الأنوار و مفتاح السرور و الأفكار في مولد النبي المختار

- أحمد بن عبد الله البكري‏ المزيد...
356 /
1

-

2

الجزء الأول‏11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله الذي خلق نور محمد(ص)قبل خلق الأرواح و جعل جسمه الشريف أحسن الصور و الأشباح و أخرج درة نوره الأنور من صدف جواهر التكوين و استخرج جوهره الأقدس و جعله معدن الصدق و اليقين و ليس لها من شاهر ستره لباس الصيانة و الهداية و قدس صائب فكره عن الزيغ و الشك و الغواية و توجه بتاج النبوة و الإمامة و شرفه بشرف الرسالة و الكرامة و شرح صدره بأنوار المحبة و اللطف و الكرامة و أوضح قلبه دقائق الفهم و احتياط العلم لقوله تعالى و علمه ما لم يعلم و جعل نفسه الكريمة الشريفة وسط عقد الوجود لكل حسن موجود و طلع شمس الشموس قبل طلوع أقمار النبيين من فوق أسماء العز و التمكين‏

لقول النبي‏

: كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين‏

أجلس‏

3

روحه المقدسة و نوره الأقدس على القرب و السعادة و المجد و السيادة ثم بعثه بعد حين في الشهر المبارك الشريف المنيف إلى عالم الغيب و الشهادة و نور بظهوره و ظهور نوره أقطار السماوات و الأرضين و أكنافهما ثم ظهورهما بقدرته عن دنس الكفر و زين ربوع العالم بظهور نوره في شهر ربيع و عرف بمحبته و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله العالمين و باعث الرسل أجمعين و أشهد أن محمدا عبده و رسوله كاشف الغمة و شفيع الأمة و شمس الخلق(ص)فاعلم أيها الراغب لسماع الأخبار الواردة بفضائل النبي الأمي القرشي المكي الأبطحي الهاشمي فإن مناقب ذاته أكثر من أن تعد و تحصى و مناقب جوده أوفر من أن تعد و تستقصى لأن بحر جوده لا يدرك نهاية صفاته المنيفة العالم الغاية لأنه بكل مدح مدحه به المادحون درة من علم كمالات نفسه الأنفس و كل وصف وصفه به الواصفون قطرة من بحار صفات ذاته المقدسة لكن ما جرت به عادة العلماء بأنهم يعقدون بهذا الشهر الرفيع المسمى بربيع المجالس الشريفة المباركة المنيفة إظهار الفرح و السرور

4

بذكر بعض الأخبار التي وردت بظهور النبي المكرم و نشر طرف من الآثار التي ثبتت في شمائله تحرك الخاطر العاطر أن يتشرف بذكر شي‏ء من شمائله و نبذة من فضائله لتقرأ في بعض المجالس التي تعد في الليالي و الأيام ليطيب قلب من حضر في الاستماع من الخاص و العام لنتصل ببركة هذه الأخبار إلى سائر المؤمنين و المؤمنات و تدوم صحة العافية بين المسلمين و المسلمات و إن الله تعالى ولي الخيرات و منه التوفيق و الإجابات و هو الهادي إلى سواء السبيل و هو حسبنا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏. قال أبو الحسن بن عبد الله هذا الكتاب أنوار محمد(ص)و انتقاله من الأصلاب الكريمة إلى البطون الطاهرة الرحيمة و قد رتبته سبعة أجزاء.

روى أبو الحسن عن كعب الأحبار و وهب بن منبه عن عبد الله بن العباس قال‏

: لما أراد الله تعالى أن يخلق سيد المرسلين و أشرف الأولين و الآخرين و خاتم النبيين قال الله تعالى للملائكة إني أريد أن أخلق خلقا أفضله على الخلق أجمعين و أجعله أشرف‏

5

الأولين و الآخرين و المشفع فيهم يوم الدين فلولاه ما زخرفت الجنان و لا أسعرت النيران فاعرفوا منزلته و محله و أكرموه لكرامتي و عظموه لعظمتي فقالت الملائكة ما اعتراض العبد على مولاه نعوذ بالله و بجلالك أن نعصيك‏

و قيل إن المسئول عن ذلك زوج البتول و ابن عم الرسول علي بن أبي طالب(ع)و هو مشهور بين أهل العلم المقطوع بخبرهم‏

بحذف الأسانيد قال علي(ع)

: كان الله تعالى و لا شي‏ء معه فأول ما خلق نور حبيبه قبل أن يخلق الماء و العرش و الكرسي و اللوح و القلم و الجنة و النار و الحجاب و السحاب و آدم و حواء بأربعة آلاف عام فأمر الله تعالى طاوس الملائكة و هو جبرئيل لما خلق نور محمد(ص)بقي ألف عام واقفا بين يدي الله عز و جل يسبحه و يحمده فقال الله يا عبدي أنت المراد و أنا المريد و أنت خيرتي من خلقي فو عزتي و جلالي لولاك ما خلقت الأفلاك و لا الدنيا و لا الأرض فمن أحبك أحببته و من أبغضك أبغضته فتلألأ نور رسول الله(ص)و ارتفع شأنه و شعاعه فخلق الله تعالى من نوره اثني عشر حجابا

6

أولها حجاب القدرة ثم حجاب العظمة ثم حجاب العزة ثم حجاب الهيبة ثم حجاب الجبروت ثم حجاب الرحمة ثم حجاب النبوة ثم حجاب الكبرياء ثم حجاب المنزلة ثم حجاب الرفعة ثم حجاب السعادة ثم حجاب الشفاعة ثم أمر الله تعالى نور محمد(ص)أن يدخل في حجاب القدرة فدخل و هو يقول سبحان عالم السر و الخفي عشرة آلاف عام و ثم أمره أن يدخل في حجاب العزة فدخل و هو يقول سبحان الملك المنان تسعة آلاف عام ثم دخل في حجاب الجبروت و هو يقول سبحان الكريم الأكرم ثمانية آلاف عام ثم دخل في حجاب الرحمة و هو يقول سبحان رب العرش سبعة آلاف عام ثم دخل في حجاب المنزلة و هو يقول سبحان ربي العظيم الأعظم ستة آلاف عام ثم دخل في حجاب الكرامة و هو يقول سبحان ربي الحميد المجيد خمسة آلاف عام ثم دخل في حجاب الرفعة و هو يقول سبحان ذي الملك و الملكوت أربعة آلاف عام ثم دخل في حجاب السعادة و هو يقول سبحان من نزل الأشياء و لم يزل ثلاثة آلاف عام ثم دخل في حجاب‏

7

الشفاعة و هو يقول سبحان الله ربي العظيم و بحمده ألفي عام ثم دخل في حجاب الكبرياء و هو يقول سبحان ذي العزة و السلطان ألف عام‏

و قال علي ع‏

: إن الله تعالى خلق من نور محمد(ص)عشرين بحرا و بكل بحر علوم لا يعلمها إلا الله تعالى ثم قال لنور محمد(ص)انزل في بحر العزة ثم في بحر الصبر ثم في بحر الخشوع ثم في بحر التواضع ثم في بحر الرضا ثم في بحر الوقار ثم في بحر الحكم ثم في بحر التقى ثم في بحر الخشية ثم في بحر الإنابة ثم في بحر العلم ثم في بحر العمل ثم في بحر المزيد ثم في بحر الهناء ثم بحر الصيانة ثم بحر الحياء ثم في بحر التقوى إلى أن تقلب في ثمانية و عشرين بحرا فلما خرج من آخرها ناداه الله تعالى يا حبيبي و سيد رسلي و يا أول مخلوقاتي و آخر رسلي أنت الشفيع يوم المحشر قال فخر النور ساجدا ثم قام و هو عرقان فقطرت منه قطرات كان عددها مائة و أربعة و عشرين ألف فخلق الله من كل قطرة نبيا من أنبيائه قال فلما كملت صارت تطوف حول نوره كما يطوف الحاج ببيت الله الحرام و هم يسبحون الله و يقدسونه و يقولون سبحان من هو غني‏

8

لا يفتقر قال فناداهم الله تعالى أ تعرفون من أنا؟ فسبقهم نور محمد(ص)قبل تلك الأنوار و قال أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك رب الأرباب و مالك الملوك و إذا بالنداء من قبل الله تعالى أنت صفوتي و أنت حبيبي و خيرة خلقي و أمتك خير

أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ‏

قال علي بن أبي طالب(ع)ثم خلق من نور محمد(ص)جوهرة و قسمها نصفين فنظر إلى القسم الأول بعين الهيبة فصار ماء عذبا و نظر إلى القسم الثاني بعين الشفقة فخلق منه العرش و خلق من نوره الكرسي و اللوح ثم خلق من نور اللوح القلم ثم قال له اكتب قال و ما أكتب قال اكتب توحيدي و عظمتي قال فبقي القلم سكران ألف عام من كلام الله تعالى فلما أفاق قال اكتب لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله قال فلما سمع القلم حلاوة ذكر محمد(ص)خر ساجدا و هو يقول سبحان الواحد القهار سبحان العظيم الأعظم الجبار ثم رفع رأسه فكتب ثم قال يا رب و من محمد الذي قرنت اسمه باسمك و ذكره بذكرك فقال الله تعالى ما خلقت الخلق إلا لأجله فهو البشير

9

النذير و السراج المنير و حبيب و شفيع فعند ذلك نطق القلم من حلاوة ذكر محمد(ص)و قال السلام عليك يا رسول الله فقال الله تعالى و عليك مني السلام و لأجل ذلك صار السلام سنة و الرد فريضة فقال الله تعالى تأدب يا قلم و اكتب قضائي و قد روي و ما أنا خالقه إلى يوم القيامة ثم خلق الله تعالى من نور محمد(ص)الجنة و زينها بأربعة أشياء منها التعظيم و الإجلال و السخاء و الأمانة و قد أعدها لأوليائه و أهل طاعته ثم نظر إلى باقي الجوهرة بعين الهيبة فذابت فخلق من دخانها السماوات و من زبدها الأرض فصارت تموج بأهلها كالسفينة فخلق الجبال و أرساها ثم خلق ملكا من عظمته أعظم ما يكون في القوة فدخل تحت الأرض و أخرج يدا له بالمشرق و يدا له بالمغرب ثم أمسك أطراف الأرضين ثم لم يكن لقدمي الملك قرار فخلق صخرة عظيمة و جعلها تحت قدمي ذلك الملك ثم لم يكن للصخرة قرار فخلق ثورا عظيما لم يقدر أحد يعاين إليه من أجل خلقته و بريق عينيه حتى لو وضعت البحار كلها في أحد منخريه ما كانت إلا خردلة ملقاة في فلاة فدخل تحت‏

10

الصخرة و حملها على ظهره و اسم الثور لهوتا ثم لم يكن لقدمي الثور قرار فخلق الله تعالى حوتا عظيما و اسم الحوت بهموت فدخل تحت قدمي الثور فاستقر عليها فالحوت على الماء و الماء على الهواء و الهواء على الظلمة ثم انقطع علم الخلائق عن الذي تحت الظلمة ثم خلق الله تعالى العرش من ضياءين أحدهما العدل و الثاني الفضل ثم أمر الله تعالى تلك الضياءين فانقسموا قسمين فخلق الله منهما أربعة أشياء العقل و العلم و الحلم و السخاء ثم خلق الله تعالى من العقل الخوف و من العلم الرضا و من الحلم المودة و من السخاء المحبة ثم عجنها كلها بطينة محمد(ص)و أهل بيته و المؤمنون ثم خلق الشمس و القمر و النجوم و الليل و النهار و الضياء و الظلام و الملائكة كل ذلك من نور محمد(ص)قال فلما تكاملت الأنوار سكن نور محمد سبعين ألف عام ثم انتقل إلى الجنة و بقي فيها سبعين ألف عام ثم انتقل إلى السماء السابعة ثم انتقل إلى السماء السادسة ثم انتقل إلى الخامسة ثم إلى الرابعة ثم إلى الثالثة ثم إلى الثانية ثم إلى السماء الدنيا قال و بقي نوره إلى أن أراد الله تعالى أن يخلق آدم فأمر جبرئيل أن يهبط إلى الأرض‏

11

و يقبض منها قبضة فنزل فسبقه إبليس لعنه الله إلى الأرض و قال إن الله تعالى يريد أن يخلق منك خلقا و يعذبه بالنار فإذا أتاك الملك فقولي أعوذ بالله منك إن أخذت مني شيئا يكون للنار فيه نصيب قال فلما أتاها الملك جبرئيل قالت إني أعوذ بالله الذي أرسلك بأن لا تأخذ مني شيئا يكون فيه نصيب للنار قال فرجع و لم يقبض منها شيئا و قال يا رب استعاذت بك فرحمتها فبعث ميكائيل فأقسمت عليه فرجع و لم يأخذ شيئا و قال كذلك ثم بعث إسرافيل فرجع و لم يأخذ شيئا ثم بعث عزرائيل فقالت أعوذ بالله منك أن تأخذ مني شيئا فلم يلتفت إليها فقبض منها قبضة و رجع بها إلى الله فقال الله جل اسمه خذ من أعلاها و أدناها و أبيضها و أسودها و أحمرها و أصفرها و أخشنها و أنعمها فلذلك اختلفت ألوانهم و أخلاقهم فمنهم الأبيض و الأسود و الأصفر و الأحمر ثم قال الله تعالى لعزرائيل أ لم تتعوذ الأرض منك بي؟ قال بلى و لكني لم ألتفت إليها لأن طاعتك أولى من رحمتي لها فقال الله تعالى اعلم أني سأخلق منها أنبياء و صالحين و غيرهم و أجعلك تقبض‏

12

أرواحهم قال فبكى عزرائيل لما سمع ذلك و قال إذا كنت كذلك كرهوني الخلائق فقال الله تعالى لا تخف فإني أخلق لهم عللا ينسبون الموت إليها قال ثم إن الله أمر جبرئيل بأن يأتيه بالقبضة البيضاء التي كانت أصلا فأقبل جبرئيل(ع)و معه الكروبيون من الملائكة و الصافون و المسبحون ثم قبضها من موضع ضريح النبي(ص)من البقعة المضيئة المختارة من بقاع الأرض فعرج بماء التسنيم و ماء التعظيم و ماء التكريم و ماء الكوثر و ماء الرحمة و ماء الرضا و ماء العفو ثم خلق الله سبحانه و تعالى من الهيبة رأسه و من الشفقة قلبه و من السخاء كفيه و من الصبر فؤاده و من العفة فرجه و من الشرف قدميه و من اليقين قلبه و من الطيب نفسه ثم خلط ذلك كله بطينة آدم قال فلما أراد الله تعالى أن يخلق آدم و حواء أوحى إلى الملائكة

إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ‏

قال ثم إن الملائكة حملوا جسد آدم(ع)و وضعوه على باب الجنة و هو جسد بلا روح و الملائكة ينتظرون متى يؤمرون بالسجود قال فلما كان يوم الجمعة بعد الظهر أمر الله‏

13

تعالى الملائكة بالسجود فسجدوا إلا إبليس ثم خلق بعد ذلك الروح و قال ادخلي في هذا الجسد فرأت الروح مدخلا ضيقا فوقفت فقال لها ادخلي كرها و اخرجي كرها و قد نظم في ذلك الشيخ الرئيس العالم الحكيم أبو علي بن سينا يصف الروح حيث دخلت كرها و خرجت كرها ينشد و يقول أفلح من يصلي على الرسول و آله‏

هبطت إليك من المحل الأرفع‏* * * ورقاء ذات تعزز و تمنع‏

محجوبة عن كل مقلة عارف‏* * * و هي التي سفرت و لم تتبرقع‏

وصلت على كره إليك و ربما* * * كرهت فراقك و هي ذات تفجع‏

أنفت و ما أنست فلما واصلت‏* * * ألفت مفارقة الخراب البلقع‏

و أظنها نسيت عهودا بالحمى‏* * * و منازلا بفراقها لم تقنع‏

14

حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها* * * في ميم مركزها بذات الأجرع‏

علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت‏* * * بين المعالم و الطلول الخضع‏

تبكي إذا ذكرت ديارا بالحمى‏* * * بمدامع تهمي و لما تقطع‏

و تضل ساجمة على الدمن التي‏* * * درست بتكرار الرياح الأربعي‏

إذ عاقها الشرك الكثيف و صدها* * * قفص عن الأوج الفسيح المربع‏

حتى إذا قرب المسير إلى الحمى‏* * * و دنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع‏

و غدت مفارقة لكل مخلف‏* * * عنها حليف الترب غير مشيع‏

هجعت و قد كشف الغطاء فأبصرت‏* * * ما ليس يدرك بالعيون الهجع‏

و بدت تغرد فوق ذروة شاهق‏* * * و العلم يرفع كل من لم يرفع‏

فلأي شي‏ء أهبطت من شامخ‏* * * سام بالقعر الحضيض الأوضع‏

15

إن كان أرسلها الإله لحكمة* * * طويت عن الفطن اللبيب الأروع‏

فهبوطها إن كان ضربة لازب‏* * * لتكون سامعة لمن لم تسمع‏

فتعود عالمة بكل خفية* * * في العالمين و خرقها لم يرقع‏

و هي التي قطع الزمان طريقها* * * حتى لقد غربت بغير المطلع‏

فكأنها برق تألق بالحمى‏* * * ثم انطوى فكأنه لم يلمع‏

أنعم برد جواب ما أنا فاحص‏* * * عنها فنار العلم غير تشعشع‏

قال: ثم دخلت الروح في الخيشوم و العين فجعل آدم ينظر إلى نفسه و يسمع تسبيح الملائكة قال فلما وصلت إلى الخياشيم عطس آدم(ع)قال فأنطقه الله تعالى بالحمد و قال الحمد لله فقال‏

16

له يرحمك الله يا آدم فلهذا خلقتك و هذا لولدك من بعدك إن قالوا مثلما قلت و لم يكن على إبليس أشد من تسميت العاطس قال فلما فتح آدم(ع)عينيه رأى مكتوبا على العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله(ص)علي ولي الله قال فلما وصلت الروح إلى ساقيه أراد أن يقوم قبل أن تصل إلى قدميه فلم يطق النهوض فلذلك قال الله تعالى خلق‏

الْإِنْسانُ عَجُولًا

و روي عن الصادق(ع)قال‏

: كانت الروح في رأس آدم مائة عام و في صدره مائة عام و في ظهره مائة عام و في قدميه مائة عام فلما استوى أمر الله الملائكة بالسجود و كان بعده صلاة الظهر من الجمعة فلا زالوا ساجدين قال و سمع آدم في ظهره نشيشا كنشيش الطير و تسبيحا و تقديسا فقال آدم(ع)يا رب ما هذا؟ قال هذا تسبيح محمد خاتم الأنبياء و المرسلين و سيد الأولين و الآخرين فخذ بعهد و لا تودعه إلا في الأصلاب الطاهرة و الأرحام الزكية من الرجال و النساء فقال يا رب زدتني في هذا المولود شرفا و وقارا قال و كان وقار محمد(ص)كالشمس المضيئة في غرة آدم و قد أنارت‏

17

السماوات و الأرضين و العرش و الكرسي و كان إذا أراد أن يأتي حواء يأمرها أن تتطهر و تتطيب و هو يقول عسى أن يرزقك الله تعالى هذا النور فهو وديعته قال و لم يزل النور في غرة آدم(ع)إلى أن حملت حواء بشيث و كانت الملائكة يأتونها و يهنئونها قال فلما وضعته كان بين عينيه نور محمد(ص)يشتعل فعندها فرحت به و ضرب جبرئيل بينها و بين إبليس حجابا من نور عمقه خمسمائة عام و لم يزل محجوبا إلى أن بلغ شيث مبالغ الرجال فلما بلغ قال له يا بني إني مفارقك عن قريب فادن مني لآخذ عليك العهد و الميثاق كما أخذه الله علي من قبل ثم رفع رأسه إلى السماء و كان قد علم الله ما يريد آدم فأمر الله الملائكة بالإمساك عن التسبيح و لفت أجنحتها و أشرفت سكان الجنان من غرفاتها و سكن صرير القلم و صرير أنهارها و جريانها و تصفيق أوراقها قال و تطاولت لاستماع ما يقول آدم(ع)ثم نودي قل يا آدم ما أنت قائل فقال اللهم رب القدرة و منير الشمس خلقتني كيف شئت و قد أودعتني منه التشريف و الكرامة و قد صار لولدي شيث فأريد أن آخذ عليه العهد و الميثاق كما أخذته علي فكن شاهدا عليه قال و إذا بالنداء من قبل‏

18

الله تعالى خذ عليه العهد و الميثاق فأشهد عليه جبرئيل و ميكائيل و الملائكة أجمعين فأقبل جبرئيل على آدم و قال يا آدم ربك يقرئك السلام و يقول لك اكتب على ولدك شيث كتابا بالعهد و الميثاق و أشهد عليه الله و جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و الملائكة أجمعين قال فكتب الكتاب و ختمه جبرئيل بخاتمه و دفعه إلى شيث و كساه قبل انصرافه حلتين حمراءتين أضوأ من الشمس و أرق من الماء لم تقطع و لم توصل بل قال لها الجليل كوني فكانت ثم تفرقا بعد ذلك قال فقبل شيث العهد و ألزمه نفسه و لم يزل ذلك النور بين عينيه حتى تزوج المجلولة البيضاء و كانت بطول حواء و انتقل إليها ذلك النور بخطبة جبرئيل فلما وطئت حملت بأنوش فلما حملت به سمعت مناديا ينادي هنيئا لك يا بيضاء فقد استودعك الله سيد الأولين و الآخرين قال فلما ولدت بأنوش أخذ شيث عليه العهد و الميثاق كما أخذه عليه آدم قال و انتقل ذلك النور إلى ولده قينان و من قينان إلى مهلائيل و منه إلى أدد و من أدد إلى أخنوخ و هو إدريس و أودعه إدريس إلى ولده متوشلخ و أخذ عليه العهد ثم انتقل إلى لمك و من لمك إلى نوح و من نوح إلى ولده سام و منه إلى‏

19

ولده ارفخشذ ثم إلى ولده عابر و من عابر إلى ناخور و منه إلى تارح و من تارح إلى إبراهيم و من إبراهيم إلى إسماعيل ثم انتقل إلى قيدار ثم إلى نبت ثم إلى الهيمع ثم انتقل إلى يعهد ثم يشخب و منه إلى أدد و من أدد إلى عدنان ثم إلى معد و منه إلى نزار و من نزار إلى مضر و منه إلى إلياس و من إلياس إلى مدركة و منه إلى خزيمة و منه إلى كنانة و منه إلى قصي و من قصي إلى لؤي و من لؤي إلى غالب و منه إلى فهر و منه إلى عبد مناف و منه إلى هاشم و سمي هاشم لأنه هشم الثريد لقومه و كان اسمه عمرو العلا و كان نور محمد في وجهه و كان إذا أقبل تضي‏ء منه الكعبة و تكتسي من نوره نورا شعشعانيا و يرتفع من نور وجهه نور إلى السماء و خرج من بطن أمه عاتكة بنت مرة بن فلح بن دوكان و له ضفيرتان كضفيرتي إسماعيل تتقد نورا فتعجب الناس من ذلك و سارت إليه الركبان من قبائل العرب من كل جانب و مكان فأخبروا بذلك الكهان فأنطقت الأصنام بفضل النبي المختار و كان هاشم لا يمر بحجر و لا مدر إلا و ينادونه أبشر يا هاشم فإنه سيظهر من ذريتك أكرم الخلق على الله و أشرف‏

20

العالمين قال كان هاشم إذا مشى في الظلام أنارت منه الحنادس و يرى ما حوله كما يرى من ضوء المصباح فلما حضرت عبد مناف الوفاة أخذ عليه العهد و الميثاق على أنه لا يودع نور رسول الله(ص)إلا في الأرحام الزكية من أكرم الناس فقبل هاشم هذا العهد و الميثاق و ألزمه على نفسه و قال و جعل ملوك الأرض تتطاول إلى هاشم يريدونه أن يتزوج منهم و يبذلون له الجزيل من المال و هو يأبى عليهم و كان كل يوم يمضي إلى الكعبة و يطوف بها سبعا و يتعلق بأستارها و كان هاشم إذا قصده قاصد أكرمه و كان يكسي الكعبة و يكسي العريان و يطعم الجوعان و يفرج عن المعسر و يوفي عن المديون و من أصيب بدمه يرفعه عنه و كان بابه لا ينغلق عن صادر و لا وارد و إذا أولم وليمة أو أطعم طعاما و فضل منه شيئا أمر أن يرمى إلى الوحش و الطير حتى تحدثوا بجوده في الآفاق و سيدوه أهل مكة بأجمعهم و شرفوه و عظموه و سلموا إليه مفاتيح الكعبة و السقاية و الحجابة و الرفادة و أمور الناس و لواء نزار و قوس إسماعيل و قميص إبراهيم و نعل شيث و خاتم نوح فلما احتوى على‏

21

ذلك كله ظهر فخره و مجده و كان يقوم بالحاج و يدعوهم و يتولى أمورهم و يكرمهم و لا ينصرفون إلا شاكرين و كان إذا استهل هلال ذي القعدة الحرام و ذي الحجة يأمر الناس بالاجتماع إلى مكة فإذا تكاملوا قام فيهم خطيبا و قال يا معشر الناس إنكم جيران الله و أهل بيته و إنه سيأتيكم في هذا الزمان زوار بيت الله الحرام و هم ضيفان الله و ضيفانكم و الأضياف أولى بالكرامة و قد خصكم الله تعالى بهم و أكرمكم و اعلموا أنهم سيأتونكم شعