اتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب و الفضائل‏

- محمد بن عبد الله القلشقندي المزيد...
150 /
3

المقدّمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

(إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)

صدق اللّه العلي العظيم‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

القول بأنّ أهل البيت (عليهم السّلام) قد أثّروا أعمق تأثير في حياة المسلمين في العصور الماضية، قول لا يحتاج إلى بيان و لا مناقشة، إذ يثبتها التاريخ بشهادات مؤكّدة يرويها المؤرّخون و المحدّثون و أصحاب التراجم و السير أيضا.

كما أنّ ما يقال عن تأثير الآباء و الأجداد، يقال نظيره عن تأثير و دور الأبناء و الأحفاد؛ لأنّهم يعدّون امتدادا طبيعيا لأولئك العظام الذين جسّدوا الشريعة السمحة، و مثّلوا المرجعية العلمية و الأخلاقية بأفضل تمثيل.

و هذا السلوك الحضاري الّذي سار عليه الأبناء و الأحفاد ظلّ متداخلا و جامعا بين سماحة الشرع المقدّس، و مكارم الخلق المحمّدي الأصيل، و محامد الأدب العلوي الشريف، بصورة لا ينفكّ أحدها عن الآخرين، ضمن مسير واحد، أفرز عطاءات جمّة، منها ما ساهم في بناء الحضارة الإسلامية، و منها ما شارك في تهيئة المناخات المناسبة لإلهام الأجيال المتعاقبة من الدروس و العبر ما يعينها لمواصلة البناء و التطوير.

و لم يقتصر تأثير أهل بيت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) على جانب واحد من جوانب حياة

6

المسلمين المتعدّدة، و إنّما تجلّى في أكثر من ميدان من ميادين حضارة الإسلام:

الاجتماعية و التربوية و الاقتصادية و الأخلاقية و .. و ..

و بمعونة هذه الآثار الّتي خلّفوها، و المواقف الّتي سجّلوها، استطاع أجيال المسلمين المتلاحقة أن يتجاوزوا محنهم، و يتقدّموا باتجاه مسايرة العالم الآخر، من خلال مواكبة سير الحياة الجديدة القائمة على التقنية الحديثة، و المنهجية المتطورة، فاستلهموا من ثقافتهم الإسلامية الّتي عزّزها أبناء هذا البيت الشريف على مرّ العصور، و استفادوا من تلك التقنيات في توظيف إمكانياتهم من أجل حلّ المشكلات المستحدثة، و القضايا الراهنة، و تقديم الأجوبة المناسبة لها.

أ ليس هذا التحوّل العميق في قضايا المسلمين اليوم، و جوانب التقدّم الّتي أحرزوها على الصعيد العلمي و الثقافي و التربوي و الصحي و .. و .. يعدّ مظهرا من مظاهر التأثّر بالموروثات الأصلية الّتي خلّفها النبيّ الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته المطهّرون الذين لم يعرف عنهم قدح و لا جرح؟

إنّ نظرة شاملة و متقصّية لكلّ توجّهات أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) و مواقفهم الّتي سجّلها لهم التاريخ، و حفظها عنهم أهل التراجم و السير، و أقوالهم و أحاديثهم الّتي تناقلها أرباب الحديث و الأدب الرفيع، توقفنا جميعا على أنّ هذا السلوك بلغ من السموّ و الرفعة ما لم يبلغه غيرهم، و الاحترام و التجليل ما لا يشهده سواهم.

و هذه المنزلة الّتي نزّلهم فيها المسلمون جميعا، لم تكن لو لا وجود عنصرين رآهما فيهم الناس، و هما:

1- الأصالة في العقيدة و الفكر و الإبداع، إذ لم يتحرّكوا في موقع من دون منهجية، و لم يبدوا قناعتهم اعتباطا، و إنّما يصاحبونه بالنظر العميق، و الموضوعية التامة، و العناية بالمصلحة الإسلامية العليا. و كلّ ذلك في ظلّ الورع و التقوى، و الخوف من اللّه سبحانه.

7

و بذلك فقد أسّسوا أشبه بمدرسة همّها الأول تربية الناس على اختلاف مشاربهم، و تخريج كوادر لامعة في حقول الأدب و العلم و المعرفة الإنسانية: النظرية و التطبيقية.

2- النزعة التقريبية في تعاملهم مع الآخرين. فرغم المعاناة الّتي تلقّاها بعضهم، و سوء المعاملة الّتي أبداها بعض السلاطين حيال بعضهم، إلّا أنّهم حافظوا على هدوئهم و تقاربهم مع الناس و لو كانوا على خلاف رأيهم، و إن حدث نقاش و حوار مع أطراف أخرى مالوا نحو أدب الاعتراض القائم على الحوار العلمي و المناقشة الموضوعية، من غير تعصّب و لا عواطف شخصية.

و بذلك جسّدوا بصورة عملية ثقافة التقريب، حيث لم يلتزموا مواقف حادّة تثير التشنّج و الاضطراب في المجتمع الإسلامي، أو القيام بمبادرات من شأنها أن تمزّق وحدة المسلمين، و إضعاف دولة الاسلام الفتية.

لذا دعونا نقول: إنّهم أثبتوا الخطوة الأولى للحركة التقريبية في تاريخ الإسلام.

و لعلّ أوّل شخصية من شخصيات أهل البيت (عليهم السّلام) الّتي قامت بتثبيت هذه الخطوة، و أسّست الانطلاقة الأولى في هذا الدرب، هي السيدة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ابنة النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله).

لقد شهدت الزهراء البتول ظروف الدعوة الإسلامية، و تفاصيل انبعاث الفجر المنير، و شطرا من بناء الدولة الإسلامية الحديثة، لكنّها (عليها السّلام) رغم ما جرى عليها من أمور متميّزة تتعلّق بجوانب من حقوقها، آثرت ترجيح مصلحة الإسلام و الدولة الفتية على مصلحتها الشخصية رغم حاجتها الماسّة إليها، و فزعت إلى جانب الحوار الهادئ و النقاش الموضوعي الصحيح، و لم تبغ ضجّة و لا اضطرابا في المجتمع الجديد، و كانت بمقدورها ذلك و هي سليلة النبيّ الأكرم، العالمة و المفوّهة الناطقة.

فليس غريبا أن يفرد لها أبوها النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) شطرا كبيرا من وقته ليجالسها

8

و يحادثها، و يختصّها بمناقب عظيمة لم و لن تبلغه امرأة في الإسلام.

و ليس عجيبا أن يتهافت المحدّثون و العلماء و أصحاب التراجم و السير إلى تصنيف الكتب الّتي تتحدّث عن فضائلها، و المؤلّفات الّتي تروي شمائلها الرفيعة، و تنقل أحاديث أبيها و هو يمجّدها و يطريها و يدعو لها.

و هذا الكتاب- الماثل بين يديك عزيزنا القارئ- يعدّ إحدى تلك المصنّفات الّتي يعود تاريخها إلى القرن العاشر أو الحادي عشر الهجري، لمؤلّفه محمّد بن محمّد بن عبد اللّه الأكراوي القلقشندي الشافعي (ت 1035 ه) الشهير بالحجازي و بالواعظ، الّتي تحكي عمق العلاقة القائمة بين علماء الأمة و آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، ممّا ساهمت- كغيرها- في إنشاء تيار من الوعي الثقافي و الفكري و الحضاري للأجيال المتعاقبة، و تعزيز للروابط الصادقة و العواطف السامية بين أبناء الأمّة و أهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

فمؤلّف الكتاب أضاف شاهدا آخر على مدى حبّ الأمّة على اختلاف مشاربها و مذاهبها لأهل بيت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) من أبناء عليّ و فاطمة (عليهما السّلام)، و تهافت الجميع: سنّة و شيعة على الالتفات حول بيت نبيّهم حبّا و تجليلا و تقديسا.

و الكتاب و إن روى بعض مناقب و فضائل هذه السيّدة الطاهرة المطهّرة، بضعة النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله)، و بيّن مقامها و وجاهتها عند أبيها رسول الإسلام محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و مكانتها في الإسلام الحنيف، إلّا أنّه يثير فينا الأفكار الّتي تدور حول ضرورة متابعة دراسة حياتها أكثر فأكثر، و استخلاص الدروس و العبر من سلوكياتها الرزنة، و مواقفها الشريفة الّتي سجّلتها إبّان العصر الإسلامي الأوّل، و الدرس «التقريبي» الّذي علّمت أجيال المسلمين و حتّى يومنا الحاضر.

فلا غرابة إذا أن يبدي المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، عبر مركزه العلمي، اهتمامه تجاه هذا الأثر الكريم، و يتعاطى معه بدرجة كبيرة

9

من العناية الخاصّة على مستوى تحقيقه و إخراجه، و طبعه و نشره بما يوائم و ذوق العصر الحديث.

و لقد أبلى حسنا الأخ الفاضل محمّد كاظم الموسوي في توثيق الكتاب و تخريج مروياته في المصادر المعتمدة الأخرى، و قيامه بالتعليق في بعض الموارد الّتي رآها ضرورية، و بالتعاون مع قسم التاريخ و الرجال التابع للمركز العلمي، تمّ إخراجه بهذه الصورة الجميلة، من أجل أن تعمّ فائدته للجميع، و يزيد من تماسك أبناء الأمّة بعضهم البعض، و الالتفاف حول رموز أهل البيت (عليهم السّلام) حبّا و جلالة و تقديسا.

و لا يسعنا هنا إلّا تقديم الشكر و التقدير للمحقّق الفاضل على جهوده الّتي بذلها في هذا الكتاب، و لقسم التاريخ و الرجال التابع للمركز بجميع أفراده الذين قدّموا ما بوسعهم من أجل إخراج الكتاب بأجمل صوره، حتّى يظهر بالشكل الّذي يليق باسمه.

نسأل اللّه تعالى التوفيق للاستمرار بتقديم الأفضل من الأعمال الثقافية الّتي من شأنها تعزيز الوحدة و التحابّ بين المسلمين، و تمتين وشائج الأخوّة بين جميع المسلمين، و الامتثال لأوامر رسولنا الكريم و أهل بيته الطاهرين و أصحابه المنتجبين الذين ساروا على نهجه، و من تابعهم على ذلك، إنّه ولي التوفيق.

مركز التحقيقات و الدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

كلمة المحقّق‏

المؤلّف في سطور

هو محمّد بن محمّد بن عبد اللّه الأكراوي القلقشندي الشافعي، المعروف بمحمّد حجازي الواعظ، فقيه عالم بالتفسير و الحديث، ولد سنة 975 ه في أكرى- من منازل الحج على طريق الحجاز- و سكن قلقشندة (1).

قال عنه المحبّي في خلاصة الأثر: الإمام المحدّث المقرئ، خاتمة العلماء، كان من الأكابر الراسخين في العلم، و اشتهر بالمعارف الإلهية، و بلغ في العلوم الحرفية النهاية القصوى ... له مشايخ كثيرون يبلغون ثلاثمائة شيخ، و عنه أخذ عامة شيوخ المتأخّرين بمصر، ألّف كتبا كثيرة نافعة، منها: شرح الجامع الصغير للسيوطي، و شرح ألفية الحديث، و إتحاف السائل، توفّي بمصر سنة 1035 ه، و دفن عند والده في جامع الشيخ محمّد الفارقاني‏ (2).

____________

(1). قلقشندة: قرية من قرى الوجه البحري من القاهرة، تابعة لمديرية القليوبية، و تعرف أيضا بقرقشندة، بينها و بين القاهرة مقدار ثلاثة فراسخ. خرج منها علماء و فقهاء و مؤرّخون، أشهرهم: الليث بن سعد إمام أهل مصر في الفقه و الحديث، من أصحاب مالك بن أنس. و منهم: شهاب الدين القلقشندي المعروف بابن أبي غدة، صاحب كتاب نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب، و هو أحسن ما ألّف في علم الأنساب، و منهم: أحمد بن علي القلقشندي مؤلّف كتاب صبح الأعشى في الأدب.

(2). خلاصة الأثر 4: 174، و راجع معجم المؤلّفين 9: 177، و إيضاح المكنون 1: 19.

12

نسبة الكتاب للقلقشندي‏

إنّ كلّ من ترجم للأكراوي القلقشندي ذكر له كتاب الإتحاف من بين كتبه و تصانيفه، و نسبه له من دون تردّد، كالمحبّي في «خلاصة الأثر» (1) و عمر رضا كحالة في «معجم المؤلفين» (2). و البغدادي في كتابيه: «إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون» (3) و «هدية العارفين في أسماء المؤلّفين و آثار المصنّفين» (4).

فالجميع نسبوا الكتاب للأكراوي القلقشندي على نحو الجزم و اليقين.

لكن الأستاذ عبد اللطيف عاشور نسب الكتاب في طبعته الأولى إلى العلّامة محمّد بن عبد الرءوف المناوي المتوفّى سنة 1031 ه و المعاصر للقلقشندي.

إلّا أنّا لم نجد أحدا نسب هذا الكتاب للمناوي، و لم يذكره أحد في ضمن تصانيفه و كتبه المذكورة في ترجمته، بل أنّ المحبّي في «خلاصة الأثر» (5) ترجم للمناوي ترجمة وافية مفصّلة، و ذكر جميع مؤلّفاته و تصانيفه على كثرتها، و لم يذكر من بينها هذا الكتاب، بل نسبه للقلقشندي في ترجمته، كما تقدّم.

و كذا فعل البغدادي في «هدية العارفين» فقد ترجم للمناوي و ذكر تصانيفه مفصّلا، و لم يذكر منها كتاب الإتحاف‏ (6).

و قد تنبّه العلّامة المحقّق السيد عبد العزيز الطباطبائي للخطأ الواقع في نسبة الكتاب للمناوي، و قطع بنسبته للقلقشندي‏ (7)، كما هو الصحيح.

و لم يحتمل أحد تعدّد الكتاب، و أنّ كلّا من المناوي و الحجازي ألّف بهذا العنوان،

____________

(1). خلاصة الأثر 4: 174.

(2). معجم المؤلّفين 9: 177.

(3). إيضاح المكنون: 1: 19.

(4). هدية العارفين 2: 274.

(5). خلاصة الأثر 2: 421.

(6). هدية العارفين 1: 510.

(7). أهل البيت في المكتبة العربية: 18.

13

فلم نقف على شاهد في ذلك، و يبعده تطابق النسخ تماما، إلّا في مورد أو موردين، و من البعيد حصول ذلك اتّفاقا، بل هو من المحال.

و أمّا احتمال اتّحاد المناوي مع الحجازي، و هما اسمان مشتركان لرجل واحد، فهذا هو الّذي احتمله الأستاذ عبد اللطيف عاشور، و دعاه لنسبة الكتاب للمناوي؛ لشهرة هذا اللقب دون غيره، و هما لرجل واحد. لكن هذا باطل جزما، فكلّ كتب التراجم تترجم لرجلين، الأول باسم: عبد الرءوف المناوي، و الآخر: عبد اللّه الأكراوي، و بينهما فوارق كثيرة، و اختلاف في سنة الولادة و الوفاة، و محلّ الدفن، و أسماء المصنّفات، و لكلّ منهما خصوصيات أخرى، و من راجع تراجم الرجلين يقطع ببطلان اتّحادهما.

فالصحيح أنّ كتاب «إتحاف السائل» هو للعلّامة محمّد حجازي الأكراوي القلقشندي الشافعي، كما ذكر المحبّي و البغدادي و غيرهم.

منهج التحقيق‏

(الف): اعتمدنا في تحقيقنا لهذه الطبعة على ثلاث نسخ.

1- نسخة مطبوعة حقّقها الأستاذ عبد اللطيف عاشور- و هي الّتي نسبها لعبد الرءوف المناوي- و هي مطابقة للنسخة المصوّرة بدار الكتب المصرية برقم 209، فيلم 27395، و رمزنا لها بحرف (م)- مصر.

2- نسخة مصحّحة صحّح متنها على مصوّرة دار الكتب المصرية و مصوّرة المكتبة الأحمدية بجامع الزيتونة بتونس، رقم الفهرس 1: 455 من مجموعة رقمها 5688، و رمزنا لها بحرف (ز)- زيتونة.

3- نسخة على مصوّرة دار الكتب المصرية، و هي الّتي جعلناها متنا و أصلا في‏

14

هذه الطبعة، و هي مطابقة تماما لنسخة الأستاذ عاشور إلّا في موارد نادرة، و رمزنا لها بحرف (ص)- أصل.

(ب): قابلنا النصّ على النسخ الثلاث المتقدّمة، و نبّهنا في الهامش لموارد الاختلاف بين النسخ.

(ج): خرّجنا الأحاديث و الأقوال من أصولها و مصادرها، و علّقنا على بعض الموارد الّتي نراها بحاجة لذلك.

و الحمد لله ربّ العالمين، و نسأله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، آمين آمين.

15

مقدّمة المؤلّف‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم، و به نستعين‏

الحمد للّه الّذي انقاد كلّ شي‏ء لأمره خاضعا ذليلا، و لم يجعل لخلقه إلى معرفته سبيلا، بل ما خطر في الضمائر، و حاك في الخواطر، ما تراه عليه ممتنعا مستحيلا، كل ما في عالم الإمكان ناطق بتمجيده: (وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (1) كما قال تقدّس‏ (وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) (2).

و أشهد أن لا إله إلّا اللّه، شهادة يكسب قائلها عنده تبجيلا، و يكون نورها لظلام الريب مزيلا، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، الممنوح على جميع العالم تفضيلا، المجموع له من المناقب ما لا يستطيع المصقع‏ (3) له تفصيلا (صلّى اللّه عليه و آله)، و على آله و صحبه الذين أحكموا الشريعة تفريعا و تأصيلا، صلاة و سلاما دائمين بكرة و أصيلا.

و بعد، فقد سألني بعض المتّقين من الأولياء أهل التمكين أن أجمع له ما تيسّر من‏

____________

(1). الإسراء: 44.

(2). النساء: 122.

(3). المصقع: البليغ، يقال: خطيب مصقع، أي خطيب ماهر (تاج العروس 2: 62 و 5: 415).

16

مناقب فاطمة الزهراء رضي اللّه عنها، فأجبته إلى ذلك، معتمدا على فيض الربّ المالك، و سمّيتها «إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب و الفضائل». جعله اللّه خالصا لوجهه الكريم، موجبا للفوز بجنّات النعيم.

و ينحصر المقصود في أبواب:

17

الباب الأوّل في ولادتها، و تسميتها، و محبّته (صلّى اللّه عليه و آله) لها و متعلّقات ذلك‏

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

في ولادتها و تسميتها

في ولادتها

ذكر أبو عمر (1): أنّها ولدت سنة إحدى و أربعين من المولد (2)، و تعقّب بما ذكره ابن إسحاق و غيره: أنّ أولاد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ولدوا قبل النبوّة إلّا إبراهيم‏ (3).

____________

(1). هو ابن عبد البرّ؛ يوسف بن عبد اللّه القرطبي المالكي، من كبار حفّاظ الحديث، صاحب الاستيعاب و التمهيد و الاستذكار، توفّي في مدينة شاطبة بالاندلس سنة 463 ه

(2). الاستيعاب 4: 448، و راجع: ذخائر العقبى: 64، مستدرك الحاكم 3: 187.

(3). سيرة ابن إسحاق: 82، و فيه: «فولدت له قبل أن ينزل عليه الوحي ولده كلّهم».

غير أنّ أغلب العلماء قد ذهب إلى أنّ فاطمة (عليها السّلام) ولدت في الإسلام و بعد المبعث، و أنّ خديجة ولدت أكثر أولاده بعد المبعث، و أنّ أصغرهم فاطمة.

ففي الاستيعاب 4: 380: «قال الزبير: ولد لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) القاسم و هو أكبر ولده، ثمّ زينب، ثمّ عبد اللّه و كان يقال له: الطيّب، و يقال له: الطاهر، ولد بعد النبوّة، ثمّ فاطمة، ثمّ رقية، هكذا الأول فالأول». و مثله عن ابن إسحاق نقله في الاستيعاب 4: 380 قال: «قال مصعب الزبيري: ولد لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) القاسم، و به كان يكنّى، و عبد اللّه و هو الطيّب و الطاهر؛ لأنّه ولد بعد الوحي، و زينب، و أم كلثوم، و رقية، و فاطمة».

و في تاريخ اليعقوبي 2: 20 قال: «و ولدت- خديجة- له قبل أن يبعث: القاسم و رقية و زينب و أم كلثوم، و بعد ما بعث: عبد اللّه و هو الطيّب و الطاهر؛ لأنّه ولد في الإسلام، و فاطمة».

هذا و قال الحافظ ابن حجر: «ولدت فاطمة في الإسلام» (فتح الباري 7: 476). و في مستدرك الحاكم 3: 187 قال: «ولدت سنة إحدى و أربعين من مولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)». و بمثله في ذخائر العقبى لمحبّ الدين الطبري‏

20

و قال ابن إسحاق: ولدت و قريش تبني الكعبة، قال: و بنتها قبل المبعث لسبع سنين و نصف‏ (1).

و قيل: ولدت تمام المبعث. و قيل غير ذلك‏ (2).

كذا نقله الجلال السيوطي عن ابن إسحاق و أقرّه، و فيه بالنسبة لقوله: «قبل المبعث بسبع سنين و نصف» ما فيه، بل لا يكاد يصحّ؛ لأنّ بناء قريش للكعبة،

____________

الشافعي 1: 26.

هذا مع اتّفاقهم على أنّ فاطمة أصغر ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال ابن كثير في السيرة النبوية 4: 607: «ولدت- خديجة- فاطمة و كانت أصغرهم».

و قال الحافظ المزي: «و الّذي تسكن إليه النفس من ذلك، على ما توارثت به الأخبار في ترتيب بنات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنّ الأولى زينب، ثمّ الثانية رقية، ثمّ الثالثة أمّ كلثوم، ثمّ الرابعة فاطمة» (تهذيب الكمال 35: 284).

و قال عبد الرزاق عن ابن جريج: «قال غير واحد: كانت فاطمة أصغر بنات النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أحبّهنّ إليه و قال أبو عمر:

اختلفوا أيّتهنّ أصغر، و الّذي يسكن إليه اليقين: أنّ أكبرهنّ زينب، ثمّ رقية، ثمّ أم كلثوم، ثمّ فاطمة». (الإصابة 4: 377).

و قال الزبير بن بكّار: «الطاهر ولد بعد النبوّة و مات صغيرا، ثمّ أم كلثوم، ثمّ فاطمة». (المعجم الكبير 22: 397 برقم 987). فإذا كانت فاطمة أصغر أولاده (صلّى اللّه عليه و آله) أو أصغر بناته، و قد صرّح الزبيري و غيره كما تقدّم أنّ الطاهر و أم كلثوم قد ولدا في الإسلام، و فاطمة أصغر منهما سنّا، بل هي أصغر أولاده (صلّى اللّه عليه و آله)، فذلك يقتضي أنّها ولدت في الإسلام، و هذا ما يقتضيه التدقيق في عبارات العلماء و الجمع بينها.

(1). لم نعثر عليه في سيرة ابن إسحاق، لكن نقله عنه المزي في تهذيب الكمال 35: 251، و الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 339 برقم 15222، و الطبراني في المعجم 22: 399 برقم 998.

(2). ذهبت الإمامية إلى أنّها ولدت بعد الاسلام، و بالتحديد في السنة الخامسة للبعثة؛ لما روي في الخبر الصحيح عن الباقر (عليه السّلام)، قال حبيب السجستاني: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: «ولدت فاطمة بنت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بعد مبعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بخمس سنين، و توفّيت و لها ثماني عشرة سنة و خمسة و سبعون يوما». راجع الكافي 1: 457 حديث 10، و قال الشيخ الكليني (قدّس سرّه) بعد رواية الخبر: ولدت فاطمة عليها و على بعلها السلام بعد مبعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بخمس سنين.

و كذا قال ابن شهرآشوب في المناقب 4: 132، و الطبرسي في تاج المواليد: 21، و الأربلي في كشف الغمة 2: 76، و المجلسي في البحار 43: 7، و ابن جرير الطبري في دلائل الإمامة: 79، و ابن الخشّاب في تاريخ مواليد الائمة: 9.

21

و وضعه (صلّى اللّه عليه و آله) الحجر في محلّه، كان سنة خمس و ثلاثين من مولده‏ (1) (صلّى اللّه عليه و آله)، و بعث على رأس الأربعين، فمولدها قبل الإرسال بنحو خمس سنين، كما ذكره ابن الجوزي‏ (2) و غيره، ذاك أيام بناء البيت، و جزم به المدائني‏ (3).

بم سمّاها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و ما سرّ هذه التسمية

و سمّاها فاطمة بإلهام من اللّه تعالى، لأنّ اللّه فطمها عن النار. فقد روى الديلمي عن أبي هريرة، و الحاكم عن عليّ أنّه (عليه السّلام) قال:

«إنّما سمّيت فاطمة لأنّ اللّه فطمها و محبّيها عن النار» (4)

و اشتقاقها من الفطم و هو القطع، كما قال ابن دريد، و منه: فطم الصبيّ، إذا قطع عنه اللبن، و يقال: لأفطمنّك عن كذا: أي لأمنعنّك‏ (5).

لم سمّيت بالزهراء

و سمّيت بالزهراء؛ لأنّها زهرة (6) المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1). و هذا هو المنقول عن ابن إسحاق أيضا، قال: «بناء الكعبة و وضع الحجر كان سنة خمس و ثلاثين من مولده (صلّى اللّه عليه و آله)». (سيرة ابن إسحاق: 109). و بمثله نقل الذهبي في تاريخ الإسلام: 66 عنه.

(2). صفوة الصفوة 1: 63، المنتظم 2: 320 حوادث سنة خمسة و ثلاثين.

(3). انظر الإصابة 4: 377، و المدائني: هو شيابة بن سوار؛ أبو عمر المدائني، قال أبو حاتم: «صدوق يكتب حديثه و لا يحتجّ به» (تهذيب الكمال 12: 348).

(4). فردوس الأخبار 1: 426 برقم 1395 من حديث جابر. و رواه في كنز العمّال 12: 109 برقم 34227 من حديث أبي هريرة، و برقم 34226 من حديث ابن عباس، و في تاريخ بغداد 12: 331 برقم 6772، و في فيض القدير 1: 168، و في ذخائر العقبى: 65.

و أورده القندوزي في ينابيع المودّة 2: 121 برقم 354 من حديث جابر، و قال: «أخرجه الحافظ الغساني»، و في: 320 برقم 924 من حديث علي (عليه السّلام)، و كذا في: 444 برقم 223، و في: 450 برقم 242 ناقلا له من الصواعق المحرقة. و كذا رواه الشبلنجي في نور الأبصار: 52، و الصدوق في علل الشرائع: 211 باب: العلّة الّتي من أجلها سمّيت فاطمة فاطمة.

(5). جمهرة اللغة 2: 920.

(6). الأزهر: النيّر، و يسمّى القمر: الأزهر، قال ابن السكّيت: الأزهران: الشمس و القمر، و رجل أزهر:

22

لم لقّبت بالبتول‏

و لقّبت بالبتول؛ لأنّه لا شهوة لها للرجال، أو لأنّه تعالى قطعها عن النساء حسنا و فضلا و شرفا، أو لانقطاعها إلى اللّه‏ (1).

بم كنّيت‏

و كنّيت بأم أبيها، كما أخرجه الطبراني عن ابن المدائني‏ (2).

____________

أي أبيض مشرق اللون، و المرأة زهراء. (الصحاح 2: 674).

و قال الطريحي: «و الزهراء فاطمة بنت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، سمّيت بذلك لأنّها إذا قامت في محرابها زهر نورها إلى السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض، و روي: أنّها سمّيت الزهراء لأنّ اللّه خلقها من نور عظمته.

(مجمع البحرين 3: 321). و لاحظ أيضا علل الشرائع 1: 179 باب: 143 العلّة الّتي من أجلها سمّيت فاطمة الزهراء زهراء.

(1). قال في لسان العرب 1: 160: «و أصل البتل: القطع، و سئل أحمد بن يحيى عن فاطمة (رضوان اللّه عليها) بنت- سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم قيل لها البتول؟ فقال: لانقطاعها عن نساء أهل زمانها و نساء الأمة عفافا و فضلا، و دينا و حسبا. و قيل: لانقطاعها عن الدنيا إلى اللّه عزّ و جلّ». و مثله في النهاية في غريب الحديث 1: 94، و تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي 6: 203.

و قال ثعلب: «و سمّيت فاطمة البتول؛ لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا و دينا و حسبا». (غريب الحديث لابن الجوزي 1: 54). و قال الخطابي في الغريب: فأمّا فاطمة فإنّما قيل لها: بتول؛ لأنّها منقطعة القرين نبلا و شرفا.

(الغريب 2: 330). و قال عبيد الهروي: «سمّيت فاطمة بتولا لأنّها بتلت عن النظير». (بحار الأنوار 43: 16).

و قد ورد من طرق الإمامية: أنّ معنى البتول: هي الّتي لم تر ما تراه النساء من الدم، كما عن عليّ (عليه السّلام): أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) سئل ما البتول، فإنّا سمعناك يا رسول اللّه تقول: إنّ مريم بتول، و فاطمة بتول؟ فقال: «البتول الّتي لم تر حمرة قطّ» أي الّتي لم تحض، فإنّ الحيض مكروه في بنات الأنبياء. (بحار الأنوار 43: 15 عن معاني الأخبار).

و مثله في علل الشرائع: 144 «العلّة الّتي من أجلها سمّيت فاطمة (عليها السّلام) البتول»، و تاج المواليد: 20، و كشف الغمة 2: 92.

و في الفتاوى الظهيرية: «أنّ فاطمة لم تحض قطّ، و لمّا ولدت طهرت من نفاسها بعد ساعة لئلّا تفوتها صلاة، و لذلك سمّيت الزهراء» (فيض القدير 4: 422 شرح حديث رقم 5835).

(2). المعجم الكبير 22: 397 برقم 988، و مثله عن مصعب الزبيري برقم 985، و راجع مجمع الزوائد 9: 339 برقم‏

23

بطلان بعض الروايات الخاصّة بالتسمية

و أمّا ما رواه الخطيب البغدادي من: «أنّ جبريل ليلة الإسراء ناول المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) تفاحة فأكلها، فصارت نطفة في صلبه، فحملت منه بفاطمة، و أنّه كلّما اشتاق إلى الجنّة قبّلها» (1)

فقال الذهبي كابن الجوزي: موضوع‏ (2). و أقرّه الجلال السيوطي فيما تعقّبه على ابن الجوزي، و لم يعترضه‏ (3).

و قال الحافظ ابن حجر: هذا من وضع محمّد بن خليل، فإنّ فاطمة ولدت قبل الإسراء بمدّة (4)، بل قبل النبوّة اتّفاقا (5).

و كذا ما قاله الحاكم في مستدركه، عن سعد بن أبي وقّاص مرفوعا:

«أتاني جبريل بسفرجلة من الجنّة، فأكلتها ليلة أسري بي، فعلقت‏

____________

15225، و تهذيب الكمال 35: 247. و في مقاتل الطالبيّين: 29 بإسناده جعفر بن محمّد: «أنّ فاطمة (عليها السّلام) تكنّى أم أبيها». و في أسد الغابة 5: 520: «و كانت فاطمة تكنّى أم أبيها، و كانت أحبّ الناس إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)». و في كتاب السيّدة الزهراء: 108 لمحمّد بيومي قال: «كان سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يلقّبها بأم أبيها؛ لحنانها عليه و حبّها الدائم».

(1). تاريخ بغداد 5: 87.

(2). ميزان الاعتدال 3: 540، الموضوعات 1: 413. و ذكر ابن الجوزي: أنّ الدار قطني خرّج الحديث من طريقين، و لم يتكلّم فيه.

(3). اللآلي المصنوعة 1: 393.

(4). لسان الميزان 5: 20 و عبارة ابن حجر تدلّ على أنّ فاطمة (عليها السّلام) ولدت بعد البعثة، في فتح الباري 7: 476: أنّها ولدت في الإسلام.

(5). و عبارة «بل قبل النبوّة اتّفاقا» ليست من كلام ابن حجر، و هي للمصنّف. و دعوى الاتّفاق على كون ولادتها (عليها السّلام) قبل النبوّة تفتقر إلى الدقّة، إذ أنّ الكثير من الأعلام قد ذهبوا للقول بأنّ ولادتها كانت بعد البعثة؛ كابن عبد البرّ، و ابن حجر، و مصعب الزبيري، و ابن جريج، و محمّد بن علي المديني، و اليعقوبي، و غيرهم. مضافا إلى ما دلّ على أنّها أصغر أولاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- كما تقدّم- بعد الاتّفاق على أنّ ولادة القاسم كانت في الاسلام، و كذا أم كلثوم.

24

خديجة بفاطمة، فإذا اشتقت إلى رائحة الجنّة شممت رقبة فاطمة» (1)

ما ذاك إلّا لأنّ فاطمة ولدت قبل الوحي إجماعا، فهو قطعي البطلان‏ (2).

____________

(1). مستدرك الحاكم 3: 169 برقم 4738، و راجع كنز العمّال 12: 109 برقم 34228.

و بهذا المعنى روى الطبراني في المعجم الكبير 22: 400 برقم 1000، و الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 326 برقم 15197 و قال: «رواه الطبراني، و فيه أبو قتادة الحرّاني، وثّقه أحمد و قال: كان يتحرّى الصدق، و أنكر على من نسبه للكذب».

(2). دعوى الإجماع غير صحيحة، إذ لا إجماع حاصل في البين، و ذلك لمخالفة كثير من أعلام تراجم الرجال و المؤرّخين فقد ذهبوا للقول بأنّ ولادتها (عليها السّلام) كانت بعد البعثة؛ كابن عبد البرّ و ابن حجر و مصعب الزبيري و اليعقوبي و الحاكم النيسابوري و محبّ الدين الطبري، و ظاهر عبارة المزي و المديني و ابن جريج أيضا، و قد تقدّم كلّ ذلك.

هذا مع أنّ الخبر روي بطرق أخرى و بألفاظ متعدّدة، و لم ينحصر طريقه بمحمّد بن زكريا، خصوصا ما رواه الطبراني، فليس في سنده من يتكلّم فيه إلّا أبو قتادة الحرّاني، و قد وثّقه أحمد كما تقدّم عن مجمع الزوائد 9:

326 برقم 15197، يضاف إليه الأخبار الكثيرة المروية من طرق الإمامية، مثل الصحيح المروي في الكافي 1:

457 عن الباقر (عليه السّلام) «إنّما ولدت بعد المبعث بخمس سنين» و أهل البيت أدرى بالّذي فيه.

25

منزلتها و محبّته (صلّى اللّه عليه و آله) لها و متعلّقات ذلك‏

فصل‏

و كانت فاطمة أحبّ أولاده و أحظاهنّ عنده، بل أحبّ الناس إليه مطلقا، و روى الترمذي عن بريدة و عائشة، قالت:

«ما رأيت أحدا أشبه سمتا و دلّا و هديا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من فاطمة في قيامها و قعودها، و كانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبّلها و أجلسها في مجلسه» (1).

و زاد أبو داود في روايته: و كان يمصّ لسانها (2).

روى الطبري في الأوسط عن أبي هريرة:

«أنّ عليا قال: أيّما أحبّ إليك: أنا أم فاطمة؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): فاطمة أحبّ إليّ منك، و أنت أعزّ عليّ منها، و كأنّي بك و أنت على حوضي تذود عنه الناس، و أنّ عليه لأباريق مثل عدد نجوم السماء، و إنّي و أنت‏

____________

(1). الجامع الصحيح 5: 700 برقم 3872. و رواه الحاكم في المستدرك 3: 167 برقم 4732 باختلاف يسير و قال:

صحيح على شرط الشيخين، و لم يخرّجاه. و قال الذهبي في التلخيص: صحيح.

(2). نقل أبو داود الرواية في السنن برقم 5217 من دون هذه الزيادة.

26

و الحسن و الحسين و عقيل و جعفر في الجنّة إخوانا على سرر متقابلين (أنت معي و شيعتك في الجنّة) ثمّ قرأ (صلّى اللّه عليه و آله) (إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه» انتهى‏ (1).

هل بين الأحاديث تعارض، و كيف نوفّق بينها لو كان‏

و لا ينافي ذلك قوله في حديث آخر: «أحبّ النساء إليّ عائشة» (2)، لأنّ المراد بالنساء زوجاته الموجودات عند قوله ذلك‏ (3).

و على فرض خلافه، فهو على معنى «من» (4).

____________

(1). المعجم الأوسط 8: 330 برقم 7671، و راجع كنز العمّال 12: 109 برقم 34225. و رواه أيضا في سنن النسائي 5: 150 برقم 8531، و كفاية الطالب: 308 الباب 83، و البيان و التعريف 3: 42 و قال: أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة.

(2). رواه السيوطي في الجامع الصغير 1: 37 برقم 205 عن أنس، و مثله في سير أعلام النبلاء 2: 147 عن عمرو بن العاص.

(3). قال المناوي: «أحبّ الناس إليّ من حلائلي الموجودين بالمدينة آنذاك عائشة، على وزان خبر ابن الزبير:

أوّل مولود في الإسلام، يعني بالمدينة، و إلّا فمحبّة المصطفى لخديجة معروفة، شهدت بها الأخبار الصحاح، ذكره الزين العراقي، و أصله قول الكشّاف، يقال في الرجل: أعلم الناس و أفضلهم، يراد به من في وقته» (فيض القدير 1: 168).

(4). أي: أنّ الإضافة تكون بمعنى (من)، أي: من زوجاته، فتكون عائشة أحبّ أزواج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إليه، من دون تقييد بزمن الخطاب.

و هذا الفرض لا تساعده الروايات الصحيحة الناطقة بفضل خديجة على جميع نساء الأمة عدا فاطمة (عليها السّلام)، و أنّها أحبّ أزواجه إليه، على ما ذكره علماء أهل السنّة فضلا عن الشيعة:

أ- قال الذهبي: «نعم، جزمت بأفضلية خديجة عليها (عائشة) لأمور». (سير أعلام النبلاء 2: 140).

و قال أيضا: «و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يثني عليها، و يفضّلها على سائر أمّهات المؤمنين، و يبالغ في تعظيمها، بحيث أنّ عائشة كانت تقول: ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة! من كثرة ذكر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لها». (سير أعلام النبلاء 2: 11).

ب- قال ابن العربي: «إنّه لا خلاف في أنّ خديجة أفضل من عائشة». (فتح الباري 7: 519).

27

____________

ج- كلام المناوي المتقدّم آنفا، و خصوصا قوله: «و إلّا فمحبّة المصطفى لخديجة معروفة، شهدت بها الأخبار الصحاح». (فيض القدير 1: 168).

د- قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لعائشة: «ما أبدلني اللّه خيرا منها، لقد آمنت بي حين كفر الناس، و أشركتني في مالها حين حرمني الناس، و رزقني اللّه ولدها و حرمني ولد غيرها». رواه في سير أعلام النبلاء 2: 117 و فتح الباري 7: 515. فقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «ما أبدلني خيرا منها» صريح في أنّها خير و أفضل زوجاته، و إلّا لا يكون معنى للنفي في قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «ما أبدلني».

ه- قول ابن حجر: «و قد أخرج النسائي بإسناد صحيح، و أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا: «أفضل نساء أهل الجنّة: خديجة و فاطمة و مريم و آسية» قال ابن حجر: و هذا نصّ صريح لا يحتمل التأويل.

(فتح الباري 7: 514).

و قال في موضع آخر: «و لم يتزوّج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على خديجة حتّى ماتت، و هذا ممّا لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، و فيه دليل على عظم قدرها عنده، و على مزيد فضلها؛ لأنّها أغنته عن غيرها». (فتح الباري 7: 517).

و- قال السبكي الكبير: «الّذي لدين اللّه: أنّ فاطمة أفضل ثمّ خديجة». (فتح الباري 7: 519).

ز- قال المناوي: «روى البزّار و الطبراني عن عمّار بن ياسر: «لقد فضّلت خديجة على نساء أمتي كما فضّلت مريم على نساء العالمين» قال: و هو حديث حسن الإسناد». (فيض القدير 3: 432 و قال: لا جرم كانت أفضل نسائه على الأرجح. و أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 358 برقم 15270).

ح- قال السهيلي: «إنّ خديجة أفضل من عائشة؛ لأنّ عائشة سلّم عليها جبريل من قبل نفسه، و خديجة أبلغها السلام من ربّها». (فتح الباري 7: 519).

ط- قال القرطبي في التفسير: «و روي من طرق صحيحة أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال فيما رواه عنه أبو هريرة: «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، و آسية، و خديجة بنت خويلد، و فاطمة بنت محمّد» (جامع أحكام القرآن 4: 82).

ي- أنّ خديجة ورد اسمها في حديث «أفضل نساء أهل الجنّة: خديجة، و فاطمة، و مريم، و آسية» و حديث «خير نساء العالمين أربع» و «سيّدات نساء أهل الجنّة» و «حسبك من نساء العالمين أربع» و سيأتي تفصيل ذلك في الباب الثالث. و هذا ظاهر في الحصر، بل يوجبه تكرار الحديث بصيغ مختلفة، و روايته بطرق متعدّدة، فتكون الأربع أفضل نساء العالمين، و منهنّ خديجة، فهي أفضل من جميع أزواجه.

هذا فضلا عن أنّ حديث «أحبّ النساء إليّ عائشة» في بعض طرقه خالد الحذّاء، و قد أورده العقيلي في الضعفاء 2: 4 برقم 402 و قال: ضعّف ابن علية أمره. و نقل الذهبي في المغني في الضعفاء 1: 206 فقال: و كان أبو حاتم يقول: لا احتجّ بحديثه. و ذمّه ابن معين في التاريخ 1: 105 برقم 597.

و في بعض طرقه الأخرى: قيس بن أبي حازم، ذكر الذهبي عن علي ابن المديني: أنّ قيس لا يعمل عليه، إنّما

28

ففاطمة لها الأحبية المطلقة (1).

سيدة نساء هذه الأمة

و عن أبي هريرة: أنّه (عليه السّلام) قال:

«إنّ ملكا من السماء لم يكن زارني، فاستأذن اللّه في زيارتي، فبشّرني- أو قال: أخبرني-: أنّ فاطمة سيدة نساء أمتي».

رواه الطبراني‏ (2)، و رجاله رجال الصحيح، غير محمّد بن مروان الذهلي، و قد وثّقه ابن حبّان‏ (3).

____________

كان أعرابيا بوّالا على عقبيه. و كان يحيى بن معين يقول عنه: منكر الحديث (سير أعلام النبلاء 11: 53).

و روى وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أنّه قال: أتيت عليا ليكلّم لي عثمان في حاجة فأبى، فأبغضته!! و في رواية أخرى يقول: فدخل بغضه في قلبي. (شرح النهج 4: 101). و قد اتّفقت الأخبار الصحيحة عند المحدّثين أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعلي: «لا يحبّك إلّا مؤمن، و لا يبغضك إلّا منافق» (شرح السنّة 8: 86 برقم 3907 و قال: حديث صحيح أخرجه مسلم، برقم 3908 و قال: صحيح، و في مجمع الزوائد 9: 180 بطريقين).

(1). أي: على كلا التقديرين، سواء أريد من الحديث زوجاته زمن الخطاب أو زوجاته مطلقا، تكون أفضلية عائشة بالقياس للزوجات فقط، عدا خديجة. و أمّا فاطمة فهي أحبّ لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مطلقا. و الى ذلك أشار ابن حبّان قال: «إنّ أفضلية عائشة مقيّدة بنساء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى لا يدخل فيها مثل فاطمة (عليها السّلام)؛ جمعا بين هذا الحديث و بين حديث: أفضل نساء أهل الجنّة: خديجة و فاطمة» (فتح الباري 7: 514).

و في شرح الزرقاني على المواهب اللدنية قال: «الزهراء البتول أفضل نساء الدنيا حتّى مريم، كما اختاره المقريزي و الزركشي و القطب الخيضري و السيوطي في كتابيه- شرح النقابة و شرح جمع الجوامع- بالأدلّة الواضحة الّتي منها: أنّ هذه الأمة أفضل من غيرها». (شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 2: 357).

و قال أبو بكر ابن داود: «لا أعدل ببضعة رسول اللّه أحدا». (سبل الهدى 10: 328).

(2). المعجم الكبير 22: 403 برقم 1006، و رواه المزي في تهذيب الكمال 26: 391 و اعتبر سنده عاليا جدا، و الحاكم في المستدرك 3: 164 رقم 4722 من حديث حذيفة بلفظ «فبشّرني أنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة»، و مثله في دلائل النبوّة للبيهقي 7: 78، و مجمع الزوائد 9: 324 برقم 15191، و كنز العمّال 13: 675 برقم 37728، و المطالب العالية 4: 67 برقم 3978 و رواه النسائي في السنن 5: 95 برقم 8365 و 5: 146 برقم 8515.

(3). الثقات 7: 409. و قال المزي في تهذيب الكمال 26: 391 برقم 5596: «روى له النسائي، و قد وقع‏

29

أحبّ الأهل‏

و عن أسامة بن زيد: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

«أحبّ أهلي إليّ فاطمة».

رواه أبو داود الطيالسي و الطبراني في الكبير و الحاكم و الترمذي‏ (1) [و حسّنه، و البغوي في معجمه‏] (2).

شهادة عائشة لها

و عن عائشة رضي اللّه عنها أنّها قالت:

«ما رأيت أفضل من فاطمة غير أبيها. قالت- و كان بينهما شي‏ء-: يا رسول اللّه، سلها فإنّها لا تكذب».

رواه الطبراني في الأوسط، و أبو يعلى، لكنّها قالت: ما رأيت أحدا قطّ أصدق من فاطمة. و رجاله رجال الصحيح‏ (3).

____________

لنا حديثه عاليا جدا». و قال ابن حجر في التقريب 2: 215: «محمّد بن مهران الذهلي؛ أبو جعفر الكوفي، مقبول».

(1). المعجم الكبير 22: 403 برقم 1007، و عنه كنز العمال 12: 108 برقم 34218، المستدرك على الصحيحين 2: 452 برقم 3652، و رواه المناوي في فيض القدير 1: 168 و قال: «حسّنه الترمذي و صحّحه الحاكم، و رواه عنه الطيالسي و الطبراني و الديلمي و غيرهم»، و السيوطي في الجامع الصغير 1: 37 برقم 203.

و في نظم المتناثر في الحديث المتواتر: 207 برقم 234 قال: «الحقّ أنّ فاطمة لها الأحبية المطلقة، ثبت ذلك في عدّة أحاديث، أفاد مجموعها التواتر المعنوي، و ما عداها فعلى من أو اختلاف الجهة. و قد أخرج الترمذي و صحّحه و الطيالسي و الطبراني و الديلمي و غيرهم عن أسامة بن زيد مرفوعا: «أحبّ أهلي إليّ فاطمة» قال في التفسير: إسناده صحيح» انتهى.

و رواه القندوزي في ينابيع المودة 2: 70 برقم 5 ناقلا له عن كنوز الحقائق للمناوي و 2: 479 برقم 343 أخرجه عن الترمذي و الحاكم عن أسامة بن زيد. و مثله في مسند البزّار 7: 71 برقم 2620.

(2). ما بين المعقوفتين زيادة في نسخة (ز).

(3). المعجم الأوسط 3: 348 برقم 2742، مسند أبي يعلى 8: 153 برقم 2700. و رواه الهيثمي في مجمع الزوائد

30

منزلتها هي و زوجها عند الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)

و عن النعمان بن بشير:

استأذن أبو بكر على المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) فسمع عائشة عاليا و هي تقول:

و اللّه لقد عرفت أنّ فاطمة و عليا أحبّ إليك منّي و من أبي، مرّتين أو ثلاثا، فاستأذن أبو بكر فأهوى عليها، فقال: يا بنت فلان، ألا سمعتك ترفعين صوتك على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

رواه الإمام أحمد، و رجاله رجال الصحيح‏ (1).

أيّهما الأحبّ و أيّهما الأعزّ

و عن ابن عباس:

دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على عليّ و فاطمة و هما يضحكان، فلمّا رأياه سكتا، فقال لهما النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): ما لكما كنتما تضحكان، فلمّا رأيتماني سكتّما؟ فبادرت فاطمة فقالت: بأبي أنت يا رسول اللّه، قال هذا ...

قال: أنا أحبّ إلى رسول اللّه منك، فقلت: بل أنا أحبّ إليه منك، فتبسّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: يا بنيّة، لك رقّة الولد، و علي أعزّ عليّ منك.

رواه الطبراني بإسناد صحيح‏ (2).

____________

9: 325 برقم 15193، و ابن حجر في المطالب العالية 4: 70 برقم 3986.

(1). مسند أحمد 4: 275، و راجع مجمع الزوائد 9: 325 برقم 15194. و رواه النسائي في السنن الكبرى 5: 139 برقم 8495/ 7، و أبو داود في السنن: 755 برقم 4999 و فيه: «تناولها ليلطمها». و في السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين: 74: «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يبعث إلى أبي بكر يشكوه و يقول: إنّ هذه من أمرها كذا و من أمرها كذا، حتّى كسر أبو بكر أنفها و أدماه، و كانت تقول لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اتّق اللّه و لا تقل إلّا حقّا!!».

(2). المعجم الكبير 11: 55 برقم 11063، و راجع مجمع الزوائد 9: 325 برقم 15195 و قال: رجاله رجال الصحيح.

31

نجاتها هي و ولدها

و عن ابن عباس: أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لفاطمة:

«إنّ اللّه غير معذّبك و لا ولدك بالنار» (1).

و عن عليّ أنّه كان عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال:

أيّ شي‏ء خير للمرأة؟ فسكتوا، فلمّا رجع قال لفاطمة: أيّ شي‏ء خير للنساء؟ قالت: لا يراهنّ الرجال. فذكر ذلك للمصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: إنّما فاطمة بضعة منّي.

رواه البزّار (2). و فيه دليل على فرط ذكائها، و كمال فطنتها، و قوّة فهمها، و عجيب إدراكها.

____________

(1). المعجم الكبير 11: 210 برقم 11685، مجمع الزوائد 9: 326 برقم 15198، كنز العمّال 12: 110 برقم 34236، نور الأبصار: 52 و قال: أخرجه الطبراني بسند رجاله ثقات.

(2). مجمع الزوائد 9: 327 برقم 15200، و في كشف الأستار عن زوائد البزّار 3: 235 برقم 2653 من حديث سعيد ابن المسيب عن علي (عليه السّلام).

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

الباب الثاني في تزويجها بعلي (عليه السّلام) و جهازها و متعلّقات ذلك‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

في تزويجها بعلي (عليه السّلام) و جهازها

زواج الطاهرة و تزويجها بعلي (عليه السّلام)

لمّا شبّت فاطمة و ترعرعت، و بلغت من العمر خمس عشرة سنة، و قيل: ستة عشرة سنة، و قيل: ثماني عشرة سنة، [و قيل: عشرين‏] (1)، و قيل: إحدى و عشرين، تزوّجها علي (عليه السّلام) و عمره إحدى و عشرين سنة، و قيل غير ذلك، في رمضان من السنة الثانية من الهجرة (2).

قال الليث: بعد وقعة بدر (3). و قيل: في رجب منها، و قيل: في صفر (4). و قيل بعد وقعة أحد (5).

____________

(1). ما بين المعقوفتين زيادة في نسخة (ز).

(2). و هذا هو القول المشهور عند الإمامية، قال المجلسي: «تزوّج في شهر رمضان، و بنى بها في ذي الحجّة من السنة الثانية للهجرة». (بحار الأنوار 43: 136 و نقله عن الذرّية الطاهرة للدولابي). و في الصحيح من السيرة 5: 269 قال: «هذا هو المعتمد و المشهور، و الصحيح أنّ عمرها حين زواجها كان تسع سنين». و هناك أقوال أخر ذكرها المجلسي في الباب الخامس بعنوان (تزويجها (عليها السّلام)) في المجلّد 43، و كذلك في الصحيح من السيرة المجلّد الخامس.

(3). سير أعلام النبلاء 2: 119، الإصابة 4: 377.

(4). ذكرهما في المنتظم 3: 85 و قال: «و الأول (رجب) أصحّ».

(5). الاستيعاب 4: 448، أسد الغابة 7: 216، تهذيب الكمال 35: 247.

36

و بنى بها بعد العقد بنحو أربعة أشهر، و قيل: ستة أشهر، و لم يتزوّج قبلها و لا عليها.

قال الليث: فولدت له حسنا و حسينا، و محسنا و مات صغيرا، و أم كلثوم الكبرى الّتي تزوّجها عمر، فولدت له زيدا و رقية، و لم يعقّبا، و تزوّجت بعد عمر عوف بن جعفر، ثمّ بأخيه محمّد، ثمّ بأخيهما عبد اللّه، و لم تلد إلّا للثاني، فولدت له ابنة صغيرة.

و ولدت فاطمة الزهراء أيضا زينب الكبرى، تزوّجها عبد اللّه بن جعفر، فولدت له عدّة أولاد: فاطمة و لها العقب، فعقب ابن جعفر انتشر من فاطمة و أم كلثوم، ابنتي زينب ابنة فاطمة.

و يقال: لكلّ من ينسب إلى هؤلاء جعفري، و لا ريب أنّ لهم شرفا، لكنّهم لا يوازون‏ (1) شرف المنسوبين للحسنين، و لهذا يوصف‏ (2) العباسيون بالشرف، مع أنّ الأشرفية المطلقة لعقب الحسنين فقط؛ لاختصاص ذريّتهما بشرف النسبة. و عرف مصر أنّ الأشراف لقب لكلّ حسني خاصّة.

تزويجها بأمر اللّه تعالى‏

و كان تزويج المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة لعلي (عليه السّلام) بأمر اللّه تعالى‏ (3).

____________

(1). في نسخة (ز): لا يحاذون.

(2). في نسخة (ز): ترضّى.

(3). عن أنس قال: «كنت قاعدا عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فغشيه الوحي، فلمّا سري عنه قال: أ تدري يا أنس ما جاء به جبريل من عند صاحب العرش؟ قلت: بأبي و أمي، و ما جاء به جبريل من عند صاحب العرش؟ قال: إنّ اللّه أمرني أن أزوّج فاطمة من علي» رواه في كنز العمّال 13: 683 برقم 37753 و 11: 606 برقم 32929 و قال:

«رواه الخطيب و ابن عساكر عن أنس»، نور الأبصار: 52، كفاية الطالب: 297 في الباب 78 و قال: هذا حديث حسن عال، رواه ابن سويدة».

37

فعن ابن مسعود أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

«إنّ اللّه تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة من علي».

رواه الطبراني، و رجاله ثقات‏ (1).

و عن أنس قال:

جاء أبو بكر إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقعد بين يديه، فقال: يا رسول اللّه، قد علمت مناصحتي و قدمي في الإسلام و إنّي .. قال: و ما ذاك؟ قال تزوّجني فاطمة؟ فأعرض عنه. فرجع أبو بكر إلى عمر، فقال: إنّه ينتظر أمر اللّه فيها، ثمّ فعل عمر ذلك، فأعرض عنه، فرجع إلى أبي بكر، فقال: إنّه ينتظر أمر اللّه فيها، انطلق بنا إلى علي نأمره أن يطلب مثل ما طلبنا.

قال علي: فأتياني، فقالا: بنت عمك تخطب، فنبّهاني لأمر، فقمت أجرّ ردائي، طرفه على عاتقي و طرفه الآخر في الأرض حتّى انتهيت إليه، فقعدت بين يديه فقلت: قد علمت قدمي في الإسلام و مناصحتي،

____________

و قال المحبّ الطبري في ذخائر العقبى: 69: «تزويجها بأمر من اللّه و وحي منه»، و في تاريخ اليعقوبي 2: 41:

«قوله (صلّى اللّه عليه و آله): ما أنا زوّجته، و لكنّ اللّه زوّجه». و رواه في سبل الهدى و الرشاد 11: 38 و قال: «رواه الطبراني برجال ثقات عن عبد اللّه بن مسعود»، و مجمع الزوائد 9: 330 برقم 15208.

و من طرق الإمامية عن ابن عباس عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعلي: «يا علي، إنّ اللّه عزّ و جلّ زوّجك فاطمة». (بحار الأنوار 43: 145 حديث 49). و عن الرضا عن آبائه (عليهم السّلام): قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «ما زوّجت فاطمة إلّا بعد ما أمرني اللّه عزّ و جلّ بتزويجها». (بحار 43: 104 برقم 16).

و نقل من كتاب ابن مردويه قال ابن سيرين: قال أبو عبيدة: أنّ عمر بن الخطاب ذكر عليا فقال: «ذا صهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، نزل جبريل على رسول اللّه فقال: إنّ اللّه يأمرك أن تزوّج فاطمة من علي». (بحار الأنوار 43: 111 برقم 24، و مثله في ذخائر العقبى: 71).

و في حديث خبّاب بن الأرتّ قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «زوّجت فاطمة ابنتي منك بأمر اللّه تعالى». (بحار الأنوار 43: 113)، و يذكر أنّ أكثر روايات الباب تدلّ على أنّ زواجها من أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان بأمر من اللّه تعالى.

(1). المعجم الكبير 10: 156 برقم 10305، و راجع مجمع الزوائد 9: 330 برقم 15208.

38

و إنّي ... و إنّي ... قال: و ما ذاك؟ قلت: تزوّجني فاطمة؟ قال: و ما عندك؟ قلت: فرسي و بدني- يعني درعي- قال: أمّا فرسك فلا بدّ بك منه، و أمّا بدنك فبعها.

فبعتها بأربعمائة و ثمانين درهما، فأتيته بها فوضعها في حجره، فقبض منها قبضة فقال: يا بلال، أبتع‏ (1) طيبا، و أمرهم أن يجهّزوها، فجعل لها سريرا مشروطا بالشريط، و وسادة من أدم حشوها ليف، و ملأ البيت كثيبا- يعني رملا- و قال: إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتّى آتيك.

فجاءت مع أم أيمن فقعدت في جانب البيت، و أنا في الجانب الآخر، فجاء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: هاهنا أخي؟ قالت أم أيمن: أخوك و قد زوّجته ابنتك؟! قال: نعم.

فقال لفاطمة: آتني بماء، فقامت إلى قعب في البيت فجعلت فيه ماء فأتته به، فمجّ فيه ثمّ قال: قومي، فنضح بين يديها (2) و على رأسها، و قال: اللّهم إنّي أعيذها بك و ذرّيتها من الشيطان الرجيم.

ثمّ قال: آتني بماء، فعلمت الّذي يريده، فملأت القعب فأتيته به، فأخذ منه بفيه، ثمّ مجّه فيه، ثمّ صبّ على رأس عليّ و بين قدميه، و قال:

اللّهم إنّي أعيذه بك و ذرّيته من الشيطان الرجيم، ثمّ قال: ادخل على أهلك باسم اللّه و البركة.

رواه الطبراني، و فيه: محسن الأسلمي، ضعيف‏ (3).

____________

(1). في نسخة (ز): أبغنا.

(2). في نسخة (ز): بين ثدييها.

(3). المعجم الكبير 22: 408 برقم 1021 و فيه: «يحيى بن يعلى الأسلمي». و رواه في مجمع الزوائد 9: 331 برقم 15210 و فيه: «يحيى بن يعلى الأسلمي» أيضا، و كنز العمّال 13: 684 برقم 37755.

39

و عن أنس رضي اللّه عنه أيضا:

أنّ عمر أتى أبا بكر فقال: ما منعك أن تتزوّج فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قال: لا يزوّجني، قال: إذا لم يزوّجك فمن يزوّج، و إنّك من أكرم الناس، و أقدمهم إسلاما؟ فانطلق أبو بكر إلى عائشة فقال: إذا رأيت من محمّد طيب نفسك‏ (1) به و إقبالا- أي عليك- فاذكري له:

أنّي ذكرت فاطمة، فلعلّ اللّه أن ييسّرها لي. فرأت منه طيب نفس و إقبالا، فذكرت ذلك له، فقال: حتّى ينزل القضاء.

فرجع إليها أبو بكر فقالت: ما أتاه‏ (2) وددت أنّي لم أذكر له ما ذكرت، فلقي أبو بكر عمر فذكر له ما أخبرته عائشة، فانطلق عمر إلى حفصة و قال: إذا رأيت منه طيب نفس و إقبالا فاذكريني له، و اذكري فاطمة لعلّ اللّه ييسّرها لي. فرأت منه إقبالا و طيب نفس، فذكرت له فقال:

حتّى ينزل القضاء، فأخبرته و قالت: وددت أنّي لم أذكر له شيئا.

فانطلق عمر إلى عليّ و قال: ما يمنعك من فاطمة؟ قال: أخشى أن لا يزوّجني، قال: إن لم يزوّجك فمن يزوّج و أنت أقرب خلق اللّه إليه؟

فانطلق علي إليه و لم يكن له مقل‏ (3)، قال: إنّي أريد أن أتزوّج فاطمة، قال: فافعل، قال: ما عندي إلّا درعي الحطمية (4)، قال: فاجمع ما قدرت عليه و آتني به، فباعها بأربعمائة و ثمانين فأتاه بها، فزوّجه‏

____________

(1). في نسخة (ز): طيب نفس.

(2). في نسخة (ز): يا أبتاه.

(3). في نسخة (ز): و لم يكن له مثل عائشة و حفصة.

(4). قال في النهاية: «و هي الّتي تحطم السيوف أي: تكسرها، و قيل: هي العريضة الثقيلة، و قيل: هي منسوبة إلى بطن من عبد القيس يقال لهم: حطمة بن محارب، كانوا يعملون الدروع، و هذا أشبه الأقوال». (النهاية في غريب الحديث 1: 402).

40

فاطمة، فقبض ثلاث قبضات فدفعها إلى أم أيمن، فقال: اجعلي منها قبضة في الطيب، و الباقي فيما يصلح للمرأة من المتاع. فلمّا فرغت من الجهاز و أدخلتها بيتا قال: يا علي، لا تحدثنّ إلى أهلك شيئا حتّى آتيك، فأتاهم فإذا فاطمة متعفّفة و علي قاعد و أم أيمن، فقال: يا أم أيمن، آتيني بقدح من ماء، فأتته به، فشرب ثمّ مجّ فيه، ثمّ ناوله فاطمة فشربت، و أخذ منه فضرب جبينها و بين قدميها (1)، و فعل بعليّ مثل ذلك، ثمّ قال: اللّهم أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا (2).

رواه البزّار، و فيه: محمّد بن ثابت، و هو ضعيف، بل لوائح الوضع ظاهرة عليه، فإنّ تزويج فاطمة كان في السنة الثانية اتّفاقا، و بناء المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) بحفصة بنت عمر إنّما كان في الثالثة (3).

و عن ابن عباس قال:

كانت فاطمة تذكر لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلا يذكرها أحد إلّا صدّ عنه، فيئسوا منها، فلقي سعد بن معاذ عليا فقال: إنّي ما أراه يحبسها إلّا عليك، فقال: ما أنا بأحد الرجلين: ما أنا بصاحب دنيا يلتمسها منّي و قد علم ما لي صفراء و لا بيضاء، و ما أنا بالكافر الّذي يترفّق‏ (4) بها

____________

(1). في نسخة (ز): ثدييها.

(2). مجمع الزوائد 9: 332 برقم 15211.

(3). قال ابن الأثير الجزري: «تزوّجها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سنة ثلاثة عند أكثر العلماء» (أسد الغابة 7: 68) و مثله في الإصابة و الاستيعاب عند ترجمتها.

و حفصة بنت عمر كانت تحت خنيس بن حذامة السهمي، و كان ممّن شهد بدرا و توفّي بالمدينة، فذكرها عمر لأبي بكر و عرضها عليه، فلم يردّ عليه، فغضب عمر، فعرضها على عثمان، فقال: ما أريد أن أتزوّج اليوم، فذكر عمر ذلك عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فتزوّجها سنة ثلاث للهجرة، و طلّقها تطليقة ثمّ راجعها، و توفّيت سنة إحدى و أربعين.

(4). في نسخة (ز): يترقّقه، يعني يتألّفه بها.

41

عن دينه، إنّي لأول من أسلم، فقال سعد: عزمت عليك لتفرجها عنّي، فإن لي في ذلك فرجا، قال: أقول ما ذا؟ قال: تقول: جئت خاطبا إلى اللّه و رسوله، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): مرحبا، كلمة ضعيفة.

ثمّ رجع إلى سعد فقال له: لم يزد على أن رحّب بي، كلمة ضعيفة، قال: أنكحك و الّذي بعثه بالحقّ، إنّه لا خلف و لا كذب عنده، أعزم عليك فلتأتينه غدا، فأتاه فقال: يا نبي اللّه، متى تبنيني؟ قال:

الليلة إن شاء اللّه، ثمّ دعا ثلاثا فقال: زوّجت ابنتي ابن عمي، و أنا أحبّ أن يكون سنّة أمتي الطعام عند النكاح، فخذ شاة و أربعة أمداد، و اجعل قصعة اجمع عليها المهاجرين و الأنصار، فإذا فرغت فآذني، ففعل.

ثمّ أتاه بقصعة فوضعها بين يديه، فطعن في رأسها و قال:

أدخل الناس زفّة بعد زفّة (1)، فجعلوا يردّون، كلّما فرغت زفّة وردت أخرى حتّى فرغوا، ثمّ عمد إلى ما فضل منها، فتفل فيها فوضعها بين يديه و بارك، و قال: احملها إلى أمهاتك، و قل لهنّ: كلن و أطعمن من غشيكنّ.

ثمّ قام فدخل على النساء، فقال: زوّجت بنتي ابن عمي، و قد علمتنّ منزلتها منّي، و أنا دافعها إليه، فدونكنّ، فقمن فطيّبنها من طيبهنّ و ألبسنها من ثيابهنّ و حليّهنّ.

فدخل، فلمّا رأته النساء ذهبن، و تخلّفت أسماء بنت عميس‏ (2)

____________

(1). أي: طائفة بعد طائفة.

(2). المراد من «أسماء» في روايات تزويج فاطمة هي أسماء بنت يزيد الأنصارية، أو سلمى بنت عميس أخت‏

42

فقال: على رسلك، من أنت؟ قالت: أنا الّتي أحرس ابنتك، إنّ الفتاة ليلة زفافها لا بدّ لها من امرأة قريبة منها، إن عرضت لها حاجة أو أرادت أمرا أفضت إليها به، قال: فإنّي أسأل إلهي أن يحرسك من بين يديك و من خلفك، و عن يمينك و شمالك من الشيطان الرجيم.

ثمّ خرج بفاطمة، فلمّا رأت عليا بكت، فخشي المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) أن يكون بكاؤها أنّ عليا لا مال له، فقال لها: ما يبكيك؟ ما ألومك‏ (1) في نفسي و قد أصبت لك خير أهلي، و الّذي نفسي بيده، لقد زوّجتك سيّدا في الدنيا، و إنّه في الآخرة من الصالحين. فدنا منها و قال: يا أسماء، آتيني بالمخضب فاملئيه ماء، فأتت أسماء به فمجّ فيه، ثمّ دعا فاطمة فأخذ كفّا من ماء فضرب على رأسها و بين قدميها (2) ثمّ التزمها، فقال: اللّهم إنّها منّي و إنّي منها، اللّهم كما أذهبت عنّي الرجس و طهّرتني فطهّرها. ثمّ دعا بمخضب آخر فصنع بعليّ كما صنع بها، ثمّ قال: قوما جمع اللّه شملكما، و أصلح بالكما، ثمّ قام و أغلق عليهما بابهما.

رواه الطبراني بإسناد ضعيف‏ (3).

و عن بريدة قال:

قال نفر من الأنصار لعلي (عليه السّلام): عندك فاطمة فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال:

____________

أسماء بنت عميس، لأنّ أسماء بنت عميس كانت مع زوجها جعفر الطيار في الحبشة، و لم تعد إلى المدينة المنوّرة إلّا عام خيبر. راجع: كشف الغمة 1: 316 و ذكر: سلمى بنت عميس، و الصحيح من السيرة 5: 284.

(1). في نسخة (ز): ما ألوتك.

(2). في نسخة (ز): بين ثدييها.

(3). المعجم الكبير 22: 410 برقم 1022، و رواه الصنعاني في المصنّف 5: 486 برقم 9782، و مجمع الزوائد 9: 333 برقم 15213.

43

ما حاجة ابن أبي طالب؟ فقال: يا رسول اللّه ذكرت فاطمة، فقال:

مرحبا و أهلا، لم يزد عليها، فخرج علي بن أبي طالب إلى رهط من الأنصار ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما أدري، غير أنّه قال:

مرحبا و أهلا، قالوا: يكفيك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إحداهما، أعطاك الأهل و المرحب.

فلمّا كان بعد ما زوّجه، قال: يا علي، إنّه لا بدّ للعروس من وليمة، فقال سعد: عندي كبش، و جمع الأنصار أصوعا من ذرّة، فلمّا كان ليلة البناء قال: لا تحدث شيئا حتّى تلقاني، فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بماء فتوضّأ منه، ثمّ أفرغه على عليّ فقال: اللّهم بارك فيهما، و بارك لهما في بنائهما.

رواه الطبراني بإسناد صحيح‏ (1).

هل هناك تعارض بين الأحاديث‏

و لا يعارضه ما سبق: أنّ الّذي نبّهه لذلك العمران‏ (2)، و ما في حديث ابن عباس:

أنّه سعد؛ لجواز أنّهما خرجا منه ثمّ لقيه سعد فحثّه عليه، من غير أن يعلم أحدهم بما فعله الآخر. و لا حديث أسماء، إذ مرادها بوليمة عليّ ما قام به بنفسه، غير ما جاء به الأنصار و سعد، أو أنّ الوليمة تعدّدت، فما دفعه المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) للنساء، و ذاك للرجال، و بقية حديثها يشهد له. و لا حديث أنس المصرّح بإيقاع الماء عليهما؛ لتغيّر الكيفية، كما أفاده المحبّ الطبري‏ (3).

____________

(1). المعجم الكبير 2: 20 برقم 1153، و راجع كنز العمّال 13: 680 برقم 37745، و مجمع الزوائد 9: 335 برقم 15214.

(2). أي أبي بكر و عمر.

(3). ذخائر العقبى: 75 باب تزويج فاطمة.

44

و عن جابر:

لمّا حضرنا عرس علي و فاطمة (عليهم السّلام)، فما رأينا عرسا كان أحسن منه، حشونا الفراش الليف، و أتينا بتمر و زبيب فأكلنا، و كان فراشها ليلة عرسها إهاب كبش.

رواه البزّار، و فيه ضعف‏ (1).

و عن علي (عليه السّلام) قال: خطبت فاطمة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقالت لي مولاة لي: هل علمت أنّ فاطمة خطبت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قلت: لا، قالت:

فقد خطبت فما يمنعك أن تأتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيزوّجك؟ فقلت: أو عندي شي‏ء أتزوّج به؟ فقالت: إنّك إن جئته زوّجك.

فو اللّه، ما زالت ترجيني حتّى دخلت عليه- و كانت له جلالة و هيبة- فلمّا قعدت بين يديه أفحمت، فما استطعت أن أتكلّم جلالة و هيبة، فقال: ما جاء بك أ لك حاجة؟ فسكتّ، فقال: لعلّك جئت تخطب فاطمة؟ قلت: نعم، قال: و هل عندك من شي‏ء تستحلّها به؟ فقلت: لا و اللّه يا رسول اللّه، فقال: ما فعلت درعك سلّحتكها (2)؟ فو الّذي نفس علي بيده إنّها لحطمية، ما قيمتها أربعة دراهم، فقلت: عندي، فقال:

قد زوّجتكها؛ فابعث بها إليها، فاستحلّها بها، فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)(3).

____________

(1). كشف الأستار عن زوائد البزّار 2: 153 برقم 1408، و راجع مجمع الزوائد 9: 336 برقم 15215.

(2). سلّحته و أسلحته: إذا أعطيته سلاحا.

(3). رواه البيهقي في دلائل النبوّة 3: 160، و في السنن الكبرى 7: 234 كتاب الصداق، و المتقي الهندي في كنز العمّال 13: 682 برقم 37751 و قال: «رواه البيهقي في الدلائل و الدولابي في الذرّية الطاهرة»، و ابن الأثير الجزري في أسد الغابة 7: 217.

45

[رواه البيهقي في الدلائل‏] (1).

قال المحبّ الطبري: يشبه أنّ العقد وقع على الدرع، و بعث بها علي ثمّ ردّها إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليبيعها، فباعها و أتاه بثمنها (2).

ثمّ هذه الأحاديث وقائع حال فعلية محتملة، فعدم تصريح علي بالقبول فيها لا يدلّ على عدم اشتراطه؛ لاحتمال أنّه قبل ما شاء لمن شاء.

و لا تدلّ أيضا على عدم وجوب تسمية المهر في العقد، بدليل ما رواه أبو داود:

عن ابن عباس قال: لمّا تزوّج علي فاطمة قال له المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله):

أعطها شيئا، قال: ما عندي شي‏ء، قال: أين درعك الحطمية؟ (3)

فقوله: «لمّا تزوّج» فيه تصريح بأنّه إنّما ذكر ذلك بعد وقوع العقد.

و روى إسحاق بسند ضعيف:

عن علي (عليه السّلام): أنّه لمّا تزوّج فاطمة قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اجعل عامة الصداق في الطيب‏ (4).

و عن أبي يعلى بسند ضعيف:

عن عليّ قال: خطبت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ابنته فاطمة، قال: فباع علي درعا، و بعض ما باع من متاعه، فبلغ أربعمائة و ثمانين درهما، و أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يجعل ثلثين في الطيب و ثلثا في الثياب، و مجّ في جرّة من ماء، و أمرهم أن يغتسلوا به، و أمرها أن لا تسبقه برضاع‏

____________

(1). ما بين المعقوفتين زيادة في نسخة (ز).

(2). كلام المحبّ الطبري ذكره الزرقاني في شرح المواهب اللدنية 2: 364.

(3). و الخبر يروى أيضا في السنن الكبرى للنسائي 3: 333 برقم 5568، و السنن الكبرى للبيهقي 10: 269 باب متاع البيت، و كنز العمّال 13: 682 رقم 37747، و صحيح ابن حبّان 15: 396 برقم 6945 باب مناقب علي، و مسند أبي يعلى 4: 328 برقم 2439، و الطبقات الكبرى 8: 18 من حديث عكرمة.

(4). كنز العمّال 13: 679 برقم 37739، سبل الهدى 11: 38.

46

ولدها، فسبقته برضاع الحسين، و أمّا الحسن فإنّه (عليه الصلاة و السلام) صنع في فيه شيئا لا ندري ما هو، فكان أعلم الرجلين‏ (1).

و عن علي بن أحمد اليشكري‏ (2):

أنّ عليا تزوّج فاطمة، فباع بعيرا له بثمانين و أربعمائة درهم، فقال المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): اجعلوا ثلثين في الطيب، و ثلثا في الثياب.

رواه ابن سعد في الطبقات‏ (3).

و هذا لا ينافيه ما مرّ أنّه أصدقها ذلك الدرع، لأنّ الدرع هو الصداق، و ثمن البعير قام بما لها ممّا عليه من حقوق الوليمة و اللوازم العرفية و العادية و نحو ذلك.

و عن حجر بن عنبس- و كان قد أدرك الجاهلية لكنّه لم ير المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله)- قال:

خطب أبو بكر و عمر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة، فقال رسول اللّه: هي لك يا علي.

رواه الطبراني بإسناد صحيح‏ (4).

و عن حجر المذكور قال:

خطب علي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): هي لك يا علي لست بدجّال- أي لأنّه كان قد وعده- فقال: إنّي لا أخلف الوعد.

رواه البزّار، و رجاله ثقات‏ (5).

____________

(1). مسند أبي يعلى 1: 291 برقم 353، و راجع كنز العمّال 13: 680 برقم 37742، سبل الهدى 11: 38. و يذكر أنّ هذه الرواية غير موجودة في النسخة (ز).

(2). في النسخة (ز): علي بن احمر اليشكري.

(3). الطبقات الكبرى 8: 16- 18 و فيه: علي بن أحمر، و راجع كنز العمّال 16: 305 رقم 44613.

(4). المعجم الكبير 4: 34 رقم 3571، و راجع مجمع الزوائد 9: 329 رقم 15207 و قال: «رجاله ثقات»، و كنز العمّال 13: 680 رقم 37746، و رواه في الطبقات الكبرى 8: 16، و في كشف الأستار عن زوائد البزّار 2: 151 و فيه:

«قال البزّار: و حجر لا نعلم روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا هذا، و قوله هذا يدلّ على أنّه رأى المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله).

(5). كشف الأستار عن زوائد البزّار 2: 151 رقم 1406، و رواه في المعجم الكبير 4: 34 رقم 3570 و فيه: «هي لك‏

47

و ظاهر حديث حجر الأول أنّ المصطفى لمّا خطبها الشيخان ابتدأ (1) عليا فزوّجه إيّاها بغير طلب.

و ظاهر الباقي أنّه لمّا خطباها علم علي فجاء فخطبها، فأجابه، و يدلّ عليه كثير من الأخبار المارّة.

و الظاهر أنّ الواقعة تعدّدت، فخطباها فلم يجب و لم يردّ، فجاء علي فوعده و سكت، فلم يعلما بوعده فأعاد، فابتدر و زوّجها من علي لسبق إجابته له.

و في حديث عكرمة: أنّه استأذنها قبل تزويجها منه‏ (2).

فقد روى ابن سعد عن عطاء قال:

خطب علي فاطمة، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ عليا يريد يتزوّجك، فسكتت، فزوّجها (3).

ففيه: أنّه يستحبّ استئذان البكر، و أنّ إذنها سكوتها، و عليه الشافعي‏ (4).

و روى ابن أبي حاتم عن أنس و أحمد عنه بنحوه، قال:

جاء أبو بكر و عمر يخطبان فاطمة إلى المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله)، فسكت و لم‏

____________

على أن تحسن صحبتها»، و في مجمع الزوائد 9: 329 رقم 15206 و قال: «رواه البزّار»، و في الطبقات الكبرى 8: 16 و قال: «يعني لست بكذّاب؛ لأنّه قد وعد علي بها قبل أن يخطبها».

(1). في نسخة (ز): ابتدر.

(2). رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى 8: 16.

(3). نفس المصدر السابق، و فيه: «أنّ عليا يذكرك».

(4). ذكر مذهب الشافعي في استحباب الاستئذان في البكر، و أنّ إذنها هو سكوتها في:

المجموع للنووي 16: 169 باب: ما يصحّ به النكاح للولي، و في المدوّنة الكبرى 2: 157، و السنن الكبرى للنسائي 3: 281 رقم 5375 و 5377 و فيه: «و كيف إذنها؟ قال: أن تسكت، و إذنها صماتها»، و كنز العمّال 13: 532 رقم 45777.

و هو ما ذهبت إليه الإمامية؛ لما روي في صحيح البزنطي عن عليّ (عليه السّلام) قال: «في المرأة البكر إذنها صماتها، و الثيّب أمرها إليها» راجع وسائل الشيعة 14: 206 الباب 5 حديث 1. و في العروة الوثقى 2: 647 مسألة 15:

«ورد في الأخبار أنّ إذن البكر سكوتها عند العرض عليها، و أفتى به العلماء».

48

يرجع إليهما شيئا، فانطلقا إلى عليّ يأمرانه‏ (1) يطلب ذلك. قال علي (عليه السّلام): فنبّهاني لأمر، فقمت أجرّ ردائي حتّى أتيته (صلّى اللّه عليه و آله)، فقلت:

تزوّجني فاطمة؟ قال: و عندك شي‏ء؟ قلت: فرسي و بدني قال: أمّا فرسك فلا بدّ لك منه، و أمّا بدنك- أي درعك- فبعها، فبعتها بأربعمائة و ثمانين، فجئته بها فوضعها في حجره، فقبض منها قبضة فقال: أي بلال، ابتع بها طيبا. و أمرهم أن يجهّزوها، فجعل لها سريرا مشروطا و وسادة من أدم حشوها ليف، و قال لي: إذا أتيت فلا تحدثنّ شيئا حتّى آتيك.

فجاءت أم أيمن فقعدت في جانب البيت و أنا في جانب، فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: هاهنا أخي؟ قالت أم أيمن: أخوك و تزوّجه ابنتك؟

قال: نعم، فدخل فقال لفاطمة: آتيني بماء، فقامت فأتت بقعب- أي:

قدح- في البيت، فأتته فيه بماء، فأخذه و مجّ فيه، ثمّ قال لها: تقدّمي، فتقدّمت، فنفخ بين يديها (2) و على رأسها و قال: اللّهم إنّي أعيذها بك و ذرّيتها من الشيطان الرجيم، ثمّ قال: ادبري، فأدبرت، و صبّ بين كتفيها، ثمّ فعل مثل ذلك مع عليّ ثمّ قال له: ادخل بأهلك باسم اللّه و البركة (3).

و أخرج الخطيب البغدادي في كتاب (التلخيص) عن أنس قال:

بينما أنا عند المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) إذ غشيه الوحي، فلمّا سري عنه قال لي:

____________

(1). ليس المراد من الأمر هنا هو الالزام و الإيجاب، بل المراد الطلب أو أحد معانيه الأخرى كالترجّي مثلا. و قد تقدّم في رواية الطبراني: أنّ سعد بن معاذ طلب من عليّ ذلك، و في رواية بريدة: أنّ نفرا من الأنصار، و في رواية أخرى: مولاة لهم. هذا و روى ابن سعد في الطبقات 8: 16 «أنّ أهل علي قالوا لعلي: أخطب فاطمة».

(2). في نسخة (ز): ثدييها.

(3). مجمع الزوائد 2: 331 رقم 15210، و رواه القندوزي في ينابيع المودّة 2: 126 مع تفاوت يسير بالألفاظ.

49

تدري ما جاء به جبريل من عند صاحب العرش؟ إنّ اللّه أمرني أن أزوّج فاطمة من علي، انطلق فادع لي أبا بكر و عمر و عثمان و عبد الرحمن بن عوف و عدّة من الأنصار.

فلمّا اجتمعوا و أخذوا مجالسهم، و كان علي غائبا، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

الحمد للّه المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع سلطانه، المرهوب من عذابه و سطوته، النافذ أمره في سمائه و أرضه، الّذي خلق الخلق بقدرته، و ميّزهم بأحكامه، و أعزّهم بدينه، و أكرمهم بنبيّهم محمّد.

إنّ اللّه تبارك اسمه و تعالت عظمته جعل المصاهرة نسبا لاحقا، و أمرا مفترضا، أوشج به الأرحام- أي: ألّف بينها- و جعلها مختلطة مشتبكة، قال عزّ من قائل: (وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً) (1) فأمر اللّه مجرى‏ (2) إلى قضائه، و قضاؤه مجرى‏ (3) إلى قدره، و لكلّ قدر أجل، و لكلّ أجل كتاب، يمحو اللّه ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب، ثمّ إنّ اللّه أمرني أن أزوّج فاطمة من علي، فاشهدوا عليّ أنّي قد زوّجته على أربعمائة مثقال فضّة إن رضي علي بذلك.

ثمّ دعا بطبق من بسر، ثمّ قال: انتهبوا، فانتهبنا، و دخل علي، فتبسّم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في وجهه ثمّ قال: إنّ اللّه أمرني أن أزوّجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضّة، أرضيت؟ فقال: رضيت.

زاد ابن شاذان في رواية له: ثمّ خرّ علي ساجدا شكرا للّه تعالى،

____________

(1). الفرقان: 54.

(2). في نسخة (ز): يجري.

(3). في نسخة (ز): يجري.

50

فقال المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): جمع اللّه شملكما، و بارك عليكما، و أخرج منكما نسلا طيّبا.

زاد في رواية ابن شاذان: و جعل نسلكما مفاتيح الرحمة، و معدن الحكمة (1).

و هذه واقعة حال محتملة- كما مرّ- لأن يكون عليّ قبل لمّا حضر و علم. و قوله:

«إن رضي» صورة تعليق لا حقيقة؛ لأنّ الأمر منوط برضا الزوج.

على أنّ هذا الحديث قد حكم ابن الجوزي بوضعه، و تبعه الذهبي، و قالا: هو من وضع محمّد بن دينار (2).

و رواه ابن عساكر بنحوه، و قال: غريب لا أعلمه‏ (3).

قال ابن طاهر المقدسي: محمّد بن دينار روى عن هشيم عن يونس عن الحسن عن أنس: تزويج فاطمة، و الراوي عنه فيه جهالة (4). و رواه ابن قانع و غيره من طريق محمّد بن دينار عن جابر.

قال ابن الجوزي: وضع ابن دينار هذا الحديث، فوضع الطريق الأول إلى أنس، و وضع الطريق الثاني إلى جابر (5).

____________

(1). تاريخ دمشق 52: 444 رقم 6338، و رواه القندوزي في ينابيع المودّة 2: 61 حديث 48.

(2). يذكر أنّ الموجود في الموضوعات لابن الجوزي 1: 418: «وضعه محمّد بن زكريا، فوضع الطريق الأول إلى جابر، و وضع الطريق الثاني إلى أنس». و أمّا الذهبي في الموضوعات: 148 فقال: «موضوع فيه من الركّة». و لم ينسب الوضع إلى محمّد بن دينار.

(3). تاريخ ابن عساكر 52: 444 و نصّ كلامه: «غريب لا أعلم يروى إلّا بهذا الإسناد».

(4). اللآلي المصنوعة 1: 397.

(5). الموضوعات لابن الجوزي 1: 48 لكن فيه: «وضعه محمّد بن زكريا، فوضع الطريق الأول إلى جابر، و وضع هذا الطريق إلى أنس».

51

و أقرّه على الجزم بوضعه الجلال السيوطي فيما تعقّبه‏ (1) عليه مع تحرّيه الاجتهاد في أحكامه ما وجد بذلك سبيلا (2).

و الحاصل: أنّ هذه الكيفية من الخطبة عند العقد و الاجتماع كذلك، لا أصل له بالكلّية (3).

و أمّا وقوع التزويج بالأمر الإلهي لعليّ، و خطبة الشيخين لها قبل ذلك، و جعل الدرع صداقا، فلا شكّ فيه؛ لوروده من طرق بأسانيد صحيحة (4).

و أمّا ما زعمه الشيخ شهاب الدين ابن حجر من أنّ لذلك أصلا فممنوع، و ما تمسّك به من كلام الحافظ ابن حجر في اللسان‏ (5) فممنوع، فإنّ الحافظ لم يقل فيه:

إنّه غير موضوع‏ (6).

____________

(1). اللآلي المصنوعة 1: 397- 398 و فيه: «محمّد بن زكريا بن دينار» و نبّه على ذلك فقال: «نسب في الطريق الأول إلى جدّه».

(2). ما يجدر ذكره هنا هو أنّ محمّد بن دينار اسم يعود إلى رجلين، أحدهما: الغلابي الّذي ذكره العجلي في الثقات و قال: «لا بأس به» (معرفة الثقات 2: 237 رقم 1592)، و في الجرح و التعديل 7: 249 رقم 1367 قال: «سئل يحيى بن معين عن محمّد بن دينار، فقال: ليس به بأس. و سئل أبو زرعة عنه قال: صدوق». و وثّقه عمر بن شاهين في تاريخ أسماء الثقات: 21.

و قال ابن عدي في الكامل: «ينفرد بأشياء، و هو صدوق»، و قال النسائي: «ليس به بأس»، و كذا ابن معين، راجع ميزان الاعتدال 3: 541. و ذكره ابن حبّان في الثقات كما في تهذيب الكمال 25: 179.

روى له أبو داود و الترمذي.

و أمّا الآخر فهو محمّد بن دينار العرقي الّذي يروي عن هشيم فهو الّذي قيل فيه: «لا يدرى من هو» كما في ميزان الاعتدال 3: 542 رقم 7505، و لسان الميزان 5: 163. و هو الّذي قد نصّ على وثاقته ابن حبّان في الثقات 9: 97 بعنوان: محمّد بن دينار الحمصي، يروي عن هشيم. و تهذيب الكمال 25: 179.

و من هنا وقع الخلط عند ابن الجوزي و السيوطي، فإنّ محمّد بن دينار في سند رواية أنس هو محمّد بن دينار العرقي، و محمّد بن دينار في سند رواية جابر فهو محمّد بن دينار الغلابي، الّذي وثّقه كثير من الأعلام.

(3). بل الأصل هو رواية أنس المتقدّمة، و محمّد بن دينار وثّقه كثير من الأعلام، و سيأتي من المصنّف أنّ ابن حجر اعتبرها أصلا لخطبة العقد.

(4). تقدّمت جملة من هذه الروايات.

(5). لسان الميزان 5: 163.

(6). يفتقد هذا الكلام إلى الدقّة، إذ أنّ السكوت و عدم نفي الوضع لا يدلّ بالضرورة على الوضع.

52

بل حكي عن ابن عساكر أنّ الراوي عن محمّد بن دينار دمشقي فيه جهالة (1).

على أنّ محمّد بن دينار وضّاع، فمراده زيادة توهين الحديث، و أنّه مع كونه من رواية ابن دينار فالراوي عنه فيه جهالة، فهي ظلمات بعضها فوق بعض، و اللّه العالم.

و أخرج ابن سعد في طبقاته عن عكرمة قال:

لمّا زوج المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) عليا فاطمة، كان فيما جهّزت به: سرير مشروط، و وسادة من أدم حشوها ليف، و قربة، و قال لعليّ: إذا أتيت بها فلا تقربنّها حتّى آتيك.

و كانت اليهود يأخذون الرجل عن امرأته، فلمّا أتي بها قعدا جنبا في ناحية البيت، ثمّ جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدعا بماء فأتي به، فمجّ فيه و مسّه بيده، ثمّ دعا عليا فنضح من ذلك على كتفيه و صدره و ذراعيه، ثمّ دعا فاطمة، فأقبلت تتعثّر في ثوبها حياء من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ففعل بها مثل ذلك، ثمّ قال لها: يا فاطمة، أما إنّي ما أليت أن أنكحتك خير أهلي‏ (2).

(و أخرج نحوه موصولا من طريق سعيد بن المسيب عن أم أيمن) (3).

و أخرج ابن ماجة عن عليّ قال:

لقد أهديت ابنة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فما كان فراشها ليلة أهديت إلّا إهاب كبش‏ (4).

____________

(1). انظر تاريخ دمشق 52: 444، و الحاكي هو محمّد بن طاهر المقدسي في كتاب «تكملة الكامل» قال: «الراوي عنه من أهل الساحل، دمشقي فيه جهالة». فالكلام فيما يبدو ليس لابن عساكر.

(2). الطبقات الكبرى 8: 19.

(3). بين القوسين أثبتناه من النسخة (ز).

(4). سنن ابن ماجة 2: 1319 باب ضجاع آل محمّد، و فيه: «مسك كبش»، و رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق 42:

376. و الإهاب: الجلد.