إرشاد العباد إلى لبس السواد على سيد الشهداء و الأئمة الأمجاد

- السيد جعفر الطباطبائي الحائري المزيد...
73 /
3

ترجمة المؤلف (قدس سره)

1- نسبه الشريف‌

2- ولادته‌

3- نشأته‌

4- مشايخه فى القراءة: و الرواية‌

5- الراوون عنه‌

6- ثناء العلماء عليه‌

7- مؤلفاته‌

8- أولاده‌

9- وفاته‌

10- مدفنه‌

4

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

الحمد للّه و صلى اللّه على محمد و آله الطيبين الطاهرين‌

و لعنة اللّه على أعدائهم من الجن و الانس من الاولين و الآخرين من الآن الى قيام يوم الدين آمين رب العالمين‌

5

(نسبه الشريف)

هو العالم العامل و الفقيه الكامل فخر الاقران و الاماثل جامع الفواضل زين الاواخر و الاوائل المحقق الابهر العلامة الازهر مولانا السيد ميرزا جعفر بن العلامة الفقيه السيّد علي‌نقي (1) بن العلامة السيّد‌

____________

(1) كان ره من أكابر فقهاء عصره قال فى المآثر و الآثار ص 174 من العمود الاول: حاج ميرزا على‌نقى طباطبائى از أعاظم مجتهدين كربلاء بود و از رياست و شهرت و اعتبار دين و دولت سهم عظيم و حظى وافر داشت:

و قال فى نجوم السماء بعد ذكر اسمه الشريف و اسم والده: از أعاظم مجتهدين إمامية و أكابر فقهاء مذهب جعفريه جامع مكارم اخلاق و فقيه على الاطلاق و مرجع عوام و خواص عراق بالاتفاق بوده الخ فلاحظ: و قال صاحب الروضة البهية: و كان عالما فاضلا مجتهدا بصيرا قاضيا مدرسا رئيسا فى الحائر على مشرفه السلام و كان بينى و بينه (يعنى والده العلامة السيد حسن) مراودة و خلطة و مودة أدام اللّه بقائه حيث كان جارا لنا فى الحائر حين تشرفى بالزيارة و للّه الحمد و المنة صار العلم فى محله و استقر فى مكانه بوجودهما دام عمرهما انتهى.

(أقول) و تثنية الضمير باعتبار الوالد و الولد فلاحظ هذا و راجع أعيان الشيعة و أحسن الوديعة و طبقات الاعلام و ريحانة الادب و غيرها توفى أعلى اللّه مقامه فى الحائر الطاهر سنة 1289 ه‍.

6

حسن المعروف بحاجى آقا ابن العلامة الفقيه المؤيد السيد محمد المعروف بالسيد المجاهد (1) صاحب المناهل الفقهية و المفاتيح الاصولية ابن العلامة الفقيه الشهير و الاصولى الماهر النحرير السيّد على (2) الطباطبائى الحائرى صاحب الرياض المشتهر فى الآفاق.

و أرخ وفاته بعض الادباء بقوله:

لما نعى العلم خير حبر * * * قضى نقى الردا زكيا

ناديت القى العصا و أرخ * * * حقا على قضا نقيا

و له مؤلفات فقهية و اصولية ذكرها صاحب أحسن الوديعة فراجع.

____________

(1) وصفه صاحب الروضة البهية: بالامام الاجل الاعظم الاكرم النحرير الزاخر و السحاب الماطر الفائق على الاوايل و الاواخر صاحب التحقيقات الرشيقة فى القواعد الاصولية و الضوابط الكلية الفقهية و الفروع المستنبطة و مصنف التصنيفات الحسنة و مؤلف المؤلفات الجيدة سيدنا و استاذنا و شيخنا المعظم و ملاذنا المقدم إلخ.

(أقول) و كفى فى علو مقامه و رفيع درجته تعبير شيخ فقهائنا الاجلة المرتضى (قدس سره) عنه بسيد مشايخنا: و ان شئت زيادة التعرف على أحواله أعلى اللّه مقامه راجع الكتب المفصلة فى التراجم.

و توفى (قدس سره) سنة فى الحائر الطاهر و دفن فى السوق الواقع بين الحرمين الشريفين و على قبره الشريف، قبة عالية: و لكن سمعنا فى هذه الاواخر ان الدولة الكافرة و العصابة الملحدة البعثية قد هدمت مرقده الشريف لاجل فتح الشارع المتصل بالحرمين الشريفين.

(2) اشتهاره بين الطائفة الحقة بالتحقيق و زيادة التدقيق و المهارة التامة فى الفقه و الاصول و تفوقه على العلماء الفحول كجملة من تقدمه و كل من تأخر عنه أشهر من الشمس و أبين من أمس راجع أعيان الشيعة و روضات الجنات و غير هما من المؤلفات، و قبره الشريف جنب قبر خاله الوحيد مما يلى رجلى الشهداء فى الحرم الحسينى على مشرفه السلام.

7

نسب كأن عليه من شمس الضحى * * * نورا و من فلق الصباح عمودا

و يحق لسيدنا المترجم ان يقول:

اولئك آبائى فجئنى بمثلهم * * * اذا جمعتنا يا جرير المجامع

فكان ره نعم الخلف لنعم السلف و كان بيته الشريف فى الحائر الباهر من كبار بيوتات العلم و العمل و اشهرها عريقا فى العلم و الفضل و الرئاسة و السياسة مجمع الفحول و معدن ارباب المعقول و المنقول و كعبة علوم تطوف حوله رجال الفقه و الاصول من سائر الاقطار الاسلامية و تشد إليه الرحال من البلاد النائية الامامية.

(ولادته)

ولد سيدنا المترجم العلامة اعلى اللّه مقامه فى الحائر الطاهر سنة 1258 هجرى كما فى أعيان الشيعة و أحسن الوديعة و قد وجدوا ذلك بخطه نقلا عن خط والده (رحمه اللّه) فى 12 ربيع الآخر كما في أعيان الشيعة و أحسن الوديعة و أرخ شيخنا الطهرانى (قدس سره) فى طبقات الاعلام ولادته سنة 1255- و الاول أصح كما لا يخفى.

(نشأته)

نشأ سيدنا المترجم (قدس اللّه سره) فى بيت اكتنفه العلم من جميع جوانبه و ترعرع فى أحضان الفضل و الفضيلة و نما فى مهد العز و الافتخار بين والدين كريمين عرفا بالزهد و الورع و الصلاح و شب ولعا بتحصيل العلوم الشرعية و المعارف الدينية تبعا لآبائه الكرام و اجداده الفخام اعلى اللّه مقامهم فى دار السلام: قال فى احسن الوديعة:

8

و نشأ منشأ عجيبا بحيث قد حير ذكائه و جودة فهمه و سرعة انتقاله اساتذة العصر الخ.

فقرأ المبادى الاولية من النحو و الصرف و المنطق و المعانى و البيان حتى فاق الاماثل و الاقران.

ثم قرء السطوح العالية و المتون الراقية عند علماء عصره و فضلاء بلده: و بعد الفراغ منها أخذ فى الحضور على علماء تلك البلدة المقدسة الاعيان و فقهائها الاركان حتى تألق نجمه و علا ذكره و صار ممن يشار إليه بالبنان من بين الفضلاء الاقران.

و من ثم اشتاقت نفسه الشريفة الى الارتقاء الى المراتب العالية و الدرجات السامية فهاجر الى عاصمة الشيعة و مركز فطاحل علماء الشريعة مترددا الى اندية الفحول يكرع من مناهلهم العذبة من المعقول و المنقول حتى صار من ابرز اساتذة الفقه و الاصول.

و لما حصل على شهادات الاجتهاد الّذي هو أبعد من طول الجهاد من اساتذته الامجاد رجع الى وطنه و مسقط رأسه و بلد أنسه كربلاء المقدسة.

و اخذ فى التأليف و التصنيف و قضاء الحاجات و فصل الخصومات حيث صار واحد مراجع عصره و اعلام زمانه و رؤساء أوانه و الكل قد اذعنوا له بالتقدم و التفوق على أمثاله و اقرانه.

و لعمرى لقد القت الامة زمام الامر عليه و انثالت بالرجوع و التقليد إليه فقام (رحمه اللّه) بأمورهم أحسن قيام و أدى وظيفته الشرعية على اكمل وجه و اتم نظام فجزاه اللّه عن الاسلام و اهله خير الجزاء و حشره مع اجداده الطاهرين فى دار السلام.

9

(مشايخه فى القراءة و الرواية)

حضر فى كربلاء المقدسة على والده العلامة و على الفقيه الشهير الشيخ زين العابدين الحائرى المازندرانى و فى النجف على خاله العلامة المفضال السيد على الطباطبائى صاحب البرهان القاطع فى شرح المختصر النافع المطبوع فى طهران و غيرهما من الفطاحل و الاعلام اعلى اللّه مقامهم فى دار السلام: هذا و يروى الاخبار الصادرة عن ائمتنا (عليهم السلام) المودعة فى الجوامع الكبار لعلمائنا الاخيار عن جماعة من الاكابر و الابرار و انهم قد صرحوا فى اجازاتهم له ببلوغه اعلى مراتب الاجتهاد على رءوس الاشهاد و أليك الآن أسمائهم الشريفة.

(فمنهم):

العلامة الشهير الفقيه الخبير صاحب المقامات السامية و الكرامات النامية السيد محمد مهدى الموسوى القزوينى صاحب فلك النجاة المتوفى سنة 1300 ه‍ تاريخ الاجازة سنة 1296 ه‍.

(و منهم):

العالم العابد و الفقيه الزاهد العلامة الازهر الشيخ جعفر التسترى (رحمه اللّه) المتوفى سنة 1303 ه‍ و قد تناثرت النجوم يوم وفاته: تاريخ الاجازة سنة 1291 ه‍.

(و منهم)

العلامة الرجالى و الفقيه الاصولى السيد محمد هاشم الموسوى‌

10

الخونساري صاحب مبانى الاصول و أصول آل الرسول و غيرهما من المؤلفات و شقيق صاحب الروضات قدهما المتوفى سنة 1318 ه‍ تاريخ الاجازة سنة 1309 ه‍.

(و منهم)

الفقيه الربانى و العالم العامل الصمدانى المحلى بكل زين مولانا الشيخ محمد حسين الاردكانى الحائرى (قدس سره) المتوفى سنة 1305 ه‍:

تاريخ الاجازة سنة 1292 ه‍ 6/ شهر ربيع الثانى.

(و منهم)

حجة الاسلام و المسلمين آية اللّه فى العالمين الميرزا حسين نجل المرحوم الميرزا خليل قدهما المتوفى سنة 1326 ه‍ تاريخ الاجازة 1313 ه‍ 10/ ذي حجة الحرام.

(و منهم)

مرجع عصره و وحيد زمانه العلامة المؤتمن الشيخ محمد حسن آل يس (قدس سره) المتوفى سنة 1308 ه‍ تاريخ الاجازة سنة 1301 ه‍ شهر ذي حجة الحرام.

(و منهم)

العالم الفقيه و المحقق الوجيه الربانى ملا محمد الايروانى (قدس سره) المتوفى سنة 1306 ه‍ تاريخ الاجازة سنة 1299 ه‍.

