إنارة الدجى في مغازي خير الورى(ص)

- القاضي حسن بن محمد المشاط المزيد...
832 /
5

[مقدمة التحقيق‏]

إنارة الدّجى في مغازي خير الورى (صلى اللّه عليه و سلم) شرح العلّامة المحدّث الأصوليّ الفقيه القاضي حسن بن محمّد المشّاط لمنظومة أحمد البدويّ المجلسيّ الشّنقيطيّ في المغازي (ت 1220 ه تقريبا)

هذا الكتاب سما كالشّمس في الأفق* * * و قد وعى أهل هذا البيت فكرته‏

لأحمد البدويّ المجلسيّ به* * * نظم المغازي الّذي قد شمت روعته‏

و شيخنا حسن المشّاط أوضحه* * * بشرحه حقّق الرّحمن بغيته‏

أسماه باسم جميل علّ نيّته* * * مقبولة فأتمّ اللّه رغبته‏

أنار فيه الدّجى بما الحبيب غزا* * * أفادنا فجزاه اللّه جنّته‏

من اسمه حسن و الحسن ديدنه* * * كأنّ ربّ السّما أعطاه منيته‏

أم القرى شهدت و البيت و الحرم* * * بقدره و الحجاز الرّحب أثبته‏

يقضي بمكّة عن علم و معرفة* * * بين العباد أعزّ اللّه رتبته‏

و زارنا في بلاد الشّام حين أبي* * * رآه سرّ به بل كان بلغته‏

أجازه بعلوم كالحديث أضف* * * فقها أذانا و بالإسناد أبحته‏ (1)

و بيننا نسب ما زال متّصلا* * * بالعلم يزكو فنل إن شئت نسبته‏

حفيده البارع المحمود طوبى له* * * معي اعتنى طيّب الرّحمن وجهته‏

بطبعه و بنشر العلم محتسبا* * * مولاي فامح ذنوبي و اجل صفحته‏

و انفع إلهي بهذا السّفر قارئه* * * هبه التّأسي بمن أيّدت بعثته‏

عليه صل على أصحابه مددا* * * و اخصص أحبّة هادينا و عترته‏

و الحمد للّه في بدء و مختتم* * * يا ذا الجلال أعنّا نحي سنّته‏

محمد عبد الرحمن بن عبد العزيز عيون السّود، الشّيبانيّ‏

____________

(1) البحت: الصرف، الخالص من كل شي‏ء، و باحته الودّ: خالصه.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

القسم الأول الترجمة- الدراسة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

ترجمة الشّارح فضيلة الشّيخ حسن محمّد المشّاط (1)

1317- 1399 ه ولد (رحمه اللّه تعالى) بمكة المكرمة، عام (1317 ه) نشأ في أحضان أسرة علمية من أسر مكة العريقة (آل مشاط) (2)، تلقّى تعليمه في رحابها المباركة بالمدرسة الصولتية، و بالمسجد الحرام على يد العلماء الأكابر (3)، و قد أبدى أثناء تحصيله العلم تفوّقا و نبوغا في الدراسة، أهلاه لأن يكون معاونا في الدروس الابتدائية أثناء تعلمه‏ (4).

أقبل على العلم بكليته، شغف به صبيا، و شابا يافعا، و تضاعف شغفه و ولعه به كهلا، و شيخا، فكان شريط حياته تعلما و تعليما، استفادة و إفادة.

شجعه على هذا التوجه و الاتجاه و الداه الكريمان، و من بعدهما زوجه المصون (رحمهم اللّه تعالى) ؛ إذ هيّئوا له جوّا عائليا يعبق بالحب، و يشع بالطهر و الصفاء، في رعاية أسرية حانية (5).

____________

(1) قد ترجم لفضيلته ترجمة موسعة في كتابه: «الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة» دراسة و تحقيق تلميذه عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، و المدون هنا رءوس الموضوعات هناك، و تتم الإشارة بالهامش هنا عن مواطن وجودها في تلك الدراسة.

(2) انظر (الفصل الأول: مؤلف الكتاب: ولادته، و نشأته) من دراسة كتاب «الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة» (الطبعة الأولى، بيروت، دار الغرب الإسلامي، عام 1406)، (ص 17).

(3) انظر قسم الدراسة ل «الجواهر الثمينة» (ص 32).

(4) انظر قسم الدراسة ل «الجواهر الثمينة» (ص 20، 26).

(5) انظر قسم الدراسة ل «الجواهر الثمينة» (ص 18- 22- 24).

10

حفّته العناية الإلهية سنوات تحصيله، فأوجدت منه محدثا كبيرا، فقيها مالكيا، و أصوليا نحريرا، عالما من علماء السيرة النبوية، متضلعا من العلوم العربية، متحققا بسلوك علماء الآخرة، كل هذا في خشية العالم و تواضعه، و ورعه و تقواه، منصرفا عن الدنيا و مظاهرها، عفيف اليد و اللسان، كثير الذكر و التأمل‏ (1).

رحل إلى كثير من البلاد العربية: مصر، و الشام، و فلسطين، و لبنان، و السودان، فتعرّف على علمائها، فأجازوه و أجازهم، لم ينقطع عن إفادة الناس فيها، و عقد حلقات الدروس في مساجدها، فحلّ بين أهلها عالما مبجلا (2).

أمّا تلاميذه النبغة العلماء .. فهم كثر، ليسوا في مكة و ديار الحجاز فقط، بل في البلاد الإسلامية بعامة، و جزيرة العرب بخاصة، في إفريقيا، و جنوب شرق آسيا، و لهم نتاج علمي غزير، و مؤسسات علمية كثيرة، نشرت النور و المعرفة في أصقاع تلك البلاد.

أمّا حياته العملية و الوظيفية .. فإنّ تاريخ مكة العلمي و التربوي يعتز به واحدا من كبار العلماء المدرّسين، الذين كان تعليم أبناء المسلمين هوايتهم، يبتغون به وجه اللّه، فتخرّجت بهم أجيال من العلماء و المفكّرين و المثقّفين‏ (3).

اشتغل بالقضاء بالمحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة زهاء خمسة عشر عاما، من عام (1361) إلى عام (1375) كان مثال النزاهة و العفّة و العدل، له مواقف قضائية تاريخية، تشهد له بسداد الرأي، و التوفيق- بفضل من اللّه- إلى الحكم الصواب‏ (4).

____________

(1) انظر قسم الدراسة ل «الجواهر الثمينة» (ص 25).

(2) انظر قسم الدراسة ل «الجواهر الثمينة» (ص 28- 32- 54).

(3) انظر قسم الدراسة ل «الجواهر الثمينة» (ص 36- 44).

(4) انظر قسم الدراسة ل «الجواهر الثمينة» (ص 45- 51).

11

فلا غرو أن يكون علما بارزا بين العلماء المكّيّين، ذا مكانة رفيعة في الوسط العلمي، و المجتمع المكّي، (رحمه اللّه) رحمة الأبرار، و أدخله جنّته مع النّبيّين، و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين، و حسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من اللّه و كفى باللّه عليما.

نشاطه العلمي:

درس بالحرم الشريف، و المدرسة الصولتية، و بمنزلة، لعقود طويلة، منذ شبابه حتى مرحلة شيخوخته و مرضه الذي انتقل بعده إلى جوار ربه، (رحمه اللّه).

استمرّ يدرس بالحرم الشريف دروسا خاصة و عامة ببرنامج زمني، يكاد يكون نظام العلماء و المدرّسين في هذا المكان المبارك منذ قرون، أمّا العلوم .. فإنّها تختلف من عالم لآخر حسب تمكّنه و اتجاهه‏ (1).

أمّا البرنامج العلمي و الزمني لفضيلة الشيخ حسن محمد مشاط، و ما دأب عليه تلاميذه و روّاده .. فهو كالآتي:

دروس ما بين المغرب و العشاء:

يخصّص النصف الأول لهذه الفترة لتدريس الفقه المالكي لمجموعة من الطلاب، محدودة العدد، و آخر مجموعة من الدارسين هذا المذهب قد تدرّج بهم من كتب المبادئ في المذهب، مثل: «متن الأخضري» في الفقه، و «منظومة ابن عاشر»، و «متن الرسالة»، حتى منتهيا بها بدراسة «متن سيدي خليل المالكي».

يخصص النصف الثاني لما بين المغرب و العشاء لدرس عام، يحضره الخاصة و العامة لتدريس أحد كتب الصحاح الستة، دراسة علمية محققة للسند و المتن و فقه الحديث، و قد درسها مرات عديدة متكررة، و الكتب بأيدي الطلاب يدونون عنه الفوائد و النكات العلمية.

____________

(1) انظر قسم الدراسة ل «الجواهر الثمينة» (ص 52).

12

و الدرس بعد صلاة العشاء: يخص الليالي الثلاث الأولى من الأسبوع لتدريس اللغة العربية، و الليلتين الأخيرتين- ليلة الأربعاء و الخميس- لتدريس مادة أصول الفقه، و قد درس عليه الطلاب في هذه العلوم كتب البدايات حتى النهايات.

عدد الدارسين في هذه العلوم و هذه الفترة عدد محدود من طلاب العلم المداومين.

أمّا ليلتا الثلاثاء و الجمعة من كل أسبوع .. فقد اعتاد علماء المجسد الحرام اتخاذهما إجازة أسبوعية.

و عادة ما يبتدئون الدروس و يختمونها بالدعاء مستقبلين الكعبة المشرفة، و ما أن يرتفع صوت الحق بأذان العشاء .. حتى تتوقف كافة الدروس، و ترتفع الأيدي بالدعاء إلى اللّه عزّ و جلّ.

هذه صورة تحكي واقعا يوميا مشهودا كل مساء في المسجد الحرام، ليس فيما يخص فضيلة الشيخ حسن محمّد المشاط، بل هو صحيح بالنسبة لكافة العلماء الذين كانت تمتلئ ساحات المسجد الحرام و أروقته بدروسهم و حلقاتهم العلمية، أمثال الشيخ محمد العربي التباني، و السيد علوي مالكي، و السيد محمّد أمين كتبي، و الشيخ محمّد نور سيف، و الشيخ عبد اللّه دردوم، و الشيخ محمّد مرداد، و غيرهم كثير، حسب برنامج علمي من الدروس الشرعية و اللغوية يختص به كل واحد منهم.

