أعيان الشيعة - ج2

- السيد محسن الأمين المزيد...
626 /
5

أبو الحسن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)

سابع أئمة أهل البيت الطاهر (صلوات الله عليهم أجمعين)

مولده و وفاته و مدة عمره و مدفنه‏

ولد بالأبواء موضع بين مكة و المدينة يوم الأحد سابع صفر سنة 128 و قيل 129 و أولم الصادق (ع) بعد ولادته فأطعم الناس ثلاثا، رواه البرقي في المحاسن.

و قبض ببغداد شهيدا بالسم في حبس الرشيد على يد السندي بن شاهك يوم الجمعة لست أو لخمس بقين من رجب و قيل لست أو لخمس خلون منه سنة 183 على المشهور و قيل 181 و قيل 186 و قيل 188 و عمره 55 سنة أو 54 على المشهور و قيل 57 و قيل 58 و قيل 60 أقام منها مع أبيه 20 سنة أو 19 سنة و بعد أبيه 35 سنة و هي مدة خلافته و إمامته، و هي بقية ملك المنصور و ملك ابنه محمد المهدي عشر سنين و شهرا و أياما و ملك موسى الهادي ابن محمد المهدي سنة و 15 يوما ثم ملك هارون الرشيد ابن محمد المهدي و توفي بعد مضي 15 سنة من ملك هارون.

و دفن ببغداد في الجانب الغربي في المقبرة المعروفة بمقابر قريش من باب التبن فصار يعرف بعد دفنه بباب الحوائج قال المفيد في الإرشاد و كانت هذه لمقبرة [المقبرة لبني هاشم و الأشراف من الناس قديما.

أمه‏

عن الجنابذي في معالم العترة: أمه حميدة الأندلسية و في إعلام الورى أمه أم ولد يقال لها حميدة البربرية و يقال لها حميدة المصفاة و في المناقب أمه حميدة المصفاة ابنة صاعد البربري و يقال انه اندلسية أم ولد و تكنى لؤلؤة.

كنيته‏

قال المفيد: كان يكنى أبا إبراهيم و أبا الحسن و أبا على، و في مناقب ابن شهرآشوب: كنيته أبو الحسن الأول و أبو الحسن الماضي و أبو إبراهيم و أبو علي قال ابن طلحة في مطالب السئول: كنيته أبو الحسن و قيل أبو إسماعيل.

لقبه‏

قال المفيد يعرف بالعبد الصالح و ينعت أيضا بالكاظم و قال في موضع آخر سمي الكاظم لما كظم من الغيظ و صبر عليه من فعل الظالمين به حتى مضى قتيلا في حبسهم و وثاقهم، و في مطالب السئول: كان له ألقاب متعددة الكاظم و هو أشهرها و الصابر و الصالح و الأمين.

نقش خاتمه‏

روى الصدوق في العيون و الامالي بسنده عن الرضا (ع) قال‏

: كان نقش خاتم أبي الحسن موسى بن جعفر(ع)حسبي الله‏

قال و بسط الرضا (ع) كفه و خاتم أبيه في إصبعه حتى اراني النقش، و

روى الكليني بسنده عن الرضا (ع)

كان نقش خاتم أبي الحسن حسبي الله و فيه وردة و هلال في أعلاه‏

، و في الفصول المهمة: نقش خاتمه الملك لله وحده.

بوابه‏

محمد بن الفضل، و في المناقب بابه المفضل بن عمر.

شاعره‏

السيد الحميري.

أولاده‏

قال المفيد: كان لأبي الحسن سبعة و ثلاثون ولدا ذكرا و أنثى و عد الذكور ثمانية عشر و الإناث تسع عشرة، و هم: علي الرضا، إبراهيم، العباس، القاسم، لأمهات أولاد، إسماعيل، جعفر، هارون، الحسن لام ولد، احمد، محمد، حمزة، لام ولد، عبد الله، إسحاق، عبيد الله، زيد، الحسن، الفضل، سليمان، لأمهات أولاد، فاطمة الكبرى، فاطمة الصغرى، رقية، حكيمة، أم أبيها، رقية الصغرى، كلثم، أم جعفر، لبابة، زينب، خديجة، علية، آمنة، حسنة، بريهة، عائشة، أم سلمة، ميمونة، أم كلثوم. و يوجد في بعض نسخ الإرشاد زيادة الحسين بين الفضل و سليمان و هو سهو من النساخ.

و قال ابن الخشاب: ولد له عشرون ابنا و ثمان عشرة بنتا و هم، علي الرضا الامام، زيد، إبراهيم عقيل، هارون، الحسن، الحسين، عبد الله، إسماعيل، عبيد الله، عمر، احمد، جعفر، يحيى، إسحاق، العباس، عبد الرحمن، القاسم، جعفر الأصغر، و يقال موضع عمر محمد، و البنات: خديجة، أم فروة، أسماء، علية، فاطمة، فاطمة أم كلثوم، أم كلثوم، آمنة، زينب، أم عبد الله، زينب الصغرى، أم القاسم، حكيمة، أسماء الصغرى، محمودة، امامة، ميمونة، (اه) و كأنه إياه أراد ابن طلحة بقوله في مطالب السئول: قيل‏

6

ولد له عشرون ابنا و ثمان عشرة بنتا (اه).

و قال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: قال علماء السير له عشرون ذكرا و عشرون أنثى و عدهم كابن الخشاب الا انه لم يذكر الحسين و بعد جعفر الأصغر قال و قيل محمد و لم يقل موضع عمر و عد الفواطم أربعا.

و قال ابن شهرآشوب في المناقب: أولاده ثلاثون فقط و يقال سبعة و ثلاثون فابناؤه ثمانية عشر و لكنه عدهم عشرين كابن الخشاب إلا أنه عد الحسن بدل الحسين و زاد الفضل و نقض [نقص جعفر الأصغر و ذكر محمدا موضع عمر قال و بناته تسع عشرة الا انه عدهن عشرين: خديجة، أم فروة، أم أبيها، علية، فاطمة، فاطمة، بريهة، كلثم، أم كلثوم، زينب، أم القاسم، حكيمة، رقية الصغرى، أم دحية، أم سلمة، أم جعفر، لبابة، أسماء، امامة، ميمونة (اه).

و في عمدة الطالب: ولد(ع)ستين ولدا سبعا و ثلاثين بنتا و ثلاثة و عشرين ابنا درج منهم خمسة لم يعقبوا بغير خلاف و هم عبد الرحمن و عقيل و القاسم و يحيى و داود و منهم ثلاثة لهم إناث و ليس لأحد منهم ذكر و هم سليمان و الفضل و احمد و منهم خمسة في أعقابهم خلاف و هم الحسين و إبراهيم الأكبر و هارون و زيد و الحسن و منهم عشرة أعقبوا بغير خلاف و هم علي و إبراهيم الأصغر و العباس و إسماعيل و محمد و إسحاق و حمزة و عبد الله و عبيد الله و جعفر هكذا قال شيخنا أبو نصر البخاري، و قال النقيب تاج الدين أعقب موسى الكاظم من ثلاثة عشر ولدا رجلا منهم اربعة مكثرون و هم علي الرضا و إبراهيم المرتضى و محمد العابد و جعفر و أربعة متوسطون و هم زيد النار و عبد الله و عبيد الله و حمزة و خمسة مقلون و هم العباس و هارون و إسحاق و إسماعيل و الحسن و قد كان الحسين بن الكاظم أعقب في قول شيخنا أبى الحسن العمري ثم انقرض (اه)، و هذا يخالف كلام جميع من تقدم في أمرين: (الأول) ان ظاهر كلامهم أن إبراهيم بن الكاظم واحد و هذا الكلام صريح في انهما اثنان و بينا ذلك مفصلا في الجزء الخامس في ترجمة إبراهيم بن موسى بن جعفر(ع)(الثاني) زيادة عدد أولاده (ع) عما مر زيادة مفرطة و لعل من سبق ذكرهم اقتصروا على المشهورين المعقبين.

صفته في خلقه و حليته‏

في الفصول المهمة: صفته أسمر عميق أي شديد السمرة و في عمدة الطالب كان أسود اللون و في مناقب ابن شهرآشوب كان(ع)أزهر إلا في القيظ لحرارة مزاجه ربعه تمام أخضر حالك كث اللحية اه و في البحار المراد بالأزهر المشرق المتلألى‏ء لا الأبيض (اه) و ذلك لأنه كان شديد السمرة، و الأخضر هو الأسمر قال:

و أنا الأخضر من يعرفني* * * أخضر الجلدة من بيت العرب‏

و نسخة المناقب غير مضمونة الصحة فلذلك كان ظن ان في العبارة المنقولة تحريفا.

صفته في أخلاقه و أطواره‏

في عمدة الطالب: كان موسى الكاظم (ع) عظيم الفضل رابط الجأش واسع العطاء و كان يضرب المثل بصرار موسى و كان اهله يقولون عجبا لمن جاءته صرة موسى فشكا القلة. و قال المفيد في الإرشاد: كان موسى بن جعفر(ع)أجل ولد أبي عبد الله قدرا و أعظمهم محلا و ابعدهم في الناس صيتا و لم ير في زمانه أسخى منه و لا أكرم نفسا و عشرة و كان اعبد أهل زمانه و أورعهم و أجلهم و أفقههم و اجتمع جمهور شيعة أبيه على القول بإمامته و التعظيم لحقه و التسليم لأمره و رووا عن أبيه(ع)نصا عليه بالإمامة و إشارة اليه بالخلافة و أخذوا عنه عالم [معالم دينهم.

ثم قال: كان أبو الحسن موسى اعبد أهل زمانه و أزهدهم و أفقههم و أسخاهم كفا و أكرمهم نفسا و روي انه كان يصلي نوافل الليل و يصلها بصلاة الصبح ثم يعقب حتى تطلع الشمس و كان يبكي من خشية الله حتى تخضل لحيته بالدموع و كان أوصل الناس لأهله و رحمه و كان يتفقد فقراء المدينة في الليل فيحمل إليهم الزبيل فيه العين و الورق و الادقة و التمور فيوصل إليهم ذلك و لا يعلمون من أي جهة هو (اه) و ياتي انه كان إذا بلغه عن الرجل ما يكره بعث ليه [إليه بصرة دنانير و كانت صراره مثلا، و قال ابن شهرآشوب كان أفقه أهل زمانه و أحفظهم لكتاب الله و أحسنهم صوتا بالقرآن فكان إذا قرأ تحزن و بكى و بكى السامعون لتلاوته و كان أجل الناس شانا و أعلاهم في الدين مكانا و أفصحهم لسانا و أشجعهم جنانا قد خصه الله بشرف الولاية و حاز إرث النبوة و بوئ محل الخلافة سليل النبوة و عقيدة [عقيد الخلافة (اه).

مناقبه و فضائله‏

و لا بد من ملاحظة ما ذكرناه في سيرة الصادق (ع) من أن ذكر منقبة لأحدهم(ع)و عدم ذكرها للآخر ليس معناه عدم وجودها فيه لاشتراك الكل في أنهم أكمل أهل زمانهم و هي كثيرة تجاوز حد الحصر و نقتصر هنا منها على أمور:

(أحدها)- العلم- فقد روى عنه العلماء في فنون العلم من علم الدين و غيره ما ملأ بطون الدفاتر و ألفوا في ذلك المؤلفات الكثيرة المروية عنهم بالأسانيد المتصلة: و كان يعرف بين الرواة بالعالم.

في تحف العقول للحسن بن علي بن شعبة: قال أبو حنيفة:

حججت في أيام أبي عبد الله الصادق (ع) فلما أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز انتظر إذنه إذ خرج صبي فقلت يا غلام اين يضع الغريب الغائط من بلدكم قال على رسلك ثم جلس مستندا إلى الحائط ثم قال توق شطوط الأنهار و مساقط الثمار و افنية المساجد و قارعة الطريق و توار خلف جدار و شل ثوبك و لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و ضع حيث شئت، فاعجبني ما سمعت من الصبي فقلت له ما اسمك فقال انا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فقلت له يا غلام ممن المعصية فقال ان السيئات لا تخلو من احدى ثلاث اما ان تكون من الله و ليست منه فلا نبغي للرب ان يعذب العبد على ما لا يرتكب و اما ان تكون منه و من العبد و ليست كذلك فلا ينبغي للشريك القوي ان يظلم الشريك الضعيف و إما ان تكون من العبد و هي منه فان عفا فكرمه و جوده و ان عاقب فبذنب العبد و جريرته، قال أبو حنيفة فانصرفت و لم الق أبا عبد الله و استغنيت بما سمعت و رواه ابن شهرآشوب في المناقب نحوه الا انه قال: يتوارى خلف الجدار و يتوقى أعين الجار و قال فلما سمعت هذا القول منه نبل في عيني و عظم في قلبي و قال في آخر الحديث فقلت‏ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ‏.

7

قال المفيد: و قد روى الناس عن أبي الحسن موسى(ع)فأكثروا و كان أفقه أهل زمانه حسبما قدمناه و أحفظهم لكتاب الله و أحسنهم صوتا بالقرآن (اه).

و في تحف العقول‏

: ساله رجل عن الجواد فقال إن كنت تسأل عن المخلوقين فان الجواد الذي يؤدي ما افترض الله عليه و البخيل من بخل من افترض الله و إن كنت تعني الخالق فهو الجواد ان أعطى و هو الجواد ان منع لأنه ان أعطاك أعطاك ما ليس لك [و ان منعك منعك ما ليس لك.

(ثانيها) الحلم- روى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين بسنده عن يحيى بن الحسن قال: كان موسى بن جعفر إذا بلغه عن الرجل ما يكره بعث اليه بصرة دنانير و كانت صراره ما بين الثلاثمائة إلى المائتين إلى المائة الدينار و كانت صرار موسى مثلا، و روى الخطيب بسنده عن الحسن بن محمد [بن يحيى بن الحسن العلوي، قال جدي يحيى بن الحسن و ذكر لي غير واحد من أصحابنا، و قال المفيد: اخبرني الشريف أبو محمد الحسن بن محمد عن جده عن غير واحد من أصحابه و مشايخه‏ ان رجلا من ولد عمر بن الخطاب بالمدينة يؤذيه و يشتم عليا و كان قد قال له بعض حاشيته: دعنا نقتله فنهاهم عن ذلك أشد النهي و زجرهم أشد الزجر و سال عن العمري فذكر له انه يزدرع بناحية من نواحي المدينة فركب اليه في مزرعته فوجده فيها دخل المزرعة بحماره فصاح به العمري لا تطأ زرعنا فوطئه بالحمار حتى وصل اليه فنزل فجلس عنده و ضاحكه و قال له كم غرمت في زرعك هذا قال له مائة دينار قال فكم ترجو ان تصيب قال انا لا اعلم الغيب قال انما قلت لك كم ترجو ان يجيئك فيه قال أرجو ان يجيئني مائتا دينار فأعطاه ثلاثمائة دينار و قال هذا زرعك على حاله فقام العمري فقبل رأسه و أنصرف، فراح إلى المسجد فوجد العمري جالسا فلما نظر اليه قال‏ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ‏، فوثب أصحابه فقالوا له ما قصتك قد كنت تقول خلاف هذا فخاصمهم و شاتمهم و جعل يدعو لأبي الحسن موسى كلما دخل و خرج، فقال أبو الحسن موسى لحاشيته الذين أرادوا قتل العمري أيما كان خيرا ما أردتم أو ما أردت ان أصلح امره بهذا المقدار.

(ثالثها) التواضع و مكارم الأخلاق- في تحف العقول: روي انه مر برجل من أهل السواد دميم المنظر فسلم عليه و نزل عنده و حادثه طويلا ثم عرض عليه نفسه في القيام بحاجة ان عرضت، فقيل له يا ابن رسول الله أ تنزل إلى هذا ثم تسأله عن حوائجه و هو إليك أحوج فقال عبد من عبيد الله و أخ في كتاب الله و جار في بلاد الله يجمعنا و إياه خير الآباء آدم و أفضل الأديان الإسلام، و لعل الدهر يرد من حاجتنا اليه فيرانا بعد الزهو عليه متواضعين بين يديه ثم قال:

نواصل من لا يستحق وصالنا* * * مخافة أن نبقى بغير صديق‏

(رابعها) شدة الخوف من الله تعالى قال المفيد كان يبكي من خشية الله حتى تخضل لحيته بالدموع و كان إذا قرأ القرآن يحزن و يبكي و يبكي السامعون لتلاوته.

(خامسها) الكرم و السخاء- قال الخطيب في تاريخ بغداد: كان سخيا كريما و كان يصر الصرر ثلاثمائة دينار و اربعمائة دينار ثم يقسمها بالمدينة و كان يضرب المثل بصرر موسى بن جعفر إذا جاءت الإنسان الصرة فقد استغني. و في عمدة الطالب كان أهله يقولون عجبا لمن جاءته صرة موسى فشكا القلة. و روى الخطيب في تاريخ بغداد و المفيد في الإرشاد بسنديهما عن محمد بن عبد الله البكري قال قدمت المدينة اطلب بها دينا فاعياني فقلت لو ذهبت إلى أبي الحسن موسى بن جعفر فشكوت اليه فأتيته في ضيعته ثم سالني عن حاجتي فذكرت له قصتي فدخل فلم يقم الا يسيرا حتى خرج إلي فقال لغلامه اذهب ثم مد يده فدفع إلي صرة فيها ثلاثمائة دينار ثم قام فولى فقمت فركبت دابتي و انصرفت.

و مر عند ذكر حلمه انه كان يبلغه عن الرجل انه يؤذيه فيبعث اليه صرة فيها ألف دينار و روى الخطيب بسنده عن 1 عيسى بن محمد بن مغيث القرظي- و بلغ 1 تسعين سنة- قال زرعت بطيخا و قثاء و قرعا في موضع بالجوانية على بئر يقال لها لم [أم عظام فلما قرب الخير و استوى الزرع بغتني الجراد فاتى على الزرع كله و كنت غرمت على الزرع و في ثمن جملين مائة و عشرين دينارا فبينما انا جالس إذ طلع موسى بن جعفر بن محمد فسلم ثم قال ايش حالك فقلت أصبحت كالصريم بغتني الجراد فأكل زرعي قال و كم غرمت فيه قلت مائة و عشرين دينارا مع ثمن الجملين فقال يا عرفة زن لأبي المغيث مائة و خمسين دينارا فنربحك ثلاثين دينارا و الجملين فقلت يا مبارك ادخل و ادع لي فيها فدخل و دعا و

حدثني عن رسول الله(ص)

انه قال تمسكوا ببقايا المصائب‏

، ثم علقت عليه الجملين و سقيته فجعل الله فيها البركة و زكت فبعت منها بعشرة آلاف، و روى الخطيب بسنده قال ذكر إدريس بن أبي رافع عن محمد بن موسى قال‏ خرجت مع أبي إلى ضياعه بساية فأصبحنا في غداة باردة و قد دنونا منها و أصبحنا على عين من عيون ساية فخرج إلينا من تلك الضياع عبد زنجي فصيح مستذفر بخرقة على رأسه قدر فخار يفور فوقف على الغلمان قال اين سيدكم قالوا هو ذاك فقال أبو من؟

قالوا له أبو الحسن فوقف عليه فقال يا سيدي يا أبا الحسن هذه عصيدة أهديتها إليك قال ضعها عند الغلمان فأكلوا منها ثم ذهب فلم نقل بلغ حتى خرج على رأسه حزمة حطب قال له يا سيدي هذا حطب اهديته إليك قال ضعه عند الغلمان و هي لنا نارا فذهب فجاء بنار و كتب أبو الحسن اسمه و اسم مولاه فدفعه إلي قال يا بني احتفظ بهذه الرقعة حتى أسألك عنها فوردنا إلى ضياعه و اقام بها ما طاب له ثم قال امضوا بنا إلى زيارة البيت فخرجنا حتى وردنا مكة فلما قضى أبو الحسن عمرته دعا صاعدا فقال اذهب فاطلب لي هذا الرجل فإذا علمت بموضعه فاعلمني حتى امشي اليه فاني اكره ان أدعوه و الحاجة لي قال صاعد فذهبت حتى وقفت على الرجل فلما رآني عرفني و كنت أعرفه و كان يتشيع فسلم علي و قال أبو الحسن قدم؟ قلت لا فأيش أقدمك قلت حوائج و قد كان علم مكانه بساية فتبعني و جعلت أتقصى منه و يلحقني فلما رأيت اني لا انفلت منه مضيت إلى مولاي و مضى معي حتى أتيته فقال أ لم أقل لك لا تعلمه فقلت جعلت فداك لم أعلمه فسلم عليه فقال له أبو الحسن غلامك فلان تبيعه فقال له جعلت فداك الغلام لك و الضيعة و جميع ما أملك قال اما الضيعة فلا أحب ان اسلبكها و قد حدثني أبي عن جدي ان بائع الضيعة ممحوق و مشتريها مرزوق فجعل الرجل يعرضها عليه مدلا بها فاشترى أبو الحسن الضيعة و الرقيق منه بالف دينار و أعتق العبد و وهب له الضيعة قال إدريس بن أبي رافع فهو ذا ولده في الصرافين بمكة.

