الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - ج4

- الشيخ أسد حيدر المزيد...
510 /
7

الجزء السابع‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ. رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى‏ رُسُلِكَ وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ [آل عمران: 193 و 194]

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و ما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت و إليه أنيب‏

تقديم:

كان تأخر صدور هذا الجزء من كتابنا (الإمام الصادق و المذاهب الأربعة)- و هو السابع- فترة انقطاع بيننا و بين القراء، لم تكن مقصودة و كنا ننوي أن يكون الجزء السابع نهاية البحث و خاتمة المطاف في سفر كلّفنا ثمنا غاليا من الجهد و العناء، و قد خفف عنا ما لقيه من استجابة و إقبال لدى القراء، كم حاولت أن أتخطى عوائق العمل، و أذلل ما أواجه من صعاب لمواصلة و إكمال البحث فيه، ليخرج هذا الجزء إلى أيدي القراء قبل هذا الوقت، إلا أن العوائق تلك و الصعاب كانت تزداد اتساعا و تعقيدا، و ها أنا ذا أزاول نشاطي لإكمال السلسلة، فأتناول أهم الأبحاث المخصصة للحديث عن كل واحد من أئمة المذاهب الأربعة بإيجاز استكمالا لما سبق و استدراكا لأمور لم نذكرها، إذ لم نتعرض لها من قبل كمعرفة الأولاد و الأحفاد، و الوقوف على بعض الآثار و الآراء و أمور فكرية و فقهية أخرى مما يضيق بها حيز الجزء السابع فأتبعناه بثامن.

نرجو اللّه أن يكون به كمال الفائدة و نهاية القصد. و قد آثرت تأخير الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) لما يتطلبه ذلك من إفاضة في بعض الأمور كالإشارة إلى أولاده و أحفاده الذين ورثوا مدرسته، و ما يتعلق بذلك من استطراد يقتضيه البحث في الحديث عن الطائفة الإسماعيلية التي تنسب إلى إسماعيل ابن الإمام جعفر بن محمد الصادق، و ما يحيط حياته من ملابسات، و ما وقع في ذلك من اختلاف.

10

و ألتزم هنا نهج البحث في عوامل التعصب الطائفي و أسباب الخلاف المذهبي كمشكلة تاريخية سببت الفرقة بين المسلمين و فككت وحدتهم و باعدت بينهم، و قد خصصت في الأجزاء السابقة من الكتاب حيزا كبيرا لدراسة نتائج التعصب و عوامل قيامه، و أوضحت ما علق بفعل ذلك في أذهان الناس من أمور تسي‏ء إلى مفهوم الانتماء إلى المذاهب و غلبة نزعة العداء على جوهر المبادئ، حتى أدى ظاهر الالتزام بها إلى الخروج عن ميزان الشرع، و حدوث انعكاسات سلبية على المجتمع فأحدثت خللا فيه، إذ خرجت المنازعات عن حدود التوازن الفكري أو الخلاف الواعي، فتعددت حدود الاستقامة و الاعتدال- في السلوك و التصرف- إلى الاعتقاد، حتى أصبح النص الوارد في الكتاب (عند بعضهم) لا يعمل به إن خالفه رئيس المذهب الذي أصبحت أقواله سنة، و مخالفته بدعة، و عدم اتباعه كفرا، حتى قالوا أن الكتاب تنسخه مخالفة أقوال علماء المذهب، يقول الكرخي‏ (1): «الأصل أن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها محمولة على النسخ، أو على الترجيح و الأولى على التأويل، من جهة التوفيق. الأصل أن كل خبر يجي‏ء بخلاف قول أصحابنا فإنه يحمل على النسخ، أو يحمل على أنه معارض بمثله، ثم صار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه، بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح، أو يحمل على التوفيق» (2).

و يبين لنا هذا النص مدى الارتباط بالمذهبية و الالتزام بأقوال الأئمة حتى و إن خالفت الواقع، و يخضعون الكتاب لموافقة أقوالها، و إذا امتنع النص القرآني فإنهم ينسخون و يعملون بما جاء عن أصحاب المذاهب «فهم مدفوعون وراء المذهبية تعصبا، و يطرحون الدليل و يؤوّلونه تأويلا بعيدا لا يتفق مع الحقيقة. فهذه هي المذهبية التي يبغضها اللّه و رسوله» (3).

و لقد أدت شئون الحكم و مقتضيات السلطان إلى تبني التمذهب و جعل الرئاسة في الفقه من أعمدة السياسة، فتأثر- تبعا لمواقف الملوك و الحكام، وجود و نشاط

____________

(1) عبيد اللّه بن الحسن أبو الحسن الكرخي. ولد سنة ستين و مائتين، و مات سنة أربعين و ثلاثمائة، انتهت إليه رئاسة الحنفية، كان من المجتهدين في المسائل على مذهب أبي حنيفة، و له المختصر و شرح الجامع الصغير و شرح الجامع الكبير.

(2) الدكتور مصطفى سعيد الجن، نقلا عن أصول الكرخي، ص 84 القاهرة 1972.

(3) الدكتور مصطفى سعيد الجن، أثر الأخلاق في القواعد الأصولية، ص 9.

11

و انتشار المذاهب إذ لم يجر الحكام على مذهب بعينه، و إنما يتقرر ذلك بحسب الظروف و الملابسات و عوامل النفوذ و الغلبة سيما و إن العالم الإسلامي بات مسرحا للقوة يشهد نتائج الغلبة على شكل دول و وزارات و جيوش. و لا بد أن يكون القضاء- و هو من أكثر الوظائف استقرارا لأصوله المعروفة و أهميته في حياة الناس- من أوليات شئون السلطان التي تتسرب إليها موجات التمذهب، و تتطلع إليها الرغبات، فحصرت بعد زمن بالمذاهب الأربعة، و سارت الأمور على الاستعانة بما كان من مقتضيات السلطان في الأساس، و هو تحديد المراتب الفقهية و المراجع في أشخاص بأعيانهم.

يحكى عن أبي زرعة- تلميذ البلقيني- أنه سأل أستاذه عن المانع للشيخ تقي الدين السبكي عن الاجتهاد و هو جامع للشروط. فسكت البلقيني و لم يجب. فقال أبو زرعة: «فما عندي ان الامتناع عن ذلك ليس إلا للوظائف التي قدرت للفقهاء على المذاهب الأربعة، و إن من خرج عن ذلك و اجتهد لم ينل شيئا من ذلك، و حرم ولاية القضاء، و امتنع الناس عن استفتائه، و نسبت إليه البدعة. فتبسم و وافقني على ذلك».

و امتد تأثير ذلك لينعكس على نهج التعامل مع وقائع التاريخ و روح المبادئ، فراح أغلب المؤرخين ينقادون للنزعة الطائفية المشبعة بالعصبية الإقليمية أو القبلية معتمدين على الخرافات و الادعاءات التي تؤجج نار الفرقة و تزيد الانقسام، لتطغي حدة الخلاف على الحقيقة، و تدفع الأمور في مسار لا يخضع لمنطق و لا يأبه بالشواهد إرضاء لرغبة الحكام، و تزلفا لذوي السلطة، و بذلك عجّ التاريخ بما نجم عن تلك النزعات، فأصبح البحث عن الحقيقة و التوسل إلى استخلاص الواقع، أو استنباط الجوهر محاطا بعوائق و صعوبات، بعد أن أدى تقادم الزمن و استمرار القناعة بما صدر عن مصادر التعصب و جهات الانقسام، إلى أن تكتسب شكلا ثابتا يقف بوجه موجات الوعي التي تنمو بين شبابنا المسلم المتصف بروح العلم و الموضوعية.

لقد كان التحيّز في طرح مواضيع لها أهميتها لتعلّقها بحياة المسلمين و تفاصيل وجودهم هوية الباحثين المرتبطين بالسلطة، و كانت نبرة الفرقة و دعوة الانقسام، بطاقة الدخول إلى عالم القصور و الرفاه السلطوي، و بذلك ارتكب هؤلاء جناية على أجيالنا إذ تنصلوا من مهمات الباحث و مسئولياته، و تخلوا عن أصول الأمانة في نقل الأحداث و تصوير الظروف و العوامل، فساقوا الآراء دون تمحيص أو تقدير لمرحلة أو وضع تاريخي معين. و أنّى لنا الحصول على نهج تاريخي يراعي مصلحة الأمّة و يقدّر

12

ضرورات الدين أو الدّعوة، ما دامت أهواء السلطة و التحكم كامنة وراء ما يصدر عن الباحثين.

و رغم ذلك، لم يتعدّ الخلاف بين المسلمين المسائل الثانوية و الفقهية، إذ لم يكن الخلاف يوما في التوحيد أو الكتاب أو السنة، فهم بحمد اللّه متفقون على توحيد اللّه و على كتابه، و مجمعون على أن ما بين الدّفتين هو القرآن بدون زيادة أو نقصان، و لم يختلفوا في وجوب الأخذ بسنة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إن اختلفوا في الفهم أو التفسير، أو توقفوا في تحقيق الطريق الموصل إلى أخذ الحديث صدر عن الرسول أو لم يصدر.

و لقد هيأ اللّه لهذه الأمة علماء جنّدوا أقلامهم لمواجهة نتائج دعوات التعصب و الانقسام، فكتب الكثير منهم في ذلك حرصا على سنة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و منعا لأيدي العابثين من الوصول إليها، و دحضا للكذابين و الجهال.

و قد ركزنا في البحث حول الخلافات المذهبية و النزعات الطائفية التي أدت إلى الفتنة و الشقاق، فعطلت قوى الأمة و شلّت طاقاتها.

و إذا كان التاريخ الإسلامي قد شهد منذ فجر الدعوة بذور الفرقة و الشقاق، فإننا لا نود أن نتعرض في بحثنا إلى مجريات عهد الخلافة و آثار الخلافات على المجتمع الإسلامي، و بروز النزعات الشخصية و المصالح الذاتية. و لا للخصومة في مرتكب الكبيرة و غيرها. و إنما بحثنا في المذاهب و اتساع عوامل الفرقة و الخلاف التي أدت إلى فتن غذّاها الاختلاف في الآراء، و ما رافق ذلك من مهاترات و خصومات تطورت إلى حروب سالت فيها دماء، و أهينت كرامات، و انتهكت حرمات.

و قد رأينا فيما سبق من أجزاء البحث، كيف تضافرت عوامل عديدة على إثارة المشاكل، و كيف وقعت الأمة في امتحان قاس، و قد كانت ظروف الفتنة و شيوع الاضطراب، فرصة للجهلة و الغوغاء من الناس للظهور و احتلال مواقع، فيما اضطهد المفكرون و كمّت أفواههم، و نورد هنا قول العلامة المصلح الشيخ محمد عبده الذي يعكس هذا الظرف فيقول: «و السبب في بقاء قوة سلطان الخلاف و النزاع هو تفشي الجهل، و تعصب أهل الجاه من العلماء لمذاهبهم التي ينتسبون إليها، و بجاهها يعيشون و يكرمون، و تأييد الأمراء و السلاطين لهم، استعانة بهم على إخضاع العامة، و قطع طريق الاستقلال العقلي على الأمة. لأن هذا أعون على الاستبداد، و أشدّ

13

تمكينا لهم مما يحبون من الفساد و الإفساد. فاتفاق كلمة علماء الأمة و اجتماعها على أن الحق كذا بدليل كذا ملزم للحاكم باتباعهم فيه، لأن الخواص إذا اتحدوا اتبعهم العوام، و هذه هي الوسيلة الوحيدة لمنع استبداد الحكام، فالدّين يأمر برفع الشقاق و التنازع و بالاعتصام بحبل الوحدة، و هذا معنى قوله تعالى: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا و قوله تعالى: وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا و قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «و لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض».

ثم يقول المرحوم الشيخ محمد عبده: و قد خالفنا كل هذه النصوص، فتفرقنا و تنازعنا، و حارب بعضنا بعضا باسم الدين، لأننا سلكنا مذاهب متفرقة، كل فريق يتعصب لمذهبه، و يعادي سائر إخوانه المسلمين لأجله، زاعما أنه بهذا ينصر الدين، و ليس في ذلك إلا خذلانه بتفريق كلمة المسلمين، هذا سنّي يقاتل شيعيا، و هذا شافعي يغري التتار بحنفي، و هذا حنفي يقيس الشافعية على الذمية» (1).

و يقول السيد رشيد رضا: «حتى أن من اتباعهم (أي أئمة المذاهب) من قدّمهم على الأنبياء عند تعارض كلامهم مع الحديث الصحيح، فإنهم يردّون كلام النبي المعصوم- مع اعتقاد صحة سنده- بقول نقل عن إمامهم، و يتعللون باحتمالات ضعيفة» (2).

و لا أملك أن أستطرد دون أن أشير إلى أن هذا القول هو تعبير عن واقع يأتي مصحوبا بخروج عنه، و ميل إلى ما استنكر فيه، إذ أن السيد رشيد رضا شهد فترة نضج جهود المصلحين المحدّثين، و تبلور أفكار الوعي، غير أنه أسهم هنا و هناك فيما يخالف اتجاه التحرر من التعصب و نهج التحقق و البحث اللذين اتسم بهما فكر الفترة الدينية التي يتصدرها المرحومان السيد جمال الدين الأفغاني و تلميذه الشيخ محمد عبده، و الذي تلاقح و تمازج مع تيارات الوعي و دعوات الوحدة الإسلامية.

و هناك صور من حالات الانقسام و الشقاق ذكرها ابن قدامة: «ففي طرابلس الغرب، ذهب بعضهم إلى المفتي و قال له: اقسم المساجد بيننا و بين الحنفية، لأن فلانا من فقهائهم يعبر عنا كأهل الذمة، بما أذاع في هذه الأيام من اختلاف الأحناف‏

____________

(1) ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين ص 65- 66.

(2) انظر مقدمة المغني لابن قدامة.

14

في: هل يجوز للحنفي أن يتزوج الشافعية؟ فقال بعض الأحناف: لا يصح لأنها تشك في إيمانها، لأن الشافعية يجيزون أن يقول المسلم: أنا مؤمن إن شاء اللّه. و هذا يدل على عدم تيقنها في إيمانها في اللّه، و الإيمان لا بد له من اليقين.

و أن بعض الأتباع سمع رجلا يصلي مأموما يقرأ الفاتحة، فضربه بيده على صدره ضربة قوية وقع منها على ظهره و كاد يموت. و أن بعضهم كسر سبّابة رجل لأنه رفعها في التشهد، بفتوى أحد علماء الحنفية- و هو الكيداني- بحرمة رفع السبابة، و اعتبروا ذلك نصا إلهيا، و حكما قطعيا فمن خالفه عوقب على جريمته» (1).

و يذكر العلامة العز بن عبد السلام الشافعي في أمور الأخذ بما فيه اختلاف، و أن لا بأس بفعل أو ترك ما لا ينقض الحكم الشرعي: أن الناس لم يزالوا على ذلك يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد بمذهب و لا إنكار على أحد من السائلين، إلى أن ظهرت هذه المذاهب و متعصبوها من المقلدين، فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا له فيما قال، فكأنه نبي أرسل إليه. و هذا نأي عن الحق، و بعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب ... الخ‏ (2).

و يقول التاج السبكي: و لقد رأيت في طوائف المذاهب من يبالغ في العصبية بحيث يمتنع بعضهم عن الصلاة خلف بعض إلى غير هذا مما يستقبح ذكره، و يا ويح هؤلاء أين هم من اللّه. و لو كان الشافعي و أبو حنيفة رحمهما اللّه حيين لشددا النكير على هذه الطائفة (3).

كما يذكر ابن قدامة أن أربعمائة قاض حنفي و شافعي هاجروا فرارا من تحكم الغوغاء. و حدثت بدمشق عدة حوادث بين الشافعية و الحنابلة، و بين الشافعية و الحنفية، كل ذلك بسبب الطعن في المعتقدات لأمور تافهة. فمثلا أن ابن القشيري- و هو أحد علماء الشافعية- يدخل بغداد، و يرقى المنابر للوعظ، فتقوم قائمة الحنابلة، و تقع بينهم و بين الشافعية فتنة، و بسبب ذلك يسجن بعض العلماء لإطفاء نارها.

و في سنة 421 هجرى بين بعض الأتراك و بعض الهاشميين منازعة، فاجتمع‏

____________

(1) المصدر السابق.

(2) انظر عقد الجيد في أحكام الاجتهاد و التقليد للدهلوي ص 12.

(3) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوي ص 130 و 131.

15

الهاشميون و من والاهم من الشيعة و غيرهم في مسجد المدينة، و رفعوا المصاحف و استفزوا الناس، فاجتمع لهم العدد الكبير من الكرخ. و اجتمع الأتراك و هم جند الدولة و أعيان بغداد في ذلك اليوم و اشتد القتال بين الطرفين‏ (1).

و لا يخفى دور السلطة فيما يحدث، و أن الفتن التي تجري- و ما يتخللها من نيل من مقامات العلم، و تعد على أصحاب المكانات الدينية- من صنعها، فينحاز الحكام إلى طرف دون آخر. في حين يعلم أن ذلك من تعاطي السفهاء- كما ينص ابن كثير في وصفهم- و إلا كيف يضرب خطيب جامع بالآجر و يكسر أنفه و يخلع كتفه؟ و لما ذا يقبل آخرون على أناس يحيون ذكرى عاشوراء بالحديد، فيقتتلون اقتتالا شديدا، و يقتل من الفريقين طوائف كثيرة، و تجري بينهم فتن و شرور مستطيرة.

و يحدثنا ابن الجوزي في حوادث سنة 494 ه أن السلطان قتل خلقا من الباطنية يبلغ عددهم ثلاثمائة و نيفا، و كتب بذلك كتابا للخليفة، فتقدم بالقبض على قوم يظن فيهم ذلك المذهب، و زاد تتبع العوام لكل من أرادوا، و صار كل من في نفسه شي‏ء من إنسان يرميه بهذا المذهب، فيقصد و ينهب‏ (2).

كما وقع كثير من الفتن بين الناس بسبب اختلاف الآراء بين العلماء من فقهاء و مفسرين، فبدلا من أن تعقد المجالس لرفع ذلك الالتباس و إزالة الخلافات، أصبحت مثار فتن و سببا لتدخل الغوغاء و أصحاب الأهواء الفاسدة، المندسّين في صفوف المسلمين.

و قد حدث أن اختلف الحنابلة و غيرهم من السنة في تفسير قوله تعالى: عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً فقالت الحنابلة أن المقصود من هذه الآية أن يقعد اللّه نبيه على عرشه. و قال غيرهم: أن المقصود هو الشفاعة، و احتدم الجدل، و اتسع النزاع بسبب ذلك الخلاف، و اقتتل الحنابلة مع خصومهم‏ (3) إذ كانت لهم القوة في بغداد لمساندة السلطة لهم و التفاف العامة حولهم و انضمام كثير من الجند إليهم. و قتل منهم قتلى كثيرة، و كان جماعة أبي بكر المروزي أبطال هذه الفتنة (4) و اعتمدوا على القوة.

____________

(1) ابن كثير، البداية و النهاية ج 12 ص 26 و 28.

(2) المنتظم ج 9 ص 120.

(3) السيوطي، تاريخ الخلفاء ص 154.

(4) الكامل لابن الأثير ج 8 ص 132.

16

و استمر مدة من الزمن يرهبون قلوب الناس، و يتعرضون بالشرّ لغيرهم من الطوائف، و إغراء بعضهم بعضا. مما حمل الخليفة الراضي على إصدار منشور في ردعهم بالقتل إن لم يرجعوا عن غيّهم‏ (1).

و من الملاحظ أن هذا المنشور قد أوقف نشاطهم. عن إثارة الفتن و الوقيعة بغيرهم، و خفف عن الناس بعض تلك الشرور التي لحقتهم بفعل التعصب لعقائد في التجسيم و آراء واهية مشبهة تجعل اللّه كالمخلوقات و المحدثات، و من نيل لمقامات الأولياء و مظاهر الاحتفال بسيرهم. و كان الراضي صريحا في إعلانه و شديدا في بيانه و قد توعّدهم في ختامه بالعقوبات الصارمة. و مما جاء في منشوره: «ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة و المذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، و إنكاركم زيارة قبور الأئمة و تشنيعكم على زوّارها بالابتداع، و أنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ... الخ» و مضمون البيان يعبّر عن عودة إلى أصول الحق و قواعد التفكير السليم.

و في أحضان الحكام و المتنفّذين، نشأ التعصب عنيفا، و غدا من أسلحتهم الفتاكة، فاستغل الحنابلة وجود من يتعصب لمذهبهم في فترة ردود الفعل و انعطاف الخلفاء الحكام لاستمالتهم في مواجهة آثار التطرف و التجاوز التي ارتكبت من المعتزلة عند ما ركنوا إلى السلطان و تناءوا عن مصادر الفكر. فكان الوزير يحيى بن محمد بن هبيرة حنبليا متعصبا لمذهبه، فنعموا في ظل سلطته، و تصرفوا في أمور لا يسوغ لهم الدخول بها. و لم تعدم المذاهب الأخرى من مناصرين لها باستعمال سلاح التعصب و الطائفية، فكان من يعهد إليه بوظيفة يوجه جهوده لنصرة مذهبه، و التحامل على غيره. فكان مرجان الخادم شافعي المذهب، تعصب على الحنابلة، و كان بينه و بين الوزير بن هبيرة عداء لأنه حنبلي و يتعصب لهم، كما نصب العداء لابن الجوزي،- و هو عالم الحنابلة و المبرز في عصره- و كان في عصرهما الأمير محمد بن موسى التركي أمير دمشق- و هو حنفي المذهب- و يتعصب للحنفية تعصبا مفرطا، و يعادي بقية المذاهب، و بالأخص الشافعية، و كان يعلن بأنهم ليسوا من المسلمين، و يقول:

لو كانت لي الولاية لأخذت من الشافعية الجزية (2) و عند ما برز الوزير نظام الملك في‏

____________

(1) ابن مسكويه، تجارب الأمم ج 1 ص 322.

(2) ابن كثير ج 12 ص 175.

17

محافل الملوك لم يقدر على تحقيق السيادة للشافعية، و الحدّ من تعصّبات الجماعات التي عكفت على حسّ المعاداة، فكان يختار من العلماء من يستشعر فيه القدرة و المنزلة، و يبعثه إلى بغداد. و لكن الحنابلة كانوا لا يترددون عن استخدام الشتم و السب، و دفع الأمور إلى الاضطراب و الهياج. و قد تكلمنا غير مرة عن الأسباب التي أدت بالمسلمين إلى هذه الحالة التي أصبحوا عليها من تباعد و تباغض و تراشق بالكفر و الزندقة.

و لنمضي قليلا مع ألوان الأحداث و صور المجتمع و هو يقاسي الفرقة، و ما أحدثه التعصب من تباعد و عداء و تباغض تسي‏ء إلى رابطة العقيدة، و تبعد عن روح الإسلام و نظمه التي تجعل لكل حقه، و قد كان أبطال التعصب و دعاة الفرقة و جنود الشغب يتعاهدون عوامل معينة بالرعاية، و يعملون على إذكائها و يحاربون كل ما من شأنه العودة إلى روح الدين و فضح البواعث و كشف الدوافع التي تقف وراء تلك الأحداث.

فهي إذا ما قامت من مستوى السلاطين، تلونت بحسب الرغبات و مصالح الحكم التي تمحورت حول أغراض ضيقة و غايات خاصة، و هي إذا ما بدرت من أصحاب المواقع على اختلافها و هيئاتها، كانت ستارا للإبقاء على واقع التمتّع و النفوذ، فيما نرى الناس تكتوي بنار الفرقة، و يتمزّق كيان المجتمع الإسلامي، و تسود روح من العداء التي تنكرها أبسط روابط الإنسانية، فكيف إذا كان الأمر بين أقوام و طوائف تجمعهم كلمة التوحيد، و يفترض أن تشدّ قلوبهم و تجمعها شريعة النبي المصطفى محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و سنعرض فيما يلي بإجمال بعض العوامل الكثيرة الأخرى:

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

1- الجمود الفكري‏

فقد ضمن الإسلام بمبادئه و قيمه وضعا فكريا يؤدي إلى تطور حالات الإنسان و تقدمه الحضاري، و يدفع بمن امتلك قدرة الفكر و موهبة العلم إلى اغتراف مناهل المعرفة و الأخذ بمضامينها، فكان التفاعل الفكري و العطاء العلمي سمة المجتمع في صدر الإسلام، و صفة الدعوة المحمدية التي بدّلت أوضاع الإنسانية، و أحدثت الثورة في حياة الشعوب التي آمنت بها و انشدّت إليها.

و كان التطور الفكري مقياسا أساسيا في التعامل الحياتي و الوجود الإنساني للمجتمع المسلم، حتى إذا حدثت الفرقة بعد استحكام النزعة الطائفية، و استفحال التعصب المذهبي، برزت عناصر كثيرة تقف بوجه ذلك التطور و التقدم الفكري، إذ لا يمكن للآراء المنحرفة و الدعاوى الفارغة أن تجد لها موقع قدم أمام ما بلغه المسلمون من مستوى فكري. فكان الجمود العقائدي أو الفكري أقرب إلى الجهلة و ذوي الأغراض و الأفكار المنحرفة، و أنفع لهم، فلقي المفكرون ضروبا من المقاومة الشديدة و الجفاء الظاهر، لكي يعطل وعيهم، و يبعد أثرهم، و تتاح لأولئك الذين يعملون على نشر الفرقة الفرصة ليغطوا جهلهم، و يحققوا لأنفسهم مكانة على حساب وحدة المسلمين و مصلحتهم.

و نحن عند ما نستعرض جوانب و صورا من هذا الواقع- بعد قرون طويلة و مراحل متعددة- نرمي إلى كشف عوامل ذلك و عواقبه في مرحلة يتصاعد فيها وعي نشئنا المسلم و أجيالنا الواعية، حتى يتبينوا واقع الدعوات و التيارات التي تحاول تجديد تلك الفرقة، و إعادة ذلك الخلاف بعقليات متحجّرة و دعوات متخلّفة، لا تختلف في دوافعها و حقيقتها عن عوامل و أسباب قيام الفرقة في المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي.

20

و الدعوة الصادقة تبقى محتفظة بتأثيرها و نقائها، و دعوات الفرقة مفضوحة مهما تلبّست ستار العلم أو برقع الثقافة، و إسهاما في تحمل مسئولية نشر الألفة و المحبة، نبعد عن التحامل على أحد، و لا نتجاهل واقعا نقف عليه، أو برهانا يفرض نفسه.

فالتزام النظرة الصائبة و الدعوة الصادقة يجعل ترسّبات الماضي موضعا للانتقاء و الاختيار، فيهمل ما كان منه مشوبا بهذه الصفحات، و يعتمد ما كان منها مدعاة للوحدة و الائتلاف.

لقد عصفت بالمجتمع الإسلامي عواصف الخلاف، و ظهر التصدّع في الصفوف بعد أن مني الإسلام بداء عصبية عمياء، و مذهبية ما أنزل اللّه بها من سلطان، و كثرت عوامل الخلاف، و قويت شوكة الجهلة عند ما حورب العلماء، و رمي الفلاسفة بوجه عام بالزندقة، و تشعّبت فروع ذلك، و أصبح المجال واسعا لزرع بذور الفرقة، و كثر الصراع في مسائل افترق المجتمع حولها، فتفرّقت الكلمة، فمنها الجمود الفكري.

و الجمود الفكري- كما تقدم- كظاهرة قوية في هذا الواقع المؤلم، بعد أن جعل الإسلام حرية الفكر نبراسا للعقول و الأفهام، و طريقا للاهتداء إلى عالم الحق، و أصبح المفكرون في نظر ذوي الجمود و في نظر من آثر التسرّع في الحكم على الأشياء قبل معرفتها، لعجزه عن المجاراة و المساهمة في حركة الفكر أهواء أو زندقة، فذهبت الدعوة الصادقة ضحية الحجر على حرية العقل، أو نتيجة الجمود الفكري الذي أقرّته سلطات جائرة و أوضاع منحرفة و تدخلات مختلفة، فكان ذلك حائلا دون تمتع الناس بحقوقهم.

و كان الذين يلتزمون نهج التحرّر الفكري و الاحتكام إلى العقل كالشيعة و المعتزلة و غيرهم من رجال الفكر قد لاقوا في سبيل حرية الفكر بلاء، و واجهوا محنا، لأنهم لم يحجبوا نور العقل بظلمة التبعية العمياء، فربطوا بينهم و بين من شذّ في علم الكلام عن النهج القويم، و ذلك عند ما أقبل المسلمون على دراسة الكتب المنقولة من كتب الأوائل من: منطق و رياضيات و طبيعيات و العلوم الإلهية و الطب و الحكمة العملية و غيرها من علوم الأوائل التي نقل شطر منها في عهد الأمويين، ثم أكمل في عهد العباسيين. فقد ترجموا مئات الكتب اليونانية و الرومية و الهندية و الفارسية و السريانية إلى العربية، و أقبل الناس يتدارسون مختلف العلوم، و لم يلبثوا كثيرا حتى استقلوا بالنظر، و صنّفوا فيها كتبا و رسائل، و كان ذلك يغيض علماء

21

الوقت، و لا سيما ما كانوا يشاهدونه من تظاهر الملاحدة و الدهريين، و الطبيعية و المانوية الخ‏ (1).

و من المظاهر المؤلمة ما تعرّض له أبو جعفر بن جرير الطبري- صاحب التاريخ و التفسير المشهورين- سواء في حياته أو في مماته، فنحن نعلم أن للأموات حرمة، و لأن كانت غريزة الكره و الحقد تجد مجالها بين الأحياء، فإن ارتحال الطرف الآخر كاف للكفّ عن استمرار الغرائز الملتوية. يقول ابن كثير: «و دفن في داره لأن بعض عوام الحنابلة و رعاعهم منعوا من دفنه نهارا، و نسبوه إلى الرفض. و من الجهلة من رماه بالإلحاد، و حاشاه من ذلك كله. بل كان أحد أئمة الإسلام علما و عملا بكتاب اللّه و سنة رسوله، و إنما تقلدوا ذلك عن أبي بكر محمد بن داود الفقيه الظاهري، حيث كان يتكلم فيه و يرميه بالعظائم و بالرفض. و لما توفي اجتمع الناس من سائر أقطار بغداد، و صلوا عليه بداره، و دفن بها، و مكث الناس يترددون إلى قبره شهورا يصلون عليه. و قد رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، و كتابا جمع فيه طريق حديث الطير. و نسب إليه، أنه كان يقول بجواز مسح القدمين في الوضوء، و إنه لا يوجب غسلهما» و بمرور الوقت عجز خصومه عن طمس شواهد علمه، فأخذوا بالقول بأن هناك طبريين أحدهما شيعي يستحق هذا العداء. و إن كل ما جاء من الحق على لسان الطبري، و كل ما ذكره هذا المؤرخ و المفسر الكبير من الحقائق هو من الطبري الآخر، يقصدون محمد بن جرير بن رستم المحدث الإمامي الثقة، و قد اشتهر بكتابه (المسترشد في الإمامة) و عرف بالمناظرة و الكلام، و ليس هناك ما يساعد على الخلط بين الاثنين، فآثار كلّ منهما مستقلة و معروفة، و القول بمثل هذا ينمّ عن القصد السيئ.

و كان للمسلمين مكانة في علم الكلام و غيره، و امتازوا عن سواهم بأمور كثيرة.

و كانت مقاومة المفكرين بأساليب مختلفة و عبارات لا تعبّر إلا عن سوء الفهم. فقد رمي المتكلّمون بالكفر و الزندقة و الخروج عن الدين حسب ما ترتضيه السياسة، و ما تراه في خدمة مصالحها، فوسعت شقّة الخلاف بين المتكلّمين و بين الفقهاء، و شجعت الحملة على المتكلمين و رميهم بالكفر. فكانت تلك الحركة ضد علم الكلام سببا في تضييق آفاق الفكر، و سد أبعاده، و تقييد روح الإبداع، حتى هدّد العلماء من المتكلمين.

____________

(1) الطباطبائي، الميزان ج 5 ص 179.

22

و قد ساعد على ذلك آراء بعض أئمة المذاهب و أتباعهم، إذ كان بعضهم يرى لزوم تعزير أهل الكلام و ضربهم و إهانتهم، و أن يطاف بهم في العشائر. و اشتهر عن الشافعي أنه قال: إياكم و الكلام. و قال: لأن يبتلي اللّه المرء بكل ما نهي عنه ما عدا الشرك به خير من أن ينظر في علم الكلام.

و وجد زعماء الفتن و عناصر الشغب فيما أوثر عن الإمام الشافعي و غيره سلاحا مجردا يستخدمونه لتحقيق أغراضهم، و تغيير الواقع إلى جمود و تخلف. رغم أن هذه الآراء في حقيقتها و ظروفها تعبّر عن حرية الرأي و قدرة الاجتهاد، و مع هذا نجد أن الإمام الشافعي ينص على دوافع مثل هذا التوجه، و يلتفت إلى تلك الأجواء، إذ قال للربيع: إياك و علم الكلام. و عليك بالاشتغال بالفقه و الحديث. و لئن يقال لك أخطأت خير من أن يقال لك كفرت‏ (1).

و قد نضج علم الكلام في عصر الشافعي، و اتسع نشاط المتكلمين، و أثيرت هناك مسائل كثيرة دار حولها النقاش و الجدل. و لا بد لكل عالم أن يلتمس الدلائل و البراهين من طريق المعقول لتقوية جانبه، و الردّ على مخالفيه، و لكن من باب درء الخطر من الانهزام أمام المفكرين، أغلق الباب بحرمة تعلم علم الكلام، بل حرمة الاستماع إليه، و حكموا بكفر من يتعلمه.

و كان للفلسفة في أول زمن الدولة العباسية سوقا رائجا، فقد كانت بغداد في أواسط القرن الثاني إلى أواخر القرن الخامس ميدان الأفكار الجديدة، كما كانت البصرة كذلك منذ القرن الأول، يقصدها العلماء من البلدان القاصية، و يتذاكرون صنوف العلم، و يتقارضون بأنواع الحكمة. و كانت بغداد مدة ثلاثة قرون مبعث الحركات الفكرية، و العلماء فيها يوحدون صفوفهم.

و كانت الحكومة لا تعارض مجالس النظر و الحجاج ما لم يضر بمصالحها، أما إذا كان البحث في الإمامة و ما يتعلق بها من إعطاء الفكر مجالا في أمور يتطلب البحث فيها إيضاحا لما أبهم منها؛ فإن ذلك محظور لا تسمح الدولة في خوضه.

و اشتدت الحكومات في القرن السادس بمطاردة علوم الحكمة. و حرّم ابن الصلاح المنطق و الفلسفة، و لم يتمكن أحد في دمشق من قراءة كتبها، و كان المنادي‏

____________

(1) الجواهر و اليواقيت ج 1 ص 17.

23

ينادي: من ذكر غير التفسير و الحديث و الفقه، و تعرّض لكلام الفلاسفة ينفى. و أفتى الذهبي بتحريق كتب علوم الفلسفة، و إعدام علمائها و القائمين عليها، إذ يقول: و ما دواء هذه العلوم، و علمائها القائمين بها علما و عملا إلا التحريق و الإعدام من الوجود (1). حتى عدّ الاضطهاد في سبيل المذاهب و الأفكار سمة السياسة لأنه «منذ ظهر الإسلام كان من يخالف الجمهور في المعتقدات و الآراء يحمل إلى الولاة، فإما أن يستتيبوه أو يعاقبوه، و ما فتئ المهيمنون على الشريعة يثيرونها حربا شعواء على كل من جاهر بفكرة دعا إليها أو لم يدع، و يكفي في بلائه خروجه عن المألوف و العرف» (2).

و انتهز العوام و المتفقهة فرصة غضب الملوك على الفلاسفة، فراحوا يروّجون التهم حول كثير من علماء الأمة إذا وجدوا ميلا من السلطان نحوهم، و كان شهاب الدين السهروردي من الحكماء الذين قربه الملك الظاهر غازي ولد السلطان صلاح الدين، فحسده علماء عصره، و ناظروه فانتصر عليهم. فالتجئوا إلى الدسّ و الكذب، و رموه بالكفر و الإلحاد، و طلبوا استئصال الشرّ بقتله حتى لا ينفذ إلحاده، فتمّ لهم ما أرادوا، و أمر السلطان ولده بقتله بلا مراجعة، فقتله سنة 586 ه عن 36 سنة، و عرف في التاريخ بالشاب المقتول.

و قد أورد ابن أبي أصيبعة أن الظاهر غازي بن صلاح الدين، دعا الفقهاء إلى مساجلة السهروردي، فانتصر عليهم و أفحمهم، فزاد حقدهم عليه، فدبروا له تهمة المروق عن الدين، و عملوا محاضرة بكفره، و سيّروها إلى الملك الناصر صلاح الدين و قالوا: إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر، و كذلك إن أطلق فإنه يفسد أي ناحية يكون بها من البلاد. و زادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك، فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابا في حقّه بخط القاضي الفاضل و هو يقول فيه: إنّ هذا الشاب السهروردي لا بد من قتله‏ (3).

و مكانته في الفلسفة لا ينكرها حتى أعداؤه، فهي من أبرز صفاته عندهم، كما

____________

(1) كرد علي، الحضارة الإسلامية 2/ 43.

(2) المصدر نفسه ج 2 ص 69.

(3) ابن أبي أصيبعة، الطبقات ص 642.

24

أن من أبرز معالم سيرته هو قتله دون بينة. حتى أن السلطان الذي غلب عليه الذين ساءهم انتصار السهروردي عليهم ندم و نقم على الذين أفتوا في دمه، و قبض على جماعة منهم و أهانهم و أخذ منهم أموالا عظيمة (1) كذلك فإنّ الذين يرمونه بالزندقة من المؤرخين لا يملكون إنكار براعته في علم الكلام، و كونه مناظرا محجاجا زاهدا من أذكياء بني آدم و رأسا في معرفة علوم الأوائل‏ (2).

و ذكر العماد الأصفهاني- المعاصر له- أن الفقهاء دعوا السهروردي للمناقشة في المسائل الفقهية، و في مسائل الأصول، فظهر عليهم، فحقدوا عليه، و بيّتوا أمرهم إلى الثأر منه، فدعوه إلى مناقشة علنية أخرى في مسجد حلب، و سألوه: هل يقدر اللّه على أن يخلق نبيا آخر بعد محمد؟ فأجابهم الشيخ: بأن لا حدّ لقدرته. ففهموا من إجابته أنه يجيز خلق نبي بعد محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو خاتم النبيين، و من ثمة أعلنوا مروقه من الدين، و كتبوا محضرا بكفره، سيروه إلى السلطان، فأمر بإعدامه و إحراق كتبه‏ (3).

و استمر أعداء حرية الفكر و دعاة الخضوع لسلطان الجهل و التقليد الأعمى بالحرب لعلماء الأمر، فثارت الأحقاد، و ظهرت العداوات و الانتقام. فهذا الفيلسوف ابن رشد- و كان مالكي المذهب و من فقهائهم- تولى القضاء بإشبيلية مدة تزيد على عشر سنوات، و قد قربه الملك أبو يوسف الملقب بالمنصور، مما أثار حسد الفقهاء و المتزمتين، فرموه بالكفر و الزندقة، و تمكنوا من تغيير الخليفة، فنقم عليه و استجوبه فقهاء قرطبة، و قرروا أن تعاليمه كفر، و لعنوا من يقرأها، و حكموا عليه بالكفر و النفي من بلده. و أمر الخليفة بحرق كتبه و كتب الفلسفة في جميع البلاد، و لعن ابن رشد، و نفي إلى جزيرة في قرطبة. و إنما لم يحكم على ابن رشد بالقتل أسوة بغيره ممن اتهم بسوء الاعتقاد لأن الذي يرأس المحكمة و يصدر الأحكام كان من علماء المالكية، فكانت المحكمة التي تعقد لمحاكمة المتهمين بالبدعة أو الضلالة أو الزندقة إنما يسند أمرها إلى القضاة المالكية لأنهم يخالفون سائر المذاهب في هذه التهم التي تلصق بمن تحاول الدولة قتله باسم الدين.

____________

(1) المصدر نفسه ص 644.

(2) شذرات الذهب ج 2 ص 290.

(3) انظر مقدمة كتاب هياكل النور.

25

فعند المالكية يقتل المتهم بالضلال أو الزندقة أو البدعة أو ما شئت فقل من مقررات الحكم الجائر. فيصدر الحكم في حقه و إن تاب، بخلاف بقية المذاهب.

لأن رأي مالك أن المبتدع أو الزنديق ينفذ فيه حكم الإعدام و إن تاب.

لقد أدى شيوع ذلك إلى حالات من الجهل و الجمود و تحكم الفوضى. فنشط العامة بما يرضي أطماعهم و يجلب عليهم نعم السلطة و المتحكمين، فأصبحت الطبقات الحاكمة هي التي تقرّ العقائد التي تراها أكثر نفعا لها و أقرب إلى الاستجابة عليها، فتلتقي إرادة المتحكمين مع رغبة المتنفّذين و المستفيدين من تيارات التعصب هذه. ففي سنة 433 ه تصدر الدولة أمرا باتّباع ما تراه من العقائد، فكان منشورها يتضمن أهم المسائل العقائدية التي هي محور الخلاف في ذلك العصر، فهو يتضمن بعد التوحيد و الأقرار لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالرسالة: عقائد مذاهب أهل السنة. و جاء فيه: أن من قال أن القرآن مخلوق فهو كافر حلال الدم. و أن يلتزم الناس بحب الصحابة كلهم. و أنهم خير الخلق بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أن خيرهم كلهم و أفضلهم بعد رسول اللّه أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، و أن يشهدوا للعشرة المبشّرة بالجنة، و أن يترحّموا على أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و من سبّ عائشة فلا حظّ له في الإسلام، و لا يقول في معاوية إلّا خيرا، و لا يدخل في شي‏ء شجر بينهم‏ (1).

و وقع المنشور في أغلب ما تضمنه موافقا لرغبة العامة، حيث يؤدي بمحتواه إلى شلّ الحركة العلمية التي تخالف آرائهم. فاتباع ذلك النظام لازم، و مخالفه يعدّ كافرا، و قد كتب الفقهاء خطوطهم، و حكموا بفسق و كفر المخالف. كما أصبحت السلطة القضائية تخضع لهذا المرسوم، و تعاقب بموجبه، فمن اتهم بالمخالفة حكم بكفره، و حلّية دمه، فأصبح العلماء بين خوف العامة و غضب السلطة، و ليس وراءه إلّا سيف النقمة، فلا يستطيع أحد أن يبدي رأيا فيما توصّل إليه من وراء تفكيره و النظر العقلي، و لا يستطيع المؤرخ أن يسجّل حادثة فيها مخالفة لرأي السلطة، و ليس لباحث أن يثبت شيئا بعد تحقيقه و صحته، كما ليس للمحدّث أن يناقش حديثا أو يثبت ما لا يتفق و آراء العامة. فكم ضاع من وراء هذا التحجير من الأفكار الحرّة و الحقائق التاريخية التي أهملها العلماء مخافة أن يعرفوا بها فيهلكوا، و بذلك حقنوا دماءهم،

____________

(1) المنتظم ج 8 ص 110- 111.

26

و اتقوا تقاة أنجتهم من تسلط العتاة. فضاعت أخبار كثيرة، و خمدت القرائح، و شاع الجمود الفكري، و فشى الجهل. و السلطة من وراء الجهّال تشدّ أزرهم، و تفتك بمن يحاول الخروج عن الطاعة «و إنه لطبيعي كذلك في أن يكون الملك عدوا لدودا لكل بحث و لو كان علميا يتخيل أنه قد يمس قواعد ملكه و تقويض كرسيّه و لهذا ضغطوا على حرّيّة العلم، و استبدّوا بمعاهد التعليم، و ربطوها بعجلة الدولة» (1).

و برغم ركام الأهواء تجد الحقيقة لها ألسنة و أقلاما تعبّر عن جوهر الدافع في الإبقاء على الجمود و بواعث سياسة الحكام الذين أحكموا إغلاق منافذ الفكر ليهيمنوا على الأمة، و أغلقوا باب الاجتهاد الذي تشبّث الشيعة لفتحه حماية للفكر و إغناء للفقه، فلما رأى بنو العباس أن وسائلهم في القهر لا تجديهم، أرادوا أن يأتوا الناس من باب التعليم، فيتولوا أمره بأنفسهم، ليربوا العلماء على الخضوع لهم، و يملكوهم بالمال من أول أمرهم، و كانت الأمة هي التي تتولى أمر التعليم بعيدا عن الحكومة، كما تتولاه الآن الأمم الراقية .. فيقوم في المساجد حرا لا يخضع لحكم ملك أو أمير، و يتربى العلماء بين جدرانها أحرارا لا يرقبون إلا اللّه في علمهم، و لا يتأثرون بهوى حاكم، و لا تلين قناتهم لطاغية أو ظالم. فأراد بنو العباس أن يقضوا على هذا التقليد الكريم، و يتولوا بأنفسهم أمر التعليم بين المسلمين، فأخذوا ينشئون له المدارس بدل المساجد، و يحبسون عليها من الأوقاف الكثيرة ما يرغب العلماء فيها، و يجعل لهم سلطانا عليهم، و أخذت الممالك التابعة لهم تعمل في هذا بسنّتهم، حتى صار التعليم خاضعا للحكومات بعد أن كان أمره بيد الرعية، و كان لهذا أثره في نفوس العلماء فنزلوا على إرادة الملوك، و لم تقو نفوسهم على مخالفتهم في رأيهم أو توجيه شي‏ء من النصح إليهم‏ (2) فلما انتشرت المدارس الحكومية قام بنو العباس بالخطوة المكمّلة، فطلب من المنفّذين لسياستهم المشتغلين بالعلم ألا يذكروا شيئا من تصانيفهم، و ألا يلزموا الفقهاء بحفظ شي‏ء منها؛ بل يذكروا كلام الشيوخ السابقين تأدّبا معهم، و تبرّكا بهم. فأجاب جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي بالسمع و الطاعة.

____________

(1) كرد علي: الحضارة الإسلامية.

(2) انظر: عبد المتعال، الصعيدي، في ميدان الاجتهاد ص 7.

27

فيما كان نهج الشيعة منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا يقوم على إثبات مذهبهم بالأدلة المنطقية، و الكتابة العلمية، و كان مدار الإمامة و مصطلحاتها الفنية من أكبر ما اهتموا به لأنها من أركان الدين، و هي أصل إقامة المجتمع و مصدر بناء هيئاته، و هم الذين قسّموا علمها، و بوّبوا أبوابه، و عيّنوا مجاله، و رسموا حدوده‏ (1).

و كان للشيعة بتلك العصور ألمع الشخصيات الإسلامية كهشام بن الحكم، و كان يرأس مدرسة فكرية إسلامية أخذ تعاليمها من أستاذه الإمام الصادق (عليه السلام) و يقول فيه ابن النديم: أنه هو الذي فتق الكلام في الإمامة، و هذّب المذهب، و سهّل طريق الحجاج. و كان حاذقا بصناعة الكلام، حاضر الجواب‏ (2). و من جرّاء شهرته في الكلام مع علوّ رتبته بالفقه و سائر العلوم، فقد تحاملوا عليه، و نسبوه إلى سوء الاعتقاد، كما طاردته السلطة أيام هارون الرشيد، فهرب و مات متخفيا. و هكذا غيره من فلاسفة الشيعة و علمائها الذين امتحنوا في سبيل عقيدتهم أمثال: مؤمن الطاق محمد بن النعمان، و أبو يوسف الكندي، و بني نوبخت، و الرازي، و الهمداني و غيرهم من متكلمي الشيعة و فلاسفتهم. و كان اشتهارهم بعلم الكلام مهّد لأعدائهم أن يتّهموهم بسوء الاعتقاد، و البدعة و الكفر، و هذه البدعة هي بدعة سياسية، لإن مخالفتهم لنظام الحكم السائد جعلتهم مبتدعة في نظر أعوان السلطة. و نتيجة لذلك التعصّب الأعمى شاعت الافتراءات، و موّهت في إطار فقهي أو مذهبي. لأن الشيعة التزموا نهج أهل البيت كأئمة هداة و صفوة معصومة تمثّل الرسالة في أصولها و المبادئ في نقائها. و الذين كان نصيبهم الاضطهاد و الظلم، و الابتعاد عن السلطة التي انجرّت إلى القيم الدنيوية و المادية. فوضعت السلطة مخططا لمواجهة التيار الذي يمثل الالتزام بخط أهل البيت، و التخلص من رجالات الشيعة و أفكارهم بكل السبل، سواء كانت بالقتل و الاعتداء، أو التحريف و قلب الحقائق، و العمل على نبذ كل ما يمتّ لهم بصلة. فوصل الأمر بالمتفقّهين إلى الدعوة إلى ترك أحكام الشرع إذا كانت تشبه أحكام الشيعة. فعلى سبيل المثال لا الحصر:

1- قالوا: و من المصلحة أن يمنع المصلي عن اختصاص جبهته بما يسجد عليه‏

____________

(1) النظريات السياسية الإسلامية ص 81- 82.

(2) الفهرست ص 249- 250.

28

من أرض و غيرها لأن ذلك الاختصاص من شعار الشيعة (1).

2- حكم بعضهم بأفضلية المسح على الخفّين بدون دليل، و إنما كان ذلك الحكم، لأن الشيعة طعنوا في المسح على الخفّين، و إحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه‏ (2).

3- يقول ابن تيمية في منهاجه- عند بيان حرمة التشبه بالشيعة-: و من هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبّات. إذ صارت شعارا لهم (الشيعة) فإنه و إن لم يكن الترك واجبا لذلك، لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم، فلا يتميّز السنّي من الرافضي، و مصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم و مخالفتهم أعظم من مصلحة المستحب. و إن هذا لمن الإفراط في الانحراف و الغفلة عن أكبر خطأ يرتكب في ترك أوامر اللّه سبحانه.

و لا زالت الحالة هذه تشقّ طريقها حتى في العصور المتأخرة، كما يحدثنا الشيخ القاسمي عنهم بقوله:

«يدرّس كثير من العلماء للطلبة في المساجد، و هؤلاء المدرّسون ندر من يكون منهم غير متعصب أو لا يوجد، و لذلك لا تخلو المساجد العامة التي يكثر مدرّسوها من ثورات تتناقلها الأفواه، و ما منشؤها إلا التعصب، و هاك بيان ذلك: نرى مدرّس الفقه غير الحكيم يقرأ الفروع قراءة مشوبة بهضم المخالف لمذهبه و عدم رؤياه بشي‏ء، و عدم الاعتداد بمذهبه كليا إلا ظاهرا، فلا ينصرف تلامذته من دراسة إلا و هم مملوءون قوة بها، يدفعون من خالفهم في تلك الفروع، و قد يرون بطلان ما عليه غيرهم. كما يعلّمونه كراهة الاقتداء بالمخالف، مما يتبرّأ منه هدي السلف و الأئمة المتبوعين عليهم الرحمة و الرضوان. و كما يحاولون دليلا ضعيفا في مقابلة قوي كمرسل في مقابل مسند، و إيثار ما رواه غير الشيخين على ما روياه مما يتبرّأ منه الإنصاف» (3).

و على أي حال فإنّ التعصب المذهبي قد أحدث مظاهر شاذة في المجتمع الإسلامي، و ولّد مراحل سوداء، سادتها ظروف سيئة و متباينة، و قد رأينا ما أحدث‏

____________

(1) انظر غاية المنتهي في الجمع بين الإقناع و المنتهى ج 1 ص 135.

(2) نيل الأوطار ج 1 ص 176.

(3) إصلاح المساجد ص 164.

29

التعصب من فرقة و انقسام بين صفوف أمة واحدة ذات كتاب واحد و نبي واحد، و لكنه- و الحمد للّه- لم يبلغ الخلاف إلى مستوى العقائد الأساسية التي هي دعامة الإسلام و ركيزة وحدة الأمة. و رغم أن روح التعصّب و نزعات التحكّم قد أدّت إلى اختلال القيم و تشويه المبادئ من خلال إخضاعها للأهواء و التعصب و التحزب؛ فإن روح الحرص و الإيمان بقيت تواجه حملات التضليل و تيارات الانقسام، فراح الكثيرون من علماء هذه الأمة و رجالاتها ينبذون الخصومة، و يرفضون التحزّب و إثارة روح الحقد، و يتمسّكون بروح الإخاء إطاعة لأمر اللّه و عملا بمبادئه، و يبثّون روح التفاهم، لتنمو من جديد. و عملوا جاهدين لحفظ تراث الإسلام، و إزالة كل ما يحول دون التقاء أبنائه على صعيد الأخوة الإسلامية.

و لو حاول مثير و الفتنة الاحتكام إلى مبادئ الإسلام و إلى روح الرسالة فيما يدّعون من أمور و مسائل، لباءت حملاتهم و تحرّكاتهم بالفشل و الخسران. لكنّهم توسّلوا بأمور اختلفوها، و نصوص أوّلوها لترضي مراميهم و أغراضهم؛ فضاعت في غمرة الفهم و التقوّلات أسس و أصول الحياة التي أرسى دعائمها الإسلام، فكان من البديهي أن يكون الجمود الفكري غطاء لموجات التعصّب و التحزّب التي أحالت الألفة إلى تناحر، و الأخوّة إلى عداء.

و من تلك المشاكل مسألة خلق القرآن. و قد أشرنا لها سابقا، و زيادة في البحث نذكر هنا بعض ما تدعو الحاجة لذكره:

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

2- خلق القرآن‏

تأثر المأمون بحركة العلوم التي كانت سائدة في عصره، و كانت حالة الأمة الفكرية قد اتسمت بخصائص و ظواهر مهمة، أثرت في السياسة من خلال شخصية الحاكم الذي نشأ و ميله إلى العلوم ينمو معه، حتى تفرّد بمواقف تكشف عن وعي و تصوّر خضوعا للمنطق، و إذعانا للحق، خاصة في الأمور و الأحداث التي اكتنفت مسيرة الخلافة منذ قيام نظام الخلافة.

و كان من أبرز جوانب الحياة الفكرية، ظهور تيارات و اتجاهات كلامية و عقلية اهتمّت بعقائد و أديان الأمم الأخرى، التي راحت بقاياها تكيد للإسلام. فتعرّف المسلمون على مضامين و مناهج النشاطات المعادية، و تمثّلوها، و صاغوها. فماجت مواطن الفكر الإسلامي بدراسات و أصناف من العلوم، عبّرت عن قدرات العلماء و المتكلمين الإسلاميين، فأسهموا مساهمة كبرى في ردّ كيد الأعداء إلى نحورهم، و مناجزتهم بنفس السلاح الذي أشهروه بوجه الإسلام.

و لمّا تسلّم المأمون سدّة الحكم- بعد الأحداث الدامية المعروفة- مال بالنظام إلى الجهة التي تنسجم مع ميوله، و تناسب ما نطلق عليه «الحركة الفكرية» حيث غلبت صفة البحث و الطابع العلمي، فكان المعتزلة في هذه الفترة من أبرز المناظرين و أنشط المتكلمين، فكانوا أصحاب جدل و أنصار رأي. غير أنهم في الفقه و الأصول لم يتفقوا على قواعد ثابتة، لذلك لم يخرجوا من تيار الجدل و النظريات، و قد حسبوا كثيرا على الشيعة، بل أن البعض نظر إلى الأمر معكوسا و تناسى أصول الشيعة و وجودها التأريخي الذي يسبق ظهور المعتزلة. و ظل الالتباس قائما حتى اليوم من جرّاء اشتراك المعتزلة مع الشيعة في بعض الخصائص الفكرية: من اهتمامهم بالعقل، و رعايتهم‏

32

الفكر. و قد أسهم المأمون نفسه في إثارة القضايا التي تخصّ عقيدة الشيعة، منها:

مسألة الخلافة، و الأحقّيّة و الأفضلية؟ و لكن العمل السياسي كان يتمثّل في الموقف من العلويين، و إرساء قواعد الحكم على أساس رضا الناس و قبولهم النظام العباسي عن قناعة، بعد أن فضحت سياسة السابقين من آبائه خدعة الدعوة إلى الرضا من آل محمد، و كيف كشّر العباسيون عن أنياب حقد أشدّ و أدهى على العلويين من حقد الأمويين. فكان أن حمل المأمون العلويين من المدينة و فيهم الإمام الرضا علي بن موسى، و جاء بهم إلى خراسان. و كان غرضه شخص الإمام الرضا (عليه السلام) فأنزل العلويين دارا، و أنزل الإمام الرضا دارا و أكرمه و عظم أمره.

و اختار المأمون أن يعلم الإمام الرضا بقصده من وراء ذلك عن طريق الوسطاء، و ادّعى أنه يريد أن يخلع نفسه من الخلافة و يقلّدها إلى الرضا (عليه السلام) و كل الدلائل تشير إلى كذب هذا الادعاء. فالمأمون حاكم لم يتورّع عن قتل أخيه في سبيل كرسي الخلافة، و لا يمكن بأي حال أن يخرج عن أهم قواعد الحكم الجائر، و يتخلّص من كره آل علي، و إن ادعى ذلك و جاهر بأنه وجد أن العباسيين قد ظلموا و غصبوا آل علي حقهم. هذا من جهة، و من جهة ثانية فإن الإمام الرضا في سيرته و وجوده، هو امتداد حي و استمرار متوقّد لسيرة ابن الشهيد الإمام موسى بن جعفر، لم يحفل بالدنيا، و لم تبعده نوائب الدهر عن أمور دينه و رعاية أهل الإسلام بالدعوة إلى التمسّك بالعقيدة و الاتجاه إلى الإخلاص في الدين.

و إن قدّر المأمون بعض نظرة الإمام الرضا إلى السلطة السياسة من حيث تصنيفات الواقع، فليس من السهولة بمكان تناسي حقائق التاريخ الأسود للعباسيين و فظائعه.

و يروي الشيخ المفيد- (قدس سره)- في الإرشاد، أن الإمام الرضا أنكر هذا الأمر و قال: «أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين من هذا الكلام، و أن يسمع به أحد» فردّ عليه الرسالة: فإذا أبيت ما عرضت عليك، فلا بد من ولاية العهد من بعدي. فأبى عليه الرضا أباء شديدا. فاستدعاه، و خلا به و معه الفضل بن سهل ذو الرئاستين، ليس في المجلس غيرهم و قال: إني قد رأيت أن أقلّدك أمر المسلمين، و أفسخ ما في رقبتي و أضعه في رقبتك. فقال له الرضا (عليه السلام): «اللّه اللّه يا أمير المؤمنين، إنه لا طاقة لي بذلك، و لا قوة لي عليه ..» قال له: فإني مولّيك العهد من بعدي. فقال له: «اعفني‏

33

من ذلك يا أمير المؤمنين». فقال له المأمون كلاما فيه تهديد له على الامتناع عليه، و قال في كلامه: إن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدّك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و شرط فيمن خالف منهم، أن يضرب عنقه، و لا بد من قبولك ما أريده منك، فإنني لا أجد محيصا عنه.

فكان جواب الإمام الرضا أبلغ تعبير عن فهم البواعث التي وراء مثل هذا الأمر، و خير ردّ يعرّي الخطة التي ترمي إلى ترميم كيان الظلم بالإساءة إلى نهج آل البيت، و محاولة ثنيهم عن الابتعاد عن الركون إلى الظلمة، و جهادهم للإبقاء على سلطان الدين في روحانية النفوس و علاقات المجتمع. و لما لم يجد الإمام الرضا أمامه إلا سيف الحكام قال للمأمون: «فإني أجيبك إلى ما تريد من ولاية العهد على أنني لا آمر و لا أنهى، و لا أقضي، و لا أولي و لا أعزل، و لا أغيّر شيئا مما هو قائم». فأجابه المأمون إلى ذلك كله، لكي يحقق الغرض السياسي الذي أراده، و زيّن له و همه ذلك، فظن أن خدعة ولاية العهد تنطلي على الناس فيما جعلها فارغة ليست بشروطه التي عوّل عليها، بل بشروط الإمام الرضا.

و على هذا المنوال، عالج الجانب الفكري و الحياة العقلية النشطة، فأقحمها في دوائر السياسة و الحكم، و جعل رجال الفكر و أصحاب الاتجاهات العقلية- التي يفترض فيها ممارسة الدفاع عن الرأي- أعمدة للتحكم، فأوقع الحركة الفكرية في تناقض. و هكذا استطاع المأمون أن يستفيد من ميوله و اهتماماته، و يؤثر في أولئك الذين ارتضوا أن يكونوا جزءا من السلطة على ما هم عليه من صفات و سمات فكرية، تجعلهم من أهل العدل.

في سنة 212 ه أظهر المأمون القول بخلق القرآن، و تفضيل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) و قال: هو أفضل الناس بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(1).

و في سنة 218 ه أعلن وجوب الاعتقاد بخلق القرآن، و أنه حادث غير قديم، و ذلك لنفي التشبيه عن ذات اللّه، و نفي الصفات عن الذات العلية، لئلا تتصف الذات بما يعددها. و نفى المعتزلة و من وافقهم من المسلمين الاعتقاد بقدم الصفات كقدم‏

____________

(1) الطبري ج 10 ص 279.

34

الذات، لأن الذات هي وحدها متّصفة بالقدم، و من أجله كانت الصفات محدثة ظاهرة في الغير، و الكلام محدث، و القرآن محدث لأنه من الكلام.

و لجأ المأمون إلى استخدام القوة لفرض هذا الرأي، و أعدّ لسياسته في هذا المجال العدة زمنا طويلا، و نصب ديوانا للمحنة، و حمل الناس على هذا الاعتقاد، و محاربة من يقول بأن القرآن قديم. لأنه من صفات اللّه، و الذين لم يروا بدّا من إثبات الصفات للذات و إنها قديمة قدمها الخ ...

فحصل الانقسام، و عقد مجلس للامتحان، و اختارت الدولة له أشد الناس جدلا من المعتزلة و غيرهم، كما اختار جماعة من الجلّادين الأشداء الجفاة الذين مرنوا على الضرب بالسياط، و الحراس الغلاظ، و جعل في الديوان عقابا لكل ممتنع عن الأقرار (و تبتدئ العقوبة بالحرمان من الحق- الذي نسميه في حياتنا- بالحق المدني في الحياة، و تنتهي بخشبة الصلب، فإذا لم يكن للرجل رزق و وظيفة عوقب عقوبة بدنية بقدر ما يمتنع عن الإجابة أو يحتال في الإنكار، أو يصطنع الخلاص) (1).

و هنا لا بد من الإشارة إلى التقاء المعتزلة مع الشيعة في القول في كون كلامه تعالى لا يكون إلا بكلام محدث، لأن حقيقة المتكلم من وقع منه الكلام الذي هو هذا المعقول بحسب دواعيه و أحواله، و الكلام المعقول ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف المعقولة التي هي ثمانية و عشرون حرفا، إذا وقع ممن يصح منه أو من قبيل الإفادة. و الدليل على ذلك أنه إذا وجدت هذه الحروف على هذا الوجه سمّي كلاما، و إذا اختلّ واحد من الشروط لا يسمى بذلك. فعلمنا أنه حقيقة الكلام، و متى ما وقع ما سميناه كلاما بحسب دواعيه و أحواله سمي متكلما، فعرفنا بذلك حقيقة المتكلم‏ (2).

و لكن الشيعة لا يطلقون صفة «مخلوق» على القرآن، فكانوا أكثر حرصا على التنزيه و قالوا: ينبغي أن يوصف كلام اللّه بما سمّاه اللّه تعالى به من كونه محدثا، قال اللّه تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ‏. و قال عز و جل: وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ‏.

____________

(1) عبد العزيز سيد الأهل، شيخ الأمة أحمد بن حنبل ص 218.

(2) الشيخ الطوسي، الاقتصاد ص 65- 67.

35

و الذكر هو القرآن بدلالة قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ و قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏. و قد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «القرآن محدث غير مخلوق و غير أزلي مع اللّه سبحانه». كما ورد عن غيره من أئمة الهدى النهي عن جعل اسم آخر للقرآن غير ما ورد عن اللّه.

لقد وصف الشيعة القرآن بما وصفه اللّه تعالى، فقالوا عربي لقوله تعالى:

بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ‏ و العربية محدثة. و منعوا وصفه بأنه مخلوق، لأنه يوهم بأنه مكذوب أو مضاف إلى غير قائله، لأنه كالمعتاد من هذه اللفظة، قال اللّه تعالى: إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ‏ و: إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ‏. و قال تعالى: وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً فنرى أن وصف الكلام بالخلق يأتي إذا أريد به الكذب أو الانتحال، كما يقولون هذه قصيدة مخلوقة و مختلقة، إذا كانت منتحلة مضافة إلى غير قائلها (1).

أما الأشعرية فيقولون إن الصفات التي أنيطت بها الأقوال و ابتنيت عليها المسألة هي صفات معنوية، و هي صفات زائدة على ذاته، و بيان وجوب المشكلة يقتضي التفصيل، و نحن نقصد هنا الإشارة و ذكر إحدى القضايا التي نجم عنها أضرار و فرقة استمرت قرونا عديدة بآثارها، و توارثها حتى اليوم خلق عن أسلاف أورثوهم التعصب، و راحوا يستهزءون بما منّ اللّه عليهم من عقل و إدراك، و يؤثرون الجمود و التوقف عن النمو.

و القصد فإن المأمون أظهر من ألوان الاعتماد على المعتزلة و تقريبهم، ما جعلهم أعلى الناس مكانة و أوفرهم حظا، و خضعت مجالس المناظرات و النقاش لأهواء الحاكم، فكان مدارها المواضيع التي يرغب بها المأمون. و لا جدال في تبني المأمون لفكر المعتزلة، لكن نزعات الحاكم أو السلطان قد تغلبت على شخصية التلميذ أو ميول المتعلم، بل جعلها مادة للسياسة.

و المؤسف المؤلم أن توضع عناصر الغنى الفكري و مناهج البحث في خدمة أغراض السلطان، و تصبح من أسباب التدهور، و من وسائل الحاكمين و المتنفذين، فتؤدي إلى نتائج و عواقب لا تليق بالفكر الحر و العقل النير. و مع ما اتصف به المأمون من إلمام و دراية، فإن كتابه السلطاني الذي أصدره سنة 218 ه كان في حقيقة أمره‏

____________

(1) أيضا نفس المصدر.

36

تصرفا إداريا لا يختلف بشي‏ء عن بقية إرادات الحكام، و لكنه تضمّن أفكار المعتزلة و آراءها، مما أساء إلى أهدافهم الأخرى التي تتصل بالعقل و حرية الفكر.

أما تنزيه اللّه سبحانه و تعالى عن الصفات التي يتصف بها المخلوقون، فالقرآن عندهم مخلوق و ليس بقديم، فاللّه وحده قديم، و ما ورد في القرآن هو كلام اللّه، و لكن عندهم أن الكلام لا يمكن أن يكون صفة للّه تعالى هي ذاته كالعلم و القدرة، و أنكروا أن تكون الصفات أشياء و ذواتا قديمة قائمة وراء الذات، لأن هذا يؤدي إلى تعدد القدماء، لذا فإن الذات و الصفات شي‏ء واحد. و يردّ الفلاسفة أن ذلك بعيد من المعارف، بل يظن أنه مضادّ لها، و ذلك أن العلم يجب أن يكون غير العالم، و إنه ليس يجوز أن يكون العلم هو العالم إلا إذا جاز أن يكون أحد المتضايفين قرينة مثل أن يكون الأب و الابن معنى واحدا بعينه‏ (1) بالنسبة لعقيدة الثالوث.

و أدت السياسة إلى أن يكون ذلك مثار فتنة شملت أيام المأمون و المعتصم و الواثق، و حصلت من ورائها فرقة و تباعد، و وصل الأمر إلى أن من يذهب إلى قدم القرآن يكفّر من يقول بأنه مخلوق، و ذلك في عهد المتوكل، حيث ارتد عن تلك السياسة إلى منحى آخر، بعد أن كان بعض القضاة يسأل الشاهد عن هذه القضية، فإن أقر بأنه مخلوق قبلت شهادته و إلا ردّها (2).

ثم أفتى- بعضهم و بتأثير السلطة- بوجوب قتل من يقول بخلق القرآن، و بديهي أن هذا المفتي لم يستند بفتواه إلى دليل عقلي أو نقلي، بل كان مستندا إلى أمر تافه، و ذلك أنه عند ما سئل عن دليل هذه الفتوى أجاب: أن رجلا رأى من منامه إبليس قد اجتاز بباب المدينة و لم يدخلها، فقيل لم لم تدخلها؟ قال إبليس: أغناني عن دخولها رجل يقول بخلق القرآن‏ (3).

و نظير هذا ما حدثنا به التاريخ عن المهدي العباسي عند ما دخل عليه شريك بن عبد اللّه القاضي، فلما رآه المهدي، قال: عليّ بالسيف و النطع. قال شريك: و لم يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي، و أنت معرض عني، و قصصت رؤياي على من عبّرها فقال: إنه يظهر لك طاعة، و يضمر لك معصية ما.

____________

(1) ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة ص 84- 85.

(2) الكندي، كتاب القضاة ص 447.

(3) الاعتصام للشاطبي ج 1 ص 262.

37

فقال له شريك: و اللّه ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل، و لا كأن معبّرك بيوسف الصديق، فبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين؟ فاستحى المهدي و قال: أخرج عني. ثم صرفه عن القضاء و أبعده‏ (1).

و مرّت مشكلة خلق القرآن عبر التاريخ تتوارثها الأجيال، و استغل الحنابلة ميول بعض الأمراء إليهم فراحوا يوقعون المكروه بمن يخالفهم، و قد استمالوا الملك الأشرف فأصبح يعتقد بأن من يخالف عقيدة الحنابلة فهو كافر حلال الدم، و أصبح هذا الاعتقاد هو الاعتقاد الرسمي‏ (2).

و كان العز بن عبد السلام المتوفى سنة 660 ه من العلماء المبرزين، و من الدعاة إلى التحرر من نير التقليد الأعمى، و كان أشعري العقيدة، فتقدم الحنابلة إلى الملك الأشرف بأن الشيخ العز زائغ العقيدة، منحرف عمّا صحّ من العقائد الدينية الصحيحة، و أن الدين الذي هم عليه هو اعتقاد السلف و الإمام أحمد و فضلاء أصحابه، و على هذا الاعتقاد الذي فرضه السلطان يقول الرستمي:

الأشعرية ضلّال زنادقة* * * إخوان من عبد العزّى مع اللات‏

بربّهم كفروا جهرا و قولهم* * * إذا تدبّرته أسوأ مقالات‏

ينفون ما أثبتوا عودا لبدئهم* * * عقائد القوم من أوهى المحالات‏

(3) و قد امتحن العز بن عبد السلام و غيره ممن يخالف الحنابلة في شي‏ء من الاعتقاد، و كانت السلطة هي العامل الوحيد في بعث نشاطهم و امتداد حركاتهم، و بها ينتصرون على خصومهم الذين نبذوا الجمود و آثروا التدبّر و الاحتكام إلى القرآن و السنّة، فالشيخ عز الدين بن عبد السلام إنما كان غرضا لهم لما عرف عنه من أقوال و مواقف ثابتة تغاير ما يدعون إليه- و قد ذكرنا بعض أقواله- و التي نذكر منها قوله:

(و من العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا، و هو مع ذلك يقلده فيه، و يترك من شهد الكتاب و السنّة

____________

(1) المصدر السابق.

(2) هامش ذيل تذكرة الحفاظ ص 263.

(3) المصدر السابق.

38

و الأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودا على تقليد إمامه، بل يتحيل لدفع الكتاب و السنّة و يتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلّده).

و في بغداد جلس أحد الحنفية المقربين عند السلطان بجامع القصر و جامع المنصور، و أخذ يلعن الأشعري على المنبر و يقول: كن شافعيا و لا تكن أشعريا، و كن حنفيا و لا تك معتزليا، و كن حنبليا و لا تكن مشبّها، و أخذ يذم الأشعري و يمدح المذاهب الأربعة (1).

و شاعت الاتهامات بالباطل، و مضى الحنابلة في نشاطهم، فارتكبوا أعمال الفتك بمن لم يكن على عقيدتهم لأنه عندهم كافر حلال الدم استنادا إلى فتوى أحمد بن حنبل، فقد جاء عنه أنه يذهب إلى كفر من يقول بخلق القرآن، و سئل يوما عن رجل وجب عليه تحرير رقبة مؤمنة و كان عنده مملوك يقول بخلق القرآن؟ فقال:

لا يجزي، لأن اللّه تبارك و تعالى أمر بتحرير رقبة مؤمنة و ليس هذا بمؤمن هذا كافر (2).

و قال أبو الوليد: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، و من لم يعقد عليه قلبه على أن القرآن ليس بمخلوق فهو خارج عن الإسلام‏ (3).

و قال علي بن عبد اللّه: القرآن كلام اللّه، من قال أنه مخلوق فهو كافر لا يصلّى خلفه.

و قال أبو عبد اللّه الذهلي المتوفى سنة 255 ه: من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، و بانت منه امرأته، فإن تاب و إلّا ضربت عنقه، و لا يدفن في مقابر المسلمين، و من وقف و قال: لا أقول مخلوق: و قد ضاهى الكفر، و من زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، و لا يدفن في مقابر المسلمين.

و سئل أحمد بن حنبل عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فقال: هذا لا يكلّم و لا يصلّى خلفه، و إن صلّى أعاد. و ان لا يسمح لأصحابه بالسلام على من يخالفه في رأيه.

____________

(1) المنتظم ج 9 ص 107.

(2) ذيل طبقات الحنابلة ج 1 ص 133.

(3) ابن العماد، شذرات الذهب ج 2 ص 322.

39

و على أي حال، فإن مشكلة القول بخلق القرآن- كما مرت الإشارة إليها- بلغت حدّا يستغرب فيه الإنسان وقوع تلك الأحداث المؤلمة في زمن اشتدت الصراعات فأصبحت فيه مقياسا يقاس به إيمان المرء و كفره، و بهذا انعطفت موجة الصراع المذهبي نحو مرحلة جديدة من الخلاف، خلّفت وراءها مادة أخرى، و محورا جديدا تدور عليه مشاكل الأمة في خلافاتها المتواصلة.

و في عهد المتوكل العباسي، عند ما أفل نجم المعتزلة، و أفلت منهم زمام الحكم، و انحازت السلطة لجانب أهل الحديث و هو الجانب المعارض الذي يمثله جماعة أحمد بن حنبل، فانصبّ الغضب على المعتزلة بعد أفول نجمهم، و استغل دعاة الفرقة فرصة انتصار جانب المعارضة، و طلوع نجم أحمد بن حنبل باعتباره من الشخصيات المعارضة للدولة في فرض القول بخلق القرآن.

فكثر أتباع هذا الجانب، و ظهرت الضغائن، و نبشت الدفائن، و سارت جموع مختلفة الاتجاهات، متباينة القوميات في ركاب اتباع أحمد بن حنبل إذ كان لهم دور السلطة في الدولة، و قد تجاوزوا أقصى حدّ في العقوبة و الانتقام ممن خالفهم و بالأخص من المعتزلة و الشيعة لعنا و قتلا و تكفيرا، و تمادوا في مهاجمة المعتزلة حتى قالوا: أن المعتزلي لا تجوز الصلاة عليه، و أن دماءهم حلال للمسلمين، و في أموالهم الخمس، و ليس على قاتل الواحد منهم قود و لا دية و لا كفارة، بل لقاتله عند اللّه القربة و الزلفى‏ (1).

و قد ابتعدوا عن كل مبادئ العدالة، و خالفوا قواعد العلم مع المنطق، ففي سنة 323 ه أحرق الحنابلة في الكرخ طرف البزازين، فذهبت فيه أموال كثيرة للتجار، و أطلق لهم الراضي ثلاثة آلاف دينار، و كان العقار لقوم من الهاشميين، فأعطاهم عشرة آلاف دينار، و احترق ثمانية و أربعون صنفا من أسواق الكرخ طرح فيه النار قوم من الحنابلة، حيث قبض بدر الخرشي على رجل من أصحاب البربهاري يعرف بالدلّال، و احترق خلق من الرجال و النساء (2).

و خلفت الانفعالات و حالات التعصب و الجهل جنودا و أبطالا ماهرين في الأذى‏

____________

(1) انظر الفرق بين الفرق ص 151.

(2) تكملة تاريخ الطبري ص 93.

40

و شجعانا في الأضرار. و في هذا الخضمّ استبيحت الدماء و الأموال ففي سنة 495 ه قدم بغداد عيسى بن عبد اللّه الغزنوي، فوعظ الناس- و كان شافعيا أشعريا- فوقعت فتنة بين الأشعرية و الحنابلة (1) إذ لا يروق لهم أن يكون أشعري أو شافعي بوظيفة الوعظ في تلك الأيام. فهاجوا لذلك، و وقعت الفتنة، و وقع فيها حريق ببغداد.

و في سنة 513 ه دخل أبو نصر القشيري بغداد، فوعظ بها، فثارت الحنابلة و وقعت فتنة بينهم و بين الشافعية، و أخرج القشيري من بغداد (2). و في خوارزم أحرق الحنابلة جامعا عظيما في مرو بناه نظام الدين مسعود بن علي المتوفى سنة 596، بناه للشافعية، فحسدتهم الحنابلة و أحرقوا الجامع.

يقول أبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505 ه: و قد سلمت المدارس لأقوام قل من اللّه خوفهم، و ضعفت في الدين بصيرتهم، و قويت في الدنيا رغبتهم، و اشتدّ على الاستتباع حرصهم، و لم يتمكنوا من الاستتباع و إقامة الجاه إلا بالتعصب، فحبسوا ذلك في صدورهم، و لم ينبهوهم على مكايد الشيطان فيه، بل نابوا عن الشيطان في تنفيذ مكيدته، فاستمرّ الناس عليه، و نسوا أمهات دينهم. فقد هلكوا و أهلكوا، فاللّه تعالى يتوب علينا و عليهم.

و قال ابن كثير و هو في واقعه و حقيقته من كبار علماء الحنابلة رغم صبغة الشافعية بعد ذكره لهذا الحادث في تاريخه: (و هذا إنما يحمل عليه قلة الدين و العقل).

و الواقع أن قضية خلق القرآن، هيأت للحنابلة عهدا بعث لهم النشاط في أعمالهم التي لا تدخل تحت نطاق الدين، و لا تخضع لحكم العقل، لأنهم قاموا بدور الغوغاء من الهمجية في كثير من القضايا، فقد كمّوا أفواه العلماء بغوغائهم من الردّ عليهم. خذ مثلا قضية الشريف عبد الخالق بن عيسى شيخ الحنابلة عند ما توفي و أراد العوام أن ينبشوا قبر أحمد بن حنبل و يدفنوه معه، و لم يستطع أحد من العلماء أن يردّ عليهم و يمنعهم عن نبش القبر، فقال أبو محمد التميمي من بين الجماعة: كيف‏

____________

(1) راجع الطبري 10/ 286 و ابن طيفور 181 و 182.

(2) راجع ابن كثير ج 12 ص 162.

41

تدفنونه في قبر أحمد و ابنة أحمد مدفونة معه؟ فإن جاز دفنه مع الإمام، لا يجوز دفنه مع ابنته. فقال بعض العوام: أسكت فقد زوّجنا بنت أحمد من الشريف، فسكت التميمي و دفنوه مع أحمد في قبره‏ (1).

و نشط العوام في شذوذهم، فقابلوا حملة الفكر، و علماء الأمة بالعنف، و عاملوهم بالغلظة، و حجبوهم عن الاتصال بالمجتمع.

فهذا محمد بن أحمد المعتزلي الفيلسوف المتكلم، لزم داره مدة من السنين، لم يستطع الخروج لأنهم غضبوا عليه.

و الحافظ أبو نعيم صاحب الحلية المتوفى سنة 430 ه تعصّب الحنابلة عليه، فهجره الناس خوفا منهم.

قال محمد بن عبد الجبار: حضرت مجلس أبي بكر بن علي المعدّل، و كان بين الأشعرية و الحنابلة تعصّب زائد، فقام إلى ذلك الرجل أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام، و كاد أن يقتل‏ (2).

كما أنهم رجموا أبا الفرج الأسفرايئيني الواعظ في الأسواق مرات عديدة، و أظهروا لعنه و سبّه لأنه لم يكن منهم. كما تعصبوا على الفقيه جعفر بن محمد الشافعي الموصلي و كان مقدما عند السلطان، فحسدوه، و كتبوا محضرا نسبوه لكل قبيح، فنفي من الموصل سنة 323 ه.

و لقي ابن عساكر شيخ الشافعية المتوفى سنة 620 ه من الحنابلة أذى كثيرا، تعصبا عليه و تحدّيا لمقامه، و كان يتجنّب المرور بهم خشية إيقاع المكروه به منهم.

و كان ابن قدامة عالم الحنابلة بدمشق يذهب إلى عدم إسلام ابن عساكر، لأنه يقول بالكلام النفسي، فلا يرد السلام عليه‏ (3).

و كذلك الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 ه تحامل عليه الحنابلة و اتهموه بالميل إلى المبتدعة، و يقصدون المبتدعة المتكلمين و الأشاعرة، و قد حملهم التعصب‏

____________

(1) شذرات الذهب ص 337.

(2) تذكرة الحفاظ ج 3 ص 277.

(3) طبقات الشافعية ج 5 ص 69.

42

فقالوا: إن الكتب التي تنسب إليه ليست له، و إنها للصولي، فسرقها و نسبها لنفسه‏ (1).

و اتسع نشاطهم فعمّت الفوضى في البلاد، و ذلك في عهد الراضي، فأصدر منشورا يردّ عليهم و يعدّد مساوئهم، و يهدّدهم بالعقاب، و النكال. و جاء في المنشور الذي وجهه إليهم قوله:

و قد تأمل أمير المؤمنين أمر جماعتكم، و كشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم .... (2) زيّن لحزبه المحظور، و يدلي لهم حبل الغرور، فمن ذلك تشاغلكم بالكلام في ربّ العزّة تباركت أسماؤه، و في نبيّه و العرش و الكرسي، و طعنكم على خيار الأمة، و نسبتكم شيعة أهل بيت رسول اللّه إلى الكفر و الضلال، و إرصادهم في الطرقات و المحال، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى التدين بالبدع الظاهرة و المذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن. إلى آخر ما يتضمنه المنشور من تعداد مساوئ تلك الخصال، و التهديد لهم بالعقوبة و عظيم النكال.

إذن، تمكّن التعصب من نفوس العامة، و اشتدّ أمر الحنابلة، و كان منهجهم يتّسم بالعنف، و التعدي على كل من خالفهم الرأي. و هكذا تلونت الأحداث بتعدد الحكام و تغيّر الأغراض، فإذا ارتأى المأمون أن تكون قضايا الفكر و العمل شعارا لدولته فقد كان ينزع إلى خدمة الحكم و توطيد أركان السلطان، حتى استطاع أن يجعل المتعلقين بالحكم و المستفيدين من الخلافة تبعا له في رأيه.

و يقتضي البحث أن نشير دون تفصيل إلى أوامره في هذه المشكلة، و هي إن أدرجت في عرض للمقارنة نراها تضمّ أفكار المعتزلة، و هذه الأوامر تذكر دوما في المراجع و الكتب التي تؤرخ لهذه القضية، و تجدها مبسوطة فيها، و نحن نختار ما صدر من المأمون عند ما كان في الرّقة، و نقتصر منه على الجزء الذي يتناول مسألة خلق القرآن، و كان ذلك سنة 218 ه- كما ذكرنا- فقد قرر المأمون أن يتولى إلزام الناس بالقول في خلق القرآن، و اختار أن يبدأ بأنفار عيّن أسماءهم، منهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، و أبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، و يحيى بن معين، و زهير بن حرب أبو خيثمة، و إسماعيل بن داود، و إسماعيل بن أبي مسعود،

____________

(1) ابن مسكويه، تجارب الأمم ج 1 ص 322.

(2) بياض في الأصل.

43

و أحمد بن الدورقي. فأشخصوا إليه، فامتحنهم و سألهم عن خلق القرآن، فأجابوا جميعا أن القرآن مخلوق. و تبنّت سلطته في بغداد أمر إشاعة ذلك عنهم و تقرير قولهم بحضور الفقهاء و رجال أهل الحديث‏ (1).

و اتخذت أفكار المعتزلة و معتقداتهم صفة الأمر السلطاني كما جاءت على لسان المأمون في أمره إلى إسحاق بن إبراهيم (... و اللّه عز و جل يقول: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا و تأويل ذلك: إنا خلقناه. كما قال جل جلاله: وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها و قال: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً. وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍ‏ فسوّى عز و جل بين القرآن و بين هذه الخلائق التي ذكرها في مشيئة الصنعة، و أخبر أنه جاعله وحده فقال: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ فقال ذلك على إحاطة اللوح بالقرآن، و لا يحاط إلا بمخلوق. و قال لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ‏ و قال: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ‏ و قال: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ‏ و أخبر عن قوم ذمهم بكذبهم أنهم قالوا: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى‏ بَشَرٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ ثم أكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى‏ فسمى اللّه تعالى القرآن قرآنا و ذكرا و إيمانا و نورا و هدى و مباركا و عربيا و قصصا فقال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ‏ و قال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ‏ و قال: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ‏ و قال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ‏ فجعل له أولا و آخرا، و دلّ عليه أنه محدود مخلوق. و قد عظم هؤلاء بقولهم في القرآن المتكلم في دينهم و الحرج في أمانتهم، و سهلوا السبيل لعدو الإسلام، و اعترفوا بالتبديل و الإلحاد على قلوبهم، حتى عرفوا و وصفوا خلق اللّه و فعله بالصفة التي هي للّه وحده، و شبّهوه و الأشباه أولى بخلقه، و ليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظا في الدين، و لا نصيبا من الإيمان و اليقين، و لا يرى أن يحل أحدا منهم محل الثقة في أمانة و لا عدالة و لا شهادة و لا صدق في قول و لا حكاية، و لا توليه لشي‏ء من أمر الرعية ...)

إلى آخر كتابه.

و مع هذه الحالة الفكرية و الصياغة الدينية، و ما اتصف به حكم المأمون من‏

____________

(1) راجع الطبري 10/ 286 و ابن طيفور 181 و 182.

44

ظاهر الميل إلى العلويين، فإن أغراض الحكام الشخصية تكاد في دوافعها تكون واحدة على مرّ الأجيال في التاريخ الإسلامي، فعندنا أن القالب جديد، غير أن الجوهر واحد، و هو استخدام الدين للمصالح و المنافع، و تأكيد السيطرة و الهيمنة. فها نحن أولاء أمام الحكام و هم يعرّضون الأمة للبلاء مرة أخرى، و يعدّون لأخصامهم النقمة و المحن. و عند ما يبدأ معاوية بإسقاط من يرى فضل علي أو يروي حديثه من الديوان، و يأمر بهدم دار من يوالي عليا، حتى كانت النقمة على الزنادقة أهون من أفعال السلطة بمن يودّ أهل البيت. فقد كان رجال أهل البيت و الأئمة منهم قد تعاهدوا أمر أصحابهم بالسياسة الملائمة، أو بالثورة و السيف منذ عهد الإمام الحسن حتى نهاية عهد الإمام الصادق (عليه السلام) ثم جاءت الفترة العباسية، فكانت القيادة للإمام موسى بن جعفر بتقواه و زهده، ثم للإمام الرضا بعلمه و حكمته. فلم تحدث النتائج التي سنراها فيما بعد هذه الفترة، و قد استعرضنا في الأجزاء السابقة من كتابنا آثار مواقف الأئمة و على الأخص موقف الإمام الصادق و كيف اتّجه إلى تربية النفوس و شدّ القلوب بروابط الإيمان و العلم، و كان سلطانه على أتباعه و محبيه سلطان دين و عقيدة، فكانت طرقه في الدعوة إلى الدين و منهجه في الأحكام و الفقه منهلا أغنى الأمة، و اغترفت منه فطاحل الرجال.

و في مشكلة خلق القرآن، اتبع المأمون السياسة ذاتها، لأن الظاهر قد يتغير، أما الجوهر و حقيقة الدوافع فليس لها على صعيد الحكم غير القوة و التعدّي و العنف و إراقة الدماء، فكأننا إذا ما قرأنا أوامر المأمون نقرأ تعليمات الأمويين و أوامرهم، فتراه يتّهم بالكفر من يخالفه، و يأمر بضرب الأعناق. ليتسلّى برؤية الرءوس. و لا نريد أن نذكر أوامره لطولها و تفاصيلها، إنما نذكر شيئا يسيرا (... و من لم يرجع عن شركه ممن سمّيت لأمير المؤمنين في كتابك و ذكره أمير المؤمنين لك أو أمسك عن ذكره في كتابه هذا و لم يقل أن القرآن مخلوق بعد بشر بن الوليد و إبراهيم بن المهدي، فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين، مع من يقوم بحفظهم و حراستهم في طريقهم، حتى يؤديهم إلى عسكر أمير المؤمنين، و يسلمهم إلى من يؤمن بتسليمهم إليه، لينصحهم أمير المؤمنين، فإن لم يرجعوا و يتوبوا حملهم جميعا على السيف).

و لقد فتح المأمون على الأمة بابا من البلاء لم يغلق، فقد بلغت سياسة حدّ الولع بما تواضع عليه الناس و استلموه و توارثوه ناجزا، عملت على تكوين عوامل‏

45

السلطة و أصحاب الأغراض المختلفة، فعمد إلى سلطة الحكم لأحداث هزّة في طريقة بقاء الناس على استسلامهم و استمرارهم على موروثهم، و فكّر في المجاهرة بأمور ينتهي إليها النظر الجري‏ء و الحرّ، لكن حركة الرأي و نشاط العقل مهما شهدت من ألوان و ضروب متطورة، لم تشمل المجتمع بأسره، و لم تسع الناس جميعا، و لا بد أن يبرز للموروث موقف، كما أنها ليست هي الدين كله. و قد أساء بذلك.

لقد تهيأت الظروف لأن يبرز أحمد بن حنبل. و كان وراءه شيوخ آخرون دفعوه إلى الثبات بوجه المأمون و عدم الإذعان، كأبي جعفر الأنباري الذي لحق بابن حنبل لمّا حمل إلى المأمون و قال له: يا هذا، أنت اليوم رأس و الناس يقتدون بك، فو اللّه لأن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبني بإجابتك خلق من خلق اللّه، و إن أنت لم تجب ليمتنعنّ خلق من الناس كثير، و مع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فأنت تموت، و لا بد من الموت، فاتق اللّه و لا تجبهم إلى شي‏ء. فجعل أحمد يبكي و يقول: ما شاء اللّه، ما شاء اللّه. ثم قال أحمد: يا أبا جعفر، أعد عليّ ما قلت. فأعاد عليه، فجعل يقول: ما شاء اللّه، ما شاء اللّه‏ (1).

و قد انتهى الأمر إلى أن يبقى أحمد بن حنبل وحده في امتحان السلطة له، حيث تخلّى كل نفر عن الثبات، و لم يبق معه إلا محمد بن نوح الذي كان معه في الاقتياد إلى المأمون، و قام محمد بن نوح بما يقوم به الآخرون و هم خارج الاعتقال، و الذين أخذوا يرون في أحمد رمزا لبقاء مناهجهم و طرقهم في القول و الحكم. و قد كان محمد بن نوح حدثا و هو يمثل حالة أو مرحلة عمرية تشد إليها من كانوا في عمره، فكيف إذا كانت نهايته الموت و هو في ظل الاعتقال و التعذيب، فقد مات و هما في الطريق إلى المأمون. و لكن محمد بن نوح كان يقول لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللّه اللّه اللّه، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، و قد مدّ الخلق أعناقهم إليك بما يكون منك. فاتق اللّه و اثبت لأمر اللّه‏ (2).

و توفي المأمون في السنة نفسها، و خلفه المعتصم، و كان المأمون قد وضع لأخيه السياسة التي يلتزمها، و قد كان استمراره على القول بخلق القرآن لا عن وعي‏

____________

(1) ابن الجوزي، مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص 314.

(2) أيضا ص 315.

46

و إلمام، و إنما سياسة و تقليدا، فهو لا يرقى إلى درجة أخيه في الاطلاع، فقد عرف عنه قلة علمه، و يروى أن أباه كان عني بتأديبه في أول أمره، فمرّت به جنازة لبعض الخدم فقال: ليتني كنت هذه الجنازة، لأتخلص من همّ المكتب. فأخبر الرشيد بذلك، فقال: و اللّه لأعذّبنه بشي‏ء يختار الموت من أجله. و أقسم ألا يقرأ طول حياته، و يبدو أنه كان قريبا من الأمية كما وصف نفسه في بعض الروايات، و لهذا فإن بقاء القول بخلق القرآن يفقد في عهده الجوانب الفكرية، و يبقى الدافع السياسي الذي شمل المتنفذين من المعتزلة أيضا ممن أغرتهم السلطة كأحمد بن أبي دؤاد الذي كان يمثل عامل بقاء سياسة المأمون، و في الوقت الذي نجد فيه إشارات إلى خروج المعتصم عن نهج العنف، نجد ابن أبي دؤاد يذكّر المعتصم أنه لو سلّم و لان، فسيقال حتما عن المعتصم أنه ناهض مذهب المأمون، و أن الناس سيرون أن أحمد قد أحرز نصرا على خليفتين، و هي نتيجة قد تحفّز أحمد بن حنبل على أن يعدّ نفسه زعيما، مما يفضي بدولة الخلفاء إلى أوخم العواقب، و هو ما نص عليه المقريزي في المقفى الذي نقل عنه المستشرق الأمريكي ولتر ملفيل و الذي نحن في سياق قوله الآن‏ (1) ذكر المقريزي: قال أبو عبد اللّه و جعلت بين العقابين. فقلت: يا أمير المؤمنين إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه و إني رسول اللّه إلا بإحدى ثلاث ...» الحديث‏ (2) و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «أمرت بأن أقاتل الناس ..»

الحديث‏ (3) فبم تستحل دمي، و لم آت شيئا من هذا؟ يا أمير المؤمنين أذكر وقوفك بين يدي اللّه عز و جل كوقوفي بين يديك، يا أمير المؤمنين راقب اللّه. فلما رأى المعتصم ثبوت أبي عبد اللّه و تصميمه، لان لأبي عبد اللّه، فخشي ابن أبي دؤاد من رأفته عليه فقال: يا أمير المؤمنين، إن تركته، قيل أنك تركت مذهب المأمون و سخطت قوله، و أنه غلب خليفتين. فهاجه ذلك و طلب كرسيا، جلس عليه و قام ابن أبي دؤاد و أصحابه على رأسه. انتهى.

و من الصورة التي نطلع عليها، و في وسطها أحمد بن حنبل، نرى أن ابن حنبل‏

____________

(1) ولتر ملفيل پاتون، أحمد بن حنبل و المحنة، ترجمة عبد العزيز عبد الحق ص 150.

(2) تكملة الحديث: «كفر بعد إيمان، و زنا بعد إحصان، و قتل النفس بدون نفس» و في بعضها غيره.

(3) تكملة الحديث: «حتى يقولوا لا إله إلا اللّه، فإن قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم» و في بعضها غير هذا النص.

47

في السلوك و التصرّف يلتزم بتعاليم السنة، و يحتج بأحاديث النبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يحاول بهما أن يحمي نفسه و يصون كرامته، و يلوذ بالعلم، و يتوسّل بالفقه ليردّ عنه كيد السلطة، حتى لتطالعنا من بين ملامح تلك الصورة أن أحمد بن حنبل ساير قوة السلطان، و أظهر ما يريد الحكام تحت وقع السياط، ليكفّ الأذى و يدفع العذاب، فهذا مؤرخنا اليعقوبي يقول: و امتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن، فقال: أنا رجل علمت علما، و لم أعلم فيه بهذا. فأحضر له الفقهاء، و ناظر عبد الرحمن بن إسحاق و غيره، فامتنع أن يقول أن القرآن مخلوق، فضرب عدة سياط.

فقال إسحاق بن إبراهيم: ولّني يا أمير المؤمنين مناظرته. فقال: شأنك به. فقال إسحاق: هذا العلم الذي علّمته نزل به ملك، أو علمته من الرجال؟ فقال: بل علّمته من الرجال. فقال: شيئا بعد شي‏ء أو جملة؟ فقال: علمته شيئا بعد شي‏ء. قال: فبقي عليك شي‏ء لم تعلمه؟ قال: بقي عليّ. قال: فهذا مما لم تعلمه، و قد علمك أمير المؤمنين. قال: فإني أقول بقول أمير المؤمنين. قال: في خلق القرآن؟ قال: في خلق القرآن. قال: فأشهد عليه، فخلع عليه و أطلقه. انتهى. و هنا نلاحظ أن أحمد بن حنبل بعد خروجه من السجن و امتحان القوة له، قد وجد العامة التي تضرّرت بمواقف و سياسة المأمون و خلفه تنتظر خروجه و تتشوق للقياه، فيبالغ في الرد، و يسمح لنفسه بالحكم على مخالفيه بما لم يرد به نص، و بما يخالف ما احتج به أمام قوة السلطان و هو يمتحن أمام خلفاء بني العباس و يتقي اعتداءهم. كما نلاحظ في عموم سيرته غموضا، و أحيانا خفاء في رأيه في الإمام علي (عليه السلام) أو يزيد بن معاوية، إذ تضطرب كما في الروايات، و مهما يكن من أمر، فإن العامة قد وجدت نفسها مستهدفة من قبل سياسة بني العباس في عهد المأمون و خلفيه حيث ظهرت السلطة بمظهر العلم و صفة المتكلّمين. و قد كان المأمون شديدا عليهم و هو يستعير منطق المعتزلة و أفكارهم، و يصدر أوامره السلطانية من مرو ليلبس حكمه لبوس المرحلة، فيقول في أول كتاب له: و قد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم و السواد الأكبر من حشو الرعية و سفلة العامة فمن لا نظر له، و لا رؤية و لا استدلال له بدلالة اللّه و هدايته، و لا استضاء بنور العلم و برهانه في جميع الأقطار و الآفاق، أهل جهالة باللّه و عمى عنه، و ضلالة عن حقيقة دينه و توحيده و الإيمان به، و نكوب عن واضحات إعلامه و واجب سبيله، و قصور عن أن يقدروا اللّه حق قدره، و يعرفوه كنه معرفته، و يفرقوا بينه و بين‏

48

خلقه بضعف آرائهم و نقص عقولهم، و خفائهم عن التفكير و التذكر (1). هذا و السلطة تتحول إلى الخضرة و تغيّر شعارها الأسود تقربا إلى الشيعة، و قضية إسناد ولاية العهد إلى الإمام الرضا ما زالت في الأذهان، و لا بد أن قضية سمّه و قتله لا تهمّ الآخرين أكثر مما تهمّهم المظاهر، و بين فترة و أخرى يهمّ المأمون في القول بمسألة على رأي الشيعة، بينما قضية امتحان السلطة للعلماء لها طابع معتزلي، و العامة أخذت تنظر إلى أهل الرأي و الفكر نظرة واحدة، لأن الفترة حديثة عهد، و الحركة ما زالت في بواكيرها، و مناهج الكلام و أساليب القول قامت كالموجة التي تهدد ركود الغدران بالتحول أو الفناء.

لقد أعلنت السلطة طابعها أو انحيازها إلى أهل الفكر و تيارات الكلام، و جاء بيانها شديدا استفزّ العامة الذين كانوا قاعدة الحكام منذ عهد معاوية، و تهيأ على مر المراحل ممن لبس لبوس الدين، و تجلبب بجلباب العلم، أن يبذل أقصى ما يستطيع ليرضي السلطان، و يجعل الجمهور ينظر إلى حال الحاكم من خلال ما يصوّرونه لهم، فاحتل الحكام في أنظارهم موقع القداسة، و أحنوا الرءوس برغم ما يسفك من دماء، و تنتهك من حرمات، و يستباح من أعراض، فألفوا أمورا في كل شأن من شئون الاعتقاد و الحياة، و ورثوها على نمط الحكام و صياغة المنتفعين.

و للأسف، فإن تحوّل السياسة و انعطاف المأمون إلى أوجه جديدة فكرية متكلّفة، و ما أحدث ذلك من هزّة عنيفة، لم تعالج بما يساعد على كبح جماع الانفعالات و لجم الجهل، فإضافة إلى توافر أسباب الهياج و شيوع مضمون سياسة السلطة، و ما يوفره ذلك من مادة غنية لشدّ الجمهور و التلاعب بعواطفه، و دفع مشاعره إلى أشد حالات النقمة، أصبحت كلمة الجهل أو الأوصاف التي يطلقها رجال المناظرات و أساتيذ الكلام على خصومهم الذين يسترون جهلهم بالعناد و التعصب، أدلة أخرى ألّبت الناس على أهل الفكر قبل أن تألبهم على العباسيين و أغراضهم السياسية، فضاعت في وسط ذلك الأسباب الحقيقية لقيام مثل هذه المرحلة، و كان تقصير الجهات فيها متماثلا، إذ لم يبذل المعتزلة ما يكفي من جهد بعيدا عن السلطة، بل انتقلت حصيلة اعتقاداتهم إلى الحكام و ألحقتهم السلطة بها.

____________

(1) ابن طيفور، ص 181.

49

كما كان الطرف الآخر يعتمد على الاستشارة و الاستفزاز، ليستفيد من نتائجهما في الإبقاء على ممسك الجمهور و محافظتهم على الأوضاع التي ألفوها و عاشوها، و لمّا اجتاز أحمد بن حنبل الأزمة صبّ جام غضبه على أصل القضية، فأباح لنفسه الفتوى و القول بكفر من يقول بخلق القرآن. و قد مرّ بنا ذلك و أشرنا إلى ما جاء عنه في كفر من يقول بخلق القرآن، إذ سئل عن رجل وجب عليه تحرير رقبة مؤمنة و كان عنده مملوك يقول بخلق القرآن؟ فقال: لا يجزي، لأن اللّه تبارك و تعالى أمر بتحرير رقبة مؤمنة.

و لم يكن أحمد بن حنبل أو الجمهور في حال يجاهرون بها بالخروج على رأي الحاكم أيام المعتصم، إذ يروى أن أحمد أمسك في عهد المعتصم حتى عن رواية الحديث الذي هو عماد مكانته و مقوم شخصيته، فهو الحافظ الذي ينبسط في الرواية و يتقيد بها حتى قيل: إنه أقرب إلى الحديث منه إلى الفقه. و لا ننسى أن هذه الفترة شهدت غياب الإمام الرضا، و كون ابنه الإمام محمد الجواد ما زال في مقتبل العمر، و تتضافر الروايات على ما بلغه في العلم و الحكمة و الأدب و كمال العقل، حتى أن المأمون أراد أن يوجد للصبغة التي أرادها لحكمه دلالة جديدة، فزوّجه ابنته أم الفضل، و اتجه إلى المدينة، و ابتعاده عن العراق أمر له مغزى كبير، اختيارا منه و عملا بنهج أبيه، و كيف حمل ولاية العهد اسما، و لم تنجح وسائل المأمون مع الإمام الرضا في زجّه في شئون السلطان، و إذا كان أهل البيت قد عملوا على تهذيب النفوس بتعاليم الإسلام و ترسيخ الأحكام في المجتمع بتربية النشأ و إرشاد الناس، فقد كان الرضا (عليه السلام) يقول: «إنما يؤمر بالمعروف و ينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ، فأما صاحب سيف و سوط فلا». و كان قوله المشهور للمأمون: «ما التقت فئتان قط إلا نضر اللّه أعظمهما عفوا». فعاد الإمام الجواد إلى مهبط الوحي و مهد النبوة، و سعى (عليه السلام) إلى توجيه الناس و بث العلم و نشر الأحكام، و كانت الوفود تأتيه من الأقطار النائية لأنه وارث علم أهل البيت عن أبيه الرضا (عليه السلام) غير أن المعتصم أعاده إلى بغداد و انتهى شهيدا مسموما على يد بني العباس.

فكأن الناظر إلى أعمال بني العباس في هذه الفترة يجد تقربا و رعاية إلى آل علي، في حين أن حقيقة ما يعيشونه مكابدة رهيبة تنتهي بهم إلى الموت. كما أن العلويين استمروا في مناهضتهم للسلطة، و لم تنطل عليهم خدع الحكام و تكريم‏

50

المأمون للطالبيين أو العلويين، و عدم منعهم من الدخول عليه؛ حتى ثار عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ببلاد اليمن و دعا إلى الرضا من آل محمد. فأرسل إليه المأمون جيشا كثيفا تحت قيادة دينار بن عبد اللّه، و كتب معه أمانا لعبد الرحمن، فقبله و سار إلى المأمون، فمنع المأمون عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه، و أمرهم بلبس السواد (1) و امتنع أكثرهم عن لبس السواد، فكان عقابهم السجن. فهذا عبد اللّه بن الحسين بن عبد اللّه بن إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب امتنع عن لبس السواد و حرّمه لما طولب به، فحبس بسر من رأى في أيام المعتصم حتى مات في الحبس‏ (2) كما استمر على رفض سلطة العباسيين جماعة من العلويين و لجئوا إلى الثورة. و يمكننا القول أن محاولات بني العباس بلونها هذا قد استطاعت أن تجعل الرقابة و القيود التي اعتاد عليها أئمة أهل البيت و المفروضة عليهم من قبل الحكام مناسبة لأصول اتجاهات الرأي و مدارس الكلام، لكنها في حقيقتها واحدة. فعلم أهل البيت و تعليمات الأئمة كانت منهلا و ينبوعا لهذه الاتجاهات، و كان المعتزلة على الأخص من أقرب الناس رأيا إلى فقه أهل البيت، و إن ضمّت صفوفهم رجالا أبعد ما يكونون عن الولاء، حيث تأثر معتزلة البصرة بما يحيط بهم، و تأثر معتزلة بغداد بغير ذلك، و بناء عليه فكيف يدّعي المأمون العلم و الانتصار للفكر، و يتبع سياسة السجن و اعتقال رجال أهل البيت الذين لا ينكر المعتزلة تأثرهم و اقتدائهم بهم؟ فأخذ بالتظاهر الذي يصعب معه الاطمئنان إلى زوال نوازع الكره و العداء لأهل البيت.

و كان المعتصم مقلدا و منفذا لسياسة المأمون بجوانبها المختلفة في الموقف من رجال الفكر و معاملة أهل البيت، ثم جاءت مرحلة الواثق التي تمثل المرحلة الوسطى التي تسبق عودة السياسة العباسية إلى عهدها على يد المتوكل. و مع أن رجل المعتزلة السلطاني أحمد بن أبي دؤاد قد تمكّن من إبقاء قضية خلق القرآن على واجهة الحكم، إلا أن الواثق لم يتعرّض إلى أحمد بسوء، و أرسل إليه و قال له: لا تساكنّي بأرض، فاختفى أحمد بقية حياة الواثق.

____________

(1) ابن الأثير 4/ 156.

(2) المقاتل 385.

51

و نحن نجد في أحداث هذه المشكلة من مظاهر الظلم و العنف ما تأباه النفوس، لكنها تصبح غير ملفتة إذا ما قورنت بأهوال السجون و مصائب التعذيب التي يلقاها آخرون، فدع عنك كيف استشهد الإمامان الرضا و الجواد على يد حكام يتظاهرون بالودّ، و خذ مثلا من عرف من العباسيين بعدائه لأهل البيت. و مع ذلك فلا يقرّ ما يجري في ظل الحكام من اعتداء على حرمة الرأي أو العلماء، بل نذكره للإدانة و نسطّره لتعرف الأجيال ما ارتكب الحكام. و من أحداث هذه الفترة التي تتصل بالقول بخلق القرآن أن شيخا من الشام جي‏ء به إلى الواثق، فلما دار النقاش اتفق الواثق مع رأي الشيخ في جواز الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لهم كما اتسع لرسول اللّه و أبي بكر و عمر و عثمان و علي، و أمر الواثق بقطع قيد الشيخ، فلما قطعوا القيد ضرب الشيخ بيده إلى القيد حتى يأخذه، فجاز به الحداد، و أخذه من الحداد قائلا: لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه أن يجعله بيني و بين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند اللّه يوم القيامة و أقول: يا ربّ، سل عبدك هذا لم قيدني و روّع أهلي و ولدي و إخواني بلا حق أوجب ذلك عليّ؟

ثم جاءت فترة عهد المتوكل الذي استلم الحكم في سنة 232 ه فعاد النصب بأوضح صوره‏ (1) و تجدّد العداء لآل البيت بأقبح أشكاله، و ليس ذلك بردّ فعل لما سبق، و إنما ردود الفعل تمثلت في موقعه في مسلسل الحكام من بني العباس. يقول ابن كثير: و كان المتوكل محببا إلى رعيته؟ قائما في نصرة أهل السنة، و قد شبهه بعضهم بالصدّيق في قتله أهل الردّة لأنه نصر الحق و ردّه عليهم حتى رجعوا إلى الدين، و بعمر بن عبد العزيز حين ردّ مظالم بني أمية، و قد أظهر السنّة بعد البدعة، و أخمد أهل البدع و بدعتهم بعد انتشارها و اشتهارها.

و أكرم المتوكل أحمد بن حنبل، و كتب إلى نائبه ببغداد أن يبعثه إليه، و كان حتى وفاة أحمد يتفقده و يوفد إليه في أمور يشاوره فيها و يستشيره في أشياء تقع له‏ (2).

و بدأ الحنابلة مع السلطة منذ هذا التاريخ يسهمون في تعميق روح الخلاف، و نحن- و إن قلنا برد الفعل- إلا أن الأمر تجاوز ذلك لاستسهال أمر الاتهام بالكفر و الخروج‏

____________

(1) انظر الجزء الأول من الإمام الصادق و المذاهب الأربعة.

(2) ابن كثير 10/ 340.

52

على الدين. فاهتزّ كيان الأمة، و اختلّ بناء المجتمع، و قد أطلعنا فيما مضى على جانب من الأحداث التي تقوم بتأثير العصبية و الجهل. و استمر الحنابلة يعنون بالهيمنة على الحكم، حتى أن المطيع باللّه كان يتقرّب إليهم بالتظاهر بسماعه و ترديده أقوالا لأحمد بن حنبل، و قد كان يحدّق به خلق كثير من الحنابلة قدروا بثلاثين ألفا، فأراد أن يتقرب إليهم، في حين كان الناس يأكلون الأطفال و الجيف لشدة الجوع، و إذا رأثت الدواب اجتمع جماعة من الضعفاء على الروث، فالتقطوا ما فيه من حبّ الشعير فأكلوه، و كانت الموتى مطرحين فربما أكلت الكلاب لحومهم‏ (1).

و امتدت مشكلة خلق القرآن لعهود طويلة، و بتأثير الحنابلة شملت الاتهامات أغلب الطوائف، ففي سنة 408 ه استتاب القادر باللّه فقهاء المعتزلة الحنفية، فأظهروا الرجوع و تبرّءوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام و التدريس و المناظرة في الاعتزال و الرفض و المقالات المخالفة للإسلام، و أخذ خطوطهم بذلك، و إنهم متى خالفوه حلّ بهم من النكال و العقوبة ما يتّعظ به أمثالهم، و امتثل يمين الدولة و أمين الملة أبو القاسم محمود أمر أمير المؤمنين و استنّ بسنّته في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان و غيرها في قتل المعتزلة و الرافضة و الإسماعيلية و القرامطة و الجهمية و المشبّهة، و صلبهم و حبسهم و نفاهم، و أمر بلعنهم على منابر المسلمين، و إبعاد كل طائفة من أهل البدع، و طردهم من ديارهم، و صار ذلك سنّة في الإسلام‏ (2).

ثم تبادل الناس فيما بينهم الاتهامات، و غدت سنّة الحكام شاملة، و شاع التعصب مع سعي حثيث إلى إدخال الحكام في صميم الأمر، و الاستعانة بقوة السلطان، و نحن سنعرض إلى جوانب من ذلك بحسب مواقعها من الكتاب.

____________

(1) المنتظم 6/ 344.

(2) المنتظم 7/ 287.

53

3- البدع و الضلالات‏

و هكذا أدّت تدخلات الحكام إلى نتائج أساءت كثيرا إلى حركة الفكر و الكلام، و شجعت قيام ظروف ملائمة للاتهامات و العداء. و إذا نظرنا إلى تاريخ الحكام في الإسلام و موقفهم من أعدائهم، رأينا أن سلاح التكفير و الخروج عن الدين كان من أهم ما يشهره الحكام لاجتناب العامة و استغلال مشاعرهم المختلفة، و البروز بمظهر ديني غير حقيقي، و لما حدثت هذه الأحداث و تحكّمت النزعات و هيمن التعصب على النفوس، تبادلت الطوائف الاتهامات، و أصبح الاتهام بالبدعة و الضلالة أمرا مألوفا، كما أصبح استحلال الدم و ما يتبع ذلك من فظائع الأمور التي تشلّ حركة الفكر و تمزّق المجتمع شرّ ممزّق، إذ لم يكن استخدام لفظي البدعة و الضلالة قائما على أساس صحيح مجرد من العواطف و النزعات الخاصة. فقد تدخلت الأغراض المختلفة: أغراض الملوك، و أغراض المتنفذين و المتزعمين في شتى الميادين. و قوبل استسهال الحكم بالكفر أو الضلال بأعمال و فتاوى مقابلة، و مرّت الأعوام و لفظ الضلالة و البدعة يستخدمان وفق الأغراض، و كل جهة يصدر منها الاتهام يصدر من أختها في الدين ما يقابل ذلك.

و أصبحت حركة المذاهب تتبادلها بسهولة، و هي في كل الأحوال تحدث في حالة تتغلب فيها العواطف على حكم الدين، فعقيدة الإسلام واضحة جلية و إن استجد ما يخرج على القواعد و الأصول و روح الإيمان، فالتصدي لهذا الخروج و إطفاء باطله واجب على كل مسلم، فإذا كانت مبادئ الإسلام واضحة و عقائده جلية، فما لا يجري على منواله و يقتدي بروح القرآن بيّن معروف يكون من السهولة الإجماع عليه، أما إذا كان تحكما و خضوعا للأهواء فهو المصيبة التي نحن بصدد بيان بعض أجزائها و جوانبها.

54

فالمذاهب أصبحت تدّعي أن كلّا منها على حق، و غيرها على الضلالة.

و البدعة لغويا كل شي‏ء أحدث على غير مثال سابق، سواء كان محمودا أو مذموما. و البديع: محدث عجيب غير معروف، و هي تفيد معنى الأحداث و الاختراع. أما البدعة اصطلاحا فهي مدار اختلاف الفقهاء شرعا، و يميل أغلب العلماء إلى أنها إحداث في الشرع، و عند بعضهم قد يكون مذموما أو محمودا. و لكن روح العداء أخضعت اللفظين لأغراضها، فاتهمت كل طائفة الأخرى بالبدعة و الضلالة دون تمييز و هو انحراف عن واقع الحال، و بعد عن الحقيقة، و من هذا ما ذهب إليه ابن المقري الشافعي في تمثيله للمبتدع بالحنفي، و صاحب البزازية الحنفي يمثل المبتدع بالشافعي، و أمثال هؤلاء كثيرون بين المذاهب الأربعة (1).

كما و قد وضعت كتب تتضمن بيان الفرق الإسلامية و شرح عقائدها و تصف الكثير منها بالبدعة أو الضلالة أو الكفر أخيرا.

و تمرّ السنون، و تكثر الكتب من دون جدوى في تحديد هذين الاصطلاحين لنعرف ما هي البدعة التي يستوجب صاحبها النار، بسبب الضلال عن الهدى؟ كما ورد في الحديث: «كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة في النار». فكيف نتعرف على البدعة و نجتنبها؟ و ما هي الضلالة التي توجب دخول النار؟ هل لها حدّ شرعي أو تعريف لغوي؟ و قد اختلفت المصاديق و تعدّدت الأقوال. و حديث الفرق أن النبي قال: «ستفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة، اثنتان و سبعون في النار، و واحدة في الجنة» و بلفظ آخر «كل على الضلالة إلا السواد الأعظم» فلهذا الحديث شأن و قد تعرّضنا له سابقا و شكّكنا في صحة نسبته إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على إجماله بدون بيان، و هذا ما يوجب إغراء الأمة بعضها ببعض، و تحامل الناس بعضهم على بعض، و سنعود للحديث عنه إن شاء اللّه.

و بقي تعريف البدعة هو ما اخترع على غير مثال سابق، فهي لغويا كما في لسان العرب: بدعه أنشأه كابتدعه. و بدع اللّه الخلق أحدثهم لا على مثال سابق. و بدع سمن، و بدع بداعة و بدوعا صار بديعا، و أبدع أبدا و الشاعر أتى بالبديع فهو مبدع، و منه البديع الخالق المخترع، و في المذهب أنها إيراد أقوال لم يستند فاعلها أو قائلها

____________

(1) سر انحلال الأمة ص 189.

55

فيها لصاحب الشريعة لأن أصل مادة بدع الاختراع على غير مثال سابق، كقوله تعالى:

قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ‏ و لكن مجريات الأحداث و تطورات الأمور جعلت التعريف في اختلاف و مذاهب، فمنهم من جعلها في العبادات خاصة، و منهم من جعلها في العبادات و العادات.

فتعدّدت وجهات النظر في إطلاق البدعة أو الضلالة، و استهل الناس قذف الآخرين بها مما عمّق الخلاف بين المذاهب أو الطوائف، فطائفة تتهم الأخرى بالبدعة و الضلالة و تتوهم أنها تحتكر، الهدى و تسيطر على الحق دون غيرها، و هذا يحدث ردّ فعل عند الطائفة الأخرى، فيردّ الاتهام على الطائفة بنفس الأسلوب، و بأنها مبتدعة خارجة عن الدين، و هي على الهدى. و بهذا فقد اشتدّ الهياج، و كثرت الفتن، و انتشرت الفوضى، و هنا نرى لزوم الحديث عن الفوارق التي حلت بين المسلمين، و كيف أصبحت كلمة بدعة أو مبتدعة سلاحا يوجه للناس و هم في حالات أقرب بها إلى اللّه و مبادئ الإسلام من أولئك الذين يستخدمونها لتغطية ضعفهم و انهزامهم.

و كيف وجّهت إلى الجماعات التي تهدّد مناهج الجمود و الانغلاق ظلما، كما وجّهت توجيها سليما إلى الجماعات التي لا غبار على بعدها عن السنة و خروجها على ما جاء به صاحب الشريعة (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

من هو المبتدع‏

؟ لقد حدثت أمور بسبب الاختلاف في تمييز البدعة و من هو المبتدع فخلطوا بين السقيم و الصحيح و سارت الأمور على غير المنهج العلمي، فكانت هناك أشياء هي مدعاة للأسف لأنها تعكس سلوك رجال لم يسلكوا مع خصومهم الطريق التجرّدي المعقول، بل التجئوا إلى استخدام القوة و كل ما يتعارض مع حرية الفكر التي ضمنها الإسلام، و جعلها إحدى مقومات المجتمع الإسلامي، و لنقف على بعض الأقوال في لزوم تجنب صاحب البدعة، و لنأخذ صورة عن تلك العصور المظلمة، و الوقوف على تلك المفارقات التي حدثت بالمجتمع.

يقول بعضهم: من جالس صاحب بدعة، نزعت منه العصمة و وكل إلى نفسه.

و عن يحيى بن كثير أنه قال: إذا لقيت صاحب بدعة في طريق، فخذ طريقا آخر.

و عن الفضيل أنه قال: من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، و الماشي إليه معين على هدم الإسلام.

56

و قال هشام بن حسان: لا يقبل اللّه من صاحب بدعة صلاة و لا صياما، و لا زكاة و لا حجا، و لا جهادا، و لا عمرة، و لا صرفا، و لا عدلا (1).

و قد أوردوا عن صاحب الرسالة (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أحاديث تدعم هذه الآراء، فعن هشام بن عرفة مرفوعا «من وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام».

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من أتى صاحب بدعة ليوقّره فقد أعان على هدم الإسلام، و من أعرض عن صاحب بدعة بغضا له في اللّه ملأ اللّه قلبه أمنا و إيمانا، و من انتهر صاحب بدعة آمنه اللّه يوم الفزع الأكبر، و من أهان صاحب بدعة رفعه اللّه مائة درجة، و من سلّم على صاحب بدعة أو استقبله بالبشر، أو استقبله بما يسرّه، فقد استخفّ بما نزل على محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)».

و جاء عن عائشة، أنها سألت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «هم أصحاب الأهواء و أصحاب البدع و أصحاب الضلالة من هذه الأمة، يا عائشة: إن لكل ذنب توبة، ما خلا أصحاب الأهواء و البدع ليس لهم توبة، و أنا بري‏ء منهم، و هم براء مني».

و غير ذلك من الآثار التي أسندت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم). و لسنا في معرض نقدها من حيث الصحة أو الدلالة، و بيان علتها، و لكن الأمر المهم أن ننظر إلى الواقع العملي و كيف استعملت كلمة البدعة في معان مختلفة، و اتّهم بها رجال هم مثال التمسك بالسنّة. و نود هنا استكشاف الواقع حول انطباق هذه التسمية لنخرج بنتيجة و هي: من هو الذي تنطبق عليه هذه السمة في الإسلام؟ و من هو صاحب السنّة المتمسك بها؟

1- فهذا أحمد بن حنبل في معرض كلامه عن الفرق المبتدعة يقول: ذكر محاسن أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كلهم أجمعين، و الكف عن مساوئهم، و الخلاف الذي يشجر بينهم، فمن سبّ أصحاب رسول اللّه، أو واحدا منهم، أو تنقّصهم أو طعن عليهم أو عرض بعيبهم، أو عاب أحدا منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف، لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا، بل حبهم سنّة، و الدعاء لهم قربة، و الاقتداء بهم وسيلة، و الأخذ بآثارهم فضيلة.

____________

(1) الشاطبي ج 1 ص 60 و 107.