمد بن محمّد ابن عيسى: 70/ 146.

(2) الغيبة للشيخ الطوسي: 42 46.

44

بمدّ من طعام، و الأحوط مدّان (1).

و الأفضل كونهما من حنطة (2).

____________

و يؤيّده التعبير ب‍ «أحبّ» في رواية الكرخي المتقدّمة (1)، بناءً على ظهوره في الاستحباب، و إن كانت ضعيفة السند كما تقدّم في ص 39، فلاحظ.

(1) الجهة الثالثة: في تحديد الفدية و أنّها مدّ أو مدّان، فإنّ الروايات في ذلك مختلفة، ففي بعضها التحديد بمدّ عن كلّ يوم، كما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (2).

و في بعضها الآخر التحديد بمدّين، كما في صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3).

هذا، و لو كان المروي عنه فيهما شخصاً واحداً لكان لتطرّق احتمال الاشتباه من أحد الناقلين مجالٌ واسع، و لكنّهما شخصان، فتلك عن الباقر (عليه السلام)، و هذه عن الصادق (عليه السلام)، فلا بدّ إذن من الجمع، و قد ذكر له الشيخ وجهين على ما حكاه عنه في الوسائل، أحدهما: الحمل على الاستحباب، و الثاني: اختصاص المدّين بالقادر، و المدّ الواحد بالعاجز.

و لكن الثاني كما ترى، فإنّه جمع تبرّعي عارٍ عن كلّ شاهد بعد اتّحاد الروايتين مضموناً بل و عبارةً أيضاً. فالمتعيّن إذن هو الأوّل.

(2) الجهة الرابعة: في جنس الفدية.

____________

(1) الوسائل 10: 212/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 10.

(2) الوسائل 10: 209/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 1.

(3) الوسائل 10: 210/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 2.

45

و الأقوى وجوب القضاء عليهما [1] لو تمكّنا بعد ذلك (1).

____________

قد ورد في غير واحد من الروايات تبعاً للآية المباركة عنوان الطعام من غير اختصاص بجنس خاصّ، غير أنّ الوارد في رواية الهاشمي المتقدّمة خصوص الحنطة «قال: تصدّق في كلّ يوم بمدّ حنطة» (1)، و قد عرفت أنّها ضعيفة السند، و لا بأس بالعمل بها و الحمل على الأفضليّة مع بقاء الإطلاقات على حالها.

(1) الجهة الخامسة: في وجوب القضاء و عدمه لو فُرض عروض التمكّن.

فنقول: نُسبَ إلى المشهور وجوب القضاء، استناداً إلى عموم قضاء الفوائت و إن لم ترد في المقام حتّى رواية ضعيفة تدلّ على الوجوب.

و خالف فيه جماعة آخرون و هم كثيرون فأنكروا وجوب القضاء و أنّه ليس عليه إلّا الفداء، و هو الصحيح.

و يدلّنا عليه أوّلًا: قصور المقتضي، لعدم صدق الفوت، فإنّه إنّما يتحقّق بأحد أمرين: إمّا فوت الفريضة المأمور بها، أو فوت ملاكها الملزم، و إن شئت فقل: إمّا فوت الواجب الفعلي، أو الواجب الشأني المستكشف تحقّقه في ظرفه من الأمر بالقضاء و إن لم يتعلّق به أمر فعلي في الوقت، لمانعٍ خارجي من حيض أو نفاس أو نوم أو نسيان و نحوها.

و الأوّل مفروض الانتفاء في المقام، إذ لا أمر بالصيام حسب الفرض، و على تقدير القول بالوجوب التخييري الراجع إلى تعلّق الأمر بالجامع بينه و بين‌

____________

[1] في القوّة إشكال بل منع.

____________

(1) الوسائل 10: 211/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 4.

46

..........

____________

الفداء لم يفت منه أيّ شي‌ء أيضاً بعد فرض الإتيان بالفرد الآخر.

و الثاني لا سبيل إلى إحرازه من غير ناحية الأمر بالقضاء كما ورد في الموارد المزبورة، و هو أيضاً مفروض الانتفاء، لعدم ورود القضاء في المقام حتّى في رواية ضعيفة حسبما عرفت.

إذن فلم يتحقّق الفوت فيما نحن فيه لا بالنسبة إلى التكليف، و لا بالإضافة إلى الملاك، و معه لا موضوع لوجوب القضاء بتاتاً.

و ثانياً: إنّ الآية الكريمة في نفسها ظاهرة في نفي القضاء عنه، لأنّها تضمّنت تقسيم المكلّفين إلى من يجب عليه الأداء و هو الصحيح الحاضر، أو القضاء و هو المريض أو المسافر، أو الفداء و هو من لا يطيق. و من المعلوم أنّ التفصيل قاطع للشركة، فالآية بمجرّدها كافية في الدلالة على نفي القضاء عن الشيخ و الشيخة.

