مصباح الفقيه - ج3

- الشيخ آقا رضا الهمداني المزيد...
427 /
5

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة الركن الثاني في الطهارة المائية]

[تتمة الوضوء]

[تتمة الفصل الثالث في كيفية الوضوء]

[تتمة الفروض الخمسة]

[مسائل ثمان]

(مسائل ثمان):)

[الاولى الترتيب واجب في الوضوء]

(الاولى: الترتيب واجب في الوضوء) إجماعا و سنّة، بل قيل:

و يدلّ عليه ظاهر الكتاب (1). و فيه تأمّل.

و كيف كان، فيجب أوّلا كون غسل (الوجه قبل اليمنى) بأن يكون غسل اليمنى مترتّبا على غسل الوجه، فهذا أوّل المراتب، و أمّا نفس غسل الوجه ابتداء فلا دخل له بمسألة الترتيب، و إنّما الترتيب عبارة عن وقوعه قبل اليمنى، الذي هو عبارة أخرى عن غسل اليمنى بعد غسل الوجه. (و) يجب ثانيا غسل (اليسرى بعدها و مسح الرأس ثالثا و) مسح (الرّجلين أخيرا) و لا ترتيب بينهما على الأقوى كما عرفت (فلو خالف) الترتيب (أعاد الوضوء عمدا كان أو نسيانا) لأنّ المشروط ينعدم بانعدام شرطه، كما أنّه يعيد الوضوء لو ترك جزءا من أجزائه عمدا أو نسيانا.

____________

(1) انظر: الذكرى: 90، و روض الجنان: 37.

6

هذا (إن) لم يمكن تدارك ما أخلّ به لفوات وقته بأن (كان قد جفّ) ما على الأعضاء من ماء (الوضوء، و) أمّا (إن) أمكن تداركه بأن (كان البلل باقيا، أعاد على ما يحصل معه الترتيب) و لا يجب عليه إعادة الوضوء من رأس، لعدم المقتضي، مضافا إلى الأخبار المستفيضة الآتية.

و عن العلّامة في التحرير أنّ التفصيل في صورة النسيان، و إلّا ففي العمد تجب إعادة الوضوء من رأس، جفّ أو لم يجفّ (1).

و لعلّه مبني على مختاره في الموالاة من أنّها المتابعة مع الاختيار، و مراعاة الجفاف مع الاضطرار. و ستعرف ما فيه.

و قيل في توجيه مذهبه: إنّه يدلّ عليه مفهوم موثّقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إن نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك ثمّ اغسل ذراعيك بعد الوجه، فإن بدأت بذراعك الأيسر قبل الأيمن فأعد الأيمن ثمّ اغسل اليسار، و إن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثمّ اغسل رجليك» (2) لأنّ مفهومها: إن لم تنس فلا تعد غسل وجهك و الأيمن، و حينئذ فإمّا أن يكون المراد البناء مع عدم الإعادة، و هو خلاف الإجماع، فليس إلّا الاستئناف، و بمفهومها يقيّد إطلاق ما تضمّن الصحّة مع العود على ما يحصل معه الترتيب.

____________

(1) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 2: 250، و انظر: تحرير الأحكام 1: 10.

(2) الكافي 3: 35- 6، التهذيب 1: 99- 258، الإستبصار 1: 74- 227، الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

7

ثمّ ردّه بأنّ التقييد فرع المكافئة، و هي مفقودة، لمخالفة الشهرة العظيمة بل ظهور الاتّفاق ممّن عداه [1]. انتهى.

و في التوجيه و الردّ ما لا يخفى بعد وضوح أنّه لا مفهوم للشرطيّة في مثل هذه الموارد التي سيقت لبيان تحقّق الموضوع، نظير قولك: إن نسيت أداء حقّ زيد فأدّه مهما ذكرت، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى.

كيف! و لو كان للشرطيّة مفهوم في مثل المقام، لكان مفهومها: إن لم تنس فلم تغسل ذراعك قبل وجهك- يعني لم تخالف الترتيب- فلا تعد، نظير قولك: إن طلعت الشمس فوجد النهار يضي‌ء العالم، فإنّ مفهومه: إن لم تطلع الشمس فلم يوجد النهار فلا يضي‌ء العالم، لا إن لم تطلع الشمس فوجد النهار فلا يضي‌ء العالم، كما عليه يبتني توجيه الموجّه.

و كيف كان فلو بدأ بغسل يده اليسرى قبل اليمنى، يجب عليه إعادة غسلها بعد غسل اليمنى لو لم يكن قد غسلها أوّلا.

و أمّا لو كان قد غسلها أوّلا قبل نيّة العود، فهل عليه إعادة غسلها قبل اليسرى ليقع كلّ غسل في محلّه، لأنّ تأخير المتقدّم كتقديم المتأخّر يوجب خروجه من محلّه؟ وجهان، أقواهما- كما عن المشهور- هو الثاني، بل في الجواهر: لم أجد فيه خلافا (2). و عن اللوامع: الوفاق عليه، و نسب إلى الصدوق الأوّل.

____________

[1] لم نعثر على القائل فيما بين أيدينا من المصادر.

____________

(2) جواهر الكلام 2: 248.

8

و عبارته المحكيّة عنه تشعر بالتخيير، لأجل تعارض الأخبار.

قال: و روي في من بدأ بيساره قبل يمينه أنّه يعيد على يمينه، ثمّ يعيد على يساره.

ثمّ قال: و قد روي أنّه يعيد على يساره (1). انتهى.

و عن المناهل نسبته إلى ظاهر المقنعة و النهاية و السرائر (2).

و يستدلّ عليه بموثّقة أبي بصير، المتقدّمة (3).

و يؤيّد مضمونها الوجه الاعتباري الذي أشرنا إليه من أنّ تأخير المتقدّم كتقديم المتأخّر يخرج الشي‌ء من محلّه. و لكنّ الوجه الاعتباري كما تراه.

و أمّا الموثّقة: فظاهرها- لأجل اشتمالها على لفظ الإعادة- يوافق القول المحكيّ عن ظاهر المقنعة و غيرها، إلّا أنّه يتعيّن رفع اليد عن هذا الظاهر، لا لمجرّد إعراض الأصحاب عنه، أو لأجل موافقة ذيلها للعامّة، بل لمعارضتها بما هو أظهر منها دلالة، مع اعتضاده بعمل الأصحاب، و موافقته للأصول و القواعد.

ففي رواية منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث تقديم السعي على الطواف، قال: «ألا ترى أنّك إذا غسلت شمالك قبل يمينك‌

____________

(1) الفقيه 1: 29- 90، الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 10 و 11.

(2) المقنعة: 49، النهاية: 15، السرائر 1: 103.

(3) في ص 6.

9

كان عليك أن تعيد على شمالك» (1).

و في موثّقة ابن أبي يعفور، المحكيّة عن مستطرفات السرائر عن نوادر البزنطي، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا بدأت بيسارك قبل يمينك و مسحت رأسك و رجليك ثمّ استيقنت بعد أنّك بدأت بها، غسلت يسارك ثمّ مسحت رأسك و رجليك» (2).

فيتعيّن حمل الموثّقة إمّا على الاستحباب، أو على أنّ مورد الحكم ما إذا تذكّر تقدّم المتأخّر قبل غسل المتقدّم، كما يؤيّد [1] هذا الاحتمال ما في ذيلها «و إن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك» لأنّ وحدة السياق تشهد بإرادة معنى واحد من الجميع، فيراد من الأمر بإعادة غسل الوجه و الأيمن عود المكلّف لتداركهما.

و إطلاق لفظ الإعادة في مثل الفرض شائع، و لعلّ وجهه: أنّ تقدّمه في الرتبة يجعل إيجاده بعد فعل المتأخّر بمنزلة الإعادة.

و ربّما يستظهر مضمون الموثّقة من روايات أخر:

منها: قوله (عليه السلام) في المرويّ عن قرب الإسناد، في رجل توضّأ فغسل يساره قبل يمينه، قال (عليه السلام): «يعيد الوضوء من حيث أخطأ يغسل يمينه ثمّ يساره ثمّ يمسح رأسه و رجليه» (4).

____________

[1] أقول: فيه نظر، فإنّ متعلّق النسيان في الفقرة الأخيرة بمقتضى سوق العبارة نفس المسح، و فيما قبلها الترتيب بين الغسلات، فليتأمّل. (منه عفي عنه).

____________

(1) التهذيب 5: 129- 427، الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 6.

(2) السرائر 3: 553- 554، الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 14.

(4) قرب الإسناد: 176- 177- 649، الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 15.

10

و منها: صحيحة زرارة «فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه و أعد على الذراع، و إن مسحت على الرّجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرّجل ثمّ أعد على الرّجل» (1).

و صحيحته الأخرى عن رجل بدأ بيده قبل وجهه و برجليه قبل يديه، قال: «يبدأ بما بدأ اللّه، و ليعد ما كان فعل» (2).

و صحيحة منصور في الرجل يتوضّأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين، قال:

«يغسل اليمين و يعيد اليسار» (3).

و صحيحة علي بن جعفر (عليه السلام) عن رجل توضّأ فغسل يساره قبل يمينه كيف يصنع؟ قال: «يعيد الوضوء من حيث أخطأ يغسل يمينه ثمّ يساره ثمّ يمسح رأسه و رجليه» (4).

و رواية علي الصائغ في من بدأ بالمروة قبل الصفا، قال: «يعيد ألا ترى أنّه لو بدأ بشماله قبل يمينه كان عليه أن يبدأ بيمينه ثمّ يعيد على شماله» (5).

____________

(1) الكافي 3: 34- 5، التهذيب 1: 97- 251، الإستبصار 1: 73- 223، الوسائل، الباب 34 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) التهذيب 1: 97- 252، الإستبصار 1: 73- 224، الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(3) التهذيب 1: 97- 253، الإستبصار 1: 73- 225، الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(4) قرب الإسناد: 176- 177- 649، الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 15. و قد تقدّم الحديث آنفا.

(5) الكافي 4: 436- 4، التهذيب 5: 151- 497، الوسائل، الباب 10 من أبواب السعي، الحديث 5.

11

و لكنّك خبير بما في الاستظهار.

و الإنصاف أنّ المتأمّل في مجموع الأخبار المتقدّمة و غيرها ممّا ورد في بيان حكم من ترك شيئا من أجزاء الوضوء نسيانا لا يكاد يرتاب في أنّ هذه الأخبار الكثيرة بأسرها مسوقة لبيان وجوب البدأة بما بدأ به اللّه تعالى، و تدارك ما أخلّ به على وجه يحصل معه الترتيب، فيستفاد من مجموعها أنّ الأمر بإعادة ما أخلّ به ليس إلّا لتحصيل الترتيب المعتبر بين أعضاء الوضوء، فيدور الحكم مداره، و لا يكافئه ظهور لفظ الإعادة في الموثّقة، أو ظهور كلمة «قبل» الظاهرة في القبليّة الفعليّة فيما ينافيه.

هذا كلّه مع قطع النظر عن القرائن الداخليّة و الخارجيّة التي تشهد بصدق ما ادّعيناه، كما يقف عليها المتأمّل. مضافا إلى عدم ظهور مخالف صريح في المسألة.

و لا فرق في جميع ما تقدّم بالنسبة إلى مخالفة الترتيب بين تمام العضو و بعضه، فمن ترك شيئا من الوجه مثلا، وجب عليه إعادته و ما بعده إن لم يجفّ الوضوء، و إلّا استأنف.

و عن ابن الجنيد أنّه إذا كان المنسي لمعة دون سعة الدرهم، كفى بلّها من غير إعادة ما بعده (1).

و فيه: أنّه لا يساعد عليه دليل يعتدّ به، عدا ما رواه الصدوق عن الكاظم (عليه السلام) في عيون الأخبار عن الرضا (عليه السلام) أنّه سئل عن الرجل يبقى‌

____________

(1) حكاه عنه العلّامة في المختلف 1: 141، المسألة 93.

12

من وجهه إذا توضّأ موضع لم يصبه الماء، فقال: «يجزئه أن يبلّه من بعض جسده» (1).

و هي بإطلاقها غير معمول بها، فلا بدّ من تقييدها بما لا ينافي الأدلّة المتقدّمة، و اللّه العالم.

تفريع: لو ارتمس في ماء جار و تعاقبت جريات ثلاث على أعضائه الثلاثة مقرونا بالنيّة، اجتزأ بها، فيمسح رأسه و رجليه مع فرض عدم استهلاك بلل الوضوء في يده.

و كذا في الواقف بشرط حصول تحريك كلّ عضو عند إرادة غسله على وجه يحصل مسمّى الغسل المعتبر شرعا بأن يكون من أعلى العضو إلى أسفله.

و عن الذكرى أنّه استقرب كفاية قصد حصول غسل الأعضاء على الوجه المعتبر شرعا في الواقف أيضا، كالجاري (2).

و هو في غاية الإشكال، إذ لا يتكرّر الغسل بتكرّر آناته، فالغسلة المتحقّقة في الخارج من أوّل إدخال يده في الماء إلى آخره ليست إلّا غسلة واحدة، و لا تأثير للنيّة في تعدّدها حتى يتحقّق الترتيب المعتبر شرعا.

نعم، الغسلة الحاصلة بعد تحريك اليد عرفا و عقلا غير الغسلة‌

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 22- 49، الوسائل، الباب 43 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 2: 247، و انظر: الذكرى: 91.

13

الحاصلة قبله، فهي مجزئة و لكن بشرط حصول التحريك إلى جهة المرفق حتى تتّصف الغسلة الحاصلة بكونها من المرفق إلى الأصابع.

و لا يخفى عليك أنّ الإشكال سار في الجاري أيضا إذا كان جريه على نسق واحد، و لم يكن لجريانه المتعاقبة امتياز عرفي، فإنّه حينئذ كالواقف في عدم تأثير تكرّر الآنات في تعدّد الغسلات، و إلّا للزم حصول غسلات غير متناهية في زمان متناه، و هو باطل عقلا فضلا عن انتفاء الصدق عرفا، فيعتبر أن تكون جريانه المتعاقبة ممتازا بعضها عن بعض حتى يمتاز بسببها الغسلات اللاحقة عن سابقتها عرفا حتى تترتّب إحدى الغسلتين على الأخرى.

و كذا يعتبر أن يكون وضع يده في الماء على وجه يجري الماء من المرفق، فلو عكس لا يجزئ، كما لو نكس في الغسل بالماء القليل.

و مجرّد قصد حصوله من الأعلى لا يؤثّر في انقلاب الفعل الشخصي الخارجي عمّا هو عليه في الواقع.

و الحاصل: أنّ المدار على شهادة العرف بحصول غسل الأعضاء مترتّبا من الأعلى إلى الأسفل، و هي منتفية في أغلب الفروض.

و لا ينتقض ما ذكرناه بشهادة العرف على صدق الامتثال بإبقاء اليد تحت الماء لو أمر المولى عبده بغسل يده، و كانت يده في الماء من دون حاجة إلى إخراجها و إدخالها ثانيا بقصد الامتثال، لوضوح الفرق بين المقامين، لأنّ إدخال اليد في الماء وجوبه مقدّمي، فينتفي أمره بعد حصول الغرض.

و أمّا حصول امتثال أمر المولى في المثال بمجرّد الإبقاء: فلأنّ إدامة‌

14

الغسل أيضا غسل حقيقة، و اتّصاله بسابقه يمنعه من الانفراد لا من حصول الطبيعة في ضمنه، التي هي مناط الامتثال.

ألا ترى أنّ جزء الخطّ خطّ حقيقة، و ليس فردا منه بانفراده ما لم ينفصل عن سابقه، فكونه جزءا من سابقه يمنع من حصول الترتيب بين الغسلات و أجزائها، فما نحن فيه من قبيل ما لو أمر المولى عبده بغسل يده اليسرى عقيب اليمنى، لا ما لو أمر بغسلها مطلقا، و بينهما فرق بيّن.

[الثانية الموالاة واجبة]

المسألة (الثانية: الموالاة واجبة) في الجملة إجماعا محصّلا و منقولا، كما في الجواهر (1)، و في طهارة شيخنا المرتضى (قدّس سرّه): إجماعا مستفيضا بل محقّقا (2). (و هي) لغة و عرفا: متابعة الأفعال و تعاقب بعضها لبعض غير منقطع عنه بفصل يعتدّ به عرفا، أو بتخلّل ما ينافيه.

و لكنّ الأقوى الأشهر بل المشهور: أنّ الموالاة المعتبرة في الوضوء (أن يغسل كلّ عضو قبل أن يجفّ) جميع (ما تقدّمه).

و عن الإسكافي: قبل أن يجفّ شي‌ء ممّا تقدّمه (3).

و عن الحلّي و غيره قبل أن يجفّ العضو المتلو لما يغسله (4).

____________

(1) جواهر الكلام 2: 252.

(2) كتاب الطهارة: 133.

(3) حكاه عنه الشهيد في الذكرى: 91، و كما في مدارك الأحكام 1: 229.

(4) حكاه عنه و عن السيّد المرتضى و ابني حمزة و زهرة، العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 134، المسألة 82، و انظر: السرائر 1: 101، و مسائل الناصريّات: 126، المسألة 33، و الوسيلة: 50، و الغنية: 59.

15

و يحتمل قريبا رجوع الأخير إلى المختار.

و كيف كان، فلو أخّر غسل عضو إلى أن يجفّ ما تقدّمه بسبب التأخير لا لشدّة حرارة الهواء و غيرها من الأمور الداخليّة و الخارجيّة، بطل وضوؤه بلا خلاف.

و يدلّ عليه- مضافا إلى الإجماع- صحيحة معاوية بن عمّار، قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ربّما توضّأت فنفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت عليّ بالماء، فيجفّ وضوئي، فقال (عليه السلام): «أعده» (1).

و موثّقة أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا توضّأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوؤك فأعد وضوءك فإنّ الوضوء لا يبعّض» (2).

و قد يستدلّ له أيضا ببعض الأخبار المتقدّمة في مبحث اشتراط كون المسح ببقيّة بلل الوضوء، الدالّ على وجوب إعادة الوضوء على من نسي مسح رأسه و فقد البلّة من أعضاء وضوئه، كمرسلة الصدوق «إن نسيت مسح رأسك فامسح عليه و على رجليك من بلّة وضوئك- إلى أن قال-:

و إن لم يبق من بلّة وضوئك شي‌ء أعدت الوضوء» (3).

____________

(1) الكافي 3: 35- 8، التهذيب 1: 87- 231، الإستبصار 1: 72- 221، الوسائل، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

(2) الكافي 3: 35- 7، الوسائل، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(3) الفقيه 1: 36- 134، الوسائل، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 5.

16

و فيه: عدم انحصار وجه الإعادة في الفرض بفوت الموالاة حتى يكون مثل هذه الأخبار شاهدا على المطلوب، لإمكان كون الأمر بالإعادة مسبّبا عن تعذّر المسح ببقيّة البلل، كما هو ظاهر.

و لا يخفى عليك أنّه يستفاد من الغاية المذكورة في صدر موثّقة أبي بصير: عدم وجوب إعادة الوضوء لو انقضت حاجته العارضة قبل أن ييبس وضوؤه، بل يبني عليه و يتمّه.

و ظهوره حاكم على إطلاق العلّة المذكورة في ذيلها، إذ به يستكشف المراد من التبعيض المنهيّ عنه في الوضوء.

و إن شئت قلت: إنّ تقييد عروض الحاجة باليبس ثمّ تعليله بالتبعيض ظاهر في مدخليّة الجفاف في حصوله، فتكون هذه الموثّقة قرينة على تعيين المراد من العلّة المذكورة في رواية حكم بن حكيم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي من الوضوء الذراع و الرأس، قال: «يعيد الوضوء، إنّ الوضوء يتبع بعضه بعضا» (1) فيختصّ موردها بما إذا تذكّر بعد الجفاف.

و ممّا يدلّ أيضا على اختصاص موردها بما ذكرناه، و أنّ المراد من المتابعة فيها إنّما هو تلاحق بعض أفعال الوضوء لبعض قبل جفاف سابقه:

الأخبار المستفيضة الدالّة على أنّ ناسي المسح يأخذ من بلّة لحيته و أشفار عينيه و حاجبيه ما دامت البلّة باقية، فيمسح بها مطلقا، و إلّا فيعيد وضوءه.

____________

(1) علل الشرائع: 289- 1، الوسائل، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 6.

17

هذا، مضافا إلى الإجماع على أنّ المتابعة المعتبرة في حقّ الناسي، التي يوجب الإخلال بها إعادة الوضوء- كما هو مورد الرواية- ليست إلّا بالمعنى المذكور.

و لا ينافي ما استظهرناه من الموثّقة- من عدم وجوب الإعادة ما لم يجفّ العضو السابق- إطلاق قوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي: «أتبع وضوءك بعضه بعضا» (1) لأنّ المراد من المتابعة فيها- على ما يشهد به ما قبل هذه الفقرة- هو الترتيب بين الأعضاء بإيجاد المتأخّر في مرتبته، نظير قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «تابع بين الوضوء كما قال اللّه عزّ و جلّ، ابدأ بالوجه ثمّ باليدين ثمّ امسح الرأس و الرّجلين، و لا تقدّمنّ شيئا بين يدي شي‌ء تخالف ما أمرت به، فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه و أعد على الذراع، و إن مسحت الرّجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرّجل ثمّ أعد على الرّجل، ابدأ بما بدأ اللّه عزّ و جلّ به» (2) فإنّ ظاهرها كالصريح في إرادة الترتيب من المتابعة.

و أمّا ما يشهد بإرادة الترتيب من المتابعة في الحسنة، فهو قوله (عليه السلام) قبل هذه الفقرة: «إذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله و مسح رأسه و رجليه و ذكر بعد ذلك، غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه، و إن كان إنّما نسي شماله، فليغسل الشمال، و لا يعيد على ما كان توضّأ»‌

____________

(1) الكافي 3: 34- 4، التهذيب 1: 99- 259، الإستبصار 1: 74- 228، الوسائل، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) الكافي 3: 34- 5، التهذيب 1: 97- 251، الإستبصار 1: 73- 223، الوسائل، الباب 34 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

18

و قال: «أتبع وضوءك» (1) إلى آخره، إذ الظاهر أنّ قوله (عليه السلام): «أتبع وضوءك» إلى آخره، بمنزلة الدليل للحكم المذكور في الرواية، أعني إعادة الجزء المنسيّ و ما بعده، فيراد منه الترتيب لا المتابعة العرفيّة، و إلّا لكان مقتضاها الحكم بإعادة الوضوء من رأس و لو في بعض صوره، مع أنّه (عليه السلام) نصّ على عدم إعادة ما كان توضّأه، فيظهر أنّها غير مسوقة إلّا لبيان الحكم من حيث الإخلال بالترتيب لأجل النسيان.

