إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب(عج) - ج2

- علي اليزدي الحائري‏ المزيد...
320 /
5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الغصن السادس من ادّعى رؤيته (عج) في زمان غيبته الكبرى‏

الحكاية الأولى: في كشف الغمّة عن السيّد باقي بن عطوة العلوي الحسيني أن أباه عطوة كان به أدرة (1) و كان زيدي المذهب، و كان ينكر على بنيه الميل إلى مذهب الإمامية و يقول لا اصدقكم و لا أقول بمذهبكم حتّى يجي‏ء صاحبكم، يعني المهدي (عج) فيبرئني من هذا المرض. و تكرّر هذا القول منه فبينا نحن مجتمعون عند وقت العشاء الآخرة إذا أبونا يصيح و يستغيث بنا، فأتيناه سراعا فقال: الحقوا صاحبكم فالساعة خرج من عندي فخرجنا فلم نر أحدا فعدنا إليه و سألناه فقال: إنّه دخل إليّ شخص و قال: يا عطوة، فقلت: من أنت؟

فقال (عليه السّلام): أنا صاحب بنيك قد جئت لابرئك ممّا بك، ثمّ مدّ يده فعصر قروتي‏ (2) و مشى و مددت يدي فلم أر لها أثرا. قال لي ولده: و بقي مثل الغزال ليس به قلبة، و اشتهرت هذه القصّة و سألت عنها غير ابنه فأقرّ بها (3).

الحكاية الثانية: و فيه حكى لي شمس الدين إسماعيل بن حسن الهرقلي أنه حكى لي والدي أنه خرج في الهرقل و هو شاب على فخذه الأيسر توثة (4) مقدار قبضة الإنسان، و كانت في كلّ ربيع تشقّق و يخرج منها دم و قيح و يقطعه ألمها عن كثير من أشغاله، و كان مقيما بهرقل فحضر الحلّة يوما و دخل إلى مجلس السعيد رضي الدين علي بن طاوس (رحمه اللّه) و شكا إليه ما يجده منها و قال: اريد أن اداويها، فأحضر له أطبّاء الحلّة و أراهم الموضع، فقالوا: هذه التوثة فوق العرق الأكحل و علاجها خطر و متى قطعت خيف أن ينقطع العرق‏

____________

(1)- الأدرة: الفتق في الخصيتين و قيل انتفاخهما (تاج العروس: 3/ 10).

(2)- في لسان العرب: (10/ 350) القروة: أن يعظم جلد البيضتين لريح فيه أو ماء و الرجل قرواني.

(3)- كشف الغمّة: 3/ 301 ط دار الأضواء بيروت.

(4)- الخرم في الوجه أو البدن.

6

الأكحل فيموت. قال له السعيد رضي الدين (رحمه اللّه): أنا متوجّه إلى بغداد و ربّما كان أطباؤها أعرف و أحذق من هؤلاء فاصحبني، فأصعد معه و أحضر الأطباء فقالوا كما قال اولئك، فضاق صدره فقال له السعيد: إنّ الشرع قد فسح لك في الصلاة في هذه الثياب و عليك الاجتهاد في الاحتراس و لا تغرر بنفسك فاللّه تعالى قد نهى عن ذلك و رسوله. فقال له والدي: إذا كان الأمر على ذلك و قد وصلت إلى بغداد فأتوجه إلى زيارة المشهد الشريف بسر من رأى على مشرّفه السلام، ثم أنحدر إلى أهلي، فحسّن له ذلك فترك ثيابه و نفقته عند السعيد رضي الدين و توجّه. قال: فلمّا دخلت المشهد وزرت الأئمّة (عليهم السّلام) نزلت السرداب و استغثت باللّه تعالى و بالإمام و قضيت بعض الليل في السرداب و بقيت في المشهد إلى الخميس، ثمّ مضيت إلى دجلة و اغتسلت و لبست ثوبا نظيفا و ملأت إبريقا كان معي و صعدت اريد المشهد، فرأيت أربعة فرسان خارجين من باب السور و كان حول المشهد قوم من الشرفاء يرعون أغنامهم فحسبتهم منهم فالتقينا فرأيت شابّين واحدهما عبد مخطوط و كل واحد منهم متقلّد بسيف، و شيخا منقبا بيده رمح و الآخر متقلّد بسيف و عليه فرجية (1) ملوّنة فوق السيف و هو متحنّك بعذبته‏ (2)، فوقف الشيخ صاحب الرمح يمين الطريق و وضع كعب الرمح في الأرض، و وقف الشابان عن يسار الطريق و بقي صاحب الفرجية على الطريق مقابل والدي، ثمّ سلّموا عليه فرد (عليهم السّلام) فقال له صاحب الفرجية: أنت غدا تروح إلى أهلك. فقال: نعم. فقال له: تقدّم حتّى ابصر ما يوجعك، قال:

فكرهت ملامستهم و قلت في نفسي: أهل البادية ما يكادون يحترزون من النجاسة و أنا قد خرجت من الماء و قميصي مبلول، ثمّ إنّي بعد ذلك تقدّمت إليه فلزمني بيده و مدّني إليه و جعل يلمس جانبي من كتفي إلى أن أصابت يده التوثة فعصرها بيده فأوجعني، ثمّ استوى في سرجه كما كان فقال لي الشيخ: أفلحت يا إسماعيل فعجبت من معرفته باسمي، فقلت:

أفلحنا و أفلحتم إن شاء اللّه.

قال: فقال لي الشيخ: هذا هو الإمام (عليه السّلام). قال: فتقدّمت إليه فاحتضنته و قبّلت فخذه، ثمّ إنّه ساق و أنا أمشي معه محتضنه، فقال: ارجع. فقلت: لا افارقك أبدا. فقال: المصلحة

____________

(1)- الفرجية ثوب مفرج من الامام.

(2)- العذبة الذؤابة (الصحاح: 4/ 1435) و في تاج العروس: (6/ 259) العقدة الفاسدة من اللحم.

7

رجوعك. فأعدت عليه مثل القول، فقال الشيخ: يا إسماعيل! ما تستحي، يقول لك الإمام مرّتين ارجع و تخالفه، فجبهني بهذا القول فوقفت فتقدّم خطوات و التفت إليّ و قال: إذا وصلت بغداد فلا بدّ أن يطلبك أبو جعفر- يعني الخليفة المستنصر- فإذا حضرت عنده و أعطاك شيئا فلا تأخذه، و قل لولدنا الرضيّ ليكتب لك إلى علي بن عوض فإنّني أوصيه يعطيك الذي تريد، ثمّ سار و أصحابه معه فلم أزل قائما ابصرهم إلى أن غابوا عنّي و حصل عندي أسف لمفارقته، فقعدت إلى الأرض ساعة ثمّ مشيت إلى المشهد فاجتمع القوّام حولي و قالوا: نرى وجهك متغيّرا أ أوجعك شي‏ء؟

قلت: لا. قالوا: أخاصمك أحد؟ قلت: لا، ليس عندي ممّا تقولون خبر، لكن أسألكم هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم؟ فقالوا: هم من الشرفاء أرباب الغنم. فقلت: لا، بل هو الإمام. فقال: الإمام هو الشيخ أو صاحب الفرجية؟ فقلت: هو صاحب الفرجية. فقالوا: أريته المرض الذي فيك؟ فقلت: هو قبضه بيده و أوجعني، ثمّ كشفت برجلي فلم أر لذلك المرض أثرا، فتداخلني الشكّ من الدهش فأخرجت رجلي الاخرى فلم أر شيئا، فانطبق الناس عليّ و مزّقوا قميصي و أدخلني القوّام خزانة و منعوا الناس عنّي، و كان ناظر بين النهرين بالمشهد فسمع الضجّة و سأل عن الخبر فرفعوه فجاء إلى الخزانة و سألني عن اسمي و سألني منذ كم خرجت من بغداد، فعرّفته أنّي خرجت في أوّل الاسبوع فمشى عنّي و بتّ في المشهد و صلّيت الصبح و خرجت و خرج الناس معي إلى أن بعدت من المشهد و رجعوا عنّي، و وصلت إلى أوانا فبت بها، و بكّرت منها أريد بغداد فرأيت الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة يسألون من ورد عليهم عن اسمه و نسبه و أين كان، فسألوني عن اسمي و من أين جئت فعرّفتهم فاجتمعوا عليّ و مزّقوا ثيابي و لم يبق لي في روحي حكم، و كان ناظر بين النهرين كتب إلى بغداد و عرّفهم الحال، ثمّ حملوني إلى بغداد و ازدحم الناس عليّ و كادوا يقتلونني من كثرة الازدحام، و كان الوزير القمّي (رحمه اللّه) قد طلب السعيد رضي الدين (رحمه اللّه) و تقدّم أن يعرّفه صحّة هذا الخبر. قال: فخرج رضي الدين و معه جماعة فوافانا بباب النوبي فردّ أصحابه الناس عنّي فلمّا قال: أ عنك يقولون؟ قلت: نعم، فنزل عن دابته و كشف عن فخذي فلم ير شيئا فغشي عليه ساعة و أخذ بيدي و أدخلني على الوزير و هو يبكي و يقول:

يا مولانا هذا أخي و أقرب الناس إلى قلبي، فسألني الوزير عن القصة فحكيت فأحضر

8

الأطبّاء الذين أشرفوا عليها و أمرهم بمداواتها فقالوا: ما دواؤها إلّا القطع بالحديد و متى قطعها مات.

فقال لهم الوزير: فبتقدير أن تقطع و لا يموت في كم تبرأ؟ فقالوا: في شهرين و تبقى مكانها حفيرة بيضاء لا ينبت فيها شعر، فسألهم الوزير متى رأيتموه؟ قالوا: منذ عشرة أيام، فكشف الوزير عن الفخذ الذي كان فيه الألم و هي مثل اختها ليس فيها أثر أصلا، فصاح أحد الحكماء: هذا عمل المسيح، فقال الوزير: حيث لم يكن عملكم فنحن نعرف عاملها، ثمّ إنّه أحضر عند الخليفة المستنصر فسأله عن القصّة و عرّفه بها كما جرى فتقدّم له بألف دينار فلمّا حضرت قال: خذ هذه فأنفقها. قال: ما أجسر أن آخذ منه حبّة واحدة. فقال الخليفة:

ممّن تخاف؟ فقال: من الذي فعل معي هذا، قال (عليه السّلام): لا تأخذ من أبي جعفر شيئا، فبكى الخليفة و تكدّر، و خرج من. عنده و لم يأخذ شيئا. قال علي بن عيسى (رحمه اللّه) صاحب كتاب كشف الغمّة: كنت في بعض الأيام أحكي هذه القصة لجماعة عندي و كان هذا شمس الدين محمد ولده عندي و أنا لا أعرفه فلمّا انقضت الحكاية قال: أنا ولده لصلبه، فعجبت من هذا الاتفاق و قلت: هل رأيت فخذه و هي مريضة؟

فقال: لا، لأنّي أصبو عن ذلك و لكنّي رأيتها بعد ما صلحت و لا أثر فيها و قد نبت في موضعها شعر، و سألت السيد صفيّ الدين محمد بن محمد بن بشر العلوي الموسوي و نجم الدين حيدر بن الأيسر، و كانا من أعيان الناس و سراتهم و ذوي الهيئات منهم، و كانا صديقين لي و عزيزين عندي؛ فأخبراني بصحّة هذه القصّة و أنهما رأياها في حال مرضها و حال صحّتها.

و حكى لي ولده هذا أنه كان بعد ذلك شديد الحزن لفراقه (عليه السّلام) حتّى أنه جاء إلى بغداد و أقام بها في فصل الشتاء و كان كلّ يوم يزور سامراء و يعود إلى بغداد، فزارها في تلك السنة أربعين مرّة طمعا أن يعود به الوقت الذي مضى، أو يقضي له الحظّ ممّا قضى و من الذي أعطاه دهره الرضا أو ساعده بمطالبه صرف القضاء، فمات بحسرته و انتقل إلى الآخرة بغصّته و اللّه يتولّاه و إيّانا برحمته بمنّه و كرمه‏ (1).

الحكاية الثالثة: في البحار عن السيّد علي بن عبد الحميد صاحب كتاب الأنوار

____________

(1)- كشف الغمّة: 3/ 300 ط. دار الأضواء بيروت.

9

المضيئة في كتاب السلطان المفرج عن أهل الايمان عند ذكر من رأى القائم (عليه السّلام) قال: فمن ذلك ما اشتهر و ذاع و ملأ البقاع و شهده بالعيان أبناء الزمان و هو قصّة أبي راجح الحمامي بالحلّة، و قد حكى ذلك جماعة من الأعيان الأماثل و أهل الصدق و الأفاضل منهم الشيخ الزاهد شمس الدين محمد بن قارون قال: كان الحاكم بالحلّة شخصا يدعى مرجان الصغير، فرفع إليه أن أبا راجح الحمامي بالحلّة يسبّ الصحابة، فأحضره و أمر بضربه فضرب ضربا شديدا مهلكا على جميع بدنه، حتّى أنه ضرب على وجهه، فسقطت ثناياه و أخرج لسانه فجعل فيه مسلّة من الحديد، و خرق أنفه و جعل فيه شركة من الشعر، و شدّ فيها حبلا و سلّمه إلى جماعة من أصحابه و أمرهم أن يدوروا به في أزقّة الحلّة، و الضرب يأخذ من جميع جوانبه حتّى سقط إلى الأرض و عاين الهلاك. فاخبر الحاكم بذلك فأمر بقتله. فقال الحاضرون: إنّه شيخ كبير و قد حصل له ما يكفيه و هو ميّت لما به فاتركه و هو يموت حتف أنفه و لا تتقلّد بدمه و بالغوا حتّى أمر بتخليته و قد انتفخ وجهه و لسانه، فنقله أهله في هذه الحالة و لم يشكّ أحد أنّه يموت من ليلته، فلمّا كان من الغد غدا عليه الناس فإذا هو قائم يصلّي على أتمّ حالة و قد عادت ثناياه التي سقطت كما كانت و اندملت جراحاته و لم يبق لها أثر و الشجة قد زالت من وجهه، فعجب الناس من حاله و سألوه عن أمره فقال: إنّي لما عاينت الموت و لم يبق لي لسان أسأل اللّه تعالى به فكنت أسأله بقلبي و استغثت إلى سيّدي و مولاي صاحب الزمان، فلمّا جنّ عليّ الليل فإذا بالدار قد امتلأت نورا و إذا بمولاي صاحب الزمان قد أمرّ يده الشريفة على وجهي و قال (عليه السّلام): اخرج و كدّ على عيالك فقد عافاك اللّه تعالى، فأصبحت كما ترون. و حكى شمس الدين المذكور و أقسم باللّه إن هذا أبا راجح كان ضعيفا جدّا، ضعيف التركيب، أصفر اللون شين الوجه مقرض اللحية، و كنت دائما أدخل الحمّام الذي هو فيه و كنت دائما أراه على هذه الحالة، و هذا الشكل، فلمّا أصبحت كنت ممّن دخل عليه فرأيته و قد اشتدّت قوّته و انتصبت قامته فطالت لحيته و احمرّ وجهه، و عاد كأنّه ابن عشرين سنة و لم يزل على ذلك حتّى أدركته الوفاة، و لما شاع هذا الخبر و ذاع طلبه الحاكم و أحضره عنده و قد كان رآه بالأمس على تلك الحالة و هو الآن على ضدّها كما وصفناه و لم ير لجراحاته أثرا و ثناياه قد عادت، فداخل الحاكم في ذلك رعب شديد و كان يجلس في مقام الإمام (عليه السّلام) في الحلّة و يعطي ظهره القبلة الشريفة، فصار بعد ذلك يجلس‏

10

و يستقبلها، و عاد يتلطّف بأهل الحلّة و يتجاوز عن مسيئهم و يحسن إلى محسنهم، و لم ينفعه ذلك، بل لم يلبث في ذلك إلّا قليلا حتّى مات‏ (1).

الحكاية الرابعة: و فيه عن شمس الدين محمد المذكور، كان من أصحاب السلاطين المعمر بن شمس يسمّى مذور يضمن القرية المعروفة ببرس و وقف العلويين و كان له نائب يقال له ابن الخطيب و غلام يتولّى نفقاته يدعى عثمان، و كان ابن الخطيب من أهل الصلاح و الإيمان بالضدّ من عثمان و كانا دائما يتجادلان، فاتّفق أنهما حضرا في مقام إبراهيم الخليل بمحضر جماعة من الرعية و العوام فقال ابن الخطيب لعثمان: يا عثمان الآن اتّضح الحقّ و استبان، أنا أكتب على يدي من أتولّاه و هم عليّ و الحسن و الحسين (عليهم السّلام) و اكتب أنت من تتولّاه [و هم‏] أبو بكر و عمر و عثمان ثمّ تشدّ يدي و يدك فأيّنا احترقت يده بالنار كان على الباطل و من سلمت يده كان على الحقّ، فنكل عثمان و أبى أن يفعل فأخذ الحاضرون من الرعية و العوام بالعياط عليه. هذا و كانت أمّ عثمان مشرفة عليهم تسمع كلامهم فلمّا رأت ذلك لعنت الحضور الذين يعيطون على ولدها عثمان و شتمتهم و تهدّدت و بالغت في ذلك فعميت في الحال، فلمّا أحسّت بذلك نادت إلى رفيقاتها فصعدن إليها فإذا هي صحيحة العينين لكن لا ترى شيئا، فقادوها فأنزلوها و مضوا بها إلى الحلّة، و شاع خبرها بين أصحابها و قرائبها و ترائبها، فاحضروا لها الأطباء من بغداد و الحلّة فلم يقدروا لها على شي‏ء، فقال لها نسوة مؤمنات كنّ أخدانها: إنّ الذي أعماك هو القائم فإن تشيّعت و تولّيت و تبرّأت ضمنّا لك العافية على اللّه تعالى و بدون هذا لا يمكنك الخلاص، فأذعنت بذلك و رضيت به فلمّا كانت ليلة الجمعة حملنها حتى أدخلنها القبّة الشريفة في مقام صاحب الزمان (عليه السّلام) و بتن بأجمعهنّ في باب القبّة، فلمّا كان ربع الليل فإذا هي قد خرجت عليهن و قد ذهب العمى عنها و هي تعدهنّ واحدة بعد واحدة و تصف ثيابهنّ و حليهنّ، فسررن بذلك و حمدن اللّه تعالى على حسن العاقبة و قلن لها: كيف كان ذلك؟ فقالت: لمّا جعلتني في القبّة و خرجتنّ عنّي أحسست بيد قد وضعت على يدي و قائل يقول: اخرجي قد عافاك اللّه تعالى، فانكشف العمى عنّي و رأيت القبّة قد امتلأت نورا و رأيت الرجل فقلت له: من أنت يا سيّدي؟ فقال (عليه السّلام): محمد بن الحسن، ثمّ غاب عنّي فقمن و خرجن إلى بيوتهنّ، و تشيّع‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 52/ 71- 72 ح 55 باب 18.

11

ولدها عثمان و حسن اعتقاده و اعتقاد أمّه المذكورة، و اشتهرت القصّة بين أولئك الأقوام و من سمع هذا الكلام و اعتقدوا وجود الإمام (عليه السّلام) و كان ذلك في سنة أربع و أربعين و سبعمائة (1).

الحكاية الخامسة: فيه عن العالم الفاضل عبد الرحمن العماني: إنّي كنت أسمع في الحلّة السيفية حماها اللّه تعالى أن المولى الكبير المعظّم جمال الدين ابن الشيخ الأجل الأوحد الفقيه القاري نجم الدين جعفر بن الزهدري كان به فالج فعالجته جدّته بعد موت أبيه بكل علاج للفالج، فلم يبرأ فأشار إليها بعض الأطباء ببغداد فأحضرتهم فعالجوه زمانا طويلا فلم يبرأ، و قيل لها: ألا تبيتينه تحت القبّة الشريفة بالحلّة المعروفة بمقام صاحب الزمان (عليه السّلام) لعلّ اللّه تعالى يعافيه و يبرؤه، ففعلت و بيّتته تحتها و إنّ صاحب الزمان أقامه و أزال عنه الفالج، ثمّ بعد ذلك حصل بيني و بينه صحبة حتّى كنّا لم نكد نفترق و ان له دار المعشرة يجتمع فيها وجوه أهل الحلّة و شبابهم و أولاد الأماثل منهم، فاستحكيته عن هذه الحكاية فقال لي: إنّي كنت مفلوجا و عجز الأطبّاء عنّي، و حكى لي ما كنت أسمعه مستفاضا في الحلّة من قضيّته و أن الحجّة صاحب الزمان (عليه السّلام) قال لي و قد أباتتني جدّتي تحت القبّة: قم.

