الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - ج3

- الشيخ أسد حيدر المزيد...
607 /
5

الجزء الخامس‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب: 70 و 71] وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ عَلِيماً [النساء: 69 و 70]

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تقديم و بيان‏

(تقديم) رأينا أن نخصص هذا الجزء- و هو الخامس-: لأهم المسائل الفقهية و نضع أمام القارئ صورة حية واضحة؛ تكشف لنا عن الخلافات الحاصلة بين الشيعة و السنة، و بين المذاهب السنية أنفسها بل بين المنتسبين للمذهب الواحد، في موافقة رئيس المذهب و مخالفته مما يدل على حرية الرأي و عدم الالتزام باتباع رئيس المذهب، و ذلك قبل أن يفرض الحجر السياسي في وجوب اتباع أقوال أئمة المذاهب. و إن موضوع الكتاب يتطلب ذلك من حيث الوقوف على أهم ناحية يجب أن نأخذ عنها صورة واقعية في دراسة موضوعية، لإيضاح ما أحاط بها من غموض، و ما اكتنفها من عقبات و هي مسألة الخلاف بين السنة و الشيعة في الفقه، فقد أصبح من نتائج سوء الفهم بأن يقال: إن السنة و الشيعة يفترقون افتراقا كليا في الفقه، و إن الفقه الإسلامي هو للمذاهب الأربعة فحسب، و كل ذلك نتيجة لعوامل التعصب و الجهل بحقيقة الأمر و ليس أضر على الدين من العصبية و لا أشد فتكا بالعقول من سوء الفهم.

و لهذا كان أكبر همي الوصول إلى دراسة فقه المذاهب لتوضيح مدى الخلاف بين المذاهب السنية و بين مذهب الشيعة، و كلما حاولت الاختصار في الدراسة التأريخية حول التعرف على شخصيات أئمة المذاهب و الوقوف على عوامل انتشار مذاهبهم دون غيرها أجد الموضوع يتسع أمامي، و الحاجة تدعو إلى مزيد من البيان، و قد تركت ورائي أشياء كثيرة لم أتعرض لها، و رميت كثيرا منها في سلة المهملات، لعدم الاهتمام بها و طلبا للاختصار، و لأصل إلى الغاية المطلوبة.

و عند ما أخذت في إعداد مسودات هذا الجزء، و تقديمها للطبع وصلتني أنباء

8

كتاب: حياة الإمام الصادق لمؤلفه الأستاذ محمد أبو زهرة، العالم المصري الشهير، و صاحب المؤلفات القيمة، و الدراسات الواسعة، و بالأخص فيما يتعلق بموضوع المذاهب الأربعة، فقد ألف و نشر حول هذا الموضوع، و إني أكبره و أقدر له أتعابه و جهوده.

و قد قرأت كتابه عن الإمام الصادق- بعد مدة من صدوره- قراءة إمعان و تدبر، لا قراءة سطحية تبعد بالقارئ عن هدف المؤلف و أغراضه، و قد وقفت فيه على أمور لا يمكن أن أتخطاها بدون أن أبدي عليها ملاحظاتي.

و حيث كان موضوع الأستاذ أبو زهرة يتصل اتصالا مباشرا في موضوع هذا الكتاب، فلذلك أدخلت تلك الملاحظات في هذا الجزء.

و الذي تجدر الإشارة إليه هو أني لم أذكر هنا كل ما يلزم مناقشته، و إبداء الملاحظة عليه، فهو أكثر من أن يحويه جزء، بل نعتبر ذلك مختصرا بالنسبة لما يستلزمه البحث فيما نختلف فيه أو نتفق عليه كما سيقف القراء على ذلك قريبا إن شاء اللّه بعد أن نستمر في تمهيدنا للبحث بما يستلزم الموضوع كما هو نهجنا في جميع الأجزاء و من اللّه أسأل العون و عليه أتوكل و هو حسبي و نعم الوكيل.

9

تمهيد

إن البحث عن المذاهب و دراسة الظروف و الملابسات التي أحاطت بها يجب أن تدرس دراسة تأريخية بعيدة عن التعصب و التحيز، لأن التحيز لجهة و التعصب على أخرى يغير صور الحوادث، و يشوه الحقيقة، و هذا هو الظلم الأدبي كما يقولون. و إذا كان دافع البحث هو حب الحقيقة فلا بد أن يكون بصدق و موضوعية بعيدا عن التأثر بعوامل أخرى، و بذلك يكون الباحث قد نال شرف خدمة الحق و اتباعه.

و لا بد لنا أن نلمس خطورة البحث و أهميته، و لهذا يلزمنا أن نتجرد عما يخالف الحقيقة، بل يجب أن نخوضه بروح صادقة، و نية خالصة لمعالجة هذا الموضوع الذي له دخل في واقع المسلمين في الحاضر و الماضي، و إن الحوادث المؤلمة التي توالت على مسرح حياتنا في جميع الأدوار، و ما أدت إليه من نتائج سيئة في المجتمع الإسلامي، و إن كانت نتيجة عوامل كثيرة متداخلة، إنما يعود إلى التعصب المذهبي، فهو المؤثر الأكبر و العامل القوي في تفرق المسلمين شيعا و أحزابا، و قد انقسموا على أنفسهم انقساما شائنا، فكل يتهم الآخر بالانحراف عن الدين، و كل طائفة اعتزلت الأخرى، ترميها بما لا يتفق و روح الإسلام و نظمه.

و مما يؤسف له أنهم قد أسرفوا في الجدل إسرافا أخرجهم عن ميزان العدل، فقد راحوا يلتمسون على ذلك ألوانا من الحجج يبدو فيها التكلف و يتجلى فيها البطلان. و قد غلب عليهم الجمود الفكري و التزموا بالتقليد في أخذ الأحكام عن أئمة المذاهب، إذ لا يمكن في نظرهم أن يصل أحد إلى ما وصلوا إليه من العلم، فهو مقصور عليهم، و الاجتهاد في الأحكام من اختصاصهم دون غيرهم.

10

لقد مرت أجيال و هم يعتقدون أن ليس لأحد بعد الأئمة الأربعة أن يجتهد في الشريعة الإسلامية، و الخارج عن المذاهب الأربعة- و هو رأي الجمهور- صاحب بدعة، و كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة في النار.

و من المضحكات (بل المبكيات) أن تتغلغل هذه العقيدة في الجماهير الإسلامية، حتى نجد من يسأل عن مذهب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أ شافعي أم مالكي؟ و غفلة العوام من غفلة الخواص. هكذا يقول الدكتور زكي مبارك و عليه عهدة ما يقول.

و نحن لا تعوزنا النصوص التاريخية على تأييد قوله، فقد وقفنا على رأي من يزعمون بأن رئيس مذهبهم كان أعلم من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في القضاء (1).

و آخرون يقال لهم: قال رسول اللّه فيقولون: قال فلان. كما أن الكثير منهم (تمسكوا بأقوال أئمتهم تمسكا جعلهم يقدمونها على كتاب اللّه و سنة رسوله) (2) و مهما يكن من أمر فإن تلك الاتجاهات التي سار عليها المتعصبون بعيدة عن روح الإسلام و مفاهيمه، فهي أمور ارتجالية، غذتها الأنانية و تولت بثها دعاية التضليل تقويضا لصرح تماسك الأمة، الذي يقف حائلا دون كل خطر يهدد المجتمع الإسلامي في الداخل و الخارج.

نعم ليس من روح الإسلام و مفاهيمه، تحامل طائفة على أخرى و اتهامها بالزندقة، و الخروج عن الإسلام، لمجرد الخلاف في الرأي. فالشافعي يكفر الحنبلي، و الحنبلي يكفر الشافعي، و هكذا بدون التفات إلى واقع الأمر، و ما ينجم عن ذلك من خطر على الأمة الإسلامية.

و إن تلك المساجلات الجدلية حول المذاهب، قد خرجت عن النطاق العلمي إلى الأمور التافهة من الهزل و المجون، و من أظرف ما جرى بين الحنفية و الشافعية قول الحنفية لهم: ما جسر إمامكم أن يخرج إلى الوجود حتى مات إمامنا. و يجيبهم الشافعية: بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا (3) و ذلك أن الشافعي ولد في السنة التي مات فيها أبو حنيفة سنة 150 ه و قيل في‏

____________

(1) تاريخ بغداد ج 13 ص 412.

(2) همم ذوي الأبصار ص 51.

(3) الغيث المنسجم في شرح لامية العجم ج 1 ص 165.

11

اليوم الذي مات فيه. و قد بقي الشافعي في بطن أمه أربع سنين أو أقل‏ (1).

و كذلك جرت مساجلات شعرية هي أقرب إلى المساجلات الأدبية فلا حاجة لذكرها. و قد بلغ الأمر حدا مؤسفا من تكفير طائفة لأخرى، و إباحة دماء أبنائها، كما أثبت ذلك وقوع تلك الحوادث الدامية، في الشام، و خراسان و الري و غيرها.

و نحن عند ما نقف على بعض الأقوال كقول المظفر الطوسي الشافعي: (لو كان لي من الأمر شي‏ء لأخذت على الحنابلة الجزية) (2) و قول محمد بن موسى الحنفي:

(لو كان لي من الأمر شي‏ء لأخذت على الشافعية الجزية) (3). فإننا نجد اتساع الخرق، و وقوع ما لا تحمد عقباه من الخروج عن الموازين العلمية إلى الأمور الانفعالية التي لا صلة لها بالإسلام و نظمه.

و كذلك نستوحي معلومات أكثر فأكثر عند ما نصغي إلى النداء بدمشق و غيرها:

من كان على دين ابن تيمية، حل ماله و دمه‏ (4) و قد أفتى بعضهم بتكفير من يسمي ابن تيمية بشيخ الإسلام‏ (5) و ابن تيمية هذا هو شيخ الحنابلة و قد لقبوه بشيخ الإسلام، و معنى هذا النداء بأن كل حنبلي كافر. و بجانب هذا نجد الشيخ أبا حاتم، يرى و يفتي: (بأنه من لم يكن حنبليا فليس بمسلم).

و هكذا أدى النشاط المذهبي إلى هذه الأمور التي فجرت المآسي المؤلمة في المجتمع الإسلامي، من تفكك و تباعد، و وجود مشاكل يصعب حلها إلا عن طريق التروي و التنبه لأثر البعد عن روح الأخوة و السقوط في و هدة التعصب.

و استمرت عجلة الزمن تدور و الأمر يشتد، و ظهر ذلك الانقسام في صفوف الأمة بوضوح، و تعاقبت على المسلمين أدوار سوداء ذهبت بكثير من الأرواح و الأموال، و ملأت النفوس حقدا، و القلوب غيظا.

و أسرفت الطوائف في الخصومة كما بالغوا في اتخاذ وسائل الانتصار

____________

(1) المنتظم ج 10 ص 239.

(2) مرآة الزمان ج 8 ص 44.

(3) تاريخ دول الإسلام للذهبي ج 2 ص 24.

(4) مرآة الجنان لليافعي ج 2 ص 242.

(5) ذيل تذكرة الحفاظ ص 316.

12

لمذاهبهم، من افتراء في القول و كذب في النقل، و وضع أحاديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بما يؤيد المذهب، و يشد عضد أنصاره، من أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بشر برئيس المذهب الذي يتبعونه قبل ولادته، و وضع آخرون منامات مبشرة، و هي في الاعتبار عندهم كاليقظة من وجوب الأخذ بها، و كلا الأمرين لا يصح منه شي‏ء، لأنها ادعاءات وهمية يقصدون بها تقويم شخصية إمامهم من وفور علم، و علو منزلة، و شرف بيت، حتى قال بعض الحنيفة: إن أهل الكوفة كلهم موال لأبي حنيفة (1). أي أنهم كانوا عبيدا فأعتقهم، مع العلم بأن أبا حنيفة كان فارسي الأصل.

و بهذه الزوائد ملأوا صفحات كتب المناقب، كما وصفوهم ببطولات لا يعترف التاريخ بها، و أحاطوا شخصياتهم بهالة من آيات المديح و الإطراء، بما يضفي عليهم لباس قدسية رفعتهم عن مقام البشرية، و صوّرتهم بمنتهى درجة من الكمال تبلغ بهم العصمة، و إن لم يصرحوا بها.

و مهما يكن من أمر: فإن تلك الأقوال الناتجة عن مؤثرات سياسية أو اجتماعية عقيمة النتائج إذ هي مبالغات و غلو أوجدهما النشاط المذهبي، عند ما عظم الخلاف بين أتباع أئمة المذاهب (و دب التقليد في صدورهم دبيب النمل و هم لا يشعرون، و كان سبب ذلك تزاحم الفقهاء و تجادلهم فيما بينهم) (2).

و قد مرت الإشارة إلى الظروف القاسية التي مرت بالمسلمين من جراء الاختلاف بين معتنقي المذاهب فأصبحوا أعداء متباعدين، بعد أن كانوا إخوة متحابين، و أدى الأمر إلى القتل و النهب و حرق الأسواق، و تخريب المساجد و هدم الدور، و لا ندخل هنا في تفاصيل تلك الحوادث المؤلمة، و نكتفي بما أشرنا إليه في الأجزاء السابقة.

و الآن و قد لخصنا باختصار أثر ذلك الانقسام الذي حل بالمسلمين يجدر بنا أن نولي وجوهنا شطر المسلمين من أتباع مذهب أهل البيت- و هم الشيعة- لنرى ما نالهم من أثر ذلك الانقسام و ما أدى إليه ذلك التدخل من أعداء الدين، الذين يبثون العداء و يثيرون الأحقاد لإيقاع الفتنة و يخوضون تلك المعارك بوجه مقنع. فلا بد أن ننظر

____________

(1) مناقب أبي حنيفة للمكي ج 1 ص 174.

(2) حجة اللّه البالغة للدهلوي ج 1 ص 123.

13

إليهم من زاوية الواقع لا زاوية الخيال التي فتحها المغرضون من أعداء الأمة، و رسموا للشيعة صورا غريبة، و حاكوا لهم تهما وهمية، و نسبوا لهم عقائد مفتعلة، و آراء بعيدة عن واقع الأمر، و رشقوهم بسهام نقد من هنا و هناك حتى آل الأمر إلى إبعادهم عن حظيرة الإسلام زورا و بهتانا.