نشاطه التأليفي‏ (1):

مؤلفات الشيخ حسن محمّد المشاط (رحمه اللّه) شاهد حي، يحكي تمكنه في العلوم التي ألّف فيها، كما أنّها تدل أصالة على مقدار عمقه في علوم الآلة:

اللغوية، و البيانية التي لا تستقيم العلوم الشرعية بدونها.

____________

(1) انظر قسم الدراسة ل «الجواهر الثمينة» (ص 57- 72).

13

ألّف في أصول الحديث كتابي:

«رفع الأستار عن مخدرات طلعة الأنوار».

و «شرح المنظومة البيقونية».

و كلاهما كتابان معتبران، ينالان الاهتمام الدائم من الدارسين في معظم الأقطار الإسلامية، كما كان في الماضي عند ما كان المؤلف على قيد الحياة، و قد طبعا مرات عديدة نالا تدقيق المؤلف، و مراجعته و تحقيقه.

ألّف في الفقه على طريقة المحدّثين كتابين هما:

1- «إسعاف أهل الإيمان بوظائف شهر رمضان».

2- «إسعاف أهل الإسلام بوظائف الحج إلى بيت اللّه الحرام».

هما كتابا حديث وفقه في موضوعهما، و قد طبعا لعدة مرات، و كان لهما الحظ الوافر من مراجعة المؤلف و تحقيقاته، حظيا بتدريسهما لطلابه في مناسباتهم الدينية لمرات عديدة.

كان (رحمه اللّه تعالى) عالما من علماء الحديث المشهود لهم في هذا المجال، و عالما من علماء أصول الفقه، قد أنتج في هذا المجال العلمي كتابه:

«الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة» (1)، و قد طبع طبعتين.

و حاشية موسعة على «لب الأصول».

ألّف في العقيدة:

«البهجة السنية في شرح الخريدة في علم التوحيد» طبع بأندونيسيا، يدرس في معاهدها و مؤسساتها التعليمية.

____________

(1) طبع طبعتين عام (1406) و عام (1412) بتحقيق تلميذه عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان.

14

درس بالحرم الشريف شروح «ألفية ابن مالك» كابن عقيل، و المكودي، و حواشيهما مرات عديدة، مدوّنا تاريخ تدريسه لها على صفحات النسخ التي درس فيها، و كذلك علوم البلاغة، غير أنّه لم يؤلف فيهما.

و قد ظهرت آثار هذه الدراسات العلمية المتنوعة واضحة في شرحه لهذه المنظومة.

تجلّت قدراته اللغوية (رحمه اللّه) في التحليل اللغوي للمنظومة عند ما يحتاج النظم إلى ذلك، حيث ضرورات النظم توجب تقديم ما حقه التأخير، و تأخير ما حقه التقديم، فيستوجب هذا بيان وضع كل عبارة أو جملة في موضعها الصحيح، و من ثمّ إعرابها لتوضيح معناها.

إن اطّلاعه الواسع، و قدراته الرفيعة في علم الحديث سندا و متنا .. أضاف إلى النظم من الوقائع و الأحداث ما لا يوجد إلّا في كتب الحديث، و ما لا يعرفه إلّا المحدث الضليع، فهو على ذكر ممّا هو مدوّن في هذه المدونات، و ما يذكره علماء السيرة النبوية، و قد يتخلل هذا: تعارض الروايات، و الأحداث، و الوقائع، فيفحصها حسب القوانين العلمية الأصولية، و قد وفق (رحمه اللّه تعالى) في هذا الجانب كل التوفيق.

و ملكاته الفقهية و الأصولية قدمت للقارئ معلومات فقهية مهمة كلّما واتت مناسبة لذكرها.

الدراسة

شروح المنظومة:

يوجد شرح آخر لهذه المنظومة للعلّامة الشيخ حماد الأمين الشنقيطي، و قد ذكر الشيخ حسن محمّد المشاط هذا الشرح، و اطّلع عليه، و استفاد منه، و ذكر منهجه‏

15

و طريقته، و أنّه من جملة ما اعتمده في شرحه، و لكنه اتّخذ منهجا آخر مستقلا، هو ما وضحه بقوله:

(و قد اعتمدت في هذا الشرح على شرح العلّامة الشيخ حمّاد بن الأمين الشنقيطي ابن أخي الناظم على هذا النظم، و هو شرح على طريقة المتقدمين، غير مزج، يذكر جملة من أبيات النظم، و يتكلم عليها على عادة علماء ذلك القطر في الإسهاب، و الولوج في كل فن و باب) (1).

مصادر الشرح «إنارة الدجى في مغازي خير الورى»:

خصّ الشارح (رحمه اللّه تعالى) المقدمة الثالثة بذكر أشهر من ألّف في المغازي، و بيّن المصادر التي اعتمدها بشكل رئيس، و ذكر من بينها شرح العلّامة الشيخ حمّاد بن الأمين الشنقيطي، و بيّن منهجه في شرح هذه المنظومة، و قد سلك المؤلف (رحمه اللّه تعالى) منهجا مغايرا؛ فقد كان الأول يعتمد وحدة موضوعية من الأبيات، ثمّ يتحدث عن موضوعها جملة، دون تعرض لتحليل الأبيات و مدلولاتها، في حين أنّ الشارح هنا يعتمد الأسلوب التحليلي لكل جملة و عبارة في النظم، و بيان مؤداها و مدلولاتها.

و قد ظهر اعتماده على أهم مدونات السيرة النبوية و أكثرها اعتمدا عند علماء هذا الفن، بل أكثر الاعتماد على ابن إسحاق، و الحافظ اليعمري، و «روض النهاة» و هي مصادر أصلية ذات وزن كبير في هذا العلم، علما بأنّ الشارح (رحمه اللّه تعالى) قد أسعفته ملكاته العلمية، و عمقه في علم الحديث أن يكون من بين مصادره المنثورة في هذا الشرح: «الصحيحان» بشكل خاص، و بقية كتب الصحاح بشكل عام، و كتب شروح الحديث مثل «فتح الباري» و غيره.

____________

(1) (ج 1، ص 6).

16

فمن ثمّ أصبح الشرح موسوعة مصغرة للأحداث و الوقائع النبوية من مصادر صحيحة موثقة.

صلة الشارح (رحمه اللّه) بمنظومة المغازي، و تحقيقه نصوصها:

علاقة الشارح (رحمه اللّه تعالى) بهذه المنظومة علاقة حفظ و درس، و أكثر من هذا هي علاقة عشق و هيام، فقد كانت من جملة محفوظاته التي اهتمّ بها في شبابه، و اعتنى بها حفظا، و درسا، و تدريسا، و كتابة، و شرحا على مدى مسيرة حياته (رحمه اللّه)، و قد أحبها لأسباب عديدة:

أولا: لموضوعها، فهي عرض أمين، و إبراز لمواقف البطولة شاخصة و ممثلة في رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و صحابته الكرام رضي اللّه تعالى عنهم.

ثانيا: سلاسة عبارتها، و سهولة حفظها.

و قد سجل إعجابه بها كتابة عند ما ترجم لناظمها (رحمه اللّه تعالى)؛ إذ أثنى عليها، و سماها: «فصل الخطاب» في هذا الموضوع، وعدها متفوقة على سابقتها «الدرة السنية في المعالم السنية» من تأليف القاضي أبي عبد اللّه محمّد بن عيسى بن محمّد بن أصبغ الأزدي، المعروف بابن المناصف، الذي بلغ سبعة آلاف بيت من الرجز (1).

و للحديث عمّا تميزت به هذه المنظومة يقول:

(قلت: و منظومتنا هذه هي فصل الخطاب، و الآية في الإعجاب، لا تدع شاذة و لا فاذة من عيون المغازي .. إلّا أتت عليها بأبدع أسلوب، و أسلس تعبير، فهي الفريدة في بابها، الممتعة لطلابها، و ها هي ذي بين أيدينا ترفل في أبواب‏

____________

(1) انظر «إنارة الدجى في شرح مغازي خير الورى» (ج 1، ص 69).

17

حسنها، مدبجة بكلام الحفاظ و المهرة، من نقدة أهل هذا الشأن، فليحكم لها، أو عليها) (1).

و قد كان لها النصيب الموفور من قراءته و تدريسه لها، و كثيرا ما كان يستشهد بها في دروسه و مجالسه، و يحث طلابه على حفظها.

قرأ هذه المنظومة، و صححها على يد شيخه الشيخ محمّد عبد اللّه زيدان‏ (2)، و لم تكن النسخة التي استنسخها الوحيدة، بل كانت هناك نسخة أخرى هي نسخة الشيخ حمّاد، و تختلف أحيانا عن نسخته، تعلق الشارح (رحمه اللّه تعالى) تعلقا شديدا بهذه المنظومة جعله يقارن بين نسخته و بين ما هو موجود في النسخة الأخرى، و قد ذكر بعض هذه المخالفات، و نوّه عنها في شرحه، من هذه المواضع:

1- أسماء الذين ثبتوا مع النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) في يوم هوازن (ج 2/ ص 241، 244).

2- الاختلاف في صدر البيت، ففي نسخته يذكر أوّله:

و معتب نجل قشير قالا* * * و عدنا النّبي أن ننالا

و أن في بعض النسخ:

و ابن قشير معتب قال أ ما* * * وعدنا محمّد أن نغنما

و عقب على هذا قائلا: (و الخطب سهل، و المعنى واحد) (ج 1/ ص 280).

و هو بهذا التدقيق لنصوص المنظومة يبرهن على عنايته بتحقيق نصوصها تحقيقا علميا سليما.

____________

(1) انظر «إنارة الدجى» (ج 1، ص 70).

(2) انظر «إنارة الدجى» (ج 2، ص 244).

