موسوعة الإمام الخوئي - ج33

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
373 /
1

[تتمة كتاب النكاح]

[فصل في الجمع بين الحرّة و الأمة]

فصل [في الجمع بين الحرّة و الأمة]

[تمهيد]

الأقوى جواز نكاح الأمة على الحرّة مع إذنها (1).

____________

فصل

(1) على ما هو المعروف و المشهور بين الأصحاب، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد من القدماء و المتأخرين.

نعم، نسب الشيخ (قدس سره) إلى جماعة من الأصحاب القول بعدم الجواز (1) غير أن صاحب الحدائق (قدس سره) قد استشكل في ذلك، و حمل كلام هؤلاء الجماعة على صورة عدم تمامية شرائط جواز التزوج من الأمة (2).

و كيف كان، فقد استدل لمذهب المشهور بصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام): هل للرجل أن يتمتع من المملوكة بإذن أهلها و له امرأة حرّة؟ قال: «نعم، إذا رضيت الحرّة». قلت: فإن أذنت الحرّة يتمتع منها؟ قال: «نعم» (3).

و هذه الصحيحة و إن كان موردها المتعة، إلّا أنّه لا بدّ من التعدي إلى العقد الدائم أيضاً، لعدم القول بالفصل. و غير بعيد أن يكون اختصاص السؤال بالمتعة، من جهة أن إذن الحرّة فيها أيسر و أسهل من الإذن في العقد الدائم.

و بإزاء هذه الصحيحة صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «تزوّج الحرّة على الأمة و لا تزوّج الأمة على الحرّة، و من تزوّج أمة على حرّة‌

____________

(1) النهاية: 459.

(2) الحدائق 23: 570.

(3) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 16 ح 1.

2

و الأحوط (1) اعتبار الشرطين: من عدم الطَّول، و خوف العَنَت. و أما مع عدم إذنها فلا يجوز، و إن قلنا في المسألة المتقدِّمة بجواز عقد الأمة مع عدم الشرطين (2) بل هو باطل (3). نعم، لو أجازت بعد العقد صحّ على الأقوى (4) بشرط تحقق

____________

فنكاحه باطل» (1). و غيرها من الأخبار.

و مقتضى الجمع بينهما حمل الثانية على صورة عدم الإذن من الحرّة.

هذا و لو قطعنا النظر عن معارضة الصحيحتين، فإن صحيحة الحلبي و غيرها من أدلّة المنع معارضة بما دلّ على الجواز في فرض خشية العنت و عدم الطول أو الاضطرار على ما دلّت عليه الآية الكريمة و النصوص الكثيرة المتقدِّمة إذ أن مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين من كانت عنده حرّة و غيره، كما أن مقتضى إطلاق الصحيحة و غيرها عدم الفرق بين موارد الاضطرار و غيرها. و حينئذٍ فيتعارضان و يسقطان، و يكون المرجع هو عمومات الحلّ، و مقتضاها جواز التزوج من الأمة في هذا الحال، متعة كان أو دواماً.

فإن قلت: إذن فما الدليل على اعتبار إذن الحرّة في جواز نكاح الأمة؟

قلت: إنّ الدليل هو صحيحة ابن بزيع، فإنّه إذا اعتبر الإذن في النكاح المنقطع الذي هو أهون حالًا من العقد الدائم و لا سيّما إذا كانت المدّة قصيرة جدّاً اعتبر الإذن في العقد الدائم بطريق أولى قطعاً.

و بالجملة فما ذهب إليه المشهور من القول بالجواز مع إذن الحرّة هو الصحيح.

(1) بل الأقوى، لما تقدّم.

(2) فإن كلا منهما شرط مستقل و له دليله الخاص، فلا يلزم من القول بعدم اعتبار أحدهما القول بعدم اعتبار الآخر.

(3) لصحيحة الحلبي المتقدِّمة.

(4) كما اختاره جملة من الأصحاب، خلافاً للشرائع و غيرها حيث التزموا بالبطلان (2) بل في بعض الكلمات دعوى الإجماع عليه.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ب 46 ح 1.

(2) شرائع الإسلام 2: 340.

3

..........

____________

و كيف كان، فالإجماع غير متحقق يقيناً، و القواعد تقتضي البطلان، فإن العقد حين وقوعه لما كان باطلًا، فصحته بعد ذلك تحتاج إلى الدليل.

و قد ذكرنا في مسألة التزوج من بنت الأخ من دون إذن العمة أو بنت الأُخت من دون إذن الخالة ثم أذنتا، أن العقد الفضولي و إن كان صحيحاً على القاعدة، إلّا أن ذلك إنّما يختص بما إذا كانت إجازة من له الأمر موجبة لاستناد العقد إلى المجيز، و لا يشمل مثل المقام الذي قد تحقق استناد العقد إلى الرجل في حينه و كانت صحته متوقفة على إذن شخص معين تعبداً، فإن العقد حينئذٍ حين انتسابه لم يكن صحيحاً و ليس بعده عقد، فلا موجب للحكم بالصحّة.

و بعبارة اخرى: إن صحّة العقد الفضولي بالإجازة اللّاحقة إنّما تكون على القاعدة فإنّ العقد بالإجازة يستند إلى المجيز و من له الأمر، فتشمله العمومات الدالّة على الصحّة. و أما إذا كان العقد مستنداً إلى من له الأمر و كان محكوماً بالبطلان، فلا تكون إجازة من اعتبرت إجازته تعبداً مصححة له.

نعم، ذكرنا هناك أيضاً أنّ القاعدة و إن كانت تقتضي البطلان، إلّا أنّه لا بدّ من الخروج عنها في مثل هذه الموارد، للتعليل المذكور في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في مملوك تزوّج بغير إذن سيده، حيث ورد فيها قوله (عليه السلام): «إنّه لم يعص اللّٰه، و إنّما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز» (1). فإنّ مقتضاه هو الحكم بصحّة كل عقد لم يشتمل على معصية اللّٰه تعالى كالجمع بين الأُختين بل كان حلالًا في نفسه، غاية الأمر كان فاقداً لإذن من يعتبر إذنه، خاصة فيما إذا لحقته الإجازة كالمقام.

و الحاصل إن المقام يلحق بالعقد الفضولي في الحكم بالصحّة فيما إذا لحقته الإجازة. لكن بفارق أن الحكم في العقد الفضولي للقاعدة، في حين أنّه في المقام للتعليل المذكور في النص.

هذا و ربّما يستدل للصحّة بصحيحة ابن بزيع المتقدِّمة، بدعوى أنّها مطلقة من‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 24 ح 1.

4

..........

____________

حيث تقدّم الإذن و تأخّره.

إلّا أنّه مدفوع بأنّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «نعم، إذا رضيت الحرّة» هو اعتبار الإذن في صحّة العقد و التمتع، بمعنى كونه في مرحلة سابقة على العقد بحيث لا يجوز العقد إلّا به، فلا تشمل الرضاء المتأخر بالتمتع السابق.

ثم إن الشيخ (قدس سره) قد حكم في المقام بتخيّر الحرّة بين إمضاء عقد الأمة، أو فسخه، أو فسخ عقد نفسها (1).

مستدلّاً عليه بموثقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه (ع) عن رجل تزوّج أمة على حرّة فقال: «إن شاءت الحرّة تقيم مع الأمة أقامت، و إن شاءت ذهبت إلى أهلها». قال: قلت: فإن لم ترض و ذهبت إلى أهلها، إله عليها سبيل إذا لم ترض بالمقام؟ قال: «لا سبيل عليها إذا لم ترض حين تعلم». قلت: فذهابها إلى أهلها طلاقها؟ قال: «نعم، إذا خرجت من منزله اعتدَّت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت» (2). و هذه الموثقة تدل على تخيرها في عقد نفسها، و أما تخيرها في عقد الأمة فهو قد ثبت بالأدلة السابقة.

و ما أفاده (قدس سره) هو الصحيح لو تمّ متن الرواية. غير أن الأمر ليس كذلك فإن الكليني (قدس سره) قد رواها بعين السند و المتن فيما عدا اختلاف يسير، فإنّه ذكر في الكافي هكذا: في رجل تزوّج امرأة حرّة و له امرأة أمة و لم تعلم الحرّة أنّه له امرأة، قال: «إن شاءت الحرّة» الحديث (3). فتكون الموثقة على هذا أجنبية عمّا نحن فيه.

و حيث لا يحتمل تعدّد الروايتين، فلا محالة قد وقع الخطأ في إحدى النسختين و من هنا فيتعيّن ترجيح نسخة الكليني (قدس سره) لكونه (قدس سره) أضبط نقلًا من الشيخ (قدس سره)، فإنّ أخطاء الشيخ (قدس سره) في التهذيب و الاستبصار كثيرة، بل ذكر صاحب الحدائق (قدس سره) أنّه قلّما توجد فيهما رواية تخلو من‌

____________

(1) النهاية: 459.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ب 47 ح 3.

(3) الكافي 5: 359.

5

الشّرطين على الأحوط (1).

و لا فرق في المنع بين كون العقدين دواميين أو انقطاعيين أو مختلفين (2) بل الأقوى عدم الفرق (3) بين إمكان وطء الحرّة و عدمه، لمرض أو قرن أو رتق، إلّا مع عدم الشرطين [1] (4).

نعم، لا يبعد الجواز إذا لم تكن الحرّة قابلة للإذن (5) لصغر أو جنون

____________

الخطأ في السند أو المتن. و ما ذكره (قدس سره) و إن كان لا يخلو من مبالغة و مسامحة فإنّه ما أكثر الروايات التي تخلو من الخطأ في السند و المتن فيهما، غير إن وجود الخطأ فيهما ليس بعزيز.

و على كل فلا أقل من الالتزام بتساقطهما، و حينئذٍ فلا يبقى دليل على تخيّرها في عقد نفسها.

(1) لبنائه (قدس سره) الحكم في أصل المسألة على الاحتياط.

(2) أما بالنسبة إلى عقد الحرّة، فلإطلاق قوله في صحيحة ابن بزيع: (و له امرأة حرّة). و أما بالنسبة إلى عقد الأمة، فالنص المذكور و إن كان وارداً في خصوص المتعة، إلّا أنّك قد عرفت أنّه لا بدّ من التعدي عنها إلى عقد الدوام أيضاً، للأولوية القطعية.

(3) لإطلاق الدليل.

(4) لم يظهر وجه لهذا الاستثناء، إذ الكلام إنّما هو في فرض تحقق الشرطين، و إلّا يتعيّن القول بعدم الجواز جزماً أو احتياطاً على الخلاف.

(5) نظراً لانصراف دليل اشتراط إذن الحرّة أعني صحيحة ابن بزيع إلى القابلة له، على ما هو الظاهر منها عرفاً، و عليه فيرجع في غيرها إلى عمومات الحلّ.

و من هنا يظهر الفرق بين هذه المسألة و مسألة اعتبار إذن العمة و الخالة في التزوج من بنت الأخ أو بنت الأُخت، حيث ذكرنا فيها أنّه لا فرق في اعتبار إذنهما بين كونهما‌

____________

[1] هذه الجملة زائدة أو أنّ في العبارة تقديماً و تأخيراً.

6

خصوصاً (1) إذا كان عقدها انقطاعياً، و لكن الأحوط مع ذلك المنع.

و أمّا العكس و هو نكاح الحرّة على الأمة فهو جائز و لازم إذا كانت الحرّة عالمة بالحال (2).

____________

قابلتين للإذن و عدمه.

و الوجه في ذلك إن نصوص تلك المسألة دالّة على عدم جواز التزوج من بنت الأخ على العمة و بنت الأُخت على الخالة على الإطلاق، غير إننا قد خرجنا عنه في فرض إذنهما لبعض النصوص الخاصة، و من هنا فإذا فرضنا عدم قابليتهما للإذن كانت إطلاقات المنع هي المحكمة. و هذا بخلاف المقام، إذ قد عرفت أنّ مقتضى القاعدة هو الجواز، نظراً لتعارض أدلّة المنع مع ما دلّ على الجواز في فرض الضرورة، غاية الأمر إننا قد اعتبرنا إذن الحرّة لصحيحة ابن بزيع، و حيث قد عرفت أنّها منصرفة إلى فرض قابليتها للإذن، فلا محالة يكون المرجع في فرض عدم قابليتها للإذن هو عمومات الحلّ و الجواز.

(1) لم يظهر وجه للخصوصيّة، بعد ما تقدّم من عدم الفرق بين كون العقدين دواميين أو انقطاعيين أو مختلفين. نعم، لا يبعد دعوى انصراف الدليل عن بعض أقسام الانقطاع الذي لا يقصد به الاستمتاع كالتزوج منها لكي تحرم أُمها عليه أبداً غير أن هذا لا يختص بالزوجة الصغيرة أو المجنونة، بل يجرى حتى في الزوجة الكبيرة العاقلة.

(2) لموثقة سماعة المتقدِّمة بناءً على نسخة الكليني (قدس سره). و على فرض سقوطها نتيجة لمعارضتها لنسخة الشيخ (قدس سره)، تكفينا صحيحة يحيى الأزرق قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل كانت له امرأة وليدة فتزوج حرّة و لم يعلمها بأنّ له امرأة وليدة، فقال: «إن شاءت الحرّة أقامت، و إن شاءت لم تقم». قلت: قد أخذت المهر فتذهب به؟ قال: «نعم، بما استحل من فرجها» (1).

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ب 47 ح 1.

7

و أمّا مع جهلها، فالأقوى خيارها في بقائها مع الأمة، و فسخها و رجوعها إلى أهلها (1). و الأظهر عدم وجوب أعلامها بالحال (2). فعلى هذا لو أخفى عليها ذلك أبداً لم يفعل محرماً.

____________

ثم إنّ صاحب الوسائل (قدس سره) قد اقتصر في ذكر اسم راوي هذه الرواية على يحيى بن الأزرق، و هو إن كان نتيجة سقط في النسخ فهو، و إلّا فهو خلاف أُصول نقل الحديث. فإنّ يحيى هذا مشترك بين يحيى بن حسان الأزرق المجهول و يحيى بن عبد الرحمٰن الأزرق الثقة، مع أن الشيخ (قدس سره) قد روى هذه الرواية في التهذيب عن يحيى بن عبد الرحمٰن الأزرق (1).

فالرواية على هذا صحيحة السند، و إن عبّر عنها في الجواهر بخبر يحيى بن الأزرق (2).

(1) بلا خلاف فيه بين الأصحاب، و تدلّ عليه موثقة سماعة و صحيحة يحيى بن عبد الرحمٰن الأزرق.

(2) بلا إشكال، لعدم الدليل عليه، إذ غاية ما دلّ عليه الدليل هو ثبوت الخيار لها عند علمها بالحال، و هذا لا يعني وجوب أعلامها بذلك، كما هو الحال في سائر موارد الخيار في العقود، كالعيب و الغبن و ما شاكلهما. بل يمكن استفادة عدم الوجوب من موثقة سماعة و صحيحة ابن الأزرق، باعتبار أن الإمام (عليه السلام) فيهما لما كان في مقام البيان، فعدم ذكره لوجوب الإعلام يكون دليلًا على عدمه.