و ثالثاً: إنّ صحيحة محمّد بن مسلم صريحة في ذلك، قال (عليه السلام) فيها: «... و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام، و لا قضاء عليهما» (1).

و حملها على ما إذا لم يتمكّنا من القضاء إلى السنة الآتية كما ترى.

و يؤيّده توصيف الفداء بالإجزاء في صحيحتي عبد اللّٰه بن سنان (2) و الحلبي (3)، الكاشف عن أنّه يجزئ عن الصوم و لا حاجة معه إليه بوجه.

و على الجملة: فلم نر أيّ موجب للقضاء، لقصور المقتضي، و على تقدير تماميّته فظاهر الآية و صريح الصحيحة من غير معارض هو عدم الوجوب و إن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

____________

(1) الوسائل 10: 209/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 1.

(2) الوسائل 10: 211/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 5.

(3) الوسائل 10: 212/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 9.

47

[الثالث: من به داء العطش]

الثالث: من به داء العطش، فإنّه يفطر (1)،

____________

(1) الكلام هنا هو الكلام في الشيخ و الشيخة بعينه، لوحدة المستند، و إنّما يفترق عنه في جهة، و هي احتمال اندراج المقام في عنوان المريض المحكوم بوجوب القضاء بعد البرء، فلو ارتفع داء العطش الناشئ من خللٍ في كبده و نحو ذلك بمعالجة أو مجي‌ء فصل الشتاء مثلًا لزمه القضاء حينئذٍ و لا يكفيه الفداء، بخلاف الشيخ و الشيخة فإنّهما يندرجان في عنوان من لا يطيق دون المريض كما تقدّم.

و يندفع: بأنّ العطاش و إن كان ناشئاً من أمر عارض في البدن لا محالة إلّا أنّه لا يندرج بذلك في عنوان المريض ليكون محكوماً بالقضاء.

و ذلك لما أسلفناك من أنّ المريض المحكوم عليه بالإفطار و القضاء هو الذي يضرّ به الصوم بحيث يوجب ازدياد المرض أو طول برئه، و ذو العطاش ليس كذلك، فإنّه لا يتضرّر من ناحية الصوم، و إنّما يقع من أجله في مشقّة شديدة و حرج عظيم، فهو إذن يغاير المريض موضوعاً، و يشارك الشيخ و الشيخة في الاندراج تحت قوله تعالى وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ إلخ، كما يغايره حكماً، فلا يجب عليه إلّا الفداء، كما لا يجب على المريض إلّا القضاء لو تمكّن. نعم، يجب عليه أيضاً الفداء لو لم يتمكّن، إلّا أنّ ذلك فدية التأخير لا فدية الإفطار، و ذلك أمر آخر على ما سيجي‌ء في محلّه إن شاء اللّٰه.

و الذي يرشدك إلى ذلك صحيحة محمّد بن مسلم حيث جعل فيها ذو العطاش في مقابل المريض عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول اللّٰه عزّ و جلّ وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ «قال: الشيخ الكبير و الذي يأخذه العطاش» و عن قوله عزّ و جل:

48

سواء كان بحيث لا يقدر على الصبر (1) أو كان فيه مشقّة،

____________

فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً (1) «قال: من مرضٍ أو عطاش» (2).

حيث جعل ذو العطاش مرادفاً للشيخ و مقابلًا للمريض المذكور في الآية الكريمة قبل ذلك، كما أنّ عطف العطاش على المرض في الذيل كاشفٌ عن المغايرة.

و قد وقعت المقابلة بينهما أيضاً في بعض الروايات الضعيفة، كرواية داود بن فرقد عن أبيه و ضعفها من أجل أبيه، فإنّه لم يوثّق في حديث: فيمن ترك صوم ثلاثة أيّام في كلّ شهر «فقال: إن كان من مرض فإذا برئ فليقضه، و إن كان من كبر أو عطش فبدل كلّ يوم مدّ» (3) و رواها أيضاً عن أخيه (4).

و على الجملة: فلا ينبغي التأمّل في خروج ذي العطاش عن عنوان المريض و موضوعه، و عدم صدق اسمه عليه عرفاً.

و مع الغضّ عن ذلك و تسليم الاندراج و الصدق فلا شكّ في خروجه عنه حكماً، للتصريح في صحيحة ابن مسلم المتقدّمة باندراجه كالشيخ الكبير تحت قوله تعالى وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ إلخ، فغايته استثناء هذا المريض عن بقيّة أقسامه في اختصاصه بالفداء و عدم وجوب القضاء عليه حسبما عرفت.