18

منهج الشارح (رحمه اللّه تعالى):

أوّلا: قدم الشارح (رحمه اللّه) لشرحه لمنظومة المغازي بمقدمات تعريفية مهمة، يحتاج إليها دارس هذا العلم، مبتدئا حسب الترتيب الآتي:

1- ترجمة الناظم، و التعريف بمكانته العلمية، و جهوده في التأليف في فن المغازي، و الأنساب.

2- مشروعية الجهاد، و قد وضح هنا التدرّج التشريعي في هذه الشعيرة الإسلامية المهجورة.

3- في المغازي و فضل تعليمها.

4- في أشهر من ألّف في المغازي، و قد أتى على ذكر أهمها، منذ القرن الأول الهجري .. حتى القرن الحادي عشر الهجري.

ثانيا: من المعلوم أنّ النظم لا يتّسع لتفصيل الأحداث و الوقائع، و أقصى ما يمكن هو التصريح إجمالا لأهم الأحداث، و ما عدا هذا فيكتفى عنه بالإشارة و الرمز، فمن ثمّ سلك الشارح (رحمه اللّه تعالى) لبيان التفاصيل و الإسهاب فيها طريقتين مختلفتين:

أ- يسرد الحدث كاملا برواياته، و كافة وقائعه، في عبارة نثرية متسلسلة، و في النهاية يذكر: أنّ هذا هو ما عناه الناظم من البيت التالي، أو الأبيات التالية، و بهذا يكون القارئ على إلمام بالمقصود، من كل حرف و كلمة في النظم، ثم يعرج بعد هذا على تحليل النظم، تحليلا لغويا بيانيا.

ب- و أحيانا يقدم تحليل النظم تحليلا لغويا، و بيانيا كاملا، و بعد هذا يأخذ في سرد موضوع النظم في عبارة نثرية متسلسلة، مترابطة الأحداث بعبارته، و الاستشهاد لعرضه من كتب الحديث و السيرة النبوية.

19

و المعيار في هذا التراوح عند الشارح: هو علاقة الحدث بما ذكر قبله، أو ما يذكر بعده.

ثالثا: استكماله الأحداث و الوقائع التي لم يتأتّ للناظم عرضها، و الحديث عنها، من ذلك:

أ- عمرة القضاء: توقف الناظم عند عقد الصلح (ج 2/ ص 138) دون أن ينوّه عن عمرة القضاء، فرأى الشارح (رحمه اللّه تعالى) أنّ الحديث عن عمرة القضاء، و ما جرى فيها من وقائع .. يعد جزءا مهما لاستكمال صلح الحديبية و نتائجه البالغة على المسلمين، فمن ثمّ تحدث عنها بالتفصيل.

كذلك لم يعرض الناظم للأحداث التي وقعت للمسلمين لما وصلوا إلى تبوك، (ج 2/ ص 294) و قد تنبّه لها الشارح (رحمه اللّه) فأكملها.

رابعا: عنايته بضبط أسماء الغزوات، و الأماكن، و الأسماء، ضبطا صحيحا، كتابة بالحروف حسب طريقة الضبط عند القدماء، و ذكر الأقوال عند الاختلاف، و ترجيح الصحيح، معتمدا في هذا على دواوين اللغة و معاجمها، و كتب السيرة و التاريخ المتخصصة.

انظر مثالا لهذا: (غزوة ذي قرقرة) (ج 1/ ص 132).

خامسا: اختياره من المصادر الأحداث و الوقائع التي تنمي في القارئ روح التضحية و الفداء في سبيل اللّه، و التي من شأنها أن تستثير في القارئ نوازع الخير، و تضاعف في نفسه محبة النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و الصحابة الكرام.

سادسا: اهتمامه بتحديد موقع الغزوة، و تاريخ حدوثها، و حامل لوائها، و عدد أفرادها، و ذكر اسم خليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على المدينة أثناء غيابه عنها.

هذه هي العناصر الرئيسة في منهج المؤلف، و قد يقف الدارس بصفاء ذهنه و ملكته على جوانب أخرى في منهج الشارح (رحمه اللّه)، تضم إلى ما سبق عرضه.

20

منهج الشارح (رحمه اللّه تعالى) في التعبير عن رأيه:

من السّمات البارزة في حياة المؤلف فضيلة الشيخ حسن بن محمّد المشاط تواضعه الجم مع الكبير و الصغير، حالا و مقالا، و هو مظهر من مظاهر سلوكه العام، و بنفس السلوك يتعامل مع العلماء و آرائهم و كتبهم، و لا تبدو منه كلمة يشتمّ منها رائحة الجرح، فضلا عن الصريح.

يلمس القارئ هذا بوضوح فيما يذكر من آراء خاصة به، أو ترجيح، بعبارة متواضعة يستهلها أحيانا بقوله: (قال العبد الضعيف) في أكثر من موضع، أو مناسبة. انظر (ج 1/ ص 125- 127).

و أحيانا يستهل الجملة عند ما يريد التعبير عن رأيه بقوله: (و اعلم) أو بكلمة:

(قلت) بضمير المفرد المتكلم.

خصائص الشرح:

اشتمل الشرح على مجموعة من الخصائص العلمية المهمة نتيجة اهتمام الشارح (رحمه اللّه)، و بذله جهدا كبيرا في إنجازه، يطول الحديث في استعراضها تفصيلا، و من الأجدى عرض أهم تلك الخصائص، و نماذج منها:

أولا: تحديد موقع الأماكن التي جرت فيها الأحداث،

و تحقيق أسمائها بحسب اشتهارها في الماضي، و تسميتها في الحاضر مثال هذا:

هدا الشام حاليا بوادي فاطمة الذي يسمى في كتب السيرة ب (الرجيع) و تنسب إليه وقعة الرجيع، و سماه الإمام في «جامعه» ب (الهداة) و يعلق الشارح (رحمه اللّه تعالى) هنا قائلا:

(قلت: و يسمى اليوم ب (هدا الشام) و يعرف بهذا الاسم، و له طريق من مر الظهران، وادي فاطمة، بينه و بينها نحو ساعة بالسيارة، و بهذا الموضع مزارع‏

21

كثيرة، و هواء طلق، و نخيل، و عيون، و آبار عذبة جدا، جئته يوما من الصباح إلى المساء، فصليت في جامعه، و به مدرسة ابتدائية، و يقال: إنّ عدد من يسكنها اليوم يقرب من الألف) (ج 2/ ص 51).

ثانيا: تحقيقه للأحداث التي تتضارب فيها الروايات و تصحيحها:

ترد بعض الأحيان أحداث تختلف فيها الروايات فيفحصها الشارح (رحمه اللّه) بحاسة المحدث، المؤرّخ، الخبير بترتيب الأحداث، فيخرج برأي سديد.

من هذا ما ذكره نقلا عن كتاب «الروض الأنف» للسهيلي:

(أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بلغه شي‏ء عن أهل مسجد الضرار، و كان قد استخلف عاصم بن عدي العجلاني على قباء، و العالية، فرده لينظر في ذلك، و ضرب له بسهمه مع أهل بدر) (ج 1/ ص 134).

يقول الشارح (رحمه اللّه تعالى) في دراسة هذا و فحصه حسب الأصول العلمية:

(قلت: هكذا قالوا، و لم يكن إذ ذاك مسجد الضرار، و إنّما كان سنة تسع عند خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) لتبوك، فيحتمل أن يكون استخلافه عليه الصلاة و السلام على أهل قباء و العالية من المدينة لشي‏ء بلغه عنهم؛ و لذلك عدّ من البدريين، و ضرب له بسهم، و هو المعتمد كما ذكره الحافظ في «الإصابة» أمّا ذكر مسجد الضرار .. فلا معنى له). (ج 1/ ص 135).

و يلجأ إلى التوفيق بين الروايات إذا أمكن، ما لم يؤدّ إلى تعارض أو تناقض، و ذلك: بأن تنسب بعض الأحداث إلى بعض الصحابة، و في روايات أخرى تنسب إلى آخرين سواهم، و لا يمنع العقل و الواقع صدوره من كليهما، فيحاول الشارح (رحمه اللّه تعالى) بصفاء إيماني، و حب عميق، و إجلال و إكبار لصحابة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) .. التوفيق بينهما بمنطق مقبول، و من الأمثلة على هذا:

ذكر الشارح (رحمه اللّه): أنّ الإمام الزرقاني ذكر في «المواهب»: (عن‏

22

عروة: أنّه لما وضع فيه- خبيب بن عدي رضي اللّه عنه- السلاح نادوه- المشركون من بني لحيان فقد كان أسيرهم-: أ تحب أنّ محمدا مكانك؟ قال: لا و اللّه، ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه).

و ذكر الزرقاني رواية أخرى فقال: (و يقال: إنّ ذلك لزيد بن الدثنة، و أنّ أبا سفيان قال له ذلك).

و يعلّق الشارح (رحمه اللّه تعالى) على هذا التعارض موفقا بين الروايتين قائلا:

(أقول: و لا منافاة، فمن الممكن أن يقع ذلك لكل من الصحابيين، و غايتهم واحدة، هو اللّه و رسوله (صلى اللّه عليه و سلم)) (ج 2/ ص 53).

ثالثا: اهتمامه بالروايات المتعددة:

إنّ الشارح (رحمه اللّه تعالى) معروف بدقته و يقظته الشديدة؛ لما بين مؤلفي السير من اتفاق أو اختلاف في الأحداث و الوقائع، أو أسبابها، أو تعددها، و تعدد أسمائها.

من هذا ما جاء في (ج 1/ ص 169) في عرض أحداث غزوة بني سليم؛ إذ جاء تحت عنوان (تنبيه) ما يأتي:

(جعل الناظم غزوة بني سليم غير غزوة قرقرة الكدر؛ لما سيأتي، فهما غزوتان؛ تبعا لأصله «العيون»، و جعلهما صاحب «المواهب» واحدة، و تبعه تلميذه الشامي).

رابعا: مقارنته بين هذه المنظومة، و بين رصيفتها منظومة الشيخ غالي بن المختار في «تبصرة المحتاج»، من هذا:

عرض الناظم (رحمه اللّه) لقصة العرنيين و سرية سعيد بن زيد رضي اللّه عنه في الأبيات الثلاث الآتية:

و بعدها انتهبها الأولى انتهوا* * * لغاية الجهد و طيبة اجتووا

23

فخرجوا و شربوا ألبانها* * * و نبذوا إذ سمنوا أمانها

فاقتصّ منهم النّبي أن مثلوا* * * بعبده و مقلتيه سملوا

و بعد أن أتمّ الشارح (رحمه اللّه تعالى) تحليلها و بيانها، و فصل أحداث هذه السرية .. ذكر الآتي:

و قد أشار إلى هذه السرية الشيخ غالي بن المختار في «تبصرة المحتاج» بأبسط ممّا هاهنا، و سماها بسرية كرز بن جابر الفهري بقوله:

فنجل جابر لنيف ذو العلا* * * كرز بإثر نفر عدوا على‏

لقاح خير مرسل و قتلوا* * * غلامه و مقلتيه سملوا

و إذ بهم أتى النّبي قطعا* * * أيديهم و نعم ما قد صنعا

و قطع الأرجل ثمّ سملا* * * أعينهم و ردّهم ممتثلا

بجانب الحرة يستسقونا* * * لما أصابهم فلا يسقونا

(ج 2/ ص 74)

خامسا: اهتمامه بالجوانب الفقهية:

الفقه الإسلامي أحد العلوم التي برع فيها الشارح- (رحمه اللّه تعالى)- و ملك عنانها، فلا عجب أن يعطي الجانب الفقهي اهتماما كبيرا، خصوصا و أنّ المواقف النبوية في هذه الغزوات ذات طابع خاص .. تعد مصدرا لأحكام شرعية كثيرة لا مجال لإبرازها و استنباطها .. إلّا من خلال أقوال الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، و أفعاله، و تحرّكاته في هذه المناسبات بخاصة، و بحكم التفاعل العلمي الفقهي في نفس الشارح (رحمه اللّه تعالى) .. لم يأل جهدا أن يتحدث عن الجوانب الفقهية، و الأحكام التشريعية إذا طرأت مناسبة لذلك، و الأمثلة على هذا كثيرة، و منثورة في صفحات الكتاب، و عرض الأحداث، و يكتفى هنا بالإشارة إلى عناوين بعضها، مثل:

24

1- حكم من دعا بدعوى الجاهلية في الإسلام، و أقوال الفقهاء فيه (ج 2/ ص 85).

2- حرمة التسبب لإسقاط الأطفال، و حكم استعمال الحبل من أصله (ج 2/ ص 101).

3- جواز الاجتهاد بحضرة النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) (ج 2/ ص 50).

4- حكم أخذ الأجرة على دخول الكعبة (ج 2/ ص 226).

5- حكم النياحة على الميت، و إرهاق أهل الميت بعمل طعام للمعزين (ج 2/ ص 172، 173).

6- هل يغسل الشهيد إذا كان جنبا (ج 1/ ص 233- 234).

7- المعنى الذي ينبغي أن يحمل عليه حديث المغفرة لأهل بدر، و حكم ما إذا ارتكب أحدهم فعلا يوجب حدا شرعيا (ج 1/ ص 128).

سادسا: استخلاص الفوائد و العبر من الأحداث:

من أبرز الجوانب التي يحرص عليها الشارح (رحمه اللّه) هو استخلاص الفوائد و العبر من الأحداث مما يفيد الأمّة الإسلامية، و يرفع من شأنها، و يعيد إليها أمجادها، قد يطول به الوقوف عند الحدث حسبما يمليه الموقف، و قد يقصر، و هو حريص كل الحرص على توجيه نظر القارئ بخاصة، و المسلمين بعامة إلى الإفادة من التجارب التي مرّ بها المسلمون في عصر النبوة، و الخلافة الراشدة، و الأخذ بالأسباب التي تقودهم إلى العزة و الكرامة، و تباعد بينهم و بين أسباب الذل و الانحطاط.

تتجلى هذه الروح منذ الصفحات الأولى من هذا الكتاب، ففي نهاية حديثه عن المغازي، و فضل علمها و تعلمها يقول:

25

(و إنّ في النظر إلى ما لأسلافنا الكرام القادة في الحرب و السلم، من المقدرة الفائقة، و البطولة النادرة، و التضحية بالمهج الغالية في سبيل العقيدة الحقة، و المبادئ الفاضلة .. ما يملأ القلوب إيمانا بفضلهم، و إعجابا بصنعهم، و إكبارا لجلائل أعمالهم، و حرصا على التأسّي بهم.

وفّق اللّه الأمّة للنظر فيما لسلفها الصالح؛ حتى تفيق من غفلتها، و تنهض من كبوتها، و تتذكر بذلك ما كان لها من عظمة و مجد، فتعمل لاسترجاعه، و تتبوّأ المكان اللائق بها، آمين).

و هكذا تعامله مع كل حدث فيه تذكير و استحثاث لهمة الأمّة، و توجيه نداء مخلص لأبنائها، و النماذج من هذه الوقفات للشارح (رحمه اللّه تعالى) كثيرة، منها:

ما ذكره من حكمة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) في إمضاء شروط صلح الحديبية (ج 2/ ص 121).

و فوائد قصة التحلل من إحرام العمرة بعد إبرام عقد الصلح (ج 2/ ص 127) و غيرها كثير امتلأت به صفحات الشرح.

سابعا: ربطه بعض الأحداث قديما بما هو جار في العصر الحاضر:

لا ينسى الشارح (رحمه اللّه تعالى) أن يقارن الأحداث في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بما يجري في عالمنا المعاصر؛ لإذكاء الشعور الإيماني، و بيان الواقع الذي انحدرت إليه الأمة، أو بعض طوائفها، و من الأمثلة على هذا:

1- حديثه عن مشروعية الوقف في الإسلام بمناسبة تحبيس النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) سبع حوائط بأنّه:

(أحد الأدلة الكثيرة على مشروعية الوقف في الإسلام).

ثمّ يعلّق الشارح (رحمه اللّه تعالى) على هذا قائلا:

26

(خلافا لبعض علماء العصر ممّن يريد حل الأوقاف الإسلامية تبعا للهوى، هدانا اللّه، و إيّاهم على الصراط المستقيم) (ج 1/ ص 231).

2- توجيه شباب الأمّة و نصحهم بالاقتداء بالصحب الكرام (ج 1/ ص 219).

ثامنا: استشهاده بالشعر:

و الشارح (رحمه اللّه تعالى) يقول الشعر، و يحفظه، خصوصا الشعر الرصين، الرفيع المعاني، الرقيق الحواشي، البليغ العبارة، و قد نثر هذا في مناسبات عديدة من الشرح، بما يلائم الموقف الذي يتحدث فيه.

ففي عرض أحداث غزوة خيبر، و تطلّع الصحابة (رضوان اللّه عليهم) إلى أن يعطى كل واحد منهم الراية عند ما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لأعطينّ الراية رجلا يحبه اللّه و رسوله»، ثمّ أعطاها عليا رضي اللّه عنه، و كان متخلفا عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لرمد أصابه، ثم لحق بالنّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه، و كانت الراية من نصيبه، و يعلق الشارح (رحمه اللّه تعالى) على هذا الحدث العظيم في (ج 2/ ص 146) بقوله:

(و في هذه القصة لطيفة، و هي: أنّ من طلب شيئا، أو تعرّض لطلبه ..

يحرمه غالبا، و أنّ من لم يطلب شيئا، و لم يتعرض لطلبه .. ربما وصل إليه).

ثمّ يستشهد على هذا بالبيت التالي:

و الدهر يعطي الفتى ما ليس يطلبه* * * يوما و يمنعه من حيث يطمعه‏

و إذا دعت المناسبة لذكر بعض الأشعار ذات المعاني الطريفة .. فإنّه يستشهد بها، مقدما لها بعنوان له مدلوله الرقيق (لطيفة).

من هذا ما ذكره تحت هذا العنوان بعد الحديث عن أهل بدر و ما خصّهم اللّه من مغفرة و رضوان قائلا:

27

اقتبس الحديث المذكور بعض الأدباء فقال في محبوب يسمى بدرا (1):

يا بدر أهلك جاروا* * * و علموك التجري‏

و قبحوا لك و صلي* * * و زيّنوا لك هجري‏

فليفعلوا ما أرادوا* * * فإنّهم أهل بدر

تاسعا: استطراداته:

الاستطراد: عبارة عن إضافة معلومات إلى الموضوع الأساسي ممّا له علاقة به، لأدنى ملابسة، و قد حرص العلماء القدامى على هذا النوع من الإضافات في مؤلفاتهم، حتى إنّها كانت من حسنات التأليف و فضائله.

فليس عجبا أن يأخذ الشارح (رحمه اللّه تعالى) بهذا المبدأ جريا على عادة المؤلفين السابقين، فيمتلئ كتابه بالاستطرادات الكثيرة، و الإضافات المفيدة، فيطيب له إذا و ردت مناسبة لذكر فائدة، أو إضافة معلومة ذات علاقة بالموضوع أن يتحدث عنها.

و من الاستطرادات المهمة ما جاء في (ج 2/ ص 160) بعد الانتهاء من عرض أحداث أمراء جيش مؤتة رضي اللّه عنهم إسهابه في التعريف بكل واحد منهم:

زيد بن حارثة، و جعفر بن أبي طالب، و عبد اللّه بن رواحة بدءا من (ص 164- 180)، حتى و قد بدأ التعريف بهم بقوله (رحمه اللّه تعالى):

(و حيث حدا بنا المقام إلى هؤلاء الأمراء الثلاثة .. فلا بأس أن نلم بشي‏ء من التعريف بهم، تيمّنا بذكراهم، و إن كانوا في غنية عن التعريف؛ لشرفهم العظيم بالانتساب الحقيقي إلى الجناب النبوي (رضوان اللّه عليهم)، لكنا في شديد الحاجة إلى معرفة حياتهم في ذلك العصر النبوي؛ لنقتفي آثارهم، و نتيمن بآثارهم، و نعطر النواصي بأريج شذاهم ...) (ج 62 ص 164).

____________

(1) (ج 1/ ص 78).

28

و بعد أن أطنب في ترجمة زيد بن حارثة رضي اللّه عنه .. ساقه الحديث إلى ذكر الأربعة الذين توالدوا صحابة (ج 2/ ص 169).

و بعد أن عددهم .. ساقه الحديث إلى الكلام عن موالي النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و قدم لذكرهم بمقدمة مدخلا لإيجاد المناسبة لذكرهم قائلا:

(و بمناسبة ذكر سيدنا زيد لا بأس بإتمام مواليه (صلى اللّه عليه و سلم) تتميما للفائدة) (ج 2/ ص 169).

و من الاستطرادات المهمة التي أشبع بها الكتاب ذكره حدود الحرم، و تاريخ ترسيم الحدود، لدى عرض أحداث غزوة الفتح، و فتح النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لمكة المكرمة، و عفوه عن أهلها، و تحريمه لها، فذكر تحت عنوان (تاريخ أنصاب الحرم) (ج 2/ ص 197) اقتباسات مهمة عن مؤرخ مكة المكرمة أبي الوليد الأزرقي، فذكر أول من نصب أنصاب الحرم، و تابع بعد هذا الحديث عن من جددها حتى عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه (ج 2/ ص 197).

و في مناسبة أخرى لدى الحديث عن إسلام عبد اللّه بن أميّة القرشي المخزومي، و كان هو و أبو سفيان بن الحارث شديدي الإيذاء للنّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة، و بعد الهجرة، و ما كان من إعراض النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) عنه تأديبا، ثمّ شفاعة أخته أم سلمة رضي اللّه عنها فيه، ثمّ عفو النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) عنهما، يقول الشارح تعليقا (ج 2/ ص 192).

و لكن احتضنتهما السعادة، جعلنا اللّه ممّن سبقت له العناية، و كتب له السعادة:

رب شخص تقوده الأقدار* * * للمعالي و ما لذاك اختيار

غافلا و السعادة احتضنته* * * و هو منها مستوحش نفار

و الشارح (رحمه اللّه تعالى) يحفظ الكثير من الشعر العذب الرقيق، و يستشهد به‏

29

ما عنت له مناسبة.

و قد أبدع بعض الشعراء معنى بديعيا من قتل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه مرحبا اليهودي مستخدما الجناس التام في البيتين التاليين، هامش (2) (ج 2/ ص 149) يقول الشارح (رحمه اللّه):

و أشار لذلك بعضهم و أجاد بقوله:

و شادن أبصرته مقبلا* * * فقلت من وجدي به مرحبا

قدّ فؤادي في الهوى قدة* * * قدّ علي في الوغى مرحبا

إلى غير ذلك من الاستشهادات العديدة للمعاني الرفيعة، و الخيال البديع.

عاشرا: العرض الإجمالي لأهم الأحداث من عام ولادته (صلى اللّه عليه و سلم) إلى عام وفاته:

ختم الشارح (رحمه اللّه تعالى) هذا الكتاب بما اعتاده بعض المؤلّفين في السيرة النبوية الشريفة بعرض بعض الأحداث و التشريعات المهمة، التي وقعت من عام ولادته الشريفة (صلى اللّه عليه و سلم) الذي شرف اللّه به العالمين إلى عام وفاته (صلى اللّه عليه و سلم).

و يلاحظ في هذا العرض أمور:

أولا: أنّه لم يكن متسلسلا سنة بعد سنة ترتيبا متتابعا، بل حسب وقوع الأحداث، السابق فالتالي، و إن تباعد ما بينهما؛ و لعله لم يوجد بينهما من الأحداث المهمة ما يوجب رصده، و الاهتمام به.

بدا هذا واضحا منذ بداية العرض الموجز لقائمة الأحداث المهمة، حيث انتقل الشارح (رحمه اللّه تعالى) من سنة ولادته (صلى اللّه عليه و سلم) إلى السنة الرابعة مباشرة، و منها إلى السادسة، و قد تتسلسل الأحداث زمنيا إذا حدث ما يستدعى ذكره من الأحداث.

30

ثانيا: لم يكمل الشارح (رحمه اللّه تعالى) عرض الأحداث حسب تاريخ ولادته (صلى اللّه عليه و سلم) حتى الأمد الذي حدده و هو وفاته (صلى اللّه عليه و سلم)؛ فقد استمرّ يؤرّخ حسب الولادة الشريفة، ثمّ توقف أن يؤرخ بها بعد البعثة النبوية، و تابع رصده التاريخي حسب البعثة النبوية بعد بلوغه (صلى اللّه عليه و سلم) الأربعين من عمره الشريف، و أول حدث دونه هو:

(و في السنة الثالثة من النبوة: توفي ورقة بن نوفل).

و استمرّ التاريخ للأحداث حسب البعثة حتى السنة الرابعة عشرة من النبوة، ثمّ توقف في التاريخ بها في السنة الأولى للهجرة.

ثالثا: استأنف بعد ذلك التاريخ للأحداث حسب هجرة النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة المنوّرة، و بالتفاوت في الرصد التاريخي للأحداث يحقق الشارح (رحمه اللّه تعالى) أمرين مهمين:

الأول: الرصد التاريخي حسب الحدث الأهم حتى يأتي ما هو أهم منه، فيكون له الأوّلية.

الثاني: إبقاء الحدث الأهم حيا في الذاكرة على مدار الفترة الزمنية التي يؤرّخ لها.

حادي عشر: النقد العلمي المهذب:

استدرك الشارح (رحمه اللّه تعالى) على الناظم نقاطا علمية عديدة، بأسلوب علمي موضوعي مهذب، من ذلك:

ذكر الناظم أنّ أبا ذرّ الغفاري رضي اللّه عنه استشهد على يد العصابة من بني غطفان الذين نهبوا لقاح النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و ذلك قوله:

و أقبلت امرأة الغفاري* * * قتيل نهب إبل المختار

فاستدرك عليه الشارح (رحمه اللّه) بالعبارة التالية:

31

(و في كلامه نظر؛ فإنّه إذا كان الغفاري أبا ذرّ فكيف يصفه بأنّه مقتول للذين أغاروا على اللقاح، فإنّ المعروف عند أهل السير أنّ المقتول هو ابن أبي ذرّ الغفاري و اسمه: (ذرّ)، و لم يقل أحد: إنّ المقتول أبو ذرّ) (ج 2/ ص 64).

و في مناسبة أخرى عند ما قدم الناظم (رحمه اللّه) الحديث: موت رفاعة بن زيد كهف المنافقين (ج 2/ ص 83) على حادثة الواردة، (و ذلك أنّ أجيرا لعمر بن الخطاب من بني غفار يقال له: جهجاه بن مسعود جاء يقود فرسه في موضع الزحام على الماء فازدحم مع سنان بن وبرة الجهني فاقتتلا) (ج 2/ ص 84).

يقول الشارح تعليقا على تقديم الناظم ما حقه التأخير ترتيبا:

(و لو أخر هذه الحادثة عن حادثة الواردة .. لكان أولى كما صنعه صاحب الأصل الحافظ اليعمري في «سيرته»، و كذا غيره) (ج 2/ ص 83).

بمثل هذه العبارة المختصرة المهذبة يعبر الشارح عن نقده و اعتراضاته: (و في كلامه نظر)، و (لكان أولى) ممّا ينم عن خلق إسلامي رفيع، هو من خصائص العلماء، و أهل الإيمان.

و يأخذ النقد عنده أحيانا صورة أخرى و هو اقتراح عبارات للنظم غير ما عبر به الناظم، من هذا قول الناظم:

خندق خير مرسل بأمر* * * سلمان و الحروب ذات مكر

يقول الشارح (رحمه اللّه تعالى): (قلت: و لو أنّ الناظم قال:

خندق خير مرسل و قد أشار* * * سلمان بالخندق نعم المستشار

.. لكان أليق بالأدب في حق الجناب النبوي) (ج 1/ ص 269).

و يعتذر للناظم أحيانا، و من الأمثلة على هذا: أنّ الناظم (رحمه اللّه تعالى) قدم مقالة سيدنا سعد بن معاذ في غزوة بدر على مقالة المقداد في تجاوبهم لنداء النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و طلب المشورة عليه، في حين أنّ المقداد رضي اللّه عنه قد

32

سبقه بمقالته المشهورة، و يعتذر الشارح (رحمه اللّه تعالى) عن الناظم بضرورة الشعر و يختم هذا قائلا: (و الخطب سهل) (ج 1/ ص 92).

و بعد:

فكتاب «إنارة الدجى في مغازي خير الورى» شرح العلّامة المحدث، الفقيه الأصولي، فضيلة الشيخ حسن محمّد المشاط المكي قبل هذا و بعده .. مرآة صافية للروح الإسلامية الشفافة، و الحسن الإيماني القوي، و مشاعر الحب الصادقة الدفينة، التي يخفق بها قلب الشارح (رحمه اللّه تعالى) حبا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و آل بيته و صحبه الأطهار، (رضوان اللّه عليهم)، و سلف الأمّة الصالحين؛ فقد كان حديثه عن السيرة النبوية حديثا يفيض إيمانا، يستجمع له مشاعره و إحساساته؛ إجلالا و إعظاما و خشوعا، حديث المتأثر المتفاعل بما يقول، يحسه سامعه، و يدركه على قسمات وجهه مغرورق العينين، و قد أخضلت الدموع لحيته، فيسري تيار من التأثّر و الخشوع بين الحاضرين.

و لست بمحص، أو معدد خصائص هذا الكتاب و ميزاته؛ فإنّ القارئ البصير، الصافي الفكر، سيقف على الكثير ممّا لم تتعرض له هذه الدراسة الموجزة؛ إذ استهدفت الإشارة إلى عرض إجمالي، محدد لخصائص هذا الشرح، و لم تكن تستهدف الحصر و الاستقصاء.

و اللّه أسأل- و هو خير مسئول- أن يجزى فضيلة الشيخ حسن بن محمد مشاط شارح هذه المنظومة خير الجزاء؛ على ما بذله في سبيل إعلاء كلمة الدين، و نشر العلوم الشرعية؛ ابتغاء وجه اللّه، و الفوز بالرضا و القبول، و نسأل اللّه أن يرحم ولده البار الشيخ أحمد حسن مشاط، الذي يسعى حثيثا إلى نشر تراث والده، و التضحية بكل ما يستطيعه في تعميم النفع به، و أن يجعل من ذريته خلف خير، يقتفون آثار الآباء و الأجداد، يصلون الحاضر بالماضي، علما و عملا، إنّه سميع قريب مجيب الدعاء، لا يفوتني أن أشكر الآخرين الدكتور السيد قاسم بن محمد

33

الأهدل، و الدكتور صبغة اللّه نبي قطب الدين تلميذي المؤلف على ما قدماه من جهد في تصحيح الكتاب، و أسأل اللّه لهما العون، أن يخرجا هذا العمل الجليل إخراجا محققا محررا، حسب أصول التحقيق و البحث العلمي، و صلّى اللّه و سلم و بارك على سيدنا محمّد بن عبد اللّه، و على آله و صحبه أبد الآبدين.

بقلم تلميذ المؤلف الأستاذ الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان كوالالمبور 16/ 5/ 1413 الموافق 10/ 11/ 1992

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

القسم الثاني كتاب إنارة الدجى في مغازي خير الورى (صلى اللّه عليه و سلم)

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تعريف بصاحب النظم‏

ترجم له الأستاذ أحمد بن الأمين العلوي الشنقيطي في كتابه «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» طبعة الجمالية بالقاهرة، سنة (1329 ه)- (1911 م) فقال:

(أحمد البدوي المجلسي ثم البوحمدي: هو العالم الكبير و النسّابة الشهير، و هو الذي أحيا أنساب العرب، بنظمه «عمود النسب» و قد أجاد فيه و من تأمّل نظمه علم سعة اطّلاعه و اقتداره في ذلك الفن، و نظم أيضا غزوات النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) نظما جيدا، يدل على تبحّره في السيرة).

و قال: (إنّه ليس من المتقدمين؛ و ما أدري في أي تاريخ كان) ا ه

و قال الشيخ غالي بن المختار: قال البساتي الشنقيطي في «وسيلة الخليل إلى بعوث صاحب الإكليل»: (البدوي (رحمه اللّه تعالى): هو أحمد الإمام الشهير بن سيدي محمّد بن أبي أحمد المجلسي) ا ه و لم يزد على ذلك.

أمّا «عمود النسب» فيزيد على ألف بيت، و ممّا قاله في طالعته:

حمدا لمن رفع صيت العرب* * * و خصّهم بين الأنام بالنّبي‏

و عمّهم إنعامه بنسبته* * * فدخلوا بيمنها في زمرته‏

38

و دوّخوا بسيفه غلب العجم* * * إذ هم بنو أب و أم بالحرم‏

إذ الخيول البلق في فتوحهم* * * و الرعب و الظفر في مسوحهم‏

هم صفوة الأنام من أحبّهم* * * بحبّه أحبّهم و ودّهم‏

كذاك من أبغضهم ببغضه* * * أبغضهم تبّا له من معضه‏

أئمّة الدين عماد السنّه* * * لسانهم لسان أهل الجنّه‏

جمان سلك نسب النّبي* * * ناهيك من سلك و من بني‏

ثمّ الصلاة و السلام سرمدا* * * على أجل المرسلين محتدا

و بعد فالعلوم من أعظمها* * * فائدة فكان من أهمها

علم عمود نسب المختار* * * ثم عمود نسب الأنصار

إذ منهما تشعّب الإيمان* * * و النور و الحكمة و الفرقان‏

هذا و وجدت في ظهر نسخة خطّية عتيقة من «عمود النسب» كتبت سنة ألف و مائتين و خمس و ثمانين، أنّ الناظم توفي تقريبا في العام العشرين بعد الألف و المائتين من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و أتمّ التسليم، ف(رحمه اللّه)، و جزاه خيرا عن الإسلام و المسلمين.

39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تصدير

الحمد للّه الذي جعل العلوم منحا إلهية، و مواهب اختصاصية، و جعل علم المغازي من بينها نبراسا يهتدي بمشكاته السائرون، و سببا متينا يتوصل به السالكون.

و الصلاة و السلام على من أضاءت قبل وجوده إرهاصاته، و أكرم بها من إرهاصات، و أشرقت في أسرّة طلعته آياته، و أعظم بها من آيات، النّبيّ الأمّيّ، الذي أنار اللّه الدّجى بطلعة أنواره، فهو سيد الكائنات، و محا ببعثته معالم الشرك، و محق بصارم سيفه هام أعدائه فهم في الدركات، رسول الملاحم، و نبيّ الرحمة، الذي بوّأه اللّه المنزلة العليّة، فهو صاحب المقام المحمود، و منحه مواهب الشرف في المقامات السنيّة، فهو الشاهد المشهود، سيدنا محمّد، الذي ألبسه اللّه من الحلل السندسية، حلّة لا تريم‏ (1)، و رتبة لا ترام، فهو سيد الإنس و الجن قبل و بعد، بل سائر البرايا و الأنام، (صلى اللّه عليه و سلم) و على آله، فقد بلّغ الرسالة، و أدّى الأمانة، و جاهد في سبيل اللّه، و قام بنصح الأمّة حقا .. حتى أخذ بحجزها (2) عن الوقوع في المهواة، و على آله و صحبه، الذين‏

____________

(1) لا تريم: لا تبرح، يريد لا تزول و لا تبلى جدتها.

(2) بضم الحاء و فتح الجيم، بعدها زاي، جمع حجزة، و هي معقد الإزار، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه: أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إنّما مثلي و مثل أمّتي، كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت الدواب و الفراش يقعن فيها، فأنا آخذ بحجزكم و أنتم-

40

هم أشدّاء على الكفار، رحماء بينهم، يبتغون فضلا من اللّه.

أمّا بعد:

فإنّه لمّا كان (علم المغازي) من العلوم الشريفة التي يتنافس فيها المتنافسون، و يشمّر عن ساعد الجد في تحصيلها العاملون؛ إذ هو علم يحثّ المرء على الاقتداء بخير الأنام، و يدعو إلى التخلّق بحقائق أقواله و أفعاله الموصلة إلى دار السلام، و إنّه لعلم يريك بصورة مكبّرة ذلك العهد النّبوي الأنيق، فتستنشق ريّاه، و يعبق لك شذاه، و تشرب من كأسه المختوم الرحيق، و كان هذا من بعض ثمرات هذا الفن، كما هو بديهي لدى كل خبير حاذق مفن .. عنّ لفهمي القاصر أن أنتسب لذلك الجناب الرفيع النّبوي، بخدمة «منظومة المغازي» للإمام الجليل أحمد بن محمّد البدوي الشنقيطي، و شرحها شرحا يناسب طلبة العلم بديارنا المكّية، التي انبثق منها فجر العلم؛ ليوجّهوا إلى ذلك عنايتهم، و يثبتوه درسا من المقررات؛ فإنّ من القبيح أن يجهل الإنسان أحوال ساداته، فكيف بأحوال سيد السادات؟! بل ينبغي أن تعطّر النوادي بذكر أخباره (عليه الصّلاة و السّلام‏)؛ فإنّها لم تعمر مجالس الخير بعد كتاب اللّه تعالى بأحسن من أخبار من هو الرحمة المهداة للأنام.

و قد اعتمدت في هذا الشرح على شرح العلّامة الشيخ حمّاد بن الأمين الشنقيطي ابن أخي الناظم على هذا النظم،

____________

- تقحمون فيها»، و رواه الترمذي في آخر أبواب الأمثال، و قال: حديث حسن صحيح. ا ه

41

و هو شرح على طريقة المتقدمين غير مزج، يذكر جملة من أبيات النظم، و يتكلّم عليها على عادة علماء ذلك القطر في الإسهاب، و الولوج في كل فن و باب.

ثمّ على سيرة أبي محمّد عبد الملك بن هشام، و «الروض الأنف» عليها، للعلامة أبي القاسم عبد الرّحمن السهيلي، و على السيرة للحافظ الشمس أبي عبد اللّه محمّد بن يوسف الشامي، و غير ذلك ممّا تراه هنا معزوّا.

و إنّي أعتذر لأولي البصائر و الألباب بكثرة العوائق، و قلة البضاعة، و عدم توافر الأسباب، فإن وقفوا في ذلك على خطأ .. أصلحوه، أو على نقص بعد التأمّل .. ألحقوه، فقلّما يسلم الإنسان من الخطأ، و لا بد أن تقصّر به الخطى، أسأل اللّه أن يمنّ على العبد الضعيف بإتمام هذا الشرح، و يجعله من الأعمال الموجبة للغفران و الصفح، و أن يرزقني به النفع، و يكسوه حلة القبول، و يجعله من العمل الخالص الموصل للمأمول.

و قد صدّرت الشرح بمقدمات شريفة تناسب الموضوع، فعسى اللّه أن يثيبني على هذا العمل، و يجعله من العمل المتقبّل المرفوع؛ فإنّه عمدتي، و به ثقتي.

42

المقدمة الأولى في مشروعية الجهاد

قال الحافظ شمس الدين، محمّد بن يوسف الشامي، في «سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد»: لمّا أذن اللّه تعالى في الهجرة لرسوله (صلى اللّه عليه و سلم)، و استقرّ بالمدينة، و أيّده اللّه تعالى بنصره، و بعباده المؤمنين، و ألّف بين قلوبهم بعد العداوة و الإحن التي كانت بينهم، فمنعته أنصار اللّه، و كتيبة الإسلام: الأوس، و الخزرج، و بذلوا أنفسهم دونه، و قدّموا محبته على محبة الآباء و الأبناء، و كان أولى بهم من أنفسهم .. عادتهم العرب، و اليهود، و رمتهم عن قوس واحد، و شمروا لهم عن ساق العداوة، و صاحوا بهم من كل جانب .. حتى كان المسلمون لا يبيتون إلّا في السلاح، و لا يصبحون إلّا فيه، فقالوا: ترى نعيش حتى نبيت مطمئنّين لا نخاف إلا اللّه عزّ و جل؟ فأنزل اللّه تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏.

