الرسائل الأحمدية - ج3

- الشيخ أحمد آل طعان البحراني المزيد...
405 /
7

كتاب المواريث

الرسالة الخامسة و العشرون ميراث المعتق إذا مات عتيقه الرسالة السادسة و العشرون ميراث الجدّة مع الأُخت الرسالة السابعة و العشرون مسألة في رجل عنده زوجتان ..

الرسالة الثامنة و العشرون الحبوة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الرسالة الخامسة و العشرون ميراث المعتق إذا مات عتيقه

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الحمدُ للّٰهِ الذي له ميراثُ السماوات و الأرضين، و الصلاةُ و السلامُ على محمّدٍ و آلهِ ورثةِ الأنبياءِ و المرسلين، الثابتِ لهم الولاء على جميع العالمين.

قال السائل وفّقهُ اللّٰه تعالى لاقتناء المسائل، و اقتفاء الحجج و الوسائل-:

(ما يقولُ مولانا في عتيق توفيَ و لا له وارث، يرثُهُ المعتِقُ مطلقاً، أم لا؟).

شروط الإرث بولاء العتق

أقول مستمداً منه سبحانه التسديد في كلِّ مقول-: اعلم علّمك اللّٰه الخير و سلّمك من الضير أنّ الإرثَ بولاء العتق مشروطٌ بشروطٍ ثلاثةٍ:

الأوّل: فقدُ القريب النسبي الجامع لشرائط الإرث، قريباً كان أو بعيداً؛ للإجماع بقسميه، و آية «وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ»* (1)، و النصوص المستفيضة المعتبرة دالّةٌ عليه (2).

فمتى كان للعتيق وارث نسبيٌّ اختصّ بميراثه، و لا شي‌ء لمعتقه؛ لما ذكرنا.

أمّا الوارث السببي كأحد الزوجين لو كان فله نصيبه الأعلى، و الباقي للمنعِم بالعتق أو مَنْ يقوم مقامه، على ما سيأتي إنْ شاء اللّٰه تعالىٰ.

و لم يُحكَ الخلافُ فيه إلّا عن الحلبي (3)، فجعلَ الزوجَ حاجباً للمعتق دون‌

____________

(1) الأنفال: 75، الأحزاب: 6.

(2) انظر: الوسائل 26: 233، أبواب ميراث ولاء العتق، ب 1.

(3) الكافي (أبو الصلاح): 374.

12

الزوجة، و هو مطالبٌ بالدليل، و ليس له مِنْ سبيل.

و لا ينافي هذا الشرط ما في صحيح العِيص بن القاسم عن الصادق (عليه السلام): في رجلٍ اشترى عبداً، [و (1)] له أولاد من امرأة حُرَّة، فأعتقه؟.

قال: «ولاءُ ولده لِمَنْ أعتقه» (2).

و لم أقف على عامل بظاهره من الأصحاب، بل ظاهرهم الاتّفاقُ على عدم الولاء في هذه الصورة؛ لكون أولادهِ أحراراً، لتولّدهم من حُرَّةٍ، فيتبعون أشرف الأبوين.

فلا بدّ من حمله؛ إمَّا على موت الأولاد قبله، أو على أنّ الأمّ الحُرّة كانت معتقةً، لا حرّةً أصلية. فبعد عتق الأب ينجرُّ ولاء الأولاد من موالي الأُمّ إلى موالي الأب، كما نسب للمشهور.

بل في (الجواهر) نفي الخلاف عنه، بل الإجماع بقسميه عليه (3)، و تدلّ عليه جملةٌ من الأخبار الواردة في هذا المضمار (4)، فينتفي حينئذٍ المحذور، و اللّٰهُ العالمُ بحقائق الأُمور.

الثاني: أنْ يكون العتقُ تبرّعاً، لا لازماً بسبب شرعيّ.

فلو وجب العتقُ بنذرٍ أو عهدٍ أو يمينٍ أو كفّارةٍ مطلقاً، أو حصل الانعتاق بسببٍ قهريّ من الشارع كزَمَانةٍ (5) أو تنكيلٍ أو مُلْكِ قرابةٍ اختياراً أو قهراً كالانتقال بالإرث، فالعتيق لا يرثه معتِقُه، و لا مَنِ انعتق عليه، و هو المسمّى بالسائبة، على المشهور شهرةً عظيمةً بين الأصحاب.

بل في (الرياض): (عليه عامّة مَنْ تأخّر) (6).

و فيه (7) و في (الجواهر) (8) عن (السرائر) (9) نفي الخلاف فيه.

____________

(1) من المصدر.

(2) التهذيب 8: 250/ 910، الوسائل 23: 66، كتاب العتق، ب 38، ح 1.

(3) جواهر الكلام 39: 245.

(4) الوسائل 23: 66 70، كتاب العتق، ب 38.

(5) الزَّمَانة: العاهة. لسان العرب 6: 87 زمن.

(6) رياض المسائل 9: 148.

(7) رياض المسائل 9: 148.

(8) جواهر الكلام 39: 223.

(9) السرائر 3: 25.

13

و عن (الغُنية) (1) و (الانتصار) (2) الإجماعُ عليه.

و النصوصُ المعتبرةُ المستفيضة صريحةُ الدلالة عليه (3).

مضافاً لعدمِ دخول المذكوراتِ في قوله (عليه السلام): «الولاء لِمَنْ أعتق» (4)؛ لظهوره في ترتّب الولاءِ على وقوع العتق تبرّعاً من نفس المُعتِق، فلا تشمل مَنِ انعتق قهراً على المالك، و لا مَنْ وجب عتقُهُ بسبب مُلْزِم، و أصالةِ عدم الولاء على أحدٍ إلّا ما خرج.

و لم يُحكَ الخلافُ في هذا الشرط إلّا عن الشيخ في (المبسوط) (5)، و ابن حمزة (6)، فقد حكي عنهما (7) أنّهما أثبتا الولاء على أُمِّ الولد لورثة مولاها بعد انعتاقها من نصيب ولدها.

بل عن الشيخ نفي الخلاف فيه (8)، بل الإجماع عليه.

و لا يخفىٰ ما فيه؛ لقيام الأدلّةِ المعتضدة بالشهرة المحقّقة على أنّ ميراث أُمِّ الولد إنّما هو للإمام، مضافاً إلى عدم صدق الانعتاق المرتّب عليه الولاء بالاتّفاق.

و عنهما (9) أنّهما أوجبا الولاء لِمَنْ ملك أحد قرابته فانعتق عليه، سواء كان ملكه اختياراً كما إذا اشترى أباه مثلًا، أو اضطراراً كما إذا ورثه؛ لموثّق سماعة عن الصادق (عليه السلام)، المعارض بما هو أقوى سنداً و أكثر عدداً و أصرح دلالةً و أوضح مقالةً، مضافاً لظهور قوله (عليه السلام) فيه: «و أيُّهما مات ورثه صاحبه، إلّا أنْ يكون [له (10)] وارثٌ أقرب [إليه (11)] منه» (12) في إرادته (عليه السلام) الإرث الحاصل بالقرابة النسبيّة، لا الولاء؛ و لهذا حكم (عليه السلام) فيه بتوارثهما، فلا حجّة فيه لهما.

____________

(1) الغنية (ابن زهرة) ضمن الجوامع الفقهية: 545.

(2) الانتصار: 371.

(3) انظر: الكافي 6: 197/ 2، الفقيه 3: 81/ 291، الوسائل 23: 77، كتاب العتق، ب 43.

(4) التهذيب 8: 249/ 905، الوسائل 23: 61 62، كتاب العتق، ب 35، ح 1، 2.

(5) المبسوط 6: 71.

(6) الوسيلة: 344.

(7) الجواهر 39: 225.

(8) المبسوط 6: 71.

(9) المبسوط 6: 71، الوسيلة: 343.

(10) من المصدر.

(11) من المصدر.

(12) الفقيه 3: 80/ 287، الوسائل 18: 249، أبواب بيع الحيوان، ب 4، ح 6.

14

و عن الشيخ (1) أيضاً: أنّه أثبت الولاء على العبد المنذورِ عتقُهُ؛ لعموم «مَنْ أعتق للّٰه» (2)، و غيره.

و فيه: أنّه ظاهرٌ في إرادة المتبرَّع به، لا مطلقاً، فليتأمّل.

و عنه (رحمه الله) في (المبسوط) (3) أنّه أثبت الولاء على المعتق في الكفّارة، إنْ لم يتمّ إرادته الحكاية و الإيراد، لا العمل.

و أمّا المدبَّر: فالظاهر بل المصرَّح به في بعض العبائر (4) حصولُ الإجماع على ثبوت الولاء عليه من غير خلافٍ ظاهر. سواء قيل: أنّه عِتْقٌ بعد الموت، أو وصيةٌ بالعتق؛ لظهور اندراجه في تلك الأدلّةِ و كلمات فقهائنا الأكابر.

و أمَّا المكاتب: فمقتضى ما دلَّ على اشتراطِ التبرُّع بالعتق، و الشكّ في صدق كون عتقه للّٰه تعالى بل هو كشراء العبدِ نفسَه على القول به عدمُ ثبوت الولاء عليه لسيّده أو مَنْ يقوم مقامه مطلقاً حتى مع شرط الولاء، كما في مرسل محمّد بن أبي عمير، المرويّ مسنداً بطريقٍ صحيحٍ عنه، عن جميل، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عمّن كاتب مملوكاً و اشترط عليه أنّ ميراثه له؟ قال: «رُفع ذلك إلى عليّ (عليه السلام) فأبطلَ شرطه، و قال: شرطُ اللّٰهِ قَبْلَ شرطِك» (5).

لكن حمله على حال وجود القريب قريبٌ؛ بقرينة ما في (قرب الإسناد) عن أبي البخترِي عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه: «إنّ رجلًا كاتب عبداً له و شرط عليه أن له ماله إذا مات، فسعى العبدُ في كتابته حتى عُتق ثمّ مات، فرفع ذلك إلى عليّ (عليه السلام)، و قام أقارب المكاتب، فقال له سيّد المكاتب: يا أميرَ المؤمنين، فما ينفعني شرطي؟ فقال علي (عليه السلام): شرطُ اللّٰهِ قَبْلَ شرطك» (6).

و ظاهر الجميع اتّحاد القضيّة، فلا تطّرد تلك القضيّة، بل يتّجه ثبوتُ الولاء‌

____________

(1) عنه في الجواهر 39: 228.

(2) الكافي 6: 197 198/ 2، الوسائل 23: 63، كتاب العتق، ب 36، ح 1، و فيهما: (إذا أعتق للّٰه).

(3) عنه في الدروس 2: 217، و الجواهر 39: 225.

(4) الدروس 2: 216، عنه في الجواهر 39: 226.

(5) التهذيب 9: 353/ 1266، الوسائل 26: 56، أبواب موانع الإرث، ب 22، ح 1.

(6) قرب الإسناد: 130/ 454.

15

بالشرطِ كما في (الجامع) (1)، و عن (الخلاف)، و (الإيجاز) (2)، و (المبسوط) (3)، و (السرائر) (4)، و (الوسيلة) (5)، و (الغُنية) (6)، و (الإصباح) (7)، و (و التحرير) (8)، و جعله الأقوىٰ في (الجواهر) (9).

و حكىٰ في (كشف اللثام) نفي الخلاف فيه عن (السرائر) (10)؛ لعموم: «المؤمنون ..»، و خصوص الأخبارِ المعتبرةِ التي هي بصحّة اشتراط ولاء المكاتب كافلةٌ متكثّرة.

و لذا حُكي اختياره عن جملةٍ من الطبقة المتقدّمة، و الوسطى، و المتأخّرة.

بل قد يستظهر إطلاق الولاء عليه من موثّق الساباطي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في مكاتبة بين شريكين، يُعتق أحدُهما نصيبه، كيف يُصنعُ بالخادم؟ قال: «تخدمُ الباقي يوماً، و تخدمُ نفسها [يوماً (11)(12)، للفردِ المتعارف، و هو العتقُ بصيغتِهِ المشهورة، فلا يشمل هذه الصورة. أو يُشكُّ في شمولِها و عدمِه، فالبقاءُ على الأصل هو اللازم، إِلّا أنْ يثبت الدليلُ الجازم. و اللّٰهُ العالمُ.

الشرط الثالث: ألَّا يتبرّأ المُعْتِقُ من ضمانِ جريرةِ العتيق.

فلو تبرّع بالعتق، و لكن اشترط عدمَ الضمان للجريرة، لم يرثه بلا خلافٍ. بل حُكي عليه الإجماعُ (13)، للأخبار المعتبرة الكثيرة (14).

و هل يشترطُ في سقوطِ ضمان الجريرةِ الإشهادُ على التبرّي، بحيث يكونُ شرطاً في الصحّةِ، كالإشهادِ على الطلاق، أم لا؟

____________

(1) الجامع للشرائع: 405.

(2) الإيجاز (ضمن الرسائل العشر): 278.

(3) المبسوط 6: 71.

(4) السرائر 3: 26.

(5) الوسيلة: 343.

(6) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 545.

(7) الإصباح (الكيدري) ضمن سلسلة الينابيع الفقهية 22: 299.

(8) التحرير 2: 92.

(9) الجواهر 39: 228.

(10) السرائر 3: 26.

(11) من المصدر.

(12) الكافي 7: 172/ 1، الوسائل 26: 61، أبواب موانع الإرث، ب 24، ح 1.

(13) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 545 546، عنه في الرياض 9: 148.

(14) انظر: الوسائل 23: 63، كتاب العتق، باب 36.

16

قولانِ، أشهرهما الثاني؛ للأصل، و ظهورِ الأمر به في خبر عبد اللّٰه بن سنان (1)، و ما بمعنى الأمر في خبر حمزة بن حمران (2) في الإرشاد لحكمة الإشهاد، كالأَمر بالإشهاد في قوله تعالى «وَ أَشْهِدُوا إِذٰا تَبٰايَعْتُمْ» (3).

و عن الشيخ في (النهاية) (4) و الحلّي (5)، الأوّل؛ حملًا للأمر على حقيقته من الوجوب التكليفي.

و هو ظاهرُ نجيب الدين بن سعيد في جامعه (6)، و حُكي أيضاً عن الصدوق (7)، و ابن الجنيد (8)، بل عن الشيخ دعوى الإجماع عليه، و هو موهونٌ بذهاب الأكثر إلىٰ خلافه.

و هل يشترطُ التبرّي حين العتق اقتصاراً في الخروج عن عموم «الولاء لِمَنْ أعتق» (9) على المتيقّن و هو التبرّي حين الإعتاق أم يكفي وقوعه بعده للإطلاق؟ وجهان، بل قولان، أشهرهما الأوّل.

و زاد بعضُ المتأخّرين شرطاً رابعاً، و هو: (ألّا يكون أحد والدَيْ العتيق حرّا في الأصل؛ إذْ لو كان أحدُهما كذلك تبعه في الحريّة، فلا عتق له و لا ولاء عليه) (10).

و هو حسنٌ، إلا إنَّ الشرطَ الأوّلَ مغنٍ عنه، و ما يوهم خلافه قد مرَّ الجوابُ عنه.

فاذا اجتمعتْ الشروطُ الثلاثةُ وجبَ الإرثُ للمُعْتِقِ مِن العتيق واحداً كانوا أم أكثر بحسب الحصص، رجالًا كانوا أم إناثاً.

و أمَّا العتيق فلا يرث المُعتِق؛ اقتصاراً في ما خالف الأصل على المتيقّن،

____________

(1) التهذيب 8: 256/ 928، الوسائل 23: 78، كتاب العتق، ب 43، ح 4.

(2) التهذيب 10: 130 131/ 522، الوسائل 26: 250، أبواب ولاء ضمان الجريرة و الإمامة، ب 3، ح 11.

(3) البقرة: 282.

(4) النهاية: 547 و 669، عنه في الرياض 9: 150.

(5) السرائر 3: 23.

(6) الجامع للشرائع: 508، عنه في الجواهر 39: 230.

(7) المقنع: 461، عنه في مختلف الشيعة 8: 86.

(8) عنه في الرياض 9: 150.

(9) الكافي 6: 198/ 4، الوسائل 23: 64، كتاب العتق، ب 37، ح 1.

(10) عنه في الرسالة المحمّديّة في أحكام الميراث الأبديّة (مخطوط): 229.

17

و اختصاص الحِكْمَة بالأوَّل، و هو المشهورُ المنصورُ، و عن الشيخ (رحمه الله) الإجماعُ عليه (1).

و عن الصدوق (2)، و ابن الجنيد (3): إنَّ العتيق يرثُ معتِقَه مع فقد الوارث له؛ نظراً لعموم المنزلة في قوله (عليه السلام) في خبر السكوني: «الولاءُ لُحمةٌ كلُحمة النسب» (4).

و هو محجوجٌ بقوله (عليه السلام): «الوَلاءُ لِمَنْ أعتق» (5)، فيقيَّد بموافق المذهب.

أمّا مع العلم بالعتق و الشكّ في حصول الشرط، فمقتضى قاعدة: إن الشَّكَّ في الشرط شك في المشروط، انتفاءُ الإرث به و رجوع ميراثه للإمام. إلّا إنَّ الظاهر كونُ وجودهما من الموانع التي يصحّ نفيُها بأصل العدم، فيثبتُ الإرثُ لوجود المقتضي و زوال المانع.

و بالجملة، فاستحقاقُ المُعتِق إرث عتيقه سواء كان المُنْعِم رجلًا، أو امرأة، أو خنثى، متَّحداً أو متعدِّداً ممّا لا ريب فيه، و لا خلاف بين علمائنا الأشراف.

الأقوال فيما إذا مات المُنْعِم

و أمّا إذا مات المُنْعِم، فقد وقع الخلافُ فيه على أقوال؛ لاختلاف الأخبار الواردة في هذا المضمار:

أوّلها: ما نُسب للمشهور (6)، و شيخ (النهاية) (7)، و (الإيجاز) (8)، و القاضي (9) و ابن حمزة (10)، و جماعة من المتأخّرين (11)، و هو: أنَّ المُنْعِم إن كان رجلًا كان الولاء و الإرث للأولاد الذكور خاصّة، و مع عدمهم فللعَصَبَة؛ و إنْ كان امرأةً فلعَصَبَتِها دون أولادها و إنْ كانوا ذكوراً.

____________

(1) الخلاف 4: 84/ 91.

(2) الفقيه 4: 224، عنه في المختلف 8: 84، و الرياض 9: 147.

(3) عنه في المختلف 8: 85، و الرياض 9: 147.

(4) التهذيب 8: 255/ 926، الوسائل 23: 75، كتاب العتق، ب 42، ح 2.

(5) التهذيب 8: 249/ 905، الوسائل 23: 61 62، كتاب العتق، ب 35، ح 1، ح 2.

(6) الجواهر 39: 234.

(7) النهاية: 670.

(8) الإيجاز (ضمن الرسائل العشر): 277 278.

(9) المهذّب 2: 364.

(10) الوسيلة: 344.

(11) عنهم في الرياض 9: 153.

18

فهنا أُمورٌ ثلاثة:

أمّا اختصاص الإرث بالأولاد الذكور إنْ كان المُنْعِمُ رجلًا، فيدلُّ عليه مكاتبة محمّد بن عمر لأبي جعفر (عليه السلام): عن رجلٍ مات و كان مولى لرجلٍ، و قد مات مولاه قبله، و للمولىٰ ابنٌ و بنات، لِمَنْ ميراث المولى؟ فقال: «هو للرجالِ دون النساء» (1).

و قد يستدلُّ عليه أيضاً بقول الصادق (عليه السلام) فيما مرَّ من خبر بُرَيْدِ العِجْلِي-: «فإنّ ولاء المعتِق [هو (2)] ميراثٌ لجميع ولد الميِّت من الرجال» (3)، بناءً على أنَّ «من الرجال» بيانٌ لجميع ولد الميت كما هو الظاهر، مع ظهور صدره كغيره في أنَّ المُنْعِم رجلٌ لا امرأة.

و أمّا اختصاص الإرث بالعصبة للمُنْعِم مع عدم الذكور، فيدلّ عليه صحيح محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قضىٰ عليٌّ (عليه السلام) في رجلٍ حرَّر رجلًا فاشترط ولاءه، فتُوفي الذي أعتَقَ و ليس له ولد إلَّا النّساء، ثمّ تُوفي المولى و ترك مالًا و له عصبةٌ، فاحتقّ في ميراثه بنات مولاه و عصبته؛ فقضى بميراثه للعصبة الذين يعقلون عنه» (4).

بناءً على عود الضمير في «عصبته» على المولى، لا للعبد، و أنَّ الاحتقاق أي: التخاصم أنَّما وقع بين بنات المولى و عصبة المولى كما استظهره المشهور، لا بين بنات المُنْعِم و عصبة العبد كما استظهره المحدِّث المنصف في ميراثيّته (5)، و فاضل (الرياض) (6) ردّاً على المشهور، و تبعهما عليه فاضل (الجواهر) (7)، بقرينة قوله سابقاً: «ثم توفي المولى و ترك مالًا و له عصبة» بناءً على عود ضمير «له» للعتيق؛ لظهوره في أنَّ المال له و العصبة له، فيكون التخاصم بين بنات مولى المُنْعِم و عصبة العتيق، فتقدّم‌

____________

(1) التهذيب 9: 397/ 1419، الوسائل 26: 239، أبواب ميراث ولاء العتق، ب 1، ح 18.

(2) من المصدر.

(3) التهذيب 8: 254/ 925، الوسائل 23: 71 72، كتاب العتق، ب 40، ح 2.

(4) التهذيب 8: 254/ 923، الإستبصار 4: 24/ 77، الوسائل 23: 71، كتاب العتق، ب 40، ح 1، و في جميعها: «.. بنات مولاه و العصبة ..».

(5) الرسالة المحمّديّة في أحكام الميراث الأبديّة (مخطوط): 230.

(6) رياض المسائل 9: 152 153.

(7) الجواهر 39: 234.

19

عصبة العتيق على بنات المُنْعِم؛ لما مرّ في الشرط الأول من أنّ الإرث بالولاءِ مشروطٌ بعدم الوارث بالنسب إجماعاً، أو مع السبب أيضاً على المشهور.

لكن الأظهر عود الضمير في «له» على المُنْعِم و إنْ بَعُدَ لفظاً؛ بقرينة معلوميّة تقديم النسب على الولاء، فلا يحسُن التخاصم بين عصبة العتيق و بنات المُنْعِم، مضافاً لفهم الأصحاب، فيكون أوْلىٰ بالصواب.

و أمّا اختصاص الإرث بالعصبة إذا كان المُنْعِم امرأةً دون أولادها مطلقاً، فيدلّ عليه قولُ الباقر (عليه السلام) في صحيح محمّد بن قيس: «قضىٰ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) في امرأةٍ أعتقَتْ رجلًا و اشترطَتْ ولاءه و لها ابنٌ، فألحق ولاءه لعصبتها الذين يعقلون عنها دون ولدها» (1).

و قولُ الصادق (عليه السلام) في صحيح يعقوب بن شعيب: عن امرأةٍ أعتقَتْ مملوكاً، ثم ماتت؟ قال: «يرجع الولاء إلىٰ بني أبيها» (2).

و قولُه (عليه السلام) في صحيح أبي ولّاد: عن رجل أعتق جاريةً صغيرة لم تُدْرِكْ، و كانت أمُّه قبل أنْ يموت سألتْهُ أنْ يعتق عنها رقبةً من ماله، فاشتراها هو و أعتقها بعد ما ماتت أمُّه، لِمَنْ يكون ولاء العتق؟.

قال: «يكون ولاؤها لأقرباء أُمّه من قِبَل أبيها، و تكون نفقتها عليهم حتّى تدرك و تستغني»، قال: «و لا يكون للذي أعتقها عن امُّه من ولائها شي‌ء» (3).

و لا يخفىٰ ظهورها في المراد ظهور الشمس في ساعة الرادّ، فيتّجه المصير إليه؛ لكثرة أدلتهِ، و صحّتها، و اشتهارها، و عدم المعارض لها.

و في (الرياض) (4) و (الجواهر) (5) عن (الخلاف) (6)، و (الاستبصار) (7) نفي الخلاف،

____________

(1) التهذيب 8: 253 254/ 921، الإستبصار 4: 25/ 80، الوسائل 23: 70، كتاب العتق، ب 39، ح 1، و في جميعها: «الذين يعقلون عنه».

(2) التهذيب 8: 254/ 924، الإستبصار 4: 25/ 82، الوسائل 23: 70، كتاب العتق، ب 39، ح 3.

(3) التهذيب 8: 254/ 924، الإستبصار 4: 25/ 82، الوسائل 23: 70، كتاب العتق، ب 39، ح 3.

(4) رياض المسائل 9: 153.

(5) الجواهر 39: 235.

(6) الخلاف 4: 81/ مسألة 86.

(7) الاستبصار 4: 173.

20

بل فيهما عن أوّلهما (1) و عن (السرائر) (2) الإجماع عليها.

إذْ ليس في الباب ما يوهمُ المعارضة سوى إطلاق أدلّة الإرث، و الأَقْرَبُونَ أوْلىٰ بِالمَعْرُوفِ (3)، و «أُولوا الأرْحَامِ بَعْضُهُم أوْلىٰ بِبَعْضٍ» (4) المعارض بالمقيّد، فبنىٰ عليه كما هو مقتضىٰ المذهب؛ لاتّحاد الموجب، و خبرُ: «إن الولاء لحمةٌ كلحمة النسب» (5)، الظاهر تخصيص عموم منزلته بقوله (عليه السلام): «لا تباعُ و لا توهب» (6) و إن أوجبنا الإرث بالدليل الناهض الخالي عن المعارض، و اللّٰه العالم.

ثانيها: اشتراكُ أولادِ المُنْعِم مطلقاً إذا كان المُنْعِمُ رجلًا، و الاختصاصُ بعصبة المرأة إنْ كانَ المنعم امرأةً كالأوّل.

و هو الظاهرُ من الحرّ في وسائله (7) و إن اقتصر في عنوان الباب على التشريك مطلقاً إنْ كان المعتق رجلًا؛ لظهوره في موافقة المشهور في الشقّ الثاني المذكور.

و حكاه المحدّث المبرور في ميراثيّته (8)، و فاضل (الرياض) (9) عن الفاضل السبزواري في كفايته (10)، مستدلّاً على الأوّل بإطلاق: «الولاء لُحمة كلحمة النسب».

و قد يستدلّ له أيضاً بما مرّ من إطلاق أدلّة الإرث، و قول أمير المؤمنين في المرسل: «يرث الولاء مَنْ يرث المال» (11)، و خصوص موثّقِ عبد الرحمن بن الحجّاج عن الصادق (عليه السلام)، قال: «مات مولى الحمزة بن عبد المطلب، فدفع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) ميراثه إلىٰ بنت حمزة» (12)، الدالّ علىٰ مشاركة الذكور للإناث إذا كان المنعِم رجلًا.

____________

(1) الخلاف 4: 81/ مسألة 86.

(2) السرائر 3: 24.

(3) انظر: الوسائل 26: 233، أبواب ميراث ولاء العتق، ب 1.

(4) الأنفال: 75.

(5) التهذيب 8: 255/ 926، الوسائل 23: 75، كتاب العتق، ب 42، ح 2.

(6) ذيل الحديث المتقدّم في هامش 5.

(7) انظر: الوسائل 26: 233، أبواب ميراث ولاء العتق، ب 1.

(8) الرسالة المحمّدية في أحكام الميراث الأبدية (مخطوط): 230.

(9) الرياض 9: 153 154.

(10) الكفاية (السبزواري): 305.

(11) دعائم الإسلام 2: 262/ 1202، و فيه (الميراث) بدل: (المال).

(12) التهذيب 9: 331/ 1191، الوسائل 26: 236، أبواب ميراث ولاء العتق، ب 1، ح 10.

21

و على الثاني بالأخبار السابقة في دليل المشهور على الأمر الثالث من اختصاص الولاء بعصبة المرأةِ إذا كان المُنْعِم امرأةً.

و رادّاً على المشهور في استدلالهم بخبر بُرَيْدِ العِجْلِي المتقدّم بأنَّ قوله (عليه السلام): «من الرجال» بيان للميّت، لا لجميع ولد الميت.

و الجواب: أمَّا عن إطلاق خبر الولاء، و إطلاق أدلّة الإرث، و إطلاق قول أمير المؤمنين (عليه السلام)، فبما عرفته مفصّلًا، مِنْ حمل المطلق على المقيّد، و ضعفِ المرسل في السند، و حينئذٍ فيبطل المستند.

و أمّا عن خبر مولى حمزة:

فأمّا سنداً؛ فلكونه موثّقاً، فلا يقاوم الصحاحَ طُرُقاً، الصّراح مَنْطِقاً.

و أمَّا القدحُ فيه بالإرسال فليس له مجال؛ لأنَّه و إنْ كان في (الكافي) (1) عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عمّن حدّثه، إلّا أنّه في (التهذيب) (2) عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن صفوان بن يحيى، فيثبت الاتّصال و ينتفي الإرسال.

و أمّا متناً؛ فلاضطراب أخباره، ففي موثّق ابن الحجّاج ما عرفته في وجه الاحتجاج، و في خبر منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «مات مولى لابنة حمزة، و له ابنة، فأعطىٰ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) ابنة حمزة النصف، و ابنته النصف» (3). و في خبر عبد اللّٰه بن شدّاد: «إن مولىً لحمزة تُوفي، فأعطى النبي (صلى الله عليه و آله) بنت حمزة النصف، و أعطى الموالي النصف» (4).

و الخبران الأخيران و إِنْ لم يصحّ العمل بهما؛ لمخالفتهما أُصول مذهبنا و لذا حُملا تارةً: علىٰ التقيّة كما هو الظاهر، و تارةً: علىٰ وصية المولى لبنت حمزة بالنصف، فإعطاء رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) ابنة حمزة النصف بالوصيّة. و حمل الفضل بن شاذان‌

____________

(1) الكافي 7: 170/ 6.

(2) التهذيب 9: 331/ 1191.

(3) التهذيب 9: 330/ 1190، الوسائل 26: 238، أبواب ميراث ولاء العتق، ب 1، ح 17.

(4) التهذيب 9: 332/ 1192، الوسائل 26: 237، أبواب ميراث ولاء العتق، ب 1، ح 13.

22

الخبر الأخير بعد تضعيف سنده علىٰ أنّه كان قبل نزول آية الفرائض، فنسخ بها (1) إلّا إنّ هذا الاضطراب يوهن التمسّك بهما في هذا الباب، خصوصاً مع مخالفة المشهور بين الأصحاب.

و أمّا دلالةً؛ فلما مرّ، مع احتمال أنْ يكون دفع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) الميراث لبنت حمزة كما في الموثّق لكونه أحد العصبة لحمزة، و كونه أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم، أو لرضا غيره به، و احتمال كونه مملوكاً أو سائبة ميراثه للنبيّ (صلى الله عليه و آله)، فأعطاه بنت حمزة برّاً بها.

و مع قيام هذه الاحتمالات تضعفُ دلالتها، فلا تقوىٰ على ذلك الإثبات.

و أمّا ردّه علىٰ المشهور من جعل قوله (عليه السلام): «من الرجال» بياناً لجميع ولد الميّت، بجعله بياناً للميّت فهو خلافُ الظاهر من كون (اللام) في الميّت للعهد الذكري، المراد به الرجل المسئول عنه، لا للجنس كي يحتاج للبيان، فاحتمالُهُ بعيدٌ من مذاق الأعيان، بل لعلّه شبيهٌ بمخالفة العَيان.

نعم، قد يوهنُ التمسك به اشتمالُه على موافقة العامّة؛ لظهوره في انحصارِ الإرث في الولد دون الأبوين، الذي لا قائل به منّا إلّا ابن الجنيد (2) الموافق لأقوالهم غالباً.

إلّا إنّه أنّما يدلّ عليه بمفهوم اللقب، و هو غيرُ معتبرٍ في المذهب، مع احتمال وروده موردَ الأغلب.

و حُكي هذا القولُ أيضاً عن الشيخ في (الخلاف) (3) و (الإستبصار) (4) مستدلّاً علىٰ تشريك الإناث مع كون المُنْعِم رجلًا بالموثّق المذكور، و علىٰ اختصاص عصبة المرأة إذا كانت هي المنعمة بالإجماع، حاملًا دليل المشهور علىٰ الاختصاص بالذكور علىٰ موافقة العامّة أولي الشرور.

و حكاه في (الجواهر) عن (الدروس) و محكي (السرائر)، قال: (و إنْ كنّا لم‌

____________

(1) نقل ذلك عن الفضل في التهذيب 9: 332/ ذيل الحديث 1192.

(2) عنه في المختلف 8: 83، و الرياض 9: 155.

(3) الخلاف 4: 82/ مسألة 88.

(4) الاستبصار 4: 173.

23

نتحقّقه) (1).

و الجوابُ عن الموثّق بما قد عرفت مِنْ عدم صلاحيّته لمعارضة الدليل الأوثق، الذي هو بالصواب أوفق.

و أمّا عن موافقة العامّة فبأنّ مطلق الموافقة ليست في الترجيح مطلقة، بل هي مشروطةٌ بما إذا كانت المعارضةُ بين الأخبار متحقّقة، مع أنّ مخالفتها للشهرة المحقّقة و للأخبار الصحاح الصراح توجب لها السقوط و الاطّراح.

و لو أوجب مطلقها عدمَ الاعتبار لكان أخبارُ الأمر الثالث أولىٰ به، مع ما عرفتَهُ من القوّةِ و الانجبار و مزيد الاشتهار.

نعم، تتَّجه المناقشة في تحقّق الاشتهار على وجهٍ يوجب الانجبارَ و الاعتبار بما سيأتي من نقل الشهيد الأوَّل الشهرة على الخلاف (2)، و دعوىٰ ابن إدريس الإجماع على مضمون رواية السكوني (3) التي استدلَّ بها هو على قولهِ الموافق للصدوق (4)، و أنَّ المحكيّ عن الشيخ في (الخلاف) (5) دعواه الإجماع حتى علىٰ توريث بنات المُنْعِم، فتنعكس الشهرةُ حينئذٍ، بل تنعدم.

و ثالثها: كونُ الولاءِ للأولادِ الذكورِ و الإناث، سواء كان المُنْعِمُ رجلًا أو امرأة.

و هو المحكيُّ عن الصدوق (رحمه الله) في (الفقيه) (6)، و ابن إدريس في (السرائر) (7)، بل نسبه أوّلُ الشهيدين في (اللمعة) للمشهور. و إنْ ناقشه ثانيهما في شرحها: بأنّه لم يعرفه لغير الصدوق، و بأنَّه هو في (شرح الإرشاد) نسبه للمفيد، و أنَّه استحسنه المحقّق. قال: (و فيهما معاً نظر، و الحقّ أنّه قولُ الصدوق خاصّة). ثم قال: (و العجبُ من المصنِّف كيف يجعله هنا مشهوراً، و في (الدروس) (8) قول الصدوق، و في الشرح‌

____________

(1) الجواهر: 39/ 233، الدروس:، السرائر 3: 24.

(2) اللمعة (ضمن الروضة البهيّة) 8: 183.

(3) السرائر 3: 24.

(4) الفقيه 4: 224.

(5) الخلاف 4: 79 80/ مسألة 84، عنه في السرائر 3: 24، و الرياض 9: 154.

(6) الفقيه 4: 224، عنه في المختلف 8: 84/ مسألة 39.

(7) السرائر 3: 24.

(8) الدروس 2: 215 216.

24

قول المفيد؟) (1) انتهىٰ.

إلّا إنَّ في تنظّره في نقل استحسان المحقّق نظراً؛ لتصريحه به في (الشرائع) (2) و إنْ عدل عنه في (المختصر النافع) (3). و لعلّه لعدم وجود نسخته عنده، أو لانتفائِهِ بعدوله عنه.

و احتجّ له بخبر السكوني: «الولاء لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النّسب»، و إطلاق أدلّة الإرث، و غيرها، و المرسل المرتضوي: «يرثُ الولاءَ مَنْ يَرثُ المالَ»، و خصوص موثّق ابن الحجاج.

و قد تقدّمت مع الجواب عنها، فلا طائل في إعادة الكلام عليها.

و في (الروضة) بعد أنْ تعجّب من الماتن في نسبته للشهرة قال: (و أعجبُ منه أن ابن إدريس (4) مع اطِّراحه لخبر الواحد الصحيح تمسَّك هنا بخبر السكوني، محتجّاً بالإجماع عليه، مع كثرة الخلاف، و تباين الأقوال، و الروايات) (5).

قلت: و لا عجب منه في بنائه على أصله، و إنْ ضَعُفَ عند غير أهله. و لعلَّ دعوى ابن إدريس الإجماع كمحكيِّ (الخلاف) (6) أيضاً هو الذي دعا الشهيد (رحمه الله) لنسبتِهِ للشهرة؛ إذْ لا أقلَّ منها بعد عدم تحقّق الإجماع.

و لا يخفىٰ على مَنْ تتبَّع إجماعات الشيخ (رحمه الله) و الحلّي أنّها مبنيَّةٌ على غير مبنى جليٍّ، خصوصاً إجماعات ابن إدريس المبنيّة علىٰ طريق الحدس الذي لا يخلو من تلبيس.

فلهذا تعدّدت أقوال الشيخ (رحمه الله) هنا بتعدّد كتبهِ، و ادّعى ابن إدريس إجماعات كثيرة على أقوال تفرد بها هو في مقابلة إجماعات كثيرة، كما ذكرناه في كثير من مؤلّفاتنا الشهيرة.

و رابعها: كونُ الولاء للأولادِ الذكور دون الإناث، سواء كان المُنْعِم رجلًا أو امرأةً، فإن لم يكنْ ذكورٌ فللعصبة.

____________

(1) الروضة البهية 8: 183 186.

(2) الشرائع 4: 30.

(3) المختصر النافع: 394.

(4) السرائر 3: 24.

(5) الروضة البهيّة 8: 186.

(6) الخلاف 4: 82/ مسألة 88.

25

و هو المنسوب للمفيد (1)، و محكيّ (الغُنية) (2)، و (الإصباح) (3)، لما مرَّ في صحيح محمّد بن قيس، و مكاتبة محمّد بن عمر، و حَسَنِ بُرَيْدِ العِجْلِي أو صحيحه.

و قد عرفت أنَّه لا إطلاق فيها للرجل و المرأة؛ لظهورها في كون المُنْعِم من الذكور، فلا تنطبق إلّا علىٰ المشهور.

و خامسها: أنَّ وارثَ الولاء وارثُ المالِ مطلقاً، فتشتركُ جميعُ قرابةِ المُنْعِم، حتّى قرابة الأُمّ، و يترتّبون في الإرث على حسب مراتبهم في النسب، سواء كان المُنْعِم رجلًا أو امرأة.

و هو المحكيّ عن ابن أبي عقيل (4)، و له الأخبار التي مرّت مع الجواب عنها في تلك المقامات.

و سادسها: أنّ النساءَ لا يرِثْنَ من الولاءِ شيئاً.

و هو منقولٌ عن ابن الجنيد (5). و يُعرفُ دليله و الجواب عنه من الأدلّة السابقة و الجواب عنها.

و هذا القولُ أضعفُ الأقوال، و لعلّ هذا هو الوجه في تخميسها كما في (الرياض) (6) دون تسديسها كما في (الميراثيّة اليوسفيّة) (7)، أو رجوع بعض الأقوال للآخر، إذ مناطُ الاختلاف هنا الاختلاف في أنّ المرأة إذا لم تباشرِ العتق هل ترثُ الولاء، أم لا؟

فعن (المقنعة) (8) و (النهاية) (9) و (الإيجاز) (10) و (الغُنية) (11) و (الوسيلة) (12)

____________

(1) المقنعة: 694.

(2) الغنية (ضمن الجوامع الفقهيّة): 545.

(3) إصباح الشيعة (ضمن الينابيع الفقهية) 22: 299، عنه في الجواهر 39: 233.

(4) عنه في السرائر 3: 245.

(5) عنه في المختلف 80: 77، فتاوىٰ ابن الجنيد: 292.

(6) الرياض 9: 152.

(7) الرسالة المحمّديّة في أحكام الميراث الأبديّة (مخطوط): 230.

(8) المقنعة: 694.

(9) النهاية: 547، 670، النهاية و نكتها 3: 27.

(10) الإيجاز (ضمن الرسائل العشر): 277، عنه في السرائر 3: 24.

(11) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 545.

(12) الوسيلة: 344.

26

و (الإصباح) (1) و (الجامع) (2)، الثاني.

و عن الصدوق (3)، و الحسن (4)، و الحلّي (5)، الأوّل.

فيرجع قولان لقولٍ واحدٍ في الجملة و إنْ خالف أحدهما الآخر في بعض الأحوال. و لعلّه لهذا لم يذكرا كلاهما إلّا القولين الأوّلين.

و هذه الأقوالُ قد اعتمدتُ فيها على الأنقال، لعدم التمكّن من المراجعة؛ لعدم حضور الكتب التي تكون فيها هذه الأقوال مودعة.

إذا عرفت هذا ..

فعلى الفرق بين الرجل و المرأة: متى فُقِدَ المُنْعِم و كان رجلًا اشترك في ميراثه الآباء و الأولاد، ثم الجدّ للأب و الأخ له أيضاً و إنْ تقرّبَ بالأب وحده، ثمّ الأعمام علىٰ حسب ترتّبهم في المراتب الثلاث النسبيّة للعمومات، خرجتْ الإناث و مَنْ تقرّب بهن على المشهور، فبقي الباقي.

و عن ابن الجنيد تقديمه الولد علىٰ الأبوين، و الجدّ علىٰ الأخ (6).

و هو شاذ مخالفٌ للمشهور المنصور. و ما لعلّه استند إليه من صحيح العجلي أو حسنِهِ لقوله: «لجميع ولد الميّت». قد مرَّ الجواب عنه، فلا يصلح التعويل عليه.

أمّا إرثُ الأولادِ الذكورِ، فالإجماع بقسميه عليه غير منكور، و إِنّما الإشكالُ و الخلاف في أُمور:

الأوّلُ: أولاد الأولاد، هل يشترط فيهم الذكوريّة كآبائهم، أم يشتركون مطلقاً؟

نُسِبَ لظاهر الأصحاب الثاني؛ بناءً على عدم دخول أولاد الأولاد في إطلاق الأولاد، و على أنَّ ولد الولد أنّما يرث ما يرثه أبوه و لا يعتبر مستقلا. و مَنْ خالف في‌

____________

(1) الإصباح (ضمن الينابيع الفقهية) 22: 299.

(2) الجامع للشرائع: 405.

(3) الفقيه 4: 224.

(4) عنه في السرائر 3: 24، 245.

(5) السرائر 3: 24، 246.

(6) عنه في المختلف 8: 83 84، فتاوىٰ ابن الجنيد: 292، الرسالة المحمدية في أحكام الميراث الأبدية (مخطوط): 231.

27

كلا القولين خالفَ في هذين الحكمين.

الثاني: إنّ الذي يشترك مع الأولاد الذكور مطلقاً الأبوان جميعاً، أم خصوص الأب؟

نُسب للمشهور الأوّل، كما هو ظاهر المحدِّث المنصف المحقّق الشيخ يوسف (رحمه الله) (1)، و فاضل (الرياض) (2).

و يظهر من شهيد (الروضة) (3) الاختصاصُ بالأب.

و الظاهرُ أنّ الحكمَ فيها يختلف باختلاف الأقوال السابقة، و أنّ الشهرة فيها ليست محقّقة.

و قد يستظهر خلافه من مكاتبة محمّد بن عمر، و خبر بُرَيْدِ، إلَّا إنَّ القدر المتيقَّن منهما اختصاصُ الذكور حال اجتماعِ الأولاد ذكوراً و إناثاً، لا مطلقاً، فتبقىٰ إطلاقات أدلّة الإرث و خبر: «اللُّحمة ..» و «يرثُ الولاءَ مَنْ يرثُ المالَ» سالمةً من المقيِّد، فينتفي الإشكال.

الثالث: هل ترثُ الأخواتُ و الجدّاتُ و العمّاتُ، أم لا؟، وجهان، بل قولان.

لعلّ أشهرهما عدمُ إرثهنّ، كما قد يستظهرُ من مكاتبة محمّد بن عمر، و خبر بريد؛ لقوله في الأوّل: «هو للرجال دونَ النساء»، و في الثانية: «لجميعِ وُلْدِ الميّت من الرجال».

بل يظهرُ منهما أيضاً منعُ مَنْ يَتقرّبُ بالأُمّ من الإخوة و الأخواتِ و الأخوال و الخالات و الأجداد و الجدّات؛ لدلالتهما علىٰ اختصاص الإرث بالذكور دون الإناث، بل الذكور المتقرّبون بهنّ في عدم الإرث مثلُهن.

و الوجهُ فيه ظاهرٌ بعد البناء علىٰ أخبار الاختصاص بالعصبات، و عدم إرث النساء للولاء في غير مباشرة العتق في جميع الطبقات، و رفع اليد بها عن تلك الإطلاقات، و إلّا فلا يخلو من إشكال، و اللّٰه العالم بحقيقة الحال.

و إنْ كان المُنْعِمُ امرأةً مع فقدها يختصّ الإرثُ بعصبتها دون الأولاد؛ لما في‌

____________

(1) الرسالة المحمّديّة في أحكام الميراث الأبديّة (مخطوط): 231.

(2) رياض المسائل 9: 155.

(3) الروضة البهيّة 8: 187.

28

صحيح محمد بن قيس: «فألحق ولاءَها لعصبتها الذين يعقلون عنها دون ولدها». و مثلُه صحيحا يعقوب بن شعيب و أبي ولّاد السابقان.

و بالجملة، فلا إشكالَ في منع ولدها و الحرمان.

أمّا الأب: فأحتمل في (الجواهر) أوّلًا إرثه؛ لعدمِ الدليل على نفيه، ثم قال: (إلّا إنّ قوله: «بني أبيها» و قرابتها «من قِبَلِ أبيها» ينفيه أيضاً، بل قوله (عليه السلام): «عصبتها» كذلك أيضاً، بناءً على عدم كون الأب منها).

ثم قال: (إلَّا إنّه يبعده إرث المتقرّب به كالأخ و العمّ دونه، فيمكن إرادة الأب و مَنْ يتقرّب به من النصوص، و يقتصر في الخارج على الأولاد) (1) .. إلىٰ آخره.

و ظاهره تقويةُ دخولِ الأبِ في ميراثها.

معنىٰ العَصَبَة

و تحقيق المقام هنا، و في المسألةِ السابقة يتوقّفُ على تحقيقِ معنىٰ العَصَبَة، و العاقلة، و أنّهما متّحدان، أم غيران، و أنّ الآباء و الأولاد داخلون في العَصْب و العَقْل معاً، أو في العَصْب دون العقل، أو بالعكس.

و كلماتُ الفقهاءِ و اللغويّين في هذا الباب لا تخلو من تشويشٍ و اضطراب:

ففي (مجمع البحرين) في (عصب): (و عَصَبَةُ الرجل بالتحريك جمع عاصب، ككَفَرَة جمع كافر، و هم بنوه و قرابتهُ لأبيه، و الجمع العصائب. قال الجوهري: و إنَّما سُمُّوا عَصَبة لأنّهم عصبوا به، أي: أحاطوا به، فالأب طرفٌ، و الابن طرفٌ، و الأخ جانبٌ، و العمّ جانبٌ) (2) انتهىٰ.

و في (عقل): (و العاقلة: التي تحمل ديةَ الخطأ، و هم مَنْ تقرّب إلى القاتل بالأب، كالإخوة و الأعمام و أولادهما و إنْ لم يكونوا وارثين في الحال. و قيل: مَنْ يرثُ ديةَ القاتل لو قتل، و لا يلزم مَنْ لا يرث مِنْ ديته شيئاً. و قيل: هم المستحقّون لميراث القاتل‌

____________

(1) جواهر الكلام 39: 237 238.

(2) مجمع البحرين 2: 122 عصب، و فيه: (و الجمع: العصاب)، الصحاح (الجوهري) 1: 182 عصب.

29

من الرجال العقلاء مِنْ قِبَل أبيه و أمّه) (1).

و هو ظاهرٌ في المخالفة بين معنى: العَصَبة، و العاقلة، بالأقوال الثلاثة.

و في (القاموس) في (عصب): (و العَصَبَةُ محرّكة-: الذين يرثون الرجل عن كلالة من غير والد و لا ولد، فأمّا في الفرائض كلُّ مَنْ لم يكنْ له فريضةٌ مسمّاة فهو عصبة، إنْ بقي شي‌ءٌ أَخذ. و قوم الرجل: الذين يتعصّبون له) (2) انتهى.

و في (عقل): (و عاقلةُ الرجلِ: عَصَبَتُهُ) (3) انتهىٰ.

و هو ظاهرٌ في ترادفهما.

و في (مختصر الصحاح) في (عصب): (عَصَبَةُ الرجل بنوه و قرابته لأبيه) (4)، ثمّ علّل تسميته العصبة بما نقله عنه في (المجمع).

و في (عقل): (و عاقلة الرجل: عَصَبَتُهُ، و هم القرابة من الأب الذين يعطون دية مَنْ قتله خطأ. و قال أهلُ العراق: هم أهل الدواوين) (5) انتهىٰ.

و هو و إنْ فسّر العاقلة بالعَصَبَة، إِلَّا إنَّ كلامه في (عَصَبَ) مخالفٌ لكلامه في (عَقَلَ)؛ لتفسيره هنا العاقلة و العصبة بالقرابة من الأب، فيخرج عنهما الأب و الابن، و في (عصب) فسّر العصبة بالبنين و القرابة للأب، فيدخل فيهما الابن خاصّة.

و في (الغريبين): (و في الحديث: قضىٰ بدية شبه العمد على العاقلة. أي: على العَصَبَةِ، و هم: القرابة مِنْ قبل الأب). انتهى.

و هو ظاهرٌ في ترادف العَصَبَة و العاقلة، و في اختصاصهما بالقرابة من قبل الأب، فيخرج منهما الأب و الابن.

و في (النهاية الأثيريّة) في (عصب): (و العَصَبَة: الأقارب من جهة الأب؛ لأنّهم‌

____________

(1) مجمع البحرين 5: 427 عقل.

(2) القاموس المحيط 1: 256 باب الباء/ فصل العين.

(3) القاموس المحيط 4: 28 باب اللام/ فصل العين.

(4) مختار الصحاح: 435 عصب.

(5) مختار الصحاح: 447 عقل.

30

يعصبونه و يعتصب بهم، أي: يحيطون به و يشتدُّ بهم) (1).

و في (عقل): (و العاقلة: هم العَصَبَة و الأقارب من قبل الأب الذين يعطون دية قتيل الخطأ) (2). انتهىٰ.

و هو ظاهرٌ أيضاً في ترادف العَصَبَة و العاقلة، و في اختصاصهما بالقرابة من قبل الأب، فيخرج منهما الأب و الابن.

و ظاهر أكثر ما هو مذكور موافقٌ لما نسب للمشهور، من أنَّ العَصَبَة غير الأبوين و الأولاد ممّن تقرّب بالأبوين أو بالأب، كالإخوة و أولادهم و إنْ نزلوا، و العمومة و أولادهم كذلك، و الأجداد و إنْ علوا.

بل في (كشف اللثام): إنَّه المعروف من معناها.

و في (الرياض) (3) و (الجواهر) (4) نقلًا عن (السرائر) (5) (6) في معنى (العَصَبة): إنّهم العصبات من الرجال، سواء كان وارثاً أو غير وارث، الأقرب فالأقرب، و يدخل فيها الوالدُ و الولد. و قال: إجماع أصحابنا منعقد على أنَّ العاقلة جماعةُ الورّاث من الرجال دون مَنْ يتقرّب بالأمّ.

ثمّ استظهرا منه رجوع تفسيره للعصبة بالمعنى المذكور لتفسير المشهور. و ردّاً على مَنْ زعم مخالفة قولِهِ لقولِهِم و عدَّه قولًا آخر. و لعلّه تعريضٌ بكاشف اللّثام.

و الإنصافُ مغايرة تفسيرِهِ لتفسيرهم (الجماعة)؛ لظهور تفسيرهم في خروج الآباء و الأولادِ منها، و ظهور تفسيره في دخولهم، مضافاً إلى نقلهما عنه التصريح به و إنْ‌

____________

(1) النهاية (ابن الأثير) 3: 245.

(2) النهاية (ابن الأثير) 3: 278.

(3) رياض المسائل 10: 548 549.

(4) الجواهر 43: 416.

(5) السرائر 3: 331، 332.

(6) قد وقفت بعد إتمام هذا الجواب على كتاب (السرائر)، فوجدت عبارته صريحةً في أن خروج الوالدين و المولودين من العاقلة و العصبة إنّما هو قول الشيخ في (الخلاف)، تبع فيه الشافعي، من غير استدلال عليه بإجماع طائفتنا و لا أخبارهم، بل ذكر أخبار آحاد من طريق المخالفين استدلّ بها الشافعي، و أن باقي أصحابنا علىٰ خلافه. و للمناقشة فيه مجال، و اللّٰه العالم بحقيقة الحال. «منه وفقه اللّٰه تعالى». [انظر السرائر: 3: 332].

31

شاركهم في إخراج المتقرِّب بالأمّ.

اللّهمَّ إلّا أنْ يريد دخولهم في العاقلة دون العَصَبة بدليل الإجماع و إنْ خرجوا عن العصبة بالمعنى اللغوي.

نعم، صرّح بدخولهم فيهما نجيب الدين يحيى بن سعيد في (الجامع) (1)، حيث عرَّف العصبة بالآباء و الأولاد و مَنْ تفرَّع عنهما من الذكور العقلاء.

و هو خلافُ ما في (القاموس) بالمعنى الأوّل، و (الغريبين)، و (النهاية) و (مختصر الصحاح) في (عقل).

كما أنَّ ما فيها خلاف ما في (المجمع)، و (الصحاح)، و مختصره في (عَصَب)، من تفسيرها بالبنين و القرابة للأب.

مع أنَّ ما في (المجمع) و (الصحاح) لا يوافق ما في (السرائر) و (الجامع)؛ إذْ قصارىٰ ما فيهما دخول البنين في العَصَبَة.

أمَّا استفادةُ دخول الآباء فيها منهما كما يظهر من فاضلي (الرياض) و (الجواهر)، مستدلّين بتعليلهما تسمية العصبة بأنّهم عصبوا به، أي: أحاطوا به، فالأب طرف، و الابن طرف .. إلىٰ آخره فغيرُ ظاهرة:

أمَّا أوَّلًا؛ فلأنَّ مقتضىٰ قاعدة انحصار المبتدأ في الخبر انحصارُ العصبة في البنين و القرابة المخصوصين.

و أمّا ثانياً؛ فلأنَّ قصارىٰ تعليل التسمية مشابهتهم للأب في الإحاطة، و أنَّهم يعتصبون، أي: يحيطون بالرجل، كما أنَّ الأب كذلك. و لا ريب في مغايرة المشبّه للمشبّه به؛ ضرورة مغايرة الأسد للشجاع، و إن عُلِّلَ تسمية الشجاع بالأسد بأنَّه مشابِهٌ له في الجرأةِ و القوّة على افتراس الفرسان كافتراس الأسدِ لسائر الحيوان.

و يستفاد من خبر حسين الرزّاز قال: أمرتُ مَنْ يسألُ أبا عبد اللّٰه (عليه السلام): المالُ لِمَنْ‌

____________

(1) الجامع للشرائع: 573.

32

هو، للأقرب أو العصبة؟ فقال: «المالُ للأقرب، و العصبة في فيه التراب» (1) خروجُ الأبوين و الأب من العصبة، إذ لا أقرب منهم في الأنساب، إلّا أنْ يُحمل على إرادة الأقرب فالأقرب مطلقاً و لو بالقرابة الإضافيّة لا الحقيقيّة.

و مثله أيضاً بعضُ الأخبار العاميّة، كالمرسل في امرأة رَمَتْ أُخرى حاملًا فأسقطت، ثمّ ماتت الرامية، فقضى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) بأنّ ميراثها لبنيها و زوجها، و العقل علىٰ عصبتها (2).

و الخبر الآخر: و امرأتين قتلت إحداهما الأُخرى، و كان لكلٍّ منهما زوجٌ و ولد، فبرَّأ النبي (صلى الله عليه و آله) الزوج و الولد، و جعل الدية على العاقلة (3).

و لعلَّ عدمَ التعرّض للأب للعلمِ بعدم وجوده، لا لدخوله.

ثمّ إنَّ الذي يظهر من كلمات الفقهاء أنّ منشأ الخلاف في دخول الآباء و الأولاد في العقل و خروجهم هو الخلاف في دخولهم في العصبة و عدمه، إلَّا إنّ ظاهرَ جماعة كالمحقّق (4) و غيره (5) حيث عرّفوا العصبة بمَنْ تقرّب بالأبوين أو الأب كالإخوة و أولادِهم، و العمومة و أولادهم، من غير نقل خلافٍ فيه، أو خلافٍ غير معتدٍّ به، ثمّ ذكروا الخلاف في دخول الآباء و الأبناء في العقل عدمُ الخلاف المعتدّ به في عدم دخول الآباء و الأولاد في العصبة، و إنَّما الخلافُ في دخولهم في العاقلة، و إنّ العصبة حينئذٍ أخصّ، فكلُّ عاقلةٍ عصبة، و لا كلُّ عصبة عاقلة.

و لعلَّه لذا خصّص الإرث بالولاء في صحيح محمّد بن قيس الوارد في عتق المرأة بعصبتها الذين يعقلون عنها دون ولدها (6). و في صحيحه الآخر الوارد في عتق الرجل بعصبته الذين يعقلون عنه، إذا حدث يكون فيه عقل (7).

____________

(1) الكافي 7: 75/ 1، الوسائل 26: 64، أبواب موجبات الإرث، ب 1، ح 3، و فيه أيضاً: 85، أبواب موجبات الإرث، ب 8، ح 1.

(2) السنن الكبرى 8: 185 186/ 16372. بالمعنى.

(3) السنن الكبرى 8: 185/ 16371، غوالي اللئلئ 3: 666/ 158.

(4) الشرائع: 4: 271، المختصر النافع: 476.

(5) القواعد (العلّامة) 2: 342.

(6) التهذيب 8: 253/ 921، الوسائل 23: 70 كتاب العتق، ب 39، ح 1. بالمعنى.

(7) التهذيب 8: 254/ 923، الوسائل 23: 71، كتاب العتق، ب 40، ح 1. بالمعنى.

33

و حينئذٍ، فلا يلزم من دخولهم في العقل دخولهم في العصبة، بناءً على أنّ الأصل في الصفة وضعُها للتخصيص كما هو المشهور، لا الكشف و التوضيح كما عن الأخفش؛ لمنع الظهور، و معارضته بنقل الجمهور.

إذا عرفت هذا ..

فاعلم أنَّ ما قوّاه في (الجواهر) أنَّما يتم على تفسير (الجامع) و (السرائر) من دخول الأب في العصبة، مع أنَّه لم يرتضه ظاهراً و إنْ مال إلى دخوله في العقل، إلّا أن يتمَّ الإجماع على الترادف أو التلازم و عدم الفرق.

أمَّا علىٰ المشهور بين الفقهاء و اللغويّين من خروجهم عن العصبة، فلا.

نعم، يتّحد على تفسيرها بغير المشهور، كمَنْ يرث دية القاتل لو قتل كما عن (النهاية) (1) و (الغنية) (2) و (الإصباح) (3) أو: المستحقّين لميراث القاتل من الرجال العقلاء، مع أنَّه لم يرتضهما. مضافاً لمنافاته لقوله أوَّلًا: و احتمال أنَّ الأولاد و الأب منها يعني به: من العصبة منافٍ لما تقدّم من الفرق بينهما، و بين الرجل بذلك.

و أمّا استشكاله (رحمه الله) إخراج الأب و الأولاد بأنَّه يبعده إرث المتقرّب به، كالأخ و العم دونه ففي غير محلّه بعد قيام الدليل عنده على اختصاص الولاء بالعصبة، و نصّ أكثر اللغويّين و أكثر الفقهاء على خروج الأب وحده، أو خروجه مع الأولاد منها، و قيام الدليل على دخول مَنْ يتقرَّب بالأب مِن الأخوة و الأعمام فيها. و اللّٰه العالم.

و أمَّا الأم فظاهر الأخبار السابقة حرمانها، خصوصاً المكاتبة (4)؛ لاشتمالها على اختصاص الإرث بالولاء بالذكور دون الإناث، و لذا حرمت منه البنات.

بل لعلّ في حرمانهن إيماءً إلى حرمانها، قضاءً لحقّ الفرعيَّة و الأصليَّة.

____________

(1) النهاية (الطوسي): 737، عنه في الجواهر 43: 417.

(2) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 558، عنه في الجواهر 43: 417.

(3) إصباح الشيعة (ضمن سلسلة الينابيع الفقهية) 24: 289، عنه في الجواهر 43: 417.

(4) انظر: الوسائل 26: 239، أبواب ميراث ولاء العتق، ب 1، ح 18.

34

و أمَّا الخبرُ المرسل، و خبر «اللُّحمة ..»، فقد مرَّ الجوابُ عنهما، و عدم الصلاحيَّة للاستدلال بهما، مع معارضتهما بما هو أقوى منهما.

و ادّعىٰ في (الرياض) (1) شهرة ميراثها.

و ناقشه في (الجواهر) (2): أوّلًا: بعدم تحقّقها. و ثانياً: بعدم حجّيتها.

و هو كذلك؛ لما سمعت من نصّ اللغويّين على خروجها من العصبة و العاقلة، و لقلّة القائلين بإرث الإناث للولاء في غيره هنالك، و اللّٰه العالم بذلك.

هذا كلّه مع وجود القرابة للمُنْعِم، و أمّا مع عدمها فيرثهُ مولى المولى مع وجوده؛ لأنَّه هو المُنْعِم بالأصل، فإنْ لم يوجدْ فقرابة مولى المولى لأبيه دون امّه على حسب ما مرَّ في المشهور من إرث المولى من إرث الأب و الأولاد، ثمّ الإخوة للأب و الجدّ له، ثمّ الأعمام في الرجل. و انحصار الإرث في العصبة في المرأة لظاهر خبر الحسين بن سعيد الأهوازي، المرويّ في (الكافي): كتبتُ إلى أبي جعفر (عليه السلام): الرجلُ يموتُ، و لا وارثَ له إلّا مواليه الذين أعتقوه، هل يرثونه؟ وَ لِمَنْ ميراثه؟ فكتب (عليه السلام): «لمولاه الأعلى» (3)، بناءً علىٰ أنّ المراد به مولى المولى.

و عن الكاشاني تفسيره بأنّه (إذا ترتّب المعتقون، بأن أعتق رجلٌ عبداً، ثمّ أعتق العبدُ المعتق عبداً، و هكذا ..، ثمّ مات العبدُ المعتَق الأخير، فميراثه لمولى الأوّل) (4).

و لعلّه خلافُ الظاهر؛ لصدق أنَّ مولى المولى مولى و إنْ كانَ بواسطةٍ، فمع عدم القريب الحاجب يكون كالقريب، بخلاف معتِق العبد الثاني أو الثالث أو الرابع فإنّه لا يصدق عليه أنَّه مولاه الأعلى، بل ينحصر ميراث العبد المعتَق الأخير في مباشرة عتقه، لأنَّه القريب الأدنى، لا المولى الأعلى.

و لو وجد مولى المولى و معتق الأب، ففي (الجواهر): (إنَّ الإجماع محقّقٌ على الظاهر على تقديم مولى المولى؛ لكونه من مباشري العتق الذين لهم الولاء، بخلاف‌

____________

(1) رياض المسائل 9: 155.

(2) الجواهر 39: 239.

(3) الكافي:، التهذيب 8: 257/ 934، الوسائل 23: 62، كتاب العتق، ب 35، ح 4.

(4) الوافي 25: 939، عنه في الجواهر 39: 241.

35

مُعتِق الأب) (1).

قلت: إنْ تمَّ الإجماعُ فحسنٌ، و كفى به ناقلًا و محصِّلًا و إنْ لم يكن المحصَّل حجّةً علىٰ غير محصِّلِه.

و لا ينافيه ما مرّ في صحيح العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): عن رجلٍ اشترىٰ عبداً، له أولادٌ مِنْ امرأة حرّة، فأعتقه؟ قال: «ولاء ولده لِمَنْ أعتقه» (2).

و في صحيح ابن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): في مكاتبٍ اشتُرط عليه ولاؤه إذا أُعتق، فنكح وليدةً لرجل آخر، فولدت له ولداً، فحرّر ولده، ثمّ تُوفي المكاتب، فورثه ولده، فاختلفوا في ولده مَنْ يرثه؟ قال: «فألحق ولده بموالي أبيه» (3) .. إلىٰ آخره.

لظهورهما في الخروج عن مورد النزاع، و إلّا ففي الخروج عن ظاهرهما إشكال، مع تعاضدهما ببعض الأخبار.

أمَّا لو عدم مولى المولى، فلمعتق الأب؛ لظاهر هذه الآثار، مع كونه أقرب الناس في الأنعام.

و لا ينافيه ما في خبر الحسن بن مسلم (4)، و بكر بن محمّد (5)، عن الصادق (عليه السلام): من نفي المولويّة عمّن جرى العتق على أبيه دونه، و أنه حينئذٍ أخٌ، أو ابنُ عمٍّ.

لأنَّ صحّة نفي المولويّة عنه بمعنى كونه معتقاً بنفسه لا يستلزم نفي الولاء عنه؛ لعدمِ التلازم بينهما، مع ضعف الخبرين في نفسهما.

فإنْ عُدِموا أجمع، فلضامن الجريرة، ثمّ للإمام (عليه السلام).

و حكىٰ في (الجواهر) (6) عن المحقِّق و غيره الاقتصار علىٰ مولى المولى، و أنَّه مع‌

____________

(1) الجواهر الكلام 39: 241.

(2) التهذيب 8: 250/ 910، الوسائل 23: 66، كتاب العتق، ب 38، ح 1.

(3) التهذيب 8: 251/ 912، الإستبصار 4: 21/ 68، الوسائل 23: 66، كتاب العتق، ب 39، ح 3.

(4) الوسائل 23: 68، كتاب العتق، ب 38، ح 9.

(5) الوسائل 23: 69، كتاب العتق، ب 38، ح 12.

(6) جواهر الكلام 39: 241.

36

عدمه فلضامن الجريرة، أو الإمام (عليه السلام).

و هو غير متّجه مع قيام الدليل، و ما نقله عنهم من التعليل عليل، و اللّٰهُ يقول الحقَّ و هو يهدي السبيل.

الولاء موروث أم لا؟

ثمّ اعلم أنّ العلماء بعد إجماعهم على كون الولاء موروثاً به، اختلفوا في كونه موروثاً أم لا على قولين: أشهرهما بل و أظهرهما الثاني.

و عن الشيخ (رحمه الله) نفي الخلاف فيه تارةً، و دعوى الإجماع عليه أُخرى (1).

و عبارة (الخلاف) (2) صريحةٌ في الإجماع؛ للأصل السالم عن الناقل، و كونه كما في الخبر: «.. لُحمةٌ كلُحمة النسب لا يباع و لا يوهب» (3). فكما لا يقبلهما، فكذا ما يشبههما؛ و لخبر العيص الوارد في عتق بريرة، الدالّ على عدم جواز شرطه في البيع، حيث إن أهلها شرطوا ولاءها، فقال النبيّ (صلى الله عليه و آله): «الولاء لِمنْ أعتق» (4)، و أبطل شرطهم، و لما مرّ في بعض الأخبار مِنْ ثبوته في العتق عن الميّت الذي أوصىٰ بالعتق، لعدم تصوّر الإرثِ للحاصل بعد الموت.

و كونُه كصيدِ الشبكة و الديةِ بعد الموت كالقياس مع الفارق، و عدم تصوّر انتقال حقّ النعمة الحاصل للمُنعِم لغيره.

و صرَّح في (الرياض) (5) بنسبة الأوّل لظاهر المحقّق و جماعةٍ، مستظهراً له من خبر بُرَيْدِ العِجْلِي السابق الظاهر في إرادةِ الانتقال كالميراث من المورث، و الأخبار السابقة المتضمِّنة لكون الولاء للعصبة في المرأةِ الظاهرة في الأعمّيَّة من كونه موروثاً أو موروثاً به.

و لذا قال في (الجواهر) (6): إنّه لم يصرِّح به غيره.

____________

(1) عنه في الجواهر 39: 236.

(2) الخلاف 4: 79 80.

(3) التهذيب 8: 255/ 926.

(4) التهذيب 8: 250/ 907.

(5) رياض المسائل 9: 155.

(6) الجواهر 39: 237، بالمعنى.

37

بل التأمُّل في عبارته يعطي عدم الجزم به و إنْ استظهر دلالة تلك الأخبار عليه، إلّا إنّ عبارة المحقّق المنصف الشيخ يوسف (1)، و فاضل (الرياض) (2) ظاهرةٌ في نسبته لجماعة، محتجّين بأنَّه من الحقوق المتروكة، فكان داخلًا تحت عموم الإرث.

و فيه: أوَّلًا: منع كونه من الحقوق، بل الظاهر كونُه من الأحكام الشرعيّة اللَّابُدِّيَّة.

و ثانياً: إنَّ مجرّد كونه حقّا لو سُلِّم لا يستلزم كونه موروثاً؛ لما مرَّ من عدم كونه من الحقوق القابلة للانتقال و النَّقل، و هي التي لا يكون وجود ذات الشخص مقوّماً لها كحقّ الجلوس في المساجد، و المدارس، و الرِّباط، و الأسواق، و حقِّ التولية، و النظارة، و حقِّ الخيار المجعول لأجنبي من المتعاقدين لتقوّم الحق فيها بذيها، فلا تنتقل لغيره إجماعاً، و الّا لصحّ بيعُه و هبته و أخذُ عوضِه، و اللازم باطلٌ، فكذا الملزوم.

ثمرة الخلاف

و تظهرُ ثمرة الخلاف في مواضع:

كما لو مات المُنْعِم قبل العتيق و خلّف وارثاً غير وارث يوم موت العتيق كابنٍ و ابن ابن، ثمّ مات الابنُ قبل العتيق و ترك ابناً ثمّ مات العتيق، فإنَّ ابني الابنين يتساويان في الإرث على المشهور، و يختص الإرث بولد مَنْ كان حيّاً على القول الآخر.

و كما لو مات المُنْعِم قبل العتيق عن ولدين لأحدهما أولاد، ثمّ مات الولد الذي له الأولاد، ثمّ مات العتيق. فعلى المشهور: يختص ميراثه بالحيِّ من الولدين؛ لأنَّه أقرب من ولد الولد؛ لعدم انتقال حقّ المُنْعِم لأولاد أولاده، و أقربُ الورثة للمُنْعِم يوم موت العتيق ولدُ الصلب، فيختصُّ بالإرث. و على القول الآخر: يشاركه أولاد الولد الميّت بالمناصفة، إذ بموت المُنْعِم انتقل حقُّ المُنْعِم منه إلى ولديه بالسويّة كغيره من الأولاد و الحقوق، فبعد موت ذي الأولاد انتقلَ حقُّه إلى أولاده، فيتناصفون بعد‌

____________

(1) الرسالة المحمدية في أحكام الميراث الأبدية (مخطوط): 231.

(2) رياض المسائل 9: 155.

38

موت العتيق.

و كما لو مات المُنْعِم عن أخٍ من أب و ابنِ أخ للأبوين، فمات الأخ للأب عن ابنٍ قبل العتيق، ثمّ مات العتيق. فمالُ العتيق لابن الأخ للأبوين خاصّة على المشهور. و لابن الأخ للأب خاصّة على القول الآخر. و الوجه فيه ظاهرٌ، و اللّٰه العالم بالسرائر.

هذا ما اقتضاه الحال من الفروع المهمّة في السؤال، و بقيت فروعٌ كثيرةٌ أعرضنا عنها لمزيد الاستعجال، و طول الإمهال، و ضيق المجال. و اللّٰه الموفّق لنيل الآمال.

39

الرسالة السادسة و العشرون ميراث الجدّة مع الأُخت

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

ميراث الجدّة مع الأُخت ثمّ قال سلّمه اللّٰه ذو الجلال-: (هل تُعطىٰ الجدّة مع الأخت من الأب و الأبوين السدس، أم الثلث على اختيار الشيخ محمّد طه نجف (1)؟).

أقول و منه سبحانه التوفيق لبلوغ السؤل-: اعلم أنّه إذا اجتمعت الإخوة مع الأجداد، فالمعروف بين الأصحاب الأمجادِ، و به استفاضت بل تواترت أخبارُ الأئمّة الهداة (2)، و تكثّرت به حكاية الإجماعات (3)، هو تنزيل الجدِّ للأب كالأخ له أو للأبوين، و الجدّة له كالأخت لها أو لهما، و الجدّ للأُمّ كالأخ لها، و الجدّة لها كالأخت لها.

و إذا اجتمع الجدُّ و الجدّة للأُمّ مع الإخوة للأبوين أو الأب، فلهما الثلث بالسويّة.

كما أنّه لو اجتمع معهما إخوة للأُمّ و إخوة للأَبوين أو الأب، اشتركت كلالة الأم من الإخوة و الأجداد بالسويّة، و اقتسم المتقرّبون من الإخوة و الأجداد بغير الأُمّ بالتفاضل.

نعم، عن مقنع الصدوق (رحمه الله): (إنْ ترك أُختاً لأب و أُمّ و جدّاً، فللأخت النصف، و للجدّ النصف؛ فإنْ ترك أُختين لأب و أُمّ أو لأب، و جدّاً، فللأُختين الثلثان، و ما بقي‌

____________

(1) عالم محقّق، فقيه أُصولي (1241 1323 ه‍)، له (إتقان المقال في أحوال الرجال). راجع: أعيان الشيعة 9: 375.

(2) انظر: الوسائل 26: 164، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 6.

(3) الكافي 7: 115، الاستبصار 4: 158، كنز العرفان 2: 334 335، رياض المسائل 9: 105.

42

فللجدّ) (1).

و له خبر أبي الصباح الكناني، و زيد الشحّام، و الحلبي، و أبي بصير، كلّهم عن الصادق (عليه السلام)، أنّه قال في الأخوات مع الجدّ-: «إنَّ لهن فريضتهن، إنْ كانت واحدةً فلها النصف، و إن كانتا اثنتين أو أكثر مِنْ ذلك فلهنّ أو فلهما الثلثان، و ما بقي فللجدِّ» (2)، إلا إنَّها محمولةٌ علىٰ التقيّة.

و أمَّا ما في (الجواهر) (3) من إضافة الحمل علىٰ الجدّ للأُمّ فغير ظاهر.

و عن الفاضل السبزواري في كفايته بعد الاستدلالِ ببعضِ الأخبار مناقشته في دلالتها على جميع ما ذكره علماؤنا الأبرار من جعل الأجداد مطلقاً كالإخوة مطلقاً-: ب‍ «أنّها إنَّما تدلُّ على حكم الجدّ للأب كما هو الظاهر منها مع الأخ من قِبَلِ الأبوين أو الأب، أو مع الأخت كذلك، أو مع الإخوة و الأخوات كذلك. و لا دلالة فيها على غير ذلك) (4).

و قال المحقّق المنصف الشيخ يوسف: (ما ذكره متّجه بالنسبة للأَخبار التي نقلها ثمة، و منها الخبران المذكوران هنا مشيراً لما في صحيح الفضلاء (5) عن أحدهما (عليه السلام): «إنَّ الجدَّ مع الإخوة من الأب، يصير مثل واحد من الإخوة ما بلغوا» (6) .. إلىٰ آخره. و ما في صحيح زرارة، عن الصادق (عليه السلام): في رجل ترك أخاه لأبيه و أُمِّه و جدّه، قال: «المالُ بينهما» (7) .. إلىٰ آخره قال: لكن هنا أخبارٌ لعلّها هي المستند في عموم الحكم للأجداد من الأُمّ مع الإخوة لها، كموثّقة أبي بصير، قال: سمعتُ أبا عبد‌

____________

(1) المقنع: 498 499.

(2) التهذيب 9: 306/ 1091، الوسائل 26: 169، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 6، ح 17.

(3) الجواهر 39: 158.

(4) كفاية الأحكام: 299.

(5) المراد بالفضلاء: زرارة و بكير ابنا أعين، و محمّد بن مسلم الثقفي، و بريد بن معاوية العجلي، و الفضيل بن يسار. «منه وفقه اللّٰه تعالى».

(6) الكافي 7: 109/ 2، الوسائل 26: 165، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 6، ح 9.

(7) الكافي 7: 110/ 8، الوسائل 26: 167، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 6، ح 13.

43

اللّٰه (عليه السلام) يقول في ستّة إخوة و جدّ، قال: «للجدّ السبع» (1). و صحيحته أيضاً، عنه (عليه السلام): في رجل مات و ترك ستّة إخوة و جدّاً. قال: «هو كأحدهم» (2). و روايته أيضاً عنه (عليه السلام): في رجل ترك خمسة إخوة و جدّاً، قال: «هي من ستّة، لكلِّ واحدٍ منهم سهم» (3).

فإنّ إطلاق الجدّ و الإخوة فيها شاملٌ للمتقرّبين بالأُمّ، كما لا يخفى) (4).

قلت: ما ذكره من اتّجاه المناقشة بالنسبة للخبرين المذكورين لا يخلو من نظر و رَيْن؛ لإطلاق الجدّ فيهما، و عدم الدلالة على كون الجدّ المذكور فيهما منتسباً بالأب كغيرهما، إلّا أنْ يتمّ الدليلُ على كون القيد المذكور بعد الإخوة قيداً للجميع. و فيه ما فيه.

كما أنَّ الظاهر من إطلاق تنزيل الجدّ منزلة الأخ، و الجدّة منزلة الأخت سيَّما إطلاقهم في ردّ احتجاج القائلين: إنَّ للجدّ للأُمّ أو الجدّة لها السدس إذا انفردا؛ بإطلاق التنزيل المذكور بأنّ مورده اجتماع الإخوة و الأجداد، لا مطلقاً يقتضي قوّة القول المزبور.

إلّا إن جملةً من محقّقي المتأخّرين، كالمحقّق المنصف الشيخ يوسف (5)، و فاضل (الرياض)، و (الجواهر) صرّحوا بأنّ مراد الأصحاب بقولهم-: إذا اجتمع الأجداد و الإخوة، فالجدّ للأُمّ كالأخ لها، و الجدّة للأُمّ كالأخت لها، و الجدّ للأب كالأخ لهما، أو له هو ما إذا اجتمع الإخوة و الأجداد و اشتركوا في النسبة للأُمّ أو الأب، كأخ و أخت للأبوين أو الأب مع جدّ و جدَّة للأب، و أخ و أخت للأُمّ مع جدّ و جدّة للأُمّ، فإنّ للمتقرَّبين بالأُمّ في هذه الصورة من الإخوة و الأجداد الثلث بالسويّة، و للإخوة للأبوين و الجدّ للأب الثلثين بالتفاضل.

____________

(1) الكافي 7: 110/ 5، الوسائل 26: 168، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 6، ح 15.

(2) الفقيه 4: 207/ 697، الوسائل 26: 165، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 6، ح 7.

(3) الكافي 7: 110/ 6، الوسائل 26: 168، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 6، ح 16.

(4) الرسالة المحمّديّة في أحكام الميراث الأبديّة (مخطوط): 212 213.

(5) الرسالة المحمّديّة في أحكام الميراث الأبديّة (مخطوط): 213.

44

أمَّا لو اجتمعوا لكن اختلفت النسبة في بعضهم كجدٍّ أو جدّةٍ للأمّ و إخوة و أجداد للأب، خرج الفرض في ميراث الجدّ أو الجدّة للأُمّ عن هذا الموضوع، و رجع إلى ما تقرَّر في مسألة انفراد الأجداد عن الإخوة، من أنَّ لأحدهما الثلث على المشهور، أو السدس على غيرهِ. و أن التنزيل في مادّة الاجتماع مخصوصٌ بالاشتراك في الانتساب للأُمّ و الأب، لا مجرّد الاجتماع في الميراث.

بل ظاهر (الرياض) و (الجواهر) و (منظومة الحرّ) حكاية الإجماع، بل حصوله عليه، و أنّه هو العمدة في تلك التفاصيل.

قلت: و في استفادة هذا التخصيص من الأخبار و كلماتِ علمائنا الأخيار نظرٌ ظاهر و إنْ صرّح به غيرُ واحدٍ من الأكابر، فإِن تمَّ ذلك الإجماع، و إلّا فللمناقشة مجالٌ في غاية الاتّساع.

و لعلَّ الداعي لهم على ذلك منعُ الإطلاق، و أنّ ذلك التنزيل قضيّةٌ مهملة مفادها مطلق تشريك الأجداد في مقابلة قول بعض أهل العناد، كما يستفاد ذلك من بعض تلويحات الأئمّة الأمجاد، ففي خبر زرارة: أراني أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) صحيفةَ الفرائض، فإذا فيها: «لا ينقص الجدّ من السدس شيئاً»، و رأيتُ سهم الجدّ فيها مثبتاً (1).

فإن قوله: (و رأيتُ ..) إلىٰ آخره، تعريضٌ بالردّ على مَنْ يُسقِط سَهم الجدّ، كما أنّ ظاهره يدلّ على استحقاق الجدّ السدس في بعض أحواله، و أنّه لا ينقص عنه بحمله على كون الجدّ للأُمّ حال انفراده.

و أظهر منه في التقيّة خبر ابن عباس، أنَّه قال: كتب إليَّ عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) في ستّة إخوة، و جدّ: «أن اجْعَلْه كأحدهم، و امحُ كتابي» (2).

فجعله عليٌّ (عليه السلام) سابعاً. فإنّ قوله (عليه السلام): «و امح كتابي» ليس إلّا حذراً مِنْ تشنيع أهل الخلاف، بمخالفته (عليه السلام) لأولٰئك الأسلاف.

____________

(1) التهذيب 9: 306/ 1095، الوسائل 26: 170، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 6، ح 21.

(2) الفقيه: 208/ 706، الوسائل 26: 165، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 6، ح 8.

45

فيستفاد من تلك الأخبار بعد ضمّ بعضها إلى بعضٍ أنّ تشريك الإخوة مع الأجداد ليس على جهة الإطلاق، بل على جهة الإهمال، فالقدر المتيقّن صورة الاتّحاد في الانتساب، و يبقى الباقي على أصل الاستحقاق في صورة الانفراد.

إذا عرفت هذا ..

فالجدّة المذكورة في السؤال المجتمعة مع الأخت للأبوين أو الأب، إن كانت جدّة للأب شاركت الإخوة بالسويّة و إنْ كانت الأخت للأبوين.

و لا يلزم من تنزيلها منزلة الأخت حجب المتقرّب بالأبوين لها؛ لاختصاصهِ بما إذا كانا من صنفٍ واحد كالأخت للأب مع الأخت للأبوين، لا ما إذا كانا من صنفين؛ و لهذا كان الجدّ الأعلى يقاسم الإخوة و الأخوات و إنْ كانوا أقرب منه.

و هذا من شواهد عدم الإطلاق في ذلك التنزيل، كما لا يخفى على ذي تحصيل.

و إنْ كانت جدّةً لأُمّ فلها الثلث علىٰ المشهور، و السدس على القول الآخر، و للأخت للأبوين أو الأب النصف فرضاً بلا خلاف يُعرف.

و إنّما الخلافُ في أن الباقي هل يختص به الأخت للأبوين أو الأب، أم يرد عليهما أرباعاً كما لو اجتمع مع الأخت للأبوين أو الأب أختٌ للأُمّ في صورة الانفراد عن الأجداد؟ قولان:

أشهرهما: اختصاص الردّ بالمتقرّب بالأبوين أو الأب.

و قيل بالتفصيل بين المتقرّب بالأبوين، و بين المتقرّب بالأب، فيختص الردُّ في الأوّل، و يشرّك بينهما في الثاني.

و كلُّ مَنْ قال بالتشريك في صورة التقرّب بالأبوين قال به في التقرّب بالطريق الأوْلىٰ، و بعضُ مَنْ منع التشريك في التقرّب بالأبوين قال به هنا.

و يدلُّ على اختصاص الردّ بالمتقرّب بالأب و الأبوين قولُ الصادق (عليه السلام) في صحيح محمّد بن مسلم، و حَسَنِ بكير بن أعْيَن في كلالة الأبوينِ و الأب: «فهم الذين يزادون‌

46

و ينقصون» (1).

و ظاهره انحصار الزيادة فيهم دون غيرهم، و شموله لما إذا اجتمعوا مع الأجداد من غير تقييد بكلالة الأُمّ مع الانفراد.

و اجتماعهم مع كلالة الأُمّ في بعض أخبار الآل أنّما هو لخصوص مورد السؤال، فلا يخصّص عموم الجواب و المقال.

و مثلهما في الدلالة موثّق موسى بن بكير، قال لزرارة: إنّ بكيراً حدّثني عن أبي جعفر (عليه السلام): «إنّ الإخوة للأب، و الأخوات للأب و الأُمّ يزادون و ينقصون» إلى أن قال-: فقال زرارة: و هذا قائم عند أصحابنا، لا يختلفون فيه (2).

و يدلّ على خصوص الموضع الثاني قولُ الباقر (عليه السلام) في موثّق محمّد بن مسلم: في ابن أخت لأب و ابن أخت لأُمّ، قال: «لابنِ الأُخْتِ للأُمّ السدس، و لابن الأُخْتِ للأب الباقي» (3).

و في خبره الآخر: في ابن أخ لأب و ابن أخ لأُمّ، قال: «لابن الأخ من الأُمّ السدس، و ما بقي فلابن الأخ من الأب» (4).

و التقريب فيهما: كون الأخت التي هي الأُمّ كذلك؛ لأنّ وُلْدها إنّما يرثون بواسطتها و يأخذون حصّتها؛ لقوله (عليه السلام): «و كلٌّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به» (5)، مضافاً لما عن ظاهر الكليني (رحمه الله) من دعوى الإجماع، حيث قال نقلًا عنه-: (و الإخوة و الأخوات من الأُمّ لا يزادون على الثلث و لا ينقصون من السدس، و الذكر و الأُنثىٰ فيه سواء، و هذا‌

____________

(1) الوسائل 26: 84، أبواب موجبات الإرث، ب 7، ح 18، و فيه أيضاً: 83، ح 16.

(2) التهذيب 9: 319/ 1148، الوسائل 26: 152، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 2، ح 2.

(3) التهذيب 9: 322/ 1157، الإستبصار 4: 168/ 637، الوسائل 26: 162، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 5، ح 11.

(4) التهذيب 9: 322/ 1158، الإستبصار 4: 169/ 638، الوسائل 26: 162، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 5، ح 12.

(5) التهذيب 9: 325/ 1170، الوسائل 26: 162، أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، ب 5، ح 9.

47

كلٌّه مجمع عليه) (1).

و ما عن مرسل (مجمع البيان): (و إذا فضلت التركة، يردّ الفاضل علىٰ كلالة الأب و الأُمّ، أو الأب دون كلالة الأُمّ) (2).

و هما ظاهران في الحصر.

و أمّا الاستدلال على التشريك بالتساوي في الدرجة فهو كنسج العنكبوت، و أنّه لأوهنُ البيوت، إذْ هو كالاجتهاد في مقابلة نصوص الأمجاد.

كما أنّ رمي المحقّق (رحمه الله) (3) للموثّق بالضعف ضعيفُ الاستناد، فيتّجه حينئذٍ قوّةُ القول بالاختصاص، و لات حين مناص.

هذا ما يظهر من كلمات الأئمّة الأبرار، و علمائنا الأخيار.

و أمّا سؤالكم عن اختيار الشيخ محمّد طه أيّده اللّٰهُ فالقطعُ به يتوقّف علىٰ السماع منه، أو النقل المعتبر عنه، أو الوقوف على كتابه، إلّا إنّ الظاهر من قاعدته موافقة المشهور، خصوصاً في مثل هذه المسألة المحكيّ فيها الإجماع، المصرّح فيها بندرة الخلاف، و عدم الاعتداد بالنزاع.

مضافاً لظهور موافقته لما في (التبصرة)، الظاهر في وفاق الشهرة المعتبرة. و إطلاقُها منزّل على ما سمعت من أنّ إطلاق التنزيل منزّل على صورة الاتّحاد في الانتساب المفقود في هذا الباب؛ لما مرّ من أنّه المفهومُ من كلمات الأصحاب. و اللّٰه العالم بالصواب.

____________

(1) الكافي 7: 74، عنه في في الجواهر 39: 161.

(2) مجمع البيان 3: 27، الوسائل 26: 66، أبواب موجبات الميراث، ب 1، ح 5.

(3) شرائع الإسلام 4: 22.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

الرسالة السابعة و العشرون مسألة في رجل عنده زوجتان ..

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

مسألةٌ: (رجلٌ عنده زوجتان، كلُّ زوجة له منها بنت، فغرق مع إحدىٰ الزوجتين و بنتها منه، و للبنت التي غرقت جدٌّ لُامّ و جدّةٌ لُامّ، و المالُ كلُّه للرجل، و ليس للزوجة و البنت مال، فما كيفيّةُ الميراثِ؟ افتونا مأجورين).

الجواب و منه سبحانه استمدادُ الصواب-: إذا انحصر المالُ كلُّهُ في الرجل المذكور، فطريق توريثهم في الفرض المزبور: أنْ يُفْرضَ أوّلًا موتُ الزوج الذي انحصر المالُ فيه، فيكون كمَنْ ترك زوجتين و بنتين، فيكونُ لكلِّ زوجةٍ نصف الثمُن، فالموجودة من الزوجتين سهمُها لها، و سهمُ الزوجة التي غرقت ينتقل لوارثها الحَيّ، قريباً أو بعيداً، فإنْ لم يكن لها وارثٌ أصلًا فميراثها للإمام (عليه السلام).

و الباقي من الفريضة بعد ثُمُنِ الزوجتين يقسّم أنصافاً بين البنتين، فالموجودةُ من البنتين سهمُها لها، و سهمُ البنتِ التي غرقت ينتقل إلىٰ ورثتها الأحياء، و هم جدُّها لُامّها، و جدّتها لُامّها، و أُختُها لأبيها.

فللجدّ و الجدّة للُامّ الثلث بالسويّة، لكلِّ واحدٍ سدس، و الثلثان الباقيان للأُخت للأب، النصف فرضاً، و الباقي ردّاً، علىٰ المشهور (1) المنصور، الظاهر من الأدلّة غاية‌

____________

(1) الروضة البهيّة 8: 129، رياض المسائل 9: 98.

52

الظهور؛ لقول الباقر (عليه السلام) في حَسَن بكير (1)، أو صحيحه، و صحيح محمّد بن مسلم في الأُخت للأبوين أو الأب: «فَهُمُ الّذينَ يزادُون و يَنْقُصُونَ، و كذا أولادُهُم» (2)، بناءً علىٰ الأصل المقرّر من انحصارِ المبتدأ في الخبر.

و هما شاملان لصورة الاجتماع مع الأجداد و إنْ كان المورد الانفراد؛ لأنّ قوله (عليه السلام): «.. فهمُ الّذينَ يزادُونَ ..» إلىٰ آخره مشعر بالعليّة، التي ينشأ منها عمومُ الجواب.

مضافاً لما في موثّق ابن مسلم في ابن أُخت لأب و ابن أُخت لأُمّ؟ قال: «لابن الأُختِ للأُمّ السدُسُ، و لابنِ الأُختِ للأبِ الباقي» (3). بتقريب استلزامه كون الأمّ كذلك، لأنّ الأولادَ إنّما يرثون بواسطتها، لقوله (عليه السلام): «و كلُّ ذِي رَحم بمنزلةِ الرحِمِ الذي يجرّ به» (4). متمّماً بعدم القول بالفصل بين صورةِ الاجتماعِ مع الأجداد، و الانفراد إن احتيج له.

و قيل باشتراك الجميع أخماساً في الردّ (5).

و هو لضعف دليلِهِ، و قوّةِ معارضِهِ أوْلىٰ بالردّ.

و الفريضةُ في هذه المسألة من مائتين و ثمانية و ثمانين، ثمنُها ستّةٌ و ثلاثون: نصفُها ثمانية عشر للزوجة الموجودة، و النصفُ الآخر ثمانية عشر للزوجة الأُخرىٰ، المفقودةِ، كما تقدّم.

بقي بعد الثمن مائتان و اثنان و خمسون، نصفُها مائتان و ستةٌ و عشرون للبنت الموجودة، و نصفُها الآخر مائة و ستة و عشرون لورثة البنت، التي غرقت، ثلثها اثنان و أربعون للجدّ و الجدّة للُامّ، لكلٍّ منهما أحد و عشرون، و الباقي أربعةٌ و ثمانون للأُخت للأب من النصف فرضاً، و الباقي ردّاً.

____________

(1) الكافي 7: 102/ 3، التهذيب 9: 291/ 1045، الوسائل 26: 155، أبواب ميراث الاخوة و الأجداد، ب 3، ح 2، و الرواية فيهما عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

(2) الكافي 7: 103/ 5، التهذيب 9: 293/ 1047، و الرواية فيهما عن أبي جعفر (عليه السلام).

(3) التهذيب 9: 322/ 1157، الإستبصار 4: 168/ 637، الوسائل 26: 162، أبواب ميراث الاخوة و الأجداد، ب 5، ح 11.

(4) الكافي 7: 77/ 1، التهذيب 9: 269/ 976، الوسائل 26: 68، أبواب موجبات الإرث، ب 2، ح 1.

(5) الروضة البهيّة 8: 128.

53

فيكونُ للبنت الموجودةِ من الفريضة المذكورة مائتا سهم و عشرة أسهم، مائة و ستّة و عشرون ميراثُها من أبيها، و أربعة و ثمانون ميراثها من أُختها لأبيها، التي غرقت مع أُمّها.

و اشتراكُ الجدّ و الجدّةِ للأمّ هنا في الثلث ممّا لا خلاف فيه، و لا إشكال بين علمائنا الأبدال، و إنّما الإشكالُ لو كان هنا بدلَ الجدّ للُامّ جدٌّ للأب، بأنْ اجتمعَ جدٌّ لأبٍ و جدةٌ لُامٍّ و أُختٌ لأب، فالمشهورُ بين الأصحاب أنّ للجدّة للأُمّ الثلث، و الثلثان الباقيان للجدّ للأب، و الأُخت للأب، «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (1).

و قيل: إنّ الجدّةَ للأُمّ هنا يكونُ لها السدس خاصّة، بناءً علىٰ إطلاق تنزيل الجدِّ مطلقاً كالأخ مطلقاً، و الجدّةِ مطلقاً كالأختِ مطلقاً، سواءٌ اشتركا في النسبة أو اختلفا، كإطلاق ظواهر الأخبار.

إلّا إنّ جمعاً من محقّقي المتأخرين صرّحوا بأنّ تنزيلهم الجدّ و الجدّة منزلة الأخ و الأُخت في مادّة الاجتماع مع الاخوة مخصوصٌ بالاشتراك في انتسابِهم للأب و الأُمّ، لا مطلقاً. بل مع اجتماعِهم و انفرادِ الأجدادِ بالنسبة لا ينزّلون منزلةَ الإخوة، بل يرثون علىٰ ما هو فرضُهم في مادّة انفرادِهم من الاخوة، و هو أنّ مَنْ ينتسبُ للُامِّ من الأجدادِ له الثلث، متّحداً أم متعدّداً، ذكراً أم أُنثى.

إلّا إنّ في استفادة هذا التخصيص من الأخبار، و كلامِ علمائنا الأخيار، نظراً ظاهراً لِمَنْ جاسَ خلال الديار.

و لو لا نقلُ أُولئك الثقات، لكان القولُ الثاني أَوْلى بالاعتبار، لقربه من ظواهر الأخبار، فتصيرُ الفريضةُ في هذه المسألة حينئذٍ من مائة و أربعة و أربعين، ثمنُها ثمانية عشر: نصفُها تسعةٌ للزوجة الموجودةِ، و النصفُ الآخر تسعةٌ لورثة الزوجة، التي غرقت، كما تقدم.

بقي بعد الثمن مائة و ستة و عشرون، نصفُها ثلاثةٌ و ستونَ للبنت الموجودة،

____________

(1) النساء: 11.

54

و نصفُها الآخرُ ثلاثة و ستونَ لورثة البنت التي غرقت، ثلثُها أحد و عشرون للجدّةِ للأُمّ، و الباقي اثنان و أربعون للجدِّ، للأب سهمان ثمانية و عشرون، و للأُختِ للأب سهمٌ واحد أربعة عشر، و اللّٰهُ العالمُ العاصم.

حَرَّرَهُ الأقلُّ الجاني: أحمدُ بنُ صالح البحراني، في شهرِ رمضانَ المعظّم سنة 1310.

55

الرسالة الثامنة و العشرون الحبوة

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}