الأنوار الباهرة بفضائل أهل بيت النبوة و الذرية الطاهرة

- أبو الفتوح عبد الله التليدي المزيد...
224 /
3

المقدّمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

الأحزاب/ 33

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

إنّ كثيرا من الملامح التي اتّسم بها تاريخ العلاقة بين أهل البيت (عليهم السّلام) و الأمة الإسلامية، يمكن تفسيره بالموقع القريب الذي أحرزه أفراد هذا البيت من الجماهير المسلمة. و بالأخصّ الشارع العريض الذي يشكّل الفقراء و المحرومون الجزء الأعظم منه، و الذي عدّ القاعدة التي استندت عليه الدولة الإسلامية.

فمنذ رحيل الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله)، و من بعده الخلافة الراشدة، عانت الأمة المشاقّ المريرة، و المقترنة بالضيم و القهر، و ما جرى عليها من ويلات لحقتها جرّاء تهوّر بعض الأمراء، و تطرّف البعض الآخر، الذين تعاقبوا على سدّة الحكم.

و هكذا بدت صورة الأمة عند انفكاكها من جحيم الاستبداد الذي كان مستشريا، صورة مظلمة للغاية فيما يتعلّق بالبنى التحتية لقضايا التنمية و التعليم، و الخدمات الاجتماعية و الثقافية و الحضارية و ...

فكان لابدّ من أن تنحاز الأمة إلى من ينقذها و يصون كرامتها، و يعيدها إلى سابق عهدها. و لم تجد أهلا لهذا الأمر سوى العلماء و الفقهاء الورعين و صلحاء الأمة، و كان أهل البيت هم المقدّمين على هذا الصعيد.

فهم الذين جسّدوا الإسلام بكلّ تعاليمه الدقيقة، و طبّقوا كل مفاهيمه و قيمه، و لم‏

6

يدعوا ما يضرّ الدين و لا الدولة ممّا ابتدعها أعداؤهم، و اختلقتها جهات عديدة مغرضة، همّها زرع الفتنة، و تكريس التفرقة بين المسلمين.

إنّ الآثار المتعدّدة الجوانب التي أحدثها أهل بيت محمد (صلّى اللّه عليه و آله) في مجال العلم و المعرفة، و حماية مقدّسات الإسلام، و تعزيز وحدة المسلمين و تعاونهم، و مقاومة الهجمات الثقافية التي يشنّها المبطلون بين الفينة و الأخرى و ... يمكن مشاهدتها في مختلف المواقع، و تناقلتها الكتب و المصنّفات التي تعرّضت بدرجة و أخرى لسيرتهم، و سجّلت مواقفهم الشريفة.

إنّ درجة كلّ أثر من الآثار التي أحدثوها في جميع بقاع العالم الاسلامي، تختلف بالضرورة من مكان لآخر، بحسب طبيعة المكان و الظروف التي أحاطت به، و المناخ السياسي و الاجتماعي و الثقافي الذي لفّ بتلك البقعة، لكنّها تشترك جميعا في نقطتين مهمّتين:

الأولى: الإخلاص في جميع سلوكياتهم، و هو ما ينمّ عن أصالة مواقفهم، و النيّة التي كانوا عليها.

الثانية: النزعة التقريبية التي كانوا يتّسمون بها، حيث رفضوا كلّ حلول مغشوشة و مستوردة، يراد منها إشعال الفتن بين أبناء الأمة، فمالوا إلى صوب الحوار و التقارب، و تجنّبوا العصبية، و نبذوا التعاون على الإثم و العدوان.

إذن، فالقول بأنّ أهل بيت علي (عليه السّلام) قد تركوا بصماتهم واضحة على حياة و سيرة المسلمين، و أثّروا فيهم أعمق التأثير، قول لا يحتاج إلى مزيد من البيان و المناقشة، لأنّ التاريخ يثبتها بشهادات مؤكّدة يرويها أصحاب هذه الصناعة و المتضلّعون فيها.

أليس التحوّل العميق الذي أصاب مسيرة الأمة، و جوانب التقدّم الذي أحرزته على كافّة الأصعدة، يعدّ مظهرا من مظاهر التأثّر بالموروثات الأصيلة عن النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته الطاهرين (عليهم السّلام)؟

7

ألم يجسّدوا في سلوكياتهم ثقافة التقريب، و يتجنّبوا المواقف الحادّة و المتشنّجة بالمداراة تارة و الموضوعية أخرى، و لم يقوموا بمبادرات لا تثمر إلّا التمزيق و إضعاف شوكة المسلمين؟

لقد قام أهل هذا البيت الشريف بتثبيت الخطوة الأولى بالاتّجاه الصحيح، بعد أن أوشك- أوكادت- الأمة أن تضلّ و تميل.

فليس غريبا أن يؤكّد الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) على ضرورة مودّة أهل بيته، و يشدّد على حبّ علي (عليه السّلام) و أبنائه، و يختصّهم بمناقب و فضائل عظيمة لم يشاركهم فيها أحد.

و هذا الكتاب الذي بين يديك عزيزنا القارئ، شاهد آخر على ما نقول، فهو يعدّ من تلك المصنّفات التي ظهرت لتروي جانبا من جوانب فضائل أهل هذا البيت الشريف، و تدلّل على مكانتهم و مقامهم المحمود، و تصبّ جام غضبها على من عاداهم و أبغضهم.

لكنّه في الوقت نفسه يثير فينا الإحساس بالتقريب و الشعور بدفئه، من جهة أنّ صاحبه يعدّ من أعلام المالكية في المغرب الإسلامي (1345 ه)، و من جهة أخرى أنّ الكتاب ضمّ بعض الأمور التي رآها المحقّق أنّها قد اشتبهت على المؤلّف، و لم يقف على حقيقتها.

لكن رغم ذلك يجد مركزنا العلمي التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ذلك حافزا على تجسيد الوعي التقريبي و نشره كثقافة في الأوساط الإسلامية.

لقد سعى المحقّق الفاضل السيد محمد كاظم الموسوي إلى تقديم الأفضل ممّا لديه في مجال التوثيق و التعليق، فلم يمل إلى جهة، و لم ينحاز إلى جانب معيّن، بل رجّح الموضوعية و تمسّك بالأمانة العلمية، و بالتعاون و التنسيق مع قسم التاريخ و الرجال التابع للمركز، تمّ متابعته و إخراجه بالصورة التي تتناسب و ذوق المسلم المعاصر.

8

و في الوقت الذي نثمّن جهود المحقّق الفاضل على هذا الصعيد، و إنجازه الذي أتى ما بوسعه من طاقة، و بصورة تليق و محتوى الكتاب النفيس، و جهود قسم التاريخ و الرجال الذي لم يبخل بما لديه من كادر و إمكانيات سخّرها من أجل طبع و نشر هذا السفر الجليل، نجدّد دعوتنا إلى كلّ أصحاب القلم و البحث و التحقيق، ليتحفونا بما لديهم من مشاريع تصبّ في أهداف التقريب، و أعمال علمية و ثقافية تساهم في تعزيز الوحدة و التماسك بين فرقاء المسلمين.

و الحمد للّه أولا و أخيرا.

مركز التحقيقات و الدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

9

كلمة المحقّق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

و الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و صحبه المنتجبين، و بعد:

أهل البيت هم شجرة النبوّة (1) التي اصطفاها عزّ و جلّ من بين خلقه، و اصطنعها على عينه، و طهّرها و غذّاها حتّى بلغت من مراقي الكمال أعلاها، و من المناقب أفضلها و أغلاها، حتّى صاروا منبع الفضائل و الكمالات، و معدن العلم و مختلف الملائكة، يرشح على العباد ما يطفح من علومهم، فصاروا أعلام الهداية و منار السبل و سفن النجاة، هم: علي و فاطمة و الحسن و الحسين و ذرّيتهم المعصومون المطهّرون الذين طهّرهم اللّه من كلّ رجس، قال تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2).

قال ابن حجر الهيتمي في الصواعق: قال أكثر المفسّرين على أنّها نزلت في علي و فاطمة و الحسن و الحسين‏ (3).

____________

(1). شرح النهج 7: 281.

(2). الأحزاب: 33.

(3). الصواعق المحرقة 2: 321.

10

و قال أيضا: و صحّ أنّه جعل على هؤلاء كساء و قال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي و حامّتي- أي خاصّتي- أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا» فقالت أمّ سلمة:

و أنا معهم؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّك على خير» (1).

و قد جعل اللّه سبحانه مودّتهم و محبّتهم و ولاءهم أجر الرسالة، قال ابن عباس:

لمّا نزلت‏ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (2) قالوا: يا رسول اللّه، من قرابتك الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «علي و فاطمة و ابناهما» (3).

و هم حبل اللّه الذي أمر العباد أن يتمسّكوا به كي لا تفرّقهم السبل، قال ابن حجر الهيتمي: أخرج الثعلبي في تفسيره عن جعفر الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: «نحن حبل اللّه الذي قال اللّه فيه: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا (4).

و هم العترة الذين جعلهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عدل الكتاب و أحد الثقلين، فقال (صلّى اللّه عليه و آله):

«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه حبل ممدود بين السماء و الأرض و عترتي أهل بيتي، و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» (5).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدا: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» (6).

____________

(1). المصدر السابق: 422. و سيأتي مزيد كلام عن الآية و تفسيرها و اختصاصها بأهل البيت (عليهم السّلام) عند تعرّض المصنّف لذلك.

(2). الشورى: 23.

(3). الصواعق المحرقة 2: 487.

(4). المصدر السابق: 444، و الآية: 103 من آل عمران.

(5). المعجم الكبير 3: 66 و 5: 154، كنز العمال 1: 186، مسند أحمد 3: 17.

و الحديث مرويّ بطرق كثيرة جدا في بعضها: «إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا بعدي» مسند أحمد 3: 59 و مسند أبي يعلى 2: 376، و في بعضها: «أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه و عترتي» مسند أبي يعلى 2: 303، و سيأتي مزيد كلام عن الحديث.

(6). كنز العمال 1: 176 رقم 873 و 1: 186 رقم 946.

11

فأمر (صلّى اللّه عليه و آله) بالتمسّك بهم و الأخذ منهم و الرجوع إليهم، و حصر (صلّى اللّه عليه و آله) طريق الهداية و النجاة بالثقلين: الكتاب و العترة، ثم وصفهم بأنّهم سفن النجاة، و من تخلّف عنهم هلك، قال (صلّى اللّه عليه و آله): «مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، و من تخلّف عنها هلك» (1).

فكلّ ذلك يدلّ على أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) أوجب الاقتداء و التمسّك بهم و الاهتداء بهديهم.

و مثله قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «من أحبّ أن يحيا حياتي و يموت مماتي، و يسكن جنّة الخلد التي و عدني ربّي، فإنّ ربّي عزّ و جلّ غرس قضبانها بيده، فليتولّ عليّ بن أبي طالب و ذرّيته من بعده، فإنّهم لن يخرجوكم من باب هدى، و لن يدخلوكم في باب ضلالة» (2).

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) لعمّار: «يا عمّار! إذا رأيت عليا سلك واديا، و سلك الناس واديا غيره، فاسلك مع علي ودع الناس، إنّه لن يدلّك على ردى، و لن يخرجك من الهدى» (3).

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «من آمن بي فليتولّ علي بن أبي طالب، فإنّ ولايته ولايتي، و ولايتي ولاية اللّه» (4).

ثم قرنهم (صلّى اللّه عليه و آله) به في الصلاة عليه، قال ابن حجر: صحّ عن كعب بن عجرة قال: لمّا نزلت هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (5) قلنا: يا رسول اللّه، قد علمنا كيف نسلّم عليك، فكيف‏

____________

(1). المعجم الأوسط 4: 284، كنز العمال 12: 94، سبل الهدى 11: 11 و قال: رواه البزّار و الطبراني و أبو نعيم عن ابن عباس، و البزّار عن عبد اللّه بن الزبير، و ابن جرير و الحاكم و الخطيب في المتّفق و المفترق عن أبي ذرّ، و الطبراني في الصغير و الأوسط عن أبي سعيد الخدري.

(2). كنز العمال 11: 611.

(3). المصدر السابق: 613 و قال: أخرجه الديلمي عن أيوب و عمار.

(4). المصدر نفسه: 611.

(5). الأحزاب: 56.

12

نصلّي عليك؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): «قولوا: اللّهم صلّ على محمد و على آل محمد» (1).

و نهى عن ذكره في الصلاة دونهم، و سمّاها الصلاة البتراء، قال ابن حجر: قال (صلّى اللّه عليه و آله):

«لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء»، فقالوا: و ما الصلاة البتراء؟ قال: «تقولون: اللّهم صلّ على محمد و تمسكون، بل قولوا: اللّهم صلّ على محمد و على آل محمد» (2).

و لأجل ذلك كلّه حذّر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من مفارقتهم و معاداتهم و إيذائهم، قال (صلّى اللّه عليه و آله):

«اشتدّ غضب اللّه على من آذاني في عترتي» (3).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله) «لا يبغضنا أهل البيت أحد إلّا أدخله اللّه النار» (4).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «من آذاني في عترتي فعليه لعنة اللّه» (5).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «حرّمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي، أو قاتلهم، أو أعان عليهم، أو سبّهم» (6).

و لم يكتف (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى جعل معاداة أهل البيت (عليهم السّلام) معاداة له، و المسالمة لهم مسالمة له، فقال (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي و فاطمة و الحسن و الحسين: «أنا حرب لمن حاربكم، و سلم لمن سالمكم، و عدوّ لمن عاداكم» (7).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «يا علي، حربك حربي و سلمك سلمي» (8) و مثلها أحاديث كثيرة واردة في التحذير من مفارقتهم و معاداتهم.

____________

(1). الصواعق المحرقة 2: 429.

(2). المصدر السابق: 430.

(3). كنز العمال 12: 93، الجامع الصغير 1: 128، فيض القدير 1: 515.

(4). كنز العمال 12: 104، سير أعلام النبلاء 2: 123.

(5). سبل الهدى 11: 9.

(6). المصدر السابق.

(7). كنز العمال 12: 97، مصنّف أبي شيبة 7: 521، صحيح ابن حبّان 15: 434، أسد الغابة 3: 7، المعجم الأوسط 6: 9 و 8: 128، المعجم الكبير 3: 179، سير أعلام النبلاء 2: 122 و 3: 258.

(8). ينابيع المودّة 1: 172 و قال: قال زيد بن أرقم: أشهد لقد حدّثنا به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

13

هؤلاء هم أهل البيت، و هذه مناقبهم و خصائصهم، و هذه حقوقهم على الأمّة، و يجمع ذلك كلّه ما ورد في تفسير قوله: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ‏ (1) قال ابن حجر:

قال الواحدي: أي: عن ولاية علي و أهل البيت. و قال أيضا: أخرج الديلمي عن أبي سعيد: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «وقفوهم إنّهم مسؤولون عن ولاية علي» (2).

و من ثمّ اهتمّ العلماء بنقل و رواية مناقب و فضائل أهل البيت (عليهم السّلام)، و بيان حقوقهم، و وجوب اتّباعهم، فصنّفوا أبوابا في الموسوعات الحديثية، و كتبوا في ذلك كتبا مفردة.

و لم يكن ذلك أمرا هيّنا و لا سهلا، فلقد لاقى الرواة و المحدّثون الأذى و التعذيب، و التقتيل و التكذيب جرّاء ذلك، و لم يكن لهم ذنب سوى أنّهم حدّثوا بالروايات الصحيحة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في فضل العترة الطاهرة.

و لم يسلم من ذلك الأذى حتّى أئمة الحديث من أهل السنّة؛ مثل الإمام أحمد بن شعيب النسائي صاحب السنن، فقد خرج من مصر و قصد دمشق و نزل بها، فوجد أكثر أهلها منحرفين عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، فأخذ على نفسه وضع كتاب يضمّ مناقبه، فكتب «خصائص أمير المؤمنين» و حدّث به، فسئل عن معاوية، فقال:

أما يرضى معاوية رأسا برأس حتّى يفضّل؟! و في رواية قال: لا أعرف له فضيلة، إلّا «لا أشبع اللّه له بطنا» فهجموا عليه، و ما زالوا يدفعون في خصييه و داسوه حتّى أخرجوه من المسجد، فحمل إلى الرملة و مات بها. و قال في تهذيب الكمال: فضربوه في الجامع، و أخرجوه و هو عليل، و توفّي مقتولا شهيدا (3).

____________

(1). الصافات: 24.

(2). الصواعق المحرقة 2: 437.

(3). تهذيب الكمال 1: 339، و القصّة مذكورة في تذكرة الحفّاظ للذهبي 2: 700، و طبقات الشافعية-

14

و هكذا صنع بالحافظ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي المقتول بجامع دمشق سنة 658 للهجرة، بسبب تحديثه بروايات مناقب الإمام علي و أهل البيت (عليهم السّلام).

و من العجيب قول الذهبي عنه، قال: «و المحدّث فخر الدين بن محمد بن يوسف الكنجي، قتل بجامع دمشق لدبره و فضوله» (1)!! فالذهبي يعدّ الحديث في مناقب أهل البيت (عليهم السّلام) فضولا من الكلام، و تراجعا عمّا سنّه أهل الضلال من بني أميّة، و ما اقتضته السياسة في ذلك الزمان، من معاداة أهل البيت، و إماتة ذكرهم، و إخفاء فضلهم و مناقبهم.

بل عمدوا لترك الكثير من سنّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بغضا منهم لعلي (عليه السّلام)، لأنّ عليا كان يتقيّد بها، و هذا من أخطر ما تعرّضت له السنّة النبوية الشريفة.

و يدلّ على ذلك ما روي عن سعيد بن جبير، قال: كنت مع ابن عباس بعرفات، فقال: ما لي لا أسمع الناس يلبّون؟ قلت: يخافون معاوية، فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبّيك اللّهم لبيك و إن رغم أنف معاوية، اللّهم العنهم، فإنّهم قد تركوا السنّة من بغض علي‏ (2).

و يعلّق الإمام السندي على الحديث في حاشية سنن النسائي فيقول: «و هو- أي علي- كان يتقيّد بالسنّة، فهؤلاء تركوها بغضا له».

و هذا من النصوص و الشواهد الصريحة على إخفاء و ترك السنّة و تبديلها، لأنّهم جعلوا عدم التلبية هي السنّة، و هذه هي البدعة بعينها. و من المؤكّد أنّ هناك رواة و حفّاظا يتولّون هذا الأمر.

____________

- للسبكي 3: 16، و قال: الصحيح أنّه أخرج من دمشق لمّا ذكر فضائل علي ... إلى آخر كلامه. و قال الحاكم في معرفة علوم الحديث: 83: رزق الشهادة آخر عمره، و ساق الكلام إلى آخره.

(1). تذكرة الحفّاظ 4: 1441.

(2). السنن الكبرى للبيهقي 5: 113، مستدرك الحاكم 1: 636، سنن النسائي 5: 253. و رواه في كنز العمّال عن ابن جرير 5: 152.

15

ثم وصل الحال إلى التعاهد في إخفاء روايات مناقب أهل البيت (عليهم السّلام)، فقد روى ابن شهاب الزهري: أنّ عبد الملك بن مروان سأله: ما كان في بيت المقدس صباح قتل علي بن أبي طالب؟ قلت: لم يرفع حجر من بيت المقدس إلّا وجد تحته دم، فقال: لم يبق أحد يعلم بهذا غيري و غيرك، فلا يسمعنّ بهذا منك أحد، قال: فما حدّثت به حتّى توفّي‏ (1).

و لم يكتفوا بذلك في حربهم المعلنة على السنّة من القتل و التنكيل، و إماتة السنّة و إخفائها و تبديلها، فوضعوا شروطا ليتوصّلوا بها إلى إبطال و منع أخبار فضائل علي و أهل البيت (عليهم السّلام)، فجعلوا آية تشيّع الراوي و علامة بدعته هي روايته في فضائل و مناقب أهل البيت (عليهم السّلام)، ثم قالوا: نردّ رواية الشيعي إذا كانت تؤيّد مذهبه، و معنى ذلك عدم قبول روايات المناقب و إن كان الراوي ثقة.

يقول علّامة المغرب أحمد الغماري المالكي: «و قد راجت هذه المكيدة على الكثير من النقّاد، فجعلوا يثبتون التشيّع برواية الفضائل، و يجرحون راويها بذلك! و هي مكيدة شيطانية كاد أن ينسدّ بها باب الصحيح في فضائل العترة الطاهرة لولا حكم اللّه» (2).

و قال العلوي في دفع الارتياب: «و أصل ذلك من النواصب الذين اندسّوا بين المحدّثين، فانخدع بأقوالهم من ليس منهم من أهل السنّة البريئين من النصب، فنفّروهم من رواية هذه المناقب، مع أنّ السنّي أصلا يوالي عليا» (3).

ثم يأتي العلوي بشاهد على ذلك، فيقول: «و كان الحافظ إبراهيم الجوزجاني‏

____________

(1). نظم درر السمطين: 148، ينابيع المودّة 3: 22 و قال: قال البيهقي: الذي صحّ عنه أنّ ذلك حين قتل الحسين، و لعلّه وجد عند قتلهما جميعا.

(2). فتح الملك العلي: 110.

(3). دفع الارتياب عن حديث الباب: 30.

16

شيخ أبي داود و النسائي، حامل راية النصب و البغض لعلي، و سترى كلامه في المسلك المبسوط في معاداة عليّ، و إعلانه الحرب على مناقبه و فضائله» (1).

و لم يقف الأمر عند الجوزجاني فحسب، يقول الغماري المالكي: «قد انطوت بواطن كثير من الحفّاظ خصوصا البصريّين و الشاميّين على البغض لعلي و ذويه» (2).

و معنى ذلك: أنّ بعض المحدّثين و الحفّاظ كانوا من النواصب المعادين لعلي و أهل البيت، و كانوا الأداة الطيّعة للحكّام لتنفيذ المؤامرات على السنّة النبوية في ما يخصّ أهل البيت (عليهم السّلام).

يقول السقّاف في إرغام المبتدع: «فردّ حديث الثقة الشيعي إذا كان يؤيّد مذهبه لم يصدر إلّا من النواصب و من لفّ حولهم، و اختار قولهم و دار في فلكهم، و أمّا أهل الإنصاف من أئمة الحديث سلفا و خلفا فلا يقولون بهذا الهراء الذي لا طائل تحته، و الذي يدلّ على التخريف و التحريف ... إلى أن يقول: و هذا باطل لا يشهد له عقل و لا يؤيّده نظر، و لولا ضيق الوقت لذكرنا العدد الكبير من الأحاديث التي رواها الثقة الشيعي فيما تؤيّد مذهبه، و صحّحها الأئمة و أخرجوها في كتبهم» (3).

و للغماري المالكي كلام دقيق يكشف عن خبايا الأمور، و يضع الأمور على نصابها، قال: «و أمّا الذهبي فلا ينبغي أن يقبل قوله في الأحاديث الواردة بفضل علي (عليهم السّلام) فإنّه- سامحه اللّه- كان إذا وقع نظره عليها اعترته حدّة أتلفت شعوره، و غضب أذهب وجدانه حتّى لا يدري ما يقول، و ربّما سبّ و لعن من روى فضائل علي (عليه السّلام)، كما وقع منه في غير موضع من الميزان و طبقات الحفّاظ تحت ستار: أنّ الحديث موضوع، و لكنّه لا يفعل ذلك في من يروي الأحاديث الموضوعة في‏

____________

(1). المصدر السابق: 40.

(2). فتح الملك العليّ: 155.

(3). إرغام المبتدع: 59.

17

مناقب أعدائه، و لو بسطت المقام في هذا لذكرت لك ما تقضي منه بالعجب العجاب من الذهبي» (1).

و هذا يكشف عن أنّ القدح بالرواة عند الذهبي و غيره من أئمة الجرح و التعديل ميزانه الأول حبّ علي و أهل البيت، و رواية مناقبهم و فضائلهم، و لم يقف الأمر عند رواة الشيعة، بل تعدّوه إلى رواة السنّة، و وصل الأمر إلى أنّهم قدحوا بالحاكم النيسابوري و الإمام الطحاوي لأنّهما صحّحا حديث ردّ الشمس! و قدحوا أيضا بمحمد بن جرير الطبري لتصحيحه حديث الموالاة! و تكلّموا في الإمام الشافعي و ذلك لموافقته الشيعة في مسائل فرعية؛ كالتختّم باليمين، و الجهر بالبسملة، و القنوت في صلاة الصبح!

إلّا أنّه على الرغم من كلّ تلك العوائق و التنكيل بالرواة، و محاولات الإخفاء و التبديل التي تعرّضت لها الروايات النبوية بحقّ أهل البيت، لم ينقطع التصنيف في المناقب و الفضائل، فظهرت أحاديث النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و ظهرت المصنّفات في أهل البيت، و ذكر خصائصهم و فضائلهم و ما حباهم اللّه و رسوله من الشرف و الفضيلة.

و من هذه المصنّفات: هذا الكتاب الذي نقدّمه للقرّاء بعد تحقيقه و التعليق على أكثر مقاطعه و فقراته، و هو كتاب «الأنوار الباهرة بفضائل أهل البيت النبوي و الذرّية الطاهرة» للعلّامة عبد اللّه التليدي.

نبذة من حياة المصنّف‏

هو العلّامة المحدّث عبد اللّه بن عبد القادر التليدي الحسني المغربي المولود عام 1345 للهجرة في مدينة طنجة بشمال المغرب العربي، من أبرز شيوخه و أساتذته أحمد بن الصدّيق الغماري‏ (2) و أخوه عبد اللّه الغماري‏ (3) و محمد باقر الكتاني.

____________

(1). فتح الملك العليّ: 160.