(1) الكلام هنا من حيث اختصاص الحكم بمن يشقّ عليه الصبر أو الشمول‌

____________

(1) المجادلة 58: 4.

(2) الوسائل 10: 210/ أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 3.

(3) الوسائل 10: 432/ أبواب الصوم المندوب ب 10 ح 1.

(4) الوسائل 10: 435/ أبواب الصوم المندوب ب 11 ح 8.

49

و يجب عليه التصدّق بمدّ [1]، و الأحوط مدّان، من غير فرق بين ما إذا كان مرجوّ الزوال أم لا، و الأحوط بل الأقوى وجوب القضاء عليه [1] إذا تمكّن بعد ذلك (1)، كما أنّ الأحوط أن يقتصر على مقدار الضرورة (2).

____________

للعاجز عنه، و كذا من حيث كون الفداء مدّاً أو مدّين هو الكلام المتقدّم في الشيخ و الشيخة بعينه، لوحدة المستند، فلا نعيد.

(1) بل الأقوى عدمه كما مرّ الكلام حوله آنفاً، فلاحظ.

(2) بل قد أفتى بعضهم بالوجوب و عدم جواز الارتواء، استناداً إلى موثّقة عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في الرجل يصيبه العطاش حتّى يخاف على نفسه «قال: يشرب بقدر ما يمسك رمقه، و لا يشرب حتّى يروى» (1).

و لكنّك خبير بأنّ مورد الموثّقة أجنبي عن محلّ الكلام، ضرورة أنّ المبتلى بداء العطاش لا يخاف على نفسه من هلكة أو ضرر كما تقدّم، و إنّما يقع من جرّاء الصبر و الإمساك عن الشرب في ضيقٍ و حرج و مشقّة شديدة، و هو معنى الإطاقة، فيندرج في قوله تعالى وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ إلخ.

و أمّا مورد الموثّقة فهو من يصيبه العطش أثناء النهار لأمر عارضي من شدّة الحرّ أو همّ عظيم و نحو ذلك بحيث يخاف على نفسه، و لأجله يضطرّ إلى الشرب حذراً من الهلاك أو ما في حكمه، فموضوعها الاضطرار لا التمكّن مع المشقّة الذي هو محلّ الكلام.

____________

[1] لا يبعد عدم الوجوب مع عدم القدرة كما في الشيخ و الشيخة.

[1] في القوّة إشكال و إن كان القضاء أحوط.

____________

(1) الوسائل 10: 214/ أبواب من يصح منه الصوم ب 16 ح 1.

50

[الرابع: الحامل المقرب التي يضرّها الصوم أو يضرّ حملها]

الرابع: الحامل المقرب التي يضرّها الصوم أو يضرّ حملها (1)،

____________

و من البيّن أنّ المضطرّ و إن ساغ له الإفطار إلّا أنّه يلزمه الاقتصار على ما يندفع به الاضطرار، فإنّ الضرورات تقدّر بقدرها، و يجب عليه الإمساك بقيّة النهار و إن بطل صومه، شأن كلّ من هو مأمور بالصيام و قد عرضه البطلان لجهة من الجهات حسبما تقدّم.

و على الجملة: مورد الموثّقة من هو مأمور بالصيام و قد اضطرّ إلى الإفطار، و حكمه الاقتصار و الإمساك بقيّة النهار ثمّ القضاء، و أين هذا من ذي العطاش المبحوث عنه في المقام الذي لم يكن مأموراً إلّا بالفداء دون الصيام؟! إذن فلا يلزمه الاقتصار على مقدار الضرورة، عملًا بإطلاق الأدلّة.

(1) استيعاب البحث يستدعي التكلّم في جهات:

الاولى: في جواز الإفطار لها، و هذا ممّا لا خلاف فيه و لا إشكال، سواء أ كان الضرر متوجّهاً إليها أم إلى حملها، من غير حاجة إلى ورود نصّ خاصّ، غايته أنّ الجواز يثبت لها على الأوّل بعنوان المرض، بناءً على ما أسلفناك من أنّ أخذه في موضوع الحكم لم يكن بما هو و بوصفه العنواني، بل بمناط التضرّر من الصوم، فكلّ من أضرّه الصوم فهو محكوم بالإفطار و إن لم يكن مريضاً بالفعل.

و على الثاني من باب المزاحمة و حفظ النفس المحترمة بعد فرض عدم التمكّن من الجمع بين الصوم و بين التحفّظ على سلامة الحمل من السقط و نحوه، و هذا واضح.

الجهة الثانية: في وجوب القضاء، و هو المشهور و المعروف، بل عن الخلاف‌