أعيان الشيعة - ج1

- السيد محسن الأمين المزيد...
677 /
13

خطبة الكتاب‏

الحمد لله رب العالمين و صلى الله على سيدنا محمد و آله الطاهرين و أصحابه المنتجبين، و رضي الله عن التابعين لهم بإحسان و تابعي التابعين، و عن العلماء و الصالحين إلى يوم الدين.

(و بعد) فيقول العبد الفقير إلى عفو ربه الغني محسن ابن المرحوم السيد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي عامله الله تعالى بفضله و لطفه: إن علم الرجال الباحث عن تعديل الرجال و تضعيفهم و علم التراجم الباحث عن أحوال العلماء و الأعيان كلاهما كثير الفائدة عظيم المنفعة، حقيق بان تصرف إليه الهمم، و تستنفد فيه الأوقات و تؤلف فيه الأسفار، لأن في علم الرجال معرفة الثقات من الرواة و الممدوحين لأجل قبول روايتهم، و معرفة الضعاف و المجروحين و المجاهيل لعدم قبولها، قال علي بن المديني: (العلم به نصف علم الحديث فإنه سند و متن) و في علم التراجم الاطلاع على أخبار الماضين و أحوال السالفين، من الأعيان و الأماثل، و في ذلك فائدة الاقتداء بهم و السلوك على طريقتهم، و تجنب ما لا يستحسن من حالاتهم و صفاتهم و أقوالهم و أفعالهم. و قد ألف في ذلك علماء الإسلام فأكثروا في كل عصر و زمان، فبعضهم اقتصر على الصحابة كما في الاستيعاب في أسماء الأصحاب لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر المالكي، و الاصابة في تمييز الصحابة لأحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني، و أسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين علي بن محمد بن الأثير الجزري و غيرهم. و بعضهم على الرواة خاصة و هو كثير، و بعضهم على غيرهم من الأعيان. و بعضهم رتب كتابه على الطبقات كمحمد بن سعد كاتب الواقدي في طبقاته الكبير و الصغير. و بعضهم على طبقات فرقة خاصة كالشافعية، و الحنفية، و الحنابلة، و المالكية، و الشيعة، و الأطباء، و اللغويين، و النحاة، و الأدباء و غيرهم. و بعضهم على علماء بلد خاص ممن سكنه أو ورده كتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، و تاريخ دمشق لابن عساكر و غيرهما. و بعضهم على الأدباء و الشعراء خاصة كمعجم الأدباء لياقوت، و معجم الشعراء للمرزباني و غيرهما، و بعضهم على شعراء فرقة خاصة كنسمة السحر و الطليعة. و بعضهم على أدباء عصر خاص كاليتيمة، و الخريدة، و الدمية، و السلافة، و وشاح الدمية، و نشوة السلافة و غيرها. و بعضهم على أعيان عصر خاص كالدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، و خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، و سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر و غيرها. و بعضهم على الحفاظ خاصة كتذكرة الحفاظ للذهبي. و بعضهم عمم كابن خلكان في وفيات الأعيان و الصفدي في الوافي بالوفيات و غيرهما.

و ألف في ذلك أصحابنا الامامية الاثنا عشرية فأكثروا و جاروا من عداهم في ذلك فسبقوا و لم يقصروا. لكنهم صرفوا جهدهم إلى التأليف في أحوال الرواة أكثر من غير الرواة لقولهم بالاجتهاد و عدم سد بابه عندهم.

فمست الحاجة إلى معرفة أحوال الرواة و تمييز الثقة منهم من غيره لأنه من أهم مقدمات الاجتهاد، فألفوا فيه المؤلفات الكثيرة من مطولات و مختصرات في كل عصر و زمان، مما ينبو عن الحصر، و لم يذكروا في مؤلفاتهم الرجالية غير الرواة إلا نادرا، و ذلك كرجال الشيخ الطوسي المرتبة أبوابه على من روى عن النبي(ص)و الأئمة الاثني عشر(ع)و من لم يرو عن واحد منهم لكنه شديد الاختصار.

و كفهرست الشيخ الطوسي و كتاب النجاشي و هما مختصان بأسماء المؤلفين من الرواة دون غيرهم و ذكر مؤلفاتهم و السند إليها. و رجال الكشي الجامع لجميع ما روي في حق رجال الحديث، و منهج المقال للميرزا محمد الأسترآبادي الجامع لكل ما في كتب رجال الحديث من الروايات و أقوال العلماء، و نقد الرجال للسيد مصطفى التفريشي اقتصر فيه على أقوال علماء الرجال في الجرح و التعديل و أهمل ذكر الروايات و أكثر المصنفات و ترجم جملة من العلماء بتراجم مختصرة. و ألف 1 الشيخ فخر الدين الطريحي النجفي المتوفى 1 سنة 1085 كتابا في تمييز الأسماء المشتركة للرواة، و ألف مثله تلميذه الشيخ محمد أمين الكاظمي و زاد عليه أسماء و مميزات أهملها شيخه إلا أنهما لم يأتيا في ذلك بشي‏ء يشفي الغليل لاقتصارهما على المميزات المستفادة من أسانيد النجاشي في كتاب رجاله و الشيخ الطوسي في فهرسته و الذي استوفى المميزات كلها لأسماء الرجال كلها إنما هو 2 الحاج محمد الأردبيلي تلميذ 2 المجلسي في 2 المائة الثانية عشرة في كتابه جامع الرواة فإنه ذكر في كل راو جميع الذين روى عنهم و الذين رووا عنه مع الإشارة إلى الباب الذي ذكرت فيه هذه الرواية من كتب الحديث و قد سبقه إلى ذلك من علماء غيرنا الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه الكمال في أسماء الرجال ثم هذبه الحافظ يوسف بن الزكي المزي و سماه تهذيب الكمال ثم هذبه 3 الحافظ بن حجر العسقلاني المتوفى 3 سنة 852 و سماه تهذيب التهذيب و طبع في الهند و جامع الرواة يزيد عليه بالاشارة إلى الرواية و محلها من كتب الحديث، و ألف أصحابنا أيضا في التراجم و الطبقات مما لا يختص بالرواة للمؤلفات الجمة، سوى أنهم لاشتغالهم بالعلوم المتوقف عليها تحصيل ملكة الاجتهاد لا سيما أصول الفقه و البحث عن أحوال الرواة، و اشتغالهم بعد الفراغ منها بالفقه، و تطبيق الفروع على الأصول خصوصا مع توسع المتأخرين منهم في أصول الفقه الذي أوجب صعوبة طرقه و صد الأكثرين عن التأليف في غير هذين العلمين، كانت مؤلفاتهم في فن التراجم على كثرتها ما طبع منها و ما لم يطبع لا يوجد بينها كتاب واف بالمرام منقع للأوام و جميعها غير سالم من ليت و لو (فمنها) غير تام التأليف ككتاب (الدرجات الرفيعة في طبقات‏

14

الشيعة) للسيد علي خان الشيرازي، فإنه لم يبرز منه إلا جزء واحد وصل فيه إلى ترجمة 4 كثير الشاعر المتوفى في 4 خلافة يزيد بن عبد الملك، و لو تم لكان من أحسن ما يمكن أن يؤلف في هذا الموضوع و أتمه استيفاء، و لكان في عشرات المجلدات (و منها) ما لم يخرج من المسودة و هو عزيز الوجود و بعض أجزائه مفقود ككتاب رياض العلماء 5 لملا عبد الله الاصفهاني المعروف بالأفندي من أهل 5 أوائل القرن الحادي عشر و هو كتاب في غاية الجودة ينقل عنه المؤلفون في التراجم كثيرا و هم عيال عليه و مؤلفه متتبع ماهر واسع الاطلاع، و هو في عشرة مجلدات خمسة منها في أحوال علماء الشيعة و خمسة في أحوال علماء غيرهم، و الخمسة الأولى فقد منها الأول و الرابع فلم يوجد في هذه الأعصار سوى يسير من الأول ذكر في كشكول البحراني منسوبا إلى بعض تلاميذ المجلسي و هي خسارة عظمى على العلم لا تتلافى و الباقي منه محتاج للتهذيب و الترتيب و نسخه الناسخون على علاته. و ككتاب (الحصون المنيعة في طبقات الشيعة) للفاضل المعاصر الشيخ علي ابن الشيخ محمد رضا النجفي من أحفاد الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء في تسعة مجلدات لم تهذب و لم ترتب و بقيت في المسودة مع اشتمالها كما يقال على مادة غزيرة رأيناها في مكتبته بالنجف و لم نستفد منها شيئا (و منها) غير واف بالمطلوب لتقدم عصره و اختصاره في بعض الموارد كفهرست ابن النديم و مع ذلك ففيه من الفوائد الغزيرة ما لا يوجد في سواه (و منها) شديد الاختصار غير مستوف لجميع من وضع له ككتاب أمل الآمل في علماء جبل عامل و غيرهم، و فهرست ابن بابويه، و معالم العلماء لابن شهرآشوب و غيرها، على أن هذه الثلاثة مع اختصارها لا سيما الأخيران فيها ما لم يوجد في غيرها (و منها) ما هو غير نقي العبارة و لا حسن الترتيب مشتمل على أمور كثيرة كان الواجب تركها ككتاب روضات الجنات، و مع ذلك فهو أجمح الكتب المنتشرة المطبوعة لما يطلب في هذا الفن و إن كان قد فاته عدد كثير (و منها) ما هو خاص بأهل عصر واحد من الأدباء خاصة كالسلافة لصاحب الدرجات الرفيعة و هو مع ذلك مشتمل على الأسجاع المتكلفة كعادة أهل ذلك العصر و غير خاص بالشيعة (و منها) ما هو خاص بالشعراء خاصة كنسمة السحر فيمن تشيع و شعر لبعض الزيدية و فيه أيضا الاسجاع المتكلفة (و منها) ما هو خاص بمن له شعر في المذهب و معلوم التاريخ ككتاب (الطليعة من شعراء الشيعة) للفاضل المعاصر الشيخ محمد بن طاهر السماوي النجفي في مجلدين لم يطبع و لم ينشر و لم يخرج من المسودة (و منها) ما يسمع باسمه و لا يرى شخصه ككثير من مؤلفات المرزباني كمعجم الشعراء له الذي كثر نقل العلماء عنه و وجد جزؤه الأخير في أوروبا عند المستشرقين وجدوه في جهات حلب و طبعوه في مصر و ظلوا يفحصون عن الباقي، و عندنا قطعة صغيرة في شعراء الشيعة خاصة منتخبة من بعض مؤلفات المرزباني و كنا نظن أولا أنها منتخبة من معجم الشعراء ثم ظهر لنا أنها ليست منه. (و منها) ما لم يطبع و لم ينشر و لم يوجد منه غير نسخة واحدة في خزانة مؤلفه ككتاب تكملة أمل الآمل للفاضل المتتبع المعاصر السيد حسن الصدر العاملي الكاظمي في ثلاثة مجلدات، و كتاب طبقات الشيعة للفاضل المعاصر 6 الشيخ آقا بزرگ الطهراني نزيل 6 سامراء جمع فيه ثلاث عشرة طبقة من 0 المائة الثالثة إلى هذه المائة في ثلاثة عشر مجلدا لم تخرج من المسودة، و كتاب آثار الشيعة الامامية للفاضل المعاصر 7 الشيخ عبد العزيز النجفي نزيل 7 طهران من أحفاد صاحب جواهر الكلام في عشرين جزءا طبع منها الثالث بالعربية و الرابع بالفارسية، إلى غير ذلك. و يشترك ما رأيناه من هذه الكتب في إهمالها لجماعات كثيرة من أعيان الشيعة قد ترجموا في غير كتب الشيعة أطلعنا على تراجمهم أثناء تتبعاتنا على قصورها، و يرحم الله القائل:

من قاس ما لم يره بما رأى* * * أدنى إليه ما رآه ما ناى‏

و لا يعزى ذلك إلى تقصير أو قصور من أصحابنا في هذا الباب فإنهم جزاهم الله خيرا بذلوا وسعهم في كل فن و علم، و عذرهم في عدم استيفاء ذلك ما مر من اشتغالهم بالاجتهاد و مقدماته، مع أن كثيرا من مؤلفاتهم ذهبت في الفتن و الغارات على بلادهم. ثم إن المعاصرين لنا و القريبين من عصرنا ليس لكثير منهم تراجم في الكتب لتاخر عصرهم و عدم تصدي أحد من المعاصرين للتاليف في ذلك أو عدم انتشار مؤلفه.

و قد كنت من زمن بعيد أحدث نفسي بتأليف كتاب جامع لتراجم أعيان الشيعة الامامية الاثني عشرية عموما، و تعوقني عن ذلك العوائق و الاشتغال بما هو أهم. و لما رأيت التشوف و التطلع أزمانا كثيرة من جميع الطبقات إلى مثل هذا الكتاب و اشتداد الحاجة إليه، و رأيت أنه لم يؤلف و لم ينشر حتى اليوم كتاب بهذا الموضوع واف بالغرض، عقدت العزيمة بعد الاتكال عليه تعالى و التشمير عن ساعد الجد و الاجتهاد على تأليف كتاب في ذلك جيد الترتيب مبسوط مستوف لكل ما يراد، جامع لتراجم أعيان الشيعة كلهم من 0 الصدر الأول إلى اليوم من الصحابة و التابعين و تابعي التابعين و العلماء من الرواة و المحدثين و القراء و المفسرين و الفقهاء و الحكماء و المتكلمين و المنطقيين و الرياضيين و النحويين و الصرفيين و اللغويين و البيانيين و النسابين و الأطباء و الشعراء و الأدباء و العرفاء و الوعاظ و الملوك و الوزراء و الأمراء و الكتاب و القضاة و النقباء الرجال منهم و النساء و ذكر ما عرفناه من تواريخ مواليدهم و وفياتهم و مؤلفاتهم و أخبارهم و نوادرهم و نبذ من أشعارهم و أنثارهم و ضبط ما يشتبه به من مناسبهم و أسمائهم و أسماء آبائهم و بلدانهم حسب الوسع و الطاقة، معتمدين في تذليل الصعاب بعد الله تعالى على الجد و الصبر و الثبات، فاسهرنا الطرف، و أنصبنا البدن، و أعملنا الفكر، و جانبنا الملل، و حالفنا الجد و الكد، و تتبعنا بحسب وسعنا المكتبات و ظهور الكتب المخطوطة في سوريا و العراق و بلاد إيران، و نرجو أن نوفق لتتبع مكتبات الهند و غيرها، كما تتبعنا جهدنا كتب غير الشيعة و خبايا الزوايا، فاستخرجنا منها تراجم جمة خلت عنها كتب التراجم للشيعة، و نبهنا على عدة أغلاط وقع فيها من تقدمنا و كان في النية أن نقتصر على تراجم مطولة في الجملة و لا نذكر من لم يقل في حقه إلا عبارة مختصرة كقولهم: ثقة، أو عين، أو صدوق، أو له كتاب، أو لا بأس به، أو ضعيف، أو من رجال أحدهم ع، أو عالم فاضل معاصر، أو عالم صالح، أو يروي عن فلان و يروي عنه فلان، أو نحو ذلك. ثم رجحنا أن لا نترك ذكر أحد ممن له نباهة و ذكر في كتب الرجال و التراجم قصدا إلى أن تكون فائدته أتم و نفعه أعم و أن يستغني به عن غيره من يريد البحث في صحة أسانيد الحديث و أن يظهر للملإ ما عليه أعيان الشيعة من الكثرة في كل عصر و زمان من كل طبقة حتى في أزمنة الخوف و الاضطهاد، و ما كان في رواتهم من الكثرة و الانتشار فان كثيرا من الناس يجهلون أن في أعيان الشيعة مثل هذا العدد و لا ينظرونهم بالنظر الذي يجب أن ينظروا به. و ترجمنا كثيرا من ملوكهم و أمرائهم و وزرائهم و إن كان بعض هؤلاء داخلا في عداد الظلمة و أهمل جل من ألف في التراجم من‏

15

الشيعة ذكرهم لذلك أو لغيره قصدا إلى أن [لا يفوتنا أحد ممن له ذكر و نباهة للغاية المذكورة. و لا ندعي أننا أحطنا بجميع النبهاء من رجالات الشيعة و استوفينا أخبارهم بل ربما يكون قد فاتنا ذكر جملة منهم بعضهم أحق بالذكر من بعض من ذكرناه أو اختصرنا في حق من هو أولى بالاطالة من بعض من أطلنا فيه لأنها لم تصل إلينا أخبارهم أصلا أو وصل إلينا منها اليسير أو لم نعثر على الكتب التي ذكروا فيها مع بخل البعض علينا بما عندهم من الكتب الحديثة أو القديمة أو المعلومات مع انتشار علماء الشيعة و أعيانهم و مؤلفاتهم في الأقطار فان المرء لا يكلف فوق طاقته و من بذل جهده فقد أعذر و الاحاطة بالكل مستحيلة لغير علام الغيوب. و نخص بالشكر قوما ساعدونا جهدهم و جادوا علينا بما عندهم من كتاب أو فائدة أو أرشدونا إلى مظان ذلك أو ساعدونا بنوع من أنواع المساعدة و إن قلوا:

إن الكرام كثير في البلاد و إن* * * قلوا كما غيرهم قل و إن كثروا

فجاء بحمده تعالى كتابا فريدا في بابه لم يسبق سابق إلى تأليف مثله سادا لفراغ عظيم في تاريخ الشيعة و سميناه كتاب (أعيان الشيعة) و الله المسئول أن يعصمنا من الخطا و الخطل و أن يجعله مكتوبا في ديوان الحسنات مكفرا لما اجترحناه من السيئات. و عليه نتوكل و هو حسبنا و نعم الوكيل.

و لا بد قبل الشروع في المقصود من ذكر مقدمات.

16

المقدمة الأولى‏

في ذكر طريقتنا في هذا الكتاب و هي أمور:

1- نقتصر في كتابنا هذا على تراجم الشيعة الامامية الاثني عشرية و لا نذكر غيرهم إلا نادرا أو مع جهل الحال. لكننا ذكرنا جميع من ذكرهم الشيخ الطوسي في رجاله من الصحابة و إن لم يكونوا من شرط كتابنا حتى لا يفوتنا أحد ممن ذكره أصحابنا مع التنبيه.

2- لا نترجم أحدا من المعاصرين الأحياء.

3- إننا نتحرى الحقيقة ما أمكن و نتجنب ما لا يلائم ذوق المطالعين جهدنا و لكننا نعلم مع ذلك صعوبة الجمع بين هذين الأمرين و أن ترجمة من لهم أحفاد أحياء مازق حرج مع ما قيل: (أن من ألف فقد استهدف) لا سيما التأليف في هذا الموضوع لمن يريد تحري الحقيقة فمعذرة إلى القراء إن رأوا ما لعله لا يوافق ذوقهم فليس شي‏ء منه عن سوء نية.

4- إذا ذكرنا اسم أحد من الكبراء في أثناء الكلام للنقل عنه أو من كتاب له أو لبعض المناسبات كتلمذ أحد عليه أو تلمذه على أحد أو روايته عن أحد أو رواية أحد عنه أو غير ذلك نذكره مجردا عن الألقاب و الأوصاف و نكل ذلك إلى ترجمته، و ذكره في غيرها موجب للاطالة بلا موجب فلا يظنن أحد أن ذلك عن تقصير منا في حقهم.

5- نذكر الأسماء مرتبة على حرف المعجم بحسب الحروف الأول و الثاني و ما بعده و بحسب أسماء الآباء و الأجداد و الألقاب و الأوصاف فادم بن اسحق مقدم على آدم بن الحسين و ابان بن أرقم الطائي مقدم على ابان بن أرقم العنزي و هكذا.

6- من اسمه مركب نذكره باعتبار جزئه الأول و نعتبر جزأه الثاني بمنزلة اسم الأب فمحمد باقر و محمد بن باقر سيان و كذلك محمد مهدي و محمد بن مهدي و محمد حسن و محمد بن حسن و محمد علي و محمد بن علي.

7- من عرف باسمين مثل باقر و محمد باقر و جواد و محمد جواد و مهدي و محمد مهدي و غير ذلك لنا الخيار في ترجمته بأحدهما و من اشتهر بكنية أو لقب أو صفة نترجمه باسمه و نشير إليه في غيره.

8- من اشتهر بنسبته إلى أحد أجداده نترجمه مع ذكر المحذوف و نشير إليه كما هو المشهور.

9- نذكر أولا تاريخ الولادة ثم الوفاة إن عرفناهما ثم بيان النسبة إن عرفناها ثم أقوال العلماء في المترجم أو ما نريد نحن أن نصفه به ثم سيرته ثم أحواله ما ذكره المترجمون منهما أو ما نعلمه منهما ثم ما يدل على إن كان غير معروف ثم مؤلفاته ثم شعره و نثره هذا في التراجم المطولة التي تجمع هذه الأمور أو بعضها دون المختصرة.

10- من له شعر كثير لا نتوقف عن الاطالة بذكر قدر كاف من شعره خصوصا إذا كان غير مجموع أو غير مطبوع و لا منشور و كذلك من تقتضي الحال الاطالة في ترجمته بنقل شي‏ء من آثاره من نثر أو احتجاج أو شي‏ء ذكره في مؤلفاته مما يناسب نقله و إن طالت الترجمة فان التاريخ و التراجم يناسبهما التطويل أكثر من الاختصار.

11- الترجمة التي تقتضي الحال فيها بيان محاكمة أو استنباط أمور من مجرى للحوادث و غيرها أو نحو ذلك لا نتوقف عن بيان ذلك بحسب الوسع و الطاقة و مساعدة الفرصة.

12- إذا أطلقنا كلمة الفهرست فالمراد به كتاب فهرست أسماء مصنفي الامامية للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي و إذا أطلقنا كلمة رجال الشيخ فالمراد به كتاب الرجال للمذكور الذي رتبه على أبواب ذكر فيها من روى عن الرسول(ص)ثم من روى عن كل إمام ثم من لم يرو عن واحد منهم(ع)و إذا أطلقنا كلمة الشيخ فالمراد به مصنف الفهرست و كتاب الرجال المذكورين.

13- جرت عادة أصحاب كتب الرجال أن يرمزوا لأسماء الكتب و الأبواب و جملة من أسماء المؤلفين روما للاختصار كما هو معروف مشهور مذكور في محله و نحن نصرح بأسماء ما رمزوا إليه روما للإيضاح و تسهيلا على القراء.

14- جرت عادة المؤلفين في الرجال أن يفردوا أبوابا للكنى و الألقاب و ما بدئ بابن أو بنت أو نحو ذلك و للنساء و نحن لم نجر على هذه العادة بل ذكرناها كلها مع الأسماء (فالألقاب) فرقناها على الأبواب على ترتيب حروف المعجم فالاحمري في حرف الألف و البلالي في حرف ألباء و التقي في حرف التاء و الثمالي في حرف الثاء و الجاموراني في حرف الجيم و الصيمري في حرف الصاد و المسعودي في حرف الميم و هكذا، و الأحمري قبل الأسدي و البقباق قبل البلالي و الصولي قبل الصيمري و ماجيلويه قبل المسعودي و النخعي قبل النوفلي و هكذا. (و الكنى و ما بدئ بابن أو أخ أو أخت أو أم) ذكرناها في حرف الألف مراعين في ترتيبها أول الاسم الذي بعد الأب أو الابن أو غيرهما و ما بعد ذلك فابو إبراهيم قبل أبو إسماعيل و أبو إبراهيم الأسدي قبل أبو إبراهيم البصري و أبو ولاد قبل أبو الوليد و أم البراء قبل أم حبيبة و ابن أبي الجعد قبل ابن أبي جيد و ابن أخي شهاب قبل ابن أخي‏

17

طاهر و هكذا. و ما بدئ ببنت ذكرناه في حرف ألباء و بينا مع كل كنية أو لقب أو ما بدئ بابن أو بنت ما هو الاسم إن عرفناه و ترجمناه باسمه في بابه و إن لم نعرف الاسم ترجمناه بكنيته أو لقبه أو بابن كذا أو بنت كذا، مثلا نذكر الأحنف في باب الألف و نقول اسمه صخر بن قيس أو الضحاك مقتصرين عل [على ذلك و نترجمه في صخر و نشير إليه في الضحاك أو بالعكس و أبو الأسود الدؤلي نذكره في باب الألف و نقول اسمه ظالم بن عمرو و نترجمه في ظالم. و ابن أبي عقيل نذكره في باب الألف و نقول اسمه الحسن و نترجمه في الحسن. و النوفلي في باب النون و نقول اسمه الحسين و نترجمه في الحسين و هكذا. و النساء نذكرها مع الرجال على هذا الترتيب.

15- نستدرك ما يفوتنا في الأجزاء السابقة في أواخر اللاحقة و كان ينبغي إفراده في جزء أو أجزاء تسمى المستدرك لكن لأنه لا يؤمن الحدثان عجلنا بإثباته في آخر الأجزاء.

18

المقدمة الثانية

في الكلام على معنى الشيعة و أول من أطلق عليه هذا الاسم في الإسلام و متى حدث اسم العلوية و العثمانية و بقية الأسماء التي تطلق على الشيعة و فرقها المعروفة و خطا جماعة أو تحاملهم عند بيان فرق الشيعة.

و مبدأ ظهورهم و انتشارهم و ما وقع على أهل البيت و أتباعهم من الظلم في الدول الإسلامية و عدم انصاف الناس لهم و كثرة التحامل عليهم و النسب الباطلة إليهم و البحث عن السبب الحقيقي في ذلك و خلاصة عقيدتهم و خطا جماعة في بيانها جهلا أو تحاملا و الإشارة إلى علمائهم و نبهائهم و شعرائهم و أدبائهم و كتابهم و مصنفيهم في فنون الإسلام في كل عصر و فضلهم على الأدب العربي و اللغة العربية و تفصيل عقائدهم في الأصول و الفروع و عددهم و بلدانهم التي وجدوا فيها بكثرة و غير ذلك مما يتعلق بهم ليكون ذلك ترجمة إجمالية لهم قبل الشروع في تراجم آحادهم التفصيلية و ليعرف الناظر في كتابنا هذا حقيقة ما هم عليه فان التحامل كاد أن يطمس كثيرا من حقائق أحوالهم كما سنوضحه في البحثين الرابع و السادس و نذكر ذلك في ضمن اثني عشر بحثا.

البحث الأول‏

في معنى لفظ الشيعة و مشتقاته و متفرعاته و أول من أطلق عليه هذا الاسم في الإسلام و متى حدث اسم العلوية و العثمانية و بقية الأسماء التي تطلق على الشيعة و فرقها المعروفة.

الشيعة

في القاموس: شيعة الرجل بالكسر أتباعه و أنصاره و الفرقة على حدة و يقع على الواحد و الاثنين و الجمع و المذكر و المؤنث و قد غلب هذا الاسم على من يتولى عليا و أهل بيته حتى صار اسما لهم خاصا و الجمع أشياع و شيع كعنب اه و في تاج العروس: كل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة و كل من عاون إنسانا و تحزب له فهو شيعة له و أصله من المشايعة و هي المتابعة و المطاوعة و قيل عينه واو من شوع قومه إذا جمعهم اه و في لسان العرب: الشيعة القوم الذين يجتمعون على الأمر و كل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة (إلى أن قال) و الشيعة أتباع الرجل و أنصاره و جمعها شيع.

و أشياع جمع الجمع و يقال شايعه كما يقال والاه من الولي (إلى أن قال):

و أصل الشيعة الفرقة من الناس و يقع على الواحد و الاثنين و الجمع و المذكر و المؤنث بلفظ واحد و معنى واحد، و قد غلب هذا الاسم على من يتوالى عليا و أهل بيته (رضوان الله عليهم أجمعين)، حتى صار لهم اسما خاصا، فإذا قيل فلان من الشيعة عرف أنه منهم و في مذهب الشيعة كذا أي عندهم و أصل ذلك من المشايعة و هي المتابعة و المطاوعة اه و قال الأزهري:

معنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضا و ليس كلهم متفقين و الشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي (ص) و يوالونهم اه فمن إطلاقها على الواحد المذكر و المؤنث قولهم فلان شيعة لعلي و كانت فلانة شيعة لعلي: و من إطلاقها على الجمع قوله تعالى: هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ‏، و قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ‏، في الكشاف: (من شيعته) ممن شايعه على أصول الدين و إن اختلفت شرائعهما أو شايعه على التصلب في دين الله و مصابرة المكذبين و يجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق في أكثر الأشياء و عن ابن عباس رضي الله عنه من أهل دينه و على سنته اه و من إطلاقها على الجمع قول الكميت:

و ما لي إلا آل احمد شيعة* * * و ما لي إلا مشعب الحق مشعب‏

فجعل الآل شيعة له على عكس المتعارف أي أنصارا و أعوانا، و

قولهم(ع)

شيعتنا منا

، و

ما ورد عن النبي(ص)

علي و شيعته هم الفائزون‏

، و جاء في القرآن الكريم أشياع و شيع‏ (كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ)، في لسان العرب أي بأمثالهم من الأمم الماضية و من كان مذهبه مذهبهم اه (وَ لَقَدْ أَهْلَكْنا أشياعهم) أي أمثالهم من الماضين. (الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً)* أي فرقا. (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً) أي فرقا. و كانت هذه اللفظة تقال على من شايع عليا(ع)قبل موت النبي(ص)و بعده قال 1 الشيخ أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي من أهل 1 القرن الرابع في كتاب الفرق و المقالات‏ (1) ما لفظه: جميع أصول الفرق أربع فرق: الشيعة. و المعتزلة.

و المرجئة. و الخوارج. فالشيعة هم فرقة علي بن أبي طالب المسمون بشيعة علي في زمان النبي(ص)و ما بعده معروفون بانقطاعهم إليه و القول بإمامته، منهم المقداد بن الأسود و سلمان الفارسي و أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري و عمار بن ياسر و من وافق مودته مودة علي(ع)و هم أول من سمي باسم من هذه الأمة لأن اسم قديما لشيعة إبراهيم و موسى و عيسى و الأنبياء(ص)اه. و عن كتاب الزينة تأليف 2 أبي حاتم سهل بن محمد السجساني [السجستاني المتوفى 2 سنة 205 كما في كشف الظنون في الجزء الثالث من كتاب الزينة: إن لفظ الشيعة على عهد رسول الله(ص)كان لقب أربعة من الصحابة سلمان الفارسي و أبي ذر

____________

(1) عندنا منه نسخة مخطوطة و طبع في اسطنبول.

19

الغفاري و المقداد بن الأسود و عمار بن ياسر اه ثم بعد مقتل عثمان و قيام معاوية و أتباعه في وجه علي بن أبي طالب و إظهاره الطلب بدم عثمان و استمالته عددا عظيما من المسلمين إلى ذلك صار أتباعه يعرفون بالعثمانية و هم من يوالون عثمان و يبرءون من علي أما من يوالونهما فلا يطلق عليهم اسم العثمانية و صار أتباع علي يعرفون بالعلوية مع بقاء إطلاق اسم الشيعة عليهم و استمر ذلك مدة ملك بني أمية. و في دولة بني العباس نسخ اسم العلوية و العثمانية و صار في المسلمين اسم الشيعة و اسم السنة إلى يومنا هذا و لم يبق في فرق المسلمين اليوم من يبرأ من علي سوى الخوارج الذين و [يبرءون منه و من عثمان معا، و بناء على ما مر عن كتاب الزينة و عن كتاب الفرق و المقالات فما يظهر من فهرست ابن النديم من أن تسمية أتباع علي(ع)باسم الشيعة كان ابتداؤه من يوم الجمل ليس بصواب بل تسميتهم بذلك من زمن الرسول(ص)قال محمد بن إسحاق النديم في الفهرست ما لفظه: ذكر السبب في تسمية الشيعة بهذا الاسم: قال محمد بن إسحاق لما خالف طلحة و الزبير على علي و أبيا إلا الطلب بدم عثمان بن عفان و قصدهما علي(ع)ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله جل اسمه تسمى من اتبعه على ذلك الشيعة فكان يقول شيعتي و سماهم ع:

الأصفياء الأولياء طبقة طبقة شرطة الخميس‏ (1) الأصحاب طبقة طبقة و سواء أ كان إطلاق هذا الاسم عليهم يوم الجمل أم في حياة رسول الله (ص) أو بعد يوم الجمل فالقول بتفضيل علي(ع)و موالاته الذي هو معنى كان موجودا في عهد الرسول(ص)و استمر بعده إلى اليوم. و في كتاب (غاية الاختصار) في أخبار البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار تأليف السيد تاج الدين بن حمزة بن زهرة الحسيني نقيب حلب‏ (2) المطبوع بمصر ما لفظه: (حديث تسمية الشيعة بهذا الاسم) كل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع. و شيعة الرجل أتباعه و أنصاره و يقال شايعه كما يقال والاه من الولي و المشايعة و كان الشيعة لما اتبعوا هؤلاء القوم و اعتقدوا فيهم ما اعتقدوا سموا بهذا الاسم لأنهم صاروا أعوانا لهم و أنصارا و أتباعا فاما من قبل حين أفضت الخلافة من بني هاشم إلى بني أمية و تسلمها معاوية بن صخر من الحسن بن علي و تلقفها من بني أمية رجل فرجل- نفر كثير من المسلمين من المهاجرين و الأنصار عن بني أمية و مالوا إلى بني هاشم و كان بنو علي و بنو العباس يومئذ في هذا شرع فلما انضموا إليهم و اعتقدوا أنهم أحق بالخلافة من بني أمية و بذلوا لهم النصرة و الموالاة و المشايعة سموا شيعة آل محمد و لم يكن إذ ذاك بين بني علي و بني العباس افتراق في رأي و لا مذهب فلما ملك بنو العباس و تسلمها سفاحهم من بني أمية نزع الشيطان بينهم و بين بني علي فبدا منهم في حق بني علي ما بدا فنفر عنهم فرقة من الشيعة و أنكرت فعلهم و مالت إلى بني علي و اعتقدت أنهم أحق بالأمر و أولى و أعدل فلزمهم هذا الاسم فصار إلى اليوم الذي يعتقد إمامة أئمة الامامية من بني علي(ع)إلى القائم المهدي محمد بن الحسن لا الموالي لبني علي و العباس كما كان من قبل اه و مما تقدم يظهر فساد ما يتوهمه البعض من أن مذهب الشيعة و حادث و الله الهادي.

(و) نسبة إلى الشيعة يقال للواحد منهم شيعي. في أنساب السمعاني: هذه النسبة إلى الشيعة ثم ذكر جماعة ممن اشتهر بهذه النسبة من شيعة بني العباس ثم قال: و ثم جماعة من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و يتولون إليه و فيهم كثرة يقال لهم الشيعة منهم محمد بن علي بن عبدك الشيعي انتهى قال أبو تمام في محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم:

وزير حق و والي شرطة و رجا* * * ديوان ملك و شيعي و محتسب‏

و قال محمد بن هانئ الأزدي الأندلسي الشاعر المشهور:

لي صارم و هو شيعي كحامله* * * يكاد يسبق كراتي إلى البطل‏

إذا المعز معز الدين سلطه* * * لم يرتقب بالمنايا مدة الأجل‏

و قال الأخرس البغدادي الشاعر المعاصر المشهور:

و أني لشيعي لآل محمد* * * و أن أرغمت اناف قومي و عذلي‏

و أشهد أن الله لا رب غيره* * * و إن ولي الله بين الورى علي‏

و قال مهيار الديلمي يصف قصائده في أمير المؤمنين ع:

غرا أقد من الجبال معانيا* * * فيها و ألتقط النجوم قوافيا

و تعصبا و مودة لك صيرا* * * في حبك الشيعي من اخوانيا

(و تشيع) صار شيعيا و هو متشيع، قال ابن أبي الحديد في بعض علوياته:

و رأيت دين و أنني* * * أهوى لأجلك كل من يتشيع‏

و في لسان العرب: شيع الرجل إذا ادعى دعوى الشيعة اه و في كتاب بشارات الشيعة 3 للشيخ محمد بن الحسين بن محمد رضا المازندراني الشهير بإسماعيل شرع في تاليفه 3 سنة 1155 قال‏

في موثق أبي بصير عن أبي جعفر(ع)انه قال‏

ليهنئكم الاسم قلت و ما هو جعلت فداك قال‏

وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ‏

و قوله عز و جل‏

فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ‏

فليهنئكم الاسم‏

اه وفي مجمع البيان روى أبو بصير عن أبي‏

____________

(1) في فهرست ابن النديم‏ معنى شرطة الخميس إن عليا قال لهذه الطائفة تشرطوا إنما أشارطكم على الجنة و لست أشارطكم على ذهب و لا فضة، إن نبيا من الأنبياء فيما مضى قال لأصحابه تشرطوا فاني لست أشارطكم إلا على الجنة

اه و روى الكشي بإسناده عن الأصبغ بن نباتة في تسميتهم شرطة الخميس قال ضمنا له الذبح و ضمن لنا الفتح يعني أمير المؤمنين ع‏

(و في رواية أخرى) عنه‏ كان يقول لنا تشرطوا تشرطوا فو الله ما اشترطكم لذهب أو فضة و لا أشترطكم إلا للموت إلا إن قوما من قبلكم شارطوا نبيهم فما مات أحد منهم حتى كان نبي قومه أو نبي قريته و إنكم لبمنزلتهم غير إنكم لستم بأنبياء

و ذكرنا الروايتين في ترجمة أصبغ‏

(و روى) الكشي بسنده عن غياث الهمداني قال‏ مر بنا أمير المؤمنين(ع)فقال البثوا في هذه الشرطة فو الله لا غنى بعدهم إلا شرطة النار إلا من عمل بمثل أعمالهم.

و قال البرقي في رجاله شرطة الخميس ستة آلاف رجل قال علي ابن الحكم: قال أمير المؤمنين(ع)لهم تشرطوا إلى آخر ما مر عن الفهرست (أقول) الشرطة بوزن غرفة جماعة مخصصون من الجيش جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها و الخميس الجيش لأنه مركب من خمسة أقسام القلب و الجناحان و المقدمة و الساقة أو لأنه يأخذ خمس الغنيمة، و يظهر مما تقدم ان شرطة الخميس كان في زمن علي(ع)اسما لجماعة خاصة مخلصة في ولائه و إن سبب تسميتهم بذلك قوله لهم تشرطوا أو إنهم تشرطوا على أنفسهم القتل في الحرب كما تدل عليه رواية الأصبغ و غيرها و الله أعلم.

(2) هو حفيد السيد أبي المكارم حمزة بن زهرة صاحب الغنية فقيه الشيعة بحلب. و حفيده المذكور من علماء الشيعة و الكتاب المذكور مطبوع ببولاق و لكنه قد زيد عليه زيادات من بعض من لا خلاق لهم لتدل على ان مؤلفه ليس من الشيعة كما فعلوا بكتاب مكارم الأخلاق للطبرسي.

20

جعفر(ع)قال ليهنئكم الاسم قلت و ما هو قال الشيعة قلت الناس يعيروننا بذلك قال أ ما تسمع قوله سبحانه‏ وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ‏ و قوله‏ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ‏.

و

في مجمع البيان أيضا:

روى أبو بصير عن أبي عبد الله(ع)قال‏

ليهنئكم الاسم قلت و ما الاسم قال الشيعة أ ما سمعت الله سبحانه يقول‏

فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ‏

اه مجمع البيان. و في حسن المحاضرة للسيوطي: اخرج ابن عبد الحكم عن يزيد بن أبي حبيب ان تبيعا قال‏ كان السحرة من أصحاب موسى عليه الصلاة و السلام و لم يفتتن منهم أحد مع من افتتن من بني إسرائيل في عبادة العجل. ثم‏ روى عن ابن عبد الحكم بسنده عن تبيع قال‏ استاذن جماعة من الذين كانوا آمنوا من السحرة موسى(ع)في الرجوع إلى أهلهم و مالهم بمصر فاذن لهم فترهبوا في رؤوس الجبال فكانوا أول من ترهب و كان يقال لهم الشيعة (الحديث).

الامامية

قال المرتضى في كتاب العيون و المحاسن من كتاب المجالس للمفيد:

هم القائلون بوجوب الامامة و العصمة و وجوب النص و انما حصل لها هذا الاسم في الأصل لجمعها في المقالة هذه الأصول اه و قال السمعاني في الأنساب: الامامية جماعة من غلاة الشيعة و انما لقبوا بهذا اللقب لأنهم يرون الامامة لعلي و أولاده و يعتقدون أنه لا بد للناس من الامام و ينتظرون اماما سيخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا اه (أقول) تبرأ الامامية الاثنا عشرية من كل غال في أحد من أهل البيت مخرج له عن درجة العبودية و من كل ناصب لهم العداوة إلا أن يكون السمعاني يرى أن هذا الاعتقاد الذي نقله عنهم غلوا و هو عين القصد. و الامامية فرق (منهم الاثنا عشرية) و هم الذين وضع كتابنا هذا لتراجمهم و لا نذكر غيرهم إلا قليلا (و منهم الكيسانية) القائلون بامامة محمد بن الحنفية و هم أصحاب المختار الذي كان يلقب كيسان و قد انقرضوا (و منهم الزيدية) القائلون بامامة زيد بن علي بن الحسين(ع)و كل من خرج بالسيف من ولد علي و فاطمة(ع)و كان عالما شجاعا. و في خطط المقريزي: أن يكون فيه ست خصال العلم و الزهد و الشجاعة حسنيا أو حسينيا و زاد بعضهم صباحة الوجه و عدم الآفة اه. و منهم الإسماعيلية القائلون بامامة إسماعيل بن جعفر الصادق بعد أبيه، و يسوقون الامامة في ولده و هم في بلاد الهند و يسمون اليوم (بهرة) و لهم تكايا منظمة في جميع البلاد التي يقصدونها للحج و الزيارة، و هم غير الإسماعيلية الباطنية أتباع آغا خان (و منهم الفطحية) القائلون بامامة عبد الله الأفطح ابن الامام جعفر الصادق ع، بعد أبيه لقب بذلك لأنه كان أفطح الرأس أي عريضه أو الرجلين أي عريضهما و قد انقرضوا (و منهم الواقفة) الواقفون على الكاظم(ع)و ربما يطلق على غيرهم و قد انقرضوا أيضا (و منهم الناووسية). عن الملل و النحل للشهرستاني: انهم من وقف على جعفر بن محمد الصادق(ع)اتباع رجل يقال له ناووس و قيل نسب إلى قرية ناووسا قالوا إن الصادق لم يمت و لن يموت حتى يظهر و يظهر امره و هو القائم المهدي اه و قد انقرضوا أيضا.

و الموجود اليوم من فرق الشيعة هم الامامية الاثنا عشرية و هم الأكثر عددا و الزيدية و الإسماعيلية (البهرة).

المتاولة

يطلق في الاعصار الاخيرة على شيعة جبل عامل و بلاد بعلبك و جبل لبنان و هو جمع متوالي اسم فاعل من توالى مأخوذ من الولاء و الموالاة و هي الحب لموالاتهم أهل البيت و اتباعهم طريقتهم، قال مهيار:

بالطالبيين اشتفى من دائه ال* * * مجد الذي عدم الدواء الشافيا

شرعوا المحجة للرشاد و أرخصوا* * * ما كان من ثمن البصائر غاليا

و أما و سيدهم علي قولة* * * تشجي العدو و تبهج المتواليا

و عن الشيخ محمد عبده العالم المصري الشهير انهم كانوا يقولون في حروبهم مت وليا لعلي فسمي الواحد منهم متواليا لذلك اه و قال الفاضل الشيخ احمد رضا العاملي النباطي المعاصر فيما أدرجه في كتاب خطط الشام للفاضل المعاصر محمد كرد علي الدمشقي ما حاصله: الظاهر أن تلقيبهم بذلك في جبل عامل لم يتقدم عن القرن الثاني عشر للهجرة لأن المؤرخين قبله لم يعرفوا لهم هذا اللقب فالمحبي في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ينبزهم بالرافضة، و المرادي في سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر يسميهم في جبل عامل المتاولة. و جاء في بعض السالنامات التركية ان ابتداء ظهور المتاولة سنة 1100 للهجرة. و بالجملة سموا بذلك لما أظهروا وجودهم السياسي و خلعوا طاعة أمراء لبنان و اجتمعوا جملة واحدة في جبل عامل بقيادة آل نصار الوائليين، و في بعلبك تحت لواء بني حرفوش، و في شمالي لبنان بزعامة المشايخ آل حمادة: كانوا يومئذ ينتخون باسم بني متوال فعرفوا به و اشتهر عنهم و يدل عليه ان هذا اللقب لم يكن الا للذين دخلوا غمار تلك الحروب من شيعة جبل عامل و بعلبك و جبل لبنان دون شيعة حلب و حمص و حماه و دمشق إلا من تدير الصالحية و الميدان من مهاجرة جبل عامل و بعلبك و لبنان اه.

قزلباش‏

لفظ تركي معناه ذو الرأس الأحمر. في بستان السياحة ما ترجمته: انه اسم الطائفة [طائفة من طوائف الترك و التركمان و أصل هذه الطائفة يتفرع إلى خمس فرق (شاملو) و (استجلو) و (تكلو) و (تركمان) و (ذو القدر) و كل فرقة من هذه الفرق تنسب إلى عدة وجاقات و هؤلاء التركمان غير طائفة التركمان المعروفة (بصاين خاني) التي في نواحي جرجان و دشت قبجاق و خراسان و هم سنيون لأن أهل قزلباش، و قيل وجه تسميتهم بذلك إن السلطان حيدر ابن السلطان جنيد الصفوي رأى في منامه أمير المؤمنين مع سائر الأئمة(ع)في مجلس و نظر اليه بعين العطف و الرحمة و امره أن يجعل علامة مميزة لأصحابه فوقع في نفسه انه اخترع تاجا من السقرلاط الأحمر له اثنا عشر ركنا و لبسه على رأسه و حيث أن اسم الأحمر بالتركية (قزل) و الرأس (باش) سماه أتباعه (قزلباش) أي ذو الرأس الأحمر و أطلق هذا الاسم أيضا على سائر أتباعه و مريديه و بقي رسم هذا التاج معمولا به إلى زمن الشاه حسين الصفوي ثم ترك و الآن اسم قزلباش في بلاد ايران مشهور. و في مملكة التورانيين و بلاد الهند يسمى كل شيعي و كل ايراني قزلباش. و في بلاد الروم و الشام يسمون كل شيعي بذلك و في بلاد ايران يسمون الجندي قزلباش اه.