و من الغريب ما حكاه صاحب الجواهر (قدس سره) عن الرياض من أنّه قال: و لو أدخل الحرّة على الأمة جاز، و لزم علم الحرّة بأن تحته أمة إجماعاً و نصوصاً. ثم أشكل عليه بأنّه لم نتحقق ذلك، و ذكر أنّ من الممكن أن يريد الإجماع و النصوص على الحكم الأوّل، أعني الجواز (3).

____________

(1) التهذيب 7: 345/ 1413.

(2) الجواهر 29: 412.

(3) الجواهر 29: 413.

8

[مسألة 1: لو نكح الحرّة و الأمة في عقد واحد مع علم الحرّة صحّ]

[3794] مسألة 1: لو نكح الحرّة و الأمة في عقد واحد مع علم الحرّة صحّ (1). و مع جهلها صحّ بالنسبة إليها، و بطل بالنسبة إلى الأمة (2) إلّا مع إجازتها (3).

____________

و الظاهر أنّ نسخته (قدس سره) كانت مغلوطة، و الصحيح إضافة كلمة (مع) بعد قوله (لزم) كما هو الحال في النسخ المطبوعة من الرياض و إلّا لكانت العبارة غير مستقيمة جزماً، إذ ينبغي أن تكون (و لزم إعلام الحرّة) لو كان المقصود هو ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره).

(1) باعتبار أنّ رضا الحرّة بهذا العقد مع علمها بالحال رضا بتزوج الرجل من الأمة، فتشمله أدلة جواز إدخال الأمة على الحرّة إذا رضيت بذلك.

(2) لصحيحة أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة حرّة و أمتين مملوكتين في عقد واحد، قال: «أما الحرّة فنكاحها جائز، و إن كان سمّى لها مهراً فهو لها. و أما المملوكتان فإنّ نكاحهما في عقد مع الحرّة باطل، يفرق بينه و بينهما» (1).

(3) و الوجه فيه بعد إطلاق صحيحة أبي عبيدة المقتضي للبطلان، بلا فرق بين علم الحرّة و جهلها، و الإذن و عدمه هو ما ادعاه صاحب الجواهر (قدس سره) من اليقين بتقييدها بصورة عدم الإذن و الرضا (2). و هو غير بعيد، و لعلّ منشأه الروايات التي دلت على جواز إدخال الأمة على الحرّة بإذنها، فإنّه إذا جاز إدخالها عليها برضاها، جاز الاقتران بطريق أولى.

هذا و يمكن أن يقال في توجيه الحكم: إنّ صحيحة أبي عبيدة معارضة للآية الكريمة الدالّة على جواز التزوج من الأمة عند عدم الطول و خشية العنت، و النصوص الدالّة عليه مع الضرورة، باعتبار أن النسبة بينهما إنّما هي نسبة العموم و الخصوص من وجه. فيتعارضان في مورد الاجتماع، حيث إنّ مقتضى الآية هو الجواز، في حين أن مقتضى صحيحة أبي عبيدة هو المنع. و عليه فإن قلنا بترجيح الآية فهو، و إلّا كان‌

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ب 48 ح 1.

(2) الجواهر 29: 414.

9

و كذا الحال لو تزوجهما بعقدين في زمان واحد، على الأقوى (1).

[مسألة 2: لا إشكال في جواز نكاح المبعضة على المبعضة]

[3795] مسألة 2: لا إشكال في جواز نكاح المبعضة على المبعضة (2). و أمّا على الحرّة ففيه إشكال، و إن كان لا يبعد جوازه (3) لأنّ الممنوع نكاح الأمة على الحرّة، و لا يصدق الأمة على المبعضة، و إن كان لا يصدق أنّها حرّة أيضاً (4).

[مسألة 3: إذا تزوَّج الأمة على الحرّة، فماتت الحرّة أو طلّقها]

[3796] مسألة 3: إذا تزوَّج الأمة على الحرّة، فماتت الحرّة أو طلّقها، أو وهب مدّتها في المتعة أو انقضت، لم يثمر في الصحّة (5) بل لا بدّ من العقد على الأمة جديداً إذا أراد.

____________

مقتضى تساقطهما هو الرجوع إلى عمومات الجواز.

و مقتضى هذا التقرير و إن كان هو الجواز حتى مع عدم رضا الحرّة، إلّا أننا لما علمنا بأنّ للحرّة حقاً على الأمة كما يظهر ذلك مما دلّ على تخيّر الحرّة في عقد نفسها إذا دخلت هي على الأمة، و في عقد الأمة إذا دخلت الأمة عليها كان تخيّرها عند الجمع بينهما في عقد واحد في عقد نفسها أو عقد الأمة ممّا لا ينبغي الشكّ فيه، إذ أنّ الجمع بينهما لا يقصر عن دخولها على الأمة أو العكس.

غير أنّ الاحتمال الأوّل أعني تخيّرها في عقد نفسها لما كان مخالفاً لصريح صحيحة أبي عبيدة، تعيّن الثاني لا محالة، فيحكم حينئذٍ بالبطلان لو لم تجز الحرّة العقد.

(1) و ذلك للقطع بعدم خصوصيّة وحدة العقد في الحكم، و إنّما العبرة باقتران التزويجين.

(2) من دون اعتبار لإذنها، لعدم شمول الأدلة لها، باعتبار عدم صدق الحرّة عليها.

(3) لعمومات الحل، بعد عدم شمول أدلّة المنع لها لما ذكر في المتن.

(4) لكونها ملفّقة منهما.

(5) لأنّه حينما حدث و وقع في الخارج لم يكن مشمولًا لأدلّة لزوم الوفاء بالعقد و الصحّة باعتبار أنّه يعتبر فيها إذن الحرّة و هو لم يتحقق بحسب الفرض و بعد انقطاع‌

10

[مسألة 4: إذا كان تحته حرّة فطلقها طلاقاً بائناً]

[3797] مسألة 4: إذا كان تحته حرّة فطلقها طلاقاً بائناً، يجوز له نكاح الأمة في عدّتها (1). و إما إذا كان الطلاق رجعيا ففيه إشكال، و إن كان لا يبعد الجواز [1]، لانصراف الأخبار عن هذه الصورة (2).

____________

عصمة الحرّة لم يكن هناك عقد جديد كي يحكم بصحته، و حيث إنّ الانقلاب غير معقول، فلا بدّ من الحكم ببطلانه.

و بعبارة اخرى: إنّ أدلة اللزوم و الصحّة ناظرة إلى إمضاء العقد من حين وقوعه. و حيث إنّ العقد في المقام لم يكن مشمولًا لها من ذلك الحين، لعدم تحقق الإذن فشمولها له بعد ذلك يحتاج إلى الدليل، نظير ما يذكر في علم البائع و المشتري بالثمن بعد العقد مع جهلهما به في حينه. و حيث إنّ الدليل في المقام منحصر فيما دلّ على اعتبار إذن الحرّة و هو لم يتحقق، فمقتضى القاعدة هو البطلان.

(1) لانقطاع عصمتها، و معه فلا يصدق عليه أنّه أدخل أمة على امرأته الحرّة، فلا تشمله نصوص المنع.

(2) سواء أقلنا بأنّ المعتدة رجعية زوجة حقيقة، أم قلنا بأنّها في حكم الزوجة. و ذلك لظهور قوله في صحيحة ابن بزيع المتقدِّمة: (و له امرأة حرّة) في كونه ذا زوجة حرّة باعتباره و نظره، و حيث إنّ المطلقة رجعية ليست كذلك و إن كانت زوجة بحكم الشارع، كانت الصحيحة قاصرة الشمول عن مثلها.

و بعبارة اخرى: إنّ المطلقة رجعية و إن كانت زوجة بحكم الشارع، إلّا أنّ سؤال الراوي في صحيحة ابن بزيع منصرف عنها و لا يشملها، و حينئذٍ فمقتضى العمومات هو الجواز.

هذا كلّه فيما إذا لم يرجع الزوج بالزوجة في أثناء العدّة، و إلّا فلا ينبغي الشكّ في صدق أنّه تزوّج من أمة و له امرأة حرّة، فإنّ الرجوع لا يحدث زوجية جديدة حتى في اعتبار الزوج و نظره، و إنّما هو إبطال للطلاق و إزالة لأثره، و حينئذٍ فيتعيّن اعتبار إذن الحرّة لا محالة.

____________

[1] هذا إذا لم يرجع إليها بعد التزويج بالأمة، و إلّا فالحكم بالجواز بعيد جدّاً.

11

[مسألة 5: إذا زوّجه فضولي حرّة فتزوّج أمة ثم أجاز عقد الفضولي]

[3798] مسألة 5: إذا زوّجه فضولي حرّة فتزوّج أمة ثم أجاز عقد الفضولي فعلى النقل لا يكون من نكاح الأمة على الحرّة فلا مانع منه (1) و على الكشف مشكل (2).

[مسألة 6: إذا عقد على حرّة، و عقد وكيله له على أمة، و شكّ في السابق منهما]

[3799] مسألة 6: إذا عقد على حرّة، و عقد وكيله له على أمة، و شكّ في السابق منهما، لا يبعد صحتهما (3) و إن لم تجز الحرّة. و الأحوط طلاق الأمة مع

____________

(1) نظراً لتأخر زوجية الحرّة عن زوجية الأمة بحسب الفرض فلا تشمله أدلّة اعتبار إذن الحرّة في نكاح الأمة.

(2) و الظاهر هو التفصيل، نظير ما تقدّم في مسألة الجمع بين العمة و بنت الأخ أو الخالة و بنت الأُخت.

فإنّه بناءً على الكشف الحكمي لا ينبغي الإشكال في عدم اعتبار إذن الحرّة، باعتبار أنّ استناد زوجيتها إليه إنّما يكون من حين الإجازة و إن ترتبت الآثار و الأحكام من حين وقوع العقد تعبداً، إلّا أنّ ذلك لا يعتبر من التزويج بالحرّة قبل الأمة، و حينئذٍ فيكون الحال على هذا كالقول بالنقل.

و أما بناءً على الكشف الحقيقي بمعنى انكشاف استناد العقد إليه من حينه بحيث تكون الإجازة كالبيّنة فلا ينبغي الإشكال في صدق عنوان إدخال الأمة على الحرّة نظراً لكون زوجية الحرّة على هذا موجودة قبل زوجية الأمة و سابقة عليها، فلا بدّ من اعتبار إذنها للنصوص المتقدِّمة.

و أما بناءً على الانقلاب فلا تخلو المسألة من إشكال، باعتبار أن زوجية الحرّة و إن كانت سابقة على زوجية الأمة، إلّا أنّها لما كانت سابقة من حين الإجازة بمعنى أنّها من حين الإجازة تصبح كذلك و كان ظاهر صحيحة ابن بزيع كونها سابقة على زوجية الأمة في حين وقوع العقد على الأمة، فلا تشمله هذه الصحيحة، و حينئذٍ فلا يخلو الحكم من إشكال.

(3) أما عقد الحرّة فلكونه صحيحاً على كل حال، سواء أ كان سابقاً أم لاحقاً، إذ الممنوع إنّما هو إدخال الأمة على الحرّة، و أما إدخال الحرّة على الأمة فلا إشكال فيه‌

12

عدم إجازة الحرّة (1).

____________

و من هنا فيحكم بصحّة عقد الحرّة لا محالة.

و أمّا عقد الأمة فلأن الممنوع إنّما هو إدخالها على الحرّة بمعنى أن تكون عنده حين التزوج من الأمة زوجة حرّة و حيث إنّه مشكوك، فيستصحب عدمه إلى حين التزوج من الأمة. و لا يعارض ذلك باستصحاب عدم التزوج من الأمة إلى حين التزوج من الحرّة، لعدم الأثر له في المقام، لأنّه لا يثبت تأخر عقد الأمة إلّا بالملازمة فيكون من الأُصول المثبتة.

هذا و لكن الصحيح أن يقال بأنّ للمسألة صوراً:

فقد يُفرض أن الحرّة لا تفسخ عقد نفسها، و لا ترضى بعقد الأمة أيضاً.

و قد يُفرض أنّها تأذن في عقد الأمة، لكنها تفسخ عقد نفسها.

و ثالثة يُفرض أنّها تفسخ عقد نفسها و عقد الأمة معاً.

فإنّ الحكم يختلف باختلاف هذه الفروض.

ففي الفرضين الأولين يحكم بصحّة العقدين معاً: لاستصحاب عدم التزوج بالحرّة إلى حين التزوج من الأمة في الفرض الأول، فلا تشملها نصوص المنع عن إدخال الأمة على الحرّة. و لاستصحاب عدم التزوج من الأمة إلى حين التزوج من الحرّة في الفرض الثاني، فلا تشملها أدلّة ثبوت الخيار للحرّة فيما إذا أُدخلت على الأمة.

و أما في الفرض الثالث فلا مجال للحكم بصحتهما معاً، للعلم الإجمالي ببطلان أحد العقدين في الواقع. فإنّه لو كان عقد الأمة هو المتأخر كان نكاحها باطلًا، لعدم إذن الحرّة. و إن كان عقدها هو المتقدم كان عقد الحرّة باطلًا، لفسخها نكاح نفسها. و حينئذٍ فلا بدّ من التخلص من المشكلة، أما من طلاق الزوجة الواقعية فتنفصلان منه معاً، و أما من الرجوع إلى القرعة لتعيين الزوجة منهما عن الأجنبية، نظراً لكونها لكل أمر مشكل، و هذا منه.

(1) و لعلّه (قدس سره) ناظر إلى خصوص الفرض الثالث، و معه فقد عرفت أنّ له طريقاً آخر غير الطلاق.

13

[مسألة 7: لو شرط في عقد الحرّة أن تأذن في نكاح الأمة عليها صحّ]

[3800] مسألة 7: لو شرط في عقد الحرّة أن تأذن في نكاح الأمة عليها صحّ (1) و لكن إذا لم تأذن لم يصحّ (2) بخلاف ما إذا شرط عليها أن يكون له نكاح الأمة [1] (3).

[فصل في نكاح العبيد و الإماء]

فصل في نكاح العبيد و الإماء

[مسألة 1: أمر تزويج العبد و الأمة بيد السيد]

[3801] مسألة 1: أمر تزويج العبد و الأمة بيد السيد، فيجوز له تزويجهما و لو من غير رضاهما، أو إجبارهما (4) على ذلك. و لا يجوز لهما العقد على نفسهما

____________

(1) لعموم ما دلّ على نفوذ الشرط.

(2) فإنّ شرطية إذنها لا تسقط بعصيانها لأمر الوفاء بالشرط.

(3) باعتبار أنّ مرجعه إلى توكيل الزوج في الإذن، و قد عرفت فيما تقدّم أنّ الوكالة إذا كانت شرطاً في عقدٍ لازم كانت لازمة و لا يصحّ عزله عنها، و حينئذٍ فيكون إذنه بمنزلة إذن الزوجة الحرّة حتى و لو لم ترض هي بذلك.

فصل في نكاح العبيد و الإماء

(4) بلا خلاف و لا إشكال فيه، و تدلّ عليه عدّة من الآيات الكريمة و النصوص الشريفة.

فقد قال تعالى «وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ» (1). فإنّه بعد الفراغ عن أنّه ليس للعبد و الأمة شي‌ء من الأمر، يكون الخطاب في الآية متوجِّهاً إلى المولى لا محالة، فتدلّ على جواز تزويجه لهما.

____________

[1] لا أثر لهذا الشرط إلّا أن يرجع إلى اشتراط الوكالة للزوج في الإذن من قبلها.

____________

(1) سورة النور 24: 32.

14

من غير إذنه (1) كما لا يجوز لغيرهما العقد عليهما (2) كذلك، حتّى لو كان لهما أب حرّ. بل يكون إيقاع العقد منهما أو من غيرهما عليهما حراماً [1] (3) إذا كان ذلك بقصد ترتيب الأثر، و لو لا مع إجازة المولى.

____________

و قال تعالى «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» (1).

حيث يستفاد منها أنّ أمر تزويجهما بيد المولى، فله أن يزوِّجهما و له أن يمتنع عن ذلك.

و قال تعالى «ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ» (2). فإنّها دالّة على أنّ المملوك سواء في ذلك العبد و الأمة ليس له من الأمر شي‌ء، و من هنا فلا يترتّب على ما يقوم به من معاملات و غيرها و منها النكاح أي أثر.

و أمّا النصوص فهي متضافرة و كثيرة، بل في بعضها التصريح بأنّه ليس له النكاح و الطّلاق، و إنّ من تزوّج بالأمة من دون إذن سيِّدها كان زانياً. و يدلّ عليه ما ورد من أنّ طلاق الأمة بيد المولى إذا زوَّجها من العبد، و بيد الحر إذا زوَّجها منه.

و على كلٍّ، فالحكم ممّا لا خلاف فيه بينهم، و تدلّ عليه الآيات الكريمة و النصوص المتضافرة، بل و مع غضّ النظر عن ذلك تقتضيه القاعدة. فإنّ العبد و الأمة لمّا كانا قابلين للتزويج، و لم يكن لهما من الأمر شي‌ء، كان أمر ذلك بيد المولى لا محالة.

(1) و يقتضيه ما تقدّم.

(2) لما تقدّم أيضاً.

(3) و هو مبني على ما اختاره جماعة في محلّه، من ثبوت الحرمة لمقدّمة الحرام إذا كان بقصد ترتّب الحرام عليها، نظير حرمة المقدّمة التوليدية. إلّا أنّنا قد ذكرنا هناك أنّه لا دليل على هذا المدّعىٰ بالمرّة، إذ أنّ قصد الإتيان بالحرام إنّما يدخل في نيّة المعصية و هو نوع من التجرُّؤ، و قد عرفت أنّه لا دليل على حرمته و إن كان فيه نوع‌

____________

[1] ليس هذا حراماً شرعيّاً، بل هو داخل في نيّة المعصية و هي نوع من التجرُّؤ.

____________

(1) سورة النساء 4: 25.

(2) سورة النحل 16: 75.

15

نعم، لو كان ذلك بتوقّع الإجازة منه، فالظاهر عدم حرمته، لأنّه ليس تصرّفاً في مال الغير عرفاً (1) كبيع الفضولي مال غيره.

و أمّا عقدهما على نفسهما من غير إذن المولى، و من غيرهما [1] (2) بتوقّع الإجازة فقد يُقال بحرمته [2] (3) لسلب قدرتهما و إن لم يكونا مسلوبي العبارة. لكنّه مشكل

____________

طغيان و تعدٍّ على حقّ المولى، فإنّ مجرّد ذلك لا يقتضي الحكم بالحرمة التشريعية حتّى و لو قلنا باستحقاق المكلّف للعقاب على ذلك، إذ لا يلزم منه أن يكون الفعل حراماً.

و الحاصل أنّ المقام داخل في التجرُّؤ، و قد عرفت أنّه ليس بحرام، سواء أتى بالمقدّمة أم لم يأت بها.

(1) فلا تشمله أدلّة عدم جواز التصرّف في مال الغير.

(2) العبارة لا تخلو من تشويش، و الظاهر أنّ موضع هذه العبارة إنما هو بعد قوله (قدس سره): نعم، لو كان ذلك.

(3) اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) (1) و لعلّه لكونه تصرفاً منهما في نفسهما فتشمله أدلة حرمة التصرف في مال الغير.

و فيه: إنّ سلب القدرة إنما يكون منشأً للحكم الوضعي، أعني عدم نفوذ العقد و صحته، و أما الحكم التكليفي فلا مجال لاستفادته منه، فيكون حال هذا التلفظ حال سائر تلفظاته و تكلماته.

هذا مضافاً إلى دلالة صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في مملوك تزوّج بغير إذن مولاه، أ عاصٍ للّٰه؟ قال: «عاصٍ لمولاه». قلت: حرام هو؟ قال: «ما أزعم أنه حرام و نوله لا يفعل إلّا بإذن مولاه» (2) صريحاً على عدم الحرمة.

____________

[1] في العبارة تشويش، و المراد ظاهر فإنّ موضع هذه العبارة قبل سطرين، يعني بعد قوله: (نعم لو كان ذلك) كما يظهر وجهه بأدنى تأمّل.

[2] لا وجه للقول بالحرمة أصلًا، فإنّ سلب القدرة لا يكون منشأً للحرمة و إنّما يكون منشأً لعدم النفوذ.

____________

(1) الجواهر 30: 204.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 23 ح 2.

و نولك أن تفعل، أي: حقك و ينبغي لك، الصحاح 5: 1836.

16

لانصراف سلب القدرة عن مثل ذلك. و كذا لو باشر أحدهما العقد للغير بإذنه أو فضولة، فإنه ليس بحرام (1) على الأقوى، و إن قيل بكونه حراماً (2).

[مسألة 2: لو تزوّج العبد من غير إذن المولى وقف على إجازته]

[3802] مسألة 2: لو تزوّج العبد من غير إذن المولى وقف على إجازته، فإن أجاز صحّ (3).

____________

(1) لما تقدّم.

(2) اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) أيضاً (1).

(3) على ما ذهب إليه الأكثر من الأصحاب، بل لم ينسب الخلاف فيه إلّا إلى ابن إدريس (قدس سره) حيث التزم بالبطلان (2)، نظراً إلى أنّ النصوص الواردة في المقام أخبار آحاد و هو لا يلتزم بحجيتها. و القاعدة تقتضي البطلان، لأن العقد حين وقوعه لم يكن صحيحاً لفقدان إذن المولى، فصحته بعد ذلك بالإجازة المتأخرة تحتاج إلى الدليل و هو مفقود.

إلّا أن ما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه، لجملة من النصوص الصحيحة الدالّة على الصحّة صريحاً:

كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام): «أنه أتاه رجل بعبده، فقال: إن عبدي تزوّج بغير إذني، فقال علي (عليه السلام) لسيده: فرِّق بينهما. فقال السيد لعبده: يا عدوّ اللّٰه طلِّق. فقال له (عليه السلام): كيف قلت له؟ قال: قلت له: طلِّق. فقال علي (عليه السلام) للعبد: أما الآن فإن شئت فطلق، و إن شئت فأمسك. فقال السيد: يا أمير المؤمنين، أمر كان بيدي فجعلته بيد غيري. قال: ذلك لأنك حين قلت له: طلّق، أقررت له بالنكاح» (3).

____________

(1) الجواهر 30: 205 206.

(2) السرائر 2: 565.

(3) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 27 ح 1.

17

و كذا الأمة على الأقوى (1).

____________

و صحيحة معاوية بن وهب، قال: جاء رجل إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال: إني كنت مملوكاً لقوم، و إني تزوجت امرأة حرّة بغير إذن مواليّ ثمّ أعتقوني بعد ذلك فأُجدِّد نكاحي إياها حين اعتقت؟ فقال له: «أ كانوا علموا أنك تزوجت امرأة و أنت مملوك لهم»؟ فقال: نعم، و سكتوا عني و لم يغيروا علي. قال: فقال: «سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم، اثبت على نكاحك الأوّل» (1).

و صحيحة الحسن بن زياد الطائي، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إني كنت رجلا مملوكاً فتزوّجت بغير إذن مواليّ، ثمّ أعتقني اللّٰه بعد، فأُجدد النكاح؟ قال: فقال: «علموا أنك تزوّجت»؟ قلت: نعم، قد علموا فسكتوا و لم يقولوا لي شيئاً. قال: «ذلك إقرار منهم، أنت على نكاحك» (2).

إلى غير ذلك من النصوص الدالة على صحّة العقد عند لحوق الإجازة.

(1) خلافاً لما ذهب إليه صاحب الحدائق (قدس سره)، حيث فصل بين العبد و الأمة، فالتزم بصحّة عقد العبد إذا لحقته الإجازة، بخلاف الأمة فإنّ عقدها لا يصحّ حتى و إن لحقته الإجازة. بدعوى أنّ النصوص كلها واردة في العبد خاصة، فتبقى الأمة مشمولة للقاعدة المقتضية للبطلان (3).

و ما أفاده (قدس سره) إنما يتمّ لو انحصرت نصوص صحّة عقد العبد عند لحوق الإجازة بما تقدّم. فإنه حينئذ يمكنه أن يقال بأن القاعدة لما كانت تقتضي البطلان و كانت نصوص الصحّة مختصة بالعبد، كان مقتضى الصناعة الحكم بالبطلان في عقد الأمة، لعدم الدليل على خروجها عن القاعدة. إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، فإنّ في نصوص الصحّة ما يقتضي التعدي من العبد إلى الأمة، و يدلّ على شمول الحكم لها أيضاً‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 26 ح 1.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 26 ح 3.

(3) الحدائق 24: 202.

18

..........

____________

كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيده، فقال: «ذاك إلى سيده، إن شاء أجازه، و إن شاء فرّق بينهما». قلت: أصلحك اللّٰه، إنّ الحكم بن عيينة و إبراهيم النخعي و أصحابهما يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد، و لا تحلّ إجازة السيد له؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): «إنه لم يعص اللّٰه، و إنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز» (1).

و صحيحته الأُخرى عنه (عليه السلام) أيضاً، قال: سألته عن رجل تزوّج عبده بغير إذنه فدخل بها ثمّ اطلع على ذلك مولاه، قال: «ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما و إن شاء أجاز نكاحهما. فإن فرّق بينهما فللمرأة ما أصدقها، إلّا أن يكون اعتدى فأصدقها صداقاً كثيراً. و إن أجاز نكاحه، فهما على نكاحهما الأوّل». فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): فإنّ أصل النكاح كان عاصياً؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): «إنما أتى شيئاً حلالًا و ليس بعاصٍ للّٰه، إنما عصىٰ سيده و لم يعص اللّٰه، إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرَّم اللّٰه عليه من نكاح في عدّة و أشباهه» (2).

فإنّ التعليل المذكور فيهما يدلّ على عدم اختصاص الحكم بالعبد، بل يجري في الأمة على حد جريانه في العبد، لجريان التعليل المذكور بعينه فيها. فيقال: إنّ نكاح الأمة في نفسه ليس بمحرم كتزوجها من أخيها مثلًا، و ليست هي عاصية للّٰه تبارك و تعالى، و إنما هي عاصية لسيدها فإذا أجاز جاز.

هذا مضافاً إلى ما ذكره الفقهاء في غير واحد من الأبواب الفقهية، من أنّ الحكم إذا تعلّق بعنوان اشتقاقي و لم تكن هناك قرينة على الاختصاص عمّ الرجل و المرأة كالأحكام الثابتة للمحرم و المسافر و الحاضر و الصائم و البيّعين و صاحب الحيوان و غيرها، فإنه لا قائل باختصاصها بالرجل، بل لم يناقش في عمومها أحد حتى صاحب الحدائق (قدس سره). و حيث إنّ المقام من هذا القبيل، باعتبار أنّ المملوك المذكور في صحيحتي زرارة عنوان اشتقاقي جامع بين العبد و الأمة، فلا وجه للتفريق بينهما في الحكم.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 24 ح 1.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 24 ح 2.

19

..........

____________

و لا ينافي هذا ما دلّ على أنّ التزوّج من الأمة بغير إذن مولاها زنا، فإنه مما لا إشكال فيه، و لا يختص بالأمة بل يجري في جانب العبد أيضاً، فإنه و إن لم يرد فيه هذا التعبير بخصوصه، إلّا أنه قد ورد في جملة من النصوص ما يلازمه قهراً.

نظير ما دلّ على عدم جواز تزوّج العبد من غير إذن مولاه، فإنّ لازمه بطلان العقد، و لازم البطلان هو كون المواقعة زنا. و ما دلّ على أن نكاحه من غير إذن سيِّده باطل و مردود. و كذا ما دلّ على أنّ الحرّة إذا زوّجت نفسها من العبد بغير إذن مولاه فقد أباحت نفسها و ليس لها صداق، فإنّه ظاهر في كون الفعل زنا، و إلّا فلا وجه للحكم بعدم استحقاقها للصداق.

غير أنه مختص بحالة ما قبل إجازة المولى، بمعنى كون النكاح في نفسه كذلك ما لم تلحقه الإجازة. و أما بعد الإجازة فليس الأمر كذلك، بل يحكم بصحّة عقدهما، فلا يكون الفعل زنا لا محالة.

و أما ما استشهد به صاحب الحدائق (قدس سره) لمدعاه، من أن عدم ذكر الأمة في ضمن كلام الإمام (عليه السلام) مشعر بعدم جريان الحكم فيها، مندفعٌ بأنّ ما صدر منه (عليه السلام) لم يكن لبيان الحكم ابتداء كي يكون لما قيل وجه، و إنما كان في مقام الجواب عن السؤال الموجه إليه (عليه السلام)، و حيث إنّ الأسئلة كانت مختصة بالعبد، فلا مجال لاستفادة ما ذكر من عدم التعرض إلى ذكرها في الأجوبة.

ثمّ إنه ربّما يستدلّ على الصحّة في المقام بعموم قوله تعالى «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» بدعوى أنّ مقتضاه عدم الفرق بين الإذن السابق على العقد و اللّاحق له.

إلّا أنه بعيد جدّاً، إذ الظاهر من هذه الآية الكريمة هو ترتب النكاح على الإذن بحيث يكون النكاح صادراً و مسبباً عنه، فإذا لم يكن العقد كذلك، فالإذن المتأخر لا يقلبه فيجعله نكاحاً عن الإذن.

و بعبارة اخرى: إنّ المعتبر في الحلية إذا كان كلٌّ من النكاح و الإذن مستقلا عن الآخر، لكان لما ذكر وجه و إن لم يكن يخلو من الإشكال أيضاً. إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، حيث إنّ المعتبر فيها إنّما هو صدور النكاح المتفرِّع و المترتِّب على الإذن، فلا وجه للحكم بصحّة النكاح الصادر عن غير الإذن و إن لحقه بعد ذلك، إذ الإذن‌

20

و الإجازة كاشفة (1). و لا فرق في صحته بها بين أن يكون بتوقعها، أو لا بل على الوجه المحرم.

____________

المتأخر لا يقلب النكاح السابق عن وصف كونه من غير إذن إلى كونه صادراً عن الإذن.

إذن فالصحيح في المقام هو التمسك بما ذكرناه لإثبات المدعى.

(1) و ذلك فلأن النقل و إن كان ممكناً في نفسه بل قد وقع في بعض الموارد، كبيع الصرف و السلم فيما إذا تأخر القبض عن العقد حيث يكون البيع في زمان و الملكية في زمان آخر، و كذا كل ما هو مشروط بالقبض كالهبة و الوقف على جهة معينة إذا تأخر القبض من العقد، إلّا أن الدليل لا يساعد عليه، باعتبار أن الإجازة و الإمضاء إنما تتعلّقان بالعقد الذي وقع في حينه، و من هنا فيكون الحكم بالملكية من حين الإجازة على خلاف الإمضاء و دليل النفوذ، فيحتاج إلى دليل خاص، و حيث إنه مفقود فلا مجال للالتزام به.

بل هو منافٍ لظاهر صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قضى في وليدة باعها ابن سيدها و أبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً، ثمّ قدم سيِّدها الأوّل فخاصم سيدها الأخير فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني فقال: خذ وليدتك و ابنها، فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه يعني الذي باع الوليدة حتى ينفذ لك ما باعك، فلما أخذ البيع الابن قال أبوه: أرسل ابني، فقال: لا أُرسل ابنك حتى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه» (1).

فإنها ظاهرة في الكشف و الحكم بالصحّة من حين صدور العقد، و إلّا لكان على المشتري أن يدفع لسيدها الأوّل مهر أمثالها نظراً لوطئه أمة الغير شبهة، و الحال أنه (عليه السلام) لم يتعرض لذلك.

و صريح صحيحة أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام و جارية زوّجهما وليان لهما، و هما غير مدركين؟ قال: فقال: «النكاح جائز، أيهما‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 88 ح 1.

21

..........

____________

أدرك كان له الخيار، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما و لا مهر، إلّا أن يكونا قد أدركا و رضيا». قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: «يجوز عليه ذلك إن هو رضي». قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية و رضي النكاح، ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية، أ ترثه؟ قال: «نعم، يعزل ميراثها منه، حتى تدرك و تحلف باللّٰه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلّا رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع إليها الميراث و نصف المهر» الحديث (1).

فإنها صريحة في الكشف، إذ لولاه لم يكن مجال للحكم بعزل نصيب البنت حتى تدرك، لأنه و بمجرد موت أحد الطرفين لا يبقى مجال للحكم بالزوجية، فإنها من الزوجية بين الحي و الميت و هو باطل جزماً.

على أنّ القول بالنقل لا يتمّ في العقود المتقيدة بالزمان كالإجارة و نكاح المتعة، كما لو آجر الفضولي الدار شهراً أو تزوّج من الأمة شهراً و لم يجز المالك إلّا بعد انقضاء نصفه. فإنه لو كانت الإجازة ناقلة لكانت الملكية أو الزوجية في خصوص النصف الباقي من الشهر، أي من حين الإجازة إلى انقضاء الشهر، و الحال أن المنشأ إنما هو الملكية و الزوجية شهراً كاملًا، فيرد عليه إن ما أنشأ لم يمض و ما امضي لم ينشأ فكيف يمكن الالتزام بصحته.

و الحاصل: إنّ النقل و إن كان ممكناً في نفسه، إلّا أن دليل الإمضاء و النفوذ لا يساعد عليه، باعتبار أن ظاهره إمضاء ما وقع. و من هنا فلا بدّ من الالتزام بالكشف، غير أن الأقوال في الكشف لما كانت مختلفة: فمنهم من يقول بالكشف الحقيقي، و منهم من يقول بالكشف الانقلابي، و منهم من يقول بالكشف الحكمي، فلا بدّ من تحقيق الحال لمعرفة الصحيح منها. و من هنا فنقول:

أمّا الكشف الحقيقي فهو و إن كان ممكناً في نفسه بحيث تكون الإجازة شرطاً متأخّراً، إلّا أنه لا دليل عليه أيضاً، فإنّ ظاهر الأدلة إنما هو اعتبار نفس الرضا و الإجازة لا اعتبار تعقبهما. و حيث ان من الواضح انهما لم يكونا موجودين حال العقد و لم يكن العقد عن الرضا، فلا وجه للحكم بالصحّة و إن كان متعقباً بهما، بل إنّ القول‌

____________

(1) الوسائل، ج 26 كتاب الفرائض و المواريث، أبواب ميراث الأزواج، ب 11 ح 1.

22

..........

____________

به على خلاف ظاهر دليل الجواز، فإنّ ظاهره إنما هو كون الجواز متفرعاً على الرضا لا أنه إذا أجاز العقد انكشف الجواز السابق، و من هنا فلا مجال للالتزام بهذا القول.

و أما الكشف الانقلابي، بمعنى انقلاب العقد بعد الإجازة و ثبوت الجواز من السابق، فهو مضافاً إلى أنه لا دليل عليه غير معقول في نفسه، لأن الشي‌ء لا ينقلب عما وقع عليه و الزمان المعدوم لا يمكن إيجاده ثانياً، بلا فرق بين الأُمور التكوينية و الأُمور الاعتبارية، فإنه محال فيهما معاً.

و من هنا فيتعين القول بالكشف الحكمي، فيحكم بنفوذ العقد من حينه من الآن.

و لتوضيحه نقول: إنّ الشي‌ء قد يكون موجوداً بالوجود الحقيقي الذي لا يختلف باختلاف الأنظار، و قد يكون موجوداً بالوجود الاعتباري، كالأحكام الوضعية و التكليفية. و الأوّل ينقسم إلى قسمين: فإن الموجود بالوجود الحقيقي قد يكون موجوداً في الخارج كالأعيان، و قد يكون موجوداً في النفس خاصة كمتعلق العلم فإنه موجود حقيقة غير إنّ وعاء وجوده إنما هو النفس دون الخارج.

و الفرق بين الوجود الاعتباري و الوجود الذهني هو أن الأوّل موجود في الخارج فإنه يتعلق بما هو موجود في الخارج لكن بالوجود الفرضي. في حين أنّ الثاني لا وجود له في الخارج، بل ينحصر وجوده في الذهن خاصة، فإنّ العلم لا يتعلق بما هو في الخارج، و إنما يتعلق بصورته الحاضرة في الذهن، كما هو واضح.

و أما الفرق بينهما و بين الوجود الخارجي الحقيقي، فهو كامن في أن الثاني لا ينفك عن الموجود في الخارج إلّا بالاعتبار، فإذا كان الوجود موجوداً فالماهية موجودة أيضاً، كما أنه لو كانت الماهية موجودة كان الوجود موجوداً لا محالة. و هذا بخلاف الوجود الذهني و الوجود الاعتباري، فإنهما من الممكن أن يتعلقا بأمر سابق كموت زيد قبل شهر، أو بأمر متأخر كطلوع الشمس غداً.

و إن كان التعبير بتعلق الوجود الذهني بالأمر السابق أو اللاحق لا يخلو من مسامحة، باعتبار أنه إنما يتعلق بالصورة الذهنية و هي موجودة بالفعل، غاية الأمر أن الصورة صورة لأمر متقدِّم أو متأخِّر، لكنّه مع ذلك يعبر بما تقدّم، فيقال إنّ العلم متعلِّق بمتقدِّم أو متأخِّر. و هذا بخلاف الاعتبار، حيث إنه يتعلّق بالمتقدِّم أو المتأخِّر‌

23

..........

____________

حقيقة، فيبيع المالك داره من قبل شهر أو بعد شهر، من دون أن يكون في تعلقه بهما أي محذور.

نعم، إنهما غير ممضيين شرعاً، لعدم جواز التعليق في البيع أو غيره، غير إنّ ذلك لا يعني عدم صحّة تعلقه بهما.

إذا اتضح ذلك يظهر أنه لا مانع في المقام من تعلق الاعتبار الإجازة بالملكية السابقة من الآن، فإنه من الاعتبار المتعلِّق بالأمر المتقدم، و قد عرفت أنه لا مانع منه، لكن لا على نحو الانقلاب أو الشرط المتأخِّر، فيحكم بالصحّة حينئذ نظير تعلّقه بالأمر المتأخر، كما هو الحال في متعلِّق الاعتبار في التدبير و الوصيّة، حيث إن متعلقه إنما هو الحرية و الملكية بعد موت المالك.

و بعبارة اخرى: إنّ الأُمور الاعتبارية قوامها باعتبار من بيده الأمر، و ليس لها واقع سوى الجعل و الاعتبار و هو أمر خفيف المؤنة، فيصح تعلقه بأمر متقدِّم أو متأخِّر على حدّ جواز تعلّقه بأمر موجود بالفعل، و عليه فإذا اعتبر من بيده الأمر ترتّب عليه آثاره لا محالة.

و من هنا فإذا كان هذا النوع من الاعتبار ممكناً في نفسه، كان مقتضى أدلّة صحّة العقد الفضولي و الأدلة الخاصة هو صحته، باعتبار أن الإجازة إذا تعلقت بما أُنشئَ سابقاً استند ذلك المنشأ من حين الإجازة إلى المجيز، بمعنى أن العقد الواقع قبل سنة مثلًا يستند إليه من حين الإجازة، و بذلك فتشمله أدلة نفوذ العقد، و يكون مقتضاها الحكم من الآن بصحّة العقد السابق من حينه.

هذا مضافاً إلى دلالة قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدِّمة: «و إن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما الأوّل» و قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن وهب المتقدِّمة أيضاً: «اثبت على نكاحك الأوّل» على ذلك، باعتبار أن ظاهرهما الحكم بصحّة النكاح الأوّل من الآن.

و ممّا يدلّ على أن الملكية و نحوها من الأُمور الاعتبارية ليست من الأعراض الخارجية و لا واقع لها سوى الاعتبار، أنها تتعلق بالكلي كما هو الحال في موارد بيع الكلي، مع أنه غير قابل لأن يكون معروضاً لعرض خارجي.

24

..........

____________

و تتعلق بالمعدوم كما هو الحال في تعاقب الأيدي، فإن المالك إذا رجع على أحدهم بعد تلف العين كان له الرجوع على من بعده، و هكذا إلى أن يستقر الضمان على من تلفت العين عنده، و من الواضح أن ذلك ليس إلّا لتملك من رجع عليه المالك للعين التالفة بعد دفع بدلها، فيكون مالكاً للمعدوم، و من هنا يصح له الرجوع على من بعده. بل إن من الممكن إنشاء الملكية للمعدومين و تمليكهم من حين الإنشاء، كما هو الحال في الوقف الذري و الوصيّة بالنسبة إلى البطون المتأخرة و غير الموجودة حين الإنشاء، فإنّ إنشاء الملكية متحقق من الآن في حين أنّ المالك معدوم.

و بالجملة فليست الملكية عرضاً خارجياً تحتاج في قيامها إلى موضوع خارجي، بل هي وجود في مقابل الوجودات الخارجية و الوجودات الذهنية، على ما تقدّم بيانه.

إذن فلا محيص بمقتضى ظهورات الأدلة عن الالتزام بما ذكرناه من الكشف الحكمي، فيقال: إنّ العقد بعد الإجازة يكون صحيحاً من الأوّل، بمعنى اعتبار المرأة من حين الإجازة زوجة للرجل من حين وقوع العقد.

هذا و قد يورد على ما اخترناه بوجهين:

الأوّل: إنّ العبرة في التضاد لما كانت بزمان المعتبر لا زمان الاعتبار، لم يعقل أن يكون المبيع في البيع الفضولي ملكاً لمالكه قبل الإجازة و ملكاً للمشتري بعدها في زمان واحد و أعني زمان صدور العقد و إن كان الاعتبار في زمانين. و على هذا الأساس كان امتناع ثبوت حكمين مختلفين الوجوب و الحرمة للخروج من الدار المغصوبة، فإنه لا يعقل أن يحكم بحرمة ذلك التصرف حال الدخول ثمّ يحكم بوجوبه حين الخروج، فإن الفعل الواحد لا يتصف بلحاظ زمان واحد إلّا بأحدهما، و أما اتصافه بهما معاً فهو ممتنع حتى و لو كان زمان الاعتبارين مختلفاً.

و فيه: إنه إنما يتم في الأحكام الشرعية التكليفية، باعتبار أنها إنما تنشأ من المصالح أو المفاسد الكامنة في متعلقاتها، فإنه يمتنع أن يكون الشي‌ء الواحد محبوباً و مبغوضاً في زمان واحد حتى و إن اختلف زمان الحكم. و من هنا حكمنا بعدم جواز اجتماع الوجوب و الحرمة للخروج من الدار المغصوبة، فإنه لا يمكن أن يكون محبوباً‌

25

..........

____________

و مبغوضاً في آن واحد.

و أما بالنسبة إلى الأحكام الوضعية الاعتبارية فلا يتم ما ذكر، حيث تكون المصلحة في نفس الاعتبار، فإنه لا مانع من الاعتبارين إذا اختلف زمانهما. فيعتبر في يوم السبت مثلًا ملكية زيد لشي‌ء معين في يوم الاثنين، ثمّ يعتبر في يوم الأحد ملكية عمرو لذلك الشي‌ء في يوم الاثنين أيضاً، من دون أي محذور فيه ما دامت المصلحة قائمة في الاعتبار. بل لو لم يكن هناك تنافٍ في الأثر، لقلنا بجواز اعتبار ملكية شي‌ء واحد لشخصين على نحو الاستقلال في زمان واحد.

الثاني: إنّ ما ذكر إنما يتمّ في الأحكام المجعولة على نحو القضايا الخارجية، و لا يتم في الاعتبارات المجعولة بنحو القضايا الحقيقية، لأن هذه الاعتبارات موجودة بأجمعها في آن واحد هو أوّل الشريعة المقدّسة. و حيث إنّ الاعتبارات الشرعية من هذا القبيل، فلازم القول بالكشف بالمعنى الذي ذكر أعني اعتبار الملكية للمالك قبل الإجازة و اعتبارها للمشتري بعدها من حين صدور العقد هو اجتماع هذين الاعتبارين في زمان واحد هو أوّل الشريعة المقدّسة، و هو محال.

و فيه: أن الإنشاء في هذه الاعتبارات و إن كان أزلياً و ثابتاً مع بدء الشريعة المقدّسة، إلّا أن فعليتها إنما تكون بعد تحقّق موضوعاتها في الخارج، إذ قبله لا يتجاوز الاعتبار مرحلة الإنشاء. و من هنا فحيث إنّ أحد الاعتبارين كانت فعليته قبل الإجازة، في حين إنّ فعلية الاعتبار الثاني و هو اعتبار الملكية للمشتري إنشائي محض يتوقف بلوغه مرحلة الفعلية على إجازة المالك، فلا يكون هناك أي تنافٍ بين هٰذين الاعتبارين.

ثمّ إنّ الكشف الحكمي بالمعنى الذي اخترناه غير الكشف الحكمي الذي ذهب إليه شيخنا الأعظم (قدس سره). و الفرق بينهما يكمن في أنه (قدس سره) يرى اتحاد زمان الاعتبار و المعتبر، بمعنى كونهما معاً بعد الإجازة، غاية الأمر أنّ الآثار إنما تترتب من حين العقد. في حين إنا نرى اختلاف زمانهما، فإن الاعتبار إنما يكون حين الإجازة، و أما المعتبر فهو متقدم عليه و ثابت حين العقد. فإنّ ما ذهب إليه (قدس سره) خلاف ظاهر الأدلة، و لا دليل يساعد عليه.

26

و لا يضرّه النهي، لأنه متعلق بأمر خارج [1] متّحد (1). و الظاهر اشتراط عدم الردّ منه قبل الإجازة [2]،

____________

إذن فما اخترناه هو الصحيح الموافق لظاهر الأدلّة و الذوق العرفي.

و يترتّب على هذا أنه لو واقعها العبد فأولدها ثمّ أجاز المولى، لم يحكم بكون المواقعة زنا و لا يحدّ لذلك، إذ يفرض من الآن أنّ المواقعة إنما كانت مواقعة للزوجة لا للمرأة الأجنبية و إن كانت في وقتها كذلك لا محالة. و يتفرع على ذلك ترتب جميع آثار الوطء الصحيح من التوارث بينهما و ما شاكله عليه.

و كذا الحال فيما لو أجاز المالك العقد الفضولي بعد مضي مدة من وقوعه، فإنه يحكم من الآن بصحّة العقد السابق و تملك المشتري للمبيع من ذلك الحين. و يتفرع عليه جميع آثار الملكية الصحيحة، و منها جواز مطالبة المشتري للمالك بأُجرة مثل المنافع التي استوفاها من العين في الفترة ما بين العقد و الإجازة.

فالمتحصِّل من جميع ما تقدّم أن القول بالكشف الحكمي لما كان ممكناً في نفسه و كان يساعد عليه دليل نفوذ العقد و بعض الأدلّة الخاصّة، تعيّن القول به دون سائر الأقوال، من النقل أو الكشف الحقيقي أو الانقلابي أو الحكمي بالمعنى الذي ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) لما عرفت من أنها بين ما هو ممتنع في نفسه، و ما لا يساعد عليه الدليل.

(1) لما اختاره (قدس سره) من أن وجوب المقدمة أو حرمتها إنما هو لعنوان المقدمية، فيكون النهي في المقام متعلقاً بأمر خارج أعني عنوان المقدمية فلا يؤثر شيئاً.

نظير ما التزم به (قدس سره) في باب الوضوء فيما إذا كانت له غايتان إحداهما واجبة و الأُخرى مستحبة و كان الوضوء مقدمة لهما، من ثبوت الحكمين معاً للوضوء‌

____________

[1] التعليل ضعيف جدّاً، و الصحيح أن يقال: إنّه على تقدير الحرمة، فهي في المعاملات لا توجب الفساد.

[2] فيه إشكال بل منع.

27

..........

____________

فيلتزم بكونه واجباً و مستحباً بالفعل، لأنه من اجتماع الحكمين في عنوانين يتحدان خارجاً و هو (قدس سره) ممن يرى جواز ذلك، بل يرى جواز اجتماع الأمر و النهي إذا تعلقا بعنوانين و إن كانا منطبقين على شي‌ء واحد في الخارج، فيحكم بكون الوضوء واجباً بما هو مقدمة للواجب، و مستحباً بما هو مقدمة للمستحب.

ففي المقام يقال: إنّ العقد بما هو تزويج في نفسه فهو مباح، و بما هو مقدمة للحرام حيث أتى به بقصد التوصل إلى الحرام فهو حرام، فيكون متعلق النهي أمراً خارجاً عن التزويج، فيحكم بصحته لا محالة.

غير أنك لما عرفت في باب الوضوء أنّ الصحيح أن عنوان المقدمية إنما هي من العناوين التعليلية لا من الجهات التقييدية، كانت هذه المسألة أجنبية بالمرّة عن مسألة اجتماع الأمر و النهي بعنوانين، إذ البحث المعروف في جواز الاجتماع و عدمه إنما هو فيما إذا تعلق الأمر بعنوان و تعلق النهي بعنوان آخر غيره، و كان بين العنوانين نسبة العموم و الخصوص من وجه، كما هو الحال في مثال الغصب و الصلاة، و لا يجري فيما نحن فيه، باعتبار أن مفهوم المقدمة بما هو غير متّصف بأي وصف، و الملازمة بناءً على القول بها إنما هي بين الواجب أو الحرام و ما هو مقدمة له بالحمل الشائع فيكون عنوان المقدمية و توقف الواجب أو الحرام على شي‌ء علة لوجوب ذات ذلك الشي‌ء أو حرمته، لا علة وجوبه أو حرمته بعنوان المقدمية، و هذا ما يصطلح عليه بالجهة التعليلية لوجوب ذات المقدمة أو حرمتها.

و على هذا فيكون الوضوء بعنوان واحد واجباً و مستحباً لعلتين، فبما أنه مقدّمة للواجب يكون واجباً، و بما أنه مقدمة للمستحب يكون مستحباً. و هو غير ممكن حتى عند من يرى جواز اجتماع الأمر و النهي، فإن القائل به إنما يرى ذلك فيما إذا تعدد العنوان، و أما إذا اتحد العنوان غاية ما هناك أن سبب الوجوب و الحرمة كان متعدِّداً فلا قائل بالجواز على الإطلاق.

و على هذا الأساس ذكرنا في مسألة الوضوء أنّ ما أفاده الماتن (قدس سره) من الحكم بالوجوب و الاستحباب، غير تامّ في نفسه و لا يمكن المساعدة عليه.

و من هنا يظهر الحال في المقام. فإنّ عنوان المقدمية لما كان من الجهات التعليلية‌

28

..........

____________

كان معروض الحرمة على القول بها انما هو ذات المقدّمة أعني التزويج لا محالة و عليه فلا يكون النهي متعلّقاً بأمر خارج عنه.

فما أفاده (قدس سره) ضعيف جدّاً، و لا مجال للمساعدة عليه.

ثمّ إن لشيخنا المحقق (قدس سره) في المقام كلاماً، حاصله أن الوجوب أو الحرمة إنما يتعلق بعنوان المقدمة و هو جهة تقييدية، و لذا يعتبر في اتصاف المقدمة بهما قصد التوصل بها إلى ذي المقدمة.

و قد ذكر (قدس سره) في وجه ذلك أن انقسام الجهة إلى التعليلية و التقييدية إنما يختص بالأحكام الشرعية. فإن الجهة ان كانت في مرحلة سابقة عن الحكم، و كانت علة لتعلق الحكم بالشي‌ء، كانت جهة تعليلية. و أما ان كانت في مرحلة متأخرة في الرتبة عن الحكم، كانت جهة تقييدية.

و أمّا الأحكام العقلية فليست فيها جهات تعليلية مغايرة للجهات التقييدية، و إنّما الجهات التعليلية فيها هي بعينها جهات تقييدية، سواء في ذلك الأحكام العقلية النظرية و الأحكام العقلية العملية. فإذا أدرك العقل بأن وجود زيد مثلًا و عدم وجوده لا يجتمعان باعتبار أن لازمه اجتماع النقيضين، فهي جهة تعليلية، بمعنى أن استحالة اجتماع وجود زيد و عدمه معلول لاستحالة اجتماع النقيضين، لانطباقه على المورد. و كذا الحال في كل قضية ممتنعة بحكم العقل، فإن استحالة اجتماع النقيضين أساس لها، لرجوعها إليها لا محالة. و من هنا فتكون الجهة التعليلية تقييدية بالضرورة.

و هكذا الأمر في الأحكام العملية. فإن حكم العقل بحسن ضرب اليتيم تأديباً و لمصلحته باعتبار أنه إحسان له و عدل في حقه، إنما يرجع إلى حكم العقل بحسن العدل و الإحسان لانطباقه عليه، فالجهة التعليلية فيه ترجع إلى الجهة التقييدية، نظراً لرجوع حكم العقل بحسن الضرب و التأديب إلى حكمه بحسن الإحسان و العدل. و كذا الكلام في حكمه بقبح ضرب اليتيم لا للتأديب لكونه ظلماً، فإنه إنما يرجع إلى حكمه بقبح الظلم، فتكون الجهة التعليلية في القضية هي بعينها الجهة التقييدية. و هاتان القضيّتان أعني حسن العدل و الإحسان و قبح الظلم هما الأساس لكل‌

29

..........

____________

مورد يحكم العقل بحسن شي‌ء أو قبحه.

إذن فليست في الأحكام العقلية جهات تعليلية تغاير الجهات التقييدية، و إنما الجهات التعليلية هي بعينها جهات تقييدية، كما أن الجهات التقييدية هي بعينها جهات تعليلية.

و من هنا فبما أن وجوب المقدمة إنما هو بحكم العقل، كان الوجوب ثابتاً لها بما هي مقدمة، و عليه فلا بدّ من قصد التوصل، نظراً إلى أن العنوان هو متعلق الوجوب أو الحرمة.

و ما أفاده (قدس سره) و إن كان تاماً و صحيحاً في نفسه، إذ ليست في الأحكام العقلية جهات تعليلية تغاير الجهات التقييدية، إلّا أن تطبيقه لهذا الكلام على المقام مما لا يمكن المساعدة عليه. و السر في ذلك أن وجوب المقدمة على القول به إنما هو شرعي لا عقلي، و إنما العقل يدرك الملازمة بين الوجوبين، بمعنى أنه يدرك استحالة انفكاك وجوب ذي المقدمة شرعاً عن وجوب المقدمة كذلك، و أما نفس الوجوب فهو شرعي محض.

و بعبارة اخرى: إن العقل إنما يدرك الملازمة و استحالة الانفكاك بين الوجوبين الشرعيين خاصة، و أما نفس الوجوب فهو شرعي و ليس مما يحكم به العقل. و من هنا فيكون عنوان المقدمية جهة تعليلية للوجوب الشرعي، بمعنى أن الترتب و توقف الواجب عليها المعبر عنه بعنوان المقدمة، علة لإيجاب ذات المقدمة شرعاً.

و عليه فلا يكون هذا من مصاديق ما أفاده (قدس سره)، من أن الجهات التعليلية هي بعينها جهات تقييدية في الأحكام العقلية.

و كيف كان، فالصحيح في التعليل أن يقال: إن النهي التكليفي عن المعاملات لا يقتضي فسادها، إذ لا ملازمة بين حرمة المعاملة و عدم نفوذها، بل قد تكون محرّمة و في نفس الحين تكون نافذة، كما هو الحال في النهي عن البيع وقت النداء فإنّه محرم و صحيح، باعتبار أن النهي و المبغوضية لا ينافيان الإمضاء لعدم اعتبار القربة فيها كالعبادات، كي يقال بأن المبغوض لا يصحّ التقرّب به.

30

فلا تنفع الإجازة بعد الرد (1). و هل يشترط في تأثيرها عدم سبق النهي من المولى

____________

هذا و الذي يهون الخطب أننا لم نلتزم بالحرمة في المقام أصلًا، و قد عرفت أنه من مصاديق التجرُّؤ و هو غير محرم.

اذن فلا مجال للبحث في حرمة المقدّمة، سواء أقصد بها التوصّل إلى إمضاء المولى أم قصد ترتيب الأثر عليه، سواء أذن المولى أم لم يأذن.

(1) على ما هو المعروف و المشهور بين الأصحاب، بل ادعى الشيخ الأنصاري (قدس سره) الإجماع عليه (1). و قد عللوا ذلك بأنه كرد البائع و عدوله الفاصل بين إيجابه و قبول المشتري، حيث يمنع من تأثير قبول المشتري بلا كلام.

إلّا أن ما ذكروه لا يخلو من الإشكال، بل المنع. و ذلك فلأن من غير المحتمل أن يكون الإجماع في المقام إجماعاً تعبدياً يكشف عن رأي المعصوم (عليه السلام)، بل من الواضح أن مستنده إنما هو استظهار كون المقام من قبيل رجوع البائع قبل قبول المشتري. و حيث إنّ بين المسألتين بوناً بعيداً، فلا مجال للالتزام بما ذكروه.

و الوجه فيه أنّ الموجب إذا رجع عن إيجابه قبل القبول لم يتحقق مفهوم العقد، لأنه عبارة عن ضمّ التزام إلى التزام و ربط تعهّد بآخر. فإذا فرض ارتفاع التزام البائع بالرجوع أو الموت أو الجنون لم يكن للقبول أثر، باعتبار أنه ليس هناك التزام آخر يضم هذا الالتزام إليه و يربط بينهما، فلا يتم مفهوم العقد. و أين هذا من المقام الذي ليس هناك أي التزام من المولى و انتساب للعقد إليه قبل الرد و بعده، كي يقال إن الردّ قد أبطل أثره؛ بل الرد و عدمه في المقام سيان حيث لا أثر له بالمرة، فإن العقد لم يكن منتسباً إليه قبل الرد و كذا الحال بعده، كما أنه لم يكن قبل الرد التزام من المولى و كذلك الحال بعده.

بل و كذا الحال لو اعتبرنا رضا المشتري بالمعاملة حين الإيجاب أيضاً، على ما ذهب إليه الشيخ (قدس سره)، و إن لم نرتضه في محله. و ذلك لأن المفروض أن العقد‌

____________

(1) كتاب النكاح (طبع المؤتمر العالمي للشيخ الأنصاري) 20: 246.

31

فيكون النهي السابق كالردّ بعد العقد، أو لا؟ وجهان. أقواهما الثاني (1).

____________

قد وجد في ظرفه واجداً لجميع الشرائط عدا استناده إلى المولى، فمتى أجاز استند العقد إليه، و ليس هذا قبولًا و إنما هو إسناد للعقد الواقع إليه بعد أن لم يكن كذلك و من هنا فلا يكون الردّ قاطعاً و مانعاً من لحوق الإجازة من المولى.

و الحاصل أنّ ما ذكروه مضافاً إلى أنه لا دليل عليه مخالف لإطلاقات النصوص المتقدِّمة و القاعدة المقتضية لصحّة العقد الفضولي، إذ ليس في المقام مانع من نفوذ العقد غير عدم إذن المولى و معصية العبد له، فإذا أجاز المولى ارتفع هذا المانع و جاز، لعدم المقتضي للبطلان بعد اقتضاء القاعدة للصحّة.

هذا كلّه مضافاً إلى دلالة صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى في وليدة باعها ابن سيِّدها و أبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً ثمّ قدم سيِّدها الأوّل فخاصم سيِّدها الأخير فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني فقال: خذ وليدتك و ابنها، فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه يعني الذي باع الوليدة حتى ينفذ لك ما باعك، فلما أخذ البيع الابن قال أبوه: أرسل ابني، فقال: لا أُرسل ابنك حتى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيِّد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه (1) صريحاً على المدعى، فإن المخاصمة و المطالبة أظهر أفراد الردّ، و مع ذلك فقد حكم (عليه السلام) بصحّة العقد بعد الإجازة.

و بالجملة فما ذكروه من مانعية الردّ للإجازة مما لا يمكن المساعدة عليه، بل الأدلة العامة و الخاصة على خلافه، فالمتعين هو القول بنفوذ العقد عند إجازة المولى، سواء أ صدر منه ردّ قبلها أم لم يصدر.

(1) لإطلاقات الأدلة، حيث إن مقتضاها نفوذ العقد بالإجازة مطلقاً، سواء أ كان هناك نهي سابق أم لم يكن. و ما ذكر من مانعية الرد فهو على تقدير الالتزام به، إنّما يختص بالإنشاء و لا يشمل مجرد الكراهة النفسانية، كما هو الحال في الإجازة أيضاً حيث إن مجرّد رضا المولى لا ينفع في الحكم بصحّة العقد و استناده إلى إجازة المولى.

____________

(1) الوسائل، ح 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 88 ح 1.

32

[مسألة 3: لو باشر المولى تزويج عبده أو أجبره على التزويج]

[3803] مسألة 3: لو باشر المولى تزويج عبده أو أجبره على التزويج فالمهر إن لم يعيّن في عين يكون في ذمّة المولى (1). و يجوز أن يجعله في ذمّة العبد يتبع به بعد العتق مع رضاه. و هل له ذلك قهراً عليه؟ فيه إشكال (2) كما إذا استدان على أن يكون الدين في ذمّة العبد من غير رضاه.

و أمّا لو أذن له في التزويج، فإن عيّن كون المهر في ذمّته، أو في ذمّة العبد، أو في عين معيّن، تعيّن (3). و إن أطلق، ففي كونه في ذمّته، أو في ذمّة العبد مع ضمانه له و تعهده أداءه عنه، أو كونه في كسب العبد، وجوه: أقواها الأوّل (4) لأن الإذن في الشي‌ء إذن في لوازمه، و كون المهر عليه بعد عدم قدرة العبد على شي‌ء و كونه

____________

(1) بلا إشكال و لا خلاف في الحكم بالنسبة إلى الفرض الأوّل. و أما الفرض الثاني فالحكم كما أفاده (قدس سره)، لما يأتي من أنه في حكم مباشرة المولى للعقد، إذ ليس له فرض شي‌ء في ذمّة العبد.

(2) بل منع. فإن غاية ما ثبت بالدليل إنما هو جواز تصرف المولى في عين العبد و منافعه و أمواله إن كانت، و أما التصرف في ذمته فلا دليل عليه، بل هو مقطوع البطلان. كما هو الحال في الاستدانة أو الشراء في ذمّة العبد، فإنه لو كان جائزاً لأمكن للمولى أن يصبح من أثرى الأثرياء بالاستدانة أو الشراء في ذمّة العبد، ثم عتق العبد فيتبع به دون المولى، و الحال إنه مما لا ينبغي الشك في بطلانه.

(3) بلا خلاف أو إشكال فيه.

(4) و ذلك فلأن القول الثاني و إن كان ممكناً إلّا أنه لا دليل عليه. و القول الثالث لا وجه له بالمرة، فإنّ كسب العبد لما كان من جملة أموال المولى لم تكن خصوصيّة فيه بالذات.

و بعبارة اخرى: إنّ المهر إن كان على المولى، فلا موجب لتعيّنه في مال خاص من أمواله. و إن لم يكن عليه فلا موجب لأخذه من كسب العبد الذي هو من جملة أمواله، فإنه لا دليل على خروجه منها.

إذن فيتعيّن القول الأوّل، الذي عليه القرينة العرفية التي ذكرها الماتن (قدس سره).

33

كلّاً على مولاه (1) من لوازم الإذن في التزويج عرفاً (2). و كذا الحال في النفقة (3). و يدلّ عليه أيضاً في المهر رواية عليّ بن أبي حمزة (4)

____________

(1) إن كان (قدس سره) يشير بذلك إلى الآية الكريمة التي تضمنت هذا التعبير فلا يخفى أنها غير واردة في العبد، و إنما هي واردة في الأبكم.

قال اللّٰه تعالى «وَ ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمٰا أَبْكَمُ لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ وَ هُوَ كَلٌّ عَلىٰ مَوْلٰاهُ أَيْنَمٰا يُوَجِّهْهُ لٰا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (1).

بل لم يرد في شي‌ء من النصوص أنّ العبد كَلٌّ عَلىٰ مَوْلٰاهُ، بل الأمر قد يكون بالعكس من ذلك تماماً، كما إذا كان العبد كسوباً و كان المولى عاجزاً لا عمل له.

(2) كما هو أظهر من أن يخفى. و هذه القرينة لا تختص بالمولى و العبد، و إنما هي قائمة في الإذن لكل من كان عيالا للآذن بالشراء لنفسه كالأب و الابن، فإنّ الظاهر من إذنه هو كون الثمن عليه.

ثمّ لو فرضنا عدم تمامية هذه القرينة، فالمتعين هو الالتزام بأنّ المهر في ذمّة العبد من دون أن يكون للمولى دخل فيه مطلقاً، فلا يضمن شيئاً على الإطلاق، بل يكون إذنه هذا من باب رفع المانع من قبله خاصة. نظير إذن العمة أو الخالة في التزوج في بنت الأخ أو الأُخت، حيث لا يحتمل أن يكون إذنهما مستلزماً لثبوت المهر عليهما.

و بذلك فيكون الحال في المقام كسائر موارد ضمانات العبد الثابتة نتيجة إتلافه لشي‌ء أو غيره باستثناء القتل و قصاص الجروح حيث إنّ له أحكاماً خاصة فإنّه يتبع به بعد العتق، من دون أن يكون المولى ملزماً بشي‌ء على الإطلاق على ما تقتضيه القاعدة.

(3) فإنّ الكلام فيها كالكلام في المهر بلا اختلاف بينهما.

(4) عن أبي الحسن (عليه السلام) في رجل يزوج مملوكاً له امرأة حرّة على مائة‌

____________

(1) سورة النحل: 16: 76.

34

و في النفقة موثقة عمّار الساباطي (1).

و لو تزوّج العبد من غير إذن مولاه ثمّ أجاز، ففي كونه كالإذن السابق في كون المهر على المولى أو بتعهّده، أو لا، وجهان. و يمكن الفرق بين ما لو جعل المهر في ذمّته، فلا دخل له بالمولى (2)

____________

درهم، ثمّ إنه باعه قبل أن يدخل عليها، فقال: «يعطيها سيده من ثمنه نصف ما فرض لها، إنما هو بمنزلة دين له استدانه بأمر سيده» (1).

إلّا أنها ساقطة سنداً، باعتبار أن علي بن أبي حمزة هذا هو البطائني الكذّاب المعروف.

(1) قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أذن لعبده في تزويج امرأة فتزوجها، ثمّ إن العبد أبق من مواليه، فجاءت امرأة العبد تطلب نفقتها من موالي العبد، فقال: «ليس لها على مولاه نفقة و قد بانت عصمتها منه» الحديث (2).

و هي واضحة الدلالة على المدعى، حيث إنّ ظاهرها أنّ نفقة زوجة العبد على مولاه ما لم يأبق فتسقط، لانتفاء عصمتها.

(2) لأن الإجازة لما كانت إجازة للعقد السابق بجميع خصوصياته، و كان مقتضى العقد السابق كون المهر في ذمّة العبد، كان المهر على العبد لا محالة يتبع به بعد العتق من دون أن يكون للمولى دخل فيه. نظير ما لو أذن المولى قبل العقد في تزوّج العبد على أن يكون المهر في ذمته، حيث لا يقوم إذنه حينئذ إلّا بدور رفع المانع من قبله كما عرفت.

و لكن مع ذلك فقد قيل بأنّ المهر على المولى، لأنّ ذمّة العبد بعينها ذمّة المولى. كما قيل بأنّ القرينة الخارجية بأنّ العبد لا يقدر على شي‌ء، قائمة على تعهده بالمهر عند الإذن.

____________

(1) الوسائل: ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 78 ح 1.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 73 ح 1.

35

و إن أجاز العقد. أو في مال معين من المولى أو في ذمته، فيكون كما عين (1) أو أطلق، فيكون على المولى (2).

____________

إلّا أنه لا يمكن المساعدة عليهما، و ذلك:

أمّا الأوّل: فلأن ما ذكر من أن ذمّة العبد غير مغايرة لذمّة المولى فهو مما لا أساس له، بل للعبد ذمّة مغايرة لذمّة المولى، و لذا لو أجاز المولى أن يتزوّج العبد مع كون المهر في ذمته صحّ العقد و كان المهر في ذمّة العبد يتبع به بعد العتق، بل قد عرفت أن ذمّة العبد تنشغل بالضمانات الناتجة عن الإتلاف بلا خلاف فيه، كما أنه لو أقرّ بشي‌ء قُبل إقراره و تبع به بعد العتق من دون أن تنشغل ذمّة المولى بشي‌ء. فما ذكر من أنّ العبد لا ذمّة له، لا يمكن المساعدة عليه، و لا دليل يعضده.

أمّا الثاني: فلأن القرينة لا تجري في المقام، لأن الإجازة إنما هي إجازة للعقد السابق بجميع خصوصياته و بكيفيته التي وقع عليها، و حيث إنه قد اشتمل على كون المهر في ذمّة العبد، فلا مبرر للقول بتعهد المولى به. على أنه لو فرضنا ثبوت التعهّد فلا ينفع ذلك في إلزام المولى به، لما يأتي قريباً.

(1) بلا خلاف و لا إشكال، لما عرفت من أنّ الإجازة إنما تتعلق بالعقد السابق بجميع خصوصياته، فيتعين ما عينه العبد لا محالة، و يكون حاله حال الإذن السابق في التزويج مع كون المهر في ذمّة المولى أو عيناً معينة من أمواله.

(2) للقرينة العرفية التي تقدّمت، فيكون حال الإجازة اللّاحقة في هذا الفرض حال الإذن السابق في فرض الإطلاق و عدم تعيين شي‌ء بخصوصه.

إلّا أن للمناقشة في هذا مجالًا. و ذلك فلأن الذمم لما كانت مختلفة، و لم يمكن جعل المهر على ذمّة مجهولة، انصرف عدم التعيين إلى ذمّة العبد نفسه، لأنه طرف المعاملة و المعاقدة. و من هنا فحيث إن الإجازة متعلقة بما وقع و إجازة للعقد المتقدم، و كان ما وقع عبارة عن تزوّج العبد مع كون المهر في ذمته و إن لم يذكر ذلك بالتصريح، فحال هذه الإجازة حال الإذن السابق في العقد مع التصريح بكون المهر في ذمّة العبد، و لا تجري القرينة العرفية المتقدِّمة في المقام.

36

ثمّ إنّ المولى إذا أذن، فتارة يعين مقدار المهر، و تارة يعمم، و تارة يطلق. فعلى الأوّلين لا إشكال. و على الأخير ينصرف إلى المتعارف (1). و إذا تعدى وقف على

____________

على أنّنا لو فرضنا جريانها في المقام، بل لو فرضنا تصريح المولى عند الإجازة بتعهده بثبوت المهر في ذمته، فلا يخرج ذلك عن كونه وعداً محضاً لا دليل على إلزامه به، حيث لا موجب لانتقال المهر من ذمّة العبد إلى ذمّة المولى و فراغ ذمّة العبد به.

اللّهمّ إلّا أن يضمنه المولى عند الإجازة بالضمان الشرعي، فإن الحق حينئذٍ ينتقل إلى ذمّة المولى بلا إشكال.

نعم، في فرض عدم الضمان لو قامت القرينة على أن إقدام العبد على هذا التزويج إقدام على أن يكون المهر في ذمّة المولى كما لو علمت المرأة بأنّ العاقد عبد لا يملك شيئاً فلا بأس بالقول بأن المهر عند الإجازة يكون في ذمّة المولى للقرينة المتقدِّمة حيث إن الإذن فيه إذن في كون المهر في ذمته، و بهذه القرينة يرفع اليد عن انصراف الإطلاق إلى كون المهر في ذمّة العبد.

(1) خارجاً بالنسبة إلى تزويج العبد من المرأة التي تناسبه.

و الوجه في ذلك بعد ما ذكرنا في باب الإطلاق أن المطلق شامل للفرد النادر أيضاً على حد شموله للفرد الشائع هو ما ذكرناه في باب الوكالة و الاستعارة، من أن الملاك الأصلي و الواقعي إنما هو الرضا الباطني للموكل و المعير و الآذن دون اللّفظ فإنه إنما يعتبر لكشفه عن الرضا الباطني لا غير. فبهذا اللحاظ لا بدّ من الاقتصار على الفرد المتعارف، لأن الإذن لا يكشف إلّا عن الرضا الباطني بالتصرف المتعارف كاللبس فيما يلبس و المطالعة في الكتاب، و لا يكشف عن غير المتعارف كفرش ما يلبس أو سد فرجة الحائط بالكتاب، أو البيع بأقل من ثمن المثل أو الشراء بأكثر منه.

و من هنا فالإذن في المقام ينصرف إلى الفرد المتعارف دون غيره، لعدم كاشفية اللّفظ عن الرضا الباطني بغيره.

37

إجازته (1). و قيل: يكون الزائد في ذمته يتبع به بعد العتق (2).

و كذا الحال بالنسبة إلى شخص الزوجة، فإنه إن لم يعين ينصرف إلى اللائق بحال العبد من حيث الشرف و الضعة. فإن تعدى وقف على إجازته (3).

____________

(1) لأن ما وقع لم يأذن فيه، و ما أذن فيه لم يقع، لكونه مقيداً بالمعين أو المتعارف.

(2) و فيه: أنه لا موجب للتفكيك بين ما أذن المالك فيه و الزائد، لما عرفت من أن ما أذن فيه لم يقع، و ما وقع لم يأذن فيه. فالصحيح هو القول بالتوقف على الإجازة.

(3) كل ذلك لما تقدّم من أن ما وقع لم يأذن فيه المولى، و ما أذن فيه لم يقع.

ثمّ إن في المقام فرعين يرتبطان بمسألة المهر لم يتعرض إليهما الماتن (قدس سره) و لا بأس بالتعرض إليهما.

الأوّل: لو أطلق المولى الإذن فتزوج العبد من دون مهر، كان مهر المثل عند الدخول بها على المولى دون العبد، لما تقدّم من أن إذنه في التزويج التزام منه بالمهر للقرينة العرفية، فإنها قائمة على كون المهر عليه عند إذنه في التزويج و إن كان ثبوته بالدخول بها.

الثاني: لو تزوّج العبد بإذن المولى، و بعد الدخول بها ظهر فساده لكون المرأة ذات بعل أو ذات عدة أو غير ذلك مع عدم علمها بالحال حين العقد كان مهر المثل على المولى، لأنه بإذنه في التزويج قد التزم بالمهر، فإذا ظهر بطلان العقد ثبت في ذمته مهر المثل بدلًا من المسمّى.

و أما لو تزوّج العبد من غير إذن المولى، و دخل بها ثمّ ظهر الفساد:

فإن كانت المرأة عالمة بالحال فلا تستحق شيئاً، لأنها بغية «و لا مهر لبغي». ففي معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): أيّما امرأة حرّة زوّجت نفسها عبداً بغير إذن مواليه، فقد أباحت نفسها و لا صداق لها» (1). و هي و إن كانت مطلقة إلّا أنه لا بدّ من تقييدها بصورة علم المرأة‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 24 ح 3.

38

..........

____________

لقوله (عليه السلام): «فقد أباحت نفسها» فإنها خير قرينة على اختصاصها بصورة العلم.

و إن كانت المرأة جاهلة بالحال كما لو تخيلت حريته، أو أخبرها العبد بذلك فصدقته استحقت المهر في ذمّة العبد يتبع به بعد العتق، لكونه حين العبودية غير قابل لأداء المهر باعتبار أنه و ما في يده لمولاه، من دون أن يكون للمولى دخل فيه لعدم إذنه في ذلك.

ثمّ هل المهر الثابت في ذمّة العبد هو المسمى في العقد، أم مهر المثل؟

ذكر الفقهاء في أبواب متفرقة من الفقه كالبيع و الإجارة و نحوهما، أن فساد العقد يوجب الانتقال إلى ثمن المثل إن كانت المعاملة بيعاً، و أُجرة المثل إن كانت إجارة أو ما شاكلها، باعتبار أن المشتري أو المستأجر إنما أقدم على قبض العين أو المنفعة بالضمان لا مجاناً، فإذا لم يسلم المسمّى لعدم إمضاء العقد من قبل الشارع، ثبت عليه المثل إذ لا يذهب مال المسلم هدراً، و على هذا الأساس ذكروا أن «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

غير أنا قد ذكرنا في محله أن ما ذكر لا يمكن المساعدة عليه بإطلاقه، بل لا بدّ من التفصيل في المقام. و ذلك لأن بطلان العقد قد يكون من جهة عدم أهلية من سلطه على المال لذلك، كما هو الحال في بيع الغاصب، أو الوكيل مع اشتباهه في متعلّق الوكالة، نظير ما لو وكله شخص في بيع داره فباع الوكيل دكانه خطأً. ففيه ينتقل إلى ثمن المثل بلا خلاف، لما ذكروه من أن المشتري لم يقدم على قبض المال مجاناً، و إنما أقدم على قبضه مع كون ضمانه عليه، فإذا لم يسلم المسمى ينتقل إلى ثمن المثل لا محالة، حيث لا يذهب مال المسلم هدراً.

و أُخرى يكون البطلان من جهة إيقاع من له السلطنة على المال العقد فاسداً، بلا فرق بين كونه عالماً بذلك أو جاهلًا. ففيه قد يفرض أن المسمّى أكثر من ثمن المثل و قد يفرض تساويهما، و قد يفرض زيادة ثمن المثل عن المسمّى.

ففي الأوّل لا يجب على المشتري دفع المسمّى بلا إشكال، باعتبار أن ما أوجبه لم‌

39

..........

____________

يمض شرعاً فذمته غير مشغولة به، لكنه حيث أتلف مال الغير مع الضمان، فلا بدّ من أن يخرج عن عهدته إذ لا يذهب مال المسلم هدراً، و تعيّن عليه دفع ثمن المثل لا محالة. و كذا الحال في الفرض الثاني.

و أما الفرض الثالث فلا وجه لما ذكره أكثر الفقهاء بإطلاق كلامهم من الانتهاء إلى ثمن المثل.

و الوجه فيه أن المالك لما أقدم على إلغاء احترام ماله بالنسبة إلى الزائد و سلط المشتري على تلفه بالمقدار المعين، كان مفوتاً لاحترام ماله فلا يجب على المشتري الزائد. و لا يجري في المقام ما ذكر من أن مال المسلم لا يذهب هدراً، لأنه إنما يختص بما إذا لم يكن المالك ملغياً لاحترام ماله. فيتعين حينئذٍ دفع المسمى خاصة، و من المطمأنِّ به قوياً أن السيرة العقلائية قائمة على ذلك.

و هذا الكلام بعينه يجري في المقام. فإنّ الحرّة إذا أقدمت على التزوج بمهر دون مهر أمثالها، فلا مقتضي للانتهاء إلى مهر المثل عند ظهور فساد العقد، لأنها هي التي ألغت احترام ما تستحقه من المهر بالنسبة إلى الزائد.

و هذا الحكم مضافاً إلى كونه على طبق القاعدة يدل عليه صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل تزوّج عبده بغير إذنه فدخل بها ثمّ أطلع على ذلك مولاه، قال: «ذاك لمولاه، إن شاء فرَّق بينهما، و إن شاء أجاز نكاحهما. فإن فرَّق بينهما فللمرأة ما أصدقها، إلّا أن يكون اعتدى فأصدقها صداقاً كثيراً» الحديث (1).

فإنها واضحة الدلالة على ثبوت المهر المسمى عند ظهور البطلان ما لم يكن العبد معتدياً فيه، و من الواضح أن فرض عدم الاعتداء كما يشمل تساوي المهرين يشمل كون مهر المسمّى أقلّ من مهر المثل.

و الماتن (قدس سره) قد تعرّض لهذا الفرع في المسألة الثالثة عشرة من هذا الفصل، لكن الأولى تقديمه إلى المقام لشدة المناسبة.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 24 ح 2.

40

[مسألة 4: مهر الأمة المزوَّجة للمولى]

[3804] مسألة 4: مهر الأمة المزوَّجة للمولى (1) سواء كان هو المباشر، أو هي بإذنه، أو بإجازته. و نفقتها على الزوج (2) إلّا إذا منعها مولاه عن التمكين

____________

(1) لأنّ المهر و إن لم يكن عوضاً في النكاح و لذا يصحّ من دونه إلّا أنه شبيه به، لأنّ اعتباره إنما هو من جهة تمكن الزوج من الانتفاع بالمرأة و الاستمتاع بها المعبّر عنه بملكيّة البضع. و من هنا فحيث إن هذه المنافع مملوكة للمولى بلا إشكال، بتبع ملكيته للأمة نفسها، كان عوضه له لا محالة.

و مما يؤكِّد ذلك معتبرة أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل زوّج مملوكة له من رجل حر على أربعمائة درهم، فعجل له مائتي درهم و أخّر عنه مائتي درهم فدخل بها زوجها، ثمّ إن سيدها باعها بعد من رجل، لمن تكون المائتان المؤخّرة على الزّوج؟ قال: «إن كان الزوج دخل بها و هي معه و لم يطلب السيد منه بقية المهر حتى باعها، فلا شي‌ء له عليه و لا لغيره» (1).

فإنها من حيث السند معتبرة، لأن سعدان بن مسلم المذكور في سندها و إن لم يرد فيه توثيق في كتب الرجال، إلّا أنه مذكور في أسناد كامل الزيارات و تفسير علي بن إبراهيم (2). و من حيث الدلالة واضحة بل صريحة في أن المهر للمولى.

نعم، إنها تضمنت سقوط المؤجل من المهر بالدخول بها، و هي مسألة خلافية لاختلاف الأخبار فيها، حيث دلّت جملة منها على السقوط، في حين دلّت جملة أُخرى منها على عدمه. إلّا أنها خارجة عن محل كلامنا، و سيأتي الحديث عنها في محلها إن شاء اللّٰه.

(2) بلا إشكال فيه، على ما يستفاد من قوله تعالى «وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ» (3) و جملة من النصوص المعتبرة. فإذا وجبت على الزوج وضعاً كانت المرأة غنية باعتبار كونها مالكة لها في ذمّته، فلا يجب على المولى الإنفاق عليها، لأن وجوبها‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 87 ح 1.

(2) معجم رجال الحديث 9: 104.

(3) سورة البقرة 2: 233.

41

لزوجها، أو اشترط كونها عليه (1).

و للمولى استخدامها بما لا ينافي حق الزوج (2). و المشهور أن للمولى أن يستخدمها نهاراً، و يخلي بينها و بين الزوج ليلًا، و لا بأس به، بل يستفاد من بعض الأخبار [1] (3). و لو اشترطا غير ذلك فهما على شرطهما (4).

____________

عليه تكليفي محض فلا يجب مع غناها.

نعم، لو سقطت بالنشوز، كما ذهب إليه المشهور؛ أو بخروجها من داره و انفصالها عنه، كما اخترناه؛ وجبت نفقتها على المولى لكونها فقيرة حينئذٍ.

(1) فينفذ لعموم «المؤمنون عند شروطهم». هذا إذا كان الشرط شرط الفعل بمعنى اشتراط كون أدائها عليه. و أما لو كان الشرط بنحو شرط النتيجة، أعني اشتراط ثبوتها عليه، فلا.

(2) لأنّها بالتزويج لا تخرج عن ملكه، بل تبقى مملوكة له كما كانت، فيكون مقتضى القواعد جواز استخدامها للمولى متى شاء في غير الاستمتاع إذا لم يكن منافياً لحق الزوج، حيث إنه قد ملكه هذه المنفعة فلا يجوز له التصرف فيه أو تفويته عليه.

(3) و هو ما رواه في الجعفريات، قال: أخبرنا عبد اللّٰه، أخبرنا محمد، حدثني موسى، قال حدثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) أنه قال: «إذا تزوّج الحر الأمة، تخدم أهلها نهاراً و تأتي زوجها ليلًا و عليه النّفقة إذا فعلوا ذلك به، و إن حالوا بينه و بين امرأته فلا نفقة لهم عليه» (1). إلّا أن سند الكتاب غير موثق و إن أصر الشيخ النوري (قدس سره) على صحته، غير أنه لا دليل عليه.

و من هنا فلا وجه لما ذكر، بل لا بدّ من الالتزام بالجواز مطلقاً ما لم يكن منافياً لحق الزوج، و عدم الجواز كذلك عند منافاته له.

(4) لعموم وجوب الوفاء بالشرط.

____________

[1] لكنّه ضعيف، و الأوجه ما ذكره أوّلًا.

____________

(1) الجعفريات (حجري): 105 106.

42

و لو أراد زوجها أن يسافر بها، هل له ذلك من دون إذن السيد؟ قد يقال: ليس له، بخلاف ما إذا أراد السيد أن يسافر بها، فإنه يجوز له من دون إذن الزوج. و الأقوى العكس [1] (1) لأنّ السيد إذا أذن بالتزويج فقد التزم بلوازم

____________

(1) بل الأقوى هو القول بعدم الجواز لكل منهما. و ذلك لاستلزام سفر كل منهما بها تفويت الحق الثابت للآخر، فسفر المولى بها يستلزم تفويت حق الزوج، كما أن سفر الزوج بها يستلزم تفويت حق المولى في استخدامها، فلا يجوز ذلك لكل منهما إلّا بإذن الآخر، بل لو خالف الزوج ضمن المنافع الفائتة للمولى.

ثمّ في فرض تعارضهما، فهل تجب على الأمة إطاعة زوجها، أم تجب عليها طاعة مولاها؟

الصحيح هو أن يقال: إنّ المقام لما كان من مصاديق التزاحم، حيث لا يمكن الأمة الجمع بين السفر و عدمه، فلا بدّ من القول بالتخيير إن لم يكن هناك مرجع لأحد الطرفين. لكن من غير البعيد أن يقال بترجيح حق المولى، لأنه أقوى باعتبار كونه مالكاً للعين و المنفعة، بخلاف الزوج حيث لا يملك إلّا منفعة الاستمتاع. و يكفينا في تقديم حق المولى احتمال الأقوائية، فإنه منجز في باب التزاحم على ما بُيّن في محله.

و بعبارة اخرى نقول: إنّ الأمة لما لم يمكنها الجمع بين حق المولى و حق الزوج حيث يأمر أحدهما بالسفر و الآخر بالبقاء، وقع التزاحم بين الأمرين لا محالة باعتبار أن كلّاً منهما مشروط بالقدرة، و مقتضاه هو التخيير ما لم يحتمل أهميّة أحدهما، و إلّا قدم ما احتمل أهميته. و حيث في المقام يحتمل أهمية أمر المولى، لكونه مالكاً للعين و جميع منافعها باستثناء منفعة الاستمتاع، تعيّن عليها إطاعته لا محالة.

____________

[1] بل الأقوى عدم الجواز لكل من السيِّد و الزّوج بدون إذن الآخر، لأنّ لكل منهما حق الانتفاع من الأمة أحدهما بالاستخدام و الآخر بالاستمتاع، و لا يجوز لواحد منهما تفويت حق الآخر بدون رضاه، و أما الأمة فبما أنه يجب عليها إطاعة زوجها و إطاعة سيِّدها ففي صورة المعارضة بينهما يدور أمرها بين المحذورين و لا يبعد تقديم حق السيِّد لاحتمال أهميته.

43

الزوجية، و «الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ» (1).

و أما العبد المأذون في التزويج فأمره بيد مولاه، فلو منعه من الاستمتاع يجب عليه طاعته، إلّا ما كان واجباً عليه من الوطء في كل أربعة أشهر (2) و من حق القسم.

[مسألة 5: إذا أذن المولى للأمة في التزويج و جعل المهر لها، صحّ]

[3805] مسألة 5: إذا أذن المولى للأمة في التزويج و جعل المهر لها، صحّ على الأقوى من ملكية العبد و الأمة (3) و إن كان للمولى أن يتملك ما ملكاه، بل الأقوى

____________

(1) الظاهر أن هذه الآية الكريمة أجنبية عن محلّ الكلام، فإنها واردة في أن الرجل يقوّم ظهر المرأة و وجوب إطاعته عليها، و من الواضح أن هذا لا ينافي وجوب إطاعة المولى عليها أيضاً.

(2) فلا تجب إطاعته لمخالفته لأمر اللّٰه تبارك و تعالى، و لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

(3) الكلام تارة في إمكان ملكيتهما، و أُخرى في وقوعه خارجاً و الدليل عليه.

أمّا المقام الأوّل: فلا ينبغي الشك فيه، فإنّ الملكية إنما هي من الأُمور الاعتبارية و قائمة بالاعتبار و هو سهل المئونة، فللشخص أن يعتبر ما يشاء ما دام يترتّب عليه الأثر كي لا يكون لغواً. و أما من تقوم به الملكية و يكون مالكاً فلا دليل على اعتبار كونه حرّا، بل يمكن أن يكون جماداً كالوقف على المسجد و ما شاكله.

و أمّا المقام الثاني: فيمكن الاستدلال على وقوعه بجملة من النصوص المعتبرة:

كالتي دلّت على نفي الزكاة في مال العبد (1). فإنه ظاهر في كون العبد مالكاً، غاية الأمر أن أمواله مستثناة، من حكم الزكاة، و إلّا فلو لم يكن العبد مالكاً لم يكن وجه لنفي الحكم عنه، لكونه سالبة بانتفاء الموضوع.

و التي دلّت على أن العبد لا يرث و لا يورث (2). فإن الحكم بأنه لا يورث ظاهر في‌

____________

(1) الوسائل: 9: 91 وجوب الزكاة على الحر و عدم وجوبها على العبد ح 11597، 11598.

(2) الوسائل، ج 26 كتاب الفرائض و المواريث، أبواب موانع الإرث، ب 16.

44

كونه مالكاً لهما و لمالهما ملكية طولية (1).

____________

أنه يملك، إلّا أن أمواله لا تنتقل بموته إلى ورثته، و إلّا فلو لم يكن له مال لعدم قابليته للملكية، لم يكن وجه للقول بأنه لا يورث.

و التي دلّت على أن العبد ليس له التصرف في أمواله من دون إذن سيده، كصحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «لا يجوز للعبد تحرير و لا تزويج و لا إعطاء من ماله إلّا بإذن مولاه» (1). فإنها تدل و بكمال الصراحة على أن العبد يملك، غاية الأمر أنه محجور عليه و ليس له التصرف إلّا بإذن مولاه.

(1) إذ لا محذور فيه عقلًا، نظراً إلى أن الملكية من الأُمور الاعتبارية، فلا يأتي فيها التضادّ أو التناقض أو التماثل، لأنها إنما تختص بالأُمور التكوينية الموجودة في الخارج، فلا مانع من اعتبار شي‌ء و اعتبار عدمه في آن واحد عقلًا، غاية الأمر أنه يكون لغواً و لا يصدر من الحكيم إذا لم يكن له أثر، و إلّا فلا لغوية فيه أيضاً، كما هو الحال في اعتبار وكيلين أو متوليين مستقلين بحيث يعمل كلٌّ منهما منفرداً عن الآخر.

هذا بشكل عام. و أما في خصوص الملكية فاعتبارها لشخصين كلّ منهما مستقلا عن الآخر لغو محض، لأنّ مقتضى اعتبار ملكية زيد له هو جواز تصرفه فيه كيف يشاء و انتقاله إلى ورثته بعد موته، في حين إنّ مقتضى اعتبار ملكية عمرو له هو عدم جواز تصرف زيد فيه في حياته و عدم انتقاله إلى ورثته بعد وفاته، و كذا العكس فيكون لغواً محضاً.

و من هنا فقد ذكرنا في باب الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية، أنه لا استحالة في الجمع بين الحكمين مطلقاً، سواء أ كانا معاً واقعيين، أم كانا ظاهريين، أم كان أحدهما واقعياً و الآخر ظاهرياً.

غاية الأمر أن الأوّل لغو لا يصدر من الحكيم، لا سيما إذا قلنا بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها، فإنه حينئذ لا يمكن الجمع بينهما أيضاً، حيث لا يمكن‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 23 ح 1.

45

..........

____________

أن يكون الشي‌ء الواحد واجداً للمصلحة الراجحة و المفسدة الراجحة في آن واحد.

و أمّا الثاني فهو كالأوّل في اللغوية، حيث لا يمكن للمكلف امتثالهما في الخارج.

و أمّا الثالث فلا محذور فيه أصلًا، إذ إنهما لا يصلان معاً إلى المكلف أصلًا، فإذا وصل الأوّل ارتفع موضوع الثاني، و إذا وصلت النوبة إلى العمل بالثاني فلا بدّ من فرض عدم الأوّل. و من هنا فلا يكون جعلهما معاً لغواً، فضلًا عن كونه ممتنعاً عقلًا.

و الحاصل أنه لا محذور عقلًا من اعتبار ملكية شي‌ء لشخصين مستقلين في نفسه مع كون أحدهما في عرض الآخر، فضلًا عن كون ملكية المولى طولية، نعم، هو عبث و لغو فلا يصدر من الحكيم، غير أن هذا غير الامتناع العقلي، كما لا يخفى.

و أما بالنسبة إلى خصوص العبد و مولاه، فاعتبار ملكية شي‌ء واحد لكل منهما مستقلا في عرض الآخر، فمضافاً إلى أنه لا يصطدم بأي محذور عقلي، لا يأتي فيه محذور اللغوية، لأن العبد ممنوع من التصرف و لا يورث، فلا يأتي فيه ما ذكر من أن اعتبار الملكية له يقتضي جواز تصرفه فيه كيف يشاء و انتقاله إلى ورثته بعد موته، إذ إنه لا يقدر على شي‌ء.

إلّا أنه لا دليل عليه. بل ربّما ينافي ما دل على جواز هبة المولى لعبده شيئاً (1). فإن مفهومها إنما هو رفع اليد عن الملكية و سلب مالكيته عن شي‌ء و جعلها لآخر، فإنه لا ينسجم مع كون المولى مالكاً لذلك الشي‌ء في عرض مالكية العبد أيضاً، إذ إنه إنما يكون حينئذ من إضافة مالك إلى مالك لا سلب المالكية عن شخص و جعلها لآخر.

بل و ربّما ينافيه ما دلّ على نفي الزكاة عن مال العبد (2). فإن المال لو كان مملوكاً للمولى أيضاً، لوجبت فيه الزكاة من هذه الجهة، و هو يتنافى مع الحكم بأنه لا زكاة فيه.

و بالجملة فالالتزام بملكية المولى للمال في عرض ملكية العبد له، مضافاً إلى أنه لا دليل عليه، ينافيه بعض النصوص الواردة في أبواب متفرقة من الفقه.

____________

(1) الوسائل 18: 368 أبواب بيع الحيوان من كتاب التجارة ح 23647.

(2) الوسائل 9: 91 كتاب الزكاة، باب 4 ح 11597 و 11598.

46

..........

____________

إذن فالصحيح هو الالتزام بما ذكره الماتن (قدس سره) من ملكية المولى للمال ملكية طولية، بمعنى أن المال مملوك للعبد أوّلًا و بالذات، غاية الأمر أن المولى يملكه أيضاً باعتبار ملكيته لمالك المال أعني العبد فهو مملوك له بالتبع لا بالأصالة، فإنّ هذا الالتزام لا محذور فيه أصلًا.

و تدلّ عليه صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال في المملوك: «ما دام عبداً فإنه و ماله لأهله، لا يجوز له تحرير و لا كثير عطاء و لا وصيّة إلّا أن يشاء سيده» (1).

و صحيحة إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر، فيقول: حلّلني من ضربي إياك، و من كل ما كان منِّي إليك و ما أخفتك و أرهبتك، فيحلِّله و يجعله في حل رغبة فيما أعطاه ثمّ إنّ المولى بعد أصاب الدراهم التي أعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد فأخذها المولى، إحلال هي؟ فقال: «لا». فقلت له: أ ليس العبد و ماله لمولاه؟ فقال: «ليس هذا ذاك» ثمّ قال (عليه السلام): «قل له فليرد عليه، فإنه لا يحل له، فإنه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة و القصاص يوم القيامة» (2).

فإنّ قول إسحاق (أ ليس العبد و ماله لمولاه) و إجابة الامام (عليه السلام) عنه بأنه «ليس هذا ذاك» ظاهر الدلالة في أن ملكية المولى للعبد و من ثمّ لما يملكه من الأُمور أمر مفروغ عنه.

و الحاصل أن العبد مالك لأمواله أوّلًا و بالذات، و مولاه مالك لتلك الأموال لكن بتبع ملكيته للعبد نفسه، فملكية المال المعين معتبرة مرّتين: تارة للعبد بالذات، و أُخرى للمولى بتبع ملكيته للعبد، و قد عرفت أنه لا محذور في هذين الاعتبارين ما دامت هناك مصلحة فيه.

هذا مضافاً إلى دلالة صحيحتي محمد بن قيس و إسحاق بن عمار على ما ذكرناه.

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 78 ح 1.

(2) الوسائل، ج 18 كتاب التجارة، أبواب بيع الحيوان، ب 9 ح 3.

47

[مسألة 6: لو كان العبد أو الأمة لمالكين أو أكثر]

[3806] مسألة 6: لو كان العبد أو الأمة لمالكين أو أكثر، توقف صحّة النّكاح على إذن الجميع أو إجازتهم (1). و لو كانا مبعضين، توقف على إذنهما و إذن المالك (2) و ليس له إجبارهما حينئذ (3).

[مسألة 7: إذا اشترت العبد زوجته بطل النِّكاح]

[3807] مسألة 7: إذا اشترت العبد زوجته بطل النِّكاح (4) و تستحق المهر

____________

نعم، لا بدّ من استثناء صورة واحدة من هذا الحكم، حيث لا يملك المولى فيها مال العبد بتبع ملكيته له، و هي ما لو أعطى المولى شيئاً لعبده في قبال أن يحلّله مما اعتدى عليه فراراً من العقاب الأُخروي، و ذلك لصريح صحيحة إسحاق بن عمار المتقدِّمة فيملك العبد هذا المال مستقلا و من دون أن يملكه المولى بالملكية الطولية.

(1) لما تقدّم في المالك المتحد، إذ لا فرق بين المتحد و المتعدِّد، فإنهم جميعاً يملكونه و لكل منهم حصة فيه، فلا يصحّ التزويج من دون إذن المالك أو إجازته.

(2) أمّا اعتبار إذنهما فللحاظ الجزء الحر، حيث لا سلطنة للمولى عليه. و أما اعتبار إذن المالك فللحاظ الجزء المملوك، حيث يكون التصرف فيه بغير إذنه تعدياً على سلطانه، و تصرفاً في ماله بغير رضاه.

(3) لعدم السلطنة على جزئهما الحر.

(4) الروايات الواردة في المقام أربع:

إحداها: واردة في شراء الحرّة زوجها العبد، و هي رواية سعيد بن يسار، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن امرأة حرّة تكون تحت المملوك فتشتريه، هل يبطل نكاحه؟ قال: «نعم، لأنه عبد مملوك لا يقدر على شي‌ء» (1). إلّا أنها ضعيفة السند، من جهة أن شيخ الكليني (قدس سره) أبا العباس محمد بن جعفر لم يرد فيه توثيق.

و ثلاث منها واردة في الإرث، هي:

أ- صحيحة عبد اللّٰه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 49 ح 2.

48

..........

____________

رجل زوج أم ولد له مملوكه، ثمّ مات الرّجل فورثه ابنه فصار له نصيب في زوج امّه ثمّ مات الولد أ ترثه امّه؟ قال: «نعم». قلت: فإذا ورثته، كيف يصنع و هو زوجها؟ قال: «تفارقه و ليس له عليها سبيل و هو عبدها» (1).

ثمّ إن صاحب الوسائل (قدس سره) قد جعل كلمة «و هو عبدها» بين قوسين و جعل عليها حرف (خ) إشارة إلى أنها نسخة، غير أننا عند مراجعتنا إلى المصدر وجدنا أنّ الكلمة ثابتة فيه من غير الإشارة إلى كونها نسخة، فما فعله (قدس سره) لعلّه من سهو القلم.

ب- صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في سرية رجل ولدت لسيدها ثمّ اعتزل عنها فأنكحها عبده ثمّ توفِّي سيِّدها و أعتقها فورث ولدها زوجها من أبيه، ثمّ توفي ولدها فورثت زوجها من ولدها، فجاءا يختلفان يقول الرجل: امرأتي و لا أُطلقها، و تقول المرأة: عبدي لا يجامعني. فقالت المرأة: يا أمير المؤمنين، إن سيدي تسراني فولدني ولداً ثمّ اعتزلني فأنكحني من عبده هذا، فلما حضرت سيدي الوفاة أعتقني عند موته و أنا زوجة هذا و إنه صار مملوكاً لولدي الذي ولدته من سيدي، و إن ولدي مات ثمّ ورثته، هل يصلح له أن يطأني؟ فقال لها: هل جامعك منذ صار عبدك و أنت طائعة؟ قالت: لا يا أمير المؤمنين. قال: لو كنت فعلت لرجمتك، اذهبي فإنه عبدك ليس له عليك سبيل. إن شئت أن تبيعي، و إن شئت أن ترقي، و إن شئت أن تعتقي» (2).

ج- معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال في امرأة لها زوج مملوك فمات مولاه فورثته، قال: «ليس بينهما نكاح» (3).

و هذه النصوص و إن كانت واردة في تملكها له بالإرث، إلّا أنّ الظاهر من الصحيحتين الأُوليين هو أن انفساخ الزوجية إنما هو من جهة عدم اجتماع الزوجية‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 49 ح 1.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 49 ح 2.

(3) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 49 ح 4.

49

إن كان ذلك بعد الدخول (1). و أما إن كان قبله، ففي سقوطه، أو سقوط نصفه، أو ثبوت تمامه [1]، وجوه مبنية على أنه بطلان أو انفساخ (2). ثمّ هل يجري عليها حكم الطّلاق قبل الدخول أو لا؟ و على السقوط كلّاً إذا اشترته بالمهر الذي كان

____________

و العبودية مطلقاً، و إن الرجل الذي هو عبد للمرأة «و ليس له عليها سبيل» لا يصلح أن يكون زوجاً لها و يقوم ظهرها، من دون أن يكون لسبب العبودية خصوصيّة.

و من هنا فيتم ما ذكره الماتن (قدس سره)، و إن كانت الرواية الواردة في شرائها لزوجها ضعيفة السند.

(1) بلا إشكال فيه و لا خلاف، لاستقراره بالدخول بعد أن كان العقد صحيحاً فلا موجب لسقوط بعضه فضلًا عن تمامه.

(2) و ذلك لأن ارتفاع العقد عند طرو ما يوجب زواله بعد الحكم بصحته، إنما يكون على نحوين:

الأوّل: زواله على نحو تقدير أنه لم يكن، فيفرض العقد حين طرو الرافع كأنه لم يقع في الخارج و لم يكن في حينه، كما هو الحال في موارد الفسخ بالخيار.

الثاني: زواله من حين طرو العذر و بطلانه عند تحقق السبب، كما هو الحال في الطلاق.

أما على النحو الأوّل، فلا يجب على أحد المتعاقدين شي‌ء للآخر، لارتفاع العقد و فرضه كأن لم يكن، و في حكم الفسخ الانفساخ، أعني حكم الشارع به و إن لم يكن هناك فسخ من المتعاقدين. كما هو الحال في باب التداعي، فإذا ادعى البائع أن المبيع كان داراً و ادعى المشتري أنه كان بستاناً حكم بالانفساخ، و فرض العقد كأن لم يكن من الأوّل.

ففي المقام لو فرض الانفساخ فليس للزوجة شي‌ء من المهر، لأنه مأخوذ في ضمن العقد و هو قد فرض كأن لم يكن، فلا موجب لثبوته مجرداً عنه، سواء أ كان الفسخ‌

____________

[1] لا يبعد أنه المتعين.

50

..........

____________

من قبله أو من قبلها.

نعم، في خصوص ما لو فسخت المرأة العقد لظهور الرجل عنيناً، تستحق عليه نصف المهر، للنص على ما سيأتي بيانه و إلّا فمقتضى القاعدة عدم استحقاقها شيئاً لفرض العقد غير واقع في الخارج.

و أما على النحو الثاني، كما لو عرض البطلان نتيجة لارتضاع ابن الزوج من أُم الزوجة، فإنه يبطل النكاح حيث لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن أو المرضعة، لكنّه لا يعدّ فسخاً و رفعاً للعقد من الأوّل و فرضه كأن لم يكن، و إنما هو حكم بأنه كالعدم من الآن.

و على هذا فتستحق المرأة في هذا التقدير المهر. لكنها هل تستحقه بتمامه، أو تستحق نصفه خاصة؟ خلاف بين الأصحاب، فمنهم من ذهب إلى الأوّل، و منهم من اختار الثاني.

و الصحيح هو الأوّل. و الوجه فيه أن سقوط المهر كلّاً أو بعضاً بعد ثبوته بالعقد و ملكية الزوجة له على الزوج أو سيده، يحتاج إلى الدليل، و إلّا فمقتضى إطلاق أدلّته هو ثبوته تماماً في ذمته، و حيث لا دليل في المقام فلا مجال للمصير إليه.

نعم، دلّت الآية الكريمة و جملة من النصوص على سقوط النصف في الطلاق (1) كما ورد النص في إبراء الرجل لزوجته المنقطعة قبل أن يدخل بها (2). كما إن ذلك هو الصحيح عندنا في الموت أيضاً للنص الصحيح (3) و إن خالف فيه جماعة فالتزموا بثبوت التمام، أو قيل بالتفصيل بين موت الزوج و موت الزوجة.

و أما في غير هذه الموارد من موارد بطلان العقد و ارتفاعه بقاءً، فحيث لا دليل على سقوط شي‌ء من المهر، فلا وجه للقول به بل اللازم هو الالتزام بثبوت تمامه.

ثمّ إنه يظهر من كلمات بعضهم التفصيل في المقام بالقول: بأن سبب البطلان إن كان‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المهور، ب 51.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 30.

(3) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المهور، ب 58.