إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج2

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
390 /
3

[تتمة غزوة الفتح‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

هدية الخمر

و

أهدي له يومئذ راوية خمر فقال: إن اللَّه حرّمها! فسارّ الرجل غلامه: اذهب بها إلى الحزورة [ (1)] فبعها. فقال: بم أمرته؟ قال: ببيعها! فقال: إن الّذي حرّم شربها حرّم بيعها! ففرّغت بالبطحاء. و نهي يومئذ عن ثمن الخمر. و ثمن الخنزير، و ثمن الميتة، و ثمن الأصنام، و حلوان الكاهن.

تحريم شحوم الميتة

و

قيل له يومئذ: ما ترى في شحوم الميتة يدهن به السّقاء؟ فقال قاتل اللَّه يهودا! حرّم عليهم الشحوم فباعوها، فأكلوها ثمنها.

و حرّم متعة النساء يومئذ، و قال يومئذ- و هو بالحزورة-: و اللَّه إنك لخير أرض اللَّه إليّ، و لو لا أني أخرجت منك ما خرجت [ (2)].

العفو عن بعض أهل مكة

و هبط ثمانون من أهل مكة على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من جبل التّنعيم عند صلاة الفجر، فأخذهم سلما [ (3)] فعفا عنهم، و نزل فيهم: وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً [ (4)].

____________

[ (1)] كانت الحزورة سوق مكة، و قد دخلت في المسجد لما زيد فيه،

و في الحديث: وقف النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بالحزورة و قال: يا بطحاء مكة ما أطيبك من بلدة و أحبك إلي و لو لا أن قومي أخرجوني ما سكنت غيرك‏ (معجم البلدان) ج 2 ص 255.

[ (2)] لفظ الحديث في التعليق السابق، و في (خ) «أخرجت».

[ (3)] مستسلمين بغير حرب.

[ (4)] الآية 24/ الفتح، و في (خ) إلى قوله تعالى‏ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ‏.

4

حد شارب الخمر

و أتي بشارب فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضرب بالسوط و بالنّعل و بالعصا، و حثا عليه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) التراب.

إسلام جبر

و جاء جبر غلام بني عبد الدار- و قد كان يكتم إسلامه- فأعطاه ثمنه، فاشتري نفسه فعتق.

نذر رجل الصلاة في بيت المقدس‏

و

قال رجل يومئذ: إني نذرت أن أصلي في بيت المقدس إن فتح اللَّه عليك مكة،

فقال (صلى اللَّه عليه و سلم)،

و الّذي نفسي بيده! لصلاة ها هنا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من البلدان.

نذر ميمونة أم المؤمنين‏

و قالت ميمونة أم المؤمنين رضي اللَّه عنها: يا رسول اللَّه، إني جعلت على نفسي- إن فتح اللَّه عليك مكة- أن أصلي في بيت المقدس! فقال: لا تقدرين على ذلك، و لكن ابعثي بزيت يستصبح [ (1)] لك فيه به، فكأنك أتيته [ (2)].

و كانت ميمونة تبعث إلى بيت المقدس كل سنة بمال ليشترى به زيت يستصبح به في بيت المقدس، حتى ماتت فأوصت بذلك.

نساء قريش و جمالهن‏

و

جلس عبد الرحمن بن عوف رضي اللَّه عنه في مجلس فيه جماعة- منهم سعد ابن عبادة رضي اللَّه عنه- فمرّت نسوة من قريش فقال سعد: قد كان يذكر لنا من نساء قريش حسن و جمال [ (3)]، ما رأيناهنّ كذلك! فغضب عبد الرحمن ابن عوف حتى كاد أن يقع بسعد و أغلظ له [ (4)]، ففرّ منه سعد حتى أتى رسول‏

____________

[ (1)] الاستصباح: الاستسراج، أي إشعال السراج به.

[ (2)] في (خ) «أنيتيه».

[ (3)] في (خ) «حسنا و جمالا».

[ (4)] في (خ) «و أغلظ».

5

اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللَّه، ما ذا لقيت من عبد الرحمن؟ فقال: و ما له؟ فأخبره بما كان، فغضب (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى كان وجهه ليتوقد [ (1)]، ثم قال: رأيتهنّ و قد أصبن بآبائهن و أبنائهنّ و إخوانهنّ و أزواجهن! خير نساء ركبن الإبل نساء قريش! أحناه على ولد، و أبذله لزوج بما ملكت يد.

هدية هند بنت عتبة بعد إسلامها

و

أهدت هند بنت عتبة بعد إسلامها هدية لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- و هو بالأبطح- مع مولاة لها، جديين [ (2)] مرضوفين و قدّا [ (3)]، فانتهت الجارية إلي خيمته، فسلمت و استأذنت فأذن لها فدخلت و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بين أم سلمة و ميمونة و نساء بني عبد المطلب، فقالت: إن مولاتي أرسلت إليك بهذه الهدية، و هي معتذرة إليك، و تقول: إن غنمنا اليوم قليلة الوالدة، فقال: بارك اللَّه لكم في غنمكم، و أكثر والدتها!

فسرّت هند لما أخبرتها مولاتها بذلك، و رأوا من كثرة غنمهم و والدتها ما لم يكن من قبل و لا قريبا. و كانت هند تقول: هذا بدعاء رسول اللَّه و بركته.

إحدى نساء بني سعد و خبر وفاة حليمة السعدية

و أتته (صلى اللَّه عليه و سلم) إحدى نساء بني سعد بن بكر- إمّا خالة أو عمة- بنحي [ (4)] مملوء سمنا و جراب أقط [ (5)]- و هو بالأبطح- فعرفها، و دعاها إلى الإسلام فأسلمت، و أخبرته بوفاة حليمة [ (6)] فذرفت عيناه، و قالت: أخواك و أختاك محتاجون! فأمر لها بكسوة و جمل و مائتي درهم، فقالت: نعم و اللَّه المكفول كنت صغيرا، و نعم المرء كنت كبيرا، عظيم البركة.

السرايا و هدم الأصنام‏

و بثّ (صلى اللَّه عليه و سلم) سراياه و أمرهم أن يغيروا على من لم يسلم. فخرج هشام بن العاص‏

____________

[ (1)] توقد: تلألأ.

[ (2)] في (خ) «جد بين».

[ (3)] المرضوف: المشوي، و القد: سقاء صغير متخذ من جلد السّخلة يكون فيه لبن.

[ (4)] النحى: زق من الجلد يكون فيه السمن خاصة.

[ (5)] الأقط: يتخذ من ألبان الإبل.

[ (6)] حليمة السعدية، ظئره و حاضنته (صلى اللَّه عليه و سلم).

6

في مائتين قبل يلملم. و خرج خالد بن سعيد بن العاص في ثلاثمائة قبل عرنة و بعث خالد بن الوليد إلى العزّى في ثلاثين فارسا فهدمها لخمس [ (1)] بقين من رمضان، و كانت بنخلة. و بعث الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم ابن فهم [ (2)] الدّوسي إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة فحرّقه بالنار، و بعث سعد بن زيد الأشهليّ إلى مناة بالمشلّل [ (3)] فهدمه. و بعث عمرو بن العاص إلى صنم هذيل سواع فهدمه. و نادى منادى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من كان يؤمن باللَّه و برسوله فلا يدعنّ في بيته صنما إلا كسره أو حرّقه، و ثمنه حرام. فجعل المسلمون يكسرون الأصنام، و لم يكن رجل من قريش بمكة إلا و في بيته صنم: إذا دخل مسحه و إذ خرج مسحه: تبركا به. و كان عكرمة بن أبي جهل لما أسلم لم يسمع بصنم في بيت إلا مشى إليه حتى يكسره. و جعلت هند بنت عتبة تضرب صنما في بيتها بالقدوم فلذة فلذة [ (4)] و هي تقول: كنا منك في غرور!!

مدة المقام بمكة

و أقام (صلى اللَّه عليه و سلم) بمكة- على ما في صحيح البخاريّ- خمس عشرة ليلة. [و في رواية تسع عشرة، و في أبي داود تسع عشرة، و في الترمذي ثماني عشرة، و قيل عشرا، و قيل بضع عشرة، و قيل: عشرين ليلة] يصلي ركعتين، و يأمر أهل مكة أن يتموا، كما رواه النسائي. و أفطر بقية شهر رمضان.

بعثة خالد بن الوليد إلى بني جذيمة و قتلهم، و كانوا مسلمين‏

و لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزّى، بعثه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى بني جذيمة ابن عامر بن عمرو بن مناة بن كنانة يدعوهم إلى الإسلام فخرج أول شوّال في ثلاثمائة و خمسين إلى أسفل مكة و انتهى إليهم، فقالوا: نحن مسلمون! فقال خالد:

استأسروا! فكتف بعضهم بعضا، و دفع خالد إلى كل رجل من أصحابه رجلا أو رجلين، فباتوا في وثاق إلى السّحر. فنادى خالد: من كان معه أسير فليدافّه [ (5)].

____________

[ (1)] في (خ) «بخمس».

[ (2)] في (خ) «سالم بن فهر»، و ما أثبتناه من (الإصابة) ج 5 ص 223 ترجمة رقم 4247.

[ (3)] جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر (معجم البلدان) ج 5 ص 136.

[ (4)] الفلذة: القطعة.

[ (5)] فليدافه: فليجهز عليه.

7

فقتل بنو سليم من كان في أيديهم، و كانوا قريبا من ثلاثين رجلا. و أما المهاجرون و الأنصار فأرسلوا أسراهم و قالوا: اذهبوا حيث شئتم! فغضب خالد على من أرسل أسيره. فقال له أبو أسيد السّاعديّ: اتّق اللَّه يا خالد! ما كنا لنقتل قوما مسلمين! قال: و ما يدريك؟ قال: تسمع إقرارهم بالإسلام، و هذه المساجد بساحتهم!

فلما قدم خالد على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عاب [ (1)] عبد الرحمن بن عوف عليه ما صنع، فتلاحيا، و أعانه عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه و أعرض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عنه و قال له- و قد بلغه ما صنع بعبد الرحمن بن عوف-: يا خالد! ذروا لي أصحابي! متى ينكأ أنف المرء يبجع [ (2)]! لو كان أحد ذهبا تنفقه قيراطا قيراطا في سبيل اللَّه لم تدرك غدوة أو روحة من غدوات أو روحات عبد الرحمن بن عوف! و رفع (صلى اللَّه عليه و سلم) يديه حتى رئي بياض إبطيه، و هو يقول: اللَّهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد!!

بعثة عليّ بالديات إلى بني جذيمة

و

بعث عليا رضي اللَّه عنه إلى بني جذيمة بمال فودى لهم ما أصاب خالد، و دفع إليهم مالهم، فبقيت لهم بقية مال، فبعث عليّ أبا رافع إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ليستزيده فزاده مالا، فودى لهم كلّ ما أصاب [خالد]، حتى إنه ليدي لهم ميلغة [ (3)] الكلب و بقي مع عليّ شي‏ء من المال. فقال: هذه البقية من هذا المال لكم عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مما أصاب خالد، مما لا يعلمه و لا تعلمونه. فأعطاهم ذلك و عاد فأخبر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بما صنع فقال: أصبت! ما أمرت خالدا بالقتال، إنما أمرته بالدعاء! ثم أقبل على خالد رضي اللَّه عنه و قال: لا تسبوا خالدا ابن الوليد، فإنما هو سيف من سيوف اللَّه سله على المشركين.

فتح مكة

و قد اختلف في فتح مكة، فقال الأوزاعيّ و مالك و أبو حنيفة: إنّها فتحت عنوة ثم أمّن أهلها. و قال مجاهد و الشافعيّ: فتحت صلحا بأمان عقده. و قيل:

____________

[ (1)] في (خ) «غاب».

[ (2)] كذا في (ط)، و في (خ) «متى يتكأ أنف المرء و ينكا» و لم أجد هذا المثل في (مجمع الأمثال للميداني) و لا في جمهرة الأمثال للعسكريّ)، و لا في كتاب (الأمثال في الحديث النبوي) لأبي الشيخ الأصبهاني. و نكأ القرحة: نشرها.

[ (3)] في (خ) «مبلغة».

8

فتح أسفلها عنوة و أعلاها صلحا [ (1)].

و روي أنه يوم فتح مكة حام حمام الحرم [ (2)] فأظلته (صلى اللَّه عليه و سلم)، فدعا لها بالبركة.

و كان يحبّ الحمام.

غزوة حنين «هوازن»

ثم خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى غزوة حنين: و ذلك واد- و يقال ماء- بينه و بين مكة ثلاث ليال في قرب الطائف. سمّي بحنين بن قانية بن مهلائيل من جرهم، و قيل: حنين بن ماثقة بن مهلان بن مهليل بن عبيل بن عوص بن إرم ابن سام [ (3)] بن نوح.

جموع هوازن و ثقيف‏

و ذلك أن أشراف هوازن و ثقيف حشدوا، و قد جعلوا أمرهم إلى مالك ابن عوف بن سعيد بن ربيعة بن يربوع بن واثلة [ (4)] بن دعمان بن نصر بن معاوية ابن بكر بن هوازن النصريّ، و هو ابن ثلاثين سنة. و أقبلت ثقيف و نصر و جشم، و كان في ثقيف سيّدان [ (5)] لهم هما: قارب بن عبد اللَّه بن الأسود بن مسعود الثقفيّ، و ذو الخمار سبيع بن الحارث، [و يقال: الأحمر بن الحارث‏]، و اجتمع إليهم من بني هلال بن عامر نحو المائة، و لم يحضرهم أحد من كعب و لا كلاب‏

____________

[ (1)] يقول ابن القيم في (زاد المعاد) ج 3 ص 429 في الإشارة إلى ما في الغزوة من الفقه و اللطائف، «و فيها البيان الصريح بأن مكة فتحت عنوة كما ذهب إليه جمهور أهل العلم، و لا يعرف في ذلك خلاف إلا عن الشافعيّ و أحمد في أحد قوليه» ثم قال: «قال أصحاب الصلح: لو فتحت عنوة لقسمها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بين الغانمين كما قسم خيبر»، «و لو فتحت عنوة لملك الغانمون رباعها و دورها»، «قال أرباب العنوة: لو كان قد صالحهم لم يكن لأمانه المقيد بدخول كل واحد داره، و إغلاق بابه، و إلقاء سلاحه فائدة».

«و أيضا فلو كان فتحها صلحا، لم يقل: إن اللَّه قد أحلها لي ساعة من نهار، فإنّها إذا فتحت صلحا كانت باقية على حرمتها».

[ (2)] في (خ) «الحرر».

[ (3)] في (خ) «سلام».

[ (4)] في (خ) «واثله».

[ (5)] في (خ) «سيديان».

9

[من هوازن‏] [ (1)] و حضر دريد بن الصّمّة بن [الحارث بن‏] [ (2)] بكر بن علقمة ابن خزاعة بن غزيّة [ (3)] بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن في بني جشم، و هو ابن ستين و مائة سنة لا شي‏ء فيه، إلا أنهم يتيمنون برأيه و معرفته بالحرب و دربته [ (4)].

منزل هوازن‏

و جاءوا جميعا بأموالهم و نسائهم و أبنائهم يريدون حرب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى نزلوا بأوطاس، فقال دريد: بأيّ واد أنتم: قالوا: بأوطاس فقال: مجال الخيل! لا حزن ضرس، و لا سهل دهس [ (5)]. ثم قال لمالك بن عوف: ما لي أسمع بكاء الصغير، و رغاء البعير، و نهاق الحمير، و يعار الشاة؟ قال مالك: يا أبا قرّه! إني سقت مع الناس أموالهم و ذراريهم، و أردت أن أجعل خلف كلّ رجل منهم أهله و ماله يقاتل عنه، فأنقض به دريد، ثم قال: رويعي ضأن و اللَّه! و هل يردّ المنهزم شي‏ء؟ و قال: هذا يوم لم أشهده [ (6)]، و لم أغب عنه! و قال:

يا ليتني فيها جذع [ (7)]* * * أخب فيها و أضع [ (8)]

أقود وطفاء الزّمع [ (9)]* * * كأنها شاة صدع [ (10)]

[قوله: «أنقض به دريد» يريد أنه نقر بلسانه في فيه كما يزجر الشاة أو الحمار. و قوله: «رويعي [ (11)] ضأن»، يستجهله‏].

خروج رسول اللَّه إلى حنين‏

فغدا (صلى اللَّه عليه و سلم) يريدهم يوم السبت لست خلون من شوال، و قيل قدم مكة لثماني‏

____________

[ (1)] زيادة للبيان.

[ (2)] زيادة من نسبه من (ط)

[ (3)] في (خ) «عربة».

[ (4)] في (خ) «ذريته».

[ (5)] الحزن: الغليظ من الأرض. الضرس: الغليظ الخشن. الدهس: اللين الوطء من الأرض.

[ (6)] في (خ) «أشهد».

[ (7)] جذع: صغير السن، و في (خ) «جزع».

[ (8)] الخب و الوضع: ضربان من العدو و الوضع أشد.

[ (9)] في (خ) «الرمع»، و الوطفاء: الغزيرة الشعر. و الزمع جمع زمعة: و هي شعرة مدلاة خلف الرسغ.

[ (10)] الصدع: الوعل الحديث السن.

[ (11)] رويعي: تصغير «راع».

10

عشرة ليلة من شهر رمضان سنة ثمان، و أقام بها اثنتي عشرة ليلة، ثم أصبح غداة الفطر غاديا إلى حنين. و خرج معه أهل مكة- لم يتأخر منهم كبير أحد- ركبانا و مشاة، حتى خرج معه النساء يمشين: على غير دين نظارا ينظرون و يرجون الغنائم، و لا يكرهون الدّولة لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و استعمل على مكة عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس القرشيّ الأمويّ- و له نحو عشرين سنة-، و جعل معه معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عديّ بن كعب بن عمرو بن أديّ ابن سعيد بن علي بن أسد بن ساردة [ (1)] بن زيد بن جشم بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجي، يعلمهم السّنن و الفقه. و خرج معه اثنا عشر ألف رجل: عشرة آلاف من المدينة و ألفان من أهل مكة، و هم الطلقاء.

إعجاب المسلمين بكثرتهم يوم حنين‏

فقال رجل من بني بكر: لو لقينا بني شيبان ما بالينا، و لا يغلبنا اليوم أحد من قلة! فأنزل اللَّه تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ‏ [ (2)].

عارية السلاح‏

و استعار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من صفوان بن أمية مائة درع، و قيل أربعمائة درع، بأداتها، و خرج [صفوان‏] [ (3)] و هو مشرك مع المسلمين.

خبر ذات الأنواط

فمرّوا بشجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط- كانت العرب من قريش و غيرها يأتونها كل سنة يعلقون عليها أسلحتهم، و يذبحون عندها، و يعكفون عليها يوما-

فقالوا: يا رسول اللَّه: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط: فقال:

اللَّه أكبر! قلتم- و الّذي نفسي بيده- كما قال قوم موسي:

____________

[ (1)] في (خ) «ماردة».

[ (2)] الآية 25/ التوبة، و في (خ) «..... كثرتكم الآي».

[ (3)] زيادة للبيان.

11

اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ‏

[ (1)]، إنها السّنن، سنن من كان قبلكم‏

[و في رواية:

لتركبن سنن من قبلكم‏] [ (2)].

خبر الرجل الّذي أراد قتل رسول اللَّه‏

و نزل رسول اللَّه تحت شجرة دوين أوطاس، و علق بها سيفه و قوسه، فجاء رجل و هو نائم فسلّ السيف، و قام على رأسه ففزع به [ (3)] و هو يقول: يا محمد! من يمنعك منّي اليوم؟ فقال: اللَّه! فأتى أبو بردة بن نيار يريد أن يقتل الرجل، فمنعه النبي (عليه السلام) من قتله و قال: يا أبا بردة، إن اللَّه مانعي و حافظي حتى يظهر دينه على الدّين كلّه.

و انتهى (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال.

عيون هوازن و رعب المشركين‏

فبعث مالك بن عوف ثلاثة رجال متفرقين في العسكر [يأتونه بخبر أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)‏] [ (4)]، فرجعوا و قد تفرقت أوصالهم [من الرعب‏] [ (4)]، و قالوا:

رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فو اللَّه ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى! و قالوا:

ما نقاتل أهل الأرض إنما نقاتل إلا أهل السماء! و إن أطعتنا رجعت بقومك. فسبّهم و حبسهم. ثم بعث آخر فعاد إليه بمثل ما قال الثلاثة، فلم ينته. و بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عبد اللَّه بن حدرد مرثد بن أبي مرثد الغنويّ تلك الليلة على فرسه و هو يحرس المسلمين.

خروج غير المسلمين إلى حنين‏

و كان قد خرج رجال من مكة على غير دين، ينظرون على من تكون الدائرة، فيصيبون من الغنائم، منهم أبو سفيان بن حرب [ (5)]، و منهم معاوية بن أبي سفيان- خرج و معه الأزلام [ (6)] في كنانته، و كان يسير في أثر العسكر، كلّما مرّ بترس‏

____________

[ (1)] الآية 138/ الأعراف.

[ (2)] سنن الطريق: نهجه و وجهه.

[ (3)] فزع به: أنبهه.

[ (4)] زيادة من (ابن سعد) ج 2 ص 150.

[ (5)] كذا في (خ) و (الواقدي) ج 3 ص 895، و هو غريب، فمن الثابت أن أبا سفيان بن حرب أسلم ليلة الفتح، و معاوية أسلم يوم الفتح، و الحارث بن هشام أسلم يوم الفتح أيضا.

[ (6)] الأزلام: سهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية.

12

ساقط أو رمح أو متاع حمله، حتى أوقر جمله [ (1)]-، و صفوان بن أمية، و معه حكيم بن حزام، و حويطب بن عبد العزّى، و سهيل بن عمرو، و الحارث ابن هشام [ (2)]، و عبد اللَّه بن أبي ربيعة، فلما كانت الحرب وقفوا خلف الناس.

تعبئة المسلمين‏

و عبّأ مالك بن عوف أصحابه في الليل بوادي حنين، و عبأ له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في السّحر، و وضع الألوية و الرايات في أهلها. فحمل رايات المهاجرين: عليّ و سعد بن أبي وقّاص، و عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنهم، و حمل رايات الأنصار الحباب بن المنذر، و قيل كان لواء الخزرج الأكبر مع سعد بن عبادة، و لواء الأوس مع أسيد بن حضير. و في كل بطن لواء أو راية. و كانت رايات المهاجرين سودا و ألويتهم بيضاء، و رايات الأنصار خضرا و حمرا، و كانت في قبائل العرب رايات، و بقيت سليم كما هي في مقدمة الخيل، و عليهم خالد بن الوليد.

المسير إلى القتال‏

و انحدر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بأصحابه في وادي حنين. و هو على تعبئته و قد ركب بغلته البيضاء دلدل، و لبس درعين و المغفر و البيضة، و حضّ على القتال، و بشر بالفتح إن صدقوا و صبروا.

انهزام المسلمين‏

فاستقبلتهم هوازن في غبش الصّبح [ (3)] بكثرة لم يروا مثلها قط، و حملوا على المسلمين حملة واحدة، فانكشف أول الخيل خيل [بني‏] [ (4)] سليم مولّية، فولوا و تبعهم أهل مكة، و تبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شي‏ء.

____________

[ (1)] أوقر الجمل: أثقل حمله.

[ (2)] كذا في (خ) و (الواقدي) ج 3 ص 895، و هو غريب، فمن الثابت أن أبا سفيان بن حرب أسلم ليلة الفتح، و معاوية أسلم يوم الفتح، و الحارث بن هشام أسلم يوم الفتح أيضا.

[ (3)] غبش الصبح: الظلمة يخالطها البياض في بقية الليل.

[ (4)] زيادة للسياق.

13

انهزام المشركين بغير قتال‏

فالتفت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يمينا و شمالا- و الناس منهزمون حتى بلغوا مكة، فلم يرجع آخرهم إلا و الأسارى بين يدي النبي (عليه السلام)- و هو يقول: يا أنصار اللَّه و أنصار رسول اللَّه؟ أنا عبد اللَّه و رسوله!! ثم تقدّم بحربته أمام الناس، و انهزم المشركون، و ما ضرب أحد من المسلمين بسيف و لا طعن برمح.

و رجع (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى العسكر، و أمر أن يقتل كلّ من قدر عليه من المشركين، و قد ولت هوازن، و ثاب من انهزم من المسلمين.

الذين ثبتوا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الهزيمة

و لم يثبت معه (صلى اللَّه عليه و سلم) وقت الهزيمة إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و قد أخذ [ (1)] بثغر البلغة، و العباس و قد أخذ بحكمتها [ (2)]، و هو يركضها إلى وجه العدوّ، و ينوّه باسمه‏

فيقول:

أنا النبيّ لا كذب‏* * * أنا ابن عبد المطّلب‏

دعوة المنهزمين‏

و قال (صلى اللَّه عليه و سلم)

يا عباس! اصرخ: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السّمرة [ (3)]! فنادى بذلك- و كان رجلا صيّتا [ (4)]-، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنّت إلى أولادها يقولون يا لبّيك ... يا لبيك! فأشرف (صلى اللَّه عليه و سلم) كالمتطاول في ركابيه، فنظر إلى قتالهم و قال: الآن حمي الوطيس! ثم أخذ بيده من الحصا فرماهم به و هو يقول: شاهت الوجوه، حم لا ينصرون! ثم قال: انهزموا و ربّ الكعبة! فما زال أمرهم مدبرا

و انهزموا: فانحاز (صلى اللَّه عليه و سلم) ذات اليمين، و هو على بغلته قد جرّد سيفه.

____________

[ (1)] هذه الكلمة غير واضحة في (خ)، و أثبتناها من (الواقدي) ج 2 ص 898 و معناها: السير في مؤخر السرع (ترتيب القاموس).

[ (2)] الحكمة: ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه و فيها العذران (ترتيب القاموس).

[ (3)] السّمرة: قال في (النهاية) الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبيّة.

[ (4)] صيّتا: عالي الصوت رفيعه.

14

عدد من ثبت معه‏

و ثبت معه [ (1)] سوى من ذكرنا: عليّ، و الفضل بن عباس، و ربيعة ابن الحارث [بن عبد المطلب‏] [ (2)]، و أيمن بن عبيد الخزرجي، و أسامه بن زيد، و أبو بكر و عمر، رضي اللَّه عنهم. و

قيل‏

لما انكشف الناس عنه قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لحارثة بن النّعمان الأنصاري: كم ترى الناس الذين ثبتوا؟ فحرزهم مائة، و هذه المائة هي التي كرّت بعد الفرار، فاستقبلوا هوازن و اجتلدوهم [ (3)] و إياهم و كان دعاؤه يومئذ- حين انكشف الناس عنه، فلم يبق إلا في المائة الصابرة-:

اللَّهمّ لك الحمد، و إليك المشتكى، و أنت المستعان [ (4)]!

و يقال إن المائة الصابرة يومئذ: ثلاثة و ثلاثون من المهاجرين، و سبعة و ستون من الأنصار، و كان عليّ، و أبو دجانة، و عثمان بن عفان، و أيمن بن عبيد رضي اللَّه عنهم يقاتلون بين يدي النبي (صلى اللَّه عليه و سلم).

خبر على و قتاله يوم حنين‏

قال الحارث بن نوفل: فحدّثني الفضل بن العباس قال: التفت العباس يومئذ و قد أقشع [ (5)] الناس عن بكرة أبيهم- فلم ير عليا فيمن ثبت، فقال: شوهة و بوهة [ (6)]! أ و في مثل هذه [ (7)] الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ و هو صاحبه فيما هو صاحبه!! [يعني المواطن المشهورة له‏] فقلت: بعض قولك لابن أخيك! أما تراه في الرّهج؟ قال: أشعره [ (8)] لي يا بنيّ. قلت ذو كذا، ذو كذا، ذو البردة. قال: فما تلك البرقة؟ قلت: سيفه يرفل [ (9)] به بين‏

____________

[ (1)] في (خ) «و ما معه».

[ (2)] زيادة للبيان من (ط).

[ (3)] اجتلدوا: ضربوا بالسيف.

[ (4)] في (الواقدي) ج 2 ص 901 بعد قوله «المستعان» «قال له جبريل: لقد لقنت الكلمات التي لقن اللَّه موسى يوم فلق البحر أمامه و فرعون خلفه» و معنى لقن: فهم.

[ (5)] أقشع الناس: تفرقوا.

[ (6)] في (خ) «شوهة بوهة» و هذا يقال في الدعاء و الذم، كذا في (ط) و لم أجد المثل في مجمع الأمثال و لا في جمهرة الأمثال.

[ (7)] في (خ)، (ط) «هذا» و ما أثبتناه حق اللغة.

[ (8)] الرهج: غبار الحرب و أشعره لي: أذكر لي شعاره الّذي يعرف به بين رفقته‏

[ (9)] يرفل: يتبختر.

15

الأقران [ (1)]. فقال برّ ابن برّ؟ فداه عم و خال! قال: فضرب عليّ يومئذ أربعين مبارزا كلهم يقده حتى يقدّ أنفه و ذكره. قال: و كانت ضرباته منكرة.

قتال أم عمارة و صواحباتها

و كانت أم عمارة في يدها سيف صارم، و أم سليم معها خنجر قد حزمته على وسطها و هي يومئذ حامل بعبد اللَّه بن أبي طلحة، و أم سليط، و أم الحارث- حين انهزم الناس- يقاتلن: و أم عمارة تصيح بالأنصار: أيّة عادة هذه! ما لكم و للفرار! و شدّت على رجل من هوازن فقتلته و أخذت سيفه.

موقف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قائم مصلت السيف بيده، و قد طرح غمده ينادي:

يا أصحاب سورة البقرة! فكرّ المسلمون، و جعلوا يقولون: يا بني عبد الرحمن! يا بني عبد اللَّه! يا بني عبيد اللَّه! يا خيل اللَّه- و كان (صلى اللَّه عليه و سلم) قد سمّي خيله خيل اللَّه- [و كان شعار [ (2)] المهاجرين بني عبد الرحمن، و شعار الأوس بني عبيد اللَّه، و شعار الخزرج بني عبد اللَّه‏]. فكرّت الأنصار، و وقفت هوازن حملة ناقة [ (3)]، ثم كانت هزيمتهم أقبح هزيمة، و المسلمون يقتلون و يأسرون.

تحريض أم سليم‏

و

أم سليم بنت ملحان تقول: يا رسول اللَّه! ما رأيت هؤلاء الذين أسلموا و فرّوا عنك و خذلوك! لا تعف عنهم إذا أمكنك اللَّه منهم، تقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين! فقال: يا أم سليم! قد كفى اللَّه، عافية اللَّه أوسع.

النهي عن قتل الذرية

و

حنق المسلمون على المشركين فقتلوهم حتى شرعوا [ (4)] في قتل الذّرية. فلما بلغ ذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى بلغ الذّرّيّة!

____________

[ (1)] الأقران: النظائر و الأكفاء.

[ (2)] في (خ) «و جعل شعار».

[ (3)] في (خ) «حملت»، و المعني: وقفوا مقدار ما تحمل الناقة رحلها.

[ (4)] في (خ) «أشرعوا».

16

ألا لا تقتل الذرية، فقال أسيد بن الحضير: يا رسول اللَّه! أ ليس إنما هم أولاد المشركين؟! فقال: أ و ليس خياركم أولاد المشركين؟ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، و أبواها يهوّدانها أو ينصّرانها [ (1)]!.

خبر النمل‏

و قال جبير بن مطعم: لما تراءينا نحن و القوم، رأينا سوادا لم نر مثله قط كثرة، و إنما ذلك السواد نعم فحملوا النساء عليه. فأقبل مثل الظّلّة السوداء من السماء، حتى أظلت علينا و عليهم و سدّت الأرض. فنظرت فإذا وادي حنين يسيل بالنمل، نمل أسود مبثوث. لم أشكّ أنه نصر أيدنا اللَّه به، فهزمهم اللَّه. و حدّث شيوخ من الأنصار قالوا: رأينا كالبجد [ (2)] السود هوت من السماء ركاما فنظرنا فإذا نمل مبثوث، فإن كنا لننفضه عن ثيابنا، فكان نصرا أيّدنا اللَّه به.

نصر الملائكة

و كانت سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمرا [ (3)] قد أرخوها بين أكتافهم، و كان الرعب الّذي قذف اللَّه في قلوب المشركين يومئذ كوقع الحصاة في الطّست:

له طنين، فيجدون في أجوافهم مثل ذلك. و لم رمي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بذلك الكفّ من الحصا، لم يبق أحد من المشركين إلا و هو يشكو القذى في عينه. و يجدون في صدورهم خفقانا كوقع الحصا في الطّساس [ (4)]: ما يهدأ ذلك عنهم. و رأوا رجالا بيضا على خيل بلق، عليهم عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم، و هم بين السماء و الأرض: كتائب، فما كانوا يستطيعون أن يتأمّلوهم من الرعب منهم.

القتلى في ثقيف‏

استحرّ القتل من ثقيف [في‏] [ (5)] بني مالك، فقتل منهم قريب من مائة رجل تحت رايتهم، و قتل ذو الخمار، و هربت ثقيف.

____________

[ (1)] أي يحملانها على شريعة يهودية أو نصرانية.

[ (2)] البجد: جمع بجاد: و هو كساء مخطط من أكسية الأعراب.

[ (3)] في (خ) «حمر».

[ (4)] الطساس: جمع طست.

[ (5)] زيادة للسياق من (ابن هشام) ج 4 ص 69.

17

إسلام شيبة بن عثمان‏

و كان شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، قد تعاهد هو و صفوان بن أميّة يومئذ إن رأيا على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دبرة أن يكون عليه، و هما خلفه. قال شيبة: فأدخل اللَّه الإيمان قلوبنا. و لقد هممت بقتله، فأقبل شي‏ء حتى يغشى فؤادي، فلم أطق ذلك، و علمت أنه قد منع مني و في رواية: غشيتني ظلمة حتى لا أبصر، فعرفت أنه ممتنع مني، و أيقنت بالإسلام. و في رواية: أنّ شيبة قال: لما رأيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) غزا مكة فظفر بها و خرج إلى هوازن، قلت: أخرج لعلي أدرك ثأري! و ذكرت قتل أبي يوم أحد [قتله حمزة]، و عمي [قتله عليّ‏]، فلما انهزم أصحابه جئته عن يمينه، فإذا العباس قائم علي درع بيضاء كالفضة، فقلت: عمّه! لن يخذله! فلما جئته عن يساره، فإذا بأبي سفيان بن الحارث، فقلت: ابن عمّه! و لن يخذله [ (1)]! فجئته من خلفه، فلم يبق [ (2)] إلا أسوّره بالسيف [ (3)]، إذ رفع لي- فيما بيني و بينه- شواظ [ (4)] من النار كأنه برق، و خفت أن يمحشني [ (5)]، فوضعت يدي على بصري و مشيت القهقرى، فالتفت إليّ و قال: يا شيب! أدن مني! فوضع يده على صدري و قال: اللَّهمّ أذهب عنه الشيطان! فرفعت رأسي إليه و هو أحبّ إليّ من سمعي و بصري و قلبي، ثم قال: يا شيب! قاتل الكفّار! فتقدّمت بين يديه أحبّ و اللَّه أقيه بنفسي و بكلّ شي‏ء. فلما انهزمت هوازن، رجع إلى منزله و دخلت عليه، فقال: الحمد للَّه الّذي أراد بك خيرا مما أردت. ثم حدثني بما هممت به.

خبر المنافقين‏

و لما كانت هزيمة المسلمين، تكلم قوم بما في نفوسهم من الضّغن و الغشّ، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر؟ فقال [أبو مقيت ابن سليم‏] [ (6)]: أما و اللَّه لو لا أني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ينهي عن قتلك لقتلتك!

____________

[ (1)] في (خ) «أن يخذله».

[ (2)] في (خ) «أبق».

[ (3)] تسوّره: علاه، أي يعلوه فيأخذه بالسيف.

[ (4)] في (خ) «شوظ».

[ (5)] يمشخني: يحرق الجلد حتى يبدو العظم.

[ (6)] كذا في (خ)، (ط)، و في (الواقدي) ج 3 ص 910 «يقول رجل من أسلم يقال له أبو مقيت ... إلخ».

18

و قال كلدة بن حنبل- أخو صفوان لأمه- ألا بطل سحر محمد اليوم! فقال له صفوان: اسكت فضّ اللَّه فاك! لأن يربّني ربّ من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني ربّ من هوازن! و قال سهيل بن عمرو: [و اللَّه‏] [ (1)] لا يجتبرها [ (2)] محمد و أصحابه [أبدا] [ (1)]! فقال له عكرمة [بن أبي جهل‏] [ (1)]: إنّ هذا ليس بقول! إنما الأمر بيد اللَّه، و ليس إلى محمد الأمر شي‏ء! إن أديل [ (3)] عليه اليوم فإن له العاقبة [ (4)] غدا.

فقال له سهيل: و اللَّه إن عهدك بخلافه لحديث! قال: يا أبا يزيد، إنا كنا و اللَّه نوضع في غير شي‏ء و عقولنا عقولنا [ (5)] نعبد حجرا لا ينفع و لا يضرّ!!

النهي عن قتل النساء و المماليك‏

و مرّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بامرأة مقتولة: قتلها خالد بن الوليد، فبعث إليه: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ينهاك أن تقتل امرأة أو عسيفا [ (6)].

خبر بني سليم‏

و لما هزم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هوازن، و أتبعهم المسلمون يقتلونهم، نادت بنو سليم: ارفعوا عن بني أمكم القتل! فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) اللَّهمّ عليك ببني بمكة! أمّا في قومي فوضعوا السّلاح وضعا، و أمّا عن قومهم فرفعوا رفعا،

[و بكمة بنت مرّ أم سليم، و هي أخت تميم بن مرّ].

خبر بجاد السعدي‏

و أمر (عليه السلام) بطلب القوم، و قال: إن قدرتم على بجاد فلا يفلتنّ منكم!

و كان [بجاد] [ (7)] من بني سعد [بن بكر بن هوازن‏] [ (7)] و قد قطّع رجلا مسلما و حرّقه بالنار، فأخذته الخيل، و ضموه إلى الشيماء بنت الحارث بن عبد العزّى- أخت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من الرضاعة- و أتوا بهما فرحّب بالشيماء و أجلسها على‏

____________

[ (1)] زيادة للبيان.

[ (2)] يجتبرها: يصلحها.

[ (3)] أديل: من الدولة بمعنى النصر.

[ (4)] في (خ) «العافية».

[ (5)] كذا في (الواقدي) ج 3 ص 911، و في بعض كتب السيرة «و عقولا ذاهبة».

[ (6)] العسيف: «الأجير».

[ (7)] زيادة للبيان.

19

ردائه، و أعطاها- بعد ما أسلمت- ثلاثة أعبد و جارية، فاستوهبته بجادا فوهبه لها.

هزيمة هوازن و قتل دريد بن الصمة

و مرّت هوازن في هزيمتها إلى الطائف، و إلى أوطاس، و إلى نخلة. فسارت الخيل تريد من أتى نخلة. أدرك الربيع بن ربيعة بن رفيع بن أهبان [ (1)] بن ثعلبة بن ضبيعة بن يربوع بن سمّال بن عوف بن مري‏ء القيس بن بهثة بن سليم السّلمي- [و كان يقال له «ابن الدّغنّة»، و هي أمه فغلبت على اسمه‏] [ (2)]- دريد بن الصّمة فقتله.

أبو عامر الأشعري‏

و توجّه أبو عامر الأشعريّ- أخو أبي موسى [الأشعريّ‏] [ (2)]- إلى أوطاس، و معه لواء في عدّة من المسلمين، و قد عسكر المشركون، فقاتلهم و قتل منهم تسعة ثم أصيب، فاستخلف أخاه أبا موسى ففتح اللَّه عليه. و لحق مالك بن عوف بالطائف.

الغنائم و السبي‏

و

أمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالغنائم فجمعت. و نادى مناديه: من كان يؤمن باللَّه و اليوم الآخر فلا يغلّ! و أصاب المسلمون سبايا، فكانوا يكرهون أن يقعوا عليهنّ و لهنّ أزواج، فسألوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن ذلك فأنزل اللَّه‏

وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً

[ (3)] و قال (صلى اللَّه عليه و سلم) يومئذ: لا توطأ حامل من السبي حتى تضع حملها، و لا غير ذات حمل حتى تحيض.

وسألوه عن العزل [ (4)]، فقال:

ليس من كل الماء

____________

[ (1)] في (خ) «أهان».

[ (2)] زيادة للبيان من (ط).

[ (3)] الآية 24/ النساء، و في (خ) «... أيمانكم، الآية».

[ (4)] (سنن ابن ماجة) ج 1 ص 620 (باب العزل) حديث رقم 1926، 1927، 1928، و (سنن أبي داود) ج 2 ص 622 و ما بعدها (باب ما جاء في العزل)، حديث رقم 2170، 2171، 2172، 2173.

20

يكون الولد، و إذا أراد اللَّه أن يخلق شيئا لم يمنعه شي‏ء.

دية عامر بن الأضبط

و قام عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري يطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعيّ- و قد قتله محلّم بن جثّامة بن قيس الليثي في سرية رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى إضم- بعد ما حيّا بتحية الإسلام- فدافع عنه الأقرع بن حابس، فأشار النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بالدية فقبلوها.

شارب الخمر

أتي يومئذ بشارب، فأمر (عليه السلام) من عنده [ (1)] فضربوه بما كان في أيديهم، و حثا عليه التراب.

الشهداء و السبي‏

و جميع من استشهد [ (2)] بحنين أربعة [ (3)]. و في هذه الغزاة

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

من قتل قتيلا فله سلبه.

و كان أبو طلحة قد قتل عشرين رجلا فأعطاه سلبهم.

و ذكر الزبير بن بكّار:

____________

[ ()] و قال الخطابي في (معالم السنن) ج 2 ص 624 عند التعليق على الحديث رقم 2172: «و أخرجه البخاري في النكاح باب العزل رقم 97 (7/ 42) و مسلم في النكاح باب حكم العزل حديث رقم 1438 و النسائي في النكاح باب العزل (6/ 107)، و العزل: أن يعزل الرجل الماء عن النساء حذر الحمل.

[ (1)] في (خ) «بن عبدة».

[ (2)] في (خ) «ما استشهد».

[ (3)] و هؤلاء هم:

1- من قريش ثم من بني هاشم: أيمن بن عبيد.

2- من بني أسد بن عبد العزى: يزيد بن زمعة.

3- و من الأنصار: سراقة بن الحارث بن عدي.

4- و من الأشعريين: أبو عامر الأشعري.

(ابن هشام) ج 4 ص 76.

و في (الواقدي) ج 3 ص 22: رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بدلا من يزيد بن زمعة.

و قال محقق (الواقدي) أنه أثبته عن ابن حزم في (جوامع السيرة) ص 244 (تعليق رقم (1) ص 922 (من الواقدي).

21

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سبى يوم حنين ستة آلاف- بين غلام و امرأة- فجعل عليهم أبا سفيان بن حرب. و مات رجل من أشجع أيام حنين، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

صلّوا على صاحبكم فإنه قد غلّ.

فنظروا. فإذا في برديه خرز لا يساوي درهمين.

غزوة الطائف‏

ثم كانت غزوة الطائف.

و ذلك أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لما فتح حنينا، بعث الطفيل ابن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سالم بن فهم الدّوسيّ إلى ذي الكفّين- صنم عمرو بن حمه- يهدمه، و أمره أن يستمدّ قومه و يوافيه بالطائف، و قال له:

أفش السلام، و أبذل الطعام- و استحي من اللَّه كما يستحي الرجل ذو الهيئة من أهله [ (1)]، إذا أسأت فأحسن،

إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ‏

[ (2)].

فخرج إلى قومه فهدم ذا الكفين، و جعل يحشو النّار في وجهه و يحرقه و يقول:

يا ذا الكفين لست من عبّاكا* * * ميلادنا أقدم من ميلادكا

أنا حششت [ (3)] النار في فؤادكا

و وافى معه بأربعمائة، بعد ما قدم (عليه السلام) الطائف بأربعة أيام، و معه دبّابة، و منجنيق. و يقال: بل اتخذ المنجنيق سلمان الفارسيّ، و قدم بالدبّابة خالد بن سعيد ابن العاص من جرش [ (4)]. و كان مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حسك من خشب [ (5)] يطيف بعسكره.

____________

[ (1)]

كذا في (خ)، (ط) و في (الواقدي) ج 3 ص 922 «كما يستحي الرجل ذو الهيئة من أهله»

و ذو الهيئة: ذو الوقار.

[ (2)] نص الآية 114/ هود كالآتي: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ‏.

[ (3)] في (الواقدي) ج 3 ص 923 «حشوت النار في فؤادكا». و حش النار: جمع إليها ما تفرق من الحط.

[ (4)] في (خ) «بن جرش» و جرش اسم مدينة سبق شرحها اسمها راجع (معجم البلدان) ج 2 ص 127.

[ (5)] الحسك: نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم، ورقه كورق الرّجلة و أدق، و عند ورقه شوك ملزز صلب ذو ثلاث شعب، و له ثمر شربه يفتت حصى الكليتين و المثانة. و كذا شرب عصير ورقه جيد للباءة، و عسر البول و نهش الأفاعي، و رشه في المنزل يقتل البراغيث، و يعمل في مثال شوكه أداة للحرب من حديد أو قصب. فيلقى حول العسكر و يسمى باسمه. (ترتيب القاموس ج 1 ص 641.

22

بعثة خالد بن الوليد على المقدمة

و قدّم (صلى اللَّه عليه و سلم) خالد على مقدّمته، و بعث بالسبي و الغنائم إلى الجعرّانة مع بديل ابن ورقاء الخزاعيّ، و سار إلى الطائف و قد رمّوا حصنهم، و دخل فيه من انهزم من أوطاس، و استعدوا للحرب و أتي (صلى اللَّه عليه و سلم)- في طريقه بليّة [ (1)]- برجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل، فضرب أولياؤه عنقه، و كان أوّل دم أقيد [ (2)] به في الإسلام، و حرّق بليّة [ (3)] قصر مالك بن عوف.

منزل المسلمين بالطائف‏

ثم نزل قريبا من حصن الطائف و عسكر به، فرموا بنبل كثير أصيب به جماعة من المسلمين بجراحة، فحوّل (عليه السلام) أصحابه، و عسكر حيث لا يصيبهم رمي أهل الطائف، و ثار المسلمون إلى الحصن، فقتل يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب ابن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ القرشيّ الأسدي، فظفر أخوه يعقوب بن زمعة بهذيل بن أبي الصّلت، [أخي أميّة بن الصلت‏]. و قال: هذا قاتل أخي! فضرب عنقه، و أقام (صلى اللَّه عليه و سلم) على حصار الطائف ثمانية عشر يوما، و قيل تسعة عشر يوما، و صحح ابن حزم إقامته (عليه السلام) بضع عشرة ليلة و في الصحاح عن أنس بن مالك قال: فحاصرناهم أربعين يوما. يعني ثقيفا.

مصلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

فكان في إقامته يصلّي ركعتين بين قبّتين قد ضربتا لزوجتيه أمّ سلمة و زينب رضي اللَّه عنهما. فلما أسلمت ثقيف، بني أمية بن عمرو بن وهب بن معتّب ابن مالك [ (4)] على مصلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مسجدا، و كان فيه سارية- [فيما

____________

[ (1)] ليّة: من نواحي الطائف مرّ به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حين انصرافه من حنين يريد الطائف (معجم البلدان) ج 5 ص 30.

[ (2)] من القود: و هو القصاص.

[ (3)] في (خ) «و حرق عليه».

[ (4)] كذا في (خ)، (ط)، و اسمه محل خلاف عند أهل السير، ففي (الواقدي) ج 3 ص 927 «أمية ابن عمرو بن وهب» و في (ابن هشام) ج 4 ص 94: «عمرو بن أمية بن وهب» و في (الطبري) ج 3 ص 84 «أبو أمية بن عمرو بن وهب».

23

يزعمون‏] [ (1)]- لا تطلع الشمس عليها [يوما] [ (1)] من الدهر إلا يسمع لها نقيض أكثر من عشر مرار، و كانوا يرون أن ذلك تسبيح [ (2)].

محاصرة حصن الطائف‏

و نصب (صلى اللَّه عليه و سلم) المنجنيق على حصن الطائف، و قد أشار به سلمان الفارسيّ رضي اللَّه عنه، و قد عمله بيده، و قيل: قدم به يزيد بن زمعة و معه دبابتان [ (3)]، و قيل:

قدم به الطّفيل بن عمرو: و قيل: قدم به و بدبابتين خالد بن سعيد من جرش [ (4)] و نثر (صلى اللَّه عليه و سلم) الحسك حول الحصن، و دخل المسلمون تحت الدبابتين، ثم زحفوا [ (5)] بها إلى جدار الحصن ليحفروه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك [ (6)] الحديد محماة بالنار فحرقت الدبابتين- و كانت من جلود البقر- فأصيب من المسلمين جماعة، و خرج من بقي من تحتها فقتلوا بالنبل. فأمر (عليه السلام) بقطع أعنابهم و تحريقها، فقطعها المسلمون قطعا ذريعا.

فنادى سفيان بن عبد اللَّه الثّقفي: يا محمد! لم تقطع أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، و إما أن تدعها [للَّه‏] [ (7)] و للرحم كما زعمت! فقال (عليه السلام): للَّه و للرّحم! و كفّ عنها.

النازلون من حصن الطائف‏

و نادى منادى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أيّما عبد نزل من الحصن و خرج إلينا فهو حر [ (8)]! فخرج بضعة عشر رجلا: أبو بكرة، و المنبعث، و الأزرق [أبو عقبة الأزرق‏]، و وردان، و يحنّس النّبّال، و إبراهيم بن جابر، و يسار، و نافع، و أبو السائب [ (9)]، و مرزوق، فأعتقهم (صلى اللَّه عليه و سلم)، و دفع كلّ رجل منهم إلى رجل من‏

____________

[ (1)] زيادة من الطبري ج 3 ص 84 و ابن هشام ج 4 ص 94.

[ (2)] في (خ) «تسبيحا».

[ (3)] في (خ) «دبابتين».

[ (4)] في (خ) «بن جرش».

[ (5)] في (خ) «رجفوا».

[ (6)] السكة: الحديدة التي يحرث بها الأرض.

[ (7)] زيادة للسياق.

[ (8)] يقول ابن كثير في (البداية و النهاية) ج 4 ص 347: [هذا الحديث تفرد به أحمد و مداره على الحجاج ابن أرطاة و هو ضعيف، و لكن ذهب الإمام أحمد إلى هذا، فعنده أن كل عبد جاء من دار الحرب إلى دار السلام عتق حكما شرعيا مطلقا عاما، و قال آخرون: إنما كان هذا شرطا لا حكما عاما، و لو صح هذا الحديث لكان التشريع العام أظهر كما

في قوله (عليه السلام): «من قتل قتيلا فله سلبه»].

[ (9)] كذا في (ط) و في (خ) «و نافع أبو السائب» و هي رواية (الواقدي) ج 3 ص 931.

24

المسلمين يمونه و يحمله، و أمرهم أن يقرؤهم القرآن و يعلموهم السنن، فشق ذلك على أهل الطائف.

خير هيت و ماتع‏

و كان مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مولى لخالته فاختة بنت عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم، يقال له «ماتع» و آخر يقال «هيت». و كان «ماتع» [ (1)]، يدخل بيوته و يرى أنه لا يفطن لشي‏ء من أمر النساء و لا إربة له، فسمعه و هو يقول لخالد ابن الوليد، [و يقال لعبد اللَّه بن أبي أمية [ (2)] بن المغيرة]: إن افتتح رسول اللَّه الطائف غدا فلا تفلتنّ منك بادية بنت غيلان! فإنّها تقبل بأربع و تدبر بثمان، و إذا جلست تثنت، و إذا تكلّمت تغنّت و إذا اضطجعت تمنّت، و بين رجليها مثل الإناء المكفأ، مع ثغر كأنه الأقحوان [ (3)]،

فقال (عليه السلام):

ألا أرى هذا الخبيث يفطن لما أسمع!! لا يدخلنّ على أحد من نسائكم! و غرّبهما إلى الحمى، فتشكيا الحاجة [ (4)]، فأذن لهما أن ينزلا كل جمعة يسألان ثم يرجعان إلى مكانهما.

فلما توفّي (عليه السلام) و دخلا مع الناس، أخرجهما أبو بكر رضي اللَّه عنه، فلما توفّي [دخلا مع الناس، أخرجهما عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه. فلما توفّي‏] [ (5)] دخلا مع الناس.

____________

[ (1)] يقول (ابن حجر) في (فتح الباري ج 9 ص 334،: «و حكى أبو موسى المديني في كون ماتع لقب هيت أو العكس أو أنهما اثنان خلافا، و جزم الواقدي بالتعدد فإنه قال: كان هيت مولى عبد اللَّه ابن أبي أمية، و كان ماتع مولى فاختة»:

[ (2)] في (خ) «عبد اللَّه بن أمية».

[ (3)] «قال الخطابي: يريد أن لها في بطنها أربع عكن فإذا أقبلت رئيت مواضع بارزة متكسر بعضها على بعض، و إذا أدبرت كانت أطراف هذه العكن الأربع عند منقطع جنبيها ثمانية، و حاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن بحيث يكون لبطنها عكن و ذلك لا يكون إلا للسمينة من النساء، و جرت عادة الرجال غالبا في الرغبة فيمن تكون بتلك الصفة».

(المرجع السابق) ص 335.

و العكنة: ما انطوى و ثني من لحم البطن (ترتيب القاموس ج 3 ص 288).

و الثّغر: الفم و الأسنان.

و الأقحوان: نبت زهره أصفر أو أبيض، ورقه مؤلل كأسنان المنشار، و كثر في الأدب العربيّ تشبيه الأسنان بالأبيض المؤلل منه. (المعجم الوسيط) ج 1 ص 22.

[ (4)] في (خ) «فشكبا».

[ (5)] ما بين القوسين زيادة للسياق من (الواقدي) ج 3 ص 934 بمعناه.

25

خبر خولة بنت حكيم‏

و قالت خولة بنت حكيم بن أمية بن الأوقص السّلميّة امرأة عثمان بن مظعون:

يا رسول اللَّه، أعطني- إن فتح اللَّه عليك [الطائف‏] [ (1)]- حلّى الفارعة بنت الخزاعي [ (2)] أو بادية بنت غيلان. فقال لها: و إن كان لم يؤذن لنا في ثقيف يا خوله! فذكرت ذلك لعمر رضي اللَّه عنه فقال: يا رسول اللَّه! ما حديث حدثتني خولة بنت أنك قلته [ (3)]! قال: و لم يؤذن لك فيهم؟ قال: لا! قال أ فلا أؤذّن في الناس [ (4)] بالرحيل؟ قال: بلى.

أذان عمر بالرحيل عن الطائف‏

فأذّن عمر بالرحيل، فشقّ على المسلمين رحيلهم بغير فتح. و رحلوا، فأمرهم (عليه السلام) أن يقولوا: لا إله إلا اللَّه وحده، صدق وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده فلما استقلوا المسير قال: قولوا آئبون إن شاء اللَّه تائبون عابدون لربنا حامدون [ (5)]. و قيل له لما ظعن: يا رسول اللَّه: أدع اللَّه على ثقيف! فقال:

اللَّهمّ أهد ثقيفا و أت بهم! و كان من استشهد بالطائف أحد عشر رجلا [ (6)].

خبر أبي رهم‏

و سار (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى الجعرانة. فبينا هو يسير- و أبو رهم الغفاريّ إلى جنبه على ناقة له، و في رجليه نعلان غليظتان- إذ زحمت ناقته ناقة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فوقع حرف نعله على ساق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأوجعه فقال: أوجعتني! [أخّر رجلك! و قرع رجله بالسّوط، و قال أبو رهم: فأخذني ما تقدم من أمري و ما تأخر،

____________

[ (1)] زيادة للسياق من (ط).

[ (2)] كذا في (خ)، و (ط)، و (الواقدي) ج 3 ص 935 و في ابن هشام ج 4 ص 95 «الفارعة بنت عقيل».

[ (3)] كذا في (ط)، و في (خ) «حديث خولة ما حدثني ...» و في «الواقدي) ج 3 ص 935 «حدثت خولة ما حدثني أنك قلته». و في (ابن هشام) ج 4 ص 95. «ما حديث حدثتنيه خويلة زعمت أنك قلته؟ قال: قد قلته».

[ (4)] في (خ) «للناس».

[ (5)] (الأذكار للنووي ص 203، باب ما يقول إذا رجع من سفره.

[ (6)] و في (ابن سعد) ج 2 ص 158 «اثنى عشر رجلا».

26

و خشيت أن ينزل فيّ قرآن لعظيم ما صنعت، فلما أصبحنا بالجعرّانة، خرجت أرعي الظّهر- و ما هو يومي- فرقا أن يأتي للنّبيّ (عليه السلام) رسول يطلبني! فلما روّحت الركاب سألت. فقالوا طلبك النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقلت: إحداهنّ و اللَّه [ (1)]!

فجئته و أنا أترقّب. فقال: إنك [أوجعتني‏] [ (2)] برجلك فقرعتك بالسّوط، فخذ هذه الغنم عوضا من [ (3)] ضربتي‏

[قال أبو رهم: فرضاه عنّي كان أحبّ إليّ من الدنيا و ما فيها] [ (4)].

و

حادثة عبد اللَّه بن أبي حدرد [ (5)] الأسلميّ في مسيره، فلصقت ناقته بناقة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فأصاب رجله، فقال:

أخِّ [ (6)]!! أوجعتني! و دفع رجل عبد اللَّه بمحجن في يده، فلما نزل دعاه و قال له: أوجعتك بمحجني البارحة! خذ هذه القطعة من الغنم. فأخذها فوجدها ثمانين شاة ضائنة [ (7)]. و لما أراد أن يركب من قرن [ (8)] راحلته، وطئ له على يدها أبو روعة الجهنيّ، ثم ناوله الزمام بعد ما ركب، فخلّف (عليه السلام) الناقة بالسوط، فأصاب أبا روعة فالتفت إليه و قال: أصابك السوط؟ قال: نعم، بأبي و أمي:

فلمّا نزل الجعرانة صاح: أين أبو روعة! قال: ها أنا ذا! قال خذ هذه الغنم بالذي أصابك من السّوط أمس.

فوجدها عشرين و مائة.

خبر سراقة بن مالك بن جعشم‏

و

لقيه سراقة بن مالك بن جعشم و هو منحدر إلى الجعرانة، فجعل الكتاب الّذي كتبه أبو بكر رضي اللَّه عنه بين إصبعيه و نادى: أنا سراقة، و هذا كتابي! فقال (عليه السلام): هذا يوم وفاء و برّ، فأدنوه منه، فأسلم و ساق إليه الصّدقة.

____________

[ (1)] إحدى الدواهي التي كان يتوقعها.

[ (2)] زيادة للسياق.

[ (3)] في (خ) (عن) و ما أثبتناه من (المغازي) ج 3 ص 939.

[ (4)] زيادة يتم بها الخبر من المرجع السابق.

[ (5)] في (خ) (جدرد)، و التصويب من المرجع السابق.

[ (6)] كذا في (خ)، (ط)، و في (المغازي) أخِّ.

[ (7)] الضأن من الغنم: ذو الصوف و الأنثى ضائنة.

[ (8)] قرن: قال القاضي عياض: «قرن المنازل، و هو قرن الثعالب بسكون الراء: ميقات أهل نجد تلقاء مكة على يوم و ليلة». (معجم البلدان) ج 4 ص 332.

27

و سأله عن الضالة من الإبل تغشى حياضه، و قد ملأها لإبله، فهل له من أجر إن سقاها؟ فقال (عليه السلام): نعم! في كل ذات كبد حرّى [ (1)] أجرا.

هدية رجل من أسلم‏

و اعترض له رجل من أسلم معه غنم فقال يا رسول اللَّه! هذه هدية قد أهديتها لك!- و كان قد أسلم و ساق صدقته إلى بريدة بن الحصيب لما خرج مصدّقا- فقال (صلى اللَّه عليه و سلم): نحن على ظهر كما ترى، فالحقنا بالجعرانة، فخرج يعدو عراض ناقة [ (2)] رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يقول. يا رسول اللَّه! تدركني الصلاة و أنا في عطن الإبل [ (3)]، أ فأصلّى فيه؟ قال: لا! قال: فتدركني و أن في مراح الغنم [ (4)]، أ فأصلي فيه؟ قال: نعم! قال: يا رسول اللَّه! ربما تباعد بنا الماء و مع الرجل زوجته، فيدنو منها؟ قال: نعم! و يتيمم. قال: يا رسول اللَّه! و تكون فينا الحائض؟ قال: تتيمم! فلحقه (عليه السلام) بالجعرانة فأعطاه مائة شاة.

سؤال الأعراب‏

و

جعل الأعراب في طريقه يسألونه [أن يقسم عليهم فيئهم من الإبل و الغنم‏] [ (4)]، و كثّروا عليه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فنزعته [ (5)]، فوقف و هو يقول: أعطوني ردائي! لو كان عدد هذا العضاة نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا و لا جبانا و لا كذّابا.

منزله بالجعرانة

و انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس خلون من ذي القعدة، و السّبي و الغنائم بها محبوسة، و قد اتخذ السّبي حظائر يستظلون بها من الشمس، و كانوا ستة آلاف،

____________

[ (1)] أي في كل روح من الحيوان أجر.

[ (2)] في (خ) (يعدو إعراض ناقته رسول اللَّه)، و ما أثبتناه من (الواقدي) ج 3 ص 942، و معناه كما في النهاية: أي يسير حذاءه معارضا له.

[ (3)] العطن: مبرك الإبل. المراح: الموضع الّذي تروح الماشية إليه ليلا لتبيت فيه.

[ (4)] زيادة للبيان.

[ (5)] في (الواقدي) «فنزعته عن مثل شقة القمر» ج 3 ص 942.

28

و الإبل أربعة و عشرين ألف بعير- فيها اثنا عشر ألف ناقة- و الغنم أربعين ألفا، و قيل أكثر. فأمر بسر [ (1)] بن سفيان الخزاعي يقدم مكة فيشتري للسبي ثيابا يكسوهن، و كساهم كلهم. و استأذنّا (صلى اللَّه عليه و سلم) بالسّبي، و أقام يتربّص أن يقدم وفدهم و كان قد فرّق منه و هو بحنين، فأعطى عبد الرحمن بن عوف امرأة. و أعطى صفوان ابن أميّة، و عليا، و عثمان، و عمر، و جبير بن مطعم، و طلحة بن عبيد اللَّه، و سعد ابن أبي وقاص، و أبا عبيدة بن الجرّاح، و الزبير بن العوام رضي اللَّه عنهم.

عطاء المؤلفة قلوبهم‏

فلما رجع إلى الجعرّانة بدأ بالأموال فقسمها، فأعطى المؤلفة قلوبهم أوّل الناس، و كان مما غنم أربعة آلاف أوقية فضة.

عطاء أبي سفيان‏

فجاء أبو سفيان بن حرب و الفضّة بين يديه، فقال: يا رسول اللَّه! أصبحت أكثر قريش مالا! فتبسّم (عليه السلام)، فقال أبو سفيان: أعطني من هذا يا رسول اللَّه، قال: يا بلال، زن لأبي سفيان أربعين أوقية، و أعطوه مائة من الإبل. قال:

ابني يزيد! قال: زنوا ليزيد أربعين أوقية، و أعطوه مائة من الإبل. قال: ابني معاوية يا رسول اللَّه! قال: زن له يا بلال أربعين أوقية و أعطه مائة من الإبل.

قال أبو سفيان: إنك لكريم فداك أبي و أمّي! و اللَّه لقد حاربتك فنعم المحارب كنت! ثم سالمتك فنعم المسالم أنت.

عطاء حكيم بن حزام‏

و سأل حكيم بن حزام يومئذ من الإبل فأعطاه، ثم سأل مائة فأعطاه، ثم قال [(صلى اللَّه عليه و سلم)‏] [ (2)]: يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة. فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، و من أخذه بإشراف نفس [ (3)] لم يبارك له فيه، و كان كالذي يأكل و لا يشبع، و اليد العليا [ (4)] خير من اليد السّفلى [ (5)]، و ابدأ بمن تعول [ (6)].

فأخذ

____________

[ (1)] في (خ) «بشر» و ما أثبتناه من كتب السيرة.

[ (2)] زيادة للإيضاح.

[ (3)] إشراف النفس: تطلعها إلى المال بحرص و طمع.

[ (4)] اليد العليا: يد المعطي.

[ (5)] اليد السفلى: يد السائل.

[ (6)] أي بمن تجب عليك نفقتهم.

29

حكيم المائة الأولى ثم ترك ما عداها.

عطاء النضير بن الحارث‏

و أعطى النضير بن الحارث بن [علقمة] [ (1)] بن كلدة- أخا النضر ابن الحارث- مائة، و أعطى أسيد بن جارية [ (2)]- حليف بني زهرة- مائة من الإبل، و أعطى العلاء بن جارية خمسين بعيرا، و أعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل، و سعيد بن يربوع خمسين بعيرا، و صفوان بن أميّة مائة بعير.

عطاء صفوان بن أمية

و في صحيح مسلم عن الزّهريّ‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أعطى يومئذ صفوان بن أمية ثلاثمائة من الإبل. و يقال إنه طاف مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يتصفّح الغنائم إذ مرّ بشعب مما أفاء اللَّه عليه، فيه غنم و إبل و رعاؤها مملوء، فأعجب صفوان و جعل ينظر إليه، فقال: أعجبك يا أبا وهب هذا الشّعب؟ قال: نعم! قال: هو لك و ما هو فيه! فقال: أشهد ما طابت بهذا نفس أحد قطّ إلا نبي، و أشهد أنك رسول اللَّه.

عطاء جماعة من المؤلفة قلوبهم‏

و أعطى قيس بن عديّ مائة من الإبل، و أعطى عثمان بن وهب خمسين بعيرا، و أعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل، و أعطى حويطب بن عبد العزى مائة من الإبل، و أعطى هشام بن عمرو خمسين بعيرا، و أعطى الأقرع بن حابس التميميّ مائة من الإبل، و أعطى عيينة بن حصن الفزاري مائة من الإبل، و

أعطى أبا عامر العبّاس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة [ (3)] بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث [ابن يحيى بن الحارث‏] [ (4)] بن بهثة بن سليم [بن منصور السّلميّ‏] [ (4)] دون المائة، فعاتب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في شعر قاله، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) اقطعوا عني لسانه! فأعطوه مائة،

و يقال خمسين بعيرا، و أثبت القولين أن هذا العطاء كان من الخمس.

____________

[ (1)] زيادة من نسبه من (ط).

[ (2)] في (خ) «بن حارثة».

[ (3)] في (خ) «جارية».

[ (4)] زيادة من نسبه من (ط).

30

منع جعيل بن سراقة من العطاء

و قال يومئذ سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه عنه: يا رسول اللَّه، أعطيت عيينة بن حصن و الأقرع بن حابس مائة مائة، و تركت جعيل بن سراقة الضمريّ؟! فقال: أما و الّذي نفسي بيده، لجعيل بن سراقة خير من طلاع [ (1)] الأرض كلها مثل عيينة و الأقرع، و لكني أتألفهما ليسلما، و وكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه.

خبر ذي الخويصرة التميمي‏

و

جلس (صلى اللَّه عليه و سلم) يومئذ، و في ثوب بلال رضي اللَّه عنه فضة يقبّضها للناس على ما أراه اللَّه، فأتي ذو الخويصرة التميمي- (و اسمه حرصوص): فقال: اعدل يا رسول اللَّه! فقال: ويلك! فمن يعدل إذا لم أعدل، قال عمر رضي اللَّه عنه:

ائذن لي أن أضرب عنقه! قال: دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم [ (2)]، و صيامه مع صيامهم [ (2)] و يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّمية [ (3)]: [ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شي‏ء، ثم ينظر إلى رصافة [ (4)] فما يوجد فيه شي‏ء، ثم ينظر إلى نضيه [ (5)]- و هو قدحه- فلا يوجد فيه شي‏ء، ثم‏] ينظر إلى قذذه [ (6)] فلا يوجد فيه شي‏ء [ (7)] قد سبق الفرث [ (8)] و الدّم.

آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر [ (9)] و يخرجون على حين فرقة من الناس [ (10)].

____________

[ (1)] في (خ) «طلائع»، و طلاع الأرض: ملؤها.

[ (2)] في (خ) «صلاته مع صلاته»، «و صيامه مع صيامه».

[ (3)] مرق السهم من الرمية: نفذ فيها و خرج طرفه من الجانب الآخر، و الرمية هي الطريدة التي يرميها الصائد.

[ (4)] الرصاف: قطعة تلوي فوق مدخل سنخ النصل في عود السهم.

[ (5)] النضي: هو من عود السهم.

[ (6)] قذذ السهم: جمع قذه، و هي الريش يكون على السهم. و في (خ) «في قذذ».

[ (7)] كذا في (ط)، و في (خ) «فلا يرى فيه شيئا» و رواية (الواقدي) ج 3 ص 948 «فلا يرى شيئا».

[ (8)] الفرث: ما يكون في كرش الحيوان من طعامه.

[ (9)] تدردر: قال في (النهاية): أي ترجرج، تجي‏ء و تذهب.

[ (10)] راجع (المغازي للواقدي) ج 3 ص 948.

31

مقالة رجل من المنافقين‏

و

قال معتب بن قشير العمريّ يومئذ، و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يعطي تلك العطايا:

إنها لعطايا ما يراد بها وجه اللَّه!! فأخبر عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بذلك فتغير لونه، ثم قال: يرحم اللَّه أخي موسى! قد أوذي بأكثر من هذا فصبر [ (1)].

إحصاء الناس و الغنائم و قسمتها

ثم أمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) زيد بن ثابت رضي اللَّه عنه بإحصاء الناس و الغنائم ثم فضّها [ (2)] على الناس. و كانت سهمانهم: لكل رجل أربع من الإبل و أربعون شاة. و إن كان فارسا أخذ اثنتي عشرة من الإبل أو عشرين و مائة شاة، و إن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له.

وفد هوازن و إسلامهم‏

و قدم وفد هوازن: و هم أربعة عشر رجلا- رأسهم [ (3)] أبو صرد زهير ابن صرد الجشمي السعديّ- قد أسلموا و أخبروا بإسلام من وراءهم من قومه فقال أبو صرد: يا رسول اللَّه، إنّا أصل و عشيرة [ (4)] و قد أصابنا من البلاء ما لا يخفي عليك، إنما في هذه الحظائر عماتك و خالاتك و حواضنك اللاتي كن يكفلنك، و لو أنّا ملحنا [ (5)] للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر. ثم نزل منا أحدهما بمثل الّذي نزلت به، رجونا عطفه و عائدته [ (6)]، و أنت خير المكفولين.

[و في رواية [ (7)] أنه قال: إنما في هذه الحظائر أخواتك و عماتك و بنات عماتك و بنات خالاتك، و أبعدهن قريب منك يا رسول اللَّه! بأبي أنت و أمّي! حضنّك في حجورهنّ، و أرضعتك بثديهنّ و توركنك على أوراكهن! و أنت خير المكفولين‏].

____________

[ (1)] راجع (صحيح البخاري) ج 3 ص 70.

[ (2)] فضها: فرّقها.

[ (3)] في (خ) «و أسهم».

[ (4)] كذا في (ط)، و في (خ) «أصلك و عشيرتك، و هي رواية (الواقدي) ج 3 ص 950.

[ (5)] و لو أنا ملحنا: قال في (النهاية): «أي لو كنا أرضعنا لهما».

[ (6)] العائدة: الفضل.

[ (7)] هي رواية (الواقدي) ج 3 ص 90.

32

امنن علينا رسول اللَّه في كرم‏* * * فإنك المرء نرجوه و ندّخر

امنن على نسوة قد كنت ترضعها* * * إذ فوك يملأه من محضها الدّرر

امنن على نسوة إعتاقها [ (1)] قدر* * * ممزق شملها في دهرها غير

أبقت لما الدّهر هتّافا على حزن‏* * * على قلوبهم الغمّاء و الغمر

اللات [ (2)] إذ كنت طفلا كنت ترضعها* * * و إذ يزينك [ (3)] ما تأتي و ما تذر

إلا تداركها نعماء تنشرها* * * يا أرجح الناس حلما حين يختبر

فألبس العفو من قد كنت ترضعه‏* * * من أمهاتك إن العفو مشتهر

يا خير من مرحت كمت الجياد به‏* * * عند الهياج إذا ما استوقد الشّرر

إنا نؤمّل عفوا منك تلبسه‏* * * هذي البريّة إذ تعفو و تنتصر [ (4)]

فاعف عفا اللَّه عمّا أنت واهبه‏* * * يوم القيامة إذ يهدي لك الظفر

تجعلنا كمن شالت نعامته‏* * * و استبق منا فإنا معشر زهر

إنا لنشكر آلاء و إن قدمت‏* * * و عندنا بعد هذا اليوم مدّخر

جواب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إن أحسن الحديث أصدقه، و عندي ما ترون من المسلمين، فأبناؤكم و نساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ قالوا: يا رسول اللَّه! خيّرتنا بين أحسابنا و أموالنا [ (5)]!! و ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، فردّ علينا أبناءنا و نسائنا. فقال: أمّا ما [كان‏] [ (6)] لي و لبني عبد المطلب فهو لكم، و أسأل لكم الناس. فإذا [أنا] [ (7)] صليت الظّهر بالناس [فقوموا] [ (7)] فقولوا [ (8)]: إنا نستشفع برسول اللَّه إلى المسلمين، و بالمسلمين إلى رسول اللَّه! فإنّي سأقول لكم. ما كان لي و لبني عبد المطلب فهو لكم، و سأطلب لكم إلى الناس.

____________

[ (1)] في (الواقدي) «قد عافها قدر» و ذكرها (السهيليّ) كذا في (الروض الأنف).

[ (2)] في (خ) «اللاتي» و في الواقدي «اللائي» و كلها بمعنى.

[ (3)] في (خ) « «يريبك» و ما أثبتناه من (السهيليّ).

[ (4)] في (خ) «تنتصروا».

[ (5)] كذا في (ط) و في (خ) و (الواقدي) «و بين أموالنا».

[ (6)] زيادة للسياق من (ط).

[ (7)] زيادة للسياق من (ط).

[ (8)] في (خ) « «فقالوا: و ما أثبتناه من (ط) و (الواقدي).

33

رضي المهاجرين و الأنصار و رد غيرهم‏

فلما صلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الظهر بالناس، قاموا فتكلموا بما أمرهم به، فأجابهم بما تقدّم فقال المهاجرون: فما كان لنا فهو لرسول اللَّه! و قالت الأنصار: و ما كان لنا فهو لرسول اللَّه؟ و قال الأقرع بن حابس: أما أنا و بنو تميم فلا! و قال عيينة ابن حصن: أما أنا و فزارة فلا! و قال عباس بن مرداس: أما أنا و بنو سليم فلا:

فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول اللَّه! فقال عباس: وهّنتموني [ (1)].

خطبة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في أمر هوازن‏

ثم قام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الناس خطيبا فقال:

إن هؤلاء القوم جاءوا مسلمين، و قد كنت استأنيت بهم فخيرتهم بين النّساء [ (2)] و الأبناء و الأموال، فلم يعدلوا بالنساء و الأبناء، فمن كان عنده منهن شي‏ء فطابت [ (3)] نفسه أن يردّه فسبيل [ (4)] ذلك، و من أبي منكم و يمسّك بحقه فليرد عليهم، و ليكن فرضا علينا ستّ فرائض من أول ما يفي‏ء اللَّه علينا به! فقالوا: يا رسول اللَّه! رضينا و سلمنا! قال. فمروا عرفاءكم أن يرفعوا ذلك إلينا حتى نعلم فكان زيد بن ثابت على الأنصار يسألهم: هل سلموا و رضوا؟ فخبروه أنهم سلموا و رضوا، و لم يتخلف منهم رجل واحد و بعث عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه إلى المهاجرين يسألهم. فلم يتخلف منهم أحد، و كان أبو رهم الغفاريّ يطوف على قبائل العرب. ثم جمعوا العرفاء و اجتمع الأمناء الذين أرسلهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فاتفقوا على قول واحد: أنهم سلموا و رضوا. و دفع عند ذلك السّبي إليهم. و تمسكت بنو تميم مع الأقرع بن حابس بالسبي، فجعل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الفداء ست فرائض: ثلاث حقاق و ثلاث جذاع [ (5)] و قال يومئذ: لو كان ثابتا [ (6)] على أحد من العرب ولاء أورق لثبت‏

____________

[ (1)] وهنتموني: أضعفتموني.

[ (2)] في (خ) «الشاء»، و ما أثبتناه من (الواقدي) ج 3 ص 952.

[ (3)] في (خ) «فطبت» و ما أثبتناه من (الواقدي) ج 3 ص 952.

[ (4)] كذا في (ط)، و في (خ) «فسبل». و في (الواقدي) «فليرسل».

[ (5)] الحقاق: جمع حقه و هي الناقة التي استكملت السنة الثالثة في شبابها. و الجذاع جمع جذعة، و هي التي استكملت الرابعة و دخلت في الخامسة.

[ (6)] في (خ) « «ثابت».

34

اليوم، و لكن إنما هو إسار أو فدية: و جعل أبا حذيفة العدوي على مقاسم المغنم.

سؤاله عن مالك بن عوف‏

وقال للوفد [ (1)]:

ما فعل مالك بن عوف؟ قالوا: هرب فلحق بحصن الطائف مع ثقيف فقال: إنه إن يأت [ (2)] مسلما رددت إليه أهله و ماله و أعطيته مائة من الإبل.

و كان قد حبس أهل مالك بمكة عند [عمتهم أم عبد اللَّه بهمة [ (3)] ابنة أبي أمية] [ (4)]، و وقف ماله فلم تجر فيه السهام. فلما بلغ ذلك مالكا [ (5)] مر من ثقيف ليلا، و قدم الجعرانة و أسلم، و أخذ أهله و ماله و مائة من الإبل. و يقال: بل قدم على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو بمكة و استعمله على قومه، و عقد له لواء فقاتل أهل الشرك، و أغار على ثقيف و قاتلهم و قتل و غنم كثيرا. و بعث إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالخمس مما يغير عليه: فبعث مرة مائة بعير و مرة ألف شاة.

مقالة الأنصار إذ منعوا العطاء

و لما أعطى رسول اللَّه عطاياه وجد [ (6)] الأنصار في أنفسهم- إذ لم يكن فيهم منها شي‏ء- و كثرت القالة، فقال واحد: لقي رسول اللَّه قومه! أما حين القتال فنحن أصحابه! و أما حين القسم فقومه و عشيرته! و وددنا أنا نعلم ممن كان هذا؟

إن كان هذا من اللَّه صبرنا، و إن كان هذا من رأي رسول اللَّه استعتبناه، فبلغ ذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فغضب غضبا شديدا. و دخل عليه سعد بن عبادة رضي اللَّه عنه فقال له: ما يقول قومك؟ قال: و ما يقولون يا رسول اللَّه؟! فذكر له ما بلغه و قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال يا رسول اللَّه؟! فذكر له ما بلغه و قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال يا رسول اللَّه، ما أن إلا كأحدهم و إنا لنحب أن نعلم من أين هذا؟ قال: فاجمع لي من كان ها هنا من الأنصار.

فلما اجتمعوا، حمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال:

____________

[ (1)] في (خ) «للوقد».

[ (2)] في (خ) «بات»

[ (3)] في (خ) «بهمت».

[ (4)] يقول محقق (ط): «و لم أجد أم عبد اللَّه هذه و لا خبرها»، و نقول: «أم عبد اللَّه هذه و خبرها بتمامه في (المغازي للواقدي) ج 3 ص 955».

[ (5)] في (خ) «مالك».

[ (6)] وجد الأنصار في أنفسهم: غضب الأنصار في أنفسهم.

35

خطبة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

يا معشر الأنصار! مقالة بلغتني عنكم؟ وجدة [ (1)] وجدتموها في أنفسكم، أ لم آتكم ضلّالا فهداكم اللَّه؟ و عالة فأغناكم اللَّه، و أعداء فألف اللَّه بين قلوبكم؟ قالوا:

بلى! اللَّه و رسوله أمنّ و أفضل! قال: أ لا تجيبوني؟ قالوا: و ما ذا نجيبك يا رسول اللَّه؟ قال: أما و اللَّه لو شئتم قلتم فصدقتم: آتيتنا مكذّبا فصدّقناك! و مخذولا فنصرناك، و طريدا فآويناك، و عائلا فآسيناك! [و خائفا فأمّناك‏] [ (2)] وجدتم في أنفسكم يا مشعر الأنصار في شي‏ء من الدّنيا تألّفت به قوما أسلموا و وكلتكم إلى إسلامكم؟ أ لا ترضون يا معشر الأنصار أن تذهب الناس [إلى رحالهم‏] [ (2)] بالشاء و البعير، و ترجعون برسول اللَّه إلى رحالكم؟ و الّذي نفسي بيده، لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، و لو سلك [ (3)] الناس شعبا و سلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار. أكتب لكم بالبحرين كتابا من بعدي تكون لكم خاصة دون الناس؟ قالوا: و ما حاجتنا بعدك يا رسول اللَّه؟ قال: إمّا لا فسترون بعدي أثره، فاصبروا حتى تلقوا اللَّه و رسوله، فإن موعدكم الحوض، و هو كما بين صنعاء و عمان، و آنيته أكثر من عدد النجوم. اللَّهمّ ارحم الأنصار و أبناء الأنصار [ (4)]!! فبكوا حتى أخضلوا لحاهم و قالوا: رضينا برسول اللَّه حظا و قسما. و انصرفوا [ (5)].

مقامة بالجعرانة

و أقام (عليه السلام) بالجعرّانة ثلاث عشرة ليلة. و خرج ليلة الأربعاء لثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة، و أحرم و لبّى حتى استلم الركن. و قيل: لما نظر إلى البيت قطع التلبية، و أناخ راحلته على باب بني شيبة، و طاف فرمل [ (6)] في الأشواط الثلاثة. و لما أكمل طوافه سعى بين الصفا و المروة على راحلته، ثم حلق رأسه عند المروة حلقه أبو هند عند بني بياضة، و قيل حلقه خراش بن أمية. و لم يسق هديا.

ثم عاد إلى الجعرّانة من ليلته، فكان كبائت بها.

____________

[ (1)] وجدة: من الموجدة و هي الغضب.

[ (2)] زيادة من كتب السيرة.

[ (3)] في (خ) «و لو لا سلك».

[ (4)] كذا في (ط)، في (خ)، و (الواقدي) ج 3 ص 958: (و أبناء أبناء الأنصار).

[ (5)] راجع (صحيح البخاري) ج 3 ص 69، 70، 71.

[ (6)] رمل: هرول.

36

مسيره إلى المدينة

و خرج يوم الخميس على سرف إلى مر الظهران، و استعمل على مكة عتّاب ابن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، و خلّف معاذ بن جبل و أبا موسى الأشعري يعلمان الناس القرآن و التفقه في الدين. و

قال لعتاب: أ تدري على من استعملتك؟ قال: اللَّه و رسوله أعلم! قال: استعملتك على أهل اللَّه، بلّغ عني أربعا: لا يصلح شرطان في بيع، و لا بيع و سلف، و لا بيع ما لم يضمن، و لا تأكل ربح ما ليس عندك [ (1)].

خبر الفتح بالمدينة

و كان أول من قدم المدينة بفتح حنين رجلان من بني عبد الأشهل، هما:

الحارث بن أوس، و معاذ بن أوس بن عبيد بن عامر [ (2)]. و قدم (صلى اللَّه عليه و سلم) المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة.

بعثة عمرو بن العاص إلى ابني الجلندي‏

و في هذه السنة- و هي سنة ثمان- بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عمرو بن العاص إلى جيفر و عمرو ابني الجلندي بعمان مصدّقا، فأخذ الصدقة من أغنيائهم و ردها على فقرائهم، و أخذ الجزية من المجوس، و هم كانوا أهل البلد. و قيل: كان ذلك في سنة سبع. و فيها تزوّج (صلى اللَّه عليه و سلم) فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابية ثم فارقها.

مولد إبراهيم (عليه السلام)

فيها ولدت مارية إبراهيم ابن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في ذي الحجة، و فيها أقام عتاب ابن أسيد بالناس الحجّ، و حج الناس على ما كانت عادة العرب تحجّ، و حج ناس‏

____________

[ (1)] (سنن ابن ماجة) ج 2 كتاب التجارات، باب رقم 20 في النهي عن بيع ما ليس عندك و عن ربح ما لم يضمن، حديث رقم 2187، 2188، 2189، ص 737، 738، (المغازي) ج 3 ص 959، و (سنن النسائي) ج 7 ص 288 باب (بيع ما ليس عند البائع).

[ (2)] لم أجد (معاذ بن أوس) هذا في (الإصابة) و لا في (الاستيعاب)، و هكذا هو في (خ).

37

من المشركين على مدّتهم.

فريضة الصدقات و بعثه المصدقين‏

ثم كانت فريضة الصدقات و بعثه المصدّقين لهلال المحرم سنة تسع، فبعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بريدة بن الحصيب بن عبد اللَّه بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح ابن عديّ بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة ابن عمرو بن عامر الأسلمي- إلى أسلم و غفار يصدّقهم. [و يقال: بل بعث كعب بن مالك الأنصاري ... و بعث عبّاد بن بشر الأشهلي إلى سليم و مزينة. و بعث عمرو بن العاص إلى فزارة. و بعث الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب الكلابي إلى بني كلاب، و بعث بسر [ (1)] بن سفيان الكعبي إلى بني كعب. و بعث ابن اللّتبيّة الأزديّ إلى بني ذبيان. و بعث رجلا من بني سعد إلى هذيم على صدقاتهم.

خبر بسر على صدقات بني كعب‏

فحرج بسر [ (1)] بن سفيان على صدقات بني كعب، [و يقال: إنما خرج ساعيا عليهم نعيم بن عبد اللَّه النّحّام العدويّ‏]، فجاء و قد حلّ بنواحيهم من بني تميم:

بنو عمرو بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، و هم يشربون علي غدير لهم بذات الأشظاظ، [و يقال: على عسفان‏]، ثم أمر بجمع مواشي خزاعة ليأخذ منها الصدقة، فحشرت عليه خزاعة الصدقة من كل ناحية، فاستكثرت ذلك بنو تميم، و منعوا المصدّق و شهروا سيوفهم، ففرّ إلى المدينة، و أخبر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بذلك.

خبر خزاعة

و أما خزاعة فإنّها أخرجت التميميين من محالها إلى بلادهم و ندب النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) الناس لحربهم، فانتدب [ (2)] عيينة بن حصن الفزاري، فبعثه في خمسين فارسا ليس فهم مهاجر و لا أنصاريّ. فسار إلى العرج و خرج في آثارهم، حتى وجدهم قد عدلوا من السّقيا يؤمون أرض بني سليم، فلما رأوا الجمع ولوا، و أخذ منهم أحد عشر

____________

[ (1)] في (خ) «بشر».

[ (2)] انتدب: أسرع و بادر.

38

رجلا و إحدى عشر امرأة و ثلاثين صبيا، فجلبهم إلى المدينة فأمر (صلى اللَّه عليه و سلم) بهم فحبسوا في دار رملة بنت الحارث.

وفد بني تميم‏

و قدم وفد بني تميم، و هو عشرة من رؤسائهم: عطارد بن حاجب بن زرارة في سبعين، و الزّبرقان بن بدر بن امرئ القيس بن خلف [ (1)] بن بهدلة بن عوف ابن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم البهدلي التيمي السعدي أبو عياش [ (2)].

[و قيل أبو شذرة]، و قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منفر المنقريّ، و قيس ابن الحارث، و نعيم بن سعد، و عمرو بن الأهتم بن سنان بن خالد بن منفر، و الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، [و الحتات ابن يزيد المجاشعيّ‏] [ (3)]، و رباح بن الحارث بن مجاشع،- [و كان رئيس الوفد:

الأعور بن شامة العنبريّ‏] [ (4)]- و دخلوا المسجد قبل الظّهر، و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في بيت عائشة رضي اللَّه عنها، و قد أذّن بلال و الناس ينتظرون الصلاة فنادوا:

يا محمد! اخرج إلينا! و شهروا أصواتهم فخرج (عليه السلام) و قيل: إنما ناداه رجل واحد: يا محمد إنّ قدحي رين، و إن شتمي شين! و أقام بلال الصلاة، فتعلقوا به يكلّمونه، فوقف معهم مليا؟، ثم مضى فصلى بالناس الظهر: فلما انصرف إلى بيته ركع [ (5)] ركعتين، ثم خرج فجلس.

خطبة عطارد بن حاجب‏

و قدّموا عطارد بن حاجب خطيبهم فقال: الحمد للَّه الّذي له الفضل علينا، و الّذي جعلنا ملوكا، و أعطانا الأموال نفعل فيها المعروف، و جعلنا أعزّ أهل المشرق و أكثرهم مالا و أكثرهم عددا. فمن مثلنا من الناس؟ أ لسنا برءوس الناس و ذوي [ (6)] فضلهم؟ فمن يفاخر. فليعدد مثل ما عددنا. و لو شئنا لأكثرنا من الكلام، و لكنا نستحي من الإكثار فيما أعطانا اللَّه. أقول قولي هذا لأن نؤتي بقول‏

____________

[ (1)] في (خ) «خالد».

[ (2)] في (خ) «أبو هياش».

[ (3)] في (خ) ما بين القوسين ما نصه «و حباب» و ما أثبتناه من كتب السيرة.

[ (4)] زيادة من (ط).

[ (5)] في (خ) «فركع».

[ (6)] في (خ) «و ذي».

39

هو أفضل من قولنا.

جواب ثابت بن قيس‏

فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

لثابت بن قيس: قم فأجب خطيبهم.

فقام- و كان من أجهر الناس صوتا- و ما درى من ذلك بشي‏ء، و لا هيّأ قبل ذلك ما يقول، فقال: الحمد للَّه الّذي السموات و الأرض خلقه، قضي فيهنّ [ (1)] أمره و وسع كلّ شي‏ء علمه، فلم يكن شي‏ء إلا من فضله، ثم كان ما قدّر أن جعلنا ملوكا، اصطفى لنا من خلقه رسولا، أكرمهم نسبا و أحسنهم زيا، و أصدقهم حديثا. أنزل عليه كتابه، و ائتمنه على خلقه، و كان خيرته من عباده، فدعا إلى الإيمان فآمن المهاجرون من قومه و ذوي رحمه [ (2)]: أصبح الناس وجها، و أفضل الناس فعالا. ثم كنا أول الناس إجابة حين [ (3)] دعا رسول اللَّه، فنحن أنصار اللَّه و رسوله، نقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه. فمن آمن باللَّه و رسوله منع منا ماله و دمه، و من كفر باللَّه و رسوله جاهدناه في ذلك، و كان قبله علينا يسيرا، أقول قولي هذا و استغفر اللَّه [لي و لكم و] [ (4)] للمؤمنين و المؤمنات. ثم جلس.

شعر الزبرقان بن بدر

و قالوا: يا رسول اللَّه ائذن لشاعرنا، فأذن له، فأقاموا الزّبرقان بن بدر فقال:

نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا [ (5)]* * * فينا الملوك و فينا تنصب البيع‏

و كم قسرنا [ (6)] من الأحياء كلّهم‏* * * عند النّهاب و فضل الخير يتبع‏

و نحن نطعمهم في القحط ما أكلوا* * * من السّديف إذا لم يؤنس الفزع‏

[ثم ترى النّاس تأتينا سراتهم‏* * * من كلّ أرض هوبا ثم تصطنع‏] [ (7)]

و ننحر الكوم عبطا في أرومتنا* * * للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا

[فلا ترانا إلى حيّ نفاخرهم‏* * * إلا استقادوا، فكاد الرأس يقتطع‏

____________

[ (1)] في (خ) «فيهما».

[ (2)] في (خ) «و ذي رحمة».

[ (3)] في (خ) «حنين».

[ (4)] زيادة من (ابن كثير) و في (خ) و (الواقدي) بدون هذه الزيادة.

[ (5)] في (خ)، (الواقدي) «نحن الملوك فلا حي يقاربنا» و ما أثبتناه من (تاريخ الطبري) ج 3 ص 116.

[ (6)] في (خ) «قرنا» و ما أثبتناه من (الواقدي) ج 3 ص 977.

[ (7)] زيادة من (تاريخ الطبري) ج 3 ص 117.

40

فمن يقادرنا في ذاك نعرفه‏* * * فيرجع القوم و الأخبار تستمع‏] [ (1)]

إنا أبينا و لا يأبى لنا أحد [ (2)]* * * إنا كذلك عند الفخر [ (3)] نرتفع‏

تلك المكارم حزناها [ (4)] مقارعة* * * إذا الكرام على أمثالها اقترعوا

شعر حسان‏

و قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يا حسان! أجبهم.

فقال:

إنّ الذّوائب من فهر و إخوتهم‏* * * قد بينوا [ (5)] سنة للناس تتبّع‏

يرضى بها كلّ من كانت سريرته‏* * * تقوى الإله و بالأمر الّذيشرعوا

قوم إذا حاربوا ضروا عدوّهم‏* * * أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا

سجيّة تلك منهم غير محدثة* * * إن الخلائق فاعلم شرها البدع‏

لا يرقع الناس ما أوهت أكفّهم‏* * * عند الدفاع و لا يوهون ما رقعوا

و لا يضنون عن جار بفضلهم‏* * * و لا ينالهم من مطمع طبع [ (6)]

إن كان في الناس سباقون بعدهم‏* * * فكل سبق الأدنى سبقهم تبع‏

أكرم بقوم رسول اللَّه شيعتهم‏* * * إذا تفرقت الأهواء و الشيع‏

أعفّه ذكرت في الوحي عفتهم‏* * * لا يطمعون و لا يرديهم طمع‏

كأنهم في الوغى و الموت مكتنع‏* * * أسد ببيشة في أرساغها فدع [ (7)]

لا فخر إن هم أصابوا من عدوّهم‏* * * و إن أصيبوا فلا خور و لا جزع [ (8)]

إذا نصبنا لحيّ [ (9)] لم ندبّ لهم‏* * * كما يدبّ إلى الوحشيّة الدّرع‏

____________

[ (1)] زيادة من (تاريخ الطبري) ج 3 ص 117.

[ (2)] في (خ) « «إذا أتتنا فلا يناما أحد».

[ (3)] في (خ) «الفجر».

[ (4)] في (خ) «خرناها».

[ (5)] في (خ) «قد شرعوا» و ما أثبتناه من (ديوان حسان) ص 238.

[ (6)] في (خ) « «طبعوا» و ما أثبتناه من (الديوان) ص 238. و في (ابن هشام و تاريخ الطبري):

لا يبخلون على جار بفضلهم‏* * * و لا يمسهم من مطمع طبع‏

[ (7)] في (خ) «فرع».

[ (8)] في (خ) «لا فرح إن أصابوا في عدوهم» و ما أثبتناه من (الديوان) ص 239 و رواية (الواقدي) «لا يفخرون إذا نالوا عدوهم» ج 3 ص 978.

[ (9)] في (خ) «و إن أصبنا» و ما أثبتناه من (الواقدي) ج 3 ص 978.

41

نسمو إلى الحرب نالتنا مخالبها* * * إذا الزعانف من أظفارها خشعوا [ (1)]

خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا* * * و لا يكن همّك الأمر الّذي منعوا [ (2)]

فإن في حربهم فاترك عداوتهم‏* * * سمّا غريضا عليه الصاب و السّلع‏

أهدى لهم مدحه قلب يؤازره‏* * * فيما أحبّ لسان حائك صنع‏

فإنّهم أفضل [ (3)] الأحياء كلهم‏* * * إن جدّ بالناس جدّ لقول أو شمعوا [ (4)]

فسرّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و المسلمون بمقام ثابت و حسّان، و خلا الوفد فقالوا:

إن هذا الرّجل مؤيد مصنوع له- [و في رواية: إن هذا الرجل لمؤتّى له‏]- و اللَّه لخطيبه أخطب من خطيبنا، و لشاعره أشعر من شاعرنا، و لهو أحلم منا! فأسلموا، و كان الأقرع [بن حابس‏] [ (5)] أسلم قبل ذلك.

ما نزل من القرآن في وفد بني تميم‏

و فيهم نزل قول اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ* إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى‏ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ* إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ* وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ [ (6)].

رد أسرى بني تميم‏

فرد عليهم (صلى اللَّه عليه و سلم) الأسرى و السبي. و يقال: سألوه أن يحسن إليهم في سبيهم، فقال لسمرة بن عمرو: هذا يحكم بيننا و بينكم! فقالوا: عمه فينا و هو أفضل منه!

____________

[ (1)] في (خ) «من أطرافها خشع» و هي رواية الواقدي، و ما أثبتناه من (الديوان).

[ (2)] في (خ) «الّذي منه» و التصويب من (الديوان).

[ (3)] في (خ) «فإن أفضل» و ما أثبتناه من (الديوان).

[ (4)] في (ط) «أو سمعوا» و صوابها «شمعوا» بالشين المعجمة و هي رواية (خ)، (الواقدي).

و معنى شمعوا: أي هزلوا، و أصل الشمع الطرب و اللهو.

[ (5)] زيادة للإيضاح من (ط).

[ (6)] الآيات 2- 5 من سورة الحجرات، و في (خ) فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ... الآية.

42

فأبي النبي (صلى اللَّه عليه و سلم). فحكم سمرة أن يمنّ على الشطر و يفدوا الشطر، ففعل.

رئيس وفد بني تميم‏

كان رئيسهم الأعور بن بشامة العنبري، و كانت أخته صفية سبيت، فعرض النبيّ عليها نفسه فاختارت زوجها، فردها. و قام عمرو بن الأهتم يومئذ يهجو قيس ابن عاصم، و

قد أجازهم النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) كما كان يجيز الوفود إذا قدموا عليه، و قال:

هل بقي منكم من لم نجزه؟ فقالوا: غلام في الرّحل. فقال: أرسلوه نجزه! فقال قيس بن عاصم: إنه غلام لا شرف له! فقال: و إن كان، فإنه وافد و له حق!!

فقال عمرو [ (1)] شعرا يريد به قيسا. و كانت جوائزهم على يد بلال رضي اللَّه عنه:

لكل واحد ثنتي عشر أوقية و نصف، و لغلام هو أصغرهم خمس أواقي.

بعثة الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق‏

ثم‏

كانت بعثة الوليد بن عقبة [بن أبي معيط] [ (2)] إلى بني المصطلق ليأخذ صدقاتهم، فخرجوا يلقونه بالجزر و الغنم فرحا به، فولّي راجعا إلى المدينة، و أخبر أنهم يلقونه بالسلاح ليحولوا بينه و بين الصدقة. فبلغهم ذلك عنه، فقدم وفدهم و قالوا: يا رسول! سل هل ناطقنا أو كلمنا؟ فنزلت فيه:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏

[ (3)]، فقرأها عليهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قال: من تحبون أن أبعث إليكم؟

قالوا: عبّاد بن بشر، فخرج معهم يقرئهم القرآن و يعلمهم شرائع الإسلام، و قد قال له: خذ صدقات أموالهم، توقّ كرائم أموالهم. فأقام عندهم عشرا ثم انصرف راضيا.

سرية قطبة بن عامر إلى خثعم‏

و كانت سرية قطبة بن عامر إلى خثعم في صفر سن تسع، فخرج في عشرين رجلا معهم عشرة أبعرة يتعقبوها، [فأخذوا رجلا فسألوه فاستعجم عليهم، فجعل يصيح بالحاضر و يحذرهم. فضربوا عنقه، ثم أمهلوا حتى نام الحاضر فشنّوا عليهم الغارة، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعا: و قتل قطبة

____________

[ (1)] في (خ) «عمر».

[ (2)] زيادة للبيان من (ط).

[ (3)] الآية 6/ الحجرات.

43

ابن عامر من قتل، و ساقوا النعم و الشاء و النساء إلى المدينة: و جاء سيل أتيّ [ (1)] فحال بينهم و بينه، فما يجدون إليه سبيلا. و كانت سهمانهم أربعة أبعرة أربعة أبعرة، و البعير يعدل بعشر من الغنم بعد أن أخرج الخمس‏] [ (2)].

سرية الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب‏

و كانت سرية الضحاك بن سفيان [ (3)] بن عوف بن أبي بكر بن كلاب الكلابيّ إلى بني كلاب، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلهم بمن معه و هزمهم [ (4)] و ذلك في ربيع الأوّل.

كتاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى بني حارثة بن عمرو

و

كتب (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى بني حارثة بن عمرو بن قريظ يدعوهم إلى الإسلام مع عبد اللَّه ابن عوسجة من غرينة [ (5)]، مستهلّ ربيع الأول، فأخذوا [ (6)] الصحيفة فغسلوها و رقعوا بها دلوهم، و أبوا أن يجيبوا، فقال (صلى اللَّه عليه و سلم)- لما بلغه ما لهم ذلك-: ما لم؟

أذهب اللَّه عقولهم! فصاروا أهل رعدة و عجلة و كلام مختلط، و أهل سفه.

و قدم وفد بليّ في ربيع الأول هذا، فنزلوا على رويفع [بن ثابت‏] [ (7)] البلويّ.

خبر رعية السحيمي‏

قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبيد اللَّه بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الشّعبي: أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كتب إلى رعية السّحيمي بكتاب، فأخذ الكتاب فرقع به دلوه. فبعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سرية فأخذوا أهله و ماله، و أفلت رعية- على فرس له- عريانا ليس عليه شي‏ء فأتى ابنته- و كانت‏

____________

[ (1)] السيل الأتي الّذي لا يدرى من أين أتي!!

[ (2)] ما بين القوسين زيادة لتمام الخبر من (ابن سعد) ج 2 ص 162.

[ (3)] في (خ) «إلى سفيان».

[ (4)] في (خ) «و هربهم».

[ (5)] في (خ) «بن عرينة».

[ (6)] في (خ) «فأخذ» و ما أثبتناه من (الواقدي) ج 3 ص 982.

[ (7)] زياد للإيضاح من (ط).

44

متزوّجة في بني هلال، و كانوا أسلموا فأسلمت معهم، و كانوا دعوه إلى الإسلام [فأبى‏] [ (1)]- و كان مجلس القوم بفناء بيتها، فأتى البيت من وراء ظهره. فلما رأته ابنته عريانا ألقت عليه ثوبا و قالت: مالك؟ قال كلّ الشرّ! ما ترك لي أهل و لا مال! أين بعلك؟ قالت: في الإبل! فأتاه فأخبره، فقال: خذ راحلتي برحلها، و نزودك من اللبن: قال: لا حاجة لي فيه، و لكن أعطني قعود [ (2)] الرّاعي و إدواة من ماء [ (3)]، فإنّي أبادر محمدا لا يقسم أهلي و مالي! فانطلق و عليه ثوب: إذا غطى به رأسه خرجت استه، و إذا غطى استه خرج رأسه. فانطلق حتى دخل المدينة ليلا، فكان بحذاء [ (4)] رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

فلما صلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الفجر، قال له: يا رسول اللَّه! أبسط يدك لأبايعك! فبسط رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلما ذهب رعية ليمسح عليها، قبضها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم قال له رعية: يا رسول اللَّه! أبسط يدك، قال: و من أنت؟ قال رعية السحيميّ! قال: فأخذ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعضده فرفعه [ (5)] ثم قال: أيها الناس! هذا رعية السحيمي الّذي كتبت إليه فأخذ كتابي فرقع بها دلوه!! أسلم، ثم قال: يا رسول اللَّه! أهلي و مالي! فقال: أما مالك فقد قسم بين المسلمين، و أما أهلك فانظر من قدرت عليه منهم! قال [رعية] [ (6)]، فخرجت فإذا ابن لي قد عرف الراحلة، و إذا هو قائم عندها، فأتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلت: هذا ابني! فأرسل معى بلالا فقال: انطلق معه فسله: أبوك هو؟ فإن قال نعم، فادفعه إليه، قال [رعية] [ (7)]: فأتاه بلال فقال: أبوك هو؟ قال: نعم، فدفعه إليه. قال: فأتي بلال رضي اللَّه عنه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: و اللَّه ما رأيت واحدا منه مستعبرا إلى صاحبه! فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

ذلك جفاء الأعراب!

و قال أبو عمر بن عبد البر رعية السّحيميّ، [و يقال: الرّبعي، و يقال العرنيّ و هو الصواب. يروي أنه من سحيمة عرينة] كتب إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قطعة أدم،

____________

[ (1)] في (خ) بعد قوله «دعوه إلى الإسلام» ما نصه: «فأتي ابنته»، و ما أثبتناه من (ط).

[ (2)] القعود في الإبل: ما يتخذه الراعي للركوب و حمل متاعه و زاده.

[ (3)] الإداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء.

[ (4)] في (خ) «بجدار».

[ (5)] في (خ) «فرفعها».

[ (6)] زيادة للسياق و الإيضاح من (ط).

[ (7)] زيادة للبيان و الإيضاح من (ط).

45

فرقع دلوه بكتاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقالت له [ابنته‏] [ (1)] ما أراك إلا ستصيبك قارعة! عمدت إلى كتاب سيد العرب فرقعت به [ (2)] دلوك؟ [و كانت ابنته قد تزوجت في بني هلال و أسلمت‏] [ (3)]، و

بعث إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خيلا.

فأخذوا أهله و ماله و ولده [و نجا هو عريانا] [ (3)]، فأسلم. و قدم علي النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: أغير على أهلي و مالي و ولدي! فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أما المال فقد اقتسم، و لو أدركته قبل أن يقسم كنت أحق به! و أما الولد، فاذهب معه يا بلال، فإن عرفه [ (4)] ولده فادفعه إليه، فذهب معه فأراه إياه، فقال لابنه، تعرفه؟ قال:

نعم! فدفعه إليه.

سرية علقمة بن مجزر إلى الشعيبة

ثم كانت سرية علقمة بن مجزر المدلجي في ربيع الآخر- في ثلاثمائة رجل- إلى ساحل البحر بناحية مكة و قد تراءى أهل [ (5)] الشعيبة ناسا من الحبشة في مراكب.

[فانتهى علقمة و أصحابه إلى جزيرة في البحر، و قد خاض إليهم البحر] [ (6)]، ففروا منه، فرجع. و استأذنه بعض جيشه في الانصراف فأذن لهم. و أمّر عليهم عبد اللَّه ابن حذافة السّهميّ- و كانت فيه دعابة- فأمر أصحابه أن يتواثبوا في نار [ (7)] لهم، فلما أرادوا ذلك قال: إنما كنت أضحك معكم! فلما ذكر ذلك لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

فقال:

من أمركم بمعصية فلا تطيعوه.

سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس صنم طيِّئ‏

ثم كانت سرية علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه إلى الفلس- صنم طيِّئ- ليهدمه، في ربيع الآخر، في خمسين و مائة رجل من وجوه الأنصار، على مائة بعير و خمسين فرسا، حتى أغاروا على أحياء من العرب، و شنوا الغارة مع الفجر على‏

____________

[ (1)] زيادة من (الاستيعاب) ج 3 ص 303.

[ (2)] في (خ) «رقعت به».

[ (3)] زيادة من (ط) نقلها عن (أسد الغابة).

[ (4)] في (خ) «فإن عرف والده» هو فاسد المعنى.

[ (5)] في (خ) «يراما» و في (ابن سعد ج 2 ص 163 «تراءاهم أهل جدّة».

[ (6)] زيادة من (ط) لتمام المعنى.

[ (7)] في (خ) «على نار» و ما أثبتناه حق السياق.

46

محلة آل حاتم، فسبوا حتى ملئوا أيديهم من السّبي و النعم و الشاء. و هدم عليّ رضي اللَّه عنه الفلس صنم طيِّئ و خرّب، ثم عاد. و كانت رايته سوداء، و لواؤه أبيض، و يحمل الراية سهل بن حنيف، و اللواء جبّار بن صخر السّلمي، و دليله حريث من بني أسد. و كان فيمن سبي سفّانة بنت حاتم الجواد بن عبد اللَّه بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن نثل بن جرول بن عمرو بن الغوث بن طيِّئ، و من [ (1)] أسر أسلم، و وجد في بيت الفلس ثلاثة أسياف:

رسوب و المخذم [ (2)] و اليماني و ثلاثة أدراع. و استعمل على السبي أبا قتادة، و على الماشية و الرّثّة [ (3)] عبد اللَّه بن عتيك. و قسم السبي و الغنائم إلا آل حاتم فإنه قدم بهم المدينة، و بالخمس مما غنموا، و بالأسياف الثلاثة صفيّا لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

خبر سفانة بنت حاتم الطائي‏

فنزلت [سفّانة بنت حاتم‏] [ (4)] أخت عدي بدار رملة بنت الحارث. و كان عديّ بن حاتم قد فرّ- لما سمع بحركة عليّ رضي اللَّه عنه- إلى الشام،

فكانت أخت عدي إذا مرّ النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) تقول: يا رسول اللَّه! صلى اللَّه عليك و سلّم! هلك الوالد و غاب الوافد فامنن علينا منّ اللَّه عليك! فيسألها: من وافدك؟ فتقول: عدي ابن حاتم! فيقول: الفارّ من اللَّه و رسوله؟! حتى يئست. فلما كان اليوم الرابع مرّ [ (5)]، فأشار إليها عليّ رضي اللَّه عنه: قومي فكلميه؟ فكلمته فخلى عنها و وصلها

أخاها عدي بن حاتم- و قد لحق بالشأم- فحسنت له أن يأتي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقدم المدينة و أسلم، و له في إسلامه قصة.

موت النجاشي‏

و في رجب سنة تسع نعي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) النجاشيّ للمسلمين، و صلى عليه بمن معه في اليوم الّذي مات فيه، على بعد ما بين الحجاز و أرض الحبشة، فكان ذلك علما [ (6)] من أعلام النبوة كبيرا [ (6)].

____________

[ (1)] في (خ) «و ممن».

[ (2)] في (خ) «و المحرم».

[ (3)] الرثة: المتاع، و هي في (خ) «و الورثة».

[ (4)] زيادة للإيضاح من (ط).

[ (5)] في (خ) «مر يتكلم».

[ (6)] في (خ) «علم»، «كبير».

47

غزوة تبوك‏

ثم كانت غزوة تبوك- و تسمي غزوة العسرة [ (1)]- في غرة رجب، و سببها أن أخبار الشأم كانت بالمدينة عند المسلمين، لكثرة من يقدم من الأنباط بالدّرمك [ (2)] و الزيت، فذكروا أن الرّوم قد جمعت جموعا كثيرة [ (3)] بالشأم، و أن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، و أقبلت مع لخم و جذام [ (4)] و غسّان و عاملة، و زحفوا، و قدموا مقدّماتهم إلى البلقاء و عسكروا بها، و تخلف هرقل بحمص.

و لم يكن ذلك، إنما ذلك شي‏ء قيل لهم فقالوه.

الخبر عن الغزو و البعثة إلى القبائل‏

و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لا يغزو غزوة إلا ورّى بغيرها- لئلا تذهب الأخبار بأنه يريد كذا و كذا- حتى كانت غزوة تبوك فغزاها في حرّ شديد. و استقبل سفرا بعيدا، و عددا كثيرا، فجلى [ (5)] للناس أمرهم ليتأهّبوا لذلك أهبته، و أخبرهم بالوجه الّذي يريد. و بعث إلى القبائل و إلى مكة يستنفرهم إلى عدوهم. فبعث بريدة ابن الحصيب و أمره أن يبلغ الفرع، و بعث أبا رهم الغفاريّ إلى قومه، و أبا واقد اللّيثيّ إلى قومه، و أبا جعدة الضّمريّ إلى قومه بالساحل، و رافع بن مكيث ابن جندب بن جنادة إلى جهينة، و نعيم بن مسعود إلى أشجع، و بديل بن ورقاء و عمرو بن سالم و بسر بن سفيان إلى بني كعب بن عمرو، و العباس بن مرداس إلى بني سليم. و حضّ على الجهاد و رغّب فيه.

صدقات المسلمين للغزو

و أمر بالصدقة فحملت صدقات كثيرة. و

أول من حمل صدقته أبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه، جاء بماله كله أربعة آلاف درهم، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). هل أبقيت شيئا؟ قال: اللَّه و رسوله! و جاء عمر رضي اللَّه عنه بنصف ماله، فقال‏

____________

[ (1)] في (خ) «العشرة».

[ (2)] الدرمك: الدقيق الأبيض الجيد الخالص.

[ (3)] في (خ) «كبيرة».

[ (4)] في (خ) «خدام».

[ (5)] في (خ) «و حكى»، و جلّي الأمر: أظهره و أبانه.

48

له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هل أبقيت شيئا؟ قال: نعم، نصف مالي ما جئت به. و بلغ عمر ما جاء به أبو بكر رضي اللَّه عنه فقال: ما استبقنا إلى خير إلا سبقني إليه.

و حمل العباس بن عبد المطلب رضي اللَّه عنه مالا يقال إنه تسعون ألفا. و حمل طلحة ابن عبيد اللَّه مالا. و حمل عبد الرحمن بن عوف مائتي أوقية. و حمل سعد بن عبادة و محمد بن مسلمة [ (1)] مالا. و تصدق عاصم بن عديّ بتسعين وسقا [ (2)] تمرا، و جهز عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه ثلث ذلك الجيش، فكان من أكثرهم نفقة، حتى كفي ثلث ذلك الجيش مؤنتهم، حتى إن كان ليقال: ما بقيت له حاجة!! فجاء بألف دينار ففرغها في حجر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فجعل يقلبها و يقول (صلى اللَّه عليه و سلم): ما ضرّ عثمان ما فعل بعد هذا اليوم! قالها مرارا.

و رغب (عليه السلام) أهل الغني في الخير و المعروف، فتبادر المسلمون في ذلك، حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل و الرجلين و يقول: هذا البعير بينكما تعتقبانه، و يأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج.

صدقات النساء

و أتت النساء بكل ما قدرن عليه، فكن يلقين- في ثوب مبسوط بين يدي النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- المسك، و المعاضد و الخلاخل، و الأقرطة، و الخواتيم، و الخدمات [ (3)].

و كان الناس في حر [ (4)] شديد، و حين طابت الثمار، و أحبّت الظلال، و الناس يحبون المقام و يكرهون الشخوص عنها. و أخذ (صلى اللَّه عليه و سلم) الناس بالجد و عسكر بثنية الوداع، و الناس كثير لا يجمعهم كتاب.

خبر المخلفين‏

و

قال (صلى اللَّه عليه و سلم) للجدّ بن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عديّ ابن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري: أبا وهب! هل لك العام تخرج معنا لعلك تحتقب من بنات الأصفر [ (5)]! قال أو تأذن لي و لا تفتنّي؟ فو اللَّه لقد عرف قومي ما أحد أشدّ عجبا بالنساء منّي، و إني لأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا

____________

[ (1)] في (خ) «بن سلمة».

[ (2)] في (خ) «و ستا».

[ (3)] سبق شرح معاني هذه الألفاظ.

[ (4)] في (خ) «في عسر شديد».

[ (5)] بنات الأصفر: بنات الروم الكاثوليك.

49

أصبر عنهنّ. فقال: قد أذنت لك! فجعل يثبط قومه و يقول: لا تنفروا في الحرّ.

فنزل فيه قوله تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ* فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ [ (1)].

و قوله تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ‏ [ (2)].

البكاءون‏

و

جاء البكاءون- و هم سبعة: أبو ليلى المازنيّ، و سلمة بن صخر الزّرقيّ، و ثعلبة بن غنمة السّلمي، و علبة بن زيد الحارثي، و العرباض بن سارية السّلمي، و هرمي بن عمر المزني و سالم بن عمير. [و قيل: و إن فيهم عبد اللَّه بن المغفّل و معقل ابن يسار. و قيل: البكاءون بنو مقرّن السّيمة، و هم من مزينة]- يستحملون رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كانوا أهل حاجة فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فولّوا يبكون [ (3)]

فلقي اثنان منهم يامين بن عمير بن كعب [بن عمر بن عمرو بن جحاش النضري‏] [ (4)] فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، و ليس عندنا ما تتقوى [ (5)] به على الخروج، و نحن نكره أن تفوتنا غزوة مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). فأعطاهما ناضحا له [ (6)] فارتحلاه، و زوّد كلّ واحد صاعين من تمر. و حمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين، و حمل عثمان ابن عفان منهم ثلاثة.

النهي عن خروج أصحاب الضعف‏

وقال (صلى اللَّه عليه و سلم):

لا يخرجنّ معنا إلا مقو [ (7)]. فخرج رجل على بكر صعب [ (8)]

____________

[ (1)] الآيتين 81- 82 التوبة، و في (خ) ... وَ قالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، الآية.

[ (2)] الآية 49/ التوبة، و في (خ) «... و لا تفتنّي، الآية».

[ (3)] خبر البكاءين في سورة التوبة، الآية 90 و ما بعدها.

[ (4)] في (خ) «مكان ما بين القوسين «بن عمرو بن جحاش النضري»، و ما أثبتناه من (ط).

[ (5)] في (خ) «تقوى».

[ (6)] الناضح: البعير الّذي يحمل عليه الماء.

[ (7)] في (خ) «نقوى»، يقال: رجل مقو: أي: ذو دابة قوية.

[ (8)] الصعب: الّذي لا ينقاد.

50

فصرعه بالسويداء، فقال الناس: الشهيد!! فبعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مناديا ينادي: لا يدخل الجنة إلا مؤمن- [و إلا نفس مؤمنة]-، و لا يدخل الجنة عاص.

المنافقون‏

و جاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من غير علة فأذن لهم، و هم بضعة و ثمانون رجلا. و جاء المعذرون [ (1)] من الأعراب فاعتذروا و هم نفر من بني غفار فيهم خفاف بن إيماء بن رحضة، اثنان و ثمانون رجلا فلم يعذرهم اللَّه، و جاء عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول بعسكره- معه حلفاؤه من اليهود و المنافقين- فضربه على ثنية الوداع. فكان يقال: ليس عسكر ابن أبيّ بأقل العسكرين.

و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يستخلف على العسكر أبا بكر رضي اللَّه عنه، فلما أجمع المسير استخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاريّ، [و قيل محمد ابن مسلمة].

تخليف علي بن أبي طالب‏

و

خلف علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه علي أهله، فقال المنافقون: ما خلفه إلا استقلالا له! فأخذ سلاحه و لحق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالجرف و أخبره ما قالوا، فقال: كذبوا! إنما خلّفتك لما ورائي! فارجع فاخلفني في أهلي و أهلك، أ ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبيّ بعدي، فرجع.

الأمر بحمل النعال‏

و سار (عليه السلام) و قال:

استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبا ما دام منعلا.

تخلف المنافقين‏

فلما سار تخلف ابن أبيّ فيمن تخلف من المنافقين و قال: يغزو محمد بني‏

____________

[ (1)] المعذرون: الذين يعتذرون، و لا عذر لهم على الحقيقة.

51

الأصفر- مع جهد الحال و الحر و البلد البعيد- إلى مالا قبل له به؟! يحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟! و نافق بمن معه ممن هو على مثل رأيه، ثم قال: و اللَّه لكأنّي انظر إلى أصحابه غدا مقرنين في الحبال.

الألوية

فلما رحل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من ثنيّة الوداع عقد الألوية و الرايات. فدفع لواءه الأعظم إلى أبي بكر رضي اللَّه عنه، و رايته العظمي إلى الزبير، و راية الأوس إلى أسيد بن الحضير، و لواء الخزرج إلى أبي دجانة، [و يقال: إلى الحباب بن المنذر ابن الجموح‏]، و أمر كل بطن من الأنصار و القبائل من العرب أن يتخذوا لواء أو راية.

خبر العبد المملوك‏

فلقيه عبد لامرأة من بني ضمرة و هو متسلح، فقال: أقاتل معك يا رسول اللَّه؟ فقال: و ما أنت؟ قال، مملوك لامرأة من بني ضمرة سيئة الملكة [ (1)] فقال:

ارجع إلى سيّدتك! لا تقتل معي فتدخل النار!!

عدة المسلمين‏

و سار معه ثلاثون ألفا، و عشرة آلاف فرس، و اثنا عشر ألف بعير. و قال أبو زرعة: كانوا سبعين ألفا. و في رواية: أربعين ألفا.

تخلف نفر من المسلمين‏

و تخلف نفر من المسلمين أبطأت بهم النية من غير شك و لا ارتياب، منهم:

كعب بن مالك بن أبي كعب عمرو بن القين [ (2)] بن كعب بن سواد بن غنم ابن كعب بن سلمة الأنصاريّ، و هلال بن أمية الواقفيّ، و أبو خيثمة عبد اللَّه ابن خيثمة السالميّ، و مرارة بن الربيع العمري، ثم إن أبا خيثمة أدرك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بتبوك.

____________

[ (1)] و

في الحديث: «لا يدخل الجنة سيّئ الملكة»

أي الّذي يسي‏ء صحبة مماليكه و عبيده.

[ (2)] في (خ) «القيس».

52

و كان دليله (عليه السلام) علقمة بن الغفواء [ (1)] الخزاعي. و جمع- من يوم نزل ذا خشب- بين الظهر و العصر في منزله: يؤخر الظهر حتى يبرد و يعجّل العصر، ثم يجمع بينهما. فكان ذلك فعله حتى رجع من تبوك.

المتخلفون‏

و

لما مضى من ثنية الوداع، جعل يتخلف عنه قوم، فيقولون: يا رسول اللَّه! تخلف فلان! فيقول: دعوه! فإن يك فيه خير فيلحقه اللَّه بكم، و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللَّه منه.

و خرج معه ناس من المنافقين كثير، لم يخرجوا إلا رجاء الغنيمة.

خبر أبي ذر

و

أبطأ أبو ذر رضي اللَّه عنه من أجل بعيره: كان نضوا أعجف [ (2)]، ثم عجز فتركه و حمل متاعه على ظهره: و سار ماشيا في حر شديد و حده، حتى لحق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نصف النهار و قد بلغ منه العطش، فقال له: مرحبا بأبي ذر! يمشي وحده، و يموت وحده، و يبعث وحده! ما خلفك؟ فأخبره خبر بعيره، فقال:

إن كنت لمن أعزّ أهلي عليّ تخلّفا! لقد غفر اللَّه لك بكلّ خطوة ذنبا إلى أن بلغتني.

خبر أبي رهم‏

و

سايره أبو رهم- كلثوم بن الحصين الغفاريّ- ليلة فألقى عليه النّعاس، فزاحمت عليه راحلته راحلة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- و رجله في الغرز- فما استيقظ إلا بقوله: حسّ [ (3)]! فقال: يا رسول اللَّه، استغفر لي، فقال: سر! و جعل يسأله عمّن تخلّف من بني غفار و يخبره، فقال: ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل علي بعيره رجلا نشيطا في سبيل للَّه ممّن يخرج معنا، فيكون له مثل أجر الخارج! إن كان لمن أعزّ أهلي عليّ أن يتخلف عنّي: المهاجرون من قريش و الأنصار و غفار و أسلم.

____________

[ (1)] في (خ) «الغفراء». لم أجده فيمن اسمه علقمة و أثبتناه من المغازي ص 999.

[ (2)] النضو: الأعجف: الّذي أهزلته الأسفار و أذهب الجوع سمنه.

[ (3)] كلمة تقال للتوجع.