فقلت: يا سيدي لا أقدر على القيام منذ سنتي. فقال (عليه السّلام): قم بإذن اللّه تعالى، و أعانني على القيام فقمت فزال عنّي الفالج و انطبق عليّ الناس حتّى كادوا يقتلونني و أخذوا ما كان عليّ من الثياب تقطيعا و تنتيفا يتبرّكون فيها و كساني الناس من ثيابهم و رحت إلى البيت و ليس بي أثر الفالج و بعثت إلى الناس ثيابهم، و كنت أسمعه يحكي ذلك للناس و لمن يستحكيه مرارا حتى مات (رحمه اللّه)(2).

الحكاية السادسة: فيه عن شمس الدين محمد بن قارون: إنّ رجلا يقال له النجم و يلقّب بالأسود في القرية المعروفة بدقوسا على الفرات العظمى و كان من أهل الخير و الصلاح، و كانت له زوجة تدعى بفاطمة خيّرة صالحة و لها ولدان: ابن يدعى عليا و ابنة تدعى زينب، فأصاب الرجل و زوجته العمى و بقيا على حالة ضعيفة و كان ذلك في سنة اثنتي عشرة و سبعمائة و بقيا على ذلك مدّة مديدة، فلمّا كان في بعض الليل أحسّت المرأة بيد تمرّ على‏

____________

(1)- البحار: 52/ 72 ح 55 باب 18.

(2)- البحار: 52/ 73 ح 55.

12

وجهها و قائل يقول: قد أذهب اللّه عنك العمى فقومي إلى زوجك أبي علي فلا تقصّري في خدمته. ففتحت عينيها فإذا الدار قد امتلأت نورا و علمت أنه القائم (عليه السّلام)(1).

الحكاية السابعة: فيه عن محيي الدين الأربلي: أنه حضر عند أبيه و معه رجل فنعس فوقعت عمامته عن رأسه فبدت في رأسه ضربة هائلة فسأله عنها فقال له: هي من صفّين، فقيل له: و كيف ذلك و وقعة صفّين قديمة؟ قال: كنت مسافرا فصاحبني إنسان من عنزة، فلمّا كنّا في بعض الطريق تذاكرنا وقعة صفّين فقال لي الرجل: لو كنت في أيّام صفّين لرويت سيفي من علي و أصحابه. فقلت: لو كنت في أيّام صفّين لرويت سيفي من معاوية و أصحابه.

و ها أنا و أنت من أصحاب علي (عليه السّلام) و معاوية فاعتركنا عركة عظيمة و اضطربنا فما أحسست بنفسي إلّا مرميّا لما بي، فبينما أنا [كذلك‏] و إذا بإنسان يوقظني بطرف رمحه ففتحت عيني فنزل إليّ و مسح الضربة فتلاءمت. فقال: البث هنا، ثمّ غاب قليلا و عاد معه رأس مخاصمي مقطوعا و الدواب معه فقال (عليه السّلام): هذا رأس عدوّك و أنت نصرتنا فنصرناك‏ وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ‏ (2) فقلت: من أنت؟ قال (عليه السّلام): فلان بن فلان يعني صاحب الأمر (عليه السّلام) ثمّ قال لي: و إذا سئلت عن هذه الضربة فقل: ضربتها في صفّين‏ (3).

الحكاية الثامنة: فيه عن حسن بن محمد بن قاسم: كنت أنا و شخص من ناحية الكوفة يقال له: عمّار مرّة على الطريق الحالية من سواد الكوفة فتذاكرنا أمر القائم من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال لي: يا حسن احدّثك بحديث عجيب؟ فقلت له: هات ما عندك. قال:

جاءت قافلة من طي يكتالون من عندنا من الكوفة و كان فيهم رجل و سيم و هو زعيم القافلة فقلت لمن حضر: هات الميزان من دار العلوي، فقال البدوي: و عندكم هنا علوي؟ فقلت: يا سبحان اللّه معظم الكوفة علويّون. فقال البدوي: العلوي و اللّه تركته ورائي في البرية في بعض البلدان. فقلت: و كيف خبره؟ فقال: فررنا في نحو ثلاثمائة فارس أو دونها فبقينا ثلاثة أيام بلا زاد و اشتدّ بنا الجوع فقال بعضنا لبعض: دعونا نرمي السهم على بعض الخيل نأكلها فاجتمع رأينا على ذلك و رمينا بسهم فوقع على فرسي فغلطتهم و قلت: ما أقنع فعدنا بسهم آخر فوقع عليها أيضا، فلم أقبل و قلت: نرمي بثالث فرمينا فوقع عليها أيضا، و كانت عندي‏

____________

(1)- البحار: 52/ 74 ح 55.

(2)- سورة الحج: 40.

(3)- البحار: 52/ 75 ح 55.

13

تساوي ألف دينار و هي أحبّ إليّ من ولدي فقلت: دعوني أتزوّد من فرسي بمشوار فإلى اليوم ما أجد بها غاية، فركضتها إلى رابية بعيدة منّا قدر فرسخ فمررت بجارية تحطب تحت الرابية فقلت: يا جارية من أنت و من أهلك؟ فقالت: أنا لرجل علوي في هذا الوادي و مضت من عندي فرفعت مئزري على رمحي و أقبلت إلى أصحابي فقلت لهم: أبشروا بالخير، الناس منكم قريب في هذا الوادي، فمضينا فإذا بخيمة في وسط الوادي فطلع إلينا منها رجل صبيح الوجه أحسن من يكون من الرجال، ذؤابته إلى سرّته و هو يضحك و يجيئنا بالتحية فقلت: يا وجه العرب العطش، فنادى: يا جارية هاتي من عندك الماء، فجاءت الجارية و معها قد حان فيهما ماء فتناول منهما قدحا و وضع يده فيه و ناولنا إيّاه، و كذلك فعل بالآخر فشربنا عن أقصانا من القدحين و أرجعناهما عليه و ما نقص القدحان، فلمّا روينا قلنا له: الجوع يا وجه العرب، فرجع بنفسه و دخل الخيمة و أخرج بيده منسفة فيها زاد و قد وضع يده و قال: يجي‏ء منكم عشرة عشرة فأكلنا جميعا من تلك المنسفة و اللّه يا فلان ما تغيّرت و لا نقصت. فقلنا: نريد الطريق الفلاني؟ فقال: هذاك دربكم، و أومى لنا إلى معلم، و مضينا فلمّا بعدنا عنه قال بعضنا لبعض: أنتم خرجتم من أهلكم لكسب و المكسب قد حصل لكم فنهى بعضنا بعضا و أمر بعضنا به ثمّ اجتمع رأينا على أخذهم فرجعنا فلما رآنا راجعين شدّ وسطه بمنطقة و أخذ سيفا فتقلّد به و أخذ رمحه و ركب فرسا أشهب و التقانا و قال: لا تكن أنفسكم القبيحة دبّرت لكم القبيح. فقلنا: هو كما ظننت و رددنا عليه ردّا قبيحا فزعق بزعقات فما رأينا إلّا من داخل قلبه الرعب و ولّينا من بين يديه منهزمين فخط خطة بيننا و بينه و قال: و حقّ جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا يعبرنّها أحد منكم إلّا ضربت عنقه فرجعنا و اللّه عنه بالرغم منّا. هذاك العلوي حقّا لا من هو مثل هؤلاء (1).

الحكاية التاسعة: في العوالم عن سيّد علي بن عبد الحميد في كتاب السلطان المفرج عن أهل الإيمان ما أخبرني من أثق به و هو خبر مشهور عند أكثر أهل المشهد الغروي: أن الدار التي هي الآن سنة سبعمائة و تسع و ثمانين أنا ساكنها كانت لرجل من أهل الخير و الصلاح يدعى الحسين المدلّل ملاصقة بجدران الحضرة الشريفة و هو مشهور بالمشهد الشريف الغروي و كان الرجل له عيال و أطفال فأصابه فلج و مكث مدّة لا يقدر على القيام‏

____________

(1)- البحار: 52/ 76 ح 55.

14

و إنّما يرفعه عياله عند حاجته و ضروراته و مكث على ذلك مدّة مديدة، فدخل على عياله و أهله بذلك شدّة شديدة و احتاجوا إلى الناس و اشتد عليهم الناس، فلمّا كان سنة عشرين و سبعمائة هجرية في ليلة من لياليها بعد ربع الليل نبّه عياله فانتبهوا في الدار فإذا الدار و السطح قد امتلئا نورا يأخذ بالأبصار فقالوا: ما الخبر؟ فقال: إنّ الإمام جاءني و قال: قم يا حسين، فقلت: يا سيدي أ تراني أقدر على القيام؟ فأخذ بيدي و أقامني فذهب ما بي و ها أنا صحيح على أتمّ ما ينبغي. و قال لي: هذا الساباط دربي إلى زيارة جدّي فأغلقه في كلّ ليلة، فقلت: سمعا و طاعة للّه و لك يا مولاي، فقام الرجل و خرج إلى الحضرة الشريفة الغروية و زار الإمام و حمد اللّه تعالى على ما حصل له من الإنعام و صار هذا الساباط المذكور إلى الآن ينذر له عند الضرورات فلا يكاد يخيب ناذره من المبرّات ببركات الإمام القائم (عليه السّلام)(1).

الحكاية العاشرة: في جنّة المأوى للمحدّث النوري طاب ثراه عن السيّد المعظم المبجّل بهاء الدين علي بن عبد الحميد الحسيني النجفي عن الشهيد الأوّل في كتاب الغيبة عن الشيخ العالم الكامل القدوة المقرئ الحافظ المحمود الحاج المعتمر شمس الحق و الدين محمد بن قارون قال: دعيت إلى امرأة فأتيتها و أنا أعلم أنّها مؤمنة من أهل الخير و الصلاح فزوّجها أهلها من محمود الفارس المعروف بأخي بكر و يقال له و لأقاربه بنو بكر، و أهل فارس مشهورون بشدّة التسنّن و النصب و العداوة لأهل الايمان، و كان محمود هذا أشدّهم في الباب و قد وفّقه اللّه تعالى للتشيّع دون أصحابه فقلت: وا عجباه كيف سمح أبوك لك و جعلك مع هؤلاء النصّاب و كيف اتّفق لزوجك مخالفة أهله حتّى رفضهم؟ فقالت: يا أيّها المقرئ إنّ له حكاية عجيبة إذا سمعها أهل الأدب حكموا أنها من العجب.

قلت: و ما هي؟ قالت: سله عنها سيخبرك. قال الشيخ: فلمّا حضرنا عنده قلت له: يا محمود ما الذي أخرجك عن ملّة أهلك و أدخلك مع الشيعة؟ فقال: يا شيخ لما اتضح لي الحقّ تبعته، اعلم أنه قد جرت عادة أهل الفرس أنهم إذا سمعوا بورود القوافل يتلقونهم فاتّفق أنّا سمعنا بورود قافلة كبيرة فخرجت و معي صبيان كثيرون و أنا إذ ذاك صبي مراهق، فاجتهدنا في طلب القافلة بجهلنا و لم نفكّر في عاقبة الأمر و صرنا كلّما انقطع منّا صبي من التعب يرمونه إلى الضعف فضللنا عن الطريق و وقعنا في واد لم نكن نعرفه و فيه شوك و شجر

____________

(1)- إثبات الهداة: 3/ 705 باب 3 ح 155 و البحار: 52/ 74.

15

و دغل لم نر مثله قط، فأخذنا في السير حتّى عجزنا و تدلّت ألسنتنا على صدورنا من العطش فأيقنّا بالموت و سقطنا لوجوهنا، فبينما نحن كذلك إذا بفارس على فرس أبيض قد نزل قريبا منّا و طرح مفرشا لطيفا لم نر مثله تفوح منه رائحة طيبة، فالتفتنا إليه و إذا بفارس آخر على فرس أحمر عليه ثياب بيض و على رأسه عمامة له ذؤابتان، فنزل على ذلك المفرش ثمّ قام فصلّى بصاحبه ثمّ جلس للتعقيب فالتفت إليّ و قال (عليه السّلام): يا محمود. فقلت بصوت ضعيف:

لبّيك يا سيدي. قال: ادن منّي. فقلت: لا أستطيع لما بي من العطش و التعب. قال (عليه السّلام): لا بأس عليك. فلمّا قالها حسبت كأن قد حدثت في نفسي روح متجدّدة فسعيت إليه حبوا فأمرّ يده على وجهي و صدري و رفعها إلى حنكي فرده حتى لصق بالحنك الأعلى و دخل لساني في فمي و ذهب ما بي وعدت بما كنت أولا. فقال (عليه السّلام): قم و ائتني بحنظلة من هذا الحنظل. و كان في الوادي حنظل كثير فأتيته بحنظلة كبيرة، فقسمها نصفين و ناولنيها و قال (عليه السّلام): كل منها فأخذتها منه و لم أقدر على مخالفته و عندها أمرني أن آكل الصبر لما عهد من مرارة الحنظل، فلمّا ذقتها فإذا هي أحلى من العسل و أبرد من الثلج شبعت و رويت، ثمّ قال لي: ادع صاحبك فدعوته فقال بلسان مكسور ضعيف: لا أقدر على الحركة. فقال (عليه السّلام): قم لا بأس عليك، فأقبل حبوا و فعل معه كما فعل معي ثمّ نهض ليركب، فقلنا: باللّه عليك يا سيدنا إلّا ما أتممت علينا نعمتك فأوصلنا إلى أهلنا. فقال: لا تعجلوا و خط حولنا برمحه خطّة و ذهب هو و صاحبه.

فقلت لصاحبي: قم بنا حتّى نقف بإزاء الجبل و نقع على الطريق فقمنا و سرنا و إذا بحائط في وجوهنا فأخذنا في غير تلك الجهة فإذا بحائط آخر و هكذا من أربع جوانبنا فجلسنا و جعلنا نبكي على أنفسنا ثمّ قلت لصاحبي: ائتني من هذا الحنظل لنأكله فأتى به فإذا هو أمرّ من كلّ شي‏ء و أقبح فرمينا به. ثمّ لبثنا هنيئة و إذا قد استدار بنا الوحش ما لم يعلم إلّا اللّه عدده و كلّما أرادوا القرب منّا منعهم ذلك الحائط فإذا ذهبوا زال الحائط و إذا عادوا عاد قال: فبتنا تلك الليلة آمنين حتّى أصبحنا و طلعت الشمس و اشتدّ الحرّ و أخذنا العطش فجزعنا أشدّ الجزع و إذا بالفارسين قد أقبلا و فعلا كما فعلا بالأمس، فلمّا أراد مفارقتنا قلنا له: باللّه عليك إلّا أوصلتنا إلى أهلنا فقال: أبشرا فسيأتيكما من يوصلكما إلى أهليكما، ثمّ غابا فلمّا كان آخر النهار إذا برجل من فراسنا و معه ثلاث أحمرة قد أقبل ليحتطب فلمّا رآنا ارتاع منّا و انهزم‏

16

و ترك حميره فصحنا إليه باسمه و تسمّينا له، فرجع و قال: يا ويلكما إنّ أهاليكما أقاموا عزاءكما، قوما لا حاجة لي في الحطب، فقمنا و ركبنا تلك الأحمرة فلمّا قربنا من البلد دخل أمامنا و خبّر أهلنا، و فرحوا فرحا شديدا و أكرموه و أخلعوا عليه، فلمّا دخلنا إلى أهلينا سألونا عن حالنا فحكينا لهم بما شاهدناه فكذّبونا و قالوا هو تخييل لكم من العطش.

قال محمود: ثمّ أنساني الدهر حتّى كأن لم يكن و لم يبق على خاطري شي‏ء منه حتى بلغت عشرين سنة و تزوّجت و صرت أخرج في المكاراة و لم يكن في أهلي أشدّ منّي نصبا لأهل الايمان سيّما زوّار الأئمّة بسرّ من رأى، فكنت أكريهم الدواب بالقصد لأذيّتهم بكلّ ما أقدر عليه من السرقة و غيرها، و أعتقد أنّ ذلك ممّا يقرّبني إلى اللّه تعالى، فاتّفق أن أكريت دوابي مرّة لقوم من أهل الحلّة و كانوا قادمين إلى الزيارة و منهم ابن السهيلي و ابن عرفة و ابن جارب و ابن الزهدري و غيرهم من أهل الصلاح و مضيت إلى بغداد و هم يعرفون ما أنا عليه من العناد، فلمّا خلوا بي من الطريق و قد امتلئوا عليّ غيظا و حنقا لم يتركوا شيئا من القبيح إلّا فعلوه بي و أنا ساكت لا أقدر عليهم لكثرتهم، فلمّا وصلنا بغداد ذهبوا إلى الجانب الغربي فنزلوا هناك و قد امتلأ فؤادي حنقا فلمّا جاء أصحابي قمت إليهم و لطمت على وجهي و بكيت. فقالوا: ما لك و ما دهاك؟ فحكيت لهم ما جرى من اولئك القوم فأخذوا في سبّهم و لعنهم، و قالوا: طب نفسا فإنّا نجتمع معهم في الطريق إذا خرجوا و نصنع بهم أعظم ممّا صنعوا، فلمّا جنّ الليل أدركتني السعادة فقلت في نفسي إنّ هؤلاء الرفضة لا يرجعون عن دينهم بل غيرهم إذا زهد يرجع إليهم فما ذلك إلّا لأنّ الحقّ معهم، فبقيت متفكّرا في ذلك و سألت ربّي بنبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يريني في ليلة علامة أستدلّ بها على الحقّ الذي فرضه اللّه تعالى على عباده، فأخذني النوم فإذا أنا بالجنّة قد زخرفت و إذا فيها أشجار عظيمة مختلفة الألوان و الثمار ليست مثل أشجار الدنيا، لأن أغصانها مدلاة و عروقها إلى فوق و رأيت أربعة أنهار من خمر و لبن و عسل و ماء و هي تجري و ليس لها زاجر بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها لشربت، و رأيت نساء حسنة الأشكال و رأيت قوما يأكلون من تلك الثمار و يشربون من تلك الأنهار و أنا لا أقدر على ذلك، فكلّما أردت أن أتناول من الثمار تصعد إلى فوق و كلّما هممت أن أشرب من تلك الأنهار تغور إلى تحت، فقلت للقوم: ما بالكم تأكلون و تشربون و أنا لا أطيق ذلك؟

17

فقالوا: إنّك لم تأت إلينا بعد، فبينا أنا كذلك و إذا بفوج عظيم فقلت: ما الخبر؟ فقالوا:

سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السّلام) قد أقبلت، فنظرت فإذا بأفواج من الملائكة على أحسن هيئة ينزلون من الهواء إلى الأرض و هم حافّون بها، فلمّا دنت فإذا بالفارس الذي خلّصنا من العطش بإطعامه لنا الحنظل قائم بين يدي فاطمة، فلمّا رأيته عرفته و ذكرت تلك الحكاية و سمعت القوم يقولون: هذا م ح م د بن الحسن القائم (عليه السّلام) المنتظر، فقام الناس و سلّموا على فاطمة (عليها السّلام) فقمت أنا و قلت: السلام عليك يا بنت رسول اللّه. فقالت: و عليك السلام يا محمود، أنت الذي خلّصك ولدي هذا من العطش؟ فقلت: نعم يا سيدتي. فقالت: إن دخلت مع شيعتنا أفلحت. فقلت: أنا داخل في دينك و دين شيعتك مقرّ بإمامة من مضى من بنيك و من بقي منهم. فقالت: أبشر فقد فزت. قال محمود: فانتبهت و أنا أبكي و قد ذهل عقلي ممّا رأيت فانزعج أصحابي لبكائي و ظنّوا أنّه ممّا حكيت لهم. فقالوا: طب نفسا فو اللّه لننتقمن من الرفضة فسكتّ عنهم حتّى سكتوا و سمعت المؤذّن يعلن بالأذان فقمت إلى الجانب الغربي و دخلت منزل أولئك الزوّار فسلّمت عليهم، فقالوا: لا أهلا و لا سهلا، اخرج عنّا لا بارك اللّه فيك.

