أسنى المطالب( مناقب الاسد الغالب ممزق الكتائب و مظهر العجائب)

- شمس الدين محمد الجزري المزيد...
199 /
3

المقدمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

إن الحمد للّه، نحمده، و نستعينه و نستغفره، و نعوذ باللّه من شرور أنفسنا، و من سيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ [آل عمران: 102].

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء: 1].

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب: 70، 71].

أما بعد:

أنا أحب الإمام علي بن أبي طالب و ذريته و آل بيته الأطهار و لكنه حب لا يتعدى شروطا معينة بمعنى أنني لا أميزه على أبي بكر و عمر و عثمان (رضي اللّه عنهم أجمعين)، و معنى أنك تحبه فلا يلزم أن تكره بقية الصحابة، بل و إن البعض يشتمهم فإن هذا ليس حبا للإمام علي (رضي اللّه عنه) لأن الإمام علي (رضي اللّه عنه) كان يعرف قدر أبي بكر و عمر و عثمان (رضي اللّه عنهم)، و كثيرا ما أسمع من أهل الهوى تفسيرا مزعجا بخصوص علي (كرم اللّه وجهه) يقولون: إنه لم ير عورته و لا عورة أحد أبدا، و هذا كذب و افتراء لأن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كان يغتسل هو و عائشة (رضي اللّه عنها) في إناء واحد و يقول لها: «اتركي لي»، و هي تقول اترك لي- يعنى الماء-.

أما تفسير هذا فهو لأنه (رضي اللّه عنه) لم يسجد لصنم أبدا و عبد اللّه بن عباس (رضي اللّه عنهما) لم يسجد لصنم أبدا.

4

أنا أحب الإمام علي حب اتباع و أحب الزهراء (رضي اللّه عنها) و أحب سيّدي شباب أهل الجنة (رضي اللّه عنهما).

و أقول لكل ثرثار متفيهق: إن رأس الحسين (رضي اللّه عنه) لم تدخل مصر و لم تدفن في مصر، و أن السيدة زينب (رضي اللّه عنها) لم تدخل مصر لا حية و لا ميتة، و إذا أردت المزيد فعليك بكتابنا رأس الحسين الذي أخذناه من فتاوى شيخ الإسلام/ ابن تيمية (رحمه اللّه تعالى).

و أقول لعلماء مصر الأفاضل: اتقوا اللّه تعالى و بينوا للناس و لا تخافوا على مناصبكم البراقة.

من أجل ذلك قرأت لك كتاب مناقب الأسد الغالب علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) للعلامة شمس الدين محمد بن الجزري (رحمه اللّه تعالى).

و كتاب (خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) للإمام النسائي (رحمه اللّه تعالى)) و جعلتهما في كتاب واحد و أسميته (مناقب الأسد الغالب علي بن أبي طالب) (رضي اللّه عنه).

و جعلته ثلاثة فصول:

الفصل الأول: و يشمل التمهيد.

الفصل الثاني:

و يشمل كتاب العلامة شمس الدين محمد بن الجزري (رحمه اللّه تعالى)

الفصل الثالث:

و يشمل كتاب الإمام النسائي (رحمه اللّه تعالى).

اقرأ و تدبر و للّه الحمد و المنة.

الشيخ/ علي أحمد عبد العادل الطهطاوي رئيس جمعية أهل القرآن و السنة

5

الفصل الأول التمهيد

صور من تواضع أمير المؤمنين علي (رضي اللّه عنه)(1)

أخرج البخاري في الأدب (ص 81) عن صالح بياع الأكسية عن جدته قالت:

رأيت عليا (رضي اللّه عنه) اشترى تمرا بدرهم فحمله في ملحفته، فقلت له- أو قال له رجل-:

أحمل عنك يا أمير المؤمنين، قال: لا، أبو العيال أحق أن يحمل. أخرجه ابن عساكر كما في المنتخب (5/ 56)، و أبو القاسم البغوي: كما في البداية (8/ 5) عن صالح بنحوه.

و أخرج ابن عساكر عن زاذان عن علي (رضي اللّه عنه) أنه كان يمشي في الأسواق وحده و هو وال، يرشد الضال، و ينشد الضال، و يعين الضعيف، و يمر بالبياع و البقال فيفتح عليه القرآن و يقرأ: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً [القصص: 83]. و يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل و التواضع من الولاة و أهل القدرة على سائر الناس. كذا في المنتخب (5/ 56) و أخرجه أبو القاسم البغوي نحوه كما في البداية (8/ 5).

و أخرج ابن سعد (3/ 18) عن جرموز قال: رأيت عليا (رضي اللّه عنه) و هو يخرج من القصر و عليه قطريتان: إزار إلى نصف الساق، و رداء مشمر قريب منه، و معه درّة له يمشي بها في الأسواق، و يأمرهم بتقوى اللّه و حسن البيع، و يقول: أوفوا الكيل و الميزان، و يقول: لا تنفخوا اللحم. و أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب (3/ 48).

و أخرج ابن راهويه و أحمد في الزهد و عبد بن حميد و أبو يعلى و البيهقي و ابن عساكر- و ضعف- عن أبي مطر قال: خرجت من المسجد فإذا رجل ينادي خلفي: ارفع إزارك فإنه أتقى لربك، و أنقى لثوبك، و خذ من رأسك إن كنت مسلما؛ فإذا هو علي و معه الدّرّة، فانتهى إلى سوق الإبل فقال: بيعوا و لا تحلفوا فإن اليمين تنفق السلعة و تمحق البركة. ثم أتى صاحب التمر فإذا خادم تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت:

باعني هذا تمرا بدرهم فأبى مولاي أن يقبله، فقال: خذه و أعطها درهما فإنه ليس لها أمر، فكأنه أبي، فقلت: ألا تدري من هذا؟ قال لا، قلت: علي أمير المؤمنين، فصب‏

____________

(1) كتاب حياة الصحابة (رضي اللّه عنهم).

6

تمره و أعطاها درهما و قال: أحب أن ترضى عني يا أمير المؤمنين، قال: ما أرضاني عنك إذا وفّيتم، ثم مر مجتازا بأصحاب التمر فقال: أطعموا المسكين يربو كسبكم، ثم مر مجتازا حتى انتهى إلى أصحاب السمك فقال: لا يباع في سوقنا طاف‏ (1). ثم أتى دار بزار و هي سوق الكرابيس‏ (2)، فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم، فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، ثم أتى آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، ثم أتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم لبسه ما بين الرسغين إلى الكعب، فجاء صاحب الثوب فقيل: إن ابنك باع لأمير المؤمنين قميصا بثلاثة دراهم، قال: فهلّا أخذت منه درهمين؟ فأخذ الدرهم ثم جاء به إلى علي فقال: أمسك هذا الدرهم، قال: ما شأنه؟ قال: كان قميصا ثمنه درهمان باعك ابني بثلاثة دراهم، قال: باعني رضاي و أخذت رضاه. كذا في المنتخب (5/ 57).

زهد علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه)(3)

1- أخرج أبو نعيم في الحلية (1/ 82) عن رجل من ثقيف أن عليا (رضي اللّه عنه) استعمله على عكبرا قال: و لم يكن السواد يسكنه المصلون، و قال لي: إذا كان عند الظهر فرح إلي، فرحت إليه فلم أجد عنده حاجبا يحبسني عنه دونه، فوجدته جالسا و عنده قدح و كوز من ماء، فدعا بطينة فقلت في نفسي: لقد أمنني حتى يخرج إلي جوهرا و لا أدري ما فيها، فإذا عليها خاتم فكسر الخاتم، فإذا فيها سويق فأخرج منها

____________

(1) طاف: هو ما يطفو على سطح الماء بعد موته و قد اختلف الفقهاء في أكله فقيل يؤكل و قيل لا يؤكل و الأصح أن يؤكل لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك منها ما رواه أحمد و ابن ماجه و ما رواه مالك في موطئه أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال عن البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، و جاء في الصحيحين عن جابر بن عبد اللّه أنه خرج مع أبي عبيدة بن الجراح يتلقى عيرا لقريش فانطلقوا على ساحل البحر فخرج لهم من البحر دابة تدعى العنبر قال أبو عبيدة:

ميتة، ثم قال بل نحن رسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد اضطررتم فكلوا، فأقمنا عليه شهرا حتى سمنا قال: فلما قدمنا المدينة أتينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه اللّه لكم، فهل معكم من لحمه شي‏ء فتطعموننا؟» قال: فأرسلنا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) منه فأكله، انظر كتابي «الفقه الواضح من الكتاب و السنة» المجلد الثاني ص 377، و ما بعدها لتعرف حكم أكل ميتة السمك و السردين و الفسيخ و نحوه بشي‏ء من التفصيل.

(2) الكرابيس: جمع كرباس و هو القطن.

(3) كتاب حياة الصحابة (رضي اللّه عنهم).

7

فصب في القدح فصب عليه ماء فشرب و سقاني، فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين أتصنع هذا بالعراق و طعام العراق أكثر من ذلك؟! قال: أما و اللّه ما أختم عليه بخلا عليه، و لكني أبتاع قدر ما يكفيني، فأخاف أن يفنى فيصنع من غيره، و إنما حفظي لذلك، و أكره أن أدخل بطني إلا طيبا. و عن الأعمش قال كان علي (رضي اللّه عنه) يغدي و يعشي، و يأكل هو من شي‏ء يجيئه من المدينة.

2- و أخرج أيضا (1/ 81) عن عبد اللّه بن شريك عن جده عن علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) أنه أتي بفالوذج‏ (1) فوضع قدامه- بين يديه-، فقال: إنك طيب الريح، و حسن اللون، طيب الطعم؛ لكن أكره أن أعود نفسي ما لم تعتده، و أخرجه أيضا عبد اللّه ابن الإمام أحمد في زوائده عن عبد اللّه بن شريك مثله، كما في المنتخب (5/ 58).

3- و أخرج ابن المبارك عن زيد بن وهب قال: خرج علينا علي (رضي اللّه عنه) و عليه رداء و إزار، قد وثّقه بخرقة فقيل له، فقال: إنما ألبس هذين الثوبين ليكون أبعد لي من الزّهو، و خيرا لي في صلاتي، و سنة للمؤمن. كذا في المنتخب (5/ 58).

4- و أخرج البيهقي عن رجل قال: رأيت مع علي (رضي اللّه عنه) إزارا غليظا، قال:

اشتريته بخمسة دراهم، فمن أربحني فيه درهما بعته إياه، كذا في منتخب الكنز (5/ 58).

5- و أخرج يعقوب بن سفيان عن مجمع بن سمعان التيمي قال: خرج علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) بسيفه إلى السوق فقال: من يشتري مني سيفي هذا؟ فلو كان عندي أربعة دراهم أشتري بها إزارا ما بعته. كذا في البداية (8/ 3).

6- و أخرج أبو القاسم البغوي عن صالح بن أبي الأسود عمن حدثه أنه رأى عليا (رضي اللّه عنه) قد ركب حمارا و دلّى رجليه إلى موضع واحد ثم قال: أنا الذي أهنت الدنيا.

كذا في البداية (8/ 5).

و أخرج أحمد عن عبد اللّه بن رزين قال: دخلت على علي (رضي اللّه عنه) يوم الأضحى، فقرب إلينا خزيرة (2)، فقلنا: أصلحك اللّه! لو أطعمتنا هذا البط- يعني الإوز- فإن‏

____________

(1) نوع من الحلوى.

(2) لحم مشوي عليه دقيق.

8

اللّه قد أكثر الخير، قال: يا ابن رزين، إني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «لا يحل للخليفة من مال اللّه إلا قصعتان: قصعة يأكلها هو و أهله، و قصعة يضعها بين يدي الناس». كذا في البداية (8/ 3).

من خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه)(1)

أخرج ابن جرير في تاريخه (3/ 457) بإسناد فيه سيف عن علي بن الحسين: أول خطبة خطبها علي (رضي اللّه عنه) حين استخلف، حمد اللّه و أثنى عليه، فقال: إن اللّه عز و جل أنزل كتابا هاديا بيّن فيه الخير و الشر، فخذوا بالخير و دعوا الشر.

الفرائض أدّوها إلى اللّه سبحانه يؤدكم إلى الجنة، إن اللّه حرم حرما غير مجهولة، و فضل حرمة المسلم على الحرم كلها، و شد بالإخلاص و التوحيد المسلمين.

و المسلم من سلم الناس من لسانه و يده إلا بالحق، لا يحل أذى المسلم إلا بما يجب.

بادروا أمر العامة، و خاصة أحدكم- الموت- فإن الناس أمامكم، و إنما هو خلفكم الساعة تحدوكم. و تخففوا تلحقوا؛ فإنما ينتظر الناس أخراهم، اتقوا اللّه عباده في عباده و بلاده، إنكم مسئولون حتى عن البقاع و البهائم، أطيعوا اللّه عز و جل و لا تعصوه، و إذا رأيتم الخير فخذوا به، و إذا رأيتم الشر فدعوه، و اذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض.

و أخرج أبو الشيخ عن علي أنه خطب، فقال: عشيرة الرجل للرجل خير من الرجل لعشيرته؛ إنه إن كف يده عنهم كف يدا واحدة، و كفوا عنه أيدي كثيرة مع مودتهم و حفاظهم و نصرتهم، حتى لربما غضب الرجل للرجل و ما يعرفه إلا بحسبه.

و سأتلو عليكم بذلك آيات من كتاب اللّه، فتلا هذه الآية: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود: 80] قال علي: و الركن الشديد: العشيرة، فلم تكن للوط عشيرة؛ فو الذي لا إله إلا هو ما بعث اللّه نبيا قط بعد لوط إلا في ثروة من قومه. و تلا هذه الآية في شعيب‏ وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً [هود: 91]، قال: كان مكفوفا (2).

____________

(1) من كتاب حياة الصحابة (رضي اللّه عنهم).

(2) لعله أراد بقوله مكفوفا: محفوظا بعناية اللّه و ليس المراد مكفوف البصر، فإن عمى البصر-

9

فنسبوه إلى الضعف: وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ‏ [هود: 91]، قال علي:

فو الذي لا إله إلا غيره ما هابوا جلال ربهم إلا العشيرة.

كذا في الكنز (1/ 250).

أخرج الحسين بن يحيى القطان و البيهقي عن الشعبي قال: كان علي يخطب إذا حضر رمضان ثم يقول: هذا الشهر المبارك الذي فرض اللّه صيامه، و لم يفرض قيامه، ليحذر رجل أن يقول: أصوم إذا صام فلان، و أفطر إذا أفطر فلان، ألا إن الصيام ليس من الطعام و الشراب، و لكن من الكذب و الباطل و الكفر، ألا لا تقدموا الشهر، إذا رأيتم الهلال فصوموا، و إذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فأتموا العدة.

قال: كان يقول ذلك بعد صلاة الفجر و صلاة العصر. كذا في الكنز (4/ 322).

أخرج الصابوني في المائتين و ابن عساكر عن علي أنه خطب، فحمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر الموت فقال: عباد اللّه، و اللّه الموت ليس منه فوت؛ إن أقمتم له أخذكم، و إن فررتم منه أدرككم، فالنجاة النجاة، و الوحاء الوحاء (1)، وراءكم طالب حثيث‏ (2): القبر؛ فاحذروا ضغطته و ظلمته و وحشته، ألا و إن القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، ألا و إنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات، فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدود، أنا بيت الوحشة، ألا و إن وراء ذلك ما هو أشد منه، نار حرها شديد، و قعرها بعيد، حليها حديد، و خازنها مالك، ليس للّه فيه- و في لفظ: فيها- رحمة، و ألا وراء ذلك جنة عرضها السموات و الأرض أعدت للمتقين، جعلنا اللّه و إياكم من المتقين، و أجارنا اللّه و إياكم من العذاب الأليم. كذا في الكنز (8/ 110). و ذكر ابن كثير في البداية (8/ 6) هذه الخطبة عن الأصبغ بن نباتة قال:

____________

- مستحيل في حق الأنبياء كما قال جمهور العلماء و من قال: إنه كان ضرير البصر سعيد بن جبير و الثوري كما ذكر ابن كثير في تفسير الآية. و الأصح ما عليه الجمهور أما قولهم‏ وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً فمعناه إنك واحد لا تعجزنا و لا تستطيع أن تحمي نفسك منا و إنما أنت قوي برهطك و قال أبو روق: يعنون ذليلا لأن عشيرته ليسوا على دينه- ذكره ابن كثير أيضا في تفسيره.

(1) أي السرعة السرعة.

(2) أي سريع.

10

صعد علي ذات يوم المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر الموت- فذكر نحوه و زاد بعد قوله: أنا بيت الوحشة، ألا و إن وراء ذلك يوما يشيب فيه الصغير، و يسكر فيه الكبير، و تضع كل ذات حمل حملها، و ترى الناس سكارى و ما هم بسكارى و لكن عذاب اللّه شديد. و زاد في روايته: ثم بكى و بكى المسلمون حوله.

أخرج الدينوري و ابن عساكر عن عبد اللّه بن صالح العجلي عن أبيه، قال:

خطب علي بن أبي طالب يوما، فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلى على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم قال:

عباد اللّه لا تغرنّكم الحياة الدنيا؛ فإنها دار بالبلاء محفوفة، و بالفناء معروفة، و بالغدر موصوفة، و كل ما فيها إلى زوال، و هي ما بين أهلها دول سجال، لن يسلم من شرها نزالها، بينما أهلها في رخاء و سرور؛ إذا هم منها في بلاء و غرور، العيش فيها مذموم، و الرخاء فيها لا يدوم، و إنما أهلها فيها أغراض مستهدفة؛ ترميهم بسهامها و تقصمهم بحمامها(1). عباد اللّه إنكم و ما أنتم من هذه الدنيا، عن سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا، و أشد منكم بطشا، و أعمر ديارا، و أبعد آثارا، فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها، و أجسادهم بالية، و ديارهم خالية، و آثارهم عافية (2)، و استبدلوا بالقصور المشيدة و السرر و النمارق‏ (3) الممهدة الصخور، و الأحجار المسندة في القبور الملاطية (4) الملحدة التي قد بني على الخراب فناؤها، و شيد بالتراب بناؤها، فحملها مقترب، و ساكنها مغترب، بين أهل عمارة موحشين، و أهل محلة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، و لا يتواصلون تواصل الجيران، على ما بينهم من قرب الجوار، و دنو الدار، و كيف يكون بينهم تواصل، و قد طحنهم بكلكله‏ (5) البلى، و أكلتهم الجنادل‏ (6) و الثرى، فأصبحوا بعد الحياة أمواتا، و بعد غضارة (7) العيش رفاتا، فجع بهم الأحباب، و سكنوا التراب،

____________

(1) أي موتها.

(2) من العفاء و هو المحو و الإزالة.

(3) الوسائد.

(4) المبنية بالطين.

(5) الكلكل: هو الصدر و المراد هنا الشدة.

(6) الصخور العظيمة.

(7) طيبه و لذته.

11

و ظعنوا فليس لهم إياب، هيهات هيهات. كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فكأنكم قد صرتم إلى ما صاروا عليه من الوحدة و البلى في دار الموتى، و ارتهنتم في ذلك المضجع، و ضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور، و بعثرت القبور، و حصل ما في الصدور، و أوقفتم للتحصيل بين يدي ملك جليل، فطارت القلوب لإشفاقها (1) من سالف الذنوب، و هتكت عنكم الحجب الأستار، فظهرت منكم العيوب و الأسرار، هنالك تجزى كل نفس بما كسبت؛ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى‏ [النجم: 31].

وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) [الكهف: 49]. جعلنا اللّه و إياكم عاملين بكتابه، متبعين لأوليائه؛ حتى يحلنا و إياكم دار المقامة من فضله؛ إنه حميد مجيد. كذا في الكنز (8/ 219) و المنتخب (6/ 324) و ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (1/ 124) بطولها، و زاد في أوله: إن علي بن أبي طالب خطب فقال: الحمد للّه، أحمده، و أستعينه، و أؤمن به، و أتوكل عليه، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى و دين الحق ليزيح به علتكم، و ليوقظ به غفلتكم، و اعلموا أنكم ميتون، و مبعوثون من بعد الموت، و موقوفون على أعمالكم و مجزيون بها، فلا تغرنكم الحياة الدنيا- فذكر نحوه.

أخرج أبو نعيم في الحلية (1/ 77) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن عليا شيع جنازة، فلما وضعت في لحدها، عجّ‏ (2) أهلها و بكوا، فقال: ما تبكون؟ أما و اللّه لو عاينوا ما عاين ميتهم، لأذهلتهم معاينتهم عن ميتهم، و إن له فيهم لعودة ثم عودة حتى لا يبقى منهم أحدا. ثم قام فقال: أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الذي ضرب لكم الأمثال و وقّت لكم الآجال و جعل لكم أسماعا تعي ما عنّاها و أبصارا لتجلو عن غشاها، و أفئدة تفهم ما دهاها في تركيب صورها، و ما أعمرها، فإن اللّه‏

____________

(1) لخوفها.

(2) رفعوا أصواتهم.

12

لم يخلقكم عبثا، لم يضرب عنكم الذكر صفحا، بل أكرمكم بالنعم السوابغ‏ (1)، و أرفدكم بأوفر الروافد (2)، و أحاط بكم الإحصاء، و أرصد لكم الجزاء في السراء و الضراء، فاتقوا اللّه عباد اللّه، وجدوا في الطلب، و بادروا بالعمل، فإنه: مقطع النهمات‏ (3) و هاذم اللذات، فإن الدنيا لا يدوم نعيمها، و لا تؤمن فجائعها، غرور حائل‏ (4)، و شبح فائل‏ (5). و سناد مائل، يمضي مستطرفا (6)، و يردي مستردفا بإتعاب شهواتها و ختل تراضعها. اتعظوا عباد اللّه بالعبر، و اعتبروا بالآيات و الأثر، و ازدجروا بالنذر، و انتفعوا بالمواعظ؛ فكأن قد علقتكم مخالب المنية، و ضمكم بيت التراب، و دهمتكم مفظعات الأمور بنفخة الصور، و بعثرة القبور، و سياقة المحشر، و موقف الحساب بإحاطة قدرة الجبار، كل نفس معها سائق يسوقها لمحشرها، و شاهد يشهد عليها بعملها، و أشرقت الأرض بنور ربها، و وضع الكتاب، و جي‏ء بالنبيين و الشهداء، و قضي بينهم بالحق و هم لا يظلمون، فارتجت لذلك اليوم البلاد، و نادى المناد، و كان يوم التلاق، و كشف عن ساق، و كسفت الشمس، و حشرت الوحوش مكان مواطن الحشر، و بدت الأسرار، و هلكت الأشرار، و ارتجت الأفئدة، فنزلت بأهل النار من اللّه سطوة مجيحة (7)، و عقوبة منيحة (8)، و برزت الجحيم لها كلب‏ (9) و لجب‏ (10)، و قصيف‏ (11) رعد، و تغيظ و وعيد، تأجج جحيمها، و غلى حميمها، و توقد سمومها فلا ينفس‏ (12) خالدها، و لا تنقطع حسراتها، و لا يقصم‏

____________

(1) الكثيرة، الظاهرة منها و الباطنة.

(2) الروافد: العطايا.

(3) الحاجات.

(4) متحول و متغير.

(5) ضعيف.

(6) طالبا جديدا.

(7) مهلكة.

(8) مزعجة مبكية.

(9) شدة.

(10) التبعات و المحن.

(11) صوت مزعج.

(12) يفرج.

13

كبولها (1)، معهم ملائكة يبشرونهم بنزل من حميم، و تصلية جحيم، عن اللّه محجوبون، و لأوليائه مفارقون، و إلى النار منطلقون. عباد اللّه، اتقوا اللّه تقية من كنع‏ (2) فخنع‏ (3)، و وجل فرحل، و حذر فأبصر فازدجر، فاحتث‏ (4) طلبا، و نجا هربا، و قدم للمعاد، و استظهر بالزاد (5)، و كفى اللّه منتقما و بصيرا، و كفى بالكتاب خصما و حجيجا، و كفى بالجنة ثوابا، و كفى بالنار و بالا و عقابا، و أستغفر اللّه لي و لكم.

أخرج الدينوري و ابن عساكر عن علي (رضي اللّه عنه)، أنه خطب الناس، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإن الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع، و إن الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطلاع، و إن المضمار اليوم و غدا السباق، ألا و إنكم في أيام أمل من ورائه أجل؛ فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خيب، ألا فاعملوا للّه في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا و إني لم أر كالجنة نائم طالبها و لم أر كالنار نائم هاربها، ألا و إنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل، و من لم يستقم به الهدى جار به الضلال، ألا و إنكم قد أمرتم بالظعن و دللتم على الزاد، ألا أيها الناس إنما الدنيا عرض حاضر يأكل منها البار و الفاجر و إن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، إلا إن الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء، و اللّه يعدكم مغفرة منه، و فضلا، و اللّه واسع عليم. أيها الناس، أحسنوا في عمركم تحفظوا في عقبكم، فإن اللّه تبارك و تعالى وعد جنته من أطاعه، و وعد ناره من عصاه، إنها نار لا يهدأ زفيرها، و لا يفك أسيرها، و لا يجيز كسيرها، حرها شديد، و قعرها بعيد، و ماؤها صديد، و إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى و طول الأمل. كذا في الكنز (8/ 220) و المنتخب (6/ 324). و ذكر ابن كثير في البداية (8/ 7) هذه الخطبة بطولها عن وكيع عن عمرو بن منبه عن أوفى بن دلهم و قال: و في رواية: فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، و إن طول الأمل ينسي الآخرة.

____________

(1) قيودها.

(2) خضع و لان.

(3) ذل.

(4) أسرع.

(5) استعان و انتصر بالزاد الذي قدمه لنفسه عند اللّه تعالى.

14

أخرج ابن النجار عن زياد الأعرابي قال: صعد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) منبر الكوفة بعد الفتنة و فراغه من النهروان، فحمد اللّه، و خنقته العبرة، فبكى حتى اخضلت لحيته بدموعه و جرت، ثم نفض لحيته، فوقع رشاشها على ناس من أناس، فكنا نقول: إن من أصابه من دموعه فقد حرمه اللّه على النار، ثم قال: يا أيها الناس لا تكونوا ممن يرجوا الآخرة بغير عمل، و يؤخر التوبة بطول الأمل، يقول في الدنيا قول الزاهدين، و يعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطي منها لم يشبع، و إن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي و يبتغي الزيادة فيما بقي، و يأمر و لا يأتي، و ينهى و لا ينتهي، يحب الصالحين و لا يعمل بأعمالهم، و يبغض الظالمين و هو منهم، تغلبه نفسه على ما يظن و لا يغلبها على ما يستيقن، إن استغنى فتن، و إن مرض حزن، و إن افتقر قنط و وهن، فهو بين الذنب و النعمة يرتع، يعافى فلا يشكر، و يبتلى فلا يصبر، كأن المحذّر من الموت سواه، و كأن من وعد و زجر غيره، يا أغراض المنايا، يا رهائن الموت (يا وعاء الأسقام، يا نهبة الأيام، يا نفل الدهر) و يا فاكهة الزمان‏ (1)، و يا نور الحدثان‏ (2) و يا أخرس عند الحجج، و يا من غمرته الفتن، و حيل بينه و بين معرفة العبر، بحق أقول: ما نجا من نجا إلا بمعرفة نفسه، و ما هلك من هلك إلا من تحت يده، قال اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم: 6]، جعلنا اللّه و إياكم ممن سمع الوعظ فقبل، و دعي إلى العمل فعمل. كذا في الكنز (8/ 220) و المنتخب (6/ 325).

أخرج ابن أبي الدنيا و ابن عساكر عن يحيى بن يعمر أن علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) خطب الناس، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، و لم ينههم الربانيون، و الأحبار، أنزل اللّه بهم العقوبات؛ ألا فمروا بالمعروف، و انهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم الذي نزل بهم، و اعلموا أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يقطع رزقا، و لا يقرب أجلا، إن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر إلى كل نفس بما قدر اللّه لها من زيادة أو نقصان في‏

____________

(1) يا فاكهة الزمان: يا عجيبة الزمان في البطر و الركون إلى الراحة و الاشتغال بشهوات النفس.

(2) نور الحدثان: النور- بسكون الواو: الزهو، و الحدثان الشدائد، و المعنى يا زهر الشدائد و هو كناية عن جلبها و الإتيان بها.

15

أهل أو مال أو نفس، فإذا أصاب أحدكم النقصان في أهل أو مال أو نفس، و رأى لغيره غيره؛ فلا يكونن ذلك له فتنة، فإن المرء المسلم ما لم يغش دناءة، يظهر تخشعا لها إذا ذكرت، و يعزي به لئام الناس كالياسر (1) الفالج‏ (2) الذي ينتظر أول فوزة من قداحه، توجب له المغنم، و تدفع عنه المغرم، فكذلك المرء المسلم البري‏ء من الخيانة إنما ينتظر إحدى الحسنيين إذا ما دعا اللّه، فما عند اللّه هو خير له، و إما إن يرزقه اللّه مالا، فإذا هو ذو أهل و مال. الحرث حرثان: المال و البنون حرث الدنيا، و العمل الصالح حرث الآخرة، و قد يجمعهما اللّه لأقوام. قال سفيان بن عيينة:

و من يحسن التكلم بهذا الكلام إلا علي بن أبي طالب؟! كذا في الكنز (8/ 220) و منتخبه (6/ 326). و ذكره في البداية (8/ 8) عن ابن أبي الدنيا بإسناده عن يحيى فذكر من قوله: إن الأمر ينزل به من السماء- إلى الآخرة نحوه، و فيما ذكره: فإذا هو ذو أهل و مال و معه حسبه و دينه، و إما أن يعطيه اللّه في الآخرة خير و أبقى، الحرث حرثان: فحرث الدنيا المال و التقوى، و حرث الآخرة الباقيات الصالحات.

أخرج البيهقي عن أبي وائل قال: خطب علي (رضي اللّه عنه) الناس بالكوفة، فسمعته يقول في خطبته: أيها الناس إنه من يتفقّر افتقر، و من يعمّر يبتلى، و من لا يستعد للبلاء إذا ابتلي لا يصبر، و من ملك استأثر، و من لا يستشير يندم. و كان يقول من وراء هذا الكلام: يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، و من القرآن إلا رسمه، و كان يقول: ألا لا يستحي الرجل أن يتعلم، و من يسأل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، مساجدكم يومئذ عامرة، و قلوبكم و أبدانكم خربة من الهدى، شر من تحت ظل السماء، فقهاؤكم منهم تبدوا الفتنة، و فيهم تعود. فقام رجل، فقال: يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كان الفقه في رذالكم، و الفاحشة في خياركم، و الملك في صغاركم، فعند ذلك تقوم الساعة. كذا في الكنز (8/ 218).

ذكر ابن كثير في البداية (7/ 30) أن عليا (رضي اللّه عنه) قام فيهم خطيبا، فقال: الحمد للّه فاطر الخلق، و فالق الإصباح، و ناشر الموتى، و باعث من في القبور، و أشهد أن لا إله إلا اللّه و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و أوصيكم بتقوى اللّه، فإن أفضل ما

____________

(1) المقامر.

(2) الفالج: الغالب في قمار.

16

توسل به العبد: الإيمان، و الجهاد في سبيله، و كلمة الإخلاص فإنها الفطرة، و إقام الصلاة إنها الملة، و إيتاء الزكاة فإنها من فريضته، و صوم شهر رمضان فإنه جنة من عذابه، و حج البيت فإنه منفاة للفقر مدحضة للذنب، و صلة الرحم فإنها مثراة في المال منسأة في الأجل محبة في الأهل، و صدقة السر فإنها تكفر الخطيئة و تطفئ غضب الرب، و صنع المعروف فإنه يدفع ميتة السوء و يقي مصارع الهول. أفيضوا في ذكر اللّه فإنه أحسن الذكر، و ارغبوا فيما وعد المتقون فإن وعد اللّه أصدق الوعد، و اقتدوا بهدي نبيكم (صلى اللّه عليه و سلم) فإنه أفضل الهدي، و استنوا بسنته فإنها أفضل السنن، تعلموا كتاب اللّه فإنه أفضل الحديث، و تفقهوا في الدين فإنه ربيع القلوب، و استشفوا بنوره فإنه شفاء لما في الصدور، و أحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص، و إذا قرئ عليكم فاستمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون، و إذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلكم تهتدون، فإن العالم العامل بغير عمله كالجاهل الجائر الذي لا يستقيم عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة أعظم و الحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه عن هذا الجاهل المتحير في جهله، و كلاهما مضلل مثبور (1).

لا ترتابوا فتشكوا، و لا تشكوا فتكفروا، و لا ترخصوا لأنفسكم فتذهلوا (2)، و لا تذهلوا في الحق فتخسروا، ألا و إن من الحزم أن تثقوا، و من الثقة ألا تغتروا، و إن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه، و إن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه، و من يطع اللّه يأمن و يستبشر، و من يعص اللّه يخف و يندم، ثم سلوا اللّه اليقين و ارغبوا إليه في العافية، و خير ما دام في القلب اليقين، إن عوازم الأمور أفضلها، و إن محدثاتها شرارها، و كل محدث بدعة، و كل محدث مبتدع، و من ابتدع فقد ضيع، و ما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة، المغبون من غبن دينه و المغبون من خسر نفسه، و إن الرياء من الشرك، و إن الإخلاص من العمل و الإيمان، و مجالس اللهو تنسي القرآن، و يحضرها الشيطان، و تدعو إلى كل غي، و مجالسة النساء تزيغ القلوب و تطمح إليه الأبصار و هي مصائد الشيطان، فاصدقوا اللّه؛ فإن اللّه مع من صدق، و جانبوا

____________

(1) مثبور: هالك.

(2) أي و لا تأخذوا بالرخص فتغفلوا عن الحق و الواجب فتقعوا في المحظور فإن الرخصة تكون بقدر الضرورة.

17

الكذب؛ فإن الكذب مجانب للإيمان، ألا إن الصدق على شرف منجاة و كرامة، و إن الكذب على شرف ردى و هلكة، ألا و قولوا الحق تعرفوا به، و اعملوا به تكونوا من أهله، و أدوا الأمانة إلى من ائتمنكم، و صلوا أرحام من قطعكم، و عودوا بالفضل على من حرمكم، و إذا عاهدتم فأفوا، و إذا حكمتم فاعدلوا و لا تفاخروا بالآباء، و لا تنابزوا بالألقاب، و لا تمازحوا، و لا يغضب بعضكم بعضا، و أعينوا الضعيف و المظلوم و الغارمين و في سبيل اللّه و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب، و ارحموا الأرملة و اليتيم، و أفشوا السلام، و ردوا التحية على أهلها بمثلها أو بأحسن منها، وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ‏ [المائدة: 2] و أكرموا الضعيف، و أحسنوا إلى الجار، و عودوا المرضى و شيعوا الجنازة، و كونوا عباد اللّه إخوانا.

أما بعد: فإن الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع، و إن الآخرة قد أظلت و أشرفت باطلاع، و المضمار اليوم و غدا السباق، و إن السبقة الجنة و الغاية النار، ألا و إنكم في أيام مهل من ورائها أجل يحثه عجل، فمن أخلص للّه عمله في أيام مهلته قبل حضور أجله فقد أحسن عمله و نال أمله، و من قصر عن ذلك فقد خسر عمله و خاب أمله و ضره أمله، فاعملوا في الرغبة و الرهبة، فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا اللّه و اجمعوا معها رهبة، و إن نزلت بكم رهبة فاذكروا اللّه و اجمعوا معها رغبة فإن اللّه قد تأذّن المسلمين بالحسنى و لمن شكر بالزيادة، و إني لم أر مثل الجنة نام طالبها، و لا كالنار نام هاربها، و لا أكثر مكتسبا من شي‏ء أكسبه ليوم تدخر فيه الذخائر، و تبلى فيه السرائر، و تجتمع فيه الكبائر، و إنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل، و من لا يستقم به الهدى يجر به الضلال، و من لا ينفعه اليقين يضره الشك، و من لا ينفعه حاضره فعازبه عنه أعور و غائبه عنه أعجز، و إنكم قد أمرتم بالظعن و دللتم على الزاد، ألا و إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان: طول الأمل، و اتباع الهوى. فأما طول الأمل فينسي الآخرة، و أما اتباع الهوى فيبعد عن الحق، ألا و إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، و إن الآخرة قد ترحلت مقبلة، و لهما بنون؛ فكونوا من أبناء الآخرة إن استطعتم و لا تكونوا من بني الدنيا، فإن اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل. قال‏

18

الحافظ ابن كثير: و هذه خطبة بليغة جامعة للخير ناهية عن الشر، و قد روي لها شواهد من وجوه أخر متصلة، و للّه الحمد و المنة- انتهى.

أخرج الطبراني عن أبي خيرة قال: صحبت عليا (رضي اللّه عنه) حتى أتى الكوفة، فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: كيف أنتم إذا نزل بذرية نبيكم بين ظهرانيكم؟

قالوا: إذا نبلي اللّه فيهم بلاء حسنا، فقال: و الذي نفسي بيده لينزلن بين ظهرانيكم و لتخرجن إليهم فلتقتلنهم، ثم أقبل يقول:

هم أوردوه بالغرور و عردوا* * * أجيبوا دعاه و لا نجاة و لا عذرا

أخرج أحمد في مسنده (1/ 81) عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: خطبنا علي (رضي اللّه عنه) فقال: من زعم أن عندنا شيئا نقرؤه إلا كتاب اللّه و هذه الصحيفة صحيفة فيها أسنان الإبل‏ (1)، و أشياء من الجراحات‏ (2) فقد كذب، قال: و فيها قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«المدينة حرم ما بين عير إلى ثور (3)، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا (4)، فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه يوم القيامة عدلا (5) و لا صرفا (6)، و من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، و لا يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا و لا عدلا، و ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم».

أخرج أحمد (1/ 127) عن إبراهيم النخعي قال: ضرب علقمة بن قيس هذا المنبر و قال: خطبنا علي (رضي اللّه عنه) على هذا المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر ما شاء أن يذكر، و قال: إن خير الناس كان بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أبو بكر ثم عمر (رضي اللّه عنهما)، ثم أحدثنا بعدهما أحداثنا يقضي اللّه فيها. و عنده أيضا (1/ 106) عن أبي جحيفة أنه صعد المنبر- يعني عليا (رضي اللّه عنه)- فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه و صلى على‏

____________

(1) أي مقادير سن كل صنف منها يدفع للزكاة أو للدية.

(2) أي مقادير ما يؤخذ في دية الجراحات عند العفو عن القصاص.

(3) هما جبلان بالمدينة.

(4) جانيا.

(5) الفدية.

(6) التوبة.

19

النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، و الثاني عمر- (رضي اللّه عنهما)- و قال: يجعل اللّه تعالى الخير حيث أحب. و عنده أيضا عن وهب السوائي بمعناه إلا أنه لم يذكر من قوله: ثم أحدثنا، و قال و ما نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر (رضي اللّه عنه).

و أخرج ابن عاصم و ابن شاهين و اللالكائي في السنة و الأصبهاني في الحجة و ابن عساكر عن علقمة قال: خطبنا علي (رضي اللّه عنه)، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: إنه بلغني أن ناسا يفضلوني على أبي بكر و عمر- (رضي اللّه عنهما)-!! و لو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت فيه، و لكني أكره العقوبة قبل التقدم، فمن قال شيئا من ذلك بعد مقامي هذا فهو مفتر، عليه ما على المفتري؛ خير الناس بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أبو بكر ثم عمر- (رضي اللّه عنهما)- ثم أحدثنا بعدهم أحداثا يقضي اللّه فيها ما يشاء.

كذا في المنتخب (4/ 446) و عند أبي نعيم في الحلية عن زيد بن وهب أن سويد بن غفلة دخل على علي (رضي اللّه عنه) في إمارته، فقال: يا أمير المؤمنين إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر و عمر- (رضي اللّه عنهما)- بغير الذي هما له أهل، فنهض فرقي المنبر، فقال: و الذي فلق الحبة و برأ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، و لا يبغضهما إلا شقي مارق؛ فحبهما قربة و بغضهما مروق، ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و وزيريه، و صاحبيه، و سيدي قريش، و أبوي المسلمين؟ فأنا بري‏ء ممن يذكرهما بسوء و عليه معاقب. كذا في المنتخب (4/ 443) .. و قد تقدمت هذه الخطبة بطولها في الغضب للأكابر.

و أخرج اللالكائي و أبو طالب العشاري و نصر في الحجة عن علي بن حسين قال: قال فتى من بني هاشم لعلي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) حين انصرف من صفين: سمعتك تخطب يا أمير المؤمنين في الجمعة تقول: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين، فمن هم؟ فاغرورقت عيناه ثم قال: أبو بكر و عمر- (رضي اللّه عنهما)- إماما الهدى، و شيخا الإسلام، و المهتدى بهما بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، من اتبعهما هدي إلى صراط مستقيم، و من اقتدى بهما يرشد، و من تمسك بهما فهو من حزب اللّه، و حزب اللّه هم المفلحون. كذا في المنتخب (4/ 444).

أخرج أحمد (1/ 116) عن شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي (رضي اللّه عنه)، أو

20

قال: قال علي (رضي اللّه عنه):- يأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه، قال: و لم يؤمر بذلك، قال اللّه عز و جل: وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ‏ و ينهد (1) الأشرار، و يستذل الأخيار، و يبايع المضطرون، قال: و قد نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن بيع المضطرين‏ (2)، و عن بيع الغرر (3)، و عن بيع الثمرة قبل أن تدرك‏ (4).

و أخرج أحمد (1/ 141) عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف (رضي اللّه عنه) قال:

ثم شهدته‏ (5) مع علي (رضي اللّه عنه)، فصلى قبل أن يخطب بلا أذان و لا إقامة، ثم خطب فقال: يا أيّها الناس، إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد نهى أن تأكلوا نسككم بعد ثلاث ليال؛ فلا تأكلوها بعد (6).

و أخرج أحمد (1/ 150) عن ربعي بن حراش أنه سمع عليا (رضي اللّه عنه) يخطب يقول: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تكذبوا عليّ فإنه من يكذب عليّ يلج النار» و أخرجه الطيالسي (ص 17) عن ربعي مثله.

