أنساب الأشراف - ج2

- أحمد بن يحيى البلاذري‏ المزيد...
509 /
5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

المقدّمة [في ترجمة البلاذري‏]

أما بعد فهذه ترجمة مختصرة لأحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري [1]

____________

[1] قال في تاريخ آداب اللغة العربية ج 2 ص 191: هو خاتمة مؤرخي الفتح، ولد في أواخر القرن الثاني للهجرة، و نشأ في بغداد، و تقرب من المتوكل و المستعين و المعتز، و عهد إليه هذا بتثقيف ابنه عبد اللّه الشّاعر المشهور، و كان شاعرا و كاتبا و مترجما ينقل من الفارسية إلى العربية، و من شعره ما مدح به المستعين و هو:

و لو أن برد المصطفى إذ حويته* * * يظن لظن البرد أنك صاحبه‏

و ذكر صاحب الفهرست انه وسوس في آخر أيامه، فأخذ إلى البيمارستان، لأنه شرب ثمر البلاذر على غير معرفة- و منه اسمه- و مات على الأغلب (في) سنة تسع و سبعين و مأتين في أول خلافة المعتضد.

و له مؤلفات أهمها: كتاب فتوح البلدان- و هو أشهر كتبه، و يظهر انه مختصر من كتاب أطول منه كان قد أخذ في تأليفه و سماه كتاب البلدان الكبير، و لم يتمه فاكتفى بهذا المختصر، و هو يدخل في خمسين صحيفة ذكر فيها أخبار الفتوح الاسلامية من أيام النبي إلى آخرها بلدا بلدا، لم يفرط في شي‏ء منها، مع التحقيق اللازم و اعتدل الخطة، و ضمنه فضلا عن الفتوح أبحاثا عمرانية أو سياسية يندر العثور عليها في كتب التاريخ كأحكام الخراج أو العطاء، و أمر الخاتم و النقود، و الخط و نحو ذلك، و قد طبع الكتاب في ليدن سنة سبعين و ثمانمأة بعد الألف بعناية المستشرق «ذي غوية» و نشرته في مصر شركة طبع الكتب العربية سنة 1901.

و الثاني من أهم كتب البلاذري كتاب أنساب الأشراف، و يسمى أيضا الأخبار و الأنساب، و هو مطول في عشرين مجلدا، و لم يتمه ..

6

صاحب أنساب الأشراف و غيره من الكتب النفيسة، و بما انه لم يذكر له ترجمة في الجزء الأول من الأنساب المطبوع بمصر، رأينا أن نشير ههنا إلى ترجمته لتطلّع قلوب القراء إلى عرفان شخصيته و عصره و تاريخ ولادته و وفاته فنقول:

قال في معجم الأدباء: 1/ 89 تحت الرقم: (26): أحمد بن جابر بن داود البلاذري أبو الحسن- و قيل: أبو بكر- من أهل بغداد، ذكره الصولي في ندماء المتوكل على اللّه، مات في أيام المعتمد على اللّه في أواخرها و ما أبعد أن يكون أدرك أول أيام المعتضد، و كان جده جابر يخدم الخصيب صاحب مصر.

و ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق فقال: سمع بدمشق هشام بن عمّار، و أبا حفص عمر بن سعيد، و بحمص محمد بن مصفّى، و بأنطاكية محمد بن عبد الرحمان بن سهم و أحمد بن مرد الأتطاكي. و بالعراق عفان بن مسلم، و عبد الأعلى بن حماد، و عليّ بن المديني، و عبد اللّه بن صالح العجلي، و مصعبا الزبيري، و أبا عبيد القاسم بن سلّام، و عثمان بن أبي شيبة، و أبا الحسن عليّ بن محمد المدائني، و محمد بن سعد كاتب الواقدي ...

و روى عنه يحيى بن النديم، و أحمد بن عبد اللّه بن عمار، و أبو يوسف يعقوب بن نعيم قرقارة الأرزني. قال محمد بن إسحاق النديم: كان جده جابر

7

يكتب للخصيب صاحب مصر، و كان شاعرا رواية و وسوس (في) آخر أيامه فشدّ بالبيمارستان و مات فيه، و كان سبب وسوسته انه شرب على غير معرفة ثمر البلاذر (و هو بضم الذال المعجمة نبات ثمره كنوى التمر، و لبّه مثل لبّ الجوز، و قشره متخلخل، قيل: إنه يقوى الحفظ، و لكن الإكثار منه يؤدي إلى الجنون) فلحقه ما لحقه.

و قال الجهشياري في كتاب الوزراء: جابر بن داود البلاذري كان يكتب للخصيب بمصر ...

و لا أدري أيهما شرب البلاذر؟ (أ) أحمد بن يحيى، أو جابر بن داود؟ إلا أن ما ذكره الجهشياري يدل على أن الذي شرب البلاذر هو جده لأنه قال: جابر بن داود، و لعل ابن ابنه لم يكن حينئذ موجودا و اللّه أعلم.

و كان أحمد بن يحيى بن جابر عالما فاضلا شاعرا رواية نسّابة متقنا، و كان مع ذلك كثير الهجاء بذي‏ء اللسان ...

و حدث عليّ بن هارون بن المنجّم في أماليه عن عمه قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن يحيى البلاذري قال: لما أمر المتوكل إبراهيم بن العباس الصولي أن يكتب فيما كان أمر به من تأخير «الخراج» حتى يقع في الخامس من حزيران (و هو الشهر السادس من السنة الشمسية) و يقع استفتاح الخراج فيه، كتب في ذلك كتابه المعروف، و أحسن فيه غاية الإحسان، فدخل عبيد اللّه بن يحيى على المتوكل فعرفه حضور إبراهيم بن العباس و إحضاره الكتاب معه، فأمر بالإذن له فدخل و أمره بقراءة الكتاب فقرأه و استحسنه عبيد اللّه و كل من حضر، قال البلاذري: فقلت: فيه خطأ. فقال المتوكل:

في هذا الذي قرأه علي إبراهيم خطأ؟ قلت: نعم. قال: يا عبيد اللّه وقفت على ذلك؟ قال: لا. فأقبل إبراهيم بن العباس على الكتاب يتدبره فلم ير

8

فيه شيئا، فقال: يا أمير المؤمنين الخطأ لا يعرى منه الناس و تدبّرت الكتاب خوفا من أن أكون قد أغفلت شيئا وقف عليه أحمد بن يحيى فلم أر ما أنكره، فليعرّفنا موضع الخطأ. فقال المتوكل: قل لنا ما هو هذا الخطأ الذي وقفت عليه؟ فقلت: هو شي‏ء لا يعرفه إلا علي بن يحيى المنجم و محمد بن موسى و ذلك انه أرّخ الشهر الرومي بالليالي، و أيام الروم قبل لياليها، فهي لا تؤرخ بالليالي و إنما يؤرخ بالليالي الأشهر العربية، لأن لياليها قبل أيامها بسبب الأهلة. فقال إبراهيم: هذا ما لا علم لي به، و لا أدعي فيه ما يدعي. فغيّر تاريخه.

قال البلاذري: قال لي محمود الوراق: قل من الشعر ما يبقى ذكره و يزول عنك إثمه. فقلت:

استعدّي يا نفس للموت و اسعي* * * لنجاة فالحازم المستعدّ

قد تثبّت انه ليس للحيّ خلود* * * و لا من الموت بدّ

إنما أنت مستعيرة ما سو* * * ف تردّين و العواري تردّ

أنت تسهين و الحوادث لا تس* * * هوا، و تلهين و المنايا تجدّ

لا ترجّى البقاء في معدن المو* * * ت و دار حقوقها لك ورد

أي ملك في الأرض أم أيّ حظّ* * * لامرء حظّه من الأرض لحد؟؟

كيف يهوى امرؤ لذاذة أيّا* * * م عليه الأنفاس فيها تعدّ

قال المرزباني في معجم الشعراء: بلغني أن البلاذري كان أديبا راوية، له كتب جياد، و مدح المأمون بمدائح، و جالس المتوكل و مات في أيام المعتمد، و وسوس في آخر عمره، و من شعره:

يا من روى أدبا و لم يعمل به* * * فيكفّ عادية الهوى بأديب‏

و لقلّما تجدي إصابة صائب* * * أعماله أعمال غير مصيب‏

حتى يكون بما تعلّم عاملا* * * من صالح فيكون غير معيب‏

9

و قال محمد بن إسحاق النديم: و له من الكتب: كتاب البلدان الصغير، كتاب البلدان الكبير، لم يتمّ، كتاب جمل نسب الأشراف- و هو كتابه المعروف المشهور- كتاب عهد أردشير، ترجمه بشعر- قال: و كان أحد النقلة من الفارسي إلى العربي- كتاب الفتوح.

أقول: هذا تلخيص ما ذكره في ترجمته من معجم الأدباء، و له أيضا ترجمة في كتاب الوافي بالوفيات: ج 1/ 7، و كذلك في كتاب تاريخ الاسلام ص 163، و كذلك في الفهرست ص 113، و في الأعلام: 1/ 85 كل ذلك ذكره في هامش المعجم.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

(نسب الزبير بن عبد المطلب)

(و قصة حلف الفضول [1]

و أما الزبير بن عبد المطلب [2]- و يكنّى أبا الطّاهر، و أبا ربيعة و هو أخو عبد اللّه بن عبد المطلب لأبيه و أمه- فكان سيدا شريفا شاعرا، و هو أول من تكلم في حلف الفضول و دعا إليه.

____________

[1] قال المحمودي: هذا الكتاب مع تفرده بمزايا لم توجد في غيره من الكتب المؤلفة في التاريخ و الأنساب من معاصري البلاذري و من تأخر عنه، قد جمع مؤلفه فيه بين الحقائق و أضدادها فهو كتاب جمع لمؤلف خبير منصف. و قلما يوجد مثله في الكتب المؤلفة في السير- و ليس بكتاب تحقيق، و لا يمكن لنا في التعليق إلا نقد ما هو كثير البعد عن الواقع، بعيد المسافة عن الحق، و أما القضايا التي لا تكون بجميع معناها مخالفة للحق و لم يترتب على الجهل بها كثير فساد فلا نتعرض لها، فَمن لم يكن من أهل العلم و لم يميز بين الغث و السمين فعليه بكتاب أنباء الأسلاف في تهذيب أنساب الأشراف أو كتاب أحسن السلوك في تهذيب تاريخ الأمم و الملوك تأليف المحمودي- وفقه اللّه لإتمامها- فإن فيهما من الحقائق العارية عن الأباطيل ما تشتهيه الأنفس و تلذ الأعين.

[2] و هذا مرتب على الرقم: (1205) و هو آخر ترجمة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من الجزء الأول المطبوع بمصر.

12

و كان سبب الحلف أن الرجل من العرب أو العجم كان يقدم بالتجارة فربما ظلم بمكة، فقدم رجل من بني أبي زبيد- و اسم أبي زبيد: منبه بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعه بن منبه بن صعب بن سعد العشيرة- بسلعة فباعها من العاص بن وائل السهمي فظلمه فيها و جحده ثمنها، فناشده اللّه فلم ينفعه ذلك عنده، فنادى ذات يوم عند طلوع الشمس و قريش في أنديتها:

يا (آ) ل فهر لمظلوم بضاعته [1]* * * ببطن مكة نائي الحيّ و النفر

و محرم أشعث لم يقض عمرته* * * يا (آ) ل فهر و بين الركن و الحجر

و قال أيضا:

يال قصيّ كيف هذا في الحرم* * * و حرمة البيت و أخلاق الكرم‏

أظلم لا يمنع مني من ظلم

فقال الزبير: ما لهذا مترك، فجمع إخوته و اجتمعت بنو هاشم و بنو المطلب بن عبد مناف و بنو أسد بن عبد العزى بن قصى و بنو زهرة بن كلاب و بنو تيم بن مرة بن كعب في دار أبي زهير عبد اللّه بن جدعان القرشي ثم التميمي فتحالفوا على أن (لا) يجدوا بمكة مظلوما إلا نصروه و رفدوه و أعانوه حتى يؤدى إليه حقه و ينصفه ظالمه من مظلمته و عادوا عليه بفضول أموالهم ما بل بحر صوفة، و أكدوا ذلك و تعاقدوا عليه و تماسحوا قياما.

و شهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك الحلف فكان يقول: [ما سرني بحلف شهدته في دار ابن جدعان حمر النعم.] فسمي الحلف حلف الفضول لبذلهم فضول أموالهم.

____________

[1] و رواها أيضا ابن أبي الحديد، في شرح المختار: (28) من الباب الثاني من نهج البلاغة:

ج 15/ 225 عن الزبير بن بكار و قال: «يا للرجال لمظلوم ...» و زاد في آخرها:

هل منصف من بني سهم فمرتجع* * * ما غيبوا أم حلال مال معتمر

13

و قال قوم: سمي حلف الفضول لتكلفهم فضولا لا يجب عليهم.

و قال بعضهم: إنما سمي حلف الفضول لأنه كان في جرهم رجال يردّون المظالم يقال لهم/ 287/ فضيل و فضال و مفضل و فضل فتحالفوا على ذلك.

فقيل: هذا الحلف مثل حلف هؤلاء النفر الذين أسماؤهم هذه الأسماء.

و الأول أثبت.

و أقام الزبير و من معه بأمر الزبيدي حتى انصف العاص بن وائل، و في ذلك يقول الزبير بن عبد المطلب:

حلفت لتعقدن حلفا عليهم* * * و إن كنا جميعا أهل دار

نسميه الفضول إذا عقدنا* * * يعزّ به الغريب لذي الجوار

و قدم رجل من بارق بسلعة فابتاعها منه أبي بن خلف الجمحي فظلمه- و كان سيئ المعاملة و المخالطة- فأتى البارقي أهل حلف الفضول فأخذوا له منه بحقه فقال:

تهضّمني حقي بمكة ظالما* * * أبيّ و لا قومي إلي و لا صحبي‏

فناديت قومي بارقا ليجيبني* * * و كم دون قومي من فياف و من كثب [1]

سيأبى لكم حلف الفضول ظلامتي* * * بني جمح و الحق يوجب بالغصب [2]

و قدم رجل تاجر من خثعم مكة و معه ابنة له يقال لها القتول فعلقها نبيه بن الحجاج بن عامر بن جذيمة بن سعد بن سهم فلم يبرح حتى نقلها إلى‏

____________

[1] رسم الخط في قوله: «من كثب» غير جلي، و رواها في شرح النهج: 15/ 224 و قال:

«من سهب» و هي: جمع السهب- بفتح السين-: الأرض الواسعة، و سكنت الهاء للشعر.

[2] رسم الخط لا يأبى من أن يقرء «بالعضب». و في شرح النهج: «و الحق يؤخذ بالغصب».

14

منزله بالغلبة و القهر، فدل أبوها على أهل حلف الفضول فأتاهم فأخذوها من نبيه و دفعوها إلى أبيها، فقال نبيه بن الحجاج:

راح صحبي و لم أ حيّ القتولا* * * و أودعهم [1] وداعا جميلا

لا تخالي إني عشية راح الركب* * * هنتم على أ (ن) لا أقولا

و خشيت الفضول فيك و قدما* * * قد اراني و لا أخاف الفضولا

و قال نبيه أيضا:

حيّ المليحة إذ نأت* * * عنا على عدوائها

لا بالفراق تنيلنا* * * شيئا و لا بلقائها [2]

لو لا الفضول و أنه لا* * * أمن من غلوائها [3]

لدنوت من أبياتها* * * و لطفت حول خبائها

و لجئتها أمشي* * * بلا هاد على ظلمائها

فشربت فضلة دونها* * * و أبث (في) غشيائها [4]

و قال الواقدي و هشام بن الكلبي: ظلم الوليد بن عتبة بن أبي سفيان- و هو عامل عمه معاوية على المدينة- الحسين بن علي أبي طالب في أرض له فقال:

[لئن انصفتني و نزعت عن ظلمي و إلا دعوت حلف الفضول‏] فأنصفه [5].

____________

[1] و رواها- عدى الوسط- في شرح النهج: 15/ 224 و قال: «لم أودعهم وداعا جميلا». و قطعة أخرى منها رواها في ص 205.

[2] و زاد بعده في شرح النهج: ج 15/ 206.

حلت بمكة حلة* * * في مشيها و وطائها

[3] و في شرح النهج: «لا أمن من عروائها».

[4] و لعل الصواب: «و أبت علي عشاءها».

[5] و رواه ابن أبي الحديد بالتفصيل في شرح المختار: (28) من كتب النهج: 15/ 227 عن الزبير بن بكار.

15

حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: لما عقد (كذا) حلف الفضول قالت العرب: لقد فعل هؤلاء القوم فعلا لهم به على الثابت فضول و طول و إحسان فسمى حلف الفضول.

قال هشام: و يقال إنهم تعاقدوا على منع المظلوم و انهاض الغريب المبدع به و مواساة أهل الفاقة ممن ورد مكة بفضول أموالهم فسمي حلف الفضول.

و حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح:

عن ابن عباس أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: [شهدت مع عمومتي حلف الفضول فما سرني بذلك حمر النعم‏].

و حدثت عن إسماعيل بن علية (ظ) عن عبد الرحمان بن إسحاق، عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه:

عن عبد الرحمان بن عوف قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): [شهدت مع عمومتي حلف المطيبين فما سرني أن لي حمر النعم و اني نكثته (ظ)].

و حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أبي داود الطيالسي عن أبي عوانة:

عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه ان رسول (صلى اللّه عليه و سلم) قال: [شهدت حلف الفضول المطيبين [1] فما سرني به حمر النعم‏].

و كان هاشم بن عبد مناف حاضرا حلف المطيبين فكيف يحضره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلا أن بطون المطيبين هم الذين تعاقدوا أيضا (228) على حلف الفضول فأحسب هذا الحلف نسب إليهم أيضا.

حدثني بكر بن الهيثم، عن محمد بن الحسن بن زبالة، عن محمد بن فضالة عن هشام بن عروة، عن أبيه:

____________

[1] كذا في النسخة، غير أن كلمة «الفضول» كانت في الهامش بلا اشارة إلى بديليّتها.

16

عن عائشة قالت سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: [شهدت في دار عبد اللّه ابن جدعان من حلف الفضول ما لو دعيت إليه اليوم لأجبت [1].]

و من شعر الزبير بن عبد المطلب:

لقد علمت قريش أن بيتي* * * بحيث يكون فضل في نظام‏

و إنا نحن أكرمها جدودا* * * و أصبرها على القحم العظام‏

و إنا نحن أول من تبنّى* * * بمكتنا البيوت مع الحمام‏

و إنا نطعم الأضياف قدما* * * إذا لم يزج رسل في سوام‏

و إنا نحن أسقينا زواء [2]* * * حجيج البيت من ثبج الجمام‏

و إنّ بمجدنا فخرت لؤي* * * جميعا بين زمزم و المقام‏

و إن القرم من سلفي قصيّ* * * أبونا هاشم و به نسامي‏

و قال الزبير أيضا:

يا أيها السائل عن مجدنا* * * أربع تنبّأ أيها السائل‏

فينا مناخ الضيف و المجتدى [3]* * * منا و فينا الحكم الفاضل‏

و نحن مأوى كل ذي خلّة* * * كلّ حداه الزمن الماحل‏

و ملجأ الخائف إن القحت* * * حرب بأطراف القنا نازل‏

و نحن اناجات قهز القنا [4]* * * يتبعها الجنان و الحائل‏

بكر رددنا جمعها خائبا* * * و قدحها من سهمه ناصل‏

____________

[1] و قريبا منه جدا رواه بسند آخر في ترجمة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) من الطبقات الكبرى: ج 1/ 129، ط بيروت.

[2] كذا في الأصل، و يحتمل رسم الخط بعيدا ان يقرء «رواأ» بالراء المهملة.

[3] كذا في الأصل.

[4] و قرأه الطباطبائي «و نحن انات تهز القنا».

17

و قال الزبير أيضا:

و لست كمن يميت الغيظ عجزا* * * و لكني أجيب إذا دعيت‏

و ينهى عني المحتال صدق* * * رقيق الحدّ ضربته صموت‏

بكفي ماجد لم يقن ضيما [1]* * * إذا يلقى الكتيبة يستميت‏

و لو لا نحن لم يلبس رجال* * * ثياب أعزة حتى يموتوا

و إنا نطعم الأضياف قدما* * * إذا ما هزّ من سنة مقيت [2]

و غيّر بطن مكة كل يوم* * * عباهلة كأنهم الصوت‏

ثيابهم سمال أو عباء* * * بها دنس كما دنس الحميت [3]

و كاس لو تبين لها كلاما* * * إذا قالت: ألا لهم استبيت‏

تبين لك القذى إن كان فيها* * * بعيد النوم شاربها هبيت [4]

أهنت لشربها نفسي و مالي* * * فآبوا حامدين بما رزيت‏

إذا ما أوقدت نار لحرب* * * تهزّ الناس جمحتها صليت‏

نقيم لواءنا فيها كأنّا* * * أسود في العرين لها نبيت‏

فحدثت عن الواقدي عن ابن أبي الزناد، عن الفضل بن الفضل بن عياش بن ربيعة بن الحرث قال: سمعت سعيد بن المسيب ينشد بين القبر و المنبر:

____________

[1] كذا.

[2] المقيت: المقتدر. الحافظ للشي‏ء.

[3] السمال- بكسر السين-: جمع السمل: الثوب الخلق البالي. و الحميت- كأمير- الزق الصغير يتخذ للسمن.

[4] الهبيت: الجبان الذاهل.

18

و كأس لو تبين لها كلاما* * * إذا قالت: ألا لهم استبيت‏

تبين لك القذى إن كان فيها* * * بعيد النوم شاربها هبيت [1]

و قال الزبير أيضا:

ترمي/ 289/ بنو عبد مناف إذا* * * أظلم من حولي بالجندل‏

لا أسد تسلمني لا و لا* * * تيم و لا زهرة للنيطل [2]

و قال الزبير أيضا:

لعمرك إن البغض ينفع أهله [3]* * * لأنفع ممن ودّه لا يقرب‏

____________

[1] و الأبيات ذكرها ابن أبي الحديد في شرح المختار: (28) من كتب النهج:

ج 15/ 204 هكذا:

و لو لا الحمس لم يلبس رجال* * * ثياب أعزة حتى يموتوا

ثيابهم شمال أو عباء* * * بها دنس كما دنس الحميت‏

و لكنا خلقنا إذ خلقنا* * * لنا الحبرات و المسك الفتيت‏

و كأس لو تبين لهم كلاما* * * لقالت إنما لهم سبيت‏

تبين لنا القذى إن كان فيها* * * رصين الحلم يشربها هبيت‏

و يقطع نخوة المختال عنا* * * رقيق الحد ضربته صموت‏

بكف مجرب لا عيب فيه* * * إذا لقي الكريهة يستميت‏

قال في الهامش: الحمس- هنا-: قريش و من ولدت، سموا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا.

[2] النيطل: الموت الوحي. و الأبيات ذكرها ابن أبي الحديد في شرح المختار: (28) من باب كتب النهج: ج 15/ 222 نقلا عن الزبير، و زاد على ما هنا:

و لا بنو الحارث ان مر بي* * * يوم من الأيام لا ينجلي‏

يا أيها الشاتم قومي* * * و لا حق له عندهم أقبل‏

اني لهم جار لئن أنت لم* * * تقصر عن الباطل أو تعدل‏

[3] لعل هذا هو الصواب، و في النسخة: «ان البغيض».

19

إذا ما جفوت المرء ذا الودّ فاعتذر* * * إليه و حدثه بأنك معتب‏

و إني لماض في الكريهة مقدمي* * * إذا خام [1] ذاك اللئيم المؤنّب‏

و أغفر عوراء الكريم و إن بدت* * * مغمسة منه إليّ و نيرب‏

مغمسة: صعب من الغماس، يقال: أتى بأمر مغمس مكبوس (ملتو «خ») لا يعرف جهته.

و قال أيضا:

يا دار زينب بالعلياء من شرب* * * حيّيتها واقفا فيها فلم تجب‏

إني امرؤ شيبة المحمود والده* * * بذّ الرجال بحل [2] غير مؤتشب‏

إني إذا راع مالي لا أكلفه* * * إلا الغزاة و إلا الركض في السرب‏

و لا أدبّ إذا ما الليل غيّبني* * * إلى الكنائن أو جاراتي اللزب‏

و لن أقيم بأرض لا أشدّ بها* * * صوني إذا ما اعترتني سورة الغضب‏

و قال الزبير [3] يرثي حجلا و إخوته:

تذكرت ما شفني إنما* * * يهيّج ما شفه الذاكر

و يمنعه النوم حتى يقال:* * * به سقم باطن ظاهر

فلو أن حجلا و أعمامه* * * شهود وقرة و الطاهر

و لكن غولا أهانت بهم* * * و فيهم لمضطهد ناصر

____________

[1] كذا في الأصل، و لعل الصواب: «إذا خام من ذاك اللئيم المؤنب». يقال: «خام عن القتال- من باب باع- خيما و خيوما»: جبن و رجع.

[2] كذا في المتن، و في الهامش: «بجد «خ».

[3] و كان في الأصل مكتوب فوق قوله: «و قال»: «و كان». و الظاهر انه اشارة الى انها بدل عن قوله «و قال» أو ان في بعض النسخ أثبت مكان «و قال» قوله: «و كان».

و لكن الكاتب لم ينصب قرينة على ذلك.

20

فلا يبعد القوم إذ أودعوا* * * و اسقى قبورهم الماطر

بخا (ر) ربيع له وابل* * * له خضر و له زاهر

فولد الزبير عبد اللّه، استشهد بالشام يوم أجنادين. و الطاهر، و قرة و حجل ماتوا فرثاهم، و أمهم جميعا عاتكة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ المخزومي.

و مات الزبير و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ابن بضع و ثلاثين سنة. و يقال: إنه مات في أيام المبعث.

و كانت للزبير بن عبد المطلب ابنة تسمى ضباعة [1]، تزوجها أبو معبد المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة بن كلاب، و هو الذي يقال له المقداد بن الأسود، نسب إلى الأسود بن عبد يغوث بن وهب الزهري و كان الأسود زوج أمه.

[أبيات في رثاء الزبير بن عبد المطلب‏]

و قال أبو طالب يرثي الزبير:

يا زبر أفردتني للنائبات فقد* * * أحللت لحمي و أمسى الراس مشتهيا

من كان سرّ بما نال الزبير فقد* * * نادى المنادي بزبر ان شجبا

تغيرت لمّة سودا وارده* * * و فارق المرء محمودا و ما جدبا

و قال ضرار بن الخطاب يرثيه:

بكيّ ضباع على أبيك* * * بكاء محزون أليم‏

____________

[1] و كانت لها ابن خرج على أمير المؤمنين (عليه السلام) و سار مع طلحة و الزبير الى البصرة، و قتل يوم الجمل فمر عليه أمير المؤمنين و هو طريح في المعركة فقال: لا جزاك اللّه من ابن أخت خيرا؟!!

21

قد كنت أشهده فلا [1]* * * رث السلاح و لا ظلوم‏

كالكوكب الدّرّي* * * يعلو ضوؤه ضوء النجوم‏

طالت به أعراقه* * * و نماه والده الكريم‏

و قال بعضهم: كانت للزبير ابنة يقال لها: أم الحكم و كانت رضيعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و اللّه أعلم.

و قالت صفية تبكيه:

بكيّ/ 290/ زبير الخير إذ فات* * * إن [2] كنت على ذي كرم باكية

قد كان في نفسي ان أترك* * * الموتى فلا أبغيهم [3] قافية

فلم أطلق صبرا على رزئه* * * لأنّه أقرب إخوانية

لو لم أقل من فيّ قولا له* * * لقطّت الأحزان [4] أضلاعية

____________

[1] و رواه أيضا ابن أبي الحديد في شرح المختار: (28) من باب الثاني من النهج:

15/ 223 و قال:

قد كنت أنشده فلا* * * رث السلاح و لا سليم ...

زخرت به أعرقه* * * و نماه والده الكريم‏

بين الأغر و هاشم* * * سرعين قد فرعا القروم‏

[2] و رواها أيضا في شرح المختار المتقدم الذكر من شرح النهج و قال: «إذ مات» و قال بعده:

لو لفظته الأرض ما لمتها* * * أو أصبحت خاشعة عارية

[3] و في شرح النهج: «و لا أتبعهم قافية».

[4] و في شرح النهج: «لقضت العبرة اصلاعية». و زاد بعده:

فهو الشامي و اليماني إذا* * * ما خضروا ذو الشفرة الدامية

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

(نسب أبي طالب) (عمّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أخباره)

1- و أما أبو طالب بن عبد المطلب- و اسمه عبد مناف و أمه فاطمة (2/ 288) أم عبد اللّه بن عبد المطلب أيضا- فكان منيعا عزيزا في قريش، قال لعامر ابن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس و أمه أم حكيم بنت عبد المطلب نافر من شئت و أنا خالك. و كانت قريش تطعم فإذا أطعم (أبو طالب) لم يطعم يومئذ أحد غيره [1].

2- و قال لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)- حين بعث-: يا ابن أخي قم بأمرك فلن يوصل إليك، و أنا حي، فلم يزل يذبّ عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و يناوئ قريشا

____________

[1] و قال الزبير بن بكار- في كتاب انساب قريش على ما نقله ابن أبي الحديد في شرح المختار: (28) من باب الثاني من نهج البلاغة: ج 15/ 219- فأما ابو طالب ابن عبد المطلب و اسمه عبد مناف و هو كافل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و حاميه من قريش و ناصره و الرفيق به و الشفيق عليه و وصي عبد المطلب فيه، فكان سيد بني هاشم في زمانه و لم يكن أحد من قريش يسود في الجاهلية (الا) بمال الا ابو طالب و عتبة بن ربيعة.

و أبو طالب أول من سن القسامة في الجاهلية في دم عمرو بن علقمة ثم أثبتها السنة في الإسلام، و كانت السقاية في الجاهلية بيد أبي طالب، ثم سلمها الى العباس بن عبد المطلب.

24

إلى أن مات، فلما حضرته الوفاة، عرض النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عليه قول: لا إله إلا اللّه فأبى أن يقولها و قال: يا ابن أخي. إني لأعلم أنك لا تقول إلا حقا، و لكني أكره مخالفة دين عبد المطلب، و أن يتحدث نساء قريش بأني جزعت عند الموت ففارقت ما كان عليه. فمات على تلك الحال. و أتى علي (عليه السلام) (النبي) فأخبره بموته فقال: واره فقال علي أنا أواريه و هو كافر [1] قال: فمن يواريه إذا؟ فلما واراه أمره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فاغتسل، و قال (رسول اللّه) (صلى اللّه عليه و سلم) حين رأى جنازته [: وصلتك رحم [2]].

____________

[1] هذا و ما يأتي بعده من قوله: «و يقال ...» مجرد ادعاء و اظهار عقيدة لا حجية لهما بنفسهما، فإن كان لهما سند او دليل فلينظر فيهما، و الا فليضربا عرض الجدار، و بما ان سند ما ذكر هنا، هو الأخبار الآنية فليلاحظ ما تكلمنا عليها في التعليقات القادمة.

[2] و قال ابن عدي في ترجمة ابراهيم بن هانئ من الكامل: ج 1/ الورق 90: حدثنا محمد بن هارون بن حميد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني، عن ابراهيم بن عبد الرحمان، عن ابن أبي جريج، عن عطاء عن ابن عباس ان النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عارض جنازة أبي طالب فقال: وصلتك رحم و جزت خيرا يا عم.

و قال الخطيب:- في ترجمة معاوية بن عبيد اللّه الخير الفاضل العابد، من تاريخ بغداد: ج 13/ 196- أخبرنا الحسن بن الحسين النعالي، أخبرنا احمد بن نصر بن عبد اللّه الذراع، حدثنا سعيد بن معاذ الابلي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثني ابو عبيد اللّه صاحب المهدي، قال: حدثني المهدي عن ابيه، (قال:) حدثني عطاء، قال:

سمعت ابن عباس يقول: عارض النبي (صلى اللّه عليه و سلم) جنازة أبي طالب فقال: وصلتك رحم جزاك اللّه خيرا يا عم.

و قال ابن سعد في عنوان: «ذكر أبي طالب و ضمه رسول اللّه ...» من سيرة رسول اللّه من الطبقات: ج 1/ 124، ط بيروت: أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال:

قال العباس يا رسول الله ا ترجو لأبي طالب؟ قال: كل الخير أرجو من ربي.

اقول: كذا ذكره في طبعة بيروت من الطبقات، و الصواب: «ما ترجو لأبي طالب» كما ذكره غيره، و هو يناسب جوابه (صلى الله عليه و آله) دون ما في النسخة، و لعله من الأخطاء المطبعية.

و مما يدل أيضا على ايمان أبي طالب ما ذكره في ترجمة عقيل من الطبقات: 4/ 44 قال:

أخبرنا لفضل ابن دكين، حدثنا عيسى بن عبد الرحمان السلمي، عن أبي إسحاق ان رسول الله قال لعقيل: يا أبا يزيد اني احبك حبين: حبا لقرابتك و حبا لما كنت اعلم من حب عمي إياك. و رواه في ترجمة عقيل من الزوائد: 9/ 373 عن الطبراني.

25

3- و يقال: إنه قيل له: يا رسول اللّه استغفر له. فنزلت فيه:

«ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى‏ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» و الآية التي بعدها [1].

4- و كانت لأبي طالب أشعار في رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و كان شاعرا [2] 5- حدثني بكر بن الهيثم، حدثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري.

عن سعيد بن المسيب [3] قال: دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أبا طالب إلى كلمة

____________

[1] و التي ذكرها هي الآية: (113) من سورة البراءة: 9، و إليك لفظ الآية التي بعدها:

«و ما كان استغفار ابراهيم لأبيه الا عن موعدة وعدها اياه، فلما تبين له انه عدو لله تبرء منه، ان ابراهيم لأواه حليم». اقول: هذا القول أيضا لم يعلم له مستند، و لم يعلم انه لأي شيطان مارد فلا يعبأ به.

[2] و تقدم تحت الرقم: (554) من ترجمة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من ج 1/ 232 ط مصر، قطعة من قصيدته اللامية، و كذلك من الميمية، و تمامها في شرح النهج: 3/ 313 و ديوانه ص 32.

[3] هذا الخبر في حد ذاته- و لو لم يكن له معارض- غير صالح للحجية، بل هو ضعيف من جهات:

الجهة الأولى ان سعيد بن المسيب لم يدرك القضية، فلا بد اذن ان يكون رواها عمن أدركها، و لم يذكره في الخبر، فيحتمل انه كان ممن يشاقق الرسول و ذويه (صلوات اللّه عليهم)!! الجهة الثانية من جهات ضعف الخبر: ان سعيد بن المسيب عد من المنحرفين عن أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما ذكره ابن أبي الحديد و غيره.

الجهة الثالثة ان الزهري المسكين كان من عمال بني أمية و مرتزقة مائدة أعداء أهل البيت في أيام تجبرهم و تنمرهم و انى يتيسر له بيان الحق و الاعتراف بالصدق في شأن أهل البيت، و من كان هذا حاله، كيف يوثق به و يؤخذ عنه؟ و لذا كانت اخته تنهى من الأخذ منه و الرواية عنه بأنه باع دينه بالدنيا و عمل لبني أمية!! الجهة الرابعة ان بكر بن الهيثم شيخ البلاذري مجهول و لم يعرف انه أي حي بن بي.

26

الإخلاص في مرضه فقال: إني لأكره أن تقول قريش: إني قلتها جزعا عند الموت و رددتها في صحتي. و دعا بني هاشم فأمرهم باتباع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و نصرته و المنع عن ضيمه فنزلت فيه: «وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ» (26/ الأنعام) و جعل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يستغفر له حتى نزلت: «ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ‏» الآيتان.

6- و حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة عن ابن عباس قال: نزلت في أبي طالب: «وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ» [1].

____________

[1] و هذا أيضا باطل من وجوه: الأول ان الثابت بعدة طرق عن ابن عباس خلاف هذا و ان الآية الكريمة نزلت في المشركين الذين كانوا ينهون الناس عن محمد ان يؤمنوا به، و ينأون- أي و يتباعدون- عنه، كما في تفسير الطبري: 7/ 109، و الدر المنثور: ج 3 ص 2 و 8- 9، و كما في تفسير الالوسي: 7/ 126، و تفسير القرطبي: 6 ص 382، و تفسير ابن كثير: 2 ص 122، و تفسير الشوكاني: ج 3 ص 91- 92، كذا روى عنهم جميعا في الغدير الثاني ان هذا خلاف الظاهر من سياق الآية الكريمة، إذ المستفاد منه انهم كانوا قد جمعوا بين التباعد عن النبي و عدم الإيمان به، و بين نهي الناس عن متابعته و الإيمان بما جاء به، و أين هذا من أعمال أبي طالب و أقواله، أ ليس هو أول من نبذ القرابات و ما كان بينه و بين المشركين من الصلة و الجوار و الصداقة محاماتا للنبي و نصرة له، و تحصن مع من تبعه من عشيرته و اهل بيته في الشعب سنين؟! و تحملوا الجوع و العطش و مضض الهجران و الانقطاع عن التمتع بالحياة، و كانت ضجة أطفالهم قد بلغت عنان السماء من الجوع و قد مات بعضهم من ذلك!! أ هذا نأي و بعد عن النبي؟! فإن كان هذا بعدا فما القرب و الدنو؟ أليس من قول أبي طالب ما رووه:

و اللّه لا أخذل النبي و لا* * * يخذله من بني ذو حسب‏

الثالث من جهات بطلان الحديث ان حبيب بن أبي ثابت الواقع في سلسلة سنده، كان مدلسا بتصريح ابن حبان، و ابن خزيمة في صحيحه كما في ترجمته من تهذيب التهذيب: ج 2 ص 179.

الرابع ان ابن مباركهم صرح بأن الثوري- أحد رجال الحديث- كان يدلس كما في ترجمة سفيان من تهذيب التهذيب: 4/ 115. و في ميزان الاعتدال: 1/ 396: انه كان يكتب عن الكذابين.

الخامس ان الواقدي عندهم ضعيف جدا، فراجع ترجمته من تهذيب التهذيب.

السادس ان ابن سعد أيضا غير مرضي عند سلفهم و الا فما باله لم يرو و لم يأخذ منه ابن حنبل و هو معه في بغداد، و كان يأخذ منه أجزاء الواقدي فيطالعها، ثم يردها عليه!! فما بال أرباب السنن لم يرووا عنه شيئا؟! نعم روى منه ابو داود في مورد واحد من سننه، و لكنه لا ينفع لأنه عند أبيه غير مقبول و هو أعرف الناس به!! فراجع ترجمته من كامل ابن عدي.

ثم ان الحديث ذكره أيضا ابن سعد في سيرة رسول اللّه من الطبقات: ج 1/ 123، الى قوله:

«و ينأون عنه» و لم يذكر قوله هنا: «عن يحيى بن جعدة» في سلسلة السند فراجع ط بيروت منها.

27

7- و حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن (سفيان) الثوري، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد اللّه بن الحرث بن نوفل، قال: نزلت في‏

28

أبي طالب‏ «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» (56/ القصص) [1].

____________

[1] هذا الحديث أيضا ضعيف السند و المتن، و قد تبين ضعف سنده مما تقدم، في التعليقات المتقدمة، و نزيد هنا ما قالوا في يزيد بن أبي زياد- أحد رجال السند- قال في ترجمته من تهذيب التهذيب: ج 11/ 330: قال ابو يعلى الموصلي عن ابن معين: ضعيف. و قال ابو ذرعة:

لين يكتب حديثه و لا يحتج به. و قال الجوزجاني: سمعتهم يضعفون حديثه. و قال ابن قانع:

ضعيف. و قال الدار قطني ضعيف يخطئ كثيرا.

و للحاكم الجشمي حول الآية الكريمة كلام نهديه الى أرباب البحث و التنقيب و نكتفي به، قال الدكتور عدنان زرزور في مقدمته على تفسير الحاكم الجشمي ص 264 ط 1-: قال الحاكم في تفسير الآية الشريفة من سورة القصص من تفسيره الورق 54.

قيل: نزلت في أبي طالب، و ذلك ان رسول اللّه صلى اللّه عليه أحب اسلامه و اسلام أهل بيته و كان يغمه كفرهم ففي ذلك نزلت الآية. و روي عن ابن عباس و الحسن و قتادة و مجاهد:

انه كان يحب اسلام أبي طالب فنزلت هذه الآية، و كان يكره اسلام وحشي قاتل حمزة فنزلت هذه: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله». و ذكروا ان أبا طالب لم يسلم و أسلم وحشي.

و هذه رواية غير صحيحة، لأن رسول اللّه صلى الله عليه و سلم كان يحب ايمانه، و الله تعالى كان يحب ايمانه لأن رسول الله لا يخالف في ارادة الله كما لا يخالف في أوامر الله، و كان لأبي طالب عند النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أيادي مشكورة عند الله تعالى.

و قد روي انه أسلم و في اسلامه اجماع أهل البيت (عليهم السلام) و هم أعلم بأحواله.

و من حديث الاستسقاء انه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عيناه. و لا يجوز لكافر (ان يقال فيه) لله دره!! و كيف تقر عينا كافر بمعجز رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟! و قد روي ان النبي دعاه فأسلم.

و ما يروون ان عليا قال: ان عمك الضال قد مات. و قال (له) النبي (اذهب) فواره.

فإنه لا يليق بكلام النبي فيه، و لا بكلام علي في ابيه، فهو من روايات النواصب، فالقوم يقولون: انه لم يرد ايمان أبي طالب و اراد كفره، و النبي أراد ايمانه!!- و هذا مخالفة بين الرسول و المرسل؟!- فنزلت الاية، فعلى روايتهم و اعتقادهم الفاسد كأنه تعالى يقول: انه يحيل ايمانه ... مع محبته لك و عظم نعمته عليك، و تكره ايمان وحشي- لقتله عمك حمزة- و لكن خلقت فيه الايمان!! و هذا نوع مغالطة و استخفاف لا يليق بالرسول، فإذا بطل أن يكون هذا سببا لنزول الآية، فالصحيح أنها نزلت في جميع المكلفين، كان (صلى اللّه عليه و سلم) يحب هدايتهم و كان حريصا على ايمانهم و يغمه كفرهم فنزلت الآية.

29

8- قالوا: و مات أبو طالب في السنة العاشرة من المبعث، و هو ابن بضع و ثمانين سنة و دفن بمكة في الحجون.

9- حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا علي بن عاصم، حدثنا يزيد ابن أبي زياد، حدثني عبد اللّه بن الحرث بن نوفل قال: قالوا: كان أبو طالب يعضد محمدا و ينصره فماذا نفعه؟! فبلغ ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: [لقد نفعه اللّه كان في درك من جهنم فأخرج من أجلي فجعل في ضحضاح من نار، له نعلان من نار يغلى منهما دماغه [1]].

____________

[1] هذا الحديث أيضا ضعيف أما ضعفه من جهة يزيد بن أبي زياد، فقد تقدم، و أما ضعفه من أجل علي بن عاصم فإليك بيانه: قال في تهذيب التهذيب: ج 7 ص 347: قال البخاري:

قال وهب بن بقية: سمعت يزيد بن زريع (قال:) حدثنا علي عن خالد بسبعة عشر حديثا، فسألنا خالدا عن حديث فأنكره، ثم (عن) آخر فأنكره، ثم (عن) ثالث فأنكره، فأخبرناه فقال: كذاب فاحذروه!! و روي عن شعبة انه قال لا تكتبوا عنه. و قال ابن محرز عن يحيى بن معين: كذاب ليس بشي‏ء. و قال يعقوب بن شيبة عن يحيى ليس بشي‏ء و لا يحتج به. قلت: ما أنكرت منه، قال: الخطاء و الغلط ليس ممن يكتب حديثه. و قال ابن أبي خيثمة: قيل لابن معين: إن أحمد يقول: إن علي بن عاصم ليس بكذاب. فقال: لا و اللّه ما كان عنده قط ثقة، و لا حدث عنه بشي‏ء فكيف صار اليوم عنده ثقة؟! و في ترجمته من هذا النمط كلمات أخر عن أئمة القوم فراجع.

و أما ضعفه من جهة الدورقي فقد قال الخطيب في ترجمته تحت الرقم: (1585) من تاريخ بغداد: 4/ 7: قيل ليحيى بن معين: إن ابن الدورقي يزعم أنك كتبت عنه؟ قال: ما كتبت عنه حديثا قط. و كان يقول: هو في حد المجانين!! و في تتمة ترجمته أيضا شواهد على ما أفاده ابن معين فراجع.

30

10- حدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي، عن (سفيان) الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد اللّه بن الحرث بن نوفل قال: قال العباس يا رسول اللّه ما ذا أغنيت عن/ 291/ عمك؟ قال: [كان في درك من النار فأخرج من أجلي فجعل في ضحضاح من نار، له نعلان من نار يغلى منهما دماغه [1]].

11- حدثني سعدويه، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أبي عثمان النهدي.

عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): [أهون الناس عذابا يوم القيامة أبو طالب و انه لمنتعل نعلين من نار يغلي منهما دماغه [2]].

12- حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد اللّه بن الحرث عن العباس بن عبد المطلب انه قال لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): عمك أبو طالب قد كان يحوطك و يمنعك و يفعل و يفعل. فقال: [إنه لفي ضحضاح من نار، و لو لا أنا كان في الدرك الأسفل [3]].

____________

[1] قد تبين مما سلف ضعف هذا الحديث أيضا، و يزيد على ضعفه وقوع عبد الملك بن عمير في سنده، قال في ترجمته من تهذيب التهذيب: ج 6 ص 411: قال علي بن الحسن عن أحمد:

عبد الملك بن عمير مضطرب الحديث جدا مع قلة روايته، ما أرى أن له خمسمائة حديث، و قد غلط في كثير منها. و قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: مخلط. و قال أيضا: ضعفه أحمد جدا.

[2] هذا الحديث أيضا ضعيف من أجل وقوع سعدويه: سعد بن سعد الجرجاني في سلسلة سنده قال البخاري: لا يصح حديثه. و قال ابن عدي: له عن الثوري ما لا يتابع عليه؟

دخلته غفلة الصالحين، و لم أر للمتقدمين فيه كلاما، و هو من أهل بلدنا، و نحن أعلم به.

[3] و مما تقدم قد انكشف لك ضعف هذا الحديث أيضا، لوقوع ابن عمير و الثوري و الدورقي في سنده، و لو عد الوكيع رافضيا- على ما قاله بعضهم- ليزيد ضعفه أضعافا مضاعفة هذا إجمال الكلام حول ضعف هذه الأحاديث و ما بسياقها، و من أراد تفصيل القول فعليه بكتاب الغدير: ج 7 ص 33- 409 ط 2، فإنه فصل الكلام فيه و له حول حديث ضحضاح تحقيقات أثبت فيها مخالفة حديث الضحضاخ للكتاب و السنة فليضرب به عرض الجدار.

31

13- و قال الواقدي في إسناده: كلّم وجوه قريش- و هم عتبة و شيبة ابنا ربيعة، و أبي بن خلف، و أبو جهل، و العاص بن وائل، و مطعم و طعيمة ابنا عدي، و منبه و نبيه ابنا الحجاج، و الأخنس بن شريق الثقفي- أبا طالب في أن يدفع إليهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و يدفعوا إليه عمارة بن الوليد المخزومي، فأبا ذلك! و قال أتقتلون ابن أخي و أغدوا لكم ابنكم إن هذا لعجب؟! فقالوا: ما لنا خير من أن نغتال (كذا) محمدا فلما كان المساء فقد أبو طالب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فخاف أن يكونوا قد اغتالوه فجمع فتيانا من بني عبد مناف و بني زهرة و غيرهم و أمر كل فتى منهم أن يأخذ معه حديدة و يتبعه، و مضى، فرأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له: اين كنت يا بن اخي؟ ا كنت في خير؟ قال: نعم و الحمد للّه. فلما اصبح أبو طالب دار على اندية قريش و الفتيان معه و قال: بلغني كذا و كذا، و اللّه لو خدشتموه خدشا ما ابقيت منكم أحدا إلا ان اقتل قبل ذلك!! فاعتذروا إليه و قالوا: أنت سيدنا و أفضلنا في أنفسنا.

14- و قال ابو طالب:

منعنا الرسول رسول المليك* * * ببيض تلألأ مثل البروق‏

أذب و احمي رسول الإله* * * حماية عمّ عليه شفيق‏

15- و قال ابو طالب حين اكلت الصحيفة الأرضة:

الا هل اتى بحريّنا صنع ربنا [1]* * * على نأيهم و الأمر بالناس اورد [2]

____________

[1] أي من ركب البحر منا، إلى الحبشة فرارا بدينه.

[2] و في بعض المصادر: «و اللّه بالناس أورد» أي هو أرفق بهم من أنفسهم.

32

أ لم يأتهم أن الصحيفة أفسدت* * * و كل الذي لم يرضه اللّه مفسد

و كانت أحق رقعة بأثيمة [1]* * * يقطّع فيها ساعد و مقلد

فمن يك ذا عز بمكة مثله [2]* * * فعزتنا في بطن مكة أتلد

نشأنا بها و الناس فيها أقلة [3]* * * فلم ننفكك [4] نزداد خيرا و نمجد

جزى اللّه رهطا بالحجون تتابعوا* * * بنصر امرئ يهدي لخير و يرشد [5]

16- و قال أيضا:

لزهرة كانوا أوليائي و ناصري* * * و أنتم إذا تدعون في سمعكم وقر

تداعى علينا موليانا فأصبحوا (ظ)* * * إذا استنصروا قالوا: إلى غيرنا النصر

و أعني خصوصا عبد شمس و نوفلا* * * فقد نبذ انا مثل ما ينبذ الجمر

____________

[1] كذا في النسخة، و في بعض المصادر هكذا:

و كانت كفاء وقعة بأثيمة* * * ليقطع منها ساعد و مقلد

[2] كذا في النسخة، و في بعض المصادر: «فمن ينش من حضار مكة عزه» و «ينش» مخفف ينشأ، و حذف الهمزة منها للضرورة. و أتلد: أقدم.

[3] الأقلة: جمع القليل، كالأذلة في جمع الذليل.

[4] هذا هو الظاهر، و في النسخة: «فلم نتوكك». و في بعض المصادر:

نشأنا بها و الناس فيها قلائل* * * فلم ننفكك نزداد خيرا و نحمد

[5] و هذا أيضا من لوازم الاعتراف بنبوته (صلى الله عليه و آله و سلم) و بمعنى التصديق برسالته أي تصديق بالالتزام لا بالمطابقة، و إن قيل: إنه تصديق بالتضمن فهو أيضا صواب، و مما هو صريح في ايمانه و يدل بالمطابقة على اعترافه بنبوة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) قوله (رضوان الله عليه) في هذه القصيدة بعد أبيات:

ألا إن خير الناس نفسا و والدا* * * إذا عد سادات البرية أحمد

نبي الإله و الكريم بأصله* * * و أخلاقه و هو الرشيد المؤيد

33

هما مكّنا للقوم في أخويهما [1]* * * فقد أصبحت أيديهما منهما صفر

فو اللّه لا تنفك منا عداوة* * * و منهم لنا ما دام من نسلنا شفر [2]

17- و قال في أمر الصحيفة:

ألا أبلغ أبا وهب رسولا* * * فإنك قد ذابت لما تريد [3]

ليئس (ظ) اللّه ثم لعون قوم* * * بلا ذنب و لا دخل أصيدوا [4]

و آزره/ 292/ أبو العاصي بحزم* * * و ذلك سيد بطل مجيد

و من يمشي أبو العاصي أخاه* * * فلا مبزي [5] أخوه و لا وحيد

شبيه أبي أمية غير خاف [6]* * * إذا أما العود خدامة الجليد [7]

____________

[1] رسم الخط في قوله: «هما مكنا» غير واضح، و روى ابن أبي الحديد اثنا عشر مصرعا من هذه القصيدة في شرح المختار: 28 من النهج: 15/ 233 مع مغايرة في جل الألفاظ فراجع.

و في بعض المصادر هكذا:

هما أغمزا للقوم في أخويهما* * * فقد أصبحا منهم أكفهما صفر

[2] أي أحد، يقال: ما في الدار شفر- كفلس و قفل- و شفرة: أحد. و تتمة القصيدة:

فقد سفهت أحلامهم و عقولهم* * * و كانوا كجفر بئسما صنعت جفر

و ما ذاك إلا سؤدد خصنا به* * * إله العباد و اصطفاتاله الفخر

رجال تمالوا حاسدين و بغضة* * * لأهل العلى فبينهم أبدا وتر

وليد أبوه كان عبدا لجدنا* * * إلى علجة زرقاء جال بها السحر

[3] كذا.

[4] كذا.

[5] كذا.

[6] كلمة «خاف» رسم خطها غير جلي.

[7] كذا.

34

18- و قال أيضا:

و ما إن جنينا في قريش عظيمة* * * سوى أن منعنا خير من وطي‏ء التربا

فيا أخوينا عبد شمس و نوفلا* * * فإياكم أن تسعروا بيننا حربا

في أبيات.

19- و قال: (أيضا) يحرض أبا لهب على نصرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) [1]:

و ان امرأ أمسى عتيبة عمه* * * لفي نجوة من أن يسام المظالما

أقول له و أين منه نصيحتي (كذا)* * * أبا معتب أثبت سوادك قائما

و لا تقربن الدهر ما عشت لحظة* * * تسبّ بها أما هبطت المواسما

و حارب فإن الحرب نصف و لن ترى* * * أخا الحرب يعطي الخسف حتى يسالما

20- حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن أبي صالح قال: لما مرض أبو طالب قيل له: لو أرسلت إلى ابن أخيك فأتاك بعنقود من جنته لعله يشفيك؟! فأتاه الرسول بذلك و أبو بكر عنده فقال له ابو بكر- رضي اللّه تعالى عنه-: إن اللّه، حرمهما (كذا) على الكافرين. قال: فأحسبه قال: ليس هذا جواب ابن اخي [2].

____________

[1] و رواها بعضهم عن سيرة ابن هشام: ج 1/ و عن كتاب ابن كثير: ج 3 ص 93.

[2] هذا الحديث أيضا دال على ايمان أبي طالب- مع ما في سنده من الضعف و الانقطاع- سواء قلنا إن معنى قوله: «فأتاه الرسول بذلك» أي أتى رسول اللّه أبا طالب بعنقود من جنته، أو إن معناه: أتى رسول أبي طالب برسالته إلى نبي اللّه في استدعائه عنقود الجنة منه (صلى الله عليه و آله) أما على الأول فواضح، و أما على المعنى الثاني فلدلالته على انه كان معتقدا بالجنة و ان اللّه جعل في عنقودها الشفاء، و ان ابن أخيه بما انه صادق فيما يدعيه على اللّه من الرسالة و توحيد اللّه تعالى، و بما انه كريم و وجيه عند اللّه يجيبه اللّه في مسألته عنقود الجنة لشفاء عمه، و بما ان الرب واحد فلا مانع و لا راد لما يريده اللّه من اجابة رسوله. و أما ما قاله بعض الحاضرين فعلى تقدير تجهيل للّه و لرسوله، و على تقدير آخر تقدم بين يدي اللّه و رسوله و قد نهى اللّه عنه بقوله عز و جل: «يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله و رسوله» (1/ الحجرات).

و قريب منه في الحديث: (274) من باب فضائل علي (عليه السلام) من كتاب الفضائل- لابن حنبل- قال: حدثنا محمد بن يونس القرشي قال: حدثنا شريك بن عبد الحميد الحنفي، قال: حدثنا الهيثم البكاء قال: حدثنا ثابت، عن أنس قال:

لما مرض أبو طالب مرضه الذي مات فيه، أرسل إلى النبي صلّى اللّه عليه ادع ربك عز و جل أن يشفيني فإن ربك يطيعك، و ابعث إلي بقطاف من قطاف الجنة. فأرسل إليه النبي صلّى اللّه عليه: و أنت يا عم إن أطعت الله عز و جل أطاعك.

35

21- و حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن ابيه قال:

لما حضرت ابو طالب الوفاة جاءه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و عنده عبد اللّه بن أبي امية و ابو جهل فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): [يا عم قل كلمة اشهد لك عند اللّه.

قال: و ما هي؟ قال: تقول: لا إله الا اللّه.] فقال ابو جهل و ابن أبي امية:

أ ترغب عن دين عبد المطلب؟ فلم يقل شيئا.

[أحاديث حول فاطمة بنت أسد زوج أبي طالب‏]

22- و كانت أم اولاد أبي طالب فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف، فيقال: إنها، اسلمت بعد موت زوجها بمكة، ثم لم تلبث ان ماتت [1] فدفع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قميصه إلى علي فكفّنها فيه، و نزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في قبرها.

23- و حدثني الحسين بن علي بن الأسود، عن يحيي بن آدم، عن الحسن بن صالح بن حي عن أشياخه.

____________

[1] ظاهره أنها (صلوات الله عليها) ماتت بمكة، و هذا سهو من قائله، و الأخبار متضافرة على انها (رضوان الله عليها) هاجرت و ماتت بالمدينة، و بعضها صريح أو ظاهر في تأخر وفاتها عن زواج علي بفاطمة (صلوات اللّه عليهم) كما يأتي.

36

إن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كان يتعهد منزل عمه بعد موته فيدعوا فاطمة بنت اسد إلى الاسلام فتأباه و تقول: إني لأعلم منك صدقا و خيرا، و لكني اكره ان اموت إلا على دين عمك، فيقول: [يا أمه إني مشفق عليك من النار].

فتلين له القول و لا تجيبه إلى الاسلام فينصرف و هو يقول: وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً، ثم إنها اسلمت في مرضها و كفنها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في قميصه [1].

24- و حدثني أبو موسى الفروي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم:

عن علي (عليه السلام)، قال: اهديت إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) حلة حرير فبعث بها إلي و قال: [إني لم ابعثها إليك لتلبسها إني اكره لك ما اكره لنفسي و لكن أقطعها خمرا [2] و اكسها فاطمة ابنتي‏].

____________

[1] و الحديث ضعيف من أجل ان أشياخ الحسن بن صالح غير معلومين، و لعلهم غير موثوقين، و أيضا شيخ البلاذري الحسين بن علي بن الأسود ضعفوه، قال في ترجمته من كتاب تهذيب التهذيب: قال أحمد: لا أعرفه. و قال ابن عدي: (كان) يسرق الحديث، و أحاديثه لا يتابع عليها. و قال الأزدي: ضعيف جدا يتكلمون في حديثه.

[2] هذا هو الصواب، و في النسخة: «اقطعنا حمرا». و رواه باختلاف طفيف في ترجمة فاطمة بنت حمزة من أسد الغابة: ج 5 ص 518، و قال: أخرجها ابن مندة و ابو نعيم. و قال احمد ابن عمرو بن أبي عاصم النبيل- في باب فضائل امير المؤمنين من كتاب الآحاد و المثاني الورق 14/ ب-: حدثنا المقدمي و ابن كاسب، قالا: حدثنا عمران بن عيينه، أنبأنا يزيد بن أبي زياد، عن أبي فاخته:

عن جعدة بن هبيرة عن علي- رضي الله عنه- قال: أهدي الى رسول الله صلى الله عليه و سلم حلة مسبرة بحرير، إما سداها و إما لحمتها، فبعث النبي صلى الله عليه و سلم بها إلي فقلت ما اصنع بها ألبسها؟ قال: (لا) ارضى لك ما اكره لنفسي (بل) اجعلها خمرا بين الفواطم. (قال:) فشققت منها اربعة اخمرة: خمارا لفاطمة بنت أسد- و هي أم علي- و خمارا لفاطمة بنت محمد صلى الله عليه و سلم و خمارا لفاطمة بنت حمزة. و ذكر فاطمة اخرى فنسيتها.

و قال أيضا: حدثنا ابو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي فاختة (قال:) حدثني هبيرة (كذا).

عن علي رضي الله عنه قال: اهدي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حلة سيراء، فقال لي رسول الله صلى الله عليه: (لا تلبسها) و لكن اجعلها خمرا بين الفواطم.

اقول: و الحديث الأول رواه عنه في ترجمة فاطمة بنت حمزة تحت الرقم: (832) من الإصابة: ج 8 ص 161، و ساقه الى ان قال: و لم يذكر الرابعة، و لعلها امرأة عقيل.

و رواه أيضا في الحديث: (103) من باب فضائل علي (عليه السلام) في ترجمته من سمط النجوم:

ج 2/ و قال: اخرجه الضحاك.

37

25- و حدثنا عفان، أنبأنا شعبة، أنبأنا ابو عون، عن ما هان أبي صالح قال.

سمعت عليا ((عليه السلام)) يقول: [اهديت إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) حلة سيراء [1] فأرسل إلى بها فلبستها، و عرفت الغضب في وجهه، و قال: إني لم أعطكها لتلبسها و أمرني، فطررتها بين النساء [2]- أو قال: نسائي-].

36- و حدثني مظفر بن مرجا، حدثنا إبراهيم الفروي، عن أبي معاوية الضرير، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري.

عن علي ((عليه السلام)) إنه قال لأمه فاطمه بنت أسد: [اكفي فاطمة بنت‏

____________

[1] السيراء: مخططة او مخلوطة بالحرير، اما سداها او لحمتها.

[2] يقال: «طررت الشي‏ء او الثوب طرا»- من باب مد- قطعته و شققته.

و الصواب ما تقدم في رواية ابن أبي عاصم، دون ما في هذا المتن و ما يشبهه، لأن مع عدم بيان كراهية لبس المخطوط او الممزوج بالحرير للرجال، لا يظن بالنبي الغضب، و مع بيان كراهيته لا يظن بأمير المؤمنين لبس المنهي عنه و ما يكرهه النبي (صلى الله عليه و آله)!!

38

رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما كان خارجا من السقي و غيره، و تكفيك ما كان داخلا من العجن و الطحن و غير ذلك [1]].

27- و حدثني أبو بكر الأعين، قال/ 293/ سألت أحمد بن حنبل، و يحيى بن معين، عن حديث هبيرة بن يريم فقالا: قد روي (نرى «خ») ما رووا [2] و ليست هجرة أم علي و إسلامها عندنا بمشهور و اللّه أعلم.

____________

[1] و هذا رواه أيضا في ترجمة فاطمة بنت أسد، من الإصابة: ج 7 و في أسد الغابة: ج 5 ص 517، عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري ... باختلاف في التعبير. و رواها أيضا في ترجمتها من مجمع الزوائد: ج 9 ص 256 بسندين عن الطبراني و قال: و رجال الرواية الثانية رجال الصحيح.

[2] كذا في النسخة، و لعل الصواب: «قد روي (قد نرى «خ») ما رواه». و لعل المراد من حديث هبيرة بن يريم الذي قالا: قد روي .. هو ما تقدم في المتن و الهامش من قصة اعطائه (صلى الله عليه و آله) الحلة السيراء لعلي و امره ان يقطعها خمرا للفواطم الدال على اسلام فاطمة بنت اسد و هجرتها. و ما قالا: من ان هجرة أم علي و إسلامها ليست عندنا بمشهور.

كلام جاهل او متجاهل، كيف و في كل واحد منهما وردت اخبار معتمدة مستفيضة و اختارهما المحققون، قال في ترجمتها من اسد الغابة: 5/ 517: قيل: انها توفيت قبل الهجرة. و ليس بشي‏ء و الصحيح: انها هاجرت الى المدينة و توفيت بها، قال الشعبي: أم علي فاطمة بنت اسد، اسلمت و هاجرت الى المدينة و توفي بها ... و قال في ترجمتها من الإصابة: 8/ 160، تحت الرقم: (827)، و الصحيح انها هاجرت و ماتت بالمدينة، و به جزم الشعبي قال: اسلمت و هاجرت و توفيت بالمدينة.

و رواه أيضا ابو نعيم في أول ترجمة امير المؤمنين من كتاب معرفة الصحابة: ج 1/ الورق 19/ أ.

و رواه في الحديث: (10- 13) من ترجمة علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق بأسانيد، و قال في الحديث: (1456) من الترجمة: قال ابو اليقظان: و أمه فاطمة بنت اسد بن هاشم ابن عبد مناف اسلمت قديما، و هي أول هاشمي ولدت لهاشمي، و هي ربت النبي صلى الله عليه و سلم، و يوم ماتت صلى النبي عليها، و تمرغ في قبرها و بكى و قال: جزاك الله من أم خيرا فقد كنت خير أم. اقول: و قريبا منه جدا رواه الزبير بن بكار، كما في أول باب مناقب علي من الزوائد: 9/ 100، و قال رواه الطبراني و هو صحيح. و أيضا روى في ترجمتها- رحمها اللّه- منه ص 256، اخبارا تدل على هجرتها و نهاية جلالتها عند رسول اللّه. و كذلك في مستدرك الحاكم: 3/ 108، و سمط النجوم: ج 2 ص 429 و الحديث: (116) من مناقب ابن المغازلي.

39

28- و ذكر أبو الحسن المدائني، عن علي بن مجاهد، عن أبي البختري، قال: وهب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لفاطمة بنت أسد أسيرا من سبي بني العنبر، فوهبته لعقيل بن أبي طالب.

قال المدائني: فذكر صالح مولى آل عقيل: إنه جدهم ذكوان.

29- و كان أبو طالب ينادم مسافر بن أبي عمرو بن أمية فمات بالحيرة فرثاه أبو طالب بشعر أوله: [1]:

____________

[1] قال الزبير بن بكار في كتاب انساب قريش: و كان ابو طالب شاعرا مجيدا، و كان نديمه في الجاهلية مسافر بن عمرو بن امية بن عبد شمس، و كان قد حبن، فخرج ليتداوى بالحيرة، فمات بهبالة، فقال ابو طالب يرثيه:

ليت شعري مسافر بن أبي عمرو* * * و ليت يقولها المحزون‏

كيف كانت مذاقة الموت إذ* * * مت و ما ذا بعد الممات يكون‏

رحل الركب قافلين إلينا* * * و خليلي في مرمس مدفون‏

بورك الميت الغريب كما* * * بورك نصر الريحان و الزيتون‏

رزء ميت على هبالة قد خا* * * لت فياف من دونه و حزون‏

مدره يدفع الخصوم بأيد* * * و بوجه يزينه العرنين‏

كم خليل و صاحب و ابن عم* * * و حميم قفت عليه المنون‏

فتعزيت بالجلادة و الصبر* * * و اني بصاحبي لضنين‏

فلما هلك مسافر نادم ابو طالب بعده عمرو بن عبد بن أبي قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لوي، و لذلك قال عمرو لعلي (عليه السلام) يوم الخندق حين بارزه: ان أباك كان لي صديقا. كذا نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (28) من كتب النهج: ج 15/ 219.

40

ليت شعري مسافر بن أبي* * * عمرو و ليت يقولها المحزون‏

و هو شعر معروف. ثم نادم عمرو بن عبد بن أبي قيس (كذا) فلما كان يوم الخندق دعاه علي (عليه السلام) إلى البراز فقال له: إن أباك كان لي صديقا و نديما.

[أسماء ولد أبي طالب و تعدادهم و ترجمة مختصرة لطالب بن أبي طالب‏]

30- فولد أبو طالب طالبا- و كان مضعوفا لا عقب له- و عقيلا و جعفرا و عليا، فبين كل واحد منهم و الآخر- في قول هشام بن الكلبي عشر سنين [1].

و أمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي.

31- و قال الهيثم بن عدي:، قال جعفر بن محمد: كان بين جعفر و علي (عليهما السلام) تسع سنين، جعفر أكبرهما، و بين جعفر و عقيل أربع‏

____________

[1] و مثله معنى في أول ترجمة عقيل من طبقات ابن سعد: 4/ 42 و قال في أول ترجمة امير المؤمنين (عليه السلام) من مروج الذهب: ج 2 ص 350 ط بيروت: و ولد أبي طالب بن عبد المطلب اربعة ذكور و ابنتان، طالب، و عقيل، و جعفر، و علي، و فاختة و جمانة، لأب و أم، أمهم فاطمة بنت اسد بن هاشم. و بين كل واحد من البنين عشر سنين، فطالب الأكبر، و بينه و بين عقيل عشر سنين، و بين عقيل و جعفر سنتان (كذا)، و بين جعفر و علي عشر سنين.

و اخرج مشركوا قريش طالب بن أبي طالب يوم بدر الى حرب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كرها، و مضى و لم يعرف له خبر، و حفظ من قوله في هذا اليوم:

يا رب اما خرجوا بطالب* * * في مقنب من تلكم المقانب‏

فاجعلهم المغلوب غير الغالب* * * و الرجل المسلوب غير السالب‏

و قريبا منه رواه ابن سعد في سيرة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) من الطبقات: ج 1/ 121، ط بيروت، كما ان أبا الفرج أيضا رواه في اخبار حسان بن ثابت من الأغاني: 4/ 183، كما ان الذيل رواه أيضا ثقة الاسلام الكليني في الحديث: (563) من روضة الكافي ص 375.

41

سنين، و عقيل أكبرهما، و طليق بن أبي طالب [1] لا عقب له، درج، و أمه أمة لبني مخزوم غشيها فحملته [2] فادعاه (أبو طالب) و ادعاه أيضا رجل من حضر موت فأرادوا بيعه من الحضرمي فقال أبو طالب:

أعوذ بخير الناس عمرو بن عائذ* * * أبي و أبيكم أن يباع طليق‏

أخو حضر موت كاذب ليس فحله* * * و لكن كريم قد نماه عتيق‏

هبوني كد باب و هبتم له ابنه* * * و إني بخير منكم لحقيق‏

و كان دباب بن عبد اللّه بن عامر بن الحرث بن حارثة بن سعد بن تيم بن كعب وقع على أمة لبني مخزوم أيضا فأولدها ولدا فوهبوه له.

و أم هانئ، تزوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي، فولدت له جعدة بن هبيرة، فهرب هبيرة يوم الفتح إلى اليمن فمات كافرا بها.

و قيل هرب حين أسلمت أم هانئ- و اسمها فاخته- إلى نجران و لها يقول [3]:

و إن كنت قد تابعت دين محمد* * * و قطعت الأرحام منك حبالها

____________

[1] أي و ولد ابو طالب طليق ...

[2] ان صح هذا فمحمول على الوطي و الغشيان بالشبهة.

[3] و قال ابن أبي الحديد- في شرح المختار: (64) من الباب الثاني من النهج: ج 18، ص 8 نقلا عن الواقدي في قصة طويلة-: و أسلمت أم هانئ فقال هبيرة حين بلغه إسلامها- يوم الفتح- يؤنبها شعرا من جملته: «و ان كنت ...»- الى قوله:

فكوني على أعلى سحوق بهضبة* * * ململمة حمراء يبس بلالها

و قال في الهامش: (هي) من قصيدة له في ابن هشام: 4/ 42 و أولها:

أشاقتك هند أم أتاك سؤالها* * * كذاك النوى أسبابها و انفتالها

42

فكوني على أعلى سحوق بهضة* * * ممنّعة لا يستطاع منالها

و إن كلام المرء في غير كنهه* * * لكالنبل يهوي ليس فيها نصالها

و جمانة ولدت لأبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب.

فأما طالب فأقام على دين أبيه و لم يسلم بعده، و حضر بدرا مع المشركين و قال بعد انصرافه معهم.

فجعتني المنون بالجنة الحمس* * * (كذا) ملوك لذي الحجون صباح‏

3/ 297

إن كعبا و عامرا قد أبيحت* * * يوم بدر و يوم ذات الصفاح‏

و يقال: إن هذه الأبيات لغيره [1].

و قد اختلفوا في أمر طالب فقائل يقول: رجع من بدر إلى مكة، فمات بعد قليل. و قائل يقول: أتى اليمن فهلك في طريقه و قال بعضهم: أخرج طالب إلى بدر مكرها فقال:

يا رب إما يخرجن طالب* * * من مقنب من تلكم المقانب‏

فليكن المغلوب غير الغالب* * * و ليكن المسلوب غير السالب‏

فزعموا أنه لم يوجد في القتلى، و لا كان في الأسرى، و لا مع المسلمين، و لا أتى مكة، و لكنه أتى الشام فمات بها أو في طريقها.

[ترجمة إجمالية لجعفر بن أبي طالب‏]

و أما جعفر بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه- و كان يكنى أبا عبد اللّه- فإنه أتى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مع أخيه علي (عليه السلام) و قد كان يسمع عليا يذم عبادة

____________

[1] قال في سيرة رسول اللّه تحت الرقم: (675) ج 1، ص 306، و قال طالب بن أبي طالب في يوم بدر- و قوم يزعمون انها لأمية بن أبي الصلت- و كان طالب قد شهد بدرا ثم انصرف راجعا فلم يسمع له بذكر مع قريش: «فجعتني المنون بالجلة الحمس» ... و راجع الأبيات فإن هناك زيادة و مغايرة عما ذكره ههنا.

43

الأوثان فوقع في نفسه ذمها/ 294/ فلما دعاه رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قبل دعا (ء) و شهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا عبده و رسوله و أن المبعث حق.

و هاجر إلى الحبشة و معه امرأته أسماء ابنة عميس الخثعمية- و هي أخت أم الفضل لبابة بنت الحرث بن حزن الهلالية، لأمها هند بنت عوف الحميرية- فلم يزل مقيما بالحبشة في جماعة تخلفوا معه من المسلمين.

ثم قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في سنة سبع من الهجرة بعد فتح خيبر فاعتنقه رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و قال: [لست أدري أي الأمرين أسرّ إلي أفتح خيبر أم قدوم جعفر [1]].

و قدم معه المدينة، ثم وجهه في جيش إلى مؤتة من بلاد الشام فاستشهد و قطعت يداه في الحرب فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): [لقد أبدله اللّه بهما جناحين يطير بهما في الجنة.] فسمي ذا الجناحين و سمي الطيار في الجنة.

و دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)- حين أتاه نعي جعفر- على أسماء بنت عميس فعزاها به، و دخلت فاطمة (عليها السلام) تبكي و هي تقول: وا عماه فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): [على مثل جعفر فلتبك البواكي.] ثم إنصرف إلى أهله و قال: [اتخذوا لآل جعفر طعاما فقد شغلوا عن أنفسهم.] و ضم عبد اللّه بن جعفر إليه و مسح رأسه و عيناه تدمعان [و قال: أللهم أخلف جعفرا في ذريته بأحسن ما خلفت به أحدا من عبادك الصالحين‏].

و استشهد جعفر، و هو ابن نحو من أربعين سنة، و ذلك في سنة ثمان من الهجرة.

____________

[1] و رواه أيضا ابن سعد في ترجمة جعفر من الطبقات: ج 4 ص 35 ط بيروت، و رواه أيضا في ترجمته من مجمع الزوائد: 9/ 272 و قال: رواه الطبراني في الثلاثة، و في رجال الكبير أنس بن سلم و لم أعرفه و بقية رجاله ثقات. ثم رواه بسند آخر و قال: رواه الطبراني مرسلا و رجاله رجال الصحيح.

44

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): [أشبهني جعفر في خلقي و خلقي [1]].

حدثني محمد بن إسماعيل الواسطي الضرير، حدثنا علي بن عاصم عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال:

ما احتذى النعال و لا ركب المطايا رجل بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل من جعفر.

و قال أبو طالب و جعفر بالحبشة.

لقد ضلّ عني جعفر متنائيا* * * و أعدى الاعادي معشري و الاقارب‏

فهل نال معروف النجاشي جعفرا* * * و أصحابه أم غاله عنه شاغب (كذا)

تعلّم بأن اللّه زادك بسطة* * * و أسباب خير كلها لك لازب‏

و أنك عزّ و الملوك أذلة* * * كريم فلا يشقى لديك المجانب [2]

و قالوا: اختط رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لجعفر إلى جانب المسجد فلما استشهد و زيد بن حارثة بكى و قال: [أخواي و مونساي و محدثاي‏].

و كان لجعفر من الولد عبد اللّه الجواد، و يكنى أبا جعفر، ولد بالحبشة، و عون بن جعفر، و محمد بن جعفر، و أمهم أسماء بنت عميس بن معد الخثعمية.

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): [الاخوات الأربع مؤمنات أحبهن لإيمانهن: أسماء بنت عميس، و سلمى و أم الفضل و ميمونة.] و أمهن هند بنت عوف بن حماطة بن حرش. فأما عون و محمد فذكر أبو اليقظان النصري أنهما استشهدا جميعا بتستر في خلافة عمر بن الخطاب. و ذلك غلط.

____________

[1] و رواه في ترجمة جعفر من مجمع الزوائد: ج 9/ 272، و كذلك في ترجمته من الطبقات الكبرى: 4 ص 36 بطرق، كما ذكر أيضا الحديث التالي و جل ما تقدم.

[2] قال البلاذري في المتن: و يروى (يعني بدلا عن المجانب): «المضاقب» (كذا).

45

و ذكر غيره أنهما قتلا بصفين. و قيل: إنهما قتلا بالطف مع الحسين و حمل ابن زياد رءوسهما مع رأس الحسين (عليهم السلام) إلى يزيد بن معاوية.

و اللّه أعلم. و لم يكن لعون عقب.

و أتى عبد اللّه بن جعفر رجل يقال له المسور، فذكر أنه إبن عون بن جعفر، فوهب له عشرة آلاف درهم و زوجه ابنة له عمياء فماتت و لم يجتمعا، ثم إن ولد عبد اللّه بن جعفر نفوه و طردوه، و كان له ولد بالمدائن لا ينسبون إلى قريش و لا تنكحهم الاشراف، و كان ممن حمل عنه الحديث أبو جعفر المدائني، و كان يقال له عبد اللّه بن مسور بن عون بن جعفر و قد ذكره محمد بن سعد كاتب الواقدي في كتابه الذي ألّفه في الطبقات من المحدثين و الفقهاء [1] إلا أنه قال: مسور بن محمد بن جعفر. و لم يلد محمد بن جعفر إلا القاسم بن محمد بن جعفر و أم محمد، و أمهما أمة اللّه بنت قيس بن/ 295/ مخرمة بن المطلب بن عبد مناف.

[ترجمة عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب‏]

و أما عبد اللّه بن جعفر فكان جوادا، جعل معاوية بن أبي سفيان عطاءه في كل سنة ألف ألف درهم، فلما قام يزيد بن معاوية صيرها ألفي ألف درهم، فلم يكن الحول يحول حتى ينفقها و يستدين، لسعة بذله و عطاياه.

1- و حدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن ابن خربوذ، ان عبد اللّه بن جعفر كلم في تزويج يتيم من قريش فوهب له مائة ألف درهم، فذكر ذلك لمعاوية فقال: إذا لم يكن الهاشمي سخيا لم يشبه من هو منه.

____________

[1] ذكره في ج 7 ص 319 ط بيروت من الطبقات الكبرى قال: و كان بالمدائن من المحدثين و الفقهاء (جماعة منهم) ابو جعفر المدائني و اسمه عبد اللّه بن المسور بن محمد بن جعفر بن أبي طالب و كان معروفا قليل الحديث‏.

46

2- و قال الكلبي: مدح نصيب أبو مجن عبد اللّه بن جعفر فأجزل له العطاء فقيل له: أتعطي مثل هذا العبد الأسود ما أعطيت؟ فقال: و اللّه لئن كأن جلده أسود، إن شعره لأغرّ أبيض و لقد استحق بما قال أفضل مما قال، و إنما أخذ رواحل تنضى، و ثيابا تبلى و مالا يفنى، و أعطى مدائح تروي و ثناءا تبقى.

3- و حدثني علي بن محمد المدائني، عن يزيد بن عياض بن جعدبة قال:

ابتاع عبد اللّه بن جعفر حائطا من رجل من الانصار بمأتي الف درهم فراى ابنا له يبكي فقال: ما يبكيك؟ قال: كنت أظن اني و أبي نموت قبل خروج هذا الحائط من أيدينا، لقد غرست بعض نخله بيدي. فدعا أباه ورد عليه صكه و سوغه الملك.

4- و حدثني أبو مسعود بن العتاب [1] عن عوانة بن الحكم قال: قال عبد اللّه بن جعفر: عجبا لمن يشترى العبيد بماله كيف لا يستعبد الأحرار بمعروفه.

5- حدثني عبد اللّه بن صالح العجلي، أخبرني الثقة، عن ابن أبي الزياد، عن أبيه، قال قدم عبد اللّه بن جعفر من الشام يريد المدينة فأتى على قوم من العرب قد تحاربوا و وقعت بينهم قتلى فوادهم بثلاث مائة ألف و كسر، و أصلح بينهم و هيّأ طعاما أنفق عليه مالا ثم أطعمهم فقال شاعرهم:

ما البحر أجود من كفيك حين طما* * * و لا السحاب إذا ما راح محتفلا

أغاثنا اللّه بالمحمود شميته* * * شبه النبي الذي قفى به الرسلا

____________

[1] و يحتمل ضعيفا ان يقرء: «عقاب». و كلام ابن جعفر هذا مقتبس من كلام عمه أمير المؤمنين علي بن طالب (عليه السلام) كما في الحديث: (10) من المجلس: (46) من أمالي الصدوق (51).

47

أعطى فحاز المني منّا و أطعمنا* * * كوم الذرى [1] غير منّان بما فعلا

6- و أتاه رجل من أعراب بني كنانة فأنشده و هو في سفره:

إنك يا بن جعفر نعم الفتى* * * و نعم مأوى طارق إذا أتى‏

و رب ضيف طرف الحيّ سرى* * * صادف زادا و حديثا ما اشتهى‏

إذ الحديث طرف من القوى

و يقال: إن الأبيات في غيره، و قال من زعم أن الأبيات فيه: إنه أعطاه خمسين ناقة [2].

14- و حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: كان لعبد اللّه بن جعفر، غلام فارسي سقط إليه يقال له نشيط، و كان يغنّي بالفارسية و يضرب على غنائه بالعود، ثم فصح فغنّى بالعربية، و عنه (عن) سائب خاثر (ظ) أخذ معبد الغناء، و لنشيط أغان نسبت إلى معبد.

15- و حدثني أبو مسعود، عن ابن الكلبي، عن أبي مسكين (كذا) و غيره ان عبد اللّه بن الزبير، قال ذات يوم لعبد اللّه بن جعفر: أتذكر حين لقينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ فقال: نعم فجعل حسنا بين يديه و أردفني و تركك تعسل (كذا).

86- المدائني عن رجل عن خالد الحذاء، عن عكرمة، ان ابن الزبير قال لابن جعفر: أ تذكر يوم لقينا رسول اللّه (عليه السلام)؟ فقال: نعم فحملني و ابن عباس و تركك.

____________

[1] يقال: ناقة كوماء: ضخمة السنام. و بعير أقوم، و الجمع: كوم من باب أحمر. و يقال:

ذريت الطعام تذرية: خلصته من تبنه. و الذرى- (على) وزان الحصى)-: كل ما يستتر به الشخص. و الذروة- بالكسر و الضم- من كل شي‏ء أعلاه.

[2] و بعده قد ضاع من مخطوطي ورقة فيها سبعة أحاديث.

48

17- و حدثني عبد اللّه بن صالح، عن رجل من بني هاشم، عن أبيه ان عبد اللّه ابن جعفر رأى في منامه ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أتاه و معه علي فقال له: انطلق معنا. فقال: إن عليّ دينا. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن دينك سيقضى بعدك. فلما مات دعا ابنه معاوية بن عبد اللّه الناس إلى شراء ماله فقالوا به (كذا) و أمر غرماءه فحضروا فقضى دينه.

18- و حدثني عافية السعدي عن الربيع بن مسلم قال: مررت بعبد اللّه بن جعفر و هو في مجلسه مع أصحابه (و مرت بهم) [1] ناقة نجيبة لسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص (كذا) بن أمية، فأعجبتهم و قال رجل منهم: أشتهي و اللّه أن آكل من لحمها و سنامها فدعا عبد اللّه رائضها و جعل يكلمه و يشاغله ثم أمر بنحرها فجزع الرائض فقال: لا بأس عليك و أرسل إلى سعيد فعرفه خبر النجيبة و قال: إن بعض جلسائنا اشتهى أن يأكل من شحمها و لحمها فأمرت بنحرها. قال سعيد: قد وفقت فلا تخلنا [2] من أطائبها، و أمر عبد اللّه للرائض بمأتي دينار، و ما بقي من الناقة بعد الذي طبخ لهم و حمل إلى سعيد من أطائبها.

19- و حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن يونس بن يزيد الا يلى، عن الزهري ان علي ابن أبي طالب أعطى عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- يوم الجمل حين أشخصها إلى المدينة اثنى عشر ألفا/ 297/ فاستقل ذلك عبد اللّه بن جعفر- رضي اللّه تعالى عنهما- فزادها و قال: إن أجازها علي هذه الزيادة، و إلا فهي من مالي.

____________

[1] بين المعقوفين زيادة تستدعيها السياق.

[2] و الكلمة كانت في النسخة بالحاء المهملة.

49

20- حدثنا عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه: ان عنبسة بن مرداس- أحد بني كعب بن عمرو بن تميم، و هو الذي يقال له: ابن فسوة- أتى عبد اللّه بن عباس فقال له: ما جاء بك؟ قال: جئتني (كذا) لتعينني على مروءتي. فقال له ابن عباس: و هل لامرء يعصي الرحمن و يطيع الشيطان و يقول البهتان (من) مروءة!! فقال:

أتيح لعبد اللّه يوم لقيته* * * شميلة ترمى بالحديث المفتّر

فليت قلوصي عريت أو رحلتها* * * إلى حسن في داره و ابن جعفر

إلى ابن رسول اللّه يأمر بالتقى* * * و يقرء آيات الكتاب المطهر

فقال له ابن جعفر: أنا أعطيك ما تريد، على أن تمسك عن ابن عباس فلا تذكره بعد هذه الكلمة. فأعطاه و أرضاه.

21- قال (الكلبي): و شميلة هذه ابنة أبي جنادة ابن أبي أزيهر (كذا) الدوسي، كانت عند مجاشع بن مسعود (ظ) السلمي فقتل عنها يوم الجمل فخلف عليها ابن عباس.

22- قال: و قال هشام: أخبرني أبي ان عبد اللّه بن عباس دعا على ابن فسوة فخرس و أصابه خبل مات منه.

23- المدائني عن ابن جعدبة، قال: جرى بين يحيى بن الحكم بن أبي العاص، و بين عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب كلام فقال له يحيى: كيف تركت الخبيثة- يعنى المدينة؟!!؟- قال عبد اللّه: سماها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) طيبة و تسميها خبيثة؟!!! قد اختلفتما في الدنيا، و ستختلفان في الآخرة.

فقال: و اللّه لأن أموت و أدفن بالشام الأرض المقدسة، أحب إليّ من أن أدفن بها!!! فقال عبد اللّه: اخترت مجاورة اليهود، و النصارى على مجاورة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و المهاجرين و الانصار.

قال يحيى: ما تقول في عثمان و علي؟!! قال: أقول ما قال من هو

50

خير مني لمن هو شرّ منهما «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏» (118/ المائدة).

24- و حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي بمثله.

25- و حدثنا علي بن محمد المدائني، عن ابن جعدبة و غيره قالوا: كان عبد اللّه بن جعفر يعطي المال الجليل، و إذا اشترى شيئا ماكس فيه، فقيل له في ذلك، فقال. أما ما أعطيت فهو شي‏ء أجود به، و أما ابتياعى الشي‏ء بأكثر من ثمنه فهو عقلي أغبنه.

26- و قال أبو الحسن المدائني: كان عبد اللّه بن جعفر يقول: من أعظم الخرق الدالة على السلطان.

27- المدائني عن ابن جعدبة، قال: قال عبد اللّه ابن جعفر لأبنته:

يا بنية إياك و الغيرة فإنها مفتاح الطلاق، و إياك و كثرة المعاتبة فإنها تورث الضغينة، و عليك بالزينة و الطيب، و اعلمي أن أزين الزينة الكحل، و أطيب الطيب إسباغ الوضوء.

28- و حدثني العمري عن الهيثم بن عدي، عن ابن عباس (كذا)، قال: كان عبد اللّه بن جعفر يقول: ما صار إليّ مال فصدقت انه لي حتى أنفقته.

29- و قال لرجل من ذوى الحرمة به (كذا): إن لم تجد بدّا من صحبة الرجال فعليك بمن إذا صحبته زانك و إن حففت له صانك، و إن وعدك صدقك و إن غبت عنه لم يرفضك، و إن رأى بك خلة سدّ خلّتك يتعديك (ظ) إذا سكتّ، و يعطيك إذا سألت.

30- و حدثني محمد بن زياد الأعرابي الرواية (قال): رفع وكيل لعبد اللّه ابن جعفر حسابا إليه، حسابا ينقص خمسمائة درهم، فقال:

51

ما هذه؟ و في أي شي‏ء خرجت؟ فقال: في ثمن جمل اشتريته لعبد اللّه ابن جعفر. فضحك و قال: و يحك (أ) يشترى جمل بخمس مائة درهم،! فقال: إنه كان أبرق!! فقال: أما إذا كان أبرق فنعم [1].

32- و حدثت عن هشام بن الكلبي قال: تنازع قوم بالمدينة، فقال بعضهم: أسخى الناس عبد اللّه بن جعفر. و قال آخرون: عرابة الأوسي.

و قال آخر: قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري. و شيخ يسمع كلامهم فقال:

و اللّه ما منك إلا من يصف [2] رجلا شريفا سخيّا فليقم كل رجل منكم إلى من فضله، فليسأله لنعرف جماله (كذا) فقام صاحب عبد اللّه بن جعفر فأتاه و قد قربت له راحلة ليركب، و قد وضع رجله في غرزها فقال: يا بن عم رسول اللّه إني رجل حاج ايدع بي (كذا) و قد بقيت متحيرا [3] فأعنّي في زاد و راحلة. فقبض رجله ثم قال: دونك الراحلة فاقتعدها و انظر ما عليها من فضل أداة فبعه و اجعله في نفقتك. فوثب بعض غلمان عبد اللّه إلى سيف في مؤخر الرحل ليأخذه فقال عبد اللّه: مه ثم قال: يا هذا لا تخدعنّ عن هذا السيف فإنه يقوم عليّ بألف دينار. فأخذ الراحلة بما عليها و السيف، و أتى القوم فقالوا: لقد أحسن العطية.

ثم قام صاحب عرابة، فأتاه و قد خرج من داره يريد المسجد، و غلامان له أسودان يأخذان بيده و قد كف بصره فقال له: يا هذا إني رجل من الحاجّ منقطع بي فأعني في زاد و راحلة فقال: أوّه أوّه و اللّه لقد أتيت عرابة و ما يملك صفراء و لا بيضاء و ما يملك إلا هذه الأرض العريضة و عبديه‏

____________

[1] و بعده قد ضاعت صحيفة من مخطوطي.

[2] هذا هو الظاهر من السياق، و في الأصل: «من يضل رجلا»؟ و يحتمل أيضا بقرينة قوله فيما بعد: «فضله» ان الأصل كان: «من فضل رجلا ...» فصحف.

[3] هذا هو الظاهر من السياق، و في الأصل: «مستحير (ا)»؟

52

هذين [1] خذهما فبعهما و اجعل ثمنهما في زاد و راحلة!!! فقال الرجل: سبحان اللّه آخذ قائديك و سمعك و بصرك؟! فقال: هما حران إن لم تأخذهما؟؟ فأخذهما الرجل و جاء بهما إلى القوم فقالوا: جهد من مقل، و لقد أحسن و كرّم.

ثم مضى صاحب قيس بن سعد، و هو نائم فقالت جاريته من هذا؟

قال: رجل يطلب قيسا قالت: هو الان نائم أفلك حاجة؟ قال نعم أنا رجل من الحاج انقطع بي فجئته ليعينني في زاد و راحلة. فقالت له:

يا سبحان اللّه ألا تكلمت ابنة قيس في هذا القدر؟! يا غلام امض مع الرجل إلى دار النجائب، فليأخذ أي نجيب شاء، و امض معه إلى بيت الرجال فليأخذ أي رجل أحبّ و أت معه فلانا الصيرفي فليعطه ألف درهم.

فأعجبهم من قيس حكم جاريته في ماله (ظ) بغير علمه.

و قال صاحب عبد اللّه بن جعفر يمدحه:

حباني عبد اللّه نفسي فداؤه* * * بأعيس مياد سياط مشافره‏

و أبيض من صافي الحديد كأنه* * * شهاب بدا و الليل داج عساكره‏

فيا خير خلق اللّه عما و والدا* * * و أكرمهم للجار حين يجاور (ه)

سأثني بما أوليتني يا بن جعفر* * * و ما شاكر عرفا كمن هو كافر (ه)

33- و حدثني أبو مسعود الكوفي، عن الكلبي، قال: قالت بنو أميّة لمعاوية يا أمير المؤمنين اتعطي أحدنا مائة ألف درهم إذا أسنيت (ظ) له، و تعطي ابن جعفر ما تعطيه؟ فقال: لست أعطي ابن جعفر ما أعطيه له وحده و إنما أعطيه و أعطى الناس لأنه يقسم ما يصير إليه و يجود به،

____________

[1] كذا في الأصل، و لعل الصواب: «و ما يملك من هذه الأرض العريضة إلا عبدية هذين».

53

و أنتم تأخذون المال فتحبسونه و تدخرونه [1] و إنما نعطي كل امرئ على قدر مروءته و توسعه.

34- العمري، عن الهيثم (بن عدي) قال: كلم عبد اللّه بن جعفر علي بن أبي طالب في حاجة لبعض الدهاقين،، فقضاها فحمل (الدهقان) إليه أربعين ألف درهم ورقا، فردّها و قال: إنّا قوم لا نأخذ على معروف ثمنا.

35- المدائني، عن غير واحد قال: وفد عبد اللّه بن جعفر على معاوية فأعطاه صلته/ 299/ لوفادته خمسمائة ألف درهم، و قضى حوائجه.

ثم إن عبد اللّه وقف بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين اقض ديني. قال:

أو لم تقبض وفادتك و تقض حوائجك (ظ) الخاصّ و العام يا بن جعفر؟

قال: بلى. قال: فليس كل قريش أسعه بمثل ما أعطيك، و قد أجحفت النوائب ببيت المال؟! قال: إن العطية يا معاوية محبة و المنع بغضة و لأن تعطيني و أحبك أحبّ إليّ من أن تحرمني فأبغضك ثم قال:

عوّدت قومك عادة فاصبر لها* * * (و) اغفر لجاهلها و ردّ سجالها

فقال معاوية: اعلم يا بن جعفر أن ما من قريش أحد (أحبّ) أن يكون ولدته هند غيرك و لكني إذا ذكرت ما بينك و بين علي، و (ما) بين عليّ و بيني اشمأزّ قلبي!!! فكم دينك؟ قال: ثلاثون ألف دينار.

____________

[1] و إلى هذا أشار الإمام ريحانة رسول اللّه الحسين بن علي (عليهما السلام) في كتابه الى معاوية- على ما رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (178) من قصار النهج ج 18/ 409- قال:

أما بعد فإن عيرا موت بنا من اليمن تحمل مالا و حللا، و عنبرا و طيبا إليك لتودعها خزائن دمشق، و تعل بها بعد النهل بني أبيك و اني احتجت إليها فأخذتها.

54

فقال: كيف أبخل بما لا يغيب عن بيت مالي إلا أشهرا يسيرة حتى يعود إليه، اقضها يا سعد [1].

37- حدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن محمد بن يزيد الكناني قال: كان سائب مولى لبني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، و كان تاجرا موسرا يبيع الطعام، و كان يغني مرتجلا و يوقع على غنائه بقضيب، و كان انقطاعه إلى عبد اللّه بن جعفر، و كان عبد اللّه يحسن سائب هذا، قال عبد اللّه رجل من أهل المدينة من موالي بني ليث بن حذافة فأدخله إلى أمير المؤمنين؟ قال نعم فادخله إليه فلما قام [2].

فقال معاوية أشهد لقد حسّنه ثم وصله و قضى حاجته.

قال: و سمع معاوية صوته سائب خاثر من منزل يزيد ابنه.

فلما دخل عليه يزيد قال: مات جليسك [3] يا بنيّ البارحة؟

قال: سائب خاثر. قال: فاختر له فما رأيت بنشيده بأسا [4].

____________

[1] و بعده أيضا قد ضاعت صحيفة فيها حديث واحد.

[2] كذا كان في الأصل بياض سترا على معاوية!!!

[3] كذا هنا، و قال في ترجمة معاوية: ج 2/ الورق 52/ أ: المدائني قال: سمع معاوية غناء سائب خاثر عند يزيد بن معاوية، فلما أصبح قال: من كان جليسك في ليلتك يا بني؟ إلخ.

[4] و قال في ترجمة معاوية: ج 2/ الورق 53 ب: المدائني قال: قدم معاوية المدينة و عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب عليل، فركب اليه معاوية في الناس، فقال رجل من قريش لسائب خاثر: مطرفي لك ان غنيت و مشيت بين أيديهم- و قيل: ان ذلك كان في وليمة- فغنى: «لنا الجفنات» إلخ.