(2). أحمد بن الصدّيق الإدريسي الحسني الغماري المالكي من علماء المغرب، درس عند والده، و هاجر الى مصر و درس عند أكثر علمائها كالسقّاء الشافعي و الصعيدي و خضر المالكي شيخ الأزهر، ألّف أكثر من مائة و خمسين مصنّفا منها: فتح الملك العلي بصحّة حديث باب مدينة العلم علي، و إبراز الوهم المكنون في كلام ابن خلدون، ردّ فيه على طعن ابن خلدون في أحاديث المهدي، و إحياء المقبور بأدلّة بناء المساجد و القباب على القبور. كان الغماري متحرّرا فكريا ذامّا للتقليد و المقلّدة، أظهر أخطاء أئمة الجرح و بيّن تناقضاتهم في أكثر كتبه، و أكثر من الطعون على بني أميّة و أعداء أهل البيت، فكان يجاهر بلعن معاوية و ابن العاص و يزيد بن معاوية، توفّي بمصر في القاهرة بمرض قلب في سنة 1380 للهجرة.

(3). عبد اللّه بن الصدّيق الغماري، محدّث الديار المغربية، ولد في طنجة سنة 1328 هجري، أخذ العلم عن والده و أخيه أحمد، ثم رحل إلى الأزهر و درس عند الكثير من علماء الديار المصرية كالسقّاء الشافعي و الطهطاوي و أبي الوفاء الحنفي و الكوثري و النبهاني، ألّف أكثر من خمسين مصنّفا منها: إتحاف الأذكياء بجواز التوسل بسيد الأنبياء، القول المقنع في الردّ على الألباني المبتدع، المهدي، حسن البيان في ليلة النصف من شعبان. توفّي سنة 1413 للهجرة و دفن بطنجة بالقرب من قبر والده.

18

له عدّة من المصنّفات، منها: تهذيب الترمذي، الجواهر المصنوعة في تفسير القرآن، فضائل الصحابة، كتاب المبشّرات، كتاب الأنوار الباهرة، و هو هذا الكتاب.

الدافع لتأليف الكتاب‏

يقول التليدي في مقدّمة كتابه: إنّ الدافع له إلى تأليف هذا الكتاب أمور:

الأول: الدفاع عن أهل البيت (عليهم السّلام) أمام النواصب الذين يضمرون الأحقاد و البغضاء لأهل البيت، يقول: لا شكّ في انحراف هؤلاء و ضلالهم، و سلفهم في ذلك الخوارج و بني أمية.

الثاني: ما يحمله هو من تقدير و محبّة لأهل البيت (عليهم السّلام).

الثالث: ردّ مزاعم الغلاة الذين يرمون أهل السنّة بالنصب، و يتّهمونهم بعداوة أهل البيت (عليهم السّلام) و الانحراف عنهم.

19

و الملاحظ على التليدي في كتابه هذا أمور: و هي:

أوّلا: أنّه يأخذ أقوال الشيعة الإمامية من كتب و أفواه مخالفيهم و أعدائهم- كنقله رأي الشيعة في آية التطهير و حديث الكساء و المهديّ المنتظر- و لم يكلّف نفسه البحث و المراجعة لكتب الشيعة كما هو مقتضى الإنصاف و البحث العلمي الموضوعي، و هذا هو المطلوب منه و من غيره من العلماء و الباحثين، وليته فعل كما يفعل علماء الإمامية في كتبهم و بحوثهم من أخذ آراء القوم من مصادرهم الأصليّة، و إن نقلوا شيئا بالمعنى نبّهوا عليه، و هذا هو مقتضى الأمانة العلمية.

ثانيا: نقل بعض الافتراءات و الأكاذيب من الحاقدين الذين يريدون الكيد للإسلام و تفريق كلمة المسلمين، و من الذين إلى الآن يخلطون بين الشيعة الإمامية و بين بعض الفرق البائدة التي حسبت على التشيّع في زمن ما ظلما و تزويرا في التاريخ، و تشويها للحقائق. و كان الأولى به أن يصون نفسه و كتابه و ينزّههما من هذه الأكاذيب و الافتراءات، و لو تأمّل العلّامة فيها و راجع لعلم أنّ الشيعة منها براء، و هم أولى بها، و سوف نبيّن كلّ ذلك في التعليقات.

ثالثا: مناقضاته لنفسه في عدّة موارد من الكتاب و سوف نبيّنها في تعليقاتنا على الكتاب.

و للإنصاف العلمي ينبغي أن نسجّل للعلّامة التليدي الشجاعة و الصراحة في إبداء رأيه و إقراره بعدّة أمور، بعد أن تبيّن له ذلك بالدليل، فلم يلتمس الأعذار و المخارج و التأويلات، بل جاهر بالحقيقة و صدع بها و هي:

أوّلا: تصريحه بأنّ معاوية و أهل الشام و بعض الصحابة بغاة، لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

«تقتل عمّارا الفئة الباغية».

ثانيا: تصريحه بأنّ عليا (عليه السّلام) مصيب في جميع حروبه، و أنّ مقاتليه بغاة، سواء في الجمل أو صفّين أو النهروان.

20

ثالثا: تصريحه بأنّ معاوية و بني أمية كانوا يسبّون عليا على المنابر في خطب الجمعة و العيدين، و أنّهم كانوا يأمرون الناس بلعنه و شتمه، و أنّ هذا أمر ثابت و مستفيض، و أنّ بني أمية سفكوا دم أهل البيت، و استباحوا سبّهم و لعنهم، و خالفوا المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) في وصيّته ...

رابعا: نقضه على بعض علماء السنّة في نفيهم «كون خطباء بني أمية اتّفقوا على سبّ و لعن الإمام علي» و نقض عليهم بإجماع المؤرّخين، و صحّة هذا النقل في دواوين السنّة.

خامسا: مقته و لعنه ليزيد بن معاوية و كلّ من اشترك بقتل الحسين (عليه السّلام).

سادسا: تصريحه بأنّ عليا (عليه السّلام) أعلم الصحابة، و أنّه باب مدينة العلم، و تصحيحه لحديث: «أنا مدينة العلم و علي بابها».

سابعا: تصريحه بصحّة جملة من الأحاديث التي تأتي الإشارة اليها.

ثامنا: أنّ أهل البيت (عليهم السّلام) هم «علي و فاطمة و ابناهما» و لا يدخل فيه الأزواج و لا غيره، و قال: على هذا الإطلاق أكثر الأحاديث، و هو المتعارف بين الناس حتّى أصبح علما عليهم.

تاسعا: إشكاله على من برّر صنع الذين حاربوا عليا (عليه السّلام) و هو أمير المؤمنين، بأنّه اجتهاد منهم.

و أخيرا و بعد كلّ ما تقدّم نقول: إنّنا نأمل من القرّاء و المتابعين، حسن الفهم و المتابعة، و تحرّي الحقائق بموضوعية، بعيدا عن الأهواء و غلبة الظنون و التعصّبات، و تجنّب الأحكام المسبقة، و نبذ التقليد الأعمى، كي لا نكون ضحيّة الأباطيل و التلبيسات التي نسجها أهل الضلال و من يريد بالإسلام المكيدة، و بالمسلمين الفرقة و القطيعة.

21

و نأمل من العلماء و الباحثين اتّباع الطرق الصحيحة في البحث العلمي، و الموضوعية و نبذ الظنون، و الالتفات إلى التمييز بين التراث الإسلامي الصحيح و بين التراث الذي خلّفه بنو أميّة و أعداء أهل البيت كالخوارج و الغلاة و غيرهم، و هذه مهمّة الواعين من العلماء و الباحثين النابهين.

فنحن بحاجة إلى عالم من صفاته أنّه ذو أهداف سامية، و باحث يحسن البحث، و منصف يميل مع الحقيقة أينما تميل، و غيور على الإسلام، و تقيّ يخاف اللّه و اليوم الآخر، كلّ ذلك لأجل هدف أعلى و أسمى، و هو الحقيقة، و ليعلم أنّ لهذا الدين ربّا يحميه.

عملنا في هذا الكتاب‏

أوّلا: تخريج الآيات و الروايات و الأقوال من مصادرها، و تأييدها بذكر مصادر أخرى.

ثانيا: التعليق على الموارد المهمّة التي تعرّض لها المصنّف، إذا ما وجدنا الضرورة تقتضي ذلك، و هدفنا هو التصحيح و بيان الحقّ في المسألة.

و أخيرا لا يفوتني تقديم الشكر الجزيل لكلّ من أعانني على إنجاز عملي هذا، و يسّر لي ما عسر عليّ، و أرشدني إلى ما فيه الصواب، و لا أخفي تقديري و احترامي لمركز التحقيقات و الدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، على حسن اهتمامه بكتابي، و رعايته بصورة كاملة من طبعه و نشره و إخراجه بالشكل الجميل، و تشجيع مسؤوله حجة الاسلام و المسلمين الشيخ أحمد المبلّغي على المضيّ في هكذا مشاريع تخدم الوحدة و التقارب، و تصبّ في أهداف المجمع الأغرّ، فجزاه اللّه و العاملين معه جزاء المحسنين.

و الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمد و آله الطاهرين.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

مقدّمة المصنّف‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم و صلّى اللّه و سلّم و بارك على سيدنا محمد و آله و ذرّيته و أزواجه و صحبه. الحمد للّه على ما ألهم و علّم، و صلّى اللّه على سيّدنا محمد و على آله و صحبه و سلّم.

أمّا بعد، فإنّ المكتبة الإسلامية زاخرة و غنيّة بما كتب أئمتنا و علماؤنا (رحمهم اللّه تعالى) من دواوين و تآليف علمية في شتّى الموضوعات، و بالأخصّ ما لها مسيس و علاقة بالإسلام.

و من الموضوعات الهامّة التي طرقوها و أعاروها عنايتهم و اهتمّوا بها، الفضائل و المناقب، و ممّا هو في طليعتها مناقب أهل البيت النبوي الأطهار التي يوجد منها في عالم المطبوعات اليوم بين أيدي أهل العلم الكثير الطيّب، و قد كنت ساهمت في هذا الموضوع محبة منّي في نشر مناقب أهل البيت الطاهرين الطيّبين، و ذكر مزاياهم و ما خصّهم اللّه به من المكارم و المناقب، حتّى يعرف الناس مقامهم السامي فيحترموهم و يجلّوهم و يعطوهم ما يجب لهم من الحقوق التي خوّلهم اللّه إياها، فوضعت رسالة لطيفة منذ إحدى و ثلاثين سنة، أي في عام 1385، و بقيت بين الدفاتر في زوايا الإهمال منذ ذلك الحين حتّى أمد قريب، فأخرجتها و ألقيت عليها

24

نظرة ثانية، و أضفت إليها زيادات هامّة مفيدة فكانت كما يراها القارئ.

غير أنّني انفردت في هذه الرسالة بمنهج خاص لم أسبق إليه و الحمد للّه، و هو أنّني لا أورد فيها إلّا ما صحّ أو حسن من الأحاديث أو كان ضعيفا منجبرا، و ما عدا ذلك ممّا ذكره غيري من الواهيات و المنكرات بل و الموضوعات فلا أعرج عليه أصلا، فإنّ لنا في الصحيح غنية عمّا سواه، كما أنّني أتحاشى عن التحيّز و الغلوّ، أو الترجيح بالهوى، أو ردّ النصوص الثابتة دفعا بالصدر.

و كان الدافع و الحامل لي على الكتابة في هذا الجانب الطاهر أمورا، و هي كالآتي:

أوّلا: ما نشاهده من بعض الفرق الذين يكرهون سماع اسم الشريف و السيد فضلا عن رؤيته! فأحرى بمحبّته و إكرامه و تعظيمه، و هؤلاء هم المعروفون بالنواصب‏ (1) الذين يعادون أهل البيت الأطهار، و يضمرون لهم الأحقاد و الأضغان‏

____________

(1). من النصب و هو المعاداة، يقال: نصبت لفلان إذا عاديته، و منه الناصب: و هو الذي يتظاهر بعداوة أهل البيت، و في القاموس: النواصب و الناصبة و أهل النصب هم المتديّنون ببغض علي (عليه السّلام) (مجمع البحرين 4: 316)، و قد صرّح العلّامة التليدي بأنّ أظهر مصاديق النواصب هم الخوارج و بني أمية. و قد اتّفقت كلمة الإمامية على كفر من أظهر النصب و العداء لأهل البيت (عليهم السّلام) لما دلّ من روايات صحيحة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) تدلّ على كفر من عادى عليا و أهل البيت (عليهم السّلام) كقوله (صلّى اللّه عليه و آله):

«اشتد غضب اللّه على من آذاني في عترتي» (كنز العمال 12: 93 و الجامع الصغير 1: 128)، «و أنا حرب لمن حاربكم، و سلم لمن سالمكم، و عدوّ لمن عاداكم» قاله لعلي و فاطمة و الحسن و الحسين (تقدّمت مصادره في المقدمة) و غيرها من العشرات بهذا المعنى من طرق الفريقين.

و به قال أبرز و أكثر علماء السنّة، و خصوصا علماء الجرح و التعديل، ففي ترجمة حريز بن عثمان، قال ابن حبّان في المجروحين 1: 331: «إنّه كان يلعن عليا بالغداة سبعين مرة، و بالعشيّ سبعين مرة، و كان داعية الى مذهبه، و كان يشتم علي بن أبي طالب». و في تاريخ بغداد 8: 266:

«ينتقص عليا و ينال منه، و كان يشتم عليا على المنابر! قال: لا أحبّه، قتل آبائي». و ذكره العقيلي-

25

و البغضاء، و لا شكّ في ضلال هؤلاء و انحرافهم ... و سلفهم في ذلك الخوارج و سفهاء بني أمية و جهلتهم ... و أذنابهم.

ثانيا: إعرابي عمّا يكنّه صدري لهم من إجلال و تقدير و محبّة و حنان و تعظيم و احترام، علما بأنّ هذا شي‏ء لست مختصّا به، فإنّ كلّ مؤمن له نصيب من ذلك حسب إيمانه من قوّة و ضعف، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه عزّ و جلّ.

ثالثا- و هي من المهمّات-: ردّ مزاعم الغلاة (1) بصفة عامة الذين يرمون أهل‏

____________

- في الضعفاء 1: 321، كما و ضعّفه ابن معين.

و مثله إسحاق بن سويد العدوي، ففي تهذيب التهذيب 1: 214: «كان يحمل على علي تحاملا شديدا، و قال: لا أحبّ عليا» قال ابن حجر: «و من لم يحبّ الصحابة فليس بثقة و لا كرامة».

ويروي المحدّثون حديث أم سلمة- و هي ممّن شهد لها النبي بالجنّة و من خيار أمّهات المؤمنين- أنّها قالت: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «من سبّ عليا فقد سبّني، و من سبّني فقد سبّ اللّه» رواه في مستدرك الحاكم 3: 131، أخرجه بطريقين و قال: حديث صحيح الإسناد و لم يخرّجاه، و مسند أحمد 6: 323 و تاريخ دمشق 42: 533 و كنز العمال 11: 602 و السنن الكبرى للنسائي 5: 133 و الجامع الصغير 2: 935.

(1). قال المحقّق الحلّي: الغلاة هم الذين قالوا بألوهية علي (عليه السّلام) أو ألوهية أحد من الأئمة، بل كلّ من قال بألوهية أحد من الناس (الشرائع 1: 98). و الغلاة فرق كثيرة انتشرت في الأزمان الماضية و بادت، و لم يبق منها شي‏ء.

و قال الشهرستاني: الغالية الذين غلوا في حقّ ائمّتهم حتّى أخرجوهم من حدود الخليقة، و حكموا فيهم بأحكام إلهية، و ربّما شبّهوا واحدا من الأئمة بالإله. (الملل و النحل 1: 173).

ثم عدّ فرق الغلاة إلى أحد عشر صنفا، إلّا أنّه كان كحاطب ليل لا يدري ما يقول، فخبط خبط عشواء، فإنّ بعض ما ذكره من الصنوف غير ثابت تاريخيا، و كذا ما نسبه إلى البعض الآخر منها كالهشامية أصحاب هشام بن الحكم، أو المنسوبة إلى مؤمن الطاق، فإنّ ما نسب إليهما جزاف من القول، و ها هي كلمات هشام و مؤمن الطاق في التوحيد، و احتجاجاتهما مع علماء الفرق من الغلاة و القدرية و غيرهم، شاهد على براءتهما ممّا نسبه إليهما الشهرستاني.-

26

السنّة بالنصب، و يتّهمونهم على الإطلاق بعداوة أهل البيت و الانحراف عنهم.

و هذا شطط في القول، و ظلم لأهل السنّة، فإنّ المسلمين من غير الشيعة لم يزالوا و لا يزالون يحبّون أهل البيت و يحترمونهم، و يجلّونهم و ينزلونهم المقام اللائق بهم، و هم أحسن حالا من الشيعة، فإنّ أهل السنّة يحبّون أهل البيت الأطهار و من تناسل‏

____________

- قال الذهبي في ميزان الاعتدال 4: 217 في ترجمة موسى بن قيس: «قال العقيلي: من الغلاة، حكى عن نفسه: أنّ سفيان سأله عن أبي بكر و علي، فقال: علي أحبّ إليّ» فحكم عليه بالغلوّ مع أنّه لم يقل: إنّ عليا إله، و لم يظهر من كلامه البغض لأبي بكر، و غير ذلك من الشواهد التي تدلّ على أنّهم وصفوا أفرادا بالغلوّ و هم من ذلك براء.

و قد حارب أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) الغلاة بشتّى الوسائل، فحكموا بكفر الغلاة و نجاستهم، و حرمة التزويج منهم، و لعنهم و البراءة منهم، قال الإمام الصادق (عليه السّلام): «لعن اللّه الغلاة و المفوّضة» (علل الشرائع 1: 227).

و عن الإمام الحسن العسكري (عليه السّلام) أنّه لعن الغلاة و لعن أشخاصا بأعيانهم مثل القاسم اليقطيني و علي بن حسكة و كانا من الغلاة (خاتمة المستدرك 5: 243).

و عن الرضا (عليه السّلام) أنّه لعنهم و أمر بالبراءة منهم (عيون أخبار الرضا 1: 218).

و هذا من اعتقادات الإمامية، قال الشيخ المفيد: «اعتقادنا في الغلاة و المفوّضة أنّهم كفّار، و أنّهم شرّ من اليهود و المجوس و القدرية و الحرورية، و من جميع أهل البدع و الأهواء المضلّة، و أنّه ما صغّر اللّه جلّ جلاله تصغير هم شي‏ء» (الاعتقاد: 97).

و قال المحقّق الحلّي: «و أمّا الغلاة فخارجون عن الإسلام و إن انتحلوه» (المعتبر 1: 98).

هذا و عقد الحرّ العاملي في الوسائل بابا بعنوان: «ذم الغلاة و المفوّضة و البراءة منهم».

و ألّف علماء الإمامية منذ الزمن الأول كتبا في الردّ على الغلاة، و بيان ضلالهم و التحذير منهم، ككتاب «الردّ على الغلاة» للنوبختي، و كتاب الحسين الغضائري، و عقد ابن داود الحلّي في كتاب الرجال فصلا ذكر فيه أسماء الغلاة من الرواة و ضعّفهم، قال ابن داود: «فهؤلاء كلّهم وردت فيهم روايات تدلّ على أنّهم غلاة، و بعضهم اختلف فيه، و بعضهم وردت لعنته عن الأئمة (عليهم السّلام)» (كتاب الرجال: 296). و هكذا بقية كتب الرجال عند الشيعة.

فالشيعة الامامية تبعا لائمتهم (عليهم السّلام) لهم السهم الأكبر و النصيب الأوفر في محاربة الغلاة، و بيان ضلالهم، و التحذير منهم، و الردّ عليهم.

27

منهم، كما يحبّون أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و يحترمونهم و يترضّون عليهم كأهل البيت، فهم عندهم كأصابع اليدين، لا يفرّقون بينهم، و لا يوالون بعضا و يتبرّؤون من البعض الآخر (1) بينما الغلاة (2) و الروافض‏ (3) يتغالون في أهل البيت و يتبرّؤون من‏

____________

(1). هذه الدعوى تصطدم مع الروايات الصحيحة التي رواها الحفّاظ، و حفلت بها متون أهل السنّة، خصوصا و أنّ بعض هذه الروايات صريحة بأفضليتهم (عليهم السّلام) على جميع البشر، و عدم جواز مقارنتهم بغيرهم.

فقد روى أنس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد» (الفردوس للديلمي 5: 34 رقم 7094، و في كنز العمّال 12: 104، و سبل الهدى 11: 7 عن الديلمي و عمر الملّا، و في ينابيع المودّة 2: 68 عن كنوز الحقائق للمناوي، و ذخائر العقبى: 17، و فرائد السمطين 1: 45).

وروي عن أنس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «إنّا معشر بني عبد المطلب سادات أهل الجنّة: أنا و حمزة و علي و جعفر و الحسن و الحسين و المهدي» (الفردوس للديلمي 1: 86 رقم 145، و سنن ابن ماجة 2: 1368، و ينابيع المودّة 3: 266 و قال: أخرجه أبو نعيم و الثعلبي و صاحب الأربعين و الحمويني و الحاكم و الديلمي). و ذكر الأسماء من باب ذكر الخاص بعد العام.

و قال عبد اللّه بن عمر- حينما سئل عن عدم ذكر اسم علي في التفضيل بين الصحابة-: «إنّ عليا من أهل البيت لا يقاس به أحد، و هو مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في درجته» (ينابيع المودّة 2: 68).

و نقل المناوي عن الفخر الرازي قوله: «جعل اللّه تعالى أهل بيته مساوين له في خمسة أشياء: في المحبّة، و تحريم الصدقة، و الطهارة، و السلام، و الصلاة. و لم يقع ذلك لغيرهم» (فيض القدير 2: 174) قال أبو عمر الجاحظ: «و اعلم، أنّ اللّه لو أراد أن يسوّي بين بني هاشم و بين الناس لما اختصّهم بسهم ذوي القربى، و لما قال: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ و لو سوّاهم بالناس لما حرّم عليهم الصدقة، و الرأي أن لا يدعوك حبّ الصحابة الى بخس عترة الرسول حقوقهم و حظوظهم، و كيف يقاس أحد من الناس بقوم منهم رسول اللّه، و السبطان، و الشهيدان: حمزة و الطيّار، و سيد الوادي و حامي النبي ... إلى آخر كلامه» (ينابيع المودّة 1: 457).

(2). تقدّم الكلام عن الغلاة و بيان موقف أئمة أهل البيت و شيعتهم منهم، و حكمهم بكفر الغلاة و البراءة و وجوب التبرّي منهم، و أنّ أئمة أهل البيت و شيعتهم كان لهم الدور الفاعل و الأهمّ في محاربة و تقويض هذه الفرق الضالّة الكافرة، فراجع‏

(3). إن أراد بالرافضة تلك الفرق البائدة من الغلاة في تلك الأزمان، و التي حاربها الأئمّة و شيعتهم،-

28

الصحابة، و خاصّة الخلفاء الثلاثة: الصدّيق و الفاروق و ذا النورين، و يبغضونهم و يسبّونهم بل و يكفّرونهم، و قد أفردت كتابا لفضائلهم رضي اللّه تعالى عنهم و لعن‏

____________

- فالكلام فيهم كالكلام في الغلاة لعنهم اللّه. و إن أراد بهم الشيعة الإمامية فقد أساء التعبير و لم يحسن البيان و لم يعط الحقيقة حقّها.

فمن الظاهر الذي لا يخفى على أحد، أنّ الشيعة الإمامية لا يقولون بألوهية أحد من الأئمة المعصومين (عليهم السّلام)، و الشيعة أغزر عقلا و أنفذ بصيرة و أصحّ تمييزا من أن يقولوا بهذا القول. قال الشيخ المظفّر في عقائد الإمامية: 73: «لا نعتقد ما يعتقده الغلاة و الحلوليون (كبرت كلمة تخرج من أفواهم) بل نعتقد أنّهم بشر مثلنا، لهم ما لنا و عليهم ما علينا، و إنّما هم عباد مكرمون، اختصّهم اللّه تعالى بكرامته و حباهم بولايته، إذ كانوا في أعلى درجات الكمال اللائقة في البشر من العلم و التقوى و الشجاعة و الكرم و العفّة، و جميع الأخلاق الفاضلة و الصفات الحميدة، لا يدانيهم أحد من البشر فيما اختصّوا به، و بهذا استحقّوا أن يكونوا أئمة و هداة و مرجعا بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في كلّ ما يعود للناس من أحكام و حكم، و ما يرجع للدين من بيان و تشريع، و ما يختصّ بالقرآن من تفسير و تأويل».

و أمّا قوله: يتبرّؤون من الصحابة، فهو على إطلاقه باطل، فإنّا نرى الكثير من الصحابة من أولياء اللّه المخلصين؛ كعمار و المقداد و سلمان و أبي ذرّ و حذيفة و جابر و أضرابهم.

نعم، لا نقول بعدالة جميع الصحابة، و وافقنا على ذلك بعض أعلام السنّة؛ كالعلّامة المقبلي في العلم الشامخ، و أحمد أمين في ضحى الإسلام، و علّامة المغرب ابن الصدّيق الغماري في أكثر كتبه، و محمد عبده، و رشيد رضا، و الشيخ أبو ريّة، و حامد حنفي ... و غيرهم.

يقول العلّامة المقبلي في العلم الشامخ (أضواء على السنّة المحمدية: 349) بعد أن ذكر جملة من الطعون و الشواهد من الكتاب و السنّة، قال: «فمن تتبّع تلك الموارد و سوّى بين الصحابة فهو أعمى أو متعام».

و يقول أحمد أمين في ضحى الإسلام (3: 75): «الصحابة قوم من الناس، لهم ما للناس و عليهم ما عليهم، من أساء منهم ذممناه، و من أحسن منهم مدحناه، و ليس لهم على غيرهم كبير فضل إلّا بمشاهدة الرسول و معاونته لا غير، بل ربّما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم، لأنّهم شاهدوا الأعلام و المعجزات، فمعاصينا أخفّ لأنّنا أعذر».

و يقول الأستاذ حامد حفني المصري في كتابه (نظرات في الكتب الخالدة: 127): «و لو وقع هذه النقد من غير الشيعة لما استوجب النكير على الناقد».

29

مبغضهم و شاتمهم و منتقصهم.

و المقصود: أنّ ما يرمون به أهل السنّة من النصب بإطلاق هو من ترهّاتهم، و الواقع يكذّبهم، فإنّ الأمر لو كان كما يزعمون لما كانت كتب السنّة المشرّفة تزخر بذكر فضائلهم و التحدّث عنهم، فإنّ كتب الحديث التي ألّفها أهل السنّة ملآنة بمناقبهم، و هي تحمل أجنحة خاصة بعناوين أبواب مناقب أهل البيت، و لنضرب لذلك أمثلة تكذّب دعاويهم‏ (1).

فهذا البخاري (رحمه اللّه تعالى)- و هو من أول من أصابته سهام مطاعن الروافض‏ (2)- يذكر في صحيحه في المناقب، باب: مناقب علي بن أبي طالب القرشي‏

____________

(1). لا ينكر وجود بعض روايات المناقب في كتب أهل السنّة، و ذكرنا في المقدّمة أنّ منهم من عانى الكثير، و منهم من قتل بسبب روايته لأحاديث المناقب كالنسائي و الكنجي الشافعي، لكنّ حبّ أهل البيت (عليهم السّلام) الذي هو بمعنى الميل القلبي لهم، فهو و إن كان فرضا واجبا عينيّا على كلّ مسلم بمقتضى‏ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (الشورى: 23) و صريح الصحاح و الحسان، إلّا أنّ مراد الباري تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) هو وجوب الاتّباع و الاقتداء بهم في القول و العمل، و وجوب التمسّك بهم دون غيرهم بما أنّهم أوصياؤه و خلفاؤه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هذا هو ما تدلّ عليه الروايات الصحيحة الصريحة.

فقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا» هو وجوب التمسّك بهما، لا الحبّ المجرّد عن الاتّباع، خصوصا و أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قرنهم بالكتاب و جعلهم عدل الكتاب، و حكم (صلّى اللّه عليه و آله) بضلال من لم يتمسّك بهما معا، فحكمهما واحد من جهة وجوب الرجوع و الأخذ منهما، و إلّا لا معنى لقول القائل: إنّي أحبّ كتاب اللّه، و هو لا يأخذ بأوامره و نواهيه!

و هكذا حديث السفينة المتواتر عند الفريقين، قال (صلّى اللّه عليه و آله): «مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، و من تخلّف عنها هلك» و المعنى: من لجأ إليهم و تمسّك بهم في الدين كان من الناجين، و رتّب الهلاك على التخلّف عنهم، فالنجاة معهم، و الهلاك بالتخلّف عنهم، و هذا هو الإلزام باتّباعهم.

(2). يبدو أنّ من بين من أصاب البخاري و كتابه بسهام النقد و الاعتراض هم من أئمة الحديث-

30

الهاشمي أبي الحسن رضي اللّه تعالى عنهما، و يورد تعليقا حديث «أنت منّي و أنا منك» و ذكره موصولا في موضع آخر كما يأتي لنا، و يذكر قول عمر رضى اللّه عنه: «توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو عنه راض يعني عليا». ثم أسند أحاديث في فضائله رضي اللّه تعالى عنه، كحديث «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّه اللّه و رسوله» في أحاديث أخرى‏ (1).

كما أخرج حديث: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى» في‏

____________

- و حفّاظه كالإمام الذهلي و الإمام أبو زرعة و الحافظ الدمشقي و الإمام الرازي و البدر العيني و عميد الأزهر رشيد رضا و محمد عبده، و مشايخ كأبي ريّة و محمد فوزي و أحمد أمين و أحمد شاكر و طه حسين و غيرهم.

فهذا الإمام الذهلي كان يقول: «من ذهب إلى البخاري فاتّهموه» (سير أعلام النبلاء 12: 456، تاريخ دمشق 52: 94).

و كان الإمام أبو زرعة يصف البخاري و مسلم فيقول: هؤلاء قوم أرادوا التقدّم قبل أوانه، فعملوا شيئا يتسوّقون به، فألّفوا كتبا ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها» (ميزان الاعتدال 1: 126).

و قال الحافظ الدمشقي: «الحكم بأصحيّة ما في الكتابين عين التحكّم، و من قال: أصحّ الأحاديث ما في الصحيحين ثم ما انفرد به البخاري ثم مسلم، تحكّم لا يجوز التقليد به» (توجيه النظر: 120).

و قال البدر العيني في عمدة القاري، و الدمشقي في توجيه النظر، و ابن حجر في مقدّمة الفتح، و ابن الصلاح في المقدّمة: «إنّ البخاري احتجّ بجماعة سبق من غيره الطعن بهم، أو جرحهم بعض المتقدّمين» (عمدة القاري 1: 8، و أضواء على السنّة المحمدية: 303).

و قال الدكتور أحمد أمين: «إنّ بعض الرجال الذين روى لهم البخاري غير ثقات، و قد ضعّف الحفّاظ من رجال البخاري نحو الثمانين، و هي في الواقع مشكلة المشاكل « (ضحى الإسلام 2: 117).

و من راجع المنار للسيد رشيد رضا يجد الكثير من الكلام و الإشكالات على صحيح البخاري؛ كالرواية بالمعنى، و تقطيع الروايات، و من لطيف ما قال: «ليس من أصول الإيمان و لا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكلّ حديث رواه البخاري مهما كان موضوعه، بل لم يشترط أحد في صحّة الإسلام و لا في معرفته التفصيلية الاطّلاع على صحيح البخاري و الإقرار بكلّ ما فيه» (المنار 29: 104).

(1). صحيح البخاري 3: 1357 باب: مناقب علي بن أبي طالب.

31

غزوة تبوك، و أخرج أحاديث قتاله للخوارج في كتاب استتابة المرتدّين، و أخرج حديث: «ويح عمّار! تقتله الفئة الباغية» إلى آخره، ذكره في مواضع من صحيحه‏ (1).

و يذكر أيضا في المناقب، باب: مناقب فاطمة رضي اللّه تعالى عنها، و يعلّق حديث: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة» الذي أسنده في علامات النبوّة، ثم يسند حديث: «فاطمة منّي فمن أغضبها أغضبني» (2) كما أخرجه في مواضع أخرى مع أحاديث شتّى.

و يذكر أيضا باب: مناقب الحسن و الحسين رضي اللّه تعالى عنهما، ثم يسند أحاديث في فضائلهما؛ كحديث: «إنّ ابني هذا سيد، و لعلّ اللّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» و حديث: «اللّهم إنّي أحبّه فأحبّه» و حديث: «هما ريحانتاي من الدنيا» (3) في أحاديث أخرى. هذا البخاري الذي يقولون فيه: إنّه ناصبي عدوّ لأهل البيت‏ (4).

أمّا تلميذه الكبير مسلم بن الحجّاج (رحمه اللّه) فيقول في الفضائل من صحيحه: باب من فضائل علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه، ثم يسند من عدّة طرق حديث: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» مطوّلا مع حديث: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّه اللّه و رسوله» إلى آخره، ثم حديث الثقلين المطوّل إلى آخر الجريدة (5).

أمّا تلميذ البخاري البارّ أبو عيسى الترمذي (رحمه اللّه) فهو أوسع السابقين و أكثرهما إيرادا لمناقب آل البيت، فقد أورد لهم من الأحاديث جملة و أفرادا أكثر من خمسين‏

____________

(1). المصدر السابق 1: 172 باب: التعاون في بناء المسجد.

(2). المصدر نفسه 3: 1374 باب: مناقب فاطمة.

(3). المصدر نفسه 3: 1369 باب: مناقب الحسن و الحسين.

(4). لم يذكر المصنّف كتابا واحدا قيل فيه: إنّ البخاري ناصبي و عدوّ لأهل البيت، بل رجّح إرسال كلامه من دون دليل.

(5). صحيح مسلم 4: 1870.

32

حديثا، انظر كتاب المناقب‏ (1).

و أبو داود السجستاني (رحمه اللّه) هو الآخر أورد عدّة أحاديث في مناقبهم أيضا مفرّقة في الكتاب، و ذكر جملة منها في كتاب السنّة؛ كحديث سعيد بن زيد في سبّ بعض عمّال بني أمية الإمام علي و إنكاره عليه‏ (2).

و حديث: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحقّ» (3) و حديث قتال علي للخوارج، و حديث: «إنّ ابني هذا سيد» (4) إلى آخره.

و ابن ماجة القزويني (رحمه اللّه) هو الخامس أورد في مقدّمة سننه نحوا من خمسة عشر حديثا في مناقب الإمام علي و الحسنين (عليهما السّلام)(5).

و أمّا أحمد بن شعيب النسائي و هو مسك ختام الجماعة الستّة فقد استقصى ذلك في سننه الكبرى، و هو الذي أفرد كتابا خاصا أطلق عليه كتاب «الخصائص» أورد فيه نحوا من مائة و ثمانين حديثا في مناقب الإمام علي و أهل بيته (عليهم السّلام)، انظر السنن الكبرى الجزء الخامس‏ (6).

فهذه هي الأمّهات الستّ و أصول أهل السنّة، و هي كما ترى كلّها ذكرت مناقب أهل البيت (عليهم السّلام)، فكيف يتّهمون بالنصب و العداوة لذرّية النبي و آله الأطهار؟ و هكذا الشأن في باقي كتب السنّة لا تخلو من ذكر مناقبهم.

____________

(1). الجامع الصحيح للترمذي 5: 633 مناقب علي بن أبي طالب و 698 مناقب فاطمة و 656 مناقب الحسن و الحسين و 662 مناقب أهل البيت.

(2). سنن أبي داود: 705 رقم الحديث 4648، و قد سمّي هذا البعض في بقية الكتب؛ كمسند أحمد 1: 188 و السنّة لابن أبي عاصم: 606 و هو المغيرة بن شعبة.

(3). سنن أبي داود: 708 رقم 4667.

(4). المصدر السابق رقم 4662.

(5). سنن ابن ماجة 1: 42 مناقب علي بن أبي طالب و 51 مناقب الحسن و الحسين. و مجموع الأحاديث في البابين اثنا عشر حديثا.

(6). السنن الكبرى للنسائي 5: 105 إلى 169.

33

و ما يقال في المحدّثين يقال في المفسّرين و الفقهاء و المتكلّمين و الأصوليّين و غيرهم، فكتبهم ملآنة بذكر فضائلهم و الأمر بمحبّتهم و احترامهم ...

كما يعرف من قراءتها و تتبّعها، و بذلك تنهار دعوى الروافض و تنسف نسفا.

*** هذا ما دعاني إلى جمع هذه الرسالة المباركة، جعلها اللّه خالصة لوجهه الكريم، و جعلني من شيعة نبيّنا و ذرّيته‏ (1) المخلصين الصادقين غير الغالين و لا الناصبين، و أن يحشرني معهم في جملة النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين.

و جعلتها أربعة أبواب:

الأول: في فضائل أهل البيت على العموم.

الثاني: في فضائل سيدنا علي.

الثالث: في فضائل مولاتنا فاطمة.

الرابع: في فضائل الحسنين.

____________

(1). قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من أحبّ أن يحيا حياتي و يموت مماتي و يسكن جنّة الخلد التي و عدني ربّي، فإنّ ربي عز و جل غرس قضبانها بيده، فليتولّ علي بن أبي طالب و ذرّيته من بعده، فإنّهم لن يخرجوكم من باب هدى، و لن يدخلوكم في باب ضلالة» (كنز العمال 11: 611 رقم 32960) و هذا صريح في الاتّباع و الاقتداء بعلي و بذرّيته من بعده، و ليس مجرّد الحبّ و إن كان صادقا، قال الامام الشافعي:

لو كان حبك صادقا لأطعته* * * إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع‏

و أحاديث أخرى؛ كحديث الثقلين، و السفينة، و باب حطّة، و المنزلة، و المباهلة، و الكساء، و باب مدينة العلم، و حديث الطائر، و الراية، و الغدير، و الدار، و التصدّق بالخاتم ... و هي من المتواترات عند الفريقين.

و قد تقدّم عن الإمام أحمد: «ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب» مستدرك الحاكم 3: 116. و قال الغماري في القول الجلي: 53: «لم يرد من الأحاديث بالأسانيد الصحاح في فضل أحد من الصحابة مثل ما ورد في علي».

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

الباب الأوّل في فضائل أهل البيت على العموم‏

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

من هم أهل البيت‏

الآل في اللغة

[هم‏] الأهل، و يقال: الآل هم في اللغة: أقارب الرجل و عشيرته و عترته، و كلّ من يجمعه و إيّاهم نسب، و كذا من يحويهم بيته من أزواج و غيرهنّ، فيدخل في ذلك الآباء و الأمّهات و الأصول و إن علوا، و الأعمام و العمّات و الأخوال و الخالات، و الأزواج و الأولاد و الأحفاد، و كلّ من ينتمي إليه بقرابة، و كذا بمصاهرة. هذا مضمون ما جاء في مختلف دواوين اللغة و غيرها. و هو المتعارف بين الناس في سائر الأصقاع و العصور.

الآل في الشرع‏

و جاء في الشرع على عدّة إطلاقات:

الأول: أطلق على كل من يتّصل بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بنسب و قرابة، و عليه قوله تعالى في سورة الشورى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (1) و منه قوله تعالى:

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ (2) فإنّ المراد بهم سكّان الحرم من قريش بجميع‏

____________

(1). الآية: 23.

(2). الشعراء: 214.

38

أفخاذهم و بيوتاتهم كما يفسّره حديث الصحيحين عن أبي هريرة قال:

قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين أنزل اللّه عليه‏ وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ قال:

«يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من اللّه شيئا ... يا بني عبد مناف ...

يا عباس بن عبد المطّلب ... و يا صفيّة عمّة رسول اللّه ... و يا فاطمة بنت محمد (صلّى اللّه عليه و آله)» لفظ البخاري في التفسير.

و لفظ مسلم: «يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب كذلك، يا معشر بني هاشم كذلك، يا معشر بني عبد المطّلب ...» إلى آخره‏ (1).

____________

(1). هذا المعنى يحتاج إلى مزيد تأمّل، فإنّ المطلوب هو تعيين معنى الآل شرعا و ما هو المراد منه، مع أنّ الآيتين خاليتان من لفظ الآل و لفظ أهل، و كذا حديث أبي هريرة الذي جعله شارحا و مفسّرا، فهما أجنبيّان عن محل البحث.

نعم، آية الإنذار تثبت أنّ من جمعهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) هم عشيرته، و هذا غير محلّ البحث.

و أمّا آية المودّة فقد فسّرت بأصحاب الكساء فقط، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لمّا نزلت آية قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ قيل: يا رسول اللّه، من قرابتك الذين و جبت علينا مودّتهم؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): «هم علي و فاطمة و الحسن و الحسين» أخرجه في الصواعق 2: 487، و في المعجم الكبير 3: 47 رقم 2641.

و أمّا حديث أبي هريرة، ففيه مضافا لما تقدّم: أنّه في قضية أخرى غير قضية الدار و نزول آية الإنذار، فراجع التفاسير في ذلك، مع أنّ فيه قوله: «يا بني كعب» و هم ليسوا من عشيرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لا من قرابته.

و الملاحظ أنّ مستمسك هذا القول أمران:

الأول: الاشتراك في حكم الصدقة، و أنّها محرّمة على أهل البيت و بني هاشم، فيكون بنو هاشم من أهل البيت. و هذا باطل جزما، فإنّ الصدقة إذا كانت محرّمة على بني هاشم، فهذا لا يستدعي كونهم من أهل البيت الذين عناهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بحديث الثقلين و السفينة و الكساء، و وجوب التمسّك و الاقتداء و الاتّباع، بل لا أحد يقول به، و هذا الحكم حاله حال بقيّة الأحكام المشتركة بين أهل البيت و عامّة المسلمين؛ كالحج و الصوم و الصلاة، فليس كلّ حاجّ هو من أهل البيت-

39

الثاني: و أطلق على من تحرم عليهم الصدقة، و هم: آل علي و آل جعفر و آل عقيل و آل العباس، و عليه حديث زيد بن أرقم الآتي قريبا مع أحاديث تحريم الصدقة على آله، كما سيأتي في محلّه.

الثالث: و أطلق على نسائه (صلّى اللّه عليه و آله) أمّهات المؤمنين رضي اللّه عنهنّ، كما جاء في آية الأحزاب: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) فإنّ سياق الآية جاء في أزواجه بلاشك، و غيرهنّ من الآل دخلوا بأدلّة أخرى كما سيأتي‏ (2).

____________

- لاشتراك الحكم، نعم حكم حرمة الصدقة فيه تشريف لبني هاشم و تفضيل لهم على من سواهم من الناس؛ إلّا أنّه لا يستدعي المساواة بوجه.

الثاني: رواية زيد بن أرقم التي أخرجها مسلم 4: 1873.

إلّا أنّ فيها: أولا: أنّ زيد بصدد بيان من تحرّم عليهم الصدقة، و ليس بصدد بيان معنى أهل البيت و تعيين مصاديقه، بل هو في مقام تعيين مصاديق من تحرم عليهم الصدقة، بدليل آخر الحديث:

«كلّ هؤلاء حرم الصدقة».

و ثانيا: أنّ هذا التفسير هو من زيد، و لا شأن لنا به، لأنّ محلّ البحث هو تعيين معنى الآل شرعا.

و ثالثا: أنّ رواية زيد معارضة بالمتواترات الدالّة على أنّ أهل البيت هم علي و فاطمة و الحسن و الحسين. وستأتي الروايات مفصّلا.

(1). الآية: 33.

(2). و يمكن مناقشة كلامه:

أولا: أنّ السياق على خلاف ما يقول؛ لأنّ آية التطهير لو كانت شاملة لنساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و في نفس السياق لجاءت الآية بصيغة المؤنّث كما في الآيات المتقدمة، كقوله: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ ... وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّهَ‏ فذكر كلّ ذلك بصيغة المؤنّث، فكان يجب أن يقول: ليذهب عنكنّ الرجس و يطهّركنّ، فلمّا أتى بصيغة المذكّر دلّ ذلك على أنّ النساء لا مدخل لهنّ، و لا سياق يتمسّك به، و الآية غير شاملة لهنّ.

و ثانيا: أنّ حديث أمّ سلمة المتواتر يكذّب هذه الدعوى: «قالت: يا رسول اللّه، هل أنا من أهل-

40

و في حديث عائشة: «ما شبع آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) منذ قدم المدينة من طعام برّ ثلاث ليال تباعا حتّى قبض». و منه الحديث الآخر: «ما أكل آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) أكلتين في يوم إلّا إحداهما تمر». و من ذلك حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «اللّهم اجعل رزق آل محمد قوتا» (1).

فالآل في كلّ ذلك المراد به أزواجه الطاهرات (رضوان اللّه عليهنّ)، و بذلك فسّر

____________

- بيتك؟ قال: لا، و لكنّك إلى خير» و في بعضها: «على مكانك و أنت على خير» فدلّ على خروج الأزواج منها بلا ريب.

و ثالثا: أنّ الروايات المتواترة الدالّة على سبب نزول آية التطهير و اختصاصها بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين تدلّ على بطلان هذا القول.

و رابعا: رواية أم سلمة و رواية عائشة تدلّان و بوضوح على أنّ آية التطهير نزلت لوحدها، و لم تنزل مع بقيّة الآيات: «قالت أم سلمة: نزلت هذه الآية في بيتي». و سيأتي جميع ذلك مفصّلا مع شواهده في محلّه.

(1). صحيح البخاري 5: 2371 كتاب الرقاق.

و يبدو أنّ التمسّك بهذه الأحاديث لإدخال الزوجات في (الآل) غير صحيح. فقد قال السيوطي في شرح سنن ابن ماجة 1: 240 رقم 3346 في شرح قوله: «ما شبع آل محمد» قال: «إنّ لفظ آل مقحم زائد، و المراد ذاته (صلّى اللّه عليه و آله)، و هذا محمول على زهده» ثم قال: «و كان (صلّى اللّه عليه و آله) يعطي أزواجه قوت سنة مائة وسق من تمر و شعير».

و يدلّ على خروج الأزواج من لفظ (آل محمد) ما رواه يزيد بن حيّان قال: سألت زيد بن أرقم:

من آل محمد؟ قال: آل علي و آل العباس و آل عقيل و آل جعفر. أخرجه في المعجم الكبير 5: 184.

و قول زيد الآخر حين سئل: نساؤه من أهل بيته؟ قال: لا، ليس نساؤه من أهل بيته، لكن أهل بيته من حرم الصدقة. و في رواية أخرى قال: إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع الى أبيها و قومها، أهل بيته عصبته الذين حرموا الصدقة. أخرجه في فيض القدير 2: 175، المعجم الكبير 5: 182، شرح مسلم للنووي 15: 175 و قال: و المعروف في غير مسلم أنّه قال: «نساؤه لسن من أهل بيته». و هذا الكلام من النووي دليل على وجود تحريف في الرواية.

41

قوله تعالى: إِذْ قالَ مُوسى‏ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً (1) و قوله تعالى: رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ‏ (2) فإنّ المراد بهما زوجة موسى و زوجة إبراهيم (عليهما السّلام) بالاتّفاق.

و أمّا قوله تعالى في سيدنا إسماعيل (عليه السّلام): وَ كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ (3) فقيل: زوجته و أولاده، و قيل: عشيرته ...

أمّا قوله عز و جل: وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها (4) فالظاهر أنّها عامّة في نسائه و غيرهنّ‏ (5). بدليل ما جاء في حديث أنس رضى اللّه عنه قال:

____________

(1). النمل: 7.

(2). هود: 73.

(3). مريم: 55.

(4). طه: 132.

(5). أقول: هذه مغالطة، فإنّ ألفاظ القرآن تحمل على المعاني اللغوية بما لها من القرائن، و هي بحسب الاستعمال اللغوي، و محلّ بحثنا هو في تعيين معنى الآل في الشرع.

فإنّ لفظ (الأهل) استعمل في القرآن في عدّة مواضع، و في كلّ واحد منها أريد به معنى من المعاني اللغوية، ففي قوله: انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا أريد به القوم، و في قوله: وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها أريد به كلّ أهل المدينة، و في قوله: وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ‏ أريد به الأولاد فقط دون الزوجات. راجع تفسير ابن كثير 4: 43، و تفسير الجلالين:

603. فهذه جميعا معان لغويّة ساعدت القرائن عليها أو ورد تفسيرها في الخبر.

و أمّا آية التطهير فالقرائن تدلّ على خروج الأزواج منها، و أوّلها اختلاف الضمير كما تقدّم، و رواية أم سلمة، و حديث عائشة و غيره من الأحاديث الدالّة على الاختصاص بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين، و ما دلّ على أنّ آية التطهير نزلت لوحدها في بيت أم سلمة و لا ربط لها بآيات الزوجات، مضافا إلى أدلّة أخرى تأتي في محلّها.

ثم إنّ بعض الآيات التي ذكرها لا تدلّ على مراده، مثل آية: رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ‏ فإنّ دخول زوجة إبراهيم هنا لأنّ سارة زوجة إبراهيم هي ابنة عمّه، و دخولها في الأهل من جهة القرابة، لا من جهة الزوجية.

42

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يمرّ بباب فاطمة ستّة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول:

«الصلاة يا أهل البيت‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1).

الرابع: و أطلق بصفة خاصّة على أصحاب الكساء، و هم ساداتنا: علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم من اللّه السلام و الرضوان، و عليه حديث الكساء، و حديث المباهلة الآتيان مع آية الأحزاب، كما يأتي بيان ذلك بحول اللّه.

و على هذا الإطلاق أكثر الأحاديث، و هو المتعارف بين الناس في سائر الأقطار و العصور حتّى أصبح علما عليهم‏ (2) و على من تناسل منهم، فيقال لهم: أهل البيت،

____________

(1). مستدرك الحاكم 3: 172 و قال: صحيح على شرط مسلم، و وافقه الذهبي في التلخيص، و مسند أحمد 3: 259، و الجامع الصحيح 5: 352، و مسند الطيالسي: 274 رقم 2060، و مسند أبي يعلى 7: 59، و مصنّف ابن أبي شيبة 7: 527، و مجمع الزوائد 9: 267 رواه عن أبي برزة و فيه: سبعة أشهر، و عن أبي سعيد و فيه: أربعون يوما، و عن أبي الحمراء و فيه: ستة أشهر، و الآحاد و المثاني 5: 360، فتح القدير 4: 280 و قال: أخرج ابن أبي شيبة و أحمد و ابن جرير و ابن المنذر و الطبراني و الحاكم و صحّحه و ابن مردويه عن أنس: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يمرّ بباب فاطمة ... إلى آخره.

و من الغريب أن يجعل التليدي هذه الرواية من أدلّة دخول الزوجات في معنى الأهل، مع وضوح الدلالة، فهذه الرواية دليل واضح و صريح على خروج الأزواج من آية التطهير، بل من معنى الآل، و اختصاصها بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين، فإنّ فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حجّة بلا شكّ، و تلاوة هذه الآية لمدة ستة أشهر أو سبعة على بيت فاطمة بالخصوص دون بقيّة البيوت دليل على الاختصاص؛ تنزيها لفعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن العبث و حاشاه من ذلك.

هذا مع ملاحظة أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يتلو آية التطهير عند باب بيت فاطمة عند كلّ صلاة، و هو وقت اجتماع الأصحاب، و تأكيد ذلك لمّدة ستة أو سبعة أشهر، فكان النبي يقصد من وراء ذلك إسماعهم، و بيان اختصاص الآية بهم دون غيرهم، و إلّا فللنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) تسعة بيوت، و لم يرو أنّه تلا الآية على واحد منها.

(2). و هو ما دلّت عليه آية التطهير و المباهلة، و حديث الكساء و الثقلين، و مرور النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على بيت فاطمة و غيرها من الأحاديث.

43

و الأشراف، و السادات، و الذريّة الطاهرة، و العترة الطاهرة، رضي اللّه تعالى عنهم و عنّا معهم، آمين.

الوصية بأهل البيت‏

عن زيد بن أرقم رضى اللّه عنه قال:

قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خمّا بين مكة و المدينة، فحمد اللّه و أثنى عليه و وعظ و ذكّر، ثم قال: «أمّا بعد، ألا أيها الناس، فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتني رسول ربي عزّ و جلّ فأجيب، و إنّي تارك فيكم الثقلين: أولهما: كتاب اللّه عزّ و جلّ، فيه الهدى و النور، فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به» فحثّ على كتاب اللّه و رغّب فيه ثم قال: «و أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي».

فقال له حصين- أحد الرواة-: و من أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟

قال: نساؤه من أهل بيته، و لكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده،

قال: و من هم؟ قال: هم: آل علي و آل عقيل و آل جعفر و آل عباس،

قال: كلّ هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم‏ (1).

____________

(1). صحيح مسلم 4: 1873، مسند أحمد 3: 376.

و الظاهر أنّ ذيل رواية زيد (أي قوله: «قال: نساؤه من أهل بيته، و لكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده») ممّا تلاعبت به أيدي الوضّاعين و المحرّفين، فأصل الرواية هو «أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: لا، نساؤه لسن من أهل بيته»، و يدلّ على ذلك أمور:

الأول: قول الإمام النووي في شرح مسلم 15: 175: «و المعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنّه قال: نساؤه لسن من أهل بيته».-

44

____________

- الثاني: رواها مسلم في باب فضائل علي بن أبي طالب 4: 1873 هكذا: «فقلنا: من أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا، و أيم اللّه إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها و قومها، أهل بيته من حرم الصدقة».

الثالث: رواها الطبراني في المعجم الكبير 5: 182 رقم 5026 قال: «فقلنا: من أهل بيته، نساؤه؟

قال: لا، إنّ المرأة يتزوّج بها الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى بيتها و أمها، أهل بيته و عصبته الذين حرموا الصدقة بعده».

الرابع: أخرجها المناوي بطريقين هكذا قال: لفظه من أحدهما: «قيل لزيد: أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: لا، ليس نساؤه من أهل بيته، و لكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده». ثم قال:

«و في رواية: أنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها و قومها، أهل بيته أصله و عصبته الذين حرموا الصدقة».

الخامس: أخرجها ابن أبي شيبة في المصنّف 3: 104 بلفظ: «قال يزيد و حصين: أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: لا، و لكن أهل بيته من حرم الصدقة».

و ممّا يدلّ على خروج نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من أهل بيته أمور:

الأول: رواية زيد المتقدّمة برواية مسلم و الطبراني و النووي و ابن أبي شيبة و المناوي: «أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: لا، و لكن أهل بيته من حرم الصدقة» و في بعضها: «لا، ليس نساؤه من أهل بيته، و لكن أهل بيته من حرم الصدقة» و في بعضها الآخر: «إنّ المرأة تكون مع الرجل ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها و قومها، أهل بيته أصله و عصبته الذين حرموا الصدقة».

و هذا صريح جدا في خروج أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من أهل بيته، بل هو من أوضح الواضحات.

الثاني: الاتّفاق على أنّ أهل البيت (عليهم السّلام) تحرم عليهم الصدقة، و أمّا نساؤه (صلّى اللّه عليه و آله) فلا تحرم عليهنّ الصدقة و بشهادة قول الأعلام:

قال ابن حجر في فتح الباري 5: 219: «أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا تحرم عليهنّ الصدقة كما حرمت عليه، لأنّ عائشة قبلت هدية بريرة و أمّ عطيّة مع علمها بأنّها كانت صدقة عليها، و لذا لم تقدّمها للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلمها أنّه لا تحلّ له الصدقة».

و قال المقدسي في الفروع 2: 483: «و لا تحرم الزكاة على أزواجه (عليه السّلام) في ظاهر كلام أحمد و الأصحاب».-

45

____________

- و قال الشوكاني في نيل الأوطار 4: 175: «قال ابن المنير: إنّها لا تحرم الصدقة على الأزواج قولا واحدا». ثم قال الشوكاني: «و نقل ابن بطّال اتّفاق الفقهاء على عدم دخول الزوجات في ذلك، أي في حرمة الصدقة».

فالنتيجة: أنّ الزوجات لسن من أهل البيت؛ لعدم حرمة الصدقة عليهنّ اتّفاقا، قولا واحدا.

الثالث: و ممّا يدلّ على خروج الأزواج عن أهل بيته، تفريق النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في ذلك، قال (صلّى اللّه عليه و آله): «أول من يلحقني من أهل بيتي أنت يا فاطمة، و أول من يلحقني من أزواجي زينب» أخرجه كنز العمال 12: 108 و 13: 703، سبل الهدى و الرشاد 10: 100 و قال: «رواه تمام و ابن عساكر»، و تاريخ دمشق 17: 73 من حديث الأوزاعي، و الجامع الصغير 1: 327.

الرابع: رواية أمّ سلمة: «أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جلّل على الحسن و الحسين و علي و فاطمة كساء، ثم قال:

«اللّهم هؤلاء أهل بيتي و حامّتي، أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا» فقالت أم سلمة: و أنا معهم يا رسول اللّه؟ قال: إنّك على خير، أو في مكانك، أو أنت على خير أو إلى خير. أخرجه مسند أحمد 6: 292 و 4: 107، و المعجم الكبير 9: 26 و 23: 249.

و الحديث بهذا المعنى مرويّ عن عائشة و أبي سعيد و ابن عباس و واثلة بن الأسقع و سعد بن أبي وقّاص. انظر صحيح مسلم 4: 1883 عن عائشة، و مستدرك الحاكم 3: 156 و 2: 451، و مجمع الزائد 9: 264، و مختصر البزّار للعسقلاني 2: 332 عن أبي سعيد، و شرح السنّة للبغوي 8: 87 عن عائشة، و قال: «صحيح أخرجه مسلم» و المعجم الكبير 3: 53، و مسند ابن راهويه 3: 678 عن عائشة، و السنّة لابن أبي عاصم 2: 901 عن ابن عباس، و فتح القدير 4: 279 و قال: «أخرجه الترمذي و صحّحه و ابن جرير و ابن المنذر و الحاكم و صحّحه و ابن مردويه و البيهقي في سننه من طرق عن أمّ سلمة، و قد ذكر ابن كثير في تفسيره لحديث أمّ سلمة طرقا كثيرة في مسند أحمد و غيره»، و قد ذكر بعض طرقه السيوطي في الدرّ المنثور 6: 603، و ابن كثير في تفسيره 3: 493.

الخامس: قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فلو قلنا: إنّ الآية تشمل الزوجات كالآيات السابقة يلزم منه مخالفة السياق، لأنّ الآيات السابقة كان الضمير فيها ضمير المؤنّث «منكنّ ... و أطعن ... و لا تبرجنّ ... و لا تخضعنّ ... و قرن ... و أقمن الصلاة ... و آتين الزكاة» بينما الضمير في آية التطهير هو ضمير المذكّر «ليذهب عنكم» فدلّ ذلك على خروج الأزواج منها.-

46

____________

- ثم إنّ آية التطهير جاءت في مقام المدح و التشريف و التطهير، بينما الآيات السابقة التي تخصّ الأزواج لسانها لسان العتاب و التحذير و التأديب، كقوله: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ... فَلا تَخْضَعْنَ‏ و من هنا نعرف انّه لا فضل لأزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على بقية النساء إلّا بالتقوى، و هذا صريح قوله تعالى: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَ‏ فالفضيلة مشروطة بالتقوى، و بدون التقوى لا فضل للزوجية و لا للصحبة، و أين هذا من التطهير المطلق لأهل البيت (عليهم السّلام).

خاصة و قد صدر من بعضهنّ في حياته (صلّى اللّه عليه و آله) و بعد وفاته. ما لم يكن يرضيه (صلّى اللّه عليه و آله). راجع سير أعلام النبلاء 2: 229، و انظر: صحيح البخاري 4: 1868، و صحيح مسلم 2: 1107، و مصنّف أبن أبي شيبة 7: 536، و مسند أبي يعلى 5: 57.

السادس: ما ورد في تفسير آية المباهلة و اختصاصها بهم (عليهم السّلام)، روى مسلم 4: 1871 قال: لمّا نزلت هذه‏ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏ آل عمران:

من الآية 61، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليا و فاطمة و الحسن و الحسين: فقال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي».

السابع: إنّ القائل بأنّ الآية في نساء النبي هم عكرمة و مقاتل بن سليمان و عروة بن الزبير فقط.

فأمّا عكرمة، فهو من الخوارج، و كان يرى رأي الأباضية و الخوارج الذين بالمغرب أخذوا عنه، و كان من الكذّابين المشهورين، و قد كذّبه يحيى بن معين و ابن المسيّب و عطاء بن رباح و محمد ابن سيرين و ابن المديني، و تجنّبه مسلم و مالك و قال: «لا أرى أن يروى عنه» راجع: ميزان الاعتدال 3: 89، و سير أعلام النبلاء 5: 21.

و أمّا مقاتل بن سليمان، فقد قال وكيع و النسائي: «كان مقاتل كذّابا»، و قال الجوزجاني: «كان دجّالا جسورا»، و قال ابن حبّان: «كان يأخذ من اليهود و النصارى علم القرآن، و كان يكذب في الحديث»، و قال ابن حجر: «كذّبوه و هجروه»، و أورده العقيلي في الضعفاء و كذّبه، و نقل أكثر الطعون عليه، و كذا الرازي في الجرح و التعديل. راجع: ميزان الاعتدال 4: 173، و المجروحين 3: 14، و تقريب التهذيب 2: 277، و الضعفاء للعقيلي 4: 234، و الجرح و التعديل 8: 354.

و أمّا عروة بن الزبير، فقد كان ابن يحيى يقول: «كان أبي إذا ذكر عليا نال منه»، و روى جرير عن محمد بن شيبة قال: «شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري و عروة بن الزبير جالسان يذكران عليا و ينالان منه» و كان الزهري يتّهمه في بني هاشم (شرح النهج 4: 64 و 102)، و كان عروة-

47

هكذا يذكّرنا نبيّنا نبي الإسلام (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّه سيجيب داعي ربّه، و سيترك فينا أمرين هامّين عظيمين ثقيلين، هما: كتاب اللّه المقدّس و عترته الطاهرة، و أمرنا بالتمسّك بهما، و الاهتداء بهديهما، و الاهتمام بشأنهما.

أمّا القرآن الكريم فأمره واضح و أنّه أعظم مقدّساتنا، و طريق ديننا و سعادتنا و دستور نظام حياتنا، و مصدر حكمنا، و مرجع حلّ مشاكلنا، و أنّه أساس الفضائل و الأخلاق، و أصل العلوم و المعارف و الحقائق، فأمره لا يخفى.

و الوصية به كانت ديدن نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) في كلّ المناسبات، و خاصّة في خطبه الجامعة، و قد جاء في كتاب الوصايا من الصحيحين عن عبد اللّه بن أبي أوفى رضى اللّه عنه أنّه سئل:

أوصى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قال: لا، و كيف كتب الوصية، و كيف أمر الناس؟ قال: أوصى بكتاب اللّه‏ (1).

أمّا أهل بيته فقد علم بطريق الوحي أنّه سيوجد في أمته من يهضم حقوقهم، و يقاتلهم و يشرّدهم، و يضايقهم و لا يراعي جانبهم، و لذلك كرّر الوصاية بهم لفتا للأنظار إلى عظيم منزلتهم، و سموّ مقامهم، لأنّهم آل النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و أقرب الناس إليه و ألصقهم به‏ (2).

____________

- يحدّث بحديث ينتقص فيه فاطمة (عليها السّلام) (مختصر زوائد البزّار 2: 358، مشكل الآثار للطحاوي 1: 48). فيظهر أنّ سند الأخبار هذه مخدوشة فلا معوّل عليها.

(1). صحيح مسلم 3: 1256. لكنّ المشهور و المتواتر أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) أوصى بكتاب اللّه و عترته أهل بيته، و جعلهم عدل القرآن في حديث الثقلين، و أمر بالتمسّك بهما و قال: «ما إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبدا» كما و أوصى لعلي في حديث الغدير: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه» و سيأتي كلّ ذلك مفصّلا.

(2). ممّا يلاحظ عليه هنا أنّ المصنّف جعل الوصية بأهل البيت (عليهم السّلام) لأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) تنبّأ أنّ أمّته سوف تظلمهم و تهضم حقوقهم و تقاتلهم، و سكت عن الوصية لهم، و وجوب الرجوع إليهم و استحقاقهم-

48

و قد جاء عن الصدّيق: «أرقبوا محمدا في أهل بيته» (1)، و معناه: احفظوه فيهم، فلا تسيئوا إليهم، و لا تؤذوهم، و لذلك قال في مقام آخر: «و الذي نفسي بيده، لقرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي» (2)، و هذا هو الظنّ بالصدّيق.

