ألفية السيرة النبوية ـ نظم الدرر السنية الزكية

- زين الدين العراقي‏ المزيد...
175 /
5

[ألفية السيرة النبوية]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

بين يدي الكتاب‏

الحمد للّه الّذي نضّر وجوه أهل الحديث، و جعل منهم حفّاظا للسّنّة بسعيهم الحثيث، فاضت السّنّة عذبة المورد، دانية الجنى، باهرة السّنا.

و الصّلاة و السّلام على سيّد ولد عدنان، الّذي أمر بالبيان، فكانت سنّته مفصّلة لما أجمل في القرآن، و على آله الغرّ المطهّرين، و صحابته و التّابعين.

أمّا بعد:

فإنّ السّيرة النّبويّة مما تواردت الأقلام على تحريرها، و الأفكار على الاستنباط منها، و الموفّقون على اقتفاء توجيهاتها، و التّأسّي بأفضل الخلق على الإطلاق (صلى اللّه عليه و آله و سلم)؛ لأنّه الإمام المتّبع، و المصطفى المشفّع، و لقد تفنّن أولو العلم في استجلاء تلك الطّلعة البهيّة، و الاغتراف من الشّمائل المصطفويّة.

و أهل العلم ما بين ناظم و ناثر، و متوسّع و مختصر، و شارح و محشّ، و الهدف واحد، و إن تنوّعت الأساليب، ألا و هو عرض سيرة المصطفى (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و تبيان ما كان عليه من الخلق العظيم، و الرّحمة للعالمين.

رحمة كلّه و حزم و عزم‏* * * و وقار و هيبة و حياء

ما سوى خلقه النّسيم و لا غي* * * ر محيّاه الرّوضة الغنّاء

و الإعلام بما كان عليه أصحابه من الجدّ و الاجتهاد، في مرضاة ربّ العباد، حتّى قدّموا أرواحهم رخيصة في سبيل إعلاء كلمة اللّه، هذا و إنّ ممّن أدلى فيها بدلوه، و ألّف فيها بنظمه: الحافظ زين الدّين عبد الرّحيم بن الحسين العراقيّ الّذي كان شيوخ عصره يشهدون له بالمعرفة؛ و يثنون عليه؛ كالسّبكيّ و العلائيّ‏

6

و ابن كثير و غيرهم، حتّى إنّ الأسنويّ وصفه بقوله: (حافظ العصر)؛ إذ له مؤلفات بديعة في الحديث و علومه، منها: «الألفية» الّتي اشتهرت في الآفاق، و شرحها جمع من أهل العلم، و تخريج أحاديث «الإحياء» الموسوم ب «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار» و غيرهما.

و من ذلك: «ألفيّة رجزيّة في السّيرة النّبويّة»، و هي من مهمّات المتون، و بدائع الفنون؛ لما تميّزت به من ضبط محرر للأحداث، و دقّة في تواريخ الغزوات و السّرايا، لا سيّما و النّاظم قد أملاها في الرّوضة النّبويّة الشّريفة على فئة من محدثي عصره، و جماعة من المعنيّين بهذه الفنون، فهي بحقّ من الإتحافات السّنيّة، و المتون الرّجزيّة المفيدة، لذلك فهي قمنة بالاقتناء، جديرة بالاعتناء.

و في أثناء كتابة هذه الأحرف و بينما الكتاب ماثل للطبع .. انتقل إلى جوار ربّه الإمام العلم الّذي تناقلت الأقطار مناقبه و آثاره، و أشارت أكفّ الفضل إليه؛ السّيّد محمّد بن علويّ بن عبّاس المالكيّ، فكان من ترتيب الأقدار لهذا الكتاب المبارك: أن يكون تحقيقه و التّعليق عليه آخر أعمال الإمام المالكيّ العلميّة، و الّتي طرّزت بها أنامله هذا السّفر المبارك، فبارك اللّه تعالى في هذه «الألفيّة»، و عمّ بها النّفع، إنّه سميع مجيب.

و قد جرّدت دار المنهاج عزمها لإخراج «ألفيّة السّيرة» في أجمل إهاب، و أحسن جلباب، و تفنّنت في إخراجها بالشّكل المرضيّ، و ذهبت في ذلك إلى الشّأو القصيّ، بحيث يسرّ العيون منظرها، و يبهج الأفكار مخبرها، لا سيّما و قد التقى على صفحات هذا السّفر علمان محدّثان، قديم و معاصر، و اللّه تعالى ينفع به.

النّاشر

جدة في (21) رمضان (1425 ه)

(4) تشرين 2 (2004 م)

7

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

تقديم‏

بقلم السيد أحمد بن محمد بن علوي المالكي الحسني‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام الأكملان على سيد الأولين و الآخرين، سيدنا و شفيعنا و قائدنا محمد بن عبد اللّه، و على آله و صحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن مما نحمد اللّه عليه، و نشكره و نثني عليه الخير كله، أن جعل ميراثنا خير ميراث ورّثه لنا آباؤنا و هو العلم، فنشأنا بحمد اللّه و عظيم فضله في أحضانه، و بين أربابه و طلابه، فنهلنا من معين صاف مورده، و ربينا على حبّ و عشق لمصدره.

لقد ربّانا والدنا و قدوتنا سيدي الوالد العلامة المحدث السيد محمد بن علوي المالكي (رحمه اللّه) رحمة واسعة، و أعلى مقامه في عليين، و جمعنا و إياه مع سيد المرسلين، سيدنا محمد و آله و صحبه، و جميع أنبيائه و أوليائه في الفردوس الأعلى، آمين يا رب العالمين، أقول: ربّانا (رحمه اللّه تعالى) على العيش على منهج و سيرة سيد المرسلين، و شغل أوقاتنا و أفكارنا مع أرواحنا في سيرة هذا النبي العظيم، الرءوف الرحيم، صلى اللّه عليه و على آله و صحبه أجمعين، لتكون النبراس الذي لا يغيب عن أعيننا و أرواحنا، فتعيش سيرته العطرة في أحشائنا، و تسري محبته في عروقنا؛ لتغذي جميع جوارحنا، فتغدو موئل عزّنا، و منار فخرنا.

8

لقد كان (رحمه اللّه تعالى) مشتغلا دوما بعرض سيرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) في كل أوقاته، و مؤلفاته، و محاضراته، و محاوراته، و مناقشاته مع محبّيه و مخالفيه، و مما ختم اللّه له به آخر أعماله، اشتغاله بالتعليق على منظومة الإمام الزين العراقي المتوفّى سنة (806 ه) المسمّاة ب: «الدّرر السنية في نظم السير الزكية»، و التي اصطلح على تسميتها ب: «ألفية الإمام العراقي في السيرة»، تمييزا لها عن ألفيته في علوم الحديث.

لقد كانت آخر ما كتبه بخطه الشريف تعليقا على بعض مواضع في هذه المنظومة، قبل وفاته (رحمه اللّه تعالى) بيوم واحد فقط، فوجدنا أنه من البرّ به، و تحقيقا لأمنيته في إبراز هذه المنظومة لطلبة العلم، و محبي سيرة المصطفى ص أن تخرج هذه الطبعة بما يليق بها، و تتحقق بذلك بغية والدنا السيد الإمام (رحمه اللّه تعالى)، و سعيت في المشاركة في ثواب نشر العلم، و برّ الوالد السيد الإمام (رحمه اللّه تعالى) أن أكتب ما تعلق في خاطري من معين دروس و كلام السيد الوالد، مع التماس العذر في عدم الاستيفاء في ذلك؛ لتكدر الخاطر و انشغاله، و اللّه المعين على ذلك.

فأقول: إنّ مما سمعته منه (رحمه اللّه تعالى) في أحد دروسه التي تكلم فيها على عظم تعلم سيرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)، و معايشة أحوال تلك السيرة، أنها تهذب النفوس، و تبين الطريق الواضح المبين للمعاملات بين الناس، سواء الدينية أو الدنيوية، فمنها نتعلم كيف نعامل من خالفنا، و كيف نحكم تصرفاتنا، و كيف يعلم بعضنا بعضا، و كيف يرشده و ينصحه، و كيف نتعلم أمور ديننا، و كيف نقيم الحدود و نأمر بالمعروف و ننهى عن المنكر، و نعرف حقوق بعضنا، و الأمور التي تحكم سير المجتمع، و كيف نعالجه، إلى غير ذلك من مقومات المجتمع الإسلامي.

لقد صادف حديثه ذلك حدوث بعض ما يؤلم في بعض المجتمعات الإسلامية

9

من تعد و فتن؛ فكانت مناسبة لبيان مفرزات البعد عن معرفة و فهم سيرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم).

و من ذلك أيضا: تكراره (رحمة اللّه عليه) على جميع محبّيه و من يسمع حديثه، أو يتابع دروسه: أن يشتغل بتدبر و معرفة دقائق و مواقف سيرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)، لتربية النفس و ردعها عن ما قد لا يرضاه اللّه و رسوله (صلى اللّه عليه و سلم)، فقد كان عند ما يقوم أحد بسؤاله عن فعل شي‏ء أو تركه يربطه بقوله له: هل يرضى هذا حبيبك المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)؟!