و لا ذنب لهم إلا عدم مسايرتهم لحكام الجور، و تمسكهم بالانتصار لآل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أهل الحق المضيع، و هذا أمر واقع قد يكون إنكاره من المكابرة و التعنت، و تكشف النظرة السريعة و العجلى إلى معالم تاريخ الشيعة عن أسرار موجات العداء و تيارات النقمة عليهم، و قد التقت في قيام هذه الموجات و التيارات قوى عديدة تمثلت فيها السلطة الزمنية و القضائية و الحزبية و الاجتماعية و لا أصف من لبس لبوس الفقه و تزيا بزي العلم بالسلطة الدينية فحاشى الإسلام و سلطته الروحية أن تطلق يوما على من يناصر ظلما أو يغض عن جور أو يسهم في انتهاك حرمة أحد، و إنما هم قوم عملوا في الفقه فباعوا دينهم بدنياهم، و قد تقدم معنا بعض مواقفهم في تعضيد دور الحكام- تكشف هذه النظرة عن ثبات نهج الشيعة و دوام مواقفهم، و هذا النهج و الموقف هما سبيل اتباع محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و التمسك برسالة السماء. و يبدو أن الكثيرين يهملون حقائق التاريخ و يسيئون إلى صفات التعقل و الوعي سواء كانوا حكاما أو متعاطين للعلم و الثقافة. فمن مرتكب لذات الجرائم التي ارتكبها الأمويون و العباسيون بحق الشيعة، و من معرض عن الحق مستسلم لبواعث التفرقة و العداء و لا يشينه أن يكون مع الظلمة، فأين روح العصر الحديث و الوعي الموضوعي و مسئولية القلم و التزام الكلمة؟ و لا أريد أن أدخل في تفصيل ما نال أتباع آل محمد من بلاء نتيجة للتعصب الأعمى و الطائفية الرعناء، فلنقتصر على بعض ما يهمنا عرضه الآن:

بين الواقع و الخيال:

و ليس من الغريب أن يتنكر الإنسان لما يعرف من الحقائق فيبرزها بصورة غير صورتها، إذ من السهل جدا أن يغمض الإنسان عينيه عن واقع الأمور و محاسن الأشياء، فيذم حيث لا موجب للذم، و يمدح حيث لا موقع للمدح، و ما ذلك إلا لتعصب شائن و تحامل بغيض يبتلى به كثير من الناس.

و بهذا فقد أساءوا لأنفسهم بصورة خاصة، و لمجتمعهم بصورة عامة، و راحوا

14

يلتمسون الحجج الواهية للضعة بمن يتعصبون عليه و لرفعة من يتعصبون له، و هم يجعلون أنفسهم حكام عدل، و رواد حقيقة، و لكنهم عكس ذلك.

و منهم من غلب عليه الجمود الفكري فقلدوا غيرهم في النقل بما يروق لهم و يوافق رغباتهم، و إن اتضح لهم خلاف ذلك، و بهذا فلم يعطوا الأشياء ما يلزم أن تعطى حسب الواقع. و بصورة خاصة أولئك الكتاب الذين يكتبون عن تاريخ الشيعة، فنرى أكثرهم يتخبط في بيداء التهجم، و يسير في طرق ملتوية لا تؤدي به إلى الغرض المطلوب منه في أداء حق التاريخ، الذي هو مرآة الأمم السالفة للأجيال القادمة، لأنه بهذا العمل يصدأ مرآته و يذهب بمحاسنه.

و لو أنهم درسوا تلك الفترة و ما نجم عنها من آراء و أحكام تنافي روح الإخاء و روابط الإيمان و ما شاع من اتهامات دراسة مستفيضة من جميع نواحيها، و ما يحيط بها من ملابسات، و فكروا فيما يرتئون في استخلاص النتائج لإبداء الرأي الحر الذي يبعد بهم عن المؤثرات، لكان ذلك أنفع لهم و للأمة جمعاء، و لكنهم قد تعمدوا التشويه و الخلط، لغرض في أنفسهم و ميلا مع الأهواء.

و من نتائج توالي الملوك الجائرين و الحكام العتاة الذين ناصبوا أهل البيت العداء و نصبوا الحرب لشيعتهم، كما أن من نتائج دوام الشيعة على وقوفهم بوجه الطغاة هو انتشار آراء الملوك السابقين و شيوع أغراضهم و مواقفهم ضد الشيعة و تداولها عبر الأجيال دون انتباه إلى ما يعنيه ذلك من تأييد لسياسات الظلم و الانحراف.

و لقد أثيرت حول الشيعة عواصف اتهامات باطلة، مهدت السبيل لمن يريد أن ينفث سمومه في جسم الأمة الإسلامية، و يطعن في عقائدها، عند ما التبست الحقائق التاريخية بالأكاذيب، و الحوادث الواقعية بالأساطير، فاتسع المجال أمام المتداخلين و المندسين في صفوف المسلمين؛ ليعملوا عملهم، و يضربوا ضربتهم، انتصارا لمبادئهم، و انتقاما لعروشهم التي دك الإسلام صروحها، و هدم كيانها، فانهزموا أمامه مخذولين. و قد عجزوا عن مقابلته وجها لوجه، فراحوا يتلصصون في الظلام، و يعملون من وراء الستار.

لقد اتهم اتباع مذهب أهل البيت و أنصارهم بتهم كثيرة، و وصفوا بصفات متناقضة بعيدة عن الواقع، بل هي مجرد إشاعة مغرضة، و أقوال كاذبة، و افتراءات صريحة.

15

و كان من أعظم تلك التهم التي وجهت إليهم هي: أن الشيعة يعبدون عليا و يؤلهونه، أو أنهم يعبدون الأئمة أجمع، و أن الأئمة عندهم أنبياء يوحى إليهم، و أن لهم أحكاما هي غير أحكام الإسلام. و إنهم يشتمون أصحاب محمد و يكفرونهم جميعا، و إنهم و إنهم ... إلى آخر تلك الأقوال و التقولات التي أوحى بها الشيطان ليوقع الفتنة و ينشر الفساد.

و قد رأينا فيما تقدم أن السياسة كانت تشد أزر المتهجمين، و تحمي من تاه في غوايته، لتنتقم من أنصار أهل البيت الذين أعلنوا انفصالهم عن الدولة التي يتحكم فيها حكام انتحلوا إمرة المؤمنين، و ادعوا الولاية على المسلمين خلافا لما يقتضيه نظام الإسلام، و تمردا على مفاهيمه، و خروجا عن حدوده و قواعده.

و قد وقف الشيعة مواقف حاسمة و بذلوا كل ما في وسعهم أن يبذلوه في مقاومة كل سلطان يحكم بغير ما أنزل اللّه، فكان مصيرهم السجون و التشريد و القتل.

و الخلاصة: أن عدم تعاون الشيعة مع حكام الجور و أئمة الضلال، أدى إلى اتخاذ شتى الأساليب و إيجاد مختلف العوامل للقضاء عليهم حفظا للمملكة، و صيانة لها عن المؤاخذات التي تقوم على مبادئ العدل الإسلامي.

لقد تضاعفت القوى لمحاربة الشيعة، و توالت عليهم الحملات، لأن الدولة لا تسمح لمن يخالفها في الرأي أن يتمتع بحرية إبداء رأيه، و ترى من الحزم القضاء عليه، و قد ذهب كثير من العلماء ضحية أفكارهم و آرائهم، و لحق الاضطهاد بكثير من الفقهاء (و كان أكثرهم عرضة للقتل إذ لم يكن له أحد يحميه في قصر الملك أو الأمير لأن القوم أصبحوا و نفوسهم لا تشتفي ممن يخالفهم في معتقد أو فكر إلا أن تضرب عنقه) (1).

و على هذا النهج سار ولاة الأمر، و بهذه السياسة الخرقاء كانوا يعاملون حملة العلم و أبطال الفكر، و أعظم من هذا أنهم نسبوا تلك الأمور إلى الدين بدعوى أن في قتل هؤلاء ضم شمل الجماعة، و إغلاق باب الفرقة، و القضاء على البدع و الضلالات، و قد اتخذوا من علماء السوء مطايا لأغراضهم فكانوا يستفتونهم في إراقة الدماء، حفظا للدولة من مؤاخذه العامة.

____________

(1) الحضارة العربية ج 2 ص 88.

16

فالمخالف للسلطة في نظر علماء السوء و أتباعهم زنديق ملحد كافر إلى آخر ما تتسع له صحيفة الاتهامات، و كما يشاء ولاة الأمر و تقتضيه سياستهم، و تدعو إليه رغباتهم في قمع أي حركة معارضة لهم، أو أي إنكار على سوء عملهم.

و قد استخدموا لنشر تلك الاتهامات شيوخا يقصون على الناس بأساليب خدّاعة، و أحاديث جذّابة، مزجوها بمناقب و فضائل تعود لمصلحة الدولة، كمناقب العباسيين و غيرهم و البشارة بدولتهم، و فضائل بعض الشخصيات التي ناقش المفكرون أعمالهم، و حاسبوهم على سوء تصرفهم، و هذا أمر لا ترغب فيه السلطة لأنه يشد أزر المخالفين لهم.

و بهذه العوامل الخداعة صوروا مذهب الشيعة، و رسموا صورته بإطار الشذوذ، و أن أسسه قد قامت على غير التعاليم الإسلامية. و تقدم الكذابون يوضع أساطير قصدوا بها التقرب لولاة الأمر، كوضع أسطورة عبد اللّه بن سبأ اليهودي، كما صورها سيف بن عمر المشهور بالكذب و الزندقة و المعروف بالوضع، و تناولها الحاقدون على الشيعة، و المبغضون لأهل البيت فأحاطوها بهالة من التهويل و أبرزوها بإطار ما كر خداع، و هم يقصدون توسيع شقة الخلاف، و إيقاد نار الفتنة.

و أصبح بمقتضى هذه الأسطورة و غيرها من الأساطير أن مذهب الشيعة قامت أسسه على التعاليم اليهودية، و أن مؤسسه عبد اللّه بن سبأ اليهودي، و هو شخصية موهومة رسمتها ريشة رسام البلاط العباسي. و ما أكثر البسطاء الذين يتأثرون بالقصص الوهمية.

و قامت حول هذه الافتراءات دعايات التضليل، و نفخت أبواق الباطل و ما أسهل الانخداع بهذه الأكاذيب ممن لا يقوى على تمحيصها بفكر ثاقب و عقل راسخ.

و كانت السلطة من وراء ذلك تشد أزر أولئك المخدوعين، و تتولى نشر تلك التهم و تأييدها بكل حول و قوة، لتركيز فكرة خروج الشيعة عن الإسلام، و طبع عقائدهم بطابع الكفر، ليجعلوا من ذلك حصانة للدولة عن مؤاخذة المسلمين لهم و إنكارهم عليهم، و لأجل أن تصبح تلك الثورات التي قام بها الشيعة ثورات على الجماعة الإسلامية. حتى عرفوا في قاموس لغة السياسة: (أنهم أمة هدامة أو حزب ثوري لا يعترف بنظام الحكم القائم) و لهذا أصبح الانتماء إلى التشيع ذنبا لا يغفر،

17

لأنه ينتمي إلى جماعة مخربة تحاول القضاء على الدولة الشرعية التي يترأسها سلطان يعمل بأمر اللّه و هدايته.

و كل ذلك ادعاء باطل و تدخل شائن، كما بذلوا جهدهم في خلق تهم و إشاعات يحاولون من ورائها إبعاد الشيعة عن المجتمع الإسلامي.

إن ذلك التدخل السياسي قد أوقع كثيرا من الكتّاب في حدود ضيقة، و حرمهم من حرية الفكر و صواب الرأي.

و لا بد لنا في هذا الموضوع أن نلفت أنظار القراء الكرام إلى الدور الذي لعبه المستشرقون في كتاباتهم حول الشيعة، و التي أصبحت مصدرا يستمد منه كتّاب عصرنا الحاضر معلوماتهم بدون مناقشة، كأنها هي عين الحقيقة و الصواب، فلا يتطرق إليها وهن و لا ينال منها أي نقاش.

و صار أولئك الكتّاب يطلقون تلك الآراء الشاذة، و الأقوال التي تحمل طابع التزييف و الخداع، كدليل جاءوا به من عند أنفسهم أو نتيجة بحث موضوعي قائم على حرية الرأي و المنطق الصحيح. و لو أنهم أعطوا لعقولهم مدىّ يسيرا لتكون نظرتهم مشتملة على شي‏ء من الواقعية و التمحيص لما تلبسوا تلك الأقوال احتراما لعقيدتهم و لأنفسهم.

و نحن إذ نقدم هنا أمثلة لما نقول- و الألم يحز في نفوسنا- لما بلغت إليه الحالة من الانحطاط و التدهور، في أخذ آراء قوم احترقت قلوبهم بنار الحقد على المسلمين حتى باتت رمادا، و قد وجهوا حملاتهم العنيفة ضد الإسلام و نبيه الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، باتهامات باطلة و أقوال فارغة (و قد حفلت كتبهم بالاتهامات و الشتائم، و كلها تتصف بالافتراءات الغريبة التي تدل على تفكير سقيم) (1).

فاندفعوا بأقلامهم المسمومة، و خيالهم الواسع مستغلين فرصة الخلاف بين الطوائف، و اتهام بعضهم بعضا، فراحوا يختلقون أشياء كثيرة و يضعون خططا للطعن في العقيدة الإسلامية من طرق مختلفة حسب الخطط المرسومة، و الهدف المقصود.

____________

(1) انظر حضارة الإسلام للمؤرخ الهندي خدابخش من ص 45 إلى ص 60 تجد هناك بعض تلك الاتهامات ذكرها هذا المؤرخ من مصادرها و ناقشها.

18

آراء المستشرقين في التشيع:

و إن لكثير من المستشرقين خططا يقومون بتنفيذها عن طريق الكتابة، أو خططا استعمارية يقوم بتنفيذها كثير من المستشرقين في البلدان الإسلامية، و المتتبع يجد ذلك فيما يكتبونه فهم يثيرون أحقادا، و يوقظون الفتنة، و كل ينتصر إلى جهة، و قد اشتدت حملتهم على الشيعة من بين الفرق الإسلامية لأسباب نوضحها فيما بعد.

و لسنا الآن بصدد عرض ما قاموا به من النشاط في صفوف المسلمين لفتح باب الخلافات، و لكننا نريد أن نعطي صورة عما قاموا به من تزييف الحقائق و المغالطة، ليطعنوا في العقائد الإسلامية من باب أين ما أصابت فتح.

و قلدهم في ذلك بعض الكتّاب عن دراية أو غير دراية، فمن تلك الآراء التي تقوم على تزييف الحقائق التاريخية، أو الجهل المزري هو ما ذهب إليه جوبينو بقوله حول تشيع الفرس: (كانت هذه النظرية عقيدة سياسية (و هي التشيع) غير متنازع فيها عند الفرس، و هي أن العلويين وحدهم يملكون حق حمل التاج، و ذلك بصفتهم المزدوجة لكونهم وارثي آل ساسان من جهة أمهم بي‏بي شهربانوه ابنة يزدجرد آخر ملوك الفرس، و الأئمة رؤساء هذا الدين حقا).

ثم يأتي من بعده بارون فيؤيد هذه النظرية بإيضاح السبب الذي استمال الفرس إلى التشيع معتمدا على ما قاله جوبينو في هذا الصدد فيقول بارون: (إني أعتقد أن جوبينو قد أصاب فيما قاله: أن نظرية الحق الإلهي و حصرها في البيت الساساني كان لهما تأثير عظيم في تاريخ الفرس في العصور التي تلتها).

إلى أن يقول: و من جهة أخرى فإن الحسين و هو أصغر ولد فاطمة بنت النبي و علي ابن عمه قد قالوا: إنه تزوج من شهربانوه ابنة يزدجرد الثالث آخر ملوك آل ساسان.

هذا هو منطق المستشرق جوبينو و هذه عقليته، إذ يجعل التشيع فارسيا بحتا و أن تشيع الفرس كان منهم تعصبا لا تدينا؛ لأنهم أصهار آل علي (عليه السلام) فالذي دفعهم لمناصرة آل علي (في نظره) هو علقة المصاهرة؛ لأن الحسين (عليه السلام) قد تزوج إحدى بنات يزدجرد، اللاتي جي‏ء بهن سبايا في أيام خلافة عمر بن الخطاب، و كن ثلاث بنات، فاشتراهن الإمام علي (عليه السلام) و دفع واحدة لعبد اللّه بن عمر فأولدها سالما،

19

و دفع الثانية إلى محمد بن أبي بكر فأولدها القاسم، و دفع الثالثة لابنه الحسين (عليه السلام)(1) فأولدها زين العابدين (عليه السلام).

فعلي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) و القاسم و سالم هم أبناء خالة، لأنهم أولاد بنات يزدجرد.

فدليل هذا المستشرق على ارتباط التشيع بالفرس و مناصرة أبناء فارس لأهل البيت إنما كان للمصاهرة، كما يذهب جوبينو و غيره، و هذا من خطل الرأي و سقم التفكير.

و يقول (و لهو سن): إن العقيدة الشيعية نبعت من اليهودية أكثر مما نبعت من الفارسية مستدلا بأسطورة ابن سبأ الخرافية. و ما أكثر من يصدق بالأساطير و يخضع للخرافات.

و يقول (دوزي) و غيره من المستشرقين: إن أصل التشيع فارسي. مستدلين بالمصاهرة المذكورة، و إن الفرس تدين بالملك و بالوراثة في البيت المالك، و الشيعة تقول بوجوب طاعة الإمام.

و يقول (نيبرج) في مقدمة طبعة كتاب الانتصار للخياط: و كانت الشيعة محل امتزاج الثنوية بالإسلام خاصة ... الخ.

إلى كثير من تلك الأقوال المفتعلة، و الآراء الشاذة المنافية للحقائق، من جعل التشيع فارسيا بحتا، و غرضهم في ذلك هو أن تصبح عقيدة الشيعة ذات صلة بعقائد الفرس القديمة، و بهذا فهم يطعنون في العقيدة الإسلامية في الصميم كما أنهم قد جعلوا إسلام أبناء فارس إسلاما عنصريا لا إسلاما حقيقيا منبعثا عن عقيدة راسخة.

هذا هو منطقهم الخاطئ، و هذه هي آراؤهم الشاذة، و أقوالهم الكاذبة، و هم لا يلامون على ما ارتكبوه لأنهم خصوم الإسلام، و هل يرتجى الخير من خصم يحترق‏

____________

(1) هذه القصة يرويها ابن خلكان في الوفيات ج 3 ص 4 و ج 1 ص 455 طبعة بولاق عن ربيع الأبرار و انها كانت في خلافة عمر، و هذا بعيد جدا، لأن وفاة عمر كانت سنة 23 ه و كان يزدجرد في ذلك الوقت حيا قوي الجانب كثير العدة و لم يذكر أحد من المؤرخين سبي بناته في حياته و لم يقتل إلا سنة 31 ه. هذا من جهة و من جهة أخرى أن محمد بن أبي بكر كان صغير السن آن ذاك لأن ولادته كانت في حجة الوداع.

20

قلبه بنار الغيظ و قد آن لهم أن يشفوا غيظهم، و ينفثوا سمومهم بين المجتمع الإسلامي. فلا لوم عليهم و لكن اللوم كل اللوم على كتاب يدعون الحمية على الإسلام و أهله، فيقررون في بحوثهم تلك الآراء، و يثبتون تلك الطعون و كأنها مكرمة جاءوا بها للأمة؛ حتى بلغ الانحراف و الشذوذ ببعضهم أنه نسب إلى أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و خريجي مدرسته بأنهم قد أخذوا بآراء ابن سبأ اليهودي و تأثروا بتعاليمه. (1)

و هذا من أعظم الجنايات و أقبح الأمور، و لكن هذا القائل قد بلغ حدا في مناصرة الباطل جعلنا نتهاون في أمره، فألقيناه في سلة المهملات غير مأسوف عليه، لأن الانشغال بكل ما بدر من أعداء الإسلام يفوق الطاقة و لذا فهو من مهمات المسلمين جميعا.

و نجد أحمد أمين في بحوثه- و بالأخص في فجر الإسلام- قد أخذ بهذه الآراء و أقرها كأنها مصدر وثيق لا يتطرق إليه وهن، و لا يداخله أي نقاش.

و كذلك الدكتور حسن إبراهيم حسن في تاريخ الإسلام السياسي، و الشيخ محمد أبو زهو في كتابه الحديث و المحدثون، و مصطفى الشكعة و غيرهم، فالجميع قد ساروا على هذا الخط الذي رسمه أمثال هؤلاء المستشرقين بدوافع واحدة و أغراض معينة لا تبعد عن محاولة الإساءة للإسلام و تشويه عقائده بدون رجوع إلى الوثائق التاريخية التي تفند هذه المزاعم، و لا يتسع المجال إلى عرض أقوال هؤلاء الكتاب المقلدين و للمثال نضع في هذا المورد قول أحد الكتاب المعاصرين و هو الأستاذ مصطفى الشكعة إذ يقول: و المنطق في ذلك أن الفرس يعتقدون أنهم أنسباء الحسين، لأنه تزوج جهان شاه (سلافة) ابنة يزدجرد بعد أن وقعت أسيرة في أيدي المسلمين، و لقد انجبت سلافة عليا زين العابدين، و إذن فهم أخوال علي، و يمكن الربط بين تحمسهم لابن ابنتهم و بين تشيعهم. فتشيعهم و الحال كذلك لا يمكن أن يقال أنه تشيع عقيدة خالصة، بل هو أقرب إلى تشيع العصبية منه إلى تشيع العقيدة، و تشيع العصبية يساوي تشيع السياسة، ففكرة التشيع من ناحية الفرس على الأقل فكرة سياسة خالصة،

____________

(1) رسالة حملة الإسلام ص 23 تأليف محب الدين الخطيب، و هو رجل معروف بشذوذه الفكري و أسلوبه التهجمي.

21

بل أن بعض الفرس قد أعلن انتصاره لعلي زين العابدين لما يربط بين الفرس و بين بيت الحسين من نسب‏ (1).

التشيع و الفرس:

هذا هو منطق الأستاذ الشكعة، يتعاطاه بدون انتباه إلى الأخطاء التي أحاطت به فأخرجته عن جادة الصواب.

لقد أبدى الأستاذ رأيه و كأنه هو السابق إليه إذ لم يذكر الذين سبقوه بهذه الأخطاء، و كأنه يقصد بذلك أن ينفي عنه التقليد لغيره فبرز بهذه المكرمة المبتكرة، لينال الثناء على عظيم فكرته، و رجاحة عقليته.

و كان اللازم عليه و على غيره ممن اعتمدوا على آراء المستشرقين ألا يقفوا عند الحدود الضيقة، التي وقف بها أولئك المتعصبون، لأن العلم يأبى الانقياد و الأخذ دون دليل.

و كان الأجدر بهم و هم رسل الثقافة، و حملة أمانة التاريخ، بأن يفكروا في صحة تلك الأقوال و صواب تلك الآراء. و نحن نطالب الأساتذة و منهم الدكتور حسن إبراهيم و الأستاذ الشكعة و غيرهم بأن يسائلوا أنفسهم عن صحة رأي جوبينو و بارون و غيرهم في الأمور التالية:

1- لم ناصر الفرس ابن أختهم زين العابدين؟ و لم يناصروا ابن أختهم سالما، الذي كان هو و أبوه من أنصار الدولة الأموية، و كانت لعبد اللّه بن عمر اليد الطولى في انتصار جيش أهل الشام على جيش أهل المدينة يوم الحرة فقد كان يخذّل الناس، و يدعو إلى الوفاء ببيعة يزيد، و لما ذا لم يدخلوا في الحزب الأموي تعصبا لصهرهم ابن عمر، و ابن أختهم سالما و لما ذا لم ينتصروا لأبي بكر و هم أصهاره؟

2- إن انتشار المذهب الحنفي في بلاد فارس أكثر من غيره من المذاهب الإسلامية و إن العلماء الذين نشروه و خدموه بمؤلفاتهم أكثرهم كان من أبناء فارس.

فهل كان ذلك أمرا واقعيا؟ أم أنهم تعصبوا له لأن أبا حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي كان من بلاد فارس فاعتناقهم لمذهبه تعصبا له لأنه ابنهم.

____________

(1) إسلام بلا مذاهب ص 112.

22

3- هل أن إسلام رجال الحديث من العلماء الذين هم من أبناء فارس كالبخاري و الحاكم و البيهقي و غيرهم، كان واقعيا أم تعصبا لجهة، أم تقليدا لآبائهم و اتباعا لقومهم؟

و لعلهم يقولون إن إسلام العصبية كان خاصا بمن يتشيع، فهذا شي‏ء لا نعرفه و لا نجيب عما لا نعرف مما يخرج عن قواعد التحقيق و نواميس الواقع.

4- هل كان تشيع بلاد فارس بالصورة التي هو عليها الآن في القرون الأولى أم القرون المتأخرة؟ و من هم الذين نشروا التشيع هناك؟

و لو أن هؤلاء الكتّاب كانوا يهدفون إلى الحقيقة لاستقاموا في أبحاثهم، و نهجوا نهج المؤرخ الذي يحاول إظهار الواقع و جلاء الغامض، و لظهر لهم هناك أن انتشار التشيع في إيران كان في القرن السابع الهجري و ان الذين تولوا نشره في الزمن الأول هم الفاتحون من كبار المسلمين و دعاة أهل البيت و كانت البلاد تختلف باتجاهاتها و نزعاتها.

و باختصار إن تلك الآراء الشاذة و الأقوال التي لا تستند إلى وثائق تاريخية كان الباعث لها حقد أولئك القوم الذين تغلي قلوبهم بنار الغيظ على الإسلام.

و إن كانت هناك فئة تتصف بالاتزان و مراعاة الحقيقة فهم قليلون بالنسبة للكثرة التي يتصف بها أولئك الحاقدون، من المستشرقين و الزنادقة المتداخلين في صفوف المسلمين.

و خلاصة القول: إن الانحراف الذي وقع فيه بعض كتّاب العصر الحاضر يرجع إلى أسباب كثيرة أهمها: عدم رعاية الأبحاث العلمية و إعطاء الموضوع حقه من النظر و التفكير، و الوقوف على مدى تأثير الوقائع في الآراء، و أنهم قد أهملوا جانب العدل و الاستقامة، و ركنوا إلى أمور وهمية. و بعبارة أوضح إنهم يكتبون بوحي العاطفة و التعصب الأعمى، فجمدوا على ما يكتبه سلف عاش في عصور التطاحن و التناحر.

هذا من جهة، و من جهة أخرى فإن تذوقهم لقراءة ما يكتبه أولئك الحاقدون من المستشرقين جعلهم في غفلة عمّا اشتملت عليه كتبهم من التناقض و مخالفة الحق و لو تنبهوا لذلك لما جعلوا شيئا منها محورا لأبحاثهم، و لم يستندوا إلى تلك الأقوال و كأنها صادرة من منبع صدق لا يتطرق إليه أي شك و لا يداخله أي احتمال.

23

و لهذا فقد أهملوا دراسة العوامل التي انتشر بها المذهب الشيعي في بلاد فارس في فترات متعاقبة و أدوار مختلفة.

و لو درسوا ذلك لما ظلموا أمة تدين بالإسلام عن عقيدة خالصة و نية صادقة، و لهم مواقف مشهودة، فجعلوا إسلامها تعصبا لا تدينا: كل ذلك مما يهدف إليه المرجفون و الذين يحاربون الإسلام من طريق الطعن في العقيدة.

الشيعة و المستشرقون:

و إذا ألقينا نظرة سريعة على أسباب تحامل المستشرقين على الشيعة بالأخص وجدنا أنها حاصلة من مؤثرات متداخلة أهمها امتناع الشيعة عن ملامستهم و مواكلتهم مما بعث في نفوسهم حقدا مضاعفا، و قد اشتملت مؤلفات الأوروبيين الذين عاشوا بين ظهراني الشيعة على بيان ذلك، و نكتفي بما ذكره البعض منهم.

قال الدكتور بولاك الذي قضى أعواما طويلة في فارس متقلدا منصب الطبيب الخاص للشاه ناصر الدين:

إذا قدم أوربي مصادفة و على غير انتظار في بداية تناول الطعام يقع الفارسي في الحيرة و الارتباك، و يسقط في يده، لأن الآداب تمنعه من أن يأمر زائره بالانصراف، و إذا سمح له بالدخول تحرج؛ لأن ما يلمسه الكافر من طعام تلحقه النجاسة، و الفضلات التي تبقى من طعام الأوروبيين يأبى أن يتناوله الخدم و يتركونها للكلاب.

ثم يقول: يلزم الأوربي أن لا يغفل أن يعد لنفسه إناء يشرب منه، فليس من أحد يعيره شيئا، فعقيدة الفرس أن كل إناء يتنجس إذا ما استخدمه الكافر.

و كذلك قال «فولني» في كتابه (رحلة في سوريا و مصر) و قرر في مشاهداته هذه الأمور التي تحز في نفوسهم.

و جاء في مشاهدة آخرين من السائحين شبيهة بهذه المشاهدات في الحجاز من النخاولة و غير الحجاز من البلدان الإسلامية.

و بهذا وجه المستشرقون حملتهم الشعواء على الشيعة و زادوا على ما شاهدوه:

بأن هذه النزعة تشمل غير الكفار.

يقول أجناس جولد زيهر: إن هذه النزعة المتعصبة عند الشيعيين الصادقين في‏

24

تشيعهم لم تقتصر على الكفار بل شملت المسلمين من مختلف النحل و المذاهب، و كتب الشيعة تفيض بالدلالة على هذا البغض و التحامل‏ (1).

و هنا نلمس أثر ذلك الانفعال الحاصل من رد الفعل في نفوس هؤلاء المستشرقين لعدم ملامسة الشيعة لهم، و تجنبهم مؤاكلتهم، مما حملهم على افتعال هذه الأمور تشفيا منهم.

و هم عند ما يعودون من رحلاتهم يصورون الشيعة بصور مشوهة، و يحكمون عليهم بأحكام جائرة، و لعجزهم عن الإلمام بتاريخ الشيعة ليكتبوا وفقا لما يتطلبه منهاج البحث التاريخي، دونوا في كتبهم ما هو بعيد عن جوهر التشيع، و جردوا المبدأ من جميع مفاهيمه الدينية و أسسه الأخلاقية، فوصفوا معتنقيه بكلمات نابية، إذ فسحوا المجال لخيالهم، و انقادوا وراء شعور الحقد.

و عوضا عن أن يتأملوا بنظرات مستنيرة ليدخلوا باب الأبحاث التاريخية، راحوا يصورون بدون تثبت، و يتخبطون في مجالات البحث بصورة تدلنا على الغرض الذي كتبوا من أجله و نستشف الدافع الذي دفعهم لذلك، و قد جمعوا عدة طعون غذاها الحقد و أملاها الخيال و سجلوها في قائمة المؤاخذات على الدين الإسلامي، ليرموا المسلمين بها عن كثب.

يضاف إلى ذلك أنهم استمدوا أكثر معلوماتهم من كتب أناس عاشوا في عصر اشتد فيه الصراع بين الطوائف و تلاطمت فيه أمواج الفتنة، فكان أتباع مذهب أهل البيت أشدهم عناء، و أعظمهم محنة، لتدخل السلطة حين بذلت جهدها في القضاء على مذهب أهل البيت و من يناصره.

فكانت التهم تكال جزافا، و الحرب بين الشيعة و بين السلطة و نفوذها- من أعوان و مؤيدين- سجالا، حتى حكموا عليهم بالكفر و الخروج عن الدين و اتهموهم بالشرك و إنهم يعبدون الأئمة و إن التشيع حزب سياسي ... الخ فأخذ المستشرقون و غيرهم ممن يكيدون للشيعة تلك التهم فازادوها و أبرزوها للعالم بأسلوب ماكر خداع، طلبا لاتساع رقعة الخلاف و إيقاد نار الفتنة.

____________

(1) العقيدة و الشريعة في الإسلام ص 209.

25

و المتتبع لما يكتبونه يجد لهم كثيرا من الآراء الشاذة، فمثلا انهم يقولون: إن أصل التصوف في الإسلام مأخوذ من أصل مجوسي.

و إذا طالبتهم بالدليل قالوا: إن عددا كبيرا من المجوس ظلوا على مجوسيتهم في شمال إيران بعد الفتح الإسلامي، و أن كثيرا من كبار مشايخ الصوفية ظهروا من إيران.

و بهذا القياس العقيم و الاستنتاج الغريب حكموا على أن المتصوفة مجوس، و هم يحاولون أن يطعنوا الإسلام، بتجريده من الروحيات و جعله دينا جامدا لا صلة له بالروحيات و الحب الإلهي.

و على أي حال: فإن عواصف الاتهامات التي أثيرت حول الشيعة كانت من وحي الخيال، سداها الهوى و لحمتها الحقد، و إن قليلا من التأمل في حوادث التاريخ و وقائع الزمن و اختلاف الظروف يكفي- بطبيعة الحال- للكشف عن الواقع و جلاء الغامض.

و لا أبعد عن الواقع إن قلت: إن مهمة المؤرخ عن الشيعة هي أعسر من مهمة من يؤرخ لغيرها من طوائف المسلمين، لوجود عواصف الاتهام و زوابع الافتراء.

و السبب الأساسي لذلك هو انفصال الشيعة عن الدولة، و معارضتهم للحكم القائم على الظلم، طبقا لنهج أهل البيت (عليهم السلام) الذي ساروا عليه.

و الواجب يقضي على كل مؤرخ و باحث أن لا يغفل هذه النقطة الأساسية التي لها أثرها في توجيه المجتمع، لتحقيق ما وراءها من هدف، فالاستسلام لكل قول، و الأخذ بكل رأي دون تمحيص جناية على التاريخ و تمرد على الواقع.

و مما لا جدال فيه و ما يلزمنا الاعتراف به: أن كلا من الدولتين الأموية و العباسية، قد تنكرتا لأهل البيت، و أصبح من عرف بالولاء لهم هدفا للنقمة، إذ الولاء لآل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كما هو مفهوم تلك السياسة خطر يهدد كيان الدولة، و ذلك ذنب لا يغفر.

و كم أريقت بذلك من الشيعة دماء، و هدمت دور، و نهبت أموال، و أزهقت نفوس، و اهتزت مشانق، و ملئت سجون.

و كان أسهل شي‏ء على من يخشى سطوة الدولة أو يتهم بالانحراف عنها، أن‏

26

يتظاهر بالعداء لأهل البيت و ذم شيعتهم، و يظهر ذلك في نظم أو نثر أو تأليف كتاب، أو وضع حديث أو خلق حكاية تحط من كرامة الشيعة.

و قد أصبح ذلك طريقا لكسب المغنم، و حصول الجوائز أيضا.

و من أظرف الأشياء ما قاله المرزباني: إن رجلا دخل على الرشيد فقال:

لقد هجوت الرافضة- و يقصد بهم الشيعة- طبعا.

قال الرشيد: هات. فأنشد:

رغما و شما و زيتونا و مظلمة* * * من أن تنالوا من الشيخين طغيانا

فقال الرشيد: فسّره لي. قال: لا، و لكن أنت و جيشك أجهد من أن تدري ما أقول.

قال الرشيد: و اللّه ما أدري ما هو. و أجازه بعد ذلك.

و منها: أن رجلا بالكوفة اسمه علي، اشتكى إلى الحجاج بن يوسف ظلامته من أهله، فسأله عن ذلك، فأجاب: إنهم ظلموني فسموني عليا.

لأن التسمية باسم علي تستوجب الاتهام و قطع الصلة، و هكذا مما يطول به الحديث، و التاريخ حافل بالأعمال الإرهابية التي اتخذها الحكام في توجيه الطاقات الاجتماعية، لبناء مجتمع يخضع لإرادتهم و تكييف الجماعات لبغض أهل البيت، و كان الدور الأموي يلقن أبناءه بغض علي و يوجبون شتمه علنا، فكان في المملكة الأموية سبعون ألف منبر يشتم عليها علي بن أبي طالب (عليه السلام)(1) و كان المحدثون و القصاص يختمون مجالسهم بشتم علي (عليه السلام).

قال جنادة بن عمرو بن الجنيد: أتيت من حوران إلى دمشق، لأخذ عطائي فصليت الجمعة، ثم خرجت من باب الدرج، فإذا عليه شيخ يقال له أبو شيبة يقص على الناس، فرغّب فرغبنا، و خوّف فبكينا، فلما انقضى حديثه، قال: اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب. فالتفت إلى من على يميني فقلت له: فمن أبو تراب؟! فقال: علي بن أبي طالب ابن عم رسول اللّه، و زوج ابنته، و أول الناس إسلاما، و أبو الحسن و الحسين.

____________

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي.

27

فقلت: ما أصاب هذا القاص؟؟ فقمت إليه و كان ذا وفرة فأخذت و فرته بيدي، و جعلت ألطم وجهه، فصاح و اجتمع أعوان المسجد، فجعلوا ردائي في رقبتي، و ساقوني إلى هشام بن عبد الملك، و أبو شيبة يقدمني و يصيح: يا أمير المؤمنين قاصك وقاص آبائك و أجدادك، أتى إليه اليوم أمر عظيم.

قال هشام: من فعل بك هذا؟

فقال: هذا. (و أشار إلى جنادة).

و لما سألني هشام أخبرته بالخبر.

فقال هشام: بئس ما صنع، ثم عقد لي على السند، و قال لجلسائه: مثل هذا لا يجاورني هاهنا فيفسد علي البلد فباعدته إلى السند (1) و لم يكن بوسع هشام إلّا أن يفعل ذلك مضطرا.

و صفوة القول إن الأمويين كانوا يبذلون جهودهم في توجيه المجتمع لإخفاء مآثر علي (عليه السلام) فلا يسمح لأحد أن يروي عنه أو يتحدث بحديثه، حتى صار المحدثون يكنون عنه (عليه السلام) بأبي زينب‏ (2).

أما من يروي حديثا في فضله أو فضل أهل بيته، فمصيره إلى التعذيب، و نهايته إلى الموت و على العكس فإن من يضع رواية في ذمه (و هو المبرأ) فذاك هو المقرب و له ما يحب من صلتهم و رفدهم.

و قد أعلن ولاتهم على المنابر- بشكل رسمي- إلزام الناس شتم علي (عليه السلام) و البراءة منه، و أثاروا الشكوك و الريب حول أتباعه و أنصاره، و كانوا يتخذون من تكنية النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) له «بأبي تراب» ذريعة لتنقيصه، و قد لقي المسلمون في ذلك أذى و تنكيلا.

و باختصار: فإن ما نال الشيعة من وطأة الظلم بأنواعه، إنما كان لأجل انتصارهم لأهل البيت و انفصالهم عن دولة الظلمة، و إعلانهم الغضب على تلك الأعمال التي ارتكبها أولئك الحكام، و قد رفع الشيعة لواء المعارضة على ممر العصور و الأدوار،

____________

(1) تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 3 ص 407.

(2) مناقب أبي حنيفة للموفق ج 1 ص 171.

28

و قدموا التضحيات المجيدة، و هذه حقيقة يجب أن يسير الباحثون على ضوئها في البحث عن تاريخ الشيعة.

و يلزم أن يقدروا أثر تدخل السلطات في تغيير الحقائق و تصوير الحوادث، لأنّه النول الذي حيكت عليه التهم الكاذبة، و التي كان سداها الهوى و لحمتها الحقد، بل هو القانون الذي يستمد منه علماء السوء أحكامهم الجائرة في حق الشيعة.

نعم إن ذلك التدخل هو مصدر الصعوبات و المشاكل التي تقف أمام رواد الحقيقة الذين يحاولون الوصول إلى الأمر الواقع، عند ما تنطلق أقلامهم من قيود الطائفية الرعناء، و تتحرر أفكارهم من أساطير الأوهام و خرافات الماضي.

و نحن نشتد باللائمة على رجال الفكر و أعلام الأدب، و حاملي شهادات الدراسات العالية، إذ لم يتحملوا صعوبة البحث و مشقة التنقيب عند ما حاولوا معالجة مواضيع لها علاقة في الشيعة، إما حول تاريخهم أو آرائهم أو فقههم أو غير ذلك.

فإنا وجدنا الكثير منهم قد خلطوا في كثير من الأمور فزادوها تعقيدا و أصدروا أحكامهم بدون تحقيق علمي أو ضبط تاريخي، و هذا نقص يؤاخذون عليه. و على سبيل المثال نضع بين يدي القراء ما يلي:

الدكتور شلبي و الشيعة:

قال الدكتور أحمد شلبي أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعات أندنوسيا:

المصادر الرئيسية للشريعة الإسلامية هي القرآن الكريم و الأحاديث الصحيحة، إلى أن يقول: و لكن الشيعة يعتقدون في أئمتهم أن اللّه يؤتيهم من مخزون علمه و حكمه ما لا يؤتيه غيرهم، و تنزل عليهم الملائكة، و تأتيهم بالأخبار، و إذا أراد الإمام أن يعلم شيئا أعلمه اللّه إياه، و هم من أجل هذا لا يحتاجون إلى الرأي و القياس، فكلما جد أمر ليس في القرآن و لا في أحاديث الرسول إجابة صريحة عنه، تلقى الإمام من اللّه الرد على هذا السؤال، كما كانت الحالة مع الرسول تماما، و من أجل هذا يبطل استعمال القياس و الرأي.

و بناء على اختلاف الأسس التي تؤخذ منها الشريعة و سبب المصدر الجديد الذي اعتمده الشيعة أصبح لهم فقه خاص بهم يختلف و يتفق مع فقه السنة؛ و فيما يلي‏

29

أمثلة لفقه الشيعة مقتبسة من الترجمة العبقرية للعلامة غلام حليم بن قطب الدين الهندي:

الطهارة: طهارة الخمر.

لا يحتمون طهارة مكان الصلاة ما دامت النجاسة لا تعلق بالثوب.

الصلاة: يجيزون الجمع بين الظهر و العصر و بين المغرب و العشاء من غير عذر.

لا يجيزون القصر لصلاة المسافر إلا إذا كان مسافرا إلى مكة و المدينة أو الكوفة أو كربلاء.

تختلف عدد التكبيرات على الميت تبعا لمكانته.

الصوم: صوم اليوم الثامن عشر من ذي القعدة سنة مؤكدة.

لا يبحثون عن هلال رمضان، و لا عن هلال شوال و دائما يبدءون رمضان قبل أهل السنة بيوم أو يومين، و رمضان عندهم كامل دائما.

لا تجب الزكاة في أموال التجارة.

النكاح: يجوزون نكاح المتعة.

لا يقع الطلاق إلا بشاهدين كالزواج.

الميراث: يقدمون القرابة على العصبة.

يقدمون البنت على الولد في الميراث لا يورثون الجد عند وجود ابن الابن.

الأذان: يزيدون فيه عبارة: حي على خير العمل‏ (1).

هذا ما يقوله الدكتور الشلبي، و لنمر أولا مر الكرام على ما قاله حول اعتقاد الشيعة بالأئمة (عليهم السلام): من أنهم تنزل عليهم الملائكة و تأتيهم بالأخبار و أن حالهم حال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فالحديث حول هذا يطول و هذه التهمة من محدثات عصور التطاحن و التناحر. و ليست هذه الفرية على الشيعة مما يصح السكوت عنها و قد مر بنا في‏

____________

(1) تاريخ التربية الإسلامية ص 345.

30

الجزء الرابع عند بحث مشكلة الغلاة، و في الأجزاء السابقة أيضا. و لكن ضيق المجال يدعونا إلى الإعراض عن المناقشة هنا كما يدعونا ذلك إلى ترك التعرض لما ذكره في مسألة القياس و رأي الشيعة فيه. و قد مر في الجزء الثاني من هذا الكتاب بحث حول رأي الشيعة في القياس.

و أما ما نسبه إلى الشيعة من الفروع الفقهية التي جعلها أنموذجا و مثالا فهي خلط و خبط و تزوير و جهل و تعصب، و سيقف القراء على حقيقة ذلك في بحث الفقه المقارن.

و من أعجب الأشياء قوله: إن الشيعة لا يجيزون قصر الصلاة للمسافر إلا إذا كان مسافرا إلى مكة، و المدينة، أو الكوفة و كربلاء، و هذا قول بعيد عن الصواب تماما، فإنهم يوجبون القصر في الصلاة إجماعا، و يقولون بالتخيير بين القصر و الإتمام في هذه الأماكن الأربعة و القصر عندهم أفضل.

و أما قوله باستحباب صوم اليوم الثامن عشر من ذي القعدة فهذا بهتان يعجز عن إثباته، إذ لا يوجد قائل بهذا أبدا إلا الأستاذ الشلبي.

و أما طهارة الخمر فهو كذب و لا أثر لذلك، بل إن الشيعة تشددوا في نجاسة الخمر، و قالوا بنجاسة كل مسكر مائع بالأصالة و إن صار جامدا بالعرض. و أما ما ذكر من نكاح المتعة و الجمع بين الظهرين و حضور شاهدين في الطلاق فهذه أبحاث علمية و للمسلمين في ذلك خلاف يأتي فيما بعد إن شاء اللّه.

و الذي نود أن نشير إليه هو أن الدكتور لم يكلف نفسه عناء البحث و لم يعط من وقته للتنقيب و إن قال إن الوقت ثمين، فيجب أن تكون الكرامة أثمن من الوقت، و إن ظهور النقص لعدم اطلاعه أو كذبه هو حط في كرامته، إذ لا يوثق بنقله و هو موجه جيل و معلم فئة و رئيس جامعة، و ربما له عذر النقل من مصدر و هو غير معذور بصفته عالما موجها فيلزمه البحث و التدقيق.

هذه صورة من صور التجني على الحقائق و الخروج عن القواعد العلمية، و سيجد القراء زيادة بيان في الدراسات الفقهية الآتية، و فيها ما يفند هذه المزاعم و المفتريات، و الخلط و الخبط في الأمور الواضحة. مما يدلنا بوضوح على عظيم‏

31

التأثر بدعايات التضليل، المسيطرة على أذهان الكثيرين من المتنورين في البلاد الإسلامية.

مناقشة أخطاء المؤلفين:

و من المفيد في هذا المجال توضيح ما ذهب إليه بعض المؤلفين في حقيقة هي أجلى من رائعة النهار، و ذلك أنه مزج بين المذهب الشيعي و المذهب الشافعي اشتباها، أو جهلا بالموضوع و هو الحاج خليفة (1):

قال: و الكتب المؤلفة على مذهب الإمامية الذين ينسبون إلى مذهب ابن إدريس، أعني الشافعي (رحمه اللّه)، كثيرة منها: شرائع الإسلام، و الذكرى، و القواعد، و النهاية ... الخ.

و يقول تحت عنوان الكتب المؤلفة على مذهب الإمامية: البيان، و الذكرى و شرائع الأحكام، و حاشيته، و القواعد، و النهاية، و من أقوالهم الباطلة: عدم وجوب الوضوء للصلاة المندوبة، و وجوب الغسل بعد غسل الميت، و وجوبه لصوم المستحاضة، و كراهية الطهارة بماء أسخن في غسل الميت، و وجوب المسح على القدمين، و عدم لزوم الاستيعاب في التيمم و كفاية مسح الجبهة. و قال معلقا:

و يطلقون ابن إدريس على الشافعي.

و قال عند ذكر تفسير الشيخ الطوسي فقيه الشيعة: هو أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي فقيه الشيعة الشافعي، كان ينتمي إلى مذهب الشافعي المتوفى سنة 460 ه سماه مجمع البيان لعلوم القرآن‏ (2).

و نحن هنا أمام حقيقة يلزم أن نجلو عنها غشاوة الأوهام، و لا أراني بحاجة إلى التعليق على وقوع مثل هذا الخلط بأكثر من أن أقول: إن الذي أوقع هذا المؤلف‏

____________

(1) هو الشيخ مصطفى بن عبد اللّه الحنفي المتوفى سنة 1067 ه ولد باسطنبول سنة 1017 ه و هو معروف بين العلماء بلقب (كاتب جلبي) و بين زملائه الكتاب بلقب حاج خليفة، لقبوه بذلك بعد أن حج و ترقى بين الكتاب- في القسم الذي كان موظفا فيه- إلى رتبة النيابة عن رئيس القسم على مصطلح العثمانيين، و ذلك ان صغار الكتاب يسمون الملازمين و فوقهم الخلفاء، فلذا سموه حاج خليفة و يسميه المستشرقون (حاجي قالفة) على طبق ما يلهج به العوام هناك و قد ألف كتبا كان أشهرها كشف الظنون على أسامي الكتب و الفنون.

(2) كشف الظنون ج 2 ص 1281- 1286 و ج 1 ص 452.

32

بشبكة المؤاخذة: هو إغماض عينيه عن الطريق الموصل إلى الحقيقة ليسلم من ذلك.

و الذي يؤاخذ عليه الأمور التالية:

1- قوله: كتب الإمامية المنتسبين إلى محمد بن إدريس الشافعي.

2- قوله: يطلقون ابن إدريس على الشافعي.

و قوله: عند ذكر تفسير الشيخ الطوسي، هو أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، فقيه الشيعة الشافعي، كان ينتمي إلى مذهب الشافعي المتوفى سنة 460 ه.

سماه مجمع البيان لعلوم القرآن.

و لنتعرض لإيضاح هذه الأمور التي وقع فيها المؤلف بشبكة المؤاخذة هنا عن دراية أو غير دراية.

1- إن الفرق بين المذهب الشيعي و المذهب الشافعي لا يحتاج إلى زيادة بيان، فلكل مذهب مقوماته و منابعه، و هذه النسبة غير صحيحة فالإمامية لا يأخذون بمذهب الشافعي، و لئن التقت أقوالهما في بعض الموارد فلا يدل ذلك على وجود هذه الملازمة، فمذهب الشيعة هو أقدم نشأة من مذهب الشافعي، بل أقدم المذاهب كلها، و هو يستقي تعاليمه من ينبوع أهل البيت الذين هم عدل القرآن، و ورثة صاحب الرسالة، و باب الاجتهاد عندهم مفتوح على مصراعيه، و عند غيرهم موصد لا ينفذ منه قول، و لا يسمح لأحد أن يلجه.

و إن مذهب الشيعة هو كسائر المذاهب الإسلامية بعضها مع بعض في نقطة الاتفاق و الافتراق، فربما تتفق جميعها على قول و ربما تختلف، فالقول بانتساب الشيعة إلى الشافعي خطأ بيّن و جهل صريح.

و لنقف على مبعث هذا الخلط و أسبابه و هو ما صرح به في القول الثاني: من أن الشيعة يطلقون اسم ابن إدريس على الشافعي.

هذا هو مبعث الخلط و مثار التشكيك، و ذلك أن الحاج خليفة صاحب كشف الظنون وقف على نقل الشيعة لأقوال محمد بن أحمد بن إدريس العجلي الحلي، عالم الشيعة و فقيههم، و المبرز في علمه و فضله؛ و هو مؤلف كتاب السرائر في فقه‏

33

الإمامية، و مختصر تبيان الشيخ الطوسي، فظن صاحب كشف الظنون أن المقصود بمحمد بن إدريس هو الشافعي.

و الإمامية إذ يستشهدون بأقوال محمد بن أحمد بن إدريس الحلي المتوفى سنة 598 ه فإنهم يطلقون عليه ابن إدريس و يقصدون به شيخ فقهاء الحلة في عصره محمد بن أحمد بن إدريس صاحب كتاب السرائر.

و بهذا الإطلاق اشتبه الأمر على صاحب كشف الظنون و ليس ذلك بغريب، إذ الأمور لم تكن مبنية على دراسة و استنطاق للحوادث و تتبع يوصل إلى النتيجة، فحكم الحاج خليفة بهذا الحكم بدون تحقيق علمي و ضبط تاريخي ظلما للعدالة و تمردا على الموازين.

مع أنا لم نجد أحدا استشهد بقول الشافعي فأطلق عليه ابن إدريس و إنما يقولون: قال الشافعي.

و لكن المؤلف اعتمد على أوهن الظنون، و خيل له أن إطلاق لفظ ابن إدريس إنما المقصود به الشافعي، و هذا اصطلاح لا يعرفه أحد بل هو من وحي الخيال.

2- قوله إن الشيخ الطوسي كان ينتمي إلى مذهب الشافعي و إن له تفسيرا سماه مجمع البيان لعلوم القرآن.

و هذا خطأ من جهتين:

1- إن الشيخ أبا جعفر محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة و صاحب كتابي التهذيب و الاستبصار، اللذين هما من أهم المصادر عند الإمامية للحديث، و كونه شافعيا خطأ يتفرع إما عن اشتباهه الأول أو لأنه وجد ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي‏ (1).

و هذا لا حجة فيه لأن الشافعية قد ترجموا لكثير من العلماء و ليسوا من اتباع مذهب الشافعي، بل منهم من هو رئيس مذهب برأسه كأحمد بن حنبل إمام الحنابلة و إسحاق بن راهويه المروزي و علي بن إسماعيل أبي الحسن الأشعري و غيرهم‏ (2).

إذا فليس من الصحيح أن يعد منهم كل من ترجم له في طبقات المذهب. فإنا

____________

(1) طبقات الشافعية للسبكي ج 3 ص 51- 52.

(2) طبقات الشافعية ج 1 ص 199 و ج 1 ص 232. و ج 2 ص 245.

34

نجد جميع كتاب الطبقات يعدون رجالا ليسوا من اتباع ذلك كما أن الحنابلة ترجموا للشافعي و غيره و هكذا.

و من جهة ثانية إن الشيخ الطوسي كان غزير العلم واسع الاطلاع و له إحاطة بفقه جميع المذاهب. و يدل على ذلك كتابه القيم في الفقه الإسلامي أسماه «الخلاف» ذكر فيه فقه الشيعة مقارنة مع فقه جميع المذاهب و كان الشيخ الطوسي له كرسي أيام المقتدر يلقي عليه الدروس و يحضره جمع من علماء الشافعية و غيرهم و له ببغداد مكتبة عامرة و لكنها أحرقت عند ما اشتد المتعصبون عليه و هاجر إلى النجف الأشرف.

2- قوله إن له تفسيرا سماه مجمع البيان لعلوم القرآن، و هذا خطأ فإن مؤلف مجمع البيان: هو الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل المعروف بالطبرسي المتوفى سنة 548 ه أحد علماء الإسلام و فقهاء الإمامية له عدة مؤلفات.

و قبل أن نتحول من هذا الموضوع الذي أوجزنا فيه القول لا بد لنا من أن ننبه القراء الكرام بأن نسبة كثير من الأمور إلى الشيعة تقع على هذا النمط و بهذه الصورة، لأن الدراسة حول ما يتعلق بهم هي دراسة سطحية تفتقر إلى الدقة و التحقيق، فينبغي لكل باحث أن يعطي الموضوع حقه، لأن التساهل في الأمور يوقع في الخطأ.

و لهذا فإن خطأ صاحب كشف الظنون كان منشأه عدم إحاطته بالموضوع، و تساهله في النقل، و قد أخطأ هو و أوقع غيره في الخطأ من كتّاب عصرنا الحاضر، و منهم: المحامي صبحي محمصاني فاستقى معلوماته من هذا الينبوع.

إذ يقول: أما في فروع الفقه فمذهب الشيعة لا يختلف كثيرا عن مذهب الشافعي، حتى أن بعضهم يعتبرونه مذهبا خامسا إلى جانب المذاهب السنية الأربعة.

و من مسائل الخلاف في الفروع: جواز المتعة، أو الزواج الموقت، و بعض مسائل الإرث و غيرها (1).

و يقول تحت عنوان الشيعة الإمامية: و أدلة التشريع في هذا المذهب هي القرآن الكريم ثم السنة التي تعود بإسنادها إلى أهل البيت (بيت النبي) و تسمى بالأخبار، ثم الإجماع المشتمل على قول الإمام المعصوم. أما القياس فهو مقبول عند البعض فقط.

____________

(1) فلسفة التشريع في الإسلام ص 55.

35

و هذا المذهب لا يختلف كثيرا عن المذهب الشافعي في فروع الفقه. و هو يسمى أحيانا بالمذهب الجعفري نسبة إلى الإمام جعفر الصادق، و قد تقرر تدريسه مؤخرا في جامعة الأزهر إلى جانب المذاهب‏ (1).

و لا يفوتنا هنا أن نشير إلى ما جناه كتّاب الفرق و المؤلفون في موضوعها من آثار، و اجترحوه من سيئات، فجنوا على الأمة فيما اقترفوه و ما افتعلوه، من إحداث عقائد لا يوجد من يعتنقها، و أقوال لا يعرف قائلها، فألحقوها بطوائف من الأمة، و سجلوها ضمن سجل الواقع ظلما للحق، و تمردا على الحقيقة، فنمت مع الأجيال و تطورت مع الزمن، و أصبحت كأنها حقيقة ملموسة و هي خيال لا واقع لها.

فلنلق نظرة سريعة على ما كتبوه و نسر معهم قليلا لنقف على حقيقة الأمر.

مع كتّاب الفرق:

لا أريد أن أتحدث هنا عن الفرق و تعدادها، و لا أريد أن أتعرض للحديث الوارد في ذلك من حيث الثبوت أو النفي كلا أو بعضا، و لا نريد أن نتساءل عن المراد بالفرقة المشار إليها في حديث الافتراق، هل يكون ذلك في العقائد أو في الآراء، مع التسليم لصحة الحديث و عدم مناقشته.

و هل استطاع كتّاب الفرق أن يحصروا العدد المطلوب و هو ثلاث و سبعين فرقة؟

كما هو منطوق الحديث، أم أن هناك زيادة أو نقصانا؟

و لكنا نريد هنا أن نتساءل عن كتّاب الفرق الذين دونوا في هذا الموضوع و قد أصبحت كتبهم مصدرا لمن يريد أن يتحدث عن الفرق و عقائدها!! فهل فسروا مراد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في الحديث الوارد عنه في افتراق أمته إلى ثلاث و سبعين فرقة، و الناجية واحدة فقط؟ و هل حكموا على ما ذهبوا إليه بحجة ظاهرة ليسلموا من المؤاخذة و عظيم الحساب.

و نسأل أيضا هل تجرد أولئك الكتّاب عن العصبية الرعناء، فكتبوا للواقع من حيث هو، بدون تحيز و تحامل لتبدو الحقيقة واضحة كما هي؟

____________

(1) المبادئ الشرعية و القانونية ص 31.

36

أهم المصادر:

و لعل أهل المصادر التي يرجع إليها في تعيين الفرق و تعدادها هي:

1- الفرق بين الفرق: لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي الشافعي المتوفى سنة 429 ه له مؤلفات كثيرة، أهمها كتاب الفرق بين الفرق طبع في مصر سنة 1367 ه 1948 م و ترجم «المستشرق هالكن» جزءا منه إلى اللغة الإنكليزية.

2- كتاب الملل و النحل: لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني الشافعي المتوفى سنة 548 ه طبع عدة مرات آخرها سنة 1368 ه 1948 م في القاهرة.

3- كتاب التبصير: لأبي المظفر شاهفور بن طاهر بن محمد الأسفراييني الشافعي المتوفى سنة 471 ه.

4- الفصل: لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري المتوفى سنة 456 ه مطبوع بهامش الملل و النحل في الطبعة الأولى.

هذه هي أقدم الكتب التي دونت في الفرق، و أصبحت مصادر يرجع إليها في البحث عن الفرق و عقائدها، و الطوائف و آرائها.

و هنا نتساءل أيضا هل كان أصحابها ممن يوثق بنقلهم تلك الأقوال وعدهم لتلك الفرق؟

و هل جرّدوا أنفسهم عن رداء العصبية العمياء؟ و رفعوا عن عيونهم غشاوتها السوداء؟

و هل نقلوا تلك الآراء عن مصدر يوثق به؟ و لعلنا نكتفي بالإجابة عن هذه الأسئلة بما نقدمه هنا من آراء بعض العلماء في ذلك:

1- قال (الرازي) في مناظرته مع أهل ما وراء النهر في المسألة العاشرة عند ذكره لكتاب (الملل و النحل) للشهرستاني: إنه كتاب حكى فيه مذاهب أهل العالم بزعمه، إلا أنه غير معتمد عليه، لأنه نقل المذاهب الإسلامية من الكتاب المسمى (بالفرق بين الفرق) من تصانيف الأستاذ أبي منصور البغدادي، و هذا الأستاذ كان شديد التعصب على المخالفين، و لا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه الصحيح. ثم أن‏

37

الشهرستاني نقل مذاهب الفرق الإسلامية من ذلك الكتاب فلهذا السبب وقع فيه الخلل في نقل هذه المذاهب‏ (1).

هذا ما يتعلق بذكر هذين الكتابين و لا حاجة إلى نقل النصوص على ما فيهما من التعصب، فإن نظرة واحدة من منصف يجد صحة ما نقول، فإنهما نسبا للشيعة بالأخص أقوالا و ابتكرا آراء ليست لها من الواقع نصيب، و لا تمت إلى اعتقاداتهم بصلة، إذ لم ينقلوا تلك الآراء من مصدر موثوق.

2- و لا أبعد بالقارئ الكريم في إعطاء صورة عن هؤلاء جميعا و التعرف عليهم و لنقدم له ما يقوله العلامة الشيخ محمد شلتوت شيخ الجامع الأزهر في العصر الحاضر فهو يصفهم بقوله:

لقد كان أكثر الكاتبين عن الفرق الإسلامية متأثرين بروح التصعب الممقوت، فكانت كتاباتهم ممّا تورث نيران العداوة و البغضاء بين أبناء الملة الواحدة، و كان كل كاتب لا ينظر إلى من خالفه إلا من زاوية واحدة، هي تسخيف رأيه، و تسفيه عقيدته بأسلوب شرّه أكثر من نفعه، و لهذا كان من أراد الإنصاف لا يكون رأيه عن فرقة من الفرق، إلا من مصادرها الخاصة، ليكون هذا أقرب إلى الصواب، و أبعد عن الخطأ (2).

و يقول: و لكن عصور التعصب المذهبي حملت للمسلمين تراثا بغيضا من التراشق بالتهم و الترامي بالفسوق و الضلال، فتبادل الفقهاء- أصحاب الفروع- نوعا من التهم، و تبادل المتكلمون- أصحاب العقائد- مثل ذلك، و تلقف المخدوعون من الخلف هذه التهم، و ملأوا بها كتبهم في الاعتداد بها حتى جعلوها ما يقبل من الآراء أو يرفض ... (3).

3- و يقول الكوثري في مقدمة الفرق بين الفرق بعد مدحه لأبي طاهر البغدادي: و المؤلف شديد الصولة على المخالفين كما هو شأن حراس العقيدة، و الحراسة غير التاريخ المجرد لكن تعويله في عزو الآراء إلى الفرق على كتب الخصوم‏

____________

(1) المناظرات ص 25 طبع حيدرآباد.

(2) مقدمة إسلام بلا مذاهب ص 7.

(3) الإسلام عقيدة و شريعة 68.

38

يوقع في أخطاء، و لو اقتصر في العزو إلى ما وجده في كتب أهل الفرق أنفسهم لكان أحوط و أقوم حجة، لأن الخصم قد يعزو إلى خصمه ما لم يفه به من الآراء مما يعد لازم قولهم، في حين أنه ليس يلازم قولهم لزوما بينا فلا يصح إلزامهم به و لا سيما عند تصريحهم بالتبري من ذلك اللازم‏ (1).

هذا ما يقوله الكوثري مع تساهله مع المؤلف و مدحه و إطرائه له، و لست أدري ما معنى قوله: و الحراسة غير التاريخ المجرد؟

و قد ظهر لنا أن أكثر كتّاب الفرق كانوا يستمدون معلوماتهم من كتاب أبي منصور البغدادي، و قد عرفنا مقدار تعصبه و تحامله، و نقله الأقوال على غير الوجه الصحيح كما يقول الفخر الرازي.

و أما الشهرستاني مؤلف كتاب الملل و النحل، و الذي استمد معلوماته من كتاب أبي منصور، فقد طعنوا في اعتقاده و نسبوه إلى الإلحاد، و أنه متخبط في اعتقاده، يميل إلى أهل الزيغ و الإلحاد، و يناصر مذاهب الفلاسفة و يذب عنهم و من كان هذا حاله يجب أن يتريث في قبول قوله و صحة نقله‏ (2).

و أما كتاب التبصير: فهو و كتاب الفرق بين الفرق توأمان، بل هما شي‏ء واحد، إلا الاختلاف في التسمية و بعض الزوائد و التقولات، لأن صاحب كتاب التبصير هو تلميذ أبي منصور و صهره.

و إما ابن حزم فهو فارس الحلبة، و بطل المعركة، فقد تقوّل و افتعل و تهجم على جميع المسلمين، و نسب لكثير منهم أقوالا مكذوبة، و آراء مفتعلة، و كان يتحامل على الشيعة بصورة خاصة، و ينسب إليهم أقوالا لا قائل لها، و يلحق بهم فرقا لا وجود لها، كل ذلك تعصبا منه، لأنه كان أموي النزعة و معروفا بموالاته لبني أمية.

قال ابن حيان: و كان ابن حزم مما يزيد في سبابه تشيعه لأمراء بني أمية، ماضيهم و باقيهم، و اعتقاده بصحة إمامتهم، حتى نسب إلى النصب. و قال القاضي أبو بكر بن العربي: و زعم ابن حزم أنه إمام الأئمة يضع و يرفع، و يحكم و يشرع، ينسب‏

____________

(1) مقدمة الفرق بين الفرق ص 3.

(2) الشافعية للسبكي ج 3 ص 79.

39

إلى دين اللّه ما ليس فيه، و يقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيرا للقلوب عنهم‏ (1).

و قال أبو العباس بن العريف: كان لسان ابن حزم و سيف الحجاج شقيقين‏ (2).

و قال ابن العماد: و كان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فنفرت منه القلوب‏ (3).

و قال السبكي في الطبقات عند ذكره لكتاب الملل و النحل للشهرستاني:

(و مصنف ابن حزم أبسط منه إلا أنه مبدد ليس له نظام، ثم فيه من الحط على أئمة السنة، و نسبة الأشاعرة إلى ما هم بريئون منه، ثم ابن حزم نفسه لا يدري علم الكلام حق الدراية على طريق أهله) (4).

من هذا يظهر أن الخطة التي سار عليها كتّاب الفرق لم تكن خطة تحقيق و استناد إلى مصادر موثوق بها بل هي تخمين و ظنون و أساليب خداعة.

و قد انخدع الكثيرون بتلك الأساليب فجعلوها ميزانا للنقد، و مقياسا للشخصيات، و دليلا يوصل إلى معرفة أجيال مضت، و قرون خلت، و ربطوا بين الحاضر و الماضي، و قاسوا الأمة بالفرد تقليدا و محاكاة لأولئك المتعصبين، من دون إعطاء العقل حرية النظر في تمييز الأمور، و هذا هو من أهم أسباب الخلاف، يقول الشيخ محمد أبو زهرة:

و من أسباب الخلاف تقليد السابقين و محاكاتهم، من غير أن ينظر المقلد نظرة عقلية مجردة، و إن نزعة التقليد متغلغلة في نفوس الناس. توجههم و هم لا يشعرون، و إن سلطان الأفكار التي اكتسبت قداسة بمرور الأجيال تسيطر على القلوب، فتدفع العقول إلى وضع براهين لبيان حسنها و قبح غيرها، و من الطبيعي أن يدفع ذلك إلى الاختلاف و المجادلة غير المنتجة، لأن كل شخص يناقش و هو مصفد بقيود الأسلاف من حيث لا يشعرون؟ ...

و إنه ينشأ عن التقليد التعصب، فإن قداسة الآراء التي يقلدها الشخص تدفعه إلى‏

____________

(1) تذكرة الحفاظ ج 3 ص 324- 327.

(2) شذرات الذهب ج 3 ص 200 و لسان الميزان ج 4 ص 200.

(3) الشذرات ج 3 ص 200.

(4) طبقات الشافعية ج 4 ص 78.

40

التعصب لها و حيث كان التعصب الشديد كان الاختلاف الشديد (1).

و إن قليلا من التأمل فيما كتبه هؤلاء المؤلفون و غيرهم حول الفرق و فرق الشيعة بالأخص يلقي أضواء على خلطهم و افتعالهم حتى بلغ بأحدهم الجهل فقال: إن فرق الشيعة تبلغ ثلاثمائة فرقة. و هو قول بلا دليل و خبط يدل على الجهل المخيم على تلك العقول التي سيطر عليها الهوى فحجبها عن النظر إلى الواقع.

و كيف كان فإن موضوع الفرق و تعددها، و مصدر ذلك و صحته هو موضوع مضطرب شائك، و لا يستطيع الكاتب أن يجزم بصحة ما نقله كتّاب الفرق عن أهل المقالات و الآراء، لأن أولئك الكتاب قد تطرفوا إلى أبعد حد، و تقبلوا كل نسبة بدون تثبت و تأمل.

و قد رأينا كيف كان تعصبهم على من يخالف آراءهم، فينقلون عنه على غير الوجه الصحيح.

و من المقرر: أنه لا يصح قول مخالف ما لم يؤيد ثبوته من غير طريقه.

و ليس باستطاعة أولئك الكتاب أن يثبتوا شيئا من الآراء التي نسبوها إلى الشيعة؛ فكوّنوا منها فرقا تجاوزت الحد المعقول من الحصر.

و قد بلغ الأمر إلى استعمال الخيال بما يغذي العاطفة فاخترعوا فرقا و ابتكروا آراء تزيّدوا فيها من الأوهام، و صقلوها بأسلوب لطيف حتى أخرجوا ذلك و كأنه حقيقة لا نقاش فيها!! و يتضح لنا بعد التأمل بأن الدوافع التي أدت بهؤلاء الكتاب و غيرهم إلى أن يعملوا ضمن المخطط الذي ارتئوه لأنفسهم في تعداد الفرق و التزيد فيها مع الخلط و الخبط إنما هي العصبية العمياء أو الجهل بالواقع.

و من الوهن أن نقف أمام نقلهم موقف التسليم و التصديق؛ لأن ذلك يؤدي إلى العجز عن الوصول إلى الحقيقة التي يتطلبها كل منصف، و ليس من الإنصاف أن يتضح لنا شي‏ء خلاف واقعه فنقرّه.

خذ مثلا بأن بعضهم قد نسب إلى الشيعة بأنهم يجيزون الشهادة زورا على من‏

____________

(1) المذاهب الإسلامية ج 1 ص 8.

41

خالفهم في المذهب أو العقيدة مع أنا لم نجد أثرا لهذا الزعم، و لا قائل به من الشيعة. و نحن في أمور الفقه نفترض في المخالف الصدق فنعمل على التحرّي حتى نجد أدلة ردّه.

و بعد التتبع و البحث وجدنا أن هذا ناشئ من الجهل أو التعصب. بيان ذلك:

إنهم وجدوا بأن الخطابية يجيزون الشهادة على من خالفهم، فاستنتج هؤلاء بأن الخطابية فرقة أدخلوها في قائمة فرق الشيعة و هذا القول لهم، فهو إذن لجميع الشيعة.

هذا بالإعراض عن مناقشتهم حول الأسباب التي دعت إلى إلحاق هذه الفرقة بفرق الشيعة مع أنهم يعلمون، و يعلم كل أحد و بإجماع المؤرخين أن هذه الفرقة نشأت في مدة قصيرة في أيام الإمام الصادق (عليه السلام) فأعلن براءته منها، و أمر شيعته في محاربتها، و قد قضى عليها بذلك، فمحيت من صفحة الوجود.

إذا فمن هم الخطابية الذين ينسب إليهم هذا القول؟

و الجواب: بأن الخطابية الذين يذهبون لهذا الرأي هم فرقة من المجسمة، و الذين ينتمون إلى الحنابلة، و لنترك تعريفهم و بيان ذلك إلى أحد علماء السنة المبرزين؛ و هو أبو نصر عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي‏ (1) قال:

و قد بلغ الحال بالخطابية و هم المجسمة في زماننا هذا، فصاروا يرون الكذب على مخالفيهم في العقيدة، لا سيما القائم عليهم بكل ما يسوؤه في نفسه و ماله، و بلغني أن كبيرهم استفتي في شافعي أ يشهد عليه بالكذب؟

فقال: أ لست تعتقد أن دمه حلال!!! قال: نعم.

قال: فما دون ذلك دون دمه، فاشهد و ادفع فساده عن المسلمين.

قال السبكي: فهذه عقيدتهم، يرون أنهم المسلمون، و أنهم أهل السنة، و لو عدوا عددا لما بلغ عماؤهم و لا عالم فيهم على الحقيقة مبلغا يعتبر، و يكفّرون غالب علماء الأمة، ثم يعزون إلى الإمام أحمد بن حنبل و هو منهم بري‏ء.

و بهذا يتضح أن الفرقة الخطابية الأولى التي نشأت لأغراض سياسية و عقائدية

____________

(1) طبقات الشافعية ج 1 ص 193.

42

ضد الإسلام عامة، و ضد أهل البيت بصورة خاصة، قد اتفقت بالتسمية مع المجسمة من الحنابلة، فإطلاق هذا الاسم يشمل الطرفين و لكن من أين لنا الحصول على من يقف موقف المنصف المتثبت، فيعطي الموضوع حقه و لا تأخذه في الحق لومة لائم، فيميز بين الصحيح و الفاسد و الحق و الباطل.

و قد قلت سابقا: إن اتهام الشيعة بكثير من الأشياء لما لم تكن مبنية على أساس وثيق أو قاعدة بينة- كثر الخلط و الخبط، و الكذب، و الافتعال فأخذ السليم بالسقيم، و البري‏ء بالمتهم، و على سبيل المثال ذكرت هناك الاشتباه الحاصل من التسمية فمثلا:

أن اسم الجعفرية أصبح علما لأتباع الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام). و لكن توجد هناك فرقتان للمعتزلة بهذا الاسم‏ (1) و لهما أقوال و آراء فخلطوا أقوال الجميع و نسبوا ذلك إلى الشيعة لأنهم يعرفون بالجعفرية.

و كذلك قولهم في المقنعية اتباع المقنع الخراساني المقتول سنة 163 ه بأنها فرقة من الشيعة، مع عدم الصلة بين الشيعة و بين المقنع، و لكن الاشتباه نشأ من التسمية، و ذلك أن اسم المقنع هو هشام بن الحكم، و من المعروف أن هشام بن الحكم هو اسم رجل من كبار تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام) و من العلماء و المتكلمين، فاتفق اسم المقنع مع اسم هشام، فنسبت آراء المقنع إلى هشام بن الحكم بدون تمييز و تمحيص.

و كذلك نسبوا إلى هشام فرقة تعرف بالهشامية، و هم أصحاب هشام بن عمر الفوطي، و هو من المعتزلة و كان معاصرا إلى هشام، و كانت له آراء و أقوال، فخلطوا بين الاسمين عن عمد أو غير عمد.

و لا يسعنا بهذه العجالة أن نلم بأطراف هذا الموضوع من حيث أهميته، فإنه موضوع مهم، و قد تلاعبت به رجال استمالهم الهوى فحادوا عن طريق الواقع، و خلطوا بين الآراء و خبطوا خبط عشواء، إذ لم يقفوا موقف المؤرخ الواقعي الذي يستنطق الحوادث، و يقابل و يقارن، و يقارب و يوازن، و يدرس الدوافع التي أدت إلى إيجاد كثير من تلك الأمور التي سجلت على ما فيها من نقض و مخالفات للحقيقة.

____________

(1) إحداهما أتباع ابن مبشر الهمداني المتوفى سنة 226 ه و الثانية أتباع جعفر بن حرب الثقفي المتوفى سنة 224 ه.

43

و الناظر فيما سجله كتّاب الفرق حول الآراء و المعتقدات، و بالأخص ما نسب إلى الشيعة يقطع بأن سيرة هؤلاء الكتّاب هي واحدة في النقل، بل هي أقرب إلى التقليد و التلقين، إذ لم نجد منهم من يعالج الموضوع معالجة علمية، ليخرج بنتيجة مرضية.

و هكذا بقي موضوع الفرق بدون أن يحظى بإنصاف المؤرخين و عناية المحققين، الذين يهمهم إظهار الحقيقة، حتى جاء دور المستشرقين فزادوا الطين بلة، و أضافوا إلى الموضوع تعقيدا بأخطائهم، و إن أخطاء المستشرقين قد أوقعت كثيرا من الكتاب بأفظع الأخطاء، لما كانت تندى به أقلامهم من تعابير أو تصوير كلها لا تلتئم مع الحقيقة.

إذ من الواضح أن الاستشراق يرجع كله في نشأته الأولى إلى التبشير بالدين النصراني، و إن معظم المستشرقين كانوا من الرهبان، لأن المؤسسات التي أسست للتبشير في النصرانية هي المصدر لهؤلاء المستشرقين، و هم آلة للحصول على السيطرة، و القضاء على الإسلام. فهم يحرفون النصوص و يغيرون الصور.

و من المؤسف له أن أكثر كتّابنا اليوم يطلّون على التاريخ الإسلامي أو تاريخ الفرق بالأخص، من الزاوية التي فتحها الغرب بواسطة المستشرقين، و ناهيك بما وراء ذلك من صور و ألوان مخالفة للحقيقة.

و بهذا أصبح الإطار العام للأحداث هو غير الإطار الذي يجب أن توضع فيه.

و حيث كان موضوع البحث عن الفرق يحتاج إلى دقة و تأمل في سير الحوادث و التطور، و هو إلى الآن لم ينل- بمزيد الأسف- دراسة عادلة، و خوضا دقيقا و تمحيصا. فنحن نأمل أن ينال هذا الموضوع دراسة دقيقة، لإخراج الزوائد، و إيضاح ما أبهم، و بيان ما اشتبه بعضه ببعض، في توجيه أشعة التاريخ الصحيح، على تلك النسب، و تدقيق تلك الأقوال، من حيث صحة أصلها و دقة روايتها، و كونها في ذاتها قابلة للتصديق، و كذلك من حيث المستوى العقلي و الخلقي و العقائدي لكتّابها، مع البحث عن الدوافع التي تحوط بها.

و بعد هذا يمكن الحكم على كثير من تلك الأمور بأنها حقيقة، أو أنها أكاذيب لا واقع لها، بل هي أحاديث سمر و أقوال مجون.

44

و هناك يظهر زيف تلك الأخطاء الشائعة، و الأساطير المشهورة، التي احتلت مكانا من التاريخ، و هي ظالمة له فترغم حينذاك على التخلي عن ذلك الإطار الذي برزت فيه مدة من الزمن.

فيكون ذلك انتصارا للعلم و خدمة للحق و كبتا للنفوس المريضة التي تضرب على وتر العصبية العمياء و تترنح لنغمات الطائفية الرعناء.

قاتل اللّه الطائفية التي طالت لياليها السود، و امتد ظلها الحالك، فجنت على الإسلام جناية لا تغفر، و نحن نتطلع إلى اليوم الذي يتقلص فيه نفوذ سلطان الطائفية، و يزول ظلها المخيف، فتتحرّر العقول من أوهام موروثة، و خرافات ممقوتة، و ما أحوجنا إلى التفاهم في الوقت الذي يقف الإسلام فيه موقف الصراع مع أولئك، الذين يحاولون أن يتغلبوا على عقول أبنائه، ليجردوهم من عقائدهم، و يسخروهم لأغراض سياسية أو غير سياسية.

إن الواجب يقضي علينا أن نتنبه لهذا الخطر، و أن نسدل اليوم دون حوادث الماضي حجابا كثيفا، و نسعى قلبا و قالبا، ليتناسى المسلمون ما شعّب وحدتهم في الدهر الغابر، فالخلاف مهما كان و كانت الدواعي إليه، قد انقضى عصره، و إن أهل بيت واحد يرون الخطر يتهددهم من كل مكان، لأحرياء بأن يتناسوا ما بينهم من اختلافات طفيفة، و يهبوا يدا واحدة للقضاء على من يريد بهم السوء، و يستغل ما شجر بينهم، ليذلهم و يجعلهم مطية لمطامعه و أغراضه.

و إن تلك العوامل المتداخلة في تفرق المسلمين شيعا و أحزابا، و ما كان من وراء ذلك من حوادث مؤلمة، ملأت صفحات من الكتب فغيرت مجرى التاريخ، و أوقعت كثيرا من النكبات و الكوارث كان أهمها و أشدها أثرا هو التعصب للمذاهب، و الخلاف في الرأي، و يصحب ذلك وجود الفرصة المناسبة لخصوم الإسلام الذين نظروا إليه نظرة معادية، فنظموا حملات الانتقام في ظل ذلك الصراع الفكري و العقائدي، لتفرقة الصف و قطع عرى الأخوة.

و نحن المسلمون بحاجة ماسة إلى أن نبني علاقاتنا على أسس الإيمان باللّه و ما جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أن نزيح عن طريقنا تلك العقبات التي أوجدتها الطائفية الرعناء، فإن الإسلام يمر اليوم بمرحلة هي من أعظم المراحل التي يجتازها في تاريخه.

45

الإمام الصادق تاريخ محنه و مشاكله‏

المنصور و الإمام الصادق:

للدولة العباسية حلم تسعى لتحقيقه، دعما لنفوذها، و صيانة لسلطانها، و هو إسباغ أبراد القدسية عليها، و إبرازها بشكل يقضي على المعارضين لسياستهم المعوجة، و المخالفة لنواميس الشرع و تعاليمه.

و قد لجئوا إلى ادعاء لون من الإمامة يتغذى على صفة شاحبة و لون باهت، و اقتربوا من الكيسانية التي واجهها الأئمة بالتفنيد، و تصدوا لجعل حججهم داحضة، و التي كان من نتائجها عدول الكثيرين و عودتهم إلى الحق كما حدث للشاعر إسماعيل بن محمد الحميري، و قال العباسيون إن أبا هاشم بن محمد بن الحنفية الذي قالت الكيسانية بإمامته بعد أبيه، أوصى إلى علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، و علي بن عبد اللّه أوصى إلى ابنه محمد بن علي، و إن محمدا أوصى إلى ابنه إبراهيم الملقب بالإمام، و إن إبراهيم أوصى إلى أخيه أبي العباس السفّاح.

و قد مات أبو هاشم عند علي بن عبد اللّه، و كانت هذه الدعوى التي جعلتهم من بين الكيسانية بحسب هذه العلقة التي يسعون من ورائها إلى ادعاء الإمامة بأي سند كان، مع أن الكيسانية كلها لا إمام لها و إنما ينتظرون الموتى‏ (1).

و انتهى سعيهم إلى الراوندية الخرمدينية الذين قالوا بالغلوّ و التناسخ، و أخذوا بالشطط و الشذوذ. على أن العباسيين تكتموا على هذه الدعوى و لم يدعوا الناس إليها إلا بطريقة سرية تتماشى سوية مع الإفصاح عن وجود إبراهيم رأسا لهم و إماما.

____________

(1) النوبختي ص 36.

46

أما عند المجامع العامة و المواطن التي تحرك فيها الناس انتقاما لأهل بيت النبوة فكانوا يدارون المشاعر و لا يجرءون على القول بإمامتهم هذه التي لا يعرفها الناس إلا من خلال جهد الأئمة في علاج الكيسانية و أوهامهم التي تبعثها العاطفة المكبوتة فتؤثر في السلوك و المواقف ثم ما تلبث أن تثوب إلى الواقع بتصدي أئمة أهل البيت لتطويعها و تخفيف غمرة الانفعال عنها، و تسكين موجة التأثر تأسيا و تألما لما أصاب آل بيت النبوة من أهوال و فجائع، فاعتاض الناس بالخيال و الأوهام و راحوا ينسجون على منوال العاطفة أحوالا من النعيم و أوضاعا من الجنة في الجبال العالية.

و على أي حال كان العباسيون يريدون بذلك أن ينظر الناس إليهم كخلفاء للرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أمناء على شريعته، و أنهم ظل اللّه في أرضه، و رعاة عباده، مع عدم الصفات المؤهلة لهم إذ لم يبرزوا بالشكل الذي يحقق ذلك.

و كان المنصور هو أول من جاهر بالخطة و باشر بالتنفيذ، و قد أعلن ذلك على المنبر يوم عرفة بقوله:

أيها الناس إنما أنا سلطان اللّه في أرضه، أسوسكم بتوفيقه و تسديده، و أنا خازنه على فيئه، أعمل بمشيئته، و أقسمه بإرادته، و أعطيه بإذنه، فقد جعلني اللّه عليه قفلا إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم و قسم فيئكم فتحني الخ‏ (1).

و خاطب أهل خراسان بقوله: ابتعثكم اللّه لنا شيعة و أنصارا، فأحيا اللّه شرفنا و عزنا بكم و أظهر حقنا، و أصار إلينا ميراثنا من نبينا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فقر الحق في قراره، و أظهر اللّه مناره، و أعز أنصاره، و قطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد للّه رب العالمين‏ (2).

و هذه اللهجة كانت لهجة خادعة و مغالطة يحاول أن يسيطر بها على عقول أولئك البسطاء، ليخنق فكرة المعارضة التي تؤدي بسلطانه إلى الانهيار، و ليستغل تلك الاستعدادات التي في نفوسهم لمناصرة الخلافة الحقة و يربط بين شعورهم و بينه، فإن هدف الثوار في تلك النهضة التي أطاحت بالحكم الأموي، هو إقامة دولة تحكم بكتاب اللّه و سنة رسوله و كانت الهتافات للدعوة إلى الرضا من آل محمد. و ظل العباسيون في غمار الثورة يحتفظون بادعائهم للإمامة كما أخفوا نواياهم التي بدأ

____________

(1) الطبري ج 9 ص 31.

(2) مروج الذهب ج 3 ص 314.

47

المنصور بإظهارها بالتدريج و يعلن عنها كما في كلامه لأهل خراسان:

يا أهل خراسان أنتم شيعتنا و أنصارنا، و لو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيرا منا و إن ولد أبي طالب تركناهم، و الذي لا إله إلا هو فلم نعرض لهم بقليل و لا بكثير؛ إلى أن يقول: فلما استقرت الأمور على قرارها من فضل اللّه و حكمه العدل، وثبوا علينا حسدا منهم، و بغيا لهم بما فضلنا اللّه عليهم و أكرمنا من خلافته ميراثنا من رسول اللّه‏ (1).

و بهذا و غيره فقد تمكن من وضع طابع الدولة الشرعي صوريا، ليكسب لنفسه و لأحفاده من بعده حق وراثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فإن استدراج البسطاء بأساليب التمويه و الخداع من السهولة بمكان، و لكن من العسير عليه أن يخدع ذوي الأفكار الواسعة، و العقائد الراسخة. لذلك كان يحسب لهم ألف حساب.

إنه يريد أن يتربع على دست الحكم، و يصبح خليفة للمسلمين و أميرا للمؤمنين، و بهذا يلزمه العمل بكتاب اللّه و سنة رسوله، و أن ينصح للمسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإمرة المسلمين ليست شيئا هينا يستطيع كل من ولي أمر المسلمين أن يتلقب بها، و إنما هي تصور الأعباء الثقال، و العناء المتصل، و الجهد الذي ليس فوقه جهد في إقرار العدل و رفع الظلم، و إنصاف الضعفاء من الأقوياء، و تحقيق المساواة بين الناس و القيام فيهم بأمر الحزم كل الحزم حتى لا يطمع إلى ما لا ينبغي أن يبلغه، و فوق هذا كله إنصاف الناس من نفسه كإنصاف بعضهم من بعض.

و المنصور لا يتصف بشي‏ء من ذلك فهو ظالم في حكمه، جائر على رعيته، قد استأثر بأموال الأمة و جعل بيت المال ملكا له دون المسلمين، و كانت سيرته لا ترتبط مع تعاليم الإسلام و مفاهيمه، و قد تعرضنا فيما سبق عن سوء سيرته و قبيح أعماله، كما و قد مرت الإشارة إلى قبضه على زعماء الطالبيين، و قتل جماعة منهم، و سجن آخرين ماتوا كلهم في السجن نتيجة للتعذيب الوحشي، و المعاملة القاسية التي سار عليها لتثبيت دعائم ملكه.

و لم يبق أمام عينه إلا الإمام الصادق (عليه السلام) و هو زعيم العلويين و سيد أهل البيت في عصره، و قد اشتهر ذكره و أقبلت الأمة على الأخذ منه، و كانت مدرسته‏

____________

(1) المصدر السابق.

48

يقصدها طلاب العلم و رجال الحديث على اختلاف نزعاتهم و كان ذكره حديث الأندية، و كل ذلك يشق على المنصور و ترتعد فرائصه كلما ذكر عنده جعفر بن محمد بخير.

و كم فكر المنصور في القضاء عليه و إلحاقه بقائمة الشهداء من أهل البيت، فلم يجد طريقا لذلك لأنه يخشى عاقبة الأمر فالإمام الصادق (عليه السلام) كان يزداد على مرور الأيام تمكنا في القلوب، و شهرة في الشعوب، تجبى إليه الأموال، و تشد لمدرسته الرحال، و تهوي إليه الأفئدة، و لم يعرف عنه أنه دعا إلى ثورة دموية، أو نازع في سلطان علنا ليكون ذلك من المبررات للوقيعة فيه، و قد اتخذ المنصور شتى الحيل في اتهامه فلم يستطع لذلك سبيلا (1) لأنه يرى أن دعوة الإمام الصادق و هي الدعوة الإصلاحية من أهم المشاكل التي تقف أمام تحقيق أهدافه، من انتحال السلطان الشرعي، و أن كل ما يفعله بإرادة اللّه و إذنه كما تقدم، فهو بتلك الإيحاءات يحاول أن يوجه الناس إلى الاعتقاد بصحة خلافته و أن الخروج عليه خروج على إمام المسلمين، و قد اتخذ شتى الأساليب في تنمية هذه الروح، ليسلم من المؤاخذة على ما يرتكبه من الفتك برجال الأمة، فهو يوجه الناس بأقواله ليجعلهم يؤمنون بصحة أعماله لأنها تصدر بمشيئة اللّه كما يزعم هو.

و كان الإمام الصادق (عليه السلام) يهدم ما يبنيه المنصور و يكذب ما يدعيه، فقد كان يعبر عنه بالطاغية و لم يخاطبه بأمير المؤمنين قط، و ما ورد في مساجلاته معه عند مقابلته بأنه خاطبه بهذا اللفظ، فإنما هو من تعبير الرواة و لهجتهم و تأتي في النصوص المنقولة مما يجب الانتباه إليه.

كيف تتحقق أهداف المنصور و لم يكسب رضا أعظم شخصية إسلامية، و أكبر زعيم ديني، و هو الإمام الصادق الذي كان نسيجا وحده في الاستقامة و الحرص على هداية الأمة، و لم يعرف الناس عنه إلا أنه داعية إلى اللّه مجاهد في نصرة الدين، محافظ على وحدة المسلمين في التمسك بتعاليم الإسلام و نبذ الحزازات و ترك الخرافات.

____________

(1) راجع الجزء الرابع في: خلاصة الصراع بين دعوة الإمام الإصلاحية و دولة المنصور العباسية.

49

و كان هو بنفسه (عليه السلام) يصل من قطعه و يعفو عمن ظلمه، و لا يرى في النهار إلا صائما و في الليل إلا قائما، و كان من العلماء العباد الذين يخشون اللّه. كما حدث عنه تلميذه مالك‏ (1).

فكانت شخصيته (عليه السلام) تزداد تمكنا في القلوب و شهرة في جميع الأقطار الإسلامية و سارت الركبان بذكره، و قصده كبار الفقهاء و رجال الحديث من مختلف الأقطار، على اختلاف نزعاتهم يسألونه عن مختلف المسائل و شتى العلوم.

و الشي‏ء الذي نريد أن نقوله هنا هو أن المنصور كان يعد الإمام الصادق منافسا خطيرا أعياه أمره، إذ لم يتمكن من القضاء عليه كما لم يتمكن من تحصيل تأييده، فيحقق هدفه، بل الأمر بالعكس.

فلقد كان رأي الإمام الصادق في الدولة العباسية كرأيه في الدولة الأموية، من حيث الظلم للرعية، و الاستبداد في الحكم، و الابتعاد عن الإسلام. و قد نهى عن المؤازرة للدولة الجديد، كما نهى عن المؤازرة للدولة المنقرضة و صرح بذلك في عدة مواطن.

فمثلا: سئل (عليه السلام) عن البناء لهم و كراية النهر فأجاب: ما أحب أن أعقد لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، و لا مدة بقلم، إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار، حتى يحكم اللّه بين العباد.

كما نهى عن معاونتهم حتى في بناء المساجد، لأنه (عليه السلام) يرى أن أموالهم مغصوبة، لا يحق لهم التصرف فيها بأي نوع كان، و المعاونة لهم في ذلك تشجيع لهم، و مضاعفة لبلاء الأمة في تركيز عروش الظالمين.

و أعلن غضبه على الفقهاء الذين يسيرون في ركب الدولة و حذر الناس منهم، لأن شرهم أعظم بكثير من غيرهم، عند ما يخونون أمانة العلم و رسالة الإسلام. فكان يقول (عليه السلام): الفقهاء أمناء الرسل فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتهموهم.

____________

(1) التوسل و الوسيلة لابن تيمية ص 52، و مالك لمحمد أبو زهرة ص 28 نقلا عن المدارك للقاضي عياض ص 212.

50

و كان (عليه السلام) ينهى عن الترافع إلى القضاة و لا يرى نفوذ حكمهم و يعتبر الترافع إليهم محرما، لأنهم يحكمون بغير ما أنزل اللّه، بل كان يؤنب من يجتمع به من القضاة، و يبين له سوء هذا العمل، و يحذره من العذاب و على سبيل المثال نذكر القصة التالية:

قال سعيد بن أبي الخضيب البجلي: كنت مع ابن أبي ليلى (القاضي) مزاملة حتى جئنا إلى المدينة، فبينما نحن في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذ دخل جعفر بن محمد، فقلت لابن أبي ليلى: تقوم بنا إليه.

فقال: و ما نصنع عنده؟

فقلت: نسأله و نحدثه.

فقال: قم. فقمنا إليه فسألني (جعفر) عن أهلي، ثم قال: من هذا معك؟

فقلت: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين.

فقال: أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين!؟ قال: نعم.

قال: تأخذ مال هذا و تعطيه هذا، و تفرّق بين المرء و زوجه، لا تخاف في ذلك أحدا؟! ..

ثم قال: فما تقول إذا جي‏ء بأرض من فضة و سماء من فضة ثم أخذ رسول اللّه بيدك فأوقفك بين يدي ربك فقال: يا ربي هذا قضى بغير ما قضيت.

قال سعيد: فاصفر وجه ابن أبي ليلى مثل الزعفران‏ (1).

و هذه الأمور- و كثير من أمثالها- تبعث في نفس المنصور أثرا يجعله يشتد في امتحان الإمام و الفتك به، إذ ليس من الهين عليه رد ما يدعيه من الاستقلال بالإمامة، و أنه خليفة اللّه في الأرض و وارث نبيه، و خازن مال اللّه، ثم يبدو ما يكذب هذه الدعوى، من شخصية لها مكانتها في المجتمع.

و لا يبعد عن تفكيرنا ما أحدثه التأثر في نفس المنصور من شهرة الإمام الصادق (عليه السلام) و اتساع مدرسته من أشياء مختلفة في المجتمع الإسلامي أهمها

____________

(1) رجال المامقاني ج 2 ص 24.

51

محاولة ربط العلم بعجلة الدولة، و تحديد الفتوى، و حمل الناس على الأخذ بما تقره الدولة و ترتضيه، و لا نريد هنا أن نتجاوز الموضوع بتفصيل ذلك و بيانه بعد أن مرت الإشارة إليه.

و لكننا يجب أن نتصور مدى المشكلة التي واجهها الإمام الصادق في عصره، و ما تحمله من خصمه الألد، الذي قبض على زمام الحكم، و قضى على كل معارض، و فتك بكل من يتهمه بالمعارضة له، من دون توقف و تريث، فلا رحمة و لا عدل.

و لقد بذل كل جهده و استعمل حيله في القضاء على الإمام الصادق و لكن جهوده باءت بالفشل.

و قد أشرنا في الأجزاء السابقة إلى محاولات المنصور اختلاق الأعذار للقضاء على الإمام الصادق و كيف كان الإمام الصادق يحرص على أن لا يبدر منه ما يتذرع به المنصور و هي روايات في مصادرها تحتاج إلى تحقيق في بعض العبارات التي تروى على لسان الصادق. لأنها على غير المعهود عنه (عليه السلام) فهو يتحاشى اتهام المنصور و يخاطبه بعبارة بليغة لا تثير غضبه كما لا تطمعه فيه أو يلجأ إلى الاعتصام باللّه كما حدث عند ما استدعاه المنصور في المرة الثالثة بالربذة برواية إبراهيم بن جبلة عن مخرمة الكندي قال أبو جعفر المنصور: من يعذرني من جعفر هذا ... يا ابن جبلة، قم إليه فضع في عنقه ثباته ثم ائتني به سحبا. قال إبراهيم: فخرجت حتى أتيت منزله فلم أصبه فطلبته في مسجد أبي ذر فوجدته في باب المسجد، قال: فاستحييت أن أفعل ما أمرت فأخذت بكمه فقلت له: أجب أمير المؤمنين، فقال (عليه السلام): إنا للّه و إنا إليه راجعون، دعني حتى أصلّي ركعتين.

بقي الإمام الصادق (عليه السلام) أيام المنصور تحت رقابة شديدة، و أخباره تصل إلى المنصور في كل وقت، و لكن لم يجد وسيلة تبرر له أن يفتك بالإمام، لأنه يخشى العاقبة لما يعلمه من تعلق الناس بشخصية الإمام فكان المنصور على أحر من الجمر، إذ يرى أن سلطانه مهدد، و ملكه زائل إن طال الوقت و استمر الزمن. و أراد أن يقرب ما يرومه، و ذلك في فرض الإقامة على الإمام في الكوفة ليكون قريبا منه، و عسى أن تصدر منه بادرة لينقضّ عليه.

52

و لما قدم الإمام الكوفة التف الناس حوله و ازدحم رجال العلم عليه، و كان محل تقدير جميع الطبقات، مما جعل المنصور يحذر منه أشد الحذر، لأن الناس التفوا حول الإمام (عليه السلام) (و فتنوا به) على حد تعبير المنصور الدوانيقي، كما حدث بذلك أبو حنيفة قال: بعث إليّ المنصور و قال لي: إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيّئ له مسائل شدادا، فلخصت أربعين مسألة و بعثت بها إلى المنصور، ثم أبرد إليّ (أي أرسل إليّ بالبريد) فوافيته على سريره و جعفر بن محمد عن يمينه، فتداخلني من جعفر هيبة لم أجدها من المنصور فأجلسني.

ثم التفت إليه قائلا: يا أبا عبد اللّه هذا أبو حنيفة.

فقال (عليه السلام): نعم أعرفه.

ثم قال المنصور: سله عما بدا لك يا أبا حنيفة، فجعلت أسأله و يجيب الإجابة الحسنة حتى أجاب عن أربعين مسألة. فرأيته أعلم الناس باختلاف الفقهاء فبذلك أحكم أنه أفقه من رأيت‏ (1).

و خاب أمل المنصور و أصبح أبو حنيفة يعلن للملإ، و يحكم بأن أفقه الأمة جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) كما كان يرى أنه إمام الحق و يتكتم بذلك.

سأله رجل يوما فقال: يا أبا حنيفة، ما تقول في رجل وقف ماله للإمام فمن يكون المستحق؟

فأجابه أبو حنيفة: المستحق هو جعفر الصادق لأنه هو إمام الحق‏ (2).

قال هذا بعد أن تأكد من الرجل في كتمان ما قاله، و هذا أحد الأسباب التي أدت إلى القضاء على أبي حنيفة بحجة امتناعه عن القضاء.

و لا أستبعد أن قصة القائد الذي دعا الإمام الصادق إلى المائدة و أحضر عليها الشراب كان بوحي من المنصور لينال من كرامة الإمام (عليه السلام)، فتلك واحدة من محاولات العباسيين بدرت من غير واحد منهم.

قال هارون بن الجهم: كنا مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بالحيرة حين أقدمه‏

____________

(1) جامع مسانيد أبي حنيفة ج 1 ص 222 و مناقب أبي حنيفة للموفق ج 1 ص 177.

(2) تاريخ العلويين لمحمد أمين غالب ص 140.

53

المنصور، فختن بعض القواد ابنا له و صنع طعاما و دعا الناس، و كان أبو عبد اللّه فيمن دعي، فاستسقى رجل ماء فأتي بقدح فيه شراب لهم، فلما أن صار القدح بيد الرجل قام أبو عبد اللّه عن المائدة. و قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «ملعون ملعون من جلس على مائدة يشرب عليها الخمر».

و في رواية أخرى: «ملعون ملعون من جلس طائعا على مائدة يشرب عليها الخمر».

و ناهيك بما أحدثته هذه القضية من أثر في الاجتماع، عند ما يطلق أبو عبد اللّه هذه العبارة معبرا بها عن غضبه، و استهانة بكرامة ذلك القائد حفظا لكرامة الإسلام، فمن يا ترى يسمع هذه الكلمة من الصادق، و ينظر إلى تأثره، و يبقى على تلك المائدة.

فذلك نهج الإمام في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذي يرسخ أحكام القرآن و يرعى بذور الإيمان. أما الذين باعوا دينهم بدنياهم و ارتضوا أن يكونوا أتباعا لحكام الجور و الفجور فلهم أن يروا في موقف الإمام ما يناسب مصالحهم و يحميها لتبقى بطونهم ملأى بكل عفن و عقولهم سكرى بالضلال و الانحراف.

و بالاختصار فإن وجود الإمام الصادق في الكوفة كان أعظم على المنصور من كل شي‏ء، فعدل عن حكمه بالإقامة الجبرية على الإمام و أرجعه إلى المدينة و هكذا عدة مرات.

و كان (عليه السلام) يلجأ إلى اللّه في مهماته و يسأله دفع شر خصمه و مكره.

قال رزام بن قيس الكاتب مولى خالد العشري: أرسلني المنصور إلى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام)، فلما أقبلت عليه و المنصور بالحيرة و علونا النجف نزل جعفر عن راحلته، فأسبغ الوضوء فصلى ركعتين، ثم رفع يديه فدنوت منه فإذا هو يقول: اللهم بك أستفتح و بك أستنجح و بمحمد عبدك و رسولك أتوسل، اللهم سهل حزونته و ذلل لي صعوبته، و أعطني من الخير أكثر ما أرجو، و اصرف عني من الشر أكثر مما أخاف. ثم ركب راحلته، فلما وقف بباب المنصور و أعلم بمكانه فتحت الأبواب، و رفعت الستور، فلما قرب من المنصور قام إليه فتلقاه و أخذ بيده،

54

و ما شاه حتى انتهى به إلى مجلسه، ثم أقبل عليه يسأله عن حاله ... الخ‏ (1) و أنجاه اللّه من شره، و تغيّر المنصور عما عزم عليه كل مرة يلقى فيها الإمام، من أسرار سيرة الإمام الروحية.

و حدث الربيع بأن المنصور أمر بإحضار جعفر بن محمد مرارا و قال و اللّه لأقتلنه، فلما لم ير بدا من إحضاره، و لما دنا الإمام الصادق من الباب قام يحرك شفتيه. و كان يدعو (2) ...

و قد مر تفصيل هذه الحوادث و بيانها في الجزء الثاني و الإشارة إليها في الجزء الرابع من هذا الكتاب، و أن المنصور أحضره بين يديه للفتك به و القضاء عليه مرارا.

و على كل حال: فإن الإمام الصادق (عليه السلام) قد واجه محنا و تحمل مصاعب، في سبيل الدعوة إلى الخير و تهذيب النفوس، بنشر التعاليم الإسلامية الكفيلة بتنوير العقل الإنساني، و إرشاده إلى أقوم سبل الخير و السعادة، فكان المنار الذي اهتدت به القافلة الضالة، فيمر تاريخه عبر مراحل التاريخ، و يتخطى ذكره الزمن فتخلده الأجيال، و تعتز به العلماء، و ترجح أقواله و أحكامه في مثار الجدل و مجالات النزاع العلمي، فيكون قوله الفصل و حكمه العدل.

و تمر قرون و قرون و هو ذلك الصادق في القول، الموجه في دعوته و المعلم الأول لجميع المذاهب، و يبقى ذكره رغم الحواجز و العقبات، و ينتشر مذهبه بقوة الحق و وضوح الحجة، لا بقوة الحكومات و نفوذ السلطة.

و من العجيب أن يسمح البعض من كتّاب اليوم لنفسه بالتقوّل بما ليس له نصيب من الصحة، فيذهب إلى ادعاء صفاء العلاقة بين الإمام الصادق و المنصور، و أن المنصور هو الذي أطلق لقب الصادق على الإمام و ذلك مما ينافي الحقيقة، فقد رأينا كيف كان الإمام الصادق يواجه محنة دائمة بسبب المنصور، و كيف كان المنصور يواجه مشكلة مستعصية تتمثل في نهج الإمام و مدرسته و سلوكه و ميل القلوب إليه حتى أعجزه أمره لأن المكانة الروحية للإمام، و المنزلة العلمية التي طبعت ذلك الجيل بطابعها و تركت الناس يلهجون بذكر الإمام الصادق، ليس بسهل على المنصور

____________

(1) تاريخ ابن عساكر ج 5 ص 320.

(2) المصدر السابق ج 4 ص 208.