الرافضة

لقب ينبز به من يقدم عليا(ع)في الخلافة، و أكثر ما

21

يستعمل للتشفي و الانتقام و إذا هاجت هائجة العصبية لم يتوقف في إطلاقه على كل شيعي و قد أدى حب الانتقام إلى اختلاق الروايات في ذلك عن صاحب الرسالة(ص)في حق محبي أهل بيته و مواليهم الذين أكد الوصاية بهم و جعلهم أحد الثقلين الذين لا يضل المتمسك بهما. و شاع في جملة من المؤلفات أن أصل هذا اللقب من عهد زيد بن علي بن الحسين(ع)لما سئل عن الشيخين بالكوفة فقال هما صاحبا جدي و ضجيعاه في قبره أو ما يشبه ذلك فرفضوه فسموا بذلك و لا يبعد أن يكون هذا من المختلقات فلم يذكره أبو الفرج الاصبهاني في مقاتل الطالبين عند ذكره مقتل زيد و احاطته غير منكورة و جماعة غيره لم يذكروه عند ذكر واقعة زيد و مقتله و لم يذكروا ان جماعة من أهل الكوفة تركوه لذلك بل ذكروا انه بايعه منهم جمهور كبير ثم خذلوه على عادتهم في الخذلان لجده أمير المؤمنين و عم أبيه الحسن و جده الحسين ع. و في كتاب بشارات الشيعة: ما أحسن‏ ما ذكره الثعلبي بإسناده قال انشدني أحمد بن إبراهيم الجرجاني قال انشدني 1 منصور الفقيه‏ لنفسه:

ان كان حبي خمسة* * * زكت بهم فرائضي‏

و بغض من عاداهم* * * رفضا فاني رافضي‏

و أحسن منه ما نقل عن 2 الامام الشافعي (رض) حيث يقول:

يا راكبا قف بالمحصب من منى* * * و اهتف بساكن خيفها و الناهض‏

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى* * * فيضا كمرفض الفرات الفائض‏

إن كان رفضا حب آل محمد* * * فليشهد الثقلان أني رافضي‏

اه و للإمام الشافعي أيضا كما عن كتاب الجوهر اللماع:

إذا في مجلس ذكروا عليا* * * و سبطيه و فاطمة الزكية

فأجرى بعضهم ذكرًا سواهم* * * فأيقن انه لسلفلقية

إذا ذكروا عليا أو بنيه* * * تشاغل بالروايات العلية

و قال تجاوزوا يا قوم هذا* * * فهذا من حديث الرافضية

برئت إلى المهيمن من أناس* * * يرون حب الفاطمية

على آل الرسول صلاة ربي* * * و لعنته لتلك الجاهلية

اه و قال 3 العبدي شاعر آل محمد(ص)من قصيدة:

لقبت بالرفض لما ان منحتكم* * * ودي و أفضل ما أدعى به لقبي‏

قال المرزباني كما في قطعة مخطوطة عندنا منتخبة من بعض مؤلفاته خاصة بشعراء الشيعة: لما ولي الرشيد رفع إليه في 4 السيد الحميري أنه رافضي فقال ان كان الرافضي هو الذي يحب بني هاشم و يقدمهم على سائر الخلق فما اعتذر منه و لا أزول عنه و إن كان غير ذلك فما أقول به و أنشد:

شجاك الحي إذ بانوا* * * فدمع العين هتان‏

كاني يوم زموا العي* * * س للرحلة نشوان‏

و فوق العيس إذا ولوا* * * بها حور و غزلان‏

إذا ما قمن فالاعجا* * * ز في التشبيه كثبان‏

و ما جاوز للأعلى* * * فأقمار و أغصان‏

إلى أن قال:

علي و أبو ذر* * * و مقداد و سلمان‏

و عمار و عباس* * * و عبد الله اخوان‏

دعوا فاستودعوا علما* * * فأدوه و ما خانوا

أدين الله ذا العز* * * ة بالدين الذي دانوا

و ما يجحد ما قد قل* * * ت في السبطين إنسان‏

و إن أنكر ذو النصب* * * فعندي فيه عرفان‏

و إن عدوه لي ذنبا* * * و حال الوصل هجران‏

فلا كان لهذا الذن* * * ب عند القوم غفران‏

و كم عدت إساءات* * * لقوم و هي إحسان‏

و سري فيه يا داعي* * * دين الله إعلان‏

فحبي لك إيمان* * * و ميلي عنك كفران‏

فعد القوم ذا رفضا* * * فلا عدوا و لا كانوا

و حكى المرزباني أيضا في القطعة المذكورة عن 5 شريك بن عبد الله القاضي قال سعي بي إلى المهدي باني رافضي (إلى أن قال) فقلت إن كان الرافضي من أحب رسول الله و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين(ع)فانا أشهد بان أمير المؤمنين رافضي أ فتبغضهم أنت قال معاذ الله اه.

الجعفرية

اشتهر به في هذا العصر أصحابنا الامامية الاثنا عشرية باعتبار أن مذهبهم في الفروع هو مذهب الامام جعفر بن محمد الصادق(ع)و نسب مذهبهم في الفروع إليه باعتبار أن أكثره مأخوذ عنه و إن كان أخذهم عن أئمة أهل البيت الاثني عشر بالسواء لكن لما كانت الروايات عنه في فروع الفقه أكثر منها عن غيره بكثير لكون عصره في آخر عصر الدولة الأموية عند ما بدأت بالضعف و أول عصر الدولة العباسية التي لم يكن قد بدأ فيها التعصب الشديد لكونها دولة هاشمية في أول نشاتها فكان للأئمة من أهل البيت يومئذ شي‏ء من الحرية و عدم الخوف فأخذوا في نشر مذهبهم الذي تلقوه عن جدهم الرسول(ص)و كثرت الرواة عنهم فيه، أما في عصر المنصور و الرشيد و من ضارعهما من جبابرة ملوكهم فقل الرواة عنهم لمكان الضغط و الخوف الشديدين كما في عصر الدولة الأموية ابان قوتها بل أشد، و قال لي عالم من علماء المغاربة بدمشق ينسب إلى الحسن السبط ع: أنا لو علمت مذهب الامام جعفر الصادق لما عدوته و لكن لا سبيل لي إلى العلم به لأن الشيعة يكذبون في نسبة مذهبهم إليه، فقلت له من المحقق ان مذهب كل شخص يعلم من أتباعه و يؤخذ منهم فكيف علمنا مذهب الرسول(ص)مما اتفق عليه المسلمون و علمنا مذهب الامام أبي حنيفة ما نقله الحنفية عنه و مذهب الامام الشافعي مما حكاه الشافعية عنه و لم نعلم مذهب الامام جعفر مما رواه شيعته و أتباعه عنه فقال لا بد من حكم خارج عن الفريقين فقلت إذا نحكم عالما من أهل الذمة فقال كيف تقول هذا فقلت أنت تقوله فانقطع و سكت.

الخاصة

و هذا يطلقه أصحابنا على أنفسهم مقابل العامة الذين يسمون بأهل السنة لأن أصحابنا يرون أنفسهم أحق من أخذ بالسنة و لأنهم فرقة خاصة بين عموم فرق المسلمين المتكثرة.

تنبيه هام‏

يوجد في كتب الملل و النحل من تأليف غير الشيعة و فيما ذكره المقريزي في خططه عند ذكر الفرق و اختلاف عقائدها أسماء لمسميات‏

22

ادرجوها في فرق الشيعة لم نسمع بها من غيرهم و بالغوا في تكثير فرقها حتى قال بعضهم ان الثلاثة و السبعين فرقة أكثرها من الشيعة و كأنهم لما نقص عليهم العدد اضطروا إلى اختراع فرق لا وجود لها و وضعوا لها أسماء من عندهم كما سنبرهن على ذلك مع أن المقريزي الذي زعم أن فرقها بلغت الثلاثمائة لم يستطع ان يعد منها غير عشرين زعم أنها المشهور، على أننا سنثبت أن جملة من هذه العشرين مختلق مخترع، و إننا و ايم الله لنتحامى و نتجافى عن كل ما يستشم منه التحيز و نبتعد جهدنا عن الرد و النقض ما أمكن و لكن ما نصنع و قد طبع من هذه الكتب الألوف و انتشرت في الآفاق و قرأها العام و الخاص و اعتقدها الكثيرون صوابا حتى وصلت إلى أهل هذا الزمان أمثال الرافعي و غيره و بنوا عليها القصور و العلالي و أودعوها مؤلفاتهم و تصدوا لذم الشيعة فيها لمناسبة و غير مناسبة و أنكروا كل فضيلة لهم لأجل هذه النسب الباطلة فالضرورة و واجب الدين و تمحيص الحق و المحاماة عنه المفروضة توجب علينا بيان ما فيها من الباطل لا سيما إن السكوت عنها يعد كالاقرار بها سائلين من خلص إخواننا الساعين في تأليف الكلمة أن يقبلوا عذرنا في ذلك.

قال المقريزي في خططه: إن فرق الرافضة بلغت ثلاثمائة و المشهور منها عشرون و هي الامامية. (أقول) مع أن جل هذه الفرق التي ذكرها هو و غيره لا يعرف لأسمائها مسميات حتى في عصر ناقلها فهي اما منقرضة أو لم توجد في الدنيا فوجودها و عدمها لا يضرنا بعد ما كانت طائفتنا الامامية الاثنا عشرية الجعفرية منزهة عما زعم فيها. إنما نريد أن نلفت الأنظار إلى جملة منها نسبت عقائدها إلى اجلاء أصحاب أئمة أهل البيت و ثقاتهم المنزهين في عقائدهم مما نسب إليها و ذلك دليل على أنها مختلقة مكذوبة بدون شك.

(منها الزرارية) قال المقريزي: و قالت الزرارية اتباع زرارة بن أعين: الامام بعد جعفر ابنه عبد الله إلا أنه ساله عن مسائل فلم يمكنه الجواب عنها فادعى امامة موسى بن جعفر من بعد أبيه. ثم قال بعد نحو من ورقة و الفرقة العاشرة الزرارية اتباع زرارة بن أعين أحد الغلاة في الرفض و زعم مع ذلك إن الله تعالى لم يكن في الأول عالما و لا قادرا حتى اكتسب لنفسه جميع ذلك (و عد من فرق المشبهة).

(الهشامية) قال: أتباع هشام بن الحكم و يقال لهم أيضا الحكمية و من قولهم: الإله تعالى كنور السبيكة الصافية يتلألأ من جوانبه. قال (و الجولقية) أتباع هشام بن سالم الجولقي و هو من الرافضة أيضا و من شنيع قوله أن الله تعالى على صورة الإنسان نصفه الأعلى مجوف و نصفه الأسفل مصمت و ليس بلحم و دم بل هو نور ساطع و له خمس حواس كحواس الإنسان و يد و رجل و فم و عين و أذن و شعر اسود ثم قال: (و الفرقة التاسعة الهشامية) و هم صنفان: أحدهما اتباع هشام بن الحكم. و الثاني اتباع هشام الجولقي و هما يقولان لا تجوز المعصية على الامام و تجوز على الأنبياء و إن محمدا عصى ربه في أخذ الفداء من اسرى بدر. قال:

(و المفضلية) أتباع المفضل بن عمر قالت الامام بعد جعفر ابنه موسى و إنه مات فانتقلت الامامة إلى ابنه محمد بن موسى. قال:

(و اليونسية) اتباع يونس بن عبد الرحمن القمي و كلهم من الروافض. ثم قال و الخامسة عشرة اليونسية اتباع يونس بن عبد الرحمن القمي أحد الغلاة المشبهة، فجعله تارة ابن عبد الرحمن و تارة ابن عبد الله و الصواب ابن عبد الرحمن و التعدد معلوم العدم. قال:

(و السابعة عشرة الشيطانية) اتباع محمد بن النعمان شيطان الطاق و قد شارك المعتزلة و الرافضة في جميع مذهبهم و انفرد بأعظم الكفر قاتله الله و هو أنه زعم ان الله لا يعلم الشي‏ء حتى يقدره و قبل ذلك يستحيل علمه.

و قال عند ذكر فرق المعتزلة: و الفرقة العشرون من المعتزلة الشيطانية أتباع محمد بن نعمان المعروف بشيطان الطاق و هو من الروافض شارك كلا من المعتزلة و الروافض في بدعهم و قلما يوجد معتزلي إلا و هو رافضي، انفرد بطامة و هي أن الله لا يعلم الشي‏ء إلا ما قدره و أراده و أما قبل تقديره فيستحيل أن يعلمه و لو كان عالما بافعال عباده لاستحال أن يمنحنهم [يمتحنهم و يختبرهم اه.

(قال المؤلف): إن زرارة بن أعين و الهشامين و يونس بن عبد الرحمن و محمد بن النعمان الملقب بمؤمن الطاق كلهم ثقات صحيحو العقيدة متكلمون حذاق من أجلاء تلاميذ و أصحاب الإمامين جعفر بن محمد الصادق و ابنه موسى بن جعفر الكاظم(ع)و عنهما أخذوا و منهما تعلموا و بهما اقتدوا في كل علم لا سيما وصف الباري تعالى بصفات الكمال و تنزيهه عن صفات النقص و عصمة سيد الأنبياء ص، لا يمكن أن يعتقدوا أمثال هذه الخرافات في حقه تعالى و لا في حق نبيه(ص)و قد أخذوا عقائدهم عن أئمة أهل البيت الطاهر معادن العلم و الحكمة و لم ينقل عنهم هذه الخرافات ناقل يوثق به فما نسب إليهم محض افتراء و اختلاق و تأتي تراجمهم في أبوابها و هم مترجمون في كتب رجال الشيعة بكل وصف جميل و هم ليس لهم مذهب و لا نحلة خاصة سوى ذلك و لا أتباع ينسبون إليهم. مع أن كلامه في حق زرارة يناقض بعضه بعضا فإذا كان زرارة سال عبد الله عن مسائل عجز عن جوابها فقال بامامة أخيه الكاظم دونه فكيف يكون صاحب مذهب و نحلة في عبد الله و له اتباع ينسبون إليه و هذا لو وقع لكان قبل اعتقاده بإمامته بان يكون ساله ليعرف مبلغ علمه فكيف يكون صاحب مذهب و نحلة فيه و له اتباع ينسبون إليه. و الذي زعم أنها تنسب إليه الشيطانية التي لم يخلقها الله تعالى هو من أصحاب الامام موسى الكاظم لقب بشيطان الطاق لأنه كان صيرفيا بطاق المحامل في الكوفة كان يرجع إليه في النقد فيخرج كما ينقد فيقال شيطان الطاق مبالغة في حذقه، و أصحابه يلقبونه 1 مؤمن الطاق و له من الامام أبي حنيفة نوادر مذكورة، و أما جعله رئيسا لفرقة من المعتزلة تنسب إليه فطريف جدا و فيه من الخبط و الخلط ما لا يخفى كقوله قلما يوجد معتزلي الا و هو رافضي، فالرجل امامي اثنا عشري و اين الامامي من المعتزلي و إن وافقت المعتزلة الإمامية في بعض العقائد إلا أنها تخالفها في أكثر الأصول و الفروع و توافق الأشاعرة في الأصول و الفروع أكثر من موافقتها للامامية و لكن عدم المبالاة بالكذب و الاختلاق يجر إلى أكثر من هذا و لا شي‏ء أعجب من جرأته على هذا الرجل العظيم بالشتم و النسبة إلى أعظم الكفر بدون مبرر إلا قلة الحياء و رقة الدين. و أما 2 المفضل بن عمر فاختلف أصحابنا في وثاقته و عدمها بل في صحة عقيدته و عدمها و نسب إلى الغلو بل قيل إنه كان خطابيا فمن زعم عدم وثاقته لم يقبل روايته و من زعم فساد عقيدته بالغلو تبرأ منه و هذا دأب أصحابنا مع كل غال و هو مما نفاخر به و كيف كان فليس له اتباع ينسبون إليه على أن الذي رجحه المحققون من أصحابنا وثاقته و براءته من الغلو.

23

ثم ان المقريزي و غيره عدوا في فرق الشيعة فرقا اخرى لم نحققها و هي اما منقرضة أو لم توجد في الدنيا كالمباركية اتباع مبارك و الشميطية اتباع يحيى بن شميط الاحمسي صاحب المختار و غيرهما و بعد ما وجدناهم كالتي سبق ذكرها لم يبق لنا وثوق بوجود غيرها ما لم نعلمه. على أن ابن شميط كان من أتباع المختار على امارته لا صاحب نحلة و مذهب خاص حتى يكون له اتباع على نحلته ينسبون إليه.

ثم انهم عدوا في فرق الشيعة- الغلاة و غيرهم ممن هم خارجون عن الإسلام كالخطابية و السبائية أصحاب عبد الله بن سبا و غيرهم. و هذا جهل أو تجاهل فالخارج عن الإسلام لا يصح عده من فرق المسلمين. و الشيعة الامامية الاثنا عشرية الجعفرية تبرأ من كل غال و كل مؤله لمخلوق.

قال المقريزي: و من فرق الروافض الحلوية و الشاعية و الشريكية يزعمون ان عليا شريك محمد(ص)و التناسخية القائلون ان الأرواح تتناسخ و اللاعنة و المخطئة الذين يزعمون أن جبرئيل أخطا و الاسحاقية و الخلفية الذين يقولون لا تجوز الصلاة خلف غير الامام و الرجعية القائلون سيرجع علي و ينتقم من أعدائه و المتربصة الذين يتربصون خروج المهدي و الآمرية و الجبية و الجلالية و الكريبية اتباع أبي كريب الضرير و الحزنية اتباع عبد الله بن عمر الحزني اه.

(أقول): يعلم الله أن هذه الأسماء كلها لم نسمع بها و لم نرها في كتب الشيعة و ما هي إلا مختلقة لا يقصد من ذكرها غير التشنيع و التهجين و هي أسماء بلا مسميات و لم يذكرها أحد من المؤرخين و لا نقلها من كتب في الملل و النحل من الشيعة 3 كالشيخ أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أهل 3 القرن الرابع في كتاب الفرق و المقالات المتكفل لذكر فرق الشيعة و غيره ..

و وجود بعض النحل الباطلة بين من ينسب إلى و إن كان لا يضرنا و نحن بريئون منه كما لا يضر الدين الإسلامي الحق وجود بعض النحل الباطلة فيمن ينسب إليه و كذا لا تضر دعوى النبوة الباطلة [بالنبوة الحقة إلا أن الحقيقة يجب أن تظهر و تعرف.

ثم اننا نسأل المقريزي كيف لم يذكر بين المشبهة و المجسمة أقوال من يقول من أهل نحلته ان الله تعالى ينزل في كل ليلة جمعة على سطوح المساجد راكبا على حماره بصورة غلام امرد قطط الشعر في رجليه نعلان من ذهب. و قول من قال من أهل نحلته دعوني من الفرج و اللحية و سلوني عما شئتم، و قول ابن تيمية على منبر جامع دمشق ان الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا و نزل درجة من درج المنبر كما حكاه مشاهدة ابن بطولة [بطوطة في رحلته، و كيف لم يعد المعتزلة مع فرق أهل السنة و جعلهم أقرب إلى الشيعة و عد الغلاة و غيرهم مع فرق الشيعة مع ان المعتزلة أقرب إلى أهل السنة من الغلاة إلى الشيعة كما لا يخفى.

البحث الثاني في مبدأ ظهور الشيعة إلى وقت انتشارهم و كثرتهم‏

قد عرفت في البحث الأول انه في عهد رسول الله ص‏

كان جماعة يتشيعون لعلي(ع)ثم ظهر له عند حدوث الاختلاف في امر الخلافة يوم وفاة النبي(ص)فقالت الأنصار للمهاجرين منا أمير و منكم أمير و احتج عليهم المهاجرون بأنهم عشيرته و قومه و قال(ع)لما بلغه ذلك ما معناه: ان يكن ما قاله المهاجرون حقا فالحجة لنا دونهم و إلا فالأنصار على حجتهم و تشيع يومئذ لعلي جميع بني هاشم و بني المطلب و انضم إليهم الزبير بن العوام و ثلاثة عشر رجلا أو اثنا عشر من المهاجرين و الأنصار فأرادوا عليا للخلافة فقام هؤلاء الاثنا عشر فاحتجوا على تأخيره في الخلافة و هم ستة من المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص من بني امية، و سلمان الفارسي. و أبو ذر الغفاري.

و المقداد بن الأسود. و عمار بن ياسر. و بريدة الأسلمي. و ستة من الأنصار أبو الهيثم بن التيهان. و سهل و عثمان ابنا حنيف. و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين. و أبي بن كعب. و أبو أيوب الأنصاري،

روى ذلك الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن ابان بن تغلب عن الامام جعفر بن محمد الصادق ع‏

. و رواه الصدوق في الخصال قال: حدثنا علي بن احمد بن عبد الله بن احمد بن أبي عبد الله البرقي قال حدثني أبي عن جده احمد بن أبي عبد الله البرقي قال حدثني النهيكي عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب قال‏ كان الذين أنكروا التقدم على علي بن أبي طالب في الخلافة اثنا عشر رجلا من المهاجرين و الأنصار و عدهم بنحو ما مر عن الاحتجاج مع بعض الاختلاف و ذكر عبد الله بن مسعود بدل عثمان بن حنيف و زاد زيد بن وهب فصاروا ثلاثة عشر. و سنذكر كلامهم عند ذكر تراجمهم في أبوابها. و كان الزبير في بيت فاطمة(ع)مع بني هاشم لما امتنع علي(ع)من البيعة و لما أخذ علي ليبايع شهر الزبير سيفه فأخذوه منه و ضربوا به الحائط فكسروه. و لما دفنت فاطمة(ع)ليلا سرا كان الزبير في جملة من حضر دفنها و لم يزل مشايعا لعلي(ع)حتى صرفه عند [عنه ولده عبد الله فخرج إلى حرب الجمل ثم ذكره علي بأمور قالها له رسول الله(ص)فترك الحرب و رجع فقتله عمرو بن جرموز في وادي السباع و لذلك‏

قال علي(ع)

ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشا ابنه عبد الله.

و كان أخلصهم في ولائه اربعة سلمان و المقداد و عمار و أبو ذر. و في الدرجات الرفيعة: اما الذين كانوا معه(ع)اي عند وفاة النبي(ص)فقيل انهم لم يبلغوا الأربعين حتى انه‏

روي عنه انه قال‏

لو وجدت أربعين رجلا لقاتلت.

و قيل بل كانوا سبعمائة من أكابر الصحابة كلهم مريد إمامته حامل له على الطلب. قال و هذا ان صح فالمانع له عن الطلب و القتال اما علمه بأنهم لا يثبتون معه أو اتقاء الفتنة في زمان عدم استقرار الدين كما

روي‏

ان فاطمة(ع)لامته على قعوده و هو ساكت حتى أذن المؤذن فلما بلغ أشهد أن محمدا رسول الله قال لها أ تحبين ان تزول هذه الدعوة من الدنيا قالت لا قال فهو ما أقول لك‏

اه.

قال ابن أبي الحديد في أوائل شرح نهج البلاغة: ان القول بتفضيل علي(ع)قول قديم قد قال به كثير من الصحابة و التابعين. فمن الصحابة عمار و المقداد و أبو ذر و سلمان و جابر بن عبد الله و أبي بن كعب و حذيفة و بريدة و أبو أيوب و سهل بن حنيف و عثمان بن حنيف و أبو الهيثم بن التيهان و خزيمة بن ثابت و أبو الطفيل عامر بن واثلة و العباس بن عبد المطلب و بنوه و بنو هاشم كافة و بنو المطلب كافة و كان الزبير من القائلين به في بدء الأمر ثم رجع. و كان من بني امية قوم يقولون بذلك منهم خالد بن سعيد بن العاص و منهم عمر بن عبد العزيز اه ثم ذكر خبر الرجل الذي حلف بطلاق زوجته في الكوفة ان لم يكن علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد

24

رسول الله(ص)و مخالفة أبيها له في ذلك و ترافعهما إلى عمر بن عبد العزيز و حكمه بأنها زوجته بمحضر بني امية و هو خبر طويل من رواية ابن الكلبي من اراده فليرجع إلى الشرح المذكور. ثم قال ابن أبي الحديد: فاما من قال بتفضيله على الناس كافة من التابعين فخلق كثير كاويس القرني و زيد بن صوحان و صعصعة أخيه و جندب الخير و عبيدة السلماني و غيرهم ممن لا يحصى كثرة اه. و كان 1 عمر بن عبد العزيز من بين ملوك بني امية سوى ما يحكى عن معاوية الأصغر متظاهرا بالميل إلى العلويين فرفع السب عن أمير المؤمنين(ع)و رد فدكا إلى أولاد فاطمة(ع)و جرى له في خبر المرأة المحلوف على طلاقها ما سمعت، و قال الشريف الرضي حين مر بقبره في 1 دير سمعان:

يا ابن عبد العزيز لو بكيت العي* * * ن فتى من امية لبكيتك‏

أنت نزهتنا عن السب و الشت* * * م فلو أمكن الجزاء جزيتك‏

غير اني أقول انك قد طب* * * ت و ان لم يطب و لم يزك بيتك‏

1 دير سمعان لا عدتك الغوادي* * * خير ميت من آل مروان ميتك‏

و قول ابن أبي الحديد أن الزبير كان يقول بذلك ثم رجع ليس بصحيح فالزبير لم يرجع عن قوله بتفضيل علي و إنما خرج لحربه رغبة في الامارة أو طلبا بدم عثمان و اجتهادا في الرأي أخطأ فيه كما يقولون.

و في الدرجات الرفيعة: اعلم أن كثيرا من الصحابة رجع إلى أمير المؤمنين(ع)و ليس إلى استقصائهم جميعا سبيل و قد اتفقت نقلة الأخبار على أن أكثر الصحابة كانوا معه(ع)في حروبه. قال المسعودي في مروج الذهب: كان ممن شهد صفين مع علي بن أبي طالب(ع)من أصحاب بدر سبعة و ثمانون رجلا منهم سبعة عشر من المهاجرين و سبعون من الأنصار و شهد معه ممن بايع تحت الشجرة و هي بيعة الرضوان من المهاجرين و الأنصار و من سائر الصحابة تسعمائة و كان جميع من شهد معه من الصحابة ألفين و ثمانمائة اه و في السيرة الحلبية: قال بعضهم شهدنا صفين مع علي بن أبي طالب ثمانمائة من أهل بيعة الرضوان و قتل منهم ثلاثة و ستون منهم عمار بن ياسر اه و في مروج الذهب أيضا أن عليا(ع)خرج إلى حرب الجمل في سبعمائة راكب منهم أربعمائة من المهاجرين و الأنصار منهم سبعون بدريا و باقيهم من الصحابة (إلى أن قال) و لحق بعلي من أهل المدينة جماعة من الأنصار فيهم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين. ثم ذكر في مروج الذهب صفة دخول علي(ع)البصرة فقال: فيما حدث به أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي عن ابن عائشة عن معن بن عيسى عن المنذر بن الجارود قال لما قدم علي البصرة خرجت انظر إليه فورد موكب نحو ألف فارس يقدمهم فارس على فرس أشهب‏ (1) عليه قلنسوة و ثياب بيض متقلد سيفا معه راية و إذا تيجان القوم‏ (2) الأغلب عليها البياض و الصفرة مدججين في الحديد و السلاح فقلت من هذا فقيل أبو أيوب الأنصاري و هؤلاء الأنصار و غيرهم ثم تلاهم فارس عليه عمامة صفراء و ثياب بيض متقلد سيفا متنكب قوسا معه راية على فرس أشقر في نحو ألف فارس فقلت من هذا فقيل خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين ثم مر بنا فارس على فرس كميت معتم بعمامة صفراء تحتها قلنسوة بيضاء عليه قباء أبيض مصقول متقلد سيفا متنكب قوسا في نحو ألف فارس معه راية فقلت من هذا فقيل أبو قتادة بن ربعي ثم مر بنا فارس على فرس أشهب عليه ثياب بيض و عمامة سوداء قد سدلها بين يديه و من خلفه شديد الادمة (3) عليه سكينة و وقار رافع صوته بقراءة القرآن متقلد سيفا متنكب قوسا معه راية بيضاء في ألف من الناس مختلفي التيجان حوله مشيخة و كهول و شباب كان قد أوقفوا للحساب في جباههم أثر السجود فقلت من هذا فقيل عمار بن ياسر في عدة من المهاجرين و الأنصار و أبنائهم. ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض و قلنسوة بيضاء و عمامة صفراء متنكب قوسا متقلد سيفا تخط رجلاه في الأرض في ألف من الناس الغالب على تيجانهم الصفرة و البياض معه راية صفراء قلت من هذا قيل قيس بن سعد بن عبادة في الأنصار و أبنائهم و غيرهم من قحطان. ثم مر بنا فارس على فرس أشعل‏ (4) ما رأينا أحسن منه عليه ثياب بيض و عمامة سوداء قد سدلها بين يديه بلواء قلت من هذا قيل عبد الله بن العباس في عدة من أصحاب رسول الله ص.

ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين قلت من هذا قيل قثم بن العباس أو سعيد بن العاص. ثم أقبلت الموكب و الرايات يقدم بعضها بعضا و اشتبكت الرماح، ثم ورد موكب فيه خلق عليهم السلاح و الحديد مختلفو الرايات كأنما على رؤوسهم الطير في أوله راية كبيرة يقدمهم الطير كأنما كسر و جبر (5) نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق عن يمينه شاب حسن الوجه و عن يساره شاب حسن الوجه قلت من هؤلاء قيل هذا علي بن أبي طالب و هذان الحسن و الحسين عن يمينه و شماله و هذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العظمى و هذا الذي خلفه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و هؤلاء ولد عقيل و غيرهم من فتيان بني هاشم و هؤلاء المشايخ أهل بدر من المهاجرين و الأنصار. انتهى محل الحاجة منه و منه يعلم أن العمائم في صدر الإسلام لم يكن لها لون مخصوص.

و أحصى السيد علي خان الشيرازي المدني الشيعة من الصحابة في كتابه الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة و عقد لذلك بابين الباب الأول في الشيعة من الصحابة من بني هاشم، و الباب الثاني في الشيعة من الصحابة من غيرهم، فذكر في الباب الأول: 2 أبا طالب بن عبد المطلب و استدل لتشيعه بعد ما أثبت إسلامه بان النبي(ص)قد أخبر عشيرته في حياته أن عليا(ع)وصيه و خليفته بمحضر أبي طالب و غيره من بني المطلب فاذعن أبو طالب له بذلك و ياتي ذلك في ترجمته إن شاء الله. و طالب و إخوته: جعفر. و عقيلا. و أم هاني. و جمانة. و حمزة بن عبد المطلب و ابنيه عمارة و يعلى. و العباس بن عبد المطلب و أبناءه. عبد الله. و الفضل.

و عبيد الله. و قثما. و عبد الرحمن. و معبدا. و كثيرا. و تماما. و أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. و أخاه نوفل بن الحارث. و عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب. و عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و أخويه. عونا و محمدا. و ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. و أخاه. الطفيل بن الحارث.

و الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. و أخاه المغيرة بن نوفل. و عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.

و عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. و العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. و العباس بن عتيبة بن أبي لهب بن عبد المطلب.

____________

(1) الأشهب الذي غلب بياضه على سواده.

(2) اي عمائمهم.

(3) أي شديد السمرة.

(4) الفرس الأشعل الذي في ذنبه أو ناصيته بياض.

(5) قال ابن عائشة هذه صفة رجل شديد الساعدين كذلك تخبر العرب في وصفها إذا أخبرت عن الرجل إنه كسر و جبر.- المؤلف-

25

و عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. و جعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.

و ذكر في الباب الثاني: عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ص.

و سلمان الفارسي. و المقداد بن الأسود الزهري. و أبا ذر الغفاري. و عمار بن ياسر. و حذيفة بن اليمان. و خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين و أبا أيوب الأنصاري. و أبا الهيثم مالك بن التيهان. و أبي بن كعب. و سعد بن عبادة. و ابنه قيس بن سعد. و عدي بن حاتم الطائي. و عبادة ابن الصامت. و أبا رافع مولى رسول الله ص.

و هاشم بن عتبة بن أبي وقاص. و عثمان بن حنيف. و أخاه سهل بن حنيف. و حكيم بن جبلة العبدي. و خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس. و الوليد بن جابر بن ظالم الطائي.

و أبا سعيد الخدري. و البراء بن مالك، و بريدة الأسلمي.

و خباب بن الأرت. و كعب بن عمرو السلمي. و رفاعة بن رافع الأنصاري. و مالك بن ربيعة الساعدي. و عقبة بن عمرو أبو مسعود البدري. و هند بن أبي هالة التميمي ربيب النبي(ص)و جعدة بن هبيرة المخزومي. و أبا عمرة الأنصاري و أبا محمد مسعود بن أرس. و أبا برزة الأسلمي و مرداس بن مالك الأسلمي. و المسور بن شداد الفهري. و عبد الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي. و 3 حجر بن عدي الكندي قتيل 3 مرج عذراء. و عمرو بن الحمق الخزاعي. و اسامة بن زيد بن حارثة. و أبا ليلى الأنصاري. و زيد بن أرقم. و البراء بن عازب. انتهى إجمال ما أورده صاحب الدرجات الرفيعة من أسماء الشيعة من الصحابة من بني هاشم و غيرهم و ممن لم يذكره من الصحابة الشيعة من بني هاشم و غيرهم و ممن لم يذكره من الصحابة الشيعة: الأحنف صخر أو الضحاك بن قيس كان في عصر النبي(ص)و آمن به و لم يره و دعا له النبي(ص)و قيس بن خرشة قدم على رسول الله(ص)و بايعه على الإسلام و قول الحق و له خبر عجيب مع ابن زياد ياتي في ترجمته إن شاء الله و قرظة بن كعب الأنصاري شهد مع علي(ع)مشاهده كلها. هذا نموذج من شيعة الصحابة ذكرناه في هذه المقدمة و بقي منهم عدد كثير تجده في محاله من هذا الكتاب.

و كان الشيعة يزيدون و يكثرون بالتدريج في صدر الإسلام حتى بلغوا ألفا أو أكثر. و لما نفي أبو ذر إلى الشام تشيع منها جماعة كثيرة و يقال أن تشيع 4 أهل جبل عامل من ذلك الوقت و إنه لما أخرجه معاوية إلى القرى وقع في جبال بني عاملة فتشيعوا و في الصرفند و ميس من قرى جبل عامل مسجدان ينسبان إلى أبي ذر غير مساجد القريتين الجامعة و يحكى عن كتاب روضة الكافي و فضائل شاذان بن جبرائيل القمي أن فيهما رواية مسندة إلى عمار بن ياسر و زيد بن أرقم تدل على أنه كان زمن خلافة علي(ع)قرية في الشام عند جبل الثلج تسمى أسعار أهلها. قال بعض الفضلاء:

و أسعار هذه قرية خربة بين مجدل شمس و جباثا الزيت و هناك نهر يعرف بنهر اسعار اه.

و لما وقعت الفتن في الإسلام و قتل عثمان و وقع حرب الجمل ثم حرب صفين ثم وقعة النهروان كان أكثر الصحابة مع علي و من أشياعه و جماعة منهم مع معاوية و قليل منهم اعتزلوا الفريقين منهم سعد بن أبي وقاص و عبد الله بن عمر

فقال علي(ع)

أن سعدا و عبد الله لم ينصرا الحق و لم يخذلا الباطل.

و لما سكن علي(ع)العراق تشيع كثير من 5 أهل الكوفة و البصرة و ما حولهما و لما تفرقت عماله و شيعته في البلاد كان من دخل منهم بلادا تشيع كثير من أهلها و كان في مكة و المدينة و الطائف و اليمن و مصر كثير من الشيعة مضافا إلى من بالعراق و فارس بل كان جل 6 أهل اليمن شيعة و اليوم الغالب على اليمن التشيع على مذهب زيد الشهيد و فيها عدد كثير من الشيعة الامامية الاثني عشرية و كذلك 7 أهل مصر كان أكثرهم في ذلك العصر علوية و منهم طائفة عثمانية.

و لما قتل الحسين(ع)استعظم أكثر المسلمين ذلك حتى بعض الأمويين و تنبهوا لفضل أهل البيت و ما أصابهم من الظلم و علموا بتقصيرهم في نصرهم و انحرف كثير عن بني أمية و مالوا إلى بني هاشم و خاصة إلى العلويين و كثرت شيعتهم و كانت وقعة الحرة و وقعة التوابين و وقعة نهر الخازر و غيرهما مما أوجب إنحراف الناس عن بني أمية مضافا إلى ما تاسس في نفوسهم من أفعال بسر بن ارطاة و غيره أيام معاوية.

و كثر عدد الشيعة في التابعين و تابعي التابعين كثرة مفرطة فقد سمعت قول ابن أبي الحديد أن القائلين بتفضيل علي على الناس كافة من التابعين خلق كثير. و ستعرف في البحث التاسع قول الذهبي في ميزان الاعتدال أن كثر في التابعين و تابعيهم بحيث لو رد حديث هؤلاء لذهب جملة الآثار النبوية.

و ما زال عدد الشيعة يزداد حينا فحينا إلى أواخر الدولة الأموية فظهرت شيعة بني هاشم من العلويين و العباسيين، و في الدولة العباسية كثرت شيعة العلويين كثرة مفرطة في الحجاز و اليمن و العراق لا سيما الكوفة و البصرة و في مصر و خراسان و سائر بلاد فارس لا سيما قم و غير ذلك من البلدان و أكثرهم في الكوفة و خراسان.

و رغما عما وقع من الاضطهاد و الخوف على أهل البيت و شيعتهم في الدولتين الأموية و العباسية الموجب لتسترهم و اختفائهم و كتمان أهل البيت علومهم إلا عن خواص أصحابهم خوفا و كثرة المائلين إلى الأمويين و العباسيين و ما أيدوه و نصروه من المذاهب و كثرة المتقربين منهم رغبا أو رهبا و كون الناس على دين ملوكهم و حب المال و الجاه و الرئاسة أمر مجبولة عليه النفوس و الحق مر و الصبر على الأذى صعب رغما عن ذلك كله فقد كثر اتباع أهل البيت و شيعتهم و انتشرت علومهم كثرة و انتشارا لا يتناسبان مع مجرى العادة في مثل هذه الأحوال خصوصا في أواخر الدولة الأموية و أوائل الدولة العباسية لقلة الخوف كما هو الشأن في انتهاء دولة و ابتداء أخرى لا سيما مع كون الثانية هاشمية ففي عهد السفاح و المنصور اشتهر مذهب أهل البيت في الناس و خاصة في عصر الامام جعفر بن محمد الصادق(ع)و لذلك نسب مذهبهم إليه فقيل المذهب الجعفري.

و فشا في الأمة حتى سرى إلى الملوك و الأمراء فمال إليه من ملوك بني أمية معاوية الأصغر و مال إليه و ناصره عمر بن عبد العزيز عادل بني مروان كما مر و كان المأمون من بني العباس متظاهرا بالمشايعة لعلي(ع)و ولده و تفضيله، و جعله الرضا(ع)ولي عهده و إحسانه إلى العلويين معروف مشهور و إذا صح سمه للرضا(ع)يكون قد أفسد ما أصلح كما قال أبو فراس:

باؤوا بقتل الرضا من بعد بيعته* * * و أبصروا بعض يوم رشدهم فعموا

26

و كان بعده الامام 8 الناصر من بني العباس شيعيا و كان الملك الأفضل 9 علي بن صلاح الدين يوسف الأيوبي المعاصر 9 للناصر شيعيا. و كبراء وزراء الدولة العباسية و كتابها كانوا و لما خرج الامام علي بن موسى الرضا(ع)إلى خراسان في زمن المأمون تشيع كثير من أهلها مضافا إلى من كان فيها من الشيعة. و عند حدوث الضعف في الدولة العباسية و خروج أكثر الأمصار عن يدهم و استبداد الأمراء بها حتى لم يبق لهم غير الخطبة ظهرت في العراق و فارس دولة البويهيين و في الموصل و حلب و العواصم و دمشق دولة الحمدانيين و في إفريقيا و المغرب و مصر و الشام و الحجاز دولة الفاطميين حتى أصبح جل بلاد الإسلام بيد الملوك و الأمراء الشيعة و كثرت الشيعة في هذه البلاد كثرة مفرطة فبعضها كان أكثرها كمصر و المغرب و بعض سواحل سورية و مدنها و كثير من مدن العراق و بعضها كحلب و طرابلس الشام و جبل عامل كان كل أهلها إلا ما ندر و دخل إلى بلاد الأندلس و كثر في إيران في ذلك العصر مضافا إلى ما كان فيها من الشيعة و لم يزل في زيادة و في عهد الملوك الصفوية أصبح جل أهلها و دخل في جميع بلاد خراسان و ما وراء النهر و افغانستان قبل عصر الصفوية و كثر في هذه البلاد في عصرهم كبلخ و بخارى و سمرقند و جرجان و هراة و كابل و قندهار و غيرها و امتد إلى بلاد الهند و السند و التبت و ظهرت في بلاد الهند دولة العادل‏شاهية و النظام‏شاهية و القطب شاهية و غيرها من الدول الشيعية و ما زال يفشو فيها حتى أصبح فيها اليوم ما يزيد على ثلاثين مليونا من الشيعة. و 10 أهل البحرين و هي هجر قديمو التشيع وليها أبان ابن سعيد بن العاص في مبدأ الإسلام و كان من الشيعة فغرس فيهم التشيع و وليها أيضا عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله(ص)و كان من الشيعة و وليها أيضا معبد بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي و انتشر في الأعصار الأخيرة في بلاد الأناضول و في البانيا و غيرها. و مما يستلفت النظر ما قرأناه في كتاب حاضر العالم الإسلامي حيث قال و أما عن هرار (مدينة في الحبشة) فيقول المسيو فال أن أهلها 35 ألف نسمة مسلمون أما في دائرة المعارف الإسلامية فيقول إن أهلها 50 ألف نسمة اه.

و مما ذكرناه من أن انتشار في خراسان كان بعد خروج الرضا(ع)إليها و زاد انتشاره في إيران في عصر الملوك الصفوية يظهر بطلان ما يقوله جملة من القشريين المتعصبين على الشيعة من أن الفرس دخلوا في كيدا للإسلام الذي أزال دولتهم. فان الفرس الذين دخلوا في الإسلام أولا لم يكونوا حتى يقال في حقهم ذلك و من دخل في الإسلام بعد هذا و تشيع فحاله حال كل من تشيع من سائر الأمم كالعرب و الترك و الروم و غيرهم لم يكن باعثه على ذلك إلا حب الإسلام و حب مذهب أهل البيت ع، و الملوك الصفوية الذين نصروا في إيران هم سادة أشراف من نسل الامام موسى الكاظم بن جعفر الصادق(ع)و هم عرب صميمون فلا يمكن أن يتعصبوا للاكاسرة و الذين يمكن في حقهم ذلك هم قدماء الفرس و هؤلاء جلهم كان على مذهب بل عظماء علماء السنة هم من الفرس فمن هم الذين دخلوا في كيدا للإسلام يا ترى، و قبلهم نشر الأشعريون في قم و أطرافها و هم عرب صميمون هاجروا إليها في عصر الحجاج و غلبوا عليها و استوطنوها. و ياتي لهذا مزيد تفصيل في الأمر السادس من البحث الرابع. (1)

و ما زال يفشو و يقل و يظهر و يخفي و يوجد و يعدم في بلاد الإسلام على التناوب و غيره بحسب تعاقب الدول الغاشمة و غيرها و تشددها و تساهلها حتى أصبح عدد الشيعة اليوم في أنحاء المعمور يناهز الخمسة و السبعين مليونا (2) أي بأكثر من خمس المسلمين بثلاثة ملايين منها نحو اثنين و ثلاثين مليونا في الهند و نحو خمسة عشر مليونا في إيران و نحو عشرة ملايين في روسيا و تركستان و نحو خمسة ملايين في اليمن و نحو مليونين و نصف في العراق و نحو مليون و نصف في بخارى و الأفغان و نحو مليون في سوريا و مصر و الحجاز و نحو سبعة ملايين في الصين و التبت و الصومال و جاوا و نحو مليون في البانيا و تركيا. و مرادنا بشيعة الهند و سوريا خصوص الامامية غير الإسماعيلية الآغاخانية و بشيعة اليمن ما يعم الزيدية و الامامية الاثني عشرية و بشيعة الألبان غير البكتاشية. و كان بعض أفاضل جبل عامل عدهم في مجلة المقتبس تسعين مليونا مريدا بهم ما يعم الاثني عشرية و الزيدية و الإسماعيلية و البكتاشية و غيرهم فقال صاحب المقتبس إن في العدد مبالغة و رجح أنهم عشرون مليونا و قدرهم عبد الله مخلص الحيفاوي باثني عشر مليونا و عدهم صاحب المقتطف أربعين مليونا أي الامامية. و عدهم إبراهيم حلمي البغدادي سبعين مليونا و هو قريب مما قدرناه. أما تقادير المقتبس و الحيفاوي و المقتطف فبعيدة عن الصواب لا سيما الأولان.

البحث الثالث في الإشارة إلى بعض ما وقع على أهل البيت و شيعتهم من الظلم و الاضطهاد في الدول الإسلامية

قال السيد علي خان في كتاب الدرجات الرفيعة في طبقات الامامية من الشيعة:

روي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر(ع)أنه قال لبعض أصحابه‏

يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا و تظاهرهم علينا و ما لقي شيعتنا و محبونا من الناس أن رسول الله(ص)قبض و قد أخبر أنا أولى الناس فمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه و احتجت على الأنصار بحقنا و حجتنا ثم تداولتها قريش واحدا بعد واحد حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا و نصبت الحرب لنا و لم يزل صاحب الأمر في صعود كئود حتى قتل فبويع الحسن ابنه و عوهد ثم غدر به و أسلم و وثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه و انتهب عسكره و عوجلت خلاخل أمهات أولاده فوادع معاوية و حقن دمه و دم أهل بيته و هم قليل حق قليل ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفا غدروا به و خرجوا عليه و بيعته في أعناقهم فقتلوه ثم لم نزل أهل البيت نستذل و نستضام و نقصى و نمتهن و نحرم و نقتل و نخاف و لا نأمن على دمائنا و دماء أوليائنا و وجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم و جحودهم موضعا يتقربون به إلى أوليائهم و قضاة السوء في كل بلدة فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة و رووا عنا ما لم نقله و ما لم نفعله ليبغضونا إلى الناس و كان عظم ذلك و كبره زمن معاوية بعد موت الحسن فقتلت شيعتنا بكل بلدة و قطعت الأيدي و الأرجل على الظنة، من ذكر بحبنا و الانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو دهمت داره ثم لم يزل البلاء يشتد و يزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين ثم جاء الحجاج‏

____________

(1) أول استقلال سياسي لايران هو الذي قام به السامانيون، إذ هم الذين أعلنوا انفصال إيران و إنشاء دولتهم السامانية فيها، و 11 السامانيون سنة و ليسوا. ح.

(2) كان هذا يوم تأليف الكتاب أي منذ أكثر من خمسين سنة و العدد اليوم أكثر من ذلك بكثير في جميع البلاد التي ذكرها المؤلف. ح‏

27

فقتلهم كل قتلة و أخذهم بكل ظنة و تهمة حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال شيعة علي.

قال و روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب الأحداث قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب و أهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة و على كل منبر يلعنون عليا و يبرءون منه و يقعون فيه و أهل بيته و كان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي(ع)فاستعمل عليهم زياد بن سمية و ضم اليه البصرة و كان يتتبع الشيعة و هو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي(ع)فقتلهم تحت كل حجر و مدر و أخافهم و قطع الأيدي و الأرجل و سمل العيون و صلبهم على جذوع النخل و طردهم و شردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم و كتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي و أهل بيته شهادة و كتب إليهم أن انظروا من كان قبلكم من شيعة عثمان و محبيه و أهل بيته و الذين يروون فضائله و مناقبه فادنوا مجالسهم و قربوهم و أكرموهم و اكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم و اسمه و اسم أبيه و عشيرته ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات و الكساء و الحباء و القطائع و يفيضه في العرب منهم و الموالي فكثر ذلك في كل مصر و تنافسوا في المنازل و الدنيا فليس يجي‏ء أحد من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه و قربه و شفعه فلبثوا بذلك حينا ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كل مصر و في كل وجه و ناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة و الخلفاء الأولين و لا يتركوا خبرا يرويه الناس في أبي تراب إلا و ائتوني بمناقض له في الصحابة فان هذا أحب إلي و أقر لعيني و ادحض لحجة أبي تراب و شيعته و أشد عليهم من مناقب عثمان و فضله فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر و القي إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه و تعلموه كما يتعلمون القرآن و حتى علموه بناتهم و نساءهم و خدمهم و حشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا و أهل بيته فامحوه من الديوان و اسقطوا عطاءه و رزقه و شفع ذلك بنسخة اخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به و اهدموا داره، فلم يكن البلاء أشد و لا أكثر منه بالعراق و لا سيما بالكوفة حتى أن الرجل من شيعة علي(ع)ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره و يخاف من خادمه و مملوكه و لا يحدثه حتى يأخذ عليه الايمان الغليظة ليكتمن عليه فظهر حديث كثير موضوع و بهتان منتشر و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة و الولاة و كان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون و المستضعفون الذين يظهرون الخشوع و النسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم و يقربوا مجالسهم و يصيبوا به الأموال و الضياع و المنازل حتى انتقلت تلك الأخبار و الأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب فقبلوها و رووها و هم يظنون أنها حق و لو علموا أنها باطلة لما رووها و لا تدينوا بها فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي(ع)فازداد البلاء و الفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا خائف على دمه أو طريد في الأرض ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين(ع)و ولي عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة و ولى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب إليه أهل النسك و الصلاح ببغض علي(ع)و موالاة أعدائه فأكثروا من الرواية في فضلهم و سوابقهم و مناقبهم و أكثروا من الغض من علي(ع)و عيبه و الطعن فيه و الشنآن له حتى أن إنسانا وقف للحجاج و يقال أنه جد الأصمعي عبد الملك بن قريب فصاح به أيها الأمير إن أهلي عقوني فسموني عليا و إني فقير بائس و أنا إلى صلة الأمير محتاج فتضاحك له الحجاج و قال للطف ما توسلت به و قد وليتك موضع كذا (و روى) ابن عرفة المعروف بنفطويه‏

و هو من أكابر المحدثين و إعلامهم في تاريخه ما يناسب هذا الخبر و قال إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم انتهى.

و مما فعله معاوية بعد عام الجماعة بشيعة علي(ع)بعد ما أمنهم و أعطى على نفسه العهود في كتاب الصلح بينه و بين الحسن(ع)أن لا يتعرض لهم بسوء أنه أرسل إلى زياد بعد ما ولاه الكوفة و البصرة أن يبعث إليه عبد الله بن هاشم المرقال و أن يحلق رأسه و يلبسه جبة شعر و يقيده و يغل يديه بغل إلى عنقه و يحمله على قتب بعير بغير وطاء و لا غطاء ففعل به زياد ذلك و أنفذه إليه فوصله و قد غيرت الشمس وجهه و لقي تعبا كثيرا و كان من أمره معه ما هو معروف.

و طلب عمرو بن الحمق الخزاعي فراغ منه فأرسل إلى امرأته آمنة بنت الشريد فحبسها في سجن دمشق سنتين ثم إن عبد الرحمن بن الحكم ظفر بعمرو بن الحمق في بعض الجزيرة فقتله و بعث برأسه إلى معاوية و هو أول رأس حمل في الإسلام فبعث بالرأس إلى زوجته آمنة و هي في السجن و أمر أن يطرح في حجرها.

و أرسل إليه زياد و هو على الكوفة حجر بن الأدبر الكندي و معه ثلاثة عشر رجلا من أصحابه مسلسلين فحبسوا بمرج عذرا قرب دمشق فتشفع أصحاب معاوية في ستة منهم فأطلقوا و تشفع بعضهم في حجر فلم يطلقه و كان حجر من الصحابة و ممن شهد فتح عذرا و طلب اثنان منهم أن يرسلوهما إلى معاوية فقال لأحدهما أ تبرأ من دين علي الذي يدين الله به فسكت فشفع فيه بعض الحاضرين فنفاه إلى الموصل و قال للآخر ما تقول في علي قال أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيرا من الآمرين بالحق و القائمين بالقسط و العافين عن الناس فرده إلى زياد و أمره أن يقتله شر قتلة فدفنه حيا و أرسل ريجر [إلى حجر و باقي أصحابه هدبة القضاعي و رجلين معه فقالوا إنا أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي و اللعن له فان فعلتم تركناكم و إن أبيتم قتلناكم فأبوا فحفرت لهم القبور و أحضرت الأكفان و قتل عبد الرحمن بن حسان العنزي و كريم بن عفيف الخثعمي من أصحاب حجر و قال حجر لا تحلوا قيودي فاني اجتمع أنا و معاوية على هذه المحجة ثم قال لهدبة إن كنت أمرت بقتل ولدي فقدمه فضربت عنقه فقيل له تعجلت الثكل فقال خفت أن يرى ولدي هول السيف على عنقي فيرجع عن ولاية علي ثم قتل حجر و باقي أصحابه، ذكر ذلك مفصلا المرزباني في تلخيص أخبار شعراء الشيعة كما وجدناه في قطعة منه مخطوطة و ذكره غيره من المؤرخين.

و جرى على الحسن بن علي(ع)بعد قتل أبيه من خذلان الناس له و تجرئهم عليه و نقضهم لعهده ما الجاه إلى مصالحة معاوية الذي لم يف بشي‏ء من شروط الصلح ثم قتله بالسم.

28

و أخذ زياد بن سمية بعد ما ولاه معاوية الكوفة رشيدا الهجري و كان من أصحاب علي(ع)فقال له ما قال لك صاحبك إنا فاعلون بك قال تقطعون يدي و رجلي و تصلبوني قال و الله لأكذبن حديثه خلوا سبيله فأراد أن يخرج فقال زياد و الله ما نجد له شيئا شرا مما قال له صاحبه افعلوا به ذلك فقال رشيد بقي لي عندكم شي‏ء اخبرني به قال زياد اقطعوا لسانه قال رشيد الآن و الله جاء التصديق.

و قال علي(ع)لجويرية بن مسهر

و الذي نفسي بيده لتعتلن إلى العتل الزنيم و ليقطعن يدك و رجلك ثم تصلب‏

فلما ولي زياد في أيام معاوية قطع يده و رجله ثم صلبه إلى جذع ابن معكبر. كما فعل مثل ذلك و أشد منه بميثم التمار.

و كان سعيد بن سرح شيعة لعلي بن أبي طالب(ع)فلما تقدم زياد الكوفة واليا عليها لمعاوية طلبه و أخافه فاتى سعيد الحسن بن علي(ع)مستجيرا به فوثب زياد على أخيه و ولده و امرأته فحبسهم و أخذ ماله و نقض داره و كتب اليه الحسن(ع)فيه فأجابه بأقبح جواب حتى امره معاوية بتركه و خبره مشهور. و لهذا الذي ذكرناه و أمثاله: لما وصف معاوية بالحلم عند الحسن البصري قال و هل أغمد سيفه و في نفسه على أحد شي‏ء.

و جرى على الحسين بن علي(ع)و أنصاره من القتل الفظيع و منع الماء و سبي الأطفال و النساء و رض الأجسام و حمل الرءوس على الرماح ما هو معروف مشهور.

و جرى الأمر على هذا المنوال في سائر ملك بني امية و كان الرجل من الشيعة إذا حدث عن علي(ع)لا يجسر على ذكر اسمه فيقول حدثني أبو زينب و بلغ الحال من الضيق و الشدة إلى أن منع أن يسمى أحد باسم علي أو الحسن أو الحسين ع.

و لما وفد زيد [بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع)على هشام بن عبد الملك جفاه و امر أصحابه ان يتضايقوا في المجلس حتى لا يجد مكانا يجلس اليه و لما دخل قال له في جملة كلامه: أخوك البقرة فقال له زيد سماه رسول الله(ص)باقر العلم و تسميه أنت البقرة لشد ما اختلفتما، اختلفتما في الدنيا و لتختلفان في الآخرة ثم خرج و هو يقول ما كره قوم حد السيف الا ذلوا و خرج إلى العراق فقتل و نبش بعد الدفن و قطع رأسه و أرسل إلى هشام و صلب منكوسا عاريا ثلاث سنين و الجنود تحرسه حتى عشعشت الفاختة في جوفه ثم انزل و أحرق و ذري في الفرات.

و قتل الحجاج 12 سعيد بن جبير على التشيع و طلب سليم بن قيس الهلالي ليقتله لانه من أصحاب علي(ع)فهرب إلى ناحية من ارض فارس و مات مستترا.

و طلب قنبرا مولى أمير المؤمنين(ع)فقال أنت مولى علي بن أبي طالب فقال الله مولاي و أمير المؤمنين علي ولي نعمتي قال ابرأ من دينه قال إذا فعلت تدلني على دين أفضل منه قال اني قاتلتك فاختر اي قتلة أحب إليك قال قد جعلت ذلك إليك قال لم قال لأنك لا تقتلني قتلة الا قتلك الله مثلها و لقد اخبرني أمير المؤمنين(ع)ان ميتتي تكون ظلما فأمر به فذبح. و طلب الحجاج كميل بن زياد صاحب أمير المؤمنين(ع)فهرب منه فحرم قومه عطاءهم فقال كميل انا شيخ كبير و لا ينبغي لي ان أحرم قومي عطاءهم فسلم نفسه للحجاج فقال له كنت أحب ان أجد عليك سبيلا فقال كميل لا تصرف علي أنيابك فو الله ما بقي من عمري الا اليسير فاقض ما أنت قاض فأمر بضرب عنقه فقتل.

و قتل 13 يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بالجوزجان و احتز رأسه و بعث به إلى نصر بن سيار فبعثه الوليد إلى المدينة فجعل في حجر أمه ريطة فنظرت إليه فقالت شردتموه عني طويلا و اهديتموه إلي قتيلا و كان عمره 13 ثماني عشرة سنة و صلب بدنه على باب مدينة الجوزجان فلم يزل مصلوبا حتى جاءت المسودة.

ثم جاءت الدولة العباسية، فكان العباسيون أكثر تشددا على العلويين و اضطهادا و ظلما لهم و لشيعتهم من الأمويين، و كانت دولتهم عليهم أدهى و أمر كما قال الشاعر:

و الله ما فعلت أمية فيهم* * * معشار ما فعلت بنو العباس‏

و قال الأمير أبو فراس الحارث الحمداني:

ما نال منهم بنو حرب و إن عظمت* * * تلك الجرائم الا دون نيلكم‏

و قال الشريف الرضي رضي الله عنه:

أ لا ليس فعل الأولين و إن علا* * * على قبح فعل الآخرين بزائد

و تظاهر ملوكهم بمذهب و أيدوه و نصروه و أدروا الأرزاق و أغدقوا الأموال على العلماء المنتسبين اليه و ولوهم القضاء و الفتوى و أعرضوا عن مذهب أهل البيت و تشددوا على من ينتسب إليه و أقصوهم و حرموهم و ردوا شهادتهم و سجنوهم و ساموهم الخسف و القتل، كل ذلك مراغمة للعلويين و خوفا منهم على الملك و الخلافة لما رأوا من مكانتهم في قلوب الناس حتى ان إبراهيم بن هرمة الشاعر لما قال:

مهما ألام على حبهم* * * فاني أحب بني فاطمة

بني بنت من جاء بالبينات* * * و الدين و السنن القائمة

و سئل عن قائلها قال قائلها من عض ببظر أمه فقال له ابنه أ لست أنت قائلها قال بلى قال أ تقول هذا عن نفسك فقال يا بني لأن يعض الرجل ببظر أمه خير له من ان يأخذه ابن قحطبة.

و فعل المنصور ببني الحسن السبط الأفاعيل فحملهم من المدينة إلى الهاشمية بالعراق مقيدين مغللين و حبسهم في سجن لا يعرفون فيه الليل من النهار و إذا مات منهم واحدا ترك معهم ثم هدم السجن عليهم. ثم حمل الامام جعفر بن محمد الصادق(ع)مرارا إلى العراق و وبخه و أراد قتله فنجاه الله منه.

و قتل دواد بن علي بن عبد الله بن العباس أمير المدينة في عهد المنصور 14 المعلى بن خنيس مولى الامام جعفر بن محمد الصادق(ع)بعد ما حبسه لأجل التشيع و استصفى ماله.

و روى الصدوق في عيون اخبار الرضا(ع)بسنده عن الحاكم أبي احمد بن محمد بن اسحق الأنماطي النيسابوري ان المنصور لما بنى الابنية ببغداد جعل يطلب العلوية طلبا شديدا و يجعل من ظفر به منهم في الأسطوانات المجوفة المبنية من الجص و الآجر (الحديث).

و استتر عيسى بن زيد بن علي بن الحسين في الكوفة بعد مقتل محمد و إبراهيم ابني عبد الله بن الحسن خوفا على نفسه من بني العباس و ذلك في‏

29

عصر المهدي العباسي و سكن دار علي بن صالح بن حي و تزوج ابنته و هو لا يعرفه فجعل يستقي الماء على بعير له و يقتات من كسبه، روى أبو الفرج في المقاتل ما حاصله: ان يحيى بن الحسين بن زيد قال: قلت لأبي اني اشتهي أن أرى عمي عيسى بن زيد فدافعني مدة و قال ان هذا يثقل عليه و أخشى ان ينتقل عن منزله كراهية للقائك إياه فتزعجه، فلم أزل به حتى أذن لي و وصف لي داره بالكوفة و قال انه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه قد أثر السجود في جبهته عليه جبة صوف يستقي الماء على جمل لا يضع قدما و لا يرفعها إلا ذكر الله و دموعه تنحدر فقم اليه فإنه سيذعر منك كما يذعر الوحش فعرفه بنفسك فأتيت الكوفة فكان كما وصف لي فعانقته فذعر مني كما يذعر الوحش من الإنس فقلت يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد فضمني اليه و بكى حتى قلت قد جاءت نفسه و جعل يسالني عن اهله و أنا أشرح له و هو يبكي و قال يا بني انني استقي على هذا الجمل الماء فاصرف اجرة الجمل إلى صاحبه و أتقوت باقية و ربما عاقني عائق فاخرج إلى البرية فالتقط ما يرمي الناس من البقول فاتقوته و تزوجت إلى هذا الرجل ابنته و هو لا يعلم من انا إلى اليوم فولدت مني بنتا فنشأت و هي لا تعرفني فقالت لي أمها زوجها بابن فلان السقا فإنه أيسر منا و ألحت علي فلم أزل استكفي الله أمرها حتى ماتت فما أحد آسي على شي‏ء من الدنيا اساي على انها ماتت و لم تعلم بموضعها من رسول الله(ص)ثم اقسم علي ان انصرف و لا أعود اليه ثم صرت إلى الموضع فلم أره و كان آخر عهدي به اه.

و غدر الرشيد بيحيى بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بعد ما أمنه لما ظهر ببلاد الديلم و كتب له أمانا بخطه ثم طلب يحيى أمانه فسلمه الرشيد إلى أبي يوسف القاضي و قيل إلى محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي يوسف فقرأه و قال هذا أمان صحيح لا حيلة فيه فأخذه أبو البختري من يده فقرأه و قال هذا فاسد من جهة كذا و كذا قال الرشيد فخرقه فاخذ السكين فخرقه و يده ترتعد فوهب له الرشيد ألف ألف و ستمائة ألف درهم و ولاه القضاء و صرف الآخرين و منه محمد بن الحسن من الفتيا مدة طويلة و امر بيحيى إلى السجن ثم قتله خفية فلم يعرف بعد ذلك خبره و في ذلك يقول أبو فراس الحمداني:

يا جاهدا في مساويهم يكتمها* * * غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتم‏

و قبض الرشيد على الامام موسى بن جعفر الكاظم بالمدينة لغير ذنب سوى فضله و علمه و ميل الناس إليه ثم حمله إلى البصرة فحبسه بها ثم في بغداد مدة طويلة ثم قتله بالسم أو بغيره ثم وضعه على الجسر ببغداد و امر ان ينادى عليه بنداء فظيع فلما سمع عمه سليمان بذلك امر ان ينادى عليه بضد ذلك و هو: من أراد ان ينظر الطبيب [الطيب ابن الطيب فليحضر جنازة موسى بن جعفر و مشى في جنازته حافيا و صلى عليه و دفنه باحتفال عظيم.

و بالغ الرشيد في ظلم العلويين و شيعتهم و اضطهادهم فقبض بعد قتل موسى بن جعفر على أحد أصحابه من اجلاء رواة الحديث المسمى 15 محمد بن أبي عمير و سجنه و ضربه أشد الضرب ليدله على أصحاب موسى بن جعفر فكاد يبوح لما لحقه من الألم ثم عصمه الله و دفنت أخته كتبه لما علمت بذلك فتلفت فكان يحدث من حفظه، و حكى الكشي عن الفضل بن شاذان انه ضرب مائة و عشرين خشبة بامر هارون و تولى ضربه السندي بن شاهك على التشيع و حبس فادى مائة و أحد و عشرين ألفا حتى خلي عنه و كان متمولا.

و حضر هشام بن الحكم أحد متكلمي الشيعة و مشاهيرهم مجلسا فيه المتكلمون من كل فرقة و الرشيد يسمع كلامهم و لا يرونه فقال لوزيره يحيى بن [خالد البرمكي اشدد يدك بهذا و أصحابه و شعر هشام بذلك فخرج و اختفى بالكوفة حتى مات مختفيا.

و لما علم الرشيد أن منصورا النمري قال شعرا في أهل البيت(ع)أرسل إليه إلى الرقة من يقتله فوجده مريضا قد أشفى على الموت فانتظره ثلاثا حتى مات و دفن و أخبر الرشيد بموته فأمر بنبش قبره و إحراق ديوانه.

و روى الصدوق في عيون اخبار الرضا بسنده عن عبيد الله البزاز النيسابوري عن حميد بن قحطبة الطائي‏ في خبر طويل انه قتل في ليلة واحدة بامر الرشيد في طوس ستين نفسا من العلويين طرح أجسادهم في بئر هناك.

و روى الصدوق في الكتاب المذكور بسنده عن ياسر الخادم في خبر طويل ان الجلودي أحد قواد الرشيد كان قد بعثه الرشيد لما خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة و امره إن ظفر به أن يضرب عنقه و أن يغير على دور آل أبي طالب و ان يسلب نساءهم و لا يدع على واحدة منهن إلا ثوبا واحدا ففعل الجلودي ذلك و هجم على دار أبي الحسن الرضا (ع) بخيله و ذلك بعد وفاة الكاظم (ع) فجمع الرضا (ع) النساء كلهن في بيت واحد و وقف على باب البيت فقال و حلف له أنه يسلبهن و لا يدع عليهن شيئا و لم يزل يطلب إليه و يحلف له حتى سكن فدخل أبو الحسن و أخذ جميع ما عليهن من حلي و حلل و جميع ما في الدار و سلمه إليه، و هذا الجلودي كان ممن أنكر بيعة المأمون للرضا (ع) هو و علي بن عمران و ابن مؤنس فحبسهم المأمون ثم دعا بابن عمران فوجده على إنكاره فأمر بضرب عنقه ثم أدخل ابن مؤنس فرأى الرضا (ع) بجنب المأمون فقال يا أمير المؤمنين هذا الذي بجنبك و الله صنم يعبد من دون الله فأمر بضرب عنقه ثم ادخل الجلودي فقال الرضا (ع) يا أمير المؤمنين هب لي هذا الشيخ (كأنه أراد ان يكافئه) فقال المأمون يا سيدي هذا الذي سلب بنات رسول الله(ص)فظن الجلودي حين رأى الرضا (ع) يكلم المأمون انه يعين عليه فقال يا أمير المؤمنين أسألك بالله و بخدمتي للرشيد أن لا تقبل قوله في فقال و الله لا أقبل قوله فيك ألحقوه بصاحبيه فضربت عنقه.

و كثرت الوشايات و السعايات من الناس على عادتهم في مثل هذه الحال. و لم يزل الأمر في شدة على العلويين و شيعتهم إلى عهد المأمون فسلك معهم على خلاف سيرة أبيه و اقتفى سيرته في ذلك ابن أخيه الواثق بن المعتصم فإنه بالغ في إكرام العلويين و الإحسان إليهم و التعهد لهم بالأموال ثم جاء من بعده فعادوا إلى سنة أسلافهم حتى أن المتوكل بن المعتصم أدى به الحال إلى حرث قبر الحسين (ع) و السخرية به في مجالس اللهو و قصته مع ولده المنتصر مشهورة حيث أدت إلى قتله، و قتله 16 لابن السكيت العالم اللغوي المشهور لأجل التشيع معلوم معروف. و بلغ من اضطهاد العباسيين للعلويين ان هجروا مذاهبهم و أقوالهم في المسائل الفقهية

30

و منعوا القضاة أن يقضوا بها كما كان ذلك في الدولة الأموية و قبلها حتى أن القضاة في خلافة علي (ع) لم يتمكنوا من القضاء طبق قوله في جملة من المسائل و كتبوا اليه بما ذا نقضي فكتب إليهم اقضوا كما كنتم تقضون أو أموت أنا و أصحابي و حصر العباسيون المذاهب في أربعة و لم يجعلوا مذهب أئمة أهل البيت منها مع أنهم إن لم يكونوا أعلم من أصحاب المذاهب الأربعة فلا ينقضون [ينقصون عنهم و لم يكن لأهل مذهبهم محراب بين محاريب أهل المذاهب الأربعة في المسجد الحرام و حاول ذلك نادر شاه الافشاري في عهد الدولة العثمانية بشتى الوسائل فلم يفلح.

و حتى أن المنصور الدوانيقي لما احتاج إلى استفتاء الصادق جعفر بن محمد(ع)في مسألة من مسائل المقادير التي لم يجد من يفتيه بها بعث إلى عامله بالمدينة أن يجمع الفقهاء و يسألهم و يكون في جملة المسئولين جعفر بن محمد مع انه هو المقصود لا سواه.

نعم في عهد المعتضد العباسي امر برد سهام المواريث إلى ذوي الأرحام و أبطل ديوان المواريث لكنه لم يكن لذلك أثر مستمر.

و حتى انه كان من يروي خبرا في فضائل علي(ع)لا يوافق ما اعتاده الناس يهدد بالقتل. قال ابن النديم في الفهرست: إن 17 أبا بكر محمد بن يحيى بن العباس الصولي عاش إلى 17 سنة 330 و روى خبرا في علي(ع)فطلبته الخاصة و العامة لتقتله اه.

و لما ضعفت دولة بني العباس و ظهرت الدولة البويهية في العراق و الحمدانية في الشام و الجزيرة و الفاطمية في إفريقية و مصر و الشام ذهب الاضطهاد عن الشيعة و لما انقرضت هذه الدول و خلفتها الدولة السلجوقية في العراق و فارس و بعض الشام و الدولة النورية في باقي الشام و الايوبية في مصر و الشام عاد الأمر إلى ما كان عليه، و حبس صلاح الدين بقايا الفاطميين في مصر و فرق بين الرجال و النساء حتى لا يتناسلوا و ذلك هو الظلم الفاحش، و أعيد اتخاذ يوم قتل الحسين(ع)عيدا الذي كان قد سنه بنو أمية و الحجاج بالشام و غيرها و أحدث جعله عيدا بمصر و لم يكن معروفا فيها بنص المقريزي و قال المقريزي أيضا إن صلاح الدين حجر على العاضد و أوقع بامراء الدولة و عساكرها و صرف قضاة مصر الشيعة كلهم و فوض القضاء لصدر الدين عبد الملك بن درباس المادراني الشافعي و اختفى مذهب الشيعة حتى فقد من أرض مصر كلها.

و ارتفع الاضطهاد عن الشيعة في ايران في عهد الدولة الصفوية و ما بعدها إلى اليوم في بلادهم خاصة.

و في 18 سنة 407 قتلت الشيعة في المغرب قتلا عاما أيام 18 المعز بن باديس كما ياتي في البحث التاسع عند الكلام على إفريقية و في أواخر القرن السادس قتلت الشيعة في حلب قتلا عاما و تشرد من بقي منهم في البلاد و خلت حلب من أحد معروف منهم حتى اليوم إلا ما كان في بعض قراها كما هو مشهور يتناقله الخلف من الشيعة عن السلف منهم.

و في عهد الأمراء الشهابية أمراء وادي التيم و لبنان استحصل أحدهم فتوى الشيخ نوح المعروفة بقصد الاستيلاء على جبل عامل و جرت حروب كثيرة بين الشهابيين و العامليين و بين العامليين و الصفديين و بينهم و بين الدمشقيين في الأردن الصغير (الحولة) و غير ذلك، كان العامل الأكبر فيها التعصبات المذهبية و ذكرناها مفصلة في كتابنا في تاريخ جبل عامل.

و كان سلاطين بني عثمان لا يزالون في حروب مع سلاطين الفرس الصفوية. و قتل السلطان سليم العثماني من الشيعة في الأناضول أربعين ألفا و قيل سبعين ألفا لم يكن لهم ذنب سوى انهم شيعة و في عصر الشاه عباس الصفوي قتل عبد المؤمن خان ملك الأوزبك 19 أهل مشهد الرضا بخراسان قتلا عاما لأجل التشيع.

و كان شيعة العراق و سورية ملزمين في سلطنة العثمانيين بالتحاكم إلى القضاة الأحناف مع أن لهم مذهبا معروفا مدونا و فيهم المجتهدون النزهاء العارفون بالقضاء على مذهب أهل البيت و بالرغم عن ذلك كان فصل الخصومات بين الشيعة يجري في العراق و سورية عند المجتهدين إلا ما ندر. بل في عهد أمراء جبل عامل الشيعة من قبل العثمانيين. و في جبل لبنان بعد امتيازه عقيب حادثة الستين المعروفة جعل مذهب الشيعة فيه رسميا و عين لهم قاض شيعي و كذا في العراق و لبنان عقب انقضاء الحكم العثماني.

البحث الرابع في عدم إنصاف جماعة لشيعة أهل البيت و أتباعهم‏

و ذلك من وجوه (الأول) أنها أدمجت أحوال الامامية الاثني عشرية منهم مع المذاهب الباطلة المستهجنة كالغلاة و السبائية و أشباههم أو المختلفة [المختلقة التي لا وجود لها قصدا للتشنيع و التهجين و لم تفرد أحوالهم على حدة فابن حزم في كتابه الفصل مع ما أظهره من بذاءة اللسان و سوء القول و التحامل العظيم على أهل البيت و شيعتهم خلط مقالة الامامية بمقالة الغالية و المجسمة بحيث لا تكاد تميز مقالة الامامية من غيرها و لا يعرفها المطالع بعينها و يتوهمها مثل احدى مقالات الغلاة و المجسمة و تبعه على ذلك الشهرستاني في الملل و النحل، و ذلك ظلم فاحش و قلة انصاف و أنت إذا راجعت ما ياتي في البحث الثامن من عقائد الإمامية في الأصول و الفروع تعلم أن خلطها مع المجسمة و المشبهة و غيرها ظلم و تحامل.

(و الثاني) أنها كثيرا ما ذكرت أحوالهم على غير ما هي عليه بحسب الأهواء و الأغراض و كثرت الافتراءات و النسب الباطلة إليهم و تبع في ذلك المتأخر المتقدم و قلد اللاحق السابق و بنى على أساسه من غير تحقيق و ساعدت على ذلك الأحوال السياسية و التمشي مع ميول العامة و أيدته و نصرته السلطات الدولية المتعاقبة و ساعدت عليه التعصبات الدينية و علماء السوء في كتبهم التي انتشرت في الآفاق من تصوير الشيعة فيها بابشع صورة و تلقاها من تأخر بالقبول لحسن ظنه بهم من غير تحقيق و لا تمحيص و لا تبصر و ياتي لذلك مزيد إيضاح في البحث السادس إن شاء الله.

(الثالث) أنه نسب إلى بعض الاجلاء من تلاميذ أئمة أهل البيت و ثقات رواتهم و فحول المتكلمين منهم الاعتقاد بالمذاهب الباطلة كما نسب الشهرستاني في الملل و النحل و غيره القول بالتجسيم و التشبيه إلى هشام بن الحكم تلميذ الإمام جعفر الصادق(ع)و إلى محمد بن النعمان المعروف بمؤمن الطاق و هما منه بريئان براءة الذئب من دم يوسف و كما نسب المقريزي في خططه و غيره إلى زرارة و الهشامين و يونس بن عبد الرحمن‏

31

و مؤمن الطاق و غيرهم العظائم و هم منها براء كما مر بيانه مفصلا في البحث الأول.

(الرابع) تجاوز بعضهم الحد في هذه الاعصار فزعم ان الشيعة جمعية سياسية و طريقتها ليست مذهبا من المذاهب، فيا لله للعجب كيف تكون جمعية سياسية من لها مذهب مدون في الأصول و الفروع و كتب مؤلفة في ذلك لا تعد و لا تحصى فيها الحجج و البراهين على معتقداتها و فيها الفقه من الطهارة إلى الديات و لها المؤلفات الكثيرة التي لا تحصى في الأصولين أصول الدين و أصول الفقه و سائر فنون الإسلام فما هذا الزعم الا هذر.

(الخامس) ذكر المقريزي في خططه ما يفهم منه أن أصل مأخوذ من مقالة عبد الله بن سبا حيث قال: و حدث في زمن الصحابة (رض) مذهب لعلي بن أبي طالب و فيه فلما بلغه ذلك أنكره و حرق بالنار جماعة ممن غلا فيه و انشد:

لما رأيت الأمر أمرا منكرا* * * أججت ناري و دعوت قنبرا

و قام في زمنه عبد الله بن وهب بن سبا المعروف بابن السوداء السبائي و أحدث القول بوصية رسول الله(ص)لعلي بالإمامة و القول برجعة علي بعد موته و برجعة رسول الله(ص)و إن عليا لم يقتل و أنه حي و أن فيه الجزء الإلهي و إنه يجي‏ء في السحاب و الرعد صوته و البرق سوطه و أنه لا بد أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلا. قال و من ابن سبا تشعب أصناف الغلاة من الرافضة و صاروا يقولون بالوقف يعنون ان الامامة موقوفة على أناس معنيين [معينين كقول الامامية بأنها في الأئمة الاثني عشر و الإسماعيلية بأنها في ولد إسماعيل و عنه أخذوا القول برجعة الامام بعد الموت إلى الدنيا كما اعتقده الامامية إلى اليوم في صاحب السرداب و هو القول بتناسخ الأرواح و عنه أخذوا القول بان الجزء الالهي يحل في الأئمة بعد علي و إنهم بذلك استحقوا الإمامة بطريق الوجوب كما استحق آدم سجود الملائكة و على هذا الرأي كان اعتقاد دعاة الخلفاء الفاطميين بمصر اه.

(أقول) فيه من الخبط و الكذب و البهتان ما لا يخفى (أما قوله) أن مذهب لعلي حدث في زمن الصحابة فباطل بل هو موجود من زمن النبي(ص)كما عرفت في البحث الأول من أن الحسن بن موسى النوبختي ذكره في كتاب الفرق و المقالات و أن أبا حاتم السجستاني ذكره في كتاب الزينة، بل أن النبي(ص)هو بآذر بذره الأول و نكتفي في ذلك بإيراد كلام للفاضل المعاصر الشيخ محمد حسين الجعفري النجفي في رسالته أصل الشيعة و أصولها فإنه كاف واف في هذا المقام قال ما حاصله: أول من وضع بذر في حقل الإسلام هو صاحب الشريعة الإسلامية(ص)أي أن بذرة وضعت مع بذرة الإسلام جنبا إلى جنب و لم يزل باذرها يتعاهدها حتى نمت و أزهرت في حياته و أثمرت بعد وفاته و شاهدي أحاديث علماء السنة و أعلامهم مثل ما رواه السيوطي في الدر المنثور في تفسير كتاب الله بالمأثور في تفسير (أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)

قال: أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال‏

كنا عند النبي فاقبل علي(ع)فقال النبي(ص)و الذي نفسي بيده إن هذا و شيعته لهم الفائزون يوم القيامة و نزلت‏

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)

.

و أخرج ابن عدي عن ابن عباس قال‏

لما نزلت‏

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ)

، قال رسول الله(ص)لعلي أنت و شيعتك يوم القيامة راضون مرضيون.

و أخرج ابن مردويه عن علي(ع)

قال لي رسول الله(ص)أ لم تسمع قول الله‏

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)

، أنت و شيعتك و موعدي و موعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرا محجلين.

انتهى الدر المنثور و روى بعض هذه الأحاديث ابن حجر في صواعقه عن الدارقطني. و

حدث أيضا عن أم سلمة أن النبي(ص)قال‏

يا علي أنت و أصحابك في الجنة أنت و شيعتك في الجنة

و في نهاية ابن الأثير ما نصه في مادة (قمح) و

في حديث علي(ع)

قال له النبي(ص)ستقدم على الله أنت و شيعتك راضين مرضيين و يقدم عليه عدوك غضابا مقمحين ثم جمع يديه إلى عنقه يريهم كيف الاقماح اه

و روى الزمخشري في ربيع الأبرار عن النبي(ص)إنه قال‏

يا علي إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله تعالى و أخذت أنت بحجزتي و أخذ ولدك بحجزتك و أخذ شيعة ولدك بحجزهم فترى اين يؤمر بنا

، ثم ان صاحب الشريعة لم يزل يتعاهد تلك البذرة بالماء النمير العذب من كلماته في أحاديث مشهورة عند أئمة الحديث من علماء السنة فضلا عن الشيعة و أكثرها مروي في الصحيحين مثل‏

: يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى.

و مثل‏

: لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق.

و حديث الطائر

: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك.

لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله. إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي. علي مع الحق و الحق مع علي‏

إلى غير ذلك. انتهى ما أردنا نقله من الرسالة فلنعد إلى كلام المقريزي فنقول: و أما في أمير المؤمنين(ع)بدعوى الإلهية من ابن سبا فإذا صح لا ينبغي أن يعد ذلك لأنه خروج عن الإسلام و أما القول بالوصية له بالإمامة فلم يحدثه ابن سبا المزعوم سل كل من دعا إلى إمامته بعد وفاة النبي(ص)كان يرى ذلك و كل من حضر يوم الغدير كان يعلمه. و إما الرجعة ففيها اخبار فمن صحت عنده لزمه القول بها، و من لا فلا. و أما ان الامامة موقوفة على أناس معينين فلا يختص بالشيعة بل قال ذلك جميع المسلمين فقد اتفقوا عي [على وجوب كون الامام من قريش ففي العقائد النسفية و يكون الامام من قريش و لا يجوز من غيرهم و لا يختص ببني هاشم. و قال سعد الدين التفتازاني في شرحه: يعني يشترط ان يكون الامام قرشيا

لقوله(ع)

الأئمة من قريش‏

و هذا و إن كان خبر واحد لكن لما رواه أبو بكر محتجا به على الأنصار و لم ينكره أحد فصار مجمعا عليه لم يخالف فيه إلا الخوارج و بعض المعتزلة اه و ياتي ذلك مفصلا في البحث الثامن و كل ذلك يدل على أن الامامة موقوفة على أناس معينين فيلزم على قول المقريزي ان يكون المهاجرون الذين احتجوا بذلك على الأنصار يوم السقيفة و ان يكون المسلمون كلهم أخذوا هذا الأصل الديني من ابن سبا لا خصوص الامامية (و قوله) كما اعتقده الإمامية في صاحب السرداب طريف جدا فاللامامية [فالإمامية لا تعتقد أنه في السرداب و لا انه مات ثم يرجع إلى الدنيا. و المهدي المنتظر متفق عليه بين جميع المسلمين و انما اختلفوا في التفاصيل. و أما قوله: و هو القول بتناسخ الأرواح فاطرف و اطرف، إذ يلزم على قياس قوله ان يكون اعتقاد المسلمين و غيرهم بالمعاد الجسماني قولا بتناسخ الأرواح، و أما القول بحلول الجزء الالهي في أي بشر كان فهو كفر عند الإمامية الاثني عشرية سواء أ أخذ ذلك عن ابن سبا أم كان مبتكرا ابتكارا كما إن من قال أن استحقاق الامامة بذلك لو فرض وجود القائل به مخطئ و لكن هذه الدعوى بهت و افتراء فاننا لم نسمع هذا القول من أحد و لم ينقله ناقل، و أصحابنا يقولون ان استحقاقها بالنص. و إما أن دعاة الخلفاء الفاطميين بمصر كان اعتقادهم‏

32

على هذا فافتراء محض و دعوى تحتاج إلى الإثبات فالخلفاء المصريون كانوا على ظاهر الإسلام و التمسك بضروريات الشرع و أحكامه إلا ما يحكى من بعض الشذوذات عن الحاكم و لا يمكننا التصديق بذلك مع العداوة و العصبية.

قال المقريزي: و ابن سبا هو الذي أثار فتنة أمير المؤمنين عثمان (رض) حتى قتل كما ذكر في ترجمة ابن سبا من كتاب التاريخ الكبير المقفى و كان له عدة أتباع في عامة الأمصار و أصحاب كثيرون في معظم الأقطار فكثرت لذلك الشيعة و صاروا ضدا للخوارج و ما زال أمرهم يقوى و عددهم يكثر اه.

و هذا الكلام أكثر خلطا و أشد خبطا من سابقة، بل أثار فتنة أمير المؤمنين عثمان (رض) من كان يخرج قميص رسول الله(ص)و يقول ما هو معروف مشهور، و من صلى بالناس صلاة الصبح ثلاث ركعات في مسجد الكوفة و هو سكران و تقيا الخمر في محراب المسجد، و من كان يكتب الكتب عن لسان أمير المؤمنين عثمان و يختمها بخاتمه و يرسلها مع غلامه على راحلته و لا يعلم بذلك عثمان، و من ترك عثمان محصورا و خرج من المدينة، و من كان كلما وعد عثمان أحدا بازالة شكاية أفسد عليه، و من استنجد به عثمان فلم ينجده بل أرسل قوما لنجدته فأقاموا بامره دون المدينة حتى قتل، فهؤلاء الذين أثاروا فتنة عثمان لا ابن سبا اليهودي فإنه أقل و أذل من ذلك، و وا عجبا كيف استطاع ابن سبا اليهودي الملحد أن يؤثر على جميع المسلمين و فيهم جمهور الصحابة الكرام و أهل الحل و العقد فيوقعهم في فتنة عمياء تؤدي إلى قتل خليفتهم و تشعب أمرهم و نشوب الفتن بينهم و هم لا يشعرون، أن هذا ما لا يكون هذا إن وجد ابن سبا.

(السادس) رأينا جماعة من المتعصبين على الشيعة ذكروا ما حاصله:

إن أصل كان من الفرس كيدا للإسلام الذي أزال ملكهم و سلطانهم فأرادوا الانتقام منه فلم يستطيعوا فتستروا لهدم الإسلام و إدخال البدع و الضلال فيه باسم. و هذا كلام من لا خبرة له بالتأريخ و أحوال الأمم أو من يتعامى عن الحقائق فالفرس الذين دخلوا في الإسلام أولا لم يكونوا حتى يقال في حقهم ذلك إلا القليل منهم و استمروا على غير مذهب الشيعة الاحقاب الطويلة و العصور المتمادية و جل علماء أهل السنة و اجلاؤهم هم من الفرس كالبخاري و الترمذي و النسائي و ابن ماجة القزويني و الامام الرازي و القاضي البيضاوي و أبو زرعة الرازي و الامام فخر الدين الرازي و الفيروزآبادي الكازروني صاحب القاموس و الزمخشري و التفتازاني و أبي القاسم البلخي و القفال المروزي و الشاشي و النيسابوري و البيهقي و الجرجاني و الراغب الاصفهاني و الخطيب التبريزي و غيرهم ممن لا يمكن احصاؤهم و من دخل من الفرس في الإسلام و فحاله حال كل من من سائر الأمم كالعرب و الترك و الروم و غيرهم لم يكن باعثه على ذلك إلا حب الإسلام و حب مذهب أهل البيت فدخل في الإسلام و عن رغبة و اعتقاد. و إذا جاز أن يقال عن 1 الفرس أنهم تشيعوا كيدا للإسلام جاز أن يقال عن العرب أنهم خالفوا كيدا للإسلام الذي قهرهم و أخرجهم عن عبادة الأوثان أو يقال إن الفرس خالفوا كيدا للإسلام فادخلوا فيه ما يزعم الشيعة خروجه عن تعاليم الإسلام. و لكن الحقيقة أن بعض الفرس دان للسبب الذي دان به غيرهم و بعضهم دان للسبب الذي دان به غيرهم، سنة الله في خلقه و هذه التأويلات و الاستنباطات لا تستند إلى مستند و إنما ساقت إليها العداوة للشيعة و قصد التشنيع عليهم بكل طريق ليس إلا و قد نشر في قم و أطرافها الأشعريون و هم عرب صميمون هاجروا إليها من الكوفة في عصر الحجاج و غلبوا عليها و استوطنوها و انتشر في خراسان بعد خروج الرضا (ع) إليها كما مر ثم زاد انتشاره في عصر الملوك الصفوية الذين نصروا في ايران و هم سادة أشراف من نسل الامام موسى بن جعفر(ع)و هم عرب صميمون لا يمكن أن يتعصبوا للاكاسرة و الذين يمكن في حقهم ذلك هم قدماء الفرس و هؤلاء جلهم كان على مذهب كما مر فمن هم إذا الذين دخلوا من الفرس في لكيد الإسلام؟ ...

توهم صاحب حاضر العالم الإسلامي و المعلق عليه‏

بعد كتابة ما مر عثرنا على كلام في كتاب حاضر العالم الإسلامي تأليف (لوثروب تودارد) الأميركي و تعريب عجاج نويهض و تعليق الأمير شكيب ارسلان عليه، يناسب ما مر في الأمر السادس فأثبتناه هنا، و بعض ما اشتمل عليه و إن كنا قد أشرنا إليه في الأمر السادس المتقدم إلا أننا نذكره هنا ببيان أوسع. و قد علمنا من هذا الكلام أن الافتراءات على الشيعة لم تقتصر على اخصامهم من فرق المسلمين بل تجاوزتهم إلى غيرهم من الفرنج الذين قلدوا أخصام الشيعة من غير تحقيق و لا تمحيص. قال المعرب ج 1(ص)8 في جملة كلام له ما ملخصه: إنه قام مقام الأبطال حاملي لواء الإسلام الأولين أمراء دينيون اتخذوا الخلافة وسيلة للجور و الظلم و التباهي بمتاع الدنيا و كانت الخلافة في الحجاز شوروية قائمة على قواعد الإسلام الصحيحة اما في دمشق و بغداد فقد تحولت الأحوال و تبدلت الأمور و لما نقلت الخلافة إلى بغداد ازدادت كلمة الفرس نفوذا و ما الخليفة الأعظم هارون الرشيد إلا الملك العربي على شاكلة ملوك الفرس و في بغداد كما في غيرها كان الاستبداد مقوضا لأركان الدولة فغدا خلفاء النبي و هم على هذه الحال طغاة موسوسين و الاعيب بين أيدي الحظايا.

فلما دخلت شعوب مختلفة غير عربية في الإسلام أخذ كل شعب منها يفسر بوحي غريزته رسالة النبي(ص)على ما يلائم منازعه الشعبية و يوافق روح التهذيب الذي كان عليه فنتج عن جميع ذلك أن الإسلام الحقيقي الذي شاهده العالم في أول منشئه قد أعوج و التوى، قال: و لنا أجلى دليل على هذا ما حدث في بلاد فارس حيث استحالت الوحدانية التي نادى بها محمد إلى مذهب الشيعة فبات أهل فارس الشيعة على صلات واهية تكاد لا ترتبط بعالم السنة الإسلامي اه.

و قال الأمير شكيب فيما علقه على هذا المقام ما لفظه: يذهب بعضهم إلى كون استيلاء العرب على فارس و إبادتهم ملك كسرى مع ما كان من العداوة بين الأمتين منذ أحقاب كان من نتائجها إيغار صدور العجم على العرب و تربصهم بهم الدوائر حتى يأخذوا منهم بثارهم. و لما كان دين الفرس المجوسية قد تلاشى أمام الدين العربي المبين انتهز الفرس أول فرصة وقعت في الإسلام نفسه و نصروا الفئة التي وجدوا أكثر العرب ضدها و هي الشيعة و لعبوا دورا عظيما في توسيع هذه الفتنة بين العرب من طريق الدين فشفوا أحنتهم من العرب بدون أن يقاوموا نفس الإسلام الذي رأوا برهانه أسطع من أن يكابر بل بمقاومة إحدى فئتيه التي هي السنة و الجماعة لهذا

33

نجد الفارسي يحتقر العرب و يحتقر كل شي‏ء لهم إلا الدين و ترى مهيارا الديلمي يقول:

قد جمعت المجد من أطرافه* * * نسب‏ (1)الفرس و دين العرب‏

و مع كون الدين الإسلامي يمنع العصبية للأجناس و يضع فوقها أخوة المؤمنين خاصة كانت لا تزال ترى آثار العصبية الفارسية في بلاد الفرس بالرغم من مزج الإسلام للأجناس حتى قال الصاحب بن عباد و هو فارسي الأصل خالص العقيدة الإسلامية عند ما جاء أحد الفرس و تلا الأبيات التي يفتخر بها على العرب و جاوبه عليها بديع الزمان الهمذاني: ما رأيت رجلا يفضل الفرس على العرب إلا و فيه عرق من المجوسية. و لما رسخت قدم الإسلام في الفرس و زال كل عرق للمجوسة [للمجوسية منهم عشقوا عشقا كان أعظم عوامله كره العرب إلى أن كان الإنسان يراهم قبل كل شي‏ء و مما ينسب إلى الفيلسوف الفرنساوي (رنان) أن الفرس أولا و مسلمون ثانيا و لا شك أن في هذا القول مبالغة و إنما يصدق على كثير من عامتهم اه.

أقول: و في أصل هذا الكلام و التعليق عليه من الخبط و الخلط و مخالفة الحقيقة ما لا يخفى. و من المؤسف المخجل جدا أن الانحطاط قد بلغ بالمسلمين إلى حد أن صاروا يأخذون تاريخهم و فلسفة دينهم عن الفرنج كأنه ليس في الإسلام مؤرخ و لا فيلسوف نأخذ تاريخنا و فلسفة ديننا عنه كلا و الله لسنا بحاجة إلى المؤرخ الأميركي و الفيلسوف الفرنساوي و ما علمهما بذلك، و لكن التقليد و الاستسلام للغربيين في كل شي‏ء و صغر النفوس أدى بهؤلاء إلى ذلك حتى أنهم اتبعوا في تقسيم آيات القرآن الكريم إلى أقسامها بعض الفرنج في كتاب يسمى تفصيل آيات الذكر الحكيم مطبوع بمصر، و جاء الدور إلى مؤلف كتاب حاضر العالم الإسلامي و المعلق عليه، و إذا أردنا أن نرفع التبعة فيما اشتمل عليه هذا الكلام الذي سمعته عن المؤلف و عن المعلق بان الأول يجهل السبب الحقيقي لانقسام المسلمين لأنه ليس منهم و الثاني إنما كان ناقلا لما لا يعتقده أو أنه قد تبع فيه غيره من الذين أمالتهم العصبية المذهبية عن إدراك الحقائق، و لذا قال يذهب بعضهم، مما دل على عدم ارتضائه له أو توقفه في صحته يصدنا عن ذلك أن هذا الأمر ليس مما يخفى على متتبع منصف لا تصده ميوله الخاصة أو تقليده عن إدراك الحقائق.

و مواقع الخلل فيما قاله صاحب الأصل من وجوه: (أولا) قوله:

لما نقلت الخلافة إلى بغداد ازدادت كلمة الفرس نفوذا فالفرس الذين عناهم ينبغي أن يكونوا هم البرامكة و قد قضى عليهم الرشيد و لم يتغير بفقدهم شي‏ء من أحوال الرشيد و لا من أحوال دولته فبان أن ما كان عليه الرشيد و دولته ليس من أثر نفوذ البرامكة، و كون الرشيد على شاكلة ملوك الفرس ليس من أثر نفوذ الفرس فقد ابتدأ ذلك من عهد معاوية و لما عابه عليه عمر اعتذر بمجاورته للروم المقتضي لإظهار ابهة الملك فقبل عذره.

(ثانيا) أن ما ذكره من أن الإسلام الحقيقي سبب اعوجاجه و التوائه هو دخول الشعوب غير العربية فيه إلخ غير صحيح فان أراد الاعوجاج السياسي فهذا كان مبدؤه و جله بل كله لا مدخل فيه لأحد من الشعوب الأخرى فأول نزاع وقع بعد موت النبي(ص)النزاع في أمر الخلافة و كان بين العرب. روى الطبري في تاريخه قال اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم و معه عمر و أبو عبيدة فقال ما هذا فقالوا منا أمير و منكم أمير إلى أن قال فبايعه عمر و بايعه الناس فقالت الأنصار أو بعض الأنصار لا نبايع إلا عليا و روى الطبري أيضا قال أتى عمر بن الخطاب منزل علي و فيه طلحة و الزبير و رجال من المهاجرين فقال و الله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فتواثبوا عليه فأخذوه اه ثم وقعت الفتنة بقتل الخليفة الثالث و هي بين العرب ثم حصل حرب الجمل ثم حرب صفين ثم وقعة النهروان ثم حروب الخوارج في عهد معاوية و بعده و كلها بين العرب أنفسهم ثم وقعة كربلاء و وقعة الحرة و حرب التوابين و المختار و فتنة ابن الزبير و كلها بين العرب ثم حرب بني العباس مع بني أمية و أخذ الملك منهم و كلهم من العرب.

و إن أراد الاعوجاج الديني بدخول البدع في دين الإسلام و دخول الظلم و الجور و الفواحش و المنكرات في دولة الإسلام فأقل نظرة في تاريخ الإسلام توضح لنا أن ذلك لم يكن من الشعوب الأخرى فالبدع ابتدأ ظهورها في العصر الأول و الظلم و الجور و ارتكاب الفواحش و المنكرات كان يقع ممن تربعوا على سرير الخلافة و تسموا بامرة المؤمنين في الدولتين الأموية و العباسية و قد اعترف بذلك صاحب الكتاب بقوله: اتخذوا الخلافة وسيلة للجور و الظلم و التباهي بمتاع الدنيا و قوله: أما في دمشق و بغداد فقد تحولت الأحوال و تبدلت الأمور و قوله: و في بغداد كما في غيرها كان الاستبداد مقوضا لأركان الدولة إلى قوله: الخطايا. فهل كان الباعث على ذلك دخول شعوب غير عربية في الإسلام؟ كلا فان دخول شعوب غير عربية في الإسلام لم يحمل ملوك بني أمية و لا ملوك بني العباس على الظلم و الاستبداد و شرب الخمور و ارتكاب الفجور و سفك الدماء. و من يتشدق بهذه الأقوال يقول إن دولة بني أمية دولة عربية لم يدخلها غير العرب بخلاف الدولة العباسية مع أن دولة بني أمية أول دولة أذلت العرب و قوضت أركانهم و فرقت شملهم و بثت الفتن بينهم و أثارت العصبية القبلية الجاهلية فيهم و كانت مع الدولة العباسية كفرسي رهان في الظلم و القبائح.

(رابعا) استدلاله على ذلك باستحالة الوحدانية التي نادى بها النبي(ص)في بلاد فارس إلى مذهب الشيعة الموجب لضعف الصلة بينهم و بين السنيين بعيد عن الحقيقة بعد السماء عن الأرض، فالوحدانية لم تستحل إلى مذهب الشيعة في بلاد فارس في وقت من الأوقات، فبلاد فارس بعد الفتح الإسلامي لم يكن فيها اسم شيعي و سني لأن هذا الاصطلاح قد حدث في دولة بني العباس، و قبل ذلك كان يشمل الكل اسم الإسلام و لما حدث هذا الاصطلاح كان الغالب على بلاد فارس و ذلك بعد انتشار

____________

(1) و الامويون هم الذين بذروا بذرة الشعوبية و تعهدوها حتى نمت و تاصلت، قال العلامة الآلوسي في كتاب بلوغ الإرب، و قال الأستاذ حسن السندوبي المصري في حواشي كتاب البيان و التبيين للجاحظ: الشعوبيون يذهبون إلى تحقير شان العرب، و منشا ذلك إن زياد ابن أبيه لما استلحقه معاوية بأبي سفيان علم إن العرب لا تقر له بذلك مع علمهم بنسبة فعمل كتاب المثالب و ألصق بالعرب كل نقيصة. و يقول العلامة الزنجاني: كان سبب تأليف هذا الكتاب معاوية لأنه أدعى أن زياد ابن أبي سفيان و أخو معاوية. و قال الأستاذ السندوبي أيضا: و كان هشام بن عبد الملك قد أمر النضر ابن شميل و خالد بن سلمة المخزومي فوضعا كتابا في مثالب العرب و مناقبها ح.

34

الإسلام فيها، و إنما كان في بعض بلدانها كقم و بعض بلاد خراسان، و الأكثرية الساحقة كانت للسنيين، و 1 أهل أصفهان كانوا متعصبين في التسنن 1 قبل عصر الصفوية، و في عهد البويهيين حوالي القرن الرابع كان انتشار في بلاد فارس و لكن الأكثرية لغيره، و في عهد الملوك الصفوية كثر في بلاد فارس في بعض أقطارها و مع ذلك كان لا يزال فيها من السنيين عدد غير قليل. أما الأقطار الأخرى كبلاد الأفغان و بخارى و بلخ و ما وراء النهر و غيرها فجل أهلها على و يندر فيها و كلهم فرس، و لم يعلم أن الشيعة في مجموع هذه البلاد هم أكثر من السنيين إن لم يكونوا أقل، فبان أن الوحدانية المذكورة لم تستحل إلى مذهب الشيعة في بلاد فارس كما زعم حتى يكون سبب استحالتها دخول شعوب غير عربية في الإسلام، و إن 2 أهل فارس لم يزل كثير منهم سنيين من 2 عهد الفتح الإسلامي إلى اليوم.

و مواقع الخلل فيما ذكره صاحب التعليق أيضا من وجوه:

(أولا) أن أول فرصة شقاق وقعت في الإسلام هي حرب الجمل و الذين نصروا عليا و شيعته فيها هم من العرب لا من الفرس و لم يكن أكثر العرب ضد علي و شيعته فيها كما زعم بل الأمر بالعكس.

(ثانيا) إن الذين لعبوا الدور العظيم و وسعوا نطاق الفتنة بين العرب من طريق الدين هم الذين أظهروا الطلب بدم الخليفة الثالث و هم من العرب الصميمين لا من الفرس، و أين كان الفرس من هذه الفتن.

فحصل من ذلك حرب الجمل و صفين و ما بعدهما من الحروب و ضربوا الإسلام بسيفه و حاربوه تحت رايته و تسنم بعضهم بذلك عرش الخلافة و قبض على زمام الأمر و النهي على المسلمين و اتسعت بذلك شقة الخلاف بين المسلمين من العرب و غيرهم، و لم يسمع في جميع هذه الأدوار أن الفرس نصروا الشيعة الذين هم الأقلية، فمتى هو هذا الزمان الذي يدعي صاحب التعليق أن الفرس نصروا الشيعة فيه ليوقعوا الفتنة و ينتقموا من الإسلام.

نعم الحق الذي لا محيد عنه أن الذين انتهزوا أول فرصة شقاق وقعت في الإسلام و لعبوا دورا عظيما في توسيع الفتنة بين المسلمين من طريق الدين هم الذين قتلت آباؤهم و أبناؤهم و ذوو قراباتهم يوم بدر و غيرها و دخلوا في الإسلام كارهين و عليه حاقدين و للانتقام منه متحفزين فشفوا أحنتهم ممن قام الإسلام بسيفه بدون أن يقاوموا نفس الإسلام الذي رأوا برهانه أسطع من أن يكابر بل قاوموا مؤسسيه و من لهم المكانة السامية فيه.

هذه هي الحقيقة الملموسة لا ما يزخرفه المزخرفون و يموهه المعاندون.

(ثالثا) استشهاده على ذلك بان الفارسي يكره العرب و يحتقر كل شي‏ء لهم إلا الدين، فيه إنه إن صح كره الفارسي للعرب فهو ليس مستندا إلى إرادة الانتقام من الإسلام للمجوسية كما زعم بل إلى الغرائز و الطبائع الموروثة في كره الشعوب بعضها لبعض و لذلك ترى هذا الكره بين الترك و العرب أكثر منه بين الفرس و العرب أو مثله، لا ينكر ذلك إلا مكابر، كما نراه بين الفرس و الترك أيضا بل بين أهل بلادين و إن كانوا كلهم عربا، و بين القبائل العربية بعضها مع بعض. و قوله يحتقر كل شي‏ء لهم إلا الدين اعتراف منه أن هذا الاحتقار- إن صح- هو للعصبية الجنسية لا للدين و معناه أنه يحتقرهم لأنهم من غير جنسية [جنسه لا لأنهم مسلمون.

و الحاصل أن القول بان الفرس نصروا للانتقام من الإسلام للمجوسية من السخافة بمكان فإنه حين فتح بلاد الفرس و دخول أهلها في الإسلام لم يكن للمسلمين اسم مذهبين و كما مر و في عصر بني أمية و بني العباس و بعدهم إلى أول القرن العاشر كان الغالب على بلاد الفرس و كل أهلها مسلمون مخلصون للإسلام فمتى كان هذا الزمان الموهوم الذي نصر فيه الفرس انتقاما.

(رابعا) إن استشهاده ببيت مهيار على كره الفارسي للعرب و احتقاره كل شي‏ء لهم إلا الدين لا شاهد فيه، فمهيار لما كان فارسيا و آباؤه ملوك الفرس افتخر بهم و لم يفضلهم على العرب و لم يحتقر العرب و لم يقل أنا أكره العرب، و ليس هو عربيا حتى يفتخر بالعرب، و إذا لم يفتخر بآبائه الفرس فبما ذا يفتخر، و حاصل مراده أنه يفتخر بدين العرب و هو الإسلام و بالانتساب إلى الفرس، و هذا لا مساس له باحتقار العرب و كراهتهم.

(خامسا) حصره العصبية للأجناس بالفرس ليس بصحيح، فالأنصار و المهاجرون ظهرت فيهم العصبية حتى قال سيد الأنصار من الخزرج: منا أمير و منكم أمير و ظهرت العصبية بين الأنصار أنفسهم فسارعت الأوس و فيهم أسيد بن حضير إلى بيعة أبي بكر يوم السقيفة حسدا للخزرج، ذكره الطبري بمعناه. و ظهرت في العرب عصبية المضرية و اليمانية و في قريش عصبية الهاشمية و الأموية و هم بنو أعمام مع أن العصبية لم تختص بالفرس على العرب بل كانت من الطرفين.

أما قول الصاحب ما رأيت رجلا يفضل الفرس إلخ .. فلا مساس له بالموضوع.

و من ذلك يعلم فساد قوله: لما رسخت قدم الإسلام في الفرس عشقوا عشقا كان أعظم عوامله كره العرب، فانك قد عرفت أنه لما رسخت قدم الإسلام في الفرس كان الغالب على أهله و قد عشقوه عشقا و لم يعشقوا حتى يترتب على ذلك أن أعظم عوامله كره العرب.

(سادسا) قوله كاد الإنسان يراهم قبل كل شي‏ء و استشهاده على ذلك بقول (رنان)- كأنه قرآن-، من الوهن بمكان فهم مسلمون أولا قبل كل شي‏ء، و ثانيا، و كيف لا يكونون كذلك عامتهم و خاصتهم، و عقيدتهم التي يدينون الله بها و يعلمونها أولادهم و يرددونها في وقت ذكرهم هي: رضيت بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد(ص)نبيا و بالقرآن كتابا و بالكعبة قبلة و بعلي إماما. و كيف لا يكونون كذلك و فرع على الإسلام و الفرع لا يزيد عن أصله و لا يتقدم عليه.

نعم هم راسخو العقيدة في و ولاء أهل البيت(ع)ثابتو القدم فيه عن بصيرة و هدى و بيان و حجة و برهان. و قول المعلق أن هذا إنما يصدق على عامتهم لا يخرج عن المبالغة فلم تكن لتعتقد عامتهم إلا ما يلقنها إياه خاصتهم و هو الشهادة لله بالوحدانية و لرسوله بالرسالة أولا و لأوليائه بالولاية ثانيا.

البحث الخامس‏

كثر التحامل على أهل البيت علي أمير المؤمنين و زوجته البضعة الزهراء سيدة النساء و ولديهما السبطين الحسن و الحسين ريحانتي رسول الله(ص)و ذريتهم الأئمة الطاهرين ص.

35

فمن التحامل على الآل عموما أنه إذا ذكر ذاكر فضيلة لأحدهم أو مزية امتاز بها امتقعت الوجوه و جاشت الصدور. و إذا روى راو شيئا من هذا القبيل رمي بالكذب و الغلو. و إذا استدل مستدل بما روته الأئمة من علماء المسلمين في فضلهم و مناقبهم عمدوا أولا إلى سنده فقدحوا فيه جهد الاستطاعة و لو كان صحيحا ثم إلى تأويله و لو بالوجوه الضعيفة و التأويلات البعيدة و لو كانت دلالته واضحة و إذا مروا بالآيات الواردة فيهم(ع)صرفوها عنهم كما قالوا في آية التطهير إنها واردة في نسائه(ص)رغما عن تذكير الضمير و عن الأخبار الكثيرة الدالة على ورودها في الآل، و في آية المباهلة أنها معارضة بإجماع مزعوم كما فعله الرازي أو هونوا من شأنها.

و من التحامل عليهم(ع)عدم ذكرهم في الصلاة على النبي(ص)من الأكثر، نطقا و كتابة فإذا ذكروا ذكر معهم الصحب مع ورود النهي عن عدم ذكرهم و تسميتها بالصلاة البتراء.

و من التحامل عليهم انه إذا روى راو شيئا من خوارق العادة لهم(ع)قيل هذا غلو و هذا حديث منكر و صاحبه يروي المناكير و رمي بالإنكار عن قوس واحد. و إذا روى صاحب إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري أن بعض الصحابة كانت تحدثه الملائكة حتى اكتوى فلما ترك ذلك عادت، تلقي بالقبول و لم يقل أحد أنه منكر أو فيه غلو أو مبالغة. و إذا ذكر ابن خلدون في مقدمته‏

أن النبي(ص)قال‏

إن فيكم محدثين‏

لم يستنكر ذلك أحد و إذا روى الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب أن الخضر كان يمشي مع عمر بن عبد العزيز يسدده يراه هو و لا يراه الناس إلا بعض الصلحاء عدوا ذلك منقبة لعمر بن عبد العزيز و لم ينكره أحد و إذا قال قائل إن المهدي من آل محمد(ص)عاش طويلا كالخضر يراه الناس و لا يعرفونه بشخصه إلا بعض الصلحاء نسب إلى السخف كل ذلك خارج عن دائرة الإنصاف داخل في حيز التحامل و الاعتساف.

و من التحامل عليهم(ع)أنه لم يعد مذهبهم و مذهب فقهائهم مع المذاهب التي حصر التقليد فيها مع أن أئمة أهل البيت إن لم يكونوا أعلم من أهل المذاهب الأربعة فلا ينقصون عنهم بل مذهبهم أولى بالاتباع من بقية المذاهب لأنهم‏ أخذوه عن آبائهم عن جدهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن رسول الله(ص)عن جبرائيل عن الله تعالى‏ كما قال الشيخ البهائي:

و وال أناسا قولهم و حديثهم* * * روى جدنا عن جبرائيل عن الباري‏

و فيهم الذين اشتهروا بالفقه و التبحر في سائر علوم الدين كالإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب و ابنه الإمام جعفر الصادق ع. و روى جابر الجعفي عن الباقر(ع)سبعين ألف حديث و سمي الباقر لأنه بقر العلم بقرا أي توسع فيه سماه بذلك جده رسول الله ص. و روى أبان بن تغلب عن الصادق(ع)ثلاثين ألف حديث. و قال الوشاء من أصحاب حفيده الامام الرضا(ع)أدركت في مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد. هذا ما أدركه راو واحد في عصر متأخر. و جمع الحافظ ابن عقدة اربعة آلاف رجل من الثقات الذين رووا عن جعفر(ع)و نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان و انتشر ذكره في البلدان و مع ذلك لم يعدوا مذهبهما و مذاهب سائر أئمة أهل البيت في عداد مذاهب الفقهاء بل و لا سووهم على الأقل بمحمد بن الحسن الشيباني و أبي يوسف و أمثالهم مع أنهم مفاتيح باب مدينة العلم و من علماء العترة التي لا يضل المتمسك بها، كما لا يضل المتمسك بكتاب الله تعالى بنص الرسول(ص)و في هذا من التحامل و قلة الإنصاف ما لا يحتاج إلى بيان: و قالوا في علماء المذاهب الأربعة:

و كلهم من رسول الله ملتمس* * * فيضا من البحر أو قطرا من الديم‏

و لم يجعلوا أحدا من أئمة أهل البيت ملتمسا من علوم جده لا فيضا من البحر و لا قطرا من الديم مع ان أباهم باب مدينة علم جدهم و هم دخلوا تلك المدينة من ذلك الباب و التمسوا من ذلك البحر العباب.

و صور الشعراني في ميزانه عين الشريعة و جعل لها سواقي إلى كل من الأئمة الأربعة و إلى الثوري و ابن عيينة و ابن جرير و عمر بن عبد العزيز و الأعمش و الشعبي و إسحاق و عائشة و ابن عمر و ابن مسعود و عطاء و مجاهد و الليث و داود فكل هؤلاء يستقي من عين الشريعة و لم يذكر أحدا من أئمة أهل البيت كالسجاد و الباقر و الصادق و الكاظم و الرضا و غيرهم و لا أمهم الزهراء البتول بضعة الرسول(ص)و لا ابن عباس حبر الأمة الذي قيل فيه أنه يحفظ ثلثي علم رسول الله(ص)و جعلهم محرومين من عين شريعة جدهم مطرودين عنها و هم أهلها و أحق بها من الثوري و الأعمش و ابن عيينة و ضرابهم، و هل كان السجاد يقصر عن الثوري و الصادق عن أبي حنيفة و الباقر عن الشافعي و الكاظم عن ابن حنبل و الرضا عن مالك و الجواد عن ابن عيينة و الهادي عن عمر بن عبد العزيز و العسكري عن الأعمش و الشعبي و إسحاق و اضرابهم و الزهراء عن عائشة و ابن عباس عن ابن عمر و ابن مسعود، فاي قلة انصاف و تحامل أشد من هذا مع ان المنفلوطي في منامه الصادق لم ير هذه العين.

و من التحامل على أمير المؤمنين(ع)انكار سبقه إلى الإسلام و انفراده بسد الأبواب إلا بابه و عدم الاعتناء بمبيته على الفراش ليلة الغار و عدم التنويه بذلك. و رواية ما يقتضي مشاركته في الفضائل التي انفرد بها. مثل‏

انا مدينة العلم و علي بابها.

و مثل‏

أقضاكم علي‏

فأضيف إليها و أقرؤكم زيد و تشريك غيره معه في الشجاعة فيقال كشجاعة علي و خالد و التهوين من شجاعته و بلائه يوم بدر و مناظرة ذلك بالعريش و تطلب الاعذار لمن نازعه و حاربه و سبه على المنابر بالاجتهاد و إنكار تفضيله على جميع الصحابة تارة بالإجماع و أخرى بروايات مصادمة للبديهة و ثالثة بتأويل الفضل باكثرية الثواب و حمل قصة براءة على عادات العرب التي جاء الإسلام لمحوها إلى غير ذلك مما يجده المتتبع المنصف.

و من التحامل على الزهراء(ع)تفضيل احدى أمهات المؤمنين عليها مع ما

ورد

إنها سيدة نساء العالمين‏

. و من التحامل على السبطين(ع)رواية ما يعارض‏

حديث‏

إنهما سيدا شباب أهل الجنة

إلى غير ذلك.

و لسنا نريد بما ذكرناه استقصاء مواقع التحامل على أهل البيت(ع)فان ذلك امر يطول شرحه و لا تفي به هذه العجالة و إنما نريد ذكر نموذج من ذلك.

36

و إذا ساقت التقادير أحدا إلى الاعتراف ببعض هذه الحقائق و مزجه بالتحامل على شيعتهم و أتباعهم و أساء القول فيهم و لم يتفطن إلى أن بغض التابع نوع من بغض المتبوع و إن من أحب شخصا أحب محبه.

(كلام لابن قتيبة يرتبط بالمقام)

هذا عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب العالم الإمام المشهور أراد الاعتراف بما وقع من التحامل العظيم على أمير المؤمنين علي(ع)لكنه صدره بالتحامل العظيم على شيعته و محبيه و أتباعه فأفسد أكثر مما أصلح و أساء أزيد مما أحسن. قال في كتاب الاختلاف في اللفظ و الرد على الجهمية و المشبهة المطبوع بمصر عام 1349 ه(ص)47 بعد ما ذم حالة العلماء في عصره بما لا حاجة بنا إلى ذكره ما لفظه: و قد رأيت هؤلاء أيضا حين رأوا غلو الرافضة في حب علي و تقديمه على من قدمه رسول الله(ص)و صحابته عليه و ادعاؤهم له شركة النبي(ص)في نبوته و علم الغيب للأئمة من ولده و تلك الأقاويل و الأمور السرية التي جمعت إلى الكذب و الكفر إفراط الجهل و الغباوة و رأوا شتمهم خيار السلف و بغضهم و تبرأهم منهم قابلوا ذلك أيضا بالغلو في تأخير علي (كرم الله وجهه) و بخسه حقه و لحنوا في القول و إن لم يصرحوا إلى ظلمه و اعتدوا عليه بسفك الدماء بغير حق و نسبوه إلى الممالأة على قتل عثمان (رض) و أخرجوه بجهلهم من أئمة الهدى إلى جملة أئمة الفتن و لم يوجبوا له اسم الخلافة لاختلاف الناس عليه و أوجبوها ليزيد بن معاوية لإجماع الناس عليه و اتهموا من ذكره بخير و تحامى كثير من المحدثين أن يحدثوا بفضائله (كرم الله وجهه) أو يظهروا ما يجب له و كل تلك الأحاديث لها مخارج صحاح و جعلوا ابنه الحسين(ع)خارجيا شاقا لعصا المسلمين حلال الدم‏

لقول النبي(ص)‏:

من خرج على أمتي و هم جميع فاقتلوه كائنا من كان‏

، و سووا بينه في الفضل و بين أهل الشورى لأن عمر لو تبين له فضله لقدمه عليهم و لم يجعل الأمر شورى بينهم و أهملوا من ذكره أو روى حديثا من فضائله حتى تحامى كثير من المحدثين أن يتحدثوا بها و عنوا بجمع فضائل عمرو بن العاص و معاوية كأنهما لا يريدونهما بذلك و إنما يريدونه. فان قال قائل: أخو رسول الله(ص)علي و أبو سبطيه الحسن و الحسين و أصحاب الكساء علي و فاطمة و الحسن و الحسين تمعرت الوجوه و تنكرت العيون و طرت حسائك الصدور و إن ذكر ذاكر

قول النبي(ص)‏:

من كنت مولاه فعلي مولاه. و أنت مني بمنزلة هارون من موسى‏

و أشباه هذا التمسوا لتلك الأحاديث الصحاح المخارج لينقصوه و يبخسوه حقه بغضا منهم للرافضة و إلزاما لعلي(ع)بسببهم ما لا يلزمه و هذا هو الجهل بعينه و السلامة لك ان لا تهلك ببغضه و أن لا تحتمل ضغنا عليه بجناية غيره فان فعلت فأنت جاهل مفرط في بغضه و إن تعرف له مكانه من رسول الله(ص)بالتربية و الاخوة و الصهر و الصبر في مجاهدة أعدائه و بذل مهجته في الحروب بين يديه مع مكانه في العلم و الدين و البأس و الفضل من غير ان تتجاوز به الموضع الذي وضعه به خيار السلف لما تسمعه من كثير من فضائله فهم كانوا اعلم به و بغيره و لأن ما أجمعوا عليه هو العيان الذي لا يشك فيه و الأحاديث المنقولة قد يدخلها تحريف و شوب و لو كان إكرامك لرسول الله(ص)هو الذي دعاك إلى محبة من نازع عليا و حاربه و لعنه إذ صحب رسول الله(ص)و خدمه و كنت قد سلكت في ذلك سبيل المستسلم لأنت بذلك في علي(ع)أولى لسابقته و فضله و خاصته و قرابته و الدناوة التي جعلها الله بينه و بين رسول الله(ص)عند المباهلة حين قال الله تعالى‏ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ‏ فدعا حسنا و حسينا، وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ‏، فدعا فاطمة(ع)وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏ فدعا عليا(ع)و من أراد الله تبصيره بصره و من أراد به غير ذلك حيره (انتهى كلام ابن قتيبة).

(أقول): قد أنطق الله ابن قتيبة بالحق فيما ذكره من تحامل أصحابه القبيح على أهل البيت الطاهر بما سمعت مع انه معروف بالانحراف عن أهل البيت ع، قال الفاضل الكوثري المعاصر في حاشية كتابه المذكور انه في مؤلفاته السابقة يشف من ثنايا نقوله ما شجر بين الصحابة الانحراف و النصب حتى أن الحافظ ابن حجر قال في حق حمل السلفي كلام الحاكم فيه على المذهب ان مراد السلفي بالمذهب فان في ابن قتيبة إنحرافا عن أهل البيت و الحاكم على ضد من ذلك اه.

أما زعمه غلو الشيعة في حب علي و تقديمه إلخ فلو أنصف لعلم انهم ما زادوا في حبه على‏

قوله(ص)

لا يحبك إلا مؤمن. حبك حبي.

و إنهم ما قدموا إلا من قدمه الله و رسوله(ص)و أما صحابته فكانوا مختلفين و لله در مهيار حيث يقول:

و كيف صيرتم الإجماع حجتكم* * * و الناس ما اتفقوا يوما و لا اجتمعوا

أمر علي بعيد عن مشورته* * * مستكره فيه و العباس يمتنع‏

و تدعيه قريش بالقرابة و ال* * * أنصار لا رفع فيه و لا وضع‏

فاي خلف كخلف كان بينكم* * * لو لا تلفق اخبار و تصطنع‏

و أما قوله و ادعائهم له شركة النبي(ص)في نبوته فهو محض كذب و افتراء و أما قوله و علم الغيب للأئمة من ولده فان عنى ما قد يروى عنهم في بعض الاخبار فهذا لا يزيد عما رواه القسطلاني في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري عن بعض الصحابة من إنه كان يقول كنت أحدث (أي تحدثه الملائكة) حتى اكتويت و لا يعدون ذلك غلوا. و أما قوله و تلك الأقاويل و الأمور السرية إلخ. فمن يسمع يخل لا أقاويل و لا أمور سرية إلا التمسك بكتاب الله تعالى و سنة رسوله(ص)و أقوال أئمة أهل البيت الطاهر و لكن العداوة و إفراط الجهل و الغباوة و التعصب للباطل أدى إلى هذه الافتراءات و أما قوله: التي جمعت إلى الكذب و الكفر و إفراط الجهل و الغباوة، فاما الكذب: فالشيعة منزهون عنه و لم يرثوا من سلفهم كأبي ذر الذي ما أقلت الغبراء و لا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق منه بنص الرسول(ص)و إمامة جعفر الصادق الذي لقب بذلك لصدق حديثه و سائر أئمة أهل البيت إلا الصدق لا ممن أقاموا أربعين شاهدا أو أكثر يشهدون زورا لأم المؤمنين أن هذا ليس ماء الحوأب. و أما الكفر فقد

قال رسول الله(ص)

من كفر مسلما فقد باء به أحدهما

و كيف ينسب للكفر من يشهد لله بالوحدانية و لنبيه(ص)بالرسالة و إن جميع ما جاء به من عند الله حق فمن كفر مثل هذا فقد باء بالكفر بحكم الرسول(ص)و أما الجهل و الغباوة: فأحق بهما من لا يتحاشى عن التناقض في كلامه فيثبت لله تعالى الرؤية و التجلي و العجب و النزول إلى السماء و الاستواء على العرش و النفس و اليدين من غير كيفية أو حد كما صرح به في كتابه فإنه إن أراد المعاني الحقيقية فهي ليست بدون كيفية أو حد و إن أراد معنى مجازيا فهو لم يثبت هذه الأشياء أو غيرها. و أما قوله و شتمهم خيار السلف فحاش الله [لله ان يشتم الشيعة خيار السلف و لكننا نسأله عن تولية من نازع عليا و حاربه و لعنه- كما اعترف به في كلامه السابق- و علي من خير خيار السلف ما هو

37

المبرر له؟ و هذا غيض من فيض و قليل من كثير لا يتسع مجال لاستقصائه.

البحث السادس‏

كثرت الافتراءات على الشيعة و رميهم بسي‏ء القول و نسبتهم إلى الكذب و الابتداع بل أعظم من ذلك و إذا ذكرهم مؤلف من غيرهم فقلما يذكرهم إلا بأوصاف الذم و الألقاب المستكرهة مع الإطلاق و التعميم.

و إذا بحثنا عن السبب الحقيقي في ذلك و خلعنا ربقة التعصب و التقليد وجدناه يرجع إلى أمر واحد و هو ما يسمونه في هذا العصر بالسياسة و نحن نريد أن نبحث عن ذلك بحثا دقيقا و نشرحه شرحا مفصلا لا يبقى معه شك و لا ريب فنقول: لا يشك من نظر في التاريخ و تأمله بغير [بعين البصيرة و أنعم النظر في الآثار و الاخبار و جرد نفسه عن شوائب التقليد إنه لما جاء الإسلام كان في مبدأ امره ضعيفا و أتباعه ضعفاء و إن أكثر العرب و من رؤسائها البارزين قريش تالبت ضد الإسلام و ضد النبي الذي جاء به و حاربته و قاومته جهدها لأنه سفه أحلامها و أهان أصنامها و سب آلهتها و لم تدع وسيلة لمقاومته إلا استعملتها حتى ظهر أمر الله و هم كارهون. و كان علي بن أبي طالب قطب رحى هذه الحروب و كشاف داجية تلك الخطوب حتى قام الإسلام و توطدت أركانه بسيفه و قتل صناديد المشركين و وتر القبائل فامتلأت بالحسد له و العداوة له القلوب و إذا قلنا ان العصر الأول كان خاليا من العداوة و البغضاء و الحسد لأنه خير القرون كما يقولون و خالفنا المحسوس فلا يمكننا أن نقول ذلك في العصر الأموي و العباسي عصر الملك العضوض. و كان علي أول من آمن برسول الله(ص)و مع ذلك كان ابن عمه و ربي في حجره و أوصاه أبوه أبو طالب بنصره و كان ينيمه في حصار الشعب في فراشه فنشأ على حب الرسول و نصره و بالغ في نصر الإسلام مع ما أوتيه من قوة و شجاعة فائقة و صبر و جلد و بات ليلة الهجرة و هي ليلة الغار على فراشه و فداه بنفسه و أوصاه بأداء أماناته و حمل الفواطم اليه بالمدينة و لما هاجر بالفواطم و لحقه الفوارس الثمانية ليردوه فحاربهم راجلا و قتل مقدمهم و عاد الباقون عنه اشتهر ذلك منه و بدأت هيبته تقع في النفوس. و لما فعل يوم بدر ما فعل و قتل من قتل ازداد شهرة و تسامعت به العرب و عظم محله في النفوس. و لما كانت وقعة أحد و انهزم الناس عن النبي(ص)و ثبت هو و أبلى بلاء عظيما و قتل حملة اللواء و حامى عن رسول الله(ص)و واساه بنفسه ازدادت شهرته و عظم محله و تحدثت العرب بشجاعته. و لما كانت وقعة الخندق و قتل عمرو بن عبد ود بعد ما جبن عنه الناس بلغ درجة عالية من الشهرة و العظمة في نفوس الناس و لما قتل مرحبا يوم خيبر و اقتلع باب الحصن و تترس به و فعل ما فعل يوم حنين بلغ أعلى درجات الشهرة بالشجاعة و العظمة و تاسس الحسد له في النفوس مع الشهرة فكان ينمو بنموها و يزداد بزيادتها و تاسست البغضاء له في نفوس جماعة ممن دخلوا في الإسلام كرها بما قتله من آبائهم و أبنائهم و عشائرهم في هذه الوقائع.

و انضاف إلى ذلك ما كان يقوله النبي(ص)في حقه تنويها بشأنه‏

كقوله‏

أنت مني بمنزلة هارون من موسى، علي مني و أنا من علي، علي مني بمنزلة الذراع من العضد. علي مني بمنزلة الصنو: علي مع الحق و الحق مع علي يدور معه كيفما دار

، و ما كان من حديث الطائر المشوي و إرساله بسورة براءة إلى مكة. و مؤاخاته له حين آخى بين أصحابه و ما كان منه في حقه يوم الغدير و إيصائه إليه بقضاء دينه و جميع أموره حتى كان يعرف بالوصي سواء أ كان أوصى إليه بالخلافة كما تقوله الشيعة أم لا و تزويجه بكريمته و أفضل بناته و أحبهن إليه و سيدة نساء العالمين و منعها من غيره ممن خطبها و

قوله‏

ما أنا زوجته إياها بل الله أمرني بذلك‏

أو ما هذا معناه إلى غير ذلك مما هو معروف مشهور فازداد نمو بذر الحسد و الكراهة له في النفوس مما جبلت عليه طبائع البشر. و القول بان الأمة المحمدية خالفت نظام الكون فلم يكن بينها منافسة و لا محاسدة و كانت كلها على التالف و التصافي مخالف للحس و الوجدان بما هو غني عن البيان و مناف لما تواترت به الاخبار و قضى به الاعتبار، و ما أحسن ما قاله بديع الزمان الهمذاني من كتاب له إلى شيخه احمد بن فارس، نقله في معاهد التنصيص، قال و الشيخ يقول قد فسد الزمان أ فلا يقول متى كان صالحا؟ أ في الدولة العباسية فقد رأينا آخرها و سمعنا بأولها أم في الدولة المروانية؟ و في أخبارها لا تكسع الشول باغبارها أم السنين الحربية:

و السيف يغمد في الطلى* * * و الرمح يركز في الكلا

و مبيت حجر في الفلا* * * و الحرتين و كربلاء

أم البيعة الهاشمية؟ و العشرة برأس من بني فراس أم الأيام الأموية؟

و النفير إلى الحجاز و العيون إلى الاعجاز، أم الامارة العدوية؟ و صاحبها يقول: و هل بعد النزول إلا النزول أم الخلافة التيمية؟ و صاحبها يقول:

طوبى لمن مات في ناناة الإسلام، أم على عهد الرسالة؟ و يوم الفتح قيل اسكتي يا فلانة فقد ذهبت الامانة، أم في الجاهلية (و لبيد يقول: في خلف كجلد الأجرب) أم قبل ذلك؟ و أخو عاد يقول:

بلاد بها كنا و كنا نحبها* * * إذ الناس ناس و الزمان زمان‏

أم قبل ذلك و يروى عن آدم ع: (تغيرت البلاد و من عليها) أم قبل ذلك و قد قالت الملائكة أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ. ما فسد الناس إنما اطرد القياس و لا أظلمت الأيام انما امتد الظلام و هل يفسد الشي‏ء إلا عن صلاح و يمسي المرء إلا من صباح اه.

و لما توفي النبي(ص)و اختلف الناس في أمر الخلافة بما هو معروف مشهور أخر علي (ع) عنها و كان يرى نفسه أحق بها و أتباعه و عشيرته يرون ذلك سواء أ قلنا أنه منصوص عليه كما تقوله الشيعة أم لا فإنه كان فيه من الصفات ما يؤهله أن يرى نفسه و يراه أتباعه كذلك، و تلا ذلك امتناعه من البيعة مدة و الخلاف بين الخليفة و الزهراء في أمر فدك و انتهاء الأمر بمنعها منه ثم دفن علي لها سرا بوصية منها. و أعقبه تنحيه أو تنحيته عن أمور المسلمين العامة مثل الامارة و الجهاد مع أنه فارس العرب و فارس المسلمين و مؤسس الإسلام بسيفه فهل جهل ما كان يعلمه من فضل الجهاد أو جبن بعد الشجاعة كلا و هذه شجاعته يوم الجمل و صفين و النهروان تضرب بها الأمثال كل ذلك يدلنا على أنه كان هناك شي‏ء لا سبيل لمنكر إلى إنكاره ثم أعقب ذلك العهد بالخلافة إلى غيره و تلاه أمر الشورى و جعلها بين ستة كان علي يرى نفسه خيرهم و انتهت الشورى بإسناد الخلافة إلى غيره بطريق رسمي محكم كان علي يرى نفسه فيه مهضوم الحق لا سيما بعد أن كان القانون الذي سن الشورى هو في جانب غيره أقوى منه في جانبه و هو الأخذ باكثرية الآراء و مع التساوي بالجانب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف مع العلم بان الأكثرية لن تكون في جانب علي و إن عبد الرحمن من خصومه. و لسنا نريد بما تقدم توجيه لوم أو نقد إلى أحد فالله تعالى أعلم بالسرائر و لكنا نريد أن ننبه على حقيقة راهنة و مقدمات نصل منها إلى نتيجة ملموسة. ثم حصلت الفتن و قتل الخليفة الثالث و بويع علي و نجم من قتل‏

38

الخليفة من الفتن ما ليس بخاف على أحد و استغل قوم قتل الخليفة لنقض بيعة علي فألصقوا به قتله و حصلت حرب الجمل و حرب صفين و أوغرت الصدور و ثار ثائر الأضغان و انتهى حرب صفين بالتحكيم و فعل الحكمان ما هو معروف مما زاد إيغار الصدور و النفرة من بني أمية و اتساع شقة الخلاف بين المسلمين و سن معاوية سب علي على المنابر في الأعياد و الجمعات و بقي ذلك مدة ملك بني أمية إلا في عهد عمر بن عبد العزيز و رويت الروايات المكذوبة و بذلت عليها الأموال الجليلة كما مر في البحث الثالث و حدثت فتنة الخوارج و قتل علي و بويع الحسن(ع)و حورب فخانه من خانه فاضطر إلى الصلح الذي لم يوف له بشي‏ء من شروطه ثم مات مسموما بدسيسة خصمه ليبايع لابنه و ولى زيادا العراق فظلم شيعة أهل البيت و قتلهم و تلا ذلك قتل الحسين(ع)من قبل يزيد و حمل ذريته و نسائه كالسبايا مما أثار الحفائظ على بني أمية زيادة على ذي قبل و استمرت الخلافة في الأمويين و نحي عنها الهاشميون مع أنهم يرون أنفسهم و يراهم الناس أحق بها و صدر من يزيد التهتك في الدين مما أوجب وقعة الحرة و استباحة المدينة ثلاثا من عسكر الشام و قتل من لم يبايع على أنه عبد رق ليزيد فازدادت نفرة الناس من بني أمية و ميلهم لبني هاشم و قام في الحجاز ابن الزبير و أساء إلى العلويين و قام التوابون يطلبون بثار الحسين (ع) فقتلوا و تلاهم المختار فملك الكوفة و قتل قتلة الحسين (ع) و قتل ابن زياد بيد ابن الأشتر و صدرت قبائح اخر من ملوك بني أمية مثل ما صدر من يزيد صاحب حبابة و مثل قتلهم لمن فتح لهم الأندلس و إلقاء رأسه في حجر أبيه و تسليطهم الحجاج على أهل العراق و إسرافه في سفك الدماء و إحراقه الكعبة المشرفة إلى غير ذلك مما حفظه التاريخ و كان علي و ذريته في كل هذه الأدوار محافظين على نواميس الشرع و العدل و الإحسان حتى إلى أعدائهم و على الزهد و الورع فمالت الناس إليهم إلا حسودا أو معاندا و مالت عن سواهم فخافهم ملوك وقتهم على ملكهم فبالغوا في إقصائهم و إيصال الأذى إليهم و إلى أتباعهم و جاءت الدولة العباسية فكانت الحال فيها مثلها في [الدولة الأموية بل أشد كما فصلنا ذلك في البحث الثالث و كان العباسيون أشد خوفا من العلويين على ملكهم من الأمويين فبنوا على ما أسسه الأمويون و زادوا و بالغوا في عداوة أهل البيت و سجنوا بعضهم و قتلوه بالسم و شردوهم عن أوطانهم مرارا و تهددوهم بالقتل و جاءوا بهم من الحجاز إلى العراق و أسكنوهم سامراء خوفا منهم و جعلوا عليهم الجواسيس و الرقباء و نفروا الناس منهم و من شيعتهم ما استطاعوا و نصروا المذاهب المخالفة لمذهبهم و أخافوا المنتسبين إليهم فاضطر من ينتسب إليهم إلى كتمان مذهبه و استخدموا الدين في تنفيذ سياستهم و أثار الأمويون و العباسيون ثائر التعصبات الدينية بين المسلمين ليستغلوها و عظموا بين الناس القول بتقديم علي في الخلافة و ساعدهم على ذلك العلماء الطالبون للدنيا فبذلوا لهم الأموال و رووا لهم فيه الأحاديث المختلفة [المختلقة خصوصا في أول عهد الأمويين- كما سبق- ميلا إلى الدنيا و الناس على دين ملوكهم و جعلوا القول بذلك موبقة و فسوقا و جاء من بعدهم ممن لم يعلموا حقيقة الحال فرأوا أحاديث مروية و فتاوى منقولة فأحسنوا الظن برواتها و نقلتها فأودعوها الكتب و جاء اللاحق فوجدها مودعة في كتب تنسب لعظماء الرجال فلم يستطع إلا قبولها فانتشرت بين الناس و تداولها الخاصة و علموها العامة و تحدثوا بها في مجتمعاتهم و أملوها في حلقات دروسهم و مضت على ذلك الأعوام و الأحقاب و تناولته السنة العامة و الخاصة و زاد العوام فيه و بعض الخواص موافقة لهوى العامة سخافات كثيرة لا يليق ذكرها حتى أصبح ذلك عقيدة راسخة و حتى تربى الناس على عداوة شيعة أهل البيت و رأوها دينا غير ملتفتين إلى أن أساس ذلك السياسة من الملوك للخوف على ملكهم، و التقليد أمر قريب إلى طباع البشر أنكر بسببه الخالق و عبدت الأحجار و الأشجار و كانت حجج أمم الأنبياء على الرسل قولهم:

إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ‏. أَ تَنْهانا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا. و غير ذلك مما حكي عنهم في القرآن الكريم و كلهم أصحاب عقول و ألباب و لكن التقليد داء عضال، و ساعد على ذلك خلو جملة من الأقطار من الشيعة المحامين عن جوزتهم [حوزتهم أو قلتهم و عدم تمكنهم من المجاهرة بحجتهم و مبادرة خصومهم إلى التكفير و الأذى و سوء القول فقالوا في خلواتهم و جلواتهم ما شاءوا و امنوا عادية من يرد عليهم إلا قليلا خصوصا إن كان السيف و السلطان في يدهم، و المطالع للكتب يرى من ذلك شيئا غير قليل. كل ذلك يوصلنا إلى نتيجة ملموسة هي أن السياسة و خوف الملوك الحاملين لقب امارة المؤمنين على ملكهم من أهل البيت بعث على التنفير منهم و من أتباعهم و رمي أتباعهم بالعظائم و هجر مذهبهم حتى انتشر ذلك في الناس و أصبح عقيدة راسخة و مع ذلك فلم يقصر علماء الشيعة في كل عصر و زمان في رد الشبهات عن مذهبهم و الدفاع عن حوزتهم بالقلب و اللسان و كتبهم في ذلك و مباحثاتهم تنبو عن الحصر و مناظرات هشام بن الحكم و مؤمن الطاق في عصر الرشيد و مناظرات علي بن ميثم و ابن قبة و المفيد لشيوخ المعتزلة في بغداد مشهورة معروفة و غيرهم مما لا يحصى و الشافي للمرتضى و كتب العلامة الحلي و البحار المغرقة للصواعق المحرقة و غيرها كثيرة حتى أنه يوجد في أشعار شعرائهم أمثال الكميت و السيد الحميري و أبي تمام الطائي و العبدي و أبي فراس الحمداني و مهيار الديلمي و الصفي الحلي و غيرهم الشي‏ء الكثير من ذلك. و قد استمر ذلك الذي ذكرناه إلى هذا العصر بل زاد عن الأعصار السالفة التي كانت علماؤها أوسع اطلاعا و أغزر علما مع أن هذا العصر قد كثرت فيه المطبوعات و انتشرت الكتب و أمكن لكل أحد معرفة العقائد بحقائقها و مع ذلك فما رسخ في الأذهان و نشر في الكتب يصد الكثيرين عن النظر بعين الإنصاف و معرفة الحقائق كما هي حتى أن بعض من ينسب إلى العلم قام في بعض المدن السورية هذه الأيام بدعاية ضد الشيعة و نسب إليهم أمورا لا صحة لها و لقنها تلاميذه و جعلوا يبثونها بين عوام الناس مما ساء عقلاء المسلمين و رواد الإصلاح منهم و كادت أن تقع بسبب ذلك الفتن لو لا أن تداركها العقلاء، هذا و البلاد تحت النفوذ الأجنبي و لا يملك المسلمون من أمرهم شيئا. و لا نزال نسمع و نقرأ في كتب بعض الإخوان المصريين الباحثين من أهل العصر أمثال الرافعي و أحمد أمين و غيرهما ألفاظ الذم و النقد و الرمي بالعظائم في حق الشيعة بدون مسوغ و لا مبرر بل تقليدا لما قرءوه و سمعوه و رسخ في أذهانهم و تشويها لوجه التاريخ و سنشير إلى بعضه في آخر البحث فظهر لك أن ما يقال عن الشيعة من النسب الباطلة ليس سببه إلا السياسة.

و إذا كانت السياسة هي التي شتتت كلمة المسلمين في الأزمنة السالفة فلتكن السياسة اليوم حاملة للمسلمين على جمع الكلمة و الانضمام و الاتحاد، و لكن غفلة الكثيرين عن أن هذه المنابذة كان أصلها السياسة و ظنهم أن ذلك من الدين لما نشاوا و تربوا عليه يصدهم عن معرفة الحقيقة و نبذ التقليد و نرجو أن يكون بياننا هذا نبراسا لهم إلى معرفة الصواب.

و الذي يدلنا على أن المنابذة للشيعة أصلها السياسة و أن الدين‏

39

الإسلامي منها بري‏ء إننا إذا رجعنا إلى مبدأ الدعوة الإسلامية التي قام بها نبينا محمد(ص)وجدنا أنه كان يقبل في الإسلام إظهار الشهادتين و الالتزام بالصلاة و الصيام و سائر ضروريات الإسلام بل كان يقبل ذلك من قوم أظهروا الشهادتين و السيف على رؤوسهم فقبله من المغيرة بن شعبة و قد قتل رجلا بمكة و هرب إلى النبي(ص)و أظهر الإسلام و قبله من مسلمة الفتح و قد أسلموا و الجيش الإسلامي متسلط عليهم مع عدم قدرتهم على المقاومة و علمهم بأنهم إن لم يسلموا قتلوا و قتل رجل من أصحابه في بعض الحروب مشركا أظهر الإسلام فلامه على ذلك فاعتذر بأنه إنما أظهره و السيف على رأسه فقال له ما معناه: هلا شققت عن قلبه، و الحاصل أن الاكتفاء بإظهار الشهادتين و الالتزام بضروريات الدين مما لا ريب فيه، و بهذه المساهلة ظهر الإسلام و انتشر. و لم نجد في الآثار و الأخبار و لا في متن الدين و حواشيه أنه(ص)كان يشترط في الإسلام الاعتقاد في أصحابه و درجات فضلهم و منزلتهم و الاعتقاد بخلق القرآن و عدم خلقه و بالكلام النفسي و خلق الأفعال و رؤية الباري تعالى يوم القيامة و عينية الصفات و عدمها و غير ذلك أو أن النبي(ص)أخرج أحدا من ربقة الإسلام بسب شي‏ء من ذلك و لو كان لنقل لتوفر الدواعي إليه و إنما هذا شي‏ء حدث بعد ذلك في الدولتين الأموية و العباسية و كان الباعث عليه السياسة لا غير، و الأخبار التي تروى في هذا الباب وضعها من لا حريجة له في الدين تقربا إلى الملوك و الأمراء و تلقاها بالقبول من لم يعلم حقيقتها أو حمله رسوخ التقليد في نفسه على عدم انعام النظر في صحتها و بطلانها.

و إذا وصلنا إلى هنا فلننظر و لندقق في عقائد الشيعة الامامية الاثني عشرية.

خلاصة عقيدة الشيعة الجعفرية الاثني عشرية

الشيعة الامامية الجعفرية الاثنا عشرية يشهدون أن لا إله إلا الله و أنه واحد أحد فرد صمد لم يلد و لم يولد و إنه متصف بجميع صفات الكمال منزه عن جميع صفات النقص و إنه ليس كمثله شي‏ء و إن محمدا رسول الله(ص)جاء بالحق من عنده و صدق المرسلين. و يوجبون معرفة ذلك بالدليل و البرهان و لا يكتفون بالتقليد. و يؤمنون بجميع أنبياء الله و رسله و بجميع ما جاء به من عند ربه. أ فهؤلاء أقل في إسلامهم و إيمانهم من المغيرة بن شعبة الذي أسلم خوفا من القتل و ممن أسلم و السيف على رأسه؟ و يقولون أن عليا و ولده الأحد عشر أحق الخلافة [بالخلافة من كل أحد و أنهم أفضل الخلق بعد رسول الله(ص)و إن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، فان كانوا مصيبين في ذلك و إلا لم يوجب قولهم هذا كفرا و لا فسقا لا سيما أن إمامة شخص بعينه ليست من أصول الإسلام بالاتفاق من الشيعة و غيرهم أما غيرهم فواضح لأنهم لا يوجبون إمامة شخص بعينه و إنما يوجبون أصل الامامة و يحصرونها في قريش و أما الشيعة فإنهم و أن أوجبوا إمامة الأئمة الاثني عشر لكن منكر إمامتهم عندهم ليس بخارج عن الإسلام و تجري عليه جميع أحكامه.

و يقولون بوجوب أخذ أحكام الدين من كتاب الله بعد معرفة ناسخه من منسوخه و عامه من خاصة و مطلقه من مقيده و محكمه من متشابهه و ما ثبت من سنة رسول الله(ص)بالتواتر أو رواية الثقات و مذاهب الأئمة الاثني عشر أو أقوال المجتهدين الثقات الأحياء، و هذا على فرض خطئهم فيه لا يوجب الخروج عن الإسلام، و يقولون بعصمة الأئمة الاثني عشر و سواء أ أخطئوا في ذلك أم أصابوا فهو لا يوجب كفرا و لا خروجا عن الإسلام.

و يقولون أن كل من شك في وجود الباري تعالى أو وحدانيته أو في نبوة النبي(ص)أو جعل له شريكا في النبوة فهو خارج عن دين الإسلام و كل من غالى في أحد من الناس من أهل البيت أو غيرهم و أخرجه عن درجة العبودية لله تعالى أو أثبت له نبوة أو مشاركة فيها أو شيئا من صفات الالهية فهو خارج عن ربقة الإسلام. و يبرءون من جميع الغلاة و المفوضة و أمثالهم.

و عمدة ما ينقمه غير الشيعة عليهم دعوى القدح في السلف أو أحد ممن يطلق عليه اسم الصحابي. و الشيعة يقولون أن احترام أصحاب نبينا(ص)من احترام نبينا فنحن نحترمهم جميعا لاحترامه و ذلك لا يمنعنا من القول بتفاوت درجاتهم و أن عليا(ع)أحق بالخلافة من جميعهم و أن بعضهم قد أخطا:

و أنتم تقولون: أن بعضهم و إن شهر السيف في وجه البعض و قتل بعضهم بعضا و سب بعضهم بعضا و بغى بعضهم على بعض، فكلهم مجتهدون معذورون و القاتل و المقتول و الظالم و المظلوم و الباغي و المبغي عليه كلهم في الجنة و للمصيب منهم أجران و للمخطئ أجر واحد. و نحن نقول: أمرهم إلى ربهم العالم بسرهم و جهرهم، و علينا أن نحترمهم احتراما لنبينا(ص)و ليسعنا من العذر في قولنا بتفاوت درجاتهم و تقديمنا عليا عليهم في استحقاق الخلافة ما وسعهم من العذر في شهر بعضهم السيف في وجوه بعض و قتل بعضهم بعضا و سب بعضهم بعضا و بغي بعضهم على بعض، و إذا ساغ لهم الاجتهاد في ذلك ساغ لنا، فاحكام الله في الناس واحدة و شرائعه عادلة و رحمته واسعة تسع الجميع و لا تسع قوما و تضيق عن آخرين فان أصبنا فيما قلناه فلنا أجران و إن أخطانا فلنا أجر واحد و المخطى‏ء و المصيب منا و منكم في الجنة، و لا يسوغ في قانون العدل و أحكام العقل أن يفتح الله باب الاجتهاد للسلف على مصراعيه يستحلون به سفك الدماء و قتل النفوس و نهب الأموال و يكونون بذلك مأجورين و يغلقه في وجوه غيرهم فلا يفتح لهم منه و لو مثل سم الخياط، إن هذا مناف لعدله و شمول فضله و إنه ليس لأحد عنده هوادة.

فبان إنه لا مساغ لتضليل الشيعة و إخراجهم عن ربقة الإسلام من هذه الجهة و هي أهم ما في الباب إلا إذا تمسكنا بذيل التقليد للآباء و الأجداد و عرفنا الأقوال بالرجال و هذا مما نهانا عنه الله و رسوله و عقولنا.

و تعتقد الشيعة بالبعث و الحساب و الجنة و النار و الصراط و الميزان و كل ما أخبر به الصادق الأمين(ص)أما فروع الدين و واجباته و محرماته التي هي من الضروريات فكلنا فيها شرع سواء و كلنا نؤمن بكتاب واحد لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ و نصلي مستقبلين الكعبة و نقول بوجوب خمس صلوات باعداد ركعاتها: الظهر و تقوم مقامها الجمعة إذا صليت صحيحة جامعة للشرائط و العصر و المغرب و العشاء و الصبح، و بوجوب الوضوء لها و الغسل من الجنابة و النفاس و الحيض و يقوم مقامهما التيمم عند عدم وجود الماء و بوجوب الحج إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا و بوجوب الزكاة بشروطها المقررة و بوجوب صوم شهر رمضان‏ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، إلى غير ذلك من الواجبات و المحرمات الثابتة بضرورة الدين. و تقول الشيعة بوجوب الزكاة في الأنعام الثلاث الإبل و البقر و الغنم و في النقدين الذهب‏

40

و الفضة و في الغلات الأربع الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب كل ذلك بشروطها المذكورة في محلها و بوجوب الجهاد لحفظ بيضة الإسلام و بوجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و البر بالوالدين و صلة الأرحام و أداء الامانة و بحرمة الزنا و اللواط و شرب الخمر و الغيبة و النميمة و قذف المحصنات و نكاح المحارم و تزوج ما زاد عن أربع نسوة و شهادة الزور و أكل المال بالباطل و إيذاء الناس و تعطيل الحدود و أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و عقوق الوالدين و قطيعة الرحم و أكل مال اليتيم و الغش و الخيانة و الكذب و الظلم و أخذ الربا و القول على الله بغير علم و التنابز بالألقاب و غير ذلك من الواجبات و المحرمات التي ثبتت في دين الإسلام.

فبما ذا تضللوننا أيها الإخوان و تعادوننا و تنابذوننا و تنابزوننا بالألقاب؟

أ لم تسمعوا

قوله(ص)‏:

من كفر مسلما فقد باء به أحدهما.

فهل أنكرنا الخالق أو جعلنا له شريكا أو عبدنا غير الله أو وصفناه بغير ما يجب أن يوصف به أو أنكرنا رسول الله(ص)أو عصمته أو أنكرنا شيئا من ضروريات الدين الثابتة عند جميع المسلمين؟ أ ليس إلهنا و إلهكم واحدا و كتابنا واحدا و قبلتنا واحدة و صلاتنا و حجنا إلى كعبة واحدة؟

و صومنا في شهر واحد و صلاتنا واحدة و واجباتنا واحدة و محرماتنا واحدة؟

و إذا جاز لكم أن تجتهدوا في صحة المسح على الخفين و هو غير مذكور في القرآن جاز لنا أن نجتهد في صحة المسح على الرجلين مع اعتقادنا أنه مذكور في القرآن، فهل تعبدون الله و نحن نعبد الأصنام، و هل نبيكم محمد و نبينا شعيب، و كتابكم القرآن و كتابنا التوراة، و صلواتكم خمس و صلواتنا ست، و قبلتكم الكعبة و قبلتنا بيت المقدس، و حجكم إلى مكة و حجنا إلى عكا، و صلاة الظهر و العصر و العشاء عندكم أربع و عندنا خمس أو ثلاث، و صلاة المغرب عندكم ثلاث و عندنا أربع أو اثنان، و صلاة الصبح عندكم اثنان و عندنا واحدة أو ثلاث، و هل صومكم في شهر رمضان و صومنا في شعبان؟! كلا و الله لسنا كذلك و لكننا داخلون في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ و

قوله(ص)‏:

المؤمن أخو المؤمن.

المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.

نسأله تعالى أن يلهم المسلمين ما فيه الائتلاف و الاتحاد لا سيما في هذه الأعصار العصبية عليهم و هو ولي التوفيق.

و أعلم أننا لو أردنا استقصاء الافتراءات على الشيعة و السخافات التي قيلت عنهم بغير صحة و ما عيب به عليهم و ما خطئوا به بغير حق و رد عليهم بالباطل و بيان الصواب فيه و قلة إنصاف الخصم و تهجمه على ما لا يحل له لخرجنا عن موضوع هذه المقدمة و احتجنا إلى عدة مجلدات لكننا لا نخلي هذه المقدمة من التعرض لشي‏ء من ذلك و رده ليكون نموذجا لما أشرنا إليه و شاهد صدق على ما قلناه.

كلام ابن حزم في حق الشيعة

و أمامنا الآن الجزء الثالث من كتاب ابن حزم المسمى بالفصل في الملل و النحل المطبوع بمصر و قد وجدنا فيه من الكذب و الافتراء على الشيعة و مصادمة الحقائق بالإنكار و إظهار و العداوة لأهل البيت و شيعتهم و أتباعهم و إطلاق لسانه بالسوء ما تقشعر منه الأبدان فاكتفينا بإيراد شي‏ء من ذلك و تفنيده، لأن استقصاء سخافاته كلها و تفنيدها يطول به الكلام و أكثرها واضحة البطلان. و إذا كان ابن حزم من أصل أموي فلا يستنكر منه نصب العداوة لأهل البيت و شيعتهم، و قد أوضح ابن خلكان حال ابن حزم بقوله في حقه: كان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء المتقدمين لا يكاد يسلم أحد من لسانه فنفرت عنه القلوب و استهدف لفقهاء وقته فتمالئوا على بغضه و ردوا قوله و أجمعوا على تضليله و شنعوا عليه و حذروا سلاطينهم من فتنته و نهوا عوامهم عن الدنو إليه و الأخذ عنه، و فيه قال أبو العباس بن العريف كان لسان ابن حزم و سيف الحجاج شقيقين و إنما قال ذلك لكثرة وقوعه في الأئمة اه فإذا كانت حال ابن حزم مع أهل مذهبه و حالهم معه هكذا فما ظنك بالشيعة و الله يجزي كلا بعمله. و أتبعناه بشي‏ء مما صدر من بعض أهل العصر ممن يدعي الفضل و استنارة الفكر مما هو من هذا البحر و على هذه القافية و بالله نستعين.

وقع نظرنا صدفة في الجزء المذكور على قوله: قال أبو محمد جميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز امامة امرأة و لا إمامة صبي لم يبلغ إلا الرافضة فإنها تجيز إمامة الصغير الذي لم يبلغ و الحمل و هذا خطا لأن من لم يبلغ فهو غير مخاطب و الامام مخاطب باقامة الدين اه.

و فات أبا محمد قوله تعالى في حق يحيى ع: (وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) و ما سواه كذب و افتراء، و قال تحت عنوان شنع الشيعة:

إن أهل الشنع من هذه الفرقة ثلاث طوائف: الجارودية من الزيدية ثم الامامية من الرافضة ثم الغالية، فالجارودية قالت طائفة منهم أن محمد بن عبد الله بن الحسن حي لا يموت يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا (إلى أن قال) و قالت الكيسانية أصحاب المختار و هم شعبة من الزيدية مثل ذلك في محمد بن الحنفية و إنه بجبال رضوى و قال بعض الروافض الامامية مثل ذلك في موسى بن جعفر و هي الفرقة التي تدعى الممطورة و قالت الناووسية أصحاب ناووس المصري مثل ذلك في جعفر بن محمد و قالت السبائية أصحاب عبد الله بن سبا الحميري اليهودي مثل ذلك في علي بن أبي طالب و زادوا انه في السحاب (إلى أن قال): و إذا سئلوا عن الحجة قالوا الإلهام و إن من خالفنا ليس لرشده (إلى ان قال): و القوم بالجملة ذوو أديان فاسدة و عقول مدخولة و عديمو حياء و نعوذ بالله من الضلال.

و نقول من الظلم الفاحش و عدم الإنصاف و قصد التشنيع بالباطل حشر السبائية و طوائف الغلاة مع الشيعة الامامية الاثني عشرية و هم يبرءون من السبائية و من كل غال و يضللونهم و يكفرونهم ثم ان السبائية يقولون بإلهية علي(ع)فعدهم مع الإمامية و تشبيههم بهم لا معنى له و لا يقصد به غير التشنيع بالباطل فهل يتصور ظلم و اجتراء على الله و قلة مبالاة بالدين أعظم من هذا. ثم إن جعله الكيسانية القائلين بامامة محمد بن الحنفية شعبة من الزيدية القائلين بامامة المتأخر عن ابن الحنفية جهل منه.

و من عظيمات ابن حزم المهلكة افتراؤه على الشيعة بأنهم إذا سئلوا عن الحجة قالوا الإلهام و إن من خالفنا ليس لرشده، فمتى قالت الشيعة ذلك و في أي كتاب وجده ابن حزم و من رواه له؟! سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم، و ما يدعو الشيعة إلى هذه السخافة و فيهم المتكلمون و النظارون باعتراف ابن حزم و عندهم الحجج البالغة و لهم البراهين الدامغة التي لا يستطيع ابن حزم و لا غيره الوقوف امامها و فيهم أمثال ابن قبة و المفيد و المرتضى و العلامة الحلي و غيرهم و كتبهم مطبوعة مشهورة مثل الشافي في الامامة للمرتضى و مختصره و كتب المفيد و العلامة و غيرها فهل يستطيع ابن‏

41

حزم أو غيره أن يجد في شي‏ء منها ان الشيعة الامامية تستدل بالإلهام و هي التي سنت للناس طرق النظر و الاستدلال فهذه الفرية السخيفة قد أظهرت ان ابن حزم عديم الحياء مدخول العقل لا الشيعة.

أما قوله: ذوو أديان فاسدة فكيف يكون فاسد الدين من دخل مدينة العلم من بابها و ائتم بمن هو مع الحق و الحق معه يدور معه كيفما دار و أخذ معالم دينه عن أهل بيت نبيه الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و الذين امر الرسول(ص)باتباعهم و الاقتداء بهم و جعلهم بمنزلة القرآن لا يضل المتمسك به و لا بهم و بمنزلة باب حطة في بني إسرائيل من دخله كان آمنا و بمنزلة سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها هوى، لا بالمقاييس و الاستحسانات و آراء الرجال.

ثم قال و ذكر 1 عمرو بن بحر الجاحظ و هو و إن كان أحد المجان و من غلب عليه الهزل و أحد الضلال المضلين (لأنه معتزلي) فانا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة و إن كان كثير الإيراد لكذب غيره قال اخبرني إبراهيم النظام و بشر بن خالد أنهما قالا 2 لمحمد بن جعفر الرافضي المعروف بشيطان الطاق ويحك أ ما استحيت من الله إن تقول في كتابك في الإمامة إن الله لم يقل قط في القرآن‏ ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ (الآية) فضحك و الله ضحكا طويلا كانا نحن الذين أذنبنا.

(و نقول): مؤمن الطاق الملقب شيطان الطاق اسمه محمد بن علي ابن النعمان و يوصف بالأحوال [بالاحول و يقال محمد بن النعمان و يكنى أبا جعفر و قد سماه ابن حزم محمد بن جعفر فمن لم يعرف اسمه كيف يعرف حاله و ذكرنا في البحث الأول انه كان صيرفيا بطاق المحامل في الكوفة يرجع إليه في النقد فيخرج كما يقول فيقال شيطان الطاق لحذقه، و

روي في عدة روايات عن الامام جعفر بن محمد الصادق(ع)

انه قال في اربعة نفر هو أحدهم: انهم أحب الناس إليه احياء و أمواتا

، قال أهل الرجال في حقه:

كان كثير العلم حسن الخاطر و كان ثقة متكلما حاضر الجواب له كتب اه و له أجوبة مسكتة و محاورات لطيفة مع الامام أبي حنيفة تدل على حضور جوابه و سعة علمه. و من كان كذلك لا يمكن أن يدرج في كتابه أو يقول بلسانه أن هذه الآية ليست من القرآن، و كتبه معروفة عند الشيعة لو قال ذلك في بعضها لنبذوه و قدحوا فيه لأجله و لنقلوا ذلك عنه، و لكن ابن حزم بعد ما ظهر كذبه و اختلافه في موارد كثيرة مما نقلناه و ما ننقله نصرة لمزاعمه لا نستعبد منه هذه الفرية، و العجب منه كيف يستحل القدح في أعراض المسلمين بنقل من يعترف أنه من المجان و أنه ضال مضل، و لا عجب بعد ما عرفت و ستعرف من استشهاده بالكذب و الزور لترويج هواه، و الظاهر ان ضحك مؤمن الطاق الطويل ان صحت الحكاية- و لا نظنها صحيحة- هو من كلام النظام و صاحبه كيف توهما أنه يقول ذلك.

ثم قال: قال النظام كنا نكلم علي بن ميثم الصابوني و كان من شيوخ الرافضة و متكلميهم فنسأل أ رأي أم سماع عن الأئمة فينكر أن يقوله برأيه فنخبره بقوله منها قبل ذلك فو الله ما رأيته خجل من ذلك و لا استحيى.

و نقول علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار صاحب أمير المؤمنين(ع)من أصحاب الإمام موسى الكاظم و ابنه الرضا(ع)قال أهل الرجال في حقه أول من تكلم على مذهب الإمامية و صنف كتبا في الامامة و كان من وجوه المتكلمين من الشيعة كلم أبا الهذيل العلاف و النظام اه و كيف يقبل قول النظام فيه و هو خصمه أم كيف يقبل ابن حزم قوله و هو ضال مضل عنده لأنه من شيوخ المعتزلة كالجاحظ، و قد قال ابن حزم في كتابه: كان إبراهيم بن سيار النظام أبو اسحق البصري مولى بني بجير بن الحارث بن عباد الضبعي أكبر شيوخ المعتزلة و مقدم علمائهم يقول ان الله تعالى لا يقدر على ظلم أحد أصلا و لا على شي‏ء من الشر و إن الناس يقدرون عليه فكان الناس عنده أتم قدرة من الله و هذا الكفر المجرد الذي نعوذ بالله منه اه فمن كان بهذه المثابة كيف يقبل نقله لكنه قبله لأنه وافق هواه، على أن تلك الحكاية ان صحت فهي مجملة لا ظهور فيها فكيف يستحل القدح في الناس بمثلها لو لا قلة الحياء و رقة الدين.

قال: و من قول الامامية كلها قديما و حديثا أن القرآن مبدل، زيد فيه ما ليس منه كثير و بدل منه كثير حاشا 3 علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و كان إماميا يظاهر بالاعتزال مع ذلك فإنه كان ينكر هذا القول و يكفر من قاله و كذلك صاحباه أبو يعلى ميلاد الطوسي و أبو القاسم الرازي.

و نقول: لا يقول أحد من الامامية لا قديما و لا حديثا إن القرآن مزيد فيه قليل أو كثير فضلا عن كلهم بل كلهم متفقون على عدم الزيادة، و من يعتد بقوله من محققيهم متفقون على انه لم ينقص منه و ياتي تفصيل ذلك عند ذكر كلام الرافعي، و من نسب إليهم خلاف ذلك فهو كاذب مفتر مجترئ على الله و رسوله، و الذين استثناهم و قال أنهم ينكرون الزيادة و النقصان في القرآن و يكفرون من قال بذلك هم اجلاء علماء الامامية و إن كذب في دعوى التكفير الذي يكيله للناس في كتابه بالصاع الأوفى و قد تعود عليه قلمه و لسانه، و علي بن الحسين المذكور في كلامه هو الشريف المرتضى علم الهدى ذو المجدين من اجلاء علماء الامامية و أئمتهم و مشاهيرهم و أسقط من أجداده موسى بن محمد و إبراهيم، و قوله كان إماميا يظاهر بالاعتزال طريف جدا فالإمامي كيف يكون معتزليا و كتاب الشافي للمرتضى هو رد على المغني للقاضي عبد الجبار من أشهر شيوخ علماء المعتزلة، لكن اعتاد جماعة ان ينسبوا جملة من محققي علماء الامامية إلى بموافقتهم للمعتزلة في بعض المسائل كمسألة الرؤية و الحسن و القبح و نحوهما و هذا خطا و غلط من قائله فالمعتزلة أقرب إلى من يسمون أهل السنة منهم إلى الشيعة لموافقتهم إياهم في امر الخلافة و في أخذ فروع الدين من الأئمة الأربعة و أما أبو يعلى ميلاد الطوسي فاسم محرف و صوابه أبو يعلى سلار و لكن وصفه بالطوسي خطا بل هو سلار الديلمي، و للمرتضى تلميذ آخر اسمه الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن الجعفري، و من تلامذة المرتضى الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، و لكن ابن حزم لشدة تثبته حرف الاسم و الوصف. أما أبو القاسم الرازي فالظاهر انه محرف أيضا إذ لا نعلم في أصحاب المرتضى أحدا بهذا الاسم. و ذكرنا في البحث الثامن أن الصدوق جعل من اعتقاد الامامية عدم النقص و عدم الزيادة في القرآن و بذلك علم ان كلام ابن حزم محض افتراء. على أن الاختلاف في بعض آيات القرآن كان موجودا في عصر الصحابة فقد قرأ ابن مسعود فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَ‏ إلى أجل مسمى، حكاه الطبري في تفسيره، و ياتي عند ذكر كلام ابن حزم قول بعض من يسمون أهل السنة بوقوع النقص في القرآن، و اختلف المسلمون في البسملة هل هي جزء من السور فنفى ذلك الإمام أبو حنيفة و أثبته الإمام الشافعي و أئمة أهل البيت و قال علماء الأصول ما نقل آحادا

42

فليس بقرآن و هو اعتراف منهم بوقوع الخلاف و لكن ذلك كله شاذ مسبوق و ملحوق بالإجماع على عدم النقص و الزيادة.

قال: و قالت طائفة من الكيسانية بتناسخ الأرواح و بهذا يقول السيد الحميري الشاعر ثم لعنه و افترى عليه بما يخجل القلم من نقله.

و نقول الكيسانية فرقة كانت تقول بامامة محمد بن الحنفية و انقرضت و الإمامية تقول ببطلان هذا المذهب أما نقله عنها من القول بالتناسخ فزور و افتراء لم يسمع به سامع و 4 السيد الحميري كان كيسانيا في أول امره ثم قال بامامة جعفر الصادق (ع) المعاصر له مع ولايته لقسيم الجنة و النار و لم يترك فضيلة لأمير المؤمنين (ع) إلا نظم فيها شعرا و مثل هذا لا يستحق اللعن كما فعله ابن حزم على عادته في المسارعة إلى اللعن و التكفير و سيلقى سوء قوله.

قال و جمهور متكلميهم كهشام بن الحكم الكوفي و تلميذه أبي علي الصكاك و غيرهما يقول ان علم الله تعالى محدث و إنه لم يكن يعلم شيئا حتى أحدث لنفسه علما و هذا كفر صريح و كان داود الجوازي [الجوزي من كبار متكلميهم يزعم ان ربه لحم و دم على صورة الإنسان.

و نقول: هشام بن الحكم من أصحاب الإمامين الصادق و الكاظم(ع)قال أصحاب الرجال في حقه كان ثقة في الرواية حسن التحقق بهذا الأمر رفيع الشأن عظيم المنزلة رويت مدايح له جليلة عن الإمامين الصادق و الكاظم(ع)و كان ممن فتق الكلام في الامامة و هذب المذهب بالنظر و كان حاذقا بصناعة الكلام حاضر الجواب و

قال الامام أبو جعفر محمد بن علي الجواد في حقه‏

: (رحمه الله) ما كان أذبه عن هذه الناحية

اه و له في نصرة الحق مواقف مشهودة و مشاهد معدودة تأتي في محلها من ترجمته إن شاء الله. و لا يضره بعد ذلك افتراء من افترى عليه انه يقول أن علم الله محدث و ليس الباعث على هذا الافتراء إلا العداوة و البغضاء و لو علم أئمة أهل البيت و شيعتهم منه شيئا من هذا لتبرءوا منه و لا يمكن عادة أن يخفى عليهم حاله و يطلع عليه غيرهم.

أما أبو علي الصكاك فاسم لا مسمى له أو محرف إذ ليس له أثر في كتب رجال الشيعة، نعم يوجد فيها أبو جعفر محمد بن خليل البغدادي السكاك من تلاميذ هشام بن الحكم و ياتي ذكره في البحث السابع عند ذكر متكلمي الشيعة و هو كاستاذه هشام منزهان عما نسب إليهما و ما أخذا عقائدهما إلا من الامام جعفر الصادق (ع). فانظر كيف حرف أبا جعفر بأبي علي و السكاك بالصكاك و من يكون هذا حاله في قلة الضبط كيف يعتمد على نقله و كم له من تحريف في كتابه هذا و قد أشرنا في مواضع أخر إلى بعضه. و كذلك داود بن الجوزي الذي يقول عنه انه من كبار متكلمي الامامية لا وجود له. و عقائد الشيعة الاثني عشرية منزهة عن التجسيم و التشبيه بالخلق و هي تبرأ من كل قائل بذلك، نعم التجسيم منسوب إلى فرقة من أهل نحلة ابن حزم معروفة كان أحد علمائها ابن تيمية يقول و هو على المنبر أن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا و نزل درجة من درج المنبر كما مر في آخر البحث الأول. تَعالى‏ الله‏ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً.

قال: و طائفة منهم تقول ان الله تعالى يريد الشي‏ء و يعزم عليه ثم يبدو له فلا يفعله و هذا مشهور للكيسانية.

و نقول: البداء الذي تقول به الشيعة إظهار إخفاء لا ظهور بعد خفاء و هو نسخ في التكوين نظير النسخ في التشريع الذي يقول به جميع المسلمين فكما ان النسخ في الأحكام لا يتحقق إلا فيما ظاهره الدوام ثم ينسخ و إلا لكان توقيتا فالبداء يكون فيما ظاهره الوقوع ثم يظهر خلافه و لو قال قائل إن البداء ظهور بعد خفاء فالشيعة منه براء.

قال: و من الامامية من يجيز نكاح تسع نسوة، و كذب في ذلك هذه كتب الامامية بين أيدينا ليس لذلك فيها عين و لا أثر بل من الضروريات عند الامامية عدم جواز نكاح ما زاد على اربع لغير النبي ص.

قال: و منهم من يحرم الكرنب لأنه إنما نبت على دم الحسين و لم يكن قبل ذلك و هذا في قلة الحياء قريب مما قبله اه.

و هذه أيضا فرية و أضحوكة لا أصل لها دعاه إليها قلة الحياء فانظر و أعجب و تأمل إلى أي حد بلغ الجهل بالإنسان.

قال: و كما يزعم كثير منهم أن عليا لم يكن له سمي قبله و هذا جهل عظيم و ذكر جماعة يسمون بعلي في الجاهلية ثم قال و مجاهراتهم أكثر مما ذكرنا اه.

و نقول: لم نسمع بذلك من أحد و لا رأيناه في كتاب قبل كتبه ككثير مما ذكره و إن صح لم يثبت به فضل لعلي و إن لم يصح لم يكن نقصا و ما هي إلا مسألة تاريخية لا علاقة لها بالمذهب و لا توجب كل هذا التهويل و لكن الله تعالى أنطقه بهذا و أمثاله ليظهر للناس مبلغ صدقه و إنصافه.

قال: و منهم طائفة تسمى النحلية نسبوا إلى الحسن بن علي بن ورصند النحلي كان من أهل نفطة من عمل قفصه و قسطيلية من كور إفريقية ثم نهض هذا الكافر إلى السوس في اقاصي بلاد المصامدة فاضلهم و أضل أمير السوس احمد بن إدريس بن يحيى بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فهم هنالك كثير سكان في ربض مدينة السوس يعلنون بكفرهم، و صلاتهم خلاف صلاة المسلمين لا يأكلون شيئا من الثمار زبل أصله و من قولهم ان الصحابة كفروا بجحدهم إمامة علي و علي كفر بتسليمه لهم ثم قال جمهورهم ان عليا و أتباعه رجعوا إلى الإسلام بعد قتل عثمان و منهم من يرد الذنب في ذلك إلى النبي(ص)إذ لم يبين الأمر بيانا كافيا.

و نقول: بعد ما ظهر مما ذكرناه مرارا عدم تثبت هذا الرجل في النقل و أخذه بالأوهام و نقله أشياء لم تقع في الكون لا يمكن التصديق من كلامه بان من ذكرهم قد وجدوا في الدنيا فضلا عن أن يكونوا من فرق الامامية و ما سمعنا و لا رأينا و لا نقل لنا ناقل وجود من ذكرهم بين فرق الامامية و لو فرض جدلا وجود أناس هذه صفتهم فالشيعة تبرأ منهم و من معتقدهم و لكن أنى لنا بالتصديق انهم وجدوا و يمكن كونهم من المسلمين الشيعة الصحيحي الاعتقاد و نسبت إليهم هذه الخرافات تشنيعا و تهجينا و حشروا في زمرة الشيعة الامامية لهذه الغاية بدليل انهم يصلون و يقول ان صلاتهم خلاف صلاة المسلمين و لم يبين وجه مخالفتها لصلاة المسلمين.

ثم قال: فهذه مذاهب الامامية و هي المتوسطة في الغلو و أما الغالية من الشيعة فقسم أوجبت النبوة بعد النبي(ص)لغيره و قسم أوجبوا الالهية لغير الله فمن القسم الأول الغرابية قالوا إن محمدا(ص)كان أشبه بعلي من الغراب بالغراب و إن جبرائيل بعث بالوحي إلى علي فغلط بمحمد و قال طائفة بل تعمد و فرقة قالت الأئمة الاثني عشر عليا و الإحدى عشر من ولده‏

43

أنبياء و فرقة قالت بنبوة محمد بن إسماعيل و هم طائفة من القرامطة و فرقة قالت بنبوة علي و بنيه الثلاثة و هم طائفة من الكيسانية و قد حام المختار حول ان يدعي النبوة لنفسه و قد سجع اسجاعا و أنذر بالغيوب.

و اتبعه على ذلك طوائف من الشيعة الملعونة و قال بامامة محمد بن الحنفية و فرقة قالت بنبوة المغيرة بن سعيد و قد قيل إن جابر بن يزيد الجعفي كان خليفة المغيرة بن سعيد و فرقة قالت بنبوة بيان بن سمعان التميمي و فرقة قالت بنبوة أبي منصور المستنير العجلي الملقب بالكسف و أباح المحرمات و قال إنما هي أسماء رجال و جمهور الرافضة اليوم على هذا و ذكر هشام بن الحكم الرافضي في كتابه المعروف بالميزان و هو أعلم الناس بهم لأنه جارهم بالكوفة و جارهم في المذهب إنهم يقتلون من كان منهم و من يخالفهم و يقولون نعجل المؤمن إلى الجنة و الكافر إلى النار، ثم عد ابن حزم من فرقهم السبائية القائلين بإلهية آدم و الأنبياء بعده و علي و ولده إلى جعفر بن محمد و القائلين بإلهية أبي الخطاب و الشلمغاني و أبي جعفر المنصور و النصيرية القائلين بإلهية علي ع، قال: و قد غلبوا في وقتنا هذا على جند الأردن و على مدينة طبرية و من قولهم لعن فاطمة و الحسنين(ع)و إن ابن ملجم أفضل أهل الأرض لأنه خلص روح اللاهوت من ظلمة الجسد، إلى آخر ما ذكره و أطال به، ثم قال: و اعلموا أن كل من كفر هذه الكفرات الفاحشة ممن ينتمي إلى الإسلام فإنما عنصرهم الشيعة و الصوفية اه.

و نقول من الظلم الفاحش عد فرق الغلاة و القرامطة و أمثالهم من فرق الشيعة و حشرهم معهم و الشيعة تبرأ من كل غال و مؤله لأحد من البشر أو قائل بنبوة أحد بعد النبي(ص)سواء الأئمة الاثنا عشرية و غيرهم و من كل قائل بشي‏ء يخالف ضرورة دين الإسلام و تبرأ من القرامطة و تجعله خارجين من الإسلام و هب أن بعض أهل المذاهب الفاسدة نسبوا أنفسهم إلى أهل البيت الطاهر، و أهل البيت و شيعتهم يبرءون منهم أ فيسوغ هذا حشرهم مع طوائف الشيعة لو لا إرادة التشنيع بالباطل، و هؤلاء الخوارج الذين يضللهم ابن حزم و يجعلهم من أهل العظائم المخرجة إلى الكفر و المحال و المارقين من الدين عنصرهم الإسلام فهل يسوغ لأحد أن يقدح في دين الإسلام بأنه عنصر للخوارج. و كذلك المعتزلة الذين يجعلهم من أهل العظائم المخرجة إلى الكفر أو المحال و يرميهم بتعجيز الله و ينسب أمامهم أبا الهذيل إلى الكفر و الكفرات الصلع- اقتداء بمن قال عن أحد أصحاب علي أنه كفر كفرة صلعاء و انه امام ضلال- و ينسبهم و ينسب أئمتهم كالنظم و غيره إلى قول أهل الإلحاد محضا بلا تأويل و إلى الكفر و الرد على الله جهارا و الكفر الصريح و أمثال ذلك من العظائم مع أن عنصرهم عنصر أهل السنة فهل يسوغ لأحد أن يعيب على أهل السنة بان عنصر هؤلاء كان منهم و كذلك المرجئة صرح ابن حزم مرارا بتكفيرهم و تشريكهم و إلحادهم و نسبتهم إلى أعظم الكفر و أمثال ذلك فهل يسوغ لأحد أن يعيب على أهل السنة بان عنصرهم منهم. و الصوفية الذين جعلهم عنصر الكفرات الفاحشة جلهم أو كلهم من السنيين كما أن جميع أهل هذه المذاهب الفاسدة كلها تنتسب إلى الإسلام فهل يمكن لأحد ان يعيب مذهب الإسلام بان هناك مذاهب فاسدة تنسب إليه و الله تعالى يقول: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏.* مع أن كثيرا من هذه الفرق التي زعمها ابن حزم لم يسمع بها سامع و لا يمكنا الوثوق بنقله لها بعد ما رأينا من عدم تثبته في النقل و أخذه بالأوهام و تسرعه إلى التكفير و سوء القول كما سمعت الكثير من ذلك فيما مر. أما الغرابية فلم نسمع بها في تاريخ و لم نسمعها إلا منه و من أمثاله و لو فرض أن قائلا قال أن محمدا(ص)أشبه بعلي من الغراب و أراد أن عليا(ع)يشابه النبي(ص)في فضائله و مناقبه و صفاته عدا النبوة أصاب في ذلك أم أخطا ما كان يوجب هذا اعتقاده بان عليا(ع)نبيا. و لو فرض أنه وجد في الكون من يقول أن جبرائيل أخطا أو تعمد في أمر النبوة فهل يستسيغ ذو دين و من عنده أدنى خوف من الله تعالى أن يحشر هذا القائل في زمرة الشيعة و يدرجه في عدادهم و هم يبرؤن من هذا القول و قائله، فكيف و أصل وجود هذا القول فرية و اختلاق يقصد به التشنيع على الشيعة افتراه مفتر و صدقه من بعده من غير تحقيق و تمحيص، و جملة من عوام الناس و جهلتهم يعتقد بوجود هذا القول في هذه الأزمان و قبلها مع أننا إن كنا نشك في وجود مكة نشك في أن هذا كذب و افتراء و بعض جهلة العوام يقول أن الشيعة حيث تكبر التكبيرات الثلاث بعد الصلاة برفع اليدين التي هي أول التعقيب حسبما صح عن أئمة أهل البيت(ع)تقول خان الأمين ثلاثا مع أن هذه التكبيرات مسطورة في كتب الشيعة الفقهية المطبوعة و المخطوطة بالملايين و المنتشرة في أقطار الأرض فما ظنك بغيرها مما أدرجه ابن حزم المعدود في العلماء في كتابه الموضوع لبيان الملل و النحل مع مساعدة العداوة و العصبية.

أما المختار فكان طالب امارة و ملك و الله تعالى قيضه للأخذ بثار الحسين الشهيد (ع) سبط الرسول (ع) و أحد ريحانتيه و انتقم به من أعدائه. و قد قتل جماعة ممن شرك في دم الحسين (ع) أو أعان عليه و سر بذلك الرسول و أقر عين الزهراء البتول، أما إنه حاول دعوى النبوة فافتراء و تخرص على الغيب. و أما سجعه و إنذاره بالغيب فلا يدل على ذلك بل كان من بعض التدابير لترويج أمره و كيف يحاول دعوى النبوة مع عقله و دهائه و علمه أن ذلك يوجب تفرق الناس عنه. و أما أن طوائف من الشيعة اتبعوه على ذلك فيناقض ما سبق فإذا كان حاول و لم يدع فكيف اتبعوه على أمر لم يدعه و إن كان يقول أنهم حاولوا جعله نبيا ففساده أظهر إذ لم ينقل ذلك ناقل و الذي ذكره جميع أهل الأخبار أن الشيعة اتبعته على الطلب بثار الحسين (ع) لا غير. (أما قوله) الشيعة الملعونة فالشيعة اتباع أهل البيت الطاهر و المؤتمون بهم و المدعوون بهم يوم يدعى كل أناس بإمامهم لا يستحقون شتما و لا لعنا و شاتمهم أحق بذلك.

أما المغيرة بن سعيد

فورد عن الباقر (ع) أنه قال‏

: كان يكذب علينا

و ورد عن الصادق (ع)

أنه كان مشعوذا يكذب على أبي‏

و قد تبرأ منه الباقر و الصادق و أمروا شيعتهم بالبراءة منه فنبذوه و تبرأوا منه أ فيحسن بعد هذا أن يقال و فرقة قالت بنبوة المغيرة بن سعيد و تعد في عداد الشيعة لو كان في القلوب خوف من الله تعالى و لو جاز ذلك لجاز لغير المسلمين أن يعدوا في طوائف الإسلام أصحاب مسيلمة و سجاح لأنهم كانوا من المسلمين و ارتدوا كما جاز لابن حزم أن يعد في طوائف الشيعة أصحاب المغيرة بن سعيد الذين تبرأ منهم الشيعة.

و أما 5 جابر بن زيد [يزيد الجعفي فهو من أصحاب الباقر و الصادق(ع)وثقه بعض علماء الرجال من الشيعة كابن الغضائري و

روى العقيقي و ابن عقدة

ترحم الصادق عليه و قوله كان يصدق علينا

و وثقه (شعبة) من علماء السنة و روى عنه كما روى عنه السفيانان و هو يشعر بوثاقته عندهما، قال الذهبي في مختصره: روى عنه شعبة و السفيانان من أكبر علماء الشيعة

44

وثقه شعبة فشذ و تركه الحفاظ اه و قال ابن حجر في التقريب ضعيف رافضي من الخامسة اه و من ذلك يعلم كذب ما نقله ابن حزم من أنه كان خليفة المغيرة بن سعيد الذي تبرأ منه الشيعة و أنه كان ثقة باعتراف أهل الرجال من السنة و الشيعة و إن القدح فيه إنما وقع للتشيع فقط.

و إما بنان أو بيان بن سمعان النهدي التميمي فالشيعة تبرأ منه كما تبرأ من كل غال فعده أتباعه من الشيعة ظلم و سفاهة كالملقب بالكشف إن صح ما حكاه عنه.

و لكن لا شي‏ء أعجب من قوله و جمهور الرافضة اليوم على هذا فان 6 ابن حزم مات 6 سنة 456 فعصره مفعم بفحول علماء الشيعة و محققيهم أمثال المرتضى و الشيخ الطوسي و القاضي ابن البراج و غيرهم لا يحصون كثرة و قد ملأت مؤلفاتهم و مصنفاتهم الأقطار و لو لم يكن فيهم غير المرتضى لكفاهم، و هذه الفرق التي نسبها إلى الشيعة و الشيعة تبرأ منها و من كل غال كانت قد انقرضت في ذلك العصر، عصر ابن حزم فكيف استحل أن يقول و جمهور الرافضة اليوم على هذا و ليس في عصره من أهل هذه الاعتقادات التي ذكرها أحد و عموم الشيعة في ذلك العصر يبرءون من هذه المقالات و يكفرون قائلها. و لهذا الرجل في كتابه المذكور سخافات كثيرة من قبيل ما مر لا نطيل باستقصائها و ردها و نكتفي بهذا القدر ففيه كفاية لمن تبصر و اعتبر.

كلام الرافعي في حق الشيعة

و رأينا كتابا ألف في هذا العصر اسمه (إعجاز القرآن) لمصطفى صادق الرافعي طبع في مصر مرتين أكثر فيه مؤلفه من التحامل على الشيعة و السب و الشتم و تعرض لهم في عدة مواضع من كتابه بمناسبة و بغير مناسبة و افترى عليهم افتراءات كثيرة و نقل عنهم سخافات هم بريئون منها تقليدا منه و قلة تمحيص للحقائق و عدم مبالاة بما يقول، و الكتاب ليس فيه شي‏ء من علم ما فيه إلا ألفاظ مزوقة و عبارات منمقة.

فمن ذلك ما ذكره في صفحة 47 بقوله: القرآن أصل هذا الدين و ما اختلفوا فيه إلا من بعد اتساع الفتن و حين رجع بعض الناس من النفاق إلى أشد من الاعرابية الأولى و ضربتهم الفتن و الشبهات مقبلا بمدبر و مدبرا بمقبل فصار كل من نزع إلى الخلاف يريد أن يجد من القرآن ما يختلف معه أو يختلف به و هيهات ذلك إلا أن يتدسس في الرواية بمكروه يكون معه التأويل و الأباطيل إلى آخر ما سطره من هذا القبيل و تحذلق و تفيهق فيه ثم قال: و نحسب أن أكثر ذلك مما افترته الملحدة و تزيدت به الفئة الغالية و هم فرق كثيرة يختلفون فيه بغيا بينهم و كلهم يرجع إلى القرآن بزعمه اه و قال في الحاشية: نجمت في الأمة من غير أهل السنة فرق كثيرة يكفر بعضها بعضا و من رؤوس الفرق المعروفة المعتزلة و هم عشرون فرقة و الشيعة اثنتان و عشرون و الخوارج سبع فرق إلخ. ثم قال: و لو لا حفظ الله لكتابه و أنه المعجزة الخالدة لما بقي منه بعد هؤلاء حرف واحد فضلا عن أن يبقى بجملته على الحرف الواحد اه.

و لا يخفي ما في كلامه: (أولا) قوله و ما اختلفوا فيه إلا من بعد اتساع الفتن إلخ. ينافيه أن الخلاف بين الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين في عدة من المسائل كان معروفا مشهورا و كلهم يرجعون إلى القرآن و هو بين أيديهم.

(ثانيا) قوله نجمت في الأمة من غير أهل السنة إلخ فيه أنه كيف أخرج فرق المعتزلة عن أهل السنة و أدخل فرق الغلاة في بعض كلامه في الشيعة فان كان بجامع الانتساب إلى علي (ع) فهذا موجود في المعتزلة بجامع الانتساب إلى غيره و الموافقة في الفروع كلها و إن كان لمخالفة المعتزلة لأهل السنة في أمور يخطئهم أهل السنة فيها فهذا موجود بين الشيعة و باقي الفرق الغالية.

(ثالثا) سوق كلامه يدل على أنه جعل الشيعة ممن وصفهم و وصمهم بتلك القبائح التي في كلامه و هو ظالم لهم في ذلك مفتر عليهم و انى يوسم بالنفاق و بالرجوع إلى أشد من الاعرابية الأولى من يشهد لله بالوحدانية و لنبيه محمد(ص)بالرسالة و يقيم شرائع الإسلام كلها و يعظم القرآن و يأخذ بنصوصه و ظواهره و يكل علم متشابهه إلى ربه و يعظم أهل بيت نبيه و يواليهم و يقدمهم على من سواهم. و أولى بالنفاق و الرجوع إلى أشد من الاعرابية الأولى من يجترى‏ء على أعراض المسلمين و يرميهم بالعظائم بغير حجة و لا برهان تقليدا للمتعصبين و يقرنهم بالمارقين من الدين و قد

قال(ص)

من كفر مسلما فقد باء به أحدهما

، و لا يرجع في دقائق العقائد التي يسميها بالشبهات و التي هي من أدق مسائل علم الكلام إلا إلى التقليد و يزعم أنه متمسك بالقرآن و غيره مخالف له و هو لا يعلم من استدلال غيره و لا من كلامه شيئا سوى انقال اجمالية و افتراءات و أكاذيب رآها في بعض الأساطير بدون أن يعلم صدقها و كذبها و يكتفي في أنه على الحق و غيره على الباطل بجعل نفسه من أهل السنة و تسميته بهذا الاسم و غيره من الفئة الغالية على إطلاقه و يزعم أنه لو لا حفظ كتاب الله لما بقي بعد هؤلاء حرف واحد. و لما ذا؟ أ فأنت أيها الرافعي أشد محافظة على كتاب الله تعالى و تعظيما له من الشيعة فانظر إذا شئت إلى ما أجملناه عنهم في علوم القرآن تجد أنهم سبقوا الناس إلى ذلك و أنهم أشد الخلق محافظة عليه و إعظاما له قديما و حديثا و إن كلامك هذا قد كتب عليك في صحيفة السيئات و إنك مسئول عنه يوم لا تجد إلا ما قدمت يداك و ما ربك بظلام للعبيد.

و قال الرافعي أيضا في كتابه المذكور(ص)185: أما الرافضة أخزاهم الله فكانوا يزعمون أن القرآن بدل و غير و زيد فيه و نقص منه و حرف عن مواضعه و إن الأمة فعلت ذلك بالسنن أيضا و كل هذا من مزاعم شيخهم و عالمهم هشام بن الحكم لأسباب لا محل لشرحها هنا و تابعوه عليها جهلا و حماقة اه.

و نقول: أما مسارعته إلى الشتم و السباب فكل إناء بالذي فيه ينضح.

و قديما ما سب الذين كفروا رب العزة و سبت الأنبياء و المرسلون و سب سلفه بنو أمية الذين يشيد بذكرهم سلف الشيعة و إمامهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أخا الرسول(ص)و صنوه فما ضرهم ذلك شيئا، و أما قوله أنهم يزعمون أن القرآن إلخ فهو كذب و افتراء تبع فيه ابن حزم فيما مر من كلامه في هذا البحث. و نص كبراء علماء الشيعة و محدثيهم على خلافه و قد بينا هناك اتفاق الشيعة عموما على عدم الزيادة و اتفاق المحققين و من يعتد بقوله منهم على عدم النقص و أشرنا إلى أن القول بالنقص وقع من شاذ من أهل السنة و الشيعة و لا يختص بالشيعة و أنه مسبوق و ملحوق بالإجماع من الفريقين على عدم النقص فلا يعتد به فأين موضع العيب و النقد علينا أيها المنصفون. و نزيد هنا بيانا بنقل كلمات بعض الأجلاء من علماء الشيعة الناصة على ما قلناه. هذا ابن بابويه محمد بن علي بن الحسين الملقب‏

45

بالصدوق من أشياخ رواة الشيعة و علمائهم جعل في كتابه المؤلف في اعتقادات الامامية من اعتقاداتهم عدم الزيادة و النقصان في القرآن كما أشرنا إليه في هذا البحث عند ذكر كلام ابن حزم و ياتي نقل كلامه في البحث الثامن إن شاء الله.

و هذا الشيخ أبو علي أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي قدوة المفسرين يقول في مقدمة كتابه في تفسير القرآن المسمى بمجمع البيان: فاما الزيادة فيه فمجمع على بطلانها و أما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا و قوم من حشوية أهل السنة أن في القرآن نقصانا و الصحيح من مذهب أصحابنا خلافه و هو الذي نصره المرتضى (قدس الله روحه) و استوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات و ذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان و الحوادث العظام و الكتب المشهورة و إشعار العرب فان العناية اشتدت و الدواعي توفرت على نقله و حراسته و بلغت إلى حد لم تبلغه فيما ذكرناه لأن القرآن معجزة النبوة و ماخذ العلوم الشرعية و الأحكام الدينية، و علماء المسلمين قد بلغوا في حفظه و حمايته الغاية حتى عرفوا كل شي‏ء اختلف فيه من إعرابه و قراءته و حروفه و آياته فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة و الضبط الشديد، قال: و قال أيضا أن العلم بتفصيل القرآن، و أبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته و جرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه و المزني فان أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من جملتهما ما يعلمون من تفصيلهما حتى لو أن مدخلا أدخل بابا من النحو في كتاب سيبويه أو من غيره في كتاب المزني لعرف و ميز و علم أنه ملحق ليس من أصل الكتاب و معلوم أن العناية بنقل القرآن و ضبطه أكثر من العناية بضبط كتاب سيبويه و دواوين الشعراء، قال: و ذكر أيضا أن القرآن كان على عهد رسول الله(ص)مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن و استدل على ذلك بان القرآن كان يدرس و يحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له و أنه كان يعرض على النبي(ص)و يتلى عليه و إن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود و أبي بن كعب و غيرهما ختموا القرآن على النبي(ص)عدة ختمات كل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير مبتور و لا مبتوت، و ذكر أن من خالف في ذلك من الامامية و الحشوية من أهل السنة لا يعتد بخلافهم فان الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته اه و عن الشيخ الطوسي في أول كتابه التبيان أنه قال: أما الكلام في زيادته و نقصه فمما لا يليق به لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها و أما النقصان فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه و هو الأليق بالصحيح من مذهبنا و هو الذي نصره المرتضى و هو الظاهر في الرواية غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الشيعة و أهل السنة بنقصان كثير من آي القرآن و نقل شي‏ء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا و الأولى الاعراض عنها اه و قال الشيخ جعفر النجفي فقيه عصره في كشف الغطاء: لا ريب أن القرآن محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان كما دل عليه صريح القرآن و إجماع العلماء في كل زمان و لا عبرة بالنادر اه و قال الشيخ البهائي:

و الصحيح أن القرآن العظيم محفوظ عن ذلك زيادة كان أو نقصانا و يدل عليه قوله تعالى‏ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏. و عن السيد محسن البغدادي في شرح الوافية: الإجماع على عدم الزيادة و إن المعروف بين أصحابنا حتى حكي عليه الإجماع على عدم النقيصة اه و صنف الشيخ علي بن عبد العال الكركي رسالة في نفي النقيصة، و قال الفاضل المعاصر الشيخ جواد البلاغي النجفي صاحب كتاب الهدى إلى دين المصطفى في مقدمة كتابه آلاء الرحمن في تفسير القرآن: لم يزل القرآن الكريم بحسب حكمة التشريع و المقتضيات المتجددة آنا يتدرج في نزوله نجوما و كلما نزل شي‏ء هتفت إليه قلوب المسلمين و انشرحت له صدورهم و هبوا إلى حفظه بأحسن الرغبة و الشوق و أكمل الإقبال و تناوله حفظهم بما امتازت به العرب و عرفوا به من قوة الحافظة و أثبتوه في قلوبهم كالنقش في الحجر و كان شعار الإسلام و سمة المسلم هو التجمل بحفظ ما ينزل من القرآن لكي يتبصر بحججه و شرائعه و أخلاقه الفاضلة و تاريخه المجيد و حكمته الباهرة و أدبه العربي الفائق المعجز و استمروا على ذلك حتى صاروا في زمان الرسول(ص)يعدون بالألوف و عشراتها و كلهم من حملة القرآن و حفاظه و لما توفي الرسول(ص)فلا يرجى للقرآن نزول تتمة رأي المسلمين أن يسجلوه في مصحف جامع فجمعوا مادته على حين إشراف الألوف من حفاظه فاستمر على هذا الاحتفال العظيم جيلا بعد جيل و لم يتفق لأمر تاريخي من التواتر و بداهة البقاء ما اتفق للقرآن كما وعد الله جلت آلاؤه بقوله: إِنَّا [نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. و قوله: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ. و لئن سمعت في الروايات الشاذة شيئا في ضياع بعضه فلا تقم له وزنا و قل ما يشاء العلم في اضطرابها و وهنها و ضعف رواتها و مخالفتها للمسلمين و ما ألصقته بكرامة القرآن مما ليس به شبه اه.

ثم أورد شيئا من تلك الروايات و ذكر في الحاشية ما روي من أنه جمعه في زمان النبي(ص)معاذ بن جبل و عبادة بن الصامت و أبي بن كعب و أبو أيوب الأنصاري و أبو الدرداء و زيد بن ثابت و سعد بن عبيد و أبو زيد، و إن ممن ختمه و النبي(ص)حي عثمان و علي بن أبي طالب و عبد الله بن مسعود، و قول زيد بن ثابت كنا عند رسول الله أو حول رسول الله(ص)نؤلف القرآن من الرقاع اه.

و بذلك تعلم ما هي قيمة هذه الأراجيف التي يرجف بها هؤلاء على الشيعة و إن هذه الروايات الشاذة التي لا يعول عليها قد رواها شاذ من الفريقين.

و يدل على ذلك ما

عن الجزء الخامس عن مسند أحمد بن حنبل عن أبي بن كعب قال أن رسول الله(ص)قال‏

أن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ:

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ.

فقرأ فيها: لو أن ابن آدم سال واديا من مال فأعطيه لسال ثانيا فلو سال ثانيا فأعطيه لسال ثالثا و لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب و يتوب الله على من تاب و إن ذلك الدين القيم عند الله الحنيفية غير المشركة و لا اليهودية و لا النصرانية و من يعمل خيرا فلن يكفره.

و ذكر رواية أخرى في المسند بعدها بهذا النحو. و نحوه عن جامع الأصول لابن الأثير الجزري. و عن كنز العمال أنه روى هذه الروايات أبو داود الطيالسي و سعيد بن منصور في سننه و الحاكم في مستدركه. و عن السيوطي في الإتقان و الدر المنثور انه اخرج الطبراني و البيهقي و ابن الضريس أن من القرآن سورتين (و قد سماهما الراغب في المحاضرات سورتي القنوت) و نسبوهما إلى تعليم علي و قنوت عمر و مصحفي ابن عباس و زيد بن ثابت و قراءة أبي و أبي موسى (إحداهما) بسم الله الرحمن الرحيم اللهم أنا نستعينك و نستغفرك و نثني عليك الخير و لا نكفرك و نخلع و نترك من يفجرك. (و الثانية) بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك‏

46

نعبد و لك نصلي و نسجد و إليك نسعى و نحفد و نرجو رحمتك و نخشى عذابك الجد أن عذابك بالكافرين ملحق اه إلى غير ذلك. فإذا كان شذاذ منا و منكم سبقهم الإجماع و لحقهم رووا ما اتفق المحققون و الجمهور منا و منكم على بطلانه و دلت ركاكته على أنه ليس من القرآن فكيف تلصقون بنا عيبه و تبرؤون أنفسكم؟ ما هذا بانصاف.

و أعاد الرافعي هذه المهزلة في كتابه (تحت راية القرآن) فقال في صفحة 190 و قديما ما أفسد شيخ الرافضة هشاما (كذا) ابن الحكم الاصحبة أبي شاكر الديصاني أمام الديصانية و كان هذا أبو شاكر رجلا يظهر الإسلام و يبطن الزندقة كما يظهر بعض المستشرقين الميل إلى العربية و ينطوي على هدم الإسلام بهذا الميل و على استعمار أرضه و استعباد أهله و العجب أن مذهب الرافضة هو بعينه مذهب هذه الفئة من المستشرقين فان أكبر شأنهم جحد الرسالة لمحمد(ص)و التكذيب بالقرآن و رد ما أجمعت عليه الأمة اه.

(و نقول): هشام بن الحكم من اجلاء أصحاب الامام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق إمام أهل البيت الطاهر لا من أصحاب الديصاني إمام الديصانية كما زعم الرافعي و لا غيره و يبرأ من الديصاني و من كل زنديق. و على الصادق(ع)تلمذ و منه تعلم و لكن الرافعي ما أفسده إلا التقليد الأعمى و التعصب الذميم فليدلنا الرافعي على ماخذ ما يدعيه إن كان من الصادقين و قد أشرنا عند ذكر كلام ابن حزم و سنبين في ترجمة هشام في بابه إن شاء الله جلالة قدره و كذب ما افترى به عليه.

أما قوله إن بعض المستشرقين يظهر الميل إلى العربية و ينطوي على هدم الإسلام و استعمار أرضه و استعباد أهله فالله يعلم أنه ما مهد للمستشرقين و دولهم و مكنهم من هدم الإسلام و استعمار أرضه و استعباد أهله إلا أمثال الرافعي الذين لا يفترون جهدهم عن تفريق الكلمة و تشتيت شمل المسلمين حتى في مثل هذا العصر الذي استعمرت فيه بلاد المسلمين و استعبد أهلها و يسي‏ء إلى تسعين مليونا من المسلمين و محافظين على أصول الإسلام و فروعه أضعاف ما يدعيه الرافعي لنفسه و يجعل مذهبهم بعينه مذهب من ينطوي على هدم الإسلام و يفتري عليهم بان أكبر شأنهم جحد الرسالة و التكذيب بالقرآن و رد ما أجمعت عليه الأمة، و حاشا الشيعة أن يكون أكبر شأنهم جحد الرسالة فهم الذين اعترفوا بنبوة محمد(ص)و قالوا بعصمته و عصمة جميع الأنبياء(ص)عن الصغائر و الكبائر قبل البعثة و بعدها و عن السهو و النسيان و عن الهجر و بأنه لم يظن إذا أبطا عنه جبرائيل أنه بعث إلى غيره و عن أن يجري الشيطان على لسانه و يزيد في قراءته تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجى، و صدقوا بكتاب ربهم و جعلوا ما أجمعت عليه الأمة دليلا قاطعا كالكتاب و السنة كما تشهد به كتبهم في أصول الفقه و لم يدعوا الإجماع في محل الخلاف و النزاع.

هؤلاء هم الشيعة أيها الرافعي و لو افتريت عليهم ألف افتراء فقديما ما افتري على الأنبياء و المرسلين و نسبوا إلى السحر و الكذب و الجنون فما ضرهم ذلك شيئا.

و من غرائب الرافعي في كتابه هذا الذي سماه تحت راية القرآن انه قال: ما يزال المسلمون يروون إلى اليوم قول ابن الزبعري:

حياة ثم موت ثم نشر* * * حديث خرافة يا أم عمرو

و قال في الحاشية ينسب هذا البيت لأبي نواس أيضا و لديك الجن اه و نسبة البيت إلى ابن الزبعري كنسبة قفا نبك إلى امرئ القيس و بانت سعاد إلى كعب بن زهير لا مساس له بشعر أبي نواس و لا ديك الجن المسلمين باتفاق المسلمين و لكنهما من الشيعة.

و أورد في كتابه المذكور أن طه حسين قال في حق أبي سفيان عند فتح مكة أنه نظر فإذا هو بين اثنتين اما أن يمضي في المقاومة فتقنى مكة و اما ان يصانع و يصالح و يدخل فيما دخل فيه الناس و ينتظر لعل هذا السلطان السياسي الذي انتقل من مكة إلى المدينة و من قريش إلى الأنصار أن يعود إلى قريش و إلى مكة مرة اخرى و ألقى الرماد على هذه النار التي كانت متاججة بين قريش و الأنصار و أصبح الناس جميعا في ظاهر الأمر إخوانا مؤتلفين في الدين و قد طال انتظار أبي سفيان حتى قام حفيده يزيد بن معاوية فانتقم من غزوة بدر في وقعة الحرة و يزيد صورة صادقة لجده أبي سفيان في السخط على الإسلام و ما سنه للناس من سنن اه.

ثم قام الرافعي يدافع عن أبي سفيان و يعدد مناقبه ثم قال: على أن الذي ما يقضى منه العجب ان رأي طه حسين هذا هو بعينه و نصه رأي الرافضة و مذهبهم فقد زعموا أن الصحابة كانوا منافقين في حياة رسول الله(ص)فكيف يتفق كل هذا في كتاب الجامعة و هل الذي فيها أستاذ للآداب أم هو أستاذ للكفر و اه.

و نقول لندع للرافعي مناظرته مع طه حسين و رده عليه و لكنا نسأل الرافعي لما ذا لم يذكر في مناقب أبي سفيان حديث الراكب و السائق و القائد و ما قاله أبو سفيان لما بويع عثمان و ما قاله لما وقف على قبر حمزة و ما جرى له مع علي بن أبي طالب بعد وفاة النبي(ص)و ما كان يقوله في حرب الروم مما حفظه التاريخ و رواه أهل نحلته و لما ذا نسي ذلك و غاب عن ذاكرته (و نقول أيضا): إن الشيعة لم يقولوا و لن يقولوا ان الصحابة كانوا منافقين و لكنهم يقولون إنهم لم يكونوا كلهم على صفة واحدة و وتيرة واحدة بل كانت درجاتهم متفاوتة و يقولون كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ‏ الآية.

و من دلائل انصاف الرافعي و تحريه الحقيقة انه جعل اتباع أهل البيت و شيعتهم مثلا يستشهد به لأقواله بغير ربط و لا مناسبة مما دل على اتقاد نار العداوة و العصبية في قلبه الذي انطق لسانه بكل هذا الفحش و أخرجه إلى سوء القول و نعم الحكم الله.

كلام احمد أمين المصري في حق علي و شيعته‏

تكلم احمد أمين في علي و شيعته في كتابه فجر الإسلام و في كتابه ضحى الإسلام و نحن ننقل كلامه في الكتابين ثم نعلق عليه ما يصل اليه نظرنا سائلين منه تعالى الهداية و التوفيق:

كلامه في فجر الإسلام في علي.

قال في كتاب فجر الإسلام‏ (1): و شخصية رابعة هي أصعب ما يكون تصويرا دخلها من المبالغات و الأكاذيب ما وقف المؤرخ حائرا تلك هي شخصية علي بن أبي طالب فليس هناك من الشخصيات في ذلك العصر ما دار حوله الجدل و أفرط فيه المحبون و الكارهون و اختلق حوله المختلقون‏

____________

(1) ج 1(ص)182 الطبعة الرابعة ..

47

و تاسست من أجله المذاهب الدينية كالذي كان لشخصية علي.

(و نقول): هذا دليل على عظم شخصية علي (ع) و انها لا تماثلها شخصية في ذلك العصر فلذلك دار الجدل حولها و أفرط فيها المحبون و الكارهون و تاسست من أجلها المذاهب الدينية و كان عليه ان يعترف بذلك- و قد اعترف به ضمنا- و أما انه دخلها المبالغات و الأكاذيب و اختلق حولها المختلقون- فمع تسليمه- هو من أوضح الادلة على عظم تلك الشخصية لجريان العادة بان من اشتهر بشي‏ء أضيف إليه كثير مما هو من سنخ ذلك الشي‏ء. و لكن ما يزعمونه مبالغات و أكاذيب و اختلاق لعله دون الواقع لأنهم لا ينظرون عليا بالعين التي يجب ان ينظر بها. و العداوة له و التحامل عليه الذي نما و نشا في الناس مع نشاة علي كما بيناه في الجزء الثالث في سيرته و خوف أوليائه أوجب إخفاء كثير من مميزاته و كان الظاهر منها دون الواقع لا أزيد منه كما أشار اليه من قال: ما أقول في رجل أخفى فضائله اعداؤه حسدا و أولياؤه خوفا و ظهر من بين ما ملأ الخافقين. فليس الذي يوقف المؤرخ حائرا هو كثرة ما ورد لعلي من الفضائل و المزايا الذي زعمه مبالغة و كذبا، إنما الذي يوقف المؤرخ حائرا إنه كيف ظهرت هذه الفضائل و المزايا بين تحامل الأعداء و خوف الأولياء. و بعد فلا موجب لوقوف المؤرخ حائرا فالشمس الضاحية لا يمكن أحد إخفاءها و جحدها و إن لم ترها و جحدتها عين عمياء أو رمداء رأتها عيون كثيرة صحيحة. و إذا وقف مؤرخ جاء في زمن متأخر حائرا مدهوشا أمام شخصية علي و استكبر و استعظم ما ورد لعلي من الفضائل و المزايا فالمؤرخون السالفون من جميع مذاهب المسلمين قد رووها و اعترفوا بها و لم يمكنهم اخفاؤها و لا إنكارها حتى قال الامام احمد بن حنبل و القاضي إسماعيل بن اسحق و النسائي: لم يرو في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما روي في فضائل علي بن أبي طالب، حكاه في الاستيعاب، إلى أن جاء في هذا الزمان من يزعم أن فيها مبالغات و أكاذيب تقليدا لأمثال ابن حزم المعلوم حالهم في التحامل الشديد على علي و أتباعه. و إن قال قائل بوقوع المختلقات و الأكاذيب ضد علي في زمن بني امية بما كانوا يبذلونه من الأموال و في زمن غيرهم إلى يومنا هذا كان مصيبا و لكن ذلك لا يوقف المؤرخ موقف الحيرة فالعداوة و الحسد تبعث على أكثر من ذلك.

قال: فقد رووا عنه 686 حديثا مسندا إلى رسول الله(ص)لم يصح منها إلا نحو خمسين. و ذكر في الحاشية أن قائل ذلك ابن حزم في الملل و النحل.

(و نقول): علي (ع) كان ملازما للنبي(ص)من صغره و بلوغه سن التمييز إلى ساعة وفاة النبي(ص)في سفره و حضره و ليله و نهاره و حربه و سلمه فلا شك انه سمع منه و روى عنه ألوف الأحاديث لا هذا المقدار وحده و لكن الخوف الشديد أوجب الكثيرين ان يكتموا ما سمعوه منه فلم يكن يجسر أحد أيام الملك العضوض أن يروي عنه حديثا، و بعضهم كان يقول إذا حدث عنه أخبرني أبو زينب. و ابن حزم المعلوم حاله في التحامل و التعصب في كتبه في الملل و النحل لا يستغرب منه ان يقول لم يصح عنه إلا نحو خمسين. و صاحب الفجر لم يكن له بد من أن يقلده في ذلك. قال: و نسبوا إليه ديوان شعر و يقول المازني انه لم يصح انه تكلم بشي‏ء من الشعر غير بيتين.

(و نقول): هذا أيضا من ذلك الروي و على تلك القافية فقد بلغ الحال ان ينكر كل فضل لعلي يمكن إنكاره حتى الشعر الذي لا يؤبه له و قد صح انه تكلم بشعر كثير غير البيتين المحكيين عن المازني، روى ذلك ثقات المؤرخين أمثال نصر بن مزاحم و غيره مثل:

(لمن راية حمراء يخفق ظلها* * * لهمدان أخلاق و دين يزينها)

و غير ذلك مما جمعناه في ديوانه على الرواية الصحيحة. نعم الديوان المنسوب إليه لم يصح أنه جميعه له بل علم ان بعضه ليس له.

قال‏ (1): و نسبوا اليه ما في نهج البلاغة و قد شك في مجموعة النقاد قديما و حديثا كالصفدي و هوار (الفرنجي في كتابه الأدب العربي) و استوجب هذا الشك ما في بعضه من سجع منمق و صناعة لفظية لا تعرف لذلك العصر

كقوله‏

: أكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير و أصلك الذي اليه تصير.

و ما فيه من تعبيرات إنما حدثت بعد ان نقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية و بعد أن دونت العلوم‏

كقوله‏

: الاستغفار على ستة معان الايمان على أربع دعائم‏

، و كالذي فيه من وصف الدار و تحديده بحدود هي أشبه بتحديد الموثقين‏

كقوله‏

: و تجمع هذه الدار حدود اربعة الحد الأول ينتهي إلى دواعي الآفات إلخ‏

هذا إلى ما فيه من معان دقيقة منمقة على أسلوب لم يعرف إلا في العصر العباسي كما ترى في وصف الطاوس.

(و نقول): الحق ان الذين أظهروا الشك فيه ليسوا هم النقاد فالنقاد يجزمون لأول وهلة بان هذا الدر لم يكن ليخرج إلا من ذلك البحر و هذا الجوهر ليس إلا من ذلك المعدن فنهج البلاغة له منه عليه شواهد.

و إن الذي استوجب إظهار الشك ليس هو الأمور التي ذكرها و إنما الذي استوجبه- كما قاله الأمير شكيب ارسلان في مجمع بدمشق- هو اشتماله على بعض الكلام في حق الصحابة المقدسين في نظرهم و الذي لا تقبل عقولهم ان يقول علي فيهم مثل هذا الكلام فالتجاوا إلى إظهار التشكيك في الكتاب كله. أما المستشرقون المبشرون أمثال هوار فالذي استوجب تشكيكهم فيه معروف معلوم يرجع إلى التبشير. و ليس شي‏ء أغرب و أعجب من استشهاد المسلمين مثل مؤلف الفجر بأقوال أمثال هوار فما الذي يعرفه هوار و غيره من المستشرقين من أساليب اللغة العربية و بلاغتها مهما بلغوا في تعلمها حتى يشككوا في نهج البلاغة و هم لا تزال العجمة غالبة عليهم.

و من المؤسف أن يعمد المسلمون إلى أعظم مفخرة للإسلام فيشككوا فيها و تبلغ بهم الغفلة إلى ان يمشوا وراء المبشرين في ذلك. و من الغريب الاستناد في التشكيك إلى هذه الأمور الواهية التي ذكرها فالسجع و الصناعة اللفظية إذا جاءت عفوا بلا تكلف هي من أقوى أنواع البلاغة و هي موجودة في القرآن الكريم و في خطب ذلك العصر و كتبه. و مثل الاستغفار على ستة معان و الإيمان على اربع دعائم ليس من الأمور الغامضة التي لا يمكن الاهتداء إليها إلا بالتعلم من فلسفة اليونان و تدوين العلوم. و كذلك وصف الدار و تحديدها و هل علمنا ان من كان يشتري دارا أو عقارا في ذلك العصر لا يكتب به وثيقة و لا يحدده بتحديد الموثقين. و اشتماله على المعاني الدقيقة المنمقة أحرى بان يكون شاهدا لكونه من كلام أمير المؤمنين، و من أكثر غوصا على المعاني الدقيقة و أعرف بتنميقها منه.

قال: و حكايته مع أبي الأسود الدئلي في وضع النحو معروفة مشهورة كل‏

____________

(1) فجر الإسلام(ص)183 الطبعة الرابعة.

48

هذا ما يجعل من العسير على المؤرخ الناقد وصف شخصيته العلمية وصفا يطمئن اليه. ما في نهج البلاغة و ما روي عنه من الحكم و الأمثال أيه له و أيه ليس له. و ما صدر عنه من الأحكام و ما استشاره فيه الخلفاء أيه يصح عنه و أيه لا يصح، كل هذه الأشياء لا تزال مجالا للبحث.

(و نقول): كل هذا الذي قال عنه انه يجعل من العسير على المؤرخ الناقد وصف شخصية علي العلمية. الحق انه يجعل من السهل جدا على المؤرخ الناقد المجرد عن التقليد وصف شخصية علي من جميع نواحيها لا في العلم فقط بأنها شخصية فذة لا تدانيها شخصية بعد شخصية الرسول(ص)فان ما رواه المؤالف و المخالف من فضائله في العلم و غيره و شاع و ذاع عنه من أعدائه قبل أوليائه إن لم يكن كل واحد منه متواترا تواترا لفظيا فمجموعه متواترا تواترا معنويا و نهج البلاغة قد عرفت الكلام فيه و ما روي عنه من الحكم و ما صدر عنه من الأحكام و الاستشارة حاله ما روي عنه من الفضائل و ليس شي‏ء من ذلك كله مجالا لبحث و لا لتشكيك بل هو اجلى من الشمس الضاحية لو لا ربقة التقليد.

ثم حكى‏ (1) عن الطبقات في المقارنة بينه و بين ابن عباس بان ابن عباس كان أعلمهما بالقرآن و كان علي أعلمهما بالمبهمات.

(و نقول) هذا من أنواع الغض من علي بكل وسيلة فابن عباس تلميذ علي و خريجه و أين مرتبته العلمية من مرتبة علي؟.

قال‏ (2): و كذلك كان يفعل جعفر الصادق بالمدينة (أي له حلقة في المسجد بالمدينة يؤخذ عنه فيها العلم) قالوا و كان يشتغل بالكيمياء و الزجر و الفال.

(و نقول) اشتغاله بذلك من الأكاذيب التي لا تستند إلى مستند.

و قال‏ (3): أكثر من روي عنه في تفسير القرآن علي بن أبي طالب و عبد الله بن عباس و عبد الله بن مسعود و أبي بن كعب. و ترتيبهم بحسب كثرة ما روي عنهم لا بالنسبة لما صح، أولهم ابن عباس ثم ابن مسعود ثم علي ثم أبي و يظهر انه وضع على ابن عباس و علي أكثر مما وضع على غيرهما لأسباب أهمها أن عليا و ابن عباس من بيت النبوة فالوضع عليهما يكسب الموضوع ثقة و تقديسا و منها انه كان لعلي من الشيعة ما لم يكن لغيره فأخذوا يضعون و ينسبون له ما يظنون انه يعلي من قدره العلمي و ابن عباس كان من نسله الخلفاء العباسيون يتقرب إليهم بكثرة المروي عن جدهم. انظر إلى ما

روى ابن أبي حمزة عن علي:

لو شئت أن اوقر سبعين بعيرا من أم القرآن (الفاتحة) لفعلت‏

و ما

روي عن أبي الطفيل‏

شهدت عليا يخطب و هو يقول سلوني فو الله لا تسألوني عن شي‏ء إلا أخبرتكم و سلوني عن كتاب الله فو الله ما من آية إلا و أنا اعلم أ بليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل‏

، و مجرد رواية هذين الحديثين يغني عن التعليق عليهما.

و نقول في هذا الكلام: (أولا) إنه جعل المروي عن ابن مسعود أكثر من المروي عن علي و قال انه وضع على علي و ابن عباس أكثر مما وضع على غيرهما و إذا كان ما وضع على علي أكثر مما وضع على ابن مسعود فكيف صار ما روي عن ابن مسعود أكثر مما روي عن علي و علي أكثر ملازمة للنبي(ص)من ابن مسعود و كل واحد فلا بد ان تكون روايته عنه أكثر و إذا انضاف إليها ما وضع عليه بزعمه صار أكثر و أكثر فكيف صار ما رواه ابن مسعود أكثر؟ ما هذا إلا تناقض!.

(ثانيا) إذا كان الوضع على علي و ابن عباس يكسب الموضوع ثقة و تقديسا لكونهما من بيت النبوة فاولى ان يضع الواضع على الرسول لأنه يكسب الموضوع ثقة و تقديسا أكثر و إذا كان الواضع ليس صحابيا يمكنه إسناد الحديث إلى الرسول(ص)بواسطة الصحابي.

(ثالثا) كما ان لعلي شيعة فلعثمان شيعة لا تقل عن شيعة علي فلم لم يضعوا و ينسبوا اليه ما يظنون أنه يعلي من قدره العلمي؟

(رابعا) قدر علي العلمي علي بنفسه بما تواتر و شاع و ذاع و ملأ بطون الدفاتر لا يحتاج إلى أن يضع شيعته له ما يرفع من قدره و إنما يحتاج إلى ذلك من كان يرجع إلى علي في المشكلات.

(خامسا) ابن عباس صحب عليا و تخرج عليه و صحب النبي(ص)و أخذ عنه فإذا روي عنه في التفسير شي‏ء كثير لم يكن مستبعدا و لا مستغربا حتى يدعى ان ذلك موضوع للعلة المذكورة.

(سادسا) علي باب مدينة علم الرسول(ص)فلا يستبعد منه ان يوقر سبعين بعيرا من تفسير الفاتحة و هي أم الكتاب و القرآن الكريم فيه تبيان كل شي‏ء و هو قد ذكر سابقا (4) نقلا عن طبقات ابن سعد ان عليا كان يهتم بالقرآن و يعرف معانيه و فيم نزل حتى زعموا انه كتبه على تنزيله هذا مع شيوع المبالغة في لسان العرب.

(سابعا)

قول علي‏

لا تسألوني عن شي‏ء إلا أخبرتكم‏

قد استفاض عنه و كذلك‏

قوله‏

سلوني عن كتاب الله إلخ‏

رواه أصحاب الاستيعاب و الاصابة و الإتقان و غيرهم كما ياتي في الجزء الثالث عند ذكر مناقبه و فضائله، و السنن لا ترد بهوى النفوس و الاستنكار بلا مبرر و إذا كان علي قد لزم الرسول(ص)من طفولته إلى آخر عمر النبي(ص)فهل يستنكر و يستبعد ان يعلم كل آية أ بليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل حتى يكون مجرد روايتها مغنيا عن التعليق عليها لو لا العصبية و الهوى؟.

و قال‏ (5) نقلا عن ابن أبي الحديد ان الشيعة وضعت أحاديث في الفضائل عداوة لخصومهم فوضعت البكرية أحاديث في مقابلتها فلما رأت الشيعة ذلك أوسعوا في وضع الأحاديث فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في علي و ولديه و لقد كان الفريقان في غنية عن ذلك و لقد كان في فضائل علي الثابتة الصحيحة و فضائل أبي بكر المحققة المعلومة ما يغني عن تكلف العصبية لهما.

(و نقول): سواء أ كان ما ادعاه ابن أبي الحديد على الشيعة حقا أو باطلا فقد شاركتهم البكرية فيه و كون الشيعة هم المبتدئين بذلك يحتاج إلى تحقيق فعلي كان غنيا بفضائله باعتراف خصوم الشيعة انه لم يرد لأحد من الصحابة من الفضائل ما ورد له كما مر عن الامام احمد بن حنبل و غيره و بذلك يصعب التصديق بأنهم وضعوا أو ابتدأوا بالوضع مع ما ذكره‏ (6) عن‏

____________

(1) فجر الإسلام(ص)184 الطبعة الرابعة.

(2) فجر الإسلام(ص)203 الطبعة الرابعة.

(3) فجر الإسلام(ص)249 الطبعة الرابعة.

(4) فجر الإسلام(ص)184 الطبعة الرابعة.

(5) فجر الإسلام(ص)360- 361 الطبعة الرابعة.

(6) فجر الإسلام(ص)261 الطبعة الرابعة.

49

ابن عرفة ان أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني امية تقربا إليهم بما يظنون انهم يرغمون به انوف بني هاشم. فان ذلك يرشدنا إلى أن الواضعين أو المبتدئين بالوضع من غيرهم لا منهم. و بعد فلو صح أن الشيعة وضعت شيئا في الفضائل فما اخفي منها عداوة و حسدا شي‏ء كثير و ما وضع في فضائل غيره أكثر و أكثر.

و ذكر (1) كلاما طويلا حاصله انه بعد انقطاع الوحي و اتساع المملكة الإسلامية واجه المسلمون مسائل كثيرة في كل شان من شئون الحياة و احتاجوا إلى تشريع لم يكونوا يحتاجون إليه و هم في جزيرة العرب إلى أن قال و أحوال في الزواج لم يكن يعرفها العرب و أنواع في طريقة التقاضي لم يكن لهم بها عهد و جنايات ترتكب لم يرتكبها العرب في حياتهم البسيطة و لم يدع أحد ان القرآن و السنة الصحيحة نصا في المسائل الجزئية على كل ما كان و ما هو كائن فنتج عن هذا ان كان أصل آخر من أصول التشريع و هو الرأي الذي نظم بعد و سمي بالقياس.

(و نقول): لو سلمنا ان الكتاب و السنة لم ينصا على جميع جزئيات المسائل ففي الكتاب و السنة و حكم العقل القطعي و الإجماع قواعد كلية يمكن إرجاع جميع تلك الجزئيات إليها مثل أصل الاباحة الثابت بقبح العقاب بلا بيان و بقوله تعالى‏ (وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) فيعلم منه حكم كل ما شك في وجوبه أو تحريمه مما لا ضرر فيه. و مثل الناس مسلطون على أموالهم. لا يحل مال امرئ الا عن طيب نفسه إلى غير ذلك من القواعد الثابتة في الشرع التي يمكن إرجاع جميع الجزئيات إليها و لذلك لما اعترض الامام أبو حنيفة على محمد بن النعمان الأحول المعروف بمؤمن الطاق بأنكم حيث لا تعملون بالقياس تبقون متحيرين في بعض الفروع فلو خرج بعير من البحر ما تصنعون به؟ قال: ان كان له فلس أكلناه و إلا فلا سواء أ كان بعيرا أم ناقة.

قال: (2) جرى على هذا كثير من الصحابة فكانوا يستعلمون رأيهم حيث لا نص كما جرى يوم السقيفة فالمحضر الذي ذكره المؤرخون لاجتماع السقيفة يدلنا على كيفية استعمال رأيهم و تقليب الأمر على وجهه.

(و نقول): (أولا) بعد أن نعتقد أن الصحابة يجوز عليهم الخطا فمع تسليم أنهم عملوا بارائهم ليس لنا أن نقلدهم و لم يقم دليل على جواز تقليدهم فليس لنا العمل بالرأي لكون بعض الصحابة عمل به سواء أ كان من نوع القياس أم لا.

(ثانيا) إن الذي جرى يوم السقيفة لم يكن من نوع القياس و لا علاقة له بالقياس كما هو ظاهر.

(ثالثا) النبي الذي لم يترك صغيرا و لا جليلا من أحكام الشرع إلا بينه في العبادات و المعاملات و السياسيات و الاخلاقيات و الاجتماعيات و الحدود و الديات حتى بين حكم من يقتل حيوانا في حال الإحرام و كيف يجب أن يدخل الولد على أبيه لا يمكن أن يهمل أمرا هو أهم أمور الإسلام و هو الخلافة و يكله إلى آراء الناس المختلفة المتضاربة المتأثرة بالشهوات و حب الذات. (رابعا) إن الذي جرى يوم السقيفة لم يدلنا على أنهم استعملوا رأيهم بل كانت هناك أحزاب ثلاثة كل يطلب الامارة لنفسه كما مر بيانه فيما مضى ثم تغلب أحد الثلاثة على الآخرين و تهددوا من تخلف بالقتل كما جرى لسعد أو بالتحريق عليه كما جرى لعلي فأين هو الرأي و القياس؟

(خامسا) القياس لم يستطع مثبتوه أن يقيموا عليه دليلا مقنعا كما بين في الأصول.

قال: (3) في مسألة الجد مع الإخوة أن ابن عباس قال الجد يحجبهم كالأب و قال علي و عمر يرث معهم.

(و نقول): إن كانوا قالوا ذلك بارائهم فليس لهم ذلك لأن الدين يكون بالوحي لا بالرأي و عندنا أن النبي لا يقول برأيه بل بما أوحي إليه فكيف بالصحابي، و المروي عن أهل البيت في ذلك أن الجد كالأخ و قد رووه عن جدهم الرسول(ص)و لم يقولوه بارائهم.

و قال أيضا في مسألة من ماتت عن زوج و أبوين: أعطى زيد بن ثابت الأم ثلث ما بقي فقال ابن عباس اين وجدت في كتاب الله ثلث ما بقي فقال زيد أقول برأيي و تقول برأيك.

(و نقول) في هذه المسألة للزوج النصف و للأم الثلث و الباقي و هو السدس للأب و قول زيد أن للأم ثلث النصف و للأب الثلثين مردود عليه و لذلك قال له ابن عباس أين وجدت في كتاب الله ثلث ما بقي لأن القرآن دال على أنه ثلث الأصل فهو لم يقل برأيه و إن كان زيد قال أقول برأيي فليس له ذلك.

و استشهد بقول عمر بن عبد العزيز لعياض قاضي مصر حين كتب إليه يسأله عن مسألة فأجابه لم يبلغني فيه شي‏ء فاقض فيه برأيك.

(و نقول): إن كان أراد بالقضاء برأيه الاستنباط من أدلة الشرع و إلا فهو مخطئ.

و قال: الأمثلة الواردة في ذلك كثيرة جدا.

(و نقول): الحق لا يثبت بكثرة الأمثلة.

و قال: (4) و المتتبع يرى أنهم كانوا يستعملون كلمة الرأي بالمعنى الذي نفهمه الآن من كلمة العدالة و بعبارة أخرى ما يرشد الذوق السليم مما في الأمر من عدل و ظلم و فسره ابن القيم بأنه ما يراه القلب بعد فكر و تأمل و طلب لمعرفة وجه الصواب ثم استشهد بما روي أن عمر بن الخطاب لما استشار في ميراث الجد و الإخوة قال زيد و كان رأيي أن الجد أولى فضربت له مثلا بشجرة تشعب من أصلها غصن ثم تشعب في ذلك خوطان أ لا ترى أن أحد الخوطين أقرب إلى أخيه من الأصل و هو يأبى إلا أن الجد أولى من الإخوة.

(و نقول) سواء أ كانوا يستعملون الرأي في معنى كلمة العدالة أو غيرها أم لا فالرأي ليس من أدلة الأحكام الشرعية و العدالة لا تكون بالحكم بالرأي الذي يخطئ و يصيب بل ذلك عين الظلم و الأحكام لا تدرك بالأذواق و العدل الحكم بما حكم الله و الظلم الحكم بخلافه و الذوق ليس معبرا عن إرادة الله و القلب في الأحكام الشرعية أعمى إلا من طريق الدليل و لا يفيده الفكر و التأمل إلا في تحصيل الدليل لا في الأخذ بالرأي.

و معرفة وجه الصواب لا تكون إلا بالنظر في الدليل من وجوهه الخاصة لا

____________

(1) فجر الإسلام(ص)288 الطبعة الرابعة.

(2) فجر الإسلام(ص)289 الطبعة الرابعة.

(3) فجر الإسلام(ص)290 الطبعة الرابعة.

(4) فجر الإسلام(ص)290- 291 الطبعة الرابعة.

50

من الرأي و تمثيل زيد بالشجرة- إن صح- لا يرتكز على أساس فليست الأحكام الشرعية بضرب الأمثال و إن كان الأمر كذلك فكيف ورث الأخ مع البنت بالتعصيب على أن هذا ينافي ما مر من أن عمر و عليا قالا بإرث الإخوة مع الجد.

و استشهد (1) بقصة رجل قتلته امرأة أبيه و خليلها فتردد عمر هل يقتل الكثير بالواحد فقال له علي أ رأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور فاخذ هذا عضوا و هذا عضوا أ كنت قاطعهم قال نعم قال كذلك هذا فعمل عمر برأيه.

(و نقول): هذا استنباط من الدليل لا عمل بالرأي فالقاتل يصدق على كليهما كالسارق.

(و قال) في المسألة المشتركة (و هي المعروفة بالحمارية) و هي امرأة توفيت عن زوج و أم و أخوة لأم و أخوة أشقاء كان عمر يعطي للزوج النصف و للأم السدس و للأخوة لأم الثلث فلا شي‏ء للأخوة الأشقاء فقيل له هب إن أبانا كان حمارا أ لسنا من أم واحدة فعدل رأيه و أشرك بينهم.

(و نقول): للأم هنا الثلث لأنها ليست بمحجوبة إذ من شرط الحجب وجود الأب و إن صحت هذه القصة كانت أدل على بطلان العمل بالرأي.

قال: (2)

و لما سئل علي في عقوبة شارب الخمر قال من شرب هذى و من هذى افترى فأرى عليه حد المفتري‏

- و هو القاذف-.

(و نقول): إن كان شارب الخمر ورد له حد في الشرع- و قد ورد له في السنة- فليس هذا رأيا من علي إنما هو استنباط حكمة تناسب علم علي و إن لم يرد له كان تعزيره موكولا إلى رأي الامام و ما استنبطه في ذلك يدل على علم غزير و كيف كان فلا دلالة له على العمل بالرأي.

قال: (3) و لعل عمر كان أظهر الصحابة في استعمال الرأي و كان هذا من توفيق الله للمسلمين بل يظهر أنه كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الذي ذكرناه و هو استعمال الرأي حيث لا نص من كتاب و لا سنة و لكننا نرى عمر سار أبعد من ذلك فكان يجتهد في تعرف المصلحة التي لأجلها كانت الآية أو الحديث ثم يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه مثل ما روي عنه أنه منع المؤلفة قلوبهم و مزق كتاب أبي بكر الذي كتبه بأرض لعيينة بن حصن و الأقرع بن حابس و قال ان الله أعز الإسلام فان ثبتم عليه و إلا فبيننا و بينكم السيف و بعدم قطعه أيدي غلمة حاطب و قد أقروا بالسرقة لما علم أنهم كانوا جياعى لو أكلوا ما حرم الله عليهم حل لهم.

(و نقول): بعد ما عرفت أن استعمال الرأي في الدين غير صواب لم يعقل أن يكون استعماله توفيقا للمسلمين بل هو من عدم توفيقهم، و قول الصحابي لم يقم دليل على أنه حجة و لا عد من أدلة الأحكام و أما استشهاده بقصة الكتاب للأقرع و عيينة فخرج عن الموضوع لأن حاصل القصة أن أبا بكر كان يتالفهما و في زمن عمر لم يبق موجب لتالفهما فأين هذا من استعمال الرأي في مورد النص و كذلك عدم قطع أيدي غلمة حاطب لأن من كان يحل له أكل الميتة لجوعه لا يقطع في السرقة فان كان الغلمة كذلك لم يكن عملا بالرأي و إلا وجب قطعهم، نعم إسقاط حي على خير العمل من الأذان بعد ما كانت على عهد رسول الله(ص)لئلا يترك الناس الجهاد و جعل الطلاق الثلاث ثلاثا بعد ما كان على عهد الرسول و أبي بكر و سنتين من خلافة عمر واحدة كما سياتي في الذي بعده و غير ذلك هو من العمل بالرأي مقابل النص.

قال: (4) و مثل ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله(ص)و أبي بكر و سنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه.

(و نقول): كان من أثر هذا الرأي الذي هو من جملة توفيق الله للمسلمين عند الأستاذ أحمد أمين أن الرجل إذا غضب على زوجته و قال لها أنت طالق ثلاثا أن تحرم عليه و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فيضطر هذا المسكين بعد أن يؤوب إليه رشده إلى أن يستدعي رجلا مستورا إلى بيته فيعشيه و يزوجه بزوجته و يدخله عليها لأنه وقع بين مصائب: إما فراق زوجته التي عليها قيام بيته و تربية أولاده و إما بقاؤه معها الذي يعتقد أنه زنا و إما تزويجها برجل في بيته و على فراشه فيختار الأخير و إن نافى مروءته و شهامته لا سيما إذا كان الطلاق يصح باللفظ العامي الملحون لأنه من الآراء التي فيها التوفيق للمسلمين و في حال الحيض و إن كان بدعة و في طهر المواقعة و بدون شاهدين عدلين و إن خالف قوله تعالى: (وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ). و هذا هو الذي لا يحتاج إلى تعليق عليه و يكتفي بمجرد نقله لا ما قاله في بعض الأحاديث الواردة في فضل علي كما مر.

و من عجيب آراء الأستاذ أحمد أمين قوله في فجر الإسلام: (5) أن الأحاديث الموضوعة نفسها كان لها فضل في التشريع فإنها لم توضع اعتباطا و لا كانت مجرد قول يقال إنما كانت في الغالب نتيجة تفكير فقهي و بحث و اجتهاد ثم وضع هذا الرأي و هذا الاجتهاد في قالب حديث. و هذا هو الذي لا يحتاج إلا لمجرد نقله بدون تعليق عليه لا ما زعمه من بعض الأحاديث الواردة في فضل علي كما مر. و ما كنا نحسب أن نصل إلى زمان يعد فيه لوضع الأحاديث على الرسول(ص)فضل على التشريع. و لعل المتتبع لكتابه الفجر و الضحى يجد من هذا القبيل شيئا كثيرا.

و قال: (6) كانت البذرة الأولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي(ص)أن أهل بيته أولى أن يخلفوه.

(و نقول): بل البذرة الأولى للشيعة كانت في عهد النبي(ص)و قد بذرها النبي(ص)بما كان ينوه به من فضله مثل‏

أنت مني بمنزلة هارون من موسى‏

و غيره.

قال: و ظهرت فكرة الدعوة لعلي بسيطة كما يدل عليه التاريخ و تتلخص في أن لا نص على الخليفة فترك الأمر لأعمال الرأي فالأنصار أداهم رأيهم إلى أنهم أولى بها و المهاجرون كذلك و أصحاب علي إلى أن الخلافة ميراث أدبي و لو كان النبي يورث في ماله لكان أولى به قرابته فكذلك الإرث الأدبي.

____________

(1) فجر الإسلام(ص)291 الطبعة الرابعة.

(2) فجر الإسلام(ص)291 الطبعة الرابعة.

(3) فجر الإسلام(ص)292 الطبعة الرابعة.

(4) فجر الإسلام(ص)293 الطبعة الرابعة.

(5) فجر الإسلام(ص)301 الطبعة الرابعة.

(6) فجر الإسلام(ص)326 الطبعة الرابعة.

51

(و نقول): فكرة الدعوة لعلي سواء أ كانت بسيطة أم مركبة هي فكرة في أمر من أهم أمور الإسلام و الحق أن التاريخ لم يدل على أنها بسيطة و لا تتلخص فيما ذكره بل تتلخص في أن النبي(ص)نص على علي يوم الغدير و لما أحس بدنو أجله أراد إنفاذ جيش بامرة اسامة و أمره على وجوه المهاجرين و الأنصار لئلا يبقى عند موته في المدينة من يطمع في منازعة علي فلم ينفذ ذلك الجيش و أراد أحكام الأمر بان يكتب لهم كتابا لا يضلون بعده أبدا فقال بعضهم حسبنا كتاب ربنا و نسبوه إلى الهجر و تحامل إلى المحراب و هو في أشد المرض ليدفع الشبهة.

(و الخلافة) عرفها أهل الكلام بأنها رئاسة عامة في أمور الدين و الدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي(ص)فالخليفة نائب عن النبي و قائم مقامه و النبي جاء بالشريعة من عند ربه و الخليفة حافظ لها من الزيادة و النقصان حاكم بين الناس بالعدل حافظ للثغور و كما يجب على الله تعالى من باب اللطف بعباده أن يرسل إليهم رسولا يعرفهم الحلال من الحرام و يحكم بينهم بالعدل و يحمي ثغورهم كذلك يجب أن ينصب لهم إماما بعد النبي يقوم بذلك و كما يجب في النبي أن يكون معصوما ليقبل قوله و لا يسقط من القلوب محله كذلك يجب في الامام أن يكون معصوما للعلة نفسها، و لقوله تعالى‏ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏. و الخلافة عهد من الله و العاصي ظالم لنفسه فلا ينالها.

و الأنصار أو بعض الأنصار قالوا لا نبايع إلا عليا رواه الطبري.

و المهاجرون كان كثير منهم موتورين من بني هاشم و خصوصا من علي و منافسين له فمالوا عنه و الأنصار مال أحد رؤسائهم أسيد بن حضير رئيس الأوس مع المهاجرين حسدا لسعد رئيس الخزرج لما رأوا سعدا لم ينجح في طلبها و أصحاب علي كانوا يرون أن عليا أحق بها كغيرهم بالنص و الفضل و لا يرونها ميراثا أدبيا كما زعم و أين الميراث الأدبي من أمر هو من أهم الأمور الدينية لكنهم لما رأوا الأكثر مالوا عن علي كانوا مقهورين على أتباعهم و كذلك علي. و النبي يورث في ماله بنص القرآن و لذلك طالبت بإرثه ابنته و لم تقنع‏

بخبر الواحد

: نحن معاشر الأنبياء لا نورث‏

، و ظلت مصرة على المطالبة و ماتت غاضبة بنص رواية البخاري، و أوصت أن تدفن سرا و دفنت سرا و لو كان النبي لا يورث لوجب أن يعلمها بذلك لئلا تطالب بغير حقها و إلا كان النبي- و حاشاه- مقصرا في التبليغ و لو أعلمها لما طالبت فهي كانت أورع و أتقى من أن تطالب بما ليس لها بحق و تبقى مصرة على المطالبة. سواء أ كان النبي(ص)يورث أم لا فالخلافة ليست بالميراث فكون النبي يورث في ماله أو لا يورث لا دخل له بالخلافة كما توهم.

(قال): و لم يرد من طريق صحيح أن عليا ذكر نصا من آية أو حديث يفيد أن رسول الله(ص)عينه للخلافة و لو كان لديه نص و ذكره لما بقي الأنصار و المهاجرون على رأيهم و لبايعوه.

(و نقول): النص على أن النبي(ص)عينه للخلافة يوم الغدير ثابت موجود ذكرناه مفصلا في الجزء الثاني و الجزء الثالث أما أنه ذكره أو لم يذكره فالله أعلم بذلك و أما أنه لو كان لديه نص و ذكره لبايعه المهاجرون و الأنصار فقد كان لديه نص يوم الغدير كما سمعت و سمعوه و مع ذلك لم يبايعوه للسبب الذي مر و ما يفيد ذكره للنص و هم يتهددونه بتحريق البيت عليه إن لم يخرج للبيعة فيقال لهم إن فيه فاطمة فيقولون و إن.

(قال): بل ما بأيدينا من تاريخ يدل على أن عليا بايع أبا بكر و إن كان بعد تلكؤ كما بايع عمر و عثمان من بعده. و كل ما صح عن علي أنه كان يرى أنه كان أولى بالأمر منهم و يحتج بأنه و أهل بيته الثمرة و قريش الشجرة و الثمرة خير ما في الشجرة.

(و نقول): نعم بايع أبا بكر لكن بعد ما ذا و هل في وسعه أن لا يبايع عمر بعد ما نصبه الخليفة السابق خليفة من بعده أو في وسعه أن لا يبايع عثمان بعد ما أمر الخليفة الثاني بقتل من خالف نتيجة الشورى، و احتجاجه بأنهم حفظوا الشجرة و ضيعوا الثمرة ردا على ما احتج على الأنصار بان قريشا شجرة النبي ما كان إلا تالما و توجعا و بيانا لوهن هذا الاحتجاج لا إنه ليس له حجة سواه و ما يفيد الاحتجاج و قد سبق السيف العذل.

(و قال): و

يروي البخاري عن ابن عباس‏

أن عليا خرج من عند النبي(ص)في وجعه الذي توفي فيه (إلى أن قال) فاخذ بيده العباس و قال أنت و الله بعد ثلاث عبد العصا و إني و الله لأرى رسول الله(ص)سيتوفى من وجعه هذا فاذهب بنا إليه نسأله فيمن هذا الأمر فان كان فينا علمناه و إن كان في غيرنا كلمناه فاوصى بنا فقال علي ان سالناها فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده و إني و الله لا أسالها.

(و نقول): الثابت في ذلك ما رواه المفيد في إرشاده من أنه لما طلب الدواة و الكتف ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده أبدا و قالوا ما قالوا أعرض بوجهه عنهم فنهضوا و بقي عنده العباس و ابنه الفضل و علي بن أبي طالب و أهل بيته خاصة فقال له العباس يا رسول الله إن يكن هذا الأمر فينا مستقرا من بعدك و إن كنت تعلم أنا نغلب عليه فأوص بنا فقال أنتم المستضعفون من بعدي الحديث. أما الحديث الذي ذكره فلا يكاد يصح فالخلافة إن كانت أمرا إلهيا وجب على النبي بيانها و لم يحتج إلى السؤال عنها و إن كانت باختيار الناس فلا معنى لسؤاله عنها لأنها تكون فيمن اختارته الأمة و كيف يقول علي و إن سالناها فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده فإعطاؤها و منعها عندكم ليس بيد الرسول(ص)حتى يعطيها أو يمنعها. و كيف يقول علي و إني و الله لا أسالها و هو يرى نفسه أحق بها كما اعترف به في كلامه السابق.

(و قال): (1) كان جمع من الصحابة يرى أن عليا أفضل من أبي بكر و عمر و غيرهما، كعمار و أبي ذر و سلمان و جابر و العباس و بنيه و أبي و حذيفة إلى كثير غيرهم.

ثم قال ناقلا عن مقدمة ابن خلدون: و نرى بعد هذا العصر أن الفكرة تطورت فقال شيعة علي أن الامامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة بل هي ركن الدين و لا يجوز لنبي إغفالها و لا تفويضها إلى الأمة بل يجب عليه تعيين الامام لهم و يكون معصوما من الكبائر و الصغائر و إن عليا هو الذي عينه بنصوص ينقلونها و يؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة و لا نقلة الشريعة بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة.

(و نقول): فكرة الامامة لم تتطور عند الشيعة بل هي عندهم في‏

____________

(1) فجر الإسلام(ص)322 الطبعة الرابعة.

52

عصر النبي(ص)مثلها بعد عصره و هي من أهم المصالح العامة بعد النبوة و لم يكن الله تعالى بحكمته و لطفه و رأفته بالعباد ليكلها إلى نظر الناس المتفرقي الأهواء المختلفي الطباع و كما يجب في النبي المبعوث لهداية الأمة أن يكون معصوما من الصغائر و الكبائر لتقبل الأمة قوله و لا تنفر عنه كذلك يجب في الامام القائم مقامه و النائب عنه في حفظ الشريعة التي جاء بها من الزيادة و النقصان و حفظ الثغور و الحكم بين الناس بالعدل لتقبل الأمة قوله فالدليل الدال على وجوب عصمة النبي دال على وجوب عصمة الامام و قوله بنصوص ينقلونها و يؤولونها على مقتضى مذهبهم يرده أنها صريحة غير محتاجة إلى التأويل و إنما يؤولها غيرهم على مقتضى مذهبهم بتأويلات فاسدة هي بعيدة عنها. و جهابذة السنة هم الذين رووها و صححوا طرقها كما ذكرناه في الجزء الثاني في أدلة إمامته.

(قال): و من هنا نشات فكرة الوصية و لقب علي بالوصي يريدون أن النبي اوصى لعلي بالخلافة من بعده (إلى أن قال): و انتشرت كلمة الوصي بين الشيعة و استعملوها ثم ذكر قول أبي الهيثم بن التيهان و كان بدريا في أبياته:

(أن الوصي امامنا و ولينا)

و قول غلام من جيش عائشة:

نحن بني ضبة أعداء علي* * * ذاك الذي يعرف قدما بالوصي‏

(قال): و سقنا هذا لبيان إن كلمة الوصي شاعت في إطلاقها على علي و إن كنا نشك في نسبة هذه الأبيات إلى قائليها.

(و نقول): أخطا في قوله إنهم يريدون ان النبي اوصى لعلي بالخلافة فوصاية علي كانت على قضاء دينه و وفاء وعوده و القيام بامر أهله و لكن ذلك يومي إلى أنه لم يكن لياتمن غيره على أمور أمته العامة كما لم يأتمن غيره على أموره الخاصة و هو يقول إنه يشك في نسبة هذه الأبيات إلى قائليها بالطبع لأنها تثبت الوصاية لعلي و إن رواها ثقات المؤرخين. أما ما يفيد الغض من علي و شيعته فلا يتطرقه الشك مهما كان ناقله. و تلقيب علي بالوصي كان شائعا مشهورا و قد أورد ابن أبي الحديد على اشتهاره عدة شواهد و اشتهر حتى عند أعداء علي فقاله الغلام الذي في جيش عائشة كما سمعت، و المؤلف لما كانت نفسه لا تطاوعه على تلقيب علي بالوصي شككها في أصل الشعر.

ثم نقل‏ (1) عن ابن أبي الحديد كلاما في حق علي و قال انه يعد من معتدلي الشيعة.

(و نقول) 1 ابن أبي الحديد معتزلي و أين المعتزلي من الشيعي فلا يصح عده في معتدلي الشيعة و لا في متجاوزيهم.

قال: (2) فمنهم من اقتصر على القول بان الخلفاء الثلاثة و من شايعهم أخطأوا و منهم من تعالى فكفرهم و كفر من شايعهم.

(و نقول) مذهب الشيعة إن الإسلام هو ما عليه جميع أهل المذاهب فضلا عن الخلفاء و عليه يجري التناكح و التوارث و سائر أحكام الإسلام حتى إن من قال بالتجسيم من الحنابلة و لكنه لم يلتزم بلوازم قوله لا يحكم عليه بالكفر و لكن تكفير الخلفاء بدأ من الصدر الأول و من الصحابة المقدسين فقد كانت أم المؤمنين تقول اقتلوا نعثلا فقد كفر و كان معاوية يقول عن أحد أصحاب علي إنه كفر كفرة صلعاء أو ما هذا معناه و كان علي يسب على منابر الإسلام في جميع البلدان حتى على منبر رسول الله(ص)بالمدينة في الأعياد و الجمعات نحوا من سبعين سنة.

قال: (3) و انحدروا من ذلك إلى شرح حوادث التاريخ على وفق مذهبهم و تأويل الوقائع تأويلا غريبا أسوق لك مثلا منه فزعموا أن رسول الله(ص)كان يعلم موته و إنه سير أبا بكر و عمر في بعث أسامة لتخلو المدينة منهما فيصفو الأمر لعلي فلم يتم ما قدر و تثاقل أسامة بالجيش أياما مع شدة حثه على نفوذه.

(و نقول): حوادث التاريخ في ذلك بينة لا تحتاج إلى شرح و تأويل و النبي(ص)حينما أحس بدنو أجله كان في شغل بنفسه عن تسيير الجيوش لحرب الروم الذين يعدون بمئات الألوف و عن الحث على تنفيذ جيش أسامة مرارا و التشدد فيه و هو في أشد المرض و نرى المؤلف لم يبين وجه الغرابة فيما زعمه تأويلا و اقتصر على مجرد الدعوى.

(قال): و لم يكتف غلاة الشيعة في علي بأنه أفضل الخلق بعد النبي و إنه معصوم بل منهم من ألهه.

(و نقول): تفضيل علي و عصمته لا غلو فيه فقد قام البرهان الساطع عليه و سنفصله هنا و في الجزء الثالث و كذلك وجوب الامامة و عصمة الامام قد مرت الإشارة إليها و ذكرنا أن الدليل الدال على وجوب النبوة و وجوب عصمة النبي دال عليها و أما خلط من أله عليا مع الشيعة فهو خطا و ظلم فالشيعة تبرأ من كل غال و مؤله.

(قال): و قد ذكروا إن أول من دعا إلى تاليه علي عبد الله بن سبا اليهودي في حياة علي و هو الذي حرك أبا ذر الغفاري للدعوة الاشتراكية و كان من أكبر من ألب الأمصار على عثمان و الآن أله عليا.

(و نقول): أبو ذر الذي شهد له الرسول(ص)بأنه ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق منه. و الذي وصفه علي (ع) بأنه وعى علما عجز عنه الناس ثم أوكا عليه و لم يخرج شيئا منه لم يكن ليدعو إلى الاشتراكية الباطلة بضرورة دين الإسلام و لم يكن ليتبع فيها رأي 2 ابن سبا اليهودي الأصل و أولى به أن يتبع رأي علي بن أبي طالب الذي اشتهر بولائه و اتباعه و هيهات أن يدعه علي يعتقد ذلك و أبو ذر انما كان يعيب على الذين يكنزون الأموال من مال الأمة و ينفقونها على ذوي قراباتهم و من لهم فيه هوى و يمنعونها غيرهم فتوهم البعض من بعض أقواله إنه يدعو للاشتراكية. اما تأليب ابن سبا الأمصار على عثمان فهو أقل و أذل من ذلك و إنما الذي ألب الأمصار على عثمان هو مروان الذي كان يكتب الكتب عن لسان عثمان و يختمها بخاتمه و يرسلها مع غلامه على ناقته و عثمان لا يعلم بذلك، و الوليد بن عقبة الذي تقيا الخمر في محراب مسجد الكوفة و صلى الصبح ثلاثا و هو سكران، و من كان يخرج قميص رسول الله(ص)و يقول ما يقول و يصف عثمان بما يصف و الذين خرجوا من المدينة إلى مكة و عثمان محصور و ألبوا عليه و لم ينصروه ثم خرجوا يطلبون بثاره و هم ثاره. هؤلاء الذين ألبوا الأمصار على عثمان و كان لتاليبهم الأثر الفعال لا ابن سبا و إن موه المموهون.

(قال): و الذي يؤخذ من تاريخه- أي ابن سبا- أنه وضع تعاليم لهدم الإسلام و ألف جمعية سرية لبث تعاليمه نزل البصرة بعد أن أسلم و نشر فيها دعوته فطرده واليها ثم أتى الكوفة فاخرج منها ثم جاء مصر

____________

(1) فجر الإسلام(ص)328 الطبعة الرابعة.

(2) فجر الإسلام(ص)329 الطبعة الرابعة.

(3) فجر الإسلام(ص)330 الطبعة الرابعة.

53

فالتف حوله ناس من أهلها، و أشهر تعاليمه الوصاية و الرجعة و كان قوله في الوصاية أساس تأليب أهل مصر على عثمان بدعوى أنه أخذ الخلافة من علي بغير حق و أيد رأيه بما نسب إلى عثمان من مثالب.

(و نقول): هذا تضليل في التاريخ و قلب للحقائق فابن سبا سواء أ صح أنه وضع تعاليم و ألف جمعية أم لم يصح فأهل مصر و غير مصر إنما تالبوا على عثمان فيما ذكره الطبري في التاريخ و غيره لأنه أحدث احداثا مشهورة نقمها الناس عليه من تأمير بني أمية لا سيما الفساق منهم و أرباب السفه و قلة الدين و إخراج مال الفي‏ء إليهم و ما جرى في أمر عمار و أبي ذر و ابن مسعود و غير ذلك. و قال الطبري كان عمرو بن العاص ممن يحرض على عثمان و يغري به كان يقول و الله أني لألقى الراعي فاحرضه على عثمان فضلا عن الرؤساء فلما سعر الشر بالمدينة خرج إلى منزله بفلسطين حتى قتل عثمان (فخرج مع معاوية يطلب بدمه في صفين). و قال الطبري: كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة و غيرهم إلى من بالآفاق إن كنتم تريدون الجهاد فهلموا إلينا فان دين محمد قد أفسده خليفتكم فجاء المصريون و غيرهم إلى المدينة حتى حدث ما حدث. قال ابن أبي الحديد: روى الواقدي و المدائني و ابن الكلبي و أبو جعفر الطبري في التاريخ و غيرهم من جميع المؤرخين إن عليا لما رد المصريين رجعوا بعد ثلاث فاخرجوا صحيفة في أنبوبة رصاص و قالوا وجدنا غلام عثمان بالموضع المعروف بالتويت على بعير من إبل الصدقة ففتشنا متاعه فوجدنا هذه الصحيفة و مضمونها امر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بجلد اثنين و حلق رؤوسهما و لحاهما و حبسهما و صلب قوم آخرين من أهل مصر فأقسم عثمان بالله ما كتبته و لا علمته و لا أمرت به فقيل هذا من عمل مروان فقال لا أدري (الحديث).

هذا أساس تأليب أهل مصر على عثمان لا قول ابن سبا في الوصاية سواء أ صح قوله في الوصاية أم لم يصح، على أن الوصاية قد عرفت اشتهارها و انتشارها بين الناس حتى قاله بعض أعدائه في شعره و لا أثر لابن سبا في ذلك أبدا مع أنك قد عرفت أن الوصاية لا يراد بها الوصاية بالخلافة و إن أمكن ان يستدل بها على الامامة فكلامه اشتباه.

(قال): و أما الرجعة فقد بدأ قوله بان محمدا يرجع ثم تحول إلى القول بان عليا يرجع و فكرة الرجعة أخذها ابن سبا من اليهودية فعندهم أن النبي الياس صعد إلى السماء و سيعود فيعيد الدين و القانون و وجدت الفكرة في النصرانية أيضا في عصورها الأولى.

(و نقول): سواء أ كان ابن سبا أخذ فكرة الرجعة من اليهودية أم من غيرها، فان صحت الرواية بها كانت كأمر تاريخي لا علاقة له بالعقائد الدينية و إن لم تصح لم يقل أحد بها فليست الرجعة مما يجب اعتقاده أو يضر عدم الاعتقاد به كما ستعرف عند تعرضه لها مرة ثانية، و لكن فكرة الرجعة أول من قال بها عمر بن الخطاب: روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن ابن عباس ان النبي(ص)قال ائتوني بدواة و صحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا قال عمر من لفلانة و فلانة مدائن الروم إن رسول الله ليس بميت حتى نفتحها و لو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو إسرائيل موسى (الحديث).

و قال الطبري و ابن سعد و غيرهما: لما توفي رسول الله(ص)قال عمر إن رسول الله ما مات و لكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل قد مات و الله ليرجعن رسول الله فليقطعن ايدي رجال و أرجلهم يزعمون أنه قد مات اه.

(قال) (1) الاعتراف بالإمام و الطاعة له جزء من الايمان في نظر الشيعة و الامام في نظرهم ليس كما ينظر إليه أهل السنة فعند أهل السنة هو نائب عن صاحب الشريعة في حفظ الدين فهو يحمل الناس على العمل بما امر الله و هو رئيس السلطة القضائية و الادارية و الحربية و ليس لديه سلطة تشريعية إلا تفسيرا لأمر أو اجتهاد فيما ليس فيه نص. أما عند الشيعة فللإمام معنى آخر هو أنه أكبر معلم فالإمام الأول قد ورث علوم النبي(ص)و هو ليس شخصا عاديا بل هو فوق الناس لأنه معصوم من الخطا.

(و نقول): الاعتراف بالإمام و الطاعة له واجب في نظر جميع المسلمين و إذا وجب كان جزءا من الايمان قال السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية: الإجماع على أن نصب الامام واجب و إنما الخلاف في انه يجب على الله أو على الخلق بدليل سمعي أو عقلي و المذهب أنه يجب على الخلق سمعا

لقوله(ع)‏:

من مات و لم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية (اه)

. و الامام لا يختلف معناه عند جميع المسلمين ممن تسموا بالسنيين و الشيعيين لأن علماء الكلام من الفريقين عرفوا الامامة بأنها رئاسة عامة في أمور الدين و الدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي ص. ثم هو في تفرقته بين الامام في نظر الشيعة و بينه في نظر السنيين بأنه عند السنيين نائب عن صاحب الشرع إلى قوله ليس لديه سلطة تشريعية لم يأت بفارق لأنه في نظر الفريقين نائب عن صاحب الشريعة في حفظها و يحمل الناس على العمل بأوامر الله و هو رئيس السلطات الثلاث و ليس لديه سلطة تشريعية و لكن إذا كان شخصا عاديا كما هو عند غير الشيعة فليس له ان يفسر امرا بغير ما يفهم منه و لا ان يجتهد فيما ليس فيه نص خصوصا إذا كان غيره اعلم منه فإنه لا يلزم كونه اعلم عند غير الشيعة. و في العقائد النسفية: لا يشترط أن يكون معصوما و لا ان يكون أفضل أهل زمانه و لا ينعزل بالفسق (اه). و إذا كان غير معصوم و لا أعلم فما الذي سوغ له الاجتهاد فيما لا نص فيه و ما الذي أوجب على الناس قبول اجتهاده و استثناؤه التفسير و الاجتهاد من نفي السلطة التشريعية في الأمرين و اختيار الناس له لم يغير من ذاته شيئا إنما اكسبه لقب الخليفة أو أمير المؤمنين و لم يكسبه رفع الخطا عن تفسيره و اجتهاده. و إذا جاز أن يترك أمر الله لعدم عصمته فكيف يحمل الناس على العمل بما امر الله و كيف يقبلون قوله. ثم الامام عند الشيعة كما انه ليس لديه سلطة تشريعية بل هو تابع لتشريع النبي كذلك ليس له أن يجتهد في الأحكام الشرعية فإذا حكم بحكم فيما لم نجد به نصا فليس حكمه باجتهاده بل بالنقل عن النبي عن الله تعالى فان النبي و الإمام ليس لهما الاجتهاد في أحكام الشرع عند الشيعة و كذلك إذا فسر الامام شيئا من أمور الشرع خفي علينا فما هو إلا ناقل، إذا فحاصل الفرق الصحيح بين الامام في نظر الفريقين إن الشيعة يشترطون أن يكون أفضل أهل زمانه معصوما من الذنوب و يقولون إن نصبه من قبل النبي. و من تسموا بالسنيين لا يشترطون كونه أفضل أهل زمانه و يجوزون اجتهاده فيما لا نص فيه و تفسيره الأمور برأيه. و إذا كان ليس له سلطة تشريعية فلما ذا قبل قوله فيما كان على عهد رسول الله(ص)فقال أنا أحرمه أعاقب عليه و في إسقاطه حي على خير العمل من الأذان و الإقامة و زيادته الصلاة خير من النوم في أذان الصبح.

____________

(1) فجر الإسلام(ص)332 الطبعة الرابعة.

54

قال: (1) و هناك نوعان من العلم علم الظاهر و علم الباطن و قد علمهما النبي(ص)لعلي فكان يعلم باطن القرآن و ظاهره و أطلعه على أسرار الكون و خفايا المغيبات و كل أمام ورث هذه الثروة العلمية لمن بعده.

(و نقول): الشيعة كسائر المسلمين لا تعتقد التكليف بالعمل إلا بظاهر القرآن و الأمور التي يزعم الباطنية إنها في القرآن يبرأ الشيعة منها و من مدعيها و قد أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء عن ابن مسعود انه قال القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا و له ظهر و بطن و إن علي بن أبي طالب عنده من الظاهر و الباطن (اه) فبان ان الشيعة إن فرض انها روت ذلك فلم تروه وحدها بل شاركها في روايته غيرها. و عند غير الشيعة ممن تسموا بالسنيين عقائد أعظم من هذه في القطب و الغوث و أشباه ذلك مع عدم اعتقادهم بعصمتهم.

(قال): و لا يؤمنون بالعلم و الحديث إلا إذا روي عن هؤلاء الأئمة.

(و نقول): هذا كذب و افتراء فادلة الفروع عندهم الكتاب و السنة و الإجماع و دليل العقل و لا يقبل في الأصول إلا الدليل و البرهان دون التقليد و لا يؤمنون بالحديث إلا إذا روته الثقات و لا يعدلون مائة ألف أو يزيدون لأنهم وسموا بالصحبة مع ما ظهر من بعضهم من منافيات العدالة فاي الفريقين أقرب إلى الصواب و أحق بالعذر؟!.

(و قال): عند ذكر الزيدية أنهم أتباع زيد بن حسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

(و نقول): بل هو زيد بن علي بن الحسين فجعله زيد بن حسن.

(و قال): إن مذهب الزيدية أعدل مذاهب الشيعة و أقربها إلى أهل السنة و لعل ذلك لأن زيدا تلمذ لواصل بن عطاء رأس المعتزلة فزيد يرى جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل.

(و نقول): زيد لم يتلمذ لواصل و لم يأخذ العلم إلا عن أهل بيته و إذا كانت الزيدية ترى جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل فلا يدل على ان زيدا كان كذلك.

(قال) عن الزيدية: و هم لا يؤمنون بالخرافات التي ألصقت بالإمام فجعلت له جزءا إلهيا.

(و نقول): من الخرافة زعم ان الشيعة تؤمن بالخرافات و المتأمل المنصف المطلع على أقوال غيرهم في الأولياء و الأقطاب يعلم أن الخرافات من غيرهم ظهرت و إنهم بريئون منها. و من الخرافة أيضا القول بأنهم جعلوا للإمام جزءا إلهيا فهم بريئون ممن يقول ذلك مجاهرون بتكفيرهم و لكن الشبهات متى استحكمت و صقلها التقليد صارت صبغا ثابتا لا يزيله الماء و لا الشمس.

و عد (2) من فرق الشيعة الإسماعيلية و قصرها على الباطنية و قال انهم أخذوا مذهب الافلاطونية الحديثة و طبقوه على مذهبهم الشيعي إلى آخر ما ذكره ثم قال و كان من آثار دعايتهم الدولة الفاطمية في المغرب و في مصر. (و نقول): (أولا) قصره الإسماعيلية على الباطنية خطا فالإسماعيلية منهم الباطنية و منهم غير الباطنية و الاخيرون قائمون بشرائع الإسلام و أحكامه سواء أ كان مذهب الباطنية مأخوذ من مذهب الافلاطونية أم لا.

(ثانيا) جعله الخلفاء 3 الفاطميين في المغرب و مصر من الباطنية خطا فقد خدموا العلم و الإسلام خدمة كبرى و لم يكونوا من الباطنية و توجهت إليهم العداوة لأنهم شيعة لا لإخلالهم بشي‏ء من أصول الإسلام و فروعه.

(ثالثا) الشيعة تبرأ من كل عقيدة تخرج عن الإسلام فحشر العقائد الباطلة مع عقائد الشيعة ليس بصواب كما كررنا ذكره و لا عيب فيها على الشيعة كما إن انشقاق مذاهب باطلة من الإسلام لا يعيب الإسلام.

قال: (3) و الامامية على العموم تقول بعودة إمام منتظر (إلى ان قال) و لهم في ذلك سخافات يطول شرحها و أساس هذه العقيدة قول ابن سبا بالرجعة و نقلها عن اليهودية و إن الشيعيين فشلوا أول أمرهم في تكوين مملكة ظاهرية على وجه الأرض و عذبوا و شردوا كل مشرد فخلقوا لهم أملا من الامام المنتظر و المهدي و نحو ذلك.

(و نقول): ليس الشيعة وحدها تقول بإمام منتظر بل عموم المسلمين. و مهما يكن من شي‏ء فالسخافات التي تقال في الغوث و القطب و الولي و الوتد و شبه ذلك لا تقدر. و أما ان أساس ذلك قول ابن سبا فكذب و افتراء و ما نسبة ذلك إلى ابن سبا إلا كنسبة أعداء الإسلام إن النبي(ص)تعلم من بحيرا الراهب و من بلعام و أخذ اخبار الماضين من أهل الكتاب، كلاهما كذب و افتراء. و أما أن الشيعيين فشلوا أولا في تكوين مملكة، فامام الشيعيين لو كان طالب ملك لبايع ابن عوف على الكتاب و السنة و سيرة الشيخين و لم يدع الملك يفوت من يده، و شيعته يسيرون على مناهجه، و الملك بيده تعالى يؤتيه من يشاء و يمنعه ممن يشاء، و لما شاء الله أن تكون لهم مملكة ملكوا أكثر بلاد الإسلام المئات من السنين في مصر و المغرب و الشام و العراق و إيران و غيرها سنة الله في خلقه، و أما إنهم عذبوا و شردوا فما كان لهم في ذلك ذنب إلا لأهل بيت نبيهم الذين جعل الله مودتهم أجر الرسالة و ذلك يعد سعادة لا شقاء و فوزا لا فشلا فقديما ما عذبت الأنبياء و الرسل و شردوا.

و ذكر (4) اضطهاد بني امية و بني العباس للشيعة. ثم قال: هذه الاضطهادات كان من نتائجها أحكام الشيعة للسرية و نظامها. ثم قال: (5) و هذه السرية استلزمت الخداع و الالتجاء إلى الرموز و التأويل.

(و نقول): الخداع و الرموز و التأويل نسبته للشيعة نسبة باطلة.

(قال): و كان من أثر هذا الاضطهاد اصطباغ أدبهم بالحزن العميق و النوح و البكاء و ذكرى المصائب و الآلام.

(و نقول): لم يصطبغ أدبهم بشي‏ء من ذلك و ما هذا القول إلا وهم و خيال فلهم في الشعر من الغزل و النسيب و الحماسة و المديح و الرثاء و غير ذلك من أقسام الشعر ما لذ و طاب و سحر الألباب و كثر و طال و لهم في النثر من الخطب و الرسائل و المقامات و سائر فنون النثر الشي‏ء الكثير الذي لم يصطبغ شي‏ء منه بما ذكره، نعم لهم في الرثاء لأهل البيت و لا سيما الحسين عليه و (عليهم السلام) القصائد الكثيرة و هذا لا يقال عنه ان أدبهم اصطبغ بالحزن و النوح و البكاء كما إن رثاء الحسين(ع)لم يقتصر عليهم.

____________

(1) فجر الإسلام(ص)333 الطبعة الرابعة.

(2) فجر الإسلام(ص)334 الطبعة الرابعة.

(3) فجر الإسلام(ص)335 الطبعة الرابعة.

(4) فجر الإسلام(ص)336 الطبعة الرابعة.

(5) فجر الإسلام(ص)337 الطبعة الرابعة.

55

قال: (1) فكما وضع الأمويون الحديث في فضائل الصحابة ما عدا عليا و الهاشميين و خاصة عثمان وضع الشيعة أحاديث كثيرة في فضائل علي و في المهدي المنتظر فاشتغل بعض علمائهم بعلم الحديث و سمعوا الثقات و حفظوا الأسانيد الصحيحة ثم وضعوا بهذه الأسانيد أحاديث تتفق و [مذهبهم و أضلوا بهذه الأحاديث كثيرا من العلماء لانخداعهم بالاسناد.

(و نقول): إن عليا(ع)غني بفضائله المتواترة الظاهرة ظهور الشمس الضاحية التي أخفاها أعداؤه حسدا و أولياؤه خوفا و ظهر من بين ذين ما ملأ الخافقين فلا يحتاج شيعته أن يضعوا أحاديث في فضله بل هم كانوا في عصر بني أمية بل و غيرهم لا يجسرون أن يرووا فضائله الثابتة فضلا عن أن يضعوا له فضائل و إنما يحتاج إلى وضع الأحاديث الفقير في الفضائل. و أما المهدي المنتظر فلا يختص بالشيعة حتى يضعوا فيه الأحاديث و قد روى أحاديثه الفريقان اللذان اتفقا على وجوده و لم يختلفا الا في تقدم وجوده و تاخره و لم يشتغل بعض علمائهم فقط بعلم الحديث بل أكثر المسلمين اشتغلوا به في كل عصر و زمان من الصدر الأول إلى اليوم و ألفوا فيه المؤلفات الجمة، و ما في كتبهم من الأحاديث يزيد على ما في الصحاح الستة و بحثوا عن الجرح و التعديل و ألفوا فيه من أول يوم وجد التأليف فيه في الإسلام و بحثوا في علم دراية الحديث و ألفوا فيه بل هم أول من ألف فيه كما ستعرف عند الكلام على المؤلفين فيه، و أما قوله و سمعوا الثقات إلى قوله بالاسناد فمما يضحك الثكلى (أولا) إن مذهبهم الإسلام و ولاية أهل البيت الطاهر و تقديمهم و الأخذ عند اختلاف المسلمين بأقوالهم أ فهذا يحتاج إلى وضع أحاديث تتفق و [مذهبهم فالإسلام براهينه جلية و فضل أهل البيت على سواهم لا يحتاج أن يتكلف فيه سوى مراجعة ما رواه من تسموا بأهل السنة و قالوه في حقهم.

و لزوم الأخذ عنهم عند الاختلاف لا يحتاج إلا إلى النظر في أنهم ان لم يكونوا أقرب إلى الصواب لأخذهم عن آبائهم عن جدهم فليسوا دون غيرهم فما هو المحوج لهم إلى وضع الأحاديث لتاييد مذهبهم و إنما يحتاج لذلك من حكم بعدالة مئات الألوف ممن يسمى بالصحابة مع ظهور أشياء من البعض تنافي ذلك و من يزعم أن اختلاف الأمة رحمة و يلزمه أن يكون اتفاقها عذابا و من يزعم أنه يرى الله بعيني رأسه بلا كيف. و من يزعم أن الله يجبر العبد على الفعل و يعاقبه عليه و غير ذلك.

(ثانيا) هذه الأسانيد الصحيحة التي وضعوا بها الأحاديث عمن تلقاها هؤلاء العلماء الكثيرون الذين انخدعوا بها؟ لا بد أن يكونوا أخذوها من الشيعة و هم كثيرا ما قدحوا في الراوي فكيف انخدعوا بها؟.

(ثالثا) هذا الرجل مقلد لأقوال المتعصبين على الشيعة و ليس هو من أهل هذا الشأن فليدلنا من قلدهم على حديث واحد وضعه الشيعة على اسناد صحيح رجاله من غيرهم و انخدع به كثير من العلماء. ما هو إلا التحامل بالباطل و اختلاق العيوب لمن لا يجدون فيه عيبا. (رابعا) الشيعة أبعد الناس عن الاختلاق و الوضع، ورثوا الصدق و الأمانة من أئمتهم الذين اشتهروا بذلك لا من وضعوا أربعين أو سبعين شاهدا يشهدون كذبا لأم المؤمنين أن هذا ليس ماء الحوأب.

(قال): (2) بل كان منهم من سمي 4 بالسدي و 4 ابن قتيبة فكانوا يروون عنهما فيظن أهل السنة أنهما المحدثان الشهيران مع أن كلا منهما الذي ينقل عنه الشيعة إنما هو رافضي غال و قد ميزوا بينهما بالسدي الكبير و 4 السدي الصغير و الأول ثقة و الثاني شيعي وضاع و كذلك ابن قتيبة الشيعي غير عبد الله بن مسلم بن قتيبة.

(و نقول): 5 السدي الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن شيعي و الصغير محمد بن مروان الظاهر أنه ليس بشيعي كما ياتي في طبقات المفسرين من هذا الجزء و هو قد عكس و ابن قتيبة علي بن محمد النيشابوري من فضلاء الشيعة و الحكم بأنه وضاع جزاف من القول شان من لا يبالي ما يقول و عبد الله بن مسلم هو صاحب المعارف و الامامة و السياسة. و إذا كان كل من السدي و ابن قتيبة اثنين أحدهما شيعي و الآخر يسمى سنيا فما أدري ما ذنب الشيعة في ذلك؟!.

(قال): (3) بل وضعوا الكتب و حشوها بتعاليمهم و نسبوها لأئمة أهل السنة ككتاب (سر العارفين) الذي نسبوه للغزالي.

(و نقول): الكتاب المنسوب إلى الغزالي اسمه (سر العالمين) لا (سر العارفين) فمن عدم معرفته باسمه يعرف مبلغ تثبته في الأمر، و من أين عرف ان كتاب (سر العالمين) ليس للغزالي و إنهم حشوه بتعاليمهم و نسبوه إليه فهل شافه الغزالي و أخبره أن الكتاب ليس له أو نزل عليه وحي بذلك؟ ما هذا إلا تخرص و سوء ظن نهى الله عنه و تهجم على القدح بغير مسوغ و يمكن أن يكون الغزالي اثنين أحدهما صاحب الإحياء و الآخر صاحب سر العالمين. و الشيعة ليست بحاجة إلى أن تنتصر بالغزالي فتضع كتابا على لسانه فلديها من الحجج و البراهين ما فيه كفاية و احتجاجها بكتاب الله و كتب خصومها المشهورة يغنيها عن الاحتجاج بكتاب مجهول ينسب للغزالي. على أن الحافظ ابن حجر في لسان الميزان جزم بأنه للغزالي فقال: (4) قال أبو حامد الغزالي في كتاب سر العالمين.

(قال): (5) و من هذا القبيل ما نراه مثبوتا في الكتب من إسناد كل فضل و كل علم إلى علي بن أبي طالب (إلى أن قال): و على الجملة فليس هناك من علم إلا و أصله علي بن أبي طالب كان العقول كلها أجدبت و أصيبت بالعقم إلا علي بن أبي طالب و ذريته و علي من ذلك براء.

(و نقول): العقول مهما أخصبت لا تصل إلى درجة من كان مربيه و معلمه و مخرجه الرسول الأعظم(ص)فليخفف الأستاذ أحمد أمين من غلوائه و ليهدأ روعه و لا يعظم عليه أن يكون كل علم أصله علي بن أبي طالب.

(و قال): (6) و مما يؤسف له أن كان مأوى يلجا إليه من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد و من كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية و نصرانية و زرادشتية و هندية و من كان يريد استقلال بلاده و الخروج على مملكته كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستارا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم فاليهودية ظهرت في بالقول بالرجعة و قالت الشيعة أن النار محرمة على الشيعي إلا قليلا كما قال اليهود لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ‏ و النصرانية ظهرت في في قول بعضهم إن نسبة الامام‏

____________

(1) فجر الإسلام(ص)337 الطبعة الرابعة.

(2) فجر الإسلام(ص)337 الطبعة الرابعة.

(3) فجر الإسلام(ص)338 الطبعة الرابعة.

(4) ج 2(ص)215.

(5) فجر الإسلام الطبعة الرابعة.

(6) فجر الإسلام(ص)339 الطبعة الرابعة.

56

إلى الله كنسبة المسيح إليه. إن اللاهوت اتحد بالناسوت في الامام و إن النبوة و الرسالة لا تنقطع أبدا فمن اتحد به اللاهوت فهو نبي و تحت ظهر القول بتناسخ الأرواح و تجسيم الله و الحلول و نحو ذلك من الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة و الفلاسفة و المجوس من قبل الإسلام.

(و نقول): مما يؤسف له غاية الأسف أن جماعة من الناس جعلوا دينهم انتقاص إخوانهم الشيعة بالأباطيل فتارة ينسبون إليهم ما هم منه بريئون و يتشبثون في ذلك بالاستنباطات البعيدة و التخرصات الكاذبة و تارة يحشرون معهم فرق الغلاة الذين تبرأ منهم الشيعة و تارة [كما تعلمه مما مر و ياتي، و لا تمضي فترة من الزمان إلا و يظهر علينا شي‏ء من هذا القبيل، و نحن معهم كما يحكى عن رجل كان يبغض زوجته و يتحين الفرص ليجد منها شيئا يتجنى عليها به فقال لها يوما اطبخي لي حلوا فطبخت فقال اطبخي حامضا فطبخت فقال افرشي لي جوا ففرشت فقال لي افرشي لي برا ففرشت فلما رأى أنها لم تخالفه في شي‏ء ليتجنى عليها به نظر إلى السماء فرأى نهر المجرة- و يسميه العامة درب التبان لأن فيه ما يشبه التبن المنثور- فقال لها يا عدية نفسها فرشت لي تحت درب التبان و هذا التبن قد وقع في عيني فقالت له: حلوا و حامضا طبخت لك. و جوا و برا فرشت لك أما درب التبان فما حسبته لك. و نحن إذا قلنا لهؤلاء إننا مسلمون موحدون مقرون بما جاء به محمد(ص)من عند ربه قالوا إن فرقة من الناس يعتقدون في إمامكم الذي تنتسبون إليه إنه إله كما تعتقد النصارى ذلك في المسيح فنقول لهم فما ذنبنا نحن؟ و هكذا كلما اجبناهم عن أمر جاءوا بغيره و قلد اللاحق السابق بدون تمحيص و لا مراقبة لله تعالى إلى أن انتهت النوبة إلى الأستاذ أحمد أمين في هذا العصر فجاءنا بما سمعت من الدعاوي المجردة التي قلد في أكثرها غيره و لم يأتوا عليها ببينة و لا برهان.

و في كلامه هذا الذي نقلناه مواقع للنظر (أولا) جعله مأوى يلجا إليه من يريد هدم الإسلام يجعل الذنب في ذلك على صاحب الرسالة- و حاشاه- فقد عرفت في البحث الرابع أن بآذر بذرة الأول هو صاحب الرسالة ص، بما كان ينوه به من فضله، مثل‏

أنت مني بمنزلة هارون من موسى‏

و غيره. فهل كان رسول الله(ص)بما ألقاه من بذر في القلوب أراد هدم الإسلام.

(ثانيا) قد عرفت في البحث الأول أن وجد في عهد رسول الله(ص)و إن لفظ الشيعة كان لقب أربعة سلمان و أبي ذر و المقداد و عمار و عرفت في البحث الثاني أن عددا عظيما من الصحابة من بني هاشم و غيرهم كانوا من الشيعة فهل كان تشيع هؤلاء الأربعة مأوى يلجا إليه من أراد هدم الإسلام و إدخال التعاليم المذكورة فيه و

النبي(ص)يقول‏

سلمان منا أهل البيت. ما أقلت الغبراء و لا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.

أمرني ربي بحب اربعة من أصحابي و أخبرني أنه يحبهم علي و المقداد و سلمان و أبو ذر

. أخرجه الترمذي و ابن ماجة و رواه في الاستيعاب. و في الاصابة سنده حسن.

عمار جلدة ما بين عيني.

أو كان تشيع العدد العظيم من الصحابة من بني هاشم و غيرهم مأوى يلجا إليه من أراد هدم الإسلام أو هم أرادوا هدم الإسلام و إدخال التعاليم المذكورة فيه و هم من أجلاء الصحابة و بهم قام الإسلام.

(ثالثا) قد عرفت في البحث الثاني أن فشا في التابعين و تابعي التابعين و ستعرف في البحث التاسع عند ذكر طبقات المحدثين اعتراف الذهبي بان فشا في الفريقين و أنه لو رد حديثهم لذهب جملة الآثار النبوية فهل يمكن أن يكون هؤلاء أرادوا هدم الإسلام و تشيعهم مأوى لمن أراد هدمه و إدخال تلك التعاليم فيه و هم حملة الآثار النبوية بحيث لو رد حديثهم لذهب جملتها باعتراف الحافظ الذهبي.

(رابعا) لا يمكن أن يكون الذين يزعم أنهم أرادوا هدم الإسلام و إدخال تلك التعاليم فيه هم الشيعة الذين جاءوا بعد ذلك فإنهم حفظوا الدين الإسلامي و ألفوا في جميع فنون الإسلام و سبقوا الناس إلى التأليف في جملة منها و درسوها و علموها الناس: من علم الكلام و التفسير و القراءة و الحديث و الأصولين و الفقه و الأخلاق و غيرها في كل عصر و زمان إلى اليوم بدون فصل و لا انقطاع و سياتي ذكر أسماء كثير من مؤلفيهم و مؤلفاتهم في البحث التاسع ففي أي عصر و زمان كان مأوى يلجا إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد؟ كلا بل ليس الحامل على هذا الكلام إلا العداوة للشيعة و الحقد أو الجهل.

(خامسا) الحق أن منابذة علي و شيعته هو الذي كان مأوى يلجا إليه من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد أو حسد. و لو اتسع لنا المجال لبينا له من هم الذين أرادوا هدم الإسلام لعداوة أو حقد بما قتل سيف الإسلام من آبائهم و أجدادهم يوم بدر و غيره و من هم الذين أرادوا هدم الإسلام حسدا لأهل البيت بما رأوا من فضائلهم و ميل الناس إليهم.

(سادسا) الحق أن هو الذي حفظ البقية الباقية من دين الإسلام و كان مأوى يلجا إليه من أراد اتباع الإسلام الكامل و نثبت هذا باجلى بيان و أقوى برهان. كانت السياسة و لم تزل في كل عصر و زمان تستعين بالدين لأنها وجدت منه أقوى معين فالمرء قد يسمح بدمه و لا يسمح بدينه و قد رأى طلاب الملك و الامارة من الأمويين و العباسيين ميل الناس إلى العلويين لما كان لهم من الفضل في أنفسهم و ما كان من تنويه النبي(ص)بفضلهم و الوصاية بالتمسك بحبلهم فجهدوا في تنفير الناس عنهم. أما الأمويون (فتارة) باللعن على المنابر عشرات السنين (و أخرى) بالمنع من الرواية عنهم و اتباع مذهبهم بل من أن يسمى أحد باسمهم (و ثالثة) ببذل الأموال لمن يختلق لهم الأحاديث في ذمهم و مدح أعدائهم (و رابعة) بمنع الحقوق و الأذى و غير ذلك. و أما العباسيون فعمدوا إلى نحو ذلك و منعوا الناس من اتباع مذهبهم و الرواية عنهم و قربوا من يعاديهم و أبعدوا من يواليهم و حملوا الناس على اتباع من يخالفهم و قربوا من الفقهاء من يخالفهم فعمل بالرأي و الاجتهاد و كثرت الفتاوى و الآراء و لا سيما لما دخل في المآخذ القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة و الميل إلى هوى الأمراء و الملوك حتى أنه في زمن بني العباس أفتى في مسألة واحدة اثنتا عشرة فتوى متخالفة و كان ذلك سببا في منع الاجتهاد و حصر المذاهب في أربعة.

أما أئمة أهل البيت(ع)فكانت مذاهبهم ماخوذة عن آبائهم عن أجدادهم عن النبي(ص)فكانت أقرب المذاهب إلى الصواب و حفظ بها القسم الأعظم من أحكام الإسلام.

الرجعة (سابعا) قوله فاليهودية ظهرت في بالقول بالرجعة الذي قلد فيه من قبله ممن يريدون التضليل. باطل حملت عليه العداوة و قلة الخوف من الله تعالى.

57

و قد سئل الشريف المرتضى علم الهدى رضي الله عنه في المسائل التي وردت عليه من الري عن حقيقة الرجعة، فأجاب بما معناه أن هناك من يرى فيها أن الله تعالى يعيد عند ظهور المهدي قوما ممن كان تقدم موته.

و إن غيرهم يرى أن المقصود بها رجوع الدولة و الأمر و النهي من دون رجوع الأشخاص و إحياء الأموات انتهى.

فظهر من ذلك أن القول بالرجعة ليس اتفاقيا عند الشيعة بنص السيد المرتضى، و ليس معناها متفقا عليه عندهم و لا يأثم منكرها الذي لم تثبت عنده، و إنما هي شبه أمر تاريخي و حادث من حوادث المستقبل، فمن صحت أخبارها عنده لم يسعه إنكارها و لم يكن في اعتقادها ضرر ديني.

و من لم ير أخبارها أو لم تصح عنده فهو في سعة من عدم الاعتقاد بها. هذه هي الرجعة التي يطبل القوم بها و يزمرون.

(ثامنا) قوله: و قالت الشيعة أن النار محرمة على الشيعي إلا قليلا إلخ. انا نسأل أحمد أمين في أي كتاب وجد هذا من كتب الشيعة و أي شاهد يشهد له بصدق هذه الدعوى التي ادعاها. إن الشيعة تقول و

تروي عن أئمتها

أن الله خلق الجنة لمن أطاعه و لو كان عبدا حبشيا و النار لمن عصاه و لو كان سيدا قرشيا

و تقرأ كتاب ربها الذي فيه أن النار للعاصين و الجنة للمطيعين و تقول ان المؤمن العاصي لا يخلد في النار كما يقول بذلك أهل السنة.

(تاسعا) قوله أن النصرانية ظهرت في في قول بعضهم أن نسبة الامام إلى الله كنسبة المسيح إليه و إن اللاهوت اتحد بالناسوت في الامام عار عن الصحة. فالشيعة تعتقد في الامام أنه نائب عن الرسول و إن نسبته إلى الله أنه عبد لله كما أن نسبة المسيح إلى الله انه عبد لله و هذا الذي حكاه كله كذب و افتراء لا تقول به الشيعة كلها و لا بعضها. و إن وجد بين الناس من يقول بان اللاهوت اتحد بالناسوت في علي بن أبي طالب فلا يصح عده من الشيعة و لا القول بان النصرانية ظهرت في من قول هذا القائل لأن الشيعة تبرأ من كل قائل بهذا و أمثاله و تعده خارجا عن دين الإسلام و ليس هو من في شي‏ء.

(عاشرا) قوله: و إن النبوة و الرسالة لا تنقطع أبدا إلخ هذا أيضا كسابقه كذب و زور و افتراء و بهتان. نعم روى غير الشيعة أن الرسول(ص)قال: ما أبطا عني جبرائيل إلا و ظننت أنه بعث إلى فلان، و هو يوجب أن النبي حين يبطئ عنه جبرائيل يظن أن الله تعالى عدل عن نبوته إلى غيره و شك في استمرار نبوته و في صدق أخبار الله له أنه خاتم النبيين.

و قد ظهر في هذا العصر قول ممن ينتسب إلى و كان أصله من المتسمين بأهل السنة بان النبوة و الرسالة لم تنقطع و أنه هو المسيح و أن محمدا(ص)ليس هو آخر الأنبياء فهل لأحد أن يعيب السنيين بذلك؟

و الحاصل أن الشيعة تبرأ من كل من يؤله البشر أو يقول أن النبوة و الرسالة لا تنقطع أبدا- أن فرض وجوده- و تكفره و تضلله. فهل يستحل ذو دين أن ينسب من يقول بهذين إلى الشيعة و هي تبرأ منه. كما لا يجوز نسبة المجسمة و المشبهة إلى الإسلام و لا يجوز أن يعاب به المسلمون و إن فرض أن أحدا ممن يقول بهذه الضلالات نسب نفسه إلى الشيعة أو كان أصله من الشيعة و الشيعة تبرأ منه فما ذنبها في ذلك و أي عيب يلحقها به كما أن من ينسب نفسه إلى و يقول بأقوال بعض الصوفية من وحدة الوجود و يشطح شطحهم مما قد يؤدي إلى الحلول أو يترك الواجبات و يكتفي عنها ببعض الاذكار محتجا بقوله تعالى: (وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) أو يقول ببعض المقالات المنسوبة إلى المعتزلة الذين هم أقرب إلى أهل السنة منهم إلى الشيعة أو يقول بان الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا عن المنبر أو أن الله ينزل على سطوح المساجد كل ليلة جمعة في صورة غلام أمرد قطط الشعر راكبا على حمار أو يقول دعوني من الفرج و اللحية و سلوني عما شئتم المؤدي إلى تجسيم الله تعالى و نحو ذلك من الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة و الفلاسفة و المجوس قبل الإسلام ليس لنا أن نلحق التبعة في ذلك بأهل السنة كما أن وجود الفرق الضالة المتشعبة من الإسلام ليس لغير المسلمين أن يعيبوا بها المسلمين و لا وجودها في بني آدم يعاب به أبونا آدم و أمنا حواء. لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏*. و إذا عذرنا القائل بان الله تعالى يرى يوم القيامة بالعين الباصرة بلا كيف و من يقول:

و قد رأى الله بعيني رأسه* * * في ليلة المعراج لما صعدا

و من يقول بأنه ينزل إلى سماء الدنيا كنزول ابن تيمية عن المنبر و أنه استوى على العرش بمعنى الاستواء الحقيقي كالاستواء على المنبر. و قلنا أن ذلك لا يؤدي إلى التجسيم مع وجود القائل بأنه تجسيم أو محال. فالشيعة أولى بالعذر إذا نسب المجسم و القائل بالحلول نفسه إليها و هي تبرأ منه.

(حادي عشر) قوله: و تحت ظهر القول بتناسخ الأرواح إلخ .. الذي جعله شاهدا لقوله و زرادشتية و هندية هو كسابقيه زور و بهتان و كذب و افتراء و تشنيع بالباطل.

(قال): (1) و تستر بعض الفرس و حاربوا الدولة الأموية و ما في نفوسهم إلا الكره للعرب و دولتهم و السعي لاستقلالهم. (2)

(و نقول): جعل هذا شاهدا لما سبق من قوله و من كان يريد استقلال بلاده و الخروج على مملكته. و هو رأي لا يخرج عن الخطل فالذين حاربوا الدولة الأموية هم بنو العباس الذين كانوا يرون أنفسهم أحق بالخلافة من الأمويين و هم عرب صميمون و ساعدهم أبو مسلم الخراساني و الله أعلم بما في نفسه أ هو الكره للعرب و دولتهم أم حب الامارة كما فعل السامانيون و السلاجقة و مماليك مصر و غيرهم و لم يكونوا شيعة، سنة الله في الكون، أم الإخلاص لبني العباس و لهم ظاهرا و باطنا أم ظاهرا فقط أم الكره لبني أمية و دولتهم التي ظهر فيها من الظلم و القبائح ما ظهر لا لأنهم عرب بل لأعمالهم؟ .. لسنا نجزم بشي‏ء من ذلك و لا يطلع على ما في النفوس إلا الله لكننا نرجح أن داعي أبي مسلم و أتباعه لحرب الأمويين ليس كره العرب و دولتهم لأنه حاربهم ليأخذ الملك منهم و يعطيه للعرب و ان سبب الحرب للأمويين من أبي مسلم و غيره كره أعمال الأمويين فظنوا أن بني العباس سيكونون خيرا منهم فخاب ظنهم و يدل عليه أن الناس كانوا يشتمون مروان بن محمد و يقولون الحمد لله الذي جاءنا بأهل بيت نبينا يعنون بني العباس. أما قوله و السعي لاستقلالهم فاي استقلال حازه الفرس بحرب بني أمية و زوال دولتهم و انتقال الدولة إلى العباسيين؟ ما

____________

(1) فجر الإسلام(ص)339 الطبعة الرابعة.

(2) مر إن أول استقلال سياسي للفرس هو الذي أعلنه السامانيون، و 6 السامانيون سنة و ليسوا بشيعة. ح‏

58

حازوا إلا قتل أبي مسلم و تفرق أصحابه، و أي استقلال يكون لبلادهم و هي في حكم الخليفة العباسي العربي. و إذا كان من يريد استقلال بلاده يلجا إلى فهو من المحامد لا من المذام.

ثم حكى‏ (1) عن المقريزي إنه قال: السبب في خروج أكثر الطوائف عن ديانة الإسلام إن الفرس كانت من سعة الملك و جلالة الخطر في أنفسها بحيث أنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار و الأسياد و يعدون سائر الناس عبيدا لهم فلما زالت دولتهم على أيدي العرب و العرب أقل الأمم خطرا عندهم راموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى و في الكل يظهر الله الحق فرأوا إن كيده على الحيلة أنجح فأظهر قوم منهم الإسلام و استمالوا أهل بإظهار محبة أهل البيت و استبشاع ظلم علي ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى.

(و نقول): هذه المقالة و هذا الاستنباط قد تكرر في كلام الكثيرين و لسنا ندري متى حدث و يمكن أن يكون أول من قال ذلك المقريزي و تبعه من بعده بدون تأمل و لا تفهم لأنه وافق هواهم في كره الشيعة و هو شي‏ء لا نصيب له من الصحة و لا ظل له من الحقيقة و قد بينا فساده و سخافته بيانا مفصلا في البحث الرابع من هذا الجزء (و نقول) هنا أن الفرس لما فتح العرب بلادهم و دخلها الإسلام منهم من دخل في الإسلام عن رغبة و طواعية و منهم من بقي على دين المجوسية لأنهم لم يجبروا على الإسلام و اسم يومئذ و إن كان معروفا لفئة من الصحابة إلا ان اسم لم يكن معروفا و كان من يسلم من الفرس كلهم أو جلهم خاضعا لدولة الخلافة القائمة يومئذ و أحكامها بالطبع و لا يعرف عن شيئا و كذلك بعد حدوث اسم العلوية و العثمانية كان جل ذلك أو كله بين العرب خاصة من أهل الحجاز و العراق و الشام و مصر و لا يعرف أكثر الفرس عن ذلك شيئا و لما حدث اسم في الدولة العباسية كان أكثر الفرس لا [إلا القليل على غير مذهب الشيعة و استمر ذلك أحقابا و قرونا فمتى هو هذا الزمان الذي أظهر فيه قوم من الفرس الإسلام و استمالوا أهل بإظهار ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى لا شك أنه لم يوجد إلا في مخيلة المقريزي.

ثم أخذ (2) يستشهد بأقوال علماء الفرنجة عن الشيعة على حسب عادة هذا الزمان فحكى عن الأستاذ ولهوسن إن العقيدة الشيعية نبعت من اليهودية أكثر مما نبعت من الفارسية لأن مؤسسها عبد الله بن سبا و هو يهودي و حكي عن الأستاذ دوزي إنه يميل إلى أن أساسها فارسي فالعرب تدين بالحرية و الفرس بالملك و الوراثة في البيت المالك فاولى الناس بمحمد ابن عمه علي فمن أخذ الخلافة عد غاصبا و قد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى الملك نظرة فيها معنى إلهي فنظروا هذا النظر إلى علي و ذريته و قالوا إن طاعة الامام أول واجب و إن إطاعته إطاعة الله.

و قال هو: الذي أرى- كما يدلنا التاريخ- إن لعلي بدأ قبل دخول الفرس في الإسلام و لكن بمعنى ساذج و هو إن عليا اولى من غيره لكفايته الشخصية و قرابته للنبي و هذا الحزب وجد بعد وفاة النبي(ص)و نما بمرور الزمان و بالمطاعن في عثمان و لكن هذا أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الاخرى في الإسلام من يهودية و نصرانية و مجوسية و كل قوم من هؤلاء كانوا يصبغون بصبغة دينهم فاليهود بلون يهودي و النصارى بلون نصراني و هكذا و إذ كان أكبر عنصر دخل في الإسلام هو العنصر الفارسي كان أكبر الأثر في إنما هو للفرس.

(و نقول): ما لنا و لولهوسن و دوزي حتى نأخذ عنهما فلسفة ديننا الذي نحن أعرف به منهما و من كل أحد و قد عرفت ان إلصاق مقالة ابن سبا بالشيعة سخافة متناهية و كذلك علاقة الفرس، و إن لعلي كان في حياة الرسول(ص)كما عرفت مما مر ان ما ذكره في اليهودية و النصرانية أسخف و أسخف و إذا كان يعترف بان بدأ بعد وفاة النبي(ص)قبل دخول الفرس في الإسلام و لا بد أن يكون أيضا قبل دخول الروم و اليهود فلما ذا صبغ هؤلاء العناصر الثلاثة وحده بصبغة دينهم و لم يصبغوا غيره.

و من العجيب أن الأستاذ أحمد أمين زار العراق بعد ما انتشر كتابه فجر الإسلام في زهاء ثلاثين رجلا من المصريين و حضر في بغداد مجلس وعظ الشيخ كاظم الخطيب فتعرض لكلام أحمد أمين في كتابه المذكور و فنده باقوى حجة و أوضح برهان ثم حضروا في النجف مجلس الشيخ محمد حسين الجعفري أحد أعاظم علماء العراق فعاتبه على ما جاء في كتابه و بين له إنه لا أصل له و هو مجرد اختلاق فاعتذر بعدم الاطلاع و قلة المصادر فقال له و هذا أيضا غير سديد لأن من يريد أن يكتب عن شي‏ء فعليه ان يفحص عنه الفحص التام و إلا فلا يجوز له الخوض فيه. فوعده ان يستدرك ذلك في الطبعة الثانية و لكنه أعاد الكرة في كتابه ضحى الإسلام و لم يرجع عن كلامه الأول و أشار إلى ما جرى بينه و بين الشيخ إشارة اجمالية و لم يصرح، و عمل الشيخ في رده رسالة سماها أصل الشيعة و أصولها طبعت و انتشرت.

و من الافتراءات على الشيعة ما ذكره فؤاد حمزة في كتابه قلب جزيرة العرب المطبوع بمصر من ان في القطيف و واحة الأحساء قرامطة مع أن جميع 7 أهل القطيف و الأحساء مسلمون شيعة اثنا عشرية يبرءون من كل قرمطي و لا أثر للقرامطة بينهم أصلا. و ظهر في هذه الأوقات كتاب في العراق من هذا البحر و على هذه القافية سماه صاحبه (العروبة في الميزان) و من الحكمة ما حصل من منع انتشاره.

و هكذا لا نزال نسمع كل يوم من أمثال هؤلاء نغمة جديدة و نرى حامل معول لهدم بنيان الاتفاق و الجامعة الإسلامية بما يسطره من الأباطيل نسأله تعالى أن يلهم المسلمين ما فيه لم الشعث و جمع الكلمة انه قريب مجيب.

كلام أحمد أمين في ضحى الإسلام في حق الشيعة.

(قال): (3) و أما فقد كان عش الشعوبية الذي يأوون إليه و ستارهم الذي يستترون به.

(و نقول): الشعوبية هم الذين لا يفضلون العرب على العجم أو يفضلون العجم عليهم و لا ندري كيف قال إن كان عشها و الشيعة أول من تفضل العرب على غيرهم و بني هاشم على سائر العرب و آل علي على سائر بني هاشم و هذا مضاد للشعوبية. و 1 الصاحب بن عباد المجاهر بالتشيع و الذي هو من الفرس يقول: ما فضل العجم على العرب أحد إلا و فيه عرق من المجوسية. و لما أنشد بعض الشعوبية الصاحب أبياتا يفضل‏

____________

(1) فجر الإسلام(ص)339 الطبعة الرابعة.

(2) فجر الإسلام(ص)340 الطبعة الرابعة.

(3) ضحى الإسلام ج 1(ص)63.

59

بها العجم على العرب أولها:

(غنينا بالطبول عن الطلول)

طلب من بديع الزمان الهمذاني- و هو فارسي على الظاهر- ان يعارضه فعارضه بأبيات أولها:

(أراك على شفا خطر مهول)

.

(و قال): (1) العقد الفريد عن الشعبي قال لمالك بن معاوية أحذرك الأهواء المضلة و شرها الرافضة فإنها يهود هذه الأمة يبغضون الإسلام كما يبغض اليهود النصرانية و لم يدخلوا في الإسلام رغبة و لا رهبة من الله و لكن مقتا لأهل الإسلام و بغيا عليهم و قد حرقهم علي بن أبي طالب و ذلك إن محبة الرافضة محبة اليهود قالت اليهود لا يكون الملك إلا في آل داود و قالت الرافضة لا يكون الملك إلا في آل علي بن أبي طالب و قالت اليهود لا يكون جهاد حتى يخرج المسيح المنتظر و قالت الرافضة لا جهاد حتى يخرج المهدي و اليهود يؤخرون صلاة المغرب حين تشتبك النجوم و كذلك الرافضة و اليهود لا ترى الطلاق الثلاث شيئا و كذا الرافضة و اليهود لا ترى على النساء عدة و كذا الرافضة و اليهود تستحل دم كل مسلم و كذلك الرافضة و اليهود حرفوا التوراة و الرافضة حرفت القرآن و اليهود تنتقص جبرائيل و تقول هو عدونا من الملائكة و الرافضة تقول غلط جبرائيل في الوحي إلى محمد بترك علي بن أبي طالب و اليهود لا تأكل لحم الجزور و كذلك الرافضة.

(و نقول): هذا الكلام لا يحتاج بيان جهل قائله و سخافته و سخافة قائله و ناقله إلى أكثر من ذكره بدون تعليق عليه، و إذا كان صاحب العقد الفريد ينقل في كتابه قول بعضهم إنه يكره الشيعة للشين التي في اسمهم لأنها توجد في الشر و الشؤم و يصح لغيره ان يقول أكره سواهم للسين التي في اسمهم لوجودها في السوء و السم فليس بعجيب منه ان ينقل مثل هذا الكلام و لكن العجب من الأستاذ أحمد أمين كيف نقله في كتابه و لوثه به- و لكننا مع وضوح سخافته تضطرنا الحال إلى التعليق عليه فالذين ينبزهم هؤلاء بالرافضة هم اتباع أهل البيت و محبوهم و المقدمون لهم على من سواهم كما قدمهم الله تعالى في كتابه و قدمهم الرسول(ص)فيما صح و تواتر عنه. و الأهواء المضلة ما خالفهم و حاد عن طريقهم فقد جعلهم النبي(ص)بمنزلة سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها هوى و بمنزلة باب حطة من دخله كان آمنا و

قال‏

أن المتقدم لهم مارق و المتأخر عنهم زاهق.

و شر من يهود هذه الأمة من قال انهم يهود هذه الأمة. و كيف يبغضون الإسلام و بهم قام الإسلام و بسيف إمامهم أسس الإسلام و ثبتت دعائمه و هم قد بنوا على هذا الأساس و اتبعوا طريقة أهل بيت نبيهم و اهتدوا بهداهم. و ما أبغض الإسلام إلا من عابهم و انتقصهم فإنه بذلك راد على الله و رسوله. و الذين لم يدخلوا في الإسلام رغبة و لا رهبة من الله و لكن مقتا لأهله هم من يواليهم صاحب هذا المقال إن صح إن قائله الشعبي فهو قد كان نديم عبد الملك بن مروان و قاضيه على الكوفة و ما عفا عنه الحجاج لما خرج مع محمد بن الأشعث إلا لعلمه بولائه لبني أمية و هو القائل- كما في العقد الفريد- لقد بغضت إلينا الرافضة حديث علي بن أبي طالب. و الذين حرقهم علي بن أبي طالب هم السبائية، و الشيعة تبرأ منهم و من مقالتهم. و قد اعتاد هؤلاء المنصفون ان ينبزوا بالرافضة شيعة علي كلهم. و إذا كان شبه الشيعة باليهود لأنهم يحصرون الخلافة في آل علي فجميع المسلمين شبيهون باليهود لأنهم يحصرون الخلافة في قريش لأنها عشيرة النبي. و جهاد الدفاع عند الشيعة واجب إلى يوم القيامة و قد جاهدت شيعة العراق في حرب الإنكليز تطوعا بفتوى علمائها. و الشيعة تصلي المغرب حين تغيب الشمس و تذهب الحمرة المشرقية و نسبة غير ذلك إليهم كذب و افتراء. و من المضحك المبكي نسبته إلى الشيعة أنها لا ترى الطلاق الثلاث شيئا فهي تقول كما قال أئمة أهل البيت: من قال لزوجته أنت طالق ثلاثا وقعت واحدة، و لا عيب عليها في ذلك بل العيب و الشناعة على من يقول إن الواحدة تصير ثلاثا بقوله ثلاثا. (2) و قد تقدم عند التعليق على كلامه في فجر الإسلام إنه نقل عن صحيح مسلم أن الطلاق الثلاث كان طلقة واحدة على عهد رسول الله(ص)و أبي بكر و سنتين من خلافة عمر ثم أمضاه عليهم عمر فجعله ثلاثا فانظر و أعجب. و الذين استحلوا دماء المسلمين هم أولياء الشعبي من بني امية و غيرهم- إن صح نسبة هذا الكلام إليه- لا الشيعة و الذين حرفوا القرآن و حملوه على أهوائهم هم غير الشيعة. و نقله إن الشيعة لا ترى على النساء عدة و تقول غلط جبرائيل و لا تأكل لحم الجزور هل يجده مصدقا قوله في آخر الجزء الثالث من ضحى الإسلام: جاهدت نفسي أن لا أتاثر بالفي و عادتي و مذهبي و قوله في مقام آخر: و سنعتمد في وجهة نظرهم على كتبهم فهو أنصف لهم فهل يرى نفسه غير متأثر بألفة و عادته في تقليد من دأبهم الافتراء على الشيعة فينقل عنهم هذه الأكاذيب و يودعها كتابه غير متاثم و لا متحرج أو أن عادته و ألفه قد تغلبا عليه و لم يكن جهاده إلا بالقول فقط. و هل وجد شيئا من هذه الافتراءات المخجلة في كتبهم ليكون قد انصفهم؟ كلا:

كضرائر الحسناء قلن لوجهها* * * حسدا و بغيا إنه لدميم‏

و قال: (3) و قالت الشيعة في الرجعة على نحو ما قال اليهود كان عند اليهود إن الياس صعد إلى السماء و سيعود فيعيد الدين فقال ابن سبا اليهودي- كما حكى ابن حزم- لو أتيتمونا بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته و لا يموت حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا و نمت هذه الفكرة عند الشيعة فقالوا كذلك في بعض الأئمة الذين اختفوا ثم قالوا كذلك في المهدي المنتظر.

(و نقول): في هذا الكلام المنقول عن ابن حزم مضافا إلى الكذب الخبط و الخلط. و ابن حزم قد عرفت حاله عند الرد على كلامه في هذا الجزء و ابن سبا اليهودي- ان وجد- يبرأ الشيعة منه و من مقالته و المهدي المنتظر لا تختص الشيعة باعتقاده.

و قال: (4) قد جد علماء السوء في وضع الأحاديث للحط من شان الأمويين و إعلاء شان العباسيين إلخ.

(و نقول): إذا كان علماء السوء جدوا في وضع الأحاديث في ذم الأمويين و مدح العباسيين في دولتهم فما أحراهم أن يجدوا في الدولتين في وضع الأحاديث في ذم العلويين و شيعتهم و قد فعلوا.

و قال: (5) إن الشيعة هاجموا العباسيين كما هاجموا الأمويين من قبل و أخذوا يكبرون مساويهم و يختلقون عليهم كما ترى أحيانا في تاريخ اليعقوبي و ابن طباطبا و غيرهما.

(و نقول): قبائح الأمويين و العباسيين قد ملأت كتب التاريخ غير

____________

(1) ضحى الإسلام ج 1(ص)353 الطبعة الثالثة.

(2) في حال إعادة طبع هذا الجزء في طبعته الرابعة هذه كانت المحاكم المصرية قد أخذت بوجهة النظر الشيعية في الطلاق و طبقتها في أحكامها.

(3) ضحى الإسلام ج 1(ص)356 الطبعة الثالثة.

(4) ضحى الإسلام ج 2(ص)30 الطبعة الثانية.

(5) ضحى الإسلام ج 2(ص)31 الطبعة الثانية.

60

تاريخ اليعقوبي و ابن طباطبا كتاريخ الطبري و ابن الأثير فهل يرى إن ما فيها من فضائح الدولتين و قبائحهما و ظلمهما ينقص عما ذكره اليعقوبي و ابن طباطبا كلا بل يزيد و أي فعل يزيد على أن يعلق الخليفة اللاحق أم الخليفة السابق برجليها و يضربها على المواضع الغامضة ليستخرج منها الأموال كما فعل القاهر و لكن المرء متى جعل لنفسه خطة إنه لا بد أن يتفلسف في التاريخ و يستخرج منه غوامض فلا بد ان يقع في مثل هذا.

قال: (1) و إلى ذلك رووا الروايات الكثيرة في فضل علي و آل علي و رفعوا من شان الأئمة إلى ما يقرب من التقديس. و كان الأولى لهم أن يقتصروا على فضائلهم الثابتة.

(و نقول): أولا علي و آل علي كانوا في الدولتين لا يجسر أحد أن يروي لهم فضيلة بل في الدولة الأموية كان لا يجسر أحد ان يسمي بأسمائهم فمتى كان الشيعة يقدرون على رواية فضائلهم الثابتة فضلا عن غيرها. و من خوارق العادات ان يوجد لهم في الدنيا فضيلة تذكر، فقوم تعاقبت على عداوتهم و محو فضلهم الدول الغاشمة نحو ستمائة سنة بل و إلى اليوم لا تجري عادة بان تنقل لهم فضيلة أو يذكرهم أحد بخير.

ثانيا شان علي و آله رفيع في نفسه مقدس من ربه بما رواه و نقله المخالف قبل المؤالف لا يحتاج إلى رفع الشيعة و تقديسهم و لا حاجة بهم إلى أن يضيف أحد إلى فضائلهم الثابتة فضائل غير ثابتة و لعل ما لم ينقل من فضائلهم الثابتة خوفا أو حسدا شي‏ء كثير. و لكن أقواما نظروا إليهم فاستعظموا و استكبروا ما يذكر من فضلهم.

قال: و أضافوا أساطير حول آيات من القرآن الكريم كما فعلوا عند قوله تعالى: (وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً) فقد رووا عن ابن عباس (و الرواية عن ابن عباس لها مغزاها) إن الحسن و الحسين مرضا و ذكر تمام الرواية الدالة على ان الآية نزلت في أهل البيت ع.

ثم قال: و ذكر الترمذي و ابن الجوزي ان الخبر موضوع و آثار الوضع ظاهرة عليه لفظا و معنى.

(و نقول): هذا الخبر ذكره الزمخشري في الكشاف و قال السيوطي في الدر المنثور: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى‏ (وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ) الآية قال نزلت في علي و فاطمة و قال الواحدي في أسباب النزول قال عطاء عن ابن عباس إنها نزلت في علي مع اختلاف في الألفاظ و سواء أ صح هذا الحديث أم لم يصح فالذين رووا هذا الحديث ليسوا هم الشيعة و سواء أ كانت روايته عن ابن عباس لها مغزاها أم لم يكن لها مغزى فالشيعة لم يضيفوا أساطير حول آيات من القرآن في حق علي و آل علي ففضائلهم الكثيرة المستفيضة تغنيهم عن الإضافة و لكن من في نفسه امر لا يتأخر عن الاستشهاد له في كل مناسبة بما يشهد و ما لا يشهد.

قال: (2) و هكذا ضاعت معالم الحق بين العصبية العباسية و العصبية العلوية و صعب على المؤرخ الصادق النزيه أن يصل إلى الحقيقة.

(و نقول): معالم الحق ظاهرة بينة لا يمكن ان تضيع بين العصبيتين لمن اهتدى بنور البصيرة و هل يمكن لمؤرخ عنده شي‏ء من الإنصاف أن يقيس بني العباس بال علي بل الحق إن معالم الحق ضاعت بسبب التعصب على الشيعة و صعب على كثير من المؤرخين الصادقين النزيهين أن يصلوا إلى الحقيقة و لكن الشمس مهما خفيت عن عين أو عيون لا بد ان تراها عين أو عيون أخرى.

و قال‏ (3) ما حاصله: إن مسألة التحسين و التقبيح العقليين لها اتصال كبير بمسالة الرأي و القياس و إن في نظره أنهما مسألتان متساندتان فمن كان يقول بالتحسين و التقبيح يرى العمل بالرأي و القياس و من لا فلا.

(و نقول): لا ربط لإحدى المسألتين بالأخرى و لا تساند بينهما فان جميع من نفى التحسين و التقبيح- و هم الأشاعرة- قال بالقياس و على موجب قوله يلزم أن لا تقول الأشاعرة بالقياس و كلها قائلة به و الشيعة تقول بالتحسين و التقبيح و تنفي القياس. و القول بالقياس مستند إلى أدلة معلومة لا تعلق لها بالتحسين و التقبيح و القول بنفي القياس مستند إلى عدم الدليل. نعم من نفى التحسين و التقبيح و من نفى القياس كلاهما يستدلان بانا نرى الشريعة قد فرقت بين المتماثلين و جمعت بين المختلفين و هذا لا يوجب ان يكون من قال بالقياس أخذه من القول بالتحسين و التقبيح كما لا يخفى.

و قال: (4) اختلف المسلمون بعد مقتل عثمان و انقسموا أحزابا و هي في الواقع أحزاب سياسية فحزب يرى ان عليا اولى بان يكون خليفة.

و حزب يرى أن معاوية هو الذي يحقق هذا الغرض. و حزب يرى ان لا حاجة إلى الخلافة. و حزب محايد (إلى أن قال) و لكن رأينا في ذلك العصر أن الحزب الأول تسمى الشيعة و الثاني الأمويين و الثالث الخوارج و الرابع المرجئة.

(و نقول): ان المسلمين بعد مقتل عثمان بايعوا عليا بيعة يرونها دينية كما كان يراها من قبلهم و لكن عليا كان وتر الناس و تاصلت العداوة له بذلك في قلوب الكثيرين و فاق بفضله فامتلأت النفوس حسدا له سنة الكون فلم يبايعه بعض الصحابة لشي‏ء من ذلك أو نحوه فلم يجبرهم و اجتمعت أم المؤمنين مع طلحة و الزبير و ابنه على السعي في هدم خلافته، أما أم المؤمنين فتريد الخلافة لابن عمها طلحة التيمي كما يشير إليه قولها لما بلغها قتل عثمان ايه ذا الإصبع و كان ذلك هو الباعث لها على التحريض على عثمان في حياته و الطلب بثاره بعد قتله و الزبير أفسد رأيه في علي ابنه و أطمع الاثنين في الخلافة أمر الشورى. و اغتنم معاوية فرصة قتل عثمان الذي كان قد شحذ هو مدية قتله ليستغله عند سنوح الفرصة و معاوية لم يكن أحد يراه انه يحقق الغرض المقصود من الخلافة و إنما تغلب عليها بما لا يرضاه الدين و الحزب الذي جعله الأول- ان صح لنا أن نسميه حزبا- كانوا يسمون العلوية لا الشيعة- و الثاني العثمانية لا الأمويين. و الخوارج كانت نزعتهم دينية صرفة لا سياسية و لكنهم دعموها بالسيف و هم قد نشاوا بعد حرب صفين و المرجئة نزعتهم دينية لا سياسية فالذي يصح ان يسمى حزبا سياسيا هو حزب أصحاب الجمل و لم يعده في الأحزاب و حزب معاوية. و بعد فعد الشيعة حزبا سواء أ كان دينيا أم سياسيا ليس بصواب كما لا يصح عد المسلمين حزبا في مقابل الموسوية و المسيحية.

و ذكر (5) لتشيع 2 الموالي و 2 الفرس أسبابا:

1- تشيع كثير من الموالي لأنهم رأوا حكم الأمويين مصبوغا

____________

(1) ضحى الإسلام ج 2(ص)31 الطبعة الثانية.

(2) ضحى الإسلام ج 2(ص)32 الطبعة الثانية.

(3) ضحى الإسلام ج 2(ص)154 الطبعة الثانية.

(4) ضحى الإسلام ج 3(ص)15 الطبعة الثالثة.

(5) ضحى الإسلام ج 3(ص)209 الطبعة الثانية.

61

بالارستقراطية العربية و أنهم لم يعاملوهم معاملتهم للعرب و لم يعدلوا بينهم فايدوا بحكم الطبيعة البشرية- و لو سرا- عدوهم و لا أعدى لهم من الشيعة.

2- و تشيع قوم من الفرس خاصة لأنهم مرنوا أيام الحكم الفارسي على تعظيم البيت المالك و تقديسه و إن دم الملوك ليس من دم الشعب فلما أسلموا نظروا إلى النبي(ص)نظرة كسروية و نظروا إلى أهل بيته نظرتهم إلى البيت المالك فإذا مات النبي(ص)فأحق الناس بالخلافة أهل بيته.

3- و اعتنق الإسلام قوم أرادوا الانتقام من الإسلام فتظاهروا بالغلو فيه خديعة و مكرا و من ضروب الغلو الغلو في.

و هكذا اعتنق طوائف مختلفة لأسباب مختلفة.

(و نقول): الحق أن هذه الأقوال كلها تخرص غير مصيب و إن كل من دخل في لم يدخل فيه إلا لمعرفته بفضل من تشيع لهم من أقوال النبي(ص)المتكررة في حقهم و من النظر إلى ما اتصفوا به من صفات الكمال و إن كل من حاد عن حب أهل البيت و موالاتهم فهو إما لحسد لحقه أو ضغن في نفسه أو حب للدنيا. و من هم هؤلاء الموالي الذين تشيعوا بغضا بالارستقراطية الأموية العربية و كرها لجور بني أمية و لم يكن في العلوية قوة في مقابل الأمويين حتى يلجاوا إليها فيقهروا أعداءهم الأمويين بل هم في مثل هذه الحال أقرب إلى أن يؤيدوا بحكم الطبيعة البشرية- و لو مداهنة- الأمويين فهذا التعليل تخرص لا يخرج عن أن يكون خيالا وهميا.

و مثله السبب الثاني فالفرس الذين أسلموا علموا من حالة الإسلام و المسلمين أنها ليست على الطريقة الكسروية فهو لا يخرج عن التخرص بالأوهام.

أما السبب الثالث فأظهر وهنا من الأولين و أن تكرر ذكره في كلام كثيرين لكنه هو نسبه إلى قوم و غيره نسبه إلى الفرس فقالوا انهم نصروا انتقاما من الإسلام. و الحق أن ذلك لم يقع من أحد و إن من تشيع لم يتشيع إلا حبا بأهل البيت و معرفة بفضلهم و قد بينا فيما مضى من هذا الجزء في غير موضع سخافة القول بان تشيع الفرس للانتقام من الإسلام فراجع.

و الطوائف المختلفة التي تشيعت ما اعتنقت إلا لسبب واحد و هو تنويه النبي(ص)و القرآن بفضل أهل البيت و ظهور فضلهم، لم يكن لذلك سبب آخر فضلا عن أسباب مختلفة.

و قال: (1) يبلغ الامامية الآن نحوا من سبعة ملايين في فارس و نحو مليون و نصف في العراق و خمسة ملايين في الهند.

(و نقول): المحقق أنهم في هذه البلاد و غيرها أكثر من ذلك بكثير. و قال: (2) أهم مسألة يدور عليها كلام الامامية مسألة الامام و سنعتمد في شرح وجهة نظرهم على كتبهم و ذلك أنصف لهم فننقل خلاصة ما ورد عن الامام في كتاب الكافي للكليني فهو من أوثق كتبهم ثم نقل‏ (3)

عن الكافي: كتب الحسن بن العباس المعروفي إلى الرضا ما الفرق بين الرسول و النبي و الامام فكتب‏

: الرسول ينزل عليه جبرائيل فيراه و يسمع كلامه. و النبي ربما سمع الكلام و ربما رأى الشخص و الامام يسمع الكلام و لا يرى الشخص‏

قال فالإمام بهذا النص يوحى إليه و إن اختلف طريق الوحي عن النبي و الرسول اه.

و نقول: (أولا) الكافي كتاب أخبار فيه الصحيح و الموثق و الحسن و الضعيف و المقطوع و المجهول و المرسل و غيره من أقسام الحديث سواء أ كان من أوثق الكتب عند الشيعة أم لم يكن و هذا الحديث الذي نقله عنه في سنده إسماعيل بن مرار و هو مهمل لم يذكر في كتب الرجال بمدح و لا قدح و الحسن بن العباس المعروفي مجهول فالحديث الذي هذا حاله كيف ينسب للشيعة اعتقاد مضمونه.

(ثانيا) العقائد تؤخذ من كتب العقائد لا من كتب الأخبار التي فيها الغث و السمين و ما يجب أن يعتقد و ما لا يجوز أن يعتقد و ما يمكن أن يعتقد و يمكن أن لا يعتقد و لو أخذنا العقائد من كتب الأخبار لصدقنا قول من قال: إن النبي يهجر و الله تعالى يقول (وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏. وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ. فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً).

(ثالثا) قد روى صاحب إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري عن بعض الصحابة أنه قال كنت أحدث (أي تحدثه الملائكة) حتى اكتويت فلما اكتويت انقطع عني ذلك. و ذكر ابن خلدون في مقدمته‏

أن النبي(ص)قال‏

أن فيكم محدثين‏

و هذا نظير ما في تلك الرواية الذي استنكره صاحب الضحى.

ثم نقل‏ (4) عن الكافي اخبارا جعلها ميزانا لعقيدة الشيعة في الامام لأنها مستمدة من أوثق كتبهم- الكافي- و معتمدة على ما روي من أقوال الأئمة أنفسهم.

(و نقول): من المعلوم الواضح عند الشيعة و غيرهم أن العقائد يلزم فيها القطع و اليقين بالدليل و البرهان و لا يكفي فيها الظن و لا يجوز فيها التقليد كما صرحت به كتب الكلام و هذه الأخبار المنقولة في الكافي هي أخبار آحاد و ربما كان فيها الضعيف المقدوح في أحد رواته بالذم أو الجهالة أو غيرهما و المرسل أو المعارض بدليل أقوى منه سمعي أو عقلي فمجرد وجودها في الكافي لا يدل على اعتقاد الشيعة بمضامينها سواء أ كان الكافي من أوثق كتبهم أم لم يكن و لم يثبت بمجرد روايتها عن الأئمة أنها أقوال الأئمة حتى تكون متواترة عنهم و أين التواتر. و الآحاد على فرض صحة السند لا تفيد إلا الظن و إنما تؤخذ عقائد الشيعة في الامام من كتبهم في الكلام بل و من كتب السنيين أنفسهم الكلامية التي نقلوا فيها أقوال الشيعة مثل عقائد النسفي و شرح المواقف المطبوعين و غيرهما.

و مما جعله‏ (5) من الفوارق بين الامام في نظر السنيين و بينه في نظر الشيعة أنه في نظر السنيين شخص عادي و ليس له سلطة روحية إنما هو منفذ للقانون الإسلامي و ليس له أن يشرع إلا في حدود القوانين الإسلامية

____________

(1) ضحى الإسلام ج 3(ص)213 في الحاشية

(2) ضحى الإسلام(ص)213 الطبعة الثالثة.

(3) ضحى الإسلام ج 3(ص)214 الطبعة الثالثة.

(4) ضحى الإسلام ج 3(ص)214- 215 الطبعة الثالثة.

(5) ضحى الإسلام ج 3(ص)221 الطبعة الثالثة.

62

ثم قد يجور و قد يعدل و قد يتهتك و يشرب الخمر. و في نظر الشيعة هو فوق أن يحكم عليه و هو مشرع و منفذ و له سلطة روحية تفوق حتى سلطة البابا.

(و نقول): الامام واجب الطاعة عن السنيين بمقتضى قوله تعالى:

(أَطِيعُوا اللَّهَ وَ [أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) و هو ينصب القضاة و يقيم الحدود و تقام الجمعات باسمه و باذنه و يجهز الجيوش و يقسم الفي‏ء و يتصرف في بيت المال. و يتصرف في جميع أمور الرعية بالحبس و النفي و الضرب و التأديب و غير ذلك حتى كان يقال درة عمر أهيب من سيف الحجاج فاي سلطة روحية تفوق هذه. و لو لم يكن له سلطة إلا وجوب الطاعة بنص القرآن لكفى (و أما التشريع): فهو في نظر الشيعة لله وحده لا للنبي فضلا عن الامام و إنما النبي يتلقى التشريع من الله تعالى بواسطة الوحي و ليس له أن يشرع من قبل نفسه‏ (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏) و كذلك الامام يتلقى التشريع من النبي و ليس له أن يشرع من قبل نفسه و حينئذ فسلطته الروحية لا تصل إلى حد التشريع من نفسه و بذلك يبطل قوله تفوق حتى سلطة البابا الذي ما أحله في الأرض يحل في السماء و لكن إذا كان الامام ليس بمعصوم و ليس له أن يشرع عند غير الشيعة فلما ذا قبلوا تشريعه في إسقاط حي على خير العمل من الأذان و زيادة الصلاة خير من النوم في صلاة الصبح و في إثبات العول و غير ذلك مما هو مشهور معروف و جعلوا له سلطة تفوق حتى سلطة البابا، و إذا كانت الشيعة تشترط في الامام أن يكون معصوما من الذنوب منزها عن العيوب و أن يكون أفضل أهل زمانه.

و غيرها يجوز أن يكون ظالما جائرا متهتكا شاربا للخمر فاي الفريقين أقرب إلى الصواب في نظر العقلاء و هل يستحسن في نظر أهل العقل و الدين أن يكون المتهتك الشارب الخمر واجب الاطاعة على الخلق من الله تعالى متصرفا في جميع أمورهم و من مات و لم يعرفه مات ميتة جاهلية؟! ..

قال: (1) و ظاهر أن عقيدة الشيعة على هذا المنوال تشل العقل و تميت الفكر و تعطي للخليفة أو الامام سلطة لا حد لها فيعمل ما يشاء و ليس لأحد أن يعترض عليه و هي أبعد ما تكون عن الديموقراطية الصحيحة التي تجعل الحكم للشعب في مصلحة الشعب و تزن التصرفات بميزان العقل و لا تجعل الخليفة و الامام و الملك إلا خادما للشعب فيوم لا يخدمهم لا يستحق البقاء في الحكم.

(و نقول): ظاهر أن عقيدة أن الامام يجور و يتهتك بالمعاصي و يشرب الخمر و يجب علينا طاعته و تسليم جميع أمورنا إليه يحكم في دمائنا و أموالنا و أعراضنا لهي التي تشل العقل و تميت الفكر و تعطي للفساق المتهتكين سلطة من الله تعالى.

قال: (2) حكم الامام في نظر الشيعة حكم ديني معصوم و في هذا إفناء لعقليتهم و تسليم مطلق لتصرفات أئمتهم و أين هذا النظر من النظر المستند إلى الطبيعة و هو أن الله لم يخلق فرعا أو أسرة من الناس تمتاز كلها- متسلسلة- بامتياز لا حد له.

(و نقول): إذا كان الامام في نظر الشيعة حكما دينيا معصوما فليس في التسليم له إفناء للعقلية و إنما يكون إفناء العقلية في التسليم المطلق لتصرفات من يجوز عليه الفسق. و الامامة ليست كما يتصورها هو أنها كسلطنة فلان و إمارة فلان. الامامة عند المسلمين رئاسة عامة في أمور الدين و الدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي(ص)فمن يرى هذا المنصب الديني العظيم الذي هو أعظم المناصب الدينية لا يكون إلا لمعصوم فليس في هذا إفناء للعقلية و إنما القول بان هذا المنصب يستحقه حتى الفساق هو الافناء للعقلية و الاستسلام لتصرفات الفاسقين، و إذا كان الشيعة يعتقدون في أئمتهم العصمة و سلموا تسليما مطلقا لتصرفاتهم فلا لوم عليهم إنما اللوم على من يسلم تسليما مطلقا لمن يجوز عليه المعصية و الفسق.

و متى قالت الشيعة أن تقويم الأشخاص بالقرابة و النسب حتى يورد عليها أن ذلك لا مدخل له و متى قالت أن الصلاح و التقوى و العلم تورث حتى يورد عليها بأنها لا تورث، نعم إذا اجتمع حسن الأفعال مع شرف النسب كان نورا على نور. الشيعة تقول: إن استحقاق الامامة كان بالفضائل النفسية عطاء من الله لا بالنسب، نعم أن هذا الفضل وجد في العترة دون غيرهم. و إنما الذي قال أن الامامة بالقرابة و النسب هم غير الشيعة و هم الذين احتجوا على الأنصار بأنهم عشيرة النبي ص، و لئن قالت الشيعة بحصر الامامة في ولد علي و فاطمة فقد قال من تسموا بالسنيين بحصرها في قريش فان كانت القرابة و النسب لا مدخل لهما في تقويم الأشخاص فلما ذا احتج المهاجرون على الأنصار بأنهم من قريش و دفعوا حق الأنصار من الخلافة و إذا كانت القرابة لا مدخل لها فقد أخطا السنيون في حصرها في قريش كما أخطا الشيعة في حصرها في العترة فلم خص الخطا بأحد الفريقين. و إذا كان الإنسان يوزن بأعماله رجح علي و أولاده الأحد عشر على جميع من يوزن معهم بأعمالهم، و لم يدع أحد من الشيعة أن الامامة إرث حتى يورد عليه بان ذلك قلب لنظام الإسلام و هدم لأهم مبادئه. و أما إن الايمان بالإمام يجب المعاصي فلا يجب المعاصي غير التوبة و عفو الله عند الشيعة.

قال: (3) لو كان لعلي كل هذا الذي يدعونه للإمام من عصمة و علم ببواطن الأمور و نتائجها لتغير وجه التاريخ و لما قبل التحكيم و لدبر الحروب خيرا مما دبر و النبي نفسه يقول: (لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) الآية.

(و نقول): أما بواطن الأمور و نتائجها فلا يعلمها إلا الله. و أما العصمة فقد دل عليها الدليل في الامام كما دل عليها في النبي. و أما قوله:

و لما قبل التحكيم، ففيه أنه لم يقبل التحكيم و إنما أكره عليه و هذا من بديهيات التاريخ، و أمر التحكيم لم يكن محتاجا إلى عصمة أو علم ببواطن الأمور بل كان ظاهرا لكل فطن أنه حيلة و خديعة و لم يكن ليخفى على مثل أمير المؤمنين سواء أ كان معصوما أم لا و إنما اغتر به أهل الجباه السود و ساعد عليه الأشعث عن علم بحاله و تبعته عشيرته و لم يبق ممن لم يغتر به و لم يساعد عليه نفاقا أو كراهة للحرب إلا القليل. و أما قوله و لدبر الحروب خيرا مما دبر فتدبيره للحروب لم يكن فوقه تدبير، و النبي(ص)الذي لا شك في عصمته قد هزم جيشه يوم أحد و لم يكن ذلك لقلة تدبير منه.

قال: (4) الحق أن هذه أوهام جرت على الناس البلاء و جعلتهم يذلون و يخضعون خضوعا مطلقا للظلم و الفساد و يرضون به و لا يرفعون صوتهم بالنقد بل و لا يقومون بأضعف الايمان و هو الاستنكار بالقلب.

(و نقول): بل الحق أن الأوهام التي جرت البلاء إلى آخر ما ذكره:

____________

(1) ضحى الإسلام ج 3(ص)221 الطبعة الثالثة.

(2) ضحى الإسلام ج 3(ص)222 الطبعة الثالثة.

(3) ضحى الإسلام ج 3(ص)221 الطبعة الثالثة.

(4) ضحى الإسلام ج 3(ص)223 الطبعة الثالثة.