و أخرج أحمد (1/ 156) عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: خطب علي (رضي اللّه عنه) قال: يا أيّها الناس أقيموا على أرقّائكم الحدود، من أحصن منهم، و من لم يحصن، فإن أمة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) زنت، فأمرني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن أقيم عليها الحد، فأتيتها فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن تموت، فأتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فذكرت ذلك له، فقال: «أحسنت».

و أخرج أحمد (1/ 156) عن عبد اللّه بن سبع قال: خطبنا عليّ (رضي اللّه عنه)، فقال:

____________

(1) يرتفع.

(2) هو البيع الذي يكون عن حاجة ملحة كسداد دين أو إجراء عملية جراحية و نحو ذلك، و الشراء ممن هذا حاله بالثمن المجزئ جائز أما أن يشتريه من يعلم بحاله بأقل من ثمنه فإنه يحرم لما فيه من الاستغلال و الظلم.

(3) هو بيع ما لا يعلم قدره و لا صفته.

(4) أي قبل أن يبدو صلاحها و يحرم هذا البيع لما فيه من الجهالة و الغرر.

(5) أي عيد الأضحى.

(6) المراد بالنسك هنا الأضحية، و المراد بالنهي عن أكلها: أكلها على أنها أضحية لفوات زمنها و يجوز أن يدخر المسلم من أضحيته لما بعد هذه الأيام الثلاثة.

21

و الذي فلق الحبة، و برأ النسمة لتخضبن‏ (1) هذه من هذه، قال: قال الناس: فأعلمنا من هو، و اللّه لنبيرن عترته‏ (2)، قال: أنشدكم باللّه أن لا يقتل غير قاتلي، قالوا: إن كنت قد علمت ذلك استخلف إذا، قال: لا، و لكن، أكلكم إلى ما و كلكم إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و أخرج عبد الرزاق و أبو عبيد في الأموال و الحاكم في الكنى و أبو نعيم في الحليلة عن عمرو بن العلاء، قال: خطب علي فقال: يأيها الناس، و اللّه الذي لا إله إلا هو، ما رزأت‏ (3) من مالكم قليلا و لا كثيرا إلا هذه- و أخرج قارورة من كم قميصه فيها طيب- فقال: أهداها إليّ دهقان‏ (4).

كذا في المنتخب (5/ 54).

و أخرج ابن مردويه عن عمير بن عبد الملك قال: خطبنا علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) على منبر الكوفة، قال: كنت إن لم أسأل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ابتدأني، و إن سألته عن الخير أنبأني، و إنه حدثني عن ربه عز و جل قال: «يقول اللّه عز و جل: و ارتفاعي فوق عرشي، ما من أهل قرية، و لا أهل بيت، و لا رجل ببادية، كانوا على ما كرهت من معصيتي، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي؛ إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي، و ما من أهل قرية و لا أهل بيت، و لا رجل ببادية كانوا على ما أحببت من طاعتي ثم تحولوا عنها إلى ما كرهت من معصيتي، إلا تحولت لهم عما يحبون من رحمتي إلى ما يكرهون من غضبي». كذا في الكنز (8/ 203).

خطب أمير المؤمنين الحسن بن علي (رضي اللّه تعالى عنهما)

أخرج ابن سعد (3/ 38) عن هبيرة، قال: لما توفي علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه)، قام الحسن بن علي (رضي اللّه عنهما)، فصعد المنبر فقال: أيها الناس، قد قبض الليلة

____________

(1) أي لتبتلن لحيتي من دماء رأسي.

(2) أي لنهلكن أهله و ذويه.

(3) ما رزأت: أي ما نقصت.

(4) دهقان: عظيم من عظماء الفرس.

22

رجل لم تسبقه الأولون و لا يدركه الآخرون، قد كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يبعثه المبعث، فيكتنفه‏ (1) جبريل عن يمينه و ميكائيل عن شماله، فلا ينثني حتى يفتح اللّه له، و ما ترك إلا سبعمائة درهم أراد أن يشتري بها خادما، و لقد قبض في الليلة التي عرج فيها بروح عيسى ابن مريم، ليلة سبع و عشرين من رمضان. و زاد في رواية أخرى: ما ترك صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه و لم يذكر قوله: و لقد قبض- إلى آخره. و عند أبي نعيم في الحلية (1/ 65) عن هبيرة بالسياق الثاني بمعناه.

و أخرجه أحمد (1/ 199) عنه مختصرا.

و عند أبي يعلى و ابن جرير و ابن عساكر عن الحسن كما في المنتخب (5/ 61) أنه لما قتل علي (رضي اللّه عنه)، قام خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:

أما بعد: و اللّه لقد قتلتم الليلة رجلا في ليلة نزل فيها القرآن، و فيها رفع عيسى ابن مريم (عليه السلام)، و فيها قتل يوشع بن نون فتى موسى (عليه السلام)، و فيها تيب على بني إسرائيل. و أخرجه الطبراني عن أبي الطفيل فذكر بمعنى روايتى ابن سعد و رواية أبي يعلى و غيره و زاد: ثم قال: من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا الحسن ابن محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم تلا هذه الآية- قول يوسف‏ وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ‏ [يوسف: 38]، ثم أخذ في كتاب اللّه، ثم قال: أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، و أنا ابن النبي، و أنا ابن الداعي إلى اللّه بإذنه، و أنا ابن السراج المنير، و أنا ابن الذي أرسل رحمة للعالمين، و أنا من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، و أنا من أهل البيت الذين افترض اللّه عز و جل مودتهم و ولايتهم، فقال فيما أنزل على محمد (صلى اللّه عليه و سلم): قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ [الشورى: 23]. قال الهيثمي (9/ 146): رواه الطبراني في الأوسط و الكبير باختصار و أبو يعلى باختصار و البزار بنحوه إلا أنه قال: و يعطيه الراية، فإذا حم الوغى‏ (2) فقاتل جبريل عن يمينه. و قال: و كانت إحدى و عشرين من رمضان، و رواه أحمد باختصار كثير و إسناد أحمد و بعض طرق البزار و الطبراني في‏

____________

(1) يكتنفه: يحيطه و يستره.

(2) اشتدت الحرب.

23

الكبير حسان. انتهى. و أخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 172) عن علي بن الحسين (رضي اللّه عنهما) بمعنى رواية أبي الطفيل و زاد: و أنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل إلينا و يصعد من عندنا، و زاد: وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً [الشورى: 23]، فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت. قال الذهبي: ليس بصحيح، و سكت الحاكم.

أخرج الطبراني عن أبي جميلة أن الحسن بن علي (رضي اللّه عنهما) حين قتل علي (رضي اللّه عنه) استخلف، فبينا هو يصلي بالناس، إذ وثب إليه رجل فطعنه بخنجر في وركه، فتمرض منها أشهرا، ثم قام فخطب على المنبر، فقال: يا أهل العراق، اتقوا اللّه فينا فإنا أمراؤكم و ضيفانكم، و نحن أهل البيت الذين قال اللّه عز و جل: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: 33]، فما زال يومئذ يتكلم حتى ما ترى في المسجد إلا باكيا، قال الهيثمي (9/ 172):

رجاله ثقات، انتهى. و أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي جميلة نحوه، و في روايته: فما زال يقولها حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إلى و هو يحن بكاء، كما في التفسير لابن كثير (3/ 486).

أخرج الطبراني في الكبير عن الشعبي قال: شهدت الحسن بن علي (رضي اللّه عنهما) بالنخيلة (1) حين صالحه معاوية (رضي اللّه عنه)، فقال له معاوية: إذ كان ذا فقم فتكلم، و أخبر الناس أنك قد سلمت هذا الأمر لي- و ربما قال سفيان: أخبر الناس بهذا الأمر الذي تركته- فقام فخطب على المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه- قال الشعبي:

و أنا أسمع- ثم قال:

أما بعد: فإن أكيس الكيس التقى، و إن أحمق الحمق الفجور، و إن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا و معاوية: و إما كان حقا لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة و حقن دمائهم، أو يكون حقا كان لامرئ أحق به مني ففعلت ذلك، و إن أدري لعله فتنة لكم و متاع إلى حين، قال الهيثمي (4/ 108): و فيه مجالد بن سعيد و فيه كلام و قد وثق و بقية رجاله رجال الصحيح- انتهى.

____________

(1) موضع بالعراق.

24

و أخرج الحاكم (3/ 175) من طريق مجالد عن الشعبي قال: خطبنا الحسن بن علي (رضي اللّه عنه) بالنخيلة حين صالح معاوية (رضي اللّه عنه)، فقام فحمد اللّه و أثنى عليه- فذكر نحوه، و زاد بعد قوله: إلى حين: أقول قولي هذا و أستغفر اللّه لي و لكم.

و أخرجه البيهقي (8/ 173) من طريقه عنه نحوه.

و ذكر ابن جرير في تاريخه (4/ 124) أن الحسن بن علي (رضي اللّه عنه) قال في تلك الخطبة:

أما بعد: يا أيّها الناس فإن اللّه قد هداكم بأولنا، و حقن دماءكم بآخرنا، و إن لهذا الأمر مدة، و الدنيا دول، و إن اللّه تعالى قال لنبيه (صلى اللّه عليه و سلم): وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏ [الأنبياء: 111].

من أقوال الإمام علي (رضي اللّه عنه)

1- ابذل لصديقك كل المودة، و لا تبذل له كل الطمأنينة (1)، و أعطه المؤاساة و لا تفض إليه بكل الأسرار.

2- أبصر الناس لعوار الناس، المعور (2).

3- أبعد الناس سفرا من كان في طلب صديق يرضاه‏ (3).

4- أبى اللّه إلا خراب الدنيا و عمارة الآخرة (4).

5- اتق العواقب، عالما بأن للأعمال جزاء و أجرا، و احذر تبعات الأمور (5) بتقديم الحزم فيها.

6- إثبات الحجة على الجاهل سهل، و لكن إقراره بها صعب.

____________

(1) الطمأنينة: المراد هنا عدم الإفراط في الثقة، لأن الإفراط فيها نوع من التورط. و الشاعر يقول:

احذر عدوك مرة* * * و احذر صديقك ألف مره‏

فلربما انقلب الصديق‏* * * فكان أعلم بالمضره‏

(2) المعور العوار- بوزن كلام و قد تضم العين- العيب. و المعور: لين العيوب.

(3) المراد: أن الصديق الذي يرضيك في كل الأحوال معدوم.

(4) المراد: أن الدنيا دار فناء، و أن الآخرة دار بقاء، و الآخرة خير و أبقى.

(5) تبعات الأمور: ما يترتب عليها من جزاء و تكاليف.

25

7- اثنان يهون عليهما كل شي‏ء: عالم عرف العواقب، و جاهل يجهل ما هو فيه.

8- اجتماع المال عند الأسخياء أحد الخصبين، و اجتماع المال عند البخلاء أحد الجدبين‏ (1).

9- الاجتهاد أربح بضاعة.

10- اجعل سرك إلى واحد، و مشورتك إلى ألف.

11- اجعل عمرك كنفقة دفعت إليك، فكما لا تحب أن يذهب ما تنفق ضياعا، فلا تذهب عمرك ضياعا.

12- اجعل نفسك ميزانا فيما بينك و بين غيرك‏ (2).

13- أجلّ ما ينزل من السماء التوفيق‏ (3)، و أجلّ ما يصعد من الأرض الإخلاص‏ (4).

14- أجمل لمن أدل عليك‏ (5)، و اقبل عذر من اعتذر إليك.

15- أجهل الجهال من عثر بحجر مرتين‏ (6).

16- أحب لغيرك ما تحب لنفسك، و اكره له ما تكره لها.

____________

(1) لأن الأسخياء ينفقون ما يمسكون، فيعم الانتفاع به، و تتولد منه نعمة جديدة و أما البخلاء فيمسكونه فيزداد بإمساكه الفقير فقرا.

و صدق المتنبي في قوله:

و من ينفق الساعات في جمع ماله‏* * * مخافة فقر فالذي فعل الفقر

(2) أي اجعل نفسك حكما عدلا مما يقع بينك و بين غيرك من خلاف، و لا تتعصب لنفسك.

و أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك.

(3) صدق الإمام، فإنه لا ينفع جهد بغير توفيق حين قد يجني على المرء اجتهاده.

(4) لأن الإخلاص روح العمل، و اللّه طيب لا يقبل إلا الطيب، و نية المرء خير من عمله (و الأعمال بالنيات)

(5) الإدلال و التدلل: الوثوق بالمحبة و الانبساط، فيفرط المدل على من يحبه، فعلى صاحبه أن يرفق به و يحتمله، و إكراما لحسن نيته و وثيق محبته.

(6) فيه إشارة إلى الحكمة لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.

26

17- أحب الناس إليك من كثرت أياديه عندك‏ (1).

18- احتمال الفقر أحسن من احتمال الذل، لأن الصبر على الفقر قناعة، و الصبر على الذل ضراعة (2).

19- الاحتمال قبر العيوب‏ (3).

20- احذروا هذه الدنيا الخداعة الغرارة، التي قد تزينت بحليها، و فتنت بغرورها، و غرت بآمالها، و تشوقت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة، و العيون إليها ناظرة، و النفوس بها مشغوفة، و القلوب إليها تائقة، و هي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، و لا الآخر بسوء أثرها غلى الأول مزدجر: و لا اللبيب فيها بالتجارب منتفع. أبت القلوب لها إلا حبا، و النفوس بها إلا ضنّا فالناس لها طالبان: طالب ظفر بها فاغتر فيها، و نسي التزود منها للظعن‏ (4) عنها، فقل فيها لبثه حتى خلت منها يده، و زلت عنها قدمه.

21- الإحسان يقطع اللسان‏ (5).

22- احسبوا كلامكم من أعمالكم، و أقلوه إلا في الخير (6).

23- أحسن إلى من أساء إليك، و كافئ من أحسن إليك.

24- أحسن العفو، فإن العفو مع العدل أشد من الضرب لمن كان له عقل‏ (7).

25- أحسنوا صحبة النعم، فإنها تزول، و تشهد على صاحبها، بما عمل فيها (8).

____________

(1) الأيادي: يقصد به كثرة النعم و الإحسان.

(2) ضرع يضرع- بفتح الراء فيها- ضراعة: خضع و ذل.

(3) إذا رزق الإنسان قوة الاحتمال، تغاضى عن إساءات الناس إليه، فلا يذيع عيوبهم لأن نشر عيوب المسيئين مجازاة، و هذا ينافي الاحتمال.

(4) الظعن- بفتح العين و سكونها- السير. و يقصد بها أن الدنيا خداعة لا أمان لها.

(5) المراد بقطع اللسان: كفه عن الذم، و هو كناية لطيفة.

(6) احسبوا: أي عدوا. من باب نصر و كتب و ربما بحسب الكلام من العمل. لأن الإنسان محاسب عليه، و هل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم.

(7) من المسلم به أن العفو يستأسر النفوس الحرة الكريمة، و للّه در المتنبي حيث يقول:

و ما قتل الأحرار كالعفو عنهم‏* * * و من لك بالحر الذي يحفظ اليدا

(8) المراد بإحسان صحبة النعم: شكر اللّه عليها، لأن ذلك يزيدها، لَئِنْ شَكَرْتُمْ‏-

27

26- احفظ شيئك‏ (1) ممن تستحي أن تسأله عن مثل ذلك الشي‏ء إذا ضاع لك.

27- الأحمق إذا حدّث ذهل‏ (2)، و إذا حدّث عجل، و إذا حمل على القبيح فعل.

28- أحي المعروف بإماتته‏ (3).

29- الأخ البار مغيض الأسرار (4).

30- اختر أن تكون مغلوبا و أنت منصف، و لا تختر أن تكون غالبا و أنت ظالم.

31- أخر الشر، فإنك إذا شئت تعجلته‏ (5).

32- أداء الأمانة مفتاح الرزق‏ (6).

33- أدب نفسك بما كرهته لغيرك‏ (7).

34- إذا أراد اللّه أن يزيل عن عبده نعمة، كان أول ما يغير منه عقله‏ (8).

35- إذا أراد اللّه أن يسلط على عبد عدوا لا يرحمه سلط عليه حاسدا (9).

36- إذا أراد اللّه بعبد خيرا حال بينه و بين شهوته، و حجز بينه و بين قلبه‏ (10)،

____________

- لَأَزِيدَنَّكُمْ‏ و أن يشرك الناس فيها، ليتمتع بحبهم و يأمن حسدهم و كيدهم فإن كل ذي نعمة محسود.

(1) المراد: إذا كنت تملك شيئا تستحي- لو أخذه صديقك و ضيعه- أن تسأله عنه من الحزم ألا تمكنه منه، حتى لا تخسر صداقته.

(2) ذهل: بفتح الهاء و كسرها: نسي الشي‏ء و غفل عنه.

(3) أي لا تذكر الجميل الذي صنعته، فإن عدم ذكره يشهره و يحييه.

(4) البار: المطيع الحافظ للود، و مغيض الأسرار: مجمعها و موضع صيانتها.

(5) المراد: أن الشر تستطيع أن تفعله في كل وقت، فمن الخير أن تؤخره حتى تتبين وجه الحزم في ذلك، و لقد صدق من قال: الشرّ حلو أوله، مر آخره!!.

(6) لأن الأمناء يحبهم الناس، و يثقون بهم، و يؤثرون العمل معهم.

(7) أي ما كرهته من غيرك لا تفعله، و خذ نفسك بدلك حتى يصير لك أدبا.

(8) لأن العقل أنفس ما أنعم اللّه به على عبده، فلا قيمة لنعمة بعد زواله.

(9) لأن الحاسد لا يرضيه إلا زوال نعمة من يحسده، فالحسد أشد من العداوة.

(10) المراد: أهواء القلوب و نزواتها القاتلة.

28

و إذا أراد به شرا و كله إلى نفسه.

37- إذا أردت أن تصادق رجلا فانظر من عدوه‏ (1).

38- إذا أردت أن تعرف طبع الرجل فاستشره، فإن تقف من مشورته على عدله و جوره، و خيره و شره.

39- إذا أرسلت لبعر فلا تأت بتمر، فيؤكل تمرك، و تعنف على خلافك‏ (2).

40- إذا استشارك عدوك فجرد له النصيحة لأنه باستشارتك قد خرج من عداوتك، و دخل في مودتك.

41- إذا انقضى ملك قوم خيبوا في آرائهم‏ (3).

42- إذا أيسرت فكل الرجال رجالك، و إذا أعسرت أنكرك أهلك.

43- إذا تزوج الرجل فقد ركب البحر، فإن ولد له فقد كسر به‏ (4).

44- إذا حل القدر بطل الحذر (5).

45- إذا رأت العامة منازل الخاصة من السلطان حسدتها عليها، و تمنت أمثالها، فإذا رأت مصارعها، بدا لها (6).

46- إذا رغبت في المكارم، فاجتنب المحارم‏ (7).

47- إذا زادك الملك تأنيسا، فزده إجلالا (8).

____________

(1) لأن عدو الإنسان يدل عليه، و السفلة أعداء العلية، و اللئام أعداء الكرام، و الجهلاء أعداء العلماء و هكذا.

(2) المراد: طاعة ولي الأمر فيما يكلفونك به- في غير معصية اللّه- فعندهم من العلم فوق ما عندك. و للأمور ظواهر و بواطن.

(3) لأن انقضاء الملك دليل على انقضاء التوفيق و السعادة و اليمن، و لأن العثرات تقع تباعا.

(4) يشير الإمام بذلك إلى عظم تكاليف الزواج و العيال، و هو أمر مسلم به، لا أنه يريد التزهيد في الزواج و ما يتبعه، فلا رهبانية في الإسلام.

(5) المراد: إذا وقع القدر فلا فائدة للحذر.

(6) بدا لها: أي ظهر لها في ذلك رأي آخر، فتحمد اللّه على أنها لم تنل ما نالوا فتصاب بمثل ما أصيبوا به.

(7) المحارم: جمع محرم كمقعد، و هو الحرام.

(8) المراد بالملك هنا: كل ذي سلطان، و يدخل في ذلك كل من هو فوقك رتبة، و هذا من صناعة الجميل بمثله‏ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ.

29

48- إذا زللت فارجع، و إذا ندمت فأقلع، و إذا أسأت فاندم، و إذا مننت‏ (1) فاكتم، و إذا منعت فأجمل و من يسلف المعروف يكن ربحه الحمد.

49- إذا شئت أن تطاع، فاسأل ما يستطاع.

50- إذا صافاك عدوك رياء منه، فتلق ذلك بأوكد مودة، فإنه إن ألف ذلك و اعتاده خلصت لك مودته.

51- إذا ضحك العالم ضحكة مج من العلم مجة (2).

52- إذا غضب الكريم، فألن له الكلام، و إذا غضب اللئيم فخذ له العصا.

53- إذا فعلت كل شي‏ء، فكن كمن لم يفعل شيئا (3).

54- إذا قصرت يدك عن المكافأة، فليطل لسانك بالشكر (4).

55- إذا قعدت و أنت صغير حيث تحب، قعدت و أنت كبير حيث تكره‏ (5).

56- إذا وضع الميت في قبره اعتورته‏ (6) نيران أربع: فتجي‏ء الصلاة فتطفئ واحدة، و يجي‏ء الصوم فيطفئ واحدة، و تجي‏ء الصدقة فتطفئ واحدة، و يجي‏ء العلم فيطفئ الرابعة، و يقول: لو أدركتهن لأطفأتهن كلهن، فقر عينا: فأنا معك، و لن ترى بؤسا.

57- إذا وقع في يدك يوم السرور فلا تخله‏ (7).

____________

(1) مننت: أعطيت.

(2) الضحكة: بفتح الضاد- المرة الواحدة. و المج: الرمي. حث العلماء على الجد و التوقر و التصون، و ترك الإسفاف، و التهافت، لأنهم موضع القدوة و الإمامة للناس، و إلا فالضحك المعتدل في موضع الضحك غير محظور، و قد كان ضحك الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) تبسما في عامة أحواله، و كان يضحك أحيانا حتى تبدو نواجذه.

(3) المراد: الحث على الإكثار من الأفعال الصالحة.

(4) و قد أشار المتنبي إلى هذا المعنى بقوله:

لا خيل عندك تهديها و لا مال‏* * * فليسعد النطق إن لم تسعد الحال‏

(5) لأن الصغير- بحكم عقله- قد يحب القعود في مواطن لا تفضي به إلى الشرف مستقبلا، كأماكن اللهو و الخلاعة و المرح و يكفي أن نعلم أن الصغار يؤثرون دور الملاهي على المدارس.

(6) اعتورته: تداولته.

(7) أي إذا مرت بك أيام سرور فلا تتباءس فيها، و اعمرها بما أحله اللّه من ألوان الفرح و هي كثيرة.

30

58- إذا نزلت بك النعمة فاجعل قراها (1) الشكر فإنك إذا وقعت في يد يوم الفم لم يخلك.

59- أربع القليل منهن كثير: النار، و العداوة، و المرض، و الفقر.

60- أربع يمتن القلب: الذنب على الذنب، و ملاحاة الأحمق‏ (2)، و كثرة مثافنة النساء (3)، و الجلوس مع الموتى.

قالوا: و من الموتى يا أمير المؤمنين؟

قال: كل عبد مترف‏ (4).

61- أربعة تدعو إلى الجنة: كتمان المصيبة، و كتمان الصدقة، و بر الوالدين، و الإكثار من قول: «لا إله إلا للّه».

62- أربعة من الشقاء: جار السوء، و ولد السوء، و امرأة السوء، و المنزل الضيق.

63- ارحم الفقراء، لقلة صبرهم، و الأغنياء، لقلة شكرهم، و ارحم الجميع:

لطول غفلتهم.

64- ارض من الناس لك، ما ترضى لهم به لنفسك.

65- ارفق بالبهائم، فلا توقف عليها أحمالها، و لا تبقي بلجمها، و لا تحمل فوق طاقتها.

66- إساءة المحسن، أن يمنعك جدواه‏ (5)، و إحسان المسي‏ء أن يكف عنك أذاه.

67- استجيروا باللّه تعالى، و استخيروه في أموركم، فإنه لا يسلم‏ (6) مستجيرا، و لا يحرم مستخيرا (7).

____________

(1) القرى: ما يقدم للضيف.

(2) الملاحاة: المنازعة.

(3) المثافنة: المجالسة و الملازمة.

(4) المترف: المنعم.

(5) الجدوى: العطية.

(6) لا يسلمه: لا يتركه للهلاك.

(7) المستخير: طالب الخير من اللّه.

31

68- استشارة الأعداء من باب الخذلان.

69- الاستغفار يحت‏ (1) الذنوب حت الورق، ثم تلا قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:

110].

70- الاستغناء عن العذر أعز من الصدق به‏ (2).

71- أسوأ الناس حالا من لا يثق بأحد لسوء ظنه، و لا يثق به أحد لسوء أثره.

72- أشجع الناس أثبتهم عقلا في بداهة الخوف‏ (3).

73- أشد المشاق وعد كذاب لحريص‏ (4).

74- أشد من البلاء شماتة الأعداء.

75- الأشرار يتتبعون مساوئ الناس، و يتركون محاسنهم، كما يتتبع الذباب المواضع الفاسدة.

76- أشرف الأشياء العلم، و اللّه تعالى عالم يحب كل عالم.

77- اشكر لمن أنعم عليك، و أنعم على من شكرك.

78- اصحب الناس بأي خلق شئت، يصحبوك بمثله.

79- أصلح مثواك، و اتبع آخرتك بدنياك.

80- أضر الأشياء عليك أن تعلم رئيسك أنك أعرف بالرياسة منه.

81- اطبع الطين ما دام رطبا، و اغرس العود ما دام لدنا.

82- أطع أخاك و إن عصاك، و صله و إن جفاك.

83- اطلبوا الحاجات بعزة الأنفس، فإن بيد اللّه قضاءها.

____________

(1) الحت: الفرك.

(2) العذر- و إن صدق- لا يخلو من تصاغر عند الموجه إليه، فإنه اعتراف بالتقصير في حقه، فالبعد عما يوجب الاعتذار أعز.

(3) البداهة: الفجاءة.

(4) الحريص: الجشع- بفتح فكسر- و إنما كان الأمر كذلك، لأن الكذاب لا ينجز ما وعد، و الحريص مولع بالحصول على ما وعد به.

32

84- أطول الناس عمرا من كثر علمه فتأدب به من بعده، أو كثر معروفه فشرف به عقبه‏ (1).

85- أعداء الرجل قد يكونون أنفع من إخوانه، لأنهم يهدون إليه عيوبه فيتجنبها، و يخاف شماتتهم به فيضبط نعمته، و يتحرز من زوالها بغاية طوقه‏ (2).

86- اعص هواك و النساء، و افعل ما بدا لك.

87- أعظم الخطايا عند اللّه، اللسان الكذوب. و قائل كلمة الزور و من يمد بحبلها، في الإثم سواء.

88- اعف عمن ظلمك.

89- اعلموا أنكم ميتون و مبعوثون من بعد الموت، و موقوفون على أعمالكم، و مجزيون بها، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، فإنها دار بالبلاء محفوفة، و بالفناء معروفة، و بالغدر موصوفة، و كل ما فيها إلى زوال، و هي بين أهلها دول و سجال، لا تدوم أحوالها، و لن يسلم من شر نزالها. بينا أهلها منها في رخاء و سرور، إذا هم منها في بلاء و غرور، أحوال مختلفة، و تارات متصرفة. العيش فيها مذموم، و الرجاء فيها لا يدوم، و إنما أهلها فيها أعراض مستهدفة فترميهم بسهمامها، و تقصمهم بحمامها و كل حتفه فيها مقدور و حظه منها موفور.

90- أفضل العبادة الصمت، و انتظار الفرج.

91- أفضل على من شئت تكن أميره، و استغن عمن شئت تكن نظيره، و احتج إلى من شئت تكن أسيره.

92- الاقتصاد ينمي اليسير، و الفساد يبيد الكثير.

93- أكثروا ذكر الموت، و يوم خروجكم من قبوركم، و يوم وقوفكم بين يدي اللّه- عز و جل- تهن عليكم المصائب.

____________

(1) العقب: الولد.

(2) الطوق: الطاقة و الوسع، بضم الواو و في هذا المعنى ورد قول الشاعر:

عداي لهم فضل علي و منة* * * فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا

هم عرفوني زلّتي فاجتنبتها* * * و هم نافسوني فارتقيت المعاليا

33

94- أكرم الحسب حسن الخلق‏ (1).

95- اللهم اغفر رمزات الألحاظ (2)، و سقطات الألفاظ، و شهوات الجنان‏ (3)، و هفوات اللسان.

96- اللهم إن فههت عن مسألتي، أو عمهت عن طلبتي، فدلني على مصلحتي، و خذ بناصيتي إلى مراشدي‏ (4)، اللهم احملني على عفوك، و لا تحملني على عدلك.

97- اللهم أنت خلقتني كما شئت، فارحمني كيف شئت، و وفقني لطاعتك، حتى تكون ثقتي كلها بك، و خوفي كله منك.

98- اللهم إنا نعوذ بك من بيات غفلة و صباح ندامة.

99- اللهم إني أسألك إخبات المخبتين‏ (5)، و إخلاص الموقنين، و مرافقة الأبرار، و العزيمة في كل بر، و السلامة من كل إثم، و الفوز بالجنة، و النجاة من النار.

100- و وقف على قوم أصيبوا بمصيبة، فقال:

إن تجزعوا فحق الرحم بلغتم، و إن تصبروا فحق اللّه أديتم.

101- إن حسدك أخ من إخوتك على فضيلة ظهرت منك، فسعى في مكروهك، فلا تقابله بمثل ما كافحك به، فتعذر نفسه في الإساءة إليك، و تشرع له طريقا إلى ما يحبه فيك، لكن اجتهد في التزيد من تلك الفضيلة التي حسدك عليها، فإنك تسوءه من غير أن توجده حجة عليك.

102- إن غلبت يوما على المال، فلا تغلبنه على الحيلة على كل حال.

103- إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة (6).

____________

(1) الحسب: ما تعده من مفاخر آبائك، أو المال، أو الدين، أو الكرم، أو الشرف في الفعل، أو الفعال الصالح، أو الصرف الثابت في الآباء. و قال ابن الكيت: الحسب و الكرم يكونان بدون الآباء، و الشرف و المجد لا يكونان إلا بالآباء.

(2) الرمز: الإشارة و الإيماء بالشفتين و الحاجب، و بابه نصر و ضرب.

(3) الجنان بالفتح: القلب.

(4) المراشد: مقاصد الطرق، أي سددني و اهدني.

(5) الإخبات: الخشوع.

(6) طرائف الحكمة: غرائب تنبسط إليها القلوب، كما تنبسط الأبدان لغرائب المناظر.

34

104- إن اللّه أنعم على العباد بقدر قدرته، و كلفهم من الشكر بقدر قدرتهم.

105- إن اللّه خلق النساء من عي و عورة، فداووا عيهن بالسكوت، و استروا العورة بالبيوت.

106- بادر الفرصة، قبل أن تكون غصة.

107- بئس الطعام الحرام.

108- بئس القلادة للخير العفيف، قلادة الدين.

109- بالبر يستعبد الحر.

110- البر ما سكنت إليه نفسك، و اطمأن إليه قلبك: و الإثم ما جال في نفسك، و تردد في صدرك.

111- بر الوالدين من أكرم الطبائع.

112- البخلاء من الناس، يكون تغافلهم عن عظيم الجرم أسهل عليهم من المكافأة على يسير الإحسان.

«اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا، و كثرة عدونا، و تشتت أهوائنا» (1).

رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ‏ [الأعراف: 89].

و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.

____________

(1) الأهواء: جمع هوى و هو ما تميل إليه النفس.

و العبارة تشير إلى الاختلاف الموجود في داخل النفوس، كل له غرض يخالف الآخر، فهم لا يجتمعون على هدف واحد و غاية واحدة.

35

الفصل الثاني مناقب الأسد الغالب علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه)

للعلامة شمس الدين محمد بن الجزري (رحمه اللّه تعالى)

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

ترجمة المؤلف‏

هو: الحافظ المقرئ، شيخ الإقراء في زمانه، شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن يوسف الدمشقي الشافعي، المعروف بابن الجزري. ولد سنة 751 ه.

و سمع من أصحاب الفخر بن البخاري، و برع في القراءات. ولي قضاء شيراز، و انتفع به أهلها في القراءات و الحديث.

و كان إماما في القراءات، لا نظير له في عصره في الدنيا، حافظا للحديث، و غيره أتقن منه، و لم يكن له في الفقه معرفة.

ألف: «النشر في القراءات العشر»، و هو مطبوع.

و قال السيوطي في كتاب النشر هذا: «لم يصنف مثله» ا ه. و له تخاريج في الحديث.

و له كتابنا هذا: «مناقب الأسد الغالب ..».

وصفه ابن حجر بالحفظ في مواضع عديدة من «الدرر الكامنة». مات سنة 733 ه.

انظر ترجمته في:

1- البدر الطالع (2/ 257).

2- ذيل تذكرة الحفاظ (5/ 376- للسيوطي).

3- طبقات الحفاظ (ص 543- 544).

4- شذرات الذهب (7/ 204).

5- الضوء اللامع (9/ 255).

6- طبقات المفسرين للداودي (2/ 59).

7- هدية العارفين (2/ 187، 188)، و غيرها.

38

[تصدير]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ «رب يسر و لا تعسر يا كريم» قال شيخنا الإمام العالم العلامة شيخ القراء و المحدثين قاضي القضاة شمس الدين محمد أبو الخير بن محمد بن محمد الجزري الدمشقي أبقاه اللّه للمسلمين: الحمد للّه على أن هدانا لدين الإسلام، و وفقنا لسنة نبيه عليه أفضل الصلاة و السلام، و حبانا بمحبة أهل بيته الكرام، و صحابته نجوم الهدى الأعلام عليه أفضل صلاة و أكمل سلام إلى يوم القيامة، ندخرها أمانا للفزع الأكبر في هول ذلك المقام، و بعد: فهذه أحاديث مسندة مما تواتر و صح و حسن من أسنى مناقب الأسد الغالب، مفرق الكتائب، و مظهر العجائب، ليث بن غالب أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) و (رضي اللّه عنه) و أرضاه أوردتها بمسلسلات من حديثه، و بمتصلات من روايته و تحديثه، و بأعلى إسناد صحيح إليه، من القران و الصحبة و الخرقة، التي اعتمد فيها أهل الرواية عليه، نسأل اللّه تعالى أن يثيبنا على ذلك و يقربنا به لديه.

[قول الإمام أحمد في عليّ‏]

1- أخبرنا جماعة من شيوخنا الثقات منهم القاضي عز الدين أبو عبد اللّه محمد بن موسى بن سليمان الأنصاري- (رحمه اللّه)- فيما شافهنا به بدار الحديث الأشرفية داخل دمشق المحروسة، عن الشيخ الإمام أبي الحسن عليّ بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي قال: أخبرنا الإمام أبو الفتوح أسعد بن محمود العجلي في كتابه، أنا أبو القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ، أنا أبو بكر أحمد بن علي بن عبد اللّه الشيرازي، أنا محمد بن عبد اللّه الحافظ قال: سمعت القاضي أبا الحسن عليّ بن الحسن الجراحي يقول: سمعت أبا حامد محمد بن هارون الحضرميّ يقول: سمعت محمد بن منصور الطوسيّ يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الفضائل ما جاء لعليّ بن أبي طالب (رضي اللّه عنه).

39

[من كنت مولاه فعلي مولاه‏]

2- أخبرنا أبو حفص عمر بن الحسن المراغي فيما شافهني به، عن أبي الفتح يوسف بن يعقوب الشيباني، أنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، أنا أبو منصور القزاز، أنا الإمام أبو بكر بن ثابت الحافظ، أنا محمد بن عمر بن بكير، أنا أبو عمر يحيى بن عمر الأخباري، ثنا أبو جعفر أحمد بن محمد الضبعي، ثنا الأشج، حدثنا العلاء بن سالم، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عليا (رضي اللّه عنه) بالرحبة ينشد الناس: من سمع النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه» فقام اثنا عشر بدريا فشهدوا أنهم سمعوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول ذلك‏ (1).

هذا حديث حسن صحيح من وجوه كثيرة، تواتر عن أمير المؤمنين عليّ، و هو يتواتر أيضا عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، رواه الجمّ الغفير عن الجم الغفير، و لا عبرة بمن حاول تضعيفه ممن لا اطلاع له في هذا العلم، فقد ورد مرفوعا عن أبي بكر الصديق، و عمر بن الخطاب، و طلحة بن عبيد اللّه، و الزبير بن العوام، و سعد بن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، و العباس بن عبد المطلب، و زيد بن أرقم و البراء بن عازب، و بريدة بن الحصيب، و أبي هريرة، و أبي سعيد الخدري، و جابر بن عبد اللّه، و عبد اللّه بن عباس، و حبشي بن جنادة، و عبد اللّه بن مسعود، و عمران بن حصين، و عبد اللّه بن عمر، و عمار بن ياسر، و أبي ذر الغفاري، و سلمان الفارسي، و أسعد بن زرارة، و خزيمة بن ثابت، و أبي أيوب الأنصاري، و سهل بن حنيف، و حذيفة بن اليمان، و سمرة بن جندب، و زيد بن ثابت، و أنس بن مالك، و غيرهم من الصحابة (رضوان اللّه عليهم)، و صح عن جماعة منهم من يحصل القطع بخبرهم، و ثبت أيضا أن هذا القول كان منه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم غدير خم و ذلك في خطبة خطبها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في حقه ذلك اليوم، و هو الثاني عشر من ذي الحجة سنة إحدى عشر لما رجع (صلى اللّه عليه و سلم) من حجة الوداع، و لذلك سبب سنذكره قريبا و اللّه أعلم.

____________

(1) الحديث صحيح و متواتر كما قال المصنف، و كما سيرد من الروايات إن شاء اللّه تعالى.

40

[اللهم وال من والاه‏]

3- كما أخبرنا شيخنا أبو عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي قراءة عليه أخبرنا الإمام فخر الدين علي بن أحمد المقدسي، أنا أبو علي حنبل بن عبد اللّه الرصافي، أخبرنا أبو القاسم الشيباني، أنا أبو علي بن المذهب، أنا أحمد بن جعفر، ثنا عبد اللّه بن الإمام أحمد، ثنا عليّ بن حكيم الأودي أنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب و عن زيد بن يثيع قالا: أنشد علي (رضي اللّه عنه) الناس في الرّحبة (1): من سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول يوم غدير خمّ؟ قال: فقام من قبل سعيد ستة و من قبل زيد ستة، فشهدوا أنهم سمعوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول لعلي يوم غدير خم «أليس اللّه أولى بالمؤمنين؟» قالوا بلى. قال: «اللهم من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه».

4- و به قال: حدثنا عليّ بن حكيم، أنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو ذي مر بمثل حديث أبي إسحاق، يعني عن سعيد و زيد، و زاد فيه «و انصر من نصره و اخذل من خذله».

هكذا رويناه في مسند الإمام أحمد (2) من حديث ابنه، و ألطف طريق وقع بهذا الحديث و أغربه.

[منزلة عليّ من الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)‏]

5- كما حدثنا به شيخنا خاتمة الحفاظ أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن المحب المقدسيّ مشافهة، أخبرتنا الشيخة أم محمد زينب ابنة أحمد بن عبد الرحيم‏

____________

(1) الرحبة: قرية بحذاء القادسية على مرحلة من الكوفة.

(2) صحيح، و سنده ضعيف: أخرجه عبد اللّه بن أحمد في «زوائد المسند» برقم (95- 951/ تحقيق أحمد شاكر)، (1/ 118- ط. المكتب الإسلامي)، و النسائي في «خصائص عليّ» برقم (85)، و ابن أبي عاصم في «السنة» برقم (1374) من طريق شريك به. و هذا إسناد ضعيف، شريك هو القاضي، ضعيف لسوء حفظه، و لكنه توبع بفطر بن خليفة، و هو حسن الحديث، و أخرج هذه المتابعة ابن أبي عاصم في «السنة» برقم (1370)، و هذا الإسناد حسن في الشواهد، و المتابعات، و ستأتي طرق و شواهد أخرى تقويه إن شاء اللّه تعالى.

41

المقدسية، عن أبي المظفر محمد بن فتيان بن المني، أخبرنا أبو موسى محمد بن أبي بكر الحافظ، أنا ابن عمة (1) والدي القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد المديني بقراءتي عليه، أنا ظفر بن راعي العلوي باستراباذ أنا والدي و أبو أحمد بن مطرف المطرفيّ قالا: حدثنا أبو سعيد الإدريسي إجازة فيما أخرجه في تاريخ استراباذ، حدثني محمد بن محمد بن الحسن أبو العباس الرشيدي من ولد هارون الرشيد بسمرقند، و ما كتبناه إلا عنه، ثنا أبو الحسن محمد بن جعفر الحلواني، ثنا علي بن محمد بن جعفر الأهوازيّ مولى الرشيد، ثنا بكر بن أحمد البصري، حدثتنا فاطمة بنت عليّ بن موسى الرضى [حدثتني فاطمة و زينب و أم كلثوم بنات موسى بن جعفر، قلن: حدثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمد الصادق قالت: حدثتني فاطمة بنت محمد بن عليّ، حدثتني فاطمة بنت علي‏] (2) .. حدثتني فاطمة و سكينة ابنتا الحسين بن عليّ، عن أم كلثوم بنت فاطمة بنت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رضى اللّه عنهم قالت:

أنسيتم قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم غدير خم: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» و قوله (صلى اللّه عليه و سلم):

«أنت مني بمنزلة هارون من موسى (عليهما السلام)».

هكذا أخرجه الحافظ الكبير أبو موسى المديني في كتابه المسلسل بالأسماء و قال: «و هذا الحديث مسلسل من وجه آخر، و هو أن كل واحدة من الفواطم تروي عن عمة لها، فهو رواية خمس بنات أخ كل واحدة منهن عن عمتها» (3).

و سبب هذه الخطبة في يوم الغدير ما ذكره ابن إسحاق و هو أن عليا (رضي اللّه عنه) لما بعثه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى اليمن أميرا هو و خالد بن الوليد، و رجع فوافى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة في حجة الوداع و قد كثرت فيه القالة و تكلم فيه بعض من كان معه بسبب استرجاعه منهم خلعا كان أطلقها لهم نائبة عليهم لما تعجل السير إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما

____________

(1) في نزهة الحفاظ: «ابن عم».

(2) ما بين المعقوفين زيادة من «نزهة الحفاظ».

(3) إسناده ضعيف، و المتنان كل منهما صحيح:

أخرجه أبو موسى المديني في «نزهة الحفاظ» برقم (54- ط. مكتبة القرآن).

و في سنده محمد بن محمد الرشيدي، قال الخطيب في «تاريخه» (3/ 221): «يقع في أحاديثه الإفرادات للضعفاء و المجهولين، ما لا يطيب به القلب» ا ه. و في السند أيضا من لم أقف على ترجمته.

42

تفرغ (صلى اللّه عليه و سلم) من حجه و نزل غدير خم خطب هذه الخطبة تنبيها على قدر علي (رضي اللّه عنه) وردا على من تكلم فيه.

[قدر عليّ عند النبي (صلى اللّه عليه و سلم)‏]

6- أخبرنا ابن أبي عمر، أنا ابن البخاريّ، أنا حنبل، أنا ابن الحصين، أنا ابن المذهب، أنا ابن مالك، أنا عبد اللّه بن أحمد، حدثني أبي، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا عبد اللّه بن حبيب بن أبي ثابت، عن حمزة بن عبد اللّه، عن أبيه، [عن عبد اللّه بن عمر] (1)، عن سعد قال: لما خرج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلى تبوك خلف عليا فقال: «أتخلفني؟» فقال «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» (2).

7- و به إلى أحمد، ثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم، ثنا سليمان بن بلال، ثنا الجعيد (3) بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها أن عليا خرج مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى جاء ثنية الوداع و عليّ يبكي يقول: تخلفني مع الخوالف؟ فقال: «أو ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة». متفق على صحته بمعناه من حديث سعد بن أبي وقاص‏ (4).

قال الحافظ ابن عساكر: و قد روى هذا الحديث عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جماعة من الصحابة منهم: عمر، و علي، ابن عباس، و عبد اللّه بن جعفر، و معاوية، و جابر بن‏

____________

(1) ما بين المعقوفين زيادة، على ما أرى خطأ محض، و لا مجال لها في الإسناد، فالمصنف روى هذا الحديث من طريق الإمام أحمد، و بالرجوع لهذه الرواية بالمسند لم أجد تلك الزيادة، فلعلها من أوهام النساخ.

(2) صحيح: أخرجه أحمد (1/ 184 برقم 1600)، و البخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 48)، و النسائي في «خصائص عليّ» برقم (56)، و سنده ضعيف، حمزة و أبوه، مجهولان، التقريب (1/ 199، 464) و لكن الحديث صحيح بطرقه.

(3) في الأصل: «البعيد»، و هو خطأ.

(4) صحيح: أخرجه أحمد في «المسند» (1/ 170)، و في «فضائل الصحابة» برقم (1006)، و ابن أبي عاصم في «السنة» (1340)، و النسائي في «خصائص عليّ» برقم (55)، و ابن المغازلي في «مناقب عليّ» (55)، و غيرهم.

أما قوله متفق عليه، فمن حديث مصعب بن سعد عن أبيه أخرجه البخاري (7/ 71) فضائل الصحابة، و مسلم (2404) و غيرهما.

43

عبد اللّه، و جابر بن سمرة، و أبو سعيد، و البراء بن عازب، و زيد بن أرقم، و زيد بن أبي أوفى، و نبيط بن شريط و حبشي بن جنادة، و مالك بن الحويرث، و أنس بن مالك، و أبو الطفيل، و أم سلمة، و أسماء بنت عميس، و فاطمة بنت حمزة، ثم ذكر طرقها كلها بأسانيده في «تاريخ دمشق» (رحمه اللّه).

[مبغض عليّ منافق‏]

8- و أخبرنا شيخنا صلاح بن أحمد الإمام قراءة عليه، أنا عليّ بن أحمد سماعا، أخبرنا أبو علي البغدادي، أنا هبة اللّه بن الحصين، أنا الحسن بن محمد أنا أبو بكر القطيعي، ثنا عبد اللّه بن أحمد بن محمد، حدثني أبي، ثنا ابن نمير، ثنا الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش قال: قال عليّ (رضي اللّه عنه): «و اللّه إنه لمما عهد إليّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه لا يبغضني إلا منافق و لا يحبني إلا مؤمن».

هذا حديث صحيح أخرجه مسلم في كتاب الإيمان من «صحيحه» عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع و أبي معاوية، و عن يحيى بن يحيى عن أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش و لفظه «و الذي فلق الحبة و برأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إليّ أنه لا يحبني إلا مؤمن و لا يبغضني إلا منافق».

و رواه أيضا الترمذي، و النسائي، و ابن ماجه في سننهم، و قال الترمذي: حديث حسن صحيح، و رواه ابن ماجه أيضا عن عليّ بن محمد، عن عبد اللّه بن نمير فوقع لنا موافقة عالية و بدلا عاليا لشيوخ مسلم، و أصحاب السنن و للّه الحمد (1).

[لا يحب عليّا إلا مؤمن‏]

9- و أخبرنا شيخنا رحلة الآفاق أبو حفص عمر بن الحسن الحلبيّ بقراءتي عليه غير مرة، أنا أبو الحسن عليّ بن أحمد السعديّ، أنا أبو حفص عمر بن محمد البغدادي، أنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الهروي، أنا أبو عامر الأزدي، أنا

____________

(1) صحيح: أخرجه مسلم (1/ 131)، و الترمذي (3736)، و النسائي في «سننه» (8/ 115- 116/ المجتبى)، و في «خصائص عليّ» برقم (97- 99)، و في «خصائص الصحابة» برقم (50)، و ابن ماجه برقم (114)، و أحمد في «مسنده» (1/ 84، 95، 128)، و في «فضائل الصحابة» برقم (948)، و غيرهم.

44

أبو محمد الجراحي، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي‏ (1)، أنا أبو عيسى محمد بن عيسى الحافظ، ثنا واصل بن عبد الأعلى، ثنا محمد بن فضيل، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن أبي نصر، عن المساور الحميري، عن أمه قالت: دخلت عليّ أم سلمة- (رضي اللّه عنها)- فسمعتها تقول: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «لا يحب عليّا منافق، و لا يبغضه مؤمن». رواه الترمذي في «جامعه» و قال: حسن غريب من هذا الوجه‏ (2).

[بغض عليّ من خصائص المنافقين‏]

10- و أخبرنا ابن يزيد قراءة مني عليه، أنا عليّ بن أحمد، أنا ابن طبرزد، أنا أبو الفتح الكروخي، أخبرنا أبو بكر الفورجي، أنا عبد الجبار المروزي، أنا محمد بن أحمد بن محبوب، أنا ابن سورة الحافظ (3)، حدثنا قتيبة، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري (رضي اللّه عنه) قال: إنا كنا لنعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم عليّ بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) رواه الترمذي‏ (4) و قال: حديث غريب، قال: و قد روي هذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد، و رواه الحاكم في صحيحه‏ (5) عن أبي ذر و لفظه: «ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم اللّه و رسوله و التخلف عن الصلاة و البغض لعليّ بن أبي طالب» و قال صحيح على‏

____________

(1) هو راوية سنن الترمذي.

(2) حديث صحيح، و إسناده ضعيف: أخرجه الترمذي (5/ 635) عقب الحديث برقم (3717)، و ابن أحمد في «فضائل الصحابة» برقم (1102- زوائده)، و في السند مساور، و أمه، و هما مجهولان، و لكن الحديث صحيح و انظر السابق.

(3) هو الحافظ الترمذي.

(4) صحيح، و إسناده ضعيف: أخرجه الترمذي برقم (3717)، و ضعفه و فيه أبو هارون، اسمه: عمارة بن جوين العبدي، متروك الحديث، و منهم من كذبه، ثم هو شيعي. و انظر «التقريب» (2/ 49).

و لكن له إسناد آخر- و هو الآتي- صحيح إن شاء اللّه تعالى.

(5) هذه العبارة خطأ محض، فكتاب الحاكم اسمه «المستدرك»، ثم إن مستدرك الحاكم يحتوي على أنواع الحديث، الصحيح، و الضعيف بأنواع، فلا يصح إطلاق لفظة: «الصحيح» إلا على صحيحي البخاري و مسلم فقط، و سيكرر المؤلف- (رحمه اللّه)- هذه العبارات فكن منها على وعي. و اللّه أعلم.

45

شرط مسلم و لم يخرجاه‏ (1).

[ما قاله عبادة في عليّ‏]

11- أخبرنا الإمام العلامة شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن الحسن الحنبلي القاضي في جماعة من آخرين، مشافهة، عن الإمام القاضي سليمان بن حمزة الدمشقي أنا محمد بن فتيان البغدادي في كتابه، أنا الإمام أبو موسى محمد بن أبي بكر الحافظ، أنا أبو سعد محمد بن الهيثم، أنا أبو علي الطهراني، ثنا أحمد بن موسى، ثنا علي بن الحسين بن محمد الكاتب، ثنا أحمد بن الحسن، الخزاز، ثنا أبي، ثنا حصين بن مخارق، عن زيد بن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه عبادة بن الصامت (رضي اللّه عنه) قال: «كنا نبور أولادنا بحب عليّ بن أبي طالب، فإذا رأينا أحدهم لا يحب عليّ بن أبي طالب علمنا أنه ليس منا و أنه لغير رشدة» (2).

قوله (لغير رشدة) هو بكسر الراء و إسكان الشين المعجمة، أي: ولد زنا (3).

و هذا مشهور من قبل و إلى اليوم، معروف أنه ما يبغض عليّا (رضي اللّه عنه) إلا ولد زنا، و روينا ذلك أيضا عن أبي سعيد الخدري (رضي اللّه عنه) و لفظه: كنا معشر الأنصار نبور أولادنا بحبهم عليّا (رضي اللّه عنه)، فإذا ولد فينا مولود فلم يحبه عرفنا أنه ليس منا.

قوله: «نبور» بالنون و الباء الموحدة و بالراء، أي: نختبر و نمتحن‏ (4).

____________

(1) صحيح: رواه أحمد في «فضائل الصحابة» برقم (979) من رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري به، و أشار إلى هذا الطريق الترمذي عقب روايته للحديث (3717).

أما رواية الحاكم فهي في «المستدرك» (3/ 129)، و قال «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، و لم يخرجاه»، و تعقبه الذهبي بقوله: «قلت: بل إسحاق [هو: ابن بشر الكاهلي‏] متهم بالكذب». قلت: و فيه أيضا شريك القاضي، و هو ضعيف لسوء حفظه. فالسند موضوع، و ليس بصحيح كما قال الحاكم، و لكن المتن بشواهده الكثيرة صحيح لا ريب فيه.

(2) موضوع: حصين بن مخارق متهم بالوضع، قال فيه الدار قطني:

«يضع الحديث» اللسان (2/ 389- ط. دار الفكر).

(3) انظر: «لسان العرب» (3/ 1650- رشد).

(4) انظر: «لسان العرب» (2/ 385- بور).

46

[قول شريك في عليّ‏]

12- و أخبرنا الحافظ أبو بكر بن المحب شيخنا مشافهة غير مرة، أخبرتنا أم محمد ابنة الكمال أحمد بمنزلها بسفح قاسيون، قالت: أخبرنا أبو المظفر بن المني في كتابه، أنا محمد بن أبي بكر الحافظ، أنا أبو سعد محمد بن الهيثم بن محمد، أنا أبو يعلى الطهراني، ثنا أحمد بن موسى، ثنا محمد بن أحمد بن عليّ، ثنا إسحاق بن محمد بن الحسن الأبنوسي، سمعت مسروق بن المرزبان يقول: سمعت شريك بن عبد اللّه يقول: «إذا رأيت الرجل لا يحب عليّ بن أبي طالب فاعلم أن أصله يهودي».

شريك هذا أحد الأعلام من أئمة الإسلام، توفي في سنة سبع و سبعين و مائة (1).

[الرسول يحب عليّا]

13- و أخبرنا الصلاح بن أحمد الإمام، أنا الفخر بن أحمد، أنا حنبل، أنا هبة اللّه، أنا أبو علي، أنا ابن جعفر، ثنا عبد اللّه، حدثني أبي: أحمد بن محمد، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي عبد اللّه الجدلي قال: دخلت على أم سلمة فقالت لي: أيسب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيكم؟ قلت: معاذ اللّه، أو سبحان اللّه، أو كلمة نحوها؛ قالت: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «من سب عليّا فقد سبني». كذا رواه الإمام أحمد (2) و رواه أبو يعلى الموصلي‏ (3) عن عبد اللّه بن موسى، عن عيسى بن عبد الرحمن البجلي من بجلية من سليم، عن السدي، عن أبي عبد اللّه الجدلي قال: قالت لي أم سلمة: أيسب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيكم على المنابر؟ قال: قلت:

و أنى ذلك؟ قالت: أليس يسب علي، و من أحبه، و أشهد أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يحبه.

____________

(1) لكنه سيئ الحفظ، لذا فقد ضعفه الحفاظ.

(2) صحيح: أخرجه أحمد في «المسند» (6/ 323)، و في «فضائل الصحابة» برقم (1011)، و الحاكم (3/ 121)، و غيرهما.

(3) صحيح: رواه أبو يعلى كما في «مجمع الزوائد» (9/ 130)، و الطبراني في «الكبير» (ج 23 برقم 738)، و في «الأوسط» (342- مجمع البحرين/ كما في هامش الكبير). و في «الصغير» برقم (809) و في السند السدي ضعيف، و لكنه بأبي إسحاق السبيعي عند الطبراني في «كبيره» (737). و الحديث تقدم له شاهد آنفا.

47

[بغض عليّ من بغض الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)‏]

14- و قد روي من غير وجه، عن أم سلمة، و ورد أيضا من حديثها، و حديث أبي سعيد، و جابر (1)، أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لعلي: «كذب من زعم أنه يحبني و يبغضك».

[أنت أخي في الدنيا و الآخرة]

15- أخبرنا عمر بن أميلة شيخنا، أخبرنا أبو الفخر بن أحمد، أنا عمر بن محمد الداقزني، أنا أبو الفتح الهروي، أنا محمود بن القاسم، أنا ابن خراج، أنا ابن محبوب، أنا أبو عيسى الحافظ، ثنا يوسف بن موسى القطان، ثنا علي ابن قادم، ثنا علي بن صالح بن حيي‏ (2)، عن حكيم بن جبير، عن جميع بن عمير التيمي‏ (3)، عن ابن عمر- (رضي اللّه عنهم)- قال: آخى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه، فقال: يا رسول اللّه آخيت بين أصحابك و لم تؤاخ بيني و بين أحد، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «أنت أخي في الدنيا و الآخرة» رواه الترمذي‏ (4) في «الجامع» و قال:

«حسن غريب» و رواه الحاكم في «صحيحه».

16- حدثنا أبو بكر بن محمد بن عبد اللّه المفيد، ثنا الحسين بن جعفر القرشي، ثنا العلاء بن عمرو الحنفي، ثنا أيوب بن مدرك، عن مكحول، عن أبي أمامة قال: لما آخى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بين الناس آخى بينه و بين علي. قال الحاكم: «لم نكتبه من حديث مكحول إلا من هذا الوجه فكأن المشايخ يعجبهم هذا الحديث لكونه من رواية أهل الشام» (5) انتهى.

____________

(1) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، و البزار، كما في «مجمع الزوائد» (9/ 132- 133)، و سنده ضعيف كما قال الهيثمي.

(2) في الأصل: «جبير»، و هو تحريف، و الصواب ما أثبته كما في «الترمذي»، و كتب الرجال.

(3) في الأصل: «التميمي»، و الصواب ما أثبته.

(4) ضعيف: رواه الترمذي برقم (3720)، فيه حكيم بن جبير، ضعيف، التقريب (1/ 193).

(5) موضوع: فيه أيوب من مدرك، كذبه ابن معين، و تركه أبو حاتم و النسائي، و الدارقطني،-

48

و ورد من حديث أنس، و عمر، أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال له: «أنت أخي في الدنيا و الآخرة». و كذلك جاء الحديث المؤاخاة عن ابن عباس، و زيد بن أبي أوفى، و جابر بن عبد اللّه، و أبي ذر، و عامر بن ربيعة، و مخدوج بن زيد الذهلي‏ (1)، و جاء أيضا عن علي من غير وجه، و إن كانت كلها ضعيفة، لكن بهذه المتابعات و الشواهد يقوى بعضها ببعض، و اللّه أعلم‏ (2).

[عليّ سيد العرب‏]

17- أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين البنا مشافهة غير مرة، عن عليّ بن أحمد المقدسي، أنا أبو الفتوح الأصبهاني في كتابه فيها، أنا إسماعيل بن محمد الطلحي الحافظ، أنا أبو بكر بن خلف، أنا أبو عبد اللّه الحافظ، أنا أبو العباس المحبوبي، ثنا محمد بن معاذ، ثنا أبو حفص عمرو بن الحسن الراسبي، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن عائشة- (رضي اللّه عنها)- أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «أنا سيد ولد آدم، و علي سيد العرب». أخرجه الحاكم في «المستدرك» (3) و قال: صحيح الإسناد، و لم يخرجاه و له شاهد من حديث عروة عن عائشة.

18- حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر القاري، حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح،

____________

- و غير واحد، ثم إن روايته عن مكحول مرسلة، انظر: «لسان الميزان» (1/ 546- 547) و غيره.

(1) و مخدوج هذا مختلف في صحبته، و حديثه في «زيادات القطيعي» على «فضائل الصحابة» للإمام أحمد برقم (1131)، و إسناده موضوع. و انظر: «أسد الغابة» (4/ 306)، و الإصابة (3/ 367).

(2) أقول: لكن طرقه كلها ضعيفة جدا، و أصلح ما فيها طريق الترمذي المتقدم آنفا، و القاعدة التي ذكرها المصنف لا تنطبق مع حديثنا هذا كما هو معلوم لطلبة هذا العلم الشريف، و اللّه أعلم.

(3) موضوع: أخرجه الحاكم (3/ 124)، و قال: «هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه، و في إسناده عمر بن الحسن، و أرجو أنه صدوق، و لو لا ذلك لحكمت بصحته على شرط الشيخين»، و تعقبه الذهبي فقال: «أظن أنه هو الذي وضع هذا» ا ه يقصد عمر بن الحسن.

قلت: انظر «اللسان» لابن حجر (4/ 333 برقم 6034) ط. دار الفكر.

49

ثنا الحسين بن علوان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- (رضي اللّه عنها)- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ادعوا لي سيد العرب» فقلت: يا رسول اللّه، ألست سيد العرب؟ فقال: «أنا سيد ولد آدم، و عليّ سيد العرب» (1).

قال: و له شاهد ثالث من حديث جابر.

19- حدثناه أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن موسى القاضي الخازن من أصل كتابه، ثنا إبراهيم بن مالك الزعفراني، ثنا سهل بن عثمان العسكري، ثنا المسيب بن شريك، ثنا عمر بن موسى الوجيهي، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ادعوا لي سيد العرب» فقالت عائشة: ألست سيد العرب يا رسول اللّه؟ قال:

«أنا سيد ولد آدم، و على سيد العرب» (2).

[سدوا هذه الأبواب .. إلا باب عليّ‏]

20- أخبرنا ابن قدامة، أنا ابن عبد الواحد، أنا حنبل، أنا ابن الحصين، أنا أبو عليّ، أنا أبو بكر، ثنا أحمد بن عبد اللّه بن محمد، حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر، ثنا عوف‏ (3) عن ميمون، عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أبواب شارعة في المسجد. قال: فقال يوما: «سدوا هذه الأبواب إلا باب عليّ» قال: فتكلم في ذلك أناس، فقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

«أما بعد: فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب عليّ فقال قائلكم، و إني و اللّه ما سددت بابا و لا فتحته، و لكني أمرت بشي‏ء فاتبعته» (4).

____________

(1) موضوع: أخرجه الحاكم (3/ 124) و قال الذهبي في «تلخيص المستدرك»: «وضعه ابن علوان» ا ه.

(2) موضوع: فيه عمر بن موسى، قال الذهبي في «تلخيص المستدرك» (3/ 124): «عمر وضاع».

قلت: و في السند أيضا تدليس أبي الزبير.

و الحديث علقه الحاكم في «المستدرك» (3/ 124).

(3) في الأصل: «عون بن»، و الصواب: «عوف عن» كما في «المسند»، و «فضائل الصحابة»، و غيرهما من مصادر التخريج.

(4) ضعيف: أخرجه أحمد في «المسند» (4/ 369)، و في «فضائل الصحابة» (برقم 985)، و النسائي في «خصائص عليّ» برقم (37) و الحاكم في «المستدرك» (3/ 125) من طريق-

50

حديث حسن، و قد رواه أبو الأشهب عن عوف عن ميمون، عن البراء بن عازب، و روى عن ابن عباس في حديث طويل، و ورد أيضا من حديث سعد و لا ينافي ما ثبت في صحيح البخاري من أمره (صلى اللّه عليه و سلم) في مرض موته بسد الأبواب إلا باب أبي بكر الصديق لأن هذا كان في حال حياته (صلى اللّه عليه و سلم) لاحتياج فاطمة- (رضي اللّه عنها)- إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها فجعل هذا رفقا بها و سترا و غيرة عليها، و أما بعد وفاته فلما زالت هذه العلة احتيج إلى فتح باب الصديق لأجل خروجه إلى المسجد ليصلي بالمسلمين إذ كان هو الخليفة بعده، و وفقا به أيضا، و إشارة إلى أنه القائم بعده و لذلك قال (صلى اللّه عليه و سلم) في الحديث الذي سيأتي:

[من خصائص عليّ‏]

21- أخبرنا عمر بن الحسين قراءة مني عليه، أنا عليّ بن أحمد، أنا عمر بن محمد، أنا أبو الفتح، أنا ابن القاسم، أنا الجراحي، أنا المحبوبي، أنا أبو عيسى الحافظ، ثنا علي بن المنذر، ثنا ابن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لعلي: «يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري و غيرك» قال علي بن المنذر: قلت لضرار (1) بن صرد: ما معنى هذا الحديث؟

قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غيري و غيرك.

22- قال الترمذي‏ (2): حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه و قد سمع محمد بن إسماعيل- يعني البخاري- مني‏ (3) هذا الحديث، قلت: و قد رواه‏

____________

- ابن جعفر به.

و فيه ميمون أبو عبد اللّه، ضعيف، انظر الميزان (4/ 235)، و غيره.

(1) في «الأصل»: «لضراب»، هو تحريف، و الصواب: «لضرار». كما أثبتناه.

(2) ضعيف: أخرجه الترمذي برقم (3727)، و فيه عطية هو العوفي ضعيف الحديث، و ذلك لأنه أولا: صدوق يخطئ كثيرا.

ثانيا: لأنه مدلس، ثالثا: لأنه شيعي، و الشيعي في فضائل علي بالذات إذا أتى بحديث غريب يضعف به و إن كانت التهمة بعيدة عنه، فهذه قاعدة لمسناها كثيرا خلال بعض التحقيقات، و كذا خلال تحقيقي لهذا الكتاب الجليل. و هذه القاعدة ليست بخفية على أحد مارس هذا العلم الشريف.

(3) في الأصل: «بغير»، و هي كلمة لا تعني شيئا، و الصواب أراه ما أثبته، و اللّه أعلم.

51

الحافظ ابن عساكر من طريق كثير النواء عن عطية عن أبي سعيد (1)، ثم روي من طريق أبي نعيم، ثنا عبد الملك بن أبي عيينة، عن أبي الخطاب عمر الهجري‏ (2)، عن مخدوج عن جسرة بنت دجاجة قالت: أخبرتني أم سلمة قالت: خرج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في مرضه حتى انتهى إلى صرحة المسجد فنادى بأعلى صوته: «لا يحل المسجد للجنب، و لا للحائض، إلا لمحمد و أزواجه، و عليّ و فاطمة بنت محمد» ثم رواه من حديث أبي رافع نحوه و في إسناده غرابة.

[عليّ يحبه اللّه و رسوله‏]

23- أخبرنا أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الصفوي قراءة عليه بجامع دمشق، أنا الإمام أبو الحسين علي ابن الشيخ الإمام محمد، و أبو عبد اللّه محمد بن أبي العز بن مشرف الأنصاري سماعا قالا: أنا أبو عبد اللّه الحسين بن المبارك الزبيدي، أنا أبو الوقت عبد الأول بن شعيب السجزي، أنا أبو الحسن بن عبد الرحمن الدراوردي، أنا أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن حمويه، أخبرنا أبو عبد اللّه محمد بن يوسف بن مطر الفربري، ثنا الإمام، أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل الجعفي، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح اللّه على يديه يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله» قال:

فبات الناس يذكرون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كلهم يرجو أن يعطاها فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقالوا: يشكو عينيه يا رسول اللّه. قال: «فأرسلوا إليه فأتوني به» فلما جاء بصق في عينيه و دعا له فبرأ حتى كأنه لم يكن به وجع فأعطاه الراية.

الحديث متفق على صحته‏ (3)، و هذا الحديث هو الصحيح في حديث إعطاء

____________

(1) ضعيف: فيه عطية السابق، و زاد عليه كثيرا النواء، و هو: ابن إسماعيل، ضعيف، التقريب (2/ 131).

(2) في الأصل الهروي، و الصواب ما أثبته، و هو مجهول كما في «التقريب» (2/ 417).

(3) متفق عليه: أخرجه البخاري (6/ 111، 7/ 70)، و مسلم برقم (34/ 2406)، و أحمد (5/ 333)، و النسائي في «خصائص عليّ» برقم (16)، و في «فضائل الصحابة» برقم (46)، و أبو نعيم في «الحلية» (1/ 62)، و القطيعي في «زياداته على فضائل الصحابة»-

52

الراية لعلي (رضي اللّه عنه) و ما ورد مخالفا فهو موضوع كما نص عليه علماء الحديث (رضي اللّه عنهم).

[اللهم أذهب عنه الحر و البرد]

24- أخبرنا محمد بن أحمد قراءة عليه، أنا علي بن أحمد، أنا حنبل بن عبد اللّه أنا أبو القاسم الشيباني، أنا ابن المذهب، أنا ابن مالك، أنا عبد اللّه بن أحمد، حدثني أبي، ثنا وكيع عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان أبي يسمر مع علي (رضي اللّه عنه) و كان يلبس ثياب الصيف في الشتاء و ثياب الشتاء في الصيف فقيل له: لو سألته؟ قال: فسألته فقال: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعث إلي و أنا أرمد العين يوم خيبر فقلت: يا رسول اللّه إني أرمد العين، فتفل في عيني و قال: «اللهم أذهب عنه الحر و البرد» فما وجدت حرا و لا بردا منذ يومئذ. و قال: «لأعطين الراية رجلا يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله، و ليس بفرّار» فتشرف لها أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأعطانيها.

رواه ابن ماجه في سننه عن عثمان بن أبي شيبة عن وكيع فوقع لنا بدلا عاليا و للّه الحمد (1). قوله (فتشرف لها) أي تطلع و تعرض‏ (2).

[الرسول يعطي الراية لعليّ‏]

25- و أخبرنا غير واحد من الثقات مشافهة عن أحمد بن هبة اللّه الدمشقي و غيره قال: أنبأنا أبو روح عبد المعز بن محمد الهروي قال: أنا زاهر بن طاهر قال:

أنا أبو سعيد بن عبد الرحمن قال: أنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري قال: ثنا أبو يعلى الموصلي، ثنا زهير، ثنا جرير، عن مغيرة، عن أم موسى قالت: سمعت عليّا (رضي اللّه عنه) يقول: «ما رمدت و لا صدعت منذ مسح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وجهي و تفل في عيني يوم‏

____________

- (برقم 1122)، و البيهقي في «دلائل النبوة» (4/ 205)، و غيرهم.

(1) ضعيف: أخرجه أحمد (1/ 99)، و في «فضائل الصحابة» برقم (950)، و ابنه في «زوائده على الفضائل» برقم (1084)، و ابن ماجه برقم (117)، و غيرهم من طريق ابن أبي ليلى، و هو ضعيف لسوء حفظه، و قد تقدم.

(2) انظر: «لسان العرب» مادة «شرف».