11

(و منهم)

السيد السند و الركن المعتمد الفقيه البارع السيد على الطباطبائى آل بحر العلوم صاحب البرهان القاطع فى الفقه المتوفى سنة 1298 ه‍ تاريخ الاجازة 3/ محرم الحرام سنة 1291 ه‍ و يعبر عنه سيدنا المؤلف (قدس سره) فى رسالته هذه بالاستاذ الخال.

(و منهم)

شقيق سيدنا المشار إليه العلامة الفقيه السيد حسين الطباطبائى آل بحر العلوم تاريخ الاجازة سنة 1296 ه‍ 24 ذي حجة الحرام.

(و منهم)

العالم العامل الربانى الفقيه المتبحر الصمدانى الشيخ زين العابدين الحائرى المازندرانى (قدس سره) المتوفى فى الحائر الشريف سنة 1309 ه‍ تاريخ الاجازة سنة 1290 ه‍ 28 صفر الخير.

(و منهم)

السيد السند و المولى الممجد ابن عم سيدنا المؤلف السيد ميرزا زين العابدين الطباطبائى (قدس سره) الزكى تاريخ الاجازة سنة 1292 ه‍.

(و منهم)

العالم العامل و الفقيه الكامل ميرزا ابو تراب الشهير بميرزا آقا القزوينى (قدس سره) تاريخ الاجازة غرة رجب المرجب سنة 1292 ه‍:

12

و كان هذا المولى العظيم الشأن من تلامذة شيخنا الانصارى و صاحب الجواهر و الشيخ حسن نجل الشيخ الكبير كاشف الغطاء و الحاج ملا اسد اللّه البروجردي قدست أسرار هم.

(و أما الراوون عنه):

فكثيرون أيضا جاءت اسمائهم الشريفة فى بطون كتب التراجم و الاجازات: و منهم: العالم الفاضل السيد محمود المرعشى رحمة اللّه عليه والد النسابة المعاصر آية اللّه السيد محمد حسين المعروف بشهاب الدين المرعشى النجفى دامت بركاته كما نقل عنه فى هامش ج ل من معارف الرجال ص 281.

(ثناء العلماء عليه)

فقد اثنى عليه العلماء الكاملون و الفقهاء الراشدون فى كتب التراجم و الرجال ثناء بليغا و مدحوه مدحا جميلا يكشف عن علو مقامه السامى فى الفنون العقلية و النقلية و تفوقه فى القواعد الاصولية و الفروع الفقهية مضافا الى ما ذكره اساتذته العظام و مشايخه الكرام فى اجازاتهم له:

قال استاذه العلامة السيّد على الطباطبائى صاحب البرهان القاطع فى شرح المختصر النافع فى اجازته له: مجمع الفضائل منبع الفواضل زبدة الاواخر و الاوائل الحرى بان يتمثل بقول القائل.

و انى و ان كنت الاخير زمانه * * * لات بما لم تستطعه الاوائل

محقق الحقائق كاشف رموز الدقائق موهبة الخالق فى الخلائق‌

13

بدر العلم الساطع قمر الفضل اللامع الولد الاعز الافخر قرة العين الازهر السيد محمد جعفر آل الامير السيد على الطباطبائى الحائرى صاحب الرياض فقد اصبح بحمد اللّه من جهابذة الزمان و العلماء الاعيان يشار إليه بالبنان من كل جانب و مكان و تاهل ان يكون علما للعباد و منارا فى البلاد ينادى به المناد و يحدو به الحاد و يؤمه الحاضر و الباد يرجعون إليه فى الحكم و الفتيا بالانقياد الخ.

(و قال) الفاضل الشهير الاردكانى (قدس سره) فى حقه فى اجازته له:

السيد السند و الحبر المعتمد المسدد درّ صدف المجد و السيادة و درى سماء الفضل و السعادة نور حديقة الفواضل و نور حدقة الفضائل واحد السادة و واسطة القلادة العالم المهذب المطهر و العالم الساطع المضى‌ء الازهر مولانا السيد محمد جعفر الى ان قال (قدس سره): فوجدته قد غاص فى التحقيق و التدقيق على اعماق اللجج و شقق الشعرة فى إيضاح الادلة و الحجج و اجاد فى اقتناص المدلول من الدليل و استخرج غوامض الفروع من الاصول بوجه انيق جميل و سمح بفوائد لطيفة و مقاصد شريفة الى ان قال (قدس سره) فهو بحمد اللّه قد بلغ منتهى معارج الرجال و اقصى مدارج الكمال و حاز من الفضل درجة لا توارى و رفعة لا تحاذى و ذروة تفوق هى العيوق و يقصر دونهما الانوق الى ان قال:

فله من المناقب و المزايا ما فيه شرف مكارم الدنيا و درك فضائل العقبى فهو امام لمن اقتدى بصر لمن اهتدى ينبغى ان يستعطى منه الهدى و يستجلى منه العمى الخ.

(و قال) العلامة السيد ميرزا محمد هاشم الخونساري (قدس سره) فى حقه‌

14

بما هذا نصه السيد السند المؤيد المسدد العالم العامل الكامل المدقق الفهام بل الحبر الماهر المتتبع المحقق العلام المترقى من حضيض التقليد الى اوج الاجتهاد على وجه الاطلاق الحقيق بان يشد إليه الرحال من اطراف الآفاق سليل العلماء الاعلام قدوة الافاضل الفخام مجمع مكارم الاخلاق و محاسن الخصال و الفضائل معدن الزهد و الورع و التقوى و الفواضل سيدنا الاجل الافخم الاطهر الآغا السيد محمد جعفر.

الى ان قال: فان العبد بعد تشرفى فى الحائر الشريف بلقاء جنابه و ادراك فيض صحبته و وقوفى على جملة من مؤلفاته الشريفة و رسائله المنيفة وجدته مجتهدا جامعا كاملا فى الاحاطة بالقواعد الشرعية و خفايا الاحكام الفرعية فصح لى ان اقول و اكتب فى حقه اداء لبعض ما يستحقه من اظهار مقاماته الرفيعة ان جنابه ايده اللّه تعالى حقيق بان يتصدى للافتاء بين الانام و ان يثنى له و سادة القضاء و الحكم بين الخواص و العوام: و للعوام ان يقلدوه فيما يفتى و يقول فانه منتهى المطلب و غاية المأمول و لعمرى انه احيى ما خفى من مزايا آبائه الكرام و افصح عن نتائج فوائدهم على ما هو المقصود و المرام الخ.

و هكذا بقية مشايخه فقد مدحوه بكل جميل و اثنوا عليه بما يستلذ بسماعه النبيل اعلى اللّه مقامهم جميعا فى اعلى عليين و حشرنا و اياهم مع محمد و آله الطاهرين (صلوات اللّه عليهم اجمعين).

هذا و قال: صاحب أحسن الوديعة فى ص 157 من ج ل منه من طبع النجف.

15

العالم الفقيه الفاضل و العلم الوجيه الكامل: كان (رحمه اللّه) اعجوبة عصره و علامة مصره برع فى الفنون العقلية و النقلية و اجتهد فى القواعد الاصولية و الفروع الفقهية حتى جمع شرائط الامامة و صار قدوة للخاصة و العامة بحيث قد أقر له فقهاء الزمان بالتقدم و الفضل على جميع الاقران الى أن قال (قدس سره):

و بالجملة فقد كان صدرا رئيسا و سيدا نقريسا و عالما كبيرا و مجتهدا بصيرا شاع ذكره العالى فى الديار و اشتهر أسمه السامى فى الاقطار انتهى.

و قال: سيدنا الامين حشره اللّه مع أجداده الطاهرين فى الجزء السادس عشر من المجلد السابع عشر من أعيان الشيعة ص 78 طبع دمشق سنة 1359: بعد ذكر اسمه الشريف: كان عالما فاضلا كاملا رئيسا و فى بعض مؤلفات أهل العصر كان عالما فاضلا فقيها اصوليا الخ فقد أخذ بذكر مشايخه فى القراءة و الرواية و بيان مؤلفاته ثم قال و من شعره الموجود فى آخر المجالس النظامية قوله:

و انى جعفر المعروف ذكرا * * * سليل الخمس من آل العبا

على والدى و به انتسابى * * * الى جدى الزكى طباطبائى

و قال صاحب الطبقات و له شعر طبع بعضه فى آخر المجالس النظامية مع تقريظه له فلاحظ. و قال صاحب نجوم السماء فى ج 2 ص 215 منه ما هذا نصه:

الميرزا جعفر بن على نقى حجة الاسلام الطباطبائى الحائرى وى از خانواده علم و فضل بوده جليل القدر عظيم المنزلة فاضل و عالم‌

16

و مقدس و متورع و زاهد و عابد تحصيل علوم از پدر بزرگوار خود نموده بود الخ.

و قال شيخنا العلامة الطهرانى (قدس سره) فى طبقات الاعلام ج ل من قسم النقباء ص 294: ما هذا نصه: علامة متبحر و فقيه جليل انتهت إليه الرئاسة فى كربلاء بعد والده و صار من أعاظم العلماء و مراجع الامور فلاحظ هذا و قد ذكره غير واحد من علمائنا الاجلة أيضا و لو أردنا بيان كل ذلك لخرجنا عن الايجاز المعتدل الى الاطناب الممل كما لا يخفى فلاحظ.

17

(مؤلفاته)

1- رسالة فى جواز التطوع وقت الفريضة.

2- رسالة فى التسليم و انه به يتم الصلاة و تخرج عنها دون غيره.

3- رسالة فى تحقيق معنى شرطية المسافر للتقصير.

4- رسالة فى سقوط الوتيرة فى السفر كسقوط غيرها من نوافل الظهرين.

5- رسالة فى وجوب التقصير على من قصد بريدا فصاعدا الى ما دون الثمانية و لو لم يرجع ليومه.

6- رسالة فى حكم المقيم الخارج الى ما دون المسافة فى اثناء الاقامة.

7- رسالة فى القضاء عن الميت.

8- رسالة فى استحباب لبس السواد على الحسين و الائمة (عليهم السلام).

و هى هذه الرسالة الشريفة و الوجيزة اللطيفة التى بين يديك و انى قد استنسختها عن خط المصنف (قدس سره) و قابلتها مع بعض السادة سلمه اللّه و علقت عليها و ذكرت المصادر التى نقل عنها المؤلف فجاءت بحمد اللّه رسالة فريدة فى بابها نافعة لطلابها و رأيت من الجدير ان‌

18

أسميها (ب‍) ارشاد العباد الى استحباب لبس السواد على الحسين و الائمة الامجاد (عليهم السلام) حيث لم يضع سيدنا المؤلف (قدس سره) اسما خاصا لها كما لا يخفى.

هذا و لا يخفى ان هذه الرسائل كلها فى مجلد واحد بخطه الشريف مع اجازاته بخطوط أصحابها: موجودة فى خزانة كتب بعض أصدقائنا السادة المحترمين سلمه اللّه و هو الّذي تفضل بها علينا للاستنساخ و المقابلة و لم يرض سلمه اللّه ان أذكر اسمه الشريف هنا فجزاه اللّه خير الجزاء و حباه أحسن الحباء و له منا الشكر الجزيل و الذكر الجميل.

(أولاده)

كان له (رحمه اللّه) ولدان:

(احد هما) السيد حسين ولد سنة 1290 ه‍ 6 جمادى الاولى كما ارخه والده بخطه خلف كتابه: و توفى (رحمه اللّه) فى حياة والده.

(و ثانيهما) السيد حسن المعروف بحاج آقا ارخ ولادته والده سنة 1278 ه‍ فيكون اكبر من أخيه المشار إليه و ارخ ولادته الشاعر الشهير الشيخ جابر الكاظمى ره بقوله:

بمنتهى السعد ناديا مؤرخه * * * أتى البشير عليا بابنه الحسن

(و أربعة بنات): كما وجدته بخطه (قدس سره) خلف كتابه الّذي نقلنا عنه هذه الرسالة.

(أقول)

و من اسباطه العالمان الفاضلان السيد محمد على الطباطبائى ره‌

19

ولد فى الحائر الشريف سنة 1302 ه‍ كما وجدت ذلك بخط جده سيدنا المؤلف (قدس سره) و كان (رحمه اللّه) من مشاهير رجال كربلاء المقدسة المحترمين و أحد رجال ثورة العشرين نافذ الكلمة غيورا آمرا بالمعروف لا تأخذه فى اللّه لومة لائم و توفى سنة 1383 ه‍ فى كربلاء المقدسة و دفن فى مقبرة السيد المجاهد (قدس سره).

(و السيد مرتضى الطباطبائى) و كان ره عالما فاضلا جليلا أدركته و جالسته و كان ره حسن السيرة، صافى السريرة ولد كما بخط جده (قدس سره) فى الحائر الشريف 3 محرم الحرام يوم الاربعاء سنة 1308 ه‍: و توفى (رحمه اللّه) سنة 1389 ه‍ فى كربلاء المشرفة و دفن جنب جده و أخيه‌

و هو والد السيد الجليل النبيل الفاضل السيد محمد الطباطبائى سلمه اللّه القائم مقام أبيه و هو من أصدقائنا الاماجد حسن الاخلاق كريم الاعراق ثقة نقة سلمه اللّه و أبقاه و من كل مكروه وقاه.

(وفاته)

توفى أعلى اللّه مقامه و رفع فى الخلد أعلامه فى الحائر الطاهر سنة 1321 ه‍ فى 22 شهر صفر عند الزوال كما فى أعيان الشيعة و طبقات الاعلام و نجوم السماء و أحسن الوديعة فى يوم السبت كما فى احسن الوديعة أعيان، الشيعة: و يوم الاربعاء كما فى الطبقات: و يوم الثلاثاء كما فى نجوم السماء و الاول هو الارجح: هذا و كان يوم وفاته و تشييع جثمانه الشريف يوما مشهودا فقد شيع جثمانه أهالى كربلاء بغاية العز و الاحترام كما هى شيمتهم و لهم الهمة العالية فى تعظيم‌

20

شعائر الدين و ترويج العلماء و المجتهدين و حضور الجماعات و اقامة مجالس العزاء على الائمة و النبي و الزهراء (صلوات اللّه عليهم) وفقهم اللّه تعالى لمرضاته هذا و قد أغلقت له الاسواق و الدكاكين و حضرته كافة الطبقات.

قال فى ص 215 من ج 2 من نجوم السماء: و بتاريخ بيست و دوم ماه صفر در سنه 1321 يك هزار و سيصد و بيست و يك بجوار رحمت ايزدى بمرض حمى مطبقه پيوست و در مقبره والد ماجد خود مدفون گرديد و عمر شريفش در اين زمان متجاوز از شصت سال بود بسبب كبر سن از مكان بسيار كمتر بيرون مى‌آمد كاتب الحروف در اين ايام در مشهد حائر كه سفر ثانى اين حقير بود در تشييع جنازه شريك بودم ديدم تمام دكانها شهر بسته شده و مردمان بسيار سينه زنى كردند و عورات بسيار گريستند تا اينكه مدفون گرديد انتهى.

(أقول) و دفن (رحمه اللّه) فى كربلاء المقدسة جنب والده و جده فى مقبرة السيد المجاهد (قدس سره) المعروفة الآن بمدرسة البقعة الواقعة بين الحرمين الشريفين و فيها قبور جماعة من العلماء المشاهير من آل الطباطبائى صاحب الرياض و غير هم و قد سمعنا انها خربت المقبرة كلية فى هذه الاواخر من جهة اجراء الشارع العام بحكم الدولة الغاشمة الكافرة البعثية خذلهم اللّه تعالى فى الدارين و أذاقهم حر النار و الحديد فى النشأتين و لعمرى كم قتلوا من العلماء و السادات و ايتموا الاطفال و العيالات و هدموا أحكام الاسلام و خربوا قواعد شريعة خير الانام‌

21

و نسأل اللّه ان يريح الاسلام و المسلمين من شرهم و يطهر البلاد من لوثهم آمين رب العالمين.

هذا و قد رئته الشعراء بمراثى كثيرة لا مجال لنا بنقلها فمن رام الاطلاع عليها فليراجع مظانها.

هذا ما تيسر لى من ترجمة المؤلف (قدس سره) على سبيل العجالة و أنا العبد الفقير الى اللّه الغنى محمد رضا الحسينى الفحّام عفى عنه الملك العلام و حشره مع أجداده الطيبين الطاهرين فى دار السلام و صلى اللّه على محمد و آله الائمة المعصومين.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ و الصلاة على خير خلقه محمد و آله الطاهرين.

[فى شهرة كراهة لبس الثياب السود مطلقا]

(مسئلة) كراهة لبس السواد خصوصا فى الصلاة الثابتة نصا و فتوى من الجميع قديما و حديثا (2) الجابر لضعف ....

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الاولين و الآخرين.

لا يخفى ان كراهة لبس الثياب السود فى الصلاة بل مطلقا هو المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة بل ادعى غير واحد عليه الاجماع.

قال سيدنا الفقيه العقيلى النورى (قدس سره) فى وسيلة المعاد فى شرح نجاة العباد ج 2 ص 170 عند شرح قول المصنف (قدس سره) ما هذا نصه:

(أقول) أما الكراهة فى المستثنى منه و هو مطلق لبس السواد مما لم يحك الخلاف فيه من أصحابنا بل فى مفتاح الكرامة أنه مذهب الاصحاب كما فى المعتبر و عند علمائنا كما فى المنتهى: و فى المواهب السنية فى شرح الدرة النجفية ج 3 ص 276: بلا خلاف يعرف و فى الخلاف الاجماع الا فى الكساء و الخف و العمامة كما صرح بذلك فى اللمعتين و الكفاية و عن‌

24

أسانيدها (1) فرضا.

الجامع و النفلية و البيان و الثانيين ره و الكاشانى ره فى المفاتيح و النخبة و عن النهاية و المبسوط و النزهة و كتب الفاضلين ره و الموجز الاقتصار على استثناء العمامة و الخف بل فى كشف اللثام ان الكساء لم يستثنه أحد من الاصحاب الا ابن سعيد و عن المراسم و الوسيلة و الدروس الاقتصار على استثناء العمامة كما عن المقنعة أيضا الا ان فيها و ليس العمامة من الثياب فى شي‌ء:

و استثنائها محكى عن الموجز الحاوى و كشف الالتباس و حاشية الميسى و مجمع البرهان:

و عن المقنع و المهذب و الكافى و الغنية و عزاه فى الذكرى الى كثير من الاصحاب ترك الاستثناء أصلا فلاحظ‌

(أقول) و الاستثناء المذكور مذكور فى النص: مثل مرفوعة أحمد ابن أبى عبد اللّه قال: كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يكره السواد الا فى ثلاث الخف و العمامة و الكساء.

و مرفوعة أحمد بن محمد عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال يكره السواد الا فى ثلاثة الخف و العمامة و الكساء: فلاحظ: كما ان قضية كراهته هو عمومه بالنسبة الى الرجال و النساء كما فى جملة من الكتب المتعرضة لبيان الحكم.

الجبر و الانكسار انما هو بعمل و اعراض المتقدمين من الاصحاب كالشيخ (قدس سره) و من تقدمه دون المتأخرين و ذلك لقرب عصرهم بعصر المعصومين (عليهم السلام) و اطلاعهم على ما لم يطلع عليه المتأخرون من قرائن الصدور و عدمه: كما ان فى اعراض و عمل الشيخ وحده أو من تأخر عنه اشكالا نعم لا اشكال فى عدم حجية فهمهم لنا من الرواية: و عليه فلو تم سند روايات المنع من لبس السواد فللاشكال فى الدلالة على المنع مجال واسع لاحتمال عدم إرادة الكراهة الذاتية منها بل يستفاد الكراهة منها لاجل التشبه باعداء اللّه و رسوله و أوليائه (عليهم السلام) كبنى العباس لعنهم اللّه تعالى الذين اتخذوه‌

25

مضافا الى قاعدة التسامح فى أدلة الكراهة و السنن (1) هل هى ذاتية زيا و شعارا لهم و ان لابسه كان يعرف انه منهم و من أعوانهم: كما يظهر من التعليل و الاستثناء كما يحتمل عدم استنادهم إليها فى مقام العمل بل القول منهم بالكراهة لعله من باب قاعدة التسامح فى أدلة السنن و الكراهة الغير التامة و عليه فتكون تلك الادلة غير تامة سندا و دلالة كما لا يخفى.

اختلف الاصحاب (رضوان اللّه عليهم) فى مفاد هذه القاعدة المشهورة بقاعدة التسامح هل أنها تدل على ثبوت استحباب الفعل و كراهته بمجرد وصول خبر ضعيف عليه أولا؟ بل لا بد من الاتيان بالفعل بقصد الرجاء و الثواب دون ثبوت الاستحباب للفعل نفسه؟ فالظاهر من الاخبار هو الثانى و لا دلالة لها على ما ذهب إليه المشهور أصلا: هذا و لا بأس بنقل تلك الاخبار تبركا و تيمنا بها فى المقام.

فهى على ما رواها شيخنا الحر فى الوسائل ج ل ص 59 باب استحباب الاتيان بكل عمل مشروع روى له ثواب منهم (عليهم السلام).

(منها) ما رواه عن الصدوق بسنده عن صفوان عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: من بلغه شي‌ء من الثواب على شي‌ء من الخير فعمل (فعمله- خ ل) به كان له أجر ذلك و ان كان (و ان لم يكن على ما بلغه- خ ل) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله.

(و منها) ما رواه عن البرقى ره فى المحاسن بسنده عن هشام بن سالم عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال من بلغه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شي‌ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له و ان كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله.

(و منها) عن محمد بن مروان عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال من بلغه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شي‌ء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان له ذلك الثواب و ان كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله.

26

(و منها) عن على بن محمد القاسانى عمن ذكره عن عبد اللّه ابن القاسم الجعفرى عن ابى عبد اللّه عن آبائه (عليهم السلام): قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من وعده اللّه على عمل ثوابا فهو منجزه له و من أوعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار.

(أقول) و هذا الحديث يدل على ترتب الثواب على العمل المقطوع ثبوته لا العمل الّذي بلغ عليه الثواب و هو لم يثبت فى حد نفسه بعد و عليه فهو خارج عما نحن فيه كما لا يخفى فتأمل.

(و منها) ما رواه عن شيخنا الكلينى (قدس سره) محمد بن يعقوب عن على ابن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن هشام بن سالم عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: من سمع شيئا من الثواب على شي‌ء فصنعه كان له و ان لم يكن على ما بلغه.

(و منها) عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن سنان عن عمران الزعفرانى عن محمد بن مروان، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من بلغه ثواب من اللّه على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه و ان لم يكن الحديث كما بلغه.

(و منها) ما رواه عن ابن فهد (قدس سره) فى عدة الداعى: قال روى الصدوق عن محمد بن يعقوب بطرقه الى الائمة (عليهم السلام) ان من بلغه شي‌ء من الخير فعمل به كان له من الثواب ما بلغه و ان لم يكن الامر كما نقل إليه.

(و منها) ما رواه عن السيد بن طاوس (قدس سره) فى كتاب (الاقبال) عن الصادق (عليه السلام) قال: من بلغه شي‌ء من الخير فعمل به كان له ذلك الثواب و ان لم يكن الامر كما بلغه انتهى.

فهذا هو مجموع ما ذكر من الروايات فى هذا الباب: و انت ترى ان هذه الاخبار الساطعة الانوار ظاهرة الدلالة واضحة المقالة ان الاجر و الثواب مترتبان على العمل الماتى به بداعى البلوغ و رجاء درك الثواب‌

27

من حيث كونه لبس سواد فلا تتغير و ان اعتراه عنوان مطلوب فى حدّ ذاته شرعا من حيث هو كذلك كلبسه فى مأتم مولانا الحسين (صلوات اللّه عليه) للتحزن به عليه فى أيامه لتواتر الاخبار بشعار ذلك من شيعته و مواليه بأى نحو من أنحائه المتعارفة فى العرف و العادة التى منها لبس السواد فى أيام المأتم و العزاء المعهود صيرورته شعارا فى العرف العام من قديم الزمان لكل مفقود عزيز أو جليل لهم: أو لا بل يتغير الحكم الكراهى و المنع التنزيهى اذا اندرج تحت هذا العنوان و نحوه مما هو مطلوب شرعا لم أجد من تفطنه و تعرض لحكمه عدا خالنا العلامة أعلى اللّه مقامه فى برهانه (1) و قبله شيخنا المحدث البحرانى قدس لا صيرورة العمل بهذه الاخبار مستحبا ليس للبلوغ بالخبر الضعيف سببية فى انقلاب العمل عما هو عليه فتكون مفادها هو الارشاد الى حكم العقل بحسن الانقياد غير ان اللّه تعالى فى هذا الانقياد يتفضل على العبد بالثواب البالغ على العمل و ان كان العمل غير ثابت فى الواقع بل و ان كان غير مشروع ثبوتا من دون نظر لها الى اثبات استحباب أصل العمل و كما هو الظاهر من جملة منها المقيدة بطلب قول النبي (ص) أو التماس ذلك الثواب،

اذا استحباب العمل بقاعدة التسامح لا يخلو عن التسامح: و أما دلالتها على ترتب الثواب على الترك للعمل البالغ عليه خبر ضعيف بالكراهة فوجهان:

أظهرهما ذلك لكون الترك مستندا الى امتثال قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و صدق انه طلب قول النبي (ص) كما لا يخفى فلاحظ جيدا هذا و للقولين ثمرات مذكورة فى محلها من رامها فليراجع محلها من كتب الاصول.

المراد به هو العلامة الفقيه السيد على الطباطبائى آل بحر العلوم (قدس سره) حيث ذكر ذلك فى كتاب الصلاة من البرهان القاطع فى شرح المختصر النافع طبع طهران.

28

سره فى حدائقه فمال الى الاخير حيث صرح فى (1) هذا المقام بأنه لا يبعد استثناء لبس السواد فى مأتم الحسين (عليه السلام) لاستفاضة الاخبار بشعار الحزن عليه: (عليه السلام): قال و يؤيده رواية المجلسى (قدس سره) عن البرقى فى كتاب المحاسن (2) عن عمر بن زين العابدين (عليهما السلام) أنه قال قال فى الحدائق ج 2 ص 142 من طبع تبريز سنة 1316 ه‍ و ج 7 ص 118 من طبع النجف الاشرف سنة 1379 ما هذا نصه:

(أقول) لا يبعد استثناء لبس السواد فى مأتم الحسين (عليه السلام) من هذه الاخبار (أى الاخبار الدالة على الكراهة) لما استفاضت به الاخبار من الامر باظهار شعائر الاحزان و يؤيده ما رواه شيخنا المجلسى ره عن البرقى فى كتاب المحاسن أنه روى عن عمر بن زين العابدين (عليه السلام) أنه قال لما قتل جدى الحسين المظلوم الشهيد لبسن نساء بنى هاشم فى مأتمه لباس السواد و لم يغيرنها فى حر أو برد و كان الامام زين العابدين (عليه السلام) يصنع لهن الطعام فى المأتم: الحديث منقول عن كتاب جلاء العيون بالفارسية و لكن هذا حاصل ترجمته انتهى.

(أقول) و سيأتى نقل الحديث عن المحاسن بنصه فلاحظ و راجع.

المحاسن ج 2 ص 402 من طبع طهران سنة 1370 ه‍ عن الحسن بن ظريف بن ناصح عن أبيه عن الحسين بن زيد عن عمر بن على بن الحسين (عليهم السلام) قال: لما قتل الحسين بن على (عليهما السلام) لبسن نساء بنى هاشم السواد و المسوح و كن لا تشتكين من حر و لا برد و كان على بن بن الحسين (عليهما السلام) يعمل لهن الطعام للمأتم انتهى.

وجه الدلالة على الاستحباب هو لبسهن ذلك بمحضره (عليه السلام) و عدم منعهن عن لبسه و أمرهن بغيره من مراسم العزاء و خصوصا بعد وجود مثل الصديقة الصغرى زينب الكبرى (عليها السلام) الّذي لا يقصر فعلها عن فعل المعصوم لكونها تالية له فى المقامات العالية و الدرجات السامية: كما يدل‌

29

لما قتل جدى الحسين (عليه السلام) لبسن نساء بنى هاشم فى مأتمه ثياب السواد و لم يغيرنها فى حرّ و لا برد و كان أبى على بن الحسين (عليهما السلام) يعمل لهم الطعام فى المأتم انتهى.

و لعل وجه التأييد ما ذكره الخال العلامة أعلى اللّه فى الدارين مقامه من بعد عدم اطلاع الامام على اتفاقهن على لبس السواد و لم يمنعهن فهو تقرير منه حينئذ.

(قلت) بل الممتنع عادة عدم اطلاعه على ذلك فهو متضمن لتقريره لا محالة ان صح الحديث (1) (1) و ان لم يكن المنع على تقديره منع تحريم لظهور الحديث على تقدير صحته فى اتخاذهن ذلك من آداب العزاء و شعار الحزن عليه، عليه الصلاة و السلام فلو لم يكن ذلك من شعاره المطلوب شرعا و من آدابه المندوبة المندرجة فى عموم تعظيم شعائر اللّه لوجب عليه منعهن عن ذلك حذرا من الاغراء بالجهل المستلزم من عدمه بالنسبة إليهن بل و الى غيرهن ممن اطلع على ذلك من مواليهم:

على انه من شعار الحزن و العزاء على المفقود العزيز الجليل من قديم الزمان و سالف العصر و الاوان: و كما هو المرسوم اليوم فى جميع نقاط العالم كما لا يخفى فلاحظ.

الظاهر ان رجال الحديث موثقون فان الحسن بن طريف ثقة و كذلك طريف ثقة و الحسين بن زيد حسن عمر بن على حسن بل ثقة كما فى رجال العلامة المامقانى (قدس سره) اذا فالرواية حسنة.

30

و اعترض عليه السيد الخال الاستاذ (1) حشره اللّه مع أجداده الامجاد: قائلا بعد نقله عبارة الحدائق كما وقفت عليها.

(و فيه) مع امكان تنزيل الحزن و المأتم هنا على ما هو المقرر فى آدابه فى الشرع التى ليس منها لبس السواد ان معارضة ما دل على رجحان الحزن و كراهة السواد نظير معارضة دليل حرمة الغناء من المحرم و رجحان رثاء الحسين (2) (عليه السلام) و كلما كان من هذا القبيل يفهم المتشرعة منهما تقييد الراجح بغير الممنوع فى الشرع حرمة أو كراهة من غير فرق خصوصا و قد ورد أنه لا يطاع اللّه من حيث يعصى كما فى الاخبار و ليس ما نحن و ما أشبه الامثل رجحان قضاء اجابة المسئول فى البرهان القاطع فى كتاب الصلاة فى باب لباس المصلى فراجع و لاحظ.

ذهب الى الجواز جماعة كما صرح بذلك صاحب مشارق الاحكام قال فى ص 151 منه و فى مجمع الفائدة جعل ترك الغناء فى مراثى الحسين (ع) أحوط مشعرا بميله الى الجواز و نقل عن المحقق السبزوارى ره فى الكفاية انه قال فى موضع آخر و استثنى بعضهم مراثى الحسين (ع) الى أن قال و هو غير بعيد.

كما حكى الاباحة عن والده المحقق النراقى صاحب المستند (قدس سره) حيث قال: و اختار والدى العلامة ره اباحته فى جميع ما ذكر من المستثنيات من القرآن و الذكر و المناجات و الدعاء و الرثاء.

و اختار ذلك هو (قدس سره) فى ص 158 حيث قال فى المستثنيات و منها الغناء فى مراثى سيد الشهداء و غيره من الحجج و أولادهم (عليهم السلام) و أصحابهم (رحمهم اللّه تعالى) و الحق فيه الاباحة فلاحظ و راجع.

(أقول) هذا و لا يخفى ان المشهور بل المجمع عليه حرمة الغناء مطلقا كما هو مذكور فى محله.

31

و حرمة فعل الزنا فيما اذا سئل من الانسان الاقدام على الزنا (1) فان كان يتأمل هناك فى عدم إرادة نحو الزنا و اللواط و غيرها من المحرمات من اجابة المسئول و قضاء الحوائج فيتأمل هنا.

و تفاوت الحرمة و الكراهة غير فارق فى فهم الشمول و عدمه مؤيدا فى المقام بأنه لو رجح السواد للمأتم لنقل عنهم كما نقل سائر آداب مأتم الحسين (عليه السلام) و الحزن فى مصابه انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.

[نقل ما ورد فى الباب عن أئمة الانام (عليهم السلام)]

و لا يخفى أن تحقيق الحق فى المقام على وجه يتضح به المرام يقتضي أوّلا التعرض لنقل ما ورد فى الباب عن أئمة الانام الاعلام عليهم من اللّه الملك العلام أفضل الصلاة و السلام ثم ملاحظة ما اشتمل عليه من المضامين و الاحكام لينكشف به الحق و يسفر اسفرار الصبح دجايا الظلام.

فنقول: روى غير واحد عن ثقة الاسلام الكلينى (قدس سره) فى الكافى (1) عن أحمد بن محمد رفعه عن ابى عبد اللّه (عليه السلام): قال:

يكره السواد الا فى ثلاثة الخف و العمامة و الكساء:

التمثيل خارج عما نحن فيه حيث ان طلب السائل محرم عليه و لا يجوز له السؤال بذلك فكيف تكون اجابته مستحبا: قال فى مشارق الاحكام ص 161 فى جواب معاصره ما هذا نصه: و أما التنظير بالزنا فى حصول قضاء حاجة المؤمن به فلا مناسبة له بالمقام فان أصل الحاجة و هى الزنا محرمة على المحتاج فكيف يحسن قضائها بل يحسن من الغير الاعانة على منعها بخلاف البكاء انتهى فلاحظ.

رواه عنه فى الوسائل ج 3 ص 278 حديث 1.

32

و عنه أيضا فى كتاب الزى (1) مرفوعا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يكره السواد الا فى ثلاثة الخف و الكساء و العمامة.

و روى شيخنا الحر العاملى فى وسائله (2) عن الصدوق عن محمد بن سليمان مرسلا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام): قال- قلت له أصلي فى القلنسوة السوداء قال: لا تصل فيها فانها لباس أهل النار.

و روى أيضا عن الصدوق فى الفقيه (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرسلا و فى العلل و الخصال كما فى الوسائل عنه (ع) مسندا انه قال لا صحابه لا تلبسوا السواد فانه لباس فرعون و روى أيضا باسناده كما فى الوسائل (5) عن حذيفة بن منصور: قال: كنت عند ابى عبد اللّه (عليه السلام) بالحيرة فأتاه رسول أبى العباس الخليفة يدعوه فدعا بمطر (5) أحد وجهيه أسود و الاخر رواه فى الكافى ج 2 ص 205 باب لبس السواد من طبع طهران سنة 1315 ه‍ الا ان فيه كان رسول اللّه (ص) يكره السواد الا فى ثلاث و تقديم العمامة على الكساء فلاحظ.

رواه فى الوسائل ج 3 ص 281 باب 20 حديث 3 من أبواب لباس المصلى و الصدوق (قدس سره) فى الفقيه ج ل ص 251: قال و سئل الصادق (عليه السلام) عن الصلاة فى القلنسوة السوداء: فقال لا تصل فيها فانها من لباس أهل النار:

رواه فى من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 251 من طبع طهران سنة 1392 و نقل عنه الوسائل فيه فى ج 3 ص 278 من أبواب لباس المصلى.

رواه فى الوسائل فى ج 3 ص 279 حديث 7 من أبواب لباس المصلى و رواه الفقيه فى ج ل ص 252 و الكافى ج 2 ص 205.

الممطر و الممطرة ثوب من صوف يلبس فى المطر يتوقى به من المطر كما فى لسان العرب و نحوه شيخنا الطريحى فى مجمع البحرين بمادة مطر فلاحظ.

33

ابيض فلبسه: ثم قال: (عليه السلام) أما انى ألبسه و أنا أعلم انه لباس اهل النار اى ألبسه للتقية من الطاغى الخليفة العباسى لاتخاذ العباسيين لانفسهم لبس السواد كما يفهم ذلك من السير و التواريخ و غيرها.

بل يفصح عنه بعض الاخبار المخبر بأن ذلك من زى بنى العباس قبل أن يوجدوا.

مثل ما روى عن الصدوق فى الفقيه (1) مرسلا (2) انه قال روى انه هبط جبرئيل (عليه السلام) على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عليه قباء أسود و منطقة فيها خنجر فقال (صلّى اللّه عليه و آله) يا جبرئيل ما هذا الزى فقال زى ولد عمك العباس يا محمد (صلّى اللّه عليه و آله) ويل لولدك من ولد عمك العباس فخرج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الى العباس فقال يا عم ويل لولدى من ولدك:

فقال: يا رسول اللّه أ فأجب نفسى: قال (صلّى اللّه عليه و آله) جرى القلم بما فيه.

و الظاهر أن المراد بأهل النار فى بعض ما مر من الاخبار هم المعذبون بها المخلدون فيها يوم القيامة و هم فرعون و من حذا حذوه و احتذى مثاله و نحوه من الفرق الطاغية الباغية من أشباه الخلفاء العباسية و غيرهم من كفرة هذه الامة المرحومة و الامم السابقة الذين اتخذوا السواد ملابس لهم.

كما يرشد إليه و يفصح عنه ما روى أيضا عن الصدوق أوفى العلل و الخصال كما فى الوسائل (منه (رحمه اللّه)).

رواه فى الفقيه ج 2 ص 252 من طبع طهران سنة 1392 ه‍.

34

فى الفقيه (1) بأسناده عن اسماعيل بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) انه قال:

أوحى اللّه الى نبى من أنبيائه (عليهم السلام) قل للمؤمنين لا تلبسوا ملابس أعدائى و لا تطعموا مطاعم أعدائى و لا تسلكوا مسالك اعدائى فتكونوا أعدائى كما هم أعدائى.

و قال: فى كتاب عيون الاخبار على ما فى الحدائق بعد نقل الخبر بسند آخر عن على بن أبى طالب (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نقلا عن المصنف رضى اللّه عنه: ان لباس الاعداء هو السواد و مطاعم الاعداء النبيذ و المسكر و الفقاع و الطين و الجرى من السمك و المارالماهي و الزمير و الطافى و كلما لم يكن له فلس من السمك و الارنب الى أن قال: و مسالك الاعداء مواضع التهمة و مجالس شرب الخمر و المجالس التى فيها الملاهى و المجالس التى تعاب فيها الائمة (عليه السلام) و المؤمنون و مجالس أهل المعاصى و الظلم و الفساد انتهى ملخصا: (2)

هذا ما وقفنا عليه من الاخبار التى استند إليها لاثبات كراهة لبس السواد مطلقا.

[ما يظهر من مجموع الأخبار بعد ضم بعضها الى بعض]

و الّذي يظهر من مجموعها بعد ضم بعضها الى بعض و التأمل رواه فى الفقيه ج ل ص 252 من طبع طهران سنة 1392 ثم قال (رحمه اللّه) فى آخر الحديث فأما لبس السواد للتقية فلا اثم فيه: و ظاهر قوله (رحمه اللّه) هو التحريم: و هو منفرد به بل لم أجد موافقا له و لا سمعت ذلك الا من بعض المعاصرين ره و هو كما ترى لعدم الاختصاص بالسواد وحده بل يشمل كلما اتخذوه زيا لهم و دوران الحكم مدار بقائهم عليه و صدق الشعار على اللابس كما لا يخفى.

ذكر ذلك فى ص 193 من عيون الاخبار.

35

فى مساقها و ما اشتمل عليه من تعليل المنع فيها مرة بأنه لباس فرعون و تارة بأنه لباس أهل النار كما فى أكثرها و أخرى بما يقرب منه من أنه ذى بنى العباس و من منع التلبس بلباس الاعداء بقول مطلق كالاخير منها الّذي هو عند التحقيق كالمتضمن لهبوط جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) متلبسا بزى عجيب أخبر بأنه زى بنى العباس بمنزلة المبين لعنوان الحكم الكراهى و موضوعه المعلق عليه ان كراهة لبس السواد ليست من حيث كونه لبس سواد تعبدا.

و الا لما استثنى ما استثنى منه (1) من نحو الخف و العمامة و الكساء بل انما هى من حيث كونه زى أعداء اللّه سبحانه الذين اتخذوه من بين سائر الالوان ملابس لهم فيكون الممنوع عنه حينئذ التزيي بزيهم و التشبه بهم الّذي منه التلبس بما اتخذوه ملبسا لانفسهم الّذي ليس منه الكساء و العمامة و غيرهما مما استثنى منه فى النصوص المتقدم إليها الاشارة.

و معلوم ان عنوان التشبه بهم و نحوه من التزيي بزيهم لا يتأتى مع كون القصد من ذلك غيره (2) بل الدخول فى عنوان هو فى نفسه يعنى صحة الاستثناء يكشف ان الكراهة غير ذاتية و الا لما صح الاستثناء و عليه فتكون الاخبار الناهية عن لبسه ارشادا الى النهى عن اتخاذه زيا و شعارا لئلا تحصل المشابهة باعداء اللّه تعالى و رسوله (ص) و أوليائه عليه و عليهم أفضل الصلاة و السلام و يكون الحكم بالحرمة أو الكراهة بالعنوان الثانوى فتأمل.

يعنى ان التشبه من الامور القصدية كما يقتضيه باب التفعل أيضا و مثله القيام الّذي يقصد به التعظيم تارة و السخرية اخرى أو مثل مد الرجل‌

36

مطلوب من حيث هو كذلك مندوب شرعا و هو التلبس بلباس المصاب المعهود فى العرف و العادة قديما و حديثا للتحزن على مولانا الحسين (صلوات اللّه عليه) فى أيام مأتمه كما يرشد إليه ما مرّ من حديث لبس نساء أهل البيت السواد بعد قتله (عليه السلام) فى مأتمه المتضمن كما عرفت لتقرير الامام (عليه السلام) لذلك اذ لو لا كون لبس السواد من التلبس بلباس المصاب المعهود من قديم الزمان فى العرف و العادة لما اخترن ذلك على غيره مع معلومية كون غرضهن من ذلك ليس الا التحزن به عليه (عليه السلام).

هذا مع أن فى النساء مثل الصديقة الصغرى زينب بنت على (صلوات اللّه عليها) التى قال فى حقها ابن أخيها الامام السجاد (عليه السلام) فى الحديث المعروف حينما كانت تخطب و تخاطب القوم الفجرة بعد أن أدخلوهم الكوفة بتلك الحالة الشنيعة مخاطبا لها اسكتى يا عمة فأنت أمام ضريح الامام (عليه السلام) أو القرآن فانه تارة يكون لوجع و اخرى للاهانة الّذي لا شك فى حرمته و خلاصة الكلام ان الحكم فى أمثال هذه الموارد المشتركة بين الراجح و المرجوح يكون دائرا مدار القصد و عليه فلو قصد من لبسه التشبه يكون مرجوحا و ان قصد التحزن به يكون مستحبا: أو يقال ان لبس السواد حيث ينتزع منه عنوان المشابهة و صدق الشعار عليه يكون مرجوحا و اذا لم ينتزع منه ذلك العنوان بل ينزع منه عنوان العزاء و المصيبة لاجل سيد الشهداء (ع) و الائمة كما فى عصرنا هذا يكون لبسه راجحا للعمومات الدالة على استحباب اظهار المصيبة و العزاء كما لا يخفى.

37

بحمد اللّه عالمة غير معلمة و فهمة غير مفهمة (1) و كفاها بذلك و نحوه (2) مما لا يعد فخرا و علما و قدرا.

فكيف يخفى على مثلها مع تلك الجلالة و عظم الشأن و القدر و النبالة تلك الكراهة الشديدة المستفادة من الأدلة فان هو الا لعدم تحقق ذلك العنوان الغير المحبوب.

فى نحو هذا التلبس المطلوب من حيث كون المقصود منه عنوانا آخر غير التشبه و التزيي بزى الاعداء:

بل التحقيق أنه لا يتأتى العنوان المكروه الا مع غير عنوان التلبس بلباس الحزن فى المأتم من سائر الاغراض المستحسنة الممدوحة عرفا و شرعا كما لو كان المقصود منه التجمل به مثلا لو كان مما يحصل به ذلك كلبس جبة خزّ دكناء كما ورد فى الحديث المروى عن ابى جعفر (عليه السلام) بسند معتبر فى الوسائل (1).

هذه الجمل الذهبية الصادرة عن الامام المعصوم (ع) فى حق عمته (سلام اللّه عليها) من اعظم جمل الثناء و المدح الدالة على أن علمها بالاحكام الالهية يفاض عليها بنحو ما يفاض على المعصوم (ع) و انه لدنى غير اكتسابى و يكون نتيجة ذلك حجية فعلها و قولها بل و تقريرها (عليها السلام) لثبوت جلالتها و المقام المنيع لها عند الائمة (عليهم السلام) كما لا يخفى فلاحظ.

كوصاياه (عليه السلام) إياها و توديع الاهل و العيال و الاطفال عندها و غير ذلك من اسرار الامامة كما هو المذكور فى كتب المقاتل فلاحظ و راجع‌

رواه فى الوسائل ج 3 ص 278 حديث 3 بسنده عن ابى على الاشعرى عن محمد بن سالم عن أحمد بن النضر عن عمر و بن شمر عن أبي جعفر (ع): قال: قتل الحسين بن على (ع) و عليه جبة خزّ دكناء الحديث‌

38

قال: قتل الحسين (ع) و عليه جبة خز دكنا (1):

و لعل المقصود من لبسه (عليه السلام) اياها فأنه على تقديره أمر ممدوح مستحب شرعا كما ورد فى الاخبار المستفيضة (2) او غيره مما يخفى علينا و لا يخفى عليه (صلوات اللّه عليه)

و لعل منه لبسه للتقية عن المخالف فانه أيضا من المغير لذلك العنوان المكروه لا أنه مخصص بعموم أدلة التقية و عموم الضرورات تبيح المحظورات و نحوها اذا التخصيص فرع دخول المستثنى فى المستثنى منه.

و على ما ذكرناه ليس ذلك مما يشمله عموم العنوان المكروه قال الحرره بعد نقل الحديث (أقول) هذا محمول على الجواز و نفى التحريم انتهى.

(قلت) الظاهر أن مراده من الجواز هو بالمعنى الاعم الّذي لا ينافى الكراهة فلاحظ.

هذا و روى شيخنا الكلينى ((قدس سره)) ج 2 من فروع الكافى ص 205 عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن عيسى عن سليمان بن راشد عن أبيه: قال رأيت على بن الحسين (عليهما السلام) و عليه دراعة سوداء و طيلسان ازرق: و الدراعة واحدة الدراريع و هو قميص.

الدكناء بالضم لون الى السواد كما فى القاموس و فى الصحاح لون يضرب الى السواد و القول بعدم عده من السواد فى غير محله لغة و عرفا كما لا يخفى.

لعل المراد منه الاشارة الى الاخبار الدالة على استحباب التجمل بالملابس الفاخرة للمؤمن و نحوها: فراجع باب الزى و التجمل من كتب الحديث.

39

ليخصص بها و لعل فى قوله (عليه السلام) أما أنى ألبسه و أنا اعلم أنه لباس أهل النار: اشارة لطيفة الى ذلك اى لا يتوهم المتوهم أنى ألبسه و لا أعلم انه من لباس أهل النار بل ألبسه لكن لا للتلبس بلباسهم بل لغرض آخر لا يتأتى معه ذلك فلا يكون من المكروه و اللّه أعلم.

هذا: و فى الوسائل (1) عن العلل بسنده المتصل الى داود الرقى قال: كانت الشيعة تسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن لبس السواد قال:

فوجدناه قاعدا و عليه جبة سوداء و قلنسوة سوداء و خف أسود مبطن ثم فتق ناحية منه و قال أما أن قطنه أسود و أخرج منه قطنا أسود: ثم قال: بيض قلبك و ألبس ما شئت (2).

و فيه كما ترى اشارة لطيفة الى ما أشرنا إليه فكأنه (صلوات اللّه عليه) و على آبائه و أبنائه الطاهرين أراد بقوله بيض قلبك انه بيضه بنور معرفتنا و ولايتنا و التشبه بنا و بموالينا و ألبس حينئذ ما شئت فلا بأس به و لو كان أسود: فهو بعد التأمل فيه و التحقيق بالنظر الدقيق مبين للمراد من كراهة لبس السواد التى تضمنتها النصوص السابقة على اختلاف مضامينها.

[ما يقتضي الانصاف فى المقام]

و بالجملة الانصاف يقتضي الاعتراف بعدم شمول أدلة كراهة لبس السواد بعد الاحاطة بما ذكرناه لما لو كان المقصود منه التحزن ج 3 ص 280 حديث 9 باب 19.

أقول و ليس الحديث بمجمل كما توهم لان المراد من قوله (ع) و البس ما شئت اى من الالوان و نحوها من الاشكال التى لم يرد فيها نهى خاص كالذهب و الحرير للرجال و لباس الشهرة مما هو منهى عنه و ثابت حرمته بالنص و الاجماع و الضرورة: حيث ان قوله (ع) فى بيان دفع التوهم المذكور من الحزازة فى لبس السواد الّذي كانت الشيعة تسأل عنه.

40

بذلك على مولانا الحسين (عليه السلام) فى أيام مأتمه بعد ما عرفت من كونه هو المعهود فى العرف و العادة من قديم الزمان لكل مفقود عزيز جليل لهم سيما بعد صيرورته من شعار الشيعة قديما و حديثا من علمائهم فضلا عن غيرهم بل ربما يشعر بذلك أشعارا بليغا الحديث الّذي رواه خالنا العلامة المجلسى (رحمه اللّه) فى زاد المعاد (1) فى فضل يوم التاسع من أول الربيعين و عظم شأنه و قدره عند الائمة (عليهم السلام) عن الشيخ الجليل القدر العظيم المنزلة أحمد بن اسحاق القمى عن مولانا العسكرى (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين عليه و عليهم الصلاة و السلام ان لهذا اليوم من عظم قدره عند اللّه و عند رسوله و خلفائه (عليهم السلام) سبعين اسما و عدها واحدا بعد واحد و جعل من جملتها المناسب ذكره فى هذا المقام انه يوم نزع لباس السواد اظهارا للفرح و السرور المطلوب فيه للمؤمنين الّذي لا يناسبه لبس السواد فيه (2).

و لا يخفى ما فيه من الاشعار بل الظهور فى معهودية لبس السواد عند الخواص و هم الشيعة قبل هذا اليوم لعدم شمول الامر بالنزع لغيرهم بالضرورة و معلوم أن ذلك لا يكون الا لمفقود عزيز و هل هو الا للتحزن على ما جرى على مولانا الحسين (عليه السلام) و أهل بيته فى الشهرين و راجع البحار الجزء الثامن منه أيضا.

لانه من الايام الشريفة التى يلزم على كل مؤمن ان يظهر الفرح و البشاشة لا خوانه و اطعام الطعام لهم و انه مضافا إليه يوم إمامة بقية اللّه فى الارضين و حجته على العالمين الّذي يظهر فيملأ الارض عدلا و قسطا و ينتقم من الّذي ضرب الزهراء (صلوات اللّه عليها) و اسقط محسنها (عجل اللّه فرجه الشريف) و جعلنا من خيار اصحابه.

41

المعلومين الذين جرت عادت نوع الشيعة على لبس السواد فيهما من قديم الزمان لاجله و ان احتمل كون المراد منه مطلوبية اظهار الفرح و السرور فى هذا اليوم للخواص الّذي لا يناسبه لبس السواد و لو كان لغيره (عليه السلام) ممن فقد منهم الا ان ما ذكرناه لعله أظهر الى المراد.

[شمول الأدلة لما يلبس الناس لمن فقد منهم]

و على كلا التقديرين يدل دلالة وافية على أنه لباس حزن متعارف لبسه بين الناس لمن فقد منهم ممن ينبغى له ذلك فيشمله حينئذ عموم ما دل على مطلوبية شعار الحزن و التحزن عليه فى مأتمه (عليه السلام) بما يصدق عليه ذلك فى العرف و العادة بالاخبار المستفيضة البالغة حد الاستفاضة بل المتواترة معنى الدالة على ذلك على اختلاف مواردها و مضامينها من غير حاجة الى ثبوت كل فرد و مصداق منه بالخصوص بدليل مخصوص (1) بل يكفى مجرد كونه مما يصدق عليه ذلك فى العرف و العادة سيما لو كان مما جرت عليه السيرة كما نحن فيه.

[تجويز مثل الطبول و الشيپور فى عزاء و مأتم مولانا الحسين أرواحنا له الفداء]

و من هنا ينفتح باب واسع لتجويز مثل الطبول و الشيپور و نحوها من الآلات التى تضرب حال الحرب لهيجان العسكر فى عزاء و مأتم مولانا اقول يختلف نوع العزاء باختلاف العرف و العادة حيث لم يرد دليل بالخصوص على انه على كيفية خاصة بل هو ما تعارف عند العرف و البلاد‌

قال فى الجواهر ص 376 من ج 4 من طبع تبريز 1325 فى بيان احكام عدة المتوفى عنها زوجها ما هذا نصه ضرورة كون المدار (اى الحداد و ترك الزينة) على ما عرفت و هو مختلف باختلاف الازمنة و الامكنة و الاحوال و لا ضابطة للزينة و التزين و ما يتزين به الا العرف و العادة الخ فلاحظ.

42

الحسين أرواحنا له الفداء المتعارف ذلك فى أعصارنا (1) سيما بين قال المحقق النائينى (قدس سره) فى فتواه الصادرة لا هالى البصرة ما هذا نصه: الرابع الدمام المستعمل فى هذه المواكب مما لم يتحقق لنا الى الآن حقيقته فان كان مورد استعماله هو اقامة العزاء و عند طلب الاجتماع و تنبيه الراكب على الركوب فى الهوسات العربية و نحو ذلك و لا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو و السرور و كما هو المعروف عندنا فى النجف الاشرف فالظاهر جوازه و اللّه العالم انتهى.

(اقول) و منه يعرف الوجه فى مثل الصنوج و البوق حيث انهما لم يعدا لاستعمالهما فى مجالس اللهو و الطرب كما لا يخفى.

قال شيخنا الفقيه الربانى الشيخ زين العابدين المازندرانى الحائرى (قدس سره) فى ص 619 من ذخيرة المعاد فى جواب من سأله عن استعمال آلات اللهو و اللعب مثل الدف و الطبل و الدهل و الصنج و غير ذلك فى عزاء الحسين (عليه السلام) ما هذا نصه: إن شاء اللّه مثاب و مأجور مى‌باشى در شراكت جميع مصيبت و تكثير سواد اهل مصيبت با قطع نظر از رقت و بكاء و سبب ابكاء كه هريك بخصوص مطلوب مى‌باشد و اما همراه داشتن آلات مرقومه پس اگر مقصود از زدن آن آلات مجرد لهو و لعب باشد بى‌شك حرام است و اما اگر مثلا غرض از طبل طبل حرب باشد و غرض از زدن آنها تذكر زدن مخالفين در روز عاشورا طبل حرب يا طبل لهو ايشان باشد چنانچه معروف است كه هر دسته كه از مخالفين از كوفه مى‌آمد طبل شادى ميزدند از جهت اين كه تازه لشكرى و معينى رسيده آن‌هم انصافا ضرر ندارد چون مقصود حكايت طبل ايشان مى‌باشد نه حقيقت قصد شادى و سرور و شعف داشته باشند غرض خداوند منان توفيق ما و شما را الى يوم القيامة بإقامة عزاى اولاد سيد انام زياد گرداند انتهى.

و قال (قدس سره) فى الصفحة المذكورة أيضا فى جواب من سأله عن بعض‌

43

الا تراك من الشيعة الّذي له تأثير غريب فى هيجان الاحزان و الابكاء و الصياح و النياح بحيث تراهم يخرجون بذلك عن الحالة الاختيارية و كذلك البوق المتداول بين صنف الدراويش و نحو ذلك مما تداولها عوام الشيعة فى مأتم مولانا الحسين (عليه السلام) مما لا دليل على الحرمة سوى كونه من آلات اللهو المحرم بعمومه من حيث كونه لهوا لا لحرمته ذاتا كاللعب تلك الآلات أيضا ما هذا نصه: ضرر ندارد بلكه مطلوب و محبوب است انتهى هذا و ارتضى كلامه فى الموردين شيخنا الفقيه التقى الشيرازى الحائرى (قدس سره) حيث لم يعلق على العبارة بشي‌ء غير قوله: اگر خود مرتكب محرم نشود لان الرسالة مشاة بحاشيته الشريفة بخط بعض أصحابه.

و قال العلامة المجاهد الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قدس سره) فى رسالته المواكب الحسينية ص 19 فى جواب السؤال المرسول إليه من فيحاء البصرة عن الطبل و صدح الابواق و قرع الطوس بنقل صاحب الانوار الحسينية ص 60 من طبع بمبئي سنة 1346.

ما هذا نصه كلها أمور مباحة فانك ايها السامع تحس و كل ذى وجدان انها لا تحدث لك بسماعها طربا و لا خفة و لا نشاطا بل بالعكس توجب هولا و فزعا و كمدا و حزنا فاذا قصد منها الضارب الاعلام و التهويل و نظم المواكب و تعديل الصفوف و المواكب حسنت بهذا العنوان و رجحت بذلك الميزان انتهى.

و نقل عن شيخنا العلامة كاشف الغطاء، (قدس سره) أيضا صاحب الانوار الحسينية فى ص 82 منه ما هذا نصه:

و اما ضرب الطبول و الابواق غير مقصود بها اللهو فلا ريب أيضا فى مشروعيتها لتعظيم الشعار انتهى‌

44

بالشطرنج و نحوه من آلات القمار و ان كان نوعا منه أيضا فان ما كان تحريمه من حيث كونه لهوا لا غيره كما أشرنا إليه لا يصدق عليه عنوان اللهو بالضرورة فى مثل المقام المقصود منه اقامة العزاء و هيجان الاحزان و نحوهما به فى أيام مأتمه (عليه السلام) و حيث لا يصدق عليه ذلك العنوان المحرم من حيث اللهوية بالقصد المغير له بالضرورة جاز بل ندب و استحب لاندراجه حينئذ فى عموم ما دل على مطلوبية شعار الحزن و التحزن عليه (ع) بما يصدق عليه ذلك فى العرف و العادة و ان لم يرد عليه دليلا بالخصوص كاللطم و الضرب بالراحتين على الصدور الّذي جرت عليه السيرة من الخواص (1) فضلا عن العوام من الشيعة فى مأتمه (عليه السلام) سيما فى أيام العشرة الاولى من المحرم و لياليها اقول و قد كانت مواكب العلماء و الفقهاء تخرج فى كل سنة ليلة عاشورا فى كربلاء المقدسة يتقدم الموكب السادة ثم الشيوخ و فيهم مراجع الفتيا و التقليد لاطمين بأيديهم على صدورهم حافى القدمين و قد لطخ بعضهم جباههم بالطين فى غاية الانكسار و الحزن و الكآبة بحيث كل من كان ينظر إليهم تنقلب احواله من البكاء و الصراخ حيث انهم ممثلوا ولى العصر (عجل اللّه فرجه) و هذا الموكب على ما قيل اسسه سيد فقهاء عصره السيد على الطباطبائى صاحب الرياض وجد سيدنا المؤلف (قدس سره).

كما سمعت انهم كانوا يخرجون فى كل سنة ليلة عاشوراء فى قم المقدسة أيضا و كان هذا الموكب من بركات مؤسس الحوزة العلمية آية اللّه الشيخ عبد الكريم الحائرى (قدس سره) و كان هو ره معهم خلف موكب السادة احتراما لهم كما حدثنى ولده الفقيه الشيخ مرتضى دامت بركاته الّذي هو اليوم من اجلة علمائنا العاملين و عليه سيماء فقهائنا الاقدمين قد شابه أباه فى العلم و العمل و الكرم و من يشابه ابه فما ظلم سلمه اللّه و ابقاه و من كل مكروه وقاه.

45

بالخصوص حتى بلغ ذلك الى حد ينسب إليهم الاعداء فيها الجنون (1) و نحوه مع أنه لم يرد به نص بالخصوص و لو من الطرق الغير المعتبرة و لم نر مع ذلك احدا منا تأمل أو توقف فى حسن هذا الفعل و هل هو الا لكونه مأخوذا مدلولا عليه بالعموم المشار إليه.

[عدم شمول أدلة كراهة لبس السواد لما نحن فيه]

و بالجملة لا ينبغى التأمل فى عدم شمول أدلة كراهة لبس السواد لما نحن فيه كما لا ينبغى التأمل فى رجحانه شرعا لهذا العنوان المندوب نسبة الجنون الى الشيعة الامامية فى ترويجهم الدين الحنيف و اعلاء كلمة المذهب الشريف هو كنسبة اعداء الاسلام ذلك و العياذ باللّه الى من لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوىٰ و قد كشف المستقبل بحمد اللّه انهم كانوا اولى بالنسبة إليه و احرى بالاتصاف به اذ خسروا انفسهم فى الدنيا و خزى عذاب الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَ أَبْقىٰ هذا و الأعداء هم يعلمون انهم لا يتمكنون من تضعيف قوى الشيعة أعزهم اللّه و تفتيت عزمهم على احياء أمر آل اللّه (صلوات اللّه عليهم) و انهم لا يقدرون على انفاذ تسويلاتهم فى عقائدهم الحقة حيث انهم لا يبالون بهزء المستهزئين و سخرية الجاهلين و نسبة انواع التهم إليهم و لا ينبغى لهم لانهم قد أخذوا أحكامهم عن معدن الوحى و التنزيل و قد شرح اللّه صدورهم للاسلام: فهم على بينة من أمرهم: و انهم قاطعون على أن الاعداء لحظهم أخطئوا و عن ثواب اللّه زاغوا و عن جوار محمد (ص) فى الجنة تباعدوا كما قال الامام الصادق (ع) و كما قال (ع) لذريح: يا ذريح دع الناس يذهبون حيث شاءوا و كن معنا: فهم على امرهم ثابتون و لا يضرهم شي‌ء بعد دعاء أئمتهم (عليهم السلام) لهم بالمغفرة و الرضا و الحفظ فى الدنيا و الآخرة و الخلف على أهاليهم و اولادهم و نسأل اللّه الثبات على محبة محمد و آله و الاقتفاء لسيرتهم و الممات على ولاية على و اولاده و البراءة من اعدائهم و بالخصوص من الجبت و الطاغوت و من شك فى كفرهما إن شاء اللّه تعالى‌

46

بعمومه كذلك بعد ارتفاع الكراهة عنه و هل هو الا كشق الثوب المرجوح او المحرم لكل ميت الا من الولد لوالده فترتفع المرجوحية او الحرمة فيه بالمرة بل ربما ينقلب راجحا محضا او يغلب رجحانه على المرجوحية التى فيه لغيره و لعله لكونه نوعا من التعظيم و الاجلال المطلوب شرعا من الولد لوالده حيا و ميتا بل هو الظاهر فلا يكون كشقه لغيره مما فيه نوع من التجرى عليه سبحانه و تعالى و الانضجار و نحوه و كالبكاء و الجزع و التأسف و نحوها المذمومة شرعا لكل أحد الا من الولد للوالد فانه مندوب (1) و ليس ذلك من القياس المحرم بل المنقح مناطه كما لا يخفى.

ففى التهذيب ج 2 ص 283 آخر الكفارات عن الصادق (ع) قال و لا شي‌ء فى اللطم على الخدود سوى الاستغفار و التوبة: و قد شققن الجيوب و لطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن على (عليهما السلام) و على مثله تلطم الخدود و تشق الجيوب فدلالته على الجواز و الاستحباب فيما نحن فيه ظاهر جدا لاستشهاده بفعلهن و طلبه من الناس على الحسين (عليه السلام) ذلك و ان بلغ من الضرب الاحمرار و السواد بل الادماء لما هو لازم الضرب عند اشتداد المصيبة.

و قال (عليه السلام) أيضا كل الجزع و البكاء مكروه ما سوى الجزع و البكاء لقتل الحسين (ع) بناء على إرادة اللطم و شق الثوب و غير ذلك مما يصدر من الجازع غير مكروه على الحسين (ع) بل فيه الفضل و الرجحان مع حرمته على غيره (ع) لحمل الكراهة على معناها الحقيقى.

و فى الجواهر المراد به فعل ما يقع من الجازع من لطم الوجه و الصدر و الصراخ و نحوها و لو بقرينة ما رواه جابر عن الباقر (ع) أشد الجزع الصراخ بالويل و العويل و لطم الوجه و جز الشعر مضافا الى السيرة فى اللطم و العويل‌

47

[فى جواب جواب من منع عن لبس السواد فى المأتم]

و مما ذكرنا يظهر أنه لا وجه لما ذكره شيخنا الخال العلامة أعلى اللّه فى الدارين مقامه معترضا على كلام شيخنا المحدث البحرانى (رحمه اللّه) المتقدم إليه الاشارة تارة بامكان تنزيل الحزن فى مأتمه (عليه السلام) على ما هو المقرر فى آدابه فى الشرع التى ليس منها لبس السواد:

و أخرى بأن معارضة ما دل على رجحان الحزن و كراهة لبس السواد نظير معارضة دليل حرمة الغناء من المحرم و رجحان رثاء الحسين (عليه السلام) و كلما كان من هذا القبيل يفهم المتشرعة منهما تقييد الراجح بغير الممنوع فى الشرع حرمة أو كراهة الى آخر ما مرت الاشارة إليه:

إذ لا داعى أولا الى تنزيل الحزن و التحزن عليه فى مأتمه (ع) المندوب بعمومه كما عرفت الشامل لكلما يصدق عليه ذلك فى العرف و العادة الّذي منه لبس السواد على غيره مع كونه من الفرد المتعارف و نحوهما مما هو حرام فى غيره قطعا فتأمل فلاحظ.

و فى زيارة الناحية المقدسة: قال (ع) فلما رأين النساء جوادك مخزيا الى ان قال (ع) برزن من الخدور ناشرات الشعور على الخدور لاطمات و بالعويل نائحات.

