إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج10

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
382 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

فصل في ذكر من كان من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بمنزله صاحب الشرطة من الأمير [ (1)]

خرج البخاري في كتاب الأحكام من حديث محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، قال: حدثني أبى عن ثمامة، عن أنس بن مالك رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه، قال: إن قيس بن سعد كان يكون بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، ذكره في باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الّذي فوقه [ (2)].

و خرجه الترمذي [ (3)] في كتاب المناقب بهذا السند، و لفظه عن أنس رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه، قال: كان قيس بن سعد، من النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. قال الأنصاري: يعنى مما يلي من أموره. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الأنصاري [حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري نحوه، و لم يذكر فيه قول الأنصاري‏] [ (4)].

____________

[ (1)] الشرطة في السلطان: من العلامة و الإعداد، و رجل شرطي و شرطي: منسوب إلى الشرطة، و الجمع شرط، سموا بذلك لأنهم أعدوا لذلك و أعلموا أنفسهم بعلامات. و قيل: هم أول كتيبة تشهد الحرب و تتهيأ للموت. (لسان العرب): 7/ 330.

[ (2)] (فتح الباري): 13/ 167، كتاب الأحكام، باب (12) الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الّذي فوقه، حديث رقم (7155).

قال الحافظ في (الفتح): و في الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده، لأن صاحب الشرطة لم يكن موجودا في العهد النبوي عند أحد من العمال، و إنما حدث في دولة بنى أمية، فأراد أنس تقريب حال قيس عند السامعين فشبهه بما يعهدونه.

[ (3)] (سنن الترمذي): 5/ 647- 648، كتاب المناقب، باب (52) في مناقب قيس بن سعد بن عبادة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه، حديث رقم (3850).

[ (4)] زيادة للسياق من (سنن الترمذي).

4

و خرج الحاكم من حديث محمد بن إسحاق الصغاني، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبى، قال: سمعت منصور بن زاذان يحدث عن ميمون بن أبى شبيب عن قيس بن سعد بن عبادة [قال‏]: إن أباه دفعه إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) يخدمه، قال: فأتى على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و قد صليت ركعتين، فضربني برجله، فقال: ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: لا حول و لا قوة إلا باللَّه العلى العظيم، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه [ (1)].

و كان القصد في ذكره في هذا الموضع أن الوالد له مباح يخدم ولده، ثم للموهوب له الخدمة أن يستخدم منه، ثم يعرف من فضل قيس بن سعد، أنه خدم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) حتى صار منه بمنزلة صاحب الشرطة.

و قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاريّ، الخزرجىّ، أبو الفضل أحد كرام الصحابة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنهم، و أحد الفضلاء الجلة، و أحد دهاة العرب، و أهل الرأى، و المكيدة في الحروب، مع النجدة و السخاء [و الشجاعة] [ (2)].

و كان شريف قومه غير مدافع هو و أبوه و جده [كذلك‏]، و صحب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) هو، و أبوه، و أخوه سعيد بن سعد بن عبادة، ثم صحب عليّ ابن أبى طالب رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه، و شهد معه الجمل، و صفين، و النهروان هو قومه، و ولاه مصر، ثم صرفه، و توفى بالمدينة سنه ستين أو تسع و خمسين [ (3)].

و قد ذكرته ذكرا مبسوطا في كتاب (عقد جواهر الأسفاط فيمن ملك مصر الفسطاط) [ (4)]، و ذكرته أيضا في (التاريخ الكبير المقفى) [ (5)] فانظره.

____________

[ (1)] (المستدرك): 4/ 323، حديث رقم (7787).

[ (2)] زيادة للسياق من (الإصابة).

[ (3)] سبقت له ترجمة مطولة.

[ (4)] من مؤلفات المقريزي (رحمه اللَّه).

[ (5)] له أخبار في (المقفى الكبير) للمقريزي: 2/ 421، 5/ 530.

5

فصل في ذكر من كان يقيم الحدود بين يدي‏

رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و من كان يضرب الرقاب ذكر القاضي أبو بكر بن العربيّ [ (1)]، أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) جعل إقامة الحدود لجماعة منهم: على بن أبى طالب، و محمد بن مسلمة الأنصاريّ، رضى اللَّه تبارك و تعالى عنهم.

و قال الواقدي في وقعة بدر:

و أقبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بالأسرى حتى إذا كان بعرق الظبية، و قيل: بالصفراء، أمر عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح أن يضرب عنق عقبة بن أبى معيط، و كان أسره عبد اللَّه بن سلمة بن مالك العجلانىّ، جمح به فرسه فأخذه، فأخذ عقبة يقول: يا ويلى! علام أقتل يا معشر قريش من بين من هاهنا؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): لعداوتك للَّه و رسوله.

قال: يا محمد منك أفضل، فاجعلني كرجل من قومي إن قتلتهم قتلتني، و إن مننت عليهم مننت على، و إن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم، يا محمد! من للصبية؟.

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): النار قدمه يا عاصم، فاضرب عنقه! فقدمه عاصم، فضرب عنقه، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): بئس الرجل كنت، و اللَّه ما علمت كافرا باللَّه، و برسوله، و كتابه، مؤذيا لنبيه منك، فأحمد اللَّه الّذي هو

____________

[ (1)] هو محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن أحمد المعروف بابن العربيّ المعافري الإشبيلي المالكي، يكنى أبا بكر. كان مولده ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان و ستين و أربعمائة. حج في موسم سنة تسع و ثمانين، و سمع بمكة من أبى على الحسين بن على الطبري و غيره من العلماء و الأدباء، فدرس عندهم الفقه و الأصول، و قيد الحديث، و اتسع في الرواية، و أتقن مسائل الخلاف، و الأصول، و الأحكام، على أئمة هذا الشأن. توفى في ربيع الأول سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة، منصرفه من مراكش، و حمل ميتا إلى مدينة فاس، و دفن بها. (أحكام القرآن) لابن العربيّ، المقدمة.

6

قتلك، و أقر عيني منك [ (1)]

[قيل: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أمر به فصلب، و كان أول مصلوب في الإسلام‏] [ (2)].

[قال ابن الكلبي: كان أمية بن عبد شمس خرج إلى الشام فأقام بها عشر سنين، فوقع على أمة للخم يهودية من أهل صفورية يقال لها: ترنا، و كان لها زوج من أهل صفورية يهودي، فولدت له ذكوان فادعاه أمية و استخلفه و كناه أبا عمرو، ثم قدم به مكة، فلذلك‏

قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) لعقبة يوم أمر بقتله: إنما أنت يهودي من أهل صفورية،

ولاه عمر رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه على صدقات بنى تغلب، و ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبى وقاص و كان أبو عزة عمرو بن عبد اللَّه الجمحيّ قد من عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يوم بدر، و كان فقيرا ذا عيال و حاجة، و كان في الأسارى فقال: إني فقير ذو عيال و حاجة، قد عرفتها، فامنن عليّ، فمن عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)‏].

[فقال له صفوان ابن أمية: يا أبا عزة! إنك امرؤ شاعر، فأعنا بلسانك، فاخرج معنا، فقال: إن محمدا قد منّ عليّ، فلا أريد أن أظاهر عليه، قال: فأعنا بنفسك، فلك اللَّه عليّ إن رجعت أن أغنيك، و إن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي، يصيبهن ما أصابهن من عسر و يسر، فخرج أبو عزة في تهامة، و يدعو بنى كنانة و يقول:

إيها بنى عبد مناة الرزام [ (3)]* * * أنتم حماة و أبوكم حام‏

[لا تعدونى نصركم بعد العام‏* * * لا تسلموني لا يحل إسلام‏] [ (4)]

ثم سار مع قريش فأسر، و لم يؤسر غيره من قريش، فقال: يا محمد إنما خرجت كرها، و لي بنات فامنن عليّ، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): أين ما

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 1/ 113- 114.

[ (2)] ما بين الحاصرتين ليس في (المغازي).

[ (3)] الرزام: من يثبتون في مكانهم لا يبرحونه، يذكرهم أنهم ثابتون في الحرب.

[ (4)] ما بين الحاصرتين سياقه مضطرب في (الأصل) و أثبتناه من (سيرة ابن هشام): 4/ 6

7

أعطيتنى من العهد و الميثاق [لا و اللَّه لا تمسح عارضيك تقول: سخرت بمحمد مرتين‏] [ (1)] ... شهد مرتين.

و في رواية أنه قال له:

إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، يا عاصم [بن ثابت‏] قدمه، فاضرب عنقه، فقدمه عاصم، فضرب عنقه،

و حمل رأسه إلى المدينة في رمح، فكان أول رأس حمل في الإسلام، و قيل:

بل رأس كعب بن الأشرف أول رأس حمل في الإسلام [ (2)].

و ذكر الواقدي أن حضير الكتائب [ (3)] جاء بنى عمرو بن عوف فكلم سويد بن الصامت بن خالد بن عطية [ (4)] بن حوط بن حبيب بن عمرو بن عوف ابن مالك، بن الأوس [ (5)]، و خوات بن جبير [ (6)]، و أبا لبابة بن عبد المنذر [ (7)].

____________

[ (1)] ما بين الحاصرتين استدراك من (سنن البيهقي): 9/ 65، (مغازي الواقدي): 1/ 309

[ (2)] قاله ابن سعد في (الطبقات): 2/ 33، سرية قتل كعب بن الأشرف.

[ (3)] هو حضير الكتائب بن سماك، سيد الأوس يوم بعاث، و قتل يومئذ، و ابنه أسيد بن الحضير، بدريّ، عقبىّ، نقيب، لا عقب له، رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه. (جمهرة أنساب العرب): 339.

[ (4)] كذا في (جمهرة أنساب العرب)، و في (الإصابة): ابن عقبة.

[ (5)] لقي سويد بن الصامت بن الأوس النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) بسوق ذي المجاز من مكة في حجة حجها سويد على ما كانوا يحجون عليه في الجاهلية، و ذلك في أول مبعث النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و دعائه إلى اللَّه عز و جل، فدعاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى الإسلام، فلم يرد عليه سويد شيئا، و لم يظهر له قبول ما دعاه إليه، و قال له: لا أبعد ما جئت به، ثم انصرف إلى قومه بالمدينة، فيزعم قومه أنه مات مسلما و هو شيخ كبير، قتلته الخزرج في وقعة كانت بين الأوس و الخزرج، و ذلك قبل بعاث.

قال أبو عمر: أنا شاك في إسلام سويد بن الصامت، كما شك فيه غيري، ممن ألف في هذا الشأن قبلي، و اللَّه تبارك و تعالى أعلم. و كان شاعرا، محسنا، كثير الحكم في شعره، و كان قومه يدعونه الكامل لحكمة شعره، و شرفه فيهم، له ترجمة في (الاستيعاب): 2/ 677، ترجمة رقم (1116)، (الإصابة): 3/ 305، 306، ترجمة رقم (3822)، (جمهرة أنساب العرب): 327- 328، (مغازي الواقدي): 1/ 303- 304.

8

____________

[ ()] (6) هو خوات بن جبير الأنصاري، و من حديثه: أنه حضر سوق عكاظ، فانتهى إلى امرأة من هذيل تبيع السمن، فأخذ نحيا من أنحائها [النحى بكسر النون: الزق الّذي يجعل فيه السمن خاصة]، ففتحه و ذاقه، و دفع فم النحى إليها، فأخذته بإحدى يديها، و فتح الآخر و ذاقه و دفع فمه إليها، فأمسكته، بيدها الأخرى، ثم غشيها و هي لا تقدر على الدفع عن نفسها، لحفظها فم النحيين، فلما قام عنها، قالت: لا هناك، فرفع خوات عقيرته، يقول:

و أم عيال و اثاقين بكسبها* * * خلجت لها جار استها خلجات‏

شغلت يديها إذا أردت خلاطها* * * بنحيين من سمن ذوى عجرات‏

و أخرجته ريان ينطف رأسه‏* * * من الرامك المخلوط بالمقرات‏

فكان لها الويلات من ترك نحيها* * * و ويل لها من شدة الطعنات‏

فشدت على النحيين كفى شحيحة* * * على سمنها و الفتك من فعلاتى‏

فضربت العرب بهما المثل فقالت: «أنكح من خوات»، «و أغلم من خوات»، «أشغل من ذات النحيين»، «أشح من ذات النحيين».

و الرامك: ضرب من الطيب تتضايق به المرأة، كما تتضايق بعجم الزبيب، و من ذلك ما قاله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين في كتابه إلى الحجاج الثقفي يلومه لما تطاول على سيدنا أنس بن مالك: أما بعد، فإنك عبد من ثقيف طمحت بك الأمور، فعلوت فيها و طغيت، حتى عدوت قدرك، و تجاوزت طورك، يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب، (الوافي) 9/ 412.

و قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: خوات بن جبير هو صاحب النحيين- بكسر النون و سكون المهملة تثنية نحى، و هو ظرف السمن، فقد ذكر ابن أبى خيثمة القصة من طريق ابن سيرين، قال: كانت امرأة تبيع سمنا في الجاهلية، فدخل رجل فوجدها خالية، فراودها، فأبت، فخرج فتنكر و رجع، فقال: هل عندك سمن طيب؟ قالت: نعم، فحلت زقا فذاقه، فقال: أريد أطيب منه، فأمسكته و حلت آخر، فقال: أمسكيه فقد انفلت بعيري، قالت:

اصبر حتى أوثق الأول، قال: لا، قالت: و إلا تركته من يدي يهراق، قال: فإنّي أخاف أن لا أجد بعيري، فأمسكته بيدها الأخرى، فانقض عليها، فلما قضى حاجته قالت له: لا هناك.

قال الواقدي: عاش خوات إلى سنة أربعين، فمات فيها و هو ابن أربع و سبعين سنة بالمدينة، و كان ربعة من الرجال، له ترجمة في (الإصابة): 2/ 346- 348، ترجمة رقم‏

9

و يقال سهل بن حنيف [ (1)]، فقال: تزورونني فأسقكم من الشراب، و أنحر لكم، و تقيمون عندي أياما، قالوا: نحن نأتيك يوم كذا و كذا، فلما كان ذلك اليوم جاءوه، فنحر لهم جزورا، و سقاهم الخمر، و أقاموا عنده ثلاثة أيام، حتى تغير اللحم.

____________

[ ()] (2300)، (الاستيعاب): 2/ 455- 457، ترجمة رقم (686)، (مغازي الواقدي):

1/ 303، (جمهرة أمثال العرب): 1/ 564، 2/ 321- 322.

[ (7)] هو أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، مختلف في اسمه، قال موسى بن عقبة: اسمه بشير بوزن عظيم، و قال ابن إسحاق: اسمه رفاعة، و كذا قال ابن نمير و غيره.

قال ابن إسحاق: زعموا أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) رد أبا لبابة و الحارث بن حاطب بعد أن خرجا معه إلى بدر، فأمّر أبا لبابة على المدينة، و ضرب لهما بسهميهما و أجرهما مع أصحاب بدر، و كذلك ذكره موسى بن عقبة في البدريين، و قالوا: كان أحد النقباء ليلة العقبة.

يقال: مات في خلافة على، و قال خليفة بن خياط: مات بعد مقتل عثمان، و يقال:

عاش إلى بعد الخمسين، له ترجمة في (الإصابة): 7/ 349- 350، ترجمة رقم (10466)، (تهذيب التهذيب): 12/ 214، (الاستيعاب): 4/ 1740، 1742، ترجمة رقم (3149) (مغازي الواقدي): 1/ 303.

[ (1)] هو سهل بن حنيف بن وهب- أو واهب- بن الحكيم بن ثعلبة، بن مجدعة بن الحارث بن عمرو بن خانس، و يقال: ابن خنساء بن عوف بن مالك بن الأوس.

شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و ثبت يوم أحد، و كان بايعه يومئذ على الموت، فثبت معه حين انكشف عنه الناس، و جعل ينضح بالنبل يومئذ عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): نبلو سهلا فإنه سهل،

ثم صحب عليا رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه من حين بويع له، و إياه استخلف عليّ رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه حين خرج من المدينة إلى البصرة، ثم شهد مع عليّ، صفين، و ولاه على فارس، فأخرجه أهل فارس، فوجه عليّ زيادا، فأرضوه و صالحوه، و أدوا الخراج.

مات سهل بن حنيف بالكوفة سنة ثمان و ثلاثين، و صلى عليه عليّ و كبر ستا، و روى عنه ابنه و جماعة معه، له ترجمة في: (الاستيعاب): 2/ 662- 663- ترجمة رقم (1084)، (الإصابة): 3/ 198- 199، ترجمة رقم (3529)، (طبقات ابن سعد): 3/ 39.

10

و كان سويد يومئذ شيخا كبيرا، فلما مضت الثلاث، قالوا: ما نرانا إلا راجعين إلى أهلنا، فقال حضير: ما أحببتم! إن أحببتم فأقيموا، و إن أحببتم فانصرفوا. فخرج الفتيان بسويد بحملانه حملا من الثمل، فمروا لاصقين بالحرة حتى كانوا قريبا من بنى غصينة، و هي و جاه بنى سالم إلى مطلع الشمس. فجلس سويد و هو يبول، و هو ممتلى سكرا، فبصر به إنسان من الخزرج. فخرج حتى أتى المجذر بن زياد فقال: هل لك في الغنيمة الباردة؟

قال: ما هي؟ قال: سويد أعزل لا سلاح معه، ثمل، قال: فخرج المجذر ابن زياد بالسيف صلتنا، فلما رآه الفتيان وليا، و هما أعزلان لا سلاح معهما- فذكرا العداوة بين الأوس و الخزرج- فانصرفا سريعين، و ثبت الشيخ و لا حراك به- فوقف عليه مجذر بن زياد فقال: قد أمكن اللَّه منك! فقال: ما تريد بى؟

قال: قتلك. قال: فارفع عن الطعام و اخفض عن الدماغ، و إذا رجعت إلى أمك فقل: إني قتلت سويد بن الصامت، و كان قتله هيج وقعة بعاث.

فلما قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) المدينة أسلم الحارث بن سويد بن الصامت و مجذر بن زياد، فشهدا بدرا فجعل الحارث يطلب مجذرا ليقتله بأبيه، فلا يقدر عليه يومئذ، فلما كان يوم أحد و جال المسلمون تلك الجولة، أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه، فرجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى المدينة، ثم خرج إلى حمراء الأسد، فلما رجع من حمراء الأسد أتاه جبريل (عليه السّلام) فأخبره أن الحارث ابن سويد قتل مجذرا غيلة، و أمره بقتله، فركب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى قباء في اليوم الّذي أخبره جبريل، في يوم حار، و كان ذلك يوما لا يركب فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى قباء، إنما كانت الأيام التي يأتى فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قباء يوم السبت و يوم الاثنين، فلما دخل و سمعت الأنصار فجاءت تسلم عليه، و أنكروا إتيانه في تلك الساعة و في ذلك اليوم،

فجلس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يتحدث و يتصفح الناس حتى طلع الحارث بن سويد في ملحفة مورسة [ (1)]، فلما رآه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) دعا عويم‏

____________

[ (1)] مورسة، أي مصبوغة بالورس،

و في (ديوان حسان): ملحفة حمراء، فقال له النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم):

قتلت المجذر؟ قال: نعم يا رسول اللَّه، و اللَّه ما شككت في ديني، و لكنى رأيت قاتل أبى فحملتني الحمية، و أنا أصوم أربعة أشهر متتابعات، و أعتق رقبتين، و أطعم عشرين و مائة

11

ابن ساعدة فقال له: قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد فاضرب عنقه بمجذر بن زياد، فإنه قتله يوم أحد فأخذه عويم فقال الحارث: دعني أكلم رسول اللَّه! فأبى عويم عليه، فجابذه يريد كلام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و نهض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يريد أن يركب، و دعا بحماره على باب المسجد، فجعل الحارث يقول: قد و اللَّه قتلته يا رسول اللَّه، و اللَّه ما كان قتلى إياه رجوعا عن الإسلام و لا ارتيابا فيه، و لكن حمية الشيطان و أمر وكلت فيه إلى نفسي، و إني أتوب إلى اللَّه و إلى رسوله مما عملت، و أخرج ديته، و أصوم شهرين متتابعين، و أعتق رقبة، و أطعم ستين مسكينا، إني أتوب إلى اللَّه و رسوله! و جعل يمسك بركاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و بنو المجذر حضور لا يقول لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) شيئا حتى إذا استوعب كلامه قال: قدمه يا عويم فاضرب عنقه! و ركب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و قدمه عويم على باب المسجد فضرب عنقه.

و يقال: إن خبيب بن يساف، نظر إليه حين ضرب عنقه فجاء إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) فأخبره، فركب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إليهم يمحص عن هذا الأمر، فبينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) على حماره، فنزل عليه جبريل فخبره بذلك في مسيره، فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عويما فضرب عنقه، و قال حسان بن ثابت [للحارث بن سويد ابن الصامت الأنصاري‏]:

يا حار في سنة من نوم أولكم‏* * * أم كنت ويحك مغترا بجبريل‏

أم كنت يا ابن زياد حين تقتله‏* * * ذي غرة في فضاء الأرض مجهول‏

و قلتم لن نرى و اللَّه يبصركم‏* * * و فيكم محكم الآيات و القيل‏

محمد و العزيز اللَّه يخبره‏* * * بما تكنّ سريرات الأقاويل [ (1)].

____________

[ ()] مسكين، و أخرج ديتين، فصمت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) حتى استفرغ كلامه، ثم وضع رجله في الركاب و قال: يا عويم بن ساعدة، اضرب عنقه! و مضى، فضرب عويم عنقه.

فقال حسان للحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري: ... و ذكر الأبيات.

[ (1)] هذه الأبيات مضطربة السياق و الوزن و القافية في (الأصل)، فأثبتناها من (ديوان حسان):

301، قصيدة رقم (200).

12

فصل في ذكر من أقام عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) حد الزنا

قال ابن سيده: زنا الرجل يزني زنا و زناء، و كذلك المراة أيضا و زانى مزاناة و زناء بالمد، عن اللحياني، و كذلك المرأة أيضا.

و المرأة تزانى مزاناة و زناء أي تباغى، قال اللحياني: الزنى مقصور، لغة أهل الحجاز، قال اللَّه تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ بالقصر، و النسبة إلى المقصور زنوى، و الزناء ممدود لغة بنى تميم، و في (الصحاح):

المد لأهل نجد، و النسبة إلى الممدود: زنائى، و زناه زنية، نسبة إلى الزنا، و قال له: يا زانى.

و في الحديث: ذكر قسطنطينية الزانية، يريد الزاني أهلها، كقوله تعالى: وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً، أي كانت ظالمة الأهل.

و قد زانى المرأة مزاناة و زناء، و قال اللحياني: قيل لابنة الخس: ما أزناك؟ قالت: قرب الوساد و طول السواد، فكأن قوله: ما أزناك؟ ما حملك على الزنا؟ قال: و لم يسمع هذا إلا في حديث ابنة الخس.

هو ابن زنية و زنية، و الفتح أعلى، أي ابن زنا، و يقال للولد إذا كان من زنا: هو لزنية، و قد زناه: من التزنية، أي قذفه [ (1)].

كانت عقوبة الزنا في صدر الإسلام، عقوبة خفيفة مؤقتة، لأن الناس كانوا حديثي عهد بحياة الجاهلية، و من سنة اللَّه جل و علا في تشريع الأحكام أن يسير بالأمة في طريق التدرج، ليكون أنجح في العلاج، و أحكم في التطبيق، و أسهل على النفوس لتقبل شريعة اللَّه، عن رضى و اطمئنان.

و قد كانت العقوبة في صدر الإسلام هي ما قصّه اللَّه تعالى علينا في سورة النساء في قوله جل شأنه: وَ اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَ‏

____________

[ (1)] (لسان العرب): 14/ 359- 360، مختصرا.

13

الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا* وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً [ (1)].

فكانت عقوبة المرأة: الحبس في البيت، و عدم الإذن لها بالخروج منه، و عقوبة الرجل، التأنيب، و التوبيخ بالقول و الكلام، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ [ (2)].

و يظهر أن هذه العقوبة كانت في أول الإسلام من قبيل التعزير لا من قبيل الحد، بدليل التوقيت الّذي أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى:

حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا و قد استبدلت بهذه العقوبة عقوبة أشد، هي الجلد للبكر، و الرجم للزاني المحصن، و انتهى ذلك الحكم المؤقت إلى تلك العقوبة الرادعة الزاجرة.

خرج مسلم [ (3)]، و أبو داود [ (4)]، و الترمذي [ (5)] من حديث عبادة بن الصامت رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه أنه قال: كان نبي اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إذا أنزل عليه‏

____________

[ (1)] النساء: 15- 16، و المراد بالفاحشة جريمة الزنى، و سميت فاحشة لأنها فعلة قد زادت في القبح على كثير من القبائح المنكرة، قال تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32].

[ (2)] النور: 2.

[ (3)]

(مسلم بشرح النووي): 11/ 201، كتاب الحدود، باب (3) حد الزنى، حديث رقم (1690)، أما قوله

(صلّى اللَّه عليه و سلم): فقد جعل اللَّه لهن سبيلا»

فإشارة إلى قوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، فبين النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) أن هذا هو ذلك السبيل.

و اختلف العلماء في هذه الآية، فقيل: هي محكمة، و هذا الحديث مفسر لها، و قيل: هي منسوخة بالآية التي في أول سورة النور، و قيل: إن آية النور في البكرين و هذه الآية في الثيبين.

14

____________

[ ()] و أجمع العلماء على وجود جلد الزاني البكر مائة، و رجم المحصن و هو الثيب، و لم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة إلا ما حكى القاضي عياض و غيره عن الخوارج و بعض المعتزلة كالنّظّام و أصحابه، فإنّهم لم يقولوا بالرجم، و اختلفوا في جلد الثيب مع الرجم، فقالت طائفة: يجب الجمع بينهما فيجلد ثم يرجم، و به قال على بن أبى طالب رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه، و الحسن البصري، و إسحاق بن راهويه، و داود، و أهل الظاهر، و بعض أصحاب الشافعيّ. و قال جمهور العلماء: الواجب الرجم وحده، و حكى القاضي عن طائفة من أهل الحديث، أنه يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخا ثيبا، فإن كان شابا ثيبا اقتصر على الرجم، و هذا مذهب باطل لا أصل له، و حجة الجمهور أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) اقتصر على رجم الثياب في أحاديث كثيرة، منها قصة ماعز و قصة المرأة الغامدية، و في‏

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم): و أغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها،

قالوا: و حديث الجمع بين الجلد و الرجم منسوخ، فإنه كان في أول الأمر.

و أما قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم) في البكر: و نفى سنة ففيه حجة للشافعي، و الجمهور: أنه يجب نفيه سنة، رجلا كان أو امرأة، و قال الحسن لا يجب النفي، و قال مالك و الأوزاعي: لا نفى على النساء، و روى مثله عن عليّ رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه، و قالوا: لأنها عورة، و في نفيها تضييع لها، و تعريض لها للفتنة، و لهذا نهيت عن المسافرة إلا مع ذي محرم، و حجة الشافعيّ‏

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم): البكر بالبكر جلد مائة و نفى سنة.

و أما العبد و الأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشافعي:

أحدهما: يغرب كل واحد منهما لظاهر الحديث، و بهذا قال سفيان الثوري، و أبو ثور، و داود، و ابن جرير.

و الثاني: يغرب نصف سنة، لقوله تعالى‏ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ‏ و هذا أصح الأقوال عند أصحابنا، و هذه الآية مخصصة لعموم الحديث، و الصحيح عند الأصوليين جواز تخصيص السنة بالكتاب، لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب فتخصيص السنة به أولى.

و الثالث: لا يغرب المملوك أصلا، و به قال الحسن البصري، و حماد، و مالك، و أحمد، و إسحاق،

لقوله (صلّى اللَّه عليه و سلم) في الأمة إذا زنت: فليجلدها سيدها،

و لم يذكروا النفي، لأن نفيه يضر سيده، مع أنه لا جناية من سيده، و أجاب أصحاب الشافعيّ عن حد الأمة إذا زنت، أنه ليس‏

15

____________

[ ()] فيه تعرض للنفي، و الآية ظاهرة في وجوب النفي فوجب العمل بها، و حمل الحديث على موافقتها. و اللَّه تبارك و تعالى أعلم.

و أما

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم): «البكر بالبكر و الثيب بالثيب»

فليس هو على سبيل الاشتراط بل حد البكر الجلد و التغريب سواء زنى ببكر أم بثيب، و حد الثيب الرجم سواء زنى بثيب أم ببكر، فهو شبيه بالتقييد الّذي يخرج على الغالب.

و اعلم أن المراد بالبكر من الرجال و النساء من لم يجامع في نكاح صحيح و هو حر بالغ، سواء كان جامع بوطء شبهة، أو نكاح فاسد، أو غيرهما، أم لا. و المراد بالثيب، من جامع في دهره مرة من نكاح صحيح و هو بالغ، عاقل، حر، و الرجل و المرأة في هذا سواء. و اللَّه تبارك و تعالى أعلم.

و سواء في كل هذا المسلم، و الكافر، و الرشيد، و المحجور عليه لسفه. و اللَّه تبارك و تعالى أعلم.

[ (4)] (سنن أبى داود): 4/ 569- 571، كتاب الحدود، باب (23) في الرجم، حديث رقم (4415).

[ (5)] (سنن الترمذي): 4/ 32، كتاب الحدود، باب (8) ما جاء في الرجم على الثيب، حديث رقم (1434)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، و العمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، منهم: على بن أبى طالب، و أبىّ بن كعب، و عبد اللَّه بن مسعود، و غيرهم، قالوا: الثيب تجلد و ترجم، و إلى هذا ذهب بعض أهل العلم، و هو قول إسحاق.

و قال بعض أهل العلم من أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) منهم أبو بكر، و عمر، و غيرهما: الثيب إنما عليه الرجم و لا يجلد، و قد روى عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) مثل هذا في غير حديث، في قصة ماعز و غيره، أنه أمر بالرجم، و لم يأمر أن يجلد قبل أن يرجم، و العمل على هذا عند بعض أهل العلم، و هو قول سفيان الثوري، و ابن المبارك، و الشافعيّ، و أحمد.

و أخرجه أيضا ابن ماجة في (السنن): 2/ 853، كتاب الحدود، باب (7) حد الزنا، حديث رقم (2550).

16

الوحي كرب لذلك و تربد [ (1)] وجهه فأنزل اللَّه تبارك و تعالى عليه ذات يوم فلقى كذلك، فلما سرى عنه قال: خذوا عنى، خذوا عنى، قد جعل اللَّه لهن سبيلا:

البكر بالبكر، جلد مائة و تغريب عام، و الثيب بالثيب، جلد مائة و الرجم.

خرج البخاري [ (2)] و مسلم [ (3)]

أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فاعترف بالزنى، فأعرض عنه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم): أ بك جنون؟ قال: لا، قال: أحصنت؟ قال: نعم: فأمر به فرجم في المصلى، فلما أذلقته الحجارة، فرّ، فأدرك، فرجم حتى مات، فقال له النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) خيرا، و صلى عليه.

و في لفظ لهما [ (4)]: أنه قال له: أحق ما بلغني عنك؟ قال: و ما بلغك عنى؟ قال: بلغني أنك وقعت بجارية بنى فلان، فقال: نعم، قال: فشهد على نفسه أربع شهادات، ثم دعاه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) فقال: أ بك جنون؟ قال، لا: قال:

أحصنت؟ قال: نعم، ثم أمر به فرجم.

و في لفظ لهما [ (5)]: فلما شهد على نفسه أربع شهادات، و دعاه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فقال: أ بك جنون؟ قال: لا: قال أحصنت:؟ قال: نعم، قال: اذهبوا به فارجموه.

____________

[ (1)] كرب و تربد: أي أصبح كالمكروب، و تغيرت ملامح وجهه الشريف (صلّى اللَّه عليه و سلم).

[ (2)] (فتح الباري): 12/ 155، كتاب الحدود، باب (25) الرجم بالمصلى، حديث رقم (6820)، قال: و لم يقل يونس و ابن جريج عن الزهري: فصلى عليه، سئل أبو عبد اللَّه هل قوله: «فصلى عليه» يصح أم لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: هل رواه معمر، قيل له: هل رواه غير معمر؟ قال: لا.

[ (3)] (مسلم بشرح النووي): 11/ 204- 206، كتاب الحدود، باب (5) من اعترف على نفسه بالزنا، حديث رقم (16).

[ (4)] (المرجع السابق): حديث رقم (19).

[ (5)] (فتح الباري): 9/ 486، كتاب الطلاق، باب (11) الطلاق في الإغلاق و المكره و السكران و المجنون، حديث رقم (5271).

17

و في لفظ للبخاريّ [ (1)]: أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت، قال: لا يا رسول اللَّه، قال: (صلّى اللَّه عليه و سلم) أ نكتها؟ لا يكنى، قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه.

____________

[ (1)] (فتح الباري): 12/ 162- 163، كتاب الحدود، باب (28) هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت؟ حديث رقم (6824)، (سنن أبى داود): 4/ 597، كتاب الحدود، باب (24) رجم ماعز بن مالك، حديث رقم (4427)، (4428).

فتضمنت هذه الأقضية رجم الثيب، و أنه لا يرجم حتى يقر أربع مرات، و أنه إذا أقر دون الأربع، لم يلزم بتكميل نصاب الإقرار، بل للإمام أن يعرض عنه، و يعرض له بعدم تكميل الإقرار، و إن إقرار زائل العقل بجنون، أو سكر، ملغى لا عبرة به، و كذلك طلاقه، و عتقه، و أيمانه، و وصيته، و جواز إقامة الحد في المصلى، و هذا لا يناقض نهيه أن تقام الحدود في المساجد، و أن المحصن إذا زنى بجارية، فحده الرجم، كما لو زنى بحرة.

و أن الإمام يستحب له أن يعرض للمقر بأن لا يقر، و أنه يجب استفسار المقر في محل الإجمال، لأن اليد، و الفم، و العين، لما كان استمتاعها زنى، استفسر عنه دفعا لاحتماله، و أن الإمام لا يصرح له أن يصرح باسم الوطء الخاص به إلا عند الحاجة إليه، كالسؤال عن الفعل، و أن الحد لا يجب على جاهل بالتحريم، لأنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) سأله عن حكم الزنى، فقال: أتيت منها حراما ما يأتى الرجل من أهله حلالا.

و أن الحد لا يقام على الحامل، و أنها إذا ولدت الصبى، أمهلت حتى ترضعه، و تفطمه، و أن المرأة يحفر لها دون الرجل، و أن الإمام لا يجب عليه أن يبدأ بالرجم.

و أنه لا يجوز سب أهل المعاصي إذا تابوا، و أنه يصلى على من قتل في حد الزنى، و أن المقر إذا استقال في أثناء الحد، و فر، ترك و لم يتمم عليه الحد، فقيل: لأنه رجوع. و قيل:

لأنه توبة قبل تكميل الحد، فلا يقام عليه كما لو تاب قبل الشروع فيه، هذا اختيار شيخنا، و أن الرجل إذا أقر أنه زنى بفلانة، لم يقم عليه حد القذف مع حد الزنى، و أن ما قبض من المال بالصلح الباطل باطل يجب رده، و أن الإمام له أن يوكل في استيفاء الحد.

و أن الثيب لا يجمع عليه بين الجلد و الرجم، لأنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) لم يجلد ما عزا و لا الغامدية، و لم يأمر أنيسا أن يجلد المرأة التي أرسله إليها، و هذا قول الجمهور،

و حديث عبادة: «خذوا عنى قد جعل اللَّه لهن سبيلا: الثيب بالثيب جلد مائة و الرجم» منسوخ.

فإن هذا كان في أول الأمر

18

و في لفظ لأبى دواد:

أنه شهد على نفسه أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه، فأقبل في الخامسة، قال: «أنكتها»؟ قال نعم. قال: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة و الرشاء في البئر؟ «قال: نعم، قال:» فهل تدري ما الزنى؟ قال: نعم. أتيت منها حراما ما يأتى الرجل من امرأته حلالا. قال: «فما تريد بهذا القول؟ «قال:

أريد أن تطهرني، قال: فأمر به فرجم، فسمع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الّذي ستر اللَّه عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، فسكت عنهما، ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: «أين فلان و فلان»؟ فقالا: نحن ذان يا رسول اللَّه، قال:

«انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار» فقالا: يا نبي اللَّه، من يأكل من هذا؟ قال:

____________

[ ()] قبل نزول حد الزنى، ثم رجم ماعزا و الغامدية، و لم يجلدهما، و هذا كان بعد حديث عبادة بلا شك، و أما حديث جابر في (السنن): أن رجلا زنى، فأمر به النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) فجلد الحد، ثم أقر أنه محصن، فأمر به فرجم. فقد قال جابر في الحديث نفسه: أنه لم يعلم بإحصانه، فجلد، ثم علم بإحصانه، فرجم. رواه أبو داود.

و فيه: أن الجهل بالعقوبة لا يسقط الحد إذا كان عالما بالتحريم، فإن ماعزا لم يعلم أن عقوبته القتل، و لم يسقط هذا الجهل الحد عنه.

و فيه: أنه يجوز للحاكم أن يحكم بالإقرار في مجلسه، و إن لم يسمعه معه شاهدان، نص عليه أحمد، فإن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) لم يقل لأنيس: فإن اعترفت بحضرة شاهدين فأرجمهما و أن الحكم إذا كان حقا محضا للَّه لم يشترط الدعوى به عند الحاكم.

و أن الحد إذا وجب على امراة، جاز للإمام أن يبعث إليها من يقيمه عليها، و لا يحضرها، و ترجم النسائي على ذلك: صونا للنساء عن مجلس الحكم.

و أن الإمام و الحاكم و المفتى يجوز له الحلف على أن هذا حكم اللَّه عزّ و جل إذا تحقق ذلك، و تيقنه بلا ريب، و أنه يجوز التوكيل في إقامة الحدود، و فيه نظر، فإن هذا استنابة من النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و تضمن تغريب المرأة كما يغرب الرجل، لكن يغرب معها محرما إن أمكن، و إلا فلا، و قال مالك: لا تغريب على النساء، لأنهن عورة.

19

«فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد من أكل منه، و الّذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينقمس فيها. [ (1)]

و فيه: أنه لما وجد مس الحجارة صرخ بنا: يا قوم ردوني إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فإن قومي قتلوني و غروني من نفسي، و أخبرونى أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) غير قاتلي [ (2)] [فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أخبرنا قال: «فهلا تركتموه و جئتونى به، ليستثبت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) منه، فأما لترك حد فلا،

قال: فعرفت وجه الحديث‏] [ (3)].

***

____________

[ (1)] (سنن أبى داود): 4/ 580- 581، كتاب الحدود باب (24) رجم ماعز بن مالك، حديث رقم (4428)، ينقمس معناه ينغمس، قال الخطابي في (معالم السنن): و في أصل المنذري ينغمس بالغين و كذلك في النسخة الهندية بالغين، و نسبه المنذري للنسائى، و قال فيه:

«أنكحتها»؟.

[ (2)] (سنن أبى داود): 4/ 576، كتاب الحدود، باب (24) رجم ماعز بن مالك، حديث رقم (4420).

[ (3)] ما بين الحاصرتين زيادة للسياق من (المرجع السابق)، و أخرجه الترمذي في كتاب الحدود، باب في درء الحد عن المعترف إذا رجع، حديث رقم (1429).

20

[فصل في ذكر من رجمه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من النساء المسلمات‏]

فخرج مسلم [ (1)] و أبو داود [ (2)] من حديث بريدة:

... فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول اللَّه، إني قد زنيت فطهرني، و أنه ردها، فلما كان من الغد، قالت: يا رسول اللَّه! لم تردني؟ لعلك تردني كما رددت ما عزا، فو اللَّه إني لحبلى، قال: «إما لا، فاذهبي حتى تلدي»، فلما ولدت، أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، و قد أكل الطعام، فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر إلى صدرها، و أمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) سبه إياها فقال:

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 11/ 211- 214، كتاب الحدود، باب (5) من اعترف على نفسه بالزنى، حديث رقم (1695)، و قال المنذري: و في إسناده: بشير بن المهاجر الفنوىّ الكوفيّ، و ليس له في (صحيح مسلم) سوى هذا الحديث، و قد وثقه يحى بن معين، و قال الإمام أحمد: منكر الحديث، يجي‏ء بالعجائب. و لا عيب على مسلم في إخراج هذا الحديث فإنه أتى به في الطبقة الثانية، بعد ما ساق طرق حديث ماعز، و أتى به آخرا، ليبين اطلاعه على طرق الحديث، و اللَّه تبارك و تعالى أعلم. (معالم السنن).

[ (2)] (سنن أبى داود): 3/ 589، كتاب الحدود، باب (25) المرأة التي أمر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) برجمها من جهينة، حديث رقم (4442).

و قال بعضهم: يحتمل أن تكونا امرأتين، إحداهما وجد لولدها كفيل و قبلها، و الأخرى:

لم يوجد لولدها كفيل أو لم يقبل، فوجب إمهالها حتى يستغنى عنها لئلا يهلك بهلاكها. (المرجع السابق).

قال الإمام النووي:

قوله‏ (قال إما فاذهبي حتى تلدي)

هو بكسر الهمزة من إما و تشديد الميم و بالامالة و معناه إذا أبيت أن تسترى على نفسك و تتوبي و ترجعى عن قولك فاذهبي حتى تلدي فترجمين بعد ذلك و قد سبق شرح هذه اللفظ مبسوطا.

21

«مهلا يا خالد! فو الّذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها، فصلى عليها، و دفنت.

و خرج البخاري [ (1)] و مسلم [ (2)] .... أن رجلا قال له: أنشدك باللَّه إلا قضيت بيننا بكتاب اللَّه، فقام خصمه، و كان أفقه منه فقال: صدق، اقض بيننا

____________

[ ()] قوله (فتنضح الدم على وجه خالد) روى بالحاء المهملة و بالمعجمة و الأكثرون على المهملة و معناه ترشش و انصب.

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم)‏ (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له)

فيه أن المكس من أقبح المعاصي و الذنوب الموبقات و ذلك لكثرة مطالبات الناس له و ظلاماتهم عنده و تكرر ذلك منه انتهاكه للناس و أخذ أموالهم بغير حقها و صرفها في غير وجهها و فيه أن توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنا و كذا حكم حد السرقة و الشرب هذا أصح القولين في مذهبنا حد المحاربة بلا خلاف عندنا و عند ابن عباس و غيره لا تسقط.

قوله (ثم أمر بها فصلى عليه ثم دفنت) و في الرواية الثانية أمر بها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) فرجمت، ثم صلى عليه فقال له عمر: تصلى عليها يا نبي اللَّه و قد زنت، أما الرواية الثانية فصريحة في أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) صلى عليها و أما الرواية الأولى فقال القاضي عياض رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه: هي بفتح الصاد و اللام عند جماهير رواة صحيح مسلم قال: و عند الطبري بضم الصاد قال و كذا في رواية ابن أبى شيبة، و أبى داود قال: و في رواية لأبى داود، ثم أمرهم أن يصلوا عليها قال القاضي: و لم يذكر مسلم صلاته (صلّى اللَّه عليه و سلم) على ماعز و قد ذكرها البخاري.

و قد اختلف العلماء في الصلاة على المرجوم فكرهها مالك و أحمد للإمام و لأهل الفضل دون باقي الناس و يصلى عليه غير الامام و أهل الفضل و غيرهم و الخلاف بين الشافعيّ و مالك إنما هو في الامام و أهل الفضل و أما غيرهم فاتفقا على أنه يصلى و به قال جماهير العلماء قالوا فيصلي على الفساق و المقتولين في الحدود و المحاربة و غيرهم و قال الزهري: لا يصلى أحد على المرجوم و قاتل نفسه و قال قتادة: لا يصلى على ولد الزنا و احتج الجمهور بهذا الحديث و فيه دلالة للشافعي أن الامام و أهل الفضل يصلون على المرجوم كما يصلى عليه غيرهم و أجاب أصحاب مالك عنه بجوابين:

أحدهما: أنهم ضعفوا رواية الصلاة لكون أكثر الرواة لم يذكروها.

و الثاني: تأولوها على أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أمر بالصلاة أو دعا فسمى صلاة على مقتضاها في اللغة.

22

بكتاب اللَّه و ائذن لي، فقال: «قل، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته. فافتديت منه بمائة شاة و خادم، و إني سألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة و تغريب عام، و أن على امرأة هذا الرجم، فقال: و الّذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: المائة و الخادم ردّ عليك، و على ابنك جلد مائة و تغريب عام، و أغد يا أنيس على امرأة هذا فاسألها، فإن اعترفت فارجمها» فاعترفت، فرجمها.

[فصل في ذكر من رجمه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من أهل الكتاب‏]

فخرج البخاري و مسلم:

أن اليهود جاءوا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فذكروا له أن رجلا منهم و امرأة زنيا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم»؟ قال نفضحهم و يجلدون، فقال عبد اللَّه بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة، فنشروها، فوضع أحدهم يده على آيه الرجم، فقرأ

____________

[ ()] و هذان الجوابان فاسدان أما الأول فإن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح و زيادة الثقة الشرعية إلى ارتكابه و ليس هنا شي‏ء من ذلك فوجب حمله على ظاهره و اللَّه أعلم.

[ ()] (1) أخرجه البخاري في المحاربين: باب الاعتراف بالزنا، و باب البكران يجلدان و ينفيان، و باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبا، و باب إذا رمى امرأته أو امرأة غيره بالزنى عند الحاكم، و باب هل يأمر الإمام رجلا فيضرب الحد غائبا عنه، و في الوكالة: باب الوكالة في الحدود، و في الشهادات: باب شهادة القاذف، و السارق، و الزاني، و في الصلح: باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، و في الشروط: باب الشروط التي لا تعمل في الحدود، و في الأيمان و النذور: باب كيف كان يمين النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم). و في الأحكام: باب هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلا وحده للنظر في الأمور، و في خبر الواحد: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد، و في الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم).

[ (2)] و أخرجه مسلم (1697)، (1698)، و مالك في (الموطأ): 2/ 822. و الترمذي (1433)، و أبو داود (4445)، و النسائي: 8/ 240- 241، و ابن ماجة: (2549)، و الدارميّ:

2/ 177، كلهم من حديث أبى هريرة و زيد بن خالد الجهنيّ رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما، و العسيف: الأجير.

23

ما قبلها و ما بعدها، فقال له عبد اللَّه بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، إن فيها الرجم، فأمر بهما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فرجما [ (1)].

____________

[ (1)] أخرجه البخاري في المحاربين: باب أحكام أهل الذمة، و باب الرجم في البلاط، و في الجنائز. باب الصلاة على الجنائز بالمصلى و المسجد، و في الأنبياء: باب قول اللَّه تعالى:

يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ‏ و في تفسير سورة آل عمران: باب قول اللَّه تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ و في الاعتصام: باب ما ذكر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و حض على اتفاق أهل العلم، و في التوحيد: باب ما يجوز من تفسير التوراة و غيرها من كتب اللَّه تعالى بالعربية و غيرها. قال الخطابي في (معالم السنن): فيه من الفقه: ثبوت أنكحة أهل الكتاب، إذا ثبتت أنكحتهم ثبت طلاقهم و ظهارهم و إيلاؤهم.

و فيه دليل على أن نكاح أهل الكتاب يوجب التحصين، إذ لا رجم على المحصن. و لو أن مسلما تزوج يهودية أو نصرانية و دخل بها ثم زنا كان عليه الرجم و هو قول الزهري، و إليه ذهب الشافعيّ.

و قال أبو حنيفة و أصحابه: الكتابية لا تحصن المسلم، و تأول بعضهم معنى الحديث على أنه إنما رجمهما بحكم التوراة، و لم يحملهما على أحكام الإسلام و شرائطه.

قلت: و هذا تأويل غير صحيح لأن اللَّه سبحانه و تعالى يقول: وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ‏ و إنما جاءه القوم مستفتين طمعا في أن يرخص لهم في ترك الرجم ليعطلوا به حكم التوراة، فأشار عليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بما كتموه من حكم التوراة، ثم حكم عليهم بحكم الإسلام على شرائطه الواجبة فيه، و ليس يخلو الأمر فيما صنعه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من ذلك عن أن يكون موافقا لحكم الإسلام أو مخالفا، فإن كان مخالفا فلا يجوز أن يحكم بالمنسوج و يترك الناسخ.

و إن كان موافقا له فهو شريعته، و الحكم الموافق لشريعته لا يجوز أن يكون مضافا إلى غيره، و لا أن يكون فيه تابعا لمن سواه.

و أخرجه مسلم في الحدود: باب (6) رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، حديث رقم (1699)، و مالك في (الموطأ): 2/ 819، و الترمذي (1436)، و أبو داود (4446)، (4449)، كلهم من حديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه قال الإمام النووي:

قوله «إن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم).

24

____________

[ ()] قوله (أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) أتى يهودي و يهودية قد زنيا إلى قوله فرجما) في هذا دليل لوجوب حد الزنا على الكافر و أنه يصح نكاحه لأنه لا يجب الرجم إلا على محصن فلو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه و لم يرجم، و فيه أن الكافر مخاطبون بفروع الشرع و هو الصحيح و قيل لا يخاطبون بها و قيل أنهم مخاطبون بالنهى دون الأمر، و فيه أن الكفار إذا تحاكموا إلينا حكم القاضي بينهم بحكم شرعنا و إذا تحاكموا إلينا حكم القاضي بينهم بحكم شرعنا و قال مالك لا يصح إحصان الكافر قال و إنما رجمها لأنهما لم يكونا أهل ذمة و هذا تأويل باطل لأنهما كانا من أهل العهد و لأنه رجم المرأة و النساء لا يجوز قتلهن مطلقا.

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم): (فقال ما تجدون في التوراة)

قال العلماء: هذا السؤال ليس لتقليدهم و لا معرفة الحكم منهم فإنما هو لالزامهم بما يعتقدونه في كتابهم و لعله (صلّى اللَّه عليه و سلم) قد أوحى اليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم و لهذا لم يخف ذلك عليه حين كتموه.

قوله (نسود وجوههما و نحملهما) هكذا هو في أكثر النسخ نحملهما بالحاء و اللام، و في بعضها نجملها بالجيم و في بعضها نحممهما بميمين و كله متقارب فمعنى الأول نحملهما على الحمل و معنى الثاني نجملهما جميعا على الجمل و معنى الثالث نسود وجوههما بالحمم بضم الحاء و فتح الميم و هو الفحم و هذا الثالث ضعيف لأنه قال قبله نسود وجوههما فان قيل كيف رجم اليهوديان بالبينة أم بالإقرار قلنا الظاهر أنه بالإقرار و قد جاء في سنن أبى داود و غيره أنه شهد عليهما أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها فان صح هذا فان كان الشهود مسلمين فظاهر و إن كانوا كفارا فلا اعتبار بشهادتهم و يتعين أنهما أقرا بالزنا.

قال العلامة ابن القيم في (زاد المعاد): فتضمنت هذه الحكومة أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان، و أن الذمي يحصن بالذمية، و إلى هذا ذهب أحمد و الشافعيّ، و من لم يقل بذلك اختلفوا في وجه هذا الحديث، فقال مالك في غير (الموطأ): لم يكن اليهود بأهل ذمة، و الّذي في (صحيح البخاري): أنهم أهل ذمة، و لا شك أن هذا كان بعد العهد الّذي وقع بين النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و بينهم و لم يكونوا إذا ذاك حربا، كيف و قد تحاكموا إليه، و رضوا بحكمه؟ و في بعض طرق الحديث: أنهم قالوا: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه بعث بالتخفيف و في بعض طرقه:

أنهم دعوه إلى بيت مدارسهم، فأتاهم و حكم بينهم، فهم كانوا أهل عهد و صلح بلا شك.

25

فصل في ذكر من قطع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)

خرج البخاري [ (1)] و مسلم [ (2)] و أبو داود [ (3)] من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنها، قالت:

إن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)؟ فقالوا: و من‏

____________

[ ()] قال الزهري في حديثه: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم‏ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) منهم.

[ (1)] (فتح الباري): 12/ 103- 104، كتاب الحدود، باب (12) كراهة الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان حديث رقم (6788)، و في هذا الحديث من الفوائد منع الشفاعة في الحدود.

و فيه قبول توبة السارق. و منقبة لأسامة. و فيه ما يدل على أن فاطمة (عليها السّلام) عند أبيها في أعظم المنازل. و فيه ترك المحاباة في إقامة الحد على من وجب عليه و لو كان ولدا أو قريبا أو كبير القدر و التشديد في ذلك و الإنكار على من رخص فيه أو تعرض للشفاعة فيمن وجب عليه و فيه جواز ضرب المثل بالكبير القدر بالمبالغة في الزجر عن الفعل و مراتب ذلك مختلفة، و يؤخذ منه جواز الإخبار عن امر مقدر يفيد القطع بأمر محقق. و فيه أن من حلف على أمر لا يتحقق أنه يفعله أو لا يفعله لا يحنث كمن قال لمن خاصم أخاه: و اللَّه لو كنت حاضرا لهشمت أنفك. و فيه جواز التوجع لمن أقيم عليه الحد بعد إقامته عليه و قد حكى ابن الكلبي في قصة أم عمرو بن سفيان أن امرأة أسيد بن حضير آوتها بعد أن قطعت و صنعت لها طعاما و أن أسيدا ذكر ذلك للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) كالمنكر على امرأته،

فقال (صلّى اللَّه عليه و سلم): رحمتها رحمها اللَّه.

و فيه الاعتبار بأحوال ما مضى من الأمم، و لا سيما من خالف أمر الشرع، و تمسك به بعض من قال: أن شرع من قبلنا شرع لنا لأن فيه إشارة تحذير من فعل من الشي‏ء الّذي جر الهلاك إلى الذين من قبلنا لئلا يهلك كما هلكوا، و فيه نظر، و إنما يتم إن لو لم يرد قطع السارق في شرعنا، و أما اللفظ العام فلا دلالة فيه على المدعى أصلا.

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 11/ 198- 199، كتاب الحدود، باب (2) قطع السارق الشريف و غيره، و النهى عن الشفاعة في الحدود، حديث رقم (1688).

[ (3)] (سنن أبى داود): 4/ 537- 538، كتاب الحدود، باب (4) في الحد يشفع فيه، حديث رقم (4373).

26

يجترئ عليه إلا أسامة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه؟ حب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فكلمه أسامة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه، فقال: رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أ تشفع في حد من حدود اللَّه تعالى؟ ثم قام فاختطب فقال: أيها الناس: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، و أيم اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.

و في رواية لمسلم‏

إنما هلك الذين من قبلكم.

و لم يقل البخاري و أبو داود و النسائي: أيها الناس.

و خرجه البخاري في كتاب الحدود بهذا الإسناد و نحوه و قال فيه:

ثم قام فخطب فقال: أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم. و قال في آخره: لقطع محمد يدها.

و خرج مسلم [ (1)] من حديث ابن وهب قال: أخبرنى يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: أخبرنى عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) عنها:

أن قريشا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في غزوة الفتح، فقالوا: و من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فأتى بها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فكلمه فيها أسامة بن زيد رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه، فتلوّن وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فقال: أ تشفع في حد من حدود اللَّه تعالى؟ فقال له أسامة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه: استغفر لي يا رسول اللَّه، فلما كان العشي قام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، و إني و الّذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.

قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنها: فحسنت توبتها بعد و تزوجت و كانت تأتى بعد ذلك فأرفع حاجتها

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 11/ 199- 200، كتاب الحدود باب (2) قطع السارق الشريف و غيره و النهى عن الشفاعة في الحدود، حديث رقم (9).

27

إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم). ذكره في غزوة الفتح من حديث يونس عن الزهري بنحو حديث مسلم أو قريبا منه.

و خرج مسلم [ (1)] من حديث عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنها قالت: كانت امرأة

____________

[ (1)] ن (مسلم بشرح النووي): 11/ 200، كتاب الحدود، باب (2) قطع السارق الشريف و غيره و النهى عن الشفاعة في الحدود، حديث رقم (10)، ذكر مسلم رضى اللَّه عنه في الباب أحاديث النهى عن الشفاعة في الحدود، و أن ذلك هو سبب هلاك بنى إسرائيل و قد أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلى الإمام لهذه الأحاديث، و على أنه يحرم التشفيع فيه، فأما قبل بلوغه إلى الإمام فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء، إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر و أذى للناس، فإن كان، لم يشفع فيه، و أما المعاصي التي لا حد فيها و واجبها التعزير فتجوز الشفاعة و التشفيع فيها، سواء بلغت الإمام أم لا، لأنها أهون، ثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى و نحوه.

قوله «و من يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)» هو بكسر الحاء أي محبوبه، و معنى يجترئ: يتجاسر عليه بطريق الإدلال، و في هذا منقبة ظاهرة لأسامة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه.

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم): «و أيم اللَّه لو أن فاطمة»

فيه دليل لجواز الحلف من غير استحلاف و هو مستحب إذا كان فيه تفخيم لأمر مطلوب كما في الحديث و قد كثرت نظائره.

قوله: «كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع و تجحده، فأمر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) بقطع يدها فأتى أهلها أسامة فكلموه» قال العلماء: المراد أنها قطعت بسرقة، و إنما ذكرت العارية تعريفا لها و وصفا لها، لا أنها سبب القطع. و قد ذكر مسلم هذا الحديث في سائر الطرق المصرحة بأنها سرقت و قطعت بسبب السرقة، فيتعين حمل هذه الرواية على ذلك جمعا بين الروايات، فإنّها قضية واحدة، مع أن جماعة من الأئمة قالوا: هذه الرواية شاذة، فإنّها مخالفة لجماهير الرواة و الشاذة لا يعمل بها، قال العلماء: و إنما لم يذكر السرقة في هذه الرواية لأن المقصود منها عند الراويّ ذكر منع الشفاعة في الحدود، لا الإخبار عن السرقة.

قال جماهير العلماء و فقهاء الأمصار: لا قطع على من جحد العارية، و تأولوا هذا الحديث بنحو ما ذكرته، و قال أحمد و إسحاق: يجب القطع في ذلك. (شرح النووي).

28

مخزومية تستعير المتاع و تجحده، فأمر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، أن تقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه، فكلموه فكلم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فيها. ثم ذكر نحو حديث الليث و يونس.

قال المؤلف، هذه المرأة التي سرقت و قطعت يدها التي كانت تستعير المتاع و تجحده، و هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد اللَّه بن عمرو ابن مخزوم، و هي بنت أخى أبى سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل كان زوج أم سلمة قبل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، قتل أبوها كافرا يوم بدر، قتله حمزة بن عبد المطلب، و وهم من زعم أن له صحبة.

و قيل: هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد، و هي بنت عمر المذكورة، أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرنى بشر بن تيم أنها أم عمرو بن سفيان بن عبد الأسد.

و خرج أبو داود [ (1)] من حديث عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع رضى اللَّه تبارك و تعالى عنهما قال: إن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع و تجحده فأمر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) بها فقطعت يدها، [و قص نحو حديث الليث، قال:

فقطع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) يدها].

و من حديث يونس عن ابن شهاب قال: كان عروة يحدث أن عائشة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنها، قالت: استعارت امرأة- تعنى حليا- على ألسنة أناس يعرفون و لا تعرف هي، حليا فباعته، فأخذت ثمنه، فأتي بها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فأمر بقطع يدها، و هي التي شفع فيها أسامة بن زيد، و قال فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) ما قال [ (2)].

____________

[ (1)] (سنن أبى داود): 4/ 538- 539، كتاب الحدود باب (4) في الحد يشفع فيه حديث رقم (4374)، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه.

[ (2)] (المرجع السابق): حديث رقم (4396).

29

و خرج النسائي [ (1)] من حديث عبد اللَّه بن المبارك عن حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أبى المنذر مولى أبى ذر، عن أبى أمية المخزوميّ قال:

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أتى بلص اعترف اعترافا و لم يوجد معه متاع، فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): ما إخالك سرقت؟ قال: بلى، قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): اذهبوا به فاقطعوه ثم جيئوا به، فقطعوه ثم جاءوا به فقال له: قل أستغفر اللَّه و أتوب إليه، فقال: استغفر اللَّه و أتوب إليه، قال: اللَّهمّ تب عليه.

ترجم عليه باب تلقين السارق.

و خرجه أبو داود [ (2)] من حديث مصعب بن ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، قال:

جي‏ء بسارق إلى رسول‏

____________

[ (1)] (سنن النسائي): 8/ 438، كتاب قطع السارق، باب (3) تلقين السارق، حديث رقم (4892)، قال الحافظ السندي: قوله: «ما إخالك» بكسر الهمزة هو الشائع المشهور بين الجمهور، و الفتح لغة بعض، و إن كان القياس لكونه صيغة المتكلم من خاله كخاف بمعنى ظن.

قيل: أراد (صلّى اللَّه عليه و سلم) تلقين الرجوع من الاعتراف، و للإمام ذلك في السارق إذا اعترف، و من لا يقول به لعله ظن بالمعترف غفلة عن معنى السرقة و أحكامها، أو لأنه استبعد اعترافه بذلك، لأنه ما وجد معه متاع. (حاشية السندي على سنن النسائي).

[ (2)]

(سنن أبى داود): 4/ 565- 567، كتاب الحدود باب (20) في السارق يسرق مرارا حديث رقم (4410)، قال الخطابي: هذا في بعض إسناده مقال: و قد عارض الحديث الصحيح الّذي بإسناده، و

هو أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال: و لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، و زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس،

و السارق ليس بواحد من الثلاثة فالوقوف عن دمه واجب.

و لا يعلم أحدا من الفقهاء يبيح دم السارق- و إن تكررت منه السرقة مرة بعد أخرى- إلا أنه قد يخرج على مذاهب بعض الفقهاء أن يباح دمه، و هو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض، في أن للإمام أن يجتهد في تعزير المفسدين، و يبلغ به ما رأى من العقوبة، و إن زاد على مقدار الحد و جوازه و إن رأى القتل قتل و يعزى هذا الرأى إلى الإمام مالك بن أنس.

و هذا الحديث- إن كان له أصل- فهو يؤيد هذا الرأى.

30

اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول اللَّه! إنما سرق، فقال: اقطعوه، قال: فقطع، ثم جي‏ء به الثانية فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول اللَّه! إنما سرق فقال: اقطعوه قال: فقطع، ثم جاء به الثالثة فقال: اقتلوه، فقالوا يا رسول اللَّه إنما سرق فقال: اقطعوه ثم أتى به الرابعة فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق، فقال: اقطعوه، فأتى به الخامسة فقال: اقتلوه، قال جابر رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر و رمينا عليه الحجارة.

و خرج أبو داود [ (1)] من حديث عبد الرزاق قال: أنبأنا ابن جريح قال:

أخبرنى إسماعيل بن أمية أن نافعا مولى عبد اللَّه بن عمر حدثة أن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه تبارك و تعالى عنهما حدثهم أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) قطع يد رجل سرق ترسا من صفّة النساء ثمنه ثلاثة دراهم.

و خرج من حديث محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس رضى اللَّه تبارك و تعالى عنهما، قال: قطع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم [ (2)].

____________

[ ()] و قد يدل على ذلك من نفس الحديث: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قد أمر بقتله لما جي‏ء به أول مرة، ثم كذا في الثانية و الثالثة و الرابعة، إلى أن قتل في الخامسة.

فقد يحتمل أن يكون هذا رجل مشهورا بالفساد، و مخبورا بالشر، معلوما من أمره أنه سيعود إلى سوء فعله، و لا ينتهى عنه حتى ينتهى خبره.

[ (1)] (سنن أبى داود): 4/ 548، كتاب الحدود، باب (11) ما يقطع فيه السارق، حديث رقم (4368).

[ (2)] (المرجع السابق) حديث رقم (4387)، قال الخطابي: و إلى هذا ذهب أبو حنيفة و أصحابه و جعلوه حدا فيما يقطع فيه اليد، و هو قول سفيان الثوري، و قد روى ذلك عن ابن مسعود رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه.

قال: و هكذا تنفيذ، و ليس في موضع التحديد، لأنه إذا كان السارق مقطوعا في ربع دينار فلأن يكون مقطوعا في دينار أولى، و كذلك إذا قطع في ثلاثة دراهم يبلغ قيمتها ربع دينار، فهو بأن يقطع في عشرة دراهم أولى.

31

فصل في ذكره من جلده رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)

خرج البخاري [ (1)] من حديث يحى بن بكير قال: حدثني الليث قال حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه‏

أن رجلا على عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان اسمه عبد اللَّه و كان يلقب حمارا و كان يضحك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قد جلده في الشراب فأتى به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم فقال اللَّهمّ العنة ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم): لا تلعنوه فو اللَّه ما علمت إنه يحب اللَّه و رسوله.

و خرج من حديث بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن أبى هريرة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه قال:

أتى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) بسكران فأمر يضربه، فمنا من ضربه بيده، و منا من ضربه بنعله، و منا من ضربه بثوبه، فلما انصرف قال رجل: ما له أخزاه اللَّه! فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم.

ترجم عليهما ما يكره من لعن شارب الخمر و أنه ليس بخارج عن الملة [ (2)].

____________

[ ()] و قال ابن أبى ليلى و ابن شبرمة: لا تقطع الخمس إلا في الخمسة دراهم، و قد روى ذلك عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه خلاف الرواية الأولى.

[ (1)] (فتح الباري): 12/ 89، كتاب الحدود، باب (5) ما يكر من لعن شارب الخمر، و أنه ليس بخارج عن الملة، حديث رقم (6780).

[ (2)] (المرجع السابق): حديث رقم (6781). قال الحافظ في (الفتح): قوله: «باب ما يكره من لعن شارب الخمر، و أنه ليس بخارج من الملة «يشير إلى طريق الجمع بين ما تضمنه حديث الباب من النهى عن لعنه و ما تضمنه حديث الباب الأول‏

«لا يشرب الخمر و هو مؤمن»

و أن المراد به نفى كمال الإيمان لا أنه يخرج عن الإيمان جملة، و عبر بالكراهة هنا إشارة إلى أن النهى للتنزيه في حق من يستحق اللعن إذا قصد به اللاعن محض السب لا إذا قصد معناه الأصلي و هو الإبعاد عن رحمة اللَّه، فأما إذا قصده فيحرم و لا سيما في حق من لا يستحق اللعن‏

32

____________

[ ()] كهذا الّذي يحب اللَّه و رسوله و لا سيما مع إقامة الحد عليه، بل يندب الدعاء له بالتوبة و المغفرة، و سبب هذا التفصيل عدل عن قوله في الترجمة كراهية لعن شارب الخمر إلى قوله:

«ما يكره من» فأشار بذلك إلى التفصيل، و على هذا التقرير فلا حجة فيه لمنع الفاسق المعين مطلقا، و قيل: إن المنع خاص بما يقع في حضرة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) لئلا يتوهم الشارب عند عدم الإنكار أنه مستحق لذلك، فربما أوقع الشيطان في قلبه ما يتمكن به من فتنه، و إلى ذلك الإشارة بقوله في‏

حديث أبى هريرة «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم»

و قيل المنع مطلقا في حق من أقيم عليه الحد، لأن الحد قد كفر عنه الذنب المذكور، و قيل المنع مطلقا في حق ذي الزلة و الجواز مطلقا في حق المجاهرين.

قال النووي في (الأذكار): و أما الدعاء على إنسان بعينه ممن اتصف بشي‏ء من المعاصي فظاهر الحديث أنه لا يحرم و أشار الغزالي إلى تحريمه و قال في «باب الدعاء على الظلمة» بعد أن أورد أحاديث صحيحة في الجواز قال الغزالي: و هي معنى اللعن الدعاء على الإنسان بالسوء حتى على الظالم مثل «لا أصح اللَّه جسمه» و كل ذلك مذموم انتهى. و الأولى حمل كلام الغزالي على الأول.

أما الأحاديث فتدل على الجواز كما ذكره النووي في‏

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم) للذي قال له كل: بيمينك فقال: لا أستطيع فقال «لا استطعت‏

فيه دليل على جواز الدعاء من خالف الحكم الشرعي، و مال هنا إلى الجواز قبل إقامة الحد و المنع بعد إقامته.

و صنيع البخاري يقتضي لعن المتصف بذلك من غير أن يعين باسمه فيجمع بين المصلحتين، لأن لعن المعين و الدعاء عليه قد يحمله على التمادي أو يقنطه من قبول التوبة، بخلاف ما إذا صرف ذلك إلى المتصف فإن فيه زجرا و ردعا عن ارتكاب ذلك و باعثا لفاعله على الإقلاع عنه، و يقويه النهى عن التثريب على الأمة إذا جلدت على الزنا كما سيأتي قريبا.

و احتج شيخا الإمام البلقيني على جواز لعن المعين بالحديث الوارد في المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح و هو في الصحيح، و قد توقف فيه بعض من لقيناه بأن اللاعن لها الملائكة فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم و على التسليم فليس في الخبر تسميتها، و الّذي قاله شيخنا أقوى فإن الملك معصوم و التأسي بالمعصوم مشروع البحث في جواز لعن المعين و هو الموجود.

33

____________

[ ()] قوله: (إن رجلا كان على عهد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان اسمه عبد اللَّه و كان يلقب حمارا) ذكر الواقدي في غزوة خيبر من (مغازيه) عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال و وجد حصن الصعب ابن معاذ فذكر ما وجد من الثياب و غيرها إلى أن قال: (و زقاق خمر فأريقت، و شرب يومئذ من تلك الخمر رجل يقال له عبد اللَّه الحمار) و هو باسم الحيوان المشهور، و قد وقع في حديث الباب أن الأول اسمه و الثاني لقبه و جوز ابن عبد البر أنه النعيمان المبهم في حديث عقبة بن الحارث فقال في ترجمة النعيمان «كان رجلا صالحا و كان له ابن انهمك في الشراب فجلده النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) فعلى هذا يكون كل من النعيمان و ولده عبد اللَّه جلد في الشرب.

و قوى هذا عنده بما أخرجه الزبير بن بكار في (المفاكهة) من حديث محمد بن عمرو بن حزم قال: كان بالمدينة رجل يصيب الشراب فكان يؤتى به النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) فيضربه بنعله و يأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم و يحثون عليه التراب، فلما كثر ذلك منه قال له رجل هل الشارب النعيمان أو ابن النعيمان و الراجح النعيمان فهو غير المذكور هنا لأن قصة عبد اللَّه كانت في خيبر فهي سابقة على قصة النعيمان فإن عقبة بن الحارث من مسلمة الفتح و الفتح كان بعد خيبر بنحو من عشرين شهرا.

قوله (و كان يضحك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)) أي يقول بحضرته أو يفعل ما يضحك منه، و قد

أخرج أبو يعلى من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم بسند الباب‏ «ان رجلا كان حمارا و كان يهدى لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) العكة من السمن و العسل فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) فقال: أعط هذا متاعه، فما يزيد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) أن يتبسم و يأمر به فيعطى «و وقع في حديث محمد ابن عمرو بن حزم بعد قوله: «يحب اللَّه و رسوله» قال: «و كان لا يدخل إلى المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فقال: أعط هذا الثمن، فيقول أ لم تهده إلى؟ فيقول: ليس عندي، فيضحك و يأمر بثمنه»

و هذا مما يقوى أن صاحب الترجمة و النعيمان واحد و اللَّه أعلم.

قوله: (قد جلده في الشراب) أي بسبب شربه الشراب المسكر و كان فيه مضمرة أي كان قد جلده، و وقع في رواية معمر عن زيد بن أسلم بسنده هذا عند عبد اللَّه الرزاق «أتى برجل قد شرب الخمر فحد، ثم أتى به فحد، ثم أتى به فحد، ثم أتى به فحد أربع مرات».

قوله: (ما أكثر ما يؤتى به) في رواية الواقدي «ما يضرب» و في رواية معمر «ما أكثر ما يشرب و ما أكثر ما يجلد».

34

____________

[ ()] قوله: (لا تلعنوه)

في رواية الواقدي‏ «لا تفعل يا عمر»

و هذا قد يتمسك به من يدعى اتحاد القصتين، و هو لما بينته من اختلاف الوقتين، و يمكن الجمع بأن ذلك وقع للنعيمان و لابن النعيمان و أن اسمه عبد اللَّه و لقبه حمار، و اللَّه أعلم.

قوله: (فو اللَّه ما علمت إنه يحب اللَّه و رسوله)

كذا للأكثر بكسر الهمزة، و يجوز على رواية ابن السكن الفتح و الكسر، و قال بعضهم الرواية بفتح الهمزة.

و في هذا الحديث من الفوائد جواز التلقيب و قد تقدم القول فيه في كتاب الأدب، و هو محمول هنا على أنه كان لا يكرهه، أو أنه ذكر به على سبيل التعريف لكثرة من كان يسمى بعبد اللَّه، أو أنه لما تكرر منه الإقدام على الفعل المذكور نسب إلى البلادة فأطلق عليه اسم من يتصف بها ليرتدع بذلك. و فيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر لثبوت النهى عن لعنه و الأمر بالدعاء له. و فيه أن لا تنافى بين ارتكاب النهى و ثبوت محبة اللَّه و رسوله في قلب المرتكب لأنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أخبر بأن المذكور يحب اللَّه و رسوله مع وجوب ما صدر منه، و أن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة اللَّه و رسوله، و يؤخذ منه تأكيد ما تقدم أن نفى الايمان عن شارب الخمر لا يراد به زواله بالكلية بل نفى كماله كما تقدم، و يحتمل أن يكون استمرار ثبوت محبة اللَّه و رسوله في قلب العاصي مقيدا بما إذا ندم على وقوع المعصية و أقيم عليه الحد فكفر عنه الذنب المذكور، بخلاف من لم يقع منه ذلك فإنه يخشى عليه بتكرار الذنب أن يطبع على قلبه شي‏ء حتى يسلب منه، نسأل اللَّه العفو و العافية. و فيه ما يدل على نسخ الأمر الوارد بقتل شارب الخمر إذا تكرر منه إلى الرابعة أو الخامسة، فقد ذكر ابن عبد البر أنه أتى به أكثر من خمسين مرة.

و له من طريق أخرى عن أبى هريرة، أخرجها عبد الرزاق، و أحمد، و الترمذي تعليقا، و النسائي،

كلهم من رواية سهيل بن أبى صالح، عن أبيه عنه‏ بلفظ «إذا شربوا فاجلدوهم ثلاثا، فإذا شربوا الرابعة فاقتلوهم‏ «و روى عن عاصم بن بهدلة عن أبى صالح فقال أبو بكر بن عياش عن أبى صالح عن أبى سعيد كذا أخرجه حبان من رواية عثمان بن أبى شيبة عن أبى بكر.

أخرجه الترمذي عن أبى كريب عنه فقال: «عن معاوية» بدل «أبى سعيد» و هو المحفوظ. و كذا أخرجه أبو داود من رواية أبان العطار عنه، و تابعه الثوري و شيبان بن عبد الرحمن و غيرهما عن

عاصم، و لفظ الثوري عن عاصم‏ «ثم إن شرب الرابعة فاضربوا عنقه»

35

و خرج البخاري [ (1)] و أبو داود [ (2)] من حديث يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن أبى هريرة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه قال:

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أتى برجل قد شرب الخمر فقال: اضربوه قال أبو هريرة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه: فمنا الضارب بيده و الضارب بنعله و الضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك اللَّه فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): لا تقولوا هكذا لا تعينوا الشيطان عليه.

***

____________

[ ()] و وقع في رواية أبان عند أبى داود «ثم إن شربوا فاجلدوهم» ثلاث مرات بعد الأولى ثم قال:» إن شربوا فاقتلوهم».

ثم ساقه أبو داود من طريق حميد بن يزيد عن نافع عن ابن عمر قال: «و أحسبه قال في الخامسة ثم إن شربها فاقتلوه «قال و كذا في حديث عطيف في الخامسة، قال: أبو داود «و في رواية عمر بن أبى سلمة عن أبيه و سهيل بن أبى صالح عن أبيه كلاهما عن أبى هريرة في الرابعة «و كذا في رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العاص و الشريد.

و في رواية معاوية: «فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه‏

«و قال الترمذي بعد تخريجه:

و في الباب عن أبى هريرة و الشريد و شرحبيل بن أوس و أبى الرمداء و جرير و عبد اللَّه بن عمرو و قلت: و قد ذكرت حديث أبى هريرة، و أما حديث الشريد و هو ابن أوس الثقفي فأخرجه أحمد و الدارميّ و الطبراني و صححه الحاكم بلفظ «إذا شرب فاضربوه» و قال في آخره «ثم إن عاد الرابعة فاقتلوه.

[ (1)] (فتح الباري): 12/ 77، كتاب الحدود، باب (4) الضرب بالجريد و النعال، حديث رقم (6777)، و أخرجه أيضا في باب (5) ما يكره من لعن شارب الخمر، و أنه ليس بخارج عن الملة، حديث رقم (6780)، و قد سبق تخريجه و شرحه.

[ (2)] (سنن أبى داود): 4/ 620، كتاب الحدود، باب (36) الحد في الخمر، حديث رقم (4477).

36

فصل في ذكر فارس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)

قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: أبو قتادة الأنصاري رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه، فارس رسول اللَّه و كان يعرف بذلك. اختلف في اسمه، فقيل: الحارث بن ربعي بن بلدمة، و قيل: النعمان بن عمر بن بلدمة، و قيل:

عمر بن ربعي بن بلدمة، و قيل بلدمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة.

اختلف في شهوده بدرا. فقال بعضهم: كان بدريا. و لم يذكره ابن عقبه، و لا ابن إسحاق في البدريين، و شهد أحدا و ما بعدها من المشاهد كلها. [ (1)]

____________

[ (1)] قال الحافظ في (الاستيعاب): 4/ 1731)، ترجمة رقم (3130)، (الإصابة): المشهور أن اسمه الحارث. و جزم الواقدي، و ابن القداح، و ابن الكلبي، بأن اسمه النعمان. و قيل اسمه عمرو. و أبوه ربعي هو ابن بلدمة بن خناس، بضم المعجمة و تخفيف النون، و آخره مهملة، ابن غنم بن سلمة بن الأنصاري الخزرجي السلمي. و أمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد ابن غنم.

اختلف في شهوده بدرا، فلم يذكره موسى بن عقبة و لا ابن إسحاق، و اتفقوا على أنه شهد أحدا و ما بعدها، و كان يقال له فارس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم). ثبت ذلك في صحيح مسلم، في حديث ابن الأكوع الطويل الّذي فيه قصة ذي قرد و غيرها.

و أخرج الواقدي من طريق يحيى بن عبد اللَّه بن أبى قتادة، عن أبيه، قال: أدركنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يوم ذي قرد، فنظر إلى فقال: اللَّهمّ بارك في شعره و بشره، و قال- أفلح وجهه فقلت: و وجهك يا رسول اللَّه. قال: ما هذا الّذي بوجهك؟ قلت: سهم رميت به. قال ادن.

فدنوت، فبصق عليه، فما ضرب على قط و لا فاح‏

- ذكره في حديث طويل.

و قال سلمة بن الأكوع في حديثه الطويل الّذي أخرجه مسلم: خير فرساننا أبو قتادة، و خير رجالنا سلمة بن الأكوع.

و وقعت في هذه القصة بعلو في (المعرفة) لابن مندة، و وقعت لنا من حديث أبى قتادة نفسه في آخر (المعجم الصغير) للطبراني، و كان يقال له فارس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم).

37

____________

[ ()] و روى أيضا عن معاذ و عمر. روى عنه ابناه: ثابت، و عبد اللَّه، و مولاه أبو محمد نافع الأفرغ، و أنس، و جار، و عبد اللَّه بن رباح، و سعيد بن كعب بن مالك، و عطاء ابن يسار، و آخرون.

قال ابن سعد: شهدا أحدا و ما بعدها. و قال أبو أحمد الحاكم: يقال كان بدريا.

و قال إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): خير فرساننا أبو قتادة.

و قال أبو نضرة، عن أبى سعيد: أخبرنى من هو خير منى أبو قتادة.

و من لطيف الرواية عن أبى قتادة ما فرى على فاطمة بنت محمد الصالحية و نحن نسمع، عن أبى نصير بن الشيرازي أخبرنا عبد الحميد بن عبد الرشيد في كتابه، أخبرنا الحافظ أبو العلاء العطار، أخبرنا أبو على الحداد، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا الطبراني، حدثتنا عبدة بنت عبد الرحمن مصعب بن ثابت بن عبد اللَّه بن أبى قتادة، حدثني أبى عبد الرحمن، عن أبيه مصعب، عن أبيه ثابت، عن أبيه

عبد اللَّه، عن أبيه أبى قتادة- أنه حرس النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) ليلة بدر، فقال: اللَّهمّ احفظ أبا قتادة كما حفظ نبيك هذه الليلة.

و به عن أبى قتادة، قال: انحاز المشركون على لقاح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فأدركتهم فقتلت مسعدة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) حين رآني: أفلح الوجه‏

قال الطبراني: لم يروه عن أبى قتادة إلا ولده، و لا سمعناها إلا منه عنده، و كانت امرأة فصيحة عاقلة متدينة.

قلت: الحديث الأول جاء عن أبى قتادة في قصة طويلة من رواية عبد اللَّه بن رباح، عن أبى قتادة، قال: كنت مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في بعض أسفاره إذ مال عن راحلته، قال: فدعمته فاستيقظ- فذكر الحديث، و فيه: حفظك اللَّه كما حفظت نبيه.

أخرجه مسلم مطولا، و فيه: ليس التفريط في النوم. و في آخره: إن ساقى القوم آخر القوم آخرهم شربا. و قوله في رواية عبدة ليلة بدر غلط، فإنه لم يشهد بدرا، و الحديث الثاني قد تقدمت الإشارة إليه.

و كانت وفاة أبى قتادة بالكوفة في خلافة على. و يقال إنه كبر عليه ستا. و قال: إنه بدري. و قال الحسن بن عثمان: مات سنة أربعين، و كان شهد مع مشاهده. و قال خليفة:

ولاه على مكة ثم ولاها قثم بن العباس. و قال الواقدي: مات بالمدينة سنة أربع و خمسين، و له اثنتان و سبعون سنة. و يقال ابن سبعين. قال: و لا أعلم بين علمائنا اختلافا في ذلك. و روى أهل الكوفة أنه مات بالكوفة و على بها سنة ثمان و ثلاثين، و ذكره البخاري في (الأوسط) فيمن‏

38

فصل ذكر أمناء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)

اعلم أنه كان لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عدة أمناء،

فخرج البخاري و مسلم من حديث أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة:

أنشدك اللَّه هل سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول: يا حسان أجب عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، اللَّهمّ أيده بروح القدس؟ قال أبو هريرة: نعم.

ذكره البخاري في كتاب الصلاة، في باب الشعر في المسجد. و ذكره في كتاب الأدب في باب هجاء المشركين [ (1)].

و خرج البخاري و مسلم من حديث شعبة عن عدي بن ثابت قال سمعت:

البراء بن عازب رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه‏

، سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول لحسان بن ثابت اهجهم أو هاجهم و جبريل معك.

ذكره البخاري في كتاب الأدب، باب هجاء المشركين، و في كتاب المغازي، في آخر باب مرجع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) من الأحزاب و مخرجه إلى بنى قريظة و محاصرته إياهم، من حديث عدي بن ثابت عن البراء بن عازب رضى اللَّه‏

____________

[ ()] مات بين الخمسين و الستين، و ساق بإسناد له أن مروان لما كان واليا على المدينة من قبل معاوية أرسل إلى أبى قتادة ليريه مواقف النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه، فانطلق معه فأراه.

و يدل على تأخره أيضا ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل- أن معاوية لما قدم المدينة تلقاه الناس، فقال لأبى قتادة: تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار، (الإصابة): 7/ 327- 329، ترجمة رقم (10405).

[ (1)] (فتح الباري): 1/ 720، كتاب الصلاة باب (68) الشعر في المسجد، حديث رقم (453)، (فتح الباري): 6/ 374، كتاب بدء الخلق باب (6) ذكر الملائكة، حديث رقم (3212) (فتح الباري): 10/ 669، كتاب الأدب باب (91) هجاء المشركين حديث رقم (6152).

39

تبارك و تعالى عنه قال:

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يوم قريظة لحسان من ثابت: اهج المشركين، فإن جبريل معك [ (1)].

و خرج مسلم [ (2)] من حديث عمارة بن غزية عن محمد بن إبراهيم عن سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنها، أن رسول‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 7/ 529، كتاب المغازي، باب (31) مرجع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) من الأحزاب و مخرجه إلى بنى قريظة، و محاصرته إياهم، حديث رقم (4142)، (فتح الباري): 10/ 669، كتاب الأدب باب (91) هجاء المشركين، حديث رقم (6153).

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 16/ 282- 284، كتاب فضائل الصحابة باب (34) فضائل حسان ابن ثابت رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه، حديث رقم (157)، و تمامه: قال حسان:

هجوت محمدا فأجبت عنه‏* * * و عند اللَّه في ذاك الجزاء

هجوت محمدا برا حنيفا* * * رسول اللَّه شيمته الوفاء

فإن أبى و والده و عرضي‏* * * لعرض محمد منكم وفاء

ثكلت بنيتي إن لم تروها* * * تثير النقع من كنفى كداء

يبارين الأعنة مصعدات‏* * * على أكتافها الأسل الظماء

تظل جيادنا متمطرات‏* * * تلطمهن بالخمر النساء

فإن أعرضتموا عنا اعتمرنا* * * و كان الفتح و انكشف الغطاء

و إلا فاصبروا لضراب يوم‏* * * يعز اللَّه فيه من يشاء

و قال اللَّه قد أرسلت عبدا* * * يقول الحق ليس به خفاء

و قال اللَّه قد يسرت جندا* * * هم الأنصار عرضتها اللقاء

يلاقى كل يوم من معدّ* * * سباب أو قتال أو هجاء

فمن يهجو رسول اللَّه منكم‏* * * و يمدحه و ينصره سواء

و جبريل رسول اللَّه فينا* * * و روح القدس ليس له كفاء

قوله «لأفرينهم بلساني فرى الأديم» أي لأمزقن أعراضهم تمزيق الجلد.

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم)‏ «هجاهم حسان فشفى و اشتفى»

أي شفى المؤمنين و اشتفى هو بما ناله من أعراض الكفار و مزقها و نافخ عن الإسلام و المسلمين قوله «هجوت محمدا برا تقيا» و في كثير من النسخ حنيفا بدل تقيا فالبر بفتح الباء الواسع الخير و هو مأخوذ من البر بكسر الباء و هو الاتساع في‏

40

____________

[ ()] الإحسان و هو اسم جامع للخير و قيل البر هنا بمعنى المتنزه عن المآثم و أما الحنيف فقيل هو المستقيم و الأصح أنه المائل إلى الخير و قيل الحنيف التابع إبراهيم (صلّى اللَّه عليه و سلم). قوله: «شيمته الوفاء» أي خلقه. قوله:

«فان أبى و والدتي و عرضي‏* * * لعرض محمد منكم وقاء»

هذا مما احتج به ابن قتيبة لمذهبه أن عرض الإنسان هو نفسه لا أسلافه لأنه ذكر عرضه و أسلافه بالعطف و قال غيره: عرض الرجل أموره كلها التي يحمد بها و يذم من نفسه و أسلافه و كان ما لحقه نقص يعيبه و أما قوله وقاء فبكسر الواو و بالمد و هو ما وقيت به الشي‏ء. قوله «تثير النقع» أي ترفع الغبار و تهيجه. قوله: «من كنفى كداء» هو بفتح النون أي جانبي كداء بفتح الكاف و بالمد هي ثنية على باب مكة سبق بيانها في كتاب الحج و على هذه الرواية في هذا البيت أقواء مخالف لباقيها و في بعض النسخ: غايتها كداء و في بعضها: موعدها كداء. قوله «يبارين الأعنة» و يروى يسار عن الأعنة، قال القاضي: الأول هو رواية الأكثرين و معناه أنها لصرامتها و قوة نفوسها تضاهي أعنتها بقوة جبذها لها و هي منازعتها لها أيضا قال القاضي و في رواية ابن الحذاء يبارين الأسنة و هي الرماح قال فان صحت هذه الرواية فمعناها أنهن يضاهين قوامها و اعتدالها.

قوله «مصعدات» أي مقبلات إليكم و متوجهات يقال: أصعد في الأرض إذا ذهب فيها مبتدئا و لا يقال للراجع.

قوله: «على أكتافها الأسل الظماء» أما أكتافها فبالتاء المثناة فوق و الأسل بفتح الهمزة و السين المهملة و بعدها لام هذه رواية الجمهور، و الأسل الرماح و الظماء الرقاق فكأنها لقلة مائها عطاش و قيل المراد بالظماء العطاش لدماء الأعداء و في بعض الروايات الأسد الظماء بالدال أي الرجال المشبهون للأسد العطاش الى دمائكم.

قوله: «تظل جيادنا متمطرات» أي تظل خيولنا مسرعات يسبق بعضها بعضا. قوله «تلطمهن بالخمر النساء» أي تمسحهن النساء بخمرهن بضم الخاء و الميم جمع خمار أي يزلن عندهم الغبار و هذا لعزتها و كرامتها عندهم و حكى القاضي أنه روى بالخمر بفتح الميم جمع خمرة و هو صحيح المعنى لكن الأول هو المعروف و هو الأبلغ في إكرامها.

41

اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال: اهجوا قريشا فإنه أشدّ عليها من رشق النبل، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه فجعل يحركه فقال: و الّذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فرى الأديم، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، و إن لي فيهم نسبا حتى يلخص لك نسبي، فأتاه حسان ثم رجع فقال: يا رسول اللَّه قد لخص لي نسبك، و الّذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، قالت عائشة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنها:

فسمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن اللَّه و رسوله، و قالت: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول: هجاهم حسان فشفى و اشتفى.

و قد تقدم التعريف بحسان بن ثابت الأنصاري، و كعب بن مالك، و أبى ابن كعب، رضى اللَّه تبارك و تعالى عنهم. و عبد اللَّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ أبو محمد، أحد النقباء، شهد العقبة و بدرا و ما بعدها، و استشهد بمؤتة في جمادى سنة ثمان، و هو أحد الأمينين، و أحد الشعراء، و في حسان و كعب بن مالك نزل قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ [ (1)].

***

____________

[ ()] قوله: «و قال اللَّه قد يسرت جندا» أي هيأتهم و أرصدتهم. قوله: «عرضتها اللقاء» هو بضم العين أي مقصودها و مطلوبها. قوله: «ليس له كفاء» أي مماثل و لا مقاوم. و اللَّه تبارك و تعالى أعلم.

[ (1)] الشعراء: 227، و في (الأصل): حتى‏ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً.

42

فصل في ذكر شعراء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)

اعلم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) مدحه بالشعر جماعة من الرجال و النساء، ذكر من ذكره منهم الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد اللَّه بن عبد عبد البر نحو مائة و عشرين [ (1)]، و جمعهم الحافظ فتح الدين محمد بن محمد الأندلسى المعروف بابن سيد الناس في قصيدة ميمية ثم شرحها في مجلد سماه (منح المدح)، أو (فتح المدح)، و رتبهم على حروف المعجم، قارب بهم المائتين و كان لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) ثلاثة شعراء يناضلون عنه بشعرهم و يهجون كفار قريش و هم حسان بن ثابت، و عبد اللَّه بن رواحة، و كعب بن مالك، و هم من الأنصار، رضى اللَّه تبارك و تعالى عنهم.

***

____________

[ (1)] كان شعراء المسلمين: حسان بن ثابت، و عبد اللَّه بن رواحة، و كعب بن مالك، و أما شعراء المشركين: فعمرو بن العاص، و عبد اللَّه بن الزبعري، و أبو سفيان بن الحارث.

قال أبو عمر بن عبد البر: قيل لعلى بن أبى طالب: اهج عنا القوم الذين يهجوننا فقال:

إن أذن لي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فعلت، فقالوا: يا رسول اللَّه ائذن له، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): إن عليا ليس عنده ما يراد في ذلك منه، أو ليس في ذلك هنالك، ثم قال ما يمنع القوم الذين نصروا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟

قال ابن سيرين: و انتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار: حسان، و كعب، و عبد اللَّه بن رواحة، فكان حسان و كعب يعرضان بهم في الوقائع و الأيام و المآثم و يذكران مثالبهم، و كان عبد اللَّه بن رواحة يعيرهم بعبادة ما لا ينفع.

فكان قوله أهون عليهم يومئذ، و كان قول حسان و كعب أشد القول عليهم، فلما أسلموا و فقهوا كان أشد القول عليهم قول عبد اللَّه بن رواحة، و في ترجمة حسان بن ثابت من (الإصابة):

قال أبو عبيدة: فضل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاثة: و كان شاعر الأنصار في الجاهلية، و شاعر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) في أيام النبوة، و شاعر اليمن كلها في الإسلام.

43

فصل في ذكر من حجم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)

قال ابن سيده: الحجم: المصّ. يقال: حجم الصبى ثدي أمه إذا مصه.

و الحجام: المصاص. قال الأزهري: يقال للحاجم حجّام لامتصاصه فم المحجمة. و قد حجم يحجم حجما، و حاجم حجوم و فتق أحجم [ (1)].

و قد ورد [أنه كان ل] [ (2)] رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) اثنان، هما: أبو طيبة مولى بنى حارثة، و اسمه نافع، و قيل: ميسرة، لم يشهد بدرا [ (3)].

____________

[ (1)] قال ابن الأثير: المحجم بالكسر، الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة عند المصّ، قال:

و المحجم أيضا مشرط الحجام، و منه الحديث: لعقة عسل أو شرطة محجم. و حرفته و فعله الحجامة، و الحجم: فعل، و هو الحجام. و احتجم: طلب الحجامة، هو محجوم.

و في حديث الصوم: أفطر الحاجم و المحجوم. قال ابن الأثير: معناه: أنها تعرضا للإفطار، أما المحجوم فللضعف الّذي يلحقه، و أما الحاجم فلم يأمن أن يصل إلى حلقه شي‏ء من الدم فيبلعه أو من طعمه.

قال: و قيل: هذا على سبيل الدعاء عليهما، أي بطل أجرهما صارا مفطرين، كقوله:

من صام الدهر فلا صام و لا أفطر.

و قولهم: أفرغ من حجّام ساباط، لأنه كانت تمر به الجيوش فيحجمهم نسيئة من الكساد، حتى يرجعوا. فضرب به المثل. (لسان العرب): 12/ 166- 117.

[ (2)] زيادة يقتضيها السياق.

[ (3)] هو أبو طيبة الحجام، مولى الأنصار، من بنى حارثة، و قيل: من بنى بياضة، يقال: اسمه دينار. حكاه ابن عبد البر، و لا يصح، فقد ذكر الحاكم أبو أحمد أن دينار الحجام آخر. تابعي، و أخرج ابن مندة حديثا لدينار الحجام عن أبى طيبة، و يقال: اسمه ميسرة.

ذكر البغوي في (معجم الصحابة) عن أحمد بن عبيد أبى طيبة- أنه سأله عن اسم جده أبى طيبة؟ فقال: ميسرة، و يقال اسمه نافع. قال العسكري: قيل اسمه نافع، و لا يصح، و لا يعرف اسمه.

قال الحافظ: كذا قال، و وقع مسمى كذلك في مسند محيصة بن مسعود من (مسند أحمد)، ثم من طريق أبى حبيب، عن أبى عقير الأنصاري، عن محمد بن سهل بن أبى خيثمة، عن‏

44

و أبو هند عبد اللَّه، مولى فروة بن عمرو البياضي، تخلف عن بدر، و شهد ما بعدها [ (1)].

____________

[ ()] محيصة- أنه له غلام حجام يقال له نافع أبو طيبة، فسأل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) عن خراجه، فقال:

أعلفه الناضح ... الحديث.

و قد أخرجه أحمد و غيره من حديث الليث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى عقير الأنصاري، عن محمد بن سهل بن أبى خيثمة، عن محيّصة بن مسعود- أنه كان له غلام حجام يقال له نافع أبو طيبة.

و قد ثبت ذكره في الصحيحين أنه حجم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) من حديث أنس و جابر و غيرهما.

و أخرج ابن أبى خيثمة بسند ضعيف عن جابر، قال: خرج علينا أبو طيبة لثمان عشرة خلون من رمضان، فقال له: أين كنت؟ قال: حجمت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم).

و أخرج ابن السكن بسند آخر ضعيف من حديث ابن عباس: كذا جلوسا بباب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فخرج علينا أبو طيبة بشي‏ء في ثوبه، فقلنا: ما هذا معك يا أبا طيبة؟ قال: حجمت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) فأعطانى أجرى.

[ (1)] هو أبو هند الحجام، مولى بنى بياضة.

قال ابن السكن: يقال اسمه عبد اللَّه. و قال ابن مندة: يقال اسمه يسار، و يقال سالم، قال: و قال ابن إسحاق: هو مولى فروة بن عمرو البياضي من الأنصار.

و روى عنه ابن عباس، و جابر، و أبو عميرة، و وقع في موطأ ابن وهب: حجم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أبو هند يسار. و قال ابن إسحاق في (المغازي) أيضا: لما انتهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) رجوعه من بدر إلى عرق الظبية استقبله أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضي بحيس أي بزق مملوء حيسا، كان قد تخلف عن بدر، و شهد المشاهد بعدها.

و أخرج ابن مندة، من طريق شعيب بن أبى حمزة، عن الزهري، يقال: كان جابر يحدث أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) احتجم على كاهله من أجل الشاة التي أكلها، حجمه أبو هند مولى بنى بياضة بالقرن.

و أخرج أبو نعيم، من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة: أن أبا هند حجم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) في اليافوخ من وجع كان به، و قل: إن كان في شي‏ء مما تداوون به خير فالحجامة، كذا قال حماد بن سلمة، و خالفه الدراوَرْديّ، فرواه عن محمد

45

خرج البخاري من حديث محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه‏

أنه سئل عن أجر الحجام، فقال: احتجم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، حجمه أبو طيبة، و أعطاه صاعين من طعام، و كلهم مواليه فخففوا عنه، و قال: إن أمثل ما تداويتم به الحجامة و القسط البحري، و قال: لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، و عليكم بالقسط.

ذكره في كتاب الطب، و ترجم عليه باب الحجامة من الداء [ (1)]. و أخرجه أيضا من حديث مالك، عن حميد عن أنس بن مالك رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه قال: حجم أبو طيبة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فأمر له بصاع من تمر، و أمر أهله أن يخففوا من خراجه. ذكره في كتاب البيوع، باب ذكر الحجام [ (2)].

____________

[ ()] ابن عمرو، عن أبى سلمة، عن هند، قال: حجمت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في اليافوخ، فقال: إن كان في شي‏ء من الدواء خير فهو في هذه الحجامة، يا بنى بياضة، أنكحوا أبا هند، و أنكحوا إليه.

أخرجه ابن جريح، و الحاكم أبو أحمد عنه،

و ذكر الحاكم في الإكليل أنه حلق رأس رسول اللَّه في عمرة الجعرانة.

و أخرج ابن السكن، و الطبراني، من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة- أن أبا هند مولى بنى

بياضة كان حجاما يحجم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فقال: من سره أن ينظر إلى من صور اللَّه الإيمان في قلبه فلينظر إلى أبى هند. و قال: أنكحوه و أنكحوا إليه، و سنده إلى الزهري ضعيف.

و أخرجه الحاكم أبو أحمد مختصرا،

و زاد: و نزلت: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏. [الحجرات: 13].

و ذكر الواقدي في كتاب الردة عن زرعة بن عبد اللَّه بن زياد بن لبيد- أن أبا بكر الصديق أرسل أبا هند مولى بنى بياضة إلى زياد بن لبيد عامل كندة و حضرموت يخبره باستخلافه بعد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم).

[ (1)] (فتح الباري): 10/ 185، كتاب الطب، باب (13) الحجامة من الداء، حديث رقم (5696).

[ (2)] (فتح الباري): 4/ 407، كتاب البيوع، باب (39) ذكر الحجام، حديث رقم (2102).

46

و له من حديث سفيان، عن حميد الطويل، عن أنس رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه، قال: حجم أبو طيبة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) فأمر له بصاع أو صاعين من طعام، و كلم مواليه فخفف من غلته و ضريبته. ذكر في كتاب الإجارة، ترجم عليه باب ضريبة العبد [ (1)].

و خرجه مسلم [ (2)] من حديث إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، و خرج البخاري من حديث شعبة، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه، قال: دعا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) غلاما حجاما فحجمه، و أمر له بصاع أو صاعين أو مد أو مدّين، و كلم فيه، فخفف من ضريبته، و قال مسلم: بصاع أو مدّ، أو مدّين. ترجم عليه البخاري في باب من كلم موالي العبد أن يخففوا عنه من خراجه [ (3)].

و خرج البخاري [ (4)] و مسلم [ (5)] من حديث وهيب، قال: حدثنا طاووس، عن أبيه عن ابن عباس رضى اللَّه تبارك و تعالى عنهما، أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) احتجم و أعطى الحجام أجره و استعط. ذكره البخاري في الإجارة، و مسلم في البيوع.

و لمسلم [ (6)] من حديث عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: حجم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) عبد لبني بياضة، فأعطاه النبي‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 4/ 577، كتاب الإجارة، باب (17) ضريبة العبد و تعاهد ضرائب الإماء حديث رقم (2277).

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 10/ 502، كتاب المساقاة، باب (11) حل أجرة الحجامة، حديث رقم (64).

[ (3)] (فتح الباري): 4/ 579، كتاب الإجارة، باب (19) من كلم موالي العبد أن يخففوا عنه من خراجه، حديث رقم (2278).

[ (4)] (المرجع السابق): حديث رقم (2278).

[ (5)] (مسلم بشرح النووي): 10/ 502، كتاب المساقاة، باب (11) حل أجرة الحجامة، حديث رقم (65).

[ (6)] (المرجع السابق): حديث رقم (66).

47

(صلّى اللَّه عليه و سلم) أجره، و كلم سيده فخفف عنه من ضريبته، و لو كان سحتا لم يعطه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم).

و خرجه البخاري [ (1)] من حديث يزيد بن زريع، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه تبارك و تعالى عنهما قال: احتجم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أعطى الحجام أجره، و لو علم كراهية لم يعطه.

و خرجه الخطيب [ (2)] من حديث محمد بن فضل عن الأعمش، عن نافع، عن ابن عمر رضى اللَّه تبارك و تعالى عنهما، قال: إن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) دعا أبا طيبة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه فحجمه، و سأله عن خراجه فقال: ثلاثة آصع، فوضع عنه صاعين و أعطاه أجره صاعا.

و ذكر ابن أيمن من حديث ابن جريح، عن أبى الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه تبارك و تعالى عنهما يقول: احتجم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أعطاه أجره، و كان خراجه صاعين كل يوم، فأوصى سيده فوضع عنه صاعا [ (3)].

و خرج الحاكم [ (4)] من حديث أسيد بن موسى قال: أنبانا جماد بن سلمة عن أبى هريرة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه قال: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

يا

____________

[ (1)] (فتح الباري): 4/ 578، كتاب الإجارة، باب (18) خراج الحجام، حديث رقم (2279).

[ (2)] (تاريخ بغداد): 13/ 95، في ترجمة محمود بن محمد الواسطي رقم (7079) بسياقة أخرى.

[ (3)] راجع التعليقات السابقة ففيها كفاية.

[ (4)] (المستدرك): 2/ 178، كتاب النكاح، حديث رقم (2693)، قال الحافظ الذهبي في (التلخيص): على شرط مسلم.

و أبو هند الحجام قيل: اسمه عبد اللَّه، و يقال: اسمه يسار، ذكره ابن وهب في (موطإه) في حجامة المحرم، و قال ابن مندة: سالم بن أبى سالم الحجام يقال له: أبو هند.

و قيل: اسم أبى هند سنان. روى عنه أبو الجحاف.

قال ابن إسحاق: هو مولى فروة بن عمرو البياضي، تخلف أبو هند عن بدر، ثم شهد المشاهد كلها.

و كان يحجم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و قال فيه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم): إنما أبو هند امرؤ من‏

48

بنى بياضة أنكحوا أبا هند، و أنكحوا إليه، قال: و كان حجاما.

قال الحاكم:

هذا حديث صحيح على شرط مسلم.

فصل في ذكر حلق شعر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)

اعلم أن المحفوظ من هدى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أنه لم يحلق رأسه المقدم إلا في عمرة أو حجة.

و أول عمرة اعتمرها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بعد الهجرة عمرة الحديبيّة و هي التي صده المشركون فيها عن البيت، فقاضاهم، ثم نحر هديه و حلق.

قال الواقدي: و حدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه ابن أبى صعصعة، عن الحارث بن عبد اللَّه، عن أم عمارة، قالت:

فأنا انظر إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) حين فرغ عن نحر البدن، فدخل قبة له من أدم حمراء، فيها الحلاق فحلق رأسه، فأنظر إليه قد أخرجه رأسه من قبته و هو يقول: رحم اللَّه المحلقين. قيل: يا رسول اللَّه، و المقصرين! قال: رحم اللَّه المحلقين- ثلاثا- ثم قال و المقصرين [ (1)].

و حدثني إبراهيم بن يزيد، عن أبى الزبير، عن جابر، قال و أنا انظر إليه حين حلق رأسه، و رمى بشعره على شجره كانت إلى جنبه من سمره خضراء [ (1)].

____________

[ ()] الأنصار، فأنكحوه و أنكحوا إليه يا بنى بياضة. (الاستيعاب): 4/ 1772، ترجمة رقم (2309).

قال الإمام النووي في (شرح مسلم): و في هذه الأحاديث إباحة التداوي، و إباحة الأجرة على المعالجة بالتطبب، و فيها الشفاعة إلى أصحاب الحقوق، و الديون، في أن يخففوا منها.

و فيها جواز مخارجة العبد برضاه و رضا سيده. (مسلم بشرح النووي): 10/ 502.

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 615- 616.

49

قالت أم عمارة: فجعل الناس يأخذون الشعر من فوق الشجرة، فيتحاصّون فيه، و جعلت أزاحم حتى أخذت طاقات من شعر، فكانت عندها حتى ماتت تغسل للمريض.

قال: و حلق يومئذ ناس، و قصّر آخرون. قالت أم سلمة زوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم): و قصّرت يومئذ أطراف شعرى. و كانت أم عمارة تقول: قصرت يومئذ- بمقص معى- الشعر و ما شدّ.

[قال الواقدي‏]، حدثني خراش بن هنيد، عن أبيه، قال: كان الّذي حلق خراش بن أمية [ (1)]، يعنى ابن الفضل الكعبي الخزاعي، و هو الّذي بعث به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلى مكة، و عقروا جمله، و شهد الحديبة و ما بعدها، و مات آخر خلافة معاوية رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه.

ثم اعتمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عمرة القضية، فطاف بالبيت، و سعى بين الصفا و المروة.

و قال الواقدي: حدثني حزام بن هشام- عن أبيه، أن خراش بن أمية حلق رأس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عند المروة [ (1)].

و قال الواقدي: حدثني حزام بن هشام، عن أبيه، أن خراش بن أمية حلق رأس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عند المروة [ (1)].

و حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن يحى بن حبان، أن الّذي حلقه معمر بن عبد اللَّه العدوي. و يقال فيه: معتمر بن أبى معتمر بن أبى معمر أحد شيوخ بنى عدي، أسلم قديما، و هاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة، و تأخرت هجرته إلى المدينة، و عاش عمرا طويلا، و له أحاديث منها: لا يحتكر إلا خاطئ.

و لما اعتمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من الجعرانة، و أحرم، و دخل مكة، و طاف بالبيت ماشيا، ثم سعى بين الصفا و المروة على راحلته، حتى انتهى إلى المروة من الطواف السابع، و حلق رأسه عند المروة.

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 2/ 737.

50

قال و الواقدي: حلقه أبو هند، عبد بنى بياضة، و يقال: حلقه خراش ابن أمية [ (1)].

و أبو هند هذا هو الحجام المذكور آنفا.

و لما كانت حجة الوداع حلق رأسه بمنى. قال الواقدي: لما نحر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) الهدى، دعا الحلاق، و حضر المسلمون يطلبون من شعر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فأعطى الحلاق شق رأسه الأيمن، ثم أعطاه أبا طلحة الأنصاري. و كلمه خالد بن الوليد رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه في ناصيته حين حلق، فدفعها إليه، و كان يجعلها في مقدم قلنسوته [ (2)]، [فلا يلقى جمعا إلا فضّه، فقال أبو بكر الصديق رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه: كنت انظر إلى خالد بن الوليد، و ما نلقى منه في أحد، و في الخندق و في الحديبيّة، و في كل موطن لاقانا، ثم نظرت إليه يوم النحر يقدم إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بدنة، و هي تعتب في العقل، ثم نظرت إليه و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يحلق رأسه، و هو يقول: يا رسول اللَّه، نا صيتك! لا تؤثر بها على أحدا فداك أبى و أمى! فأنظر إليه أخذ ناصية رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فكان يضعها على عينية و فيه‏] [ (3)].

[قال: و سألت عائشة رضى اللَّه تبارك و تعالى عنها: من أين هذا الشعر الّذي عندكن؟ قالت: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) لما حلق رأسه في حجمته فرّق شعره في الناس، فأصابنا ما أصاب الناس. فلما حلق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) رأسه أخذ من شاربه و عارضيه، و قلم أظفاره، و أمر بشعره و أظفاره أن يدفنا، و قصر

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 2/ 959.

[ (2)] (المرجع السابق): 3/ 1108- 1109.

[ (3)] ما يبن الحاصرتين زيادة يقتضيها السياق من (المرجع السابق).

و في ترجمة معمر بن نضلة، قال يعقوب بن محمد الزهري: حدثني محمد بن إبراهيم مولى بنى زهرة، عن ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الرحمن مولى معمر بن نضلة، قال: قمت على رأس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و معى موسى لأحلق رأسه، فقال: يا معمر، مكنك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من شحمة أذنيه. قلت: ذلك من منن اللَّه عليّ. قال: أجل فحلقت رأسه (الإصابة): 16/ 190، ترجمة رقم (8160).

51

قوم من أصحابه و حلق آخرون، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): رحم اللَّه المحلقين! ثلاثا، كل ذلك يقال: المقصرين يا رسول اللَّه! فقال: و المقصرين! في الرابعة] [ (1)].

فصل في ذكر من طبخ لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)

اعلم أنه جاء عن جماعة، أنهم طبخوا لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فمنهم أبو عبيدة مولاه [ (2)]، و يقال: خادمه.

خرج أبو عيسى الترمذي في (الشمائل) [ (1)]، من حديث قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبى عبيدة، قال:

طبخت للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) قدرا، و قد كان يعجبه الذراع، فناولته الذراع، ثم قال ناولني الذراع، فناولته، ثم قال:

ناولني الذراع، فقلت: يا رسول اللَّه! و كم للشاة من ذراع؟ فقال: و الّذي نفسه بيده لو سكت لناولتنى الذراع ما دعوت.

و سلمى بنت عميس [ (3)] أخت أسماء بنت عميس رضى اللَّه تبارك و تعالى عنهما. خرج أبو يعلى، و أبو عيسى في (الشمائل) [ (4)]، من حديث الفضيل بن‏

____________

[ (1)] (الشمائل المحمدية): 141، باب (26) ما جاء في إدام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، حديث رقم (170)، و هو حديث صحيح لغيره، و قد تفرد به الترمذي، و في سنده ضعف، و له شواهد.

[ (2)] هو أبو عبيد مولى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، ذكره الحاكم أبو أحمد فيمن لا يعرف اسمه، و أخرج حديثه الترمذي في (الشمائل)، و الدارميّ من طريق شهر بن حوشب عنه. قال: طبخت للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) قدرا، و كان يعجبه الذراع ... الحديث و رجاله رجال الصحيح إلا شهر بن حوشب. قال البغوي: له صحبة، حدثني عباس، عن يحى بن معين، قال: أبو عبيد الّذي روى عنه شهر هو من الصحابة. (الإصابة): 7/ 269، ترجمة رقم (10224).

[ (3)] هي سلمى بنت عميس الخثعمية، أخت أسماء، و هي إحدى الأخوات التي قال فيهن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم):

الأخوات مؤمنات. كانت تحت حمزة، فولدت له أمة اللَّه بنت حمزة، ثم خلف عليها بعد قتل حمزة شداد بن الهاد الليثي، فولدت له عبد اللَّه و عبد الرحمن.

52

سليمان قال: أنبأنا عبد اللَّه بن على، عن جدته سلمى قالت: أن الحسن بن عليّ، و ابن عباس، و ابن جعفر أتوها فقالوا لها: أصنعى لنا طعاما مما كان يعجب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و يحسن أكله، فقالت: يا بنى إنك لا تشتهيه اليوم، قال:

بل اصنعيه لنا و صبّت عليه شيئا من زيت، و دقت الفلفل و التوابل، فقربته إليهم فقال: هذا مما كان يعجب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و يحسن أكله. اللفظ لأبى يعلى، و أبى رافع رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه.

و خرج مسلم و النسائي من حديث عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلال، عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبى رافع، عن أبى غطفان، عن أبىّ رضى اللَّه تبارك و تعالى عنه. قال: أشهد لقد كنت أشوى لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بطن الشاة، ثم صلى و لم يتوضأ. هذا لفظ مسلم [ (1)].

____________

[ ()] و أخرج ابن مندة من طريق عبد اللَّه بن المبارك، عن جرير بن حازم، عن محمد بن عبد اللَّه بن أبى يعقوب، و أبى فزارة، جميعا عن عبد اللَّه بن شداد، قال: كانت بنت حمزة أختى من أمى، و كانت أمنا سلمى بنت عميس.

و قال ابن سعد: زوجها حمزة، و كانت أسلمت قديما مع أختها أسماء فولدت لحمزة ابنته عمارة، و هي التي اختصم فيها على و جعفر و زيد بن حارثة ثم بانت سلمى من حمزة، فتزوجها شداد، فولدت له عبد اللَّه، فقضى بها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) لجعفر، و قال: الخالة بمنزلة الأم. و كانت أسماء تحت جعفر، فتعين أن أمها سلمى، و قد بالغ ابن الأثير في الرد على من زعم أن أسماء كانت تحت حمزة. لها ترجمة في (الإصابة): 7/ 706- 707، ترجمة رقم (11317)، (الاستيعاب): 4/ 1816، ترجمة رقم (3381)، (طبقات ابن سعد): 8/ 209.

[ (4)] (الشمائل المحمدية): 148، باب (26) ما جاء في إدام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، حديث رقم (179)، و هو حديث ضعيف تفرد به الترمذي.

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 4/ 285، كتاب الحيض، باب (24) نسخ الوضوء مما مسته النار، حديث رقم (357). قال الإمام النووي: أما غطفان، بفتح الغين المعجمة، و الطاء المهملة، فهو ابن طريف المري المدني. قال الحاكم أبو أحمد: لا يعرف اسمه. قال: و يقال في كنيته أيضا: أبو مالك.