كتاب الزكاة - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
514 /
489

[تتمة القسم الأول في زكاة المال]

[تتمة النظر الثاني في بيان ما تجب فيه و ما تستحب]

[القول في مال التجارة]

قوله (قدّس سرّه): القول في مال التجارة، و البحث فيه و في شروطه و أحكامه.

أمّا الأوّل: فهو المال الذي ملك بعقد معاوضة و قصد به الاكتساب عند التملّك، فلو انتقل إليه بميراث أو هبة لم يزكّه، و كذا لو ملكه للقنية (1)، و كذا لو اشتراه للتجارة ثمّ نوى القنية (1) (2).

____________

أقول: متعلّق الزكاة في المقام- التي اختلفوا في وجوبها و استحبابها، فذهب المشهور إلى الثاني- هو ماليّة الأموال، بخلاف متعلّقها في الأمور التسعة التي كانت الزكاة فيها واجبة أو فيما كانت الزكاة فيه مستحبّة من الحبوب فإنّ متعلّقها فيها الأعيان كما لا يخفى.

ثمّ إنّ البحث في المقام على ما حرّره المصنّف يقع في مواضع:

الأوّل: في موضوع مال التجارة و بيان المراد منه في المقام.

الثاني: في شروط تعلّق الزكاة به استحبابا أو وجوبا.

الثالث: في أحكامه.

أمّا الموضع الأوّل، [في موضوع مال التجارة و بيان المراد منه في المقام]

فحاصل القول فيه أنّ الذي يظهر من الأكثر تحديده بما في الكتاب.

و قال شيخنا- دام ظلّه العالي-: الظاهر انطباقه على المعنى اللغوي و العرفي و ليس له حقيقة شرعيّة أو فقهائيّة، بل هو باق على معناه الأصلي و إن اعتبر في تعلّق‌

____________

(1). أي للاقتناء من قبيل الفرش و الأواني و نحو ذلك.

(2). شرائع الإسلام، ج 1، ص 118.

490

الحكم به شرعا في المقام شروط كألفاظ العبادات عند الباقلاني و ألفاظ المعاملات عند الجلّ أو الكلّ، و لا ينافي ذلك إطلاقه على الأعمّ ممّا ذكر في باب المكاسب و غيره، فإنّ الإطلاق أعمّ من الحقيقة.

و كيف كان، المال بمنزلة الجنس، و يخرج بقوله: «ملك بعقد معاوضة» المباحات و إن كانت الإباحة بالعوض كما في المعاطاة، و فرض اجتماع سائر القيود لانتفاء الملك، و ما يملك بغير عقد من الأسباب كالإرث و الحيازة و المعاطاة بناء على إفادتها الملك و عدم صدق القيود عليه، أو حصول الملك بالتصرّف في أحد العوضين أو تلفه بناء على القول بالإباحة كما هو المشهور في ظاهر التعريف و إن كان غير مسلّم عند شيخنا- دام ظلّه- على ما ستقف عليه و نحوها، و ما يملك بعقد غير معاوضة كالهبة و الوقف و الردّ بالعيب أو بفسخ و نحوها من غير فرق بين أن تقع المعاوضة على العين من النقدين أو غيرهما من الأجناس الزكويّة و غيرها، أو المنفعة سواء كانت من مقولة العمل أو غيرها و سواء كانت على الأوّل من عمل النفس أو المملوك فإنّه لو آجر شخص نفسه بمال إجارة كالحنطة مثلا و فرض اجتماع سائر القيود و ما يعتبر في زكاة مال التجارة من الشروط حكم بتعلّق الزكاة بالحنطة، و لا إشكال في هذا كلّه على ما صرّح به بعض الفحول أيضا إلّا في الأخير، و هو تعلّق الزكاة بعوض عمل النفس، إذا أريد به الاكتساب و الاسترباح فإنّه استشكل فيه شيخنا- دام ظلّه العالي- نظرا إلى اعتبار كون رأس المال من الأموال و العمل في الفرض ليس كذلك، هذا.

و فيه تأمّل؛ لصدق الأخبار على ما سيأتي، هذا.

و استشكل بعض المشايخ في مطلق المنفعة و رجّح عدم إلحاقها بالعين؛ نظرا إلى إناطة الحكم في الأخبار بالمتاع بعد نقل القول عن جماعة بالإلحاق، و هو ضعيف كما ستقف عليه- إن شاء اللّه تعالى- الذي هو مورد الحكم في المقام، فإنّ اعتبار جملة منها محلّ للإشكال بل الخلاف في الجملة، كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

491

و بقوله: «ما قصد به الاكتساب» (1) أي الاسترباح ما لا يقصد به الاكتساب و بقوله: «عند التملّك» (2) أي مقارنته له ما يقصد به الاكتساب بعد التملّك لا مقارنته له، و ما قصد به الاكتساب عند التملّك مع زواله بعده على ما هو صريح كلامه و غيره من اعتبار استمرار القصد، فهذه قيود لا بدّ من إتيانها في موضوع مال التجارة الذي هو مورد الحكم في المقام، فإنّ اعتبار جملة منها محلّ إشكال، بل الخلاف في الجملة كما ستقف عليه إن شاء اللّه.

ثمّ إنّ المرجع في القيود المذكورة إثباتا و نفيا لو لم يكن هناك إجماع إلى أحد أمرين على سبيل مانعيّة الخلوّ:

أحدهما: العرف؛ لورود لفظ التجارة في الأخبار و وجوده في معاقد الإجماعات كتعيين الرجوع فيها إلى العرف و اللغة بعد عدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة، كما هو المفروض.

ثانيهما: الأخبار، فلا بدّ إذا من نقل جملة من الأخبار التي لها تعلّق بالمقام ممّا يمكن له استفادة الضابطة و الميزان منها، و إلّا فما ورد في الموارد الخاصّة أو ورد في مقام بيان حكم آخر لا يجدي شيئا كما لا يخفى، ثمّ نعقّبه بالكلام في مدرك القيود المذكورة مع الإشارة إلى الإشكال و الخلاف في كلّ ما وقع فيه تأمّل.

فنقول- و باللّه الاعتصام-: ما يمكن استفادة الضابطة منه روايات:

منها: ما رواه محمّد بن مسلم: «أنّه قال (عليه السّلام): كلّ مال عملت به فعليك فيه الزكاة إذا حال عليه الحول، قال يونس: تفسيره أنّ كلّ ما عمل به للتجارة من حيوان و غيره فعليه فيه الزكاة» (3).

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 118.

(2). شرائع الإسلام، ج 1، ص 118.

(3). الكافي، ج 3، ص 528؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 72. و فيهما: «قال يونس: تفسير ذلك أنّه ...»

492

و معنى هذا التفسير على كون المراد من العمل من باب العهد العمل الخاصّ أي التجارة، و هو واضح لا إشكال فيه عند من له أدنى دراية، كما أنّ استفادة الضابطة منه و دوران الحكم مدار العمل ممّا لا إشكال فيه أيضا.

و منها: ما رواه خالد بن الحجّاج الكرخي: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الزكاة، فقال:

ما كان من تجارة في يدك فيها فضل ليس يمنعك من بيعها إلّا لتزداد فضلا على فضلك فزكّه، و ما كانت من تجارة في يدك فيها نقصان فذلك شي‌ء آخر» (1). و في دلالته أيضا على الضابطة و دوران الحكم مدار التجارة مطلقا ممّا لا ينبغي الإشكال فيها.

و منها: ما رواه شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «كلّ شي‌ء جرّ عليك المال فزكّه، و كلّ شي‌ء ورثته أو وهب لك فاستقبل [به]» (2).

و هذا أيضا مثل سابقه في الدلالة على الضابطة و إن كان قد يستشكل فيه باعتبار المقابلة.

و منها: ما رواه محمّد بن مسلم أيضا: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل يوضع عنده الأموال يعمل بها، فقال: إذا حال عليها الحول فليزكّها» (3).

و مثلها في الدلالة ما دلّ على نفي الزكاة عن مال اليتيم إلّا أن يعمل (4).

إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على إناطة الحكم بتحريك المال أو دورانه أو غيرهما.

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 529؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 71- 72.

(2). الكافي، ج 3، ص 527؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 171.

(3). الكافي، ج 3، ص 528؛ الاستبصار، ج 2، ص 10؛ التهذيب، ج 4، ص 69؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 71.

(4). الكافي، ج 3، ص 540- 541؛ الاستبصار، ج 2، ص 29- 31؛ التهذيب، ج 4، ص 26- 30؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 83- 86.

493

ثمّ إنّ هذه العنوانات الكلّيّة المستفادة من الأخبار إن تساوت و اتّحدت و لم ينفكّ بعضها عن بعض فهو، و إلّا فمقتضى القاعدة الأخذ بالعموم لو لم يكن الأخصّ نافيا للحكم عن مورد الافتراق بالمنطوق أو المفهوم كما يظهر من جميع ما عرفت من الأخبار العامّة، نظرا إلى ورودها في مقام التحديد و إعطاء الضابطة على ما هو الشأن في جميع ما ورد في بيان المستحبّات إذا اختلف بالعموم و الخصوص أو الإطلاق و التقييد، فإنّه لا يحمل الأعمّ على الأخصّ و لا المطلق على المقيّد إلّا بالشرط المذكور.

إذا عرفت ذلك فنقول: استدلّ على اعتبار الصور المذكورة مضافا إلى قيام الإجماع محقّقا بالنسبة إلى اعتبار بعضها و منقولا بالنسبة إلى بعضها الآخر- كما يعلم من الرجوع إلى كلمات الأصحاب- بكلّ من الوجهين، أمّا العرف فظاهر؛ لأنّ لفظ التجارة في العرف ليس إلّا الاكتساب بقصد المعاوضة أو المعاوضة بقصد الاكتساب، و مال التجارة هو المال المملوك بهذا القصد، فلو تخلّف أحد القيود لم يصدق على المال أنّه مال التجارة و إطلاق التجارة على الأعمّ من ذلك في العرف و في بعض الأخبار و كلمات الأصحاب لا يقضي بكون التجارة موضوعا للأعمّ بحسب اللغة و العرف كما عرفت الإشارة إليه في طيّ كلماتنا السابقة، هذا.

و إن كنت في ريب ممّا ذكرنا، فارجع إلى ما ذكروه في تعريف التجارة في باب المكاسب فإنّه ليس مبنيّا على الاصطلاح جدّا.

و منه يعلم استفادة اعتبار القيود المذكورة ممّا ورد فيه لفظ التجارة من الأخبار- كرواية خالد بن الحجّاج (1) و غيرها- و لفظ العمل و التحريك و نحوهما، فإنّك قد عرفت أنّ المراد من أمثال هذه الألفاظ العهد و الإشارة إلى العمل بالتجارة و لو‌

____________

(1). المتقدّمة.

494

من جهة الانصراف العرفي في مثل هذه الإطلاقات، فلا يصدق مع انتفاء أحد هذه القيود المزبورة، فلا بدّ من حملها على ما ذكر من الأخبار؛ لاشتمال بعضها على النفي، فتدبّر.

و أمّا ما عسى يستفاد منه العموم أو الإطلاق مثل رواية شعيب المتقدّمة و غيرها، فعلى تقدير ظهورها في الأعمّ اشتمل على القيود المذكورة فلا بدّ من حملها على ما ذكر من الأخبار، لاشتمال بعضها على النفي منطوقا كالوارد في مال اليتيم، و بعضها الآخر عليه مفهوما من جهة ورودها في مقام التحديد و إعطاء الضابطة و الميزان، كما لا يخفى.

هذا إجمال القول في المسألة، و إن كنت طالبا لشرح القول فيه فاستمع لما يتلى عليك.

فنقول: أمّا استفادة القيد الأوّل و هو كون المال مملوكا في مقابل المباح و إن فرض اجتماع سائر القيود فممّا لا إشكال فيه؛ لمساعدة العرف و الشرع بالإجماع و الأخبار على اعتبار المملوكيّة، فالموجود بالمعاطاة على مذهب المشهور القائلين بالملكيّة مع عدم اللزوم كما اخترناه في محلّه، أو مذهب المشهور بعد حصول أحد أسباب التملّك فسيجي‌ء بيان حكمه، هذا.

و أمّا استفادة القيد الثاني- و هو كون ملكيّته بعقد المعاوضة في مقابل المملوك بغيره سواء كان اختياريّا أو لا كالمملوك بالحيازة و الإرث و الهبة الغير المعوّضة و الوصيّة و الصلح عن الدم و نحوه ممّا لا يكون المصالح عليه مالا و الخلع و النكاح و الردّ بالعيب أو الفسخ بمقتضى الخيار و المعاطاة بناء على القول بالملكيّة أوّلا و حصولها بأحد أسبابه على مذهب المشهور و نحو ذلك- يدلّ عليه مضافا إلى الإجماع في الجملة ظهور مال التجارة في المملوك بعقد المعاوضة عرفا ظهورا وضعيّا أو انصرافا فإنّه يكفي [في] إثبات المرام في المقام أيضا غلبة لفظ التجارة‌

495

فيما اشتمل عليه من النصّ و معاقد الأصحاب (1) و عبارات من استظهر من كلامهم الإجماع و لو كان في بعض الأخبار المتقدّمة ما يكون أعمّ بظاهره فليحمل عليه على ما عرفت سابقا.

هذا كلّه، مع أنّ الموجود في جملة من النصوص نفي الزكاة عن المملوك بالإرث و الهبة، فيدلّ على النفي بالنسبة إلى المملوك بغيرهما إمّا من باب عدم القول بالفصل بين أفراد المملوك بغير عقد المعاوضة، أو من جهة استفادة المناط منها و أنّه لا خصوصيّة للوارث و المتّهب في ذلك، و إنّما المقصود مطلق التملّك بغير عقد المعاوضة، فتدبّر، هذا.

و قد تنظّر بعض مشايخنا (قدّس سرّه) في اعتبار هذا القيد لو لم يكن هناك إجماع عليه، حيث قال بعد جملة كلام له في اعتبار مقارنة قصد الاكتساب للقنية ما هذا لفظه: «بل إن لم ينعقد إجماع على اعتبار الملك بعقد معاوضة لأمكن المناقشة فيه بصدق مال التجارة على المنتقل بعقد هبة بل بإرث مع نيّة التجارة به، إذا كان هو كذلك عند المنتقل منه، و رأس المال الموجود في النصوص لا يعتبر فيه كونه من مالك العين؛ إذ المراد به ثمن المتاع في نفسه و إن كان من الواهب و المورث. و ظهور بعض النصوص في ذلك مع أنّه مبنيّ على الغالب ليس هو على جهة الشرطيّة كي ينافي ما دلّ على العموم» (2). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى لا يخلو عن مناقشة من وجوه تظهر بعد الإحاطة على ما ذكرنا.

هذا.

و ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّه لا ينبغي الإشكال في دخول المأخوذ بالمعاطاة عندهم على القول بكونه ملكا، أو مباح التصرّف بعد حصول أحد أسباب‌

____________

(1). كذا قوله: «و معاقد الأصحاب». و الظاهر: معاقد إجماع الأصحاب.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 260- 261.

496

التملّك في مال التجارة.

أمّا الأوّل فظاهر؛ لصدق مال التجارة بالمعنى المزبور عليه؛ إذ لا يشترط فيه كون العقد لازما جدّا، و نفي المشهور عقد المعاوضة عن المعاطاة و قولهم بكونها مفيدة للإباحة إنّما هو من جهة انحصار العقد المفيد للملك عندهم بالإيجاب و القبول اللفظيّين فلا يتعقّل [كذا] كون المأخوذ بها داخلا في مال التجارة بناء على القول بالملكيّة.

و أمّا الثاني؛ فلأنّه إذا قصد الاكتساب حين العقد مع قصد التملّك به كما هو مبنى المعاطاة بالبيان و الوجدان صدق مال التجارة عليه بعد حصول أحد أسباب التملّك.

و الذي يدلّ على ذلك أنّه لو بني على خروجه لزم إخراج أكثر أفراد التجارة عن محلّ الكلام نظرا إلى أنّ غالب المعاملات مبنيّ على المعاطاة.

هذا حاصل ما أفاده- دام ظلّه (1)-، و هو لا يخلو عن نظر؛ لأنّ صدق الحدّ المزبور عليه في غاية الإشكال؛ لأنّ حصول التملّك بالسبب الاختياري أو القهري الذي لا يلتفت إليه الرجل ليس مستندا إلى العقد في شي‌ء، بل على مذهب المشهور لا يكون هناك عقد أصلا، فتدبّر.

و منه يعلم الحال لو اعتبر قصد الاكتساب حين حصول سبب الملك، فإنّه لا يجدي في شي‌ء أيضا.

و من هنا تنظّر فيه بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (2)، و قال بعدم صدق ما ذكروه في حدّ مال التجارة عليه.

نعم، المملوك بعقد الفضولي سواء على القول بالكشف أو النقل في الإجازة داخل في مال التجارة جدّا بعد اجتماع سائر القيود، كما هو مفروض الكلام بعد كونه‌

____________

(1). راجع كتاب الزكاة (الأنصاري)، ص 247.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 263.

497

مملوكا بعقد معاوضة حتّى على القول بكون الإجازة ناقلة؛ لأنّ معنى كونها ناقلة أنّ العقد يؤثّر بعد تحقّق الإجازة، فهو نظير قول الشيخ (رحمه اللّه) في العقد بالنسبة إلى أيّام الخيار، فمنه يعلم أنّ إشكال بعض مشايخنا- في شرحه على الكتاب- في ذلك ممّا لا وجه له أصلا.

و أمّا خروج المأخوذ بالصلح فيما فرضناه سابقا و عوض الخلع و المهر و نحوها، فقد صرّح به في محكيّ التذكرة (1)، و تنظّر فيه في محكيّ البيان حيث قال: «و هل يعتبر في المعاوضة أن تكون محضة ليخرج الصداق و المختلع به و الصلح عن دم العمد [اذا نوى به التجارة] نظر من أنّه اكتساب بعوض و من عدم عدّ مثلها عوضا عرفا» (2).

و تبعه في محكيّ المسالك حيث قال: «و المراد بالمعاوضة ما يقوم طرفاه بالمال كالبيع و الصلح، و يعبّر عنها بالمعاوضة المحضة، و قد يطلق على ما هو أعمّ من ذلك، و هو ما اشتمل على طرفين مطلقا، فيدخل فيه المهر و عوض الخلع و مال الصلح عن الدم. و في صدق التجارة على هذا القسم مع قصدها نظر. و قطع في التذكرة بعدمه» (3).

انتهى كلامه رفع مقامه.

و جزم بعض مشايخنا (4) بدخوله فيه بناء على ما بنى عليه الأمر فيما سيجي‌ء من الاكتفاء بنيّة الاكتساب.

و المسألة لا تخلو عن إشكال و إن كان الراجح في النظر بالنسبة إلى ما يقتضيه ظاهر مال التجارة و لو بالانصراف العرفي و ما أنيط فيه الحكم بما يعمل به الظاهر في نفيه عن غيره بناء على ما عرفت في معنى الحول و ما يرادفه خروجه عن مال‌

____________

(1). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 207.

(2). البيان، ص 188.

(3). مسالك الأفهام، ج 1، ص 399.

(4). و هو صاحب جواهر الكلام، ج 15، ص 264.

498

التجارة، كما هو الظاهر من كلام الأكثرين، و لا ينافيه ظهور بعض الأخبار باعتبار العموم أو الإطلاق في جريان حكم مال التجارة عليه؛ لما قد عرفت مرارا من وجوب حمله على ما دلّ على عدم الاكتفاء إلّا بما جرى عليه التجارة، هذا.

و أمّا خروج المملوك بالردّ بأحد هذه الأمور من جهة العيب أو سائر الخيارات أو الإقالة فهو ظاهر الأكثر. و يدلّ عليه ظهور التجارة و العمل و نحوهما من الألفاظ الظاهرة في المعاملة، و الردّ بأحد هذه الأمور و إن كان مرجعه حقيقة إلى التملّك الجديد على ما يقتضيه التحقيق، إلّا أنّه لا يصدق عليه ما ذكرنا، هذا.

و استشكل فيه شيخنا الاستاذ العلّامة- دام ظلّه- في مجلس البحث، وفاقا لبعض من حيث الإشكال في اعتبار عقد المعاوضة بالمعنى الذي ذكره فيما تعلّق به الحكم في الاعتبار.

و الإنصاف أنّ المسألة لا تخلو عن إشكال، و إن لم يكن قول الأكثر خاليا عن القوّة كما قوّاه شيخنا- دام ظلّه- بعد الإشكال فيه.

و أمّا اعتبار قصد الاكتساب و الاسترباح حين التملّك مع اعتبار استمراره فيخرج ما لا يقصد به ذلك ابتداء، فهو خيرة الأكثر، بل في المدارك (1): إنّه ذهب إليه علماؤنا، بل عن المصنّف في المعتبر (2) دعوى الإجماع عليه، و إن قال بعض مشايخنا: إنّا لم نقف عليه من كلامه لكن عن المصنّف في المعتبر أنّه قوّاه، و قوّاه أيضا الشهيدان في محكيّ البيان (3) و الروضة (4)، و استحسنه في المسالك (5)، و هو ظاهر اللمعة (6)، و نفى‌

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 165.

(2). المعتبر، ج 2، ص 548- 549.

(3). البيان، ص 188.

(4). راجع الروضة البهيّة، ج 2، ص 37.

(5). مسالك الأفهام، ج 1، ص 400.

(6). راجع اللمعة الدمشقية، ص 41- 42.

499

البأس عنه في المدارك (1)، و جزم [به] بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب.

قال في محكيّ المعتبر: «مسألة: قال الشيخ (رحمه اللّه): لو نوى بمال القنية التجارة لم يدخل في حول التجارة بالنيّة، و به قال الشافعي و أبو حنيفة و مالك؛ لأنّ التجارة عمل فلا يصير [كذلك] بالنيّة كما لو نوى سوم المعاملة و لم يسمّها، و قال إسحاق: يدور في الحول بالنيّة، و به رواية عن أحمد؛ لما رواه عن سمرة [قال]: «أمرنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن نخرج الصدقة ممّا نعدّه للبيع» (2) و بالنيّة يصير كذلك و هذا عندي قويّ؛ لأنّ (نيّة) التجارة هو أن يطلب [به] زيادة على رأس ماله و ينوي بها البيع كذلك، فتجب الزكاة بظاهر الروايتين اللّتين سبقتا. و قولهم: التجارة عمل. قلنا: لا نسلّم أنّ الزكاة تتعلّق بالفعل الذي هو البيع، [بل] لم لا يكفي إعداد السلعة لطلب الربح و ذلك يتحقّق بالنيّة، و لأنّه لو نوى القنية بأمتعة التجارة صحّ بالنيّة اتّفاقا، فكذا لو نوى الاكتساب» (3). انتهى ما حكي عنه (قدّس سرّه).

و استدلّ للمشهور بما عرفت في طيّ كلماتنا السابقة مرارا من الأخبار الدالّة على إناطة الحكم بالتجارة و العمل بمعنى المعاملة و الحركة و نحوهما من العنوانات الغير الصادقة إلّا مع التلبّس و تحقيق المعاملة فعلا مع قصدها في المستقبل، النافية للحكم عمّا لا يشتمل عليه، و من المعلوم عدم صدق ما ذكر بمجرّد نيّة التجارة، و لو أطلق عرفا فإنّما هو مبنيّ على التوسّع في الإطلاق، لا الحقيقة على ما عرفت الإشارة إليه.

و من هنا يعلم أنّه لو كان هناك ما يقضي بظهوره عموما أو إطلاقا على الاكتفاء‌

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 165.

(2). سنن أبي داود، ج 1، ص 348؛ السنن الكبرى (البيهقي)، ج 4، ص 147.

(3). المعتبر، ج 2، ص 548- 549.

500

بالنيّة المجرّدة لتعيّن رفع اليد عنه بما عرفت؛ لأنّه أظهر و أخصّ كما لا يخفى لمن راجعه، فإنّه لا يرتاب أحد في أنّ قوله (عليه السّلام) في بعض الأخبار في الجواب عن سؤال الراوي عمّن توضع عنده الأموال و يعمل بها بقوله: «فإن حرّكها» إلى آخره (1)، أخصّ من جميع ما في الباب كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا كلّه يعرف النظر في مواقع من كلام المصنّف في المعتبر، هذا.

و استدلّ لما قوّاه المصنّف و من تبعه بإطلاق بعض الأخبار أو عمومه.

مثل: قوله فيما تقدّم من الأخبار: «كلّ شي‌ء جرّ عليك المال فزكّه» الحديث (2).

و مثل ما أنيط الحكم فيه بالتجارة بناء على ما ادّعوه من صدقها بمجرّد النيّة عرفا و إن لم يكن معه عمل، و إليه يرجع ما ذكره في المعتبر (3) من اشتراط العمل.

و مثل ما رواه إسماعيل بن عبد الخالق قال: «سأله سعيد الأعرج و أنا أسمع فقال:

إنّا نكبّس الزيت و السمن نطلب [به] التجارة فربما مكث عندنا السنة و السنتين، هل عليه زكاة؟ [قال:] فقال: إن كنت تربح فيه شيئا أو تجد رأس مالك فعليك فيه زكاة، و إن كنت إنّما تربّص به لأنّك لا تجد إلّا وضيعة فليس عليك زكاة حتّى يصير ذهبا أو فضّة، فإذا صار ذهبا أو فضّة زكّه للسنة التي اتّجرت فيها» (4).

إلى غير ذلك ممّا ادّعوا دلالته بالإطلاق أو العموم، و بقولهم: إنّه لو نوى القنية بأمتعة التجارة صحّ بالنيّة اتّفاقا، فكذا لو نوى الاكتساب. هذا.

____________

(1). في رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «و سألته عن الرجل توضع عنده الأموال يعمل بها.

فقال: اذا حال الحول فليزكّها». الكافي، ج 3، ص 528؛ الاستبصار، ج 2، ص 10؛ التهذيب، ج 4، ص 69؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 71.

(2). الكافي، ج 3، ص 527؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 171.

(3). المعتبر، ج 2، ص 548- 549.

(4). الكافي، ج 3، ص 529؛ الاستبصار، ج 2، ص 10؛ التهذيب، ج 4، ص 69؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 70. (مع اختلافات فيها).

501

و أنت خبير بما في ما استدلّوا به.

أمّا الرواية الأولى فيرد عليها- مضافا إلى قرب احتمال كون المراد منه العهد لا العموم حتّى يلزمه التخصيصات الكثيرة- أنّ من المحتمل قريبا كون الرواية واردة في مقابل الموروث و الموهوب فلا ظهور له بالنسبة إلى محلّ البحث.

و أمّا ما أنيط فيه الحكم بلفظ التجارة فيرد عليه أنّك قد عرفت مرارا كثيرة أنّ إطلاق التجارة عرفا بمجرّد الإعداد و النيّة من دون التلبّس الفعلي مبنيّ على المسامحة، فلا يجدي في المقام.

و أمّا رواية إسماعيل فيرد عليها أنّ الظاهر من الكبس هو جمع الطعام و ادّخاره للاسترباح فلا ظهور له في المدّعى.

هذا كلّه، مضافا إلى ما يرد على الكلّ ممّا تقدّمت الإشارة إليه من أنّ غاية ما في الباب ظهور هذه الأخبار في المدّعى، فيتعيّن رفع اليد عنه بما دلّ على اشتراط العمل و الحركة و نحوهما من العنوانات الغير الصادقة بالفعل.

و من هنا يعلم أنّ عدم اشتراط العمل في صدق التجارة لا يجدي بعد قيام الدليل من الخارج على اشتراطه في مورد الحكم، هذا.

و القول بأنّ المراد من العمل في الأخبار هو قصده لا نفسه فلا ينافي ما دلّ على كفاية مجرّد قصد العمل و التجارة، فاسد قطعا؛ لأنّه خلاف الظاهر جدّا، فكيف يرتكب هذا التصرّف في قوله في بعض الأخبار الدالّة على نفي الزكاة عن مال اليتيم حتّى يعمل به و نحوه- بمعنى أنّ المال القدر المشترك بين المستعمل فيه-: «لا زكاة فيه حتّى يعمل به» (1) فيكون ثبوت الزكاة فيه باعتبار فرد و تحقيق العمل فيه باعتبار‌

____________

(1). عن محمد بن الفضيل قال: «سألت ابا الحسن الرضا (عليه السّلام) عن صبية صغار، لهم مال بيد أبيهم أو أخيهم هل على مالهم زكاة؟ فقال: «لا تجب في مالهم زكاة حتى يعمل به فإذا عمل به وجبت الزكاة». الاستبصار، ج 2، ص 29؛ التهذيب، ج 4، ص 28؛ الوسائل، ج 9، ص 88.

502

فرد آخر.

نعم، قد يتوهّم أنّ لفظ «العمل» في قوله: «عن الرجل يوضع عنده و يعمل به» (1) القصد، بمعنى كونه غاية للوضع.

لكنّه كما ترى؛ لأنّ ظاهره الفعليّة كما لا يخفى، مع أنّ نفيه الزكاة في الجواب إلى أن يحرّك أوضح دليل على اعتبار الفعليّة و عدم كفاية مجرّد القصد، فافهم.

و أمّا الدليل الثاني فهو أوضح فسادا من أن يحتاج إلى البيان؛ لأنّ قدح نيّة خلاف التجارة في أثناء الحول إنّما هو من جهة كونها شرطا في صدق مال التجارة ابتداء و استمرارا، فإذا انتفى انتفى المشروط، فلا يتعلّق الحكم بناء على اشتراط بقاء العنوان المذكور طول الحول كما هو المسلّم عندهم، و لا يلزم من ذلك تأثير نيّة التجارة في إحداث العنوان المذكور فيما إذا انفكّت عن العمل؛ لأنّ حكمنا بما ذكر مبنيّ على شرطها، فإنّها تقتضي انتفاء المشروط، لا على تسليمها حتّى يستنتج ما ذكر.

و بالجملة، هذا الدليل في غاية الضعف، و لعلّ ذكره من جهة مجرّد التأييد، هذا.

فقد تلخّص ممّا ذكرنا كلّه أنّ المصير إلى مقالة المشهور في تحديد مال التجارة هو المتعيّن؛ لأنّه ممّا يساعده العرف و الأخبار.

هذا كلّه، مضافا إلى أنّه لو أغمض النظر عن الدليل على اشتراط مقارنة النيّة للتملّك لمعارضة ما ظهر منه الاشتراط بما يظهر منه عدمه، تعيّن الرجوع إلى الأصل، و من المعلوم كون مقتضاه اعتبار جميع القيود المزبورة في تعلّق الحكم كما لا يخفى.

ثمّ إنّ قصد الاكتساب و الاسترباح المعتبر في موضوع مال التجارة أعمّ من أن‌

____________

(1). في رواية محمد بن مسلم عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام): «و سألته عن الرجل يوضع عنده الاموال يعمل بها.

فقال: اذا حال الحول فليزكّها». الكافي، ج 3، ص 528؛ الاستبصار، ج 2، ص 10؛ التهذيب، ج 4، ص 69؛ الوسائل، ج 9، ص 71.

503

يكون بواسطة أو بلا واسطة، كما صرّح به شيخنا- دام ظلّه العالي- و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه؛ لعموم الدليل و وجود الصدق، فلو اشترى شيئا قاصدا به الاسترباح بعوضه بعد بيعه لا بنفس ما اشتراه، كفى في تحقّق مال التجارة.

كما أنّ مقتضى ما ذكرنا التعميم في عوض مال التجارة من حيث النقد و الجنس و العين و المنفعة، كما صرّح به جماعة، فلو باع داره قاصدا للاسترباح بثمنه تعلّقت الزكاة، كما أنّه لو آجرها بعوض قاصدا للاسترباح به تعلّق به الزكاة. و كذا لو استأجر دارا أو خانا مثلا للاسترباح ما ... (1) بهما تعلّقت الزكاة بمنفعتهما كما لا يخفى.

هذا بعض الكلام في موضوع مال التجارة.

و أمّا حكمه فقد اختلف في وجوب إخراج الزكاة منه و استحبابه.

فالمشهور شهرة محقّقة كادت تكون إجماعا- بل هو كذلك على ما حكاه جماعة- استحبابه، و حكي عن بعض الأصحاب القول بالوجوب (2)؛ نظرا إلى الأخبار المستفيضة الظاهرة في الوجوب، التي لا بدّ من حملها على إرادة الاستحباب؛ للجمع بينها و بين ما هو أظهر منها في الدلالة على نفي الوجوب، بل بعضها صريح في ذلك كما لا يخفى لمن راجعها.

هذا مضافا إلى أنّ الأصل في المسألة عدم الوجوب و إن لم يثبت خصوص الاستحباب إلّا أنّه يكفي في الحكم بالرجحان العلم بثبوته، هذا.

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(2). قال العاملي في مدارك الأحكام، «و هو الظاهر من ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه فإنّه قال:

«و اذا كان مالك في تجارة و طلب منك المتاع برأس مالك و لم تبعه تبتغي بذلك الفضل فعليك زكاته اذا حال عليه الحول». مدارك الأحكام، ج 5، ص 49؛ الفقيه، ج 2، ص 20.

504

[الموضع الثاني في الشروط]

[اشتراط النصاب في زكاة مال التجارة]

قوله (قدّس سرّه): و أمّا الشروط فثلاثة:

الأوّل: النصاب، و يعتبر وجوده في الحول كلّه، فلو نقص في أثناء الحول- و لو يوما- سقط الاستحباب، (1) إلى آخره (1).

____________

أقول: أمّا اشتراط النصاب في زكاة مال التجارة فممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل الإجماع عليه بقسميه، كما يظهر من الرجوع إلى كلمات الأصحاب، بل في محكيّ المعتبر (2) و المنتهى (3) و كشف الالتباس (4) و غيرها أنّه قول علماء الإسلام.

و المراد به نصاب أحد النقدين؛ لقيام الإجماع عليه، مضافا إلى ما استظهره جماعة من النصوص من أنّها زكاة النقدين بعينها، إلّا أنّ الفرق بالوجوب و الاستحباب فقط، كما أنّه استظهر منها قيام أعيان مال التجارة مقام النقد الذي اشتريت [به]، بل قد ادّعي أنّ المستفاد من النصوص المفروغيّة عن ذلك.

و ممّا استظهر منه ذلك: ما رواه إسحاق بن عمّار عن أبي إبراهيم (عليه السّلام)، قال: «قلت له: مائة و تسعون درهما و تسعة عشر دينارا، عليها في الزكاة شي‌ء؟ قال: إذا اجتمع الذهب و الفضّة فبلغ ذلك مائتي درهم ففيها الزكاة؛ لأنّ عين المال الدراهم، و كلّ ما‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 118.

(2). المعتبر، ج 2، ص 546.

(3). منتهى المطلب، ج 1، ص 507.

(4). حكاه الجواهر، ج 15، ص 265.

505

..........

____________

خلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود إلى الدراهم في الزكاة و الديات» (1) بناء على إرادة مال التجارة فيه، بل على تقدير عدمه أيضا بناء على الاستدلال بعموم قوله: «و كلّ ما خلا الدراهم» إلى آخره.

و منه أيضا: ما رواه إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «كل ما عدا الأجناس مردود إلى الدراهم و الدنانير» (2).

إلى غير ذلك من الأخبار التي استظهر منها ذلك.

و الإنصاف أنّ استظهار المطلب منها لا يخلو عن مناقشة، و إن كان أصل المطلب ممّا لا شبهة فيه و لا ريب يعتريه، و إن وسوس بعض الأفاضل المتأخّرين فيه على ما حكي عنه (3)، لكنّه ضعيف جدّا.

ثمّ إنّه لا إشكال بعد البناء على كون النصاب في المقام هو النصاب للنقدين، [في] جريان النصاب الثاني منها في المقام أيضا من غير فرق بينه و بين النصاب على حسب النقدين.

لكنّ المحكي عن ثاني الشهيدين (قدّس سرّهما) في محكي فوائد القواعد التأمّل في الثاني معلّلا بأنّه لم نقف على دليل يدلّ على اعتبار النصاب الثاني في المقام، و أنّ العامّة (4) صرّحوا باعتبار الأوّل خاصّة (5).

هذا حاصل ما حكي عنه، و هو كما ترى، و لذا أورد عليه سبطه في المدارك (6) بأنّ‌

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 517؛ الاستبصار، ج 2، ص 39- 40؛ التهذيب، ج 4، ص 93؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 140. و فيها: «قلت له: تسعون و مأئة درهم و تسعة عشر دينارا ...».

(2). رواه الشيخ في الخلاف، ج 2، ص 98. و ليس في المصادر هذا التعبير، و لعلّها نفس الرواية السابقة.

(3). حكاه في جواهر الكلام، ج 15، ص 266.

(4). راجع المجموع، ج 6، ص 16- 17.

(5). فوائد القواعد، ص 255.

(6). مدارك الأحكام، ج 5، ص 168.

506

..........

____________

الدليل على اعتبار الثاني هو الدليل على اعتبار الأوّل، و أمّا عدم اعتبار الجمهور له فهو إنّما من جهة عدم اعتبارهم له في زكاة النقدين، و اللّه العالم، هذا.

و أمّا اعتبار النصاب في طول الحول في الاستحباب فهو أيضا ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل ظاهر جماعة دعوى الإجماع عليه كاعتباره في وجوبها في النقدين و غيرهما ممّا تجب الزكاة فيه، كما أنّ احتساب حول الأصل من حين الابتياع، و حول الزيادة- مع تقدير ظهوره- من حين الظهور ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه بين من تعرّض لحكم المسألة منّا؛ لأنّه قضيّة ما دلّ على اعتبار الحول بعد كون الزيادة مالا مستقلّا كما هو واضح كوضوح الأمر في اعتبار الشرطين الآخرين.

507

[الموضع الثالث في أحكامه فمسائل]

[الأولى] [زكاة التجارة تتعلّق بقيمة المتاع لا بعينه]

قوله (قدّس سرّه): [و أمّا أحكامه فمسائل:] الاولى: زكاة التجارة تتعلّق بقيمة المتاع، لا بعينه (1) (1).

____________

أقول: هذا هو المشهور بين الأصحاب شهرة كادت تكون إجماعا.

و أوّل من صرّح به ممّن وقفنا على كلامه الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (2)، و تبعه من تأخّر عنه (3)، بل عن المفاتيح (4) نسبته إلى أصحابنا، بل ربما قيل: إنّ كلام العلّامة (قدّس سرّه) في المنتهى (5) يشعر بقيام الإجماع عليه، هذا.

و لكنّ المحكي عن المعتبر (6) و التذكرة (7)- مع ذلك- الميل إلى تعلّقها بالعين كالزكاة الواجبة في العين، فإنّه قال في الأوّل- بعد نقله عن أبي حنيفة-: إنّه أنسب بالمذهب، و نفى في الثاني البأس عنه بعد نقله عنه- عليه ما عليه- و استحسنه في المدارك (8). و عن المفاتيح (9) أنّه أصحّ، و قوّاه في محكيّ إيضاح النافع (10).

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 119.

(2). المبسوط، ج 1، ص 221.

(3). كسلّار في المراسم، ص 136.

(4). مفاتيح الشرائع، ج 1، ص 203.

(5). منتهى المطلب، ج 1، ص 508.

(6). المعتبر، ج 2، ص 550.

(7). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 218- 219.

(8). مدارك الأحكام، ج 5، ص 174.

(9). مفاتيح الشرائع، ج 1، ص 203.

(10). حكاه الجواهر، ج 15، ص 273.

508

..........

____________

قال في محكيّ المعتبر (1) بعد نقل تمسّك الشيخ (رحمه اللّه): و تمسّك الشيخ (رحمه اللّه) ضعيف، أمّا قوله: (النصاب معتبر بالقيمة) قلنا: مسلّم، لكن ليعلم بلوغها القدر المعلوم، و لا نسلّم أنّه لوجوب الإخراج منها. و أمّا الرواية فغير دالّة على موضع النزاع؛ لأنّها دالّة على أنّ الأمتعة تقوّم بالدراهم أو الدنانير، و لا يلزم من ذلك إخراج زكاتها منها.

ثمّ نقل عن أبي حنيفة قولا بتعلّق الزكاة بالعين، فإن أخرج منها فهو الواجب، و إن عدل إلى القيمة فقد أخرج بدل الزكاة، و قال: فإذا ما قاله أبو حنيفة أنسب بالمذهب (2).

انتهى ما حكي عنه (قدّس سرّه).

ثمّ إنّ جماعة من الأصحاب لمّا زعموا رجوع القول بتعلّق الزكاة بالقيمة إلى تعلّقها بالذمّة- كما هو قول بعض الأصحاب على ما حكي عنه في زكاة الأعيان- كان هذا غير مرضيّ عندنا.

و الكلام في المقام تارة في المراد من قولهم بتعلّقها بالقيمة، و أخرى في تحقّق ما هو الحقّ في المقام من القولين، فنقول:

أمّا الكلام من الجهة الاولى فحاصله أنّ هذا القول يحتمل وجوها:

أحدها: أن يكون المراد من التعلّق بالقيمة التعلّق بالذمّة، و هو الذي استظهره جماعة منهم ثاني الشهيدين (قدّس سرّهما) (3) كما هو صريح كلامه في ما فرّعه على القولين في ما سيأتي.

ثانيها: أن يكون المراد منه التعلّق بماليّة العين، و حيث إنّ ماليّة كلّ شي‌ء يعتبر بالقيمة و هي النقدان- و لذا يحكم في باب الضمانات بلزوم دفع الدراهم و الدينار إلّا‌

____________

(1). المعتبر، ج 2، ص 550.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 174.

(3). راجع مسالك الأفهام، ج 1، ص 402.

509

..........

____________

إذا رضي المضمون له بغيرهما حيث إنّه لا أقرب منها إلى التالف بعد فرض استقرار المال في الذمّة- فعبّروا بتعلّقها بالقيمة، و ليس هذا مختصّا بالمقام، بل الموارد التي حكموا فيها بتعلّق الحقّ بالقيمة كثيرة كما في دية الخطأ إذا كان الجاني العبد، فإنّهم حكموا بأنّ الحقّ يتعلّق بماليّته و قيمته، و كما في حقّ الغرماء على التحقيق من تعلّقها بمالية التركة أو مال المفلّس، و كما في حقّ الزوجة غير ذات الولد أو مطلقا بالنسبة إلى الأبنية، فإنّهم حكموا بتعلّقه بقيمة الأبنية لا بعينها و إن حكي عن ثاني الشهيدين (1) الحكم بتعلّقه بذمّة الورثة لكنّه ممّا لا معنى له بظاهره، و كما في حقّ من يعمل أبنية و يحدثها في ملك الغير بحيث يوجب ارتفاع قيمته، فإنّه يتعلّق بقيمته في وجه، و هكذا.

و هذه كلّها مشتركة في تعلّق الحقّ فيها بالماليّة و القيمة.

و أمّا الكلام في اختلاف أنحاء التعلّق فيها و عدمه، فالمقام ليس محلّه و ليس له دخل بالمقصود؛ لأنّ المدّعى إثبات أنّ للتعلّق بالقيمة معنى لا دخل له بالتعلّق بالعين في قبال من زعم انحصار متعلّق الحقّ بالعين الخارجيّة و الذمّيّة، نظرا إلى حكم العقل به من جهة دوران متعلّق الحقّ في حكمه بالموجود الخارجي و هو العين و الموجود في الذمّة، إذ ليست الماليّة و القيمة شيئا في قبال العين و الذمّة، هذا.

ثالثها: أن يكون المراد منه التعلّق بالعين بنسبة القيمة، بالمعنى الذي عرفته، و الفرق بينه و بين سابقه ظاهر؛ لأنّ معنى التعلّق بالقيمة عدم صيرورة جزء من العين ملكا للفقير لا متعلّقا لحقّه كما في حقّ الرهانة أو الجناية، و إنّما هو متعلّق بالقيمة و الماليّة محضا. فهذا يخالف جميع الأقوال في كيفيّة تعلّق الزكاة في الأعيان كما لا يخفى.

____________

(1). راجع مسالك الأفهام، ج 1، ص 402.

510

..........

____________

و هذا بخلاف التعلّق بالعين على حسب القيمة فإنّ معناه صيرورة جزء من العين ملكا للفقير بنسبة القيمة في قبال التعلّق بالعين من غير ملاحظة نسبة القيمة. هكذا أفاده شيخنا- دام ظلّه- و ذكر أنّ الثمرة بينه و بين التعلّق بالعين هنا ظاهرة، و إن كان في ظهورها مناقشة عند القاصر.

إذا عرفت هذه الوجوه و الاحتمالات، فنقول: الظاهر من القول بتعلّقها بالقيمة هو الاحتمال الثاني، و الذي يدلّ عليه وجوه:

أحدها: ظهور عنوانهم في مسألة زكاة مال التجارة. فتدبّر.

ثانيها: ظهور كلام الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (1) في ذلك، فإنّ كلامه و شيئا من دليليه لا يساعد على الاحتمال الأوّل و إنّما هما ظاهران في ذلك الاحتمال، كما لا يخفى لمن له أدنى دراية.

ثالثها: شهادة كلام العلّامة في محكيّ المنتهى (2) حيث إنّه حكم في مسألة ما لو عاوض النقد الذي كان مال التجارة بالمتاع في أثناء الحول بأنّه على قول الشيخ (رحمه اللّه) تكون الزكاة ثابتة معلّلا بما هو صريح في فهمه منه ما ذكرنا. و كلامه أيضا في مسألة جواز بيع السلعة معلّلا بأنّ الزكاة تتعلّق بالقيمة. (3)

و أمّا الثمرات التي ذكروها للقولين في مسألة التعلّق فلا تنافي ما ذكرنا إلّا بعضها الذي لم يظهر من كلام الشيخ (رحمه اللّه) و أتباعه، و إنّما هو لازم اعتقد بثبوته من يظهر منه كون المراد من التعلّق بالقيمة التعلّق بالذمّة، هذا.

و ستقف على حقيقة الحال عند ذكر الثمرة بين القولين.

هذا بعض الكلام من الجهة الأولى، و أمّا الكلام من الجهة الثانية فحاصله أنّك قد‌

____________

(1). المبسوط، ج 1، ص 221.

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 508.

(3). منتهى المطلب، ج 1، ص 508.

511

..........

____________

عرفت أنّهم اختلفوا فيها بين قائل بتعلّقها بالقيمة- و هو محكيّ عن الشيخ (رحمه اللّه) (1) و أتباعه (2)- و قائل بتعلّقها بالعين (3).

و استدلّ لكلّ من القولين بوجوه:

أمّا وجوه القول بتعلّقها بالقيمة، فكثيرة:

منها: ما حكي عن الشيخ (رحمه اللّه) (4) من أنّ النصاب في زكاة مال التجارة معتبر بالقيمة، و ما اعتبر النصاب منه وجبت الزكاة فيه كسائر الأموال.

و منها: ما حكي عنه أيضا من رواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال:

«كلّ عرض فهو مردود إلى الدراهم و الدنانير» (5).

و هما كما ترى، و لذا أورد عليه في محكيّ المعتبر (6) بما عرفت.

و منها: استصحاب خلوّ العين عن الحقّ، استدلّ به بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (7).

و هو كما ترى إذ تعلّق الحقّ بالقيمة ليس أولى من تعلّقه بالعين، و كلّ منهما مخالف للأصل حتّى لو أريد من التعلّق بالقيمة التعلّق بالذمّة؛ بناء على كون الزكاة من الحقوق- حتّى فيما تستحبّ فيه الزكاة- لا التكليف المحض.

و منها: أنّ تعلّق الزكاة بالعين بمعنى كون جزء منه ملكا للفقير ممّا لا معنى له؛ لعدم اتّصاف الملك بالاستحباب، هذا.

____________

(1). المبسوط، ج 1، ص 221.

(2). كسلّار في المراسم، ص 136.

(3). المعتبر، ج 2، ص 550؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 219؛ مدارك الأحكام، ج 5، ص 174؛ مفاتيح الشرائع، ج 1، ص 203.

(4). راجع الخلاف، ج 2، ص 96.

(5). الخلاف، ج 2، ص 96.

(6). المعتبر، ج 2، ص 550.

(7). جواهر الكلام، ج 15، ص 272.

512

..........

____________

و هو أيضا كما ترى؛ إذ قد عرفت في مطاوي كلماتنا السابقة أنّ الملك لا يتّصف بشي‌ء من الاستحباب و الوجوب.

هذا كلّه، مع عدم تفاوت الحال في ذلك بين القولين حتّى على القول بكون المراد من التعلّق بالقيمة هو الاحتمال الأوّل، كما لا يخفى.

و بالجملة، حال القول بتعلّق الزكاة بالعين في المقام حال ما تسالموا عليه من ثبوت استحباب الزكاة في الجملة في غير التسعة.

و منها: الأخبار الواردة في زكاة مال اليتيم و غيره، النافية لها حتّى يعمل به (1)، بناء على ما أسمعناك في طيّ كلماتنا السابقة من أنّ نسبة الزكاة و العمل إلى المال لا يصحّ أن يكون باعتبار عين شخصيّة؛ لأنّ ما يعمل به قد خرج عن ملك المالك فكيف يزكّيه، بل لا بدّ أن يكون باعتبار نوع المال بلحاظ فردين منه، فيدلّ على أنّ تعلّق الزكاة هو القدر الجامع بين المالين و ليس إلّا الماليّة، هذا.

و هو أيضا كما ترى؛ إذ الحكم بتعلّق الزكاة باعتبار النوع لا ينافي اعتبار التعلّق باعتبار وجوده حقيقة في ضمن العين؛ إذ ما ذكر من البيان إنّما يجدي في تصحيح معنى الرواية من حيث اختلاف المعمول به و ما فيه الزكاة، و أمّا في مسألتنا هذه فلا يجدي أصلا كما لا يخفى.

و منها: منع جواز التصرّف في العين.

و هو أيضا كما ترى؛ إذ مرجعه إلى ما ذكره من الثمرة بين القولين.

إلى غير ذلك من الوجوه الغير الخالية عن المناقشة.

و أمّا وجوه القول بتعلّقها بالعين فوجوه من الروايات الظاهرة في التعلّق بالعين ممّا ورد في المقام و في مطلق الزكاة، و إن منع هذا الظهور جماعة مضافا إلى ظهور‌

____________

(1). راجع الكافي، ج 3، ص 540- 541؛ الاستبصار، ج 2، ص 29- 31؛ التهذيب، ج 4، ص 26- 30؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 83- 89.

513

..........

____________

وحدة كيفيّة تعلّق الزكاة بحسب الموارد و أنّها في جميعها على نهج واحد.

و لعلّ مراد المصنّف في محكيّ المعتبر من قوله: «و هو أنسب» (1) كونه أنسب بقواعد كيفيّة تعلّق الزكاة، و أنّها لا تختلف بحسب الموارد، أو كونه أنسب بالمذهب من حيث الأخبار و إن كان خلاف الظاهر، و إلّا فقد عرفت أنّه لا أصل يقتضي تعلّقها بالعين كما أنّه لا أصل يقتضي تعلّقها بالقيمة، هذا.

و الذي يقتضيه الإنصاف أنّ منع ظهور بعض الأخبار في التعلّق بالعين- سيّما ما يكون مشتملا على كليّة- في غير محلّه و إن كان الاعتماد بعليته في حال ما عرفت لا يخلو من مئونة، فتأمّل.

ثمّ إنّهم ذكروا أنّ ثمرة الخلاف تظهر في جواز التصرّف في العين قبل أداء الزكاة من دون ضمان كبيعها مثلا على المشهور، و من هنا استدلّ له بالرواية الدالّة على جواز البيع بخلافه على غير المشهور على القول بوجوب زكاة مال التجارة أو مطلقا في وجه ضعيف، و في التحاصّ و عدمه مع قصور التركة كما عن الشهيد الثاني (2) التصريح به، و إن اورد عليه تارة بما عرفت منّا من أنّ التعلّق بالقيمة غير التعلّق بالذمّة، فليس هناك تحاصّ على القول بالتعلّق بالقيمة أيضا، ذكره في المدارك (3)، و أخرى بأنّ الحقّ المستحبّ لا يعارض أداء الدّين من الواجب و لا يزاحمه و إن كان متعلقا بالعين أيضا.

و هذا الإيراد لا مناص عنه، كالإيراد السابق، و إن ذكر شيخنا- دام ظلّه- وفاقا لظاهر جماعة بأنّه لا ضير في المراجعة في أمثال الفرض و إن كنّا لم نتحقّق له معنى، فلا بدّ من تنزيله على القول بالوجوب كما هو ظاهر المدارك عند الإيراد على ثاني الشهيدين بما أشرنا إليه أوّلا، هذا.

____________

(1). المعتبر، ج 2، ص 550.

(2). مسالك الأفهام، ج 1، ص 402.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 174.

514

..........

____________

و قد ذكر بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب في مقام الردّ على صاحب المدارك ما هذا لفظه: «قلت: الذي يظهر بعد التأمّل أنّه لا فرق بين القول بالذمّة و القول بالقيمة، بل هو مرادهم منها؛ ضرورة أنّ القيمة أمر معدوم لا يمكن أن يتحقّق فيه ملك الفقير؛ إذ ليس المراد منها سوى ما يقابل المتاع لو بيع، و من الواضح كونه أمرا عدميّا، فليس الحاصل حينئذ إلّا الخطاب بالمقدار المخصوص من القيمة المفروضة في ذمّة صاحب المال، و هذا عين القول بالذمّة» (1). انتهى ما أردنا نقله من كلامه.

و أنت خبير بما فيه بعد الإحاطة على ما قدّمنا في تحقيق معنى التعلّق بالقيمة.

و بالجملة، هذه الثمرة من بين الثمرات و إن كانت مبنيّة على إرادة الذمّة من القيمة لكنّها ليست إلّا في كلام ثاني الشهيدين- المصرّح في المسألة الآتية بإرادة الذمّة من القيمة- و من تأخّر عنه، و هو لا يجدي في الكشف عن مراد الشيخ (رحمه اللّه) و أتباعه؛ لأنّ الموجود في كلام الشيخ (رحمه اللّه) ليس إلّا مسألة جواز البيع، و هو يناسب ما ذكرنا في معنى القيمة، و لذا علّله في محكيّ التذكرة (2) بما هو صريح فيما ذكرنا على ما عرفت الإشارة إليه، فافهم، و فيما لو ارتفعت القيمة بعد الحول، فإنّه على المشهور يكون للفقير القيمة عند حلول الحول بخلافه على قول من خالفهم، فإنّ له على هذا القول الزيادة أيضا.

و هذه الثمرة واضحة و ليست مبنيّة على إرادة الذمّة من القيمة، بل يتمّ على ما ذكرنا في معنى القيمة، فإنّ معنى قولنا: إنّ الزكاة تتعلّق بماليّة العين حين وجود السبب [أنّه] يصير قدر من الماليّة الثانية في ذلك الزمان ملكا للفقير، سواء ارتفعت القيمة بعده أو لا، فتدبّر.

إلى غير ذلك ممّا ذكره الشهيد في محكيّ حواشيه على القواعد (3) و غيره.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 275.

(2). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 218- 219.

(3). حكاه عنه في المدارك، ج 5، ص 175؛ الجواهر، ج 15، ص 274.

515

[الثانية] [اجتماع زكاة التجارة مع زكاة المال]

قوله (قدّس سرّه): الثانية: إذا ملك أحد النصب الزكاتية للتجارة، مثل أربعين شاة أو ثلاثين بقرة، سقطت زكاة التجارة و وجبت زكاة المال، و لا تجتمع الزكاتان.

و يشكل ذلك على القول بوجوب زكاة التجارة. و قيل: تجتمع الزكاتان، هذه وجوبا و هذه استحبابا (1) (1).

أقول:

الكلام في المسألة يقع في مقامين:

____________

أحدهما: فيما إذا قلنا باستحباب زكاة التجارة على ما عرفت أنّه المشهور المنصور.

ثانيهما: فيما إذا قلنا بوجوبها.

أمّا المقام الأوّل: [فيما إذا قلنا باستحباب زكاة التجارة على ما عرفت أنّه المشهور المنصور.]

فحاصل القول فيه أنّ ظاهر الأصحاب الاتّفاق على عدم ثبوت الزكاتين، كما أنّ ظاهرهم الاتّفاق على تقديم زكاة المال في الفرض.

قال في محكيّ المعتبر: «و لا يجمع زكاة العين و التجارة في مال واحد اتّفاقا» (2).

و نحوه قال العلّامة في محكيّ التذكرة (3) و المنتهى (4)، و حكي عن غيرهما (5) أيضا.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 119.

(2). المعتبر، ج 2، ص 549.

(3). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 223.

(4). منتهى المطلب، ج 1، ص 509.

(5). راجع مجمع الفائدة، ج 4، ص 138؛ مدارك الأحكام، ج 5، ص 176- 177؛ الحدائق الناضرة، ج 12، ص 151.

516

و الأصول في ذلك- قبل الإجماع- قول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): «لا ثنيا في صدقة» (1) و قول الصادق (عليه السّلام) في رواية زرارة: «لا يزكّى المال من وجهين في عام واحد» (2) فلا ينبغي إذا الارتياب في المسألة.

و أمّا القول بالاجتماع الذي نسبه في الكتاب إلى القيل، فقد اعترف جماعة بعدم العثور على قائله. و منه يعرف الكلام من هذه الجهة على القول بوجوب زكاة التجارة؛ لاتّحاد الدليل، بل القول بالخلاف مختصّ بالقول باستحباب زكاة التجارة، فتدبّر.

فإذا ثبت عدم اجتماع الزكاتين و بطلان القول به على تقدير وجود التقابل، فهل يتعيّن تقديم زكاة العين و يحكم بسقوط زكاة التجارة، كما هو الظاهر من الأصحاب على ما عرفت، أو يحكم بالتخيير بينهما، أو يتوقّف و يرجع إلى الأصول؟ وجوه خيرها أوّلها، و استدلّوا له بأنّ الواجب مقدّم على الندب.

و أورد عليه بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب حيث قال بعد إبطال القول بالاجتماع بالنصّ و الإجماع ما هذا لفظه: «نعم، لا دلالة في شي‌ء ممّا سمعت على تعيين الساقط في نحو المقام، لكنّه مفروغ من كونها زكاة التجارة عند الأصحاب؛ بناء على الندب معلّلين له بأنّ الواجب مقدّم على الندب. و فيه: أنّ ذلك عند التزاحم في الأداء بعد معلوميّة وجوب الواجب و ندبيّة المندوب، لا فيما نحن فيه الذي مرجعه إلى عدم مشروعيّة أحدهما على وجه لا ينتقل [منه] إلى التخيير المعلوم عدم تعقّله في المقام؛ ضرورة أنّه لا معنى له بين الواجب و الندب. و دعوى رجوع الحال إلى تعارض الأدلّة من وجه، فيرجع إلى الترجيح، و لا ريب في كونه لدليل الواجب واضحة الفساد؛ ضرورة أنّ ذلك لا يصلح شاهدا لتعيين الساقط منهما الذي استفدنا‌

____________

(1). الفائق في غريب الحديث (الزمخشري)، ج 2، ص 31؛ كنز العمال، ج 6، ص 332؛ النهاية (ابن اثير)، ج 1، ص 218، ج 2، ص 214. و فيها: «لا ثنى في الصدقة».

(2). الكافي، ج 3، ص 520؛ التهذيب، ج 4، ص 33؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 100.

517

سقوطه من الخبرين المزبورين، و ليس المقام [أي] مقام تعرف الثابت منهما من تعارض الدليلين اللّذين قد عرفت عدم تعارضهما، و لكن علمنا بدليل خارجي ارتفاع أحدهما المعيّن في الواقع المبهم عندنا، فلا بدّ من دليل معتبر يعيّنه، و لا يكفي الظنّ الناشئ من اعتبارات و نحوها، كما هو واضح، فالمتّجه- إن لم يثبت إجماع- التوقّف حينئذ في الحكم؛ بسقوط أحدهما على التعيين، كما أنّ المتّجه الرجوع في العمل إلى أصل البراءة، لكنّ الاحتياط لا ينبغي تركه، و احتمال وجوبه هنا لا يصغى إليه؛ لدوران الأمر بين الواجب و الندب» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى لا يخلو عن النظر.

و توضيح وجهه يتوقّف على بيان المقصود من دليل المشهور، فنقول:

إنّه لا ينبغي الارتياب في أنّ مراد المشهور من التعليل المذكور هو تقديم الواجب على المندوب من جهة التزاحم لا من جهة التعارض و لا غيره من الوجوه، و القول بأنّ المقام ليس من موارد تزاحمهما التي اتفقوا فيها على تقديم الواجب على الندب- من جهة قضاء العقل بذلك؛ لأنّ ذلك عند التزاحم في الأداء بعد معلوميّة وجوب الواجب و ندبيّة الندب، لا فيما نحن فيه الذي مرجعه إلى عدم مشروعيّة أحدهما على سبيل الإبهام عندنا المقتضي للتوقّف بحكم العقل من جهة بطلان الترجيح بلا مرجّح كما عرفته من شيخنا المتقدّم ذكره- ممّا لا يصغى إليه؛ لأنّ المرتفع بحكم ما عرفت من الخبرين و غيرهما هو اجتماع الزكاة الواجبة و المستحبّة و اثنينيّة الصدقة بمعنى عدم اجتماع الواجب من حيث إنّه واجب و المندوب من حيث هو كذلك.

و هذا كما ترى حكم بعدم اجتماع المسبّبين و لازمه بحكم العقل ارتفاع التأثير‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 279- 280.

518

الفعلي من السببين بوصف الاجتماع لا التأثير الشأني و ذات السبب المقتضية للتأثير الفعلي لو لا المانع، فسبب الوجوب و الندب مع الحكم المزبور موجود جدّا، و مبنى التزاحم في جميع الموارد على اجتماع السببين للتكليفين الغير المجتمعين بحكم العقل أو الشرع، لا على اجتماع نفس الحكمين فعلا، كيف!؟ و هو غير معقول بالفرض، و لا على اجتماع السببين العقليّين؛ لأنّه ممنوع أيضا كاجتماع نفس التكليفين.

فإن أريد من التزاحم في الدوام بعد معلوميّة وجوب الواجب و الندب اجتماع الوجوب و الندب بالمعنى الذي عرفته، فقد أسمعناك أنّه غير معقول، و إن أريد منه اجتماع السببين الفعليّين فهو كذلك، و إن أريد منه اجتماع ذات السببين فقد عرفت وجوده في المقام.

و إن قيل: إنّ ما دلّ على نفي الاثنينيّة في الصدقة ينفي وجود أحد السببين شأنا، ففيه ما عرفت أنّ النفي فيه راجع إلى نفي اجتماع المسبّب، و هو غير ملازم عقلا و شرعا لنفي ذات أحد السببين.

و إن قيل: إنّ المانع الشرعي من الاجتماع ليس كالمانع العقلي و إنّ عدم القدرة شرعا ليس كعدمها عقلا؛ نظرا إلى أنّ حكم الشارع بعدم الاجتماع مع فرض وجود الشرائط العقليّة و المصلحة الموجبة للتكليف لا بدّ من أن يرجع إلى نفي ذات السبب، و إلّا فلا وجه لحكمه بنفي السبب، و من هنا ذكروا أنّ التقييد العقلي لا يرجع إلى التصرّف في الدليل، بخلاف التقييد الشرعي، ففيه: أنّه لا مانع عقلا من نفي الشارع المسبّب لمصلحة يراها الشارع مع بقاء ذات السبب و لو كانت هو التسهيل على المكلّف، كما هو مقتضى بعض الأخبار الوارد في حكم المقام الدالّ على أنّه لو زكّى المال من وجهين في سنة واحدة لم يبق مال، فإذا نزّل الشارع التعسّر بمنزلة العذر فيلحقه حكمه بحكم العقل.

519

و إن قيل: كلّ ما دلّ على زكاة التجارة لا يشمل الفرض كما استدلّ به في المدارك (1) في المقام الثاني أيضا [ففيه:] مضافا إلى ظهور فساده بعموم الدليل و كلمات الأصحاب، أنّ المانع لتسليم الشيخ المتقدّم ذكره [ليس] إلّا ما دلّ على نفي الاجتماع و إلّا فلا معنى للحكم بارتفاع أحدهما لا على التعيين و التوقّف و الرجوع إلى الأصول كما لا يخفى.

و إذ قد عرفت أنّ المقام من موارد التزاحم و أنّه لا وجه لما تخيّله شيخنا المتقدّم كلامه (2) فلا إشكال في لزوم تقديم جهة الوجوب و سببيّته على جهة الندب و سببيّته، كما هو المسلّم في جميع الموارد؛ لعدم التعارض و التضادّ حقيقة بين جهة الوجوب و الندب و إن كان الحكمان متضادّين؛ لأنّ جهة الوجوب مقتضية، وجهة الندب غير مقتضية، لا أنّها تقتضي عدم ما يقتضيه الموجب للوجوب أو ضدّه، و من هنا تعبّر [تغيّر] المستحبّ بالذات واجبا بالعرض كالمباح بالذات، فإذا كان في المقام سبب استحقاق الفقير موجودا فلا يعارضه ما لا يقتضي الاستحقاق. و هذا واضح كلّه لا إشكال فيه أصلا.

هذا بعض الكلام في المقام الأوّل.

و أمّا الكلام في المقام الثاني [فيما إذا قلنا بوجوبها.]

فملخّصه أنّ ظاهر الأكثر تقديم زكاة العين.

و في المسالك (3) أنّه ربما قيل بالتخيير في المقام؛ لتساويهما في الوجوب و امتناع الجمع بينهما و عدم المرجّح، و أنّهما كالأمرين المتعذّر عقلا إرادتهما معا من الأمر؛ لضيق الوقت أو غيره.

و قد ذكر بعض مشايخنا (4) في المقام نحو ما عرفته منه في المقام الأوّل، فيحكم‌

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 178.

(2). أي صاحب جواهر الكلام.

(3). مسالك الأفهام، ج 1، ص 403.

(4). جواهر الكلام، ج 15، ص 281.

520

بالتوقّف و الرجوع إلى أصالة البراءة عن الزيادة على تقدير وجودها إن لم يكن إجماع على تقديم زكاة العين.

و قد يقال: يرجّح زكاة التجارة عكس القول الأوّل، هذا.

و استدلّ للقول الأوّل بوجهين:

أحدهما: ما عن الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (1) من التمسّك بقاعدة الاحتياط نظرا إلى كون وجوب زكاة التجارة متّفقا عليه.

و أورد عليه بأنّ التكلّم على فرض وجوبها، فكيف يجدي ما ذكره من الاتّفاق و الخلاف في الترجيح؟

و ذبّ عنه بأنّ مقصوده ليس الاستدلال به بل التأييد، نظرا إلى كون البناء على تقديم زكاة العين أقرب إلى امتثال الخطاب الوجوبي اللازم الامتثال، فتأمّل.

ثانيهما: ما في المدارك (2) من منع شمول دليل زكاة التجارة للفرض.

و فيه ما عرفت الإشارة إليه من أنّه مجرّد مكابرة؛ إذ كيف يدّعى عدم الشمول مع قوله (عليه السّلام): «كلّ ما جرّ» الحديث (3)، و قوله (عليه السّلام): «كلّ ما عملت به» الحديث (4) و نحوهما.

هذا.

و استدلّ للتخيير بما عرفته عن المسالك (5).

و أورد عليه شيخنا المتقدّم ذكره بقوله: «و فيه: إنّ التخيير هناك ينتقل إليه الذهن‌

____________

(1). راجع المبسوط، ج 1، ص 222.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 178.

(3). عن شعيب قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): كل شي‌ء جرّ عليك المال فزكّه ...». الكافي، ج 3، ص 527؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 171.

(4). عن محمد بن مسلم انه قال: «كل مال عملت به فعليك فيه الزكاة اذا حال عليه الحول». الكافي، ج 3، ص 528؛ الوسائل، ج 9، ص 72.

(5). مسالك الأفهام، ج 1، ص 403.

521

من مجرّد اللفظ بخلافه هنا، بل لعلّ ظاهر دليل [عدم] الجمع هنا عدم التخيير، كما هو ظاهر الأصحاب أيضا، فيتعيّن حينئذ كون الثابت أحدهما و لا دليل على التعيين كما سمعته في الندب» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و استدلّ للقول بتقديم زكاة التجارة بأنّها أحظّ للفقير (2).

و أوردوا عليه بما هو ظاهر الورود.

و الذي يقتضيه التحقيق بالنظر إلى ما عرفت في المقام الأوّل من كون المسألة من موارد التزاحم، هو التخيير عقلا على ما أفاده في المسالك؛ نظرا إلى عدم أهمّيّة أحدهما في نظر العقل، و يرجع في نفي الزيادة بحسب الماليّة إلى أصالة البراءة و إن كان نفس المكلّف به مردّدا بين المتباينين على ما عرفت في طيّ كلماتنا السابقة من أنّ التردّد بين المتباينين لا يجدي بعد الرجوع بحسب الماليّة إلى الأقلّ و الأكثر، هذا.

و لكن قد يقال بأنّ ما يقتضي الزيادة سبب لاستحقاق الفقير لها، و لا يعارضه السبب الآخر؛ لأنّه لا يقتضي عدمها، بل لا يقتضيها، و بينهما فرق واضح على ما عرفت توضيحه في المقام الأوّل، و إن أمكن أن يقال بأنّ حكم العقل بالتخيير إذا كان مبنيّا على تساوي الوجهين من حيث السبب الموجب و عدم أهمّيّة أحدهما على الآخر فلا معنى لترجيح ما يقتضي الزيادة، فتأمّل.

ثمّ إنّه قد يرجّح زكاة التجارة بأنّها متعلّقة بالقيمة، بخلاف زكاة المال فإنّها متعلّقة بالعين.

و هذا كما ترى لا محصّل له إلّا الرجوع إلى استصحاب بقاء العين على ما كان‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 280.

(2). كما حكاه في المعتبر، ج 2، ص 549 عن الشافعي في القديم و أبي حنيفة و أحمد؛ راجع أيضا:

تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 224؛ مدارك الأحكام، ج 5، ص 177؛ ذخيرة المعاد، ج 3، ص 450؛ جواهر الكلام، ج 15، ص 280.

522

عليه من جهة خلوّها عن حقّ الغير، و قد عرفت فساده بما لا مزيد عليه.

و ينبغي التنبيه على أمرين:

أحدهما: أنّه ذهب بعض المشايخ (1)- على ما بنى عليه الأمر في المسألة- [إلى] صحّة بيع العين،

نظرا إلى عدم العلم بتعلّق الحقّ به، فإن أراد من ذلك نفوذ البيع في الجملة، فهو كما ذكره، و إن أراده نفوذه على الإطلاق حتّى فيما لم يعط المالك الزكاة من غير العين أو لم يكن له مال فلا إشكال في جواز استرداد العين؛ لأنّ تعلّق الحقّ بماليّتها أيضا كاف في ذلك كما لا يخفى.

ثانيهما: أنّ ما ذكرنا كلّه من عدم اجتماع الزكاتين بالنظر إلى ما عرفت من الروايتين (2) و غيرهما فإنّما هو بالنظر إلى زكاة المال،

و أمّا اجتماع زكاة الفطرة فلا ريب فيه كاجتماع الخمس و الزكاة و إن كان المنفي في النبوي (3) اثنينيّة الصدقة لكن من المعلوم أنّ المراد منها زكاة المال لا مطلق الصدقة كما لا يخفى.

____________

(1). و هو صاحب جواهر الكلام، ج 15، ص 281.

(2). المسبوق ذكرهما النبوي و رواية زرارة عن الصادق (عليه السّلام): «لا يزكّى المال من وجهين في عام واحد».

الكافي، ج 3، ص 520؛ التهذيب، ج 4، ص 33؛ الوسائل، ج 9، ص 100.

(3). أي قوله (صلى اللّه عليه و آله): «لا ثنى في الصدقة». الفائق في غريب الحديث (الزمخشري)، ج 2، ص 31؛ كنز العمال، ج 6، ص 332؛ النهاية (ابن اثير)، ج 1، ص 218، ج 2، ص 214.

523

[الثالثة:] [سقوط زكاة السائمة بالمعاوضة]

قوله (قدّس سرّه): الثالثة: لو عاوض أربعين سائمة بأربعين سائمة للتجارة، سقط وجوب الماليّة و التجارة، و استأنف الحول فيهما.

و قيل: [بل] تثبت زكاة المال مع تمام الحول دون التجارة؛ لأنّ اختلاف العين (مع الاتّفاق في الجنس) لا يقدح في الوجوب مع تحقيق النصاب في الملك، و الأوّل أشبه (1) (1).

____________

أقول: قوله: «للتجارة» متعلّق بقوله: «عاوض»، و المراد بالمعوّض هو خصوص ما كان عنده للتجارة بقرينة قوله: «سقط وجوب الماليّة و التجارة»، فإنّ الحكم بسقوط التجارة إنّما هو بعد شأنيّة الثبوت كما لا يخفى، و قوله: «استأنف الحول فيهما» إلى آخره، لا ما كان عنده لا بعنوان التجارة على ما توهّمه ثاني المحقّقين (2) كما ستجي‌ء الإشارة إليه مع أنّ حكمه ظاهر، فإنّه إن تحقّق جميع شرائط زكاة المال بعد المعاوضة بعنوان التجارة قبل اجتماع شرائط زكاة التجارة، فتتعيّن زكاة المال، كما هو واضح، كوضوح كون الحكم بالعكس في العكس. و إن تقارن تحقّق شرائطهما فيدخل في المسألة المتقدّمة، و قد عرفت حكمها، و هذا وجه آخر حقيقة لعدم إرادة المصنّف (قدّس سرّه) لهذا الفرض.

و كيف كان، نقول فيما فرض أوّلا: إنّ ما يستفاد من كلمات الأصحاب في‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 119.

(2). حاشية الشرائع، ج 1، ص 262 (حياة المحقّق الكركي و آثاره)؛ راجع جامع المقاصد، ج 3، ص 27.

524

..........

____________

المسألة أقوال:

أحدها: ما اختاره المصنّف في الكتاب و المعتبر (1)، و المفيد (2)، و السيّد في المدارك (3) و غيرهم (4) على ما حكي عن بعضهم، من سقوط الزكاتين بمعنى عدم تأثير ما مضى من الزمان و استئناف الحول بالنسبة إليهما، فإن تقارن شرائطهما في الوجود فيبنى حكمه على المسألة السابقة، و إلّا فيتّبع ما سبق شرائطه في الوجود.

ثانيها: ما اختاره العلّامة (5) و أكثر المتأخّرين بل الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (6) [من] عدم سقوط زكاة التجارة، بل عن التذكرة (7) الإجماع عليه، بل عن الفخر (8) أنّه لا خلاف بين الكلّ في بناء حول التجارة على حول الأولى، و إنّما النزاع في بناء العينيّة.

ثالثها: ما عن الشيخ (رحمه اللّه) (9) من ثبوت زكاة المال دون التجارة كما حكاه المصنّف في الكتاب، هذا.

و خيرها هو القول الثاني، و يدلّ عليه إطلاق كثير من الأخبار المتقدّمة الدالّة على إناطة الحكم بالعمل بالمال و إدارته و الاتّجار به الشامل للمعاملة به مراتب كثيرة، و ما حملها الأصحاب على نفي الوجوب؛ جمعا بينها و بين ما دلّ على الوجوب‌

____________

(1). المعتبر، ج 2، ص 547.

(2). راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 282.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 178- 179.

(4). كالعلامة في المنتهى، ج 1، ص 509.

(5). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 225.

(6). المبسوط، ج 1، ص 223.

(7). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 225.

(8). إيضاح الفوائد، ج 1، ص 187.

(9). المبسوط، ج 1، ص 222.

525

..........

____________

بظاهره بحمله على الاستحباب، مثل قوله (عليه السّلام): «ليس في المال المضطرب به زكاة» (1) و نحوه ما دلّ على منازعة عثمان و أبي ذرّ (2)، فإنّ ظهورها في كون مال التجارة الذي هو موضوع للحكم أعمّ من الباقي سنة لا ينبغي انكاره.

هذا كلّه، مضافا إلى أنّ الغالب في مال التجارة التقلّب و الدوران.

هذا بالنسبة إلى زكاة التجارة، و أمّا زكاة المال فلا ينبغي الإشكال في أنّ الظاهر من النصّ و الفتوى اعتبار بقاء شخص النصاب فيها، هذا.

و استدلّ للقول الأوّل- مضافا إلى الأصل و الإجماع على اعتبار جميع ما يعتبر في الماليّة فيها- بما دلّ على اعتبار الحول و بقاء المال فيه في ثبوت الزكاة الشامل لزكاة التجارة، مثل قوله: «و كلّ ما لم يحل عليه الحول (و هو) عند ربّه فلا زكاة فيه» (3) و نحوه ممّا تقدّم من الأخبار في اشتراط الحول فيما يشترط فيه من الأعيان الزكويّة، هذا.

و استدلّ في المدارك زيادة على ما مرّ: بأنّ مورد النصوص المتضمّنة لثبوت هذه الزكاة السلعة طول الحول، كما يدلّ عليه قوله (عليه السّلام) في رواية محمّد بن مسلم: «و إن كان حبسه بعد ما يجد رأس ماله فعليه الزكاة» (4) و قوله في رواية [أبي] الربيع: «إن كان أمسكه يلتمس الفضل على رأس المال فعليه الزكاة» (5) (إلى غير ذلك) (6).

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 9؛ التهذيب، ج 4، ص 70؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 75.

(2). الاستبصار، ج 2، ص 9؛ التهذيب، ج 4، ص 70؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 74.

(3). الكافي، ج 3، ص 534 و 535؛ الاستبصار، ج 2، ص 22 و 24؛ التهذيب، ج 4، ص 24 و 25 و 41؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 116 و 121. و فيها: «فلا شي‌ء عليه».

(4). الكافي، ج 3، ص 528؛ الاستبصار، ج 2، ص 10؛ التهذيب، ج 4، ص 68- 69؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 71.

(5). الكافي، ج 3، ص 527؛ الاستبصار، ج 2، ص 10؛ التهذيب، ج 4، ص 68؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 71. في الكافي «ليلتمس» و في الباقي «التماس» بدل «يلتمس».

(6). مدارك الأحكام، ج 5، ص 171- 172.

526

..........

____________

و من هنا قال المصنّف: « (إنّ) الأوّل أشبه» (1) أي باصول المذهب و أخبار الباب، فتدبّر، هذا.

و أنت خبير بما في هذه الوجوه.

أمّا الأصل فهو مقطوع بما عرفت.

و أمّا الإجماع على التسوية بين الزكاتين فإن اريد في الجملة فلا يجدي، و إن اريد في جميع الأحكام فممنوع. كيف!؟ و قد عرفت دعوى الإجماع على عدم اشتراط بقاء العين في المقام و كونه مسلّما في زكاة المال، إلّا عن الشيخ (رحمه اللّه) في بعض كتبه (2).

و أمّا الأخبار الدالّة على اعتبار الحول فلا دلالة لها على المدّعى أصلا، فإنّها في مقام إثبات اشتراط الحول فيما فيه الزكاة، و لا ينافي كون الموضوع في مال التجارة الأعمّ من الباقي، كما لا يخفى، فالحول شرط في جميع ما تثبت فيه الزكاة- عدا الغلّات- كلّ بحسبه، هذا.

و أمّا ما استدلّ به في المدارك فهو أوضح فسادا من الكلّ؛ لأنّ المقصود من النصوص التي ذكرها اعتبار كون الإمساك كلّيّا للتفصيل، لا اعتبار أصل الإمساك كما لا يخفى، فهي لا تنفي الحكم عمّا إذا لم يمسك العين، و إنّما تنفيه عمّا إذا كان إمساكه لغير العنوان المذكور، هذا.

و أمّا دليل الشيخ (رحمه اللّه) فهو ما حكاه في الكتاب (3) و هو مجرّد دعوى؛ إذ المستفاد من النصوص في زكاة المال- على ما عرفت الإشارة إليه- اشتراط بقاء شخص النصاب‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 119.

(2). راجع المبسوط، ج 1، ص 221؛ الخلاف، ج 1، ص 343.

(3). شرائع الإسلام، ج 1، ص 119.

527

..........

____________

مطلقا، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الأقوال المذكورة تجري على كلّ قول يتعلّق بزكاة التجارة، فالقول باشتراط بقاء العين في زكاة التجارة يجامع القول بتعلّقها بالقيمة حتّى لو اريد منها الذمّة، كما أنّ القول بعدم اشتراط بقاء العين يجامع القول بتعلّق الزكاة بالعين فلا تدافع بين قولي الشيخ (رحمه اللّه) في المقام و في باب تعلّق الزكاة الواجبة بالعين.

و الوجه في ما ذكرنا ظاهر على كلّ من له أدنى تدبّر، هذا.

528

[النظر الثالث: فيمن تصرف إليه و وقت التسليم و النية]

[القول فيمن تصرف إليه فيحصره أقسام:]

[القسم الأوّل: أصناف المستحقّين للزكاة سبعة]

[الفقراء و المساكين]

[النظر الثالث: أصناف المستحقّين للزّكاة] قوله (قدّس سرّه): النظر الثالث فيمن تصرف إليه، و وقت التسليم، و النيّة.

القول فيمن تصرف إليه فيحصره أقسام:

الأوّل: أصناف المستحقّين للزكاة سبعة: الفقراء، و المساكين و هم الذين تقصر أموالهم عن مئونة سنتهم. و قيل: من يقصر ماله عن أحد النصب الزكويّة.

ثمّ من الناس من جعل اللفظين بمعنى واحد، و منهم من فرّق بينهما في الآية، و الأوّل أشبه (1) (1).

____________

أقول: قال اللّه تبارك و تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ الْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (2).

و ظاهر الآية بمقتضى العطف ب‍ (الواو) و إن كان وجوب البسط على الأصناف المذكورين فيها كما هو واضح- و من هنا اتّفقوا على وجوبه فيما لو وقف على زيد و العلماء مثلا، أو أوصى لهما مثلا. بل عن جماعة الحكم بالتنصيف- إلّا أنّهم ذكروا من غير خلاف أنّ الآية لسان المصرف فلا يجب البسط، و هو مقتضى الروايات أيضا، فلا بدّ من أن يتصرّف في ظاهرها و يجعل (الواو) بمعنى المجموع الذي يصدق معه الحكم و لو باعتبار قيامه ببعض الأفراد، كما هو الشائع في العرف، فإنّهم كثيرا، ما ينسبون شيئا إلى مجموع مع قيامه ببعض أجزائه. و هذا كما ترى أولى جدّا من جعل‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 120.

(2). التوبة (9): 60.

529

..........

____________

(الواو) بمعنى (أو) كما ربما يتوهّم، و إن كان المعنى المقصود بحاله؛ لأنّ الاستعمال على الوجه المزبور قليل جدّا.

و لا يتفاوت فيما ذكر بين جعل اللام بمعنى الاختصاص المطلق و من جميع الوجوه الذي هو في معنى الملك أو الاختصاص في الجملة أو غيرهما، فإنّ قيام الملكيّة بالمجموع بالمعنى الذي ذكرنا لا ضير فيه أصلا و إن هو إلّا نظير الأوقاف العامّة بناء على القول بانتقال الوقف إلى الموقوف عليه، كما هو المشهور المنصور، فما ذكره بعض من لزوم التصرّف في اللام لم يعلم له معنى محصّل؛ لأنّ المعنى المقصود يتأتّى ممّا ذكرنا، فلا داعي إلى التصرّف في اللام و صرفها عن ظاهرها، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ قوله عزّ و جلّ: وَ فِي الرِّقٰابِ عطف على قوله: لِلْفُقَرٰاءِ و العدول إنّما هو لنكتة بيان المصرف و أنّه جهة خاصّة. و هذا المعنى ما ذكره بعض من أنّه لنكتة إفادة عدم حصول الملك.

و قوله: وَ الْغٰارِمِينَ الظاهر كونه معطوفا على قوله: الرِّقٰابِ، و يحتمل كونه عطفا على (الفقراء) على بعد. و هكذا الكلام في قوله تعالى: وَ ابْنِ السَّبِيلِ. هذا.

ثمّ إنّ كون أصناف المستحقّين الثمانية المذكورة في الآية ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب، بل تكرّر دعوى الإجماع عليه في كلام غير واحد من الأصحاب، منهم:

العلّامة في جملة من كتبه (1).

و من جعلها سبعة- كالمصنّف (2)- فإنّما نظر إلى ترادف الصنفين الأوّلين و اتّحادهما، فهو و إن عدل عن ظاهر الآية و الروايات و كلمات أهل اللغة و العرف إلّا أنّه لا يترتّب أثر على هذا الخلاف في المقام، فإنّ الحكم ثابت بالاتّفاق لجميع أرباب الحاجة، سواء كان بعضها مصداقا لأحد الصنفين أو لكليهما؛ بناء على القول بالترادف‌

____________

(1). منتهى المطلب، ج 1، ص 517؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 237؛ نهاية الإحكام، ج 2، ص 379.

(2). شرائع الإسلام، ج 1، ص 120.

530

..........

____________

على ما صرّح به كثير، كما سيجي‌ء.

[في حقيقة اللفظين في الجملة]

و حيث انجرّ الكلام إلى معنى الفقير و المسكين و أنّهما مترادفان بمعنى عدم انفكاك أحدهما عن الآخر أو متغايران، ناسب التكلّم فيه على سبيل الإجمال و إن لم يكن المقام موقوفا عليه.

فنقول: إنّه قد اختلف كلمة الأصحاب و غيرهم في ذلك:

فذهب جماعة- منهم المصنّف في هذا الكتاب- إلى ترادفهما، و بهذا الاعتبار جعل الأصناف سبعة.

و ذهب الأكثرون إلى تغايرهما.

ثمّ اختلف القائلون بالتغاير فيما يتحقّق به:

فقيل: إنّ الفقير هو الذي لا يسأل، و المسكين هو الذي يسأل (1)، و هو المنقول عن ابن عبّاس (2) و المرويّ في جملة من الأخبار (3) المعتبرة لأهل بيت العصمة (عليهم السّلام).

و قيل بالعكس.

قال الشيخ أبو علي الطبرسي: «و (قد) جاء في الحديث ما يدلّ على ذلك، فقد روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «ليس المسكين من تردّه الأكلة و الأكلتان و التمرة و التمرتان، و لكنّ المسكين الذي لا يجد غنيا فيغنيه، و لا يسأل الناس شيئا، و لا يفطن [به] فيتصدّق عليه. و قيل: الفقير هو الزمن المحتاج، و المسكين هو الصحيح المحتاج» (4). و هو المحكيّ عن ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه (5).

____________

(1). مجمع البيان، ج 5، ص 74.

(2). نسبه غير واحد من الاعلام. راجع تفسير ابن كثير، ج 2، ص 378.

(3). الكافي، ج 3، ص 501- 502؛ التهذيب، ج 4، ص 104؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 210.

(4). مجمع البيان، ج 5، ص 74.

(5). الفقيه، ج 2، ص 6. حيث قال: «فاما الفقراء فهم أهل الزمانة و الحاجة، و المساكين أهل الحاجة من غير أهل الزمانة».

531

و قيل: إنّ الفقير الذي لا شي‌ء له، و المسكين الذي له بلغة من العيش. و هو المنقول عن جماعة من القدماء، منهم: الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (1).

و قيل بالعكس، و هو المحكيّ عن جماعة أيضا منهم: الشيخ (رحمه اللّه) في النهاية (2)، و المفيد في المقنعة (3)، و ملاحظة الإطلاقات في الكتاب و العرف (4).

و منشأ هذا الاختلاف اختلاف الأخبار و كلمات أهل اللغة.

قال في محكيّ القاموس: «الفقير و [يضمّ] ضدّ الغنى، و قدره أن يكون له ما يكفي عياله، أو الفقير من يجد القوت، و المسكين من لا شي‌ء له، أو الفقير المحتاج، و المسكين [من] أذلّه الفقر أو غيره من الأحوال، [...] أو الفقير من له بلغة و المسكين [من] لا شي‌ء له، أو هو أحسن حالا من الفقير، أو هما سواء» (5). انتهى كلامه.

[و] قال محكيّ الصحاح: «رجل فقير من المال، قال ابن السكّيت: الفقير الذي له بلغة من العيش [...] و المسكين الذي لا شي‌ء له. و قال الأصمعي: المسكين أحسن حالا من الفقير. و قال يونس: الفقير أحسن حالا من المسكين. قال: و قلت لأعرابي:

أ فقير أنت؟ فقال: بل و اللّه مسكين» (6). انتهى.

و قال الهروي في محكيّ الغريبين: «قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ (7)، قال ابن عرفة: أخبرني أحمد بن يحيى، عن محمّد بن سلام، قال:

قلت ليونس: أفرق لي بين المسكين و الفقير، فقال: الفقير الذي يجد القوت،

____________

(1). المبسوط، ج 1، ص 246.

(2). النهاية، ص 184.

(3). المقنعة، ص 241.

(4). كذا قوله: «و ملاحظة ... و العرف» في الأصل.

(5). القاموس المحيط، ج 2، ص 111.

(6). صحاح اللغة، ج 2، ص 782.

(7). التوبة (9): 60.

532

و المسكين الذي لا شي‌ء له»، و قال ابن عرفة: الفقير- عند العرب-: المحتاج، قال اللّه عزّ و جلّ: أَنْتُمُ الْفُقَرٰاءُ إِلَى اللّٰهِ (1) أي المحتاجون إليه، فأمّا المسكين فالذي قد أذلّه الفقر» (2) أو غيره.

إلى غير ذلك من كلماتهم، و المستفاد من بعضها كونهما بمعنى، و من بعضها كون الفقير أعمّ، و من بعضها كون المسكين أعمّ، و من بعضها كون النسبة عموما من وجه.

و قد ذكر لكلّ من الأقوال في المقام حجّة واهية و توجيهات ضعيفة قاصرة لا جدوى في التعرّض لها.

و ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ الأقرب بالنظر إلى العرف و كلمات أكثر اللغويّين و الأخبار المعتبرة، كون المسكين أخصّ من الفقير، فالفقير هو مطلق المحتاج، و المسكين هو المحتاج الخاصّ، و هو الذي يسأل كما في الروايات من جهة غاية احتياجه، أو يكون أسوأ حالا كما ذكره كثيرون، و المراد به عروض الذلّة و لو من جهة الضعف أو قلّة عقل المعاش، فهو أسوأ حالا من الفقير بهذا الاعتبار، و إلّا فلا حدّ لسوء الحال؛ لوجود مراتب كثيرة له إضافيّة، و يمكن إرجاع ما في الأخبار إليه. هذا.

و هنا امور ينبغي التنبيه عليها:

أحدها: أنّه ذكر غير واحد أنّه متى ذكر أحد اللفظين منفردا دخل فيه الآخر، و متى اجتمعا افترقا.

و ظاهر بعضهم الاتّفاق على ذلك.

قال في المسالك: «و اعلم أنّ الفقراء و المساكين متى ذكر أحدهما خاصّة دخل‌

____________

(1). فاطر (35): 15.

(2). الغريبين، ج 5، ص 1463- 1463؛ و أيضا حكاه في المدارك، ج 5، ص 190؛ راجع لسان العرب، ج 5، ص 61.

533

فيه الآخر بغير خلاف، نصّ على ذلك جماعة منهم الشيخ (رحمه اللّه) (1) و العلّامة (2) كما في آية الكفّارة (3) المخصوصة بالمسكين، فيدخل فيه الفقير، و إنّما الخلاف فيما لو اجتمعا كما في آية الزكاة لا غير، و الأصحّ أنّهما [حينئذ] متغايران؛ لنصّ أهل اللغة، و صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «الفقير الذي لا يسأل الناس، و المسكين أجهد منه» (4).

و لا ثمرة مهمّة في تحقيق ذلك؛ للاتّفاق على استحقاقهما من الزكاة حيث ذكرا، و دخول أحدهما تحت الآخر حيث يذكر أحدهما، و إنّما تظهر الفائدة نادرا فيما لو نذر أو وقف أو أوصى لأسوئهما حالا، فإنّ الآخر لا يدخل فيه، بخلاف العكس» (5).

انتهى كلامه رفع مقامه.

و اورد عليه بأنّه إذا فرض تغايرهما و لو بطريق العموم و الخصوص فلا معنى للحكم بأنّه عند الافتراق يراد معنى العامّ إذا كان المذكور الخاصّ؛ لأنّ صرف اللفظ عن معناه يحتاج إلى قرينة صارفة، و مجرّد الافتراق لا يصلح لذلك. و دعوى الاتّفاق في مثل ذلك لا يصغى إليها؛ إذ ليست المسألة ممّا له تعلّق بالشرع حتّى يجري فيه الاتّفاق إن اريد به الإجماع، و إن اريد به مجرّد اتّفاق جميع أهل العربيّة من العلماء و غيرهم فهو في حيّز المنع. هذا.

و يمكن الذبّ عنه بأنّه يمكن أن يكون المستند في هذه الدعوى وجدان ذلك في الاستعمالات بمقتضى التتبّع و الاستقراء. فتأمّل.

ثانيها: أنّه ذكر غير واحد أنّ النزاع في المسألة قليل الجدوى، فإنّه إنّما تظهر‌

____________

(1). المبسوط، ج 1، ص 246.

(2). نهاية الإحكام، ج 2، ص 379.

(3). المجادلة (58): 4؛ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً.

(4). الكافي، ج 3، ص 501؛ التهذيب، ج 4، ص 104؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 210.

(5). مسالك الأفهام، ج 1، ص 409.

534

الثمرة في بعض الفروض النادرة، كالنذر أو الوقف أو الوصيّة لأسوئهما حالا، فإنّه في مقام الانفراد يدخل أحدهما في الآخر، و في مقام الاجتماع- كما في [آية] الزكاة- أجمعوا على استحقاقهما على تقدير التغاير، كما عرفت من ثاني الشهيدين فيما تقدّم من كلامه.

و أورد [عليه] في المدارك- بعد نقله- بوجوه:

أحدها: ما عرفت تزييفه في الأمر الأوّل.

ثانيها: أنّ استدلاله على التغاير بنصّ أهل اللغة و رواية أبي بصير غير جيّد؛ لأنّ أهل اللغة مختلفون في ذلك كما نقلناه، و رواية أبي بصير ضعيفة السند، إلى آخر ما ذكره.

ثالثها: أنّ قوله: «و إنّما تظهر الفائدة نادرا» إلى آخره، غير جيّد أيضا، بل المتّجه عدم دخول كلّ منهما في الآخر و إن كان أسوأ حالا من المنذور له؛ لأنّ اللفظ لا يتناوله كما هو المفروض (1). انتهى كلامه.

و أنت خبير بما فيه، فإن قيل: أهل اللغة على تغايرهما، و رواية أبي بصير معتبرة، و إن كانت رواية محمّد بن مسلم أصحّ منها، و ظاهره من التغاير بل صريحه و صريح المورد أيضا إنّما هو على سبيل العموم و الخصوص، فكيف لا يدخل أسوأهما حالا. هذا.

نعم، قد يورد عليه بأنّ النذر مثلا إن كان بأحد اللفظين فقد حكم الاتّفاق على اجتماعهما عند الافتراق، و إن كان بلفظ أسوأهما حالا فهو لا ربط له بالنزاع في حقيقة اللفظين. هذا.

و أنت خبير بما فيه أيضا، فإنّ مفروض كلامه فيما لو كان النذر بلفظ أحدهما‌

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 192- 193. هذا ما استفيد من كلامه تلخيصا.

535

المعيّن على أخصّيّته مع العلم بإرادة معناه الحقيقي، و هو لا ينافي ما ادّعاه من الكلّيّة بالنظر إلى ظاهر اللفظ بحسب الاستعمالات. هذا.

و ذكر بعض مشايخنا في شرحه «أنّه تظهر الثمرة في وجوب البسط (أيضا)» (1)، و هو كما ترى.

[في اختلاف الأصحاب في ما هو الميزان عند الشارع للتمييز بين الفقير و المسكين]

ثمّ إنّك بعد ما عرفت الكلام في حقيقة اللفظين في الجملة، فاعلم أنّه لمّا كان لفظ الفقير أو المسكين كأكثر المفاهيم العرفيّة غير معيّن الحقيقة و الكنه عند أهل العرف بحيث يكون لهم ميزان لتمييز المصاديق من غير جهة الاشتباه الحادث من الأمور الخارجيّة و إن كان لها أفراد تتبعه فيناسب في الحكمة الإلهيّة بيان ضابطة يرجع إليها و يعوّل عليها كما هو الواقع في جملة من الموارد، و إن لم يقع في جملة أخرى من جهة قلّة الأحكام المترتّبة على الموضوعات فيها أو غيرها، فاختلف الأصحاب في ما هو الميزان عند الشارع للتمييز- على ما في المفاتيح (2)- على أقوال ثلاثة- و إن كان التحقيق كما هو المصرّح به في كلام جماعة و ظاهر الآخرين أنّ المسألة ذات قولين كما ستقف عليه، و منه يعلم أنّه ليس للفظ الفقير حقيقة شرعيّة و لم يتوهّمه أحد أيضا-:

أحدها:- و هو الذي عليه الأكثر بل المشهور بين من تأخّر، بل مطلقا- ما ذكره المصنّف (3).

ثانيها: ما حكي عن الشيخ (رحمه اللّه)- و حكاه بعض من خلافه (4)- في المبسوط (5)، و في‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 298.

(2). مفاتيح الشرائع، ج 1، ص 204.

(3). في قوله: «و هم الذين يقصر أموالهم عن مئونة سنتهم».

(4). لم نقف عليه.

(5). المبسوط، ج 1، ص 240.

536

كلامه دلالة، كما ستقف عليه، بل هو صريح في عدم ذهابه إليه و إن ذكر جماعة أنّا لم نقف عليه لا في الخلاف و لا في المبسوط. بل في محكيّ المعتبر (1) نسبة القول الأوّل إليه من أنّه قصور المال عن أحد النصب الزكويّة.

ثالثها: ما ذكره في المفاتيح (2) بانيا عليه- حاكيا له عن المبسوط- من أنّ الفقير من لم يقدر على كفايته و كفاية من يلزم من عياله عادة على الدوام بربح مال أو غلّة أو صنعة.

[و] الذي وجدناه في المبسوط هذا: «و الغنى الذي يحرم معه أخذ الصدقة أن يكون قادرا على كفايته و كفاية من يلزم كفايته، و إن كان مكتفيا بصنعة و كانت صنعته يرد عليه (قدر) كفايته و كفاية من يلزمه نفقته حرمت عليه و إن كانت لا يرد عليه حلّ له ذلك، و إن كان من أهل الصنائع احتاج أن يكون معه بضاعة يرد عليه قدر كفايته و إن نقصت عن ذلك حلّت له الصدقة.

و يختلف ذلك على اختلاف حاله حتّى إن كان الرجل بزّازا أو جوهريّا يحتاج إلى بضاعة قدرها ألف دينار [أو ألفي دينار] فنقص عن ذلك [قليلا] حلّ له أخذ الصدقة، هذا عند الشافعي، و الذي رواه أصحابنا أنّها تحلّ لصاحب السبعمائة و تحرم على صاحب الخمسين، و ذلك على قدر حاجته إلى ما يتعيّش به، و لم يرووا أكثر من ذلك. و في أصحابنا من قال: من ملك نصابا يجب فيه الزكاة تحرم عليه الصدقة، و ذلك قول أبي حنيفة» (3). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى لا دلالة [له] على ما حكاه عنه في المفاتيح؛ لقرب احتمال كون الظرف متعلّقا بقوله: «يلزم»، لا بقوله: «قادرا»، فالمراد إذا إخراج مثل الأخير. و أمّا‌

____________

(1). المعتبر، ج 2، ص 564.

(2). المفاتيح.

(3). المبسوط، ج 1، ص 256- 257. (مع اختلافات عديدة).

537

احتمال كون المراد من الدوام مع تعلّقه بقوله: «قادرا»، القدرة في طول السنة كما ذكره بعض، ففي غاية البعد، كما لا يخفى.

و بالجملة، هذا القول ممّا لا يظنّ صدوره من مثل الشيخ (رحمه اللّه) مع عدم المستند له أصلا من الأخبار و غيره، و لذا ادّعى في البيان (1)- على ما حكي- الإجماع على أنّ المسألة ذات قولين، و نسب في المعتبر (2) القول المشهور إليه في المبسوط كما عرفت.

ثمّ إنّ مستند المشهور جملة من الروايات:

منها: ما في المقنعة (3) من مرسلة يونس بن عمّار: «سمعت الصادق (عليه السّلام) يقول:

تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، و تجب الفطرة على من عنده قوت السنة».

و المناقشة بأنّ الاستدلال بالمرسلة من باب مفهوم الوصف المضعّف في محلّه، كما وقعت من الفاضل النراقي (4) ضعيفة جدّا.

و منها: ما في الصحيح المروي عن العلل (5) عن عليّ بن إسماعيل الدغشي، عن أبي الحسن (عليه السّلام): «سألته عن السائل عنده قوت يوم، أله أن يسأل؟ و إن اعطي شيئا أله أن يقبل؟ قال: يأخذ و عنده قوت شهر ما يكفيه لسنته من الزكاة؛ لأنّها إنّما هي من سنة إلى سنة».

و منها: ما رواه أبو بصير في الصحيح: «سمعت الصادق (عليه السّلام) يقول: يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره، قلت: فإنّ صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة؟

قال: زكاته صدقة على عياله و لا يأخذها إلّا أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة أنفدها‌

____________

(1). البيان، ص 193.

(2). المعتبر، ج 2، ص 564.

(3). المقنعة، ص 248.

(4). مستند الشيعة، ج 9، ص 260.

(5). علل الشرائع، ج 2، ص 371- 372. (مع اختلاف يسير).

538

في أقلّ من سنة فهذا يأخذها و لا تحلّ الزكاة لمن كان محترفا و عنده ما تجب فيه الزكاة» (1).

و منها: ما أرسله حمّاد عن العبد الصالح، المشتمل على كيفيّة قسمة الخمس و الزكاة و الأنفال و غيرها (2). و دلالتها على المدّعى ظاهرة.

إلى غير ذلك من الروايات التي يستخرج الفقيه منها حكم المسألة.

و عن فهرست الوسائل (3) أنّ فيه أحد عشر حديثا و إن لم نقف على كلّها. هذا.

و قد يستدلّ أيضا تارة بالأخبار الدالّة على إناطة الحكم بالكفاية (4)، نظرا إلى كون المراد منها كفاية السنة. و ترك التعرّض للبيان إنّما هو من جهة معلوميّة ذلك و لو بحسب عادة أغلب أفراد الإنسان من الاهتمام بأمر قوت السنة.

و اخرى بأنّ الفقر لغة و عرفا: الحاجة، و من قصرت أمواله عن كفاية عامه فهو محتاج. هذا.

و لكنّك خبير بما في الوجهين؛ لأنّ الأخبار الدالّة على إناطة الحكم بالكفاية غير دالّة بوجه من الوجوه على كون المراد كفاية السنة. و دعوى الغلبة بالنسبة إلى أغلب أفراد الإنسان في زمان ورود الرواية كما ترى. نعم، بعد حملها على ما ذكر من الروايات يتعيّن القول بأنّ المراد منها كفاية السنة. هذا.

و المقصود من الدليل الثاني إن كان أنّ العرف يحكمون ما هو الميزان شرعا للفقير‌

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 560؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 231.

(2). الكافي، ج 3، ص 539- 543؛ التهذيب، ج 4، ص 128- 131؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 513- 514.

(3). وسائل الشيعة (تحقيق: الرباني الشيرازي)، ج 4، ص 12 و فيه: «باب انّ حدّ الفقير الّذي يجب (يجوز) معه أخذ الزكاة إن لا يملك مئونة السنة له و لعياله ...، فيه أحد عشر حديثا ...».

(4). راجع الكافي، ج 3، ص 561؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 233.