(سابعها) كثرة الصدقات- في مناقب ابن شهرآشوب: كان عليه يتفقد فقراء أهل المدينة فيحمل إليهم في الليل العين و الورق و غير ذلك فيوصله إليهم و هم لا يعلمون من أي جهة هو.

8

اخباره‏

في تحف العقول قال عبد الله بن يحيى كتبت اليه في دعاء الحمد لله منتهى علمه فكتب لا تقولن منتهى علمه فإنه ليس لعلمه منتهى و لكن قل منتهى رضاه.

اخباره مع الرشيد

روى الخطيب في تاريخ بغداد بسنده قال: حج هارون الرشيد فاتى قبر النبي(ص)زائرا له و حوله قريش و أفياء القبائل و معه موسى بن جعفر فلما انتهى إلى القبر قال السلام عليك يا رسول الله يا ابن عمي افتخارا على من حوله فدنا موسى بن جعفر فقال السلام عليك يا ابة فتغير وجه الرشيد و قال هذا الفخر يا با الحسن حقا.

و في إرشاد المفيد: ذكر ابن عمارة و غيره من الرواة انه لما خرج الرشيد إلى الحج و قرب من المدينة استقبلته الوجوه من أهلها يقدمهم موسى بن جعفر على بغلة فقال له الربيع ما هذه الدابة التي تلقيت عليها أمير المؤمنين و أنت ان طلبت عليها لم تدرك و ان طلبت عليها لم تفت فقال انها تطأطأت عن خيلاء الخيل و ارتفعت عن ذلة العير و خير الأمور أوساطها.

و ذكر الزمخشري في ربيع الأبرار ان هارون كان يقول لموسى خذ فدكا و هو يمتنع فلما ألح عليه قال ما آخذها الا بحدودها قال و ما حدودها قال الحد الأول عدن فتغير وجه الرشيد قال و الحد الثاني قال سمرقند فاربد وجهه قال و الحد الثالث قال إفريقية فاسود وجهه قال و الحد الرابع قال سيف البحر مما يلي الخزر و ارمينية فقال هارون فلم يبق لنا شي‏ء فتحول في مجلسي فقال موسى قد أعلمتك اني ان حددتها لم تردها فعند ذلك عزم على قتله و استكفى امره.

و روى الخطيب في تاريخ بغداد بسنده عن محمد بن إسماعيل قال بعث موسى بن جعفر إلى الرشيد من الحبس رسالة كانت: انه لن ينقضي عني يوم من البلاء الا انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتى نفضي جميعا إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون.

و روى الصدوق في العيون عن الامام موسى بن جعفر قال‏

لما أدخلت على الرشيد، و ذكر خبرا طويلا، إلى ان قال: لم جوزتم للعامة و الخاصة ان ينسبوكم إلى رسول الله(ص)و يقولوا لكم يا بني رسول الله و أنتم بنو علي و إنما ينسب المرء إلى أبيه و فاطمة انما هي وعاء و النبي (ع) جدكم من قبل امكم فقلت يا أمير المؤمنين لو ان النبي(ص)نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه فقال سبحان الله و لم لا أجيبه فقت [فقلت لكنه(ع)لا يخطب إلي و لا أزوجه فقال و لم فقلت لانه ولدني و لم يلدك فقال أحسنت يا موسى، ثم قال كيف قلتم انا ذرية النبي و النبي(ص)لم يعقب و انما العقب للذكر لا للأنثى و أنتم ولد الابنة و لا يكون لها عقب فقمت اساله بحق القرابة و القبر و من فيه إلا ما اعفاني عن هذه المسألة فقال لا أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي و أنت يا موسى يعسوبهم و امام زمانهم كذا انهي إلي و لست أعفيك في كل ما أسألك عنه حتى تاتيني فيه حجة من كتاب الله فقلت تأذن لي في الجواب قال هات فقلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم‏

وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى‏ وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى‏ وَ عِيسى‏.

من أبو عيسى يا أمير المؤمنين فقال ليس لعيسى أب فقلت انما ألحقناه بذراري الأنبياء(ع)من طريق مريم(ع)و كذلك ألحقنا بذراري النبي(ص)من قبل امنا فاطمة (ع) أزيدك يا أمير المؤمنين قال هات قلت قول الله عز و جل:

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَ نا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَ نا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏

و لم يدع أحد انه ادخل النبي(ص)تحت الكساء عند مباهلة النصارى الا علي بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين(ع)فكان تأويل قوله عز و جل‏

أَبْناءَ نا

الحسن و الحسين و

نِساءَ نا

فاطمة و

أَنْفُسَنا

علي بن أبي طالب.

و

روى الصدوق في العيون عن الوراق و المكتب و الهمداني و ابن ناتانة و احمد بن علي بن إبراهيم و ماجيلويه و ابن المتوكل رضي الله عنهم جميعا عن علي عن أبيه عن عثمان بن عيسى عن سفيان بن نزار قال‏

: كنت يوما على رأس المأمون فقال أ تدرون من علمني التشيع؟ فقال القوم جميعا لا و الله ما نعلم، قال علمنيه الرشيد. قيل له و كيف ذلك و الرشيد كان يقتل أهل هذا البيت؟ قال كان يقتلهم على الملك لان الملك عقيم، و لقد حججت معه سنة فلما صار إلى المدينة تقدم إلى حجابه و قال لا يدخلن علي رجل من أهل المدينة و مكة من أبناء المهاجرين و الأنصار و بني هاشم و سائر بطون قريش الا نسب نفسه فكان الرجل إذا دخل عليه قال انا فلان ابن فلان حتى ينتهي إلى جده من الهاشمي أو قرشي أو مهاجري أو أنصاري فيصله من المال بخمسة آلاف درهم و ما دونها إلى مائتي دينار على قدر شرفه و هجرة آبائه فانا ذات يوم واقف إذ دخل الفضل بن الربيع فقال يا أمير المؤمنين على الباب رجل زعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع)فاقبل علينا و نحن قيام على رأسه و الأمين و المؤتمن و سائر القواد فقال احفظوا على أنفسكم ثم قال: لآذنه ائذن له و لا ينزل الا على بساطي فانا كذلك إذ دخل شيخ مسحذ قد أنهكته العبادة كأنه شن بال قد كلم السجود وجهه و انفه فلما رأى الرشيد رمى بنفسه عن حمار كان راكبه فصاح الرشيد لا و الله الا على بساطي فمنعه الحجاب من الترجل و نظرنا اليه بأجمعنا بالإجلال و الإعظام فما زال يسير على حماره حتى سار إلى البساط و الحجاب و القواد محدقون به فنزل فقام اليه الرشيد و استقبله إلى آخر البساط و قبل وجهه و عينيه و أخذ بيده حتى صيره في صدر المجلس و أجلسه معه اليه و جعل يحدثه و يقبل بوجهه عليه و يسأله عن أحواله (إلى أن قال) ثم قام فقام الرشيد لقيامه و قبل عينيه و وجهه ثم اقبل علي و على الأمين و المؤتمن فقال يا عبد الله و يا محمد و يا إبراهيم سيروا بين يدي عمكم و سيدكم خذوا بركابه و سووا عليه ثيابه و شيعوه إلى منزله (إلى آخر الحديث).

خبره مع نفيع الأنصاري‏

روى الشريف المرتضى في الامالي قال: قدم على الرشيد رجل من الأنصار يقال له نفيع فحضر باب الرشيد يوما و معه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز و حضر موسى بن جعفر(ع)على حمار له فتلقاه الحاجب بالبشر و الإكرام و أعظمه من كان هناك و عجل له الاذن فقال نفيع لعبد العزيز من هذا الشيخ قال أ و ما تعرفه قال لا قال هذا شيخ آل أبي طالب هذا موسى بن جعفر فقال نفيع ما رايت أعجز من هؤلاء القوم يفعلون هذا برجل يقدر ان يزيلهم عن السرير اما ان خرج لاسوأنه فقال له عبد العزيز لا تفعل فان هؤلاء أهل البيت قل ما تعرض لهم أحد في خطاب الا و سموه في الجواب سمة يبقى عارها عليه مدى الدهر (قال) و خرج موسى بن جعفر(ع)فقام اليه نفيع الأنصاري فاخذ بلجام حماره ثم قال له من أنت فقال يا هذا ان كنت تريد النسب فانا ابن محمد

9

حبيب الله بن إسماعيل ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله و ان كنت تريد البلد فهو الذي فرض الله على المسلمين و عليك ان كنت منهم الحج اليه و ان كنت تريد المفاخرة فو الله ما رضي مشركو قومي مسلمي قومك اكفاء لهم حتى قالوا يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قريش و ان كنت تريد الصيت و الاسم فنحن الذين امر الله تعالى بالصلاة علينا في الصلوات و الفرائض في قوله:

اللهم صل على محمد و آل محمد و نحن آل محمد، خل عن الحمار فخلى عنه و يده ترعد و انصرف بخزي فقال له عبد العزيز أ لم أقل لك.

بعض ما روي من طريق الكاظم (ع)

بر الوالدين‏

روى الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي في معالم العترة الطاهرة عن إسماعيل عن أبيه عن علي بن أبي طالب(ع)قال: قال رسول الله(ص)

نظر الولد إلى والديه حبا لهما عبادة.

وصيته لولده‏

قال و روي‏

ان موسى بن جعفر احضر ولده يوما فقال لهم يا بني اني موصيكم بوصية من حفظها لم يضع معها: ان أتاكم آت فأسمعكم في الاذن اليمنى مكروها ثم تحول إلى الاذن اليسرى فاعتذر و قال لم أقل شيئا فاقبلوا عذره.

رد السعاية

قال و عن موسى بن جعفر عن آبائه(ع)قال الحسين (ع)

جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي (ع) يسعى بقوم فامرني ان دعوت له قنبرا فقال له علي (ع) اخرج إلى هذا الساعي فقل له قد أسمعتنا ما كره الله تعالى فانصرف في غير حفظ الله تعالى‏

اه.

في وصيته لهشام بن الحكم‏

يا هشام ان أمير المؤمنين (ع) كان يقول: لا يجلس في صدر المجلس الا رجل فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل و ينطق إذا عجز القوم عن الكلام و يشير بالرأي الذي فيه صلاح اهله فمن لم يكن فيه شي‏ء منهن فجلس فهو أحمق‏

، و

في وصيته له‏

: يا هشام كان أمير المؤمنين (ع) يوصي أصحابه يقول أوصيكم بالخشية من الله في السر و العلانية و العدل في الرضا و الغضب و الاكتساب في الفقر و الغنى و ان تصلوا من قطعكم و تعفوا عمن ظلمكم و تعطفوا على من حرمكم و ليكن نظركم عبرا و صمتكم فكرا و قولكم ذكرا و طبيعتكم السخاء فإنه لا يدخل الجنة بخيل و لا يدخل النار سخي.

من روى عن الكاظم ع‏

قال المفيد و قد روى الناس عن أبي الحسن موسى فأكثروا اه و في المناقب: بابه المفضل بن عمر الجعفي قال: و في اختيار الرجال للطوسي انه اجتمع أصحابنا على تصديق ستة نفر من فقهاء الكاظم و الرضا(ع)و هم يونس بن عبد الرحمن و صفوان بن يحيى بياع السايري [السابري و محمد بن أبي عمير و عبد الله بن المغيرة و الحسن بن محبوب السراد و احمد بن محمد بن أبي نصر، قال: و من ثقاته الحسن بن علي بن فضال الكوفي مولى لتيم الرباب و عثمان بن عيسى و دواود [داود بن كثير الرقي مولى بني أسد و علي بن جعفر الصادق ع، و من خواص أصحابه علي بن يقطين مولى بني أسد و أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي و إسماعيل بن مهران و علي بن مهزيار من قرى فارس ثم سكن الأهواز و الريان بن الصلت الخراساني و احمد بن محمد الحلبي و موسى بن بكير الواسطي و إبراهيم بن أبي البلاد الكوفي، و قال في المناقب في موضع آخر: أخذ عنه العلماء ما لا يحصى كثرة و ذكر عنه الخطيب في تاريخ بغداد و السمعاني في الرسالة القوامية و أبو صالح احمد المؤذن في الأربعين و أبو عبد الله بن بطة في الابانة و الثعلبي في الكشف و البيان قال: و كان احمد بن حنبل إذا روى عنه قال: حدثني موسى بن جعفر قال حدثني أبي جعفر بن محمد قال حدثني أبي محمد بن علي قال حدثني أبي علي بن الحسين قال حدثني أبي الحسين بن علي قال حدثني أبي علي بن أبي طالب قال قال رسول الله ص‏، ثم قال احمد و هذا اسناد لو قرئ على المجنون لأفاق.

مؤلفاته‏

روى الناس عنه من أنواع العلوم ما دون و امتلأت به بطون الدفاتر و

من مؤلفاته وصيته لهشام بن الحكم و صفته للعقل و هي وصية طويلة أوردها الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول. أولها

ان الله تبارك و تعالى بشر أهل العقل و الفهم في كتابه فقال‏

فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ‏

.

ما اثر عنه من المواعظ و الحكم‏

المنقول عن تذكرة ابن حمدون‏

قال ابن حمدون في تذكرته قال موسى بن جعفر(ع)‏:

وجدت علم الناس في اربع أولها ان تعرف ربك و الثانية ان تعرف ما صنع بك و الثالثة ان تعرف ما أراد منك و الرابعة ان تعرف ما يخرجك عن دينك.

معنى هذه الأربع‏

الأولى وجوب معرفة الله تعالى التي هي اللطف.

الثانية معرفة ما صنع بك من النعم التي يتعين عليك لأجلها الشكر و العبادة.

الثالثة ان تعرف ما أراد منك فيما أوجبه عليك و ندبك إلى فعله لتفعله على الحد الذي اراده منك فتستحق بذلك الثواب.

الرابعة ان تعرف الشي‏ء الذي يخرجك عن طاعة الله فتجتنبه.

المنقول من كشف الغمة

من استوى يوماه فهو مغبون و من كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون و من لم يعرف الزيادة في نفسه فهو في النقصان و من كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة.

المنقول من تحف العقول‏

قال(ع)

كثرة الهم تورث الهرم و العجلة هي الخرق و قلة العيال أحد اليسارين و من أحزن والديه فقد عقهما، المصيبة لا تكون مصيبة يستوجب صاحبها أجرها الا بالصبر و الاسترجاع عند الصدمة و الصنيعة لا تكون صنيعة الا عند ذي دين أو حسب و الله ينزل المعونة على قدر المئونة و ينزل الصبر على قدر المصيبة و من اقتصد و قنع بقيت عليه النعمة و من بذر و أسرف زالت عنه النعمة و أداء الامانة و الصدق يجلبان الرزق و الخيانة و الكذب يجلبان الفقر و النفاق.

قال و روي عنه(ع)في قصار هذه المعاني قال(ع)

ينبغي لمن عقل عن الله ان لا يستبطئه في رزقه و لا يتهمه‏

10

في قضائه‏

، و

قال لبعض أصحابه‏

: اتق الله و قل الحق و ان كان فيه هلاكك فان فيه نجاتك، اتق الله و دع الباطل و ان كان فيه نجاتك فان فيه هلاكك، إياك ان تمنع في طاعة الله فتنفق مثليه في معصية الله، المؤمن مثل كفتي الميزان كلما زيد في ايمانه زيد في بلائه‏

، و

قال(ع)عند قبر حضره‏

: ان شيئا هذا آخره لحقيق ان يزهد في أوله و ان شيئا هذا أوله لحقيق ان يخاف آخره‏

و قال(ع)‏:

اشتدت مئونة الدنيا و الدين فاما مئونة الدنيا فانك لا تمد يدك إلى شي‏ء منها الا وجدت فاجرا قد سبقك اليه و اما مئونة الآخرة فانك لا تجد أعوانا يعينونك عليها، ثلاث يجلين البصر النظر إلى الخضرة و النظر إلى الماء الجاري و النظر إلى الوجه الحسن، ليس حسن الجوار كف الأذى و لكن حسن الجوار الصبر على الأذى، لا تذهب الحشمة بينك و بين أخيك و ابق منها فان ذهابها ذهاب الحياء، إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحل لاحد ان يظن بأحد خيرا حتى يعرف ذلك منه، اجتهدوا في ان يكون زمانكم اربع ساعات ساعة لمناجاة الله و ساعة لامر المعاش و ساعة لمعاشرة الاخوان و الثقات الذين يعرفونكم عيوبكم و يخلصون لكم في الباطن و ساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم و بهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات، لا تحدثوا أنفسكم بفقر و لا بطول عمر فإنه من حدث نفسه بالفقر يبخل و من حدثها بطول العمر يحرص، اجعلوا لأنفسكم حظا من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال و ما لا يثلم المروءة و ما لا سرف فيه و استعينوا بذلك على أمور الدين فإنه روي ليس منا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه، تفقهوا في دين الله فان الفقه مفتاح البصيرة و تمام العبادة و السبب إلى المنازل الرفيعة و الرتب الجليلة في الدين و الدنيا و فضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، و من لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملا

، و

قال لعلي بن يقطين‏

: كفارة عمل السلطان الإحسان إلى الاخوان، كلما أحدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعملون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدون‏

، و

قال(ع)‏:

ينادي مناد يوم القيامة الا من كان له على الله أجر فليقم فلا يقوم الا من عفا و أصلح فاجره على الله‏

، و

قال(ع)‏:

السخي الحسن الخلق في كنف الله لا يتخلى الله عنه حتى يدخله الجنة و ما بعث الله نبيا الا سخيا و ما زال أبي يوصيني بالسخاء و حسن الخلق حتى مضى‏

و قال(ع)للفضل‏

أبلغ خيرا و قل خيرا و لا تكن إمعة قلت و ما الإمعة قال لا تقل انا مع الناس و انا كواحد من الناس ان رسول الله(ص)قال يا أيها الناس انما هما نجدان نجد خير و نجد شر فلا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير

، و

قال‏

: لا تصلح المسألة الا في ثلاث في دم منقطع أو غرم مثقل أو حاجة مدقعة

، و

قال‏

عونك للضعيف من أفضل الصدقة

، و

قال‏

: تعجب الجاهل من العاقل أكثر من تعجب العاقل من الجاهل‏

، و

قال(ع)‏:

المصيبة للصابر واحدة و للجازع اثنتان‏

، و

قال(ع)‏:

يعرف شدة الجور من حكم به عليه‏

اه.

وصاياه‏

في تحف العقول قال(ع)لبعض ولده‏

: يا بني إياك ان يراك الله في معصية نهاك عنها و إياك ان يفقدك الله عند طاعة أمرك بها و عليك بالجد و لا تخرجن نفسك من التقصير في عبادة الله و طاعته فان الله لا يعبد حق عبادته و إياك و المزاح فإنه يذهب بنور إيمانك و يستخف مروءتك و إياك و الضجر و الكسل فإنهما يمنعان حظك من الدنيا و الآخرة.

وصيته لهشام بن الحكم‏

في تحف العقول من وصيته لهشام بن الحكم‏

: يا هشام لو كان في يدك جوزة و قال الناس في يدك لؤلؤة ما كان ينفعك و أنت تعلم انها جوزة و لو كان في يدك لؤلؤة و قال الناس انها جوزة ما ضرك و أنت تعلم انها لؤلؤة، ما من عبد الا و ملك آخذ بناصيته فلا يتواضع الا رفعه الله و لا يتعاظم الا وضعه الله، ان لله على الناس حجتين حجة ظاهرة و حجة باطنة فاما الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الائمة و اما الباطنة فالعقول، ان العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره و لا يغلب الحرام صبره، ان كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شي‏ء من الدنيا يغنيك، لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم لا دين لمن لا مروءة له و لا مروءة لمن لا عقل له و ان أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا اما ان أبدانكم ليس لها ثمن الا الجنة فلا تبيعوها بغيرها ان العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه و لا يسال من يخاف منعه و لا يعد ما لا يقدر عليه و لا يرجو ما يعنف برجائه و لا يتقدم على ما يخاف العجز عنه. الغضب مفتاح الشر و أكمل المؤمنين ايمانا أحسنهم خلقا و ان خالطت الناس فان استطعت ان لا تخالط أحدا منهم الا من كانت يدك عليه العليا فافعل. عليك بالرفق فان الرفق يمن و الخرق شؤم ان الرفق و البر و حسن الخلق يعمر الديار و يزيد في الرزق. قول الله‏

هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ‏

جرت في المؤمن و الكافر و البر و الفاجر من صنع اليه معروف فعليه ان يكافئ به و ليست المكافاة ان تصنع كما صنع حتى ترى فضلك فان صنعت كما صنع فله الفضل بالابتداء. اصبر على طاعة الله و اصبر عن معاصي الله فإنما الدنيا ساعة فما مضى منها فليس تجد له سرورا و لا حزنا و ما لم يأت منها فليس تعرفه فاصبر على الساعة التي أنت فيها فكأنك قد اعتبطت. إياك و الكبر فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر. الكبر رداء الله فمن نازعه رداءه أكبه الله في النار على وجهه ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فان عمل حسنا استزاد منه و ان عمل سيئا استغفر الله منه و تاب اليه مجالسة أهل الدين شرف الدنيا و الآخرة و مشاورة العاقل الناصح يمن و بركة و رشد و توفيق من الله فإذا أشار عليك العاقل الناصح فإياك و الخلاف فان في ذلك العطب. إياك و مخالطة الناس و الأنس بهم الا ان تجد منهم عاقلا و مأمونا فائنس به و اهرب من سائرهم كهربك من السباع الضارية إياك و الطمع و عليك باليأس مما في ايدي الناس و أمت الطمع من المخلوقين فان الطمع مفتاح الذل و اختلاس العقل و اختلاف المروءات و تدنيس العرض و الذهاب بالعلم و عليك بالاعتصام بربك و التوكل عليه و جاهد نفسك لتردها عن هواها فإنه واجب عليك كجهاد عدوك. من أكرمه الله بثلاث فقد لطف له عقل يكفيه مئونة هواه و علم يكفيه مئونة جهله و غنى يكفيه مخافة الفقر.

بعض أدعيته القصيرة

في الإرشاد كان يدعو كثيرا فيقول‏

: اللهم اني أسألك الراحة عند الموت و العفو عند الحساب‏

و يكرر ذلك (و

كان من دعائه)

عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك.

ما اثر عنه من الشعر

في مناقب ابن شهرآشوب عن موسى بن جعفر(ع)قال دخلت ذات يوم من المكتب و معي لوحي فأجلسني أبي بين يديه و قال يا بني اكتب:

تنح عن القبيح و لا ترده‏

ثم قال أجز فقلت:

و من أوليته حسنا فزده‏

ثم قال:

ستلقى من عدوك كل كيد

فقلت:

إذا كان العدو فلا تكده‏

11

وفاته‏

روى الصدوق في عيون الاخبار عن الطالقاني عن محمد بن يحيى الصولي عن أبي العباس احمد بن عبد الله عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن صالح بن علي بن عطية قال‏: كان السبب في وقوع موسى بن جعفر(ع)إلى بغداد ان هارون الرشيد أراد ان يعقد الأمر لابنه محمد بن زبيدة و كان له من البنين اربعة عشر ابنا فاختار منهم ثلاثة محمد بن زبيدة و جعله ولي عهده و عبد الله المأمون و جعل الأمر له بعد ابن زبيدة و القاسم المؤتمن و جعل الأمر له بعد المأمون، فأراد ان يحكم الأمر في ذلك و يشهره شهرة يقف عليها الخاص و العام فحج في سنة تسع و سبعين و مائة و كتب إلى جميع الآفاق يأمر الفقهاء و العلماء و القراء و الأمراء ان يحضروا مكة أيام الموسم فاخذ هو طريق المدينة، قال علي بن محمد النوفلي:

فحدثني أبي انه كان سبب سعاية يحيى بن خالد بموسى بن جعفر(ع)وضع الرشيد ابنه محمد بن زبيدة في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث فساء ذلك يحيى و قال إذا مات الرشيد و أفضى الأمر إلى محمد انقضت دولتي و دولة ولدي و تحول الأمر إلى 2 جعفر بن محمد بن الأشعث و ولده، و كان قد عرف مذهب جعفر في التشيع، فأظهر له انه على مذهبه فسر به جعفر و أفضى اليه بجميع أموره و ذكر له ما هو عليه في موسى بن جعفر(ع)فلما وقف على مذهبه سعى به إلى الرشيد فكان الرشيد يرعى له موضعه و موضع أبيه من نصرة الخلافة فكان يقدم في امره و يؤخر و يحيى لا يألو ان يحطب عليه إلى ان دخل جعفر يوما إلى الرشيد فأظهر له إكراما و جرى بينهما كلام مت به جعفر بحرمته و حرمة أبيه فأمر له الرشيد في ذلك اليوم بعشرين ألف دينار فأمسك يحيى عن ان يقول فيه شيئا حتى أمسى ثم قال للرشيد يا أمير المؤمنين قد كنت أخبرك عن جعفر و مذهبه فتكذب عنه و هاهنا أمر فيه الفيصل، قال: و ما هو؟ قال انه لا يصل اليه مال من جهة من الجهات الا أخرج خمسه فوجه به إلى موسى بن جعفر و لست أشك انه قد فعل ذلك في العشرين الالف الدينار التي أمرت بها له، فقال هارون: ان في هذا لفيصلا، فأرسل إلى جعفر ليلا و قد كان عرق سعاية يحيى به فتباينا و أظهر كل واحد منهما لصاحبه العداوة، فلما طرق جعفرا رسول الرشيد بالليل خشي ان يكون قد سمع فيه قول يحيى و انه انما دعاه ليقتله فأفاض عليه ماء و دعا بمسك و كافور فتحنط بهما و لبس بردة فوق ثيابه و اقبل إلى الرشيد فلما وقعت عليه عينه و اشتم رائحة الكافور و رأى البردة عليه قال يا جعفر ما هذا؟ فقال يا أمير المؤمنين قد علمت انه قد سعي بي عندك فلما جاءني رسولك في هذه الساعة لم آمن ان يكون قد قح في قلبك ما يقال علي فأرسلت إلي لتقتلني، فقال كلا و لكن قد خبرت انك تبعث إلى موسى بن جعفر من كل ما يصير إليك بخمسه و انك قد فعلت ذلك في العشرين الالف الدينار فأحببت ان اعلم ذلك، فقال جعفر: الله أكبر يا أمير المؤمنين تامر بعض خدمك يذهب فيأتيك بها بخواتيمها، فقال الرشيد لخادم له خذ خاتم جعفر و انطلق به حتى تاتيني بهذا المال و سمى له جعفر جاريته التي عندها المال فدفعت اليه البدر بخواتيمها فاتى بها الرشيد فقال له جعفر هذا أول ما تعرف به كذب من سعى بي إليك قال صدقت جعفر فقال ليحيى بن أبي مريم أ لا تدلني على رجل من آل أبي طالب له رغبة في الدنيا فأوسع له منها قال بلى أدلك على رجل بهذه الصفة و هو علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد فأرسل اليه يحيى فقال اخبرني عن عمك و عن شيعته و المال الذي يحمل اليه فقال له عندي الخبر و سعى بعمه. (أقول) أراد يحيى ببحثه عن طالبي له رغبة في الدنيا ان يتوصل بواسطته إلى معرفة شيعة موسى بن جعفر و المال الذي يحمل اليه ليعرف ان جعفر بن محمد بن الأشعث منهم و انه يحمل المال إلى الكاظم(ع)فيشي به إلى الرشيد فيقتله فتسبب من ذلك الوشاية بالكاظم(ع)و قتله، و كان يحيى يخاف من انتقال الخلافة إلى الأمين و تقدم جعفر بن محمد بن الأشعث عنده لانه كان في حجره يتولى تربيته و تثقيفه فتزول دولة البرامكة و لم يعلم يحيى ان الله بالمرصاد لكل باغ و ان من حفر لأخيه بئرا أوقعه الله فيها و ان من سل سيف البغي قتل به فزالت دولته و دولة ولده في 0 حياة الرشيد قبل انتقال الأمر إلى الأمين و قتله الرشيد و ولده شر قتلة و اقتص للإمام الكاظم(ع)منهم في الدنيا و لعذاب الآخرة أشد و أخزى و في رواية أن الذي وشى به هو ابن أخيه محمد بن إسماعيل بن جعفر، قال ابن شهرآشوب في المناقب: كان محمد بن إسماعيل بن الصادق(ع)عند عمه موسى الكاظم(ع)يكتب له الكتب إلى شيعته في الآفاق فلما ورد الرشيد الحجاز سعى بعمه إلى الرشيد فقال: أ ما علمت ان في الأرض خليفتين يجبى إليهما الخراج؟ فقال الرشيد ويلك انا و من؟ قال موسى بن جعفر و أظهر إسراره فقبض عليه و حظي محمد عند الرشيد و دعا عليه موسى الكاظم بدعاء

استجابة الله فيه و في أولاده. و روى الكشي بسنده عن علي بن جعفر بن محمد(ع)قال: جاءني محمد بن إسماعيل بن جعفر يسالني ان اسال أبا الحسن موسى(ع)ان يأذن له في الخروج إلى العراق و ان يرضى عنه و يوصيه بوصيته قال فتنحيت حتى دخل المتوضأ و خرج و هو وقت كان يتهيأ لي ان أخلو به و أكلمه قال فلما خرج قلت له ان ابن أخيك محمد بن إسماعيل يسألك ان تأذن له في الخروج إلى العراق و ان توصيه فاذن له(ع)فلما رجع إلى مجلسه قام محمد بن إسماعيل و قال يا عم أحب ان توصيني فقال أوصيك ان تتقي الله في دمي، فقال لعن الله من يسعى في دمك ثم قال يا عم اوصني فقال أوصيك ان تتقي الله في دمي، قال ثم ناوله أبو الحسن(ع)صرة فيها مائة و خمسون دينارا فقبضها محمد ثم ناوله اخرى فيها مائة و خمسون دينارا فقبضها ثم أعطاه صرة اخرى فيها مائة و خمسون دينارا فقبضها ثم امر له بالف و خمسمائة درهم كانت عنده فقلت له في ذلك و استكثرته فقال هذا ليكون أوكد لحجتي إذا قطعني و وصلته قال فخرج إلى العراق فلما ورد حضرة هارون أتى باب هارون بثياب طريقه قبل ان ينزل و استاذن على هارون و قال للحاجب قل لأمير المؤمنين ان محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بالباب فقال الحاجب انزل أولا و غير ثياب طريقك و عد لأدخلك اليه بغير إذن فقد نام أمير المؤمنين في هذا الوقت فقال أعلم أمير المؤمنين أني حضرت و لم تأذن لي فدخل الحاجب و أعلم هارون قول محمد بن إسماعيل فأمر بدخوله فدخل قال يا أمير المؤمنين خليفتان في الأرض موسى بن جعفر بالمدينة يجبى له الخراج و أنت بالعراق يجبى لك الخراج فقال و الله فقال و الله قال فأمر له بمائة ألف درهم فلما قبضها و حملت إلى منزله أخذته الذبحة في جوف ليلته فمات و حول من الغد المال الذي حمل اليه إلى الرشيد.

و في بعض الروايات ان الذي وشى بالكاظم(ع)هو أخوه محمد بن جعفر، روى الصدوق في العيون بسنده ان محمد بن جعفر دخل على هارون الرشيد فسلم عليه بالخلافة ثم قال له ما ظننت ان في الأرض خليفتين حتى رأيت أخي موسى بن جعفر يسلم عليه بالخلافة قال و كان ممن سعى بموسى بن جعفر(ع)يعقوب بن داود اه و يمكن ان يكون كل منهم قد سعى به (ع)‏.

و في كشف الغمة: قيل سعى به جماعة من أهل بيته منهم: محمد بن جعفر بن محمد أخوه و محمد بن إسماعيل بن جعفر ابن أخيه اه.

12

و روى المفيد في الإرشاد و الشيخ في كتاب الغيبة بعدة أسانيد بما لا يخرج عما ورد في رواية الصدوق الا في بعض التفاصيل ثم قالوا: و خرج الرشيد في تلك السنة إلى الحج و بدأ بالمدينة فقبض فيها على أبي الحسن موسى(ع)و يقال انه لما ورد المدينة استقبله موسى(ع)في جماعة من الاشراف و انصرفوا من استقباله فمضى أبو الحسن(ع)إلى المسجد على رسمه فأقام الرشيد إلى الليل فصار إلى قبر رسول الله(ص)فقال يا رسول الله اني اعتذر إليك من شي‏ء أريد ان أفعله أريد ان احبس موسى بن جعفر فإنه يريد التشتيت بين أمتك و سفك دمائها ثم امر به فاخذ من المسجد فادخل عليه فقيده و استدعى قبتين جعله في إحداهما على بغل و جعل القبة الاخرى على بغل و جعل القبة الاخرى على بغل [آخر و أخرج البغلين من داره عليهما القبتان مستورتان و مع كل واحدة منهما خيل فافترقت الخيل فمضى بعضها مع احدى القبتين على طريق البصرة و الاخرى على طريق الكوفة و كان أبو الحسن(ع)في القبة التي مضي بها على طريق البصرة و انما فعل ذلك الرشيد ليعمي على الناس الأمر في باب أبي الحسن(ع)و امر القوم الذين كانوا مع قبة أبي الحسن ان يسلموه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور و كان على البصرة حينئذ فسلم اليه فحبسه عنده سنة و كتب اليه الرشيد في دمه فاستدعى عيسى بن جعفر بعض خاصته و ثقاته فاستشارهم فيما كتب اليه الرشيد فأشار عليه خاصته بالتوقف عن ذلك و الاستعفاء منه فكتب عيسى بن جعفر إلى الرشيد يقول له: لقد طال امر موسى بن جعفر و مقامه في حبسي و قد اختبرت حاله و وضعت عليه العيون طول هذه المدة فما وجدته يفتر عن العبادة و وضعت من يسمع منه ما يقوله في دعائه فما دعي عليك و لا علي و لا ذكرنا بسوء و ما يدعو لنفسه الا بالمغفرة و الرحمة فان أنت أنفذت إلي من يتسلمه مني و الا خليت سبيله فاني متحرج من حبسه، و روي ان بعض عيون عيسى بن جعفر رفع اليه أن يسمعه كثيرا يقول في دعائه و هو محبوس عنده‏

اللهم انك تعلم أني كنت أسألك ان تفرغني لعبادتك اللهم و قد فعلت فلك الحمد

، قال فوجه الرشيد من تسلمه من عيسى بن جعفر المنصور و صير به إلى بغداد فسلم إلى الفضل بن الربيع فبقي عنده مدة طويلة.

قال المفيد: و أراد الرشيد الفضل بن الربيع على شي‏ء من امره فأبى فكتب اليه بتسليمه إلى الفضل بن يحيى فتسلمه منه و جعله في بعض حجر دوره و وضع عليه الرصد و كان(ع)مشغولا بالعبادة يحيي الليل كله صلاة و قراءة للقرآن و دعاء و اجتهادا و يصوم النهار في أكثر الأيام و لا يصرف وجهه عن المحراب فوسع عليه الفضل بن يحيى و أكرمه فاتصل ذلك بالرشيد و هو في الرقة فكتب اليه ينكر عليه توسعته على موسى(ع)و يأمره بقتله فتوقف عن ذلك و لم يقدم عليه فاغتاظ الرشيد لذلك و دعا مسرور الخادم فقال له اخرج على البريد في هذا الوقت إلى بغداد و ادخل من فورك على موسى بن جعفر فان وجدته في دعة و رفاهية فأوصل هذا الكتاب إلى العباس بن محمد و امره بامتثال ما فيه و سلم اليه كتابا آخر إلى السندي بن شاهك يأمره فيه بطاعة العباس، فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد ثم دخل على موسى(ع)فوجده على ما أبلغ الرشيد فمضى من فوره إلى العباس بن محمد و السندي بن شاهك فأوصل الكتابين إليهما فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض ركضا إلى الفضل بن يحيى فركب معه و خرج مدهوشا دهشا حتى دخل على العباس بن محمد فدعى العباس بسياط و عقابين و امر بالفضل فجرد و ضربه السندي بين يديه مائة سوط و خرج متغير اللون خلاف ما دخل و جعل يسلم على الناس يمينا و شمالا و كتب مسرور بالخبر إلى الرشيد فأمر بتسليم موسى إلى السندي بن شاهك و جلس الرشيد مجلسا حافلا و قال أيها الناس ان الفضل بن يحيى قد عصاني و خالف طاعتي و رأيت ان ألعنه فالعنوه فلعنه الناس من كل ناحية حتى ارتج البيت و الدار بلعنه و بلغ يحيى بن خالد الخبر فركب إلى الرشيد فدخل من غير الباب الذي يدخل الناس منه حتى جاء من خلفه و هو لا يشعر به ثم قال له التفت يا أمير المؤمنين إلي فأصغى اليه فزعا فقال ان الفضل حدث و انا أكفيك ما تريد فانطلق وجهه و سر و اقبل على الناس فقال ان الفضل كان قد عصاني في شي‏ء فلعنته و قد تاب و أناب إلى طاعتي فتولوه فقالوا نحن أولياء من واليت و أعداء من عاديت و قد توليناه، ثم خرج يحيى بن خالد على البريد حتى وافى بغداد فماج الناس و ارجفوا بكل شي‏ء و أظهر انه ورد لتعديل السواد و النظر في امر العمال و تشاغل ببعض ذلك أياما ثم دعا السندي بن شاهك فأمره فيه بامره فامتثله و كان الذي تولى به السندي قتله(ع)سما جعله في طعام قدمه اليه و يقال انه جعله في رطب فأكل منه فأحس بالسم و لبث ثلاثا بعده موعوكا منه ثم مات في اليوم الثالث. و لما مات موسى(ع)ادخل السندي بن شاهك عليه الفقهاء و وجوه أهل بغداد و فيهم الهيثم بن عدي و غيره فنظروا اليه لا اثر به من جراح و لا خمش و أشهدهم على انه مات حتف انفه فشهدوا على ذلك و اخرج و وضع على الجسر ببغداد و نودي هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا اليه فجعل الناس يتفرسون في وجهه و هو ميت و قد كان قوم زعموا في أيام موسى(ع)انه هو القائم المنتظر و جعلوا حبسه هو الغيبة المذكورة للقائم فأمر يحيى بن خالد ان ينادى عليه عند موته هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة انه لا يموت فانظروا اليه فنظر الناس اليه ميتا ثم حمله فدفن في مقابر قريش في باب التبن و كانت هذه المقبرة لبني هاشم و الاشراف من الناس قديما. و روي انه لما حضرته الوفاة سال السندي بن شاهك ان يحضره مولى له مدني ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليتولى غسله و تكفينه ففعل ذلك، قال السندي فكنت سالته في الاذن لي ان أكفنه فأبى و قال إنا أهل بيت مهور نسائنا و حج صرورتنا و أكفان موتانا من طاهر أموالنا و عندي كفن أريد ان يتولى غسلي و جهازي مولاي فلان فتولى ذلك منه.

أبو الحسن علي الرضا ابن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين ابن علي بن أبي طالب (ع)

ثامن أئمة أهل البيت الطاهر (صلوات الله عليهم أجمعين)

مولده و وفاته و مدة عمره و مدفنه‏

ولد بالمدينة يوم الجمعة أو يوم الخميس 11 ذي الحجة أو ذي القعدة أو ربيع الأول سنة 153 أو 148 للهجرة سنة وفاة جده الصادق(ع)أو بعدها بخمس سنين.

و توفي يوم الجمعة أو الاثنين آخر صفر أو 17 أو 21 من شهر رمضان أو 18 جمادى الأولى أو 23 من ذي القعدة أو آخره سنة 203 أو 206 أو 202 قال الصدوق في العيون: الصحيح أنه توفي في شهر رمضان لتسع بقين منه يوم الجمعة سنة 203 و كانت وفاته بطوس من أرض خراسان في قرية يقال لها سناآباد من رستاق نوقان من نوقان على دعوة.

و عمره 48 أو 47 أو 50 أو 51 أو 57 سنة و 49 يوما أو 79 يوما أو بزيادة 9 أشهر عليها أو 6 أشهر و 10 أيام على حسب الاختلاف في تاريخ‏

13

المولد و الوفاة و ما يقال في عمره الشريف أنه 55 أو 52 أو 49 سنة لا يكاد ينطبق على شي‏ء من الأقوال و الروايات و الظاهر أن منشا بعضه التسامح بعد السنة الناقصة سنة كاملة. و من الغريب ما ذكره الصدوق في العيون من أن ولادته في 11 ربيع الأول سنة 153 و وفاته لتسع بقين من رمضان سنة 203 و عمره 49 سنة و 6 أشهر مع أنه على هذا يكون عمره 50 سنة و 6 أشهر و 10 أيام و منشاه عدم التدقيق في الحساب و قد وقع نظيره من الشيخ المفيد في غير المقام كما نبهنا عليه في حواشي المجالس السنية. أقام منها مع أبيه 24 سنة و أشهرا كما في مطالب السئول و 25 سنة إلا شهرين في قول ابن الخشاب و المطابق لما مر أن يكون عمره يوم وفاة أبيه 35 سنة أو 29 سنة و شهرين و بعد أبيه 25 سنة كما في مطالب السئول و المطابق لما تقدم ان يكون بقاؤه بعده 20 سنة كما في الإرشاد أو بنقيصة شهرين أو ثلاثة أو 20 سنة و 4 أشهر أو 22 سنة الا شهرا و هي مدة إمامته و خلافته و هي بقية ملك الرشيد عشر سنين و خمسة و عشرين يوما ثم خلع الأمين و أجلس عمه إبراهيم بن المهدي اربعة و عشرين يوما ثم اخرج محمد ثانية و بويع له و بقي سنة و سبعة أشهر و قتله طاهر بن الحسين ثم ملك المأمون عبد الله بن هارون بعده عشرين سنة و استشهد.(ع)بعد مضي خمس سنين أو ثمان سنين من ملك المأمون.

أمه‏

في مطالب السئول: أمه أم ولد تسمى الخيزران المرسية و قيل شقراء النوبية و اسمها اروى و شقراء لقب لها.

قال الطبرسي في اعلام الورى: أمه أم ولد يقال لها أم البنين و اسمها نجمة و يقال سكن النوبية و يقال تكتم، قال الحاكم أبو علي قال الصولي و الدليل على أن اسمها تكتم قول الشاعر يمدح الرضا (ع):

ألا ان خير الناس نفسا و والدا* * * و رهطا و أجدادا علي المعظم‏

أتتنا به للعلم و الحلم ثامنا* * * اماما يؤدي حجة الله تكتم‏

قال أبو بكر: و قد نسب قوم هذا الشعر إلى عم أبي إبراهيم بن العباس و لم اروه و ما لم يقع لي رواية و سماعا فاني لا أحققه و لا أبطله، قال و تكتم من أسماء نساء العرب قد جاءت في الاشعار كثيرا منها في قول الشاعر:

طاف الخيالان فزادا سقما* * * خيال تكنى و خيال تكتما

(اه) و صحح الفيروزآبادي تكنى و تكتم على بناء المجهول و قال كل منهما اسم لامرأة.

كنيته‏

أبو الحسن و يقال أبو الحسن الثاني. و روى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين ما يدل على انه يكنى بأبي بكر فروى بسنده عن عيسى بن مهران عن أبي الصلت الهروي قال: سالني المأمون يوما عن مسألة فقلت قال فيها أبو بكر كذا و كذا فقال من أبو بكر أبو بكرنا أو أبو بكر العامة قلت بل أبو بكرنا فقال عيسى لأبي الصلت من أبو بكركم فقال علي بن موسى الرضا كان يكنى به.

لقبه‏

في مطالب السئول: ألقابه الرضا و الصابر و الرضي و الوفي و أشهرها الرضا، و مثله في الفصول المهمة مع إبدال الرضي و الوفي بالزكي و الولي، و في مناقب ابن شهرآشوب قال أحمد البزنطي انما سمي الرضا لأنه كان رضا لله تعالى في سمائه و رضا لرسوله و الأئمة(ع)بعده في أرضه و قيل لأنه رضي به المخالف و الموالف و قيل لأنه رضي به المأمون.

نقش خاتمه‏

في الفصول المهمة: حسبي الله، و في الكافي بسنده عن الرضا (ع): نقش خاتمي ما شاء الله لا قوة إلا بالله، و في العيون: نقش خاتمه وليي الله.

بوابه‏

في الفصول المهمة: بوابه محمد بن الفرات، و في المناقب: كان بوابه محمد بن راشد.

شاعره‏

دعبل الخزاعي و أبو نواس و إبراهيم بن العباس الصولي.

أولاده‏

قال كمال الدين محمد بن طلحة في مطالب السئول: اما أولاده فكانوا ستة: خمسة ذكور و بنت واحدة و أسماء أولاده: محمد القانع، الحسن، جعفر، إبراهيم، الحسن، عائشة (اه) و نحوه ذكر عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي في معالم العترة الطاهرة و ابن الخشاب في مواليد أهل البيت و أبو نعيم في الحلية. و في تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: أولاده محمد الامام أبو جعفر الثاني و جعفر و أبو محمد الحسن و إبراهيم و ابنة واحدة. و قال المفيد في الإرشاد: مضى الرضا (ع) و لم يترك ولدا نعلمه إلا ابنه الامام بعده أبا جعفر محمد بن علي(ع)و قال ابن شهرآشوب في المناقب: أولاده محمد الامام فقط. و قال الطبرسي في اعلام الورى: كان للرضا من الولد ابنه أبو جعفر محمد بن علي الجواد لا غير، و عن العدد القوية: كان له ولدان محمد و موسى لم يترك غيرهما، و عن قرب الاسناد أن البزنطي قال للرضا (ع) اني أسألك منذ سنين عن الخليفة بعدك و أنت تقول ابني و لم يكن لك يومئذ ولد [و اليوم قد وهب الله لك ولدين فأيهما هو؟ و نقل المجلسي في البحار في باب حسن الخلق عن عيون اخبار الرضا (ع) حديثا عن فاطمة بنت الرضا عن أبيها إلخ.

صفته في خلقه و حليته‏

في الفصول المهمة: صفته معتدل القامة.

صفته في أخلاقه و أطواره‏

في إعلام الورى: في ذكر طرف من خصائصه و مناقبه و أخلاقه الكريمة قال إبراهيم بن العباس (يعني الصولي): ما رأيت الرضا (ع) سئل عن شي‏ء إلا علمه و لا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته و عصره و كان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شي‏ء فيجيب عنه و كان حوابه [جوابه كله و تمثله انتزاعات من القرآن المجيد و كان يختمه في كل ثلاث و كان يقول لو اني أردت ان اختمه في أقرب من ثلاث لختمت و لكنني ما مررت بآية قط الا فكرت فيها و في أي شي‏ء أنزلت (و عنه) قال: ما رأيت و لا سمعت بأحد

14

أفضل من أبي الحسن الرضا و شهدت منه ما لم أشاهد من أحد و ما رأيته جفا أحدا بكلام قط و لا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه و ما رد أحدا عن حاجة قدر عليها و لا مد رجليه بين يدي جليس له قط و لا اتكى بين يدي جليس له قط و لا رأيته يشتم أحدا من مواليه و مماليكه و لا رأيته تفل قط و لا رأيته يقهقه في ضحكه بل كان ضحكه التبسم و كان إذا خلا و نصبت الموائد اجلس على مائدته مماليكه و مواليه حتى البواب و السائس و كان قليل النوم بالليل كثير الصوم لا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر و يقول ان ذلك يعدل صيام الدهر و كان كثير المعروف و الصدقة في السر و أكثر ذلك منه لا يكون إلا في الليالي المظلمة فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه. قال: و عن محمد بن أبي عياد: كان جلوس الرضا (ع) على حصير في الصيف و على مسح في الشتاء و لبسه الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزين لهم، و قال الصدوق في العيون: كان (ع) خفيف الأكل قليل الطعام (اه) و في خلاصة تذهيب الكمال عن سنن ابن ماجة: كان سيد بني هاشم و كان المأمون يعظمه و يجله و عهد له بالخلافة و أخذ له العهد (اه) و قال الحاكم في تاريخ نيسابور كان يفتي في مسجد رسول الله(ص)و هو ابن نيف و عشرين سنة (اه) و في تهذيب التهذيب: كان الرضا من أهل العلم و الفضل مع شرف النسب (اه).

و روى الصدوق في عيون اخبار الرضا بسنده عن رجاء بن أبي الضحاك و كان بعثه المأمون لإشخاص الرضا (ع) قال: و الله ما رأيت رجلا كان أتقى لله منه و لا أكثر ذكرا له في جميع أوقاته منه و لا أشد خوفا لله عزل و جل (إلى أن قال): و كان لا ينزل بلدا إلا قصده الناس يستفتونه في معالم دينهم فيجيبهم و يحدثهم الكثير عن أبيه عن آبائه عن علي(ع)عن رسول الله(ص)فلما وردت به على المأمون سالني عن حاله في طريقه فأخبرته بما شاهدت منه في ليله و نهاره و ظعنه و إقامته فقال بلى يا ابن أبي الضحاك هذا خير أهل الأرض و أعلمهم و أعبدهم الحديث.

و في أنساب السمعاني: قال أبو حاتم بن حبان البستي يروي عن أبيه العجائب روى عنه أبو الصلت و غيره كان يهم و يخطئ قلت و الرضا كان من أهل العلم و الفضل مع شرف النسب، و الخلل في روايته من رواته فإنه ما روى عنه ثقة الا متروك، و المشهور من رواياته الصحيفة و راويها عليه مطعون فيه (اه) الأنساب: و كتب بعض من كانت عنده نسخة الأنساب على هامشها كما في النسخة المطبوعة بالتصوير الشمسي ما صورته: انظر إلى هذه الجرأة العظيمة من هذا المغرور كيف يوهم و يخطئ ابن رسول الله(ص)و وارث علمه أحد علماء العترة النبوية و امامهم المجمع على غزارة علمه و شرفه و ليت شعري كيف ظهر لهذا الناصبي الذي أفنى عمره في علم الرسوم لأجل الدنيا حتى نال بها قضاء بلخ و غيرها وهم علي بن موسى الرضا و خطاؤه و بينهما نحو مائة و خمسين عاما لو لا بغض القربى النبوية التي أمر الله بحبها و مودتها و أمر رسوله(ع)بالتمسك بها قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ* (اه) و يظهر أن بعض قارئيها ممن لم ترق في عينه ضرب بيده عليها بقصد طمسها لكنها بقيت واضحة جلية.

فضائله و مناقبه‏

و هي كثيرة و قد تكلفت بها كتب الأخبار و التاريخ. قال اليافعي في مرآة الجنان: فيها (أي سنة 203) توفي الامام الجليل المعظم سلالة السادة الأكارم أبو الحسن علي بن موسى الكاظم أحد الأئمة الاثني عشر ولي المناقب الذين انتسبت الامامية إليهم و قصروا بناء مذهبهم عليهم (اه) و لا بد من ملاحظة ما مر في سيرة الصادق (ع) من اشتراك الكل في انهم أكمل أهل زمانهم و نحن نذكر هنا طرفا من مناقبه و فضائله لتعسر استقصائها.

(أحدها): العلم مر عن إبراهيم بن العباس الصولي أنه قال: ما رأيت الرضا (ع) سئل عن شي‏ء الا علمه و لا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته و عصره و ان المأمون كان يمتحنه بالسؤال عن كل شي‏ء فيجيب عنه و ان جوابه كله كان انتزاعات من القرآن المجيد. و في اعلام الورى عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي قال ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا و لا رآه عالم الا شهد له بمثل شهادتي و لقد جمع المأمون في مجلس له عددا من علماء الأديان و فقهاء الشريعة و المتكلمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي منهم أحد الا أقر له بالفضل و أقر على نفسه بالقصور و لقد سمعته يقول كنت أجلس في الروضة و العلماء بالمدينة متوافرون فإذا أعيا الواحد منهم عن مسألة أشاروا إلى بأجمعهم و بعثوا إلي المسائل فأجبت عنها قال أبو الصلت و لقد حدثني محمد بن إسحاق بن موسى بن جعفر عن أبيه ان موسى بن جعفر كان يقول لبنيه هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمد فسلوه عن أديانكم و احفظوا ما يقول لكم.

و في مناقب ابن شهرآشوب عن كتاب الجلاء و الشفاء قال محمد بن عيسى اليقطيني: لما اختلف الناس في أمر أبي الحسن الرضا (ع) جمعت من مسائله مما سئل عنه و أجاب فيه ثمانية عشر ألف مسألة. و روى الشيخ في كتاب الغيبة عن الحميري عن اليقطيني مثله الا انه قال خمسة عشر ألف مسألة، و في المناقب ذكر أبو جعفر القمي في عيون اخبار الرضا أن المأمون جمع علماء سائر الملل مثل الجاثليق و رأس الجالوت و رؤساء الصابئين منهم عمران الصابي و الهربذ الأكبر و أصحاب زردشت و نطاس الرومي و المتكلمين منهم سليمان المروزي ثم احضر الرضا(ع)فسألوه فقطع الرضا واحدا بعد واحد و كان المأمون اعلم خلفاء بني العباس و هو مع ذلك كله انقاد له اضطرارا حتى جعله ولي عهده و زوج ابنته (اه).

اجوبة المسائل‏

روى الصدوق في العيون بسنده عن الحسين بن خالد

انه قال للرضا: يا ابن رسول الله ان الناس يروون ان رسول الله(ص)قال ان الله خلق آدم على صورته فقال قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث، ان رسول الله(ص)مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه قبح الله وجهك و وجه من يشبهك فقال له يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك فان الله عز و جل خلق آدم على صورته.

سئل) عن رجل قال كل مملوك قديم في ملكي فهو حر فقال يعتق من مضى له في ملكه ستة أشهر لقوله تعالى‏

وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ‏

و بين العرجون القديم و العرجون الحديث ستة أشهر.

و عن كتاب نثر الدرر

سال الفضل بن سهل علي بن موسى الرضا(ع)في مجلس المأمون فقال يا أبا الحسن الناس مجبرون فقال الله أعدل من ان يجبر ثم يعذب قال فمطلقون قال الله أحكم من أن يهمل عبده و يكله إلى نفسه.

15

و في تهذيب التهذيب: قال المبرد عن أبي عثمان المازني‏

سئل علي بن موسى الرضا (ع) يكلف الله العباد ما لا يطيقون قال و أعدل من ذلك، قال يستطيعون أن يفعلوا ما يريدون قال هم أعجز من ذلك‏

(اه).

(أقول) المراد و الله العالم انهم لا يستطيعون ان يفعلوا ما يريدون مستغنين عن أقدار الله لهم، و ياتي في اخباره مع المأمون من أجوبة مسائله في أنواع العلوم الشي‏ء الكثير.

(ثانيها) الحلم- و كفى في حلمه تشفعه إلى المأمون في الجلودي الذي كان ذهب إلى المدينة بامر الرشيد ليسلب نساء آل أبي طالب و لا يدع على واحدة منهن الا ثوبا واحدا و نقم بيعة الرضا (ع) فحبسه المأمون ثم دعا به من الحبس بعد ما قتل اثنين قبله فقال الرضا يا أمير المؤمنين هب لي هذا الشيخ فظن الجلودي انه يعين عليه فأقسم على المأمون ان لا يقبل قوله فيه فقال و الله لا أقبل قوله فيك و أمر بضرب عنقه، و سياتي ذلك مفصلا في خبر عزم المأمون على الخروج من مرو.

(ثالثها) التواضع- مر في صفته (ع) عن إبراهيم بن العباس انه كان إذا خلا و نصبت الموائد أجلس على مائدته مماليكه و مواليه حتى البواب و السائس. و عن ياسر الخادم: كان الرضا (ع) إذا خلا جمع حشمه كلهم عنده الصغير و الكبير فيحدثهم و يأنس بهم و يؤنسهم، و روى الكليني في الكافي بسنده عن رجل من أهل بلخ قال: كنت مع الرضا (ع) في سفره إلى خراسان فدعا يوما بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان و غيرهم فقال له بعض أصحابه جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة فقال (ع): ان الرب تبارك و تعالى واحد و الأم واحدة و الأب واحد و الجزاء بالأعمال.

(رابعها) مكارم الأخلاق- مر في صفته (ع) عن إبراهيم بن العباس انه (ع) ما جفا أحدا بكلام قط و لا قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه و ما رد أحدا عن حاجة قدر عليها و لا مد رجليه و لا اتكأ بين يدي جليس له قط و لا شتم أحدا من مواليه و مماليكه و لا تفل قط و لا قهقه في ضحكه بل يتبسم. و روى الكليني في الكافي بسنده انه نزل بأبي الحسن الرضا (ع) ضيف و كان جالسا عنده يحدثه في بعض الليل فتغير السراج فمد الرجل يده ليصلحه فزبره أبو الحسن (ع) ثم بادره بنفسه فأصلحه ثم قال إنا قوم لا نستخدم أضيافنا. و بسنده عن ياسر و نادر خادمي الرضا (ع) انهم [انهما قالا: قال لنا أبو الحسن(ص)ان قمت على رؤوسكم و أنتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا و لربما دعا بعضنا فيقال هم يأكلون فيقول دعوهم حتى يفرغوا.

(خامسها) الكرم و السخاء- سياتي عند ذكر ولايته للعهد انه وفد عليه من الشعراء إبراهيم بن العباس الصولي فوهب له عشرة آلاف من الدراهم التي ضربت باسمه، و أجاز أبا نواس بثلثمائة دينار لم يكن عنده غيرها و ساق اليه البغلة، و أجاز دعبلا الخزاعي بستمائة دينار و اعتذر إليه.

و في المناقب عن يعقوب بن إسحاق النوبختي قال: مر رجل بأبي الحسن الرضا (ع) فقال له اعطني على قدر مروءتك قال لا يسعني ذلك فقال على قدر مروء تي قال اما هذا فنعم. ثم قال يا غلام أعطه مائتي دينار. قال و فرق (ع) بخراسان ماله كله في يوم عرفة فقال له الفضل بن سهل ان هذا لمغرم فقال بل هو المغنم لا تعدن مغرما ما ابتعت به اجرا و كرما.

و روى الكليني في الكافي بسنده عن اليسع بن حمزة: كنت في مجلس أبي الحسن الرضا(ع)و قد اجتمع اليه خلق كثير يسألونه عن الحلال و الحرام إذ دخل عليه رجل طوال آدم فقال السلام عليك يا ابن رسول الله رجل من محبيك و محبي آبائك و أجدادك مصدري من الحج و قد افتقدت نفقتي و ما معي ما أبلغ به مرحلة فان رأيت أن تنهضني إلى بلدي و لله علي نعمة فإذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك فلست موضع صدقة فقال له اجلس رحمك الله و اقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا و بقي هو و سليمان الجعفري و خيثمة و انا فقال أ تأذنون لي في الدخول فقال له سليمان قدم الله أمرك فقام فدخل الحجرة و بقي ساعة ثم خرج و رد الباب و اخرج يده من أعلى الباب و قال اين الخراساني فقال‏ها انا ذا فقال خذ هذه المائتي دينار و استعن بها في مئونتك و نفقتك و تبرك بها و لا تتصدق بها عني و اخرج فلا أراك و لا تراني ثم خرج فقال سليمان جعلت فداك لقد أجزلت و رحمت فلما ذا سترت وجهك عنه فقال مخافة أن أرى ذل السؤال في وجهه لقضائي حاجته، أ ما سمعت حديث رسول الله(ص)المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة و المذيع بالسيئة مخذول و المستتر بها مغفور له أ ما سمعت قول الأول:

متى آته لأطلب حاجة* * * رجعت إلى اهلي و وجهي بمائه‏

(سادسها) كثرة الصدقات- مر عن إبراهيم بن العباس أنه(ع)كان كثير المعروف و الصدقة في السر و أكثر ذلك منه لا يكون الا في الليالي المظلمة.