هذا، مع أنّه لو حملنا المتابعة المأمور بها في هذه الرواية على إرادة الموالاة، لتعيّن حملها على الموالاة بالمعنى المتقدّم، أعنى تلاحق بعض الأجزاء لبعض قبل جفاف سابقه حتى يعمّ الناسي و غيره، لأنّ حملها على المتابعة العرفيّة، المستلزم لتخصيصها بما عدا الناسي نصّا و إجماعا مع كون صدر الرواية مسوقا لبيان حكم الناسي كما ترى.

هذا كلّه بالنظر إلى القرائن الداخليّة، و إلّا فمقتضى الجمع بينها و بين الأدلّة السابقة: تقييد مثل هذه الروايات بما لا ينافيها، لحكومة مفهوم الروايتين عليها، لأنّ مفاده أنّ لحوق اللاحق بأثر السابق، و عدم انقطاعه عن أثره متابعة، فلا يعارضه إطلاق أصلا.

هذا، مع إمكان أن يقال: إنّ لبقاء الأثر نحو تأثير في صدق المتابعة عرفا، فإنّ الفعل السابق ما دام وجود أثره بمنزلة المتجدّد بنظر العرف، فلا يخرج الفعل اللاحق ما دام الأثر موجودا من قابليّة الانضمام إلى‌

____________

(1) الكافي 3: 34- 4، التهذيب 1: 99- 259، الإستبصار 1: 74- 228، الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 9.

19

سابقه، فمعه تتحقّق المتابعة و عدم التبعيض عرفا، فلا تنافي بين الأخبار أصلا. (و) بما ذكرنا ظهر لك ضعف ما (قيل) كما عن صريح المبسوط و ظاهر المقنعة (1)- من أنّ الموالاة المعتبرة في الوضوء (هي المتابعة بين الأعضاء مع الاختيار و مراعاة) عدم (الجفاف مع) التفريق لأجل (الاضطرار) اتّكالا على إطلاق بعض الأخبار المتقدّمة بعد تخصيصها بالعامد، جمعا بين الأدلّة.

و قد عرفت أنّ الجمع يقتضي خلافه، مضافا إلى القرائن المستفادة من نفس الأخبار.

و استدلّ له أيضا بقاعدة الاشتغال، و بالوضوءات البيانيّة.

و فيه- بعد تسليم كون المقام مجرى قاعدة الاشتغال لا البراءة-: أنّ إطلاقات الكتاب و السنّة واردة عليها.

و أمّا المتابعة الحاصلة في الوضوءات البيانيّة- بعد تسليم ظهور الأخبار فيها- فلأجل جريها مجرى العادة خصوصا في مقام التعليم لا تدلّ على اعتبارها في ماهيّة الوضوء، كما هو ظاهر.

و ربّما يتوهّم جواز الاستدلال له: بالإجماعات المنقولة المستفيضة على وجوب الموالاة و اعتبارها في الوضوء، بناء على أنّ الظاهر من لفظ‌

____________

(1) حكاه عنهما الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 133، و انظر: المبسوط 1: 33، و المقنعة: 47.

20

«الموالاة» الواقع في معاقد الإجماعات هو المتابعة بين الأعضاء.

و فيه: أنّه لا مسرح للتشبّث بظاهر معقد الإجماع بعد وضوح اختلاف مراد المجمعين، و ليس معقد الإجماع اعتبار مفهوم هذا اللفظ حتى يرجع فيه إلى العرف و اللغة.

و يفصح عن ذلك- مضافا إلى وضوحه عند من راجع كلماتهم- تصريح نقلة الإجماع بوقوع الخلاف بين المجمعين في معناها بحيث يعلم منه أنّ خلافهم ليس في تفسير مدلول اللفظ.

و عن صريح المعتبر و غير واحد من كتب العلّامة أنّ الموالاة بهذا المعنى- أعني المتابعة العرفيّة- واجبة مستقلّة غير معتبرة في صحّة الوضوء، فيختصّ وجوبها بغير المضطرّ، و إنّما المعتبر في الوضوء اختيارا و اضطرارا هو الموالاة بالمعنى الأوّل (1).

و في الحدائق: إنّ هذا القول هو المشهور عند أصحاب القول بوجوب المتابعة بين الأعضاء (2)، بل عن شرح الإرشاد لفخر الدين و التنقيح و جامع المقاصد و كشف الالتباس: انحصار القول بوجوب المتابعة بمعنى التعاقب في هذا القول، و أنّه لا يبطل الوضوء إلّا بالجفاف قولا واحدا، و أنّ فائدة الخلاف تظهر في الإثمّ و عدمه (3).

____________

(1) حكاه عنها الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 134، و انظر: المعتبر 1: 157، و تحرير الأحكام 1: 10، و تذكرة الفقهاء 1: 189، و منتهى المطلب 1: 70، و نهاية الإحكام 1: 49.

(2) الحدائق الناضرة 2: 348.

(3) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 134، و انظر: التنقيح الرائع 1: 85، و جامع المقاصد 1: 225، و كشف الالتباس 1: 156- 157، و شرح الإرشاد غير مطبوع.

21

و كيف كان فلا يهمّنا التعرّض لتنقيح الأقوال، و إنّما المهمّ التعرّض لمستندها، و قد عرفت قوّة القول الأوّل، و ضعف الثاني.

و أمّا الثالث: فقد استدلّ له بالإجماع على أنّ الأمر بالغسل و المسح في الآية الشريفة للفور.

و بقوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي: «أتبع وضوءك بعضه بعضا» (1).

و قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «تابع بين الوضوء كما قال اللّه تعالى» (2).

و فيه: منع الإجماع على أنّ الأمر في الآية الشريفة للفور، فإنّ القائل بمراعاة الجفاف لا يقول بالفوريّة بهذا المعنى، كيف! و لو كان للفور، لوجب غسل الوجه فورا عند إرادة الصلاة مع أنّه لا يقول به أحد.

و التفكيك بينه و بين غسل الأيدي غير جائز، لكونها معطوفة على الوجه، فلا يجب فيه أيضا، كما في الوجه.

و لو استدلّ هذا القائل: بأنّ المتبادر عرفا من الأمر بالمركّب وجوب إيجاد جميع أجزائه دفعة، لكان أولى و إن كان فيه أيضا تأمّل.

هذا، مع أنّ الأمر المتعلّق بالأفعال إنّما هو للوجوب الشرطي،

____________

(1) الكافي 3: 34- 4، التهذيب 1: 99- 259، الإستبصار 1: 74- 228، الوسائل، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) الكافي 3: 34- 5، التهذيب 1: 97- 251، الإستبصار 1: 73- 223، الوسائل، الباب 34 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

22

فكون الأمر للفور لا يقتضي وجوبه الشرعي، كما هو ظاهر.

و أمّا الروايتان: فقد عرفت أنّ ظاهرهما إرادة الترتيب من المتابعة.

هذا، مع أنّ المتبادر من الأوامر المتعلّقة بكيفيّات العمل: الوجوب الشرطي لا الشرعي، خصوصا مع شهادة سياق الروايتين بإرادة الشرطيّة، بل و في غيرهما من الروايات السابقة أيضا شهادة عليه، كما لا يخفى على المتأمّل.

و اعلم: أنّ مقتضى إطلاق المصنّف (رحمه اللّه) كغيره في تفسير الموالاة بأنّها هي أن يغسل كلّ عضو قبل أن يجفّ ما تقدّمه: إناطة البطلان بالجفاف مطلقا من دون فرق بين أن يكون الجفاف مسبّبا عن التأخير أم لأمر آخر، كقلّة ماء الوضوء أو حرارة البدن أو الهواء، أو غير ذلك، فلو أتى بالأفعال متتابعة و حصل الجفاف في الأثناء لشي‌ء من العوارض، يجب عليه إعادة الوضوء، إلّا أن يتعذّر إحراز الشرط، لشدّة الحرارة أو غيرها من العوارض، فيدخل حينئذ في مسألة أولي الأعذار.

إلّا أنّ الإنصاف عدم الوثوق بإرادتهم من العبارة ما استظهرناه، بل الظاهر أنّ مرادهم بيان بطلان الوضوء بسبب الجفاف الحاصل من ترك التوالي لا غير، فلو أتى بالأفعال متتابعة، صحّ وضوؤه، جفّ أو لم يجف، فيكون المعتبر في صحّة الوضوء إمّا المتابعة الحقيقيّة أو عدم الجفاف، كما نسب إلى الصدوقين (1).

____________

(1) نسبه إليهما صاحب الجواهر فيها 2: 253، و انظر: الفقيه 1: 35.

23

و لعلّ منشأ النسبة- كما صرّح به بعضهم (1)- ما ذكره الصدوق في الفقيه، قال فيما حكي (2) عنه ناقلا عن أبيه في رسالته إليه أنّه قال: إن فرغت من بعض وضوئك و انقطع بك الماء من قبل أن تتمّه فأوتيت بالماء فتمّم وضوءك إذا كان ما غسلته رطبا، و إن كان قد جفّ فأعد وضوءك، فإن جفّ بعض وضوئك قبل أن تتمّم الوضوء من غير أن ينقطع عنك الماء فاغسل ما بقي جفّ أو لم يجفّ. انتهى.

قوله (قدّس سرّه): «و انقطع بك الماء» بحسب الظاهر كناية عن عروض حاجة موجبة لتفريق الوضوء، و التعبير به لكونه هو السبب للتفريق غالبا، كما أنّ عدم انقطاعه يستلزم التوالي عادة في الغالب، فالتعبير به للجري على الغالب. و لعلّه تابع في ذلك الرضوي الآتي (3).

و قد صرّح في المدارك بعد اختياره هذا القول: بأنّ كلام الأصحاب لا ينافيه (4).

نعم، صرّح الشهيد (قدّس سرّه) باعتبار عدم الجفاف في غير الضرورة و عدم كفاية التوالي مع الجفاف، بل يظهر منه أنّ القول بالكفاية مخصوص بابن بابويه.

قال في محكي الذكرى: ظاهر ابن بابويه أنّ الجفاف لا يضرّ مع‌

____________

(1) صاحب الجواهر فيها 2: 253.

(2) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 2: 253، و انظر: الفقيه 1: 35.

(3) يأتي في ص 27.

(4) مدارك الأحكام 1: 230.

24

الولاء، و الأخبار الكثيرة بخلافه. مع إمكان حمله على الضرورة (1).

و في الدروس: و الأقرب أنّها- أي الموالاة- مراعاة الجفاف، و قد حقّقناه في الذكرى، فلو والى و جفّ، بطل وضوؤه إلّا مع إفراط الحرّ و شبهه. و لو فرّق و لم يجفّ، فلا إثم و لا إبطال، إلّا أن يفحش التراخي فيأثم مع الاختيار (2). انتهى.

و الظاهر أنّ المتابعة العرفية عنده واجب شرعي مستقلّ، و أنّ التفريق الغير المتفاحش غير قادح في الصدق العرفي، فلا يكون ما اختاره (رحمه اللّه) في الدروس مخصوصا به، كما قد يتوهّم.

هذا، و لكنّه مع ذلك لا وثوق بإرادة العلماء من ظواهرهم ما اختاره الشهيد، كيف و قد قيّد كثير من الأصحاب- على ما نسب (3) إليهم- بل الأصحاب بأسرهم- كما عن ظاهر الذكرى (4)- عدم الجفاف بكونه في الهواء المعتدل. و ظاهره التحرّز به عن صورة تعجيل الجفاف، لحرارة الهواء و غيرها من الأمور الموجبة للتجفيف، و هي بإطلاقها أعمّ من صورة تعذّر إبقاء البلّة إلى زمان غسل اللاحق.

و تنزيله عليها- كما في ظاهر المحكي عن الذكرى (5)- ممّا لا شاهد عليه، بل الشواهد على خلافه، إذ لا يحسن التحرّز عن صورة التعذّر‌

____________

(1) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 2: 351، و انظر: الذكرى: 92.

(2) الدروس 1: 93.

(3) الناسب هو البحراني في الحدائق الناضرة 2: 356.

(4) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 135، و انظر: الذكرى: 92.

(5) الذكرى: 92.

25

- التي قلّما يتحقّق لها مصداق خارجي- بمثل هذا القيد الموهم لخلاف المقصود، بل الظاهر المتبادر من هذا التقييد ليس إلّا التحرّز عن صورة تعجيل الجفاف لأمر عارضي بلا فصل معتدّ به عرفا بحيث تنتفي المتابعة العرفيّة.

و كيف كان، فالأقوى ما ذهب إليه الصدوقان، وفاقا لصريح جماعة منهم: أصحاب المدارك و الحدائق و المشارق (1) و جميع مشايخنا المتأخّرين الذين عثرنا على أقوالهم، بل في طهارة شيخنا المرتضى (رحمه اللّه):

لم نعثر على مصرّح بخلافه ممّن وصل إلينا كلماتهم المحكيّة في الذكرى و غيرها (2)، لا لما ذكره في المدارك (3)- في ردّ الشهيد المدّعي لمخالفته للأخبار الكثيرة- من اختصاص مورد أخبار قدح الجفاف بالجفاف الحاصل بالتفريق حتى يتوجّه عليه بأنّ العبرة بعموم التعليل في قوله (عليه السلام):

«إنّ الوضوء لا يتبعّض» (4) و قوله (عليه السلام): «إنّ الوضوء يتبع بعضه بعضا» (5) لا بخصوصيّة المورد، بل لمنع اقتضاء عموم التعليل بطلان الوضوء في الفرض، بل العموم قاض بصحّته، لصدق المتابعة و عدم التبعيض.

و ما ادّعينا سابقا من أنّ المراد من المتابعة و عدم التبعيض أن يضمّ‌

____________

(1) انظر: مدارك الأحكام 1: 230، و الحدائق الناضرة 2: 351، و مشارق الشموس:

27.

(2) كتاب الطهارة: 134.

(3) مدارك الأحكام 1: 230.

(4) الكافي 3: 35- 7، الوسائل، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(5) علل الشرائع: 289- 1، الوسائل، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 6.

26

اللاحق إلى سابقه قبل ذهاب أثره- أي: حصول الجفاف- لا نعني به أنّ عدم الجفاف اعتبر قيدا في مفهوم المستعمل فيه، بل المقصود أنّه يستفاد من القرائن الداخليّة و الخارجيّة أنّه يكفي في حصول المتابعة المعتبرة في الوضوء و عدم انقطاع بعضه عن بعض بقاء أثر السابق حال وجود اللاحق و لو مع تخلّل فصل معتدّ به عرفا بحيث لا يصدق المتابعة العرفيّة، فالتصرّف الشرعي إنّما هو في تعميم موضوع المتابعة و عدم التبعيض بحيث يعمّ هذا الفرد الذي لا يساعد عليه العرف، لا في استعمال المتابعة في معنى لا يعرفه العرف.

هذا، مع ما عرفت من نفي البعد من صدق المتابعة عرفا ما دام وجود الأثر، لأنّ له تأثيرا بنظر العرف على ما يشهد به الوجدان، فإنّ الفعل الذي انقطع أصله و ارتفع فرعه بنظر العرف كأن لم يكن، بخلاف ما لو كان أثره موجودا، فإنّه بمنزلة الحادث بالفعل.

و يمكن توجيه كلام صاحب المدارك في ردّ الشهيد (رحمه اللّه): بأنّه بعد أن علم أنّ المراد من العلّة المنصوصة ليس ما يتبادر منها عرفا- كما عليه مبنى الاستدلال- لا يصحّ التشبّث بعموم العلّة إلّا بعد تعيين ما أريد منها.

و القدر المتيقّن الذي يمكن إثبات إرادته منها بقرينة المورد و غيره ليس إلّا أنّ الجفاف المسبّب عن التفريق موجب لتبعّض الوضوء و انتفاء متابعة بعضه بعضا، و أمّا كون مطلق الجفاف موجبا لذلك فلا دليل عليه، فالشكّ إنّما هو في حصول التبعيض و ترك المتابعة بالمعنى الذي أريد منهما، فكيف يتشبّث بعموم العلّة لإثبات البطلان في موارد الشكّ!؟ فيرجع فيها‌

27

إلى إطلاقات الأدلّة، و هي قاضية بالصحّة.

و ممّا يؤيّد المطلوب بل يدلّ عليه لو لا الخدشة في سنده: ما في الفقه الرضوي: إيّاك أن تبعّض الوضوء، و تابع بينه كما قال اللّه تعالى، ابدأ بالوجه ثمّ باليدين ثمّ بالمسح على الرأس و القدمين، فإن فرغت من بعض وضوئك و انقطع بك الماء من قبل أن تتمّه ثمّ أوتيت بالماء فأتمم وضوءك إذا كان ما غسلته رطبا، فإن كان قد جفّ فأعد الوضوء، و إن جفّ بعض وضوئك قبل أن تتمّ الوضوء من غير أن ينقطع عنك الماء فامض على ما بقي، جفّ وضوؤك أم لم يجف (1).

و قوله (عليه السلام): «و إن فرغت» إلى آخره، هو عين ما نقله الصدوق عن والده (قدّس سرّهما)، فيظهر منه اعتماد الصدوقين على الأخذ منه، فهو من قرائن صحّته لو لم يحتمل أن يكون لأكبرهما، و اللّه العالم.

و قد يستدلّ أيضا بصحيحة حريز: قلت: إنّ جفّ الأوّل من الوضوء قبل أن أغسل الذي يليه؟ قال: «إذا جفّ أو لم يجفّ فاغسل ما بقي» (2) فإنّها بعد تقييدها- بالإجماع و غيره- بما إذا لم يكن الجفاف حاصلا من التفريق تدلّ على المطلوب.

و فيه: أنّ ما بعدها يمنع من الاستدلال بها، و هو قوله بعد ذلك:

قلت: و كذلك غسل الجنابة؟ قال: «هو بتلك المنزلة و ابدأ بالرأس ثمّ‌

____________

(1) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 67- 68.

(2) التهذيب 1: 88- 232، الإستبصار 1: 72- 222، الوسائل، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 4.

28

أفض على سائر جسدك» قلت: و إن كان بعض يوم؟ قال: «نعم» فإنّ تنزيله منزلة غسل الجنابة و ترخيصه في التبعيض في بعض اليوم مخالف للإجماع و الأخبار المستفيضة، فهي محمولة على التقيّة.

و دعوى احتمال عود ضمير «كان» إلى إكمال غسل الجنابة فمعناه و لو كان إفاضة الماء على الجسد في بعض يوم، فجوابه (عليه السلام) ليس مخالفا للإجماع على هذا التقدير، مدفوعة: بأنّ الرواية كالصريحة في اتّحاد الوضوء و الغسل من حيث الحكم، فإبداء مثل هذه الاحتمالات لا يجعلها حجّة في مقام الاستدلال، كما هو ظاهر.

فالعمدة في المقام إنّما هي إطلاقات الأدلّة السالمة ممّا يصلح لتقييدها، مضافا إلى إمكان الاستدلال بمفهوم العلّة في الروايتين بالتقريب الذي تقدّم، و اللّه العالم.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ ما قوّيناه من حصول الموالاة المعتبرة في الوضوء بأحد الأمرين- أعني المتابعة العرفيّة لو غسل العضو اللاحق قبل جفاف ما تقدّمه- مبنيّ على عدم الالتزام بأنّ الجفاف المبطل هو الجفاف التقديري، و إلّا فلو قلنا بأنّ المدار على تقدير الجفاف في الهواء المعتدل، لم يبق لهذا الكلام مجال، كما أنّه لا يبقى للفرع الذي وقع التصريح به في كلمات بعض القدماء و جملة من المتأخّرين- و هو: ما لو والى و جفّ هل يصحّ وضوؤه أم لا؟- أصل، كما هو ظاهر، فالمهمّ إنّما هو التعرّض لهذا القول.

29

فنقول: قد ذهب بعض (1) مشايخنا (قدّس سرّهم) إلى أنّ المناط في صحّة الوضوء عدم تخلّل زمان يقتضي الجفاف في صنفه.

و حاصله: أنّ الموالاة المعتبرة فيه أن لا يتخلّل بين غسل الأعضاء في كلّ زمان مقدار من الزمان يقتضي الجفاف في زمانه على تقدير اعتدال الهواء، و هذا المقدار يختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة، كما هو واضح.

و فيه: أنّ اعتبار التقدير- مع أنّه إحالة على مجهول لا طريق للمكلّف إلى إحرازه غالبا، فلا ينبغي تنزيل الأخبار و كلمات الأصحاب عليه- ممّا لا يساعد عليه دليل، بل الأدلّة بأسرها ناطقة بخلافه، لأنّ تقييد الأخبار المستفيضة الآمرة بأخذ ناسي المسح من بلّة وضوئه و المسح به، و الأمر بالإعادة على تقدير عدم بقاء البلّة، الظاهر في إرادة عدم البقاء حقيقة لا تقديرا، و كذا الأمر بالإعادة في أخبار الباب على تقدير الجفاف، الظاهر في إرادة نفس الجفاف لا المقدار الذي من شأنه التجفيف أو الجفاف التقديري ممّا لا دليل عليه، فهذه الإطلاقات بأسرها قاضية بالصحّة على تقدير وجود البلّة، سواء كان لرطوبة الهواء أو غيرها.

و دعوى جري الأخبار مجرى الغالب- و هو ما لو حصل الجفاف في الهواء المعتدل- مع ما فيها من المجازفة غير مجدية في إثبات إناطة الحكم بالجفاف التقديري، لعدم اقتضائها إلّا خروج غير الغالب من منصرف الأخبار، لا إناطة الحكم بمقدار الجفاف الغالبيّ، فيرجع فيما‌

____________

(1) انظر: جواهر الكلام 2: 261.

30

يدّعى صرف الأخبار عنه إلى إطلاقات الأدلّة العامّة السالمة ممّا يصلح لتقييدها.

نعم، ربّما يؤيّد هذا القول ما أشرنا إليه فيما تقدّم (1) من أنّ كثيرا من الأصحاب بل الأصحاب بأسرهم- كما عن ظاهر الذكرى- قد قيّدوا عدم الجفاف بصورة اعتدال الهواء، و ظاهره في بادئ الرأي أنّه تقدير لمقدار زمان جواز التفريق، و أنّ تأخير الجفاف في الهواء الرطب ممّا لا ينفع، كما أنّ تعجيله في الهواء الحارّ لا يضرّ. إلّا أنّ التأمّل في كلمات أكثر من تعرّض لهذا التقيد، خصوصا بالنظر إلى إطلاق كلامهم في حكم ناسي المسح- من أنّه يأخذ من بلل وضوئه ما دام بقاؤه- ربما يورث الجزم بعدم إرادتهم إلّا ما صرّح به الشهيد (قدّس سرّه) في الذكرى- على ما حكي (2) عنه- من أنّ هذا القيد للاحتراز عن إفراطه في الحرارة، و أنّه لو بقي البلل في الهواء المفرط في الرطوبة و البرودة لكفى في صحّة الوضوء، و كذا لو أسبغ وضوءه بماء كثير فبقي البلل.

و ممّا يشهد بأنّ التقييد ليس إلّا للتحرّز عن صورة تعجيل الجفاف لا لتقدير زمان جواز التفريق: ما عن المبسوط، قال: و إن انقطع عنه الماء انتظره، فإذا وصل إليه و كان ما غسله عليه نداوة، بنى عليه [1]، و إن لم تبق عليه نداوة مع اعتدال الهواء، أعاد الوضوء (4). انتهى، فإنّه صريح في أنّ‌

____________

[1] نسخة بدل: صحّ وضوؤه.

____________

(1) في ص 24.

(2) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 135، و انظر: الذكرى: 92.

(4) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 135، و انظر: المبسوط 1: 23.

31

القيد للاحتراز عمّا لو لم تبق النداوة، لعدم الاعتدال.

و عن المهذّب: و إن ترك الموالاة حتى يجفّ المتقدّم، لم يجزئه، اللّهم إلّا أن يكون الحرّ شديدا أو الريح يجفّ منه العضو المتقدّم (1).

انتهى.

و الظاهر أنّ الاستدراك الواقع في كلامه عبارة أخرى عمّا أراده غيره من التقييد باعتدال الهواء.

و عن التحرير: لو فرّق لعذر، لم يعد إلّا مع الجفاف في الهواء المعتدل، و لو جفّ لعذر، جاز البناء، و لا يجوز استئناف ماء جديد (2).

يعني لو جفّ لعذر آخر غير التفريق في الهواء المعتدل، جاز البناء إلّا أن يكون الجفاف حاصلا بعد غسل اليسرى و قبل المسح، فإنّه لا يجوز البناء، لأنّه يستلزم استئناف ماء جديد للمسح، و هو غير جائز.

و كيف كان، فظاهر كثير من عبائرهم بل صريحها: أنّ التقييد ليس إلّا لبيان أنّ الجفاف المخلّ بالتوالي هو الجفاف المسبّب عن التفريق في الهواء المعتدل تنبيها على حكم الفرع الذي صرّح به الصدوق و غيره من أنّه لو جفّ مع الولاء يصحّ وضوؤه، لا أنّ غرضهم بيان إناطة الحكم بالجفاف التقديري، أعني مقدار زمان الجفاف في الهواء المعتدل، كيف و إلّا لكان عليهم التنصيص في مقام التفريع على البطلان لو لم يجفّ، لشدّة البرودة، كما أنّهم نصّوا على عدم البطلان لو جفّ، لشدّة الحرّ، مع‌

____________

(1) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 135، و انظر: المهذّب 1: 45.

(2) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 135، و انظر: تحرير الأحكام 1: 10.

32

أنّه لم ينقل عن أحد منهم التعرّض لحكمه في هذه الصورة.

نعم، قد تعرّض غير واحد ممّن تأخّر عن الشهيد تبعا له لبيان حكم هذا الفرع مصرّحين بصحّة الوضوء من دون تردّد على وجه يظهر كونه مسلّما عندهم، و لكان عليهم أيضا تعيين مرادهم الذي هو موضوع الحكم، لكونه مجملا في غاية الإجمال، ضرورة اختلاف مقدار زمان الجفاف في الهواء المعتدل بقلّة ماء الوضوء و كثرته، و باختلاف الأمكنة و الأزمنة، و باعتبار كون المتوضّي تحت ظلّ أو في قبال الشمس، إلى غير ذلك من الأمور الموجبة للاختلاف ممّا لا تحصى.

و دعوى أنّه يتبادر من قيد الاعتدال في عبائرهم إرادة مقدار زمان الجفاف في الهواء المعتدل بالمقايسة إلى حال المتوضّي من حيث مكانه و زمانه، و ما يستعمله من الماء في وضوئه المتعارف، مدفوعة: بأنّ الانصراف بعد تسليمه ليس بحيث يغني عن التنبيه عليه و لو في بعض كتب الفتاوى، المعمولة للتقييد، و كذا كان عليهم التنبيه على حكم المقلّد في صورة الشكّ في أصل الاعتدال، أو في أنّه لو كان معتدلا، لجفّ، أو لو كان معتدلا، لم يجفّ من أنّه هل يعيد الوضوء أو يبني على صحّته أو يعمل بظنّه؟ إلى غير ذلك من الأمور التي تورث القطع بعدم إرادة العلماء من الجفاف إلّا نفسه لا الجفاف التقديري.

نعم، قد يوهم عبائر بعضهم في تفسير الموالاة: أنّ الحكم معلّق على مقدار زمان الجفاف لا نفسه، كما عن السيّد في الناصريّات، قال:

و من فرّق بمقدار ما يجفّ معه غسل العضو الذي انتهى إليه و قطع منه‌

33

الموالاة في الهواء المعتدل، وجب عليه إعادة الوضوء (1). انتهى.

و عن السيّد أبي المكارم (قدّس سرّه) في الغنية في الموالاة هي أن لا يؤخّر غسل الأعضاء بمقدار ما يجفّ ما تقدّم في الهواء المعتدل (2). انتهى.

و قال في الكامل- على ما حكي عنه-: هي متابعة بعض الأعضاء ببعض، فلا يؤخّر المؤخّر عمّا يتقدّم بمقدار ما يجفّ في الزمان المعتدل (3). انتهى.

و لكنّك خبير بأنّ غلبة التعبير عن نفس الفعل بزمانه تمنع ظهور مثل هذه العبارات في إرادة إناطة الحكم بنفس الزمان.

ألا ترى أنّك لو قلت لصاحبك: توقّف عندي بمقدار أن يجفّ ثوبي، أو بمقدار أن أشرب الماء، أو أن أفرغ من العمل الذي بيدي، لا يخطر بباله إلّا أنّك أمرته ببقائه في الزمان الشخصي الذي يصدر منك الفعل فيه، لا الأمر بوقوفه هذا المقدار من الزمان من حيث هو.

و ممّا يؤيّد إرادتهم ذلك: ما في عبارة الحلّي حيث إنّه (قدّس سرّه) علّق الحكم في صدر عبارته بنفس الجفاف، و عبّر في ذيلها بما يوافق الجماعة.

قال في السرائر: حدّ الموالاة على الصحيح من أقوال أصحابنا‌

____________

(1) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 136، و انظر: مسائل الناصريّات:

126، المسألة 33.

(2) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 136، و انظر: الغنية: 59.

(3) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 136، و كتاب الكامل مفقود.

34

المحصّلين هو أن لا يجفّ غسل العضو المتقدّم، في الهواء المعتدل، و لا يجوز التفريق بين الوضوء بمقدار ما يجفّ غسل العضو الذي انتهى إليه و قطع الموالاة منه في الهواء المعتدل (1). انتهى.

و كيف كان، فإن أرادوا من كلماتهم ما ذكرناه، فنعم الوفاق، و إلّا فعليهم إقامة البيّنة على إناطة الحكم بنفس الزمان من حيث هو، و أنّى لهم بها، مع أنّ الحكم في ظاهر النصوص و الفتاوى معلّق بالجفاف و اليبس و فقد البلّة.

و العجب من بعض مشايخنا- الذي سبقت الإشارة إليه- أنّه (قدّس سرّه) بعد ادّعائه ظهور عبائر الأصحاب في إرادة التقدير الزماني، قال: و إلّا لو أريد بالموالاة بمعنى مراعاة الجفاف بقاء البلل حسّا من غير مدخليّة للزمان، فهو مع منافاته لاستصحاب الصحّة لا دليل عليه، كما أنّه لا دليل على التقدير عند إفراط الحرّ، بل ينبغي القول بالرجوع إلى التيمّم أو بسقوط هذا الشرط في مثل هذا الحال، فلا يقدح التأخير حينئذ يوما أو أيّاما، إذ لا دليل على التقدير بعد فهمهم من الأدلّة وجود البلل حسّا (2). انتهى كلامه رفع مقامه.

و لا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما تقدّم، فإنّه يتوجّه عليه أوّلا المعارضة بالمثل، لأنّا نقول: لو أريد من مراعاة الجفاف مراعاة زمانه من دون مدخليّة للجفاف الحسّي، فهو مع منافاته لاستصحاب الصحّة لا دليل‌

____________

(1) السرائر 1: 101.

(2) جواهر الكلام 2: 261.

35

عليه، كما أنّه لو ادّعي انصراف الأدلّة إلى المتعارف لا دليل على التقدير عند إفراط البرد، بل ينبغي القول بصحّة إتمام الوضوء و بقاء شرطه، لإطلاقات الأدلّة العامّة.

و حلّه: ما عرفت مفصّلا من أنّه يستفاد من الأدلّة أنّ الشارع عمّم موضوع الموالاة بحيث عمّ لحوق العضو اللاحق بأثر العضو السابق، فلا يتوجّه علينا إشكال أصلا.

نعم، يتوجّه على القائل بإناطة الحكم وجودا و عدما بالجفاف: أنّه يلزمه عند التعذّر إمّا القول بانتقال الفرض إلى التيمّم أو القول بسقوط الشرط، و جواز التأخير مطلقا، إلّا أنّه له أيضا في التفصّي عن هذا الإلزام طرق.

منها: التزامه بوجوب الاحتياط في الشكّ في الشرطيّة و لو في خصوص الوضوء، لكونه مصداقا للطهور، إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على المتأمّل.

هذا، مع أنّ الالتزام بما ألزم به هيّن بعد أنّ المورد قلّما يتحقّق له مصداق إلّا على سبيل الفرض، لأنّ حفظ نداوة العضو السابق إلى أوّل الشروع في غسل اللاحق على ما هو مناط حصول المتابعة بمقتضى ظواهر الأدلّة في أيّ زمان يفرض أمر هيّن، كما هو ظاهر.

و الإنصاف أنّي أجد من نفسي أنّ تنزيل عبارة المصنّف و غيره ممّن عبّر كعبارته في تفسير الموالاة- من أنّها هي أن يغسل كلّ عضو قبل أن يجفّ ما تقدّمه- على إرادة التقدير الزماني مصادمة للضرورة، فإن كان‌

36

و لا بدّ من الالتزام بهذا القول، فليقف قبال القوم، و ليأت ببرهان، مع أنّه ما عثرنا على برهان له إلّا ظواهر كلماتهم التي عرفتها، و اللّه العالم.

تنبيه: لا شبهة في رجحان الموالاة بمعنى المتابعة و لو لحسن الاحتياط، خروجا من شبهة الخلاف، فضلا عن رجحان المسارعة و الاستباق إلى الطاعة، فلو نذر التوالي في وضوئه، ينعقد نذره، و يحرم مخالفته، فلو أخلّ بالمتابعة، لا يترتّب عليه إلّا الكفّارة، و أمّا بطلان الوضوء فلا.

و قد يتوهّم البطلان، لكون المأتيّ به من حيث حصول مخالفة النذر به محرّما، فلا يكون عبادة.

و فيه: أنّ المحرّم إنّما هو ترك المتابعة، و هو خارج من ماهيّة الوضوء، فلا يؤثّر في بطلانه.

و قد يتخيّل التفصيل- كما عن المدارك (1)- بين ما لو نذر المتابعة في الوضوء و أخلّ بها، صحّ وضوؤه، لما ذكرنا، و بين ما لو كان المنذور هو الوضوء المتتابع فيه فيبطل، لأنّ المأمور به في حقّ هذا الشخص هو الوضوء الخاصّ، لتعيّنه بسبب النذر، فالمأتيّ به مخالف لما وجب في حقّه، و لا معنى للبطلان إلّا ذلك، أعني مخالفة المأتيّ به للمأمور به.

و فيه: أنّ مخالفة المأتيّ به للمأمور به بالأمر النذري العارضي مسلّمة، و هي لا تقتضي إلّا بطلانه من هذه الجهة، و أمّا من حيث وقوعه امتثالا للأمر الأصلي المتعلّق بماهيّة الوضوء من حيث هي فلا، بل المأتيّ به عين المأمور به، و الأمر يقتضي الإجزاء، و الأمر الأصلي و العارضي ليسا‌

____________

(1) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 137، و انظر: مدارك الأحكام 1: 231.

37

من قبيل المطلق و المقيّد، بل كلّ منهما تكليف مستقلّ بنفسه يترتّب على موافقته و مخالفته الثواب و العقاب.

فلو نذر أن يعطي صدقته الواجبة لذي رحمه، فإن أعطاها له، يستحقّ أجرين: أجر المزكّي و أجر الموفين بالنذر، و إن خالف النذر و أعطى سائر الفقراء، لا يعاقب بترك التزكية، و إنّما يعاقب على مخالفة النذر، و وجهه ظاهر.

و غاية ما يمكن أن يقال في المقام وجها للبطلان: أنّه بعد أن غسل وجهه و لم يتبعه بغسل اليدين يجب عليه رفع اليد عمّا غسله أوّلا، و إعادته ثانيا مقدّمة لامتثال الأمر بالنذر، و غسل اليدين بقصد امتثال الأمر بالوضوء يضادّه، فلا يصحّ جزء من العبادة إمّا لحرمته لو قلنا بأنّ الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضدّه، أو لعدم الأمر به و لو لم نقل بالاقتضاء، لأنّ الأمر بالضدّين قبيح، فلا يعقل صدوره من الشارع.

و فيه: ما تقرّر في الأصول من أنّ الأمر بالشي‌ء لا يقتضي حرمة ضدّه الخاصّ و لا بطلانه إذا كان عبادة، فراجع.

هذا إذا تمكّن من الوفاء بالنذر بإعادة غسل الوجه، و أمّا لو تعذّر عليه ذلك لضيق الوقت أو لتعيّن زمان النذر، فلا خفاء في صحّة الوضوء و إن قلنا بالاقتضاء، كما لا يخفى وجهه.

و لا فرق في صحّة الوضوء بين ما لو بنى من أوّل الأمر على مخالفة النذر و نوى بفعله امتثال الأمر الأصلي في ضمن فرد غير متتابع، و بين ما لو قصد أوّلا إتيان الفرد المتتابع وفاء بالنذر، لأنّ قصد امتثال الأمر بالكلّي‌

38

في ضمن فرد خاصّ لا يعيّنه في مقام الامتثال، فلو بدا له في الأثناء و ترك بعض الخصوصيّات الموجبة لفضيلة الفرد و إن كانت مقصودة في أوّل العمل لا يقدح ذلك في امتثال الأمر بالطبيعة الغير المقيّدة بهذه الخصوصية، كما هو ظاهر. و أمّا قصد وقوعه وفاء للنذر فليس في عرض قصد امتثال الأمر الأصلي حتى يعارضه، و يقال: ما نواه لم يقع، و ما وقع لم ينوه، لأنّ قصد امتثال أمره الأصلي مأخوذ في متعلّق النذر، فقصد إيجاد الفرد وفاء بالنذر مشتمل على قصد امتثال الأمر الأصلي أيضا، و اللّه العالم.

[الثالثة الفرض في الغسلات مرّة واحدة]

المسألة (الثالثة: الفرض في الغسلات) أي: غسل كلّ عضو بتمامه (مرّة واحدة) و لو بغرفات متعدّدة بلا خلاف و لا إشكال، كما في طهارة شيخنا المرتضى (1) (رحمه اللّه)، للكتاب و السنّة المتواترة معنى. (و) أمّا المرّة (الثانية) فالأقوى- كما عن المشهور (2)، بل عن غير واحد من قدماء أصحابنا دعوى الإجماع عليه (3)- أنّها (سنّة) للأخبار المستفيضة:

منها: ما في صحيحة زرارة عن الصادق (عليه السلام) «الوضوء مثنى مثنى من زاد لم يؤجر» (4).

____________

(1) كتاب الطهارة: 137.

(2) نسبه إليه البحراني في الحدائق الناضرة 2: 319.

(3) انظر: جواهر الكلام 2: 266.

(4) التهذيب 1: 80- 81- 210، الإستبصار 1: 70- 215، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 5.

39

و في الصحيح عن صفوان (1) و معاوية بن وهب (2) مثله.

و في موثّقة يونس «لمن جاء من الغائط أو بال يغسل ذكره و يذهب الغائط ثمّ يتوضّأ مرّتين مرّتين» (3).

و في مرسلة مؤمن الطاق «فرض اللّه الوضوء واحدة واحدة، و وضع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله للناس اثنتين اثنتين» (4).

و في مرسلة عمرو بن أبي المقدام «إنّي لأعجب ممّن يرغب أن يتوضّأ اثنتين اثنتين و قد توضّأ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله اثنتين اثنتين» (5).

و في خبر الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال في كتاب إلى المأمون: «إنّ الوضوء مرّة فريضة و اثنتان إسباغ» (6).

و في كتابة القائم (عجّل اللّه فرجه) إلى العريضي «الوضوء كما أمر به:

غسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرّجلين واحد، و اثنان إسباغ الوضوء، و إن زاد أثم» [1].

____________

[1] لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر الحديثيّة، و أورده النراقي في مستند الشيعة 2: 183.

____________

(1) التهذيب 1: 80- 209، الإستبصار 1: 70- 214، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 29.

(2) التهذيب 1: 80- 208، الإستبصار 1: 70- 213، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 28.

(3) التهذيب 1: 47- 134، الإستبصار 1: 52- 151، الوسائل، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 5.

(4) الفقيه 1: 25- 77، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 15.

(5) الفقيه 1: 25- 80، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 16.

(6) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 127- 2، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 23.

40

و في الوسائل عن إرشاد المفيد أنّ علي بن يقطين كتب إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام) يسأله عن الوضوء، فكتب إليه أبو الحسن (عليه السلام) «فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، و الذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثا و تستنشق ثلاثا و تغسل وجهك ثلاثا و تخلّل شعر لحيتك و تغسل يديك إلى المرفقين ثلاثا و تمسح رأسك كلّه و تمسح ظاهر أذنيك و باطنهما و تغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا، و لا تخالف ذلك إلى غيره» فلمّا وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجّب بما رسم له أبو الحسن (عليه السلام) فيه ممّا جميع العصابة على خلافه، ثمّ قال: مولاي أعلم بما قال و أنا أمتثل أمره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحدّ و يخالف ما عليه جميع الشيعة، امتثالا لأمر أبي الحسن (عليه السلام)، و سعي بعليّ بن يقطين إلى الرشيد و قيل: إنّه رافضي، فامتحنه الرشيد من حيث لا يشعر، فلمّا نظر إلى وضوئه ناداه: كذب يا علي بن يقطين من زعم أنّك من الرافضة، و صلحت حاله عنده، و ورد عليه كتاب أبي الحسن (عليه السلام) «ابتدئ من الآن يا علي بن يقطين توضّأ كما أمرك اللّه تعالى، اغسل وجهك مرّة فريضة، و اخرى إسباغا، و اغسل يديك من المرفقين كذلك، و امسح بمقدّم رأسك و ظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنّا نخاف منه عليك، و السلام» (1).

و عن محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي في كتاب الرجال بسنده فيه عن داود الرقّي، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقلت له: جعلت‌

____________

(1) الوسائل، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث 3، الإرشاد 2: 227- 229.

41

فداك كم عدّة الطهارة؟ فقال: «ما أوجبه اللّه فواحدة، و أضاف رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله واحدة لضعف الناس، و من توضّأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له و أنا معه في ذا» حتى جاءه داود بن زربي فسأله عن عدّة الطهارة، فقال له: «ثلاثا ثلاثا، من نقص عنه فلا صلاة له» قال: فارتعدت فرائصي، و كاد أن يدخلني الشيطان، فأبصر أبو عبد اللّه (عليه السلام) إليّ و قد تغيّر لوني، فقال: «يا داود هذا هو الكفر أو ضرب الأعناق» قال: فخرجنا من عنده، و كان ابن زربي إلى جوار بستان أبي جعفر المنصور، و كان قد القي إلى أبي جعفر أمر داود بن زربي و أنّه رافضي يختلف إلى جعفر بن محمد (عليه السلام)، فقال أبو جعفر المنصور: إنّي مطّلع على طهارته، فإن هو توضّأ وضوء جعفر بن محمد فإنّي لأعرف طهارته، حققت عليه القول و قتلته، فاطّلع و داود يتهيّأ للصلاة من حيث لا يراه، فأسبغ داود بن زربي الوضوء ثلاثا ثلاثا كما أمره أبو عبد اللّه (عليه السلام)، فما تمّ وضوؤه حتى بعث إليه أبو جعفر المنصور، فدعاه، قال: فقال داود: فلمّا أن دخلت عليه رحّب بي، و قال: يا داود قيل فيك شي‌ء باطل و ما أنت كذلك، قد اطّلعت على طهارتك و ليس طهارتك طهارة الرافضة، فاجعلني في حلّ، و أمر له بمائة ألف درهم، قال: فقال داود الرقّي: التقيت أنا و داود بن زربي عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له داود: جعلت فداك حقنت دماءنا في دار الدنيا و نرجو أن ندخل بيمنك و بركتك الجنّة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «فعل اللّه ذلك بك و بإخوانك من جميع المؤمنين» فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لداود بن زربي:

«حدّث داود الرقّي بما مرّ عليكم حتى تسكن روعته» قال: فحدّثته بالأمر كلّه، قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لهذا أفتيته، لأنّه كان أشرف على القتل‌

42

من يد هذا العدوّ» ثمّ قال: «يا داود بن زربي توضّأ مثنى مثنى، و لا تزدنّ عليه، و إنّك إن زدت عليه لا صلاة لك» (1).

و لقد نقلنا الحديثين بطولهما، للتيمّن و ابتهاج المؤمنين برؤية مثل هذه الأخبار، و سرورهم بدعاء الصادق لهم، صلوات اللّه و صلوات جميع خلقه عليه و على آبائه الطاهرين و أولاده المعصومين، و لعنة اللّه على أعدائهم و الشاكّين فيهم أجمعين إلى يوم الدين.

هذا، مع ما فيها من القرائن التي تشهد ببطلان بعض المحامل التي التزم بها بعض من حاول الجمع بين أخبار الباب، كحمل هذه الأخبار المستفيضة- التي كادت تكون صريحة في استحباب الغسلة الثانية بنفسها- على التقيّة، كما عن المنتقى (2)، أو على أنّ المراد من قوله (عليه السلام): «الوضوء مثنى مثنى» استحباب تجديد الوضوء، كما عن الصدوق (3)، لا تكرير الغسلات، أو أنّه (عليه السلام) أراد بقوله: «مثنى مثنى» غرفتين لغسلة واحدة، كما عن المحدّث الكاشاني (4)، فيكون الفضل في إتيان كلّ غسلة بغرفتين، أو أنّه (عليه السلام) أراد من «مثنى مثنى» غسلتين و مسحتين، لا كما يزعمه المخالفون من أنّه ثلاث غسلات و مسحة، كما عن المحقّق البهائي (5)، أو أنّ المراد استحباب إسباغ الغسلة الأولى بالثانية إذا كانت‌

____________

(1) اختيار معرفة الرجال: 312- 564، الوسائل، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(2) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 2: 331، و انظر: منتقى الجمان 1: 148.

(3) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 2: 329، و انظر: الفقيه 1: 25- 26.

(4) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 2: 336، و انظر: الوافي 6: 322.

(5) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 2: 334- 335، و انظر: الحبل المتين: 24.

43

ناقصة بكونها على وجه لا يتحقّق بها إلّا أقلّ مسمّى الغسل المجزئ، فيستحبّ حينئذ إسباغها بغسلة ثانية لإكمالها، كما في الحدائق (1)، إلى غير ذلك من المحامل التي لا يتحمّل شيئا منها مجموع الأخبار المتقدّمة و إن أمكن الالتزام ببعضها بالنسبة إلى بعض الأخبار بشهادة بعض القرائن الداخليّة و الخارجيّة، كلفظ «الإسباغ» في جملة من الأخبار، كما لا يخفى على المتأمّل.

و لقد أطنب في الحدائق في نقل الاحتمالات التي أبداها الأعلام (رضوان اللّه عليهم)، و أتعب باله في النقض و الإبرام إلى أن آل فكره إلى اختياره بعض المحامل التي تقدّمت الإشارة إليها و إلى ضعفها، و عدم إمكان تطبيق إطلاقات جلّ الأخبار بل كلّها عليها.

و قد تكلّفوا في ارتكاب مثل هذه التوجيهات- التي لا يخفى مخالفتها لظاهر الأخبار مع خلوّها عن الشواهد التي يمكن الاستناد إليها- لما رأوا من التنافي بين هذه الأخبار و غيرها ممّا يستظهر منها رجحان ترك التثنية.

منها: الأخبار المستفيضة الحاكية لوضوء رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، الظاهرة في كون وضوئه مرّة مرّة، بل بكفّ كفّ لكلّ من الأعضاء المغسولة.

و فيما أرسله في الفقيه عن الصادق (عليه السلام): «و اللّه ما كان وضوء رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إلّا مرّة مرّة. و توضّأ النبي صلى اللّه عليه و آله مرّة مرّة، فقال: هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلّا به» (2).

____________

(1) الحدائق الناضرة 2: 338.

(2) الفقيه 1: 25- 76، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 10 و 11.

44

و قوله: «و توضّأ» إلى آخره، يحتمل أن يكون من مقول قول الصادق (عليه السلام) و من كلام الصدوق فيكون خبرا مقطوعا.

و في خبر عبد الكريم عن الصادق (عليه السلام) «ما كان وضوء علي (عليه السلام) إلّا مرّة مرّة» (1).

و لكنّك خبير بعدم معارضة هذه الأخبار للأخبار السابقة، خصوصا مع ما في بعض الأخبار السابقة من «أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله توضّأ مثنى مثنى» لأنّ ترك التثنية في مقام العمل لا يدلّ على عدم رجحانها في حدّ ذاتها، فضلا عن معارضته للقول، لجواز أن يكون تركها منهم (عليهم السلام) لأمر أهمّ و لو مثل الاستباق و المسارعة إلى غايات الوضوء، كما هو الشأن في جميع المستحبّات المتزاحمة التي كانوا يتركونها لتفضيل الأرجح عليها، و من المعلوم أنّ رجحان الغسلة الثانية في حقّ المعصومين المنزّهين عن الغفلة في وضوئهم ليس بحيث يزاحم شيئا من الأمور الراجحة، حيث إنّ الحكمة في شرعها- على ما يظهر من بعض (2) الروايات السابقة- ضعف الناس و قصورهم عن أداء الواجب، و هذه الحكمة لا تقتضي الرجحان في حقّهم إلّا ببعض الاعتبارات المقتضية لاطّراد الحكم.

و الحاصل: أنّ الفعل بعد إهمال وجهه لا يزاحم القول.

و بما ذكرنا ظهر لك إمكان الخدشة فيما حكي عن ثقة الإسلام‌

____________

(1) الكافي 3: 27- 9، التهذيب 1: 80- 207، الإستبصار 1: 70- 212، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

(2) و هي رواية داود الرقّي، المتقدّمة في ص 40.

45

الكليني بعد أن ذكر رواية عبد الكريم، المتقدّمة (1)، قال: هذا دليل على أنّ الوضوء مرّة، (لأنّ عليّا) [1] (عليه السلام) كان إذا ورد عليه أمران كلاهما طاعة للّه أخذ بأحوطهما و أشدّهما على بدنه، و أنّ الذي جاء عنهم (عليهم السلام) أنّ الوضوء مرّتان لمن لم تقنعه مرّة و استزاده، فقال: «مرّتان» ثمّ قال: «و من زاد على مرّتين لم يؤجر» و هذا غاية الحدّ في الوضوء الذي من تجاوزه أثم، و لم يكن له وضوء، و كان كمن صلّى الظهر خمس ركعات، و لو لم يطلق في المرّتين، كان سبيلها سبيل الثلاث (3). انتهى.

و حاصل كلامه (قدّس سرّه) على ما يظهر من عبارته: أنّ الوضوء المشروع أوّلا و بالذات إنّما هو مرّة، و لذا كان عليّ (عليه السلام) يداوم عليها، و أمّا ما جاء عنهم (عليهم السلام) من أنّ «الوضوء مرّتان» فإنّما هو رخصة في إضافة المرّة الثانية لمن استزاد، أي: لمن استرخص في الزيادة و لم يقنع بمرّة، فالإمام (عليه السلام) بيّن أنّ زيادة الغسلة الثانية مرخوص فيها و إن لم يكن فيها رجحان حتى ينافي وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أمّا ما زاد عليها فلا، و لو لا الرخصة فيها، لكانت كالثالثة، فالحدّ الذي ينتهي إليه الجواز و لا يجوز التخطّي عنه مرّتان، و من زاد أثم.

و لقد تكلّف في الحدائق (4) في تطبيق عبارة الكليني (رحمه اللّه) على مختاره‌

____________

[1] بدل ما بين القوسين في «ض 1» و المصدر: لأنّه.

____________

(1) في ص 44.

(3) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 2: 321- 322، و الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 139، و انظر: الكافي 3: 27 ذيل الحديث 9.

(4) انظر: الحدائق الناضرة 2: 321- 323.

46

حيث استظهر من كلامه حرمة الثانية، لكونها تشريعا غير مأمور بها كالثالثة، و إنّما الرخصة المستفادة من كلامه إنّما هي لمن لم تقنعه يعني لم تكفه المرّة الاولى في إكمال الغسل و إسباغه.

و لقد أطنب في تقريب الاستظهار بما لا يخفى ما فيه على من راجعه، و نسب الغفلة إلى من نسب القول بالجواز إلى الكليني مستظهرا ذلك من عبارته المتقدّمة، و كذا من نسب هذا القول إلى الصدوق مستظهرا له من قوله في الفقيه: «الوضوء مرّة مرّة، و من توضّأ مرّتين لم يؤجر، و من توضّأ ثلاثا أبدع» (1).

ثمّ تعجّب في ذيل كلامه- بعد أن أطال في تحقيق مرامه، أعني استظهاره من العبارتين حرمة الغسلة الثانية- من الفضلاء المحقّقين الذين نسبوا القول بالجواز دون الحرمة إلى الكليني و الصدوق، حيث لم يمنعوا النظر في كلامهما حتى يصلوا إلى كنه مرامهما.

و أنت إذا أمعنت النظر، لقضيت بوصول المحقّقين إلى كنه مرامهما على ما يظهر من هاتين العبارتين المتقدّمتين، لأنّ التفصيل بين الثانية و الثالثة قاطع للشركة، فكيف ينسب القول بحرمة الثانية إليهما!؟

و المراد من الغسلة الثانية- على ما يشهد به ظاهر عبارتيهما- هي الغسلة التامّة الكاملة التي تجعل قسيما للأولى و الثالثة، فحمل الرخصة المستفادة من العبارتين على بيان جواز إكمال الغسلة الأولى بالثانية خلاف‌

____________

(1) الفقيه 1: 29 ذيل الحديث 92.

47

الظاهر، بل لا يكاد ينطبق عليه إطلاق العبارتين أصلا، فالظاهر أنّ الكليني و الصدوق قائلان بالجواز دون الحرمة.

نعم، لا يبعد استظهار الحرمة من الصدوق بقرينة ما ذكره في توجيه بعض الروايات المتقدّمة، مثل قوله (عليه السلام): «فرض اللّه الوضوء واحدة واحدة، و وضع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله للناس اثنتين اثنتين» (1) بحملها على الإنكار، نظرا إلى أنّ الوضع تعدّ في حدود اللّه وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ (2).

و لكنّ الذي يظهر من المحكيّ عنه في أماليه القول بجواز الثانية من دون رجحان، بل نسبه إلى دين الإماميّة حيث قال في وصف دين الإماميّة- (رضوان اللّه عليهم)-: إنّ الوضوء مرّة مرّة، و من توضّأ مرّتين فهو جائز إلّا أنّه لا يؤجر عليه (3).

و قد حكي هذا القول- أعني الجواز دون الاستحباب- عن البزنطي (4) أيضا، و تبعهم في ذلك جماعة من متأخّري المتأخّرين على ما حكي (5) عنهم.

____________

(1) الفقيه 1: 25- 77، الوسائل، الباب 31، من أبواب الوضوء، الحديث 15.

(2) سورة الطلاق 65: 1.

(3) حكاه عنه العاملي في مفتاح الكرامة 1: 274، و انظر أمالي الصدوق: 514.

(4) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 138.

(5) الحاكي عنهم هو الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 138، و انظر: كشف اللثام 1:

73، و مدارك الأحكام 1: 234.

48

و مستندهم في ذلك وضوء رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام)، و بعض الأخبار التي يستظهر منها كون الثانية كلفة بلا أجر.

مثل: ما عن نوادر البزنطي عن عبد الكريم بن عمرو عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «اعلم أنّ الفضل في واحدة، و من زاد على اثنتين لم يؤجر» (1).

و رواية ميسرة عن أبي جعفر (عليه السلام) «إنّ الوضوء واحدة واحدة» (2).

و أرسل الصدوق عن الصادق (عليه السلام) «أنّ من توضّأ مرّتين لم يؤجر» (3).

و أرسل أيضا «أنّ الوضوء مرّة فريضة، و الثانية لا تؤجر، و الثالثة بدعة» [1].

و في مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام)، قال: «الوضوء واحدة فرض، و اثنتان لا تؤجر، و الثالثة بدعة» (5).

____________

[1] كذا نقله عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 138، و لم نعثر عليه في الفقيه ما عدا قوله فيه 1: 29 في ذيل الحديث 92: و الوضوء مرّة مرّة، و من توضّأ مرّتين لم يؤجر، و من توضّأ ثلاثا فقد أبدع.

____________

(1) السرائر 3: 553، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

(2) الكافي 3: 26- 27- 7، التهذيب 1: 80- 205، الإستبصار 1: 69- 210، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(3) الفقيه 1: 26- 83، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 14.

(5) التهذيب 1: 81- 212، الإستبصار 1: 71- 217، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

49

و فيه: ما عرفت [من] أنّ ظهور الفعل لا يقاوم ظهور القول الصادر منهم (عليهم السلام) في استحباب الغسلة الثانية.

و أمّا رواية عبد الكريم: فيحتمل قويّا أن يكون مراد الإمام (عليه السلام) أنّ الفضل في غسلة واحدة يزيدها على الغسلة المفروضة بقرينة قوله (عليه السلام) بعده: «و من زاد على اثنتين لم يؤجر».

و على تقدير تسليم ظهورها في عدم استحباب الثانية، كالمراسيل بعد الإغماض عن إرسالها لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظاهر إمّا بحملها على نفي الأجر لمن لم يستيقن بأنّ الواحدة تجزئه بقرينة قوله (عليه السلام) في خبر عبد اللّه بن بكير: «من لم يستيقن أنّ الواحدة من الوضوء تجزئه لم يؤجر على اثنتين» (1) فإنّ هذا الخبر مفهوما و منطوقا يصلح شاهدا للجمع بين مثل هذه الأخبار و الأخبار المتقدّمة على وجه يوافق مذهب المشهور، كما لا يخفى، أو بردّ علمها إلى أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّهم أولى بذلك، لقوّة المعارض سندا و دلالة و اعتضادا بالشهرة و الإجماعات المنقولة.

و العجب ممّن استظهر من مثل هذه الروايات حرمة الثانية، لاستلزام عدم الأجر عدم الأمر، و هو ينافي كونها عبادة، فتكون بدعة محرّمة.

و فيه: أنّه اجتهاد في مقابلة النصّ، لأنّ التفصيل في نفس هذه الروايات بين الثانية و الثالثة قاطع للشركة، فصريحها عدم كون الثانية‌

____________

(1) التهذيب 1: 81- 213، الإستبصار 1: 71- 218، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 4.

50

كالثالثة بدعة، و ظاهرها كونها كلفة زائدة، فهي بظاهرها دليل على القول المحكي عن المشايخ المتقدّمة و أتباعهم من متأخّري المتأخّرين، كصاحب المدارك و كاشف اللثام و غيرهما.

و لكن يتوجّه على هذا القول- مضافا إلى ما عرفت من عدم إمكان رفع اليد عن ظواهر الأدلّة المتقدّمة بظواهر هذه الأخبار، خصوصا مع وجود شاهد الجمع و قابليّة هذه الأخبار للتأويل- ما قد يقال من عدم معقوليّة اتّصاف جزء العبادة بالجواز.

و يمكن توجيهه: بأنّ جزء الوضوء إنّما هو طبيعة الغسل، الصادقة على الغسلة و الغسلتين دون ما زاد بقرينة الأخبار الناهية عمّا زاد على الغسلتين، فالزائد على ما يتحقّق به مسمّى الغسل كلفة زائدة لا حاجة إليها.

و نظيره في التدريجيّات: ما لو أمر المولى عبده بالتكلّم مع زيد، فأطال في الكلام، فإنّه لا يستحقّ بتطويله أجرا زائدا على ما يستحقّه بالتكلّم معه على تقدير اقتصاره على بعض ما تكلّم به، مع أنّ طاعة المولى في الفرض إنّما تتحقّق بمجموع الكلام الذي يصدر منه، فهو ما دام متشاغلا بالكلام مشغول بالامتثال.

و لكن يشكل ذلك بأنّ ذلك إنّما يتصوّر في التدريجيّات في مثل الكلام و الجلوس و غيره ممّا له نحو ارتباط بنظر العرف بحيث يعدّ ما يصدر منه في الخارج مصداقا واحدا لطبيعة المأمور به، لا مثل الغسل، فإنّ كلّ غسلة مصداق مغاير لغيرها من الغسلات، فلا يعقل بقاء الأمر بالطبيعة بعد تحقّقها في الخارج في ضمن الغسلة الأولى.

51

اللّهمّ إلّا أن يدّعى أنّ الغسل أيضا كالتكلّم بنظر العرف، فإنّ من يغسل ثوبه بالماء لا يعدّ بنظر العرف جريات الماء على ثوبه غسلات متعدّدة، بل إنّما يعدّ مجموع ما يصدر منه من أوّل زمان اشتغاله بغسل ثوبه إلى أن يفرغ عن الغسل غسلة واحدة، و مقتضى هذه الدعوى: مشروعيّة الغسلة الثالثة و ما زاد ما لم يتحقّق الإعراض بقصد الجزئيّة لو لا النهي عنها.

و لكن يبعّدها: وصف الغسلة الثالثة في بعض الأخبار بكونها بدعة، فتأمّل.

و ممّا يتوهّم معارضتها للأخبار المتقدّمة: رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «من تعدّى في الوضوء كان كناقضه» (1).

و رواية إبراهيم بن معرض، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ أهل الكوفة يروون عن عليّ (عليه السلام) أنّه بال حتى رغا (2) ثمّ توضّأ ثمّ مسح على نعليه، ثمّ قال: «هذا وضوء من لم يحدث» فقال (عليه السلام): «نعم، قد فعل ذلك» قال: قلت: فأيّ حدث أحدث من البول؟ فقال (عليه السلام): «إنّما يعني بذلك التعدّي في الوضوء، أن يزيد على حدّ الوضوء» (3).

و فيه: أنّ الأخبار الدالّة على استحباب الغسلة الثانية واردة على مثل هذه الروايات حيث إنّها تدلّ على أنّ الغسلة الثانية من الحدود المستحبّة، كالمضمضة و الاستنشاق.

____________

(1) علل الشرائع: 279- 2، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 24.

(2) رغا: أي صارت له رغوة و أزيد. لسان العرب 14: 33 «رغا».

(3) معاني الأخبار: 248، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 25.

52

و ما يقال من أنّ وضوء عليّ (عليه السلام) لم يكن إلّا مرّة، كما دلّ عليه رواية عبد الكريم، المتقدّمة (1)، فتدلّ هذه الرواية على عدم جواز التثنية، ففيه: أنّ المشار إليه بقوله (عليه السلام): «هذا وضوء من لم يحدث» ليس الوضوء الشخصي بخصوصيّاته المشخّصة، بل الظاهر أنّه (عليه السلام) لمّا مسح على رجليه في النعلين و لم يغسل رجليه، كما تصنعه العامّة، قال (عليه السلام) تعريضا عليهم: «هذا وضوء من لم يحدث» أي: من لم يتعدّ حدود اللّه.

و بما ذكرنا ظهر لك الجواب عن معارضة الأخبار المتقدّمة برواية حمّاد بن عثمان، قال: كنت قاعدا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فدعا بماء فملأ به كفّه فعمّ به وجهه، ثمّ ملأ كفّه فعمّ به يده اليمنى، ثمّ ملأ كفّه فعمّ به يده اليسرى، ثمّ مسح على رأسه و رجليه، و قال: «هذا وضوء من لم يحدث حدثا» يعني به التعدّي في الوضوء (2).

توضيح الجواب- مضافا إلى حكومة الأدلّة المتقدّمة على مثل هذه الأخبار- أنّ المقصود بالإشارة غير معلوم، لاحتمال إرادة الوضوء مع مسح الرّجل، أو الغسل من الأعلى إلى الأسفل.

و كيف كان، فلا يصلح مثل هذه الأدلّة للمعارضة مع الأخبار المتقدّمة، كما هو ظاهر، فظهر لك: أنّ الأقوى استحباب الغسلة الثانية. (و) أمّا (الثالثة) فهي (بدعة) فيأثم فاعلها لو أتى بها بقصد المشروعيّة، و أمّا لو لم يقصد بها الشرعيّة، فلا إثم و لكنّه يبطل وضوؤه لو‌

____________

(1) في ص 44.

(2) الكافي 3: 27- 8، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

53

مسح بمائها على الأقوى، كما عرفت في محلّه.

و يدلّ على كونها بدعة- مضافا إلى كفاية عدم العلم بشرعيّتها في حرمتها التشريعيّة- غير واحد من الأخبار المتقدّمة الدالّة على أنّها بدعة، و أنّه إن زاد على الاثنتين أثم، و من زاد لا صلاة له، و من تعدّى في الوضوء كان كناقضه، و أنّه لا يؤجر، إلى غير ذلك ممّا يستفاد منه عدم مشروعيّة الثالثة، المستلزم للحرمة التشريعيّة. (و ليس في المسح تكرار) بلا خلاف فيه عندنا، كما في طهارة شيخنا المرتضى (1) (رحمه اللّه). و في المدارك: دعوى إجماع علمائنا عليه (2).

و في الجواهر: بلا خلاف أجده (3). و عن غير واحد- كالمعتبر و المنتهى و التحرير و التذكرة و الخلاف (4)- دعوى إجماعنا عليه.

و يدلّ عليه- مضافا إلى عدم الخلاف فيه ظاهرا- الأصل.

و الإنصاف أنّه لو لا الإجماع على عدم مشروعيّة التكرار في المسح، لأمكن القول باستحبابه، لإطلاق قوله (عليه السلام): «الوضوء مثنى مثنى» (5) إلّا أن يدّعى ظهوره في خصوص الغسلات إمّا لمعهوديّته أو لشيوع إطلاق الوضوء في الأخبار على الغسل دون المسح.

____________

(1) كتاب الطهارة: 139.

(2) مدارك الأحكام 1: 235.

(3) جواهر الكلام 2: 281.

(4) المعتبر 1: 160، منتهى المطلب 1: 71، تحرير الأحكام 1: 10، تذكرة الفقهاء 1:

200، الخلاف 1: 79، المسألة 27.

(5) التهذيب 1: 80- 209 و 210، الاستبصار 1: 70- 214 و 215، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 5 و 29.

54

و لكنّه لا يخلو من منع بالنظر إلى نفس هذه الرواية، و أمّا بملاحظة القرائن الخارجيّة- مثل: ما دلّ على أنّ رسول الله صلى اللّه عليه و آله أضاف الثانية لضعف الناس (1)، و مثل ما دلّ على أنّ الثانية إسباغ للوضوء (2)- فلا يبعد دعوى عدم ظهور الأخبار في إرادة ما عدا الغسلات حيث إنّ هاتين الحكمتين لا تقتضيان إلّا التثنية في الغسلات، لأنّ المسح يكفي فيه المسمّى، و الإسباغ فيه لو لم يكن مخلّا بمقصود الشارع من حيث استلزامه الغسل غير نافع.

و في مكاتبة علي بن يقطين إشعار باختصاص الإسباغ بالغسلات، بل فيها دلالة على ذلك حيث إنّه (عليه السلام) أمره بغسل وجهه مرّة فريضة و اخرى إسباغا، ثمّ قال: «و اغسل يديك من المرفقين كذلك» ثمّ أمره بمسح مقدّم رأسه و قدميه من فضل نداوة وضوئه (3)، فإنّ المتأمّل فيها لا يكاد يرتاب في أنّها ظاهرة في اختصاص سنّة الإسباغ بالغسلات، فلاحظ و تدبّر.

و قد يستدلّ عليه: برواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في مسح القدمين و مسح الرأس، فقال (عليه السلام): «مسح الرأس واحدة من مقدّم الرأس و مؤخّره، و مسح القدمين ظاهرهما و باطنهما» (4).

____________

(1) اختيار معرفة الرجال: 312- 564، الوسائل، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 127- 2، الفقيه 1: 26، الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 20 و 23.

(3) الإرشاد- للمفيد- 2: 227- 229، الوسائل، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

(4) التهذيب 1: 83- 215، الإستبصار 1: 61- 181، الوسائل، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 7.