فقلت: إنّي قد عدت معكم و دخلت عليكم لتعلّموني معالم الدين فبهتوا من كلامي و قال بعضهم: كذب و قال آخرون: جاز أن يصدق، فسألوني عن سبب ذلك فحكيت لهم ما رأيت فقالوا: إن صدقت فإنّا ذاهبون إلى مشهد الإمام موسى بن جعفر (عليهما السّلام) فامض معنا حتّى نشيّعك هناك، فقلت: سمعا و طاعة و جعلت أقبّل أيديهم و أقدامهم و حملت إخراجهم و أنا أدعو لهم حتّى وصلنا إلى الحضرة الشريفة فاستقبلنا الخدّام و معهم رجل علوي كان أكبرهم فسلّموا على الزوّار فقالوا له: افتح لنا الباب حتّى نزور سيّدنا و مولانا فقال: حبّا و كرامة و لكن معكم شخص يريد أن يتشيّع و رأيته في منامي واقفا بين يدي سيّدتي فاطمة الزهراء (صلوات اللّه عليها)، فقالت لي: يأتيك غدا رجل يريد أن يتشيّع فافتح له الباب قبل كلّ أحد، و لو رأيته الآن لعرفته فنظر القوم بعضهم إلى بعض متعجّبين.

قالوا: فشرع ينظر إلى واحد واحد فقال: اللّه أكبر هذا و اللّه هو الرجل الذي رأيته، ثمّ أخذ بيدي فقال القوم: صدقت يا سيّد و بررت، و صدق هذا الرجل بما حكاه و استبشروا بأجمعهم و حمدوا اللّه تعالى، ثمّ إنّه أدخلني الحضرة الشريفة و شيّعني و تولّيت و تبرّيت‏

18

فلمّا تمّ أمري قال العلوي: و سيّدتك فاطمة (عليها السّلام) تقول لك سيلحقك بعض حطام الدنيا فلا تحفل به و سيخلفه اللّه عليك و ستحصل في مضائق فاستغث بنا تنج، فقلت: السمع و الطاعة و كان لي فرس قيمتها مائتا دينار فماتت و خلف اللّه عليّ مثلها و أضعافها و أصابني مضائق فندبتهم و نجوت، و فرّج اللّه عنّي بهم و أنا اليوم أوالي من والاهم و أعادي من عاداهم و أرجو بهم حسن العاقبة، ثمّ إنّي سعيت إلى رجل من الشيعة فزوّجني هذه المرأة و تركت أهلي فما قبلت التزويج منهم. و هذا ما حكى لي في تاريخ شهر رجب سنة ثمان و ثمانين و سبعمائة من الهجرة و الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة على محمّد و آله‏ (1).

الحكاية الحادية عشرة: فيه بحذف الأسانيد عن كمال الدين أحمد بن محمد بن يحيى الأنباري بمدينة السلام ليلة عاشر شهر رمضان سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة قال: كنّا عند الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة في رمضان بالسنة المقدم ذكرها و نحن على طبقة و عنده جماعة فلمّا أفطر من كان حاضرا- و يعوض أكثر من حضر حاضرا- أردنا الانصراف فأمرنا بالتمسّي عنده فكان في مجلسه في تلك الليلة شخص لا أعرفه و لم أكن رأيته من قبل، و رأيت الوزير يكثر إكرامه و يقرّب مجلسه و يصغي إليه و يسمع قوله دون الحاضرين، فتجارينا الحديث و المذاكرة حتّى أمسينا و أردنا الانصراف فعرّفنا بعض أصحاب الوزير أن الغيث ينزل و أنه يمنع من يريد الخروج، فأشار الوزير أن نمسي عنده فأخذنا نتحادث فأفضى الحديث حتّى تحادثنا في الأديان و المذاهب و رجعنا إلى دين الإسلام و تفرّق المذاهب فيه، فقال الوزير: أقل طائفة مذهب الشيعة و ما يمكن أكثر منهم في خطتنا هذه و هم الأقلّ من أهلها و أخذ يذمّ أحوالهم و يحمد اللّه على قتلهم في أقاصي الأرض، فالتفت الشخص الذي كان الوزير مقبلا عليه مصغيا إليه فقال له: أدام اللّه أيّامك أحدّث بما عندي فيما قد تفاوضتم فيه أو أعزب عنه فصمت الوزير ثمّ قال: قل ما عندك، فقال: خرجت مع والدي سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة من مدينتنا و هي المعروفة بالباهية و لها الرستاق‏ (2) التي يعرفها التجّار و عدّة ضياعها ألف و مائتا ضيعة في كلّ ضيعة من الخلق ما لا يحصي‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 202- 208 المطبوع بذيل بحار الأنوار ج 53.

(2)- الرستاق فارسي معرّب و هي السواد (الصحاح: 4/ 1481) و في مجمع البحرين: (2/ 174) يستعمل في الناحية: طرف الاقليم.

19

عددهم إلّا اللّه و هم قوم نصارى، و جميع الجزائر التي كانت حولهم على دينهم و مذهبهم، و مسير بلادهم و جزائرهم مدّة شهرين و بينهم و بين البرّ مسيرة عشرين يوما و كلّ من في البر من الأعراب و غيرهم نصارى و تتصل بالحبشة و النوبة و كلّهم نصارى و تتصل بالبربر و هم على دينهم، فإن حدّ هذا كان بقدر كلّ من في الأرض و لم نضف إليهم الافرنج و الروم، و غير خفي عنكم من بالشام و العراق و الحجاز من النصارى، و اتفق أننا سرنا في البحر و أوغلنا و تعدينا الجهات التي كنّا نصل إليها و رغبنا في المكاسب، و لم نزل على ذلك حتّى صرنا إلى جزائر عظيمة كثيرة الأشجار مليحة الجدران فيها المدن المدوّرة و الرساتيق، و أوّل مدينة وصلنا إليها و ارسيت المراكب بها و قد سألنا الناخدا (1): أيّ شي‏ء هذه الجزيرة؟

قال: و اللّه إنّ هذه جزيرة لم أصل إليها و لم أعرفها و أنا و أنتم في معرفتها سواء، فلمّا أرسينا بها و صعد التجّار إلى مشرعة تلك المدينة و سألنا ما اسمها فقيل: هي المباركة، فسألنا عن سلطانهم و ما اسمه، الطاهر، فقلنا: و أين سرير ملكه؟ فقيل: بالزاهرة. فقلنا:

و أين الزاهرة؟ فقالوا: بينكم و بينها مسيرة عشر ليال في البحر و خمس و عشرين ليلة في البر، و هم قوم مسلمون. فقلنا: من يقبض زكاة ما في المركب لنشرع في البيع و الابتياع؟ فقال:

تحضرون عند نائب السلطان. فقلنا: و أين أعوانه؟ فقالوا: لا أعوان له بل هو في داره و كلّ من عليه حقّ يحضر عنده فيسلّمه إليه، فتعجّبنا من ذلك و قلنا: ألا تدلّونا عليه؟ فقالوا: بلى، و جاء معنا من أدخلنا داره، فرأيناه رجلا صالحا عليه عباءة و هو مفرشها و بين يديه دواة يكتب منها من كتاب ينظر إليه، فسلّمنا عليه فردّ علينا السلام و حيّانا و قال: من أين أقبلتم؟

فقلنا: من أرض كذا و كذا، فقال: كلّكم مسلمون؟

فقلنا: لا، بل فينا المسلم و اليهود و النصارى فقال: يزن اليهودي جزيته و النصراني جزيته و يناظر المسلم عن مذهبه، فوزن والدي عن خمس نفر نصارى و عنه و عنّي و عن ثلاثة نفر كانوا معنا ثمّ وزن تسعة نفر كانوا يهودا و قالوا للباقين هاتوا مذاهبكم فشرعوا معه في مذاهبهم فقال: لستم مسلمين، و إنّما أنتم خوارج و أموالكم محلّلة للمسلم المؤمن، و ليس بمسلم من لم يؤمن باللّه و رسوله و اليوم الآخر و بالوصي و الأوصياء من ذريّته حتّى مولانا صاحب الزمان (صلوات اللّه عليهم)، فضاقت بهم الأرض و لم يبق إلّا أخذ أموالهم، ثمّ قال لنا:

____________

(1)- كلمة فارسية الأصل معناها ربّان السفينة.

20

يا أهل الكتاب لا معارضة لكم فيما معكم حيث أخذت الجزية منكم، فلمّا عرف أولئك أن أموالهم معرّضة للنهب سألوه أن يحتملهم إلى سلطانهم فأجاب سؤالهم و تلا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (1) فقلنا للناخدا و الربان و هو الدليل: هؤلاء قوم قد عاشرناهم و صاروا لنا رفقة و ما يحسن لنا أن نتخلّف عنهم، أينما يكونوا نكن معهم حتّى نعلم ما يستقر حالهم عليه. فقال الربان: ما أعلم هذا البحر أين المسير فيه و استأجرنا ربانا و رجالا و قلعنا القلع و سرنا ثلاثة عشر يوما بلياليها حتّى كان قبل طلوع الفجر فكبّر الربان فقال: هذه و اللّه أعلام الزاهرة و منائرها و جدرانها، إنّها قد بانت، فسرنا حتّى تضاحى النهار فقدمنا إلى مدينة لم تر العيون أحسن منها و لا أخف على القلب و لا أرق من نسيمها و لا أطيب من هوائها و لا أعذب من مائها و هي راكبة البحر على جبل من صخر أبيض كأنه لون الفضة، و عليها سور إلى ما يلي البحر، و البحر يحيط الذي يليه منها و الأنهار منحرفة في وسطها يشرب منها أهل الدور و الأسواق و تأخذ منها الحمامات و فواضل الأنهار، ترى في البحر و مدّ الأنهار فرسخ و نصف، و في تحت ذلك الجبل بساتين المدينة و أشجارها و مزارعها عند العيون، و أثمار تلك الأشجار لا يرى أطيب منها و لا أعذب منها، و يرعى الذئب و النعجة عيانا و لو قصد قاصد لتخلية دابة في زرع غيره لأرعته و لأقطعته قطعة حمله، و لقد شاهدت السباع و الهوام رابضة في غيض تلك المدينة و بنو آدم يمرّون عليها فلا تؤذيهم، فلمّا قدمنا المدينة، و أرسى المركب فيها و ما كان صحبنا من الشّوالي‏ (2) و الذوابيح من المباركة بشريعة الزاهرة، صعدنا فرأينا مدينة عظيمة عيناء كثيرة الخلق وسيعة الربقة و فيها الأسواق الكثيرة و المعاش العظيم، و ترد إليها الخلق من البر و البحر و أهلها على أحسن قاعدة، لا يكون على وجه الأرض من الامم و الأديان مثلهم و أمانتهم، حتّى أنّ المتعيش بسوق يرد إليه من يبتاع منه حاجة إما بالوزن أو بالذراع فيبايعه عليها، ثمّ يقول: يا هذا زن لنفسك و اذرع لنفسك، فهذه صورة مبايعتهم، و لا يسمع بينهم لغو المقال و لا السفه و لا النميمة و لا يسبّ بعضهم بعضا، و إذا نادى المؤذن: الأذان، لا يتخلّف منهم متخلّف ذكرا كان أو انثى إلّا و يسعى إلى الصلاة، حتّى إذا قضيت الصلاة للوقت المفروض رجع كلّ منهم إلى بيته حتّى يكون وقت الصلاة الاخرى فتكون الحال كما كانت، فلمّا وصلنا

____________

(1)- سورة الأنفال: 42.

(2)- قرية بمرو.

21

المدينة و أرسينا بمشرعتها أمرونا بالحضور إلى عند السلطان فحضرنا داره و دخلنا إليه إلى بستان صور في وسطه قبّة من قصب و السلطان في تلك القبّة و عنده جماعة و في باب القبّة ساقية تجري، فوافينا القبّة و قد أقام المؤذن الصلاة فلم يكن أسرع من أن امتلأ البستان بالناس و أقيمت الصلاة فصلّى بهم جماعة فلا و اللّه لم تنظر عيني أخضع منه للّه و لا ألين جانبا لرعيته، فصلّى من صلّى مأموما، فلمّا قضيت الصلاة التفت إلينا و قال: هؤلاء القادمون؟

قلنا: نعم، و كانت تحية الناس له أو مخاطبتهم له بابن صاحب الأمر، فقال: على خير مقدم، ثمّ قال: أنتم تجّار أو ضياف؟ فقلنا: تجّار، فقال: من منكم المسلم و من منكم أهل الكتاب؟ فعرّفناه ذلك، فقال: أنّ الإسلام تفرّق شعبا فمن أي قبيل أنتم؟ و كان معنا شخص يعرف بالمقرى بن زبهان بن أحمد الأهوازي يزعم أنّه على مذهب الشافعي، فقال له: أنا رجل شافعي، قال: فمن على مذهبك من الجماعة؟ قال: كلّنا إلّا هذا حسّان بن غيث فإنّه رجل مالكي، فقال: أنت تقول بالإجماع؟ قال: نعم، قال: إذا تعمل بالقياس، ثمّ قال: باللّه يا شافعي تلوت ما أنزل اللّه يوم المباهلة؟

قال: نعم، قال: ما هو؟ قال قوله تعالى‏ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏ (1) فقال باللّه عليك من أبناء الرسول و من نساؤه و من نفسه يا بن زبهان؟ فأمسك، فقال: باللّه هل بلغك أن غير الرسول و الوصي و البتول و السبطين دخل تحت الكساء؟ قال: لا، فقال: و اللّه لم تنزل هذه الآية إلّا فيهم و لا خصّ بها سواهم، ثمّ قال: باللّه عليك يا شافعي ما تقول فيمن طهّره اللّه بالدليل القاطع فهل ينجسه المختلفون؟ قال: لا، قال: باللّه عليك هل تلوت‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2) قال: نعم، قال: باللّه عليك من يعني بذلك؟ فأمسك، فقال:

و اللّه ما عنى بها إلّا أهلها، ثمّ بسط لسانه و تحدّث بحديث أمضى من السهام و أقطع من الحسام فقطع الشافعي و واقفه، فقام عند ذلك فقال: عفوا يا بن صاحب الأمر، انسب إليّ نسبك فقال: أنا طاهر بن محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن‏

____________

(1)- سورة آل عمران: الآية 61.

(2)- سورة الأحزاب: الآية 33.

22

محمد بن علي بن الحسين بن علي (عليه السّلام) أنزل اللّه فيه‏ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏ (1) هو و اللّه الإمام المبين، و نحن الذين أنزل اللّه في حقّنا ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (2) يا شافعي: نحن أهل البيت، نحن ذرية الرسول و نحن أولو الأمر، فخرّ الشافعي مغشيا عليه لما سمع منه، ثمّ أفاق من غشيته و آمن به و قال: الحمد للّه الذي منحني بالإسلام و نقلني من التقليد إلى اليقين، ثمّ أمر لنا بإقامة الضيافة فبقينا على ذلك ثمانية أيام و لم يبق في المدينة إلّا من جاء إلينا و حادثنا فلمّا انقضت الأيّام الثمانية أخذ يسأله أهل المدينة أن يقوموا لنا بالضيافة ففتح لهم في ذلك فأكثر علينا الأطعمة و الفواكه و عملت لنا الولائم و لبثنا في تلك المدينة سنة كاملة، فعلمنا و تحقّقنا أن تلك المدينة مسيرة شهرين كاملة برّا و بحرا، و بعدها مدينة اسمها الرائقة سلطانها القاسم ابن صاحب الأمر مسيرة ملكها شهران، و هي على تلك القاعدة و لها دخل عظيم، و بعدها مدينة اسمها الصافية سلطانها إبراهيم ابن صاحب الأمر بالحكام، و بعدها مدينة اسمها مظلوم سلطانها عبد الرحمن ابن صاحب الأمر مسيرة رستاقها و ضياعها شهران، و بعدها مدينة أخرى اسمها عناطيس سلطانها هاشم ابن صاحب الأمر و هي أعظم المدن كلّها و أكبرها و أعظم دخلا و مسيرة ملكها أربعة أشهر فيكون مسيرة المدن الخمس و المملكة مقدار سنة لا يوجد في أهل تلك الخطط و المدن و الضياع و الجزائر غير المؤمن الشيعي الموحّد القائل بالبراءة و الولاية الذي يقيم الصلاة و يؤتي الزكاة و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، سلاطينهم أولاد إمامهم، يحكمون بالعدل و به يأمرون، و ليس على وجه الأرض مثلهم، و لو جمع أهل الدنيا لكانوا أكثر عددا منهم على اختلاف الأديان و المذاهب، و لقد أقمنا عندهم سنة كاملة نترقّب ورود صاحب الأمر إليهم لأنّهم زعموا أنّها سنة وروده، فلم يوفّقنا اللّه تعالى إلى النظر إليه، فأمّا ابن زبهان و حسّان فإنّهما أقاما بالزاهرة يرقبان رؤيته (عليه السّلام) و قد كنّا لما استكثرنا هذه المدن و أهلها سألنا عنها فقيل: إنّها عمارة صاحب الأمر (عليه السّلام) و استخراجه، فلمّا سمع عون الدين ذلك نهض و دخل حجرة لطيفة و قد تقضى الليل فأمر بإحضارنا واحدا واحدا و قال: إيّاكم و إعادة ما سمعتم أو إجراءه على ألفاظكم و شدده و أخذ علينا، فخرجنا من عنده و لم يعد أحد منّا ممّا سمعه حرفا واحدا حتّى هلك، و كنّا إذا حضرنا موضعا و اجتمع و احدنا بصاحبه قال:

____________

(1)- سورة يس: الآية 12.

(2)- سورة آل عمران: الآية 34.

23

أتذكر شهر رمضان، فيقول: نعم، ستر الحال شرط، فهذا ما سمعته و رويته و الحمد للّه وحده و صلواته على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين و الحمد للّه ربّ العالمين‏ (1).

الحكاية الثانية عشرة: فيه عن المولى زين العابدين السلماسي تلميذ آية اللّه السيّد السند و العالم المسدّد و فخر الشيعة و زينة الشريعة العلّامة الطباطبائي السيّد محمد مهدي المدعو ببحر العلوم أعلى اللّه درجته، و كان المولى المزبور من خاصّته في السرّ و العلانية قال: كنت حاضرا في مجلس السيّد في المشهد الغروي إذ دخل عليه لزيارته المحقّق القمّي صاحب القوانين في السنة التي رجع من [بلاد] (2) العجم إلى العراق زائرا لقبور الأئمّة (عليهم السّلام) و حاجّا لبيت اللّه الحرام فتفرّق من كان في المجلس و حضر للاستفادة منه و كانوا أزيد من مائة و بقيت ثلاثة من أصحابه أرباب الورع و السداد البالغين إلى رتبة الاجتهاد فتوجّه المحقّق الأيد إلى جناب السيّد و قال: إنّكم فزتم و حزتم مرتبة الولاية الروحانية و الجسمانية و قرب المكان الظاهري و الباطني فتصدّقوا علينا بذكر مائدة من موائد تلك الخوان و ثمرة من الثمار التي جنيتم من هذه الجنان كي تنشرح به الصدور و تطمئن به القلوب، فأجاب السيّد من غير تأمّل و قال: إنّي كنت في الليلة الماضية قبل ليلتين أو أقل- و الترديد من الراوي- في المسجد الأعظم بالكوفة لأداء نافلة الليل عازما على الرجوع إلى النجف في أوّل الصبح لئلّا يتعطّل أمر البحث و المذاكرة و هكذا كان دأبه في سنين عديدة، فلمّا خرجت من المسجد ألقي في روعي الشوق إلى مسجد السهلة فصرفت خيالي عنه خوفا من عدم الوصول إلى البلد قبل الصبح فيفوت البحث في اليوم، و لكن كان الشوق يزيد في كلّ آن و يميل القلب إلى ذلك المكان، فبينا أقدّم رجلا و أؤخّر أخرى إذا بريح فيها غبار كثير فهاجت بي و أمالتني عن الطريق فكأنّها التوفيق الذي هو خير رفيق إلى أن ألقتني إلى باب المسجد فدخلت فإذا به خال عن العباد و الزوّار إلّا شخصا جليلا مشغولا بالمناجاة مع الجبّار بكلمات ترقّق القلوب القاسية و تسيح الدموع من العيون الجامدة، فطار بالى و تغيّرت حالي و رجفت ركبتي و هملت دمعتي من استماع تلك الكلمات التي لم تسمعها اذني و لم ترها عيني ممّا وصلت إليه من الأدعية المأثورة، و عرفت أن المناجي ينشئها في الحال لا أنّه‏

____________

(1)- بطوله في الصراط المستقيم عن الانباري: 2/ 264- 265 فصل في علامات القائم و مدّته.