كان (رحمه اللّه تعالى) يحث على تنشئة الصغار على معرفة سيرة المصطفى ص و محبته، و شغل الوقت بقراءة ما يتصل بذلك، و عمل في ذلك كتابه «تاريخ الحوادث و الأحوال النبوية» ضمن سلسلة (العلم و المعرفة للشباب) فصاغه بأسلوبه الماتع الشيق في سيرة مختصرة رزقت القبول لدى الصغار و الكبار، بجميع فئاتهم و توجهاتهم.

إنّ تعلم السيرة النبوية و فهم مجريات أحداثها و أحوالها أعظم طريق لبناء مجتمع إسلامي يعرف هدفه و مسئوليته، و يسلك المنهج الأسمى مستضيئا بها، لأنها معين لا ينضب، و شمس لا تغرب، و معرفة تقصر الهمم عن إدراك منتهاها، سيرة تحمل جميع معطيات الأمن و الأمان، و التهذيب و العرفان، و تغني عن جميع غيرها من السير القاصرة في معطياتها، القاحلة من مكارم الأخلاق.

فشكر اللّه سعي والدي الإمام السيد محمد بن علوي المالكي، و أثابه من فضله وسعة منّه جزاء ما عمل على غرسه و العمل على جني ثمره، حبّا و تعظيما لجناب الشفيع المشفّع (صلى اللّه عليه و سلم)، و أنالنا من فضل جوده و كرمه ما يجعلنا قرّة عين لحبيبنا المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم).

ختاما .. أسأل العلي القدير أن يبارك في بيت آل المالكي و عقبهم جميعا، و يجعل سره فينا إلى يوم نلقاه، آمين.

10

اعتناء العلماء ب «ألفية السيرة»

تظهر أهميّة هذا النظم الجليل بكثرة اعتناء أهل العلم به، فقد قام علماء أجلّة بالعناية به شرحا و تحشية؛ لإظهار فوائده، و إيضاح فرائده، و تزيين قلائده، و ممّن قام بذلك:

1- الشّيخ محبّ الدّين محمّد بن أحمد بن محمّد بن الهائم (ت 798 ه)، «الغرر المضيئة في شرح نظم الدّرر السّنيّة»، مخطوط (1).

2- الإمام العلّامة شهاب الدين أحمد بن حسين بن حسن بن علي ابن أرسلان الرملي الشافعي (ت 844 ه)، «شرح ألفية العراقي في السيرة» (2).

3- العلّامة المحدّث عبد الرءوف بن تاج الدّين علي المناوي (ت 1031 ه)، «الفتوحات السّبحانية في شرح نظم الدّرّة السّنيّة»، طبع بعنوان «العجالة السّنيّة على ألفيّة السّيرة النّبويّة»، و هو أشهر شروح «الدّرر السّنيّة».

4- شيخ المالكيّة الإمام نور الدّين علي بن محمّد بن عبد الرّحمن الأجهوري (ت 1066 ه)، «شرح الدّور السّنيّة في نظم السّيرة النّبويّة»، مطبوع في مصر (3).

5- الفقيه الشّيخ ياسين بن محمّد الخليلي، المعروف بابن غرس (ت 1086 ه)، «الفوائد البهيّة على الدّرر السّنيّةُ في نظم السّيرة الزّكيّة»، مخطوط (4).

____________

(1) الأعلام (5/ 329).

(2) الضوء اللامع (1/ 285).

(3) بعناية و إشراف الدكتور علي جمعة محمد مفتي الديار المصرية.

(4) قائمة بالمخطوطات العربية في مكتبة جامعة برنستون (ص 213).

11

6- الشّيخ محمّد بن أحمد البرلّسي المالكي (ت 1097 ه)، «البدر المنير في شرح سيرة البشير النّذير»، مخطوط (1).

7- الشّيخ أبو إسحاق إبراهيم بن مرعي بن عطية الشّبرخيتي المالكي (ت 1106 ه)، «شرح ألفيّة العراقي في السّيرة»، مخطوط (2).

8- العلّامة أبو الصّفاء إبراهيم بن مصطفى الحلبي، عرف بالمداري (ت 1190 ه)، «شرح نظم السّيرة النّبويّة»، مخطوط.

9- الشّيخ أبو عبد اللّه محمّد الطّيّب بن عبد المجيد بن عبد السّلام بن كيران (ت 1227 ه)، «شرح ألفيّة العراقي في السّيرة»، مخطوط (3).

10- الشّيخ علي بن الحسين السعاوي، كان حيّا سنة (1292 ه)، «الغرر العليّة في شرح الدّرر السّنيّة في نظم السيرة النبوية»، مخطوط (4).

11- العالم عبد اللّه بن إيبيه الديماني (ت 1328 ه)، «جامع السّيرة في شرح ألفيّة العراقي».

12- الشّيخ أحمد بن محمّد بن أحمد الحسني الشّنقيطي (القرن الرابع عشر)، «شرح ألفيّة زين الدّين العراقي في السّيرة».

____________

(1) فهرس الكتب الموجودة بالمكتبة الأزهرية (8/ 258).

(2) هدية العارفين (1/ 36).

(3) فهرس الخزانة العلمية الصبيحية بسلا- المغرب (ص 83).

(4) فهرس المخطوطات العربية في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد (1/ 354).

12

ترجمة الحافظ العراقيّ (رحمه اللّه تعالى)

اسمه و نسبه‏

هو الإمام العلّامة الحافظ الكبير زين الدّين أبو الفضل عبد الرّحيم بن الحسين بن عبد الرّحمن، العراقيّ الأصل، المهرانيّ المولد، المصري، الشّافعيّ.

مولده و نشأته‏

ولد في الحادي و العشرين من جمادى الأولى سنة خمس و عشرين و سبع مائة بمنشيّة المهراني على شاطئ النّيل، من أبوين صالحين عابدين، و توفي والده و هو في الثّالثة من عمره.

حفظ القرآن الكريم و هو ابن ثمان، و «التّنبيه»، و أكثر «الحاوي»، و «الإلمام»، و كان أوّل اشتغاله في علم القراءات، و نظر في الفقه و أصوله، و تقدّم فيهما بحيث كان الأسنوي يثني على فهمه، و يستحسن كلامه و يصغي لمباحثه.

ثمّ أقبل على علم الحديث بإشارة من العزّ ابن جماعة، فأخذ عن علماء بلده، ثمّ سافر لطلب الحديث في بلاد الشّام و غيرها. و كان كثير الحجّ و المجاورة بمكّة المكرّمة، و اجتهد و نسه و قرأ و سمع حتّى صار حافظ الوقت كما قال عنه أقرانه.

شيوخه‏

و هم خلق كثير، منهم:

- العلّامة المقرئ محمّد بن أبي الحسن بن عبد الملك بن سمعون.

13

- العلّامة الأصولي محمّد بن إسحاق بن محمّد البلبيسي.

- العلّامة الأصولي عبد الرّحيم بن الحسن بن علي الأسنوي.

- العلّامة الأصولي محمّد بن أحمد بن عبد المؤمن المصري، المعروف بابن اللّبّان.

- العلّامة المحدّث عبد الرّحيم بن عبد اللّه بن يوسف، المعروف بابن شاهد الجيش.

- العلّامة المحدّث محمّد بن محمّد بن إبراهيم الميدومي.

- العلّامة المحدّث محمّد بن محمّد بن محمّد ابن سيّد النّاس.

- العلّامة المحدّث محمّد بن إسماعيل بن عبد العزيز.

- الأمير سنجر بن عبد اللّه الجاولي.

- العلّامة الفقيه عليّ بن أحمد بن عبد المحسن ابن الرّفعة.

- العلّامة المحدّث عبد الرّحمن بن محمّد بن عبد الهادي المقدسي.

- العلّامة المحدّث عليّ بن عبد الكافي السّبكيّ.

- العلّامة المحدّث خليل بن كيكلدي العلائي.

- العلّامة المحدّث عبد اللّه بن أحمد بن محمّد الطّبريّ.

- العلّامة المحدّث يحيى بن عبد اللّه بن مروان الفارقي.

- العلّامة المحدّث أحمد بن عبد الرّحمن بن محمّد المرداوي.

و غيرهم كثير.

تلاميذه‏

و هم خلق كثير أيضا، منهم:

- ولده العلّامة أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم.

- الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.

- الحافظ علي بن أبي بكر الهيثمي.

14

- العلّامة الفقيه محمّد بن موسى الدّميريّ.

- العلّامة المحدّث إبراهيم بن حجاج الأبناسي.

- العلّامة علي بن أحمد بن إسماعيل القلقشندي.

- العلّامة أبو بكر بن حسين بن عمر المراغي.

- العلّامة محمّد بن ظهيرة الشّافعي.

- العلّامة المحدّث إبراهيم بن محمد بن خليل المعروف بسبط ابن العجمي.

و غيرهم كثير.

صفته‏

كان معتدل القامة للطّول أقرب، مليح الوجه، منوّر الشّيبة، كثّ اللّحية، كثير السّكون، طارحا للتّكلّف، شديد الحياء، غزير العلم، سخي النّفس، خفيف الرّوح، لطيف الطّبع، كثير الحياء، ظاهر الوضاءة كأن وجهه مصباح.

ثناء العلماء عليه‏

قال الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه): صار المنظور إليه في هذا الفن من زمن الشّيخ جمال الدّين الأسنوي و هلمّ جرا، و لم نر في هذا الفن أتقن منه، و عليه تخرّج غالب أهل عصره.

و قال السّخاوي (رحمه اللّه): و صار المشار إليه بالدّيار المصريّة و غيرها بالحفظ و الإتقان و المعرفة مع الدّين و الصّيانة و الورع و العفاف و التّواضع و المروءة و العبادة.

و قال ابن تغري بردي: كان شديد الحياء، غزير العلم، مقداما كريما، و كان لا يهاب سلطانا في قول الحقّ.

وفاته‏

توفّي (رحمه اللّه) في ثامن شعبان سنة ستّ و ثمان مائة، و له إحدى و ثمانون سنة، و رثاه تلميذه الحافظ ابن حجر بقصيدة مطلعها:

15

مصاب لم ينفّس للخناق‏* * * أصار الدمع جارا للماقي‏

فروض العلم بعد الزهو ذاو* * * و روح الفضل قد بلغ التراقي‏

مصنفاته‏

للحافظ العراقي (رحمه اللّه) عشرات المصنفات، منها ما كمل، و منها ما لم يكمل، و هذه بعضها:

- إخبار الأحياء بأخبار الإحياء، و هو تخريجه الكبير لكتاب «إحياء علوم الدين»، و لم يخرج عن المسودة.

- المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار.

- تقريب الأسانيد و ترتيب المسانيد.

- التّبصرة و التّذكرة، و هي ألفيّة الحديث.

- التّقييد و الإيضاح لما أطلق و أغلق في كتاب ابن الصّلاح.

- الدّرر السّنيّة في نظم السّير الزّكيّة، و هو كتابنا هذا.

- منظومة في غريب القرآن العزيز.

- النّجم الوهّاج في نظم المنهاج، يعني «المنهاج في الأصول» للبيضاوي.

- المستخرج على المستدرك.

- تكملة شرح جامع الترمذي لابن سيّد النّاس.

- تخريج أحاديث منهاج البيضاوي.

16

وصف النّسخ الخطّيّة

اعتمدنا في إخراج هذا الكتاب على أربع نسخ خطّيّة:

الأولى:

نسخة محفوظة في مكتبة جامعة برنستون في الولايات المتّحدة الأمريكية، و هي الأصل الذّي اعتمدناه، و هي بخطّ المصنّف، و عليها تعليقاته، و في آخرها إجازاته لمن قرأها عليه.

تتألّف من أربعين ورقة، في كلّ ورقة ستّ و عشرون بيتا، كتبت بخطّ نسخي مقروء، ضبط المصنّف أكثر كلماتها بالشّكل.

و رمزنا لها ب (أ).

الثّانية:

نسخة مكتبة شهيد علي في تركية، ناسخها العلّامة الإمام إبراهيم بن محمّد بن خليل المعروف بسبط ابن العجمي الحلبي الشّافعي سنة (811 ه)، و عليها تعليقات مفيدة بخطّ العلّامة الإمام محمّد بن أبي الوليد بن الشّحنة الحنفي، علّقها سنة (826 ه) عند قراءته لها على سبط ابن العجمي.

و هي نسخة نفيسة مقابلة على نسخة المؤلّف (رحمه اللّه تعالى)، مكتوبة بخطّ نسخي مقروء، و مضبوطة بالشّكل، تتألّف من ثلاثين ورقة، كلّ ورقة أربعون بيتا.

و رمزنا لها ب (ب).

الثّالثة:

نسخة مكتبة الحرم المكّيّ، غير معروفة النّاسخ، عليها تعليقات، كتب في الصّحيفة الأولى أنّها من «شرح الأجهوري» على المنظومة، نسخت في سنة (1335 ه)، مكتوبة بخطّ نسخي جيّد، ضبط فيها بعض الكلمات بالشّكل، تتألّف من عشرين ورقة، في كلّ ورقة أربعة و خمسون بيتا.

و رمزنا لها ب (ج).

17

الرّابعة:

نسخة ثانية في مكتبة الحرم المكّيّ، ناسخها محمّد المنوي الفراتي، و في آخرها أنّه فرغ منها سنة (1326 ه)، كتبت بخط مغربي مقروء، ضبط فيها بعض الكلمات بالشّكل، تتألّف من عشرين ورقة، في كلّ ورقة ثلاثون بيتا.

و رمزنا لها ب (د). (1)

____________

(1) كتب على ظهر هذا المخطوط ما نصه: (أ روي هذه الألفية عن شيخنا العلامة السيد أحمد البرزنجي، عن والده السيد إسماعيل البرزنجي، عن الشيخ صالح الفلاني العمري، عن محمد بن سنّة عن مولاي الشريف محمد بن عبد اللّه الولائي، عن الشيخ محمد بن أركماش الحنفي، عن الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، عن مؤلفها الحافظ الإمام جمال الحفاظ الفخام زين الدين عبد الرحيم بن الشيخ الإمام الزاهد القدوة المسلك حسين بدر الدين بن أبي بكر بن إبراهيم الكردي الرازناني الأصل ثم المصري الشافعي، المعروف بالزين العراقي، نسبة إلى عراق العرب قال: ...) ثم سرد «الألفية».

18

منهج العمل في الكتاب‏

- قابلنا المخطوطة الأصل و الّتي بخطّ المصنّف على النّسخ الأخرى، و أثبتنا الفروقات المهمّة.

- ضبطنا النّصّ بالشّكل الكامل ضبطا دقيقا، معتمدين في ذلك على نسخة الأصل؛ لأنّ العراقيّ (رحمه اللّه تعالى) شكل معظمها، و كذلك على المصادر و المراجع لتوثيق ضبط الأعلام و الأماكن.

و ما كان له أكثر من ضبط ضبطناه بالاثنين معا قدر الاستطاعة.

- وضعنا علامات التّرقيم بشكل دقيق يساعد على فهم النّصّ.

- شرحنا بعض المفردات الغريبة.

- علّقنا على بعض المواضع التي رأينا أنّها بحاجة لذلك، و قد قصدنا الاختصار في التّعليقات؛ لأنّ مرادنا إخراج النّصّ بأفضل شكل ممكن، و ليس إخراج شرح له.

- رقمنا الأبيات ليسهل على الطلبة حفظها.

19

صور المخطوطات المستعان بها

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

راموز ورقة العنوان للنسخة (أ)

راموز الورقة الأولى للنسخة (أ)

22

راموز الورقة قبل الأخيرة للنسخة (أ)

راموز الورقة الأخيرة للنسخة (أ)

23

راموز ورقة العنوان للنسخة (ب)

راموز الورقة الأولى للنسخة (ب)

24

راموز الورقة الأخيرة للنسخة (ب)

راموز ورقة العنوان للنسخة (ج)

25

راموز الورقة الأولى للنسخة (ج)

راموز الورقة الأخيرة للنسخة (ج)

26

راموز ورقة العنوان للنسخة (د)

راموز الورقة الأولى و الأخيرة للنسخة (د)

27

الفيّة السّيرة النّبويّة المسمّاة نظم الدّرر السّنيّة في السّير الزّكيّة نظمها بالمدينة الشّريفة الإمام الكبير الحافظ المجدّد زين الدّين عبد الرّحيم بن الحسين العراقي (رحمه اللّه تعالى)

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

اللّهمّ صلّ على سيّدنا محمّد و آله و صحبه و سلّم‏

[مقدمة المؤلف‏]

يقول راجي من إليه المهرب‏* * * عبد الرّحيم بن الحسين المذنب:

أحمد ربّي بأتمّ الحمد* * * و للصّلاة و السّلام أهدي‏

إلى نبيّه و أرجو اللّه‏* * * في نجح ما سألته‏ (1)شفاها

من نظم سيرة النّبيّ الأمجد* * * ألفيّة (2)حاوية للمقصد (3)

و ليعلم الطّالب أنّ السّيرا* * * تجمع ما صحّ و ما قد أنكرا (4)

و القصد ذكر ما أتى أهل السّير* * * به، و إن إسناده لم يعتبر

فإن يكن قد صحّ غير ما ذكر* * * ذكرت ما قد صحّ منه و استطر (5)

____________

(1) في (د): (ما سألته).

(2) قوله: (ألفيّة) أي: ألف بيت، و هي غير «ألفيته» التي صنّفها في مصطلح الحديث و علومه.

(3) في هامش (ب): (وجد بخط النووي: مقصد بكسر الصاد بالقلم، و لم أره لا في «الصحاح» و لا في غيره من كتب اللغة).