(سابعها) الهيبة في قلوب الناس- فسياتي أنه لما خرج للصلاة في مرو و رآه القواد و العسكر رموا بنفوسهم عن دوابهم و نزعوا خفافهم و قطعوها بالسكاكين طلبا للسرعة لما روأه [رأوه راجلا حافيا، و انه لما هجم الجند على دار المأمون بسرخس بعد قتل الفضل بن سهل و جاء وا بنار ليحرقوا الباب و طلب منه المأمون أن يخرج إليهم فلما خرج و أشار إليهم أن يتفرقوا تفرقوا مسرعين.

اخباره مع المأمون‏

طلبه إياه من المدينة إلى مرو و جعله ولي عهده‏

كان 1 المأمون متشيعا لأمير المؤمنين علي(ع)مجاهرا بذلك محتجا عليه مكرما لآل أبي طالب متجاوزا عنهم على عكس أبيه الرشيد و يدل على تشيعه أمور كثيرة نذكر هنا طرفا منها.

1- احتجاجه على العلماء في تفضيل علي(ع)بالحجج البالغة كما رواه صاحب العقد الفريد و نقلناه بتمامه في الجزء الأول من معادن الجواهر و رواه الصدوق في العيون مسندا.

2- جعله الرضا(ع)ولي عهده و تزويجه ابنته و إحسانه إلى العلويين.

3- تزويجه الجواد ابنته و إكرامه و إجلاله.

4- قوله أ تدرون من علمني التشيع و حكايته خبر الكاظم(ع)مع الرشيد و تقدم في سيرة الكاظم (ع)‏.

5- إفتاؤه بتحليل المتعة و قوله و من أنت يا جعل حتى تحرم ما أحل الله في الخبر المشهور.

6- قوله بخلق القرآن وفقا لقول الشيعة حتى عد ذلك من مساوئه.

7- ما ذكره البيهقي في المحاسن و المساوي قال: قال المأمون أنصف شاعر الشيعة حيث يقول:

16

إنا و إياكم نموت فلا* * * أفلح بعد الممات من ندما

قال و قال المأمون:

و من غاو يعض علي غيظا* * * إذا أدنيت أولاد الوصي‏

يحاول أن نور الله يطفى* * * و نور الله في حصن أبي‏

فقلت أ ليس قد أوتيت علما* * * و بان لك الرشيد من الغوي‏

و عرفت احتجاجي بالمثاني* * * و بالمعقول و الأثر القوي‏

بآية خطة و باي معنى* * * تفضل ملحدين على علي‏

علي أعظم الثقلين حقا* * * و أفضلهم سوى حق النبي‏

8- ما ذكره الصدوق في عيون اخبار الرضا(ع)قال دخل عبد الله بن مطرق بن ماهان على المأمون يوما و عنده علي بن موسى الرضا فقال له المأمون ما تقول في أهل هذا البيت فقال عبد الله ما أقول في طينة عجنت بماء الرسالة و غرست بماء الوحي هل ينفح منها الا مسك الهدى و عنبر التقى فدعا المأمون بحقة فيها لؤلؤ فحشا فاه.

9- ما ذكره سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص قال: قال أبو بكر الصولي في كتاب الأوراق و غيره كان المأمون يحب عليا(ع)كتب إلى الآفاق بان علي بن أبي طالب أفضل الخلق بعد رسول الله(ص)و أن لا يذكر معاوية بخير و من ذكره بخير أبيح دمه و ماله. قال الصولي: و من أشعار المأمون في علي ع:

ألام على حب الوصي أبي الحسن* * * و ذلك عندي من عجائب ذا الزمن‏

خليفة خير الناس و الأول الذي* * * أعان رسول الله في السر و العلن‏

و لولاه ما عدت لهاشم امرة* * * و كانت على الأيام تقصى و تمتهن‏

ولى بني العباس ما اختص غيرهم* * * و من منه اولى بالتكرم و المنن‏

فأوضح عبد الله بالبصرة الهدى* * * و فاض عبيد الله جودا على اليمن‏

و قسم اعمال الخلافة بينهم* * * فلا زال مربوطا بذا الشكر مرتهن‏

قال و من أشعار المأمون:

لا تقبل التوبة من تائب* * * الا بحب ابن أبي طالب‏

أخو رسول الله حلف الهدى* * * و الأخ فوق الخل و الصاحب‏

إن جمعا في الفضل يوما فقد* * * فاق أخوه رغبة الراغب‏

فقدم الهادي في فضله* * * تسلم من اللائم و العائب‏

إن مال ذو النصب إلى جانب* * * ملت مع الشيعي في جانب‏

أكون في آل نبي الهدى* * * خير نبي من بني غالب‏

حبهم فرض نؤدي به* * * كمثل حج لازم واجب‏

قال و ذكر الصولي في كتاب الأوراق أيضا قال كان مكتوبا على سارية من سواري جامع البصرة:

رحم الله عليا* * * أنه كان تقيا

و كان يجلس إلى تلك السارية أبو عمر الخطابي و اسمه حفص و كان أعور، فأمر به فمحي فكتب إلى المأمون بذلك فشق عليه و امر باشخاصه اليه، فلما دخل عليه قال لم محوت اسم أمير المؤمنين على السارية فقال و ما كان عليها فقال:

رحم الله عليا* * * انه كان تقيا

فقال بلغني أنه كان نبيا فقال كذبت بل كانت القاف أصح من عينك الصحيحة و لو لا أن أزيدك عند العامة نفاقا لأدبتك ثم امر بإخراجه اه.

سبب طلب المأمون الرضا(ع)إلى خراسان ليجعله ولي عهده‏

قيل إن السبب في ذلك أن الرشيد كان قد بايع لابنه محمد الأمين بن زبيدة و بعده لأخيه المأمون و بعدهما لأخيهما القاسم المؤتمن و جعل امر عزله و ابقائه بيد المأمون و كتب بذلك صحيفة و أودعها في جوف الكعبة و قسم البلاد بين الأمين و المأمون فجعل شرقيها للمأمون و امره بسكنى مرو و غربيها للأمين و امره بسكنى بغداد فكان المأمون في حياة أبيه في مرو ثم إن الأمين بعد موت أبيه في خراسان خلع أخاه المأمون من ولاية العهد و بايع لولد له صغير فوقعت الحرب بينهما فنذر المأمون حين ضاق به الأمر إن أظفره الله بالأمين أن يجعل الخلافة في أفضل آل أبي طالب فلما قتل أخاه الأمين و استقل بالسلطنة و جرى حكمه في شرق الأرض و غربها كتب إلى الرضا(ع)يستقدمه إلى خراسان ليفي بنذره. و هذا الوجه اختاره الصدوق في عيون الأخبار- فروى بسنده عن الريان بن الصلت أن الناس أكثروا في بيعة الرضا من القواد و العامة و من لا يحب ذلك و قالوا هذا من تدبير الفضل بن سهل فأرسل إلي المأمون فقال بلغني أن الناس يقولون ان بيعة الرضا كانت من تدبير الفضل بن سهل قلت نعم قال ويحك يا ريان أ يجسر أحد أن يجي‏ء إلى خليفة قد استقامت له الرعية فيقول له ادفع الخلافة من يدك إلى غيرك أ يجوز هذا في العقل قلت لا و الله قال سأخبرك بسبب ذلك: انه لما كتب إلي محمد أخي يامرني بالقدوم عليه فأبيت عليه عقد لعلي بن موسى بن ماهان و امره أن يقيدني بقيد و يجعل الجامعة في عنقي و بعثت هرثمة بن أعين إلى سجستان و كرمان فانهزم و خرج صاحب السرير و غلب على كور خراسان من ناحيته فورد علي هذا كله في أسبوع و لم يكن لي قوة بذلك و لا مال أتقوى به و رأيت من قوادي و رجالي الفشل و الجبن فأردت أن ألحق بملك كابل فقلت في نفسي رجل كافر و يبذل محمد له الأموال فيدفعني إلى يده فلم أجد وجها أفضل من أن أتوب إلى الله من ذنوبي و أستعين به على هذه الأمور و أستجير بالله عز و جل فأمرت ببيت فكنس و صببت علي الماء و لبست ثوبين أبيضين و صليت اربع ركعات و دعوت الله و استجرت به و عاهدته عهدا وثيقا بنية صادقة إن أفضى الله بهذا الأمر إلي و كفاني عاديته أن أضع هذا الأمر في موضعه الذي وضعه الله عز و جل فيه فلم يزل امري يقوى حتى كان من امر محمد ما كان و أفضى الله إلي بهذا الأمر فأحببت أن أفي بما عاهدته فلم أر أحدا أحق بهذا الأمر من أبي الحسن الرضا فوضعتها فيه فلم يقبلها الا على ما قد علمت فهذا كان سببها (الحديث) و ياتي في حديث أبي الفرج و المفيد أن الحسن بن سهل لما جعل يعظم على المأمون إخراج الأمر من اهله و يعرفه ما في ذلك عليه قال له المأمون اني عاهدت الله على أني ان ظفرت بالمخلوع أخرجت الخلافة إلى أفضل آل أبي طالب و ما اعلم أحدا أفضل من هذا الرجل على وجه الأرض.

و قيل انما بايعه لأنه نظر في الهاشميين فلم يجد أحدا أفضل و لا أحق بالخلافة منه و هذا الوجه لا ينافي الوجه الأول قال اليافعي في مرآة الجنان:

إن سبب طلب المأمون الرضا(ع)إلى خراسان و جعله ولي عهده انه استحضر أولاد العباس الرجال منهم و النساء و هو بمدينة مرو من بلاد خراسان و كان عددهم ثلاثة و ثلاثين ألفا بين كبير و صغير و استدعى عليا المذكور فأنزله أحسن منزل و جمع خواص الأولياء و أخبرهم أنه نظر في ولد العباس و أولاد علي بن أبي طالب فلم يجد أحدا في وقته أفضل و لا أحق بالخلافة من علي الرضا فبايعه. و قال الطبري في تاريخه انه ورد كتاب من الحسن بن سهل إلى بغداد أن أمير المؤمنين المأمون جعل علي بن موسى بن جعفر بن محمد ولي عهده من بعده و ذلك أنه نظر في بني العباس و بني علي فلم يجد أحدا هو أفضل و لا أورع و لا اعلم منه (الحديث).

17

و روى الصدوق في العيون عن البيهقي عن الصولي عن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال أشار الفضل بن سهل على المأمون أن يتقرب إلى الله عز و جل و إلى رسوله بصلة رحمه بالبيعة لعلي بن موسى ليمحو بذلك ما كان من امر الرشيد فيهم و ما كان يقدر على خلافه في شي‏ء (إلى أن قال) و ما كان يحب أن يتم العهد للرضا(ع)بعده قال الصولي و قد صح عندي ما حدثني به عبيد الله من جهات: (منها) أن عون بن محمد حدثني عن محمد بن أبي سهل النوبختي أو عن أخ له قال لما عزم المأمون على العقد للرضا(ع)بالعهد قلت و الله لاعتبرن ما في نفس المأمون من هذا الأمر أ يحب إتمامه أو يتصنع به فكتبت اليه على يد خادم كان يكاتبني باسراره على يده: قد عزم ذو الرئاستين على عقد العهد و الطالع السرطان و فيه المشتري و السرطان و إن كان شرف المشتري فهو برج منقلب لا يتم امر يعقد فيه و مع هذا فان المريخ في الميزان في بيت العاقبة و هذا يدل على نكبة المعقود له و عرفت أمير المؤمنين ذلك لئلا يعتب علي إذا وقف على هذا من غيري فكتب إلي إذا قرأت جوابي إليك فاردده إلي مع الخادم و نفسك أن يقف أحد على ما عرفتنيه و أن يرجع ذو الرئاستين عن عزمه لأنه إن فعل ذلك ألحقت الذنب بك و علمت أنك سببه فضاقت علي الدنيا و تمنيت أني ما كنت كتبت اليه ثم بلغني أن الفضل بن سهل قد تنبه على الأمر و رجع عن عزمه و كان حسن العلم بالنجوم فخفت و الله على نفسي و ركبت اليه فقلت أ تعلم في السماء نجما أسعد من المشتري قال لا قلت أ فتعلم أن في الكواكب نجما يكون في حال أسعد منها في شرفها قال لا قلت فامض العزم على رأيك إذ كنت تعقده و سعد الفلك في أسعد حالاته فامضى الأمر على ذلك فما علمت أني من أهل الدنيا حتى وقع العقد فزعا من المأمون اه.

و حاصل الخبر أن الفضل النوبختي و كان منجما أراد اختبار ما في نفس المأمون فكتب اليه أن أحكام النجوم تدل على أن عقد البيعة للرضا في هذا الوقت لا يتم و انها تدل على نكبة المعقود له فان كان باطن المأمون كظاهره ترك عقد البيعة في ذلك الوقت و اخره إلى وقت يكون أوفق منه فأجابه المأمون و حذره من أن يرجع ذو الرئاستين عن عزمه على إيقاع عقد البيعة في ذلك الوقت و انه إذا رجع علم أن ذلك من النوبختي و امره بإرجاع الكتاب اليه لئلا يطلع عليه أحد ثم بلغه أن الفضل بن سهل تنبه أن الوقت غير صالح لعقد البيعة لأنه كان عالما بالنجوم فخاف النوبختي أن ينسب رجوع الفضل بن سهل عن عزمه اليه فيقتله المأمون فركب اليه و اقنعه من طريق النجوم أن الوقت صالح على خلاف الحقيقة لأنه كان اعرف منه بالنجوم فلبس الأمر عليه حتى اقنعه.

و قيل إن السبب في ذلك أن الفضل بن سهل أشار عليه بهذا فاتبع رأيه- قال الصدوق في عيون اخبار الرضا: قد ذكر قوم أن الفضل بن سهل أشار على المأمون بان يجعل علي بن موسى الرضا ولي عهده منهم أبو علي الحسين بن أحمد السلامي ذكر ذلك في كتابه الذي صنفه في اخبار خراسان قال فكان 2 الفضل بن سهل ذو الرئاستين وزير المأمون و مدبر أموره و كان مجوسيا فأسلم على يدي يحيى بن خالد البرمكي و صحبه و قيل بل أسلم سهل والد الفضل على يدي المهدي و أن الفضل اختاره يحيى بن خالد البرمكي لخدمة المأمون و ضمه اليه فتغلب عليه و استبد بالأمر دونه و انما لقب بذي الرئاستين لأنه تقلد الوزارة و رئاسة الجند فقال الفضل حين استخلف المأمون يوما لبعض من كان يعاشره اين يقع فعلي فيما أتيته من فعل أبي مسلم فيما أتاه فقال إن أبا مسلم حولها من قبيلة إلى قبيلة و أنت حولتها من أخ إلى أخ و بين الحالين ما تعلمه، قال الفضل: فاني أحولها من قبيلة إلى قبيلة ثم أشار على المأمون بان يجعل علي بن موسى الرضا ولي عهده فبايعه و أسقط بيعة المؤتمن أخيه. فلما بلغ خبره العباسيين ببغداد ساءهم ذلك فاخرجوا إبراهيم بن المهدي و بايعوه بالخلافة فلما بلغ المأمون خبر إبراهيم علم أن الفضل بن سهل أخطأ عليه و أشار بغير الصواب فخرج من مرو منصرفا إلى العراق و احتال على الفضل بن سهل حتى قتله و احتال على علي بن موسى حتى سم في علة كانت أصابته فمات. ثم قال الصدوق:

هذا ما حكاه أبو علي الحسين بن أحمد السلامي في كتابه و الصحيح عندي أن المأمون انما ولاه العهد و بايع له للنذر الذي قد تقدم ذكره و أن الفضل بن سهل لم يزل معاديا و مبغضا له و كارها لأمره لأنه كان من صنائع آل برمك اه.

كتاب المأمون إلى الرضا(ع)بالقدوم عليه و إرساله من يشخصه‏

روى الصدوق في العيون بسنده عن جماعة قالوا: لما انقضى امر المخلوع و استوى امر المأمون كتب إلى الرضا يستدعيه و يستقدمه إلى خراسان فاعتل عليه الرضا بعلل كثيرة فما زال المأمون يكاتبه و يسأله حتى علم الرضا (ع) انه لا يكف عنه فخرج و 3 أبو جعفر له 3 سبع سنين اه. و قال الطبري في هذه السنة أي سنة 200 للهجرة وجه المأمون رجاء بن أبي الضحاك و هو عم الفضل بن سهل و فرناس الخادم لاشخاص علي بن موسى بن جعفر بن محمد و محمد بن جعفر اه و كان محمد بن جعفر خرج على المأمون بمكة و تسمى بامرة المؤمنين ثم خلع نفسه على يد الجلودي فخرج به الجلودي إلى العراق حتى سلمه إلى الحسن بن سهل فبعث به الحسن بن سهل إلى المأمون بمرو مع رجاء بن أبي الضحاك، ذكر ذلك الطبري أيضا فيكون رجاء أخذ الرضا من المدينة و محمد بن جعفر من العراق.

روى الصدوق في العيون بسنده عن رجاء بن أبي الضحاك قال بعثني المأمون في اشخاص علي بن موسى الرضا من المدينة و أمرني أن آخذ به على طريق البصرة و الأهواز و فارس و لا آخذ به على طريق قم و أمرني أن احفظه بنفسي بالليل و النهار حتى أقدم به عليه فكنت معه من المدينة إلى مرو الحديث، و ياتي عن أبي الفرج و المفيد انه كان المتولي لإشخاصهما الجلودي و اسمه عيسى بن يزيد و يبعده أن الجلودي كان من قواد الرشيد و كان عدوا للرضا فلم يكن المأمون ليبعثه في اشخاصه، قال أبو الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيين بعد ما ذكر أن الرضا دس اليه المأمون فيما ذكر سما فمات منه: ذكر الخبر في ذلك‏ أخبرني ببعضه علي بن الحسين بن علي بن حمزة عن عمه محمد بن علي بن حمزة العلوي‏ و اخبرني بأشياء منه احمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا يحيى بن الحسن العلوي‏ و جمعت أخبارهم (أقول) و أورد المفيد في الإرشاد بعض هذا الخبر كما أورده أبو الفرج لكن بدون سند و زاد عليه و الظاهر أن ما اتفقا فيه نقله المفيد من المقاتل لأن نسخته كانت عنده بخط أبي الفرج كما صرح به في موضع آخر من الإرشاد فما اتفقا فيه نقلناه عنهما و ما انفرد به أحدهما نقلناه عنه خاصة قالوا كان المأمون قد انفذ إلى جماعة من آل أبي طالب فحملهم اليه من المدينة و فيهم الرضا علي بن موسى(ع)فاخذ بهم على طريق البصرة حتى جاء بهم و كان المتولي لاشخاصهم المعروف بالجلودي قال أبو الفرج: من أهل خراسان.

و روى الكليني أن المأمون كتب إلى الرضا (ع) لا تأخذ على طريق الجبل و قم و خذ على طريق البصرة و الأهواز و فارس. و في رواية الصدوق:

كتب اليه المأمون: لا تأخذ على طريق الكوفة و قم فحمل على طريق‏

18

البصرة و الأهواز و فارس اه نهاه عن طريق الكوفة و قم لكثرة الشيعة فيهما فخاف من تالبهم و اجتماعهم عليه و طلب منه أن يذهب على طريق البصرة و الأهواز و فارس و هي شيراز و ما والاها و ذلك لأن الذاهب من العراق إلى خراسان له طريقان (أحدهما) طريق البصرة- الأهواز- فارس (الثاني) طريق بلاد الجبل و هي كرمانشاه- همدان- قم.