(2)- زيادة يقتضيها السياق.

24

ينشد ممّا أودعه في البال، فوقفت في مكاني مستمعا متلذّذا إلى أن فرغ من مناجاته فالتفت إليّ و صاح بلسان العجم: مهدي بيا، أي: هلم يا مهدي، فتقدّمت إليه بخطوات فوقفت فأمرني بالتقدّم فمشيت قليلا ثمّ وقفت فأمرني بالتقدّم و قال: إنّ الأدب في الامتثال، فتقدّمت إليه بحيث تصل يدي إليه و يده الشريفة إليّ و تكلّم بكلمة. قال المولى السلماسي:

و لمّا بلغ كلام السيّد السند إلى هنا أضرب عنه صفحا و طوى عنه كشحا و شرح في الجواب عمّا سأله المحقّق المذكور قبل ذلك عن سرّ قلّة تصانيفه مع طول باعه في العلوم فذكر له وجوها، فعاد المحقّق القمّي فسأل عن هذا الكلام الخفي، فأشار بيده شبه المنكر بأن هذا سرّ لا يذكر (1).

الحكاية الثالثة عشرة: و فيه عن المولى السلماسي قال: كنت حاضرا في مجلس إفادته فسأله رجل عن إمكان رؤية الطلعة الغرّاء في الغيبة الكبرى و كانت بيده الآلة المعروفة بشرب الدخان المسمّى عند العجم ب: (غليان) فسكت عن جوابه و طأطأ رأسه و خاطب نفسه بكلام خفي أسمعه فقال ما معناه: ما أقول في جوابه قد ضمّني (صلوات اللّه عليه) إلى صدره، و ورد أيضا في الخبر تكذيب مدّعي الرؤية في أيّام الغيبة، فكرّر هذا الكلام ثمّ قال في جواب السائل: إنّه قد ورد في أخبار العصمة تكذيب من ادّعى رؤية الحجّة (عجّل اللّه تعالى فرجه). و اقتصر في جوابه عليه من غير إشارة إلى ما أشار إليه‏ (2).

الحكاية الرابعة عشرة: و بهذا السند عن المولى المذكور قال: صلّينا مع جنابه في داخل حرم العسكريين، فلمّا أراد النهوض من التشهّد إلى الركعة الثالثة عرضته حالة فوقف هنيئة ثمّ قام، و لما فرغنا تعجّبنا كلّنا و لم نفهم ما كان وجهه و لم يجترئ أحد منّا على السؤال عنه إلى أن أتينا المنزل و أحضرت المائدة فأشار إليّ بعض السادة من أصحابنا أن أسأله منه، فقلت: لا و أنت أقرب منّا، فالتفت (رحمه اللّه) إليّ و قال: فيم تتقاولون؟

قلت: و كنت أجسر الناس عليه: إنّهم يريدون الكشف عمّا عرض لكم في حال الصلاة، فقال: إنّ الحجّة (عجّل اللّه تعالى فرجه) دخل الروضة للسلام على أبيه (عليه السّلام) فعرضني ما رأيتم من مشاهدة جماله الأنور إلى أن خرج منها (3).

____________

(1)- جنة المأوى: 234- 236 الحكاية التاسعة.

(2)- جنة المأوى: 236 الحكاية العاشرة.

(3)- جنة المأوى: 237 الحكاية الحادية عشرة.

25

الحكاية الخامسة عشرة: فيه بهذا السند عن ناظر أموره (رحمه اللّه) في أيّام مجاورته بمكة قال:

كان (رحمه اللّه) مع كونه في بلد الغربة منقطعا عن الأهل و الإخوة، قويّ القلب في البذل و العطاء، غير مكترث بكثرة المصارف، فاتّفق في بعض الأيّام أن لم نجد إلى درهم سبيلا فعرّفته الحال و كثرة المئونة و انعدام المال فلم يقل شيئا، و كان دأبه أن يطوف بالبيت بعد الصبح و يأتي إلى الدار فيجلس في القبّة المختصّة به و نأتي إليه ب (غليان) فيشربه ثمّ يخرج إلى قبّة أخرى تجتمع فيها تلامذته من كلّ المذاهب فيدرس لكلّ على مذهبه، فلمّا رجع من الطواف في اليوم الذي شكوته في أمسه نفاد النفقة و أحضرت الغليان على العادة فإذا بالباب يدقّه أحد فاضطرب أشد الاضطراب و قال لي: خذ الغليان و أخرجه من هذا المكان، و قام مسرعا خارجا عن الوقار و السكينة و الآداب ففتح الباب و دخل شخص جليل في هيئة الاعراب و جلس في تلك القبّة و قعد السيّد عند بابها في نهاية الذلّة و المسكنة و أشار إليّ أن لا أقرّب إليه الغليان، فقعدا ساعة يتحدّثان ثمّ قام فقام السيّد مسرعا و فتح الباب و قبّل يده و أركبه على جمله الذي أناخه عنده و مضى لشأنه و رجع السيّد متغيّر اللون و ناولني براثا و قال: هذه حوالة على رجل صرّاف قاعد في جبل الصفا فاذهب إليه و خذ منه ما أحيل عليه، قال:

فأخذتها و أتيت بها إلى الرجل الموصوف، فلمّا نظر إليها قبّلها و قال: عليّ بالحماميل فذهبت و أتيت بأربعة حماميل فجاء بالدراهم من الصنف الذي يقال له: فرانسة، يزيد كلّ واحد على خمس قرانات العجم و ما كانوا يقدرون على حمله فحملوها على أكتافهم و أتينا بها إلى الدار، و لمّا كان في بعض الأيّام ذهبت إلى الصرّاف لأسأل منه حاله و ممّن كانت تلك الحوالة فلم أر صرّافا و لا دكّانا فسألت عن بعض من حضر في ذلك المكان عن الصرّاف فقال: ما عهدنا في هذا المكان صرّافا أبدا و إنّما يقعد فيه فلان فعرفت أنه من أسرار الملك المنّان و ألطاف وليّ الرحمن‏ (1).

الحكاية السادسة عشرة: عن العالم المحقّق الخبير السيّد علي سبط السيّد المذكور المرحوم المغفور له و كان عالما مبرّزا، عن السيّد المرتضى صهر السيّد أعلى اللّه مقامه على بنت اخته و كان مصاحبا له في السفر و الحضر، مواظبا لخدماته في السرّ و العلانية قال: كنت معه في سر من رأى في بعض أسفار زيارته و كان السيّد ينام في حجرة وحده و كانت لي‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 237 الحكاية الثانية عشرة.

26

حجرة بجنب حجرته و كنت في نهاية المواظبة في أوقات خدماته بالليل و النهار و كان يجتمع إليه الناس في أوّل الليل إلى أن يذهب شطر منه في أكثر الليالي، فاتّفق أنّه في بعض الليالي قعد على عادته و الناس مجتمعون حوله فرأيته كأنّه يكره الاجتماع و يحبّ الخلوة و يتكلّم مع كلّ واحد بكلام فيه إشارة إلى تعجيله بالخروج من عنده فتفرّق الناس و لم يبق غيري فأمرني بالخروج فخرجت إلى حجرتي متفكّرا في حالته في تلك الليلة فمنعني الرقاد فصبرت زمانا فخرجت مخفيا لأتفقّد حاله فرأيت باب حجرته مغلقا فنظرت من شقّ الباب و إذا السراج بحاله و ليس فيه أحد، فدخلت الحجرة فعرفت من وضعها أنّه ما نام في تلك الليلة فخرجت حافيا متخفّيا أطلب خبره و أقفو أثره، فدخلت الصحن الشريف فرأيت أبواب قبّة العسكريين مغلقة فتفقدت أطراف خارجها فلم أجد منه أثرا فدخلت الصحن الأخير الذي فيه السرداب فرأيته مفتّح الأبواب فنزلت من الدرج حافيا متخفّيا متأنّيا بحيث لا يسمع من حسّ و لا حركة، فسمعت همهمة من صفة السرداب كأنّ أحدا يتكلّم مع الآخر و لم أميّز الكلمات إلى أن بقيت ثلاثة أو أربعة منها و كان دبيبي أخفى من دبيب النملة في الليلة الظلماء على الصخرة الصمّاء، فإذا بالسيّد قد نادى في مكانه هناك: يا سيّد مرتضى ما تصنع و لم خرجت من المنزل؟ فبقيت متحيّرا ساكتا كالخشب المسنّدة فعزمت على الرجوع قبل الجواب، ثمّ قلت في نفسي: كيف تخفي حالك على من عرفك من غير طريق الحواس، فأجبته معتذرا نادما و نزلت في خلال الاعتذار إلى حيث شاهدت الصفة فرأيته وحده واقفا تجاه القبلة ليس لغيره هناك أثر، فعرفت أنه يناجي الغائب عن أبصار البشر عليه سلام اللّه الملك الأكبر فرجعت حريّا لكل ملامة، غريقا في بحار الندامة إلى يوم القيامة (1).

الحكاية السابعة عشرة: فيه عن المولى محمد سعيد الصدتوماني و كان من تلامذة السيّد (رحمه اللّه) أنه جرى في مجلسه ذكر قضايا مصادفة رؤية المهدي (عليه السّلام) حتّى تكلّم هو في جملة من تكلّم في ذلك فقال: أحببت ذات يوم أن أصل إلى مسجد السهلة في وقت ظننته فيه فارغا من الناس، فلمّا انتهيت إليه وجدته غاصّا بالناس و لهم دويّ و لا أعهد أن يكون في ذلك الوقت فيه أحد، فدخلت فوجدت صفوفا صافّين للصلاة جامعة فوقفت إلى جنب الحائط على موضع فيه رمل فعلوته لأنظر هل أجد خللا في الصفوف فأسدّه، فرأيت موضع‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 238- 239 الحكاية الثالثة عشرة.

27

رجل واحد في صف من تلك الصفوف فذهبت إليه و وقفت فيه، فقال رجل من الحاضرين:

هل رأيت المهدي (عليه السّلام)؟ فعند ذلك سكت السيّد و كأنّه كان نائما ثمّ انتبه، فكلّما طلب منه تمام المطلب لم يتمّه‏ (1).

الحكاية الثامنة عشرة: و فيه عن السيّد الشهيد القاضي نور اللّه الشوشتري في ترجمة آية اللّه العلّامة الحلّي: أنّ من جملة مقاماته العالية أن بعض علماء أهل السنّة ممّن تلمذ عليه العلّامة (رحمه اللّه) في بعض الفنون ألف كتابا في ردّ الإمامية و أخذ يقرأه للناس في مجالسه و يضلّهم، و كان لا يعطيه أحدا خوفا من أن يردّه أحد من الإمامية، فاحتال (رحمه اللّه) في تحصيل هذا الكتاب إلى أن جعل تلمذته عليه وسيلة لأخذه الكتاب منه عارية فالتجأ الرجل و استحيى من ردّه و قال: إنّي آليت على نفسي أن لا أعطيه أحدا أزيد من ليلة فاغتنم الفرصة في هذا المقدار من الزمان، فأخذه منه و أتى به إلى البيت لينقل منه ما تيسّر منه، فلمّا اشتغل بكتابته و انتصف الليل غلبه النوم فحضر الحجّة و قال (عليه السّلام): ناولني الكتاب و خذ في نومك فانتبه العلّامة و قد تمّ الكتاب بإعجازه (عليه السّلام).

و ظاهر عبارته يوهم أنّ الملاقاة و المكالمة كان في اليقظة و هو بعيد، و الظاهر أنّه في المنام. و عن مصنّفات الفاضل الألمعي علي بن إبراهيم المازندراني و بخطّه كان معاصرا للشيخ البهائي (رحمه اللّه)، و هكذا الشيخ الجليل جمال الدين الحلّي كان علامة علماء الزمان إلى أن قال: و قد قيل إنّه كان يطلب من بعض الأفاضل كتابا لينسخه و كان هو يأبى عليه، و كان كتابا كبيرا جدّا فاتّفق أن أخذه منه مشروطا بأن لا يبقى عنده غير ليلة واحدة، و هذا كتاب لا يمكن نسخه إلّا في سنة أو أكثر، فأتى به الشيخ (رحمه اللّه) فشرع في كتابته في تلك الليلة فكتب منه صفحات و ملّه، و إذا برجل دخل عليه من الباب بصفة أهل الحجاز فسلّم و جلس، ثمّ قال:

أيّها الشيخ أنت مصطر لي الأوراق و أنا أكتب، فكان الشيخ يمصطر له الورق و ذلك الرجل يكتب و كان لا يلحق المصطر بسرعة كتابته، فلمّا نقر ديك الصباح و صاح و إذا الكتاب بأسره مكتوب تماما. و قد قيل إنّ الشيخ لما ملّ الكتابة نام فانتبه فرأى الكتاب مكتوبا (2).

الحكاية التاسعة عشرة: ذكر المحدّث الفاضل الميثمي في كتابه دار السلام عن السيّد

____________

(1)- جنّة المأوى: 240 الحكاية الرابعة عشرة.

(2)- جنّة المأوى: 255 الحكاية الخامسة و العشرون.

28

السند السيّد محمد صاحب المفاتيح ابن صاحب الرياض نقلا عن خط آية اللّه العلّامة في حاشية بعض كتبه ما ترجمته بالعربية: خرج ذات ليلة من ليالي الجمعة من بلدة الحلّة إلى زيارة قبر ريحانة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) و هو على حمار له و بيده سوط يسوق به دابّته فعرض له في أثناء الطريق رجل في زيّ الاعراب فتصاحبا و الرجل يمشي بين يديه فافتتحا بالكلام، و ساق معه الكلام من كل مقام و إذا به عالم خبير نحرير فاختبره عن بعض المعضلات و ما استصعب عليه علمها فما استتم عن كلّ من ذلك إلّا و كشف الحجاب عن وجهها و افتتح عن مغلقاتها إلى أن انجرّ الكلام في مسألة أفتى به بخلاف ما عليه العلّامة، فأنكره عليه قائلا: إنّ هذه الفتوى خلاف الأصل و القاعدة و لا بدّ لنا في خلافهما من دليل وارد عليهما مخصّص لهما، فقال العربي: الدليل عليه حديث ذكره الشيخ الطوسي في تهذيبه. فقال العلّامة: إنّي لم أعهد بهذا الحديث في التهذيب و لم يذكره الشيخ و لا غيره. فقال العربي: ارجع إلى نسخة التهذيب التي عندك الآن و عدّ منها أوراقا كذا و سطورا كذا فتجده، فلمّا سمع العلّامة بذلك و رأى أن هذا إخبار عن المغيبات تحيّر في أمر الرجل تحيّرا شديدا و اندهش في معرفته و قال في نفسه: لعلّ هذا الرجل الذي يمشي بين يدي منذ كذا و أنا في ركوبي هو الذي بوجوده تدور رحى الموجودات و به قيام الأرضين و السماوات، فبينما هو كذلك إذ وقع السوط من يده من شدّة التفكّر و التحيّر فأخذ ليستخبر عن هذه المسألة استخبارا منه و استظهارا عنه أن في زمن الغيبة الكبرى هل يمكن التشرّف إلى لقاء سيّدنا و مولانا صاحب الزمان، فهوى الرجل و أخذ السوط من الأرض و وضعه في كفّ العلّامة و قال: لم لا يمكن و كفّه في كفّك؟ فأوقع العلّامة نفسه من على الدابة منكبّا على قدميه و اغمي عليه من فرط الرغبة و شدّة الاشتياق، فلمّا أفاق لم يجد أحدا فاهتمّ بذلك همّا شديدا و تكدّر و رجع إلى أهله و تصفّح عن نسخة تهذيبه فوجد الحديث المعلوم كما أخبره الإمام (عليه السّلام) في حاشية تلك النسخة فكتب بخطّه الشريف في ذلك الموضع: هذا حديث أخبرني به سيّدي و مولاي في ورق كذا و سطر كذا، ثمّ نقل الفاضل الميثمي عن السيّد المزبور طاب ثراه أنه قد رأى تلك النسخة بخط العلّامة في حاشيته.

الحكاية العشرون: فيه عن الفاضل و العادل الأمين مولانا محمد أمين العراة عن رجل صالح عطّار من أهل البصرة أنه قال: إنّي كنت جالسا ذات يوم على دكّتي العطارة و إذا

29

برجلين قد أتيا و وقفا عليّ لشراء السدر و الكافور، فلمّا تكلّمنا و تأمّلت فيهما فلم أجدهما في الصورة و السيرة في زيّ أهل البصرة و نواحيها، بل و لا المعروف من بلادنا فسألتهما عن أهلهما و بلادهما فاكتتما فألححت عليهما، و كلّما كثر تسترهما ازددت إلحاحا عليهما إلى أن أقسمت عليهما بالرسول المختار و آله الأئمّة الأطهار (عليه السّلام)، فلمّا رأيا ذلك منّي أظهرا لي أنّهما من جملة ملازمي عتبة الإمام الحيّ المنتظر حجّة اللّه صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه) و أن واحدا من صحبتهم قد توفي بأجله الموعود و قد ارسلا لشراء السدر و الكافور منه. قال: فلمّا سمعت بذلك توسلت إليهما و أظهرت المصاحبة معهم إلى سيّدي و مولاي و تضرّعت و ألححت عليهما في ذلك، فقالا: إنّ هذا موقوف على إذنه (عج) و إنّا لم نؤذن بذلك. فقلت لهما: خذاني معكما إلى ذلك الصقع ثمّ استأذنا لي منه فإن أذن و إلّا فأنصرف و يصيبكم أجر الإجابة. فامتنعا عن ذلك أيضا فأكثرت من الإلحاح عليهما فترحّما عليّ و أجاباني و سلمتهما السدر و الكافور مستعجلا و أغلقت الدكان و انطلقت معهما حتّى أتينا ساحل بحر عمان، فمشيا على الماء كالمشي على الأرض الصلبة و وقفت متحيّرا فالتفتا إليّ و قالا: لا تخف و أقسم على اللّه عزّ و جلّ بالحجّة في حفظك. فقلت ذلك و بسملت فمشيت على الماء كالمشي على الأرض إلى أن انتهينا إلى قبّة البحر فبينا نذهب و إذا بسحاب مركوم و مطر غزير تمطّر، و من الاتفاق أني منذ يوم خروجي من البصرة كنت طابخا صابونا واضعا إيّاه على سطح الدار ليستنشف في الشمس، فلمّا رأيت تراكم السحاب و المطر الغزير تذكّرت الصابون و أنه يتنقع، و إذا برجليّ قد نفذتا في الماء و طمست فيه فكدت أن أغرق فأخذت في السبح فالتفت الرجلان إليّ و قالا لي: يا فلان تب عمّا قصدت و تذكّرت و ممّا انصرفت به عن مولاك و جدّد القسم، فتبت إلى اللّه و جدّدت القسم فصلّب اللّه لي الماء فأخذت أمشي خلفهما كالأوّل حتّى انتهينا إلى الساحل و مضينا فيه إلى أن ظهر لنا خباء كشجر طور نورها قد ملأ الفضاء و البيداء فالتفت إليّ الرجلان و قالا: إن مقصودك في هذه الخباء و لكن قف هنا حتّى نذهب و نستأذن لك، فذهبا و دخل واحد منهما في الخيمة فسمعته يتكلّم في أمري و إذا بصوت سمعته من وراء الحجاب و الخباء يقول: ردّوه فإنّه رجل صابوني، فلمّا سمعت هذا من الإمام (عج) و وجدته طبقا للبرهان العقلي و الشرعي فاستيأست و قطعت الطمع عن ما كنت أطمعه و علمت أن هذا مقام شامخ عظيم لا تكاد

30

تناله أيدي المتشبّث بالتعلّقات الدنيوية.

الحكاية الحادية و العشرون: ذكر الفاضل المحدّث الميثمي أيضا في كتابه دار السلام ما ترجمته بالعربية: إنّي كنت في بعض السنين سنة ألف و مائتين و سبعين- و لعلّه سبع و سبعين- قد تشرّفت من النجف الأشرف إلى زيارة أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) في مخصوصة أوّل رجب من ذلك العام و ما كنت بانيا على التوقّف في الحائر، بل كنت عازما على الرجوع إلى الغري فاتّفق لي مصاحبة بعض الأصدقاء من أهل أذربايجان فمنعني عن العجلة في العود و حثّني على الإقامة عنده و في داره إلى زيارة النصف، فأحببت إجابته و أقمت فيها، فبينا نحن ذات ليلة و قد اجتمع في تلك الدار عند صاحبنا جمع من أهل أذربايجان يريدون خطبة بنت له قد تكفّلها و ربّاها من غير أب و لا أمّ، و هم يتكلّمون معه في خطبتها و أن هذا أمر لا بدّ فيه [من‏] المسامحة سيّما مع كون الصهر شابا جديد الإسلام و ينبغي السماحة معه، فلمّا سمعت ذلك منه دنوت إليه و قلت: في أيّ مذهب كنت؟ و ما شأنك و قصّتك؟ و ما سبب إسلامك؟ فأجابني: إني تركي و لم أحسن الرطانة، فقلت: أنا أعرف لسان الترك و الترجمة لأهل المجلس. فقال: أنا رجل من أرامنة أرومية ساكن قرية من قراها و فيها الحال أبي و أمّي و عشيرتي و بنو عمومتي، و حرفتي النجارة و عمل الرحى و لي في هاتين مهارة وافية مشهورة عند أهاليها، فاتّفق لي يوما أن كنت في بستان لقطع شجرة و كانت ملقاة و قد وضعنا المنشار عليها لنقدّها، فمضى صاحبي الذي كان معي لأمر فانفردت في البستان، و إذا برجل جليل عظيم قد أهابتني جلالته و نبالته فعظّمته و احترمته قهرا، و رأيت نفسي بالنسبة إليه مقهورة مغلوبة فقرب منّي و قال: يا فلان هات يدك و أغمض عينيك و افتحهما لأقول لك، فأعطيته يدي و غمضت عينيّ فلم أحسّ شيئا إلّا و أسمع هبوب الريح و تمس جلدي من نسيمها، ثمّ أطلق يدي هنيئة ثمّ قال: افتحها، فلمّا فتحتها ما رأيت إلّا و أنا في قلّة جبل عظيم في قفر وسيع على صخرة عظيمة لا يمكن الصعود عليها و النزول منها، بحيث لو سقط ساقط عنها لتقطّع، و تلفت فرأيت ذلك الرجل في أسفل الجبل و الصخرة، ثمّ ذهب و غاب عنّي فاستوحشت وحشة شديدة و اضطربت اضطرابا عظيما، فقلت في نفسي:

و لعلّني نائم فحرّكت يدي و مسحتها على عينيّ فرأيت نفسي مستيقظا و مشاعري على ما هي عليه فأعملت كلّ حيلة أحتالها لخلاص نفسي و لم أتمكّن فاستسلمت للموت و وقفت‏

31

متفكّرا متحيّرا، و إذا برجل غير الأوّل قد ظهر و أتاني و أرفق بي و سمّاني باسمي و كلّمني بالتركية و تفقّد عيني و قال: الحمد للّه، إنّك قد أفلحت و نجوت، فتسلّيت به و سألته عن الرجل و صنيعه لي و وجه فلاحي و نجاتي، فقال: إنّ الرجل هو الإمام الغائب المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه) قد أتاك و نجّاك من دار الشرك و الكفر و أتى بك إلى هذا الوادي للهدى و الرشاد و الإسلام و السداد، فلمّا سمعت ذلك تذكّرت ما كنت كثيرا ما أسمعه من الشيعة عن الإمام الغائب الموعود المنتظر الحجّة ابن الحسن (عليه السّلام) و كنت احبّهم و أكتمه من أبويّ و عشيرتي خوفا منهم من لومهم إيّاي. فقلت له: هل الرجل هو المهدي الغائب الموعود؟

فقال: نعم. قلت: فمن أنت؟ قال: رجل من أعوانه و ملازميه. فقلت: ما هذا المكان؟

قال: هذا من جبال ايروان و المسافة إلى أرومية بعيدة. قلت: أجل، فما أصنع إن رجوت الفلاح و الاجتناب عن الشرك؟ قال: نعم، أسلم. فرسخ في قلبي محبّة ذلك الرجل و تجلّى في شراشر وجودي نوره و قلت: كيف أسلم؟ قال: قل: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أنّ عليا و أولاده المعصومين أوصياء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و خلفاؤه، فأقررت بها ثمّ قال: اسمك هذا ينافي مذهبك فقد سمّيتك «سلمان»، فقبلت ذلك، ثمّ أخذ بيدي و قال لي: غمّض عينيك و افتحهما، ففعلت فرأيت نفسي في أسفل جبل عظيم، فأطلق يدي و أراني طريقا واسعا و قال لي: سر فيه إلى فرسخين فتدخل قرية فلان فتسأل عن دار شيخهم فلان فتنزل عنده فيدلّك على ما أحببت و شئت من طريقك، ثمّ غاب عنّي و مضيت إلى أن أتيت تلك القرية فدخلت فيها و سألت عن دار الشيخ فدللت عليه فوقفت و طرقت عليه الباب، فخرج إليّ شيخ فلمّا رآني قال لي: أنت سلمان؟ قلت: نعم. قال:

فادخل، فلمّا دخلت رأيت رجلا في زي عثمانلو (1) جالسا و قد حفّت به جماعة فنظر إليّ و تبسّم و أظهر الرأفة و الملاطفة و سمّاني و رحّب بي و أجلسني عنده، ثمّ قضى ما به من الجماعة من عملهم فمضوا و استفردنا فتوجّه عند ذلك إليّ و هنأني و بشّرني، ثمّ أمر بالطعام فاحضر و أكلنا و أقامني عنده إلى ثلاثة أيّام و علّمني اصول اعتقادات الشيعة و أسماء الأئمّة و أمرني بالتقيّة، ثمّ قال: لا بدّ لك و أن تذهب حينئذ إلى قرية كذا عند فلان فيوصلك إلى ما شئت و أحببت، و المسافة إلى هناك أربعة فراسخ، فانطلقت مع الرجل الأوّل حتّى دلّني‏

____________

(1)- كلمة معرّبة عن التركيّة تدل على الزي العثماني.

32

على الطريق فمشيت إلى أن أتيت القرية و دخلت فيها و وقفت على الدار المعلومة و طرقتها عليه، فخرج رجل في زيّ الروم، فلمّا رآني استبشر و تلاطف معي كالأوّل و سمّاني و هنّأني و أدخلني معه و رحّب بي و أقامني عنده ثلاثة أيّام و علّمني أحكام الصوم و الصلاة و بعض الضروريات العملية، ثمّ دلّني على رجل آخر في قرية اخرى على مسافة أكثر من القريتين فلمّا ذهبت و دخلت على الرجل رأيته أيضا في زي الروم، بل هو أشبه منهما و له الرئاسة الشرعية و المنصب من سلطان الروم، فلمّا رآني سمّاني و لاطفني و استبشر و أقامني عنده و ختنني و عاد عليّ بتلقين الأحكام و أمر الشريعة و أمرني بالتقيّة و طريقتها .. إلى أن قال لي يوما: يا سلمان لا بدّ لك اليوم من الرواح إلى كربلاء. قلت: و ما كربلاء؟ و أين هي؟ فعلّمني بها و أعلمني أنّها أرض فيها بقعة الإمام الثالث سبط الرسول المختار (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و مزار للزوّار و الشيعة الأخيار. فقلت: و كم المسافة إليها؟ قال: أكثر من أربعين منزلا، فقلت: كيف أقطع هذا المقدار من الطريق بلا زاد و راحلة و رفيق؟ فقال: اذهب فإنّ اللّه سيعينك فيها، ثمّ دفع إليّ اثني عشر من الدراهم المسكوكة بسكة العثماني فبعث معي من يرشدني إلى الطريق الشارع العام فمشيت، فلمّا سرت و بعدت من القرية يسيرا صاحبني رجل خفيف الثقل فسأل عن مقصودي فأخبرته بالمقصود، فقال: و إنّي أيضا لسائر إلى نواحي كربلاء و ذاهب معك، فقلت:

هل قطعت من هذا الطريق شيئا قبل ذلك؟ و هل تعرفها؟ قال: نعم، فسررت بذلك و مضيت معه فرأيته على طريقة الشيعة و الإمامية إلّا أنّي سترت عنه رعاية للاحتياط كما أمرني ساداتي و لم يتفحّص هو عن عقيدتي أيضا و أنا لم اتّق عنه لأنّي رأيته شيعيّا فسرت معه مسرورا به يومين، حتّى إذا كان الثالث فظهر نخيل و قبّتان من ذهب متّصلتان فقال لي الرجل: هذا نخيل بغداد و توابعه و هاتان القبّتان لموسى بن جعفر الإمام السابع و محمد بن علي النقي الإمام التاسع (عليهما السّلام)، و تلك السواد المعمورة تسمّى كاظمين، و منها إلى كربلاء مسافة يومين فادخلها و زر الإمامين وقف بها حتّى يخرج منها قافلة الزوّار إلى كربلاء فسر معهم، ثمّ فارقني و ذهب عنّي من غير تكلّم، ثمّ أتيت حتّى انتهيت إلى الشط فعبرته بالعبرة (1) و دخلت الكاظمين و بقيت متشرّفا بالزيارة إلى يومين فخرجت الثالث إلى بغداد

____________

(1)- في لسان العرب: 4/ 1062- عبر. و المعبر: ما عبر به النهر من فلك أو قنطرة أو غيره، قال الازهري:

و المعبرة سفينة يعبر عليها النهر.

33

للسياحة، فبينما أسير في السياحة فمررت على دكة نجّار هناك، فلمّا عرف أنّي أهل حرفته و صنعته أحبّ أن أشتغل عنده أيّاما، فوقفت عنده، فلمّا رأى مهارتي تلاطف معي و عيّن لي كذا، فكنت بالنهار مقيما هناك و بالليل أبيت بالكاظمين، فأتى عليّ ذلك أيّام فبينما أنا ذات يوم أرجع إلى كاظمين و إذا بدرويش صاحبني و أظهر الملاطفة معي إلى أن انتهينا إلى المسجد الخرب الذي في طريق بغداد و الكاظمين الذي يدعى ب (براثا) فأظهر لي أن منزله في هذا المسجد و أحبّ أن يضيّفني الليلة فاستدعى ذلك و أصرّ عليه فأجبته و دخلت منزله و إذا بجماعة آخرين في زيّه ثمّ اجتمع جماعة آخرون في زيّهم و معهم شي‏ء من مأكلهم فاجتمعوا بعد صلاة العشاء و أحضروا ما كان معهم في كيفية من الاتحاد و اشتغلوا بالأكل، ثمّ اشتغلوا بالعبادة و إحياء الليل فأعجبني ما كانوا عليه و لم أكن أعهد من نظائرهم هذه الصفة فاضفت عندهم يومين، فلمّا كان الثالث خرج أحدهم و قال لي: يا فلان إن قافلة الزوّار قد خرجت من الكاظمين يريدون كربلاء فالحق بهم و امض معهم، فلحقتهم حتّى أتيت كربلاء فبقيت أنا أيّاما مشتغلا بالعبادة و الزيارة فقلت في نفسي: إنّي على ما أمرت لا بدّ لي من الإقامة فيه أيّاما و معي حرفتي و صنعتي النجارة فأشتغل بها و لا بدّ لي من دكة أكون عليها، فأتيت الشيخ الجليل العالم الفاضل شيخ العراقين شيخ عبد الحسين الطهراني لإجارة دكة تناسبني و هو حينئذ مشغول بعمارة الصحن الشريف، فلمّا ظهر له حالي و قصّتي قال لي الأصلح حينئذ أن تقيم على العمالة و البنائين بالصحن الشريف حتّى تتهيّأ الأسباب و الآلة المحتاجة إلى النجارة ثمّ اختر ما شئت، و أجرى لي أجرة معلومة فوقفت كما أمرني على وظيفتي السركاري‏ (1).

ثمّ ذكر اسمه و اسم قريته و اسم أبيه و أمّه و اخوته و بعض عمومته و عشيرته و ذكر أن له عيالا و أولادا في بلدته و قال: يعرفني أكثر أهل أرومية و لا بدّ من مجي‏ء زوّار من الأرومية فليتحقق و ليسأل عنّي و لم أكن أحتاج إليهم، و إنّي على صنعتي و حرفتي بحيث أعيش عشرة رءوس و أتكفّل بهم، و قد قطعت النظر عن العيال و الأطفال و التجأت إلى هذه البقعة المطهّرة و جاورت كربلاء، و إني في زيّهم مشتغل بكسبي و زيارتي و عبادتي إلى أن أدرك الأجل المحتوم. فهنيئا له ثمّ هنيئا له.

____________

(1)- كلمة فارسيّة معناها المشرف على العمّال.

34

الحكاية الثانية و العشرون: ممّن أدركه و تشرّف برؤيته في غيبته الكبرى الرجل الهرم الفلاح السهلاوي اليزدي ذو الصلاح و السداد، و محصله ما ذكره الفاضل الميثمي في كتابه دار السلام المشتمل بذكر من فاز بسلام الإمام من أنه كان من فلاليح المرحوم الحاج ملّا باقر البهبهاني ساكن الغري و هو رجل من الأخيار و النسّاك و مشهور بالخلوص لأبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام)، و اشتغل في أواخر عمره بتجارة الكتب و السير في الحجرة الواقعة في الزاوية الشرقية من الصحن الشريف من مشهد الغري و هو و إن لم يكن له حظّ من العلم و لا يعدّ من الأفاضل إلّا أنّه ألّف كتابا وافيا جامعا في شرح ترجمة أحوال الأئمّة الاثني عشر و فضائلهم و مراثيهم، و خمس مجلّدات موسوما بالدمعة الساكبة بحيث وقع مطرحا لأنظار العلماء و المحدّثين.

ثمّ إنّ المؤلف الضعيف علي بن إبراهيم زين العابدين البارجيني اليزدي يقول: بعد ما راجعت شرح هذه القصّة مع المرحوم الحاج ملّا باقر المزبور في الكتاب المذكور اتّفقت لي صحبة المرحوم الحاج علي محمد بياع الكتب نجل الحاج المزبور فسألته عن بستانهم المعروف بالصاحبية و وجه اشتهارها بها و أخبرته بما ذكره هذا الفاضل من شرحه في كتابه فقال المرحوم: أهل البيت أدرى بما في البيت، ثمّ أخذ في بيان القصة مشروحا حيث ما جرى بتفاوت يسير ممّا ذكره الفاضل المذكور فرأيت الاقتصار على ما ذكره المرحوم أضبط فاقتصرت عليه فأقول: قال المرحوم الحاج علي محمد نجل المرحوم الحاج ملّا باقر البهبهاني المزبور: لما اتسعت الامور علينا قليلا بعد ما كنّا في الشدّة و الضيق أراد الحاج الوالد تعمير بستان في أراضي قرب مسجد السهلة بغرس الأشجار فيها و سقيها فعارضوه الأصدقاء و أظهروا أن هذا الأمر لا يكون من عهدتك و أنت لا تقدر عليه لما فيه من التعب و المشقّة الشديدة، و أنت على ما أنت فيه من شيبك و نقاهتك و بقائك في المشهد فابتع بستانا معمورا قريبا منه فتمّمه، فأجابهم المرحوم: كثيرا ما أحبّ غرس الأشجار و الاشتغال بالعمارة، و اشتغل بما هم فيه إلى أن وقف و لم يستطع إتمامه فطلب من يبيعه نصفه بمائة تومان فيستعين بثمنه على تعمير النصف الباقي، و لم يجد أحدا يعينه و فيها العمّال و الفلاليح مشتغلين بوظيفتهم و فيهم رجل يزدي من أهل الصلاح و السداد، و كان بعد المغرب و فراغته من فلاحته يأتي مع سائر الفلاليح مسجد السهلة و يبيت فيه، و كان مطّلعا

35

بما قصده الحاج الوالد من بيع نصفها، فبينما هو ذات ليلة في المسجد فرأى بين النوم و اليقظة أن أحدا يدعوه قائلا: يا فلان أجب السلطان. يقول: فقمت مهربا فرأيت المسجد منورا أضوأ من الشمس الطالعة و رأيت جماعة في صحن المسجد جلوسا و قد حفّ بهم جمع كثير و فيهم سيّد جليل عظيم و النور يسطع منه إلى عنان السماء و عن يمينه رجلان جليلان، و كذلك عن يساره فأخذوني إليه فسألني السلطان من أنت؟ و ما وظيفتك؟ فأخبرته أنّي من فلاليح البستان الواقع قرب هذا المسجد للحاج ملّا باقر البهبهاني، نأتي بعد فراغنا عن فلاحتنا كلّ ليلة المسجد و نبيت فيه. فقال: نعم. قال: قل للحاج ملّا باقر أن يزرع فيها حملا من بذور الزيت الذي في خارج المسجد، فرجعت بعد ذلك فقمت من النوم و أنا لا أرى المسجد إلّا في ظلمة الليل و الوقت قريب من الفجر فأسبغت الوضوء لاصلّي في ذلك المكان لشرافته فرأيت أن أحدا يؤذّن فيه، ثمّ اشتغل بعد ذلك بالصلاة فائتممت به و صلّيت معه الفجر لما وقع في قلبي من جلالته و نبالته، فلمّا انتهيت أتيته و قصصت عليه منامي، فقال: أ ما عرفت؟ قلت: نعم.

قال: أمّا السلطان فهو إمام زمانك و الرجلان الجليلان اللّذان عن يمينه الخضر و الالياس، و اللّذان عن يساره هما هود و صالح و الحافّون به المحدقون حوله أرواح الأنبياء و المؤمنين، فأخبرني أن الحاج ملّا باقر هل يريد بيع البستان؟ فأخبرته أنه منذ مدّة يريد بيع نصفه بمائة تومان، فقال لي: بعه لي الآن. فقلت: إنّي لا أقدر إلى أن أستأذنه في ذلك، فأعطاني صرّة فيها مائة تومان و قال: اشتره لي بها، فقلت: إنّي لا أقبضها إلى أن اخبره، أين ألقاك بعد ذلك؟ فقال: إذا جرى الماء في الغري أنا أظهر.

و بالجملة فأتى الفلّاح إلى الحاج الوالد و أخبره بما رأى و قصّ عليه فاعترض عليه المرحوم بما توقّف من بيعه له، ثمّ أخذ في تحسّس هذا الشخص بهذه الصفة في أراضي السهلة و الكوفة و جميع النجف فاستيأس، ثمّ قال المرحوم الحاج علي محمد: إنّ الحاج الوالد أتاني يوما بعد مدّة من ذلك و دفع إليّ صرّة خضراء فيها مائة باجوقلي يساوي قيمتها مائة تومان، أي مائة دينار، و لمّا كانت العادة بكتابة النقود و الأجناس في الدفتر باسم دافعيها و معطيها، فسألته عن ذلك لاقيّده باسمه فأخذ يماطلني في ذلك ليلا و نهارا إلى أن انقضى علينا أيام فأصررت عليه فيه، فقال: اخبرك به على أن لا تخبر أحدا بذلك ما دمنا أنا

36

و المعطي أحياء ثمّ قال: رأيت إمام زماني في الطيف و سألني عن بيع البستان فبعته إيّاه و اشتراه منّي بمائة تومان و حوّل المبلغ إلى السيّد العالم الفاضل السيّد أسد اللّه ابن حجّة الإسلام السيّد محمد باقر أعلى اللّه مقامه، و هو الذي سعى في جري الماء في النجف الأشرف، و السيّد المرحوم حينئذ كان مقيما في النجف، فقمت فزعا متحيّرا في إظهاره إيّاه و كنت احاذر تكذيبه إيّاي فقلت في نفسي: إنّ حالي غير خفي على كلّ أحد و إنّي مأمور معذور فأتيته لاخبره، فلمّا صرت بالباب و قرعته فإذا به قد صاح من داخل الدار: اصبر اصبر فقد أتيتك، فتحيّرت في ذلك و قلت: فلعلّه رآني من شقّ الباب فخرج إليّ و أخذ يقبّلني و يقول: قبول قبول، ثمّ دخل و أخرج هذه الصرّة و أعطاني إيّاها، و قال: هذا ما حوّل الإمام فأضمره و لا تخبر به أحدا ما عشت أنا و السيّد، و اشتهرت بعد ذلك ببستان الصاحبية.

الحكاية الثالثة و العشرون: في جنّة المأوى: قال آية اللّه العلّامة الحلّي (رحمه اللّه) في آخر منهاج الصلاح في الدعاء المعروف و هو دعاء العبرات و هو روي عن الصادق (عليه السّلام) جعفر بن محمد، و له من جهة السيّد السعيد محمد بن محمد بن محمد الآوي (رحمه اللّه) حكاية معروفة بخط بعض الفضلاء في هامش ذلك الموضع:

روى المولى السعيد فخر الدين محمد بن الشيخ الأجلّ جمال الدين عن والده عن جدّه الفقيه يوسف عن السيّد الرضي المذكور أنه كان مأخوذا عند أمير من أمراء السلطان جرماغون مدّة طويلة مع شدّة و ضيق فرأى في نومه الخلف الصالح المنتظر (عليه السّلام)، فبكى و قال: يا مولاي اشفع في خلاصي من هؤلاء الظلمة. فقال (عليه السّلام): ادع بدعاء العبرات. فقال: و ما دعاء العبرات؟ فقال (عليه السّلام): إنّه في مصباحك. فقال: يا مولاي ما في مصباحي. فقال (عليه السّلام): انظر تجده، فانتبه من منامه و صلّى الصبح و فتح المصباح فلقى ورقة مكتوب فيها هذا الدعاء بين أوراق الكتاب فدعا أربعين مرّة.

و كانت لهذا الأمير امرأتان إحداهما عاقلة مدبّرة في امورها و هو كثير الاعتماد عليها فجاء في نوبتها فقالت له: أخذت أحدا من أولاد أمير المؤمنين علي (عليه السّلام)؟ فقال لها: لم تسألين عن ذلك؟ فقالت: رأيت شخصا و كان نور الشمس يتلألأ من وجهه فأخذ بحلقي بين إصبعيه ثمّ قال: أرى بعلك أخذ ولدي و يضيّق عليه من المطعم و المشرب. فقلت له: يا سيدي من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، قولي له إن لم يخل عنه لأخربنّ بيته. فشاع هذا

37

النوم للسلطان فقال: ما أعلم ذلك و طلب نوّابه فقال: من عندكم مأخوذ؟ فقالوا: الشيخ العلوي أمرت بأخذه. فقال: خلوا سبيله و أعطوه فرسا يركبها و دلوه على الطريق، فمضى إلى بيته، انتهى.

و قال السيّد الأجلّ علي بن طاوس في آخر مهج الدعوات: و من ذلك ما حدّثني به صديقي و المؤاخي محمد بن محمد القاضي الآوي ضاعف اللّه جل جلاله سعادته و شرف خاتمته، و ذكر له حديثا عجيبا و سببا غريبا و هو: أنه كان قد حدثت حادثة فوجد هذا الدعاء في أوراق لم يجعله فيها بين كتبه فنسخ منه نسخة، فلمّا نسخه فقد الأصل الذي كان قد وجده، إلى أن ذكر الدعاء و ذكر له نسخة اخرى من طريق آخر تخالفه. و نحن نذكر النسخة الاولى تيمّنا بلفظ السيّد فإن بين ما ذكره و نقل العلّامة أيضا اختلافا شديدا و هي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهمّ إنّي أسألك يا راحم العبرات و يا كاشف الكربات أنت الذي تقشع سحائب المحن و قد أمست ثقالا و تحلّ أطناب الإحن‏ (1) و قد سحبت أذيالا و تجعل زرعها هشيما و عظامها رميما و تردّ المغلوب غالبا و المطلوب طالبا. إلهي فكم من عبد ناداك إنّي مغلوب فانتصر ففتحت له من نصرك أبواب السماء بماء منهمر و فجّرت له من عونك عيونا فالتقى ماء فرجه على أمر قد قدر، و حملته من كفايتك على ذات ألواح و دسر، يا ربّ إنّي مغلوب فانتصر، يا ربّ إنّي مغلوب فانتصر، يا ربّ إنّي مغلوب فانتصر، يا رب فصلّ على محمّد و آل محمّد و افتح لي من نصرك أبواب السماء بماء منهمر، و فجّر لي من عونك عيونا ليلتقي ماء فرجي على أمر قد قدر، و احملني يا ربّ من كفايتك على ذات ألواح و دسر، يا من إذا ولج العبد في ليل من حيرته يهيم فلم يجد له صريخا يصرخه من وليّ و لا حميم صلّ على محمّد و آل محمّد وجد يا ربّ من معونتك صريخا معينا و وليّا يطلبه حثيثا، و ينجيه من ضيق أمره و حرجه و يظهر له المهمّ من أعلام فرجه. اللهمّ فيا من قدرته قاهرة و آياته باهرة و نقماته قاصمة لكلّ جبّار دامغة لكلّ كفور ختّار (2)، صل يا رب نظرة من نظراتك رحيمة تجلو بها عنّي ظلمة واقفة مقيمة من عاهة جفّت منها الضروع‏

____________

(1)- الاحنة: الشحناء، أو الضغائن و الحقد، راجع مجمع البحرين: 1/ 43.

(2)- في الصحاح: 2/ 246 الختر: الغدر يقال: ختّره فهو ختار، أقول و منه قوله تعالى: وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ سورة لقمان: 32.

38

و فلقت منها الزروع و اشتمل بها على القلوب اليأس، و جرت بسببها الأنفاس. اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و حفظا لغرائس غرستها يد الرحمن و شربها من ماء الحيوان أن تكون بيد الشيطان تجزّ و بفأسه تقطع و تحزّ. إلهي من أولى منك أن يكون عن حماك حارسا و مانعا، إلهي إنّ الأمر قد هال فهوّنه و خشن فألنه، و إنّ القلوب كاعت‏ (1) فطمّها و النفوس ارتاعت فسكّنها. إلهي تدارك أقداما قد زلّت و أفهاما في مهامه‏ (2) الحيرة ضلّت، أجحف الضرّ بالمضرور في داعية الويل و الثبور، فهل يحسن من فضلك أن تجعله فريسة للبلاء و هو لك راج، أم هل يحمد من عدلك أن يخوض لجّة الغماء (3) و هو إليك لاج، مولاي لئن كنت لا أشقّ على نفسي في التقى و لا أبلغ في حمل أعباء الطاعة مبلغ الرضا و لا أنتظم في سلك قوم رفضوا الدّنيا، فهم خمص البطون عمش العيون من البكاء، بل أتيتك يا رب بضعف من العمل و ظهر ثقيل بالأخطاء و الزلل، و نفس للراحة معتادة و لدواعي التسويف منقادة، أ ما يكفيك يا ربّ وسيلة إليك و ذريعة لديك أنّي لأوليائك موال و في محبّتك مغال أ ما تكفيني أن أروح فيهم مظلوما و أغدو مكظوما و أقضي بعد هموم هموما و بعد وجوم وجوما.

أما عندك يا رب بهذه حرمة لا تضيع و ذمّة بأدناها يقتنع فلم لا تمنعني يا ربّ و ها أنا ذا غريق و تدعني بنار عدوّك حريقا أ تجعل أولياءك لأعدائك مصائد و تقلدهم من خسفهم قلائد، و أنت مالك نفوسهم لو قبضتها جمدوا، و في قبضتك مواد أنفاسهم لو قطعتها خمدوا، و ما يمنعك يا رب أن تكفّ بأسهم و تنزع عنهم من حفظك لباسهم و تعريهم من سلامة بها في أرضك يسرحون و في ميدان البغي على عبادك يمرحون. اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و أدركني و لما يدركني الغرق و تداركني و لما غيب شمسي للشفق. إلهي كم من خائف التجأ إلى سلطانك فآب عنه محفوظا بأمن و أمان، أ فأقصد يا ربّ بأعظم من سلطانك سلطانا أم أوسع من إحسانك إحسانا، أم أكثر من اقتدارك اقتدارا أم أكرم من انتصارك انتصارا. اللهمّ أين كفايتك التي هي نصرة المستغيثين من الأنام، و أين عنايتك التي‏

____________

(1)- كاعت: عجزت.

(2)- المهامة مفردها: المهمّة: المفازة البعيدة الاطراف (الصحاح: 6/ 2250) و في لسان العرب (13/ 1099) المهمّة: الفلاة لا ماء بها و لا أنيس.

(3)- الغماء: الشديد من شدائد الدهر (كتاب العين 4/ 351).

39

هي جنّة المستهدفين لجور الأيّام إليّ بها يا ربّ نجّني من القوم الظالمين إنّي مسّني الضرّ و أنت أرحم الراحمين.

مولاي ترى تحيّري في أمري و تقلّبي في ضرّي و انطوائي على حرقة قلبي و حرارة صدري فصلّ يا ربّ على محمّد و آل محمّد وجد لي يا ربّ بما أنت أهله فرجا و مخرجا و يسّر لي يا رب نحو اليسرى منهجا و اجعل لي يا ربّ من نصب حبالا لي ليصر عني بها صريع ما مكره و من حفر لي البئر ليوقعني فيها واقعا فيما حفره، و اصرف اللهمّ عنّي شرّه و مكره و فساده و ضرّه ما تصرفه عمّن قاد نفسه لدين الديّان و مناد ينادي للايمان، إلهي عبدك عبدك أجب دعوته و ضعيفك ضعيفك فرّج غمّته، فقد انقطع كلّ حبل إلّا حبلك و تقلّص كلّ ظلّ إلّا ظلّك، مولاي دعوتي هذه إن رددتها أين تصادف موضع الإجابة، و إن كذّبتها أين تلاقي موضع الإجابة فلا تردّ عن بابك من لا يعرف غيره بابا، و لا تمنع دون جنابك من لا يعرف سواه جنابا، و يسجد و يقول: إلهي إنّ وجها إليك برغبته توجّه، فالراغب خليق بأن تجيبه و إنّ جبينا لك بابتهاله سجد حقيق أن يبلغ ما قصد، و إنّ خدّا إليك بمسألة يعفّر جدير بأن يفوز بمراده و يظفر. و ها أنا ذا يا إلهي، قد ترى تعفير خدّي و ابتهالي و اجتهادي في مسألتك و جدي فتلقّ يا رب رغباتي برأفتك قبولا و سهّل إليّ طلباتي برأفتك وصولا و ذلّل لي قطوف ثمرات إجابتك تذليلا. إلهي لا ركن أشدّ منك فآوي إلى ركن شديد و قد أويت إليك و عوّلت في قضاء حوائجي عليك و لا قول أسدّ من دعائك فاستظهر بقول سديد و قد دعوتك كما أمرت فاستجب لي بفضلك كما وعدت، فهل بقي يا ربّ إلّا أن تجيب و ترحم منّي البكاء و النحيب، يا من لا إله سواه و يا من يجيب المضطرّ إذا دعاه ربّ انصرني على القوم الظالمين و افتح لي و أنت خير الفاتحين و الطف بي يا رب و بجميع المؤمنين و المؤمنات برحمتك يا أرحم الراحمين‏ (1).

الحكاية الرابعة و العشرون: فيه عن كتاب الكلم الطيب و الغيث الصيّب للسيّد المتبحّر السيّد علي خان شارح الصحيفة ما لفظه: رأيت بخط بعض أصحابي من السادات الأجلّاء الصلحاء الثقات ما صورته: سمعت في رجب سنة ثلاث و تسعين و ألف الأخ العالم العامل جامع الكمالات الانسية و الصفات القدسية الأمير إسماعيل بن حسين بيك ابن علي بن‏

____________

(1)- مهج الدعوات: 338، و جنّة المأوى: 225 الحكاية الرابعة عن مهج الدعوات.

40

سليمان الحائري الأنصاري أنار اللّه تعالى برهانه يقول: سمعت الشيخ الصالح التقي المتورّع الشيخ الحاج علي المكي قال: إنّي ابتليت بضيق و شدّة و مناقضة خصوم حتّى خفت على نفسي القتل و الهلاك فوجدت الدعاء المسطور بعد في جيبي من غير أن يعطينيه أحد، فتعجّبت من ذلك و كنت متحيّرا فرأيت في المنام أن قائلا في زيّ الصلحاء و الزهّاد يقول لي:

إنّا أعطيناك الدعاء الفلاني فادع به تنج من الضيق و الشدّة، و لم يتبيّن لي من القائل فزاد تعجّبي، فرأيت مرّة اخرى الحجّة المنتظر (عليه السّلام) فقال: ادع بالدعاء الذي أعطيتكه و علّم من أردت.

قال: و قد جرّبته مرارا عديدة فرأيت فرجا قريبا، و بعد مدّة ضاع منّي الدعاء برهة من الزمان و كنت متأسّفا على فواته مستغفرا من سوء العمل فجاءني شخص و قال لي: إنّ هذا الدعاء قد سقط منك في المكان الفلاني، و ما كان في بالى أن رحت إلى ذلك المكان فأخذت الدعاء و سجدت للّه شكرا و هو:

بسم اللّه الرحمن الرحيم. ربّ أسألك مددا روحانيا تقوّي به القوى الكلّية و الجزئيّة حتّى أقهر عبادي نفسي كلّ نفس قاهرة فتنقبض لي إشارة رقائقها انقباضا تسقط به قواها حتّى لا يبقى في الكون ذو روح إلّا و نار قهري قد أحرقت ظهوره. يا شديد يا شديد يا ذا البطش الشديد يا قهّار أسألك بما أودعته عزرائيل من أسمائك القهرية فانفعلت له النفوس بالقهر أن تودعني هذا السرّ في هذه الساعة حتّى أليّن به كلّ صعب و أذلّل به كلّ منيع بقوّتك يا ذا القوّة المتين.

تقرأ ذلك سحرا ثلاثا إن أمكن و في الصبح ثلاثا و في المساء ثلاثا فإذا اشتدّ الأمر على من يقرؤه يقول بعد قراءة ثلاثين مرّة: يا رحمن يا رحيم يا أرحم الراحمين أسألك اللطف بما جرت به المقادير (1).

الحكاية الخامسة و العشرون: فيه عن الكفعمي في كتاب البلد الأمين عن المهدي (عليه السّلام):

من كتب هذا الدعاء في إناء جديد بتربة الحسين (عليه السّلام) و غسله و شربه شفي من علّته: بسم اللّه الرحمن الرحيم بسم اللّه دواء و الحمد للّه شفاء و لا إله إلّا اللّه كفاء و هو الشافي شفاء هو الكافي كفاء أذهب البأس بربّ الناس، شفاء لا يغادره سقم و صلّى اللّه على محمّد و آله النجباء.

قال و رأيته بخط السيّد زين الدين علي بن الحسين الحسيني (رحمه اللّه) أن هذا الدعاء نقله رجل‏

____________

(1)- منتخب الأثر: 520 باب 7 ح 4.

41

كان مجاورا بالحائر على مشرّفه السلام رأى المهدي (سلام اللّه عليه) في منامه و كان به علّة فشكاها إلى القائم (عجّل اللّه فرجه) فأمره بكتابته و غسله و شربه ففعل ذلك فبرئ في الحال‏ (1).

الحكاية السادسة و العشرون: فيه عن كتاب نور العيون تأليف الفاضل البحر الألمعي محمد شريف الحسيني الاصفهاني عن استاذه العالم الزاهد الورع الميرزا محمد تقي بن الميرزا محمد كاظم بن الميرزا عزيز اللّه بن المولى محمد تقي المجلسي الملقّب بالألماسي قال في رسالة له: و الظاهر أن اسمها «بهجة الأولياء في ذكر من رآه في الغيبة الكبرى» حدّثني بعض أصحابنا عن رجل صالح من أهل بغداد و هو حيّ إلى هذا الوقت- أي سنة ستّ و ثلاثين بعد المائة و الألف- قال: إنّي كنت قد سافرت في بعض السنين مع جماعة فركبنا السفينة و سرنا في البحر فاتّفق أنه انكسرت سفينتنا و غرق جميع من فيها، و تعلّقت أنا بلوح مكسور فألقاني البحر بعد مدّة إلى جزيرة فسرت في أطراف الجزيرة فوصلت بعد اليأس من الحياة بصحراء فيها جبل عظيم، فلمّا وصلت إليه رأيته محيطا بالبحر إلّا طرفا منه يتصل بالصحراء و استشممت منه رائحة الفواكه ففرحت و زاد شوقي و صعدت قدرا من الجبل، حتّى إذا بلغت إلى وسطه في موضع أملس مقدار عشرين ذراعا لا يمكن الاجتياز منه أبدا فتحيّرت من أمري و صرت أتفكّر في أمري فإذا أنا بحيّة عظيمة كالأشجار العظيمة تستقبلني في غاية السرعة ففررت منها منهزما مستغيثا باللّه تبارك و تعالى في النجاة من شرّها كما نجّاني من الغرق، فإذا أنا بحيوان شبه الأرنب قصد الحيّة مسرعا من أعلى الجبل حتّى وصل إلى ذنبها فصعد منه حتّى إذا وصل رأس الحيّة إلى ذلك الحجر الأملس و بقي ذنبه فوق الحجر وصل الحيوان إلى رأسها و أخرج من فمه حمئة مقدار إصبع فأدخلها في رأسها ثمّ نزعها و أدخلها في موضع آخر منها و ولى مدبرا فماتت الحيّة في مكانها من وقتها، و حدث منها عفونة كادت نفسي أن تطلع من رائحتها الكريهة، فما كان بأسرع من أن ذاب لحمها و سال في البحر و بقي عظامها كسلّم ثابت في الأرض يمكن الصعود منه، فتفكّرت في نفسي و قلت إن بقيت هنا أموت من الجوع فتوكّلت على اللّه في ذلك و صعدت منها حتّى علوت الجبل و سرت من طرف قبلة الجبل فإذا أنا بحديقة بالغة حدّ الغاية في الغضارة

____________

(1)- جنّة المأوى: 53/ 226 الحكاية السادسة.

42

و النضارة و الطراوة و العمارة، فسرت حتّى دخلتها و إذا فيها أشجار مثمرة كثيرة و بناء عال مشتمل على بيوتات و غرف كثيرة في وسطها، فأكلت من تلك الفواكه و اختفيت في بعض الغرف و أنا أتفرّج الحديقة و أطرافها فإذا أنا بفوارس قد ظهروا من جانب البرّ قاصدي الحديقة يقدمهم رجل ذو بهاء و جمال و جلال و غاية من المهابة، يعلم من ذلك أنّه سيّدهم، فدخلوا الحديقة و نزلوا من خيولهم و خلّوا سبيلها و توسّطوا القصر فتصدّر السيّد و جلس الباقون متأدّبين حوله.

ثمّ أحضروا الطعام فقال لهم ذلك السيّد: إنّ لنا في هذا اليوم ضيفا في الغرفة الفلانية و لا بدّ لنا من دعوته إلى الطعام، فجاء بعضهم في طلبي فخفت و قلت: اعفني من ذلك، فأخبر السيّد بذلك فقال: اذهبوا بطعامه إليه في مكانه ليأكله، فلمّا فرغنا من الطعام أمر بإحضاري و سألني عن قصّتي، فحكيت له القصّة. فقال: أ تحبّ أن ترجع إلى أهلك؟ قلت:

نعم، فأقبل على واحد منهم فأمره بإيصالي إلى أهلي فخرجت أنا و ذلك الرجل من عنده فلمّا سرنا قليلا قال لي الرجل: انظر فهذا سور بغداد، فنظرت فإذا أنا بسوره و غاب عنّي الرجل، فتفطّنت من ساعتي هذه و علمت انّي لقيت سيّدي و مولاي و من سوء حظّي حرمت من هذا الفيض العظيم فدخلت بلدي و بيتي في غاية من الحسرة و الندامة (1).

الحكاية السابعة و العشرون: في البحار عن السيّد الفاضل أمير غلام قال: كنت في بعض الليالي في صحن الروضة المقدّسة بالغري على مشرّفها السلام و قد ذهب كثير من الليل، فبينا أنا أجول فيها إذ رأيت شخصا مقبلا نحو الروضة المقدّسة، فأقبلت إليه، فلمّا قربت منه عرفت أنه استاذنا الفاضل العالم التقي الزكيّ مولانا أحمد الأردبيلي (قدّس اللّه روحه) فأخفيت نفسي عنه حتّى أتى الباب و كان مغلقا فانفتح له عند وصوله إليه و دخل الروضة فسمعته يتكلّم كأنّه يناجي أحدا، ثمّ خرج و أغلق الباب فمشيت خلفه حتّى خرج من الغري و توجّه نحو مسجد الكوفة فكنت خلفه بحيث لا يراني حتّى دخل المسجد و صار إلى المحراب الذي استشهد أمير المؤمنين (عليه السّلام) عنده و مكث طويلا ثمّ رجع و خرج من المسجد و أقبل نحو الغري فكنت خلفه حتّى قرب من الحنانة، فأخذني سعال لم أقدر على دفعه فالتفت إليّ فعرفني و قال: أنت أمير غلام؟ قلت: نعم. قال: ما تصنع هاهنا؟ قلت: كنت معك‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 259.

43

حيث دخلت الروضة المقدّسة إلى الآن و أقسم عليك بحقّ صاحب القرآن تخبرني بما جرى عليك في تلك الليلة من البداية إلى النهاية. فقال: أخبرك على أن لا تخبر به أحدا ما دمت حيّا، فلمّا توثّق ذلك منّي قال: كنت أفكّر في بعض المسائل و قد أغلقت عليّ فوقع في قلبي أن آتي أمير المؤمنين (عليه السّلام) و أسأله عن ذلك، فلمّا وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح كما رأيت فدخلت الروضة و ابتهلت إلى اللّه تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتا من القبر: أن ائت مسجد الكوفة و سل عن القائم (عليه السّلام) فإنّه إمام زمانك (عج)، فأتيت عند المحراب و سألته عنها و أجبت، و ها أنا أرجع إلى بيتي‏ (1).

الحكاية الثامنة و العشرون: فيه عن الشيخ الجليل أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي صاحب التفسير في كتاب كنوز النجاح قال: دعاء علّمه صاحب الزمان عليه سلام اللّه الملك المنّان أبا الحسن محمد بن أحمد بن أبي الليث (رحمه اللّه تعالى) في بلدة بغداد في مقابر قريش و كان أبو الحسن قد هرب إلى مقابر قريش و التجأ إليه من خوف القتل فنجا منه ببركة هذا الدعاء، قال أبو الحسن المذكور: إنّه علّمني أن أقول: اللهمّ عظم البلاء و برح الخفاء و انقطع الرجاء و انكشف الغطاء و ضاقت الأرض و منعت السماء و إليك يا ربّ المشتكى و عليك المعوّل في الشدّة و الرخاء، اللهمّ فصلّ على محمّد و آل محمّد أولي الأمر الذين فرضت علينا طاعتهم فعرّفتنا بذلك منزلتهم، ففرّج عنّا بحقّهم فرجا عاجلا كلمح البصر أو هو أقرب، يا محمّد يا علي اكفياني فإنّكما كافياي و انصراني فإنّكما ناصراي، يا مولاي يا صاحب الزمان الغوث الغوث أدركني أدركني أدركني. قال الراوي إنّه (عليه السّلام) عند قوله: يا صاحب الزمان، كان يشير إلى صدره الشريف‏ (2).

الحكاية التاسعة و العشرون: في جنّة المأوى عن السيّد السند و الحبر المعتمد الميرزا صالح دام علاه ابن السيّد المحقّق السيّد مهدي القزويني الساكن بالحلّة أعلى اللّه مقامه قال:

خرجت يوم الرابع عشر من شهر شعبان من الحلّة أريد زيارة الحسين ليلة النصف منه، فلمّا وصلت إلى شط الهندية و عبرت إلى الجانب الغربي منه وجدت الزوّار الذاهبين من الحلّة و أطرافها و الواردين من النجف و نواحيه جميعا محاصرين في بيوت عشيرة بني طرف من‏

____________

(1)- البحار: 52/ 175.

(2)- جنّة المأوى: 275 الحكاية 40.

44

عشائر الهندية و لا طريق لهم إلى كربلاء لأنّ عشيرة عنزة قد نزلوا على الطريق و قطعوه عن المارّة و لا يدعون أحدا يخرج من كربلاء و لا أحدا يلج إلّا انتهبوه قال: فنزلت على رجل من العرب و صلّيت صلاة الظهر و العصر و جلست أنتظر ما يكون من أمر الزوّار و قد تغيّمت السماء و مطرت مطرا يسيرا فبينما نحن جلوس إذا خرجت الزوار بأسرها من البيوت متوجهين نحو طريق كربلاء فقلت لبعض من معي: اخرج و اسأل ما الخبر فخرج و رجع إليّ و قال لي: إنّ عشيرة بني طرف قد خرجوا بالأسلحة النارية و تجمّعوا لإيصال الزوّار إلى كربلاء و لو آل الأمر إلى المحاربة مع عنزة، فلمّا سمعت قلت: إنّ هذا الكلام لا أصل له لأنّ بني طرف لا قابلية لهم على مقابلة عنزة في البرّ و أظنّ هذه مكيدة منهم لإخراج الناس عن بيوتهم لأنّهم استثقلوا بقاءهم عندهم و في ضيافتهم، فبينما نحن كذلك إذ رجعت الزوّار إلى البيوت فتبيّن الحال كما قلت فلم تدخل الزوّار إلى البيوت و جلسوا في ظلالها و السماء متغيّمة فأخذتني لهم رقّة شديدة و أصابني انكسار عظيم و توجّهت إلى اللّه تعالى بالدعاء و التوسّل بالنبيّ و آله و طلبت إغاثة الزوّار ممّا هم فيه، فبينما أنا على هذا الحال إذ أقبل فارس على فرس رابع كريم لم أر مثله و بيده رمح طويل و هو مشمر عن ذراعيه فأقبل يخب به جواده حتّى وقف على البيت الذي أنا فيه و كان بيتا من شعر مرفوع الجوانب فسلّم فرددنا (عليه السّلام) ثمّ قال: يا مولانا- يسمّيني باسمي- بعثني من يسلّم عليك و هم كنج آغا محمد و صفر آغا و كانا من قوّاد العساكر العثمانية يقولان فليأت بالزوّار فإنّا قد طردنا عنزة من الطريق و نحن ننتظر مع عسكرنا في عرقوب السليمانية على الجادة فقلت له: و أنت معنا إلى عرقوب السليمانية؟ قال: نعم فأخرجت الساعة فإذا قد بقي من النهار ساعتان و نصف تقريبا فقلت بخيلنا فقدّمت إلينا فتعلّق بي ذلك البدوي الذي نحن عنده و قال: يا مولاي لا تخاطر بنفسك و بالزوّار و أقم الليلة حتّى يتّضح الأمر، فقلت له: لا بدّ من الركوب لإدراك الزيارة المخصوصة، فلمّا رأتنا الزوّار قد ركبنا تبعوا أثرنا بين ماش و راكب فسرنا و الفارس المذكور بين أيدينا كأنّه الأسد الخادر و نحن خلفه حتّى وصلنا إلى عرقوب السليمانية فصعد عليه فتبعناه في الصعود ثمّ نزل و ارتقينا على أعلى العرقوب فنظرنا و لم نر له عينا و لا أثرا فكأنّما صعد من السماء أو نزل في الأرض و لم نر قائدا و لا عسكرا فقلت لمن معي: ما بقي شكّ في انّه صاحب الأمر (عليه السّلام).

45

فقالوا: لا و اللّه، و كنت و هو بين أيدينا أطيل النظر إليه كأنّي رأيته قبل ذلك لكنّني لا أذكر أين رأيته، فلمّا فارقنا تذكّرت انّه هو الشخص الذي زارني بالحلّة و أخبرني بواقعة السليمانية، و أمّا عشيرة عنزة فلم نر لهم أثرا في منازلهم و لم نر أحدا نسأله عنهم سوى أننا رأينا غبرة شديدة مرتفعة في كبد البرّ فوردنا كربلاء تخبّ بنا خيولنا فوصلنا إلى باب البلاء و إذا بعسكر على سور البلد فنادوا: من أين جئتم؟ و كيف وصلتم؟ ثمّ نظروا إلى سواد الزوّار ثمّ قالوا: سبحان اللّه! هذه البرية قد امتلأت من الزوّار، أجل أين صارت عنزة؟ فقلت لهم:

اجلسوا و خذوا أرزاقكم و لمكّة ربّ يرعاها ثمّ دخلنا البلد فإذا بكنج محمد آغا جالس على تخت قريب من الباب فسلّمت عليه فقام في وجهي فقلت له: يكفيك فخرا أنّك ذكرت باللسان فقال: ما الخبر؟ فأخبرته بالقصّة فقال لي: يا مولاي من أين لي علم بأنّك زائر حتّى أرسل لك رسولا و أنا و عسكري منذ خمسة عشر يوما محاصرين في البلد لا نستطيع أن نخرج خوفا من عنزة؟ ثمّ قال: فأين صارت عنزة؟ قلت: لا علم لي سوى أنّي رأيت غبرة شديدة في كبد البرّ كأنّها غبرة الظعائن ثمّ أخرجت الساعة و إذا بقي من النهار ساعة و نصف فكأنّ مسيرنا كلّه في ساعة و بين منازل بني طرف و كربلاء ثلاث ساعات ثمّ بتنا تلك الليلة في كربلاء، فلمّا أصبحنا سألنا عن خبر عنزة فأخبر بعض الفلّاحين الذين في بساتين كربلاء قال: فبينما عنزة جلوس في أنديتهم و بيوتهم إذا بفارس قد طلع عليهم على فرس مطهم و بيده رمح طويل فصرخ فيهم بأعلى صوته: يا معاشر عنزة قد جاء الموت هذا عساكر الدولة العثمانية تجبهت عليكم بخيلها و رجلها و ها هم على أثري مقبلون فارحلوا و ما أظنّكم تنجون منهم فألقى اللّه عليهم الخوف و الذلّ حتّى إنّ الرجل يترك بعض متاع بيته استعجالا بالرحيل فلم تمض ساعة حتّى ارتحلوا بأجمعهم و توجّهوا نحو البرّ فقلت له:

صف لي الفارس فوصفه و إذا هو صاحبنا بعينه و هو الفارس الذي جاءنا و الحمد للّه ربّ العالمين‏ (1).

الحكاية الثلاثون: و فيه عن السيّد السند الميرزا صالح المزبور عن بعض الصلحاء الأبرار من أهل الحلّة قال: خرجت غدوة من داري قاصدا داركم لأجل زيارة السيّد أعلى اللّه مقامه فصار ممري في الطريق على المقام المعروف بقبر السيّد محمد ذي الدمعة فرأيت على‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 288 الحكاية 46.

46

شبّاكه الخارج إلى الطريق شخصا بهيّ المنظر يقرأ فاتحة الكتاب فتأمّلته فإذا هو غريب الشكل و ليس من أهل الحلّة فقلت في نفسي: هذا رجل غريب قد اعتنى بصاحب هذا المرقد و وقف و قرأ له فاتحة الكتاب و نحن أهل البلد نمرّ و لا نفعل ذلك فوقفت و قرأت الفاتحة و التوحيد، فلمّا فرغت سلّمت عليه فردّ السلام و قال لي: يا علي أنت ذاهب لزيارة السيّد مهدي؟ قلت: نعم، قال: فإنّي معك، فلمّا صرنا ببعض الطريق قال لي: يا علي لا تحزن على ما أصابك من الخسران و ذهاب المال في هذه السنة فإنّك رجل امتحنك اللّه بالمال فوجدك مؤدّيا للحقّ و قد قضيت ما فرض اللّه عليك، و أمّا المال فإنّه عرض زائل يجي‏ء و يذهب و كان قد أصابني خسران في تلك السنة لم يطّلع عليه أحد مخافة الكسر فاغتممت في نفسي و قلت: سبحان اللّه كسري قد شاع و بلغ حتّى إلى الأجانب إلّا أنّي قلت له في الجواب: الحمد للّه على كلّ حال، فقال: إنّ ما ذهب من مالك سيعود إليك بعد مدّة و ترجع كحالك الأوّل و تقضي ما عليك من الديون قال: فسكت و أنا متفكّر في كلامه حتّى انتهينا إلى باب داركم فوقفت و وقف فقلت: ادخل يا مولاي فأنا من أهل الدار فقال (عليه السّلام) لي: ادخل أنا صاحب الدار فامتنعت فأخذ بيدي و أدخلني أمامه، فلمّا صرنا إلى المجلس وجدنا جماعة من الطلبة جلوسا ينتظرون خروج السيّد (قدس سره) من داخل الدار لأجل البحث، و مكانه من المجلس خال لم يجلس به أحد احتراما له و فيه كتاب مطروح فذهب الرجل فجلس في الموضع الذي كان السيّد (رحمه اللّه) يعتاد الجلوس فيه ثمّ أخذ الكتاب و فتحه و كان الكتاب شرائع المحقّق (رحمه اللّه) ثمّ استخرج من الكتاب كراريس مسودة بخطّ السيّد (رحمه اللّه) و كان خطّه في غاية الضعف لا يقدر كلّ أحد على قراءته فأخذ يقرأ في تلك الكراريس و يقول للطلبة: ألا تعجبون من هذه الفروع؟ و هذه الكراريس هي بعض من جملة كتاب مواهب الافهام في شرح شرائع الأحكام و هو كتاب عجيب في فنّه لم يبرز منه إلّا ست مجلّدات من أوّل الطهارة إلى أحكام الأموات.

قال الوالد أعلى اللّه درجته: لمّا خرجت من داخل الدار رأيت الرجل جالسا في موضعي، فلمّا رآني قام و تنحّى عن الموضع و ألزمته بالجلوس فيه و رأيته رجلا بهيّ المنظر و سيم الشكل في زي غريب، فلمّا جلسنا أقبلت عليه بطلاقة وجه و بشاشة و سؤال عن حاله و استحييت أن أسأله من هو و أين موطنه، ثمّ شرعت بالبحث فجعل الرجل يتكلّم في‏

47

المسألة التي نبحث عنها بكلام كأنّه اللؤلؤ المتساقط فبهرني كلامه فقال له بعض الطلبة:

اسكت، ما أنت و هذا؟ فتبسّم و سكت، قال (رحمه اللّه): فلمّا انتهى البحث قلت له: من أين كان مجيئك إلى الحلّة؟ فقال: من بلد السليمانية.

فقلت: متى خرجت؟ فقال: بالأمس خرجت منها حين دخلها نجيب باشا فاتحا لها عنوة بالسيف و قد قبض على أحمد باشا الباباني المتغلّب عليها و أقام مقامه أخاه عبد اللّه باشا و قد كان أحمد باشا المتقدّم قد خلع طاعة الدولة العثمانية و ادّعى السلطنة لنفسه في السليمانية، قال الوالد (رحمه اللّه): فبقيت متفكّرا في حديثه و أن هذا الفتح و خبره لم يبلغ إلى حكّام الحلّة و لم يخطر لي أن أسأله كيف وصلت إلى الحلّة و بالأمس خرجت من السليمانية و بين الحلّة و السليمانية ما يزيد على عشرة أيّام للراكب المجدّ، ثمّ إنّ الرجل أمر بعض خدمة الدار أن يأتيه بماء فأخذ الخادم الاناء ليغترف به ماء من الحب فناداه لا تفعل فإنّ في الاناء حيوانا ميّتا فنظر فيه فإذا سام أبرص ميّت فأخذ غيره فجاء بالماء إليه، فلمّا شرب قام للخروج، قال الوالد: فقمت لقيامه فودّعني و خرج فلمّا صار خارج الدار قلت للجماعة هلّا أنكرتم على الرجل خبره في فتح السليمانية؟ فقالوا: هلّا أنكرت عليه، قال: فحدّثني الحاج علي المتقدّم بما وقع له في الطريق و حدّثني الجماعة بما وقع قبل خروجي من قراءته في المسودة و إظهار العجب من الفروع التي فيها، قال الوالد أعلى اللّه مقامه، فقلت: اطلبوا الرجل و ما أظنّكم تجدونه، هو و اللّه صاحب الأمر روحي فداه فتفرّق الجماعة في طلبه فما وجدوا له عينا و لا أثرا فكأنّما صعد في السماء أو نزل في الأرض، قال: فضبطنا اليوم الذي أخبر فيه عن فتح السليمانية فورد الخبر ببشارة الفتح إلى الحلّة بعد عشرة أيّام من ذلك اليوم و أعلن ذلك عند حكّامها بضرب المدافع المعتاد ضربها عند البشائر عند ذوي الدولة العثمانية. قال صاحب الكتاب قلت: الموجود فيما عندنا من كتاب الأنساب ان اسم ذي الدمعة حسين و يلقّب أيضا بذي العبرة و هو ابن زيد الشهيد بن علي بن الحسين (عليه السّلام) و يكنّى بأبي عاتقة و إنّما لقّب بذي الدمعة لبكائه في تهجده في صلاة الليل، و ربّاه الصادق (عليه السّلام) فأورثه علما جمّا و كان زاهدا عابدا و توفي في سنة خمس و ثلاثين و مائة و زوّج ابنته بالمهدي الخليفة العبّاسي و له أعقاب كثيرة (1).

____________

(1)- جنّة المأوى: 286 الحكاية 44.

48

الحكاية الحادية و الثلاثون: و فيه عن تاريخ قم تأليف الشيخ الفاضل الحسن بن محمد ابن الحسن القمي من كتاب مؤنس الحزين في معرفة الحق و اليقين من مصنّفات أبي جعفر محمد بن بابويه القمّي ما لفظه بالعربية: باب ذكر بناء مسجد جمكران بأمر الإمام المهدي عليه صلوات اللّه الرحمن و على آبائه المغفرة، سبب بناء المسجد المقدّس في جمكران بأمر الإمام (عليه السّلام) على ما أخبر به الشيخ العفيف الصالح حسن بن مثلة الجمكراني قال: كنت ليلة الثلاثاء السابع و العشرين من شهر رمضان المبارك سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة نائما في بيتي، فلمّا مضى نصف من الليل فإذا بجماعة من الناس على باب بيتي فأيقظوني فقالوا: قم و أجب الإمام المهدي صاحب الزمان (عج) فانّه يدعوك قال: فقمت و تعبّأت و تهيّأت فقلت: دعوني حتّى ألبس قميصي فإذا بنداء من جانب الباب هو: ما كان قميصك؟ فتركته فأخذت سراويلي فنودي: ليس ذلك منك فخذ سراويلك، فألقيته و أخذت سراويلي و لبسته فقمت إلى مفتاح الباب أطلبه فنودي: الباب مفتوح، فلمّا جئت إلى الباب رأيت قوما من الأكابر فسلّمت عليهم فردّوا و رحّبوا بي و ذهبوا بي إلى موضع هو المسجد الآن فلمّا أمعنت النظر رأيت أريكة فرشت عليها فرش حسان و عليها وسائد حسان و رأيت فتى في زي ابن ثلاثين متّكئا عليها و بين يديه شيخ و بيده كتاب يقرؤه عليه و حوله أكثر من ستّين رجلا يصلّون في تلك البقعة و على بعضهم ثياب بيض و على بعضهم ثياب خضر و كان ذلك الشيخ هو الخضر فأجلسني ذلك الشيخ و دعاني الإمام باسمي و قال: اذهب إلى حسن بن مسلم و قل له: إنّك تعمر هذه الأرض منذ سنين و تزرعها و نحن نخربها زرعت خمس سنين و العام أيضا على حالك من الزراعة و العمارة و لا رخصة لك في العود إليها و عليك ردّ ما انتفعت به من غلّات هذه الأرض ليبنى فيها مسجد، و قل لحسن بن مسلم إنّ هذه أرض شريفة قد اختارها اللّه تعالى على غيرها من الأراضي و شرّفها و أنت أضفتها إلى أرضك و قد جزاك اللّه بموت ولدين لك شابّين فلم تنتبه عن غفلتك فإن لم تفعل ذلك لأصابك من نقمة اللّه من حيث لا تشعر.

قال حسن بن مثلة: يا سيدي لا بدّ لي في ذلك من علامة فإنّ القوم لا يقبلون ما لا علامة و لا حجّة عليه و لا يصدّقون قولي، قال: إنّا سنعلم هناك فاذهب و بلّغ رسالتنا و اذهب إلى السيّد أبي الحسن و قل له يجي‏ء و يحضره و يطالبه بما أخذ من منافع تلك السنين و يعطيه‏

49

الناس حتّى يبنوا المسجد و يتمّ ما نقص منه من غلّة رهق ملكنا بناحية اردهال و يتم المسجد و قد وقفنا نصف رهق على هذا المسجد ليجلب غلّته كلّ عام و يصرف إلى عمارته و قل للناس: ليرغبوا إلى هذا الموضع و يعززوه و يصلّوا هنا أربع ركعات للتحية في كلّ ركعة يقرأ سورة الحمد مرّة و سورة الاخلاص سبع مرّات و يسبّح في الركوع و السجود سبع مرّات و ركعتان للإمام صاحب الزمان (عليه السّلام) هكذا يقرأ الفاتحة فإذا وصل إلى‏ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏ كرّر مائة مرّة، ثمّ يقرؤها إلى آخرها، و هكذا يصنع في الركعة الثانية و يسبّح في الركوع و السجود سبع مرّات فإذا أتمّ الصلاة: يهلّل‏ (1) و يسبّح تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السّلام) فإذا فرغ من التسبيح يسجد و يصلّي على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مائة مرّة، ثمّ قال (عليه السّلام) ما هذه حكاية لفظه:

فمن صلّاها فكأنّما [صلّى‏] (2) في البيت العتيق، قال حسن بن مثلة: قلت في نفسي كان هذا موضع أنت تزعم أنّما هذا المسجد للإمام صاحب الزمان مشيرا إلى ذلك الفتى المتّكي على الوسائد فأشار ذلك الفتى إليّ أن اذهب فرجعت، فلمّا سرت بعض الطريق دعاني ثانية و قال: إنّ في قطيع جعفر الكاشاني الراعي معزا يجب أن تشتريه فإن أعطاك أهل القرية الثمن تشتريه و إلّا فتعطي من مالك و تجي‏ء به إلى هذا الموضع و تذبحه الليلة الآتية ثمّ تنفق يوم الأربعاء الثامن عشر من شهر رمضان المبارك لحم ذلك المعز على المرضى و من به علّة شديدة فإنّ اللّه يشفي جميعهم، و ذلك المعز أبلق كثير الشعر و عليه سبع علامات سود و بيض، ثلاث على جانب و أربع على جانب سود و بيض كالدراهم، فذهبت فأرجعوني ثالثة و قال (عليه السّلام): تقيم بهذا المكان سبعين يوما أو سبعا فإن حملت على السبع انطبق على ليلة القدر و هي الثالثة و العشرون و إن حملت على السبعين انطبق على الخامس و العشرين من ذي القعدة و كلاهما يوم مبارك، قال حسن بن مثلة: فعدت حتّى وصلت إلى داري و لم أزل الليل متفكّرا حتّى أسفر الصبح فأدّيت الفريضة و جئت إلى علي بن منذر فقصصت عليه الحال فجاء معي حتّى بلغت المكان الذي ذهبوا بي إليه البارحة فقال: و اللّه إنّ العلامة التي قال لي الإمام واحد منها أنّ هذه السلاسل و الأوتاد هاهنا فذهبنا إلى السيّد الشريف أبي الحسن الرضا فلمّا وصلنا إلى باب داره رأينا خدّامه و غلمانه يقولون: إنّ السيّد أبا الحسن‏

____________

(1)- قال الميرزا النوري: الظاهر أنّه يقول: لا إله إلّا اللّه وحده وحده.

(2)- زيادة يقتضيها السياق.

50

الرضا ينتظرك من سحر، أنت من جمكران؟

قلت: نعم، فدخلت عليه الساعة و سلّمت عليه و خضعت فأحسن في الجواب و أكرمني و مكّن لي في مجلسه و سبقني قبل أن أحدّثه و قال: يا حسن بن مثلة إنّي كنت نائما فرأيت شخصا يقول لي: إنّ رجلا من جمكران يقال له حسن بن مثلة يأتيك بالغدو و لتصدقن ما يقول و اعتمد على قوله فإنّ قوله قولنا فلا تردنّ عليه قوله فانتبهت من رقدتي و كنت أنتظرك الآن فقصّ عليه الحسن بن مثلة القصص مشروحا فأمر بالخيول لتسرج و تخرج فركبوا، فلمّا قربوا من القرية رأوا جعفر الراعي و له قطيع على جانب الطرق فدخل حسن بن مثلة بين القطيع و كان ذلك المعز خلف القطيع فأقبل المعز عاديا إلى الحسن بن مثلة فأخذه الحسن ليعطي ثمنه الراعي و يأتي به فأقسم جعفر الراعي أنّي ما رأيت هذا المعز قط و لم يكن في قطيعي إلّا أنّي رأيته و كلّما أريد أن آخذه لا يمكنني و الآن جاء إليكم، فأتوا بالمعز كما أمر به السيّد إلى ذلك الموضع و ذبحوه و جاء السيّد أبو الحسن الرضا رضى اللّه عنه إلى ذلك الموضع و أحضروا الحسن بن مسلم و استردوا منه الغلّات و جاءوا بغلّات رهق و سقفوا المسجد بالجذوع و ذهب السيّد أبو الحسن الرضا (رض) بالسلاسل و الأوتاد و أودعها في بيته فكان يأتي المرضى و الأعلّاء و يمسّون أبدانهم بالسلاسل فيشفيهم اللّه تعالى عاجلا و يصحون.

قال أبو الحسن محمد بن حيدر: سمعت بالاستفاضة أنّ السيّد أبا الحسن الرضا كان في المحلّة المدعوة بالموسويان من بلدة قم، فمرض بعد وفاته ولد له فدخل بيته و فتح الصندوق الذي فيه السلاسل و الأوتاد فلم يرها. انتهت حكاية بناء هذا المسجد الشريف المشتملة على المعجزات الباهرة و الآثار الظاهرة التي منها وجود مثل بقرة بني إسرائيل في معز من معزى هذه الامّة.

قال مؤلّف كتاب جنّة المأوى الحاج ميرزا حسين النوري طاب ثراه: لا يخفى أنّ مؤلّف تاريخ قم هو الشيخ الفاضل حسن بن محمد القمي و هو من معاصري الصدوق (رضوان اللّه عليه)، روى في ذلك الكتاب عن أخيه حسين بن علي بن بابويه رضى اللّه عنه و أصل الكتاب على اللغة العربية، و لكن في السنة الخامسة و الستّين بعد ثمانمائة نقله إلى الفارسية حسن بن علي بن حسن بن عبد الملك بأمر الخاجا فخر الدين إبراهيم بن الوزير الكبير الخاجا عماد الدين محمود بن الصاحب الخاجا شمس الدين محمد بن علي الصفي، قال العلّامة

51

المجلسي (رحمه اللّه) في أوّل البحار: إنّه كتاب معتبر و لكن لم يتيسّر لنا أصله و ما بأيدينا إنّما هو ترجمته، و هذا كلام عجيب لأنّ الفاضل الألمعي الميرزا محمد أشرف صاحب كتاب فضائل السادات كان معاصرا له مقيما باصفهان و هو ينقل من النسخة العربية، بل و نقل عنه الفاضل المحقّق الآغا محمد علي الكرمانشهاني في حواشيه على نقل الرجال في باب الحاء في اسم الحسن حيث ذكر الحسن بن مثلة و نقل ملخّص الخبر المذكور من النسخة العربية، و أعجب منه أنّ أصل الكتاب كان مشتملا على عشرين بابا.

و ذكر العالم الخبير الميرزا عبد اللّه الاصفهاني تلميذ العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) في كتابه الموسوم برياض العلماء في ترجمة صاحب هذا التاريخ أنّه ظفر على ترجمة هذا التاريخ في قم و هو كتاب كبير حسن كثير الفوائد في مجلّدات عديدة و لكنّي لم أظفر على أكثر من مجلّد واحد مشتمل على ثمانية أبواب بعد الفحص الشائع، و قد نقلنا الخبر السابق من خط السيّد المحدّث الجليل السيّد نعمة اللّه الجزائري (رحمه اللّه) عن مجموعة نقله منها و لكنّه كان بالفارسية فنقلناه ثانيا إلى العربية ليلائم نظم هذا المجموع. و لا يخفى أنّ كلمة التسعين الواقعة في صدر الخبر المثناة فوق ثمّ السين المهملة كانت في الأصل سبعين بتقديم المهملة على الموحدة و اشتبه على الناسخ؛ لأنّ وفاة الشيخ الصدوق كانت قبل التسعين، و لذا نرى جمعا من العلماء يكتبون في لفظ السبع و السبعين بتقديم السين أو التاء حذرا عن التصحيف و التحريف و اللّه تعالى هو العالم‏ (1).

الحكاية الثانية و الثلاثون: فيه عن السيّد الثقة التقي السيّد المرتضى النجفي و قد أدرك شيخ الفقهاء و عمادهم الشيخ جعفر النجفي و كان معروفا عند علماء العراق بالصلاح و السداد و صاحبته سنين سفرا و حضرا فما وقفت منه على عثرة في الدين قال: كنّا في مسجد الكوفة مع جماعة فيهم أحد من العلماء المعروفين المبرزين في المشهد الغروي و قد سألته عن اسمه غير مرّة فما كشف عنه لكونه محل هتك الستر و إذاعة السرّ قال: و لمّا حضر وقت صلاة المغرب جلس الشيخ لدى المحراب للصلاة و الجماعة في تهيئة الصلاة بين جالس عنده و مؤذن و متطهّر، و كان في ذلك الوقت في داخل الموضع المعروف بالتنور ماء قليل من قناة خربة و قد رأينا مجراها عند مقبرة هاني بن عروة، و الدرج الذي تنزل إليه‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 230 الحكاية الثامنة.

52

ضيّقة مخروبة لا تسع غير واحد فجئت إليه و أردت النزول فرأيت شخصا جليلا على هيئة الأعراب قاعدا عند الماء يتوضّأ و هو في غاية من السكينة و الوقار و الطمأنينة و كنت مستعجلا لخوف عدم إدراك الجماعة فوقفت قليلا فرأيته كالجبل لا يحرّكه شي‏ء فقلت و قد اقيمت الصلاة ما معناه: لعلّك لا تريد الصلاة مع الشيخ، أردت بذلك تعجيله فقال: لا.

فقلت: لم؟ قال: لأنّه الشيخ الدخني، فما فهمت مراده فوقفت حتّى أتمّ وضوءه فصعد و ذهب و نزلت و توضّأت و صلّيت، فلمّا قضيت الصلاة و انتشر الناس و قد ملأ قلبي و عيني هيئته و سكونه و كلامه فذكرت للشيخ ما رأيت و سمعت منه فتغيّرت حاله و ألوانه و صار متفكّرا مهموما فقال: قد أدركت الحجّة و ما عرفته و قد أخبر عن شي‏ء ما اطّلع عليه إلّا اللّه تعالى، اعلم أنّي زرعت الدخنة في هذه السنة في الرحبة و هي موضع في الطرف الغربي من بحيرة الكوفة محل خوف و خطر من جهة أعراب البادية المترددين إليه، فلمّا قمت إلى الصلاة و دخلت فيها ذهب فكري إلى زرع الدخنة و أهمّني أمره فصرت أتفكّر فيه و في آفاته.

الحكاية الثالثة و الثلاثون: و فيه عن العالم الصالح الميرزا محمد تقي بن الميرزا محمد كاظم عزيز اللّه بن المولى محمد تقي المجلسي الملقّب بالألماسي و هو من العلماء الزاهدين، قال: حدّثني ثقة صالح من أهل العلم من سادات سولستان عن رجل ثقة أنّه قال:

اتفق في هذه السنين أنّ جماعة من أهل بحرين عزموا على إطعام جمع من المؤمنين على التناوب فأطعموا حتّى بلغ النوبة إلى رجل منهم لم يكن عنده شي‏ء فاغتمّ لذلك و كثر حزنه و همّه فاتّفق أنّه خرج ليلة إلى الصحراء فإذا بشخص قد وافاه و قال له: اذهب إلى التاجر الفلاني و قل: يقول لك محمد بن الحسن أعطني الاثني عشر دينارا التي نذرتها لنا فخذها منه و أنفقها في ضيافتك، فذهب الرجل إلى ذلك التاجر و بلّغه رسالة الشخص المذكور فقال التاجر: قال لك ذلك محمد بن الحسن (عليهما السّلام) بنفسه؟ فقال البحريني: نعم، فقال: عرفته، فقال:

لا، فقال التاجر: هو صاحب الزمان (عج)، و هذه الدنانير نذرتها له، فأكرم الرجل و أعطاه المبلغ المذكور و سأله الدعاء و قال له: لما قبل نذري أرجو منك أن تعطيني منه نصف دينار و أعطيك عوضه فجاء البحريني و أبلغ المبلغ في مصرفه‏ (1).

____________

(1)- جنّة المأوى: 258 الحكاية 27.

53

الحكاية الرابعة و الثلاثون: و فيه عن محمد باقر الشريف الاصفهاني أنّ في سنة ألف و مائة و ثلاث و سبعين كنت في طريق مكّة المعظّمة صاحبت رجلا ورعا موثقا يسمّى الحاج عبد الغفور في ما بين الحرمين و هو من تجّار تبريز يسكن في اليزد و قد حجّ قبل ذلك ثلاث مرّات و بنى في هذا السفر على مجاورة بيت اللّه سنتين ليدرك فيض الحج ثلاث سنين متوالية، ثمّ بعد ذلك في سنة ألف و مائة و ستّة و سبعين حين معاودتي من زيارة المشهد الرضوي على صاحبه السلام رأيته أيضا في اليزد و قد مرّ في رجوعه من مكة بعد ثلاث حجّات إلى بندر صورت من بنادر هند لحاجة له و رجع في سنتها إلى بيته فذكر لي عند اللقاء: أنّي سمعت من الميرزا بولي طالب أنّ في السنة الماضية جاء مكتوب من سلطان الافرنج إلى الرئيس الذي يسكن بندر بمبئي من جانبه و يعرف بجندران، في هذا الوقت ورد علينا رجلان عليهما لباس الصوف و يدّعي أحدهما أنّ عمره سبعمائة و خمسين سنة و الآخر سبعمائة سنة و يقولان: بعثنا صاحب الأمر (عج) لندعوكم إلى دين محمّد المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يقولان: إن لم تقلبوا دعوتنا و لم تتدينوا بديننا يغرق البحر بلادكم بعد ثمان أو عشرة سنين و الترديد من الحاج المذكور و قد أمرنا بقتلهما فلم يعمل فيهما الحديد و وضعناهما على الأثواب و أوقدنا فيهما النار فلم يحرقا فشددنا أيديهما و أرجلهما و ألقيناهما في البحر فخرجا منه سالمين، و كتب إلى الرئيس أن يتفحّص في أرباب مذاهب الإسلام و اليهود و المجوس و النصارى و أنّهم هل رأوا ظهور صاحب الأمر (عليه السّلام) في آخر الزمان في كتبهم أم لا، قال الحاج المزبور: و قد سألت من قسيس كان في صورت عن صحّة المكاتبة المذكورة فذكر لي كما سمعت. و بالجملة الخبر مشهور منتشر في تلك البلدة و اللّه العالم‏ (1).

الحكاية الخامسة و الثلاثون: فيه أنّ في شهر جمادى الأولى من سنة ألف و مائتين و تسع و تسعين ورد الكاظمين رجل اسمه آقا محمّد مهدي من قاطنة بندر ملومين من بنادر ماچين و ممالك برمه و هو الآن في تصرّف الانجليز، و من بلدة كلكته قاعدة سلطنة ممالك الهند إليه مسافة ستّة أيّام من البحر مع المركب الدخانية و كان أبوه من أهل شيراز و لكنّه ولد تعيش و كان له أقارب في بلدة كاظمين (عليهما السّلام) من التجّار المعروفين فنزل عليهم و بقي عندهم عشرين‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 261 الحكاية 30.

54

يوما فصادف وقت حركة مركب الدخان إلى سرّ من رأى لطغيان الماء فأتوا به إلى المركب و سلّموه إلى راكبيه و هم من أهل بغداد و كربلاء و سألوهم المراقبة في حاله و النظر في حوائجه لعدم قدرته على إبرازها و كتبوا إلى بعض المجاورين من أهل سامراء للتوجّه في أموره، فلمّا ورد تلك الأرض المشرّفة و الناحية المقدّسة أتى إلى السرداب المنوّر بعد الظهر من يوم الجمعة العاشر من جمادى الآخرة من السنة المذكورة و كان فيه جماعة من الثقات و المقدسين إلى أن أتى إلى الصفة المباركة فبكى و تضرّع فيها زمانا طويلا و كان يكتب قبيله حاله على الجدار و يسأل من الناظرين الدعاء و الشفاعة فما تمّ بكاؤه و تضرّعه إلّا و قد فتح اللّه لسانه و خرج بإعجاز الحجّة (عج) من ذلك المقام المنيف مع لسان ذلق و كلام فصيح، و احضر في يوم السبت في محفل تدريس سيّد الفقهاء و شيخ العلماء رئيس الشيعة و تاج الشريعة المنتهى إليه رئاسة الإماميّة سيّدنا الأفخم و استاذنا الأعظم الحاج الميرزا محمد حسن الشيرازي متّع اللّه المسلمين بطول بقائه و قرأ عنده متبرّكا سورة المباركة الفاتحة بنحو أذعن الحاضرون بصحّته و حسن قراءته و صار يوما مشهودا و مقاما محمودا، و في ليلة الأحد و الاثنين اجتمع العلماء و الفضلاء في الصحن الشريف فرحين مسرورين و أضاء و افضاءه من المصابيح و القناديل و نظموا القصة و نشروها في البلاد، و كان معه في المركب مادح أهل البيت الفاضل اللبيب الحاج ملّا عباس الصفّار الزنوزي البغدادي فقال و هو من قصيدة طويلة و رآه مريضا و صحيحا:

و في عامها جئت و الزائرين‏* * * إلى بلدة سر من قد رآها

رأيت من الصين فيها فتى‏* * * و كان سمي إمام هداها

يشير إذا ما أراد الكلام‏* * * و للنفس منه يريد براها

و قد قيّد السقم منه الكلام‏* * * و أطلق من مقلتيه دماها

فوافى إلى باب سرداب من‏* * * به الناس طرا تنال مناها

يروم بغير لسان يزور* * * و للنفس منه وهت بعناها

و قد صار يكتب فوق الجدار* * * ما فيه للروح منه شفاها

أروم الزيارة بعد الدعاء* * * ممن رأى أسطري و تلاها

لعل لساني يعود الفصيح‏* * * و عليّ أزور و أدعو الإلها