إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج11

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
390 /
3

[تتمة الثمانون‏]

[تتمة الثاني عشر]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

فصل في أنهن لم يدخلن فيمن تحرم عليه الصدقة من الآل‏

فلعموم القرابة التي يثبت بها التحريم، و مع ذلك فإنّهنّ من أهل بيته الذين يستحقون الصلاة عليه، و لا منافاة بين الأمرين.

الثالث عشر:

أنكم قد قلتم بجواز الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تبعا له، و قلتم بجواز أن يقال:

اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد و أصحابه و أزواجه و ذريته و أتباعه.

قال الشيخ محيي الدين أبو زكريا النووي: و اتفقوا على جواز جعل غير الأنبياء تبعا لهم في الصلاة، ثم ذكر هذه الكيفية و قال: الأحاديث الصحيحة في ذلك، و قد أمرنا به في التشهد و لم يزل السلف عليه خارج الصلاة أيضا. قالوا:

و منه الأثر المعروف، عن بعض السلف: اللَّهمّ صل على ملائكتك المقربين، و أنبيائك المرسلين، و أهل طاعتك أجمعين، من أهل السموات و الأرضين.

و أجيب بأن ادعاء الاتفاق غير معلوم الصحة، فقد منع جماعة الصلاة على غير الأنبياء مفردة و تابعة كما تقدم، فمن جعل الاتفاق و هذا التفصيل الّذي ذكرتموه و إن كان معروفا عن بعضهم في أصلهم بقوله: بل يمنعه، وهب أنا نجوز الصلاة على أتباعه بطريق التبعية له فمن أين يجوز إفراد المقر أو غيره بالصلاة عليه استقلالا و دعواكم أن الأحاديث الصحيحة في ذلك غير مسلم بها، فأين تجدون في الأحاديث الصحيحة الصلاة على غير النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و آله و أزواجه و ذريته حتى قلتم: و الصحابة؟ فليس فيما ذكر الصحابة و لا الأتباع، و كذا قولكم: و قد أمرنا به في التشهد، فما أمرنا في التشهد إلا بالصلاة على آله و أزواجه و ذريته فقط دون من عداهم، أوجدونا، و لن تجدوه أبدا.

الرابع عشر:

ما

خرجه أبو يعلى الموصلي، عن ابن زنجويه، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، حدثنا ضمرة بن حبيب بن صهيب، عن أبي الدرداء، عن زيد بن ثابت‏

، أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعاه و أمره أن يتعاهد به أهله كل يوم، قال: قل حين تصبح: لبيك اللَّهمّ لبيك و سعديك، و الخير كله بيديك، و الشر ليس إليك، أنا بك و إليك، و تباركت و تعاليت، و أستغفرك و أتوب إليك،

4

اللَّهمّ ما قلت من قول أو نذرت من نذر، و حلفت من حلف، فمشيئتك بين يديك، ما شئت كان، و ما لم تشأ لم يكن، و لا حول و لا قوة لي إلا بك، أنت على كل شي‏ء قدير، اللَّهمّ ما صليت من صلاة فعلى من صليت، و ما لعنت من لعنة فعلى من لعنت، أنت وليي في الدنيا و الآخرة

تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏

.

و وجه الاستدلال أنه لو لم تشرع الصلاة على غير النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما كان يصلي على من ليس بأهل للصلاة، و لا يدري استثنى من ذلك كما أستثنى في حلفه و نذره.

أجيب بأن في سند هذا الحديث أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم الغساني الحمصي، قال ابن معين: ضعيف الحديث ليس بشي‏ء، و قال أحمد:

كان عيسى بن يونس لا يرضاه، و قال السعدي: ليس بالقوى في الحديث و هو متهالك. و قال النسائي: ضعيف، و قال أبو داود: سرق له متاع فأنكره عقله، و قال ابن عدي: و الغالب على حديثه الغرائب و كل من يوافقه عليه من الثقات، و قال ابن حبان: كان من خيار أهل الشام، و لكنه كان ردي‏ء الحفظ، يتحدث بالشي‏ء فيهم، و كثر ذلك حتى استحق الترك.

قال ابن القيم: و فصل الخطاب في هذه المسألة أن الصلاة على غير النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إما أن يكون آله و أزواجه و ذريته أو غيرهم، فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و جائزة و مفردة.

و أما الثاني: فإن كان الملائكة و أهل الطاعة عموما الذين يدخل فيهم الأنبياء و غيرهم جاز ذلك أيضا فيقال: اللَّهمّ صل على ملائكتك المقربين و أنبيائك و المرسلين و أهل طاعتك أجمعين، و إن كان معينا أو طائفة معينة كره أن تتخذ الصلاة عليه شعارا لا تحل به، و لو قيل بتحريمه لكانت له وجه، و لا سيما إذا جعلها شعارا له، و صنع منها نظيره أو من هو خير منه، و هذا كما يفعل الرافضة بعليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، فإنّهم حيث ذكروه قالوا: عليه الصلاة و السلام، و لا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع منه، و لا سيما إذا اتخذ شعارا لا تحل به، فتركه حينئذ متعين، و أما إن صلّى عليه اتفاقا بحيث لا يجعل ذلك شعارا كما يصلي على دافع الزكاة، و كما قال ابن عمر للميت، و كما

قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

على المرأة و زوجها،

و كما روى‏

5

عن عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- من صلاته على عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- فهذا لا بأس به، و بهذا التفصيل تتفق الأدلة، و يكشف وجه الصواب. و اللَّه الموفق.

الحادية و الثمانون من خصائصه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أن الصلاة عليه واجبة

قال أبو عمر بن عبد البر: و أجمع العلماء على أن الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فرض على كل مؤمن بقوله عز و جل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً [ (1)] ثم اختلفوا في كيفية ذلك و موضعه، فذهب مالك و أبو حنيفة و أصحابهما إلى أن الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فرض في الجملة بعقد الإيمان، و لا يتعين في الصلاة و لا في وقت من الأوقات، و من قول بعضهم: أن من صلى على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مرة في عمره فقد سقط فرض ذلك عنه، و بقي مندوبا إليه في سائر عمره بمقدار ما يمكنه.

قال كاتبه: و هذا أبو محمد بن حزم قال فيمن يقول: أن هذا القول فرض على كل مسلم أن يقوله مرة في الدهر: فإذا فعل ذلك فقد صلّى على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما أمر ثم يستحب له ذلك في الصلاة و غيرها فهو يزيد من الأجر.

قيل: من أين اقتصرتم على وجوب هذا مرة في الدهر و لم توجبوا تكرار ذلك متى ذكر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قلنا: إن ذلك مرة واحدة واجب، و لا يوجد الاقتصار على أقل من مرة، و أما الزيادة على المرة فنحن نسألكم: كم مرة توجبون ذلك في الدهر؟ أو في الحول؟ أو في الشهر؟ أو في اليوم؟ أو في الساعة؟ و لا يمكن منكم تحديد عدد دون عدد إلا ببرهان، و لا سبيل إليه فقد امتنع هذا بضرورة العقل.

____________

[ (1)] الأحزاب: 56.

6

فإن قالوا: نوجب ذلك عليه في الصلاة خاصة، قلنا: ليس هذا موجودا في الآية و لا في شي‏ء من الأحاديث، فهو دعوى منكم بلا برهان، فإن من قال من غير الشافعيّ بقول إيجاب ذلك متى ذكر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في صلاة أو غيرها، قلنا: هذا لا يوجد في الآية و لا في الصحيح من الأخبار.

قال القرطبي في تفسيره: و لا خلاف أن الصلاة عليه فرض في العمر مرة، و في كل حين من الواجبات وجوب السنن المؤكدة، التي لا يسع تركها، و لا يغفلها إلا من لا خير فيه.

و منهم من قال: تجب في كل مجلس مرة و إن تكرر ذكره، كما قال في آية السجدة، و تشميت العاطس، و كذلك في كل دعاء في أوله و في آخره.

و منهم من أوجبها في العمر مرة، و كذا قال في إظهار الشهادتين، و الّذي يقتضيه الاحتياط، الصلاة عليه كلما ذكر، كما ورد من الأخبار في ذلك.

و قال أبو جعفر الطحاوي و أبو عبد اللَّه الحليمي: تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، و قال: ذلك مستحب، و ليس بفرض يأثم تاركه، اختلفوا في ذلك، فقالت فرقة: تجب الصلاة عليه في العمر مرة واحدة، لأن الأمر لا يقتضي تكرارا، و الماهية تحصل بمرة، و هذا لأنه يحكي عن أبي حنيفة و مالك و سفيان الثوري و الأوزاعي.

و قال القاضي عياض- و هو قول جمهور الأمة-: و قالت فرقه: تجب في كل صلاة في تشهدها الأخير و هو قول الشافعيّ و أحمد في أحد الروايتين عنه.

قال ابن عبد البر: و قال الشافعيّ (رحمه اللَّه): إذا لم يصل على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في التشهد الأخير، بعد التشهد و قبل التسليم أعاد الصلاة، قال: و إن صلّى عليه قبل ذلك لم يجز، هذا قول حكاه عنه حرملة، و لا يكاد يوجد عنه إلا من رواية حرملة، و غير حرملة إنما يروى عنه أن الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فرض في كل صلاة، موضعها التشهد الآخر قبل التسليم، و لم يذكر إعادة فيمن وضعها قبل التشهد في الجلسة الأخرى، و أن أصحابه قد تقلدوا رواية حرملة، و مالوا إليها، و ناظروا عليها.

7

و قالت فرقة: الأمر بالصلاة عليه أمر استحباب لا أمر وجوب، هذا قول ابن جريج و طائفة، و ادعى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري فيه الإجماع، و هذا على أصله، فإنه إذا رأى الأكثرين على قول جعل إجماعا يجب اتباعه، و المقدمتان باطلتان، و احتج القائلون بوجوب الصلاة عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحجج:

الأولى:

ما

خرجه الحاكم [ (1)] من حديث أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

: رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ.

و رغم أنفه: دعاء عليه، و ذم له.

الثانية:

قوله‏

: من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فمات فأبعده اللَّه،

و له طرق عن أبي هريرة، و جابر بن سمرة، و كعب بن عجرة، و مالك بن الحويرث، و أنس بن مالك‏

و كل طريق منها جاءت مستقله، و الحديث بهذه الطرق المتعددة يفيد الصحة.

الثالثة:

قوله‏

: من ذكرت عنده فليصل عليّ فإنه من صلّى عليّ مرة صلّى اللَّه عليه عشرا.

لأمر ظاهر في الوجوب.

الرابعة:

قوله‏

: إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ،

و قوله‏

: إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل على،

و قوله‏

: بحسب المؤمن من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي عليّ،

و قوله‏

: كفى به شحا أن أذكر عند رجل فلا يصلي عليّ فإذا ثبت أنه بخيل،

و وجه الدلالة أن البخيل اسم ذمّ، و تارك المستحب لا يستحق اسم الذم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [ (2)] [و قال تعالى:] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ‏ [ (3)] فقرن تعالى البخل بالاختيال و الفخر و الأمر بالبخل، و ذم على المجموع، فدل على أن البخل صفة ذم، و

قد قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

: و أي داء أدوى من البخل؟

و البخيل هو

____________

[ (1)] (المستدرك): 1/ 734، كتاب الدعاء و التكبير و التهليل و التسبيح و الذكر، حديث رقم (2016)، و قال الحافظ الذهبي في (التلخيص): صحيح.

[ (2)] لقمان: 18.

[ (3)] النساء: 37.

8

مانع ما وجب عليه، فمن أدى الواجب عليه كله لم يسم بخيلا، و إنما البخيل مانع ما يجب عليه إعطاؤه و بذله.

الخامسة:

أن اللَّه تعالى أمر بالصلاة و السلام عليه، و الأمر المطلق للتكرار، و لا يمكن أن يقال: التكرار هو في كل وقت، فإن الأوامر المكررة إنما تكرر في أوقات خاصة، أو عند شروط و أسباب تقتضي تكرارها، و ليس وقت أولى من وقت، فتكرر الأمر بتكرار ذكر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أولى لما تقدم من النصوص، و هاهنا ثلاث مقدمات.

المقدمة الأولى:

أن الصلاة مأمور بها أمرا مطلقا، و هذه معلومة.

المقدمة الثانية:

أن الأمر المطلق يقتضي التكرار، و هذا مختلف فيه، فنفاه طائفة، و فرقت طائفة بين الأمر المطلق و المعلق على شرط أو وقت، فأثبت التكرار في المعلق دون المطلق، و هذه الأقوال الثلاثة لأصحابنا، و لأصحاب أحمد و غيرهم يقتضي الوجوب، و النهي يقتضي الفساد، فإن هذا معلوم من خطاب الشارع التكرار، فلا يحمل كلام، و إن كان لا يفرض لصحة المنهي عنه و لا فساده في أصل موضع اللغة، و كذا خطاب الشارع للواحد من الأمة يقتضي معرفة الخاص أن يكون متناولا له و لأمثاله، و إن كان موضوع اللفظ لغة لا يقتضي ذلك، فإن هذه لغة صاحب الشرع، و عرفه في مصادر كلامه، و موارده، و هذا معلوم بالاضطرار عن دينه قبل أن يعلم صحة القياس، و اعتباره، و شروطه، و هذا فرق بين اقتضاء اللفظ و عدم اقتضائه لغة، و بين اقتضائه في عرف الشرع و عادة خطابه.

المقدمة الثالثة:

إذا تكرر المأمور به فإنه لا يتكرر إلا بسبب، و لو لا الأسباب المقتضية لتكراره ذكر اسمه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لإخباره برغم أنف من ذكر عنده فلم يصل عليه، و الإمحال عليه بالبخل، و إعطائه اسمه، و مما يؤيد ذلك أن اللَّه سبحانه أمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه عقب إخباره لهم بأنه و ملائكته يصلون عليه لم يكن مرة و انقطعت، بل هي صلاة متكررة، و لهذا ذكرها مبينا بها فضله، و شرفه، و علو مرتبته، ثم أمر المؤمنين بها، فتكرارها في حقهم أحق و أكثر لأجل الأمر، و لأن اللَّه تعالى أكد السلام بالمصدر الّذي هو التسليم، و هذا يقتضي المبالغة و الزيادة في كميته، و ذلك بالتكرار، و لأن لفظ المأمور به‏

9

يدل على التكثير فإن الفعل المشدد يدل على تكرار الفعل كقولك كسّر الخبز و قطّع اللحم، و علّم الخير، و نحوه، و لأن الأمر بالصلاة عليه في مقابل إحسانه إلى الأمة و تعليمهم و إرشادهم المطلق، و هذه الأقوال الثلاثة لأصحابنا، و لأصحاب أحمد و غيرهم.

و رجحت هذه الطائفة التكرار بأن عامة أوامر اللَّه تعالى على التكرار كقوله تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ [ (1)] و قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [ (2)] و قوله تعالى: وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏ [ (3)] و قوله تعالى:

وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏ [ (4)] و قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏ [ (5)] و قوله تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏ [ (6)] و قوله تعالى: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [ (7)] و قوله تعالى: وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ [ (8)] و قوله في اليتامى:

وَ ارْزُقُوهُمْ فِيها وَ اكْسُوهُمْ‏ [ (9)] و قوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ‏ [ (10)] و قوله تعالى:

____________

[ (1)] الحديد: 7.

[ (2)] البقرة: 208.

[ (3)] التغابن: 12.

[ (4)] النور: 56.

[ (5)] آل عمران: 200.

[ (6)] آل عمران: 175.

[ (7)] آل عمران: 103.

[ (8)] الإسراء: 34.

[ (9)] النساء: 5.

[ (10)] الجمعة: 9.

10

إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ [ (1)] إلى قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [ (2)] إلى قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا [ (3)] و قوله تعالى: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ [ (4)] و قوله تعالى: وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ [ (5)] و قوله تعالى: وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏ وَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [ (6)] و قوله تعالى: وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ‏ [ (7)] و هذا في القرآن كثير جدا.

و إذا كانت أوامر اللَّه تعالى و رسوله على التكرار، حيث وردت إلا في النادر، علم أن هذا عرف خطاب اللَّه و رسوله للأمة، و الأمر إن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار و لا فور، و كان قد عرف في خطاب الشارع التكرار، فلا يحمل كلامه إلا على عرفه، و المألوف من خطابه و إن لم يكن ذلك مفهوما من أصل الوضع في اللغة، و هذا كما قلنا: إن الأمر يقتضي الوجوب، و النهى يقتضي الفساد، فإن هذا معلوم من خطاب الشارع التكرار، فلا يحمل كلامه و إن كان لا يفرض لصحة المنهي عنه و لا فساده في أصل موضوع اللغة، و كذا خطاب الشارع بالواحد من الأمة يقتضي معرفة الخاص أن يكون متناولا له و لأمثاله، و إن كان موضوع اللفظ لغة لا يقتضي ذلك فإن هذه لغة صاحب الشرع، و عرفه في مصادر كلامه و موارده، و هذا معلوم بالاضطرار من دينه قبل أن يتعلم صحة القياس، و اعتباره، و شروطه، و هذا

____________

[ (1)] المائدة: 6.

[ (2)] المائدة: 6.

[ (3)] المائدة: 6.

[ (4)] البقرة: 45.

[ (5)] الأنعام: 152.

[ (6)] الأنعام: 152.

[ (7)] الأنعام: 152.

11

الفرق بين اقتضاء اللفظ و عدم اقتضائه لغة، و بين اقتضائه في عرف الشرع و عادة خطابه.

و معلوم أن مقابلة مثل هذا النفع العظيم لا تحصل بالصلاة مرة واحدة في العمر، بل لو صلّى العبد عليه بعدد أنفاسه لم يكن موفيا لحقه، و لا مؤديا لنعمته، فجعل جزاء هذه النعمة الصلاة عليه عند ذكر اسمه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لهذا أشار (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى ذلك بتسمية من لم يصل عليه عند ذكر اسمه بخيلا، لأن من أحسن إلى العبد الإحسان العظيم، و حصل له منه الخير الجسيم، ثم يذكر عنده فلا يثنى عليه، و لا يبالغ في حمده، و مدحه، و يبدئ ذلك و يعيده، و يعتذر من التقصير في القيام بشكره، و واجب حقه، عده الناس بخيلا، لئيما، كفورا، فكيف بمن أو في إحسانه إلى العبد يزيد على إحسان المخلوقين بعضهم لبعض، الّذي بإحسانه حصل للعبد خير الدنيا و الآخرة، و نجى من شر الدنيا و الآخرة، و الّذي لا تتصور القلوب حقيقة نعمته و إحسانه، فضلا عن أن يقوم بشكره؟.

أ ليس هذا المنعم المحسن أحق بأن يعظم و يثنى عليه، و يتفرغ الوسع في حمده و مدحه، إذا ذكر بين الملأ فلا أقل من أن يصلي عليه مرة إذا ذكر اسمه، و لهذا دعي عليه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) برغم الأنف، و هو أن يلصق أنفه بالتراب.

و أيضا فإن اللَّه تعالى: نهى الأمة أن تجعل دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضا بل تدعوه: يا رسول اللَّه، يا نبي اللَّه، و هذا من تمام تعزيره و توقيره، فلهذا ينبغي أن يخص باقتران اسمه بالصلاة عليه، ليكون ذلك فرقا بينه و بين ذكر غيره، كما كان الأمر به، دعاءه بالرسول، و النبي، فرقا بينه و بين خطاب غيره، فلو كان عند ذكره لا يجب الصلاة عليه لكان ذكره كذكر غيره في ذلك، هذا على أحد التفسيرين في الآية.

و أما التفسير الآخر و هو أن المعنى‏ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [ (1)] فتؤخروا الإجابة بالأعذار و العلل التي يؤخر بعضكم عن إجابة بعض بها، لكن بادروا إليه إذا دعاكم بسرعة الإجابة حتى لم يجعل اشتغالهم بالصلاة عذرا لهم في التخلف عن إجابته، و المبادرة إلى طاعته، فإذا

____________

[ (1)] النور: 63.

12

لم تكن الصلاة التي فيها شغل يستباح به إجابته فكيف ما دونها من الأسباب و الأعذار؟ فعلى هذا يكون المصدر مضافا إلى الفاعل، و على القول الأول يكون مضافا إلى المفعول، و قد يقال: إن المصدر هنا لم يضف إلى الفاعل و لا المفعول، و إنما أضيف إضافة الأسماء المحضة، و يكون المعنى لا تجعلوا الدعاء المتعلق بالرسول المضاف إليه كدعاء بعضكم بعضا، و على هذا فيعم الأمرين معا، و يكون النهى عن دعائهم له باسمه كما يدعو بعضهم بعضا، عن تأخير إجابته، و على كل تقدير فكما أمر اللَّه سبحانه بأن يميز عن غيره في خطابه و دعائه إياهم، قياما للأمة بما يجب عليهم من تعظيمه و إجلاله، فتمييزه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالصلاة عليه عند ذكر اسمه من تمام هذا المقصود و

قد أخبر (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

أن من ذكر عنده فلم يصل عليه خطئ طريق الجنة،

فلو لا أن الصلاة عليه واجبة عند ذكره، فلم يكن تاركها مخطئا لطريق الجنة، فمن ذكر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عنده فلم يصل عليه فقد جفاه و لا يجوز لمسلم جفاؤه.

و الدليل على المقدمة الأولى:

حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، يرفعه‏

: من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي عليّ‏

و هذا و إن كان مرسلا لا يحتج به، فله شواهد.

و الدليل على المقدمة الثانية:

أن جفاءه مناف لكمال حبه، و تقديم محبته على النفس، و الأهل، و المال، و أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإن العبد لا يؤمن حتى يكون الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أحب إليه من نفسه، و ولده، و والده، و الناس أجمعين كما تقدم، فإن المحبة ثلاثة أنواع:

* إما محبة إجلال و تعظيم، كمحبة الوالدين.

* و إما محبة تحنن و بر و لطف، كمحبة الولد.

* و إما محبة لأجل الإحسان و صفات الكمال، كمحبة الناس بعضهم بعضا.

و لا يؤمن العبد حتى يكون حب الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أشد من هذه المحبات الثلاثة، و معلوم أن حقا ثانيا في ذلك، فلما كانت محبته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فرضا و كانت توابعها من الإجلال، و التعظيم، و التوقير، و الطاعة، و التقديم على النفس و إيثاره بنفسه بحيث بقي نفسه بنفسه فرضا، كانت الصلاة عليه من لوازم هذه‏

13

المحبة و تمامها، و إذا ثبت لهذه الوجوه و غيرها وجوب الصلاة على من ذكر عنده، فوجوبها على الذاكر أولى.

و نظير هذا أن السامع آية السجدة إذا أمر بالسجود إما وجوبا و استحبابا على القولين فوجوبها على التالي أولى،

و احتج نفاة الوجوب بوجوه:

أحدها:

أنه من المعلوم الّذي لا ريب فيه أن السلف الصالح الذين هم القدوة لم يكن أحدهم كلما ذكر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقرن الصلاة عليه باسمه، و هذا في خطابهم للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أكثر من أن يذكر، فإنّهم كانوا يقولون: يا رسول اللَّه، مقتصرين على ذلك، و ربما كان يقول أحدهم: صلى اللَّه عليك، و هذا في الأحاديث ظاهر كثير، فلو كانت الصلاة عليه واجبة عند ذكره لأنكر عليه تركها.

الثاني:

أن الصلاة عليه لو كانت واجبة كما ذكر لكان هذا من أظهر الواجبات، و لبينه لأمته بيانا يقطع العذر و تقوم به الحجة.

الثالث:

أنه لا يعرف عند أحد من الصحابة و لا التابعين و لا تابعيهم هذا القول، و لا يعرف أحد منهم قال به، و أكثر الفقهاء حكى الإجماع على أن الصلاة عليه ليست من فروض الصلاة، و قد نسب القائل بوجوبها إلى الشذوذ، و مخالفة الإجماع، فكيف خارج الصلاة؟.

الرابع:

لو وجبت الصلاة عليه عند ذكره دائما لوجب على المؤذن أن يقول: أشهد أن محمدا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لا يشرع له في الأذان فضلا عن أن تجب عليه.

الخامس:

أنه كان يجب على من سمع النداء و يجيبه أن يصلي عليه، و قد أمر (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن نقول كما يقول المؤذن، و هذا دليل على جواز اقتصاره على قوله: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدا رسول اللَّه، هذا هو مثل ما قال المؤذن.

السادس:

أن التشهد الأول ينتهى عند قوله: و أشهد أن محمدا عبده و رسوله اتفاقا، و اختلف هل يشرع أن يصلي على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و على آله في التشهد الأخير أم لا؟ على ثلاثة أقوال: قيل: لا يشرع الصلاة عليه خاصة دون آله، و لم يقل أحد بوجوبها في التشهد الأول عند ذكر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

14

السابع:

أن المسلم إذا دخل في الإسلام بتلفظه بالشهادتين لم يحتج أن يقول: أشهد أن محمدا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

الثامن:

أن الخطيب في الجمع و الأعياد و نحوها، لا يحتاج أن يصلي على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في نفس التشهد، و لو كانت الصلاة واجبة عليه عند ذكره لوجب عليه أن يقرنها بالشهادة، فلا يقال: تكفي الصلاة عليه في الخطبة، فإن تلك الصلاة لا تنعطف على ذكر اسمه عند التشهد، و لا سيما مع طول الفصل، و الموجبون يقولون: تجب الصلاة كلما ذكر، و معلوم أن ذكره ثانيا غير ذكره أولا.

التاسع:

أنه لو وجبت الصلاة عليه كلما ذكر على القارئ كلما مرّ بذكر اسمه، يصلي عليه و يقطع بذلك قراءته ليؤدي هذا الواجب، و سواء كان في الصلاة أو خارجها فإن الصلاة عليه لا تبطل الصلاة و هي واجبة، قد تعين فوجب أداؤه، و ترك إهماله.

العاشر:

لو وجبت الصلاة عليه كلما ذكر لوجب الثناء على اللَّه تعالى كلما ذكر اسمه، و كان يجب على من ذكر اسم اللَّه أن يقرنه بأن يقول: سبحانه و تعالى، أو عز و جل، أو تبارك و تعالى، أو جلت عظمته، أو تعالى جدّه، و نحو ذلك، بل كان ذلك أولى مما روى، فإن تعظيم الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إجلاله، و محبته، و طاعته تابع لتعظيم مرسلة سبحانه و إجلاله، و محبته، و طاعته، فمحال أن تثبت المحبة و الطاعة، و التعظيم و الإجلال، للرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دون مرسلة، بل إنما يثبت له تبعا لمحبة اللَّه تبارك و تعالى، و تعظيمه، و إجلاله، و لهذا كانت طاعة و متابعة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) متابعة للَّه تبارك و تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏ [ (1)] و محبته محبة للَّه تعالى.

قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏ [ (2)] و تعظيمه تعظيما للَّه، و نصرته نصرة للَّه، فإنه رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عبده الداعي إليه، و إلى طاعته، و محبته، و إجلاله، و تعظيمه، وحده لا شريك له. فكيف يقال:

____________

[ (1)] الفتح: 10.

[ (2)] آل عمران: 31.

15

تجب الصلاة كلما ذكر اسمه و هي ثناء و تعظيم، و لا يجب الثناء و التعظيم للخالق سبحانه و تعالى كلما ذكر اسمه؟ هذا محال من القول.

الحادي عشر:

أنه لو جلس إنسان ليس له هجير إلا قوله: محمد رسول اللَّه، أو اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد، و بشر كثير يسمعونه، فإن قلتم: يجب على كل من أولئك السامعين أن يكون هجيرا للصلاة عليه و لو طال المجلس ما طال، كان ذلك حرجا و مشقة، و تركا لقراءة قارئهم، و دراسة دارسهم و كلام صاحب الحاجة منهم، و هذا كونه في العلم و تعلمه القرآن و غير ذلك. و إن قلتم: لا تجب عليهم الصلاة في هذه الحالة نقضتم مذهبكم، و إن قلتم: تجب عليه مرة أو أكثر كان تحكما بلا دليل مع أنه مبطل لقولهم.

الثاني عشر:

أن الشهادة له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالرسالة فرض واجب من الصلاة عليه بلا ريب، و معلوم أنه لا يدخل أحد في الإسلام إلا بها و لا تجب كلما ذكر اسمه فكيف تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه؟ و ليس من الواجبات بعد كلمة الإخلاص إفراد الشهادة له بالرسالة فمتى أقر له بوجوبها عند ذكر اسمه تذكر العبد الإيمان، و موجبات هذه الشهادة، فكان يجب على من ذكر اسمه أن يقول:

محمد رسول اللَّه، و وجوب ذلك أظهر بكثير من موجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، فهذه حجج الفريقين، و لكل فرقة منها أجوبة عن حجج الفرقة المنازعة لها، بعضها ضعيف جدا، و بعضها محتمل، و بعضها قوى، و الفاضل لا يخفى عليه ذلك عند تأمل حجج الفريقين، و بالجملة فأدلة الوجوب أقوى و أظهر.

16

الثانية و الثمانون من خصائصه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): في كيفية الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

اعلم أنه قد أوردت أحاديث الصلاة على الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اثنان و أربعون من الصحابة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهم- و هم: أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري، و كعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن الحارث السوداوي حليف الأنصار، و أبو حميد الساعدي و اسمه المنذر و قيل:

عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة، و أبو سعيد الخدريّ و اسمه سعد بن مالك بن سنان، و طلحة بن عبيد اللَّه، و زيد بن خارجة و يقال: ابن حارثة، و علي بن أبي طالب، و أبو هريرة، و بريدة بن الحصيب، و سهل بن سعد الساعدي، و عبد اللَّه بن مسعود، و فضالة ابن عبيد، و أبو طلحة الأنصاري و اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، و أنس بن مالك و عمر بن الخطاب، و عامر بن ربيعة، و عبد الرحمن بن عوف، و أبي بن كعب، و أوس بن أوس، و الحسن و الحسين ابنا على بن أبي طالب، و فاطمة الزهراء، و البراء بن عازب، و رويفع بن ثابت الأنصاري، و جابر بن عبد اللَّه، و أبو رافع بن ثابت الأنصاري، و جابر بن عبد اللَّه، و أبو رافع مولى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عبد اللَّه بن أوفى، و أبو أمامه الباهلي و اسمه صدى ابن عجلان، و عبد الرحمن بن بشير بن مسعود، و أبو بردة بن دينار و اسمه هاني، و قيل: الحارث، و عمار بن ياسر، و جابر بن سمرة، و أبو أمامة بن سهل بن حنيف، و اسمه سعد، و مالك بن الحويرث، و عبد اللَّه بن جزء الزبيدي، و عبد اللَّه بن عباس، و أبو ذر الغفاريّ، و اسمه جندب بن جنادة، و قيل: غير ذلك، و واثلة بن الأسقع، و أبو بكر الصديق، و عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، و سعيد بن عمير الأنصاري، و هو من البدريين، و حبان بن منقذ.

17

فأما حديث أبي مسعود [ (1)]- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-

فحديث صحيح خرجه النسائي [ (2)] عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم عن مالك.

و خرجه الترمذي [ (3)] عن إسحاق بن موسى، عن معن عن مالك.

و خرجه مسلم [ (4)] من حديث يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نعيم بن عبد اللَّه المجمر أن زيد بن عبد اللَّه الأنصاري، و عبد اللَّه بن زيد،

____________

[ (1)] هو أبو مسعود الأنصاري الزرقيّ، روى عن علي بن أبي طالب، و عنه نافع بن جبير بن مطعم، و الصواب مسعود بن الحكم. (تهذيب التهذيب): 12/ 255، ترجمة رقم (1060).

[ (2)] (سنن النسائي): 3/ 52- 53، كتاب السهو، باب (49)، الأمر بالصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حديث رقم (1284).

[ (3)] (سنن الترمذي): 5/ 334- 335، كتاب تفسير القرآن، باب (34) و من سورة الأحزاب، حديث رقم (3220) قال: و في الباب عن علي، و أبي حميد، و كعب بن عجرة، و طلحة بن عبيد اللَّه، و أبي سعيد، و زيد بن خارجة- و يقال: حارثة- و بريدة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

[ (4)] (مسلم بشرح النووي): 4/ 366- 367، كتاب الصلاة، باب (17) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد التشهد، حديث رقم (405)، قال الإمام النووي: اعلم أن العلماء اختلفوا في وجوب الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عقب التشهد الأخير في الصلاة فذهب أبو حنيفة و مالك (رحمهما اللَّه تعالى) و الجمهور إلى أنها سنة لو تركت صحت الصلاة، و ذهب الشافعيّ و أحمد (رحمهما اللَّه تعالى) إلى أنها واجبة لو تركت لم تصح الصلاة، و هو مروى عن عمر بن الخطاب، و ابنه عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما، و هو قول الشعبي، و قد نسب جماعة للشافعيّ (رحمه اللَّه تعالى) في هذا إلى مخالفة الإجماع و لا يصح قوله فإنه مذهب الشعبي كما ذكرنا، و قد رواه عن البيهقي، و في الاستدلال لوجوبها خفاء، و أصحابنا يحتجون‏

بحديث أبي مسعود الأنصاري- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- المذكور، هنا أنهم قالوا: كيف نصلي عليك يا رسول اللَّه؟ فقال:-

18

____________

[ ()] قولوا: اللَّهمّ صلّ على محمد إلى آخره،

قالوا: و الأمر للوجوب، و هذا القدر لا يظهر الاستدلال به إلا إذا ضم إليه الرواية الأخرى،

كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال (صلّى اللَّه عليه و سلّم): قولوا: اللَّهمّ صلّ على محمد و على آل محمد إلى آخره‏ و هذه الزيادة صحيحة. رواها الإمامان الحافظان أبو حاتم بن حبان بكسر الحاء البستي، و الحاكم أبو عبد اللَّه في صحيحيهما،

و قال الحاكم: هي زيادة صحيحة، و احتج لها أبو حاتم و أبو عبد اللَّه في صحيحيهما بما روياه‏

عن فضالة بن عبيد- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رأى رجلا يصلي لم يحمد اللَّه، و لم يمجده، و لم يصل على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): عجل هذا، ثم دعاه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: إذا صلّى أحدكم فليبدأ بحمد ربه و الثناء عليه و ليصل على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ليدع ما يشاء.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، و هذان الحديثان و إن اشتملا على ما لا يجب بالإجماع كالصلاة على الآل و الذرية و الدعاء فلا يمتنع الاحتجاج بهما فإن الأمر للوجوب فإذا خرج بعض ما يتناوله الأمر عن الوجوب بدليل، بقي الباقي على الوجوب. و اللَّه تعالى أعلم.

و الواجب عند أصحابنا: اللَّهمّ صلّ على محمد، و ما زاد عليه سنة، و لنا وجه شاذ أنه يجب الصلاة على الآل و ليس بشي‏ء، و اللَّه تعالى أعلم.

و اختلف العلماء في آل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على أقوال: أظهرها و هو اختيار الأزهري و غيره من المحققين، أنهم جميع الأمة، و الثاني: بنو هاشم، و بنو المطلب، و الثالث: أهل بيته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ذريته و اللَّه تعالى أعلم.

قوله (أمرنا اللَّه تعالى أن نصلي عليك يا رسول اللَّه فكيف نصلي عليك) معناه أمرنا اللَّه تعالى بقوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً فكيف نلفظ بالصلاة؟ و في هذا أن من أمر بشي‏ء لا يفهم مراده يسأل عنه ليعلم ما يأتى به، قال القاضي: و يحتمل أن يكون سؤالهم عن كيفية الصلاة في غير الصلاة و يحتمل أن يكون في الصلاة، قال: و هو الأظهر، قلت: و هذا ظاهر اختيار مسلم و بهذا ذكر هذا الحديث في هذا الموضوع. قوله: (فسكت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى تمنينا أنه لم يسأله) معناه كرهنا سؤاله مخافة من أن يكون النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كره سؤاله و شق عليه.

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): (و السلام كما علمتم)

معناه قد أمركم اللَّه تعالى بالصلاة و السلام على، فأما الصلاة فهذه صفاتها، و أما السلام فكما علمتم في التشهد، و هو قوله: السلام‏

19

هو الّذي كان أرى النداء بالصلاة، أخرجه عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: أتانا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و نحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد، أمرنا اللَّه أن نصلي عليك يا رسول اللَّه فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): قولوا: اللَّهمّ صلّ على محمد و على آل محمد، كما صليت على إبراهيم، و بارك على محمد و على آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، و السلام كما قد علمتم.

ترجم عليه النسائي باب الأمر بالصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قال الترمذي:

هذا حديث حسن صحيح، و خرجه أبو داود [ (1)] عن القعنبي، عن مالك.

و خرجه الإمام أحمد [ (2)] بزيادة عن طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد فقال: حدثنا أبو السحيم عبد ربه الأنصاريّ عن أبي مسعود قال‏

: أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و نحن عنده فقال: يا رسول اللَّه أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نحن نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا صلّى اللَّه عليك؟ قال: فصمت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله، ثم قال:

____________

[ ()] عليك أيها النبي و رحمة اللَّه و بركاته، و قوله: علمتم هو بفتح العين و كسر اللام المخففة، و منهم من رواه بضم العين و تشديد اللام أي علمتكموه، و كلاهما صحيح.

و قوله: (من صلّى على واحدة صلّى اللَّه عليه عشرا)،

قال القاضي: معناه رحمته و تضعيف أجره، كقوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها قال: و قد يكون الصلاة على وجهها و ظاهرها تشريفا له بين الملائكة كما

في الحديث‏ «و إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه».

[ (1)] (سنن أبي داود): 1/ 600، كتاب الصلاة، باب (183)، الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد التشهد، حديث رقم (980)، فذكر معنى حديث كعب بن عجرة و زاد في آخره: في العالمين إنك حميد مجيد. و نعيم: بزنة التصغير، و المجمر: بضم الميم الأولى و سكون الجيم و كسر الميم. لقب بذلك لأنه كان يجمر مسجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

[ (2)] (مسند أحمد): 5/ 97، حديث رقم (16624) من حديث أبي مسعود الأنصاريّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

20

إذا أنتم صليتم عليّ فقولوا: اللَّهمّ صل على محمد النبي الأمي و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم و بارك [ (1)].

و رواه ابن خزيمة و الحاكم [ (2)]

.

قال الحاكم فيه: على شرط مسلم و اعترض عليه بأن في هذا نوع تساهل، فإن مسلم لم يحتج بابن إسحاق في الأصول، و إنما خرّج له في المتابعات، و قد أحلت له هذه الزيادة بتفرد ابن إسحاق بها، و مخالفة سائر الرواة له في تركهم ذكرها.

و أجيب عن ذلك بأن ابن إسحاق لم يخرّج بما يوجب ترك الاحتجاج به، و قد وثقه كبار الأمة، و أثنوا عليه بالحفظ و العدالة، و هما ركنا الرواية، و مع ذلك فإنما يخاف من تدليسه، و قد صرح هنا بسماعة الحديث من محمد بن إبراهيم التيمي فزالت تهمة تدليسه، و قد قال الدارقطنيّ في هذا الحديث- و قد خرجه في (السنن) [ (3)] من هذا الوجه-: و هذا إسناد حسن متصل، و قال في كتاب (العلل): يرويه محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبد اللَّه بن زيد عن أبي مسعود، حدث به عنه كذلك القعنبي و معن و أصحاب (الموطأ).

[يعنى أصحاب مالك‏] [ (4)].

و رواه حماد بن مسعود عن مالك عن نعيم فقال: عن محمد بن زيد عن أبيه و وهم فيه، و رواه داود بن قيس الفراء عن نعيم عن أبي هريرة رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه، خالف فيه مالك، و حديث مالك أولى بالصواب. انتهى.

____________

[ (1)] هذا آخر الحديث في (المسند)، و تمامه من (المسند): على محمد النبي الأمي، كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

[ (2)] (المستدرك): 1/ 401، كتاب الصلاة، حديث رقم (988)، و قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، و لم يخرجاه، فذكر الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الصلوات. و قال الحافظ الذهبي في (التلخيص): على شرط مسلم.

[ (3)] (سنن الدارقطنيّ): 1/ 354- 355، كتاب الصلاة، باب ذكر وجوب الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في التشهد، و اختلاف الروايات في ذلك.

[ (4)] زيادة للبيان.

21

و قد اختلف على ابن إسحاق في هذه الزيادة فذكرها إسماعيل بن سعد كما تقدم، و رواه زهير بن معاوية عن ابن إسحاق بدون ذكر الزيادة، كذلك قال عبد بن حميد في (مسندة): عن أحمد بن يونس و الطبراني في (معجمه) عن ابن عباس بن الفضل عن أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية. و اللَّه تعالى أعلم.

22

و أما حديث كعب بن عجرة [ (1)]

فقد رواه أهل الصحيح و أصحاب السنن و المسانيد من حديث عبد الرحمن ابن أبي ليلى عنه، و هو حديث لا مغمز فيه، فخرجه البخاري في كتاب الأنبياء في باب‏ وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا من طريق عبد اللَّه بن عيسى، سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال‏

: ألا أهدى لك هدية سمعتها من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قلت: بلى، فاهدها لي قال: فقال: سألنا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقلنا: يا رسول اللَّه، كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإن اللَّه قد علمنا كيف نسلم قال: قولوا: اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد. اللَّهمّ بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

و خرّج البخاري [ (2)] و مسلم [ (3)] من طريق شعبة عن الحكم قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: لقيني كعب بن عجرة فقال‏

: ألا أهدي لك هدية؟ خرج‏

____________

[ (1)] هو كعب بن عجرة الأنصاري المدني أبو محمد، و قيل أبو عبد اللَّه، و قيل: أبو إسحاق، من بنى سالم بن عوف، و قيل: من بنى سالم بن بلى حليف بنى الخزرج و قيل في نسبه غير ذلك.

روى عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عن عمر بن الخطاب و بلال. روى عنه بنوه إسحاق و الربيع و محمد و عبد الملك، و ابن عمر، و ابن عمرو، و ابن عباس و جابر و عبد اللَّه بن معقل بن مقرن المزني و عبد الرحمن بن أبي ليلى و أبو وائل و محمد بن سيرين و أبو عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود و طارق بن شهاب و محمد بن كعب القرظي و أبو ثمامة الحناط و سعيد المقبري، و قيل: بينهما رجل و إبراهيم و ليس بالنخعى، و عاصم العدوي و موسى بن وردان و غيرهما.

قال الواقدي: كان استأخر إسلامه ثم أسلم و شهد المشاهد و هو الّذي نزلت فيه بالحديبية الرخصة في حلق رأس المحرم و الفدية. قال خليفة: مات سنة إحدى و خمسين، و قال الواقدي و آخرون: مات سنة (52) قال بعضهم: و هو ابن خمس و قيل: سبع و سبعين سنة. (تهذيب التهذيب): 8/ 390- 391، ترجمة رقم (790).

[ (2)] (فتح الباري): 6/ 503، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (10) بدون ترجمة، حديث رقم (3370)، (المرجع السابق): 8/ 682، كتاب التفسير سورة (32) سورة الأحزاب باب (10)

23

____________

[ ()] إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً، قال أبو العالية: صلاة اللَّه ثناؤه عليه عند الملائكة، و صلاة الملائكة الدعاء، قال ابن عباس: يصلون يبركون. لنغرينك: لنسلطنك، حديث رقم (4797)، (المرجع السابق): 11/ 183، كتاب الدعوات باب (32) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حديث رقم (6357).

[ (3)] (مسلم بشرح النووي): 4/ 367، كتاب الصلاة، باب (17) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد التشهد، حديث رقم (66). قال الإمام النووي:

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): (قولوا اللَّهمّ صلّ على محمد و على آل محمد كما صليت على آل إبراهيم و بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على آل إبراهيم)

قال العلماء: معنى البركة هنا الزيادة من الخير و الكرامة، و قيل: هو بمعنى التطهير و التزكية، و اختلف العلماء في الحكمة في قوله: اللَّهمّ صلّ على محمد كما صليت على إبراهيم، مع أن محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أفضل من إبراهيم (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال القاضي عياض- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه: أظهر الأقوال أن نبينا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سأل ذلك بنفسه و لأهل بيته ليتم النعمة عليهم كما أتمها على إبراهيم و على آله، و قيل: بل سأل ذلك لأمته، و قيل بل ليبقى ذلك له دائما إلى يوم القيامة و يجعل له به لسان صدق في الآخرين كإبراهيم (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و قيل كان: ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قيل: سأل صلاة يتخذه بها خليلا كما اتخذ إبراهيم. هذا كلام القاضي، و المختار في ذلك أحد ثلاثة أقوال:

أحدها: حكاه بعض أصحابنا عن الشافعيّ (رحمه اللَّه تعالى) أن معناه صل على محمد، و تم الكلام هنا، ثم استأنف و على آل محمد أي و صل على آل محمد كما صليت على إبراهيم و آل إبراهيم، فالمسئول له مثل إبراهيم و آله هم آل محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا نفسه.

القول الثاني: معناه: اجعل لمحمد و آله صلاة منك كما جعلتها لإبراهيم و آله فالمسئول المشاركة في أصل الصلاة لا قدرها.

القول الثالث: أنه على ظاهره، و المراد: اجعل لمحمد و آله صلاة بمقدار الصلاة التي لإبراهيم و آله و المسئول مقابلة الجملة، فإن المختار في الآل كما قدمناه أنهم جميع الأتباع، و يدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء، و لا يدخل في آل محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نبي، فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجملة التي فيها من الأنبياء. و اللَّه تعالى أعلم.

24

____________

[ ()] قال القاضي عياض: و لم يجئ في هذه الأحاديث ذكر الرحمة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد وقع في بعض الأحاديث الغريبة قال: و اختلف شيوخنا في جواز الدعاء للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالرحمة فذهب بعضهم و هو اختيار أبي عمر بن عبد البر إلى أنه لا يقال، و أجازه غيره و هو مذهب أبي محمد ابن أبي زيد و حجة الأكثرين تعليم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الصلاة عليه و ليس فيها ذكر الرحمة و المختار أنه لا يذكر الرحمة و قوله: و بارك على محمد و على آل محمد، قيل: البركة هنا الزيادة من الخير و الكرامة و قيل الثبات على ذلك من قولهم بركت الإبل أي ثبتت على الأرض، و منه بركة الماء و قيل: التزكية و التطهير من العيوب كلها.

و قوله: اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد احتج به من أجاز الصلاة على غير الأنبياء و هذا مما اختلف العلماء فيه، فقال مالك و الشافعيّ (رحمهما اللَّه تعالى) و الأكثرون: لا يصلي على غير الأنبياء استقلالا فلا يقال: اللَّهمّ صل على أبي بكر أو عمر أو علي أو غيرهم و لكن يصلي عليهم تبعا فيقال: اللَّهمّ صل على محمد و آل محمد و أصحابه و أزواجه و ذريته، كما جاءت به الأحاديث، و قال أحمد و جماعة: يصلي على كل واحد من المؤمنين مستقلا، و احتجوا بأحاديث الباب و

بقوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم)‏: اللَّهمّ صل على آل أبي أوفى،

و كان إذا أتاه قوم بصدقتهم صلى عليهم، قالوا: و هو موافق لقول اللَّه تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ‏ و احتج الأكثرون بأن هذا النوع مأخوذ من التوقيف و استعمال السلف و لم ينقل استعمالهم ذلك بل خصوا به الأنبياء كما خصوا اللَّه تعالى بالتقديس و التسبيح فيقال: قال اللَّه سبحانه و تعالى، و قال عز و جل، و قد جلت عظمته، و تقدست أسماؤه، و تبارك و تعالى، و نحو ذلك و لا يقال قال النبي: عز و جل و إن كان عزيزا جليلا و لا نحو ذلك. و أجابوا عن قول اللَّه عز و جل‏ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ‏ و من الأحاديث بأن ما كان من اللَّه عز و جل و رسوله فهو دعاء و ترحم و ليس فيه معنى التعظيم و التوقير الّذي يكون من غيرهما.

و أما الصلاة على الآل و الأزواج و الذرية فإنما جاء على التبع لا على الاستقلال و قد بينا أنه يقال تبعا لأن التابع يحتمل فيه ما لا يحتمل استقلالا و اختلف أصحابنا في الصلاة على غير الأنبياء، هل يقال هو مكروه أو هو مجرد ترك أدب؟ و الصحيح المشهور أنه مكروه كراهة تنزيه، قال الشيخ أبو محمد الجويني، و السلام في معنى الصلاة فإن اللَّه تعالى قرن بينهما فلا يفرد به غائب غير الأنبياء فلا يقال أبو بكر و عمر و على (عليهم السلام) و إنما يقال ذلك خطابا للأحياء و الأموات فيقال: السلام عليكم و رحمة اللَّه. و اللَّه تعالى أعلم.

25

علينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقلنا: يا رسول اللَّه عرّفنا كيف نسلم عليك؟ قال: قولوا:

اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهمّ بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

ذكره البخاري في كتاب الدعاء في باب الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و خرجه من طريق شعبة عن الحكم بهذا الإسناد مثله و ليس في حديث مسعر: ألا أهدي لك هدية.

و خرجه أيضا عن الأعمش و عن مسعر، و عن مالك بن مغول كلهم عن الحكم بهذا الإسناد مثله غير أنه قال: و بارك على محمد و لم يقل: اللَّهمّ.

و خرجه البخاري [ (1)] في كتاب التفسير من طريق مسعر عن الحكم عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة

، قيل: يا رسول اللَّه أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف الصلاة؟ فقال: قولوا: اللَّهمّ صل ... مثل حديث شعبة سواء

و قال: على إثر هذا الحديث: و خرّج الفرياني حديث كعب بن عجرة رواه، عن سيفان الثوري عن الأعمش عن الحكم بن عيينة بنحو ما تقدم بعده و قيل لسفيان: كيف لم يقل: على إبراهيم و آل إبراهيم فقال: أ لم تسمع إلى قوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ‏ [ (2)] و فرعون معهم.

و خرجه أبو داود [ (3)] من حديث شعبة عن الحكم بن أبي ليلى، عن كعب ابن عجرة قال‏

: قلنا: أو قالوا: يا رسول اللَّه أمرنا أن نصلي عليك و أن نسلم عليك فأما السلام فقد عرفناه فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللَّهمّ صل على محمد و آل محمد كما صليت على إبراهيم، و بارك على محمد و آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

____________

[ (1)] (فتح الباري): 8/ 682، كتاب التفسير [سورة الأحزاب‏]، باب (10) إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏، حديث رقم (4797).

[ (2)] غافر: 46.

[ (3)] (سنن أبي داود): 1/ 598، كتاب الصلاة، باب (183) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد التشهد، حديث رقم (976).

26

و

خرجه أيضا من حديث شعبة بهذا الحديث، قال‏

: اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و بارك على محمد و آل محمد، كما باركت على [آل‏] إبراهيم إنك حميد مجيد [ (1)].

و من حديث الحسن بن محمد الزعفرانيّ قال: حدثنا محمد بن الصباح أنبأنا إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش و مسعر و مالك، عن الحكم بن عيينة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن أبي عجرة قال‏

: لما نزلت هذه الآية

إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً

[ (2)] قلنا: يا رسول اللَّه كيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهمّ بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنك حميد مجيد [ (3)].

و قال ابن عبد البر: و قال شعبة و الثوري عن الحكم عن عبد الرحمن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال‏

: لما نزلت‏

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً

جاء رجل إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: يا رسول اللَّه هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة؟ فقال: قل: اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، و بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

هذا لفظ حديث الثوري، و هذا الحديث يدخل في التفسير المسند و يبين معنى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

____________

[ (1)] راجع التعليق السابق.

[ (2)] الأحزاب: 56.

[ (3)] سبق تخريجه.

27

فبين لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كيف الصلاة عليه و علمهم في التحيات كيف السلام عليه [ (1)]. و هو

قوله في التحيات:

السلام عليك أيها النبي و رحمة اللَّه و بركاته، السلام علينا و على عباد اللَّه الصالحين،

و هذا معنى‏

قوله في حديث مالك‏

و السلام كما قد علمتم.

و يشهد لذلك قول عبد اللَّه بن عباس و ابن عمر و ابن مسعود- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهم: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، و هو أيضا معنى حديث كعب بن عجرة المذكور عند نزول الآية و قد قيل: إن السلام في هذه الأحاديث أريد به السلام من الصلاة، و القول الأول أكثر.

____________

[ (1)] قال الشافعيّ و ابن راهويه: و من قال بوجوب الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الصلاة فقوله:

«أمرتنا أن نصلي عليك» يدل على وجوبه، لأن أمره لازم، و طاعته واجبة، و قوله لا يجوز تركه.

قالوا: و قد أمر اللَّه تعالى بالصلاة عليه فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً فكان ذلك منصرفا إلى الصلاة، لأنه إن صرف إلى غيرها كان ندبا، و إن صرف إليها كان فرضا، إذ لا خلاف أن الصلاة عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غير واجبة في غير الصلاة، فدل على وجوبها في الصلاة.

و اختلفوا في التشهد، هل هو واجب أم لا؟ فروى عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أنه قال: من لم يتشهد فلا صلاة له. و به قال الحسن البصري، و إليه ذهب الشافعيّ، و مذهب مالك قريب منه.

و قال الزهري و قتادة و حماد: إن ترك التشهد حتى انصرف مضت صلاته، و قال أصحاب الرأى: التشهد و الصلاة على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مستحب غير واجب، و القعود قدر التشهد واجب. (معالم السنن): 1/ 598، تعليقا على الحديث رقم (976)، باب (183) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد التشهد، من كتاب الصلاة.

28

و أما حديث أبي حميد الساعديّ‏

[ (1)]

فخرجه البخاريّ [ (2)] و مسلم [ (3)] و أبو داود [ (4)] و النسائيّ [ (5)]. فخرجه البخاريّ من طريق عبد اللَّه بن يوسف.

____________

[ (1)] هو أبو حميد الساعديّ الصحابيّ المشهور، اسمه عبد الرحمن بن سعد، و يقال: عبد الرحمن ابن عمرو بن سعد، و قيل: المنذر بن سعد بن المنذر، و قيل: اسم جده مالك، و قيل هو عمرو بن سعد بن المنذر بن سعد بن خالد بن ثعلبة بن عمرو، و يقال: إنه عم سهل بن سعد.

روى عن النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عدة أحاديث، و له ذكر معه في الصحيحين. روى عنه ولده سعيد بن المنذر بن أبي حميد، و جابر الصحابي، و عباس بن سهل بن سعد، و عبد الملك بن سعيد بن سويد، و عمرو بن سليم، و عروة، و محمد بن عمرو بن عطاء، و غيرهم.

قال خليفة و ابن سعد و غيرهما: شهد أحدا و ما بعدها، و قال الواقديّ: توفي في آخر خلافة معاوية، أو أول خلافة يزيد بن معاوية. (الإصابة): 7/ 94- 95، ترجمة رقم (9787). (الاستيعاب): 4/ 1633، ترجمة رقم (2921)، (تهذيب التهذيب):

12/ 85- 86، ترجمة رقم (339).

[ (2)] (فتح الباري): 11/ 202- 203، كتاب الدعوات، باب (33) هل يصلي على غير النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قوله تعالى: وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ‏ حديث رقم (6360) قوله (باب هل يصلي على غير النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ أي استقلالا أو تبعا، و يدخل في الغير الأنبياء و الملائكة و المؤمنون، فأما مسألة الأنبياء فورد فيها أحاديث:

أحدها:

حديث عليّ في الدعاء بحفظ القرآن ففيه‏ «وصل عليّ و على سائر النبيين» أخرجه الترمذي و الحاكم‏،

و حديث بريدة رفعه‏ «لا تتركن في التشهد الصلاة على و على أنبياء اللَّه» الحديث أخرجه البيهقي بسند واه‏،

و حديث أبي هريرة رفعه‏ «صلوا على أنبياء اللَّه» الحديث أخرجه إسماعيل القاضي بسند ضعيف‏،

و حديث ابن عباس رفعه‏ «إذا صليتم على فصلوا على أنبياء اللَّه، فإن اللَّه بعثهم كما بعثني.» أخرجه الطبراني و رويناه في (فوائد العيسوي)

و سنده ضعيف أيضا، و قد ثبت عن على بن عباس اختصاص ذلك بالنبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عثمان بن حكيم عن عكرمة عنه قال «ما أعلم الصلاة تتبغى على‏

29

____________

[ ()] أحد من أحد إلا على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هذا سند، و حكى القول عن مالك و قال: ما تعبدنا به. و جاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز، و عن مالك يكره.

و قال عياض: عامة أهل العلم على الجواز، و قال سفيان يكره أن يصلي إلا على نبي، و وجدت بخط بعض شيوخ مذهب مالك: لا يجوز أن نصلي إلا على محمد، و هذا غير معروف عن مالك و إنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء و ما ينبغي لنا أن نتعدى ما أمرنا به، و خالفه يحيى بن يحيى فقال: و احتج بأن الصلاة دعاء بالرحمة لا يمنع إلا بنص أو إجماع.

قال عياض: و الّذي أميل إليه قول مالك و سفيان و هو قول المحققين من المتكلمين و الفقهاء قالوا: يذكر غير الأنبياء بالرضا و الغفران و الصلاة على غير الأنبياء يعنى استقلالا لم تكن من الأمر بالمعروف، و إنما أحدثت في دولة بني هاشم، و أما الملائكة فلا أعرف فيه حديثا نصّا و إنما يؤخذ ذلك من الّذي قبله إن ثبت، لأن اللَّه تعالى سماهم رسلا، و أما المؤمنون فاختلف فيه، فقيل: لا تجوز إلا على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خاصة، و حكى عن مالك كما تقدم، و قالت طائفة: لا تجوز مطلقا استقلالا و تجوز تبعا فيما ورد به النص أو ألحق به قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً و لأنه لما علمهم السلام قال: «السلام علينا و على عباد اللَّه الصالحين» و لما علمهم الصلاة قصر عليه و على أهل بيته، و هذا القول اختاره القرطبي في (المعجم) و أبو المعالي من الحنابلة، و قد تقدم تقريره في تفسير سورة الأحزاب، و اختيار ابن تيمية من المتأخرين. و قالت طائفة: تجوز مطلقا و لا تجوز استقلالا، و هذا قول أبي حنيفة و جماعة، و قالت: تكره استقلالا لا تبعا و هي رواية عن أحمد.

و قال النووي: هو خلاف الأولى، و قالت طائفة: تجوز مطلقا، و هو مقتضى صنيع البخاري فإنه صدر بالآية و هو قول اللَّه تعالى: وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ‏ ثم الحديث الدال على الجواز مطلقا و عقبه بالحديث الدال على الجواز تبعا، فأما الأول و هو حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى فتقدم شرحه في كتاب الزكاة، و وقع مثله‏

عن قيس بن عبادة. «أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رفع يديه و هو يقول: اللَّهمّ اجعل صلواتك و رحمتك على آل سعد بن عبادة» أخرجه أبو داود و النسائي‏

و سنده جيد.

و في حديث جابر «أن امرأته قالت للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم): صل عليّ و على زوجي ففعل. أخرجه أحمد مطولا و مختصرا و صححه ابن حبان، و هذا القول جاء عن الحسن و مجاهد و نص عليه أحمد في رواية أبي داود و به قال إسحاق و أبو ثور و داود و الطبراني، و احتجوا بقوله تعالى:

30

____________

[ ()] هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ‏ و

في (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة مرفوعا «إن الملائكة تقول لروح المؤمن صلّى اللَّه عليك و على جسدك»

و أجاب المانعون عن ذلك كله بأن ذلك صدر من اللَّه و رسوله و لهما أن يخصا ما شاءا بما شاءا و ليس ذلك لأحد غيرهما.

و قال البيهقي: يحمل قول ابن عباس بالمنع إذا كان على وجه التعظيم إلا ما إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة و البركة.

و قال ابن القيم: المختار أن يصلي على الأنبياء و الملائكة و أزواج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و آله و ذريته و أهل الطاعة على سبيل الإجماع، و تكره في غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث يصير شعارا و لا سيما إذا ترك في حق مثله أو أفضل منه كما يفعله الرافضة، فلو اتفق وقوع ذلك مفردا في بعض الأحاديث من غير أن يتخذ شعارا لم يكن به بأس، و لهذا لم يرد في حق غير من أمر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بقول ذلك له و هو من أدى زكاته إلا نادرا كما في قصة زوجة جابر و آل سعد بن عبادة.

(تنبيه): اختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي فقيل: يشرع مطلقا، و قيل بل تبعا، و لا يفرد لواحد لكونه صار شعارا للرافضة، و نقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني.

و أخرجه البخاري أيضا في كتاب أحاديث الأنبياء، باب (10) بدون ترجمة، حديث رقم (3369).

[ (3)] (مسلم بشرح النووي): 4/ 370، كتاب الصلاة، باب (17) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد التشهد، حديث رقم (69) قال الإمام النووي: احتج به من أجاز الصلاة على غير الأنبياء، و هذا مما اختلف العلماء فيه فقال مالك و الشافعيّ، و الأكثرون: لا يصلي على غير الأنبياء استقلالا، فلا يقال: اللَّهمّ صل على أبي بكر أو عمر، أو عليّ. أو غيرهما، و لكن يصلي عليهم تبعا، فيقال: اللَّهمّ صل على محمد و آل محمد و أصحابه و أزواجه، كما جاءت به الأحاديث.

و قال أحمد و جماعة: يصلي على كل واحد من المؤمنين مستقلا، و احتجوا بأحاديث الباب، و ب

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم)‏: اللَّهمّ صل على أبي أوفى.

و أما الصلاة على الآل و الأزواج و الذرية، فإنما جاء على التبع، لا على الاستقلال (شرح النووي).

31

و خرجه أبو داود من طريق القعنبي عن روح، كلهم عن مالك بن سليم الزرقيّ قال: أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول اللَّه كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللَّهمّ صل على محمد و أزواجه و ذريته كما صليت على آل إبراهيم، و بارك على محمد و أزواجه و ذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

و لم يقل أبو داود: آل في الموضعين. ذكره البخاري في كتاب الأنبياء في آخر باب قول اللَّه تعالى: وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا و في كتاب الدعاء، في باب هل يصلي على غير النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟.

و خرجه ابن ماجة [ (1)] من طريق عبد الملك بن الماجشون به، عن مالك به مثله‏

.

____________

[ ()] (4) (سنن أبي داود): 1/ 599- 600، كتاب الصلاة، باب (183) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد التشهد، حديث رقم (979).

[ (5)] (سنن النسائي): 3/ 57، كتاب السهو، باب (54) نوع آخر من الصلاة على النبي، حديث رقم (1293).

[ (1)] (سنن ابن ماجة): 1/ 293، كتاب إقامة الصلاة و السنة فيها، باب (25) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حديث رقم (905).

32

و أما حديث أبي سعيد الخدريّ [ (1)]

فخرّج البخاريّ [ (2)] في كتاب التفسير من حديث الليث قال: حدثني ابن الهاد، عن عبد اللَّه بن خباب، عن أبي سعيد الخدريّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال‏

: قلنا: يا رسول اللَّه هذا التسليم فكيف نصلي عليك؟ قال:

قولوا: اللَّهمّ صل على محمد عبدك و رسولك كما صليت على إبراهيم، و بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على آل إبراهيم.

حدثنا إبراهيم بن حمزة حدثنا ابن أبي حازم و الدراوَرْديّ عن يزيد يعني ابن الهاد قال:

كما صليت على إبراهيم، و بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم‏

هكذا ذكره في تفسير سورة الأحزاب.

و قال في كتاب الدعاء: حدثنا إبراهيم [ (3)] بن حمزة حدثنا ابن أبي حازم و الدراوَرْديّ عن يزيد عن عبد اللَّه بن خباب عن أبي سعيد الخدريّ قال‏

: قلنا:

يا رسول اللَّه هذا السلام عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللَّهمّ صل على محمد عبدك و رسولك كما صليت على إبراهيم و بارك على محمد و آل محمد كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم.

____________

[ (1)] هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبحر، و هو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج، الأنصاري، الخزرجي، أبو سعيد الخدريّ، مشهور بكنيته، استصغر يوم أحد، و استشهد أبوه بها، و غزا هو ما بعدها.

روى عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الكثير، و روى عن أبي بكر، و عمر، و عثمان، و عليّ، و زيد بن ثابت و غيرهم.

[ (2)] (فتح الباري): 8/ 683، كتاب التفسير، باب (10) إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً، حديث رقم (4798).

[ (3)] (المرجع السابق): 11/ 183، باب (32) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حديث رقم (6358).

33

و ذكره في باب الصلاة على النبي [ (1)] (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و رواه النسائي عن قتيبة، عن بكر بن نصر، عن ابن الهاد و رواه ابن ماجة [ (2)]، عن أبي بكر بن أبي بكر، عن ابن أبي شيبة عن خالد بن مخلد، عن عبد اللَّه بن جعفر عن ابن الهاد

.

و أما حديث طلحة بن عبيد اللَّه [ (3)]

خرجه الإمام أحمد [ (4)] من حديث مجمع بن يحيى الأنصاري، قال:

حدثني عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبيه قال‏

: قلت: يا رسول اللَّه كيف الصلاة عليك قال: قل: اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، و بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

و خرجه النسائي من طريق شريك، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة عن أبيه‏

أن رجلا أتى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: كيف نصلي عليك يا نبي اللَّه؟ قال: قولوا: اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد [ (5)].

و من طريق مجمع بن يحيى عن عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبيه قال‏

: قلت: يا رسول اللَّه كيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللَّهمّ صل على محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد [ (6)].

____________

[ (1)] راجع التعليق السابق.

[ (2)] (سنن ابن ماجة): 1/ 292، كتاب إقامة الصلاة و السنة فيها، باب (25) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حديث رقم (903).

[ (3)] هو طلحة بن عبيد اللَّه: 3/ 529- 523.

[ (4)] (مسند أحمد): 1/ 263، حديث رقم (1399)، من مسند أبي محمد طلحة بن عبيد اللَّه رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه.

[ (5)] (سنن النسائي): 3/ 55، كتاب السهو، باب (52) نوع آخر من الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حديث رقم (1290).

[ (6)] (المرجع السابق): حديث رقم (1289)، و قد انفرد به النسائي.

34

و عثمان بن عبد اللَّه بن موهب أبو عبد اللَّه و أبو عمرو المدني الأعرج مولى آل طلحة يروي عن عمرو و أبي هريرة و أم سلمة و جابر بن سمرة و عبد اللَّه بن أبي قتادة و موسى بن طلحة و يروي عنه شعبة و شيبة و شريك و أبو عوانة و آخرون، و ثقة أبو داود. و خرّج له البخاريّ و مسلم و الترمذيّ و النسائيّ و ابن ماجة [ (1)].

و أما حديث زيد بن خارجة [ (2)]

فرواه الإمام أحمد [ (3)] من حديث عيسى بن يونس، حدثنا عثمان بن حكيم حدثنا خالد بن سلمة أن عبد الرحمن دعا موسى بن طلحة حين عرس على ابنه عليّ فقال: يا أبا عيسى كيف بلغك في الصلاة على النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال موسى:

سألت زيد بن خارجة فقال‏

: أنا سألت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كيف الصلاة عليك؟ فقال:

صلوا و اجتهدوا، ثم قولوا: اللَّهمّ بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

____________

[ (1)] هو عثمان بن عبد اللَّه بن موهب التيمي، أبو عبد اللَّه، و يقال: أبو عمرو المدنيّ الأعرج، مولى آل طلحة و قد ينسب إلى جده. روى عن ابن عمر.

[ (2)] هو زيد بن خارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، شهد أبوه أحدا و شهد هو بدرا.

و ذكر البخاريّ و غيره أنه هو الّذي تكلم بعد الموت. و قال ابن السكن: تزوج أبو بكر أخته فولدت له أم كلثوم بعد وفاته.

و روى النسائيّ و أحمد، من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن موسى بن طلحة، عنه قال‏: سألت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كيف الصلاة عليك؟ قال: صلوا فاجتهدوا، ثم قولوا: اللَّهمّ بارك على محمد و على آل محمد. الحديث. (الإصابة): 2/ 603، ترجمة رقم (2896)، (الاستيعاب): 2/ 547- 549، ترجمة رقم (844)، (تهذيب التهذيب): 3/ 353- 354، ترجمة رقم (747).

[ (3)] (مسند أحمد): 1/ 327، حديث رقم (1716) من حديث زيد بن خارجة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

35

و رواه النسائيّ، عن سعيد بن يحيى الأمويّ، عن عثمان به، و رواه إسماعيل ابن إسحاق في فضل الصلاة على النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كيف الصلاة عليك؟ عن عليّ بن عبد اللَّه حدثنا مروان بن معاوية حدثنا عثمان بن الحكيم، عن خالد بن سلمة، عن موسى، عن طلحة، أخبرني زيد بن حارثة بن الخزرج قال:

قلت: يا رسول اللَّه كيف نسلم عليك؟ فذكر نحوه.

قال الحافظ أبو عبد اللَّه بن مندة في كتاب (الصحابة): روى عبد الواحد ابن زياد عن عثمان بن حكم عن خالد بن سلمة قال: سمعت موسى بن طلحة و سأله عبد الحميد كيف الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فقال: سألت زيد بن خارجة الأنصاري فذكره.

و أما زيد بن حارثة هذا فهو زيد بن ثابت بن الضحاك بن حارث بن ثعلبة من بنى سلمة و يقال: ابن خارجة الخزرجيّ ذكره ابن مندة في (الصحابة) و الصواب زيد بن خارجة و هو ابن أبي زهير الأنصاريّ الخزرجيّ، شهد بدرا و توفي في خلافه عثمان، و هو الّذي تكلم بعد الموت، قاله أبو نعيم و ابن مندة و ابن عبد البر، و قيل: بل هو زيد بن حارثة و الباقي أصح.

36

و أما حديث علي بن أبي طالب رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه‏

فخرّج النسائيّ من حديث عمرو بن عاصم، حدثنا حبان بن يسار الكلابيّ، عن عبد الرحمن بن طلحة الخزاعيّ، عن محمد بن علي، عن محمد ابن الحنفية عن عليّ قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

: من سره أن يكتال بالكيل الأوفى إذا صلّى علينا أهلّ البيت فليقل: اللَّهمّ اجعل صلواتك و بركاتك على محمد النبيّ و أزواجه أمهات المؤمنين، و ذريته و أهل بيته، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

و حبان بن يسار الكلابي البصريّ و ثقة ابن حبان، و قال البخاري:

اختلط في آخر عمره، و قال أبو حاتم الرازيّ: ليس بالقوى و لا بالمتروك، و قال ابن عدي: حديثه فيه ما فيه لأجل الاختلاط الّذي ذكر عنه، و لهذا الحديث علة و هي أن موسى بن إسماعيل التبوذكي خالف عمرو بن عاصم فيه فرواه عن حبان بن يسار.

و حدثني أبو المطرف و الخزاعيّ و حدثني محمد بن عطاء الهاشمي عن أبي نعيم أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى فذكره.

و رواه أبو داود، عن موسى بن إسماعيل‏

و له علة أخرى و هي أن عمر بن عاصم قال: حدثنا ابن يسار، عن عبد الرحمن بن طلحة الخزاعي، و قال: موسى ابن عبيد اللَّه بن طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز، و هكذا هو في (تاريخ البخاري) و كتاب ابن أبي حاتم و كتاب (الثقات) لابن حبان، كذا ذكره في كتاب (تهذيب الكمال) لأبي الحجاج المزي فقال ما ملخصه: عبيد اللَّه بن طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز أبو مطرف الخزاعي، عن الحسن و الزهري و محمد بن على الهاشميّ و عنه صفوان بن سليم مع تقدمه، و حبان بن يسار و حماد بن زيد و جماعة.

ذكره ابن حبان في (الثقات)، فإما أن يكون عمرو بن العاص و هم في اسمه، و إما أن يكون اثنين، و لكن عبد الرحمن بن طلحة هذا مجهول لا يعرف في غير هذا الحديث و لم يذكره أحد من المتقدمين، و عمرو بن العاص و إن كان‏

37

روى عنه البخاريّ و مسلم و احتجا به، فموسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقريّ التبوذكي البصري الحافظ أحفظ منه، و الحديث له أصل من رواية أبي هريرة بغير هذا السند و المتن كما يأتي ذكره إن شاء اللَّه تعالى.

و أما حديث أبي هريرة رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه‏

فقال محمد بن إسحاق السراج: أخبرنا أبو يحيى و أحمد بن محمد اليزني قالا: أنبأنا عبد اللَّه بن مسلمة بن قطب أنبأنا داود بن قيس، عن نعيم بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة

أنهم سألوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كيف نصلي عليك؟ قال:

قولوا: اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد و بارك على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، و السلام كما قد علمتم.

و هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري و مسلم، رواه عبد الوهاب ابن مندة في (الخفاف) عنه.

و قال: الشافعيّ أخبرنا إبراهيم بن محمد أنبأنا صفوان بن سليم، عن أبي مسلمة، عن أبي هريرة أنه قال‏

: يا رسول اللَّه كيف نصلي عليك؟ يعني الصلاة في الصلاة. قال: قولوا: اللَّهمّ صل على محمد كما صليت على إبراهيم و بارك على محمد و آل محمد كما باركت على إبراهيم ثم تسلمون عليّ.

و إبراهيم هذا هو ابن محمد بن يحيى الأسلمي كان الشافعيّ يرى الاحتجاج به على هجره، و كان يقول: لأن يخبر من بعد أحب إليه من أن يكذب، و قد تكلم فيه مالك و الناس، و رموه بالضعف و الترك، و صرح بتكذيبه مالك و أحمد و يحيى ابن سعيد القطان و يحيى بن معين و النسائي، و قال ابن عقدة الحافظ:

نظرت في حديث إبراهيم بن أبي يحيى كثيرا فهو ليس بمنكر الحديث، و قال ابن عديّ: هو كما قال: ابن عقدة و قد نظرت أنا في حديثه الكثير فلم أجد فيه منكرا إلا عن شيوخ يحتلمون، يعنى أن يكون الضعف منهم و من جهتهم، ثم قال ابن عديّ: و قد نظرت في أحاديثه و محتوياتها.

38

و أما حديث بريدة بن الحصيب رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه‏

فرواه الحسن بن شاذان، عن عبد اللَّه بن إسحاق الخراسانىّ حدثنا الحسين ابن مكرم، حدثنا يزيد بن هارون حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي داود عن بريدة قال‏

: قلنا: يا رسول اللَّه قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللَّهمّ اجعل صلواتك و رحمتك على محمد و على آل محمد كما جعلتهما على إبراهيم إنك حميد مجيد.

و أبو داود هذا هو نفيع بن الحارث أبو داود الأعمى الكوفي القاصّ، و قيل: اسمه نافع الهمدانيّ و قيل: الدارميّ السمعي مولاهم.

قال ابن معين: ليس بشي‏ء و كان أحمد يقول: سمعت العبادلة ابن عمرو و ابن عباس و ابن الزبير و لم يسمع منهم شيئا، و قال الفلاس: كان يحيى و عبد الرحمن لا يحدثنا عن نفيع، و قال همام: قدم علينا أبو داود فجعل يقول:

حدثنا البراء بن عازب و زيد بن أرقم فقلنا لعبادة: إن أبا داود يحدثنا عن زيد ابن أرقم و عن البراء فقال: كذب إنما كان سائلا يتكفف الناس قبل طاعون الجارف، و قال البخاري: قاصّ يتكلمون، فيه، و قال السعدي: كذاب يتناول قوما من الصحابة بسوء، و قال النسائي: متروك الحديث، و قال ابن عدي:

و هو من جملة الغالين بالكوفة.

قال كاتبه: و هو و إن كان متروكا كان مطروح الحديث، فالعمدة على ما تقدم و لا يضر إخراج حديثه في الشواهد دون الأصول.

39

و أما حديث عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه‏

فخرّج الحاكم في (المستدرك) [ (1)] من حديث الليث بن سعد، عن خالد ابن يزيد عن سعيد بن أبي هلاك عن يحيى بن السباق، عن رجل من بنى الحارث، عن ابن مسعود رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

: إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد كما صليت و باركت و ترحمت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

و رواه البيهقيّ في (السنن) [ (2)] هكذا

و قد اعترض على الحاكم في تصحيحه هذا الحديث فإن يحيى بن السباق و شيخه غير معروفين بعدالة و لا جرح.

و قد ذكر أبو حاتم ابن حبان يحيى بن السباق في كتاب (الثقات) [ (3)] و قد رواه الدارقطنيّ في (السنن) [ (4)] من حديث عبد الوهاب بن مجاهد بن أبي ليلى و أبو معمر قال: علمني ابن مسعود التشهد و قال‏

: علمنيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما كان يعلمنا السورة من القرآن: التحيات للَّه و الصلوات و الطيبات، السلام عليك‏

____________

[ (1)]

(المستدرك): 1/ 402، كتاب الصلاة، حديث رقم (991)، و لفظه: ... حدثنا الليث، عن خالد بن بريدة، عن سعيد بن أبي هلال، عن يحيى بن السباق، عن رجل من بنى الحارث، عن ابن مسعود

رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه، عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال‏: إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد، و بارك على محمد و على آل محمد، و ارحم محمدا و آل محمد، كما صليت و باركت و ترحمت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

قال الحاكم: و أكثر الشواهد لهذه القاعدة لفروض الصلاة. و قال الحافظ الذهبي في (التلخيص): مرّ حديث فضالة، ثم ساقه و قال: على شروطها.

[ (2)] (السنن الكبرى): 2/ 379، كتاب الصلاة، باب وجوب الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

[ (3)] (الثقات): 7/ 603، يروى عن رجل، عن ابن مسعود، روى عنه سعيد بن أبي هلال.

[ (4)] (سنن الدارقطنيّ): 1/ 354، باب ذكر وجوب الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في التشهد، و اختلاف الروايات في ذلك، حديث رقم (1).

40

أيها النبيّ و رحمة اللَّه و بركاته، السلام علينا و على عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، اللَّهمّ صل على محمّد و على آل محمّد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد. اللَّهمّ صل علينا معهم، اللَّهمّ بارك على محمد و على أهل بيته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللَّهمّ بارك علينا معهم، صلوات اللَّه و صلوات المؤمنين على محمد النبيّ الأميّ، السلام عليكم و رحمة اللَّه و بركاته.

قال: و كان مجاهد يقول: إذا سلم فبلغ و على عباد اللَّه الصالحين فقد سلم على أهل السماء و الأرض. و لهذا الحديث علتان:

إحداهما: أنه من رواية عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر المكيّ، قال ابن معين: ليس ممن يكتب حديثه، و مرة قال: ليس بشي‏ء، و مرة قال: ضعيف، و قال السعدي: غير مقنع، و قال ابن عدي: و عامة ما يرويه لا يتابع عليه.

و الأخرى: أن ابن مسعود المحفوظ عنه في التشهد إلى أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا عبده و رسوله. ثم روي عنه موقوفا و مرفوعا فإذا قلت هذا فقد تمت صلاتك فإن شئت أن تقوم فقم، و أن تقعد فاقعد، و الموقوف أشبه و أصح و قد روى ابن ماجة في (سننه) من حديث المسعودي عن عوف بن عبد اللَّه عن أبي فاختة عن الأسود بن يزيد، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: إذا صليتم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قال: فقالوا له: فعلمنا. قال: قولوا: اللَّهمّ اجعل صلواتك و رحمتك و بركاتك على سيد المرسلين و إمام المتقين و خاتم النبيين محمد عبدك و رسولك إمام الخير و قائد الخير، و رسول الرحمة، اللَّهمّ ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون و الآخرون. اللَّهمّ صل على محمد و على آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

41

و أما حديث عبد الرحمن بن بشر بن مسعود رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه‏

فقال إسماعيل بن إسحاق في كتابه: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد ابن زيد، عن أيوب عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود قال‏

: قيل: يا رسول اللَّه أمرتنا أن نسلم عليك و أن نصلي عليك، فقد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: تقولون: اللَّهمّ صل على آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، اللَّهمّ بارك على آل محمد كما باركت على آل إبراهيم.

و حدثنا مسدد قال: حدثنا يزيد بن زريع حدثنا عون، عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود فذكره: حدثنا نصر بن على حدثنا عبد الأعلى حدثنا هشام، عن محمد، عن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود قال‏

:

قلنا، أو قيل للنبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أمرنا أن نصلي عليك، قال: تقولون: اللَّهمّ صل على محمد كما صليت على آل إبراهيم.

فذكره بمثله سواء، و عبد الرحمن هذا معدود في الصحابة و يقال فيه:

ابن بشير بياء، قال ابن عبد البر: عبد الرحمن بن بشير، روى عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في فضل عليّ روى عنه الشعبيّ.

قال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة حدثنا سعيد الجريريّ، عن يزيد بن عبد اللَّه أنهم كانوا يستحبون أن يقولوا:

اللَّهمّ صل على محمد النبيّ الأميّ و (عليه السلام).

حدثنا يحيى الحماني حدثنا هشيم، حدثنا أبو صالح حدثني يونس مولى بني هاشم قال: قلت: لعبد اللَّه بن عمرو أو ابن عمر كيف الصلاة على النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قال: اللَّهمّ اجعل صلواتك و بركاتك و رحمتك على سيد المرسلين و إمام المتقين و خاتم النبيين و قائد الغر المحجلين، اللَّهمّ ابعثه يوم القيامة مقاما محمودا يغبطه الأولون و الآخرون. و صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم.

42

حدثنا محمود بن خداش، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم قال‏

: قالوا: يا رسول اللَّه قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللَّهمّ صل على محمد عبدك و رسولك و أهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد [ (1)].

حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا السري بن يحيى، قال: سمعت الحسن قال‏

: لما نزلت‏

إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً

[ (2)] قالوا: يا رسول اللَّه، هذا السلام قد عرفنا كيف هو، فكيف تأمرنا أن نصلي عليك؟ قال: تقولون: اللَّهمّ اجعل صلواتك و بركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد [ (3)].

____________

[ (1)] (مصنف ابن أبي شيبة): 2/ 248، باب (786) الصلاة على النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كيف هي؟ حديث رقم (8635)، (مسند أحمد): 6/ 368، حديث رقم (21847)، (سنن النسائيّ): 3/ 54، كتاب السهو باب (50) كيف الصلاة على النبي، حديث رقم (1285)، (1287)، (1288) (1289)، (1290)، (1291)، (1292)، (1293)، من طرق و سياقات مختلفة تشتمل على أحاديث الباب.

[ (2)] الأحزاب: 56.

[ (3)] (كنز العمال): 1/ 496، حديث رقم (2186)، و عزاه إلى الإمام أحمد عن بريدة، و ضعفه.

43

الثالثة و الثمانون من خصائص المصطفى (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أن من صلّى عليه واحدة صلّى اللَّه عليه عشرا

خرّج مسلم [ (1)] من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أن رسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

: من صلّى علي واحدة صلّى اللَّه عليه عشرا.

و خرجه أبو داود [ (2)] و الترمذي [ (3)] و النسائي [ (4)] و ابن حبان [ (5)] في (صحيحه) و قال الترمذي: حديث حسن صحيح. و في بعض ألفاظه:

من صلّى على مرة واحدة كتب له بها عشر حسنات.

ذكره ابن حبان‏

.

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 4/ 371، (كتاب الصلاة)، باب (17) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد التشهد،

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم)‏: (من صلّى على واحدة صلّى اللَّه عليه عشرا).

قال القاضي: معناه:

رحمته و تضعيف أجره كقوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها قال: و قد يكون الصلاة على وجهها و ظاهرها تشريفا بين الملائكة كما في الحديث‏

«و إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم».

[ (2)] (سنن أبي داود): 2/ 184، (كتاب الصلاة)، باب (361) في الاستغفار، حديث رقم (1530).

[ (3)] (سنن الترمذي): 2/ 355، (أبواب الصلاة)، باب (21) ما جاء في فضل الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حديث رقم (485)، و قال في الباب عن عبد الرحمن بن عوف، و عبد الرحمن بن ربيعة، و عمار بن ياسر، و أبي طلحة، و أنس بن مالك، و أبي بن كعب. قال أبو عيسى:

حديث أبو هريرة حديث حسن صحيح.

و روى عن سفيان الثوريّ و غير واحد من أهل العلم، قالوا: صلاة الرب الرحمة، و صلاة الملائكة الاستغفار.

[ (4)] (سنن النسائيّ): 3/ 58 (كتاب السهو) باب (55) الفضل في الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حديث رقم (1296).

[ (5)] (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان): 3/ 185، كتاب الرقائق باب (9) الأدعية، ذكر حط الخطايا عن المصلي على المصطفى (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بها، حديث رقم (904)، و إسناده صحيح.

44

و روى عبد اللَّه بن محمد المنقريّ، عن محمد بن حبيب. حدثنا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد الساعديّ رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه قال‏

: خرج علينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإذا أنا بأبي طلحة فقام إليه فتلقاه. فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللَّه! إني أرى السرور في وجهك! قال: أجل، إنه أتانى جبريل آنفا فقال: يا محمد، من صلّى عليك مرة أو قال: واحدة كتب اللَّه بها عشر حسنات و محا بها عنه عشر سيئات و رفع له بها عشر درجات. قال ابن حبيب: و لا أعلم إلا قال: و صلت عليه الملائكة عشر مرات.

و خرّج الإمام أحمد [ (1)] من حديث معشر، عن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبي طلحة الأنصاريّ، قال‏

: أصبح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوما طيب النفس يرى في وجهه البشر فقالوا: يا رسول اللَّه! أصبحت اليوم طيب النفس يرى في وجهك البشر، قال: أجل أتاني آت من ربي عز و جل و قال: من صلّى عليك من أمتك صلاة كتب اللَّه بها عشر حسنات، و محا عنه عشر سيئات، و رفع له عشر درجات ورد عليه مثلها.

و من حديث أبي طلحة الأنصاريّ قال‏

: «أصبح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوما طيب النفس يرى في وجهه البشر، قالوا يا رسول اللَّه، أصبحت اليوم طيب النفس، يرى في وجهك البشر، قال: أجل، أتاني آت من ربي عز و جل فقال:

من صلّى عليك من أمتك صلاة كتب اللَّه له عشر حسنات، و محا عنه عشر سيئات، و رفع له عشر درجات، ورد عليه مثلها» [ (2)].

____________

[ (1)] (مسند أحمد): 3/ 538، حديث رقم (12587) من حديث أنس بن مالك، 4/ 160 حديث رقم (13343)، 4/ 610، حديث رقم (15917)، من حديث أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاريّ.

[ (2)] (مسند أحمد): 4/ 160، حديث رقم (15917)، من حديث أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاريّ، و هذا الحديث سياقه مضطرب في (الأصل)، و صوبناه من (المسند).

45

رواه النسائيّ من حديث ابن المبارك و عفان، عن حماد، و رواه ابن حبان في (صحيحه) [ (1)] من حديث حماد أيضا و النسائيّ [ (2)] من حديث أبي سلمة و هو المغيرة بن مسلم الخراسانىّ عن أبي إسحاق، عن أنس رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

: من ذكرت عند فليصل عليّ و من صلّى على مرة صلى اللَّه عليه عشرا.

و من حديث يحيى بن آدم حدثنا يونس بن أبي إسحاق حدثني يزيد بن أبي مريم عن أنس بن مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أنه سمعه يقول:

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

من صلّى على صلاة واحدة صلّى اللَّه عليه عشر صلوات، و حط عنه عشر سيئات، و رفعه بها عشرة درجات.

و رواه الإمام أحمد في (المسند) عن أبي نعيم عن يونس، و عليه ما أشار إليه النسائيّ في كتابه (الكبير) أن مخلد بن يزيد رواه عن يونس بن أبي إسحاق عن يزيد بن أبي مريم عن الحسن عن أنس.

و هذه العلة لا تقدح فيه شيئا لأن الحسن لا شك في سماعه عن أنس، و قد صح سماع يزيد بن أبي مريم أيضا من أنس هذا الحديث، فرواه ابن حبان في (صحيحه) و الحاكم [ (3)] في (المستدرك) من حديث يونس ابن أبي إسحاق، عن يزيد، عن أبي مريم قال: سمعت أنس بن مالك فذكره، و لعل يزيد سمعه من الحسن، ثم سمعه من أنس فحدث به على الوجهين، فإنه قال: كنت أزامل‏

____________

[ (1)]

(الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان): 3/ 196، (كتاب الرقائق)، باب (9) الأدعية، باب ذكر تفضل اللَّه جل و علا على المسلم على رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مرة واحدة يأمنه من النار عشر مرات، نعوذ باللَّه منها، حديث رقم (915) و لفظه عن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أبيه قال‏:

خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو مسرور، فقال: «إن الملك جاءني فقال: يا محمد، إن اللَّه يقول:

أما ترضى ألا يصلي عليك عبد من عبادي صلاة إلا صليت عليه بها عشرا، و لا يسلم عليك تسليمة إلا سلمت عليه بها عشرا؟ قلت: بلى أي رب».

[ (2)] لم أجده في (المجتبى)، و لعله في (الكبرى).

[ (3)] (المستدرك): 2/ 456، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب حديث رقم (3575)، و قال الحافظ الذهبيّ في (التلخيص): صحيح.

46

الحسن في محل فقال: حدثنا أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

فذكره.

ثم إنه حدث به عن أنس فرواه عنه كما تقدم. لكن ينبغي أن يقال:

يحتمل أن يكون هذا هو حديث أبي طلحة بعينه أرسل أنس عنه، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و يدل على ما رواه إسماعيل بن إسحاق.

حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن عبيد اللَّه بن عمرو، عن ثابت البناني قال: قال أنس بن مالك قال أبو طلحة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما: أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خرج عليهم يوما يعرفون البشر في وجهه فقالوا: إنا نعرف الآن البشر في وجهك، فذكر حديث أبي طلحة المتقدم.

و روى ابن أبي عاصم، حدثنا الحسن بن البراء حدثنا شبابة حدثنا المغيرة عن أبي إسحاق عن أنس قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

: صلوا على فان الصلاة عليّ كفارة لكم، فمن صلّى عليّ صلّى اللَّه عليه.

و خرّج إسماعيل بن إسحاق من حديث القعنبيّ حدثنا سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك قال‏

: خرج علينا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يتبرز فلم يجد أحدا يتبعه ففزع عمر فاتبعه بمطهرة يعنى إداوة فوجده ساجدا فتنحى فجلس وراءه حتى رفع رأسه، قال: فقال: أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدا فتنحيت عني، إنّ جبريل أتاني فقال: من صلّى عليك واحدة صلّى اللَّه عليه عشرا، و رفعه عشر درجات.

و قال إسماعيل: حدثنا يعقوب بن حمد، حدثنا أنس بن عياض بن سلمة ابن وردان، حدثنا مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال‏

: خرج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يتبرز فاتبعته بإداوة من ماء فوجدته ساجدا، فتنحيت عنه، فلما رفع رأسه قال: أحسنت يا عمر حين تنحيت عني، إن جبريل أتاني فقال: من صلّى عليك صلاة صلّى اللَّه عليه عشرا، و رفعه عشر درجات.

47

فإن قيل: هذا الحديث الثاني علة للحديث الأول لأن سلمة بن وردان أخبر أنه سمعه من مالك بن أوس بن الحدثان. قيل: ليس بعلة له، فقد سمعه سلمة بن وردان منهما.

قال أبو بكر الإسماعيلي في كتاب (مسند عمر): و حدثني عبد الرحمن ابن عبد اللَّه، أخبرنا أبو موسى القروي، حدثني أبو ضمرة، عن حمزة، عن سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و معه عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- بإداوة و مجارة، فوجده قد فرغ، و وجده ساجدا فتنحى عمر. و ذكر الحديث.

حدثنا عمران بن موسى، حدثنا ابن كاسب، حدثنا أنس بن عياض، عن سلمة بن وردان حدثني مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمرو حدثني أنس ابن مالك ثم ساقه من حديث الفضل بن دكين. حدثنا سلمة بن وردان سمعت أنس بن مالك و مالك بن أوس بن الحدثان و ذكره.

و قال ابن شاهين: حدثني العباس بن المغيرة، حدثنا عبد اللَّه بن ربيعة قال: سمعت عبد اللَّه بن شريك عن عاصم بن عبد اللَّه بن عاصم، عن عبد اللَّه ابن عامر بن ربيعة، عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

: من صلّى علي صلاة صلّى اللَّه عليه عشرا، فليقلّ عبد عليّ أو ليكثر [ (1)].

و خرّج الطبرانيّ من حديث عمر بن الربيع بن طارق حدثنا يحيى بن أيوب حدثني عبيد اللَّه بن عمر عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه قال‏

: خرج علينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لحاجته فلم يجد أحدا يتبعه ففزع عمر فأتاه بمطهرة من خلفه، فوجد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ساجدا فتنحى عنه من خلفه، حتى رفع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رأسه و قال: أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدا فتنحيت عني، إن جبريل أتانى فقال:

من صلّى عليك من أمتك واحدة صلّى اللَّه عليه عشرا، و رفعه بها عشر درجات.

____________

[ (1)] راجع التعليق التالي.

48

قال الطبرانيّ لم يروه عن عبيد اللَّه إلا يحيى بن أيوب، تفرد به عمرو ابن طارق.

و خرّج الإمام أحمد من حديث شعبة، عن عاصم بن عبد اللَّه قال:

سمعت عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يخطب و يقول‏

من صلّى عليّ صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه فليقلّ عبدا من ذلك أو ليكثر [ (1)].

و رواه ابن ماجة عن شعبة [ (2)]، و رواه عبد الرزاق، عن عبد اللَّه بن عمر العمرى، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد اللَّه بن عامر، عن أبيه، و لفظه:

من صلّى عليّ صلاة صلّى اللَّه عليه [عشرا] فأكثروا أو أقلوا.

و عاصم بن عبيد اللَّه ابن عاصم بن عمر بن الخطاب و عبيد اللَّه بن عمر العمريّ‏

و إن كان حديثهما فيه بعض الضعف، فرواية هذا الحديث من هذين الوجهين المختلفين يدل على أنه له أصلا، و هذا لا ينزله عن وسط درجات الحسن.

و خرّج [الإمام‏] أحمد من حديث ليث عن يزيد بن جهاد عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الرحمن بن عوف- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال‏

: خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاتبعته حتى دخل مدخلا، فسجد فأطال السجود، حتى خفت أو خشيت أن يكون اللَّه قد توفاه أو قبضه، قال: فجئت انظر فرفع رأسه فقال: مالك يا عبد الرحمن قال: فذكرت ذلك له فقال: إنّ جبريل (عليه السلام) قال لي: ألا أبشرك أن اللَّه عز و جل يقول لك: من صلّى عليك صليت عليه و من سلّم عليك سلمت عليه.

____________

[ (1)] (مسند أحمد): 4/ 483- 484، حديث رقم (15253).

[ (2)] (سنن ابن ماجة): 1/ 294، كتاب إقامة الصلاة و السنة فيها باب (25) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حديث رقم (907)، قال في (الزوائد): إسناده ضعيف، لأن عاصم بن عبيد اللَّه، قال في البخاريّ و غيره: منكر الحديث.

49

و خرّجه أيضا من حديث سليمان بن بلال، حدثنا عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن فذكره.

و قال فيه:

فسجدت للَّه شكرا [ (1)].

و خرّجه الحاكم في (المستدرك) [ (2)] من طريق سليمان بن بلال، عن عمرو و قال: صحيح الإسناد.

و رواه ابن أبي الدنيا عن يحيى بن جعفر. حدثنا زيد بن الحباب أخبرني موسى بن عبيده، أخبرني قيس بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن سعد ابن إبراهيم عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف قال‏

: سجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سجدة أطال فيها. فقلت له في ذلك فقال: إني سجدت هذه السجدة شكرا للَّه عز و جل فيما أبلانى في أمتى فإنه من صلّى عليّ صلاة صلّى اللَّه عليه بها عشرا.

و موسى بن عبيدة و إن كان في حديثه بعض الضعف فهو شاهد لما تقدم.

و قال: عثمان بن أبي شيبة: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

: لقيني جبريل و بشرنى أن اللَّه عز و جل يقول لك: من صلّى عليك صلاة صليت عليه، و من سلّم عليك سلمت عليه، فسجدت لذلك.

و خرّج النسائي من حديث أبي أسامة، عن سعيد بن سعيد، عن سعيد ابن عمير عن عمه أبي بردة بن نيار قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

من صلّى عليّ من أمتي صلاة مخلصا من قلبه صلّى اللَّه عليه بها عشر صلوات، و رفعه بها عشر درجات، و كتب له بها عشر حسنات، و محا عنه عشر سيئات، و قد أعلّ هذا الحديث بأن‏

وكيعا رواه، عن سعيد بن أبي سعيد، عن سعيد بن عمير الأنصاري، عن أبيه و كان بدريا، قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

: من صلى عليّ،

فذكره.

____________

[ (1)] (المرجع السابق): حديث رقم (1666).

[ (2)] (المستدرك): 1/ 735، كتاب الدعاء و التكبير و التهليل و التسبيح و الذكر، حديث رقم (2019) و قال الحافظ الذهبي في (التلخيص): صحيح.

50

و قال النسائيّ: أنبأنا الحسين بن حريث، حدثنا وكيع فذكر قصة اختلاف أبي أسامة و وكيع، قال الحافظ أبو قريش محمد بن زرعة: سألت أبا زرعة يعنى الراويّ عن اختلاف هذين الحديثين فقال: حديث أبي أسامة أتم.

و خرّج الطبراني في (المعجم الكبير) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن سعيد بن أبي سعيد بن أبي الصباح، حدثنا سعيد بن عمير بن عقبة بن نيار الأنصاريّ، عن عمه أبي بردة بن نيار فذكروه.

و رواه بن أبي عاصم في كتاب (الصلاة على النبيّ) (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن أبي أسامة، عن سعيد بن أبي سعيد به، و روى الحافظ أبو نعيم من طريق أبي مالك عبد الملك بن حسين، عن عاصم بن عبيد اللَّه عن القاسم بن محمد عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

من صلّى عليّ صلاة صلت عليه الملائكة فليكثر عبد أو ليقل.

و خرّج أبو داود في (سننه) من حديث ابن وهب، عن ابن لهيعة و سعيد بن أيوب، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه‏

أنه سمع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على، فإنه من صلّى عليّ صلاة صلى اللَّه عليه عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللَّه، و أرجو أن أكون أنا هو، فإن من سأل اللَّه لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة [ (1)].

و خرجه مسلم [ (2)]

.

____________

[ (1)] (سنن أبي داود): 1/ 359، كتاب الصلاة، باب (36)، ما يقوله إذا سمع المؤذن، حديث رقم (523).

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 4/ 328، كتاب الصلاة، باب (7) استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم يسأل اللَّه له الوسيلة، حديث رقم (384).

و أخرجه النسائيّ في (السنن): 2/ 354، (كتاب الأذان)، باب (37) الصلاة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حديث رقم (677).

و أخرجه الترمذيّ في (السنن): 5/ 547، (كتاب المناقب) عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، باب (1) في فضل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حديث رقم (3614)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح‏

51

و ذكر عبد اللَّه بن أحمد من طريق ابن لهيعة عن عبد اللَّه بن هبيرة عن عبد اللَّه، و في نسخة عبد الرحمن بن شريح الخولانيّ قال: سمعت أبا قيس مولى عمرو بن العاص يقول: سمعت عبد اللَّه بن عمرو يقول: من صلى على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلاة صلى اللَّه عليه و ملائكته بها سبعين صلاة فليقلّ من ذلك أو ليكثر. كذا رواه موقوفا.

و ذكره أبو نعيم، عن أحمد بن جعفر، عن عبد اللَّه عن أبيه، و قال عبد الباقي بن قانع: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن صالح بن شيخ بن عميرة قال: حدثني محمد بن هاشم حدثنا محمد بن ربيعة الكلابي، عن أبي الصباح البهزيّ حدثني سعيد بن عمير عن أبيه قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

: من صلّى عليّ صادقا من نفسه صلّى اللَّه عليه عشر صلوات، و رفعه عشر درجات، و كتب له بها عشر حسنات.

و روى إسماعيل بن إسحاق من طريق العوام بن حوشب حدثني رجل من بنى أسد، عن عبد الرحمن بن عمرو، قال: من صلّى على النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كتب اللَّه له عشر حسنات و محا عنه عشر سيئات، و رفع له عشر درجات.

و من طريق سفيان، عن يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

أتاني آت من ربي فقال: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى اللَّه عليه بها عشرا [ (1)]، فقام إليه رجل فقال: يا رسول اللَّه، أجعل لك نصف دعائي؟ قال: إن شئت، قال: أجعل ثلثي دعائي لك؟ قال: إن شئت، قال: أجعل دعائي لك كله؟ قال: يكفيك اللَّه همّ الدنيا و همّ الآخرة،

فقال شيخ كان بمكة يقال له منيع لسفيان: عمن أسنده؟ قال: لا أدري.

____________

[ ()] قال محمد: عبد الرحمن بن جبير هذا قرشيّ مصريّ مدنيّ، و عبد الرحمن بن جبير بن نفير شاميّ قرشيّ.

[ (1)] (تفسير ابن كثير): 3/ 518، تفسير سورة الأحزاب.

52

الرابعة و الثمانون من خصائصه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أنه من صلّى عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غفر ذنبه‏

روى محمد بن موسى، عن الأصمعيّ، حدثني محمد بن مروان السديّ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

: من صلّى عليّ عند قبري وكل اللَّه به ملكا يبلغني و كفي أمر دنياه و آخرته، و كنت له يوم القيامة شهيدا أو شفيعا [ (1)].

و محمد بن موسى ابن يونس بن موسى الكديمي متروك الحديث.

و قال: عبد اللَّه بن حميد في (مسندة): حدثنا قبيصة بن عقبة حدثنا سفيان، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن ابن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال‏

: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا ذهب ربع الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا اللَّه، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه. قال أبي بن كعب: قلت: يا رسول اللَّه إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟

قال: ما شئت، قلت: الربع قال: ما شئت، و إن زدت فهو خير لك، قلت:

الثلثين؟ قال: ما شئت، و إن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذا تكفي همك و يغفر لك ذنبك [ (2)].

____________

[ (1)]

(شعب الإيمان): 2/ 218، الخامس عشر من شعب الإيمان و هو باب في تعظيم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إجلاله و توقيره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حديث رقم (1583)، و لفظه: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و

سلّم)‏ من صلّى عليّ عند قبري وكل بهما ملك يبلغني و كفي بها أمر دنياه و آخرته و كنت له شهيدا أو شفيعا، هذا اللفظ حديث الأصمعي‏

و في رواية الحنفي قال: عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏: من صلّى علي عند قبري سمعته و من صلّى عليّ نائيا أبلغته.

[ (2)]

قال الحافظ ابن كثير: حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن ابن الطفيل ابن أبيّ

بن كعب عن أبيه قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)‏ «جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» فقال رجل يا رسول اللَّه أ رأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال «إذا يكفيك اللَّه ما أهمك من دنياك و آخرتك. (تفسير ابن كثير): 4/ 498، تفسير سورة النازعات.