قال القرطبي (رحمه اللّه): هذه الوصية و هذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام أهله و البرور بهم و توقيرهم و محبّتهم، و وجوب الفروض المؤكّدة التي لا عذر لأحد في التخلّف عنها، هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و بأنّهم جزء منه، فإنّهم أصوله التي نشأ عنها، و فروعه التي نشأوا عنه، كما قال: «فاطمة بضعة منّي» (3) و مع ذلك فقابل بنو أمية عظيم هذه الحقوق بالمخالفة و العقوق، فسفكوا من أهل البيت دماءهم، و سبوا نساءهم، و أسروا صغارهم، و خرّبوا ديارهم، و جحدوا شرفهم و فضلهم، و استباحوا سبّهم و لعنهم، فخالفوا المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) في وصيته، و قابلوه بنقيض مقصوده و أمنيّته، فواخجلهم إذا وقفوا بين يديه، و يا فضيحتهم يوم يعرضون عليه‏ (4).

و قرانه (صلّى اللّه عليه و آله) بين القرآن و بين عشيرته‏ (5) في التمسّك بهما يؤذن بأنّ المراد

____________

- ذلك؛ كحديث السفينة و الثقلين، و أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعلهم عدل الكتاب بوجوب التمسّك، و حديث الغدير و أنّ عليا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و وليّ الأمر بصريح آية التصدّق بالخاتم.

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 19: 328: «قال سبط ابن الجوزي: حديث «من كنت مولاه فعلي مولاه» أنّ عمر قال لعلي: بخ بخ أصبحت مولى كلّ مؤمن و مؤمنة، قال أبو حامد الغزالي:

و هذا تسليم و رضى ...».

(1). صحيح البخاري 3: 1361.

(2). المصدر السابق: 1360.

(3). المصدر نفسه: 1361، و سيأتي الكلام عنه في الباب الثالث: ضمن فضائل فاطمة.

(4). نقله المناوي في فيض القدير 3: 20 و 6: 459. و هذه شهادة صريحة من القرطبي و المناوي على ما فعله بنو أمية بالإسلام و بأهل البيت (عليهم السّلام).

(5). لكن كلّ من روى حديث الثقلين رواه بلفظ: «كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي» بل هو متواتر بهذا-

49

بأهل البيت علماؤهم، فهو عامّ أريد به الخصوص كما قال الإمام الحكيم الترمذي:

فالجاهل و الفاسق منهم حظّهما من الأمة الاحترام و البرور و الإحسان فقط، أمّا الاقتداء و التمسّك فإنّما يكون بعلمائهم العاملين بالكتاب و السنّة، السالكين هدي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و نهجه القويم‏ (1)، و طريق السلف الصالح من الصحابة و التابعين فمن بعدهم.

____________

- اللفظ، و إليك بعضا من مصادر الحديث، و كلّها بلفظ «كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضّلوا بعدي».

«فضائل الصحابة لأحمد: 15، مسند أحمد 3: 14 و 5: 182، السنن الكبرى للنسائي 5: 45، المعجم الكبير 3: 65 و 66 و 67 و 5: 154 و 166 و 170 أخرجه من عدّة طرق، البداية و النهاية 5: 228 و 7: 386، كنز العمّال 1: 172 رقم 870 و 871 و 872 و 873 عن جابر وزيد ابن ثابت وزيد بن أرقم، و 1: 185 رقم 943 إلى رقم 953 عن أبي سعيد وزيد و جابر، و 5: 290 عن ابن جرير و 14: 435 عن حذيفة.

هذا و الحديث مرويّ بعدّة طرق في المعجم الصغير و الأوسط للطبراني، و سنن الترمذي، و مستدرك الحاكم، و نظم درر السمطين، و مسند أبي يعلى، و كتب التاريخ و السيرة، و في الجميع بلفظ «و عترتي» و ليس «و عشيرتي».

(1). قد نصّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليهم، و هم من يجب اتّباعهم و التمسّك بهم:

فعن الأصبغ عن عبد اللّه بن عباس قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «أنا و علي و الحسن و الحسين و تسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون» (فرائد السمطين 2: 313، ينابيع المودّة 2: 316).

و عن عباية بن ربعي مرفوعا: «أنا سيّد النبيين و علي سيّد الوصيين، [و] إنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر، أولهم علي و آخر هم القائم المهدي» (ينابيع المودّة 2: 316).

و عن سعيد بن جبير قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ خلفائي و أوصيائي و حجج اللّه على الخلق بعدي لإثنا عشر، أولهم أخي و آخرهم المهدي» قيل: يا رسول اللّه، و من أخوك؟ قال: «علي بن أبي طالب».

و عن ابن عباس قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «أنا سيّد المرسلين و علي بن أبي طالب سيد الوصيين، و إنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر، أولهم علي بن أبي طالب و آخرهم القائم» (فرائد-

50

و ليس المراد بهم علماء غلاة الشيعة الذين يوالون أهل البيت، و يضلّلون الصحابة من المهاجرين و الأنصار و يسبّونهم، و ينالون منهم و ينتقصونهم، و ينتقدون أعمالهم، و يتبّرؤون من أكابرهم؛ كالخلفاء الثلاثة ... (1).

و في قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و لن يفترقا» إشارة إلى أنّه- كما قال الشريف السمهودي (رحمه اللّه)- لابدّ و أن يكون في كلّ زمان من هم أهل للتمسّك بهم و بهديهم مع القرآن الكريم، و أنّهم لا يفترقون عن القرآن حتّى يلقوه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّ التمسّك بهما أمان من الضلال و الخروج عن الحقّ، جعلنا اللّه تعالى منهم و من شيعتهم الصادقين المعتدلين.

____________

- السمطين للجويني الشافعي 2: 312 و 313).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «من أحبّ أن يحيا حياتي و يموت مماتي و يسكن جنّة الخلد التي و عدني ربي، فإنّ ربي عز و جل غرس قضبانها بيده، فليتولّ عليا و ذرّيته من بعده، فإنّهم لن يخرجوكم من باب هدى و لن يدخلوكم في باب ضلالة» (كنز العمال 11: 611).

و هذا هو الذي عناه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: «اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش» (كنز العمال 12: 33).

و قال في عون المعبود (11: 245) نقلا عن قرّة العينين قال: «إنّ الحديث- اثنا عشر خليفة- ناظر إلى مذهب الاثني عشرية الذين أثبتوا اثني عشر إماما».

(1). و قد تقدّم الكلام عن الغلاة، و أنّ الشيعة الإمامية و أئمتهم أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) حاربوا الغلاة، و كفّروهم و أمروا بالبراءة منهم و لعنهم، فراجع.

و أمّا الصحابة، فالإمامية حالهم حال الكثير من أعلام السنّة- كما تقدّم- لا يقولون بعدالة الجميع، و لا يقبلون الصحابة على علّاتهم، و كيف نقول بعدالة أمثال مروان قاتل طلحة، و أبو الغادية قاتل عمار بن ياسر، و سمرة بن جندب الذي كان يبيع الخمر في زمان عمر بن الخطاب (صحيح مسلم 3: 1207)، و هل يرضى أحد من العقلاء أن يقول بعدالة من رمى زوجة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالإفك العظيم، أو من أراد قتل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عند العقبة، أو من سرق أموال المسلمين؟

قال عمر لأبي هريرة: «يا عدوّ اللّه و عدوّ كتابه، سرقت مال اللّه!» (سير أعلام النبلاء 2: 612).

و القرآن يخبر وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى‏ عَذابٍ عَظِيمٍ‏ التوبة: 101.

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «في أصحابي اثنا عشر منافقا، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنّة» (صحيح مسلم 4: 2143)، و أيّ منصف عادل يرضى بتوثيق القتلة و السرّاق و المنافقين و أهل الإفك؟

51

أهل البيت مطهّرون من الرجس و مغفور لهم‏

عن عائشة رضي اللّه عنها قالت:

خرج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) غداة و عليه مرط مرحّل‏ (1) من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2).

اختلف العلماء من المفسّرين و غيرهم في سبب نزول هذه الآية و في المراد بها، فذهب ابن عباس و عكرمة و عطاء و مقاتل و سعيد بن جبير إلى أنّها في زوجات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بدليل سياق الآية قبلها و بعدها (3).

و ذهب آخرون، منهم أبو سعيد الخدري و مجاهد و قتادة و غيرهم‏ (4) إلى أنّها في علي و فاطمة و الحسن و الحسين: بدليل هذا الحديث‏ (5)، و حديث أم سلمة أم المؤمنين رضى اللّه عنه:

أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جلّل على الحسن و الحسين و علي و فاطمة كساء ثم قال: «اللّهم‏

____________

(1). مرط: كساء من صوف أو خزّ يؤتزر به. و المرحّل: الموشّى و المنقوش.

(2). صحيح مسلم 4: 1883، شرح السنّة للبغوي 8: 87، مستدرك الحاكم 3: 159 و صحّحه على شرطهما، مسند ابن راهويه 3: 678، فتح القدير 4: 279 و قال: أخرجه ابن أبي شيبة و أحمد و مسلم و ابن جرير و ابن أبي حاتم و الحاكم عن عائشة.

(3). تقدّم الكلام عن ذلك مفصّلا في الهامش تحت عنوان «زوجات النبي لسن من أهل البيت» فراجع. و أمّا قول عكرمة و مقاتل فلا يؤخذ به، لما تقدّم من كونهما من الكذّابين المشهورين.

و من اللطيف أنّ ابن كثير لم يرض بذلك و قال: «إن أراد أنّهنّ سبب النزول ففيه نظر» (مسند ابن راهويه 4: 15).

مع أنّ المروي عن ابن عباس في أكثر الكتب هو نزولها في أصحاب الكساء الخمسة فقط، راجع مسند ابن راهويه 3: 678، السنّة لابن أبي عاصم 2: 901، المعجم الكبير 12: 77.

(4). كأم سلمة و ابن عباس و عائشة و واثلة بن الأسقع و سعد بن أبي وقّاص.

(5). حديث عائشة المتقدم: (خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عليه مرط مرحّل ...).

52

هؤلاء أهل بيتي و حامّتي أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا» فقالت أم سلمة رضي اللّه عنها: و أنا معهم يا رسول اللّه؟ قال: «إنّك على خير» (1).

____________

(1). هامش من المصنّف و نصّه: رواه أحمد و الترمذي و حسّنه و قال: هو أحسن شي‏ء روي في هذا الباب، و له طرق و شواهد صحيحة، فرواه عنها الحاكم و صحّحه على شرط البخاري و وافقه الذهبي، و فيه: قالت: في بيتي نزلت‏إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ‏ إلى آخره، فأرسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى علي و فاطمة و ابنيها فقال: «هؤلاء أهل بيتي». و رواه أيضا عنها أحمد مطوّلا، و له شاهد عن عمر بن أبي سلمة رواه الترمذي، و شاهد ثان عن أنس رواه الترمذي في التفسير، و شاهد ثالث عن واثلة بن الأسقع رواه أحمد و الحاكم و صحّحه على شرط مسلم و وافقه الذهبي، فالحديث صحيح. انتهى.

و الحديث في مسند أحمد 6: 304، و الجامع الصحيح 5: 351، و تفسير الطبري 22: 12 رقم 21736، و في تحفة الأحوذي 9: 48 قال: «أنت على خير و إن لم تكوني من أهل بيتي».

و أمّا حديث أم سلمة الآخر قالت: في بيتي نزلت‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و في البيت فاطمة و علي و الحسن و الحسين، فجلّلهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بكساء كان عليه ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا».

قال السيوطي في الدرّ المنثور 6: 604: أخرجه الترمذي و صحّحه و ابن جرير و ابن المنذر و الحاكم و صحّحه و ابن مردويه و البيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة.

و أخرجه في الجامع الصحيح 5: 351، و المعجم الكبير 3: 52، و 23: 249، و نظم درر السمطين:

238، و مستدرك الحاكم 3: 158 و قال: «صحيح على شرط البخاري و لم يخرّجاه»، و تفسير فتح البيان 11: 86 و قال: «و قد ذكر ابن كثير لحديث أم سلمة طرقا كثيرة في مسند أحمد و غيره»، و تفسير روح المعاني 22: 14 و فيه: «فجذبه- الكساء- من يدي و قال: إنّك على خير»، و زاد في بعض الروايات: إنّه (صلّى اللّه عليه و آله) أخرج يده من الكساء و قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي و خاصّتي، فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، ثلاثا» و تفسير الخازن 3: 425 و قال: «أخرجه الترمذي و قال: حديث صحيح»، و مسند أحمد 6: 292.

و أمّا رواية أبي سعيد الخدري فهي: «قال: إنّما يريد اللّه ليذهب ... نزلت في خمسة: في النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و علي و فاطمة و الحسن و الحسين» أسباب النزول للواحدي: 239، و مختصر البزّار للعسقلاني 2: 332، و مجمع الزوائد 9: 264.-