بحر الفوائد - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
233 /
65

[قاعدة التسامح في أدلة السّنن]

[في الأخبار المستدل بها على التسامح في السّنن]

قوله (قدس سره) ثم إن منشأ احتمال الوجوب إذا كان خبرا ضعيفا لا حاجة إلى أخبار الاحتياط إلى آخره

أقول تحقيق المقام و توضيحه على وجه يرفع به غواشي الأوهام يحتاج إلى بسط في الكلام فلا بد أوّلا من نقل تمام ما وصل إلينا من الأخبار التي استدلوا بها على مسألة التسامح في السنن ثم التكلم ثانيا فيما يستفاد منها و الجهات التي وقع البحث عنها في كلماتهم منها ما رواه في المحاسن في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال من بلغه عن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) شي‌ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له و إن كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يقله و عن البحار بعد ذكره أن الخبر من المشهورات رواه العامة و الخاصّة بأسانيده و منها ما في الوسائل نقلا عن المحاسن أيضا بسنده عن محمد بن مروان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال من بلغه من النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) شي‌ء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) كان له ذلك الثواب و إن كان النبي لم يقله و منها في الوسائل أيضا نقلا عن عدّة الداعي لابن فهد الحلي قال روى الصدوق عن محمّد بن يعقوب بطرقه عن الأئمّة (عليهم السلام) من بلغه شي‌ء من الخير فعمل به كان له من الثواب ما بلغه و إن لم يكن الأمر كما نقل إليه و منها ما في الوسائل أيضا عن كتاب الإقبال لعليّ بن موسى بن جعفر بن طاوس عن الصادق (عليه السلام) قال (عليه السلام) من بلغه شي‌ء من الخير فعمل به كان له ذلك و إن لم يكن الأمر كما بلغه و منها ما في الوسائل أيضا عن كتاب ثواب الأعمال لمحمّد بن علي بن بابويه بسنده عن عنوان البصري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال من بلغه شي‌ء من الثواب على شي‌ء من الخير فعمل به كان له أجر ذلك و إن كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يقله و منها ما عن الكافي بسنده الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال (عليه السلام) من سمع شيئا من الثواب على شي‌ء فصنعه كان له و إن لم يكن على ما بلغه و منها ما عن الصافي أيضا عن محمد بن مروان قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه و إن لم يكن الحديث كما بلغه و منها ما عن طرق العامّة عن عبد الرحمن الحلواني رفعا إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال قال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) من بلغه من الله فضيلة فأخذ بها و عمل بها إيمانا باللّه و رجاء ثوابه أعطاه اللّه ذلك و إن لم يكن كذلك هذه ما وصلت إلينا من الأخبار و وفقنا عليه إذا عرفت ذلك فنقول إن المشهور بين الأصحاب بل العامة ثبوت التسامح في أخبار السنن بمعنى إثباتها بما لا يجتمع فيه شرائط حجية الخبر كل على مذهبه فيها بل عن غير واحد نقل الإجماع على ذلك فعن الذكرى أن أخبار الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم و عن عدّة الداعي لأحمد بن فهد بعد نقل الروايات المتقدّمة ما هذا لفظه فصار هذا المعنى مجمعا عليه بين الفريقين و عن الشيخ البهائي (قدس سره) في أربعينه نسبته إلى فقهائنا و عن الوسائل نسبته إلى الأصحاب مصرّحا بشمول المسألة لأدلّة المكروهات أيضا و عن بعض الأصحاب نسبته إلى العلماء المحقّقين إلى غير ذلك من كلماتهم الظاهرة في دعوى الإجماع و خالف فيه العلامة في الموضعين من محكي المنتهى و بعض الأخباريّين على ما حكى عنه طاعنا على الأصحاب من حيث ذهابهم إلى إثبات الاستحباب و الكراهة بالأخبار الضعيفة عندهم مع أنه لا تفصيل في مدرك الأحكام و صاحب المدارك حيث قال في أوّل كتابه بعد ذكر جملة من الوضوءات المستحبّة و ذكر ضعف مستندها ما لفظه و ما يقال من أن أدلة السنن يتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها فمنظور فيه لأن الاستصحاب حكم شرعي يتوقّف على دليل شرعيّ انتهى كلامه رفع مقامه بل ربما يستظهر المنع من الصدوق و شيخه ابن الوليد قال الصدوق في‌

66

كتاب الصّوم من الفقيه على ما حكي ما هذا لفظه و أمّا خبر صلاة غدير خم و الثواب المذكور لمن صامه فإن شيخنا محمد بن الحسن بن وليد لا يصحّحه و يقول إنه من طريق محمّد بن موسى الهمداني و كان غير ثقة و كلّ ما لم يصحّحه ذلك الشيخ و لم يحكم بصحّته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح انتهى كلامه رفع مقامه إذ لو جوّز التسامح لم يكن لهما داع إلى ردّ الخبر المذكور و أمّا المانعون فيكفيهم عدم الدليل على ما أشار إليه في المدارك و لا يحتاج إلى التمسّك باستصحاب العدم أو أصالة العدم أو عدم الدليل دليل العدم لأن الغرض ليس الحكم بعدم الاستحباب بل عدم الحكم به و يكفي فيه الأصل الأوّلي في غير العلم حقيقة و إليه يرجع ما في المدارك لا إلى التمسّك بالأصول المذكورة‌

[في أدلة المثبتين لاستحباب الفعل و ما فيها]

و أمّا المثبتون فيستدلّ لهم بوجوه أحدها ما عن الوحيد البهبهاني (قدس سره) و تبعه جماعة من حسن الاحتياط و رجحانه الثابت بالأدلّة الأربعة و قد عرفت الكلام فيه في الكتاب فإنه و إن ذكر فيه عنوان المسألة في العبادات المحتملة بالمعنى الأخص إلا أن الاحتياط بالتقرب بالأمر المحتمل بحيث يترتّب عليه أثر العبادة بقول مطلق لا يفرق فيه بين العبارتين على القول بتوقف العبادة على العلم بالأمر نعم جواز الفعل لا بداعي الأمر المحتمل أو بداعيه مع عدم الالتزام بترتّب آثار العبادة عليه ممّا لا شبهة فيه في غير العبادة بالمعنى الأخصّ و كيف ما كان الكلام في المقام في إثبات استحباب الفعل لا في إثبات حسن الاحتياط عقلا أو رجحانه شرعا و أدلّة الاحتياط لا تثبت هذا المعنى إلا بإثبات مقدّمتين إحداهما كون الأمر به مولويّا الثانية تجريد الاحتياط عن عنوانه على ما عرفته في الكتاب و هما في حيّز المنع على ما عرفت فهذا الوجه لا يثبت المقصود في المسألة و إنما يثبت رجحان الفعل بعنوان الاحتياط و لو لم يكن هناك خبر أصلا و هذا المعنى ممّا لا ينكره أحد ظاهرا ثانيها الإجماعات المنقولة المعتضدة بالشهرة العظيمة المحققة و المنقولة من الخاصة و العامّة بل لو ادّعى أحد الإجماع المحقق في المسألة بملاحظتها و الفتاوي المحصّلة له بالتتبع يصدّق في دعواه بل لو ادّعى الاتفاق من غير صاحب المدارك كان مصدّقا لأنّ المحكيّ عن العلامة (قدس سره) الرجوع عما ذكره بل هو المحكي عن السيّد في المدارك في باب الصلاة أيضا و بالجملة دعوى الإجماع في المسألة ليست ببعيدة كلّ البعيد بعد ملاحظة ما عرفت ثالثها الأخبار المستفيضة التي عرفتها و فيها الصحاح و غيرها بل نفى شيخنا (قدس سره) في الرسالة التي أفردها في المسألة البعد عن دعوى تواترها معنى أو احتفافها بالقرائن الموجبة للقطع بصدورها التي منها الإجماعات المعتضدة بالشهرة العظيمة هذا و قد أورد على التمسّك بها بوجهين أحدهما ما يرجع إلى المنع عن التمسّك بها في المسألة مع تسليم صحتها سندا و دلالتها على المدّعى ثانيهما ما يرجع إلى المنع عن دلالتها و إن سلّم جواز التمسّك بها في المسألة أما الأول فلما قيل إن المسألة أصوليّة و لا يجوز التمسّك بأخبار الآحاد في الأصول و إن كانت صحيحة و إن جاز التمسّك بها في الفروع و أجيب عنه تارة بمنع كون الأخبار المذكورة من الآحاد المجردة و أخرى بمنع عدم جواز التمسّك بالآحاد في الأصول العمليّة فإن الممنوع عدم جواز التمسّك بها في الأصول الاعتقادية لا العمليّة و ثالثة بما ذكره غير واحد من المشايخ المتأخرين من أن مرجع البحث في المسألة ليس إلى إثبات حجيّة خبر الضعيف في السنن حتى يمنع منها من حيث كون المسألة أصوليّة فلا يجوز التمسّك بأخبار الآحاد فيها أو يستبعد ثبوتها بالخبر الضعيف من حيث إن أحكام الشرع لا يختلف من حيث المدرك فإن خبر الضعيف الغير المنجبر بالعمل ليس بحجّة مطلقا من غير فرق بين مفادها حتّى أنه لا يجوز إثبات الإباحة بها فضلا عن الاستحباب بل إلى إثبات استحباب كل فعل بلغ عليه الأجر و الثواب من النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) أو الوصيّ الراجع إلى البلوغ عن اللّه تعالى و خبر الضعيف موجد و محدث لهذا العنوان الوجداني حقيقة فإن صدق البلوغ لا يتوقف على الحجيّة أصلا و من هنا تعدّى غير واحد و سرى المسألة إلى إثبات السنن بفتوى الفقيه أيضا بناء على تعميم البلوغ بالنسبة إلى الخبر الحدسيّ أيضا كما ستقف على شرح القول فيه في تنبيهات المسألة و كذا التزموا بإثبات الاستحباب فيما دلّ الخبر الضعيف على وجوب شي‌ء من حيث إنّ الإخبار عن الوجوب إخبار عن الثواب بالالتزام فالبحث يرجع إلى البحث عن مسألة فرعيّة كليّة و هو استحباب كل فعل بلغ فيه الخير و الدليل على هذا الحكم الفرعيّ الكلي الأخبار المتقدّمة الصحيحة المعمول بها و المثبت للصغرى بحكم الحسّ و الوجدان خبر الضعيف و أين هذا من التمسّك بخبر الضعيف لإثبات الأحكام الشرعيّة و هذا نظير جبر ضعف السند بالشهرة أو غيرها من الأمارات الغير المعتبرة على القول بأن الحجيّة الخبر المظنون الصدور مطلقا أو الدلالة كذلك فحصل بملاحظتها الظن بالصدور أو الدلالة فإنه لا يمكن أن يقال بالمنع عن ذلك من حيث إن الشهرة ليست بحجة مثلا فإن الحجّة في المسألة حقيقة الخبر بمقتضى ما دلّ على حجيّته و الشهرة إنّما يوجب وجود أمر وجداني فلا يتمسّك بها حقيقة و بالجملة فرق بين جعل خبر الضعيف حجّة في مدلوله من غير فرق بين مدلوله و بين تأثيره في أمر وجداني و هو الإخبار من‌

الثواب على الفعل و لو التزاما و إن كان مدلوله الوجوب مطابقة و الأوّل يتوقّف على إثبات حجيّته كالخبر الصحيح من غير فرق بينهما و الثاني لا يتوقف على حجيّته لكونه سببا له بحكم الوجدان فهذا نظير أن يقال إذا اختلف الأقوال في المسألة فافعل كذا فإن سببيّة كل قول لحدوث الاختلاف لا يتوقّف على حجيّته و هكذا و هذا نظير يد المسلم و الجهل بالطهارة في كلماتهم فإن الدليل على الملكيّة حقيقة ما دلّ على ملكيّة ما في يد المسلم و طهارة المجهول لا نفس اليد و الجهل حقيقة و الأولى جعل النظير ما دلّ‌

67

على وجوب الاحتياط في موارده و الأخبار الدالة على حرمة نقض اليقين بالشكّ في الشبهات الحكميّة فإن الشكّ في المكلّف به و سبق اليقين ليسا دليلا على الحكم الظاهري حقيقة و إنما هما من قبيل الموضوع له فكذا المقام فتدبّر هذا ملخّص ما يقال في تقريب الجواب الثالث و أورد عليه شيخنا (قدس سره) بوجوه أحدها كونه خلاف ظاهر كلمة القائلين بالتسامح فإن ظاهرها كما لا يخفى لمن راجع إليها جعل خبر الضعيف حجّة في السنن و الاستدلال لها به و جعل الأخبار المذكورة دليلا على حجيّة خبر الضعيف و من هنا ذكروا أنه يتسامح في أدلّة السنن و الفضائل ثانيها أن ما ذكروه يرجع عند التأمّل إلى التمسّك بالخبر الضعيف في باب السنن و جعله حجّة فيه إذ لا فرق بين أن يقال كل فعل دلّ خبر ضعيف على استحبابه فهو مستحبّ و بين أن يقال كل خبر ضعيف حجّة في إثبات الاستحباب فإن معنى حجيّة الشي‌ء في الأدلّة الظنّيّة جعله موضوعا للحكم الظاهري و وسطا لحكم متعلّقه ثالثها أنا نسلّم الفرق بين المعنيين و أن مرجع التسامح في السنن ليس إلى كون خبر الضعيف حجّة في مدلوله بحيث يصدّق فيه و يترتّب عليه أحكام بل إلى كون الخبر موجدا لموضوع بلوغ الثواب و الدليل على استحباب هذا الفعل الأخبار المتقدمة نظير احتمال التكليف الإلزامي الذي قضى بوجوب الاحتياط فيه ما دلّ على الاحتياط و نظير احتمال بقاء الثابت سابقا الذي قضى على البناء بالبقاء فيه الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشك كما ذكروه‌

[في تحقيق أن المسألة مسألة أصولية]

لكن نقول إن مرجعه إلى إثبات المسألة الأصوليّة عند التحقيق بالأخبار المذكورة لا إثبات المسألة الفرعيّة و من هنا منع المحقق (قدس سره) من التمسّك بالنبوي دع ما يريبك إلى ما لا يريبك في إثبات وجوب الاحتياط من حيث إنه مسألة أصوليّة لا يجوز التمسّك لها بالخبر الواحد و المحقق السبزواري و بعض أخر من التمسّك بأخبار الاستصحاب من حيث إن مسألة الاستصحاب مسألة أصوليّة لأن الحكم المستنبط من الأخبار المذكورة لا ينفع العامي و لا يتعلق بالعمل بلا واسطة كما أن الحكم المستنبط من قوله لا تنقض اليقين بالشكّ في الشبهة الحكميّة لا ينفع العامي من حيث توقّفه على إحراز أركانه بالفحص و عدم قيام دليل على خلافه كما أن التشبث بذيل الخبر الضعيف نظرا إلى الأخبار المذكورة يتوقّف على فهم مدلوله و عدم احتمال الحرمة في المسألة و عدم قيام دليل معتبر على خلافه فالأخبار المذكورة كأخبار الاستصحاب و الاحتياط ينفع المجتهد و المستنبط فقط و لاحظّ للعامي فيها و إن كان الحكم المستنبط في الجزئيّات ينفع المجتهد و العامي كما أن الخبر الدّال على وجوب فعل يعمل به الفريقان مع أن حجيّته لا ينفع العامي و الوجه في ذلك أن المسألة الأصوليّة لما مهّدت للاستنباط فلا ينفع إلا للمستنبط و هذا بخلاف المسألة الفرعيّة فإنه يشترك فيه الفريقان بعد استنباط المجتهد حكمها من الأدلّة كوجوب السورة أو الاستعاذة أو البناء على الأكثر في شكوك الصّلاة أو عدم الالتفات إلى الشّكّ بعد التجاوز إلى غير ذلك من الجزئيّات و الكليّات فإنها أحكام لموضوعات أفعال المكلّفين لا مدخل لخصوص المجتهد في موضوعها و ينفع الفريقان و يعملان بهما بعد الاستنباط و هذا بخلاف المقام فإنه كالعمل بالأدلّة و الأصول في الشبهات الحكميّة من حيث توقف العمل على تشخيص مداليلها و مجاريها و الفحص عن معارضاتها فكما أنه ليس للمفتي أن يقول للعامي خذ بمقتضى الحالة السابقة فيما شككت من بقاء الحكم الشرعي الكلي كذلك لا يجوز له أن يقول للعامي خذ بالخبر الضعيف الدالّ على استحباب فعل إذا لم يكن هناك معارض و هذا بخلاف الاستصحاب في الموضوعات فإنه حكم فرعيّ يشترك فيه المجتهد و المقلّد و من هنا يكون مسألة فرعيّة و لو قلنا باعتباره من باب الظنّ و من هنا يظهر أن تنظر المقام بالعمل باليد و قاعدة الطهارة في الشبهات الموضوعيّة ليس ممّا ينبغي بل نظير المقام العمل بالقاعدة في الشبهات الحكميّة لا يقال العمل بالخبر الضعيف الدال على استحباب فعل يشترك فيه المجتهد و العامي غاية ما هناك كون المجتهد نائبا عن العامي في تشخيص مدلول الخبر و دفع معارضاته لأنا نقول ما ذكر جار بالنسبة إلى جميع المسائل الأصوليّة فإنه كما يعمل المجتهد بخبر العادل في الفروع كذلك يعمل العامي به غاية الأمر كون المجتهد نائبا عنه في تشخيص مدلول الخبر و دفع معارضاته و من هنا جاز للعامي في زمان الحضور العمل بالروايات كما جاز له التقليد و العمل بالفتاوي مع أنه لم يقل أحد بكون مسألة حجيّة خبر الواحد مسألة فرعيّة فاختصاص مسائل الأصوليّة في زماننا هذا و أشباهه بالمجتهد إنما هو عارضيّ من جهة قدرته على العمل بها و عجز العامي عنها هذا ما لخّصناه من إفاداته بطولها في الرسالة في الإيراد على الجواب الثالث و قال (قدس سره) بعد ما لخصناه ما هذا لفظه إذا عرفت ما ذكرنا ظهر لك أن قاعدة التسامح مسألة أصوليّة لأنها بعد إتقانها و استنباط ما هو مراد الشارع منها في الأخبار المتقدّمة فهو شي‌ء يرجع إليه المجتهد في استحباب الأفعال و لا ينفع المقلّد في شي‌ء لأن العمل بها يحتاج إلى إعمال ملكة الاجتهاد و صرف القوّة القدسية في استنباط مدلول الخبر و الفحص عن معارضة الراجح عليه أو المساوي له أو نحو ذلك ممّا يحتاج إليه العمل بالخبر الصحيح فهو نظير مسألة حجية الخبر الواحد و مسائل الاستصحاب و البراءة و الاحتياط في أنها يرجع إليها المجتهد و لا ينفع المقلّد و إن كانت نفس القاعدة قطعيّة المراد من حيث العموم أو الخصوص و ممّا ذكرنا ظهر أن إطلاق الرخصة للمقلّدين في العمل بقاعدة التسامح غير جائز كيف و دلالة الأخبار الضعيفة غير ضروريّة فقد يظهر منها ما يجب طرحها لمنافاته لدليل معتبر عقليّ أو نقلي و قد يعارض الاستحباب احتمال الحرمة الذي لا يتفطن له المقلد و قد يخطأ‌

68

في فهم كيفيّة العمل إلى غير ذلك من الاختلال نعم يمكن أن يرخّص له ذلك على وجه خاصّ تؤمن معه الخطاء كترخيص أدعية كتاب زاد المعاد مثلا للعامي الذي لا يقطع باستحبابها و هو في الحقيقة إفتاء باستحبابها لا إفتاء بالتسامح انتهى كلامه رفع مقامه و أنت خبير بأن العمدة ما ذكره أخيرا من التمسّك بلازم المسألة الأصوليّة و خاصيّتها في المقام و إلا فيتوجّه المناقشة إلى ما أفاده أوّلا و ثانيا بما لا يحتاج إلى البيان و مع ذلك يناقش فيه أوّلا بأن العمل بما ورد من التسامح في السنن لا يتوقف كثيرا مّا على إعمال قوّة نظريّة كما في الأدعية و الآداب و الزيارات و نحوها بل في الفروع الفقهيّة إذ كثيرا مّا يعلم العامي بعدم احتمال الحرمة الذاتية في المسألة التي ورد الخبر الضعيف في استحبابها و الحرمة التشريعيّة غير مانعة جزما لارتفاع موضوعها بالأخبار المذكورة و مجرّد هذا ليس اجتهادا في المسألة و لو بمعنى التجزي في الاجتهاد مثلا إذا ورد خبر ضعيف في الاستعاذة قبل القراءة في الركعة الأولى و يرجع العامي في المسألة و علم بأن القول منحصر بين الفقهاء فيها بين الوجوب و الاستحباب و لم يقل أحد بحرمتها فعمل بأخبار التسامح فيها لم يكن هذا منه اجتهادا في المسألة من حيث هي إذ لا قدرة له على استنباط نفس حكم المسألة من الأدلّة فتدبّر و ثانيا بأن ما أفاده من اللازم للمسألة الأصوليّة و الفرعية ممنوع و إنما يسلّم بالنسبة إلى غالب المسائل الفرعيّة فإنها كما أفاده في حكمها كيف و قد استظهر (قدس سره) كما يظهر من مطاوي كلماته في باب الاستصحاب في ردّ بعض السادة الفحول كما ستقف عليه و في ردّ المحقق فيما أفاده بالنسبة إلى النبوي و في غيرهما كون الأصول العمليّة في الشبهات الحكميّة من المسائل الفرعيّة نعم على القول بها من باب الظّنّ يكون البحث فيها بحثا عن المسألة الأصوليّة فافهم و انتظر لبقيّة الكلام و توضيح المقام فيما يتلو عليك في الجزء الثالث هذا حاصل الكلام فيما يرجع إلى الإيراد على التمسّك بالأخبار في المسألة بعد تسليم تماميّتها سندا و دلالة و أما ما يرجع إلى الوجه الثاني أعني منع دلالتها فيتوقّف بيانه و توضيحه على تقريب دلالتها على المدّعى أولا على سبيل الإجمال ثمّ التعرض للمناقشة فيها فنقول أمّا دلالتها عليه فإنما هي من جهة أن المستفاد منها الأخبار بتنجز الثواب الموعود على العمل بمقتضى الخبر الضعيف الدال عليه و الظاهر منها استحقاق العامل لذلك بمقتضى عمله و لا يكون ذلك بحكم العقل إلا بكونه مطيعا و لا إطاعة إلاّ مع تعلّق الأمر بالمأتيّ به فالإخبار بالثواب على العمل إخبار عن تعلق الأمر الشرعي المولويّ به و لو كان ظاهريّا حيث إن مرجع الأخبار المذكورة إلى الإخبار عن الثواب و لو على تقدير عدم مطابقة الخبر للواقع و هذا كما ترى لا يجامع الاستحباب الواقعي فهو نظير كثير من المستحبّات الواقعيّة المبنيّة في لسان الشرع بالإخبار عن الثواب عليها من الجهة التي ذكرناها كما أنه قد يكتفى عن بيان الوجوب بالعقاب على ترك الفعل و عن بيان التحريم بالإخبار عن العقاب على الفعل‌

[تحقيق في بيان منع دلالة الأخبار المذكورة على المدعي بوجوه ستّة]

ثمّ إن الثواب على الطّاعة و إن كان لازم أعمّ من الأمر الندبي ضرورة تحققها بالنسبة إلى الأمر الإيجابي أيضا إلاّ أنّ لازم الأمر الإيجابي لما كان ترتب العقاب على مخالفته أيضا و المفروض قصر الأخبار على إعطاء الأجر و الثواب فيستظهر منها أن الأمر المستفاد منها بالدلالة العرفية هو الأمر الندبي هذا مضافا إلى أن المستفاد منها كونها في مقام الترتيب على العمل و إلى أنه قد لا يكون مفاد الخبر الضعيف كما هو الغالب في موارد التسامح إلاّ استحباب الفعل هذه غاية ما يقال في تقريب دلالة الأخبار المذكورة على ما ذكره المشهور فقد نوقش فيها بوجوه الأوّل أن الإخبار عن الثواب في الأخبار المذكورة لا يكشف عن تعلّق الأمر الشرعي بنفس الفعل استحبابا حيث إن الثواب الموعود على الفعل إنما هو فيما إذا أتي به باحتمال أن يكون مطلوبا للمولى و أن يكون الخبر الدالّ على استحبابه أو الثواب عليه مطابقا للواقع لا مطلقا كيف و لا يكون الأمر ظاهريّا إلاّ بالملاحظة المذكورة و يكشف عن ذلك قوله (عليه السلام) في بعض تلك الأخبار التماس ذلك و قوله (عليه السلام) التماس قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فإن المقصود من هذا التعبير جعل احتمال الواقع الذي أخبر عنه الخبر الضعيف داعيا على العمل و هذا التعبير و إن لم يكن موجودا في أكثر الأخبار إلا أن النّاظر إليها يستظهر كون المراد منها مطلب واحد لا مطلبين فالمستظهر منها الإخبار عن الثواب على العمل بعنوان الاحتياط فيكشف عن رجحان الاحتياط شرعا كما يستقلّ به العقل فإن قلنا بأن المحتاط يستحقّ الأجر عقلا من حيث كون نفس الاحتياط حسنا عقلا و إطاعة حكميّة فلا يلزم هناك أمر شرعيّ مولويّ أصلا فهذه الأخبار على التقدير المذكور نظير ما دلّ على الأجر على الإطاعة الحقيقة فإنه لا يكشف عن تعلّق أمر مولويّ بالإطاعة و إن قلنا بعدم حكم العقل باستحقاقه الأجر من حيث كون المدح عليه فاعليّا فمرجعها إلى الإخبار عن تفضّل الشارع بإعطاء الأجر فيكون كقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فلا يكشف أيضا عن تعلّق الأمر الشرعي بالفعل إلا بعنوان الاحتياط و بالجملة المدّعى و الغرض إثبات استحباب الفعل بالأخبار المذكورة كما هو مدلول الخبر الضعيف لا إثبات رجحان الاحتياط في مورده فإنه راجح و إن لم يكن هناك خبر أصلا و من هنا أشرنا إلى خروجه عن محلّ البحث هذا كله مضافا إلى بعد كون الأمر الظاهري المستفاد من الأخبار المذكورة ممّا يترتّب على إطاعته الأجر و الثواب بخصوصه على خلاف ما يقتضيه التحقيق في إطاعة سائر الأوامر الظاهريّة و إلى هذه المناقشة أشار شيخنا (قدس سره) في الكتاب بعد دفع الإيرادين بقوله و أمّا الإيراد الأوّل فالإنصاف أنه لا يخلو عن وجه لأن الظاهر من هذه الأخبار كون العمل متفرّعا على البلوغ و كونه الدّاعي على العمل و يؤيّده تقييد العمل في غير واحد من تلك الأخبار‌

69

بطلب قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و التماس الثواب الموعود إلى آخر ما أفاده هذا و قد يدفع المناقشة المذكورة بأن ظاهر الأمر المستفاد من الأخبار لا يقتضي إلا ملاحظة جهل المكلّف بالواقع و احتماله في موضوعه أمّا ملاحظة المكلّف احتمال الواقع حين العمل و جعله الداعي عليه فلا يقتضيها أصلا كما هو الشأن في جميع الأوامر الظاهريّة حيث إنّ مقتضاها بأسرها ما ذكرنا نعم موافقة الأمر بالاحتياط إنما هي بجعل احتمال الواقع داعيا على العمل لكنها ليست من جهة اقتضاء الأمر الظاهري لذلك بل من جهة عدم تحقّق الاحتياط الذي هو موضوع للأمر إلاّ بالإتيان بالفعل بالداعي المذكور و أما التقييد في بعض الأخبار بما يقتضي ملاحظة الواقع في العمل في حق العامل فليس محلاّ للإنكار إلاّ أنه لا يوجب التقييد في الأخبار المطلقة لعدم التنافي بين المثبتين في المندوبات كما هو ظاهر و أما الظهور العرفي المدّعى للأخبار بملاحظة وحدة السّياق فهو ظهور غير مستند إلى اللفظ فلا يعارض به ظهور المطلقات في الإطلاق و إلى ما ذكرنا أشار (قدس سره) في مواضع من الرسالة منها ما لفظه فالأخبار الخالية عن تعليل الفعل برجاء الثواب غير ظاهرة في مضمون الأخبار المشتملة على التعليل بل هي ظاهرة في ترتّب الثواب على نفس الفعل و اللازم من ذلك كونها مسوقة لبيان استحبابه لما عرفت من أن إتيان محتمل المطلوبيّة بما هو هو لا يوجب الثواب فالإخبار بثبوت الثواب عليه بيان لاستحبابه و يؤيّد ما ذكرنا فهم الأصحاب القائلين بالتسامح انتهى كلامه رفع مقامه و ما أفاده من إطلاق أكثر ما ورد في الباب مضافا إلى فهم الأصحاب و إن كان مستقيما إلاّ أنّ في النفس من ذلك شي‌ء الثاني أنّ مورد الأخبار المذكورة و المستفاد من مجموعها هو التسامح في مقدار الثواب الخاص بعد مفروغيّة الثواب و الاستحباب كالوارد في شأن كثير من المستحبّات الثابتة في الشرع كما في الزيارات و الأدعية لا أصل الثواب الكاشف عن الاستحباب و يدلّ عليه قوله في بعض الأخبار المتقدّمة من بلغه شي‌ء من الثواب على شي‌ء من الخير فعمل به مضافا إلى ما تقدّم من الإشكال في أوامر الاحتياط من أنّ قصد القربة مأخوذ في الفعل المأمور به بهذه الأخبار فلا يمكن أن يكون هي المصحّحة للفعل إلى آخر ما عرفته و يدفعه أن ما ذكر و إن كان مقتضى ظاهر بعض الأخبار المتقدّمة إلاّ أنه خلاف مقتضى إطلاق الأكثر و هو المرجع لما عرفت من أنه لا يحمل في المقام المطلق على المقيّد و أما الإشكال المتقدّم في أوامر الاحتياط فقد عرفت التفصّي عنه نقضا و حلاّ فراجع‌

[في أخصية الأخبار المذكورة]

الثالث أنّ الأخبار المذكورة أخصّ من المدّعى نظرا إلى اختصاصها بما دلّ الخبر على الثواب على العمل لا ما إذا دل على طلب الفعل و رجحانه فإنه ليس إخبارا عن الثواب و دعوى أن الإخبار عن الطلب أو الأمر بالفعل إخبار عن الثواب التزاما من حيث كون إطاعة الأمر ملازمة للثواب مدفوعة بأن ظاهر الأخبار المذكورة الإخبار عن الثواب ابتداء و بالذات لا ثانيا و بالعرض من حيث اللزوم العقلي و يدفعه مضافا إلى عدم القول بالفصل و منع ظهور الاختصاص بالنسبة إلى كثير أن المستظهر منه ما ذكرنا اقتصر فيه ببلوغ الثواب و المراد منه بقرينة قوله فعمله نفس الفعل الذي يوجب الأجر و الثواب لا نفس الثواب‌

الرّابع أنها معارضة بما دلّ على عدم حجيّة خبر الفاسق من آية النبإ و غيرها و المرجع بعد التعارض الأصل و يدفعه ما عرفت من أن مدلولها ليس حجيّة خبر الضعيف حتّى يعارض بما دل على عدم حجيّته بل الحجة في المسألة نفس الأخبار المتقدمة الصحيحة المعتضدة بما عرفت هذا و أجاب عنه بعض أفاضل مقاربي عصرنا بعد جعل النسبة بين الأخبار المتقدمة و الآية العموم من وجه من حيث إن أخبار المذكورة تشمل جميع أقسام الخبر في الأحكام المترتّبة على بلوغها الثواب و الآية تشمل جميع أفراد خبر الفاسق من غير فرق بين الموضوعات و الأحكام بجميع أقسامها بما هذا لفظه و الجواب أن تناول أخبار الباب لخبر الفاسق أقوى من تناول آية النبإ لأن المطلقات التي يقع في سياق العموم كالرجل في قولك من أكرم رجلا فله كذا تفيد العموم تبعا لألفاظ العموم للتلازم إلى أن قال مضافا إلى اعتضاد عموم الأخبار بالشهرة و بظاهر العقل كما عرفت انتهى كلامه رفع مقامه و فيه ما لا يخفى و ذكر شيخنا (قدس سره) في الرسالة أن التحقيق في الجواب أنّ دليل طرح خبر الفاسق إن كان هو الإجماع فهو في المقام غير ثابت و إن كان آية النبإ فهي مختصّة بشهادة تعليلها بالوجوب و التحريم فلا بدّ في التعدّي عنهما من دليل مفقود في المقام انتهى كلامه رفع مقامه و هذا الجواب كالسابق عليه مبني على ما عرفت تضعيفه من دلالة الأخبار على حجيّة خبر الفاسق و يتوجّه عليه مضافا إلى ما عرفت المنع من اختصاص التعليل بخصوص الوجوب و التحريم لأن المراد منه كون خبر الفاسق في معرض الوقوع في خلاف الواقع من غير فرق فتدبّر هذا مضافا إلى أن دليل طرح خبر الفاسق ليس مختصا بالإجماع و الآية بل يستفاد من الأخبار أيضا كقوله (عليه السلام) لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا و غيره مما تقدّم في البحث عن حجيّة أخبار الآحاد فتأمل الخامس أنّها على تقدير تسليم دلالتها على ترتب الثواب على العمل الذي أخبر بترتّبه عليه و لو بطريق ضعيف لا يدلّ على الإذن في الإتيان بذلك العمل بل غاية ما يستفاد منها الإخبار بسعة فضله و كرمه تعالى إلى آخر ما ذكره الشيخ الفاضل (قدس سره) في الفصول و قد أطال الكلام (قدس سره) في دفعه و الجواب عنه بما لا يخلو عن مناقشة و لما كان أصل المناقشة غير محصّل المراد أعرضنا عنه السّادس أنّها أخصّ من المدّعى من جهة أخرى حيث إنّها مختصّة بما إذا كان الخبر الوارد دالاّ على الاستحباب أو الثواب على العمل و أمّا إذا دلّ على الوجوب أو الثواب على الفعل و العقاب على الترك أو اقتصر على العقاب على الترك فلا يظهر حكمه من الأخبار المذكورة مع أن حكمهم بالتسامح يشمل جميع الصور و لعلّه المراد بقوله (قدس سره) في الكتاب و ثالثة بظهورها فيما بلغ فيه الثواب المحض إلى آخره و يدفعه أن المراد على بلوغ الثواب بأيّ وجه كان و يصدّق في‌

70

جميع الصّور المذكورة مضافا إلى عدم التفصيل في المسألة كما ستقف عليه إلى غير ذلك ممّا ذكر في كلماتهم و العمدة ما ذكرنا‌

[تنبيهات متعلّقة بأدلّة التسامح]

و ينبغي التنبيه على أمور الأوّل أن عنوان المسألة في كلمات الأكثرين يقتضي اختصاص الكلام بالتسامح في أدلّة السّنن بظاهره فلا يتسامح في أدلّة المكروهات و صرّح غير واحد بالتعميم بحيث يظهر منه كونه من المسلّمات عندهم و قد عرفت الإشارة إلى بعض الكلمات المقتضي له سيما ما عرفته عن ذكرى الشهيد (قدس سره) و صرّح شيخنا (قدس سره) في الرسالة بأن المشهور إلحاق الكراهة بالاستحباب و قال في الفصول في عنوان المسألة قد تداول بين أصحابنا التسامح في أدلّة السّنن و المكروهات بإثباتها بالرواية الضعيفة الغير المنجبرة و حمل الأخبار المفيدة للوجوب أو التحريم على الاستحباب أو الكراهة عند ضعف السند و عدم الجابر انتهى كلامه رفع مقامه و يستدل للتعميم بعموم الشي‌ء في الأخبار لهما بل الظّاهر ممّا يتراءى منه الاختصاص العموم عند التأمّل فإن المراد من العمل في قوله من بلغه ثواب على عمل هو الأعمّ من الفعل و الترك و لذا كان قوله تعالى لاٰ يُضيعُ عَمَلَ عٰامِلِ مِنْكُمْ شاملا للأعمال مطلقا من الوجوديّة و العدمية لكن قال شيخنا (قدس سره) في الرسالة و لا إشكال فيه بناء على الاستناد إلى قاعدة الاحتياط و أمّا بناء على الاستناد إلى الأخبار فلا بدّ من تنقيح المناط بين الاستحباب و الكراهة و إلا فموارد الأخبار ظاهر الاختصاص بالفعل المستحبّ و لا يشمل المكروه إلا أن يدّعى عموم لفظ الفضائل في النبوي صلى الله عليه و آله بل عموم لفظ الشي‌ء في غيره للفعل و الترك فتأمل مضافا إلى ظاهر إجماع ذكرى انتهى كلامه رفع مقامه الثّاني أنك قد عرفت أنّ محلّ الكلام هو الخبر الغير الجامع لشرائط الحجيّة من غير فرق بين أن يكون مضمونه الثواب أو الطلب الغير الإلزامي المتعلّق بالفعل أو الترك أو الإلزامي المتعلّق بأحدهما فلو دلّ علي الوجوب أو الحرمة يحكم بالاستحباب و الكراهة في مورده نظرا إلى الأخبار المذكورة لا للتصرّف في الخبر بحمله على إرادة الاستحباب أو الكراهة منه فإن ذلك غير معقول و إن أوهمه بعض العبائر حيث إنهم يذكرون كثيرا ما إن الخبر ضعيف فيحمل على الاستحباب فما أفاده الشيخ المتقدّم في الفصول في عنوان المسألة لا يخلو عن نظر فلا بدّ من حمله على ما ذكرنا نعم على ما ذكره و ذكره شيخنا (قدس سره) في الرسالة من رجوع الكلام في المسألة إلى حجيّة الخبر الغير الجامع لشرائط الحجيّة في إثبات الاستحباب و الكراهة بأخبار الباب لا بدّ من التصرّف في أدلّة التصديق و التبعيض من حيث الأخذ و الطرح كما صنعه في الرسالة و ليس هذا أيضا كما ترى تصرّفا في دلالة الخبر الثالث أنا قد أشرنا سابقا إلى أنه سرى بعض الأصحاب أمر التسامح إلى الاكتفاء بفتوى الفقيه من أصحابنا به أو مطلقا على احتمال ضعيف قال في محكيّ المعتبر بعد أن حكى عن أبي الصّلاح كراهة الصلاة إلى إنسان مواجه أو باب مفتوح ما هذا لفظه هو أحد الأعيان فلا بأس باتّباع فتواه انتهى كلامه رفع مقامه و كلام الأكثرين خال عن السراية و التعميم و الإنصاف أن التعميم لا يخلو عن إشكال لأنّ الظاهر من البلوغ هو البلوغ بطريق الحسّ لا الحدس و الاجتهاد بل قد يقال إنه ليس إخبارا عن الواقع أصلا فإن مرجع إخبار الفقيه حقيقة عن الواقع إلى الإخبار عن الرأي و الترجيح النفساني و أين هذا من الإخبار عن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) و خلفائه نعم لو استند في التسامح إلى حسن الاحتياط و رجحانه العقلي تعين التعميم لكنه لا يختصّ بما كان مستند احتمال الواقع فتوى الفقيه بل يشمل احتمال الواقع مطلقا على ما عرفت الإشارة إليه نعم يلحق بالرواية فتوى من نزّلوا فتاويه منزلة رواياته من حيث كونها روايات منقولة بالمعنى حقيقة قال شيخنا (قدس سره) في الرسالة لا إشكال في الإلحاق بناء على الاستناد إلى قاعدة الاحتياط و أما بناء على الاستناد إلى الأخبار فالتحقيق أن يقال إن كان يحتمل ذلك استناده في ذلك إلى الشارع أخذ به لصدق البلوغ بإخباره و أما إن علم خطأ في المستند بأن اطّلعنا أنّه استند في ذلك إلى رواية لا دلالة فيها فلا يؤخذ به و إن احتمل مطابقته للواقع لأن مجرّد احتمال الثواب غير كاف بمقتضى الأخبار بل لا بدّ من صدق البلوغ من اللّه تعالى أو النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و أقل ذلك احتمال صدقه في حكايته و المفروض أنا نعلم أنّ هذا الرجل مخطئ في حكايته فهو نظير ما إذا قال الرّجل سمعت عن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) أن في كذا ثواب كذا مع أنا لم نشكّ في أنه سمع رجلا اشتبه‌

برسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) و أما الاكتفاء بمجرّد احتمال أن يكون رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال كذا فهو اكتفاء بمجرّد الاحتمال و لا يحتاج إلى قيد البلوغ و كذا لو علمنا أنه استند في ذلك إلى قاعدة عقليّة فإن البلوغ منصرف إلى غير ذلك و من ذلك يظهر أن ما حكي من الغزالي من الحكم باستحقاق الثواب على فعل مقدّمة الواجب لا يصير منشأ للتسامح لأن الظاهر استناده في ذلك إلى قاعدة عقليّة مثل تحسين العقل للإقدام على تهيؤ مقدّمات الواجب و نحو ذلك و منه يظهر النظر فيما ذكره المحقق القميّ (قدس سره) في القوانين من إمكان كون ذلك منشأ للتسامح و أضعف من ذلك ما ذكره في حاشية منه على ذلك الكلام من أن القول بالتسامح في مثل المقام يستلزم تسديس الأحكام انتهى كلام شيخنا (قدس سره) و أنت بعد الإحاطة بما ذكرنا تعلم أن مجرّد احتمال استناد الفقيه في فتواه إلى الرواية لا يوجب العلم بصدق البلوغ و إنما يوجب احتماله على احتمال و هو غير كاف للشكّ في صدق الموضوع الرابع أنه لا إشكال في اختصاص مورد المسألة فتوى و نصّا بما إذا لم يكن هناك خبر ضعيف يدلّ على تحريم الفعل أو كراهته فيما ورد الخبر الغير الجامع لشرائط الحجيّة على وجوبه و استحبابه من غير فرق بين الاستناد في المسألة إلى قاعدة الاحتياط فيما إذا كان مفادهما الحكم الإلزامي أو إلى الأخبار مطلقا لأن الحكم بطلب كل من الفعل و الترك بعد تعميم المسألة بالنسبة إلى التسامح في الكراهة ممّا لا معنى له لعدم القدرة على امتثال الطلبين و إن قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي ضرورة خروج الفرض عن موضوع تلك المسألة لعدم المندوحة‌

71

بالفرض و صرف الأخبار إلى استحباب أحدهما تخييرا موجب لاستعمالها في معنيين مع أن التخيير بين الفعل و الترك في الاستحباب لا محصّل له فتعيّن الحكم بخروج الفرض عن مورد الأخبار مضافا إلى انصرافها إلى غيره جزما و أما لو كان في المسألة التي ورد الخبر فيها بالاستحباب أو الوجوب مجرّد احتمال التحريم أو العكس بأن كان هناك مجرد احتمال الوجوب فيما كان هناك خبر على التحريم أو الكراهة فالحكم من حيث جريان القاعدة ما عرفت و أمّا من حيث شمول الأخبار فقد يستشكل فيه من حيث انصرافها إلى غير الفرض سيّما بملاحظة التعليل المذكور في بعضها برجاء الثواب و استظهر شيخنا (قدس سره) في الرسالة الشمول نظرا إلى إطلاق أكثرها و عدم صلاحية المقيّد للتقييد في المقام على ما عرفت الإشارة إليه مرارا لكنه لا يخلو عن إشكال ثم قال (قدس سره) في الرّسالة و على الإطلاق ففي صورة احتمال الحرمة فيما وردت الرواية الضعيفة باستحبابه يتعارض استحباب الفعل لأجل الأخبار و استحباب الترك لأجل قاعدة الاحتياط و الظاهر عدم التعارض بل يحكم بكون كل من الفعل و الترك مستحبّا و لا ضير في ذلك كما إذا دلّ على الاستحباب شي‌ء دليل معتبر و دلّ على تحريمه أمارة غير معتبرة كالشهرة مثلا فإن فعله من حيث هو مستحبّ و تركه لداعي احتمال مبغوضيّة المولى أيضا محبوب فلم يتوجّه الاستحبابان إلى الفعل المطلق و الترك المطلق ثم لو فرض حكم العقل بأن دفع مضرّة التحريم المحتملة أولى من جلب منفعة الاستحباب المقطوع به حكم الشارع بطلب محتمل التحريم و استحباب تركه فلا بدّ من تقييد الأخبار بما عدا صورة احتمال التحريم انتهى كلامه رفع مقامه و هو كما ترى لا يخلو عن إجمال بل مناقشة من حيث إن الحيثيّة التقييدية على تقدير تعلّق الأمر بكل من الفعل و الترك لا يجدي شيئا فلا بد إما من الالتزام بعدم تعلق الأمر بعنوان الاحتياط في الفرض أو الالتزام بعدم تعلّق الطلب بالفعل من جهة الأخبار و هذا معنى تقييدها حقيقة ثم إنه يعلم ممّا ذكرنا كلّه حكم ما لو احتمل الكراهة فيما ورد الخبر الضعيف على وجوبه أو استحبابه من حيث حكم العقل و الأخبار فلا حاجة إلى التكلم فيه السّادس أنه لا فرق ظاهرا عندهم على ما صرّح به غير واحد منهم بين وجود الخبر في كتب الخاصة و مرويّا من طرقهم أو في كتب العامة و مرويّا من طرقهم لإطلاق الأخبار المتقدّمة و عن بعض من أنكر التسامح أنه يلزم القائلين به العمل بما رواه المخالفون مع ورود المنع من الرجوع إليهم بل تشديد الإنكار في ذلك و هذا كما ترى مبنيّ على ما استظهره غير واحد منهم شيخنا (قدس سره) من أن مرجع التسامح إلى حجيّة خبر الضعيف في باب السنن و الكراهة و إلا فالحكم بالاستحباب و الكراهة على ما عرفت منا مستندا إلى الأخبار المذكورة ليس من الرجوع إليهم أصلا و هذا ما ذكروه من التعارض بين الأخبار المذكورة و آية النبإ و أجاب عنه شيخنا (قدس سره) في الرسالة بأن الممنوع الرجوع إليهم في أخذ الفتوى و أمّا مجرّد الرجوع إلى كتبهم لأخذ الروايات و الآداب في الأخلاق و السنن فنمنع قيام الدليل إلى منعه و تحريمه و هو كما ترى فإنه لا يساعده جميع ما دل على المنع من الرجوع إليهم كما لا يخفى لمن راجع إليها‌

[في جريان التسامح على القول به في الأحكام الشرعيّة]

السّابع أنه لا إشكال في جريان التسامح على القول به في الأحكام الشرعيّة لأنه المتيقّن ممّا دلّ عليه و أما لورود خبر ضعيف في تشخيص الموضوع و المصداق أو أخبر عدل واحد عن موضوع المستحبّ و تشخيص مصداقه على القول بعدم حجيّة خبره في الموضوعات كالوارد في رأس سيّدنا و مولانا أبي عبد الله الحسين عند أمير المؤمنين (عليهما السلام) و مثله الأخبار الواردة من الطرق الضعيفة في تشخيص مدفن الأنبياء و الأولياء و أولادهم و مثل الواردة في تشخيص المقامات في مسجد الكوفة و غيره من المساجد الإلهيّة و هكذا فهل يلحق بالخبر الوارد في الأحكام أم لا وجهان من اختصاص الأخبار و الفتاوي بظواهرها بما ورد في الأحكام و من اقتصار تمسّكهم بقاعدة الاحتياط للإلحاق في العموم مضافا إلى تنقيح مناط الأخبار بل قد يدّعى برجوع الخبر عن الموضوع بالخبر عن الحكم حقيقة قال شيخنا في الرسالة بعد نفي الإشكال في الإلحاق من حيث الاستحباب العقلي من باب الاحتياط إن الأخبار و إن كانت ظاهرة في الشبهة الحكميّة أعني ما إذا كانت الرواية مثبتة لنفس الاستحباب لا لموضوعه إلا أن الظاهر جريان الحكم في محلّ الكلام بتنقيح المناط إذ من المعلوم عدم الفرق بين أن يعتمد على خبر الشخص في استحباب العمل الفلاني في هذا المكان كبعض أماكن مسجد الكوفة و بين أن يعتمد عليه في أن هذا المكان هو المكان الفلاني الذي علم أنه يستحبّ فيه العمل الفلاني مضافا إلى إمكان أن يقال إن الإخبار بالموضوع مستلزم للإخبار بالحكم بل قد يكون الغرض منه هو الإخبار بثبوت الحكم في هذا الموضوع الخاص و الحاصل أن التسامح أقوى نعم لو ترتب على الخبر المذكور حكم آخر غير الاستحباب فلا يترتب عليه لما عرفت فلو ثبت كيفيّة خاصّة للزيارة من القرب بحيث لا يجوز من البعد فلا يجوز لأن الثابت من الرواية استحباب حضور هذا المكان لا كون الشخص مدفونا فيه و كذا يستحبّ الصّلاة في المكان الذي يقال له المسجد و لا يجب إزالة النجاسة عنه و لا يجوز الاعتكاف فيه إلى غير ذلك ممّا هو واضح انتهى كلامه رفع مقامه‌

الثامن لا إشكال في اختصاص الأخبار و كلمات المشهور بالتسامح من حيث سند الأخبار و أما التسامح من حيث الدلالة بأن يكون هناك خبر صحيح السند مجمل يحتمل إرادة الاستحباب منه فلا يستفاد منها قطعا و إن حكي عن بعض المتأخرين القول به فلعلّه تخيّل كون المستند في التسامح قاعدة الاحتياط على ما يستفاد من كلام غير واحد حسبما عرفت و عليه و إن لم يكن إشكال في جريان التسامح بحسب الدلالة الضعيفة أيضا إلا أنّك قد أسمعناك فيما تقدم أن الدائرة على تقدير الاستناد فيها إلى القاعدة أوسع مما ذكره بمراتب التاسع ذكر غير واحد أنه كما يتسامح في السنن يتسامح في القصص و المواعظ و الفضائل بل استظهر ممّا‌

72

عرفت عن الشهيد قد سره في الذكرى أن أخبار الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم كونه مسلّما عند القائلين بالتسامح و عن ثاني الشهيدين (قدس سرهما) في الرواية التصريح به حيث قال جوّز الأكثر العمل بالخبر الضعيف في القصص و المواعظ و فضائل الأعمال لا في صفات اللّه تعالى و أحكام الحلال و الحرام و هو حسن حيث لم يبلغ الضعيف حدّ الوضع و الاختلاف انتهى كلامه رفع مقامه فلعلّ المراد من التسامح في الخبر الضعيف الوارد في هذه الأمور ما ذكر شيخنا (قدس سره) في الرسالة من نقلها و استماعها و ضبطها في القلب و ترتيب الآثار عليها عدا ما يتعلّق بالواجب و الحرام قال (قدس سره) بعد هذا و الحاصل أن العمل بكل شي‌ء على حسب ذلك الشي‌ء و هذا أمر وجداني لا ينكر و يدخل فيها فضائل أهل البيت (عليهم السلام) و مصائبهم و يدخل في العمل الإخبار بوقوعها من دون نسبة إلى الحكاية على حدّ الإخبار بالأمور الواردة بالطرق المعتمدة بأن يقال كان أمير المؤمنين يقول كذا و يفعل كذا و يبكي كذا و نزل على مولانا سيّد الشهداء كذا و كذا و لا يجوز ذلك في الأخبار الكاذبة و إن جازت حكايتها فإن حكاية الخبر الكاذب ليس كذبا مع أنه لا يبعد عدم الجواز إلا مع بيان كونها كاذبة ثمّ إن الدليل على جواز ما ذكرنا من طريق العقل حسن العمل بهذه مع أمن المضرّة فيها على تقدير الكذب و أمّا من طريق النقل فرواية ابن طاوس و النبوي مضافا إلى إجماع الذكرى المعتضد بحكاية ذلك من الأكثر انتهى ما أردنا نقله من كلامه (قدس سره) (1) أقول الذي يقتضيه التحقيق في الاستدلال على التعميم أن يقال إنه لا شبهة و لا ريب في ثبوت رجحان نقل فضائل النبيّ و الأئمة (عليهم السلام) و الصّدّيقة الطاهرة (سلام الله عليها) و ذكر حالاتهم و مصائبهم بالدليل العلمي و وعد الثواب و الأجر عليه و كذا كتبه و استماعه فالخبر الضعيف الوارد فيها يتضمّن الإخبار على الثواب بنقل مضمونه كالخبر الضعيف الوارد في استحباب فعل فإنه يتضمّن الإخبار عن الثواب عليه و ليس هذا أسوأ من الخبر الوارد في تشخيص الموضوعات من الطرق الضعيفة على ما عرفت الكلام فيه فالخبر الضعيف الوارد في فضيلة من فضائلهم إخبار عن ترتّب الثواب على نقله و استماعه فهو من هذه الجهة نظير الخبر الصحيح الوارد في فضيلة من فضائلهم فإنه يجوز نسبة مضمونه إلى الواقع استنادا إلى الخبر الصحيح بأن يجعل جهة النّسبة كالإخبار عن الموضوعات العادية فيما كان طريقه معتبرا عند العقلاء و أدلّة حجيّة الطرق الشرعيّة و إن لم يقتضي بنفسها وجوب إظهار مضامينها و نقلها إلا أنّها ربما يقتضيه بضميمة ما دلّ على وجوب نقل الأخبار و إظهار الحق للناس و نحو ذلك و هذا البيان كما ترى أوفى ممّا أفاده (قدس سره) و إن أمكن إرجاعه إليه بنحو من التكلّف هذا و ربما يؤيّد الإلحاق بل يستدلّ عليه كما في محرق القلوب للفاضل النراقي بما دل على رجحان الإبكاء و ذكر الفضائل و المناقب و الإعانة على البرّ و التقوى و أنت خبير بأن التأييد بأمثال هذه في المقام لا وجه له فضلا عن الاستدلال به فإنه يتوجّه عليه مضافا إلى أنه لا إطلاق لها بالنسبة إلى السبب كما هو واضح أنها قد قيّدت بالإجماع على تقدير الإطلاق بالسبب المباح كما هو الشأن في جميع ما يثبت الرجحان للأفعال بالعنوانات الثانوية كإجابة المؤمن و نحوها فإنّها لا يقاوم المحرّمات الشرعيّة و ليست في مرتبتها كما فصّل في محلّه و إلا لجاز التوصّل بها و لو من جهة المعارضة بالعموم من وجه و الرجوع إلى الأصل إلى الحكم بإباحة المحرّمات الشرعيّة كالغناء في المراثي و قراءة القرآن و الأدعية و العمل بالملاهي من جهة إجابة المؤمن و هو كما ترى و إن أوهم جواز الالتزام به كلام بعض المتأخّرين فذهب إلى جواز التغنّي في المراثي و قراءة القرآن لما عرفت من التعارض الموجب للرجوع إلى الأصل لكنه بمكان من الضّعف و السقوط نعم هذه العمومات المثبتة للرجحان و الأجر و المثوبة لتلك العنوان ينفع في المقام بملاحظة الأخبار الواردة في باب التسامح على ما أسمعناك العاشر لا إشكال في جريان الأخبار فيما لو احتمل الاستحباب في الواقعة في نفس الأمر و أما لو علم بانتفاء الاستحباب في نفس الأمر كما لو دار حكم الواقعة بين الوجوب و الإباحة مثلا فهل يحكم بجريانها نظرا إلى ما عرفت من صدق بلوغ الثواب بالإخبار عن الوجوب أو عدم جريانها نظرا إلى العلم بانتفاء الاستحباب واقعا فكيف بحكم بثبوته ظاهرا وجهان أوجههما‌

الأول نظرا إلى ما عرفت مرارا من أن مخالفة الحكم الظاهري للواقع إذا لم يوجب المخالفة القطعيّة العمليّة لا ضير فيها أصلا حيث إنه ليس في المقام مخالفة عمليّة بالفرض و لو كان المأمور به على تقدير ثبوته من العبادات لإمكان قصد التقرب بالأمر الواقعي المحتمل أو الظاهري المقطوع من حيث كونه مقرّبا على ما قضت به الأخبار المتقدّمة و لا الالتزاميّة أيضا لأن المفروض الالتزام بكون الحكم النفس الأمري هو ما ثبت للواقعة في نفس الأمر و إنما يلتزم بالاستحباب في مرحلة الظاهر‌

[في بيان حكم ما إذا ورد خبر ضعيف على استحباب فعل و ورد خبر آخر على عدمه]

الحادي عشر إذا ورد خبر ضعيف في استحباب فعل و ورد خبر آخر على عدم استحبابه لا على حرمته فإن كان الآخر ضعيفا أيضا فلا إشكال في الحكم بالاستحباب سواء كان تقابلهما من التباين أو الإطلاق و التقييد و العموم و الخصوص و إن كان الآخر معتبرا فلا ينبغي الإشكال في التسامح على تقدير الاستناد فيه إلى قاعدة الاحتياط ضرورة عدم التنافي بين عدم الاستحباب و نفيه في مرحلة الظاهر و حسن الاحتياط بملاحظة احتمال الواقع و من هنا يحكم في جميع موارد قيام الطرق الظاهريّة بتحقق الواقع من جهة احتمال خطاء الطريق و دعوى اقتضاء دليل الخبر القائم على عدم الاستحباب عدم مشروعيّة الاحتياط من حيث كون مفاده تنزيل الخبر منزلة القطع بالواقع فكما لا يحتاط في صورة القطع بعدم الاستحباب كذلك لا يجوز الاحتياط فيما دل الخبر على عدمه فاسدة جدّا لما عرفت مرارا من الاستفادة المذكورة من أدلّة اعتبار الطرق و الأمارات الشرعيّة و أنّ‌

73

مفادها تنزيل ما قامت عليه الأمارة منزلة الواقع في محمولاته الشرعيّة لا القطع به و حسن الاحتياط إنما هو من آثار الاحتمال لا المحتمل حتّى يقال بنفيه بالنظر إلى دليل الخبر على المعنى المختار في مفاده أيضا و أمّا على تقدير الاستناد فيه إلى الأخبار و القول بدلالتها على ثبوت الاستحباب الشرعي لما دلّ الخبر الضعيف على استحبابه لا مجرّد حسن الاحتياط في مورده فلا محالة يقع التعارض بينه و بين الأخبار المذكورة سواء كان التقابل بين الخبرين في المسألة الفرعيّة على وجه التباين أو الإطلاق و التقيد من غير فرق بين القول برجوع الأخبار المذكورة إلى إثبات حجيّة الخبر الضعيف في السّنن و بين القول بإثباتها استحباب ما كان فيه بلوغ الثواب من غير نظر لها إلى إثبات حجيّة الخبر على ما عرفت الكلام فيه ضرورة ثبوت التنافي بين استحباب الفعل بالعنوان المذكور ظاهرا و عدم استحبابه في مرحلة الظاهر بمقتضى الخبر القائم عليه فيخرج بمقتضى دليل اعتباره عن الأخبار نظرا إلى رجوع التعارض بينهما إلى العموم و الخصوص نعم على القول برجوع الأخبار في المسألة إلى إثبات حجيّة الخبر الضعيف في السنن لا بدّ من ملاحظة النسبة بين الخبرين نظرا إلى رجوعهما إلى الإثبات و النفي فيرجع في صورة التباين إلى ما يقتضيه قاعدة العلاج بين المتعارضين المتباينين لكن يمكن على هذا القول أيضا الرجوع إلى الخبر النافي مطلقا بدعوى انصراف أخبار المقام إلى غير الفرض كما أنه يمكن أن يقال بعد منع الانصراف بثبوت الاستحباب بصدق بلوغ الثواب بعد وقوع التعارض بينهما فإنه لا يمنع من تحقّق الأمر الوجداني فيشمله أخبار المقام بحسب المناط و إن امتنع الشمول بحسب الدلالة اللفظيّة لكنّه كما ترى و إن اختاره شيخنا (قدس سره) في الرسالة حيث قال بعد إظهار العجب ممّن أنكر التسامح في الفرض مع تمسّكه فيه بقاعدة الاحتياط ما هذا لفظه و التحقيق أنه لا إشكال في التسامح في المقام من باب الاحتياط بل هو إجماعيّ ظاهرا و أما من باب الأخبار فمقتضى إطلاقها ذلك أيضا إلاّ أن يدّعى انصرافها إلى غير ذلك و لا شاهد عليه فيقع التعارض بين هذه الأخبار و أدلّة حجيّة ذلك الدليل المعتبر لا نفسه لاختلاف الموضوع و مقتضى القاعدة و إن كان هو التساقط إلا أن الأمر لما دار بين الاستحباب و غيره و صدق بلوغ الثواب و لو من جهة أخبار بلوغ الثواب حكم بالاستحباب تسامحا فإن قلت أخبار بلوغ الثواب لا يعمّ نفسها قلنا نعم هو غير معقول إلا أن المناط منقّح فلا يقدح عدم العموم اللفظي لعدم تعقله فافهم فالقول بالتسامح قوي جدّا انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه‌

الثاني عشر أنه يظهر الثمرة بين الاستناد في رجحان الفعل في موارد ورود الخبر الغير المعتبر على الاستحباب إلى قاعدة حسن الاحتياط و إلى الأخبار مع القول بأن مفادها الاستحباب الشرعي فيما يترتّب شرعا من الآثار على المستحبّ فإنه على الأول لا يحكم بترتّبه و إن قيل بترتّب الثواب لأنه بمجرّده لا يلازم الطلب الشرعي على ما هو المفروض و على الثّاني يحكم بترتّبه و على هذا فيما ورد الخبر الضعيف على استحبابه من الوضوءات لا يحكم بكونه رافعا للحدث على الأول و يحكم به على الثاني لو ثبت في الشرع كون الرفع من أحكام ما أمر به شرعا من الوضوء كما هو الظاهر من غير واحد منهم بل المشهور على ما قيل و إلا فلا ثمرة بين القولين بالنسبة إليه و هو الوجه في أمر شيخنا (قدس سره) بالتأمّل في الكتاب عقيب الثمرة المذكورة فإنه مبنيّ على التأمّل في الكليّة المذكورة في كلماتهم من أنّ كلّ وضوء أمر به شرعا يكون رافعا للحدث إلاّ ما خرج و إن كان مستظهرا من بعض الأخبار المعتبرة و تحقيق المسألة يطلب من الفقه و بالجملة هذا البحث متعلّق بالصغرى و إلاّ فلا إشكال في الكليّة التي ذكرنا من ترتب الرّفع على الوضوء المأمور به بالأخبار المذكورة على تقدير تسليم دلالتها على الاستحباب الشرعي على القول بكون الأصل في الوضوء المأمور به أن يكون رافعا للحدث و إن هو إلا نظير منع جواز المسح ببلل المسترسل من اللحية فيما يجوز أخذ البلل من مواضع الوضوء للمسح على القول باستحباب غسله بالنظر إلى الأخبار المذكورة من جهة دلالة بعض الأخبار الغير المعتبرة عليه نظرا إلى أن استحباب غسله لا يوجب دخوله في الوجه حتى يجوز أخذ البلل منه‌

[نقل كلام صاحب الذخيرة و تحسينه و تجويده]

و ممّا ذكرنا يظهر أن ما ذكره في محكيّ الذخيرة بعد الحكم بالتسامح في السنن من جهة الأخبار المذكورة من جهة أن هذا الوجه إنّما يفيد مجرّد ترتّب الثواب على ذلك الفعل و لا يستفاد منه الأمر الشرعي حتى يترتّب عليه الأحكام الوضعيّة المترتّبة على الأحكام الواقعيّة في كمال الجودة و الاستقامة بناء على حمل الأخبار على بيان قاعدة الاحتياط و الإطاعة الحكمية و إن كان الثابت بها خصوص الثواب البالغ لا أصل الثواب حيث إن المعنى المذكور أيضا لا يلازم الأمر الشرعي بعد ابتنائه على التفضّل نعم يلازم تعلّق الأمر الإرشادي من الشرع و العقل بالفعل لكنه ليس مفيدا بالفرض لأن حاله حال أصل الأمر بالاحتياط في عدم الاستحباب الشرعي منه‌

الثالث عشر أنه لو ورد خبر ضعيف على اعتبار خصوصيّة في المستحبّات الثابتة في الشريعة كالزيارات و الأدعية و النوافل كالوارد في اعتبار الغسل مثلا في الزيارة الجامعة و نحوه فهل يحمل المطلقات عليه مطلقا أو عند التمكّن من الخصوصيّة أو لا يحمل عليه مطلقا و إن حكم بأولويّة الأخذ به عند التمكّن وجوه لا إشكال في تعيّن الأخير بناء على القول بانصراف أخبار الباب إلى ما يستفاد من قاعدة الاحتياط و في تعين أحد الأولين بناء على استفادة حجيّة خبر الضعيف من أخبار الباب لو قيل بشمولها للمقام من حيث رجوع الخبر الضعيف إلى إثبات استحباب كيفيّة خاصّة للفعل فيما كان مدلوله نفي الاستحباب عند انتفاء الكيفيّة فتأمل و أما على ما استظهرنا منها من دلالتها على استحباب كل فعل دلّ الخبر عليه فيشكل الحكم بالتقييد مطلقا و إن حكم باستحباب الكيفيّة الخاصّة فهو مستحبّ في مستحبّ حتّى‌

74

فيما لو دلّ على نفي الاستحباب عند انتفاء الكيفيّة فإنه من الحيثية المذكورة لا يصدق عليه عنوان البلوغ بل يمكن القول بعدم التقييد فيما لو دلّ على تحريم الفعل ذاتا عند انتفاء الخصوصيّة نظرا إلى عدم حجّيّة حتى يقاوم مطلقات العبادة المفروضة هذا فيما كان أصل استحباب الفعل بعنوان العموم و الإطلاق ثابتا من الأدلة المعتبرة و ورد الخبر الضعيف على اعتبار خصوصيّة فيه و أما لو عكس الأمر بأن كان أصل استحبابه مستندا إلى قاعدة التسامح و ورد دليل معتبر على أخذ خصوصيّة فيه بحيث استظهر منه عدم مشروعيّة الفعل عند انتفائها و حرمته فالحكم بعدم اعتبار الخصوصيّة و الحمل في غاية الإشكال و إن كانت الحرمة التشريعيّة لا يزاحم قاعدة التسامح قطعا نظرا إلى أن الظّاهر منه عدم تحقق امتثال الأوامر المطلقة مع انتفاء الخصوصيّة المفروضة فتدبّر و في الرسالة في هذا الفرع ما لا يخلو عن إجمال فراجع إليه‌

75

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

76

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

77

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

78

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

79

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

80

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

81

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

82

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

83

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

84

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

85

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

86

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

87

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

88

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

89

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

90

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

91

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

92

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

93

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

94

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

95

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

96

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

97

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

98

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

99

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

100

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

101

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

102

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

103

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

104

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

105

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

106

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

107

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

108

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

109

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

110

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

111

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

112

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

113

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

114

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}