و قال الحاكم في تاريخ نيسابور: أشخصه المأمون من المدينة إلى البصرة ثم إلى الأهواز ثم إلى فارس ثم إلى نيسابور إلى ان أخرجه إلى مرو و كان ما كان اه.

و روى الصدوق في العيون بسنده عن محول السجستاني قال: لما و رد البريد باشخاص الرضا(ع)إلى خراسان كنت انا بالمدينة فدخل المسجد ليودع رسول الله(ص)مرارا كل ذلك يرجع إلى القبر و يعلو صوته بالبكاء و النحيب فتقدمت اليه و سلمت عليه فرد السلام و هناته فقال ذرني فاني اخرج من جوار جدي(ص)فأموت في غربة.

و روى الحميري في الدلائل عن امية بن علي قال: كنت مع أبي الحسن(ع)بمكة في السنة التي حج فيها ثم صار إلى خراسان، و معه أبو جعفر ع، و أبو الحسن (ع) يودع البيت فلما قضى طوافه عدل إلى المقام فصلى عنده فصار أبو جعفر على عنق موفق يطوف به فصار أبو جعفر(ع)إلى الحجر فجلس فيه فأطال فقال له موفق قم جعلت فداك فقال ما أريد ان أبرح من مكاني هذا إلا ان يشاء الله و استبان في وجهه الغم فاتى موفق أبا الحسن(ع)فقال جعلت فداك قد جلس أبو جعفر(ع)في الحجر و هو يأبى ان يقوم فقام أبو الحسن (ع) فاتى أبا جعفر(ع)فقال له قم يا حبيبي فقال ما أربد ان أبرح من مكاني هذا قال بلى يا حبيبي ثم قال كيف أقوم و قد ودعت البيت وداعا لا تراجع اليه فقال قم يا حبيبي فقام معه.

دخوله نيسابور

روى الصدوق في العيون: ان الرضا(ع)لما دخل نيسابور نزل في محلة يقال لها القزويني الغزيني خ ل فيها حمام و هو الحمام المعروف اليوم بحمام الرضا و كانت هناك عين قد قل ماؤها فأقام عليها من اخرج ماءها حتى توفر و اتخذ من خارج الدرب حوضا ينزل اليه بالمراقي إلى هذه العين فدخله الرضا(ع)و اغتسل فيه ثم خرج منه فصلى على ظهره و الناس يتناوبون ذلك الحوض و يغتسلون منه التماسا للبركة و يصلون على ظهره و يدعون الله عز و جل في حوائجهم و هي العين المعروفة بعين كهلان يقصدها الناس إلى يومنا هذا.

حديث سلسلة الذهب‏

في كتاب الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي قال حدث المولى السعيد امام الدنيا 4 عماد الدين محمد بن أبي سعيد بن عبد الكريم الوازن في 4 محرم سنة ست و تسعين و خمسمائة أورد صاحب كتاب تاريخ نيشابور في كتابه ان علي بن موسى الرضا(ع)لما دخل إلى نيشابور في السفرة التي خص فيها بفضيلة الشهادة كان في قبة مستورة بالسقلاط على بغلة شهباء و قد شق نيسابور فعرض له الامامان الحافظان للأحاديث النبوية و المثابران على السنة المحمدية أبو زرعة الرازي و محمد بن أسلم الطوسي و معهما خلائق لا يحصون من طلبة العلم و أهل الأحاديث و أهل الرواية و الدراية فقالا أيها السيد الجليل ابن السادة الأئمة بحق آبائك الأطهرين و اسلافك الأكرمين الا ما أريتنا وجهك الميمون المبارك و رويت لنا حديثا عن آبائك عن جدك محمد(ص)نذكرك به فاستوقف البغلة و امر غلمانه بكشف المظلة عن القبة و أقر عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة فكانت له ذؤابتان على عاتقه و الناس كلهم قيام على طبقاتهم ينظرون اليه و هم ما بين صارخ و باك و متمرغ في التراب و مقبل لحافر بغلته و علا الضجيج فصاح الأئمة و العلماء و الفقهاء: معاشر الناس اسمعوا و عوا و أنصتوا لسماع ما ينفعكم و لا تؤذونا بكثرة صراخكم و بكائكم و كان المستملي أبو زرعة و محمد بن أسلم الطوسي‏

فقال علي بن موسى الرضا ع. حدثني أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين عن أبيه الحسين شهيد كربلاء عن أبيه علي بن أبي طالب انه قال حدثني حبيبي و قرة عيني رسول الله(ص)قال حدثني جبرائيل قال سمعت رب العزة سبحانه تعالى يقول‏

كلمة لا إله إلا الله حصني فمن قالها دخل حصني و من دخل حصني أمن عذابي‏

ثم أرخى الستر على القبة و سار. فعدوا أهل المحابر و الدوي الذين كانوا يكتبون فانافوا على عشرين ألفا و في رواية عد من المحابر أربعة و عشرون ألفا سوى الدوي.

وصول الرضا(ع)إلى مرو

قال أبو الفرج و المفيد في تتمة كلامهما السابق: فقدم بهم أي بالجماعة من آل أبي طالب الجلودي على المأمون فأنزلهم دارا و أنزل الرضا علي بن موسى(ع)دارا قال المفيد و أكرمه و عظم أمره.

البيعة للرضا(ع)بولاية العهد

روى الصدوق في العيون بسنده في حديث ان الرضا(ع)لما ورد مرو عرض عليه المأمون ان يتقلد الإمرة و الخلافة فأبى الرضا(ع)ذلك و جرت في هذا مخاطبات كثيرة و بقوا في ذلك نحوا من شهرين كل ذلك يأبى عليه أبو الحسن علي بن موسى ان يقبل ما يعرض عليه.

قال المفيد في تتمة كلامه السابق: ثم ان المأمون انفذ إلى الرضا(ع)اني أريد ان اخلع نفسي من الخلافة و أقلدك إياها فما رأيك في ذلك فأنكر الرضا(ع)هذا الأمر و قال له أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الكلام و ان يسمع به أحد فرد عليه الرسالة و قال فإذا أبيت ما عرضت عليك فلا بد من ولاية العهد من بعدي فأبى عليه الرضا(ع)إباء شديدا فاستدعاه اليه و خلا به و معه الفضل بن سهل ذو الرئاستين ليس في المجلس غيرهم و قال اني قد رأيت ان أقلدك امر المسلمين و أفسخ ما في رقبتي و أضعه في رقبتك فقال له الرضا(ع)الله الله يا أمير المؤمنين انه لا طاقة لي بذلك و لا قوة لي عليه قال له فاني موليك العهد من بعدي فقال له اعفني من ذلك يا أمير المؤمنين فقال له المأمون كلاما فيه كالتهديد له على الامتناع عليه و قال في كلامه ان عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و شرط فيمن خالف منهم ان يضرب عنقه و لا بد من قبولك ما أريده منك فانني لا أجد محيصا عنه فقال له الرضا(ع)فاني أجيبك إلى ما تريد من ولاية العهد على انني لا آمر و لا انهى و لا أفتي و لا أقضي و لا أولي و لا اعزل و لا أغير شيئا مما هو قائم فأجابه المأمون إلى ذلك كله.

ثم‏ قال المفيد: اخبرني الشريف أبو محمد الحسن بن محمد قال حدثنا جدي قال حدثني موسى بن سلمة قال‏ كنت بخراسان مع محمد بن جعفر فسمعت ان ذا الرئاستين خرج ذات يوم و هو يقول وا عجباه و قد رأيت عجبا سلوني ما رأيت فقالوا و ما رأيت أصلحك الله قال رأيت المأمون أمير المؤمنين يقول لعلي بن موسى قد رأيت ان أقلدك أمور المسلمين و أفسخ ما في رقبتي و أجعله في رقبتك و رأيت علي بن موسى يقول يا أمير المؤمنين لا طاقة لي بذلك و لا قوة فما رأيت خلافة قط كانت أضيع منها ان أمير المؤمنين‏

19

يتقصى منها و يعرضها على علي بن موسى و علي بن موسى يرفضها و ياباها.

قال: و ذكر جماعة من أصحاب الاخبار و رواة السير و الآثار و أيام الخلفاء ان المأمون لما أراد العقد للرضا علي بن موسى(ع)و حدث نفسه بذلك أحضر الفضل بن سهل فأعلمه بما قد عزم عليه من ذلك و أمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك ففعل و اجتمعا بحضرته فجعل الحسن يعظم ذلك عليه و يعرفه ما في إخراج الأمر من اهله عليه فقال له المأمون اني عاهدت الله على انني ان ظفرت بالمخلوع أخرجت الخلافة إلى أفضل آل أبي طالب و ما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل على وجه الأرض، فلما رأى الحسن و الفضل عزيمته على ذلك أمسكا عن معارضته فيه فأرسلهما إلى الرضا(ع)فعرضا ذلك عليه فامتنع منه فلم يزالا به حتى أجاب و رجعا إلى المأمون فعرفاه اجابته فسر بذلك.

و ذكر نحوه أبو الفرج في تتمة كلامه السابق إلا انه قال فأرسلهما إلى علي بن موسى فعرضا ذلك عليه فأبى فلم يزالا به و هو يأبى ذلك و يمتنع منه إلى ان قال له أحدهما ان فعلت و إلا فعلنا بك و صنعنا تهدداه ثم قال له أحدهما و الله أمرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد.

(أقول): سياتي ان الحسن بن سهل قبل بيعة الرضا و بعدها كان في العراق في بغداد و المدائن فالظاهر ان المأمون استدعاه إلى خراسان حين أراد البيعة للرضا(ع)فلما تم امر البيعة عاد إلى العراق.

قال المفيد: و جلس المأمون للخاصة في يوم خميس و خرج الفضل بن سهل فاعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى الرضا(ع)و انه قد ولاه عهده و سماه الرضا و أمرهم بلبس الخضرة و العود لبيعته في الخميس الآخر على ان يأخذوا رزق سنة فلما كان ذلك اليوم ركب الناس على طبقاتهم من القواد و الحجاب و القضاة و غيرهم في الخضرة و جلس المأمون و وضع للرضا وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه و فراشه و أجلس الرضا عليهما في الخضرة و عليه عمامة و سيف ثم امر ابنه العباس بن المأمون ان يبايع له أول الناس فرفع الرضا(ع)يده فتلقى بظهرها وجه نفسه و ببطنها وجوههم، فقال له المأمون: أبسط يدك للبيعة، فقال الرضا(ع)ان رسول الله(ص)هكذا كان يبايع، فبايعه الناس و وضعت البدر و قامت الخطباء و الشعراء فجعلوا يذكرون فضل الرضا(ع)و ما كان المأمون في امره، ثم دعا أبو عباد (و هو أحد وزراء المأمون و كاتب سره) بالعباس بن المأمون فوثب فدنا من أبيه فقبل يده و امره بالجلوس، ثم نودي محمد بن جعفر بن محمد، فقال له الفضل بن سهل قم فقام فمشى حتى قرب من المأمون فوقف و لم يقبل يده فقيل له امض فخذ جائزتك و ناداه المأمون ارجع يا أبا جعفر إلى مجلسك فرجع، ثم جعل أبو عباد يدعو بعلوي و عباسي يقبضان جوائزهما حتى نفدت الأموال. ثم قال المأمون للرضا(ع)أخطب الناس و تكلم فيهم فحمد الله و أثنى عليه و قال: (ان لنا عليكم حقا برسول الله(ص)و لكم علينا حقا به فإذا أنتم أديتم إلينا ذلك وجب علينا الحق لكم). و لم يذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس.

و

روى الصدوق في العيون و الامالي عن الحسين ابن احمد البيهقي عن محمد بن يحيى الصولي عن الحسين بن الجهم عن أبيه قال‏

: صعد المأمون المنبر ليبايع علي بن موسى الرضا (ع) فقال: أيها الناس جاءتكم بيعة علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و الله لو قرئت هذه الأسماء على الصم و البكم لبرء وا باذن الله عز و جل. و قال الطبري: جعل المأمون علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ولي عهد المسلمين و الخليفة من بعده و سماه الرضا من آل محمد(ص)و أمر جنده بطرح السواد و لبس ثياب الخضرة و كتب بذلك إلى الآفاق و ذلك يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة 201.

و

روى الصدوق في العيون عن البيهقي عن أبي بكر الصولي عن أبي ذكوان عن إبراهيم بن العباس الصولي قال‏

: كانت البيعة للرضا(ع)لخمس خلون من شهر رمضان سنة 201.

و قال المفيد و أبو الفرج: و امر المأمون فضربت له الدراهم و طبع عليها اسم الرضا (ع) و زوج اسحق بن موسى بن جعفر بنت عمه إسحاق بن جعفر بن محمد و امره فحج بالناس و خطب للرضا (ع) في كل بلد بولاية العهد. قال أبو الفرج: فحدثني احمد بن محمد بن سعيد و

قال المفيد:

روى احمد بن محمد بن سعيد قال حدثني يحيى بن الحسن العلوي قال حدثني من سمع عبد الحميد بن سعيد

يخطب في تلك السنة على منبر رسول الله(ص)بالمدينة فقال في الدعاء له: اللهم و أصلح ولي عهد المسلمين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ع:

ستة آباءهم ما هم* * * أفضل من يشرب صوب الغمام‏

و كان فيمن ورد عليه من الشعراء (دعبل بن علي الخزاعي) (رحمه الله) فلما دخل عليه قال: اني قد قلت قصيدة و جعلت على نفسي ان لا أنشدها أحدا قبلك فأمره بالجلوس حتى خف مجلسه ثم قال فأنشده قصيدته التي أولها:

مدارس آيات خلت من تلاوة* * * و منزل وحي مقفر العرصات‏

حتى اتى على آخرها فلما فرغ من إنشادها قام الرضا (ع) فدخل إلى حجرته و بعث اليه خادما بخرقة خز فيها ستمائة دينار و قال لخادمه قل له استعن بهذه على سفرك و أعذرنا فقال له دعبل لا و الله ما هذا أردت و لا له خرجت و لكن قل له ألبسني ثوبا من أثوابك و ردها عليه فردها الرضا (ع) اليه و قال له خذها و بعث اليه بجبة من ثيابه فخرج دعبل حتى ورد قم فلما رأوا الجبة معه أعطوه فيها ألف دينار فأبى عليهم و قال لا و الله و لا خرقة منها بالف دينار ثم خرج من قم فاتبعوه و قطعوا عليه الطريق و أخذوا الجبة فرجع إلى قم و كلمهم فيها فقالوا ليس إليها سبيل و لكن إن شئت فهذه ألف دينار خذها قال لهم و خرقة منها فأعطوه ألف دينار و خرقة من الجبة (اه) الإرشاد. و قال عبد الله بن المعتز كما في مناقب ابن شهرآشوب:

و أعطاكم المأمون حق خلافة* * * لنا حقها لكنه جاد بالدنيا

فمات الرضا من بعد ما قد علمتم* * * و لاذت بنا من بعده مرة اخرى‏

صورة العهد الذي كتبه المأمون بخطه بولاية العهد للرضا (ع)‏.

كتب المأمون بخطه و من إنشائه عهدا للرضا(ع)بولاية العهد و أشهد عليه، و كتب عليه الرضا(ع)بخطه الشريف و ذكره عامة المؤرخين. قال علي بن عيسى الإربلي في كشف الغمة: في 0 سنة 670 وصل من مشهده الشريف أحد قوامه و معه العهد الذي كتبه المأمون بخط يده و بين سطوره و في ظهره بخط الامام(ع)و ما هو مسطور فقبلت مواقع اقلامه و سرحت طرفي في رياض كلامه و عددت الوقوف عليه من منن الله و إنعامه و نقلته حرفا حرفا و هو بخط المأمون:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد أمير المؤمنين لعلي بن موسى بن جعفر ولي عهده اما بعد فان الله عز و جل اصطفى الإسلام دينا و اصطفى له من عباده رسلا دالين عليه و هادين إليه‏

20

يبشر أولهم آخرهم و يصدق تاليهم ماضيهم حتى انتهت نبوة الله إلى محمد(ص)على فترة من الرسل و دروس من العلم و انقطاع من الوحي و اقتراب من الساعة فختم الله به النبيين و جعله شاهدا لهم و مهيمنا عليهم و أنزل عليه كتابه العزيز الذي‏ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ بما أحل و حرم و وعد و أوعد و حذر و أنذر و أمر به و نهى عنه لتكون له الحجة البالغة على خلقه‏ (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) فبلغ عن الله رسالته و دعا إلى سبيله بما امره به من الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي أحسن ثم بالجهاد و الغلظة حتى قبضه الله اليه و اختار له ما عنده(ص)فلما انقضت النبوة و ختم الله بمحمد(ص)الوحي و الرسالة جعل قوام الدين و نظام امر المسلمين بالخلافة و إتمامها و عزها و القيام بحق الله فيها بالطاعة التي بها تقام فرائض الله و حدوده و شرائع الإسلام و سننه و يجاهد بها عدوه فعلى خلفاء الله طاعته فيما استحفظهم و استرعاهم من دينه و عباده و على المسلمين طاعة خلفائهم و معاونتهم على إقامة حق الله و عدله و أمن السبيل و حقن الدماء و صلاح ذات ابين [البين و جمع الالفة و في خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين و اختلالهم و اختلاف ملتهم و قهر دينهم و استعلاء عدوهم و تفرق الكلمة و خسران الدنيا و الآخرة فحق على من استخلفه الله في أرضه و ائتمنه على خلقه ان يجهد لله نفسه و يؤثر ما فيه رضى الله و طاعته و يعتد لما لله مواقفه عليه و مسائله عنه و يحكم بالحق و يعمل بالعدل فيما حمله الله و قلده فان الله عز و جل يقول لنبيه داود(ع)(يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ)، و قال الله عز و جل: (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ)، و بلغنا ان عمر بن الخطاب قال: لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوفت ان يسالني الله عنها، وايم الله ان المسئول عن خاصة نفسه الموقوف على عمله فيما بينه و بين الله ليعرض على امر كبير و على خطر عظيم فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمة و بالله الثقة و اليه المفزع و الرغبة في التوفيق و العصمة و التسديد و الهداية إلى ما فيه ثبوت الحجة و الفوز من الله بالرضوان و الرحمة و انظر الأمة لنفسه أنصحهم لله في دينه و عباده من خلائفه في أرضه من عمل بطاعة الله و كتابه و سنة نبيه(ع)في مدة أيامه و بعدها و أجهد رأيه و نظره فيمن يوليه عهده و يختاره لإمامة المسلمين و رعايتهم بعده و ينصبه علما لهم و مفزعا في جمع ألفتهم و لم شعثهم و حقن دمائهم و الأمن باذن الله من فرقتهم و فساد ذات بينهم و اختلافهم و رفع نزع الشيطان و كيده عنهم فان الله عز و جل جعل العهد بعد الخلافة من تمام امر الإسلام و كماله و عزه و صلاح اهله و ألهم خلفاءه من توكيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة و شملت فيه العافية و نقض الله بذلك مكر أهل الشقاق و العداوة و السعي في الفرقة و التربص للفتنة و لم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت اليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقها و ثقل محملها و شدة مئونتها و ما يجب على من تقلدها من ارتباط طاعة الله و مراقبته فيما حمله منها فانصب بدنه و اسهر عينه و أطال فكره فيما فيه عز الدين و قمع المشركين و صلاح الأمة و نشر العدل و إقامة الكتاب و السنة و منعه ذلك من الخفض و الدعة و مهنا العيش علما بما الله سائله عنه و محبة ان يلقى الله مناصحا له في دينه و عباده و مختارا لولاية عهده و رعاية الأمة من بعده أفضل ما يقدر عليه في ورعه و دينه و علمه و ارجاهم للقيام في امر الله و حقه مناجيا له تعالى بالاستخارة في ذلك و مسألته الهامة ما فيه رضاه و طاعته في آناء ليله و نهاره معملا في طلبه و التماسه في أهل بيته من ولد عبد الله بن العباس و علي بن أبي طالب فكره و

نظره مقتصرا ما علم حاله و مذهبه منهم على علمه و بالغا في المسألة عمن خفي عليه امره جهده و طاقته حتى استقصى أمورهم معرفة و ابتلى اخبارهم مشاهدة و استبرى أحوالهم معاينة و كشف ما عندهم مساء لة فكانت خبرته بعد استخارته لله و إجهاده نفسه في قضاء حقه في عباده و بلاده في البيتين جميعا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما رأى من فضله البارع و علمه الناصع و ورعه الظاهر و زهده الخالص و تخلية من الدنيا و تسلمه من الناس و قد استبان له ما لم تزل الاخبار عليه متواطية و الألسن عليه متفقة و الكلمة فيه جامعة و لما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعا و ناضيا و حدثا و مكتهلا فعقد له بالعهد و الخلافة من بعده واثقا بخيرة الله في ذلك إذ علم الله انه فعله إيثارا له و للدين و نظرا للإسلام و المسلمين و طلبا للسلامة و ثبات الحق و النجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين و دعا أمير المؤمنين ولده و أهل بيته و خاصته و قواده و خدمه فبايعوا مسرعين مسرورين عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة الله على الهوى في ولده و غيرهم ممن هو أشبك منه رحما و أقرب قرابة و سماه الرضا إذ كان رضا عند أمير المؤمنين فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين و من بالمدينة المحروسة من قواده و جنده و عامة المسلمين لأمير المؤمنين و للرضا من بعده علي بن موسى على اسم الله و بركته و حسن قضائه لدينين [لدينه و عباده بيعة مبسوطة إليها أيديكم منشرحة لها صدوركم عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها و آثر طاعة الله و النظر لنفسه و لكم فيها شاكرين الله على ما ألهم أمير المؤمنين من قضاء حقه في رعايتكم و حرصه على رشدكم و صلاحكم راجين عائدة ذلك في جمع ألفتكم و حقن دمائكم و لم شعثكم و سد ثغوركم و قوة دينكم و استقامة أموركم و سارعوا إلى طاعة الله و طاعة أمير المؤمنين فإنه الأمر الذي ان سارعتم اليه و حمدتم الله عليه عرفتم الحظ فيه إن شاء الله و كتب بيده في يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة احدى و مائتين.