(4) أي: يتسامح في السيرة في نقل الأخبار فيما يدور بين الصحة و الضعف، لكن لا يصل الحال إلى الموضوع و المختلق.

(5) في (د): (و اشتهر). و استطر- بالبناء للمفعول-: كتب.

30

أسماؤه الشّريفة (صلى اللّه عليه و سلم)

محمّد، مع المقفّي، أحمدا* * * الحاشر، العاقب، و الماحي الرّدى‏

و هو المسمّى بنبيّ الرّحمة* * * في «مسلم»، و بنبيّ التّوبة (1)

و فيه أيضا: بنبيّ الملحمة (2)* * * و في رواية: نبيّ المرحمة (3)

طه، و ياسين، مع الرّسول‏* * * كذاك عبد اللّه في التّنزيل‏

و المتوكّل، النّبيّ الأمّي‏* * * و الرّءوف، الرّحيم أيّ رحم‏

و شاهدا، مبشّرا، نذيرا* * * كذا سراجا، صل به منيرا

كذا به المزّمّل، المدّثّر* * * و داعيا للّه، و المذكّر

و رحمة، و نعمة، و هادي‏* * * و غيرها تجلّ عن تعداد

و قد وعى ابن العربيّ‏ (4)سبعه‏* * * من بعد ستّين، و قيل: تسعه‏

____________

(1) أخرجه مسلم (2355/ 126).

(2) في النسخة المطبوعة من «صحيح مسلم»: (نبي الرحمة)، و لم نجد «نبي الملحمة» فيه، و قد ذكرها المزي في «تحفة الأشراف» (6/ 472) و عزاها لمسلم، و هذه الرواية أخرجها الحاكم (2/ 604)، و ابن حبان (6314)، و أحمد (4/ 395)، و غيرهم.

(3) ذكرها النووي في «شرح مسلم» (14/ 106)، و المناوي في «فيض القدير» (3/ 45) حيث قال: (بميم أوله بخط المصنف).

(4) هو الإمام القاضي أبو بكر محمد بن العربي المالكي، ذكر ذلك في «عارضة الأحوذي».

31

من بعد تسعين و لابن دحية (1)* * * الفحص يوفيها ثلاث مائة

و كونها ألفا ففي «العارضة» (2)* * * ذكره عن بعض ذي الصّوفيّة (3)

____________

(1) هو العلامة المحدث أبو الخطاب عمر بن حسن بن محمد الكلبي الداني المتوفى سنة (632 ه).

(2) و هو كتاب «عارضة الأحوذي».

(3) كل هذه الكثرة في الأسماء ليست بغريبة إذا كان التوسع فيها على سبيل الصفة.

32

ذكر نسبه الزّكيّ الطّيّب الطّاهر (صلى اللّه عليه و سلم)

و هو ابن عبد اللّه، عبد المطّلب‏* * * أبوه، و هو: شيبة الحمد نسب‏ (1)

أبوه عمرو هاشم، و الجدّ* * * عبد مناف بن قصيّ زيد (2)

ابن كلاب‏ (3)؛ أي: حكيم يا أخي‏* * * و هو ابن مرّة بن كعب بن لؤي‏

و هو ابن غالب؛ أي: ابن فهر (4)* * * و هو ابن مالك؛ أي: ابن النّضر

و أبه‏ (5)كنانة ما أبركه‏* * * والده خزيمة بن مدركه‏

____________

(1) في (ب) و هامش (أ): (نسخة:

و هو ابن عبد اللّه و الأبّ انتسب‏* * * لشيبة الحمد اسم عبد المطّلب)

و بعض أجداده الكرام يعرف باسمين، و لعل أحدهما اسم، و الثاني لقب؛ كعبد المطلب؛ فإنه يقال له: شيبة الحمد.

(2) عمرو: هو الجد الثاني للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و هاشم لقب له، و لقّب بذلك لأنه كان يهشم الثريد للضيف. و عبد مناف: والد هاشم، اسمه المغيرة، و عبد مناف لقب له. و قصي:

والد عبد مناف، اسمه زيد. و انظر في ذلك «سبل الهدى و الرشاد» للعلامة الصالحي، و «الصرح الممرد» للعلامة عمر بن علوي الكاف (رحمه اللّه)؛ فإنهما من أجمع ما كتب في أجداد النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

(3) كلاب: لقب لحكيم، و هو والد قصي، و لقب بذلك لمحبته الاصطياد بالكلاب، و قيل:

لمكالبته الأعداء في الحرب.

(4) الفهر: حجر طويل ناعم صلب، يسحق به الصيدليّ الأدوية، و لقّب بذلك لشبهه به من حيث الطول و الصلابة، و اسمه قريش، و هو الجد الجامع لهم على الأصح، انظر «الصرح الممرد» (ص 108).

(5) أبه: أبوه على لغة النقص، كقول رؤبة بن العجاج:

بأبه اقتدى عديّ في الكرم‏* * * و من يشابه أبه فما ظلم‏

33

و هو ابن إلياس؛ أي: ابن مضرا* * * ابن نزار بن معدّ لا مرا (1)

و هو ابن عدنان، و أهل النّسب‏* * * قد أجمعوا إلى هنا في الكتب‏

و بعده خلف كثير جمّ‏* * * أصحّه حواه هذا النّظم‏

عدنان في القول الأصحّ ابن أدد* * * و بعضهم يزيد أدّا في العدد

بينهما، و أدد والده‏* * * مقوّم، ناحور بعد جدّه‏

و هو ابن تيرح؛ أي: ابن يعربا* * * و أنّ يعربا هو ابن يشجبا

و هو ابن نابت، و إسماعيل‏* * * أب له، و جدّه الخليل‏

إبراهيم بن تارح؛ أي: آزر* * * و هو ابن ناحور، و هذا آخر (2)

و هو ابن شاروح بن أرغو، فالخ‏* * * أب له، ابن عيبر بن شالخ‏ (3)

و هو ابن أرفخشذ، أبوه سام‏* * * أبوه نوح صائم قوّام‏

____________

(1) لامرا: لا شك، فإن نسبه الشريف إلى عدنان مجمع عليه بين أهل النسب، و أخرج ابن سعد في «الطبقات» (1/ 56) بسنده: (أن النبي ص كان إذا انتسب .. لم يجاوز في نسبه معد بن عدنان بن أدد، ثم يمسك و يقول: «كذب النسابون، قال اللّه عز و جل:

وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً).

(2) قوله: (تارح؛ أي: آزر) أي: أن تارح هو نفسه آزر، و هو قول ابن إسحاق كما نقل ابن هشام (1/ 2). و قوله: (و هذا آخر) أي: غير ناحور المتقدم.

(3) في هامش (ب): (شالخ: قيده بعض مشايخي فقال: كهاجر و غالب؛ لما رأيت في النسخة التي قرئت على مؤلف هذه: فالخ مكسور اللام، بالقلم، و إذا كان كذلك .. فشالخ مكسور اللام أيضا عنده، و اللّه أعلم.

و قد رأيت عن ابن بري في حواشي «المقرب» في الكلام على «لام» فالخ، قال: و هو على وزن أفعل أو فاعل مثل شالخ، فهذا صريح في أن لامه مفتوحة، و اللّه أعلم).

34

و هو ابن لامك بن متوشلخا* * * ابن خنوخ، و هوفيما ورّخا (1)

إدريس- فيما زعموا- يرد أبه‏* * * و هو ابن مهليل بن قينن يعقبه‏

يانش شيث أبه ابن آدما* * * صلّى عليه ربّنا و سلّما

أمّا قريش .. فالأصحّ فهر (2)* * * جماعها، و الأكثرون: النّضر (3)

و أمّه آمنة، والدها* * * وهب، يلي عبد مناف جدّها

و هو ابن زهرة يلي كلاب‏* * * و فيه مع أبيه الانتساب‏

____________

(1) ورّخا: تسهيل من أرّخا، من التأريخ.

(2) في هامش (ب): (بني عليه قولان: الأول: و هو أن قريشا هو إلياس. و الثاني: أنه مضر تتمة أربعة فيه، و اللّه أعلم. و حكي في المسألة قول شاذ، رواه بعض مشايخي في «شرح المنهاج» أو «الغنية» أو هما، و قد ذكرته في تعليقي عليه).

(3) في (ب): (جماعها، و قيل: ذاك النضر). و كون قريش جماعها- أي: الجامع لها- هو الأصح كما قال البيهقي و عزاه للجلّة، كذا نقل المناوي في «العجالة السنية» (ص 39)، و قصد بالأكثرين الإمام الشافعي و أكثر الفقهاء- كما نقل ذلك صاحب «الصرح الممرد» (ص 108) و اللّه أعلم.

35

ذكر مولده و إرضاعه (صلى اللّه عليه و سلم)

و ولد النّبيّ عام الفيل‏* * * أي في ربيع الأوّل الفضيل‏

ليوم الاثنين مباركا أتى‏* * * لليلتين من ربيع خلتا

و قيل: بل ذاك لثنتي عشره‏* * * و قيل: بعد الفيل ذا بفتره‏

بأربعين أو ثلاثين سنه‏* * * و ردّ ذا الخلف و بعض وهّنه‏ (1)

و قد رأت إذ وضعته نورا* * * خرج منها، رأت القصورا

قصور بصرى قد أضاءت، و وضع‏* * * بصره إلى السّماء مرتفع‏

مات أبوه و له عامان‏* * * و ثلث، و قيل بالنّقصان‏

عن قدر ذا؛ بل صحّ كان حملا (2)* * * و أرضعته حين كان طفلا

مع عمّه حمزة ليث القوم‏* * * و مع أبي سلمة المخزومي‏ (3)

____________

(1) قال المناوي في «العجالة السنية» (ص 41): (ردّ ابن الجزار على هذا الخلاف و حكى الإجماع على أنه ولد عام الفيل). و كونه في عام الفيل .. قال الحافظ ابن كثير: (هو المشهور عند الجمهور)، و قال إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري رحمهما اللّه: (لا يشك فيه أحد من العلماء، و نقل غير واحد فيه الإجماع). انظر «السيرة الحلبية» (1/ 59). و انظر الأقوال في «طبقات ابن سعد» (1/ 100)، و «المنتظم» (1/ 245)، و «سبل الهدى و الرشاد» (1/ 401).

(2) أخرج ذلك الحاكم (2/ 600) و صححه، و وافقه الذهبي.

(3) و هو عبد اللّه بن عبد الأسد المخزومي، من السابقين الأولين إلى الإسلام، كان من المهاجرين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، شهد بدرا و أحدا و مات سنة أربع للهجرة من جرح أصابه يوم‏

36

ثويبة، و هي إلى أبي لهب‏ (1)* * * أعتقها، و إنّه حين انقلب‏

هلكا، رئي نوما بشرّ حيبه‏* * * لكن سقي بعتقه ثويبه‏ (2)

و بعدها حليمة السّعديّه‏* * * فظفرت بالدّرّة السّنيّة

نالت به خيرا و أيّ خير* * * من سعة و رغد و مير (3)

أقام في سعد بن بكر عندها* * * أربعة الأعوام تجني سعدها

و حين شقّ صدره جبريل‏* * * خافت عليه حدثا يؤول‏ (4)

ردّته سالما إلى آمنة* * * و خرجت به إلى المدينة

____________

أحد. و المعروف أن ثويبة أرضعت حمزة، ثم أبا سفيان ابن عمه الحارث ثم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم أبا سلمة، و لا يلزم أن يكون الرضاع في وقت واحد، بل كان في أزمنة مختلفة، لذلك قيل: كان حمزة أسنّ من رسول اللّه ص بأربع سنين، و في المسألة خلاف لا يهمّ. و انظر «السيرة الحلبية» (1/ 85).

(1) قوله: (و هي إلى أبي لهب) أي: منسوبة؛ إذ كانت رقيقة لأبي لهب و أعتقها. و خبر عتق ثويبة أخرجه البخاري مرسلا، و قد تكلمنا عنه بتوسّع في رسالتنا الموجزة عن المولد النبوي الشريف: «حول الاحتفال».

(2) في هامش (ب): (الذي رآه هو العباس أخوه، رآه في النوم). و حيبة- بكسر المهملة و سكون التحتانية بعدها موحدة-: حالة، قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (9/ 145):

(5101) و انظر تعليق الحافظ ابن حجر على هذه المسألة ففيها فوائد مهمة، و اللّه أعلم.

(3) الميرة: الطعام الذي يدخره الإنسان.

(4) هذا هو الشق الأول لصدره الشريق، و الثابت: أن الشق كان أربع مرات: فالأولى: كان في بني سعد، و هو هذا، و أما المرّة الثانية: فقد شق صدره الشريف ص و هو ابن عشر سنين، و أما المرّة الثالثة: فقد شق صدره الشريف عند مجي‏ء جبريل (عليه السلام) بالوحي حين نبّئ، و أما المرّة الرابعة: فهي ليلة الإسراء كما ورد في «الصحيحين». و انظر «تاريخ الحوادث» (12- 13).

37

تزور أخوالا له، فمرضت‏* * * راجعة، و قبضت، فدفنت‏ (1)

هناك بالأبواء (2)، و هو عمره‏* * * ستّ سنين مع شي‏ء يقدره‏

ضابطه بمائة أيّاما* * * و قيل: بل أربعة (3)أعواما

و حين ماتت حملته بركه‏ (4)* * * لجدّه بمكّة المباركة

كفله إلى تمام عمره‏* * * ثمانيا، ثمّ مضى لقبره‏

____________

(1) في (ب): (فقبضت و دفنت).

(2) الأبواء- بالفتح و سكون الموحّدة تحت، و فتح الواو، و بعد ألف ممدودة-: و هي تقع شرق مستورة على يمين الذاهب إلى المدينة المنورة من الخط القديم، و هي محافظة تابعة للمدينة المنورة من أعمال الفرع، تسمى اليوم بالخريبة، بينها و بين رابغ (43) كيلومترا، و بينها و بين مكة المكرمة (200) كيلومترا تقريبا، فيها قبر السيدة آمنة بنت وهب أم النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

(3) قال الأجهوري في «حاشيته على الألفية»: (قوله: «بل أربعة» عطف على «ست سنين» فهو مرفوع، لا على «بمائة»).

(4) بركة: هي بركة بنت ثعلبة، و هي المعروفة بأم أيمن، مولاة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و حاضنته، و كانت لأم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «أم أيمن أمي بعد أمي»، أعتقها رسول اللّه ص حين تزوج خديجة رضي اللّه عنها، و تزوج عبيد بن زيد من بني الحارث بن الخزرج أم أيمن، فولدت له أيمن. انظر «الإصابة» (4/ 432).

38

ذكر كفالة أبي طالب له (صلى اللّه عليه و سلم)

أوصى به جدّه عبد المطّلب‏* * * إلى أبي طالب الحامي الحدب‏ (1)

يكفله بعد، فكانت نشأته‏* * * طاهرة مأمونة غائلته‏

فكان يدعى بالأمين، و رحل‏* * * مع عمّه للشّام حتّى إذ وصل‏

بصرى .. رأى منه بحيرا، الرّاهب‏* * * ما دلّ أنّه النّبيّ العاقب‏

محمّد نبيّ هذي الأمّه‏* * * فردّه؛ تخوّفا من ثمّه‏

من أن يرى بعض اليهود أمره‏* * * و عمره إذ ذاك ثنتا عشره‏

ثمّ مضى للشّام مع ميسرة* * * في متجر، و المال من خديجة

من قبل تزويج بها، فبلغا* * * بصرى فباع و تقاضى ما بغى‏ (2)

و قد رأى ميسرة العجائبا* * * منه و ما خصّ به مواهبا (3)

و حدّث السّيّدة الجليله‏* * * خديجة الكبرى‏ (4)فأحصت قيله‏

و رغبت، فخطبت محمّدا* * * فيا لها من خطبة ما أسعدا

____________

(1) الحدب: العطوف.

(2) تقاضى: طالب بثمن ما باعه. و ما بغى: اشترى الذي طلب، أو: اشترى و لم يتعد و يظلم في بيعه و شرائه على أصل العصمة له (صلى اللّه عليه و سلم).

(3) لم تثبت رواية صريحة بأن ميسرة بقي إلى البعثة.

(4) في (ب): (خديجة الفضلى)، و في هامشها: (نسخة: الكبرى).

39

و كان إذا زوّجها (1)ابن خمس‏* * * من بعد عشرين بغير لبس‏ (2)

____________

(1) زوّجها: بالبناء للمفعول.

(2) في هامش (أ): (بلغ الشيخ شهاب الدين أحمد بن عثمان بن الكلوتاتي نفع اللّه به قراءة عليّ و الجماعة سماعا. كتبه مؤلفه).

و في هامش (ب): (في سنه عليه الصلاة و السلام لما تزوج خديجة أقوال، هذا أحدها، و هو الذي ذكره غير واحد من أهل العلم، و [الثاني‏]: قال ابن عبد البر: خرج عليه الصلاة و السلام إلى الشام في تجارة لخديجة سنة خمس و عشرين، و تزوج خديجة بعد ذلك بشهرين و خمسة و عشرين يوما في عقب صفر سنة ست و عشرين، و [الثالث‏]: قال الزهري:

كانت سنه عليه الصلاة و السلام يوم تزوج خديجة إحدى و عشرين سنة، و [الرابع‏]: قال أبو عمر ابن عبد البر: و قال أبو بكر بن عثمان و غيره: كان يومئذ ابن ثلاثين سنة.

و [الخامس‏]: قال بعضهم: و قال ابن جريج: و له سبع و ثلاثون سنة، و [السادس‏]: قال البرقي: تسع و عشرون) اه

40

قصّة بناء الكعبة

و إذ بنت قريش البيت، اختلف‏* * * ملاؤهم‏ (1)تنازعا، حتّى وقف‏

أمرهم فيمن يكون يضع‏* * * الحجر الأسود حيث يوضع‏

إذ جاء قالوا كلّهم: رضينا* * * لوضعه محمّد الأمينا

فحطّ في ثوب و قال: يرفع‏* * * كلّ قبيل طرفا، فرفعوا

ثمّت أودع الأمين الحجرا* * * مكانه، و قد رضوا بما جرى‏

____________

(1) ملاؤهم: أغنياؤهم أو رؤساؤهم.

41

بدء الوحي‏

حتّى إذا ما بلغ الرّسول‏* * * الأربعين .. جاءه جبريل‏ (1)

و هو بغار بحراء مختلي‏* * * فجاءه بالوحي من عند العلي‏

في يوم الاثنين، و كان قد خلت‏* * * من شهر مولد ثمان إن ثبت‏ (2)

و قيل: في سابع عشري‏ (3)رجب‏* * * و قيل: بل في رمضان الطّيّب‏ (4)

قال له: اقرأ و هو في المرار* * * يجيب نطقا: ما أنا بقارئ‏

فغطّه ثلاثة حتّى بلغ‏* * * الجهد، فاشتدّ لذاك و انصبغ‏ (5)

أقرأه جبريل أوّل العلق‏* * * قرأه كما له به نطق‏

____________

(1) في هامش (ب): (في سنه ص لما بعث أقوال: أربعون سنة، و هو الصحيح عند أهل السير و العلم بالأثر، و قيل: أربعون و يوم، و ذكر بعضهم قيل: و عشرة أيام، و قال السهيلي: و قد روي أنه نبّئ لأربعين و شهرين من مولده، و في المسألة قول خامس حكاه القاضي عياض عن ابن عباس و سعيد بن المسيب رواية شاذة: أنه بعث على رأس ثلاث و أربعين سنة، و صوب النووي: أنه على رأس الأربعين، و اللّه أعلم).

(2) قال المناوي في «العجالة السنية» (ص 53): (قال ابن عبد البر: و كان قد خلت من شهر ربيع الأول- و هو شهر مولده- ثمانية أيام سنة إحدى و أربعين منذ الفيل، و اعترضه الناظم بأنه إنما يتم إن ثبت بتوقيف صحيح، و أنى به؟) و انظر هذه الأقوال و غيرها في «فتح الباري» أول (كتاب التعبير) (12/ 356).

(3) أي: عشرين، حذفت النون لإضافتها إلى رجب؛ تشبيها بنون الجمع.

(4) قوله: (في رمضان الطيب) قال الحافظ في «فتح الباري» (12/ 356): (و هو الراجح؛ لما تقدم من أنه الشهر الذي جاء فيه في حراء، فجاءه الملك، و على هذا: يكون سنّه حينئذ أربعين سنة و ستة أشهر).

(5) فاشتدّ: قوي جسمه على الحركة. و انصبغ: قوي على مخالطة الروحانيات.

42

و كون ذا الأوّل فهو الأشهر* * * و قيل: بل‏يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ

و قيل: بل فاتحة الكتاب‏* * * و الأوّل الأقرب للصّواب‏ (1)

جاء إلى خديجة الأمينه‏* * * يشكو لها ما قد رآه حينه‏

فثبّتته إنّها موفّقه‏* * * أوّل ما قد آمنت مصدّقه‏

ثمّ أتت به تؤمّ ورقه‏* * * قصّ عليه ما رأى فصدّقه‏

فهو الّذي آمن بعد ثانيا* * * و كان برّا صادقا مواتيا (2)

و الصّادق المصدوق قال: إنّه‏* * * رأى له تخضخضا (3)في الجنّه‏

____________

(1) انظر «فتح الباري» (1/ 28) فقد رجح هذا القول و أتى بالأدلة، و النووي في «شرح مسلم» (2/ 207) و صرح ببطلان القول الثاني.

(2) مواتيا: مترفّقا متلطّفا.

(3) تخضخضا: حركة و اضطرابا، و قد اختلف في إسلام ورقة، و الذي جزم به ابن كثير و ابن الشحنة- و نسبه إلى جهابذة أئمة الأثر- و الحافظ العراقي و مال إليه الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (3/ 597) إنما هو إسلامه، و اللّه أعلم.

و قد أخرج أبو يعلى في «مسنده» (2047) من طريق إسماعيل عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد اللّه قال: سئل النبي ص عن ورقة بن نوفل، قال: «أبصرته في بطنان الجنة عليه سندس»، و قال ابن عدي في «الكامل» (1/ 319): (تفرد به إسماعيل عن أبيه)، لكن تعقبه الحافظ في «الإصابة» (3/ 598) و قال: (قد أخرجه ابن السكن من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن مجالد، لكن لفظه: «رأيت ورقة على نهر من أنهر الجنة؛ لأنه كان يقول: ديني دين زيد، و إلهي إله زيد»)، و قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (9/ 419):

(رواه أبو يعلى و فيه مجالد، و هذا مما مدح من حديث مجالد، و بقية رجاله رجال الصحيح، و قال: عن عائشة قالت: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تسبوا ورقة؛ فإني رأيت له جنة أو جنتين» رواه البزار متصلا و مرسلا، و زاد في المرسل: «كان بين أخي ورقة و بين رجل كلام، فوقع الرجل في ورقة ليغضبه ...» و الباقي بنحوه، و رجال المسند و المرسل رجال الصحيح، و عن أسماء بنت أبي بكر: أن النبي ص سئل عن ورقة بن نوفل فقال: «يبعث يوم القيامة أمة وحده» رواه الطبراني و رجاله رجال الصحيح).

43

قدر إقامته بمكّة بعد البعثة

أقام في مكّة بعد البعثة* * * ثلاث عشرة بغير مرية

و قيل: عشرا، أو فخمس عشره‏* * * قولان وهّنوهما بمرّه‏ (1)

فكان في صلاته يستقبل‏* * * بمكّة القدس، و لكن يجعل‏

ألبيت من بين يديه أيضا* * * فيما أتى تطوّعا أو فرضا (2)

____________

قال الحافظ: (أخرج الزبير بن بكار عن عروة بن الزبير قال: كان بلال لجارية من بني جمح، و كانوا يعذبونه برمضاء مكة يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك، فيقول: أحد أحد، فيمر به ورقة و هو على تلك الحال فيقول: أحد أحد يا بلال، و اللّه لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا، و هذا مرسل جيد، يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي ص إلى الإسلام حتى أسلم بلال، و الجمع بين هذا و بين حديث عائشة- أي: عند البخاري- أن يحمل قوله:

«و لم ينشب ورقة أن توفي» أي: قبل أن يشتهر الإسلام و يؤمر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالجهاد).

(1) قوله: (و هنوهما بمرة) ليس بمسلّم، فقد أخرج البخاري عن عائشة و ابن عباس رضي اللّه عنهم (4464)، و الحاكم (2/ 626) عن عروة، و الطبري في «تاريخه» (2/ 383) عن أنس و ابن عباس و سعيد بن المسيب و عمرو بن دينار رضي اللّه عنهم: (أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مكث بمكة عشرا)، و أخرج مسلم (2353)، و الحاكم (2/ 627) و الطبري في «التاريخ» (2/ 386) عن ابن عباس: (أن النبي ص مكث بمكة خمس عشرة سنة)، أما القول الذي أورده المصنف .. فأخرجه البخاري (3902)، و مسلم (235) و رجحه الحافظ في «الفتح» (8/ 151)، و يجمع بين الأقوال: أن من قال بالعشرة لم يعد السنوات الثلاث في أول البعثة و قبل الأمر بإظهار الدعوة، و من قال بخمس عشرة أخذ بقول من قال: إن النبي ص توفي و عمره خمس و ستون سنة، و قال المناوي في «العجالة السنية» (ص 59): (و الثالث: حسب معها السنتين اللتين كان يرى فيهما الضوء و النور و يسمع الصوت و يرى الرؤيا فتجي‏ء كفلق الصبح) و اللّه أعلم.

(2) في هامش (ب): (و قال آخرون: إنه (عليه السلام) صلى أول ما صلى إلى الكعبة، ثم إنه‏

44

و بعد هجرة كذا للقدس‏* * * عاما و ثلثا، أو و نصف سدس‏ (1)

و حوّلت من بعد ذاك القبلة* * * لكعبة اللّه و نعم الجهة (2)

____________

صرف إلى بيت المقدس، و من الناس من قال: كانت صلاته (عليه السلام) إلى بيت المقدس من حين فرضت الصلاة بمكة إلى أن قدم المدينة، ثم بالمدينة إلى وقت التحويل، قال أبو عمر:

و أحسن من ذلك قول من قال: إنه (عليه السلام) كان يصلي بمكة يستقبل القبلتين، فذكر القول الذي قاله شيخنا، و له مستند من حديث ابن عباس).

(1) قوله: (أو و نصف سدس) أي: عاما و ثلثا و نصف سدس أيضا فتكون ستة عشر أو سبعة عشر شهرا- كما روى البخاري (40)- و رجح الحافظ في «فتح الباري» (1/ 96) القول الثاني، فانظره تستفد.

(2) في هامش (ب): (كم أقام (عليه السلام) يصلي إلى بيت المقدس بعد مقدمه المدينة؟ عشرة أقوال، و هي روايات: ستة عشر شهرا- و هو المعتمد؛ إذ في «صحيح مسلم» الجزم بها عن البراء فتعينت- الثاني: سنتان، 3- تسعة عشر شهرا، 4- ثمانية عشر شهرا، 5- سبعة عشر شهرا و ثلاثة أيام، 6- سبعة عشر شهرا، و هو قريب من الذي قبله، 7- ثلاثة عشر شهرا، 8- ثمانية أشهر، 9- تسعة أشهر، 10- شهران).

45

ذكر السّابقين للإسلام‏

من الرّجال ابن أبي قحافة* * * قال به حسّان في القصيدة (1)

و عدّة من الصّحابة الألى‏* * * وفّوا، و تابعوهم ممّن تلا

خديجة اذكر أوّل النّسوان‏* * * عليّا اعدد أوّل الصّبيان‏

و عمره ثمان او معشّر (2)* * * أو ستّ او خمس، و قيل: أكبر

من الموالي: زيد ابن حارثة* * * كان مجالسا له محادثه‏

عثمان و الزّبير و ابن عوف‏* * * طلحة سعد أمنوا من خوف‏

إذ آمنوا بدعوة الصّدّيق‏* * * كذا ابن مظعون بذا الطّريق‏

ثمّ أبو عبيدة و الأرقم‏* * * كذا أبو سلمة المكرّم‏ (3)

و ابن سعيد خالد قد أسلما* * * و قيل: بل قبلهم تقدّما

كذا ابن زيد؛ أي: سعيد لا مرا* * * و زوجه فاطمة اخت عمرا

كذاك عبد اللّه مع قدامه‏* * * هما لمظعون سعيدا الهامه‏ (4)

____________

(1) و هو قوله في ديوانه (1/ 125) من البسيط:

الثّاني التّالي المحمود مشهده‏* * * و أوّل النّاس منهم صدّق الرّسلا

(2) معشّر: عشر سنوات.

(3) أبو سلمة: هو المخزومي أخو النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في الرضاعة.

(4) هما عبد اللّه و قدامة ابنا مظعون أخوا عثمان بن مظعون. و قوله: (سعيدا الهامة) أشار به إلى شجاعتهما. و الهامة: الرأس.

46

و حاطب حطّاب‏ (1)ابنا الحارث‏* * * أسماء عائش و هي غير طامث‏

كذا ابن إسحاق بذاك انفردا* * * و لم تكن عائش ممّن ولدا (2)

فاطمة (3)فكيهة الزّوجان‏* * * تلك لذاك هذه للثّاني‏

عبيدة بن حارث، خبّاب‏* * * ابن الأرتّ كلّهم أجابوا

كذا سليط و هو ابن عمرو* * * و ابن حذافة خنيس بدري‏ (4)

و ابن ربيعة اسمه مسعود* * * و معمر بن حارث معدود

و ولدا جحش هما عبد اللّه‏* * * كذا أبو أحمد عبد أوّاه‏

كذا شبيه المصطفى؛ أي: جعفر* * * أسماء زوجه‏ (5)، الحليف عامر

عيّاش اعني ابن أبي ربيعة* * * و زوجه أسماء إلى سلامة (6)

____________

(1) حطاب: بالحاء المهملة- و قيل: بالخاء المعجمة- ابن الحارث الجمحي، و قد ضبطها العراقي بخطه بالمعجمة و المهملة.

(2) قول ابن إسحاق: (إن عائشة رضي اللّه عنها كانت من السابقين) نقله عنه ابن هشام في «سيرته» (1/ 253) و ابن عبد البر في «الدرر» (39)، و رده المصنف، قال مغلطاي في «سيرته» (109) بعد نقله: (كذا قاله ابن إسحاق، و هو وهم، لم تكن عائشة ولدت بعد، فكيف تسلم؟! و كان مولدها سنة أربع من النبوة) و اللّه أعلم.

(3) في هامش (ب): (فاطمة هذه هي: ابنة المجلّل بن عبد اللّه، و هي زوج حاطب بن الحارث المتقدم، و فكيهة بنت يسار هي زوج حطاب بن الحارث، فاعلمه).

(4) سليط: هو ابن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري. خنيس: هو ابن حذافة القرشي السهمي، و هو بدري قديم، تزوج حفصة بنت عمر قبل النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

(5) أسماء: هي بنت عميس بن معد، زوجة جعفر بن أبي طالب، و وقع في مطبوع «العجالة السنية» تصحيف في (ص 69) ففيها: (زوجة عامر)، و الصواب ما في مخطوطها:

(زوجته) أي: زوجة جعفر، فليتنبه. عامر: هو ابن ربيعة العنزي، حليف آل الخطاب.

(6) قوله: (أسماء إلى سلامة) أي: أسماء بنت سلامة بن مخربة التميمية، زوجة عياش.

47

نعيم النّحّام، أيضا حاطب‏* * * و هو ابن عمرو، و كذاك السّائب‏

أي ابن عثمان بن مظعون، ذكر* * * أبوه، مع مطّلب ابن أزهر

و زوجه رملة، مع أمينه‏ (1)* * * بنت خلف لخالد قرينه‏

مضى اسمه، عمّار ابن ياسر* * * و ابن فهيرة اسمه بعامر

أبو حذيفة، صهيب، جندب‏* * * و هو أبو ذرّ صدوق طيّب‏

و قال: إنّي رابع لأربعه‏* * * من تابعي النّبيّ أسلموا معه‏

كذا أنيس أخه قد أسلما* * * ثمّت بعد أسلمت أمّهما (2)

كذا ابن عبد اللّه و هو واقد* * * كذا إياس، عاقل، و خالد

و عامر أربعة بنو البكير* * * و ابن أبي وقّاص اسمه عمير

كذاك بنت أسد فاطمة* * * كذاك بنت عامر ضباعة

عمرو، أبو نجيح فيهم معدود* * * عتبة، عبد اللّه نجلا مسعود (3)

____________

(1) رملة: هي بنت أبي عوف. أمينة- بالتصغير-: هي بنت خلف بن أسعد الخزاعية، زوجة خالد بن سعيد بن العاصي، مر ذكره.

(2) قوله: (أمهما) أي: أم أبي ذر و أنيس، و اسمها رملة بنت الوقيعة الغفارية.

(3) أبو نجيح: هو عمرو بن عبسة السلمي. عتبة و عبد اللّه: هما ولدا مسعود بن غافل الزهري.

48

سبب إسلام ابن مسعود

(رضي اللّه عنه)

جاء له النّبيّ و هو يرعى‏* * * غنيمة، يسيمها (1)في المرعى‏

قال له: شاؤك فيها لبن؟* * * قال: نعم، لكنّني مؤتمن‏

قال: فهل فيها إذن من شاة* * * ما مسّها الفحل، إذا فتاتي‏

بها، فمسّ الضّرع و هو يدعو* * * فامتدّ ضرعها و درّ الضّرع‏

فاحتلب الشّاة و أسقى ثمّ مص‏* * * في شربه قال له: اقلص‏ (2)فقلص‏

قال: فعلّمني لعلّي أعلم‏* * * قال له: غليّم معلّم‏ (3)

____________

(1) يسيمها: يتركها ترعى.

(2) أقلص- بضم اللام-: انزو و انضم.

(3) في هامش (أ): (بلغ الشيخ بدر الدين محمد بن محمد بن يعقوب الجعبري قراءة عليّ، و الشيخ زين الدين خالد بن [...]، و نور الدين علي بن عبد الرحمن بن سليم الجبائي، و زين الدين عبد الرحيم بن أبي بكر بن محمود بن الأدمي الحموي سماعا في الأول. كتبه ناظمه.

بلغ الحافظ نور الدين الهيثمي قراءة على ناظمه و الجماعة سماعا بالروضة الشريفة في الأول).

49

اجتماع المسلمين بدار الأرقم‏

و اتّخذ النّبيّ دار الأرقم‏* * * للصّحب مستخفين عن قومهم‏

و قيل: كانوا يخرجون تترى‏* * * إلى الشّعاب للصّلاة سرّا

حتّى مضت ثلاثة سنينا* * * و أظهر الرّحمن بعد الدّينا

و صدع النّبيّ جهرا معلنا* * * إذ نزلت‏فَاصْدَعْ بِمافما ونى‏ (1)

و أنذر العشائر الّتي ذكر* * * بجمعهم، إذ نزلت‏وَ أَنْذِرْ (2)

____________

(1) ما ونى: ما ضعف و لا تراخى عما أمر به.

(2) في هامش (أ): (بلغ أبو عبد اللّه محمد بن ثابت بن سعد الوريندي التلمساني قراءة عليّ، و أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد العزيز الأنصاري التلمساني سماعا عليّ. كتبه مؤلفه).

50

ذكر تأييده (صلى اللّه عليه و سلم) بمعجزة القرآن‏

و جعل اللّه له القرآنا* * * آية حقّ أعجزت برهانا

أقام فيهم فوق عشر يطلب‏* * * إتيانهم بمثله فغلبوا (1)

ثمّ بعشر سور، بسورة (2)* * * فلم يطيقوها و لو قصيرة

و هم لعمري الفصحاء اللّسن‏* * * فانقلبوا و هم حيارى لكن‏ (3)

و أسمعوا (4)التّوبيخ و التّقريعا* * * لدى الملا مفترقا مجموعا

فلم يفه منهم فصيح بشفه‏* * * معارضا، بل الإله صرفه‏ (5)

____________

(1) في هامش (أ): (بلغ عبد الوهاب ولد ابن أبي زرعة قراءة عليّ، و شمس الدين محمد بن سليمان الشبراوي سماعا. كتبه مؤلفه).

(2) كذا في (أ) و (ج)، و هي على حذف العاطف؛ أي: فطلب إتيانهم بسورة، و في (د):

(فسورة).

(3) اللّسن- بضم اللام الثانية و سكون السين، جمع ألسن-: و هم الفصحاء. اللّكن- جمع ألكن-:

و هو الذي عيّ و صعب عليه الإفصاح بالعربية لعجمة لسانه.

(4) أسمعوا- بالبناء للمفعول-: أسمعهم اللّه فيما أنزل من محكم كتابه.

(5) بشفة: أي: لم يفه بكلمة واحدة، و قوله: (بل الإله صرفه) قال المناوي في «العجالة السنية» (ص 76): (و هذا الختام من الناظم يؤذن بميله إلى القول بالصرفة، و هو رأي مرجوح أطال المحققون في تقرير رده).

و الصرفة: هو القول بأن المشركين كان في وسعهم الإتيان بمثل القرآن، و لكن اللّه صرفهم، و هو قول النظّام من المعتزلة، و قول البعض من أهل السنة، خلافا لقول الجمهور.

و يمكن أن يقال: إن معنى الصرفة في قول المصنف هو المعنى اللغوي لا الاصطلاحي، أي: أن صرف اللّه سبحانه و تعالى لهم ظهور عجزهم عن معارضته في إيجازه و بلاغته و تراكيب ألفاظه و معانيه مع كونه من جنس كلامهم؛ لكونه فاق في جميع فنون الكلام قدرتهم على الإتيان بمثله أو معارضته، فصار معجزة حيث عجزوا عن معارضته كلام اللّه بكلامهم، فأصبح‏

51

فقائل يقول: هذا سحر* * * و قائل: في أذنيّ وقر

و قائل يقول ممّن قد طغوا:* * * لا تسمعوا له، و فيه فالغوا (1)

و هم إذا بعض ببعض قد خلا* * * اعترفوا بأنّ حقّا ما تلا

و أنّه ليس كلام البشر* * * و أنّه ليس له بمفتري‏

اعترف الوليد، ثمّ النّضر* * * و عتبة بذاك، و استقرّوا

و ابن شريق باء و هو الأخنس‏* * * كذا أبو جهل، و لكن أبلسوا (2)

____________

- المعنى: صرفهم؛ أي: أعجزهم بكلامه و ما فيه من فنون الكلام التي يعرفونها و ينظمون على منوالها، حيث بلغت تلك الفنون رتبة عجزت عقولها عن أن تنظم كلاما يباري كلام اللّه عز و جل، و كلام المصنف (رحمه اللّه) يؤذن بذلك، فقد بدأ هذا الفصل بقوله:

و جعل اللّه له القرآنا* * * آية حق أعجزت برهانا

و ختمه بقوله:

معجزة باقية على المدى‏* * * حتى إلى الوقت الذي قد وعدوا

و إذا أقيم معنى الصرفة على المعنى الاصطلاحي .. انتفى كون القرآن الكريم معجزا في ذاته، و لا سيما و أن القول بالصرفة على المعنى الاصطلاحي مردود من وجوه كثيرة، و قد أحسن الإمام ابن حجر الهيتمي في كتابه «المنح المكية» (ص 796) الردّ على القائلين بالصرفة فقال: (لكن أفسدوه- أي: القول بالصرفة- بأن قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ‏ الآية دليل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، و لو سلبوا القدرة .. لم يبق فائدة لاجتماعهم؛ لأنه حينئذ بمنزلة اجتماع الموتى، و ليس اجتماع الموتى مما يحتفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقد على أن إضافة الإعجاز إلى القرآن، و القول بالصرفة يلزمه إضافته إلى اللّه تعالى لا إلى القرآن، و حينئذ يلزمه زوال الإعجاز بزوال التحدي، و فيه خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول العظمى باقية، و لا معجزة له باقية أظهر من القرآن، و يلزم الصرفة أيضا أنه لا فضيلة للقرآن على غيره).

و من أراد المزيد فعليه بما في مطولات كتب العقيدة، و عليه ب «دلائل الإعجاز» للجرجاني، و «الظاهرة القرآنية» لمالك بن نبي، و اللّه أعلم.

(1) فالغوا: فتكلموا بكلام باطل.

(2) أبلسوا: أسكتوا لحيرة أو انقطاع حجة.

52

و كيف لا و هو كلام اللّه‏* * * منزّه عن نحلة اشتباه‏ (1)

يهدي إلى الّتي هداها أقوم‏* * * به يطاع و به يعتصم‏

و هو لدينا حبله المتين‏* * * نعبده به، و نستعين‏

و هو الّذي لا تنقضي عجائبه‏* * * و لا يضلّ أبدا مصاحبه‏

معجزة باقية على المدى‏* * * حتّى إلى الوقت الّذي قد وعدا (2)

____________

(1) نحلة اشتباه: الإتيان بشبهة.

(2) قوله: (إلى الوقت الذي قد وعدا) قال المناوي في «العجالة السنية» (ص 77): (أي:

وعد اللّه فيه أن يرتفع فيه القرآن).

53

ذكر كفاية اللّه المستهزئين‏

و قد كفى المستهزئين البعدا* * * اللّه ربّنا، فباؤوا بالرّدى‏

فعمي الأسود، ثمّ الأسود* * * الآخر استسقى فأردته اليد (1)

كذا أشار للوليد (2)فانتقض‏* * * الجرح، و العاصي‏ (3) كذاك فعرض‏

لرجله الشّوكة حتّى أرهقا* * * و الحارث‏ (4)اجتيح بقيح بزقا

و عقبة في يوم بدر قتلا* * * أبو لهب باء سريعا بالبلا

ثامنهم أسلم و هو الحكم‏ (5)* * * فقد كفاه شرّه إذ يسلم‏

____________

(1) الأول: هو الأسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة، من بني أسد، دعا عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فعمي. و الثاني: هو الأسود بن عبد يغوث بن وهب، من بني زهرة.

و قول المصنف: (فأردته اليد) يقال: أومأ جبريل إلى بطنه، فسقى بطنه و مات حبنا- أي: انتفاخا- و يقال: إنه عطش فشرب الماء حتى انشق بطنه. و انظر «سبل الهدى و الرشاد» (2/ 605)، و «سيرة ابن هشام» (2/ 410).

(2) هو الوليد بن المغيرة، أشار جبريل إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله، فمر برجل يريش نبلا له فوطئ على سهم منها فخدشته خدشا يسيرا، فانتقض جرحه فقتله.

(3) هو العاصي بن وائل السهمي، نزل في شعب على طريق الطائف، فأصابت رجله شوكة من شجرة، فانتفخت حتى صارت كعنق البعير، فقتلته.

(4) هو الحارث بن قيس السهمي، أومأ إليه جبريل فأصابته جائحة- أي: آفة- فابتلي بقيح، فظل يبزق قيحا حتى مات.

(5) الحكم بن أبي العاصي بن أمية، قال الصالحي في «سبل الهدى و الرشاد» (2/ 608):

(أظهر الإسلام يوم الفتح، و كان مغموصا عليه في دينه، و لعنه (صلى اللّه عليه و سلم) و ما ولد، و غرّبه من المدينة).

54

ذكر مشي قريش في أمره (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أبي طالب‏

ثمّ مشت قريش الأعداء* * * إلى أبي طالب، ان يساؤوا (1)

من ابنه محمّد في سبّهم‏* * * و سبّ دينهم، و ذكر عيبهم‏

في مرّة و مرّة و مرّه‏* * * و هو يذبّ، و يقوّي أمره‏

في آخر المرّات قالوا: أعطنا* * * محمّدا و خذ عمارة ابننا

بدله، قال: أردتم أكفل‏* * * ابنكم، و أسلم ابني يقتل؟!

ثمّ مضى يجهر بالتّوحيد* * * و لا يخاف سطوة العبيد

و أجمعت قريش ان يقولوا:* * * ساحر احذروا، و عنه ميلوا

و قعدوا في زمن المواسم‏* * * يحذّرون منه كلّ قادم‏

و افترق النّاس، فشاع أمره‏* * * بين القبائل، و سار ذكره‏

____________

(1) في (د): (طالب اذ يساؤوا).