قال فى الجواهر ص 384 ح ل و ما يحكى من فعل الفاطميات ربما قيل انه متواتر فلاحظ: هذا و قد علم من كل ذلك أن اللطم على الصدور و الخدود و شق الثوب و حث التراب على الرأس و الصراخ و العويل و نحو ذلك كخمش الوجه و الصدر و ارخاء الشعر و نشره و جزه او نتفه يستحب على الحسين (ع) و يحرم على غيره بمقتضى هذه الروايات الشريفة و السيرة المستمرة عند أصحاب الائمة المعصومين (ع) فى عصرهم حتى عصرنا الحاضر كما لا يخفى و منه يعلم وجه ضرب السلاسل على الظهور و ضرب القامات على الرءوس.

48

من قديم الزمان كما عرفت:

ثم لا داعى ثانيا الى تخصيص رجحان الحزن و التحزن عليه (ع) بخصوص ما ورد من العناوين التى تضمنتها الاخبار الكثيرة ان كان هو المراد من الآداب المقررة فى الشرع فى ظاهر كلامه بعد القطع بعدم إرادة الاقتصار عليها بالخصوص بل من حيث كونها من آداب العزاء فى العرف و العادة أو من أظهر أفرادها و نحوه.

و الا لخرج ما ليس منها مما لا اشكال فى رجحانه شرعا و عرفا كاللطم و الضرب على الصدور و نحوهما مما جرت عليه سيرة المتشرعة من الخواص فضلا عن العوام و لو لا كونه مدلولا عليه بما يعمه شرعا لما جرت عليه العادة و السيرة.

على أن ذلك انما يتجه على تقدير شمول أدلة كراهة لبس السواد للبسه فى هذا المقام بهذا العنوان و قد عرفت أنه فى حيز المنع لظهورها فى كراهته من حيث كونه لبس الاعداء و زيهم لا من حيث كونه لبس سواد فيكون الممنوع عنه لبسه بعنوان التلبس بلبسهم و التزيى بزيهم و لو باختياره للّبس و الملابس من بين سائر الالوان الغير المتحقق مع كون المقصود منه التلبس بلباس المصاب المعهود كما عرفت فى العرف و العادة من قديم الزمان للتحزن به على مولانا الحسين (ع) كما يرشد إليه ما مر من حديث لبس نساء أهل البيت السواد فى مأتمه (عليه السلام) بعد قتله بمرئى من مولانا زين العابدين (صلوات اللّه عليه) و مسمعه بنحو ما مرت الاشارة إليه.

و حيث لا تشمله أدلة الكراهة بقى رجحانه من حيث دخوله

49

فى العنوان المندوب بعمومه شرعا بلا معارض معتضدا بقاعدة التسامح فى أدلة السنن التى لا مجال للتأمل فى جريانها فى مثل المقام الغير المشمول لادلة الكراهة من وجه أصلا.

هذا مع أنه ورد فى غير واحد من الاخبار (1) أنه ما ادهنت هاشمية على ما نقل منا أهل البيت و لا اكتحلت و لا رؤى دخان من بيوتهم بعد قتله (عليه السلام) الى خمس سنيين حتى بعث المختار (رضوان اللّه عليه) برأس الكافر الفاجر عبيد اللّه بن زياد الى زين العابدين (عليه السلام) فغيروا بأمره (عليه السلام) حينئذ ما كانوا عليه و هو كما ترى يدل على رجحان كل ما يدخل فى عنوان شعار الحزن و التحزن عليه عليه الصلاة و السلام و تعظيم مصيبته الّذي منه ترك اللذائذ فى أيام مأتمه و مصيبته (2) لان ذلك كله بمرأى فى البحار ص 206 ص 207 ج 45 من الطبعة الحديثة فى طهران عن ابان بن عثمان عن زرارة: قال: قال ابو عبد اللّه (ع) يا زرارة ان السماء بكت على الحسين أربعين صباحا بالدم و ان الارض بكت أربعين صباحا بالسواد و ان الشمس بكت أربعين صباحا بالكسوف و الحمرة و ان الجبال تقطعت و انتثرت و ان البحار تفجرت و ان الملائكة بكت اربعين صباحا على الحسين و ما اختضبت منا امرأة و لا ادهنت و لا اكتحلت و لا رجلت حتى اتانا رأس عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه: و ما زلنا فى عبرة بعده: الحديث و هو طويل أخذنا منه موضع الحاجة فلاحظ.

كما تقتضيه القاعدة لمن فقد محبوبه العزيز عليه و كما ورد فى الاخبار الكثيرة فى كيفية زيارته (ع) من ان الزائر لمرقده يلزم أن يكون كئيبا حزينا مكروبا مغيرا جائعا عطشانا فلاحظ و راجع ص 130 و 131 من كامل الزيارات و فيه أيضا ص 108 عن أبى عمارة المنشد قال: ما ذكر الحسين (ع) عند أبى عبد اللّه (ع) فى يوم قط فرأى ابو عبد اللّه (ع) متبسما فى ذلك اليوم الى الليل و كان (ع) يقول الحسين (ع) عبرة كل مؤمن انتهى.

50

و مسمع من سيدهم الامام ابى الائمة عليه و (عليهم السلام) مع تضمنه لترك الاكتحال الّذي هو من المستحبات سيما من النساء ذوات الازواج و نحوه من التزين المطلوب منهن لازواجهن بل لترك أكل اللحوم الظاهر من عدم رؤية الدخان من بيوتهن فى هذه المدة مع شدة كراهة تركه اربعين صباحا كما فى بعض الاخبار (1) بل فى بعضها أنه من دأب الرهبانية المنسوخ فى هذه الشريعة و أعظم من ذلك ما روى من أن رباب (2) زوجة مولانا الحسين (عليه السلام) لم تزل ما دامت حية بعد شهادته تجلس فى حرارة الشمس الى أن تقشر جلدها و ذاب لحم بدنها حتى لحقت بسيدها فترفق عليها الصديقة الصغرى أخت مولانا الحسين (ع) ففى الوسائل ج 4 ص 672 باب 46 قال (ع) من لم يأكل اللحم أربعين يوما ساء خلقه و من ساء خلقه فأذنوا فى اذنه فلاحظ و راجع كتاب الاطعمة و الاشربة منه و من غيره من كتب الاخبار.

ففى الكامل لابن اثير ج 4 ص 36 من الطبعة الاولى فى مصر و بقيت (يعنى الرباب) بعده (يعنى بعد قتل مولانا الحسين) سنة لم يظلها سقف بيت حتى بليت و ماتت كمدا هذا و فى الكافى المطبوع بهامش مرآة العقول ج 5 ص 372 عن الصادق (ع) لما قتل الحسين (ع) أقامت امرأته الكلبية عليه مأتما و بكت و بكين النساء و الخدم حتى جفت دموعهن و ذهبت فبينا هى كذلك اذ رأت جارية من جواريها تبكى و دموعها تسيل فدعتها فقالت لها: ما لك أنت من بيننا تسيل دموعك؟ قالت انى لما أصابنى الجهد شربت شربة سويق قال: فأمرت بالطعام و الاسوقة فاكلت و شربت و اطعمت و سقت و قالت انما نريد بذلك ان نتقوى على البكاء على الحسين (ع) انتهى محل حاجة.

51

و تسألها الجلوس مع النسوة فى المأتم تحت الظلال فتأبى ذلك و تقول لها انى آليت على نفسى ما دمت حية أن لا استظل عن حرارة الشمس منذ رأيت سيدى الحسين فى حرارة الشمس.

أ ترى أن ذلك كان مما يخفى على الامام (عليه السلام) أو أنه كان يمنعهن من ذلك و لم يمتثلن منعه لا سبيل الى شي‌ء منهما بل انما هو لكونه داخلا فى عنوان شعار الحزن و التحزن عليه (عليه السلام) و من تعظيم المصيبة التى هى أعظم جميع المصائب:

و كيف كان فقد بان من ذلك كله انه لا وجه للحكم بكراهة لبس السواد فى مصيبة سيد شباب أهل الجنة ارواحنا له الفداء بقصد التلبس بلباس الحزن المتعارف من قديم الزمان كما هو المفروض تمسكا بعموم أدلة كراهته و لا لجعل معارضتهما من قبيل معارضة دليل حرمة الغناء و دليل رجحان رثاء مولانا الحسين (عليه السلام) كما هو صريح خالى العلامة أعلى اللّه مقامه لسلامة رجحان لبسه فى المقام عن معارضته بأدلة الكراهة من وجوه شتى كما وقفت عليها و عمدتها عدم دخوله فى موضوع أدلة الكراهة فلا يكون حينئذ من قبيل معارضة دليل حرمة الغناء المحرم ذاتا مطلقا من حيث كونه غناء و دليل رجحان رثائه بطريق الغناء و لو أشعر بعض الاخبار بتعليل تحريمه بكونه مورثا للفساد من حيث كونه مطربا الا أنه ليس بحيث يدور الحكم معه وجودا و عدما اجماعا منا على الظاهر المصرح به كذلك فى ألسنة الاصحاب قديما و حديثا:

فما رجحه شيخنا المحدث البحرانى (قدس سره) فى حدائقه من رجحان لبسه فى مأتم مولانا الحسين عليه الصلاة و السلام و مصيبته

52

هو الا ظهر لكن لا لتخصيصه أدلة الكراهة كما هو قضية قوله لا يبعد استثناء ليس السواد فى مأتم الحسين (عليه السلام) معللا باستفاضة الاخبار بشعار الحزن عليه (عليه السلام) مؤيدا له بالحديث الّذي رواه عن خالنا العلامة المجلسى (رحمه اللّه) المتضمن للبس نساء بنى هاشم السواد بعد قتله اذ هو انما يتجه على تقدير شمول عموم أدلة الكراهة لمثله و دخوله فى موضوعها و قد عرفت عدمهما فلا حاجة معه الى الاستثناء المذكور الّذي لا يخلو على تقديره عن نوع تأمل و اشكال لان التعارض بينهما حينئذ تعارض العامين من وجه.

و المطلوب فيه الرجوع الى المرجحات السندية او غيرها ثم الاخذ بأحدهما المخير مع فرض التعادل و التساوى بينهما لا التخصيص الّذي هو فرع كون أحدهما اخص من الاخر مطلقا (1) و بالجملة التأمل لا يخفى ان استفادة الحدائق (قدس سره) رجحان لبس السواد فى مأتم مولانا الحسين (ع) و استثنائه من عموم أدلة الكراهة انما هو لاجل العمومات الدالة على رجحان اظهار الحزن على الحسين (ع) الشاملة للبس السواد بعد فرض كونه أحد مصاديق لباس العزاء و اقامة المأتم على الحسين (ع) لا الاستثناء بدليل خاص لفظى مثل ان يقول مثلا يكره لبس السواد الا فى عزاء الحسين (ع) او يستحب حتى يكون المستثنى فى هذا الفرض خارجا عن المستثنى منه حكما و عليه فالتعارض بينهما بالعموم من وجه محكم و لا بد فى مثله من الرجوع الى المرجحات السندية أو البراءة على ما هو المحرر فى محله: نعم يمكن ان يقال ان من لبس الهاشميات السواد فى مأتمه (ع) يظهر أن الكراهة تكون فى غير هذه الصورة فيكون فعلهن بمنزلة التخصيص او الاستثناء لعموم دليل المنع كما يظهر حجية فعلهن من تقرير الامام (ع) لهن بعدم المنع من لبسه اياهن كما لا يخفى هذا و قد ظهر من كلام سيدنا المؤلف (قدس سره) فى المتن‌