صورة ما كان على ظهر العهد بخط الامام علي بن موسى الرضا (ع)‏‏

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الفعال لما يشاء لا معقب لحكمه و لا راد لقضائه يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور و صلاته على نبيه محمد خاتم النبيين و آله الطيبين الطاهرين أقول و انا علي الرضا بن موسى بن جعفر ان أمير المؤمنين عضده الله بالسداد و وفقه للرشاد عرف من حقنا ما جهله غيره فوصل أرحاما قطعت و أمن نفوسا فزعت بل أحياها و قد تلفت و أغناها إذا افتقرت مبتغيا رضى رب العالمين لا يريد جزاء من غيره‏ وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ و لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ* و انه جعل إلى عهده و الإمرة الكبرى ان بقيت بعده فمن حل عقدة امر الله بشدها و فصم عروة أحب الله إيثاقها فقد أباح حريمه و أحل محرمه إذا كان بذلك زاريا على الامام منتهكا حرمة الإسلام بذلك جرى السالف فصبر منه على الفلتات و لم يعترض بعدها على العزمات خوفا من شتات الدين و اضطراب حبل المسلمين و لقرب امر 0 الجاهلية و رصد فرصة تنتهز و بائقة تبتدر و قد جعلت الله على نفسي إذ استرعاني امر المسلمين و قلدني خلافته العمل فيهم عامة و في بني العباس بن عبد المطلب خاصة بطاعته و طاعة رسوله(ص)و ان لا اسفك دما حراما و لا أبيح فرجا و لا مالا إلا ما سفكته حدود الله و أباحته فرايضه و ان أتخير الكفاة جهدي و طاقتي و جعلت بذلك على نفسي عهدا مؤكدا يسالني الله عنه فإنه عز و جل يقول‏ وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا و ان أحدثت أو غيرت أو بدلت كنت للغير مستحقا و للنكال متعرضا و أعوذ بالله من سخطه و اليه ارغب في التوفيق لطاعته و الحئول بيني و بين معصيته في عافية لي و للمسلمين. (و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم ان الحكم الا لله يقضي بالحق و هو خير الفاصلين) لكني امتثلت امر أمير

21

المؤمنين و آثرت رضاه و الله يعصمني و إياه و أشهدت الله على نفسي بذلك و كفى بالله شهيدا و كتبت بخطي بحضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه و الفضل بن سهل و سهل بن الفضل و يحيى بن أكثم و عبد الله بن طاهر و ثمامة بن أشرس و بشر بن المعتمر و حماد بن النعمان في شهر رمضان سنة احدى و مائتين.

الشهود على الجانب الأيمن‏

شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذا المكتوب ظهره و بطنه و هو يسال الله ان يعرف أمير المؤمنين و كافة المسلمين بركة هذا العهد و الميثاق، و كتب بخطه في التاريخ المبين فيه عبد الله بن طاهر بن الحسين اثبت شهادته فيه بتاريخه شهد حماد بن النعمان بمضمونه ظهره و بطنه و كتب بيده في تاريخه بشر بن المعتمر يشهد بمثل ذلك.

الشهود على الجانب الأيسر

رسم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه قراءة هذه الصحيفة التي هي صحيفة الميثاق نرجو ان يجوز بها الصراط ظهرها و بطنها بحرم سيدنا رسول الله(ص)بين الروضة و المنبر على رؤوس الاشهاد بمرأى و مسمع من وجوه بني هاشم و سائر الأولياء و الأجناد بعد استيفاء شروط البيعة عليهم بما أوجب أمير المؤمنين الحجة على جميع المسلمين و لتبطل الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين و ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ‏ و كتب الفضل بن سهل بامر أمير المؤمنين بالتأريخ فيه.

هذا ما ذكره صاحب كشف الغمة و قال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ثم قرئ العهد في جميع الآفاق و عند الكعبة و بين قبر رسول الله(ص)و منبره و شهد فيه خواص المأمون و أعيان العلماء فمن ذلك شهادة الفضل بن سهل كتب بخطه شهدت على أمير المؤمنين عبد الله المأمون و على أبي الحسن علي بن موسى بن جعفر بما أوجبا به الحجة عليهما للمسلمين و أبطلا به شبهة الجاهلين و كتب فضل بن سهل في التاريخ المذكور و شهد عبد الله بن طاهر بمثل ذلك و شهد بمثله يحيى بن أكثم القاضي و حماد بن أبي حنيفة و أبو بكر الصولي و الوزير المغربي و بشر بن المعتمر في خلق كثير.

صورة الدرهم الذي ضرب في عهد الرضا(ع)بامر المأمون‏

كما أورده صاحب كتاب مطلع الشمس و استشهد على ذلك جماعة من العلماء و المجتهدين و وضعوا خطوطهم و خواتيمهم و أصل الصورة بالخط الكوفي و نقشت أيضا بالخط النسخ و هذه صورة الخط النسخ.

كتب على أحد الجانبين في الوسط في سبعة سطور هكذا:

الله محمد رسول الله المأمون خليفة الله مما أمر به الأمير الرضا ولي عهد المسلمين علي بن موسى ابن علي بن أبي طالب ذو الرئاستين و كتب عن الجانب الآخر في الوسط في اربعة سطور هكذا:

لا إله الا الله وحده لا شريك له المشرق و كتب على أحد جانبي الدرهم بشكل دائرة هكذا:

محمد رسول الله أرسله‏ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ*.

و على الجانب الآخر بشكل دائرتين داخلة و خارجة فعلى الداخلة هكذا:

بسم الله ضرب هذا الدرهم بمدينة أصبهان سنة اربع و مائتين.

و على الخارجة هكذا:

فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ‏.

و مما ينبغي التنبه له أن كتابة هذا الدرهم إذا صحت تؤيد أن وفاة الرضا(ع)سنة 206 و توهن ما قيل أن وفاته سنة 203 أو أقل كما مر الا أن يكون هذا الدرهم طبع بعد وفاته(ع)تبركا و ليس مما طبع بامر المأمون و الله أعلم.

خروج الرضا(ع)لصلاة العيد بمرو و عوده قبل الصلاة

في إرشاد المفيد: روى علي بن إبراهيم عن ياسر الخادم و الريان بن الصلت جميعا قال لما حضر العيد و كان قد عقد للرضا(ع)الأمر بولاية العهد بعث المأمون اليه في الركوب إلى العيد و الصلاة بالناس و الخطبة بهم فبعث اليه الرضا(ع)قد علمت ما كان بيني و بينك من الشروط في دخول هذا الأمر فاعفني من الصلاة بالناس فقال له المأمون انما أريد بذلك أن تطمئن قلوب الناس و يعرفوا فضلك و لم تزل الرسل تتردد بينهما في ذلك فلما ألح عليه المأمون أرسل اليه إن اعفيتني فهو أحب إلي و إن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله(ص)و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)فقال له المأمون اخرج كيف شئت و امر القواد و الحجاب و الناس أن يبكروا إلى باب الرضا(ع)قال فقعد الناس لأبي الحسن(ع)في الطرقات و السطوح و اجتمع النساء و الصبيان ينتظرون خروجه و صار جميع القواد و الجند إلى بابه فوقفوا على دوابهم حتى طلعت الشمس فاغتسل أبو الحسن(ع)و لبس ثيابه و تعمم بعمامة بيضاء من قطن القى طرفا منها على صدره و طرفا بين كتفيه و مس شيئا من الطيب و أخذ بيده عكازا و قال لمواليه افعلوا مثل ما فعلت فخرجوا بين يديه و هو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق و عليه ثياب مشمرة فمشى قليلا و رفع رأسه إلى السماء و كبر و كبر مواليه معه ثم مشى حتى وقف على الباب فلما رآه القواد و الجند على تلك الصورة سقطوا كلهم عن الدواب إلى الأرض و كان أحسنهم حالا من كان معه سكين فقطع بها شرابة جاجيلته و نزعها و تحفى. و كبر الرضا(ع)على الباب الأكبر و كبر الناس معه فخيل إلينا أن السماء و الحيطان تجاوبه و تزعزعت مرو بالبكاء و الضجيج لما رأوا أبا الحسن(ع)و سمعوا تكبيره و بلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس و خفنا كلنا على دمائنا فأنفذ اليه أن يرجع فبعث اليه المأمون قد كلفناك شططا و أتعبناك و لسنا نحب أن تلحقك مشقة فارجع و ليصل بالناس من كان يصلي بهم على رسمه، فدعا أبو الحسن(ع)بخفه فلبسه و ركب و رجع و اختلف امر الناس في ذلك اليوم و لم ينتظم في صلاتهم اه. و حق أن ينشد في ذلك قول البحتري في المتوكل فالرضا(ع)أحق به كما أشار اليه ابن شهرآشوب في المناقب:

ذكروا بطلعتك النبي فهللوا* * * لما طلعت من الصفوف و كبروا

حتى انتهيت إلى المصلى لابسا* * * نور الهدى يبدو عليك فيظهر

22

و مشيت مشية خاشع متواضع* * * لله لا يزهى و لا يتكبر

و لو أن مشتاقا تكلف فوق ما* * * في وسعه لسعى إليك المنبر

بقية أخباره مع المأمون‏

أدخل رجل إلى المأمون أراد ضرب رقبته و الرضا(ع)حاضر فقال المأمون ما تقول فيه يا أبا الحسن فقال أقول إن الله لا يزيدك بحسن العفو الا عزا، فعفا عنه.

و روى الآبي في نثر الدرر أن المأمون قال للرضا(ع)يا أبا الحسن أخبرني عن جدك علي بن أبي طالب باي وجه هو قسيم الجنة و النار فقال يا أمير المؤمنين أ لم ترو عن أبيك عن آبائه‏

عن عبد الله بن عباس أنه قال سمعت رسول الله(ص)يقول‏

حب علي ايمان و بغضه كفر

قال بلى قال الرضا(ع)فهو قسيم الجنة و النار، فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن أشهد أنك وارث علم رسول الله ص.

مجلس للرضا (ع) عند المأمون أجاب فيه عن الآيات الموهمة عدم عصمة الأنبياء

في عيون أخبار الرضا: حدثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي حدثني أبي عن حمدان بن سليمان النيسابوري عن علي بن محمد بن الجهم قال‏ حضرت مجلس المأمون و عنده الرضا علي بن موسى(ع)فقال له المأمون يا ابن رسول الله أ ليس من قولك أن الأنبياء معصومون قال بلى قال فما معنى قول الله عز و جل‏ (وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏) فقال(ع)إن الله تبارك و تعالى قال لآدم‏ (اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ) و أشار لهما إلى شجرة الحنطة (فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) و لم يقل لهما لا تأكلا من هذه الشجرة و لا مما كان من جنسها فلم يقربا تلك الشجرة و انما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما و قال‏ (ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ) و انما نهاكما أن تقربا غيرها و لم ينهكما عن الأكل منها (إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) و لم يكن آدم و حواء شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذبا (فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَأَكَلا مِنْها) ثقة بيمينه بالله و كان ذلك من آدم قبل النبوة و لم يكن ذلك بذنب كبير استحق به دخول النار و انما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم فلما اجتباه الله تعالى و جعله نبيا كان معصوما لا يذنب صغيرة و لا كبيرة قال الله عز و جل‏ (وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏) و قال عز و جل‏ (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ). فقال له المأمون فما معنى قول الله عز و جل‏ (فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) فقال له الرضا(ع)إن حواء ولدت لآدم و إن آدم(ع)و حواء عاهدا الله عز و جل و دعواه و قالا (لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً) من النسل خلقا سويا بريئا من الزمانة و العاهة و كان ما آتاهما صنفين صنفا ذكرانا و صنفا إناثا فجعل الصنفان لله تعالى ذكره شركاء فيما آتاهما و لم يشكراه كشكر أبويهما له عز و جل قال الله تبارك و تعالى‏ (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، فقال المأمون أشهد انك ابن رسول الله(ص)حقا فاخبرني عن قول الله عز و جل في حق إبراهيم(ع)(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى‏ كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي) فقال الرضا(ع)إن إبراهيم(ع)وقع إلى ثلاثة أصناف صنف يعبد الزهرة و صنف يعبد القمر و صنف يعبد الشمس و ذلك حين خرج من السرب الذي اختفى فيه‏ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ‏ فرأى الزهرة قال‏ (هذا رَبِّي) على الإنكار و الاستخبار (فَلَمَّا أَفَلَ) الكوكب‏ (قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) لأن الأفول من صفات المحدث لا من صفات القديم‏ (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي) على الإنكار و الاستخبار (فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) يقول لو لم يهدني ربي لكنت من القوم الضالين‏ (فَلَمَّا) أصبح و (رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ) من الزهرة و القمر على الإنكار و الاستخبار لا على الأخبار و الإقرار (فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ) للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة و القمر و الشمس‏ (يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) و انما أراد إبراهيم(ع)بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم و يثبت عندهم أن العبادة لا تحق لمن كان بصفة الزهرة و القمر و الشمس و انما تحق العبادة لخالقها و خالق السموات و الأرض و كان ما احتج به على قومه مما ألهمه الله تعالى و آتاه كما قال الله عز و جل‏ (وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ).

قال المأمون بارك الله فيك يا أبا الحسن فاخبرني عن قول الله عز و جل‏ (فَوَكَزَهُ مُوسى‏ فَقَضى‏ عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) قال الرضا(ع)إن موسى دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها و ذلك بين المغرب و العشاء فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته و هذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فقضى موسى على العدو بحكم الله تعالى ذكره فوكزه فمات فقال هذا من عمل الشيطان يعني الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين لا ما فعله موسى(ع)من قتله‏ (إِنَّهُ) يعني الشيطان‏ (عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ). فقال المأمون فما معنى قول موسى‏ (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) قال يقول اني وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة فاغفر لي اي استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني‏ (فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قالَ) موسى‏ (رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ) من القوة حتى قتلت رجلا بوكزة (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) بل أجاهد في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى‏ فَأَصْبَحَ‏ موسى(ع)فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ‏ على آخر فَقالَ لَهُ‏ يا مُوسى‏ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏ قاتلت رجلا بالأمس و تقاتل هذا اليوم لأؤدبنك و أراد أن يبطش به‏ فَلَمَّا ... أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما و هو من شيعته‏ قالَ يا مُوسى‏ أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ‏. قال المأمون جزاك الله عن أنبيائه خيرا يا أبا الحسن فما معنى قول موسى لفرعون‏ فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ‏ قال الرضا(ع)إن فرعون قال لموسى لما أتاه‏ وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ قالَ‏ موسى‏ فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ‏ عن الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك‏ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ و قد قال الله عز و جل لنبيه محمد(ص)أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ يقول أ لم يجدك وحيدا فاوى إليك الناس‏ وَ وَجَدَكَ ضَالًّا يعني عند قومك‏ فَهَدى‏ أي هداهم إلى معرفتك‏ (وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى‏) يقول أغناك بان جعل دعاءك مستجابا قال المأمون بارك الله فيك يا ابن رسول الله فما معنى قول الله عز و جل‏ (وَ لَمَّا جاءَ مُوسى‏ لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ) الآية كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران(ع)لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال فقال الرضا(ع)ان كليم الله موسى بن عمران علم أن الله تعالى غني عن أن يرى بالأبصار و لكنه لما كلمه الله عز و جل و قربه نجيا رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله عز و جل كلمه و قربه و ناجاه فقالوا لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت و كان القوم سبعمائة ألف رجل فاختار

23

منهم سبعين ألفا ثم اختار سبعة آلاف ثم اختار منهم سبعمائة ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربهم فخرج بهم إلى الطور و سال الله تعالى أن يكلمه و يسمعهم كلامه فكلمه الله تعالى ذكره و سمعوا كلامه من فوق و أسفل و يمين و شمال و وراء و أمام لأن الله عز و جل أحدثه في الشجرة الزيتونة و جعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه فقالوا لن نؤمن لك بان هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة فلما قالوا هذا القول العظيم و استكبروا و عتوا بعث الله عز و جل عليهم صاعقة فاخذتهم بظلمهم فماتوا فقال موسى يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم و قالوا انك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله تعالى إياك فأحياهم الله و بعثهم معه فقالوا انك لو سالت الله أن يريك تنظر اليه لأجابك و كنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته فقال موسى يا قوم إن الله تعالى لا يرى بالأبصار و لا كيفية له و انما يعرف بآياته و يعلم بإعلامه فقالوا لن نؤمن لك حتى تسأله فقال موسى يا رب انك قد سمعت مقالة بني إسرائيل و أنت اعلم بصلاحهم فأوحى الله تعالى اليه يا موسى سلني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم فعند ذلك قال موسى‏ (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ) و هو يهوي‏ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ‏ بآية من آياته‏ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى‏ صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ‏ يقول رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي‏ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ‏ منهم بانك لا ترى. فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن. فاخبرني عن قول الله عز و جل‏ (وَ لَقَدْ هممت‏ [هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ) فقال الرضا(ع)لقد همت به و لو لا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت به لكنه كان معصوما و المعصوم يهم بذنب و لا يأتيه و لقد حدثني أبي عن أبيه الصادق(ع)أنه قال همت بان تفعل و هم بان لا يفعل. فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن فاخبرني عن قول الله عز و جل‏ (وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً) الآية فقال الرضا(ع)ذاك يونس بن متى(ع)ذهب مغاضبا لقومه‏ فَظَنَ‏ بمعنى استيقن‏ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏ أي لن نضيق عليه رزقه و منه قوله عز و جل‏ وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ‏ أي ضيق و قتر (فَنادى‏ فِي الظُّلُماتِ) أي ظلمة الليل و ظلمة بطن الحوت‏ (أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها في بطن الحوت فاستجاب الله تعالى له و قال عز و جل‏ (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ). فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن. فاخبرني عن قول الله عز و جل‏ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا قال الرضا(ع)يقول الله عز و جل حتى إذا استياس الرسل من قومهم و ظن قومهم أن الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن. فاخبرني عن قول الله عز و جل‏ (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ) قال الرضا(ع)لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول الله(ص)لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة و ستين صنما فلما جاءهم(ص)بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم و عظم و قالوا (أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى‏ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ يُرادُ ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ) فلما فتح الله عز و جل على نبيه(ص)مكة قال له يا محمد (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ) عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم و ما تأخر لأن مشركي مكة أسلم بعضهم و خرج بعضهم عن مكة و من بقي منهم لم يقدر على انكار التوحيد عليه إذا دعا الناس اليه فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا بظهوره عليهم. فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن. فاخبرني عن قول الله عز و جل‏ (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) قال الرضا(ع)هذا مما نزل بإياك أعني‏

و اسمعي يا جارة خاطب الله عز و جل بذلك نبيه و أراد به أمته و كذلك قوله تعالى‏ (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) و قوله عز و جل‏ (وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا) قال صدقت يا ابن رسول الله (الحديث).

قال الصدوق هذا الحديث غريب من طريق 5 علي بن محمد بن الجهم مع ما جاء من نصبه و بغضه و عداوته لأهل البيت(ع)اه.

و في المناقب: قال ابن سنان كان المأمون يجلس في ديوان المظالم يوم الاثنين و يوم الخميس و يقعد الرضا(ع)على يمينه فرفع اليه أن صوفيا من أهل الكوفة سرق فأمر بإحضاره فرأى عليه سيماء الخير فقال سوأة لهذه الآثار الجميلة بهذا الفعل القبيح فقال الرجل فعلت ذلك اضطرارا لا اختيارا و قال الله تعالى‏ (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ‏ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) و قد منعت من الخمس و الغنائم فقال و ما حقك منها فقال قال الله تعالى‏ (وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ) فمنعتني حقي و انا مسكين و ابن السبيل و انا من حملة القرآن و قد منعت كل سنة مني مائتي دينار بقول النبي(ع)فقال المأمون لا اعطل حدا من حدود الله و حكما من أحكامه في السارق من أجل أساطيرك هذه قال فابدأ أولا بنفسك فطهرها ثم طهر غيرك و أقم حدود الله عليها ثم على غيرك قال فالتفت المأمون إلى الرضا(ع)فقال ما يقول قال يقول إنه سرق فسرق قال فغضب المأمون ثم قال و الله لأقطعنك قال أ تقطعني و أنت عبدي فقال ويلك أيش تقول قال أ ليست أمك اشتريت من مال الفي‏ء فأنت عبد لمن في المشرق و المغرب من المسلمين حتى يعتقوك و انا منهم و ما أعتقتك و الأخرى أن النجس لا يطهر نجسا انما يطهر طاهر و من في جنبه حد لا يقيم الحدود على غيره حتى يبدأ بنفسه أ ما سمعت الله تعالى يقول‏ (أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ) فالتفت المأمون إلى الرضا(ع)فقال ما تقول قال إن الله عز و جل قال لنبيه(ع)(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) و هي التي تبلغ الجاهل فيعلمها على جهله كما يعلمها العالم بعلمه و الدنيا و الآخرة قائمتان بالحجة و قد احتج الرجل، قال فأمر بإطلاق الرجل الصوفي و غضب على الرضا(ع)في السر و رواه الصدوق في العيون بسنده عن محمد بن سنان نحوه.

تزويج الرضا(ع)بنت المأمون أو أخته‏

روى الصدوق في العيون ان المأمون بعد ما جعل الرضا(ع)ولي عهده زوجه ابنته أم حبيب أو أم حبيبة في أول سنة 102 [201 (و في رواية) انه زوجه ابنته أم حبيبة و سمى للجواد ابنته أم الفضل و تزوج هو ببوران بنت الحسن بن سهل كل هذا في يوم واحد. و قال علي بن الحسين المسعودي في كتاب إثبات الوصية لعلي بن أبي طالب ع: زوجه المأمون ابنته و قيل أخته المكناة أم أبيها قال و الرواية الصحيحة أخته أم حبيبة و ساله أن يخطب لنفسه فلما اجتمع الناس للأملاك خطب خطبة قال في آخرها و التي تذكر أم حبيبة أخت أمير المؤمنين عبد الله المأمون صلة للرحم و أمشاج الشبيكة و قد بذلت لها من الصداق خمسمائة درهم تزوجني يا أمير المؤمنين فقال المأمون نعم قد زوجتك فقال قد قبلت و رضيت.

عزم المأمون على الخروج من مرو إلى بغداد و سبب ذلك و ما يتعلق منه بالرضا (ع)

و لا بد لبيان ذلك من تقديم مقدمة تاريخية: روى الطبري في تاريخه‏

24

أنه في سنة 168 [198 ولى المأمون كل ما كان طاهر بن الحسين افتتحه من كور الجبال و فارس و الأهواز و البصرة و الكوفة و الحجاز و اليمن الحسن بن سهل و كتب إلى طاهر و هو مقيم ببغداد بتسليم ذلك إلى خلفاء الحسن بن سهل و أن يشخص إلى الرقة و ولاه الموصل و الجزيرة و الشام و المغرب. و طاهر بن الحسين الخزاعي هذا هو الذي فتح بغداد و قتل الأمين. و في سنة 199 قدم الحسن بن سهل بغداد من عند المأمون و اليه الحرب و الخراج و فرق عماله في الكور و البلدان و كان هرثمة بن أعين من قواد بني العباس في العراق حين ورد الحسن بن سهل إليها فسلم إلى الحسن ما كان بيده من الأعمال و توجه نحو خراسان مغاضبا للحسن حتى بلغ حلوان و خرج بالكوفة أبو السرايا فاستفحل امره فلم يلق عسكرا الا هزمه فأرسل الحسن إلى هرثمة ليرجع و يحارب أبا السرايا فأبى فلم يزل الحسن يتلطف به حتى قبل و هزم أبو السرايا و قتل فلما فرغ هرثمة من امر أبي السرايا خرج حتى اتى خراسان و قد أتته كتب المأمون أن يرجع إلى الشام أو الحجاز فأبى و قال لا ارجع حتى آتي أمير المؤمنين إدلالا منه عليه لما كان يعرف من نصيحته له و لآبائه و أراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل و ما يكتم عنه من الأخبار و لا يدعه حتى يرده إلى بغداد فعلم الفضل ما يريد فأفسد قلب المأمون عليه و قال إنه دس أبا السرايا و هو جندي من جنده حتى عمل ما عمل و لو شاء هرثمة أن لا يفعل ذلك أبو السرايا ما فعله و قد كتب إليه أمير المؤمنين عدة كتب أن يرجع فأبى مشاقا فلما دخل على المأمون عنفه فذهب ليعتذر فلم يقبل ذلك منه و وجي‏ء انفه و ديس بطنه و حبس ثم دسوا اليه فقتلوا و قالوا للمأمون أنه مات و ذلك سنة 200 و كان الحسن بن سهل بالمدائن حين شخص هرثمة إلى خراسان و الوالي على بغداد من قبله علي بن هشام فلما اتصل بأهل بغداد ما صنع بهرثمة طردوا علي بن هشام من بغداد و هرب الحسن بن سهل إلى واسط و ذلك في أوائل سنة 201 و كان عيسى بن محمد بن أبي خالد بن الهندوان عند طاهر بن الحسين بالرقة فقدم بغداد و اجتمع هو و أبوه على قتال الحسن بن سهل بأهل بغداد فجرح أبوه في بعض الوقائع فمات ثم رأى الحسن بن سهل انه لا طاقة له بعيسى فصالحه و بايع المأمون الرضا بولاية العهد في هذه السنة فورد على عيسى بن محمد بن أبي خالد كتاب من الحسن بن سهل يعلمه فيه بان المأمون بايع للرضا بولاية العهد و امر بطرح لبس الثياب السود و لبس ثياب الخضرة و يأمره أن يأمر من قبله من أصحابه و الجند و القواد و بني هاشم بالبيعة له و أن يأخذهم بلبس الخضرة في اقبيتهم و قلانسهم و اعلامهم و يأخذ أهل بغداد بذلك جميعا فقال بعضهم نبايع و نلبس الخضرة و قال بعض لا نبايع و لا نلبس الخضرة و لا نخرج هذا الأمر من ولد العباس و إنما هذا دسيس من الفضل بن سهل و غضب ولد العباس من ذلك و اجتمع بعضهم إلى بعض و قالوا نولي بعضنا و نخلع المأمون فبايعوا إبراهيم بن المهدي و خلعوا المأمون و ذلك يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة سنة 201 و ذكر أبو علي الحسين في العيون أن المأمون لما بايع الرضا بولاية العهد و بلغ ذلك العباسيين ببغداد ساءهم فاخرجوا إبراهيم بن المهدي عم المأمون المعروف بابن شكلة و بايعوه بالخلافة و خلعوا المأمون و كان إبراهيم مغنيا مشهورا مولعا بضرب العود منهمكا بالشراب و فيه يقول أبو فراس الحمداني:

منكم علية أم منهم و كان لكم* * * شيخ المغنين إبراهيم أم لهم‏

و يقول دعبل الخزاعي:

يا معشر الأجناد لا تقنطوا* * * خذوا عطاياكم و لا تسخطوا

فسوف يعطيكم حنينية* * * يلذها الأمرد و الأشمط

و المعبديات لقوادكم* * * لا تدخل الكيس و لا تربط

و هكذا يرزق أصحابه* * * خليفة مصحفه البربط

و قال دعبل أيضا:

ان كان إبراهيم مضطلعا بها* * * فلتصلحن من بعده لمخارق‏

(مخارق من المغنين المشهورين) و كتب المأمون إلى الحسن بن سهل بمحاصرة بغداد و وقعت الحرب بين أصحاب إبراهيم و أصحاب الحسن بن سهل و اختل الأمر في عراق العرب و المأمون لا يعلم بذلك كان الفضل يخفي عنه الاخبار و لا يخبره أحد خوفا من الفضل فأخبره الرضا بذلك و أشار عليه بالرحيل إلى بغداد. قال الطبري ذكر ان علي بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي أخبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة و القتال منذ قتل أخوه و بما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الاخبار و ان أهل بيته و الناس قد نقموا عليه أشياء و انهم بايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي بالخلافة فقال المأمون انهم لم يبايعوا له بالخلافة و انما صيروه أميرا يقوم بأمرهم على ما أخبر به الفضل فأعلمه ان الفضل قد كذبه و غشه و ان الحرب قائمة بين إبراهيم و الحسن بن سهل و ان الناس ينقمون عليه مكانه و مكان أخيه و مكاني و مكان بيعتك لي من بعدك فقال و من يعلم هذا فسمى له أناسا من وجوه أهل العسكر فسألهم فأبوا ان يخبروه حتى يكتب لهم أمانا بخطه أ لا يعرض لهم الفضل فأخبروه بما فيه الناس من الفتن و بغضب أهل بيته و مواليه و قواده و بما موه عليه الفضل من امر هرثمة و ان هرثمة انما جاء لينصحه و ان الفضل دس اليه من قتله و انه ان لم يتدارك امره خرجت الخلافة منه و من أهل بيته و ان طاهر بن الحسين قد ابلى في طاعته ما ابلى حتى إذا وطئ الأمر اخرج من ذلك كله و صير في زاوية من الأرض بالرقة و ان الدنيا قد تفتقت من أقطارها و سألوه الخروج إلى بغداد فلما تحقق ذلك عنده امر بالرحيل إلى بغداد فلما علم الفضل بن سهل ببعض ذلك تعنتهم حتى ضرب بعضهم بالسياط و حبس بعضا و نتف لحى بعض فعاوده علي بن موسى في أمرهم و أعلمه ما كان من ضمانه لهم فأعلمه انه يداوي ما هو فيه. و قال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: قال علماء السير فلما فعل المأمون ذلك شغبت بنو العباس ببغداد عليه و خلعوه من الخلافة و ولوا إبراهيم بن المهدي و المأمون بمرو و تفرقت قلوب شيعة بني العباس عنه فقال له علي بن موسى الرضا ع: يا أمير المؤمنين النصح لك واجب و الغش لا يحل لمؤمن ان العامة تكره ما فعلت معي و الخاصة تكره الفضل بن سهل فالرأي ان تنحينا عنك حتى يستقيم لك الخاصة و العامة فيستقيم أمرك.

و روى الصدوق في العيون بسنده عن ياسر الخادم قال: بينما نحن عند الرضا(ع)يوما إذ سمعنا وقع القفل الذي كان على باب المأمون إلى دار أبي الحسن(ع)فقال لنا أبو الحسن قوموا تفرقوا عنه فجاء المأمون و معه كتاب طويل فأراد الرضا(ع)ان يقوم فاقتسم عليه المأمون بحق المصطفى ان لا يقوم اليه ثم جاء حتى انكب على أبي الحسن و قبل وجهه و قعد بين يديه على وسادة فقرأ ذلك الكتاب عليه فإذا هو فتح لبعض قرى كابل فيه إنا فتحنا قرية كذا و كذا فلما فرغ قال له الرضا ع: و سرك فتح قرية من قرى الشرك؟ فقال له المأمون: أ و ليس في ذلك سرور؟ فقال يا أمير المؤمنين اتى الله في امة محمد و ما ولاك الله في هذا الأمر و خصك فانك قد ضيعت أمور المسلمين و فوضت ذلك إلى غيرك يحكم فيها بغير حكم الله عز و جل و قعدت في هذه البلاد و تركت بيت الهجرة و مهبط الوحي و ان المهاجرين و الأنصار يظلمون دونك و لا يرقبون في مؤمن إلا و لا ذمة و ياتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه و يعجز عن نفقته فلا يجد من يشكو اليه حاله و لا يصل إليك فاتق الله يا أمير المؤمنين في أمور المسلمين و ارجع إلى بيت النبوة و معدن المهاجرين و الأنصار، أ ما علمت يا أمير المؤمنين ان والي‏

25

المسلمين مثل العمود في وسط الفسطاط من اراده اخذه، قال المأمون يا سيدي فما ترى؟ قال ارى ان تخرج من هذه البلاد و تتحول إلى موضع آبائك و أجدادك و تنظر في أمور المسلمين و لا تكلهم إلى غيرك فان الله عز و جل سائلك عما ولاك فقام المأمون فقال نعم ما قلت يا سيدي هذا هو الرأي، فخرج و امر ان تقدم النوائب‏ (1) و بلغ ذلك ذا الرئاستين فغمه غما شديدا و قد كان غلب على الأمر و لم يكن للمأمون عنده رأي فلم يجسر ان يكاشفه ثم قوي بالرضا(ع)جدا، فجاء ذو الرئاستين إلى المأمون و قال له يا أمير المؤمنين ما هذا الرأي الذي أمرت به؟ فقال أمرني سيدي أبو الحسن بذلك و هو الصواب، فقال يا أمير المؤمنين ما هذا بصواب قتلت بالأمس أخاك و أزلت الخلافة عنه و بنو أبيك معادون لك و جميع أهل العراق و أهل بيتك ثم أحدثت هذا الحدث الثاني انك جعلت ولاية العهد لابي الحسن و أخرجتها من بني أبيك و العامة و الفقهاء و العلماء و آل عباس لا يرضون بذلك و قلوبهم متنافرة عنك، و الرأي ان تقيم بخراسان حتى تسكن قلوب الناس على هذا و يتناسوا ما كان من امر محمد أخيك، و هاهنا يا أمير المؤمنين مشايخ قد خدموا الرشيد و عرفوا الأمر فاستشرهم في ذلك فان أشاروا به فامضه، فقال المأمون: مثل من؟ قال مثل علي بن أبي عمران و ابن مؤنس و الجلودي، و هؤلاء هم الذين نقموا بيعة أبي الحسن(ع)و لم يرضوا به فحبسهم المأمون، فلما كان من الغد جاء أبو الحسن(ع)فدخل على المأمون فقال يا أمير المؤمنين ما صنعت؟ فحكى له ما قاله ذو الرئاستين و دعا المأمون بهؤلاء النفر فأخرجهم من الحبس و أول من أدخل عليه علي بن أبي عمران فنظر إلى الرضا (ع) بجنب المأمون فقال أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ان تخرج هذا الأمر الذي جعله الله لكم و خصكم به و تجعله به و تجعله [في ايدي أعدائكم و من كان آباؤك يقتلونهم و يشردونهم في البلاد فقال المأمون له يا ابن الزانية و أنت بعد على هذا قدمه يا حرسي فاضرب عنقه فضرب عنقه. و أدخل ابن مؤنس فلما نظر إلى الرضا(ع)بجنب المأمون قال يا أمير المؤمنين هذا الذي بجنبك و الله صنم يعبد من دون الله فقال له المأمون يا ابن الزانية و أنت بعد على هذا يا حرسي قدمه فاضرب عنقه فضربت عنقه. ثم أدخل الجلودي و كان الجلودي في خلافة الرشيد لما خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة بعثه الرشيد و امره ان ظفر به ان يضرب عنقه و ان يغير على دور آل أبي طالب(ع)و ان يسلب نساءهم و لا يدع على واحدة منهن الا ثوبا واحدا ففعل الجلودي ذلك و قد كان مضى أبو الحسن موسى (ع) فصار الجلودي إلى باب أبي الحسن (ع) فانهجم على داره مع خيله فلما نظر الرضا (ع) اليه جعل النساء كلهن في بيت واحد و وقف على باب البيت فقال الجلودي لابي الحسن لا بد من ان ادخل البيت فاسلبهن كما أمرني أمير المؤمنين فقال الرضا انا أسلبهن لك و أحلف اني لا أدع عليهن شيئا الا أخذته فلم يزل يطلب اليه و يحلف له حتى سكن فدخل أبو الحسن (ع) فلم يدع عليهن شيئا حتى أقراطهن و خلاخيلهن و أزرهن الا اخذه منهن و جميع ما كان في الدار من قليل و كثير.

فلما كان في هذا اليوم و أدخل الجلودي على المأمون قال الرضا (ع) يا أمير المؤمنين هب لي هذا الشيخ فقال المأمون يا سيدي هذا الذي فعل ببنات رسول الله(ص)ما فعل من سلبهن فنظر الجلودي إلى الرضا (ع) و هو يكلم المأمون و يسأله ان يعفو عنه و يهبه له فظن انه يعين عليه لما كان الجلودي فعله فقال يا أمير المؤمنين أسألك بالله و بخدمتي للرشيد ان لا تقبل قول هذا في فقال المأمون يا أبا الحسن قد استعفى و نحن نبر قسمه ثم قال لا و الله لا اقبل قوله فيك ألحقوه بصاحبيه فقدم فضربت عنقه. و رجع ذو الرئاستين إلى أبيه سهل و قد كان المأمون امر ان تقدم النوائب فردها ذو الرئاستين فلما قتل المأمون هؤلاء علم ذو الرئاستين انه قد عزم على الخروج فقال الرضا (ع) ما صنعت يا أمير المؤمنين بتقديم النوائب فقال المأمون يا سيدي مرهم أنت بذلك قال فخرج أبو الحسن (ع) فصاح بالناس قدموا النوائب قال فكأنما وقعت فيهم النيران و أقبلت فيهم النوائب تتقدم و تخرج و قعد ذو الرئاستين في منزله فبعث اليه المأمون فأتاه فقال له ما لك قعدت في بيتك فقال يا أمير المؤمنين ان ذنبي عظيم عند أهل بيتك و عند العامة و الناس يلومونني بقتل أخيك المخلوع و بيعة الرضا (ع) و لا آمن السعاة و الحساد و أهل البغي ان يسعوا بي فدعني أخلفك بخراسان فقال له المأمون لا يستغني عنك و اما ما قلت انه يسعى بك و تبغي لك الغوائل فليس أنت عندنا الا الثقة المأمون الناصح المشفق فاكتب لنفسك ما تثق به من الضمان و الامان و أكد لنفسك ما تكون به مطمئنا فذهب و كتب لنفسه كتابا و جمع عليه العلماء و اتى به المأمون فقرأه و أعطاه كل ما أحب و كتب خطه فيه و كتب له بخطه كتاب الحياء اني قد حبوتك بكذا و كذا من الأموال و الضياع و السلطان و بسط له من الدنيا امله فقال ذو الرئاستين يا أمير المؤمنين يجب ان يكون خط أبي الحسن (ع) في هذا الامان يع