و عند ما اشتدّ الأذى بهم .. أمر اللّه تبارك و تعالى بالصبر و العفو و الصفح، قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما

43

تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ حتى إذا قويت الشوكة للمسلمين .. أذن اللّه لهم في القتال، و لم يفرضه عليهم، فقال تبارك و تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ وَ مَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.

ثمّ فرض اللّه عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم، دون من لم يقاتلهم، قال تعالى: وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ‏.

ثمّ فرض عليهم قتال المشركين كافة؛ حتى يكون الدين كلّه للّه، قال عزّ و جلّ: وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً، و قال تبارك و تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ‏.

فكان محرّما، ثمّ صار مأذونا فيه، ثمّ مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثمّ مأمورا به لجميع المشركين، إمّا فرض عين، أو فرض كفاية.

ثمّ كان الكفار معه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد الهجرة ثلاثة أقسام:

قسم صالحهم، و وادعهم على ألّا يحاربوه، و لا يظاهروا عليه عدوّه، و هم- على كفرهم- آمنون على دمائهم، و أموالهم، و هم طوائف اليهود الثلاثة: بنو قريظة،

44

و بنو النضير، و بنو قينقاع.

و قسم حاربوه، و نصبوا له العداوة، و هم قريش.

و قسم تاركوه، فلم يصالحوه، و لم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره و أمر أعدائه.

ثمّ من هؤلاء من كان يحب ظهوره و انتصاره في الباطن كخزاعة، و منهم من دخل معه في الظاهر و هو مع عدوّه في الباطن؛ ليأمن الفريقين، و هؤلاء هم المنافقون.

فعامل (صلى اللّه عليه و سلم) كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره ربه تبارك و تعالى، فصالح يهود المدينة، و كتب بينه و بينهم كتاب أمن، و كانوا ثلاث طوائف حول المدينة:

بني قينقاع، و بني النّضير، و بني قريظة، فنقض الجميع العهد، فكان من عاقبة أمرهم الوخيمة ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في موضعه.

و أمره اللّه سبحانه و تعالى أن يقوم لأهل العقد و الصلح بعهدهم، و أن يوفّي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة .. نبذ إليهم عهدهم، و لم يقاتلهم .. حتّى يعلمهم بنبذ العهد، و أمره أن يقاتل من نقض العهد.

و لما نزلت (سورة براءة) .. نزلت ببيان هذه الأقسام كلها، فأمره اللّه تعالى أن يقاتل عدوّه من أهل الكتاب .. حتى يعطوا الجزية، أو يدخلوا في دين الإسلام، و أمره بجهاد الكفار و المنافقين، و الغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف و السّنان، و المنافقين بالحجة و اللسان، و أمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، و نبذ عهودهم.

45

و جعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام:

قسما أمره بقتالهم، و هم الذين نقضوا عهده و لم يستقيموا له، فحاربهم، و ظهر عليهم.

و قسما لهم عهد مؤقت لم ينقضوه، و لم يظاهروا عليه، فأمره أن يتمّ لهم عهدهم إلى مدتهم.

و قسما لم يكن لهم عهد، و لم يحاربوه، نعم؛ لهم عهد مطلق، فأمره أن يؤجّلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت ..

قاتلهم، و هي المذكورة في قوله تعالى: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ و هي الحرم المذكورة في قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ فالحرم هنا هي أشهر التسيير، أولها يوم الأذان، و هو العاشر من ذي الحجة، و هو يوم الحج الأكبر، الذي وقع فيه التأذين بذلك، و آخرها العاشر من ربيع الأول.

و ليست هي الأربعة المذكورة في قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ‏ فإن تلك واحد فرد، و ثلاثة سرد: رجب، و ذو القعدة و ذو الحجة، و المحرّم، و لم يسيّر المشركين هذه الأربعة، فإنّ هذا لا يمكن؛ لأنّها غير متوالية، و إنّما أجّلهم أربعة أشهر، ثمّ أمر بعد انسلاخها أن يقاتلهم، فقاتل الناقض لعهده، و أجّل من لا عهد له- أو له عهد مطلق- أربعة أشهر، و أمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته.

46

و اعلم: أنّ اللّه عزّ و جلّ شرع لنبيّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد الهجرة جهاد أعدائه في الوقت الأليق به؛ لأنّهم لمّا كانوا بمكة .. كان المشركون أكثر عددا، فلو أمر اللّه المسلمين و هم قليل- بقتال الباقين .. لشق عليهم، فلمّا بغى المشركون، و أخرجوه (عليه الصّلاة و السّلام‏) من بين أظهرهم، و همّوا بقتله، و استقرّ عليه الصلاة و السلام بالمدينة، و اجتمع عليه أصحابه، و قاموا بنصره، و صارت المدينة دار إسلام، و معقلا يلجئون إليه .. شرع اللّه جهاد أعدائه، فبعث عليه الصلاة و السلام البعوث و السرايا، و غزا و قاتل هو و أصحابه ..

حتّى دخل الناس في دين اللّه أفواجا، فللّه الحمد و المنّة.

47

المقدمة الثانية في المغازي و فضل علمها و تعلّمها

الغزاة: المرة الواحدة من الغزو، و الجمع غزوات، مثل: شهوة، و شهوات، و المغزاة كذلك، و الجمع المغازي، و الفاعل غاز، يقال: غزوت العدوّ غزوا، و يعدّى بالهمزة، فيقال: أغزيته، إذا بعثته يغزو، و إنّما يكون غزو العدو في بلاده، كذا في «المصباح».

قلت: و المراد هنا بالمغازي ما كان عن قصد منه (عليه الصّلاة و السّلام‏) للكفار بنفسه الشريفة، أعم من أن يكون إلى بلادهم، أو إلى الأماكن التي حلّوها و نزلوها؛ حتى يشمل مثل أحد، و الخندق.

و قد جاء في فضل هذا الفن أخبار و آثار كثيرة:

منها: ما روي عن محمّد بن مسلم بن عبيد اللّه بن شهاب الزّهري قال: (في علم المغازي خير الدنيا و الآخرة).

و عن سيد أهل زمانه زين العابدين سيدنا علي بن الحسين رضي اللّه عنهما قال: (كنّا نعلّم مغازي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كما نعلّم السور من القرآن).

و عن إسماعيل بن محمّد بن سعد بن أبي وقاص الزّهري:

(كان أبي يعلّمنا المغازي و السرايا، و يعدّها علينا، و يقول:

يا بنيّ؛ هذه شرف آبائكم، فلا تضيعوا ذكرها) روى ذلك كله الخطيب البغدادي في «الجامع»، و ابن عساكر في «تاريخه»، كما ذكره الشامي.

48

قلت: انظر إلى ما كان لأسلافنا الأماجد من المجد الباذخ، و المدنيّة الإسلامية الحقّة، و انظر إلى عنايتهم في وصايتهم لأبنائهم بالحرص على علم المغازي، و المحافظة عليه؛ فإنّ في ذلك أعظم منبّه يحرك في نفوسهم باعث الجد، و النشاط، و الجهاد في سبيل اللّه، فيزدادون في ذلك حبا، و له تعظيما، فينشئون و قد تربّت فيهم ملكة التقديس لدينهم، و الغيرة عليه، و الذود عنه، و الحرص على إعلاء كلمة اللّه، الكفيل لهم بسعادة الآخرة و الأولى؛ و في ذلك مجد لا يسامى، و عزة لا تضارع، و بذلك يعرفون عن بيّنة حقيقة الإسلام، و مبادئه، و تعاليمه، و فضائله، و ما فيه من حضارة تفوق كل حضارة، و يعرف أولئك المفتونون الذين يولّون وجهتهم إلى الغربيين أنّهم مخدوعون بالعناوين الظاهرة، و البروق الخلابة؛ لأنّهم لم يطّلعوا على الحقائق الإسلامية فيتخلقوا بها.

و إنّ في النظر إلى ما لأسلافنا الكرام القادة في الحرب و السلم من المقدرة الفائقة، و البطولة النادرة، و التضحية بالمهج الغالية في سبيل العقيدة الحقة، و المبادئ الفاضلة ..

ما يملأ القلوب إيمانا بفضلهم، و إعجابا بصنعهم، و إكبارا لجلائل أعمالهم، و حرصا على التأسّي بهم.

وفق اللّه تعالى الأمّة للنظر فيما لسلفها الصالح؛ حتى تفيق من غفلتها، و تنهض من كبوتها، و تتذكر بذلك ما كان لها من عظمة، و مجد، فتعمل لاسترجاعه، و تتبوّأ المكان اللائق بها، آمين.

49

المقدمة الثالثة في أشهر من ألف في المغازي‏

اعلم: أنّ أسلافنا الأماجد- جزاهم اللّه و أثابهم على صنيعهم- قد ألّفوا في هذا الفن كتبا لا تحصى، فيذكر لنا العلّامة الشمس الشامي في سيرته كغيره أنّ أوّل من ألّف في المغازي أبو عبد اللّه عروة بن الزّبير بن العوام أحد الفقهاء السبعة، و أئمّة التّابعين بالمدينة، المتوفى بها سنة (93 ه).

ثمّ تلاه تلميذه أبو محمد موسى بن عقبة بن أبي عياش، المتوفى بالمدينة، سنة (141 ه)، و محمّد بن مسلم بن عبيد اللّه بن شهاب الزّهري، المتوفى سنة (124 ه).

قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس (رحمه اللّه): (مغازي موسى بن عقبة أصح المغازي، و أجمعها).

و قال الإمام الشافعي (رحمه اللّه): (ليس في المغازي أصح من كتابه، مع صغره، و خلوّه من أكثر ما يذكر في كتب غيره).

و قال الإمام أحمد بن حنبل (رحمه اللّه): (عليكم بمغازي موسى بن عقبة؛ فإنّه ثقة).

و أشهرها مغازي أبي بكر محمّد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم المدني، المتوفى سنة (151 ه) ببغداد، و قد اختلفت كلمة القوم فيه، فمنهم من تكلّم فيه، و منهم من‏

50

أثنى، و المعتمد: أنّه صدوق يدلّس، و إذا صرّح بالتحديث .. فهو حسن الحديث.

قال الإمام الشافعي: (من أراد أن يتبحّر في المغازي ..

فهو عيال على ابن إسحاق).

و قد اعتمد عليه في هذا الباب أئمّة لا يحصون، و رواها عنه جمع، و يقع عند بعضهم ما ليس عند بعض.

و قد اعتمد أبو محمّد عبد الملك بن هشام المعافري، الحميري البصري، المتوفى بمصر سنة (213 ه) (رحمه اللّه تعالى)، على رواية أبي محمّد زياد بن عبد اللّه بن الطّفيل العامري البكّائي- بفتح الموحّدة، و تشديد الكاف- المتوفى سنة (183 ه)، و هو صدوق، ثبت في المغازي، و في حديثه عن غير ابن إسحاق لين، فرواها ابن هشام عنه، و هذّبها، و نقّحها، و زاد فيها زيادات كثيرة، و اعترض أشياء سلّم له كثير منها، بحيث نسبت السيرة إليه، فقيل: «سيرة ابن هشام» (1).

و ممّن ألّف فيها من العلماء المتأخّرين، الحافظ أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي- بفتح الكاف-

____________

(1) قال شيخنا في «الرسالة المستطرفة»: (و لأبي القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه السهيلي صاحب التصانيف، المتوفى بمراكش سنة (581 ه) كتاب «الروض الأنف» في شرح غريب ألفاظها، و إعراب غامضها، و كشف مستغلقها، استخرجه من نيف و مائة و عشرين مصنفا، فأجاد فيه، و أفاد) ا ه، و قد طبع بمصر على نفقة سلطان المغرب الأقصى المولى عبد الحفيظ (رحمه اللّه) مع «السيرة الهشامية».

يقوم الآن بتحقيقها و إخراجها إخراجا علميا حديثا، الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم البنا، أستاذ اللغة العربية بالدراسات العليا للغة العربية بجامعة أم القرى.

51

الحميري، المتوفى شهيدا سنة (634 ه)، و سماها:

«الاكتفاء في المغازي و سيرة الثلاثة الخلفاء»، و شرحها الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن عبد السّلام البناني، الفاسي، المتوفى سنة (1163 ه) شرحا نفيسا.

و منهم الحافظ أبو الفتح محمّد بن محمّد بن محمّد بن أحمد اليعمري الأندلسي، الشهير بابن سيد الناس، المتوفى بمصر سنة (734 ه) فجأة، سماها: «عيون الأثر في فنون المغازي و الشمائل و السير»، و اختصر منها: «نور العيون في تلخيص سيرة الأمين المأمون»، و عليه تعليق للحافظ برهان الدين الحلبي، سمّاه: «نور النّبراس».

و منهم الحافظ العلّامة أبو عبد اللّه محمّد بن أبي بكر الدمشقي، الشهير بابن قيّم الجوزية، المتوفى بدمشق سنة (751 ه) و سمّاها: «زاد المعاد، في هدي خير العباد» حقّق فيها و أجاد.

و منهم الحافظ زين الدين عبد الرّحيم بن الحسين العراقي، المتوفى بمصر سنة (806 ه) نظم ألفيّة حافلة في البعوث، و المغازي، و السير، و الشمائل، و شرحها المناوي شرحين: كبيرا، و صغيرا، و كذلك شرحها العلّامة نور الدين علي بن زين العابدين محمّد بن عبد الرّحمن بن علي، الشهير بالأجهوري، المتوفى بمصر سنة (1066 ه) في مجلد كبير.

و منهم الشهاب القسطلاني‏ (1) المتوفى بمصر سنة (923 ه)

____________

(1) ضبطه بعض الفضلاء بضم القاف و الطاء المهملة مشدد اللام، و قال: نسبة إلى قسطلة، بضمها و شد اللام أيضا بلدة بالمغرب. ا ه، لكن رأيت في ثبت العلّامة البديري الدمياطي‏

52

سماه: «المواهب اللدنية بالمنح المحمّدية»، و هو سفر جامع، خدمه الناس بالقراءة و الشرح و الاختصار، و كتب عليه فخر المالكية الشيخ محمّد الزرقاني، المتوفى سنة (1122 ه) شرحا لا يجود الزمان بمثله، ذكر فيه أن نصف الكتاب، يعني المواهب مأخوذ من «فتح الباري» للحافظ ابن حجر بعزو، و بغير عزو.

و منهم الحافظ عماد الدين يحيى بن أبي بكر بن محمّد العامري، المتوفى سنة 893 ه باليمن سماها: «بهجة المحافل و بغية الأماثل» لخّص فيها المعجزات و المغازي و البعوث و الشمائل، و شرحها العلّامة جمال الدين محمّد بن أبي بكر الأشخر اليمني، المتوفى سنة (991 ه).

و منهم العلّامة الحافظ محمّد بن يوسف بن علي شمس الدين الشامي الدمشقي الحنفي، المتوفى بمصر سنة (942 ه) سمّاها: «سبل الهدى و الرشاد، في سيرة خير العباد»، و هي أجمع السير، و أوسعها مادة، حتى إنّه يقول في طالعة هذا الكتاب:

(اقتضبته من أكثر من ثلاث مائة كتاب، و تحرّيت فيه الصواب، ذكرت فيه قطرات من بحار فضائل سيدنا محمّد (صلى اللّه عليه و سلم)، و أنّ ما في الكتاب من الأبواب نحو ألفي باب).

و يذكر لنا العلّامة المؤرخ عبد الحي بن أحمد بن محمّد بن‏

____________

- المسمّى «الجواهر الغوالي في الأسانيد العوالي»: أنّ شيخه النور الشبراملسي ضبطه بفتح القاف، و قال: إنّه نقل هذا الضبط من القسطلاني نفسه. و اللّه أعلم. انتهى من «المنهل العذب لكل وارد في بيان فضل عمارة المساجد» للشيخ حسن سبط إبراهيم سقا، قلت:

و ضبطه الزرقاني في «شرح المواهب» عند ترجمة القطب القسطلاني: أنّه بضم القاف، منسوب إلى قسطلينة من أعمال إفريقية بالمغرب، عن القطب الحلبي، و بعضهم ضبطه بفتح القاف و شد اللام. ا ه منه‏

53

العماد، المتوفى بمكة سنة (1089 ه) في «شذراته»: (أنّه جمعها من ألف كتاب، و أقبل الناس على كتابتها، و مشى فيها على أنموذج لم يسبق إليه، و ختم كل باب بإيضاح ما أشكل فيه مع بيان غرائب الألفاظ، و ضبط المشكل، و الجمع بين الأحاديث التي قد يظن أنّها من المتناقضات، فجزاه اللّه عن الإسلام خير الجزاء) (1).

و منهم العلّامة علي بن إبراهيم الحلبي نور الدين بن برهان الدين الشافعي، المتوفى بمصر سنة (1044) سمّاها:

«إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون» و تعرف ب «السيرة الحلبية»، لخّص فيها «سيرة اليعمري»، و «سيرة الشامي» على أنموذج لطيف، و اصطلاح له فيها شريف.

قال شيخنا أبو الإقبال سيدي محمّد عبد الحي الكتّاني في «التراتيب الإدارية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية»:

(و من أعجب ما ألّف في الإسلام «الدرّة السنيّة في المعالم السّنّيّة» للقاضي أبي عبد اللّه محمّد بن عيسى بن محمّد بن أصبغ الأزدي، المعروف بابن المناصف القرطبي، المتوفى سنة (620 ه) بمراكش، و هو نظم عجيب نحو سبعة آلاف بيت من الرجز، منه:

و إنّ أولى ما تحلّى المسلم* * * بعد كتاب اللّه أو يقدّم‏

علم بأيّام رسول اللّه* * * من لدن النّش‏ء إلى التّناهي‏

____________

(1) طبع منها ثمانية أجزاء.

54

و حفظ ما يحقّ ألّا يجهلا* * * من أمره و حاله مفصّلا

فلنقتضب من ذاك ما لا يسع* * * في الحقّ أن يجهل ذاك الأورع‏

و ما يكون شرف المجالس* * * جلا العلا للحافظ المدارس‏

تعلو به الرّتبة عن يقين* * * في شرف الدّنيا و حكم الدّين)

قلت: و منظومتنا هذه هي فصل الخطاب، و الآية في الإعجاب، لا تدع شاذّة و لا فاذّة من عيون المغازي إلّا أتت عليها بأبدع أسلوب و أسلس تعبير، فهي الفريدة في بابها، الممتعة لطلّابها، و ها هي ذي بين أيدينا ترفل في أثواب حسنها، مدبّجة بكلام الحفاظ و المهرة، من نقدة أهل هذا الشأن، فليحكم لها أو عليها.

ثم اعلم: أنّ أهل السير لا يتقيّدون بالصحيح من الأخبار، بل يذكرون الصحيح و السقيم، و البلاغ و المرسل، و المنقطع دون الموضوع، و من أجل ذلك قال العلّامة العراقي في «ألفيّته» في المغازي و السير:

و ليعلم الطالب أنّ السّيرا* * * تجمع ما صحّ و ما قد أنكرا

و قد قال الإمام أحمد بن حنبل كغيره من الأئمّة: (إذا روينا في الحلال و الحرام .. شدّدنا، و إذا روينا في الفضائل و نحوها .. تساهلنا) و اللّه أعلم.

و هذا أوان الشروع في المقصود بعون الملك المعبود فنقول: