مصباح الفقيه - ج10

- الشيخ آقا رضا الهمداني المزيد...
496 /
5

الجزء العاشر

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

اللّهمّ كن لوليّك الحجّة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه الساعة و في كلّ ساعة وليّا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتّى تسكنه أرضك طوعا و تمتّعه فيها طويلا‌

6

جميع الحقوق محفوظة و مسجّلة للمؤسّسة الجعفريّة لإحياء التراث‌

7

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين، ربّ يسّر و لا تعسّر الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

[تتمة كتاب الصلاة]

[تتمة الركن الأول في المقدمات]

[المقدّمة الثالثة في القبلة]

المقدّمة (الثالثة: في القبلة) (و النظر في) أربعة مواضع: ماهيّة (القبلة) و طريق تشخيصها (و) أحكام (المستقبل) بالكسر (و ما يجب) الاستقبال (له، و أحكام الخلل).)

أمّا‌

[النظر الأول في ماهية القبلة]

(القبلة) (1) فهي لغة- على ما في الحدائق (2) و غيره (3)- الحالة التي عليها الإنسان حال استقباله الشي‌ء و غلب استعماله في عرف المتشرّعة بل في محاورات الشارع أيضا فيما يجب استقباله حال الصلاة و نحوها (و هي الكعبة)

____________

(1) و هي الموضع الأوّل.

(2) الحدائق الناضرة 6: 368.

(3) جواهر الكلام 7: 320.

8

المعظّمة- التي جعلها اللّه قياما للناس و قبلة للمصلّين- من موضعها إلى السماء، كما يشهد لذلك موثّقة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سأله رجل قال:

صلّيت فوق أبي قبيس العصر، فهل يجزى‌ء ذلك و الكعبة تحتي؟ قال: «نعم، إنّها قبلة من موضعها إلى السماء» (1).

و هذا إجمالا ممّا لا خلاف فيه، بل من ضروريّات الدين، و لكن اختلفت كلمات الأصحاب- (رضوان اللّه عليهم)- بالنسبة إلى من لم يشاهد الكعبة و كان خارجا عن المسجد الحرام.

فعن السيّد و ابن الجنيد و أبي الصلاح و ابن إدريس و المصنّف في المعتبر و النافع، و العلّامة و أكثر المتأخّرين أنّها عين الكعبة لمن تمكّن من العلم بها من غير مشقّة شديدة عادة، كالمصلّي في بيوت مكّة، و جهتها لغيره من البعيد و نحوه (2).

و عن الشيخين و كثير من الأصحاب (3)- بل أكثرهم كما عن الذكرى و الروضة (4)، بل عن مجمع البيان نسبته إلى الأصحاب (5)، و عن الخلاف‌

____________

(1) التهذيب 2: 383/ 1598، الوسائل، الباب 18 من أبواب القبلة، ح 1.

(2) جمل العلم و العمل: 62- 63، الكافي في الفقه: 138، السرائر 1: 204، المعتبر 2: 65، المختصر النافع: 70، مختلف الشيعة 2: 79، المسألة 24، و فيه حكايته أيضا عن ابن الجنيد، منتهى المطلب 4: 162، جامع المقاصد 2: 48، روض الجنان 2: 513، مدارك الأحكام 3: 119، و حكاه عنهم البحراني في الحدائق الناضرة 6: 372.

(3) المقنعة: 95، النهاية: 62- 63، المبسوط 1: 77- 78، الخلاف 1: 295، المسألة 41، المراسم: 60، المهذّب 1: 84، الوسيلة: 85، و حكاه عنهم العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 2: 79، المسألة 24.

(4) الذكرى 3: 159، الروضة البهيّة 1: 501، و حكاه عنهما صاحب الجواهر فيها 7: 320.

(5) مجمع البيان 1- 2: 227، و كما في جواهر الكلام 7: 320.

9

الإجماع (1) عليه- مثل ما في المتن: أنّها الكعبة (لمن كان في المسجد، و المسجد لمن كان في الحرم، و الحرم لمن خرج عنه).

و ربما نسب (2) هذا القول إلى السيّد أبي المكارم ابن زهرة أيضا.

و لكن حكي عنه في الغنية أنّه قال: القبلة هي الكعبة، فمن كان مشاهدا لها وجب عليه التوجّه لها، و من شاهد المسجد و لم يشاهد الكعبة وجب عليه التوجّه إليه، و من لم يشاهده توجّه نحوه بلا خلاف (3). انتهى.

و هذه العبارة- كما ترى- عارية عن ذكر الحرم، كما أنّ عبارة شيخنا المفيد (رحمه اللّه)- المحكيّة عن مقنعته- أيضا كذلك؛ فإنّه قال- على ما حكي عنه-:

القبلة هي الكعبة، ثمّ المسجد قبلة من نأى عنها؛ لأنّ التوجّه إليه توجّه إليها. ثمّ قال بعد أسطر: و من كان نائيا عنها خارجا من المسجد الحرام توجّه إليها بالتوجّه إليه (4). انتهى.

فلعلّ نسبة القول المزبور إليهما نشأت من سائر عباراتهما، أو استفيد ذلك من قرائن خارجيّة و إلّا فالمراد بالعبارتين إمّا القول الأوّل- كما هو الظاهر منهما بقرينة ما فيهما من التفريع و التعليل- أو قول ثالث، و هو كون الكعبة قبلة لمن في المسجد، و المسجد عينا أو جهة لمن هو خارج عنه مطلقا، كما نسب بعض إليهما‌

____________

(1) الخلاف 1: 295، المسألة 41، و حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 7: 320- 321.

(2) الناسب هو العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 2: 79، المسألة 24.

(3) الغنية: 68، و حكاه عنه السبزواري في ذخيرة المعاد: 213.

(4) المقنعة: 95، و حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 7: 321.

10

و إلى ابن شهر آشوب أيضا هذا القول (1)، فجعله قولا ثالثا في المسألة.

فحينئذ يمكن الاستشهاد لهم بالنسبة إلى الجزء الأوّل من مدّعاهم- أي كون الكعبة قبلة لمن في المسجد- مضافا إلى الإجماع و الضرورة: بالأدلّة الآتية، و بالنسبة إلى الجزء الثاني- أي كون المسجد قبلة لسائر الناس- بظاهر قوله تعالى:

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ* (2).

و لكن يتوجّه على الاستشهاد بالآية أنّها و إن كانت مشعرة بكون المأمور به هو التوجّه نحو المسجد من حيث هو و كونه بنفسه هو القبلة لكن الملحوظ فيها التوجّه نحو المسجد بلحاظ ما تضمّنته من البيت، كما يفصح عن ذلك أخبار مستفيضة.

مثل ما عن الكافي- في الصحيح أو الحسن- عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته هل كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي إلى بيت المقدس؟

قال: «نعم» فقلت: أكان يجعل الكعبة خلف ظهره؟ فقال: «أمّا إذا كان بمكّة فلا، و أمّا إذا كان هاجرها إلى المدينة فنعم حتّى حوّل إلى الكعبة» (3).

و عن الثقة الجليل عليّ بن إبراهيم القمّي بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) «أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى بمكّة إلى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة، و بعد هجرته صلّى‌

____________

(1) نسبه إليهم الفاضل الاصبهاني في كشف اللثام 3: 133، و كذا النراقي في مستند الشيعة 4: 152.

(2) البقرة 2: 144 و 150.

(3) الكافي 3: 286/ 12، الوسائل، الباب 2 من أبواب القبلة، ح 4.

11

بالمدينة سبعة أشهر، ثمّ وجّهه اللّه إلى الكعبة، و ذلك أنّ اليهود كانوا يعيّرون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و يقولون: أنت تابع لنا (1) تصلّي إلى قبلتنا، فاغتمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و خرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء ينتظر من اللّه تعالى في ذلك أمرا، فلمّا أصبح و حضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلّى من الظهر ركعتين، فنزل جبرئيل (عليه السلام) فأخذ بعضده و حوّله إلى الكعبة و أنزل عليه قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (2) و كان قد صلّى ركعتين إلى بيت المقدس و ركعتين إلى الكعبة» (3).

و عن الصدوق في الفقيه: «صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى بيت المقدس بعد النبوّة ثلاث عشرة سنة بمكّة و تسعة عشر شهرا بالمدينة ثمّ عيّرته اليهود، فقالوا له: أنت تابع قبلتنا، فاغتمّ لذلك غمّا شديدا، فلمّا كان في بعض الليل خرج يقلّب وجهه في آفاق السماء فلمّا أصبح صلّى الغداة فلمّا صلّى من الظهر ركعتين جاء جبرئيل (عليه السلام) و قال قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (4) الآية، ثمّ أخذ بيد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فحوّل وجهه إلى الكعبة و حوّل من خلفه وجوههم حتّى قام الرجال مقام النساء و النساء مقام الرجال، فكان أوّل صلاته إلى بيت المقدس و آخرها إلى الكعبة، و بلغ‌

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «قبلتنا» بدل «لنا». و ما أثبتناه من المصدر.

(2) البقرة 2: 144.

(3) تفسير القمّي 1: 63، مستدرك الوسائل، الباب 2 من أبواب القبلة، ح 4.

(4) البقرة 2: 144.

12

الخبر مسجدا بالمدينة و قد صلّى أهله من العصر ركعتين فحوّلوا نحو الكعبة، فكانت أوّل صلاتهم إلى بيت المقدس و آخرها إلى الكعبة، فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين» (1) الحديث.

و خبر أبي بصير عن أحد هما (عليهما السلام)، قال: قلت له: اللّه أمره أن يصلّي إلى بيت المقدس؟ قال: «نعم، ألا ترى إنّ اللّه يقول وَ مٰا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهٰا إِلّٰا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ (2) الآية» قال: «إنّ بني عبد الأشهل أتوهم و هم في الصلاة قد صلّوا ركعتين إلى بيت المقدس، فقيل لهم: إنّ نبيّكم قد صرف إلى الكعبة، فتحوّل النساء مكان الرجال و الرجال مكان النساء و جعلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة، فصلّوا صلاة واحدة إلى قبلتين، فلذلك سمّي مسجدهم مسجد القبلتين» (3).

و خبر معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له متى صرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الكعبة؟ قال: «بعد رجوعه من بدر» (4).

و رواية أبي البختري- المرويّة عن قرب الإسناد- عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) استقبل بيت المقدس تسعة (5) عشر شهرا ثمّ صرف إلى الكعبة و هو في العصر» (6).

____________

(1) الفقيه 1: 178- 179/ 843، الوسائل، الباب 2 من أبواب القبلة، ح 12.

(2) البقرة 2: 143.

(3) التهذيب 2: 43- 44/ 138، الوسائل، الباب 2 من أبواب القبلة، ح 2.

(4) التهذيب 2: 43/ 135، الوسائل، الباب 2 من أبواب القبلة، ح 1.

(5) في قرب الإسناد: «سبعة».

(6) قرب الإسناد: 148/ 535، الوسائل، الباب 2 من أبواب القبلة، ح 17.

13

إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على أنّ الكعبة هي التي كانت مقصودة بالاستقبال.

و قد استشهد أصحاب القول الأوّل بهذه الأخبار و نظائرها لإثبات الجزء الأوّل من مدّعاهم- و هو: كون العين قبلة لمن تمكّن من العلم بها- و للجزء الثاني: بما في جملة من هذه الأخبار من الإشارة إلى أنّ البعيد يتوجّه نحوها، فإنّ الظاهر منها إرادة الجهة، كما أنّها هي التي تتبادر من قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ* (1).

و أظهر منها في الدلالة على أنّها هي العين للقريب و الجهة للبعيد: ما عن احتجاج الطبرسي (رحمه اللّه) بإسناده عن العسكري (عليه السلام) في احتجاج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على المشركين، قال: «إنّا عباد اللّه مخلوقون مربوبون نأتمر له فيما أمرنا، [و] ننزجر عمّا زجرنا- إلى أن قال-: فلمّا أمرنا أن نعبده بالتوجّه إلى الكعبة أطعنا، ثمّ أمرنا بعبادته بالتوجّه نحوها في سائر البلدان التي نكون بها فأطعنا، فلم نخرج في شى‌ء من ذلك من اتّباع أمره» (2).

هذا، مع أنّ المتبادر من الأمر باستقبال الكعبة و نحوها ليس إلّا إرادة جهتها بالنسبة إلى البعيد الغير المتمكّن من العلم بها، كما سنوضّحه إن شاء اللّه.

و أظهر منها دلالة على انحصار القبلة في الكعبة عينا أو جهة: خبر عبد اللّه بن سنان- المروي عن أمالي الصدوق- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ للّه عزّ و جلّ‌

____________

(1) البقرة 2: 144.

(2) الاحتجاج: 27، بحار الأنوار 84: 71/ 30، و ما بين المعقوفين من المصدر.

14

حرمات ثلاثا ليس مثلهنّ شي: كتابه هو حكمة و نور، و بيته الذي جعله قياما (1) للناس لا يقبل من أحد توجّها إلى غيره، و عترة نبيّكم» (2).

و عن الحميري في قرب الإسناد نحوه (3).

و استدلّ أيضا لكفاية الجهة في المدارك (4): بصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «لا صلاة إلّا إلى القبلة» قلت له: أين حدّ القبلة؟ قال: «ما بين المشرق و المغرب قبلة كلّه» (5).

و نحوها صحيحة معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يقوم في الصلاة ثمّ ينظر بعد ما فرغ أنّه قد انحرف عن القبلة يمينا و شمالا، قال: «قد مضت صلاته، و ما بين المشرق و المغرب قبلة» (6).

و لكنّك خبير بما في الاستدلال بالروايتين من الإشكال، فإنّ القول باتّساع الجهة بهذا المقدار ممّا لم ينقل عن أحد.

نعم، صرّحوا بذلك في من أخطأ في تشخيص القبلة، فصلّى فيما بين المشرق و المغرب، فإنّه لا إعادة عليه، كما ستعرف إن شاء اللّه.

و عن صاحب الذخيرة الاستدلال له بالأخبار المتقدّمة الدالّة على أنّ‌

____________

(1) في المصدر: «قبلة» بدل «قياما».

(2) أمالي الصدوق: 239 (المجلس 48) ح 13، الوسائل، الباب 2 من أبواب القبلة، ح 10.

(3) كما في الوسائل، ذيل ح 10 من الباب 2 من أبواب القبلة، و لم نجده في قرب الإسناد.

(4) مدارك الأحكام 3: 19.

(5) الفقيه 1: 180/ 855، الوسائل، الباب 2 من أبواب القبلة، ح 9.

(6) الفقيه 1: 179/ 846، التهذيب 2: 48/ 157، الاستبصار 1: 297/ 1095، الوسائل، الباب 10 من أبواب القبلة، ح 1.

15

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى إلى الكعبة قائلا في تقريبه: إنّه ليس المراد عينها ألبتّة، فيحمل على جهتها (1).

أقول: فكأنّه أراد بالعين نفس البناء الذي يمتنع رؤيته من المدينة، و إلّا فالجزم بعدم إرادة استقبال العين بالمعنى المقصود بالبحث عنه في المقام- أي الجهة المحاذية لها- في غير محلّه، خصوصا مع كون الفعل صادرا من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بدلالة من لا يشتبه عليه مكان البيت.

حجّة القول الثاني: جملة من الأخبار:

منها: ما رواه الشيخ عن عبد اللّه بن محمّد الحجّال عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و الصدوق في الفقيه مرسلا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ اللّه جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد، و جعل المسجد قبلة لأهل الحرم، و جعل الحرم قبلة لأهل الدنيا» (2).

و عن الصدوق في العلل عن أبيه عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن أحمد ابن يحيى عن الحسن (3) بن الحسين عن الحجّال مثله (4).

و عن بشر بن جعفر الجعفي، قال: سمعت جعفر بن محمّد (عليه السلام) يقول:

«البيت قبلة لأهل المسجد، و المسجد قبلة لأهل الحرم، و الحرم قبلة للناس‌

____________

(1) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 6: 373، و راجع: ذخيرة المعاد: 213- 214.

(2) التهذيب 2: 44/ 139، الفقيه 1: 177- 178/ 841، الوسائل، الباب 3 من أبواب القبلة، ح 1 و 3.

(3) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة، «الحسين» بدل «الحسن». و ما أثبتناه من المصدر.

(4) علل الشرائع: 415 (الباب 156) ح 2، الوسائل، الباب 3 من أبواب القبلة، ذيل ح 1.

16

جميعا» (1).

و في العلل بإسناده عن أبي غرّة، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): «البيت قبلة المسجد، و المسجد قبلة مكّة، و مكّة قبلة الحرم، و الحرم قبلة الدنيا» (2).

لكن ما في هذه الرواية من كون مكّة قبلة الحرم ممّا لم ينقل القول به من أحد، فهو ممّا يوهن الاستشهاد بهذه الرواية، مع ما فيها من ضعف السند، لكن لا يخلو إيرادها عن تأييد.

و ممّا يؤيّد هذا القول بل يستدلّ به: الأخبار الدالّة على استحباب التياسر، الواردة في أهل العراق على ما فهمه الأصحاب.

كخبر المفضّل بن عمر أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة و عن السبب فيه، فقال: «إنّ الحجر الأسود لمّا أنزل من الجنّة و وضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه النور نور الحجر، فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال و عن يسارها ثمانية أميال كلّه اثنا عشر ميلا، فإذا انحرف الإنسان ذات اليمين خرج عن حدّ القبلة لقلّة أنصاب الحرم، و إذا انحرف الإنسان ذات اليسار لم يكن خارجا عن حدّ القبلة» (3) و غير ذلك من الأخبار الآتية في محلّها إن شاء اللّه.

و عن الشيخ في الخلاف الاستدلال عليه أيضا بأنّه لو كلّف التوجّه إلى عين‌

____________

(1) التهذيب 2: 44/ 140، الوسائل، الباب 3 من أبواب القبلة، ح 2.

(2) علل الشرائع: 318 (الباب 3) ح 2، الوسائل، الباب 3 من أبواب القبلة، ح 4.

(3) الفقيه 1: 178/ 842، علل الشرائع: 318 (الباب 3) ح 1، التهذيب 2: 44- 45/ 142، الوسائل، الباب 4 من أبواب القبلة، ح 2.

17

الكعبة، لوجب إذا كان في صفّ طويل خلف الإمام أن تكون صلاتهم أو صلاة أكثرهم إلى غير القبلة، إلى أن قال: و لا يلزمنا مثل ذلك؛ لأنّ الفرض التوجّه إلى الحرم، و الحرم طويل يمكن أن يكون كلّ واحد من الجماعة متوجّها إلى جزء منه (1). انتهى.

و أورد عليه بالنقض بأهل العراق و نحوهم ممّن كان مكلّفا في تشخيص القبلة بالرجوع إلى علامة واحدة، كجعل الجدي بين الكتفين أو خلف المنكب و نحو ذلك مع تشتّت بلادهم و أوسعيّتها من الحرم، فيعلم إجمالا بعدم محاذاة أكثرهم للحرم محاذاة حقيقيّة، فلو فرض صفّ طويل في العراق- مثلا- طوله أزيد من أربعة فراسخ، يرد عليه من الإشكال مثل ما أورده علينا.

و حلّه: أنّ المعتبر في حقّ البعيد إنّما هو الاستقبال العرفي الحاصل بالتوجّه إلى الجهة المتضمّنة للقبلة، و لا يتفاوت الحال في ذلك بالنسبة إلى البعيد- كأهل العراق مثلا- بين أن تكون القبلة هي الكعبة أو الحرم، و أمّا إذا كان قريبا من الكعبة بحيث يخرج بعض الصفّ المفروض عن مواجهة الكعبة عرفا، فنلتزم ببطلان صلاتهم، و لا محذور فيه.

أقول: أمّا ما قيل في حلّ الإشكال من الالتزام بكفاية الجهة فقد تفطّن له الشيخ، و تعرّض لإبطاله في عبارته المحكيّة (2) عنه بما لم نتحصّل مراده، و لذا طويناها، و لعلّها غير نقيّة عن الغلط.

____________

(1) الخلاف 1: 295- 296، المسألة 41.

(2) آنفا.

18

و كيف كان فستعرف عند شرح معنى الجهة صحّة ما قيل، و اندفاع الإشكال به بوجوه غير قابلة للتشكيك.

و أمّا النقض عليه برجوع أهل كلّ قطر من الأقطار العظيمة إلى أمارة واحدة:

فيمكنه التفصّي عن ذلك بأنّ تكليف البعيد لأجل تعذّر تحصيل الموافقة القطعيّة ليس إلّا حرمة المخالفة القطعيّة و الرجوع إلى الأمارات المشخّصة للجهة التي يقرب عندها احتمال الإصابة ما لم يعلم بعدم الإصابة في مورد ابتلائه، فعلمه إجمالا بتخلّف الأمارة عن الواقع في الجملة غير قادح في حقّه؛ لأنّ كلّ مكلّف يراعي ما يقتضيه تكليفه حين الفعل، و ليس جميع أطراف ما علمه بالإجمال مورد ابتلائه فعلا حتى يمنعه عن الاعتماد على الأمارة.

و حيث إنّ ما فرضه المعترض من الصفّ الطويل مجرّد فرض لا يكاد يتحقّق في الخارج لا يرد به النقض على الشيخ.

و أمّا الصفّ الذي فرضه الشيخ: فهو فرض كثير الوقوع، ففي مثل هذا الفرض بناء على اعتبار محاذاة الكعبة كثيرا مّا يتولّد للمأموم من علمه الإجمالي بعدم محاذاة بعض أهل الصفّ للقبلة علم تفصيليّ ببطلان صلاته، كما لو كان الفصل بينه و بين الإمام أو من يتّصل بواسطتهم إلى الإمام أزيد من طول الكعبة، فتأمّل (1).

____________

(1) قوله: «فتأمّل» إشارة إلى أنّ الانحراف الغير الموجب للخروج عمّا بين المشرق و المغرب ما لم يكن عن عمد لا يوجب بطلان الصلاة، إلّا على قول لم يعرف له قائل محقّق و إن قوّاه بعض المتأخّرين و استظهره من كلام جملة من القدماء، و لكنّك ستعرف في محلّه ضعفه.

(منه).

19

و كيف كان فعمدة ما يصحّ الاستناد إليه حجّة للقول المزبور هي الأخبار المتقدّمة.

و نوقش فيها بضعف السند و معارضتها بالأخبار المتقدّمة التي هي أرجح منها من حيث الشهرة و الكثرة و عدالة الراوي في بعضها، و على تقدير التكافؤ فالمرجع قاعدة الاشتغال.

و الجواب: أمّا عن ضعف السند: فبانجباره بشهرة الروايات و عمل الأصحاب بها قديما و حديثا.

و أمّا عن المعارضة: فبالمنع؛ فإنّ الأخبار المتقدّمة- مع عدم ظهور يعتدّ به لما عدا روايتي (1) الطبرسي و ابن سنان في الانحصار- قابلة للحمل على ما لا ينافي هذا التفصيل، لا بارتكاب التخصيص و حمل ما دلّ على أنّ الكعبة هي القبلة على إرادتها بالنسبة إلى خصوص من في المسجد، فإنّه في غاية البعد، بل بعضها صريح أو كالصريح في خلافه، كرواية الاحتجاج و خبر ابن سنان، المتقدّمتين (2)، بل بالحمل على إرادة البيت و توابعه ممّا حوله، كجهتي الفوق و التحت إمّا لتبعيّتها له أو من باب تسمية الكلّ باسم أشرف أجزائه.

و أمّا هذه الأخبار فإنّه و إن أمكن تأويلها أيضا بما لا ينافي القول الأوّل- كالحمل على إرادة سعة جهة المحاذاة للبعيد و جري التعبير مجرى العادة- لكنّ التصرّف فيها أبعد من التصرّف في تلك الأخبار، بل بعض هذه الروايات- كخبر (3)

____________

(1) تقدّمت في ص 13.

(2) تقدّمت في ص 13.

(3) تقدّم تخريجه في ص 16، الهامش (3).

20

المفضّل- نصّ في أعمّيّة القبلة للبعيد من نفس الكعبة.

فالقول بالتفصيل أظهر بالنظر إلى ما يقتضيه الجمع بين الأخبار.

و لكن قد يشكل ذلك بعدم التزام العاملين بهذه الروايات بظاهرها من الإطلاق؛ فإنّه قد استفيض نقل الإجماع حتّى من أصحاب القول بالتفصيل على وجوب استقبال العين مع التمكّن من مشاهدتها، بل عن بعضهم التصريح بكون الكعبة قبلة لمن تمكّن من العلم بها و ادّعاء الإجماع عليه (1)، فكأنّهم فهموا من مجموع الأخبار أنّ الكعبة هي القبلة أصالة، و أنّ التعميم توسعة من باب الضرورة، و حيث إنّ هذه الأخبار بظاهرها غير معمول بها يشكل الاعتماد على مأوّلها و جعلها قرينة لارتكاب التأويل في الأخبار الدالّة بظاهرها على أنّ الكعبة هي القبلة مع قبول هذه الروايات أيضا للتأويل.

فالقول بأنّ القبلة هي الكعبة مطلقا إن لم يكن أقوى فلا ريب في أنّه أحوط.

و لكن لا يترتّب على الخلاف ثمرة عمليّة للبعيد الذي تكليفه الرجوع إلى الأمارات المشخّصة للجهة، و لا يتميّز بواسطة بعده- على تقدير مشاهدته للعين- استقباله للكعبة عن استقباله للحرم حيث يقع المجموع بجملته بين يديه، و أمّا بالنسبة إلى القريب الذي يتفاوت حسّا محاذاته للكعبة أو لطرف من المسجد أو الحرم بحيث يصحّ عرفا عند استقباله لطرف من المسجد سلب استقباله عن الكعبة، فلو لا التزام القائلين بالتفصيل بعدم جواز العدول عن جهة الكعبة لدى التمكّن من العلم بها، لكان فيه فائدة عظيمة.

____________

(1) حكاه العاملي في مفتاح الكرامة 2: 74 عن الشيخ نجيب الدين في الشرح.

21

لكنّك سمعت (1) أنّه حكي عن بعضهم نقل الإجماع على عدم الجواز، فعلى هذا يكون النزاع قليل الجدوى، خصوصا لو أوجبوا التحرّي إلى جهة الكعبة مهما أمكن، و منعوا من المخالفة القطعيّة لدى التعذّر من تحصيل العلم بجهتها، فيعود النزاع حينئذ لفظيّا.

و كيف كان فنقول: لا شبهة بل لا خلاف ظاهرا في أنّه يجب عند مشاهدة الكعبة أو العلم بجهتها الخاصّة المحاذية لها من استقبالها حقيقة بنظر العرف بأن تكون الكعبة بعينها أو جهتها الخاصّة بين يديه.

و ما عن بعض- من جواز الانحراف عمدا لدى العلم بجهتها الخاصّة ما لم يخرج عن المشرق و المغرب أو في الجملة (2)- ممّا لم نتحقّقه و إن كان ذلك مقتضى إطلاق بعض كلماتهم الآتية في تشخيص الجهة، لكن لا يظنّ بأحد إرادته لدى العلم التفصيلي بجهتها الخاصّة، و على تقدير تحقّق الخلاف فهو ضعيف من غير فرق بين القريب و البعيد، و لكن لا يعتبر في صدق الاستقبال عرفا المحاذاة الحقيقيّة بحيث لو خرج خطّ مستقيم من مقاديم المستقبل قائم على خطّ خارج من يمينه و شماله لوقع على الكعبة، بل أعمّ من ذلك، فإنّ صدق الاستقبال ممّا يختلف بالنسبة الى القريب و البعيد، فإنّك إذا استقبلت صفّا طويلا بوجهك و كنت قريبا منهم جدّا، لا تكون قبلتك من أهل الصفّ إلّا واحدا منهم بحيال وجهك، و لكنّك إذا رجعت قهقرى بخطّ مستقيم إلى أن بعدت عنهم مقدار‌

____________

(1) في ص 20.

(2) راجع الهامش (3) من ص 30.

22

فرسخ مثلا، لرأيت مجموع الصفّ بجملته بين يديك بحيث لا تميّز من يحاذيك حقيقة عن الآخر مع أنّ المحاذاة الحقيقيّة لا تكون إلّا بينك و بين ما كانت أوّلا.

و إن أردت مثالا أوضح، فانظر إلى عين الشمس أو الكواكب التي تراها قبال وجهك، فإنّ جرم الشمس و كذا الكواكب و ما بينها من الفاصل أعظم من مساحة الأرض أضعافا مضاعفة و مع ذلك ترى مجموعها بين يديك حيال وجهك، فلو فرض أنّ اللّه تعالى جعل قبلتك الشمس أو كوكبا من تلك الكواكب، فهل ترى مائزا بين وقوفك مقابل هذا الطرف من الشمس أو الطرف الآخر، أو بين هذا الكوكب و الكوكب الآخر القريب منه مع أنّ البعد بينهما أزيد من مساحة الأرض، و لا يعقل أن يحاذيك حقيقة إلّا جزء منها بمقدار جثّتك؟ و بهذا فسّر غير واحد ما شاع في ألسنتهم من أنّ الشي‌ء كلّما ازداد بعدا ازدادت جهة محاذاته سعة.

و به يندفع ما أورده الشيخ (رحمه اللّه) على القائلين بأنّ القبلة هي الكعبة من لزوم خروج صلاة أكثر من صلّى في صفّ طويل عن القبلة (1)؛ لما أشرنا إليه فيما سبق من أنّ هذا بالنسبة إلى القريب مسلّم، و أمّا إذا كان الصفّ بعيدا، فيرى كلّ من أهل الصفّ القبلة حيال وجهه، فيكون مستقبلا حقيقة و إن لم تكن القبلة محاذية للخطّ القائم على الخطّ الخارج من طرفي المستقبل على سبيل التدقيق، فإنّ هذا ليس شرطا في صدق الاستقبال بنظر العرف، كما أوضحناه في ضمن الأمثلة المتقدّمة.

____________

(1) راجع: الهامش (1) من ص 17.

23

و عن بعض المدقّقين التفصّي عن نقض الشيخ- بعد توجيه كلامه بما تقدّمت الإشارة إليه من إرادة المخالفة القطعيّة للمأموم لدى الفصل بينه و بين الإمام بأزيد من طول الكعبة- بأنّ كرويّة الأرض مانعة عن القطع بالمخالفة، فإنّها مانعة عن خروج خطوط متوازية عن موقف المصلّين، فمن الجائز تلاقيها عند الكعبة (1).

و فيه نظر؛ فإنّ كرويّة الأرض في حدّ ذاتها غير مقتضية لخروج الخطوط عن التوازي، و إنّما المقتضي له كون أهل الصفّ- كأجزاء الأرض بالطبع- مائلا إلى المركز، و هذا و إن اقتضى خروج الخطوط عن التوازي لكن ملتقاها عند القطب الذي يفرض الصفّ المستطيل منطقتها، و أنّى هذا من الكعبة؟

اللّهمّ إلّا أن يفرض الصفّ في دائرة عظيمة تكون الكعبة قطبها، و ليس فرض الشيخ مقصورا عليه.

فالأولى أن يجاب عن النقض بأنّ فرض استواء الصفّ المستطيل مجرّد فرض لا يكاد يدرك بالحسّ، فمن الجائز كون بعض أهل الصفّ مائلا إلى جانب الآخر بمقدار تتلاقى الخطوط الخارجة من مقاديمها عند الكعبة، أو يكون موقفهم على قطعة قوس من دائرة محيطة بالكعبة، و حيث إنّ الدائرة المفروضة من البعيد عظيمة لا يكاد يدرك تحدّب قوسها بالحواسّ الظاهرة؛ إذ لو فرض صفّ في العراق بمقدار فرسخين و كان في الواقع على الدائرة المحيطة بالكعبة، لا يكون انحناؤه في طول الفرسخين أزيد من شبر أو شبرين، فكيف يمكننا الجزم بعدم‌

____________

(1) حكاه الشيخ الأنصاري في كتاب الصلاة 1: 134 عن الخوانساري في حاشية الروضة: 173.

24

المحاذاة بمجرّد أن نرى الصفّ أطول من الكعبة!؟ بل لنا أن نقول: على تقدير كون الصفّ المفروض من بعيد مستويا حقيقة أيضا أمكن أن يكون جميع أهل الصفّ محاذيا لعين الكعبة حقيقة، فإنّا إذا فرضنا صفّا طويلا قريبا من الكعبة و كان بعض أهل الصفّ خارجا عن محاذاة الكعبة فرجعوا قهقرى بخطوط متوازية عدّة فراسخ مثلا، فمن كان خارجا عن محاذاة الكعبة حال كونه قريبا و إن كان باقيا بحاله بنظر العقل على تقدير حفظ النسبة و فرض الخطوط متوازية لكن لو بدا لهذا الشخص أن يحاذي عين الكعبة حقيقة و يستقبلها بوجهه استقبالا حقيقيّا، لا يحتاج في ذلك إلى انحراف محسوس، بل لو انحرف انحرافا محسوسا أقلّ ما يمكنه، لوقعت الكعبة إلى جانبه الآخر.

و الحاصل: أنّه متى بلغ البعد إلى حدّ لا يمتاز استقبال الكعبة عن استقبال ما حوله بحيث يتوقّف أحدهما على حركة مغايرة للحركة التي يحصل بها الآخر فهو في هذه الحركة الشخصيّة مستقبل لهما، فأهل الصفّ الطويل بأسرهم حقيقة متوجّهون إلى الكعبة.

و الظاهر أنّ هذا هو المراد بقولهم في ردّ الشيخ: إنّ الشي‌ء كلّما ازداد بعدا ازدادت محاذاته سعة، لا المعنى الأوّل، كما تقدّمت (1) حكايته عن بعض؛ إذ الظاهر أنّ غرضهم التوسعة في جانب المستقبل لا القبلة.

و بهذا ظهر لك إمكان الالتزام بكون المحاذاة بين المستقبل و بين الجهة التي التزمنا باتّساعها للبعيد على التفسير الأوّل حقيقيّة؛ فإنّ هذا إنّما يصدق عرفا‌

____________

(1) في ص 23.

25

على سبيل الحقيقة من غير مسامحة على الجهة التي يراها المستقبل حيال وجهه بحيث لا يتميّز استقبال أجزائها بعضها عن بعض بحيث يكون محاذاة يمينها- مثلا- محتاجا إلى وضع مغاير في الوجود الخارجي لوضعه الذي به يحصل محاذاة شمالها، فمتى لم يكن محاذاة الأجزاء محتاجا إلى أوضاع متمائزة فهو باستقباله الشخصي محاذ حقيقة لجميع الأجزاء.

و كيف كان فالعبرة مع مشاهدة الكعبة حقيقة أو حكما إنّما هو بالتوجّه إليها و استقبال شي‌ء منها بأن يجعله بين يديه على وجه صدق عليه اسم المقابلة حقيقة بنظر العرف.

و هل يعتبر استقبالها بجميع مقاديم البدن أو معظمها الموجب لصدق استقبال البدن عرفا؟ و جهان بل قولان، أو جههما: الأخير، كما ستعرف إن شاء اللّه.

و أمّا مع عدم مشاهدة العين و الجهل بجهتها الخاصّة فالمعتبر استقبال جهتها، كما هو المشهور، بل لو قلنا بالقول الثاني أيضا، لا يجب على من لم يشاهد المسجد أو الحرم حقيقة أو حكما إلّا استقبال جهتهما.

و ما تقدّمت (1) حكايته عن الشيخ- ممّا يظهر منه اعتبار محاذاة نفس الحرم- ضعيف، كما يشهد له- مضافا إلى ما ستعرف- عدم الخلاف ظاهرا في اجتزاء البعيد بالعلامات الآتية لأهل الأقطار العظيمة، مع أنّه لا يتعيّن بها إلّا جهتهما، كما سنوضّحه إن شاء اللّه.

و ليعلم أنّ كلمات الأصحاب- (رضوان اللّه عليهم)- قد اختلفت في تفسير‌

____________

(1) في ص 16- 17.

26

الجهة أو تحديدها، فمن هنا تشتّت أقوالهم، ففسّرها بعض متأخّري المتأخّرين بجهة المحاذاة التي بيّنّا اتّساعها للبعيد بالمعنى الأوّل، فالتزم بوجوب استقبال العين مطلقا من غير فرق بين القريب و البعيد و المشاهد و غير المشاهد، لكن حيث تعذّر تحصيل القطع بذلك عادة للبعيد الغير المشاهد للعين وجبت الموافقة الظنّيّة بالرجوع إلى الأمارات المورثة للظنّ بالمقابلة العرفيّة التي هي المدار في صدق الإطاعة للمشاهد و غيره، لا المحاذاة الحقيقيّة.

و هذا القول و إن كان مغايرا للأقوال الثلاثة التي عدّدناها في المسألة لكن لم نذكره في عدادها؛ لما سنشير من أنّ عدّ الجهة قبلة ليس لكونها من حيث هي ممّا يجب استقبالها بالأصالة؛ فإنّ الحقّ- الذي لا ينبغي الارتياب فيه- أنّ القبلة- التي يجب على كلّ أحد التوجّه إليها- ليس إلّا الكعبة إمّا بخصوصها أو مع ما حواها من المسجد و الحرم، و لكن يكفي استقبال جهتها عند عدم مشاهدة العين؛ لكون استقبال الجهة استقبالا للكعبة بنحو من الاعتبار، كما سنوضّحه إن شاء اللّه.

و كيف كان فعن المعتبر أنّه فسّر الجهة- التي أوجب مقابلتها لمن لم يشاهد العين- بالسمت الذي فيه الكعبة، ثمّ قال: و هذا متّسع يوازي جهة كلّ مصلّ (1). و به عرّفها في كشف اللثام، ثمّ قال: و محصّله: السمت الذي يحتمل كلّ جزء منه اشتماله عليها و يقطع بعدم خروجها عن جميع أجزائه (2).

و عن جملة من الأصحاب (3) تعريفها بما يقرب من ذلك أو يتّحد معه على‌

____________

(1) المعتبر 2: 66، و حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 7: 334.

(2) كشف اللثام 3: 131.

(3) راجع: مفتاح الكرامة 2: 75.

27

اختلاف تعبيراتهم، و ستعرف أن هذا هو الذي ينبغي البناء عليه.

و قال في المدارك: اعلم أنّ للأصحاب اختلافا كثيرا في تعريف الجهة، و لا يكاد يسلم تعريف منها من الخلل، و هذا الاختلاف قليل الجدوى؛ لاتّفاقهم على أنّ فرض البعيد استعمال العلامات المقرّرة، و التوجّه إلى السمت الذي يكون المصلّي متوجّها إليه حال استعمالها، فكان الأولى تعريفها بذلك.

ثمّ إنّ المستفاد من الأدلّة الشرعيّة سهولة الخطب في أمر القبلة و الاكتفاء بالتوجّه إلى ما يصدق عرفا أنّه جهة المسجد و ناحيته، كما يدلّ عليه قوله تعالى:

فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ* (1) و قولهم (عليهم السلام): «فما بين المشرق و المغرب قبلة» (2) و «ضع الجدي في قفاك و صلّ» (3) و خلوّ الأخبار ممّا زاد على ذلك مع شدّة الحاجة إلى معرفة هذه العلامات لو كانت واجبة، و إحالتها على علم الهيئة مستبعد جدّا؛ لأنّه علم دقيق كثير المقدّمات، و التكليف به لعامّة الناس بعيد من قوانين الشرع، و تقليد أهله غير جائز؛ لأنّه لا يعلم إسلامهم فضلا عن عدالتهم. و بالجملة، فالتكليف بذلك ممّا علم انتفاؤه ضرورة (4). انتهى.

و قد تبع فيما زعمه- من التوسعة في أمر القبلة و ابتنائه على المسامحة- شيخه المحقّق الأردبيلي (5) (قدّس سرّه)- على ما حكي (6) عنه- من ذهابه إلى عدم اعتبار‌

____________

(1) البقرة 2: 144.

(2) الفقيه 1: 179/ 846، و 180/ 855، التهذيب 2: 48/ 157، الاستبصار 1: 297/ 1095، الوسائل، الباب 10 من أبواب القبلة، ح 1 و 2.

(3) التهذيب 2: 45/ 143، الوسائل، الباب 5 من أبواب القبلة، ح 1.

(4) مدارك الأحكام 3: 121.

(5) زبدة البيان: 65- 66، مجمع الفائدة و البرهان 2: 59- 60.

(6) الحاكي عنه هو صاحب الجواهر فيها 7: 342.

28

التدقيق في أمر القبلة، و أنّه أوسع من ذلك، و ما حاله إلّا كأمر السيّد عبده باستقبال بلد من البلدان النائية، الذي لا ريب في تحقّق [امتثال العبد له] (1) بمجرّد التوجّه إلى جهة تلك البلد من غير حاجة إلى رصد و علامات و غيرها ممّا يختصّ بمعرفته أهل الهيئة، المستبعد بل الممتنع تكليف عامّة الناس من النساء و الرجال خصوصا السواد منهم بما عند أهل الهيئة، الذي لا يعرفه إلّا الأوحديّ منهم.

و في اختلاف هذه العلامات التي نصبوها و خلوّ النصوص عن التصريح بشي‌ء من ذلك سؤالا و جوابا- عدا ما ستعرفه ممّا ورد في الجدي من الأمر تارة بجعله بين الكتفين و أخرى بجعله على اليمين ممّا هو- مع اختلافه و ضعف سنده و إرساله- خاصّ بالعراقي- مع شدّة الحاجة لمعرفة القبلة في أمور كثيرة خصوصا في مثل الصلاة التي هي عمود الأعمال، و تركها كفر، و لعلّ فسادها و لو بترك الاستقبال أيضا كذلك، و توجّه أهل مسجد قبا في أثناء الصلاة لمّا بلغهم انحراف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (2)، و غير ذلك ممّا لا يخفى على العارف بأحكام هذه الملّة السهلة السمحة أكبر شاهد على شدّة التوسعة في أمر القبلة، و عدم وجوب شي ممّا ذكره هؤلاء المدقّقون.

و ربما يستشعر من العبارة المتقدّمة (3) عن صاحب المدارك بل يظهر منها خصوصا بضميمة ما ذكره قبل هذه العبارة- من المناقشة في وجوب استقبال عين‌

____________

(1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «امتثاله العبد». و الصحيح ما أثبتناه.

(2) صحيح البخاري 1: 111، صحيح مسلم 1: 375/ 526، الموطّأ 1: 195/ 6، سنن النسائي 1: 244- 245، مسند أحمد 2: 16.

(3) في ص 27.

29

الكعبة للمشاهد إن لم يكن إجماعيّا؛ لمخالفته لإطلاق الآية و الرواية (1)- جواز استقبال السمت الواقع فيه الكعبة مطلقا حتّى مع العلم بعدم مقابلة العين، كما هو ظاهر غير واحد بل صريحهم، و هو في غاية الإشكال.

و أشكل من ذلك ما يلوح من استشهاده لإثبات التوسعة بقوله (عليه السلام): «ما بين المشرق و المغرب قبلة»- كما في صحيحتي زرارة و معاوية بن عمّار، المتقدّمتين في صدر المبحث (2)- من الميل أو القول بظاهر ما تضمّنته الصحيحتان من كون ما بين المشرق و المغرب قبلة على الإطلاق؛ فإنّه بظاهره ممّا لا يمكن الالتزام به و إن بالغ في تشييده صاحب المناهل- على ما حكي عنه- و استظهره من عبارتي المعتبر و المنتهى حيث عرّفا الجهة بالسمت الذي فيه الكعبة (3).

فقال- على ما حكي عنه-: إذا كان الكعبة في جهة الجنوب أو الشمال، كان [القبلة بالنسبة إلى النائي جميع ما بين المشرق و المغرب، و إذا كانت في جهة المشرق أو المغرب، كان] (4) جميع ما بين الجنوب و الشمال قبلة بالنسبة إلى النائي. ثمّ قال: و لا فرق حينئذ بين علمه بعدم استقبال الكعبة أو ظنّه، أولا. ثمّ نسب ذلك إلى مجمع الفائدة و المدارك و الذخيرة (5). و حكى عن بعض الأجلّة‌

____________

(1) مدارك الأحكام 3: 119.

(2) في ص 14.

(3) المعتبر 2: 66، منتهى المطلب 4: 164.

(4) ما بين المعقوفين أضفناه من كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه).

(5) مجمع الفائدة و البرهان 2: 59- 60، مدارك الأحكام 3: 121، ذخيرة المعاد: 214.

30

نسبته إلى أكثر المتأخّرين، و استدلّ له بإطلاق الآية و الروايتين المتقدّمات (1)، و قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ (2) خرج منه ما خرج بالإجماع، و أيّده بالسيرة المستمرّة بين المسلمين من المسامحة في أمر القبلة فيما يعتبر فيه القبلة من أمورهم المهمّة، كالصلاة و الذبح و نحو ذلك (3). انتهى.

و فيه: أنّ كون مجموع ما بين المشرق و المغرب قبلة حتّى مع العلم أو الظنّ بكون الكعبة في جزء معيّن- مع مخالفته لظاهر الآية و الأخبار الدالّة على أنّ الكعبة هي القبلة، و أنّ اللّه تعالى لا يقبل من أحد التوجّه إلى غيرها- خلاف ظاهر الفقهاء، بل صرّح بعض (4) بمخالفته للإجماع.

و عن آخر التصريح بأنّ صلاة العالم المتعمّد على هذا الوجه خلاف طريقة المسلمين، بل ربما يرونها منافية لضروريّ الدين (5).

نعم، عن الشهيدين في الذكرى و المقاصد العليّة حكاية القول بأنّ المشرق قبلة لأهل المغرب و بالعكس، و الجنوب قبلة لأهل الشمال و بالعكس عن بعض العامّة (6). و ظاهرهما انحصار الخلاف فيهم.

____________

(1) في ص 13 و 14.

(2) البقرة 2: 115.

(3) المناهل (مخطوط) و حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الصلاة 1: 136- 137.

(4) جواهر الكلام 7: 343.

(5) حكاه الشيخ الأنصاري في كتاب الصلاة 1: 137 عن الوحيد البهبهاني في شرح المفاتيح (مخطوط).

(6) الذكرى 3: 160، المقاصد العليّة: 205- 206، و حكاه عنهما الشيخ الأنصاري في كتاب الصلاة 1: 137.

31

و ممّا يشهد بعدم الخلاف في عدم جواز التعمّد بالانحراف و الاجتزاء باستقبال ما بين المشرق و المغرب: ما ادّعي عليه الإجماع من وجوب الرجوع إلى الأمارات المعيّنة لجهة الكعبة مع الإمكان، و وجوب الميل إليها إذا تبيّن في أثناء الصلاة انحرافه عنها، كما يدلّ على ذلك- مضافا إلى ذلك- موثّقة عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته، قال: «إن كان متوجّها فيما (1) بين المشرق و المغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و إن كان متوجّها إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثمّ يحوّل وجهه إلى القبلة ثمّ يفتتح الصلاة» (2) و غيرها ممّا ستعرفه في محلّه، فيجب صرف الصحيحتين (3)- جمعا بينهما و بين ما عرفت- إلى إرادة كون ما بين المشرق و المغرب قبلة لمن غفل عن تشخيص جهتها، أو اشتبه عليه الجهة بحيث لم يميّزها في أقلّ ممّا بين المشرق و المغرب لو لم نقل بانصرافهما في حدّ ذاتهما إلى ذلك بواسطة ما هو المغروس في الأذهان من كون القبلة هي الكعبة و أنّ اعتبار السمت لأجلها لا من حيث هو.

و قد ظهر بما ذكر أنّ التمسّك بقوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ (4) في غاية الضعف؛ ضرورة عدم كون مضمونه حكما اختياريّا في الفرائض اليوميّة،

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «إلى ما» بدل «فيما». و ما أثبتناه من المصادر و كما يأتي في ص 162.

(2) الكافي 3: 285/ 8، التهذيب 2: 48- 49/ 159، و 142/ 555، الاستبصار 1: 298/ 1100، الوسائل، الباب 10 من أبواب القبلة، ح 4.

(3) أي: صحيحتي زرارة و معاوية بن عمّار، المتقدّمتين في ص 14.

(4) البقرة 2: 115.

32

و ستأتي الإشارة إلى بعض الأخبار الواردة في تفسيره عند البحث عن قبلة المتحيّر و المتنفّل إن شاء اللّه.

و أضعف من ذلك التمسّك بالسيرة؛ إذ لم يعهد من أحد من المتشرّعة التساهل في أمر القبلة إلى هذا الحدّ.

نعم، لا بأس بالاستشهاد بها في ردّ من زعم اعتبار محاذاة العين، كما ستعرفه.

و كيف كان فالقول باتّساع الجهة إلى هذا الحدّ حتى مع القطع أو الظنّ بكون الكعبة في طرف منها في غاية الضعف.

و ما أبعد ما بينه و بين ما قوّاه في الجواهر (1)- وفاقا لبعض من تقدّم عليه من متأخّري المتأخّرين- من اعتبار المحاذاة الحسّيّة التي قد عرفت في صدر المبحث أنّها أعمّ بالنسبة إلى البعيد من المحاذاة الحقيقيّة- على تأمّل عرفت وجهه آنفا- للقريب و البعيد و المشاهد و غير المشاهد مطلقا، و لكن حيث تعذّر تحصيل العلم بذلك عادة للبعيد الغير المشاهد للعين قام الظنّ مقامه، و عند انسداد باب الظنّ بالمحاذاة الحسّيّة يجتزئ بالمحاذاة الاحتماليّة في السمت الذي يقطع أو يظنّ بكون الكعبة فيه.

و الأقوى ما هو المشهور من وجوب استقبال عينها لدى المشاهدة حقيقة أو حكما كما في العارف بجهتها الخاصّة و لو من بعيد، و وجوب استقبال السمت الذي يحتمل كلّ جزء منه اشتماله عليها و يقطع بعدم خروجها عن جميع أجزائه‌

____________

(1) جواهر الكلام 7: 340.

33

لدى الجهل بجهتها الخاصّة، فإنّ هذا هو المتبادر من الأمر باستقبال الكعبة و التوجّه إليا من البلاد النائية التي يتعذّر فيها عادة تحصيل العلم بمحاذاة عينها؛ ضرورة أنّ الأمر باستقبال الكعبة في الصلاة ليس إلّا كالأمر بالتوجّه إلى قبر الحسين (عليه السلام) من البلاد النائية في بعض الزيارات المأثور، أو إلى قبر النبيّ صلى اللّه عليه و آله في بعض الزيارات و الأعمال، و من الواضح أنّه لا ينسبق إلى الذهن من ذلك إلّا إرادة الجهة التي علم إجمالا باشتمالها على القبر الشريف، فمتى أحرز إجمالا أنّ المدينة في ناحية القبلة يتوجّه إليها، و يأتي بذلك العمل الذي ورد فيه الأمر باستقبال قبر النبيّ صلى اللّه عليه و آله، كما أنّه يزور الحسين (عليه السلام) من بغداد متوجّها إلى القبلة، و من النجف عكسه، لا لكونه قاصدا بفعله مطلق الزيارة المعلوم رجحانها و لو من غير توجّه صوريّ، فإنّه ربما لا يعلم بذلك أصلا، و إنّما يقصد بفعله امتثال الأمر الخاصّ البالغ إليه من غير أن يخطر بذهنه احتمال التشريع، مع أنّه لا يظنّ بمحاذاته للقبر الشريف فضلا عن أن يقطع بذلك، و هل هذا إلّا لأجل أنّه لا يفهم من الأمر إلّا ما ينطبق على عمله؟

و لا يخفى عليك أنّ استفادة إرادة استقبال السمت المشتمل على الشي‌ء المأمور باستقباله- كقبر الحسين (عليه السلام) في المثال المتقدّم من الأمر بالتوجّه إليه- ليس لكونه في حدّ ذاته مقصودا بالتوجّه، بل لأنّ التوجّه إلى السمت توجّه إلى ذلك الشي بنحو من الاعتبار العرفي عند عدم العلم بجهته المخصوصة، فلم يقصد من الأمر بالتوجّه إلّا الميل إلى جانبه، فمتى كان جانبه المخصوص ممتازا لدى المكلّف عن سائر الجوانب لا يكون استقباله لسائر الجوانب استقبالا لجانب ذلك‌

34

الشي، و ما لم يميّزه بالخصوص يكون استقبال الجانب الذي علم إجمالا باشتماله على ذلك الشي‌ء استقبالا لجانبه.

ألا ترى في المثال المتقدّم أنّه لو شاهد القبر الشريف من البعيد أو علم بخصوص الخطّ المسامت له، لا يفهم من ذلك الأمر إلّا إرادته بالخصوص، بخلاف ما لو لم يعلم بذلك كما عرفت.

و لا يلزم من ذلك استعمال اللفظ في أكثر من معنى؛ إذ لم يرد من أمر البعيد باستقبال الشي‌ء إلّا استقبال الطرف الواقع فيه ذلك الشي‌ء؛ إذ لم يعقل الأمر باستقبال عينه مع بعده و استتاره عن الحسّ، فالمقصود ليس إلّا استقبال طرفه الواقع فيه، كما هو المنساق من قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ* (1) و طرف الشي يصدق على الطرف المخصوص به و الطرف المشتمل عليه، و المتبادر منه للمشاهد و نحوه الأوّل، و لغيره مطلق سمته الذي يضاف إليه.

و يحتمل فيه المقابلة للعين، نظير ما عرفت في مبحث التيمّم من أنّ المتبادر من الأمر بضرب الكفّ إرادة الضرب بالباطن للمتمكّن، و الظاهر للعاجز، بالتقريب الذي تقدّم تحقيقه في محلّه.

و الحاصل: أنّ التوجّه إلى شي أو شخص من البلاد النائية ربّما يتعلّق به غرض عقلائيّ مع قطع النظر عن حكم شرعيّ، كما قد يصدر ذلك من العقلاء في مقام الاستغاثة و الندبة و غير ذلك، و كيفيّته لديهم ليست إلّا بالتوجّه إلى السمت الواقع فيه ذلك الشي‌ء.

____________

(1) البقرة 2: 144.

35

نعم، لو فرض علمهم بجهته الخاصّة المحاذية له، لا يعدلون عنها إلى مطلق سمته، بل لا يعدلون عن الأقرب إلى الأبعد عند تميّزه، فلا يتبادر من الأمر بالتوجّه إلى الكعبة إلّا هذا المعنى الذي كان يصدر منهم في مقام الاستغاثة لو كانوا يزعمون أنّ في ذلك المكان رجلا يسمع نداءهم و يجيب دعاءهم و يغيثهم متى استغاثوا به، و هو التوجّه إلى سمته، و من هنا ادّعى المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه)- في عبارته المتقدّمة (1)- أنّ المتبادر من أمر السيّد عبده باستقبال بلد من البلدان النائية ليس إلّا ما يتحقّق امتثاله بمجرّد التوجّه إلى جهة تلك البلد.

لكن لا يخفى عليك أنّ السمت- الذي ندّعي انسباقه إلى الذهن من الأمر بالتوجّه إلى شي- هو السمت الذي يضاف إلى ذلك الشي‌ء عرفا، فيقال: سمته و جانبه و طرفه، لا مطلق ما بين المشرق و المغرب مثلا، فإنّه لا يضاف مطلق هذا السمت إلى ذلك الشي، بل يقال: ذلك الشي واقع فيه، لا أنّه سمته، فسمت الشي عبارة عن الجانب المشتمل عليه الذي لا يعدّ أجنبيّا عنه بنظر العرف دون ما يرونه أجنبيّا عنه، و لكن مع ذلك لا يبعد صدق الاستقبال و التوجّه إلى الشي عرفا عند التوجّه إلى مطلق السمت الواقع فيه ذلك الشي عند تعذّر تشخيص السمت الذي يضاف إليه عرفا، كما يؤيّد ذلك قوله (عليه السلام) في الصحيحتين المتقدّمتين (2): «ما بين المشرق و المغرب قبلة» المحمول صرفا أو انصرافا على صورة الجهل بجهة أخصّ من ذلك أو الغفلة عن رعايتها، كما تقدّمت الإشارة إليه.

____________

(1) في ص 27- 28.

(2) في ص 14.

36

و ممّا يؤيّد المطلوب بل يبيّنه: أنّ الشارع لم يقصد بقوله حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ* (1)- أي شطر المسجد- تكليفا يتوقّف إحراز موضوعه على استعمال القواعد المبيّنة في علم الهيئة و نحوها؛ ضرورة عدم ابتناء أمر القبلة على علم الهيئة، بل و لا على العلائم المذكورة في كتب الأصحاب؛ فإنّ أغلبها علائم تقريبيّة استنبطها الأصحاب بحسب ما أدىّ إليه نظرهم، و لم يكن يتوقّف تشخيص القبلة في عصر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) على معرفة هذه العلائم، فالمقصود بهذا التكليف ليس إلّا التوجّه إلى جانبه على الوجه الذي يتمكّن كلّ مكلّف من تشخيصه عادة من غير حرج و مشقّة بالطرق المعهودة لدى العقلاء في تشخيص جانب سائر البلاد، و أوضح سبيل يسلكه العقلاء في تشخيص سمت البلاد النائية إنّما هو السؤال عن المتردّدين إليها، كالمكاري و نحوه، و من الواضح- الذي لا مجال للارتياب فيه- أنّ أخبار المتردّدين بجهتها- كغيرها من البلاد النائية خصوصا إذا كانت المسافة بينهما شهرا أو شهرين فما زاد، كأقصى بلاد الهند و نحوها- لا تفيد عادة إلّا معرفة جهتها على سبيل الإجمال على وجه ربما تشتبه جهتها الخاصّة المحاذية لها في سمت عظيم ربّما يبلغ ربع الدائرة، بل ربّما يتعذّر بالنسبة إلى نفس المتردّدين فضلا عمّن يعتمد على خبرهم تشخيصها في أقلّ من ذلك؛ لما في طريقهم من الموانع الموجبة للخروج عن سمتها الحقيقي و حفظ نسبته، فيمتنع أن يكلّفهم اللّه تعالى بالتوجّه إليها في أخصّ من هذا السمت فضلا عن أن يأمرهم بالمحاذاة الحقيقيّة.

____________

(1) البقرة 2: 144.

37

و لو أغمضت النظر عن العلائم الآتية التي بيّنها الأصحاب و أردت تشخيص جهتها كجهة غيرها من البلاد النائية، لأذعنت بصدق ما ادّعيناه.

و ممّا يؤيّده أيضا بل يشهد له: أنّ العلائم الآتية التي بيّنها الأصحاب و عوّلوا عليها في فتاويهم من غير نكير لا يشخّص بها إلّا سمتها على سبيل الإجمال، فإنّ أوضحها و أضبطها- التي تطابق عليها النصّ و الفتوى- هو الجدي الذي ورد الأمر بوضعه على قفاك في خبر (1) محمّد بن مسلم، و في مرسلة الصدوق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في جواب من سأله عن أنّه يكون في السفر و لا يهتدي إلى القبلة في الليل: «اجعله على يمينك، و إذا كنت في طريق الحجّ [فاجعله بين كتفيك] (2)» (3) و من الواضح أنّه لا يميّز بذلك إلّا جهتها على سبيل الإجمال، فإنّ غاية ما يمكن ادّعاؤه إنّما هو تنزيل الروايتين على البلاد المناسبة لهما.

و هذا- مع ما فيه من البعد بالنسبة إلى الخبر الأوّل الذي لا يناسب بلد المتكلّم و المخاطب لولا البناء على التوسعة و إرادة السمت- لا يجدي في إحراز المحاذاة الحسّيّة؛ فإنّ الجدي يدور حول المركز بحيث يختلف ما يحاذيه اختلافا بيّنا، و لذا جعل بعض المدقّقين العبرة بحال ارتفاعه أو انخفاضه كي يكون على‌

____________

(1) تقدّم تخريجه في ص 27، الهامش (3).

(2) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «على قفاك». و المثبت من المصدر و كما يأتي في ص 55.

(3) الفقيه 1: 181/ 860، الوسائل، الباب 5 من أبواب القبلة، ح 2.

38

دائرة نصف النهار (1).

و فيه ما لا يخفى من مخالفته لإطلاق النصوص و الفتاوى، و بعد إرادته من مورد الروايتين، فهذا كاشف عن أنّ العبرة بتشخيص جهتها في الجملة.

و ممّا يؤكّد المدّعى أيضا ترك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) التعرّض لبيان ضابط لبلادهم فضلا عن غيرها من البلاد النائية مع كونه من أهم المهمّات، و ترك أصحابهم التعرّض لأمرها بالسؤال عنها مع أنّهم لم يزالوا كانوا يسألون كثيرا ممّا لا يحتاجونه إلّا على سبيل الفرض، فيكشف ذلك عن أنّهم كانوا يجتزؤن في معرفة القبلة بالطرق المقرّرة عندهم لتشخيص جهات سائر البلاد عند إرادة السير إليها في البرّ و البحر من غير ابتنائه على التدقيقات.

كما يؤيّده أيضا ما في أوضاع المساجد و المقابر حتّى المساجد القديمة- كمسجد الكوفة و السهلة و غيرهما من المساجد القديمة التي صلّى فيها الأئمّة (عليهم السلام)- من الاختلاف الفاحش مع أنّ مثلها من العلائم التي يعوّل عليها في تشخيص القبلة، إلى غير ذلك من الأمارات الدالّة على عدم ابتناء أمر القبلة على المضايقة، و كون المدار على استقبال الجهة التي يطلق عليها سمت الكعبة.

لكن عرفت أنّ هذا فيما إذا لم يعلم بجهتها الخاصّة أو ما يقرب منها، و إلّا فيشكل الانحراف عنها عمدا، كما أنّك عرفت إجمالا و سيتّضح لك تفصيله أنّه لو اشتبه هذا السمت في السمت المطلق الواقع فيه الكعبة- كطرف الجنوب و‌

____________

(1) الشهيد الثاني في مسالك الافهام 1: 155، و المقاصد العليّة: 194، و حاشية الألفيّة- المطبوعة مع المقاصد العليّة-: 499.

39

الشمال، و المشرق و المغرب- لا يجب إلّا استقبال ذلك الطرف، كما يدلّ عليه في الجملة الصحيحتان المتقدّمتان (1) الدالّتان على أنّ «ما بين المشرق و المغرب قبلة».

و لكنّ الفرق بين هذا السمت المطلق- الذي هو أيضا قبلة في الجملة- و بين السمت الخاصّ المضاف إلى الشي أنّ هذا السمت قبل اضطراريّة لا يجوز الاجتزاء به إلّا في مقام الضرورة متحرّيا فيه الأقرب فالأقرب، و هذا بخلاف السمت المضاف إلى الكعبة، فإنّه قبلة اختياريّة لا يجب عند إحرازه التحرّي إلى الأقرب.

نعم، قد أشرنا مرارا إلى أنّه مع العلم بسمت أخصّ من ذلك أيضا أو بجهتها الخاصّة المحاذية للكعبة يشكل الانحراف عنه عمدا، بل لا يجوز كما أوضحناه آنفا.

فمن هنا صحّ أن نقول في تفسير الجهة التي يجب استقبالها للبعيد- تبعا للمشهور-: هي السمت الذي يحتمل وجود الكعبة في كلّ جزء منه و يقطع بعدم خروجه عنه، فالنسبة بينها بهذا المعنى و بين السمت المضاف إلى الشي‌ء عرفا- الذي له نحو وجود اعتباريّ لدى العقلاء لا مدخليّة للقطع و الاحتمال في تحقّقه- العموم من وجه، فربّما تكون أخصّ منها، كما لو علم بكون الكعبة في طرف خاصّ منها، و قد تكون أعمّ، كما لو اشتبهت الجهة العرفيّة في السمت المطلق، لكن جواز الاجتزاء بمقابلتها حينئذ مشروط بعدم التمكّن من تشخيص‌

____________

(1) في ص 14.

40

سمتها العرفي، و اللّه العالم.

(و جهة الكعبة) لا بالمعنى المتقدّم، بل بمعنى الفضاء الذي وقعت الكعبة فيه من تخوم الأرض إلى عنان السماء (هي القبلة، لا البنيّة) كما تقدّمت الإشارة إليه في صدر المبحث.

(فلو زالت البنيّة) و العياذ باللّه (صلّى إلى جهتها كما يصلّي من هو أعلى موقفا منها) كجبل أبي قبيس، أو أسفل كالمصلّي في سرداب أخفض من الكعبة.

و هذا ممّا لا خلاف فيه بين العلماء، كما صرّح به في المدارك (1) و غيره (2).

و يدلّ عليه- مضافا إلى ذلك- موثّقة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سأله رجل قال: صلّيت فوق أبي قبيس العصر فهل يجزئ ذلك و الكعبة تحتي؟ قال: «نعم، إنّها قبلة من موضعها إلى السماء» (3).

و خبر خالد أبي إسماعيل، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يصلّي على أبي قبيس مستقبل القبلة، فقال: «لا بأس» (4).

(و لو صلّى في جوفها، استقبل أيّ جدرانها شاء على كراهية في الفريضة) لدى المشهور.

____________

(1) مدارك الأحكام 3: 122.

(2) الحدائق الناضرة 6: 377، جواهر الكلام 7: 348.

(3) تقدّم تخريجها في ص 8، الهامش (1).

(4) الكافي 3: 391/ 19، التهذيب 2: 376/ 1565، الوسائل، الباب 18 من أبواب القبلة، ح 2.

41

و عن الشيخ في الخلاف، و القاضي في المهذّب: المنع عنها اختيارا (1).

و استدلّ عليه في محكيّ الخلاف بإجماع الفرقة، و بأنّ القبلة هي الكعبة لمن شاهدها، فتكون القبلة جملتها، و المصلّي في وسطها غير مستقبل الجملة (2).

و بما رواه- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

«لا تصلّى المكتوبة في جوف الكعبة، فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يدخلها في حجّ و لا عمرة، و لكن دخلها في فتح مكّة فصلّى فيها ركعتين بين العمودين و معه أسامة ابن زيد» (3).

و في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهم السلام) قال: «لا تصلّ (4) المكتوبة في الكعبة» (5).

و عن الكليني في الكافي (6) نحوه، ثمّ قال: و قد روي في حديث آخر:

«يصلّي إلى. ربع جوانبها إذا اضطرّ إلى ذلك» (7).

و في بعض النسخ: «في أربع جوانبها» بدل «إلى».

____________

(1) الخلاف 1: 439، المسألة 186، المهذّب: 1/ 76، و حكاه عنهما العاملي في مدارك الأحكام 3: 123، و البحراني في الحدائق الناضرة 6: 378.

(2) الخلاف 1: 439، المسألة 186، و حكاه عنه العاملي في مدارك الأحكام 3: 124، و البحراني في الحدائق الناضرة 6: 379.

(3) التهذيب 2: 382- 383/ 1596، و 5: 279/ 953، الاستبصار 1: 298/ 1101، الوسائل الباب 17 من أبواب القبلة، ح 3.

(4) في النسخ الخطّيّة، والحجريّة: «لا تصلّى». و ما أثبتناه كما في المصدر.

(5) التهذيب 2: 376/ 1564، الوسائل، الباب 17 من أبواب القبلة، ذيل ح 1.

(6) الكافي 3: 391/ 18، الوسائل، الباب 17 من أبواب القبلة، ح 1.

(7) الكافي 3: 391، ذيل ح 18، الوسائل، الباب 17 من أبواب القبلة، ح 2.

42

قال الشهيد (رحمه اللّه) في محكيّ الذكرى: هذا إشارة إلى أنّ القبلة إنّما هي جميع الكعبة، فإذا صلّى في الأربع عند الضرورة فكأنّه استقبل الجميع (1).

أقول: و يحتمل بعيدا أن يكون المراد بقوله: «يصلّي» إلى آخره، بيان الرخصة في فعل الصلاة إلى أيّ جانب من جوانبها الأربع، لا الأمر بفعل الصلاة إلى الأربع جوانب، أو فيها على اختلاف النسخ.

و عن الشيخ في موضع آخر روى الصحيحة المتقدّمة- في الموثّق- عن محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهم السلام)، قال: «لا تصلح الصلاة المكتوبة جوف الكعبة» (2).

و عن موضع ثالث- في الصحيح. يضا مثله، و زاد: «و أمّا إذا خاف فوت الصلاة فلا بأس أن يصلّيها في جوف الكعبة» (3).

و أجيب: أمّا عن حكاية الإجماع: فبوهنه بمخالفة المشهور حتّى الحاكي في بعض كتبه (4) الأخر، بل لم ينقل الخلاف في المسألة إلّا عمّن سمعت.

و أمّا عن أنّ القبلة هي الكعبة بجملتها: فبأنّ القبلة ليس مجموع البنيّة، بل‌

____________

(1) الذكرى 3: 86، و حكاه عنه الشيخ الحرّ في الوسائل، ذيل ح 2 من الباب 17 من أبواب القبلة.

(2) التهذيب 2: 383/ 1597، و حكاه عنه الشيخ الحرّ في الوسائل، الباب 17 من أبواب القبلة، ح 5، بلفظ «تصلح» بدل «لا تصلح». و أيضا حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 6: 379 كما في المتن.

(3) التهذيب 5: 279، ح 954 و ذيله، و حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 6: 379، و أورد الرواية العاملي في الوسائل، الباب 17 من أبواب القبلة، ح 4.

(4) النهاية 1016، الاستبصار 1: 299.

43

نفس العرصة و كلّ جزء من أجزائها؛ إذ لا يمكن محاذاة المصلّي بإزائها منه إلّا قدر بدنه، و الباقي خارج عن مقابلته، و هذا المعنى يتحقّق مع الصلاة فيها كما يتحقّق مع الصلاة في خارجها.

و نوقش في ذلك: بأنّه يجوز أن يكون المعتبر التوجّه إلى جهة القبلة بأن تكون الكعبة في جهة مقابلة المصلّي و إن لم تحصل المحاذاة لكلّ جزء منها، فلا بدّ لنفي ذلك من دليل.

أقول: كفى دليلا لنفي هذا الاحتمال- أي عدم الاعتناء به- أصالة براءة الذمّة عن التكليف بأزيد من مسمّى الاستقبال الحاصل في الفرض بناء على ما هو التحقيق من أنّها هي المرجع عند الشكّ في الشرائط و أجزاء العبادات، لا قاعدة الاشتغال.

و لكن لقائل أن يقول: إنّ المنساق من الأمر بالتوجّه إلى الكعبة و استقبالها في الصلاة ليس إلّا ذلك، فلا مسرح للتمسّك بالأصل بعد ما ورد في الكتاب و السنّة من الأوامر المطلقة المتعلّقة باستقبالها و التوجّه نحوها، الظاهرة في إرادته من الخارج.

و دعوى أنّ المتبادر منها ليس إلّا استقبال شي منها بحيث عمّ مثل الفرض مخالفة للوجدان.

اللّهمّ إلّا أن يدّعى شمولها لمثل الفرض بتنقيح المناط، لا بالأدلّة (1) اللفظيّة.

و فيه أيضا نظر؛ لإمكان أن يكون المقصود باستقبال الكعبة تعظيمها، و‌

____________

(1) في «ض 16»: «بالدلالة» بدل «بالأدلّة».

44

لا يبعد أن يكون جعلها أمامه في الصلاة أبلغ في التعظيم من أن يصلّي فيها ناويا به استقبال جزء منها مع كونه مستدبرا لجزء آخر.

و ربما جعل بعض ذلك- أي لزوم الاستدبار- من مؤيّدات مذهب الشيخ، بل من أدلّته؛ ضرورة كون استدبار القبلة من منافيات الصلاة.

و فيه: أنّ الاستدبار إنّما يكون منافيا إذا كان موجبا لفوات الاستقبال الذي هو شرط للصلاة، لا في مثل الفرض.

و احتمال كونه في حدّ ذاته من المنافيات مدفوع بالأصل، و لكنّ المستدلّ بذلك ممّن يرى وجوب الاحتياط في الشرائط المحتملة، فلعلّه مبنيّ على مذهبه.

و كيف كان فقد تلخّص ممّا ذكر أنّه يمكن أن يستدلّ للشيخ بإطلاق الأمر بالاستقبال، الظاهر في إرادته من الخارج، و إنكار ظهوره في ذلك مكابرة.

و لكن يتوجّه على الاستدلال: أنّ الإطلاق جار مجرى الغالب، فلا ينسبق إرادته إلّا ممّن كان خارجا من الكعبة، و أمّا من كان فيها فينصرف عنه هذا الخطاب، و إنّما نلتزم بوجوب استقبال جزء منها و لو من فضائها بأن لم يصلّ- مثلا- عند الباب مستقبلا خارج الكعبة على وجه لم يكن بين يديه و لو في حال الركوع أو السجود شي من فضائها؛ لما ثبت بإجماع و نحوه من وجوب استقبال شي منها في الصلاة مطلقا حتّى في مثل الفرض، و إلّا فالأدلّة اللفظيّة- التي ورد فيها الأمر باستقبال الكعبة- قاصرة عن إفادة الاشتراط لمن يصلّي في جوفها، فليتأمّل.

و أمّا الجواب عن الصحيحتين: فبمعارضتهما بموثّقة يونس بن يعقوب،

45

التي هي نصّ في الجواز، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إذا حضرت الصلاة المكتوبة و أنا في الكعبة أفأصلّي فيها؟ قال: «صلّ» (1).

و ما عن الشيخ من حملها على الضرورة (2)، في غاية البعد، لا لمجرّد كونه تنزيلا للإطلاق على الفرد النادر، بل لظهور استفهام السائل في إرادة اختيار إيقاع الصلاة فيها في مقابل الصلاة في خارجها، فكأنّه قال: أفأصلّي فيها أو أخرج للصلاة؟ فكيف يصحّ حينئذ حمل إطلاق الجواب على الضرورة.

هذا، مع أنّ تنزيل الحكم المطلق على إرادته في حال الضرورة أبعد من حمل النهي على الكراهة، فمقتضى القاعدة حمل الصحيحتين على الكراهة؛ جمعا بينهما و بين هذه الموثّقة التي كادت تكون صريحة في جوازها اختيارا، كما يؤيّده فهم المشهور و فتواهم.

هذا، مع أنّه ربما يستشعر من التعليل الواقع في الصحيحة الأولى بل يستظهر منه: الكراهة؛ لعدم مناسبته للحرمة، كما لا يخفى.

و أمّا الصحيحة الثانية: فالظاهر اتّحادها مع مارواه ثانيا و ثالثا بلفظ «لا تصلح» الظاهر في الكراهة.

و دعوى ظهور هذه الكلمة أيضا في الحرمة؛ نظرا إلى أنّ الصلاح ضدّ الفساد، مدفوعة بأنّ المتبادر منها في الأخبار ليس إلّا الكراهة، كلفظة «لا ينبغي» و‌

____________

(1) التهذيب 5: 279/ 955، الاستبصار 1: 298/ 1103، الوسائل، الباب 17 من أبواب القبلة، ح 6.

(2) الاستبصار 1: 299، و حكاه عنه العاملي في الوسائل، ذيل ح 6 من الباب 17 من أبواب القبلة.

46

نظائرها، فالروايات الثلاث المرويّة عن محمّد إمّا متّحدة و قد حصل الاختلاف في نقلها من الرواة بلحاظ النقل باللفظ أو بالمعنى، أو من النّسّاخ إمّا سهوا أو لالتباس «يصلّى» ب‍ «يصلح» في الكتابة أو غير ذلك من أسباب الاختلاف.

و كيف كان فهي على تقدير الاتّحاد مجملة مردّد أمرها بين أن تكون بلفظ «لا يصلّى» الظاهر في الحرمة، أو «لاتصلح» الظاهر في الكراهة فلا تنهض حجّة لإثبات أزيد من الكراهة، و على تقدير تعدّد الروايات فلا تقصر الأخيرتان الظاهرتان في الكراهة عن مكافئة الأولى، خصوصا مع أنّه رواها في الوسائل عن الشيخ بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «تصلح صلاة المكتوبة جوف الكعبة» ثمّ قال: لفظة «لا» هنا غير موجودة في النسخة التي قوبلت بخطّ الشيخ، و هي موجودة في بعض النسخ (1).

أقول: فعلى هذا هي نصّ في الجواز، لكن لفظة «المكتوبة» في النسخة الموجودة عندي ساقطة، و الظاهر أنّه من سهو القلم.

و كيف كان فالأقوى ما هو المشهور من جوازها على كراهيّة.

لكن ربّما يؤيّد المنع لا لضرورة خبر محمّد بن عبد اللّه بن مروان، قال:

رأيت يونس بمنى يسأل أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل إذا حضرته صلاة الفريضة و هو في الكعبة فلم يمكنه الخروج من الكعبة، قال: «استلقى على قفاه و صلّى (2) إيماء» و ذكر قول اللّه عزّ و جلّ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ (3) (4).

____________

(1) الوسائل، الباب 17 من أبواب القبلة، ح 5 و ذيله.

(2) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «يصلّي». و ما أثبتناه من المصدر.

(3) البقرة 2: 115.

(4) التهذيب 5: 453/ 1583، الوسائل، الباب 17 من أبواب القبلة، ح 7.

47

لكنّه مع ضعف سنده ممّا لم ينقل القول بمضمونه عن أحد، فيجب ردّ علمه إلى أهله و إن كان ربّما يؤيّد مضمونه الرواية الآتية (1) الواردة في من صلّى على سطح الكعبة و إن كان العمل بتلك الرواية أيضا لا يخلو من إشكال، كما ستعرف.

هذا كلّه في صلاة الفريضة اختيارا، و أمّا اضطرارا فلا شبهة في جوازها، فإنّ الصلاة لا تسقط بحال نصّا و إجماعا، كما يشهد له أيضا- مضافا إلى ذلك- بعض الأخبار المتقدّمة (2)، كما أنّه لا شبهة في جواز التطوّع، بل لا خلاف فيه، بل عن غير واحد دعوى الإجماع على استحباب النافلة فيها.

لكن عن كشف اللثام: إنّي لم أظفر بنصّ على استحباب كلّ نافلة، و إنّما الأخبار باستحباب التنفّل لمن دخلها في الأركان و بين الأسطوانتين (3).

أقول: فكأنّه أراد بذلك عدم دليل على استحبابها بالخصوص، كما هو ظاهر الفتاوى، و إلّا فيكفي في ذلك إطلاق ما دلّ على استحباب النوافل و أنّ «الصلاة خير موضوع من شاء استقلّ و من شاء استكثر» (4) كما أنّه يكفي في إثبات استحباب مطلق النافلة فيها بالخصوص ما سمعته من نقل الإجماع بناء على قاعدة التسامح.

اللّهمّ إلّا أن يكون غرض المجمعين من استحباب النافلة فيها الاستحباب‌

____________

(1) في ص 48.

(2) في ص 45.

(3) كشف اللثام 3: 305، و حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 7: 350.

(4) الخصال: 523/ 11، المستدرك- للحاكم- 2: 597.

48

الثابت لطبيعة النافلة من حيث هي، دفعا لتوهّم الكراهة، الناشئ من ثبوتها للفريضة، فليتأمّل.

(و لو صلّى على سطحها، أبرز بين يديه) شيئا (منها ما يصلّي إليه) في جميع أحوال الصلاة؛ فإنّ الاستقبال شرط في كلّ جزء منها، فتجب رعايته على كلّ حال.

(و قيل) كما عن الصدوق في الفقيه، و الشيخ في الخلاف و النهاية، و القاضي في المهذّب و الجواهر (1): (يستلقي على ظهره و يصلّي إلى البيت المعمور) لكن عن الأخير تقييده بما إذا لم يتمكّن من النزول (2).

احتجّ الشيخ على ذلك في محكيّ الخلاف: بالإجماع.

و بما رواه عن عليّ بن محمّد عن [إسحاق] (3) بن محمّد عن عبد السلام عن الرضا (عليه السلام) قال في الذي تدركه الصلاة و هو فوق الكعبة، فقال: «إن قام لم يكن له قبلة و لكن يستلقي على قفاه و يفتح عينيه إلى السماء و يعقد بقلبه القبلة التي في السماء: البيت المعمور، و يقرأ، فإذا أراد أن يركع غمّض عينيه، فإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فتح عينيه، و السجود على نحو ذلك» (4) (5).

____________

(1) الفقيه 1: 178، ذيل ح 842، الخلاف 1: 441، المسألة 188، النهاية: 101، المهذّب 1: 85، جواهر الفقه: 20، المسألة 56، و كما في جواهر الكلام 7: 353، و حكاه عنهم البحراني في الحدائق الناضرة 6: 377.

(2) المهذّب 1: 85، و حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 6: 377.

(3) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «عيسى». و ما أثبتناه من المصدر.

(4) الكافي 3: 392/ 21، التهذيب 2: 376/ 1566، الوسائل، الباب 19 من أبواب القبلة، ح 2.

(5) الخلاف 1: 441، المسألة 188، و حكاه عنه العاملي في مدارك الأحكام 3: 125، و كذا البحراني في الحدائق الناضرة 6: 377.

49

و هذه الرواية أخصّ مطلقا ممّا دلّ على وجوب القيام و الركوع و السجود و غيرها من الأفعال المنافية لهذه الكيفيّة، فلا يصلح شي منها لمعارضة هذه الرواية. و تنزيلها على العاجز الذي فرضه الصلاة مستلقيا كما في آخر مراتب الضرورة- مع كونه في حدّ ذاته في غاية البعد- ينافيه قوله (عليه السلام): «إن قام لم يكن له قبلة» فمقتضى القاعدة تخصيص سائر الأدلّة بها.

اللّهمّ إلّا أن يناقش فيها بضعف السند، و قصورها عن مرتبة الحجّيّة خصوصا مع إعراض المشهور عنها.

و ما سمعته عن الشيخ من نقل الإجماع على مضمونها لا يصلح جابرا لضعف سندها بعد وهنه بمخالفة المشهور حتى الشيخ في مبسوطه (1) على ما حكي عنه، فيشكل الاعتماد عليه في رفع اليد عن تلك العمومات.

فالأحوط تكرير الصلاة و الإتيان بها قائما تامّة الأجزاء و الشرائط و بالكيفيّة المذكورة في الرواية إن اضطرّ إلى فعلها فوق السطح، و إلّا فالأولى و الأحوط ترك فعل الفريضة فوق السطح، بل مطلق الصلاة؛ للنهي عنه في حديث المناهي عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: «نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن الصلاة على ظهر الكعبة» (2) (و) إن كان القول (الأوّل أصحّ) بالنظر إلى ما تقتضيه الصناعة؛ لما أشرنا إليه من عدم صلاحيّة الخبر المزبور- مع ما فيه من الضعف- لتخصيص سائر الأدلّة، كقصور حديث المناهي عن إثبات الحرمة، فيجوز الاجتزاء بصلاة‌

____________

(1) المبسوط 1: 85، و حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 6: 377.

(2) الفقيه 4: 5/ 1، الوسائل، الباب 19 من أبواب القبلة، ح 1.

50

واحدة عن قيام لا لضرورة (و لا يحتاج أن ينصب بين يديه شيئا) حال الصلاة؛ لما عرفت آنفا من أنّ القبلة هي الفضاء إلى السماء، و الفرض أنّه أبرز بين يديه شيئا منه (1).

خلافا للشافعي على ما حكي عنه، فأوجبه (2). و لا ريب في ضعفه.

(و كذا لو صلّى إلى بابها و هو مفتوح).)

و قد حكي عن الشافعي (3) في هذه الصورة أيضا المخالفة. و عن شاذان بن جبرئيل من أصحابنا موافقته (4).

و لكن قال في الجواهر: و لا يخفى على المتأمّل في كلام شاذان في رسالته- المحكيّة بتمامها في البحار- أنّه ليس خلافا فيما نحن فيه، بل الظاهر إرادته الكراهة من عدم الجواز، كما في غير الكعبة من الأبواب المفتوحة؛ لأنّه قد صرّح بجواز الصلاة في العرصة مع فرض زوال البنيان، و صرّح بجوازها على السطح، سواء كان بين يديه سترة من نفس البناء أو لا، و غير ذلك ممّا هو كالصريح فيما ذكرنا، فلاحظ و تأمّل (5). انتهى.

(و لو استطال صفّ المأمومين في المسجد) الحرام (حتى خرج بعضهم عن سمت الكعبة، بطلت صلاة ذلك البعض) لما عرفت فيما سبق‌

____________

(1) أي: من البيت الحرام.

(2) الأم 1: 98، و حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 7: 355.

(3) الأم 1: 98، و حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 7: 355.

(4) إزاحة العلّة عن معرفة القبلة ضمن بحار الأنوار 84: 76، و حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 7: 355.

(5) جواهر الكلام 7: 355- 356، و راجع: إزاحة العلّة ضمن بحار الأنوار 84: 76 و 77.

51

من اعتبار مقابلة عين الكعبة عند مشاهدتها حقيقة أو حكما.

و لو استداروا، صحّت، كما يأتي شرح ذلك إن شاء اللّه في بحث الجماعة.

(و أهل كلّ إقليم يتوجّهون إلى سمت الركن الذي على جهتهم، فأهل العراق إلى العراقي، و هو الذي فيه الحجر، و أهل الشام إلى الشامي، و المغرب إلى المغربي، و اليمن إلى اليماني) إذ لا تتحقّق المقابلة بينهم و بين الكعبة إلّا بما يسامتهم منها، فهذا في الحقيقة بيان لما هم عليه في الواقع.

و لا تترتّب على تحقيقه ثمرة فرعيّة؛ ضرورة أنّه يكفي لمن شاهد الكعبة حقيقة أو حكما استقبال جزء منها أيّ جزء يكون، و من لم يشاهدها يستقبل جهتها بالرجوع إلى الأمارات المؤدّية لاستقبال عينها أو جهتها، أو استقبال الحرم أو المسجد أو جهتهما على الخلاف الذي عرفته فيما سبق من غير إناطة الحكم بكون الأمارات مؤدّية إلى استقبال طرف منها دون الآخر، لكنّ الأمر في الواقع كما ذكر؛ فإنّ المقابل للعراق ليس إلّا الطرف المشتمل على الركن العراقي، و هكذا أهل سائر الأقاليم.

(و أهل العراق و من والاهم) و سامتهم إذا أرادوا معرفة القبلة، فلهم- على ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) و غيره (1)، بل ربما نسبه بعض (2) إلى الأصحاب- علائم ثلاث:

____________

(1) كالعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 1: 26.

(2) الشهيد الثاني في المقاصد العليّة: 195، و العاملي في مدارك الأحكام 3: 128، و البحراني في الحدائق الناضرة 6: 388.

52

الأولى: أنّهم (يجعلون الفجر) أي المشرق (على المنكب الأيسر) و هو مجمع العضد و الكتف (و المغرب على الأيمن.

و) الثانية: يجعلون (الجدي) و هو مكبّر، و ربما يصغّر ليتميّز عن البرج المسمّى بهذا الاسم (محاذي خلف المنكب الأيمن) لا طرفه المقابل للمغرب.

(و) الثالثة: يجعلون (عين الشمس عند زوالها) و ميلها عن دائرة نصف النهار (على الحاجب الأيمن).) و اعترض غير واحد على الأصحاب- الذين ذكروا هذه العلائم الثلاث لأهل العراق-: بعدم المناسبة بينها؛ فإنّ مقتضى الأولى و الثالثة: استقبال نقطة الجنوب، و مقتضى الثانية: الانحراف عن نقطة الجنوب إلى طرف المغرب بمقدار معتدّ به.

و تنزيل كلماتهم على إرادة كون مجموع العلائم علامة لمجموع أهل العراق على سبيل الإجمال، فتكون الأولى و الثالثة علامة لبعضهم، و الثانية للباقين في غاية البعد.

و التزامهم باغتفار هذا المقدار من الاختلاف و عدم كونه قادحا في تشخيص السمت الذي يرونه قبلة للبعيد أيضا بعيد خصوصا مع تصريحهم بوضع الجدي خلف المنكب، و عدم إشعار في كلامهم بالرخصة في وضعه بين الكتفين، كما هو مقتضى الأمارتين الأخريين، بل بعضهم (1) قيّده بحال ارتفاعه أو‌

____________

(1) الشهيد الثاني في مسالك الافهام 1: 155، و المقاصد العليّة: 194، و الحاشية على الألفيّة- المطبوعة مع المقاصد العليّة-: 499.

53

انخفاضه كي يكون على دائرة نصف النهار، مع أنّ الاختلاف الناشئ من اختلاف أحوال الجدي يسير.

أقول: و لكنّك خبير بأنّ غفلتهم عن هذا الاختلاف الفاحش أبعد، فالظاهر أنّ جمعهم بين العلائم الثلاث ليس منشؤه إلّا بناؤهم على كفاية استقبال الجهة، و عدم كون هذا المقدار من الاختلاف قادحا في تحقّق الاستقبال المعتبر في الصلاة و نحوها، فكأنّهم ذكروا العلائم الثلاث لأن يتمكّن المكلّف في جميع أوقات الصلوات لدى الحاجة إلى معرفة القبلة من تشخيص جهتها، فإذا أراد تشخيصها لصلاة الصبح، يجعل المشرق- الذي يميّزه ببياضه أو حمرته- على يساره، و المغرب على يمينه. و لعلّ عدول المصنّف (رحمه اللّه) عن التعبير بالمشرق إلى الفجر للإيماء إلى ذلك. و إذا أراد تشخيصها للظهرين، فبالعلامة الأخيرة، و متى أراد تشخيصها للعشاءين أو لصلاة الليل، فبالثانية.

و حيث إنّ الجدي كوكب محسوس، و وضعه محاذيا لخلف المنكب- الذي فيه مظنّة الأقربيّة إلى مقابلة العين- أمر ميسور فلا ينبغي العدول عنه، فلذا اعتبروا فيه كونه كذلك، لا أنّه لا يجزئ إلّا ذلك.

و أمّا العلامتان الأخريان فتشخيص موضوعهما لدى الحاجة إليهما لا يكون غالبا إلّا على سبيل الحدس و التقريب، فلا يتميّز بهما غالبا إلّا مطلق الجهة التي لا يعتبر لغير المتمكّن من مشاهدة العين حقيقة أو حكما إلّا مقابلتها، فلم يعتبروا فيهما هذا النحو من التدقيقات كبعض العلائم الأخر التي سنشير إليها.

54

و بما ذكرنا ظهر أنّ ما ذكره بعض (1)- من حمل المشرق و المغرب في كلماتهم على الاعتداليّين- لا يخلو من نظر؛ لما أشرنا إليه من أنّ غرضهم- بحسب الظاهر- لم يتعلّق بذكر هذه العلائم إلّا لاستعمالها في موارد الحاجة في البراري و الصحاري و نحوها من الموارد التي يتعذّر فيها غالبا تشخيص الاعتداليّين.

و كيف كان فالأقوى أنّه لا يعتبر للبعيد الغير المتمكّن من العلم باستقبال العين أزيد من تشخيص القبلة بمثل هذه العلائم المورثة للعلم بجهتها بالمعنى الذي عرفته فيما سبق.

و قد ذكر غير واحد لأهل العراق أيضا علائم أخر، كجعل القمر على الحاجب الأيمن ليلة السابع عند الغروب، و إحدى و عشرين عند الفجر، و سهيل عند طلوعه مقابل المنكب الأيسر.

و ذكروا لأهالي سائر الأقاليم علائم أخر مستخرجة من هذه العلائم بعد ملاحظة أوضاع بلادهم، و من غيرها من القواعد المبتنية على علم الهيئة من أرادها فليطلب من أهل خبرته.

و لم يصل إلينا نصّ في هذا الباب لتشخيص قبلة شي من البلدان، عدا بعض الأخبار الواردة في الجدي.

كموثّقة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن القبلة، قال:

«ضع الجدي في قفاك وصلّ» (2).

____________

(1) العاملي في مدارك الأحكام 3: 128.

(2) تقدّم تخريجها في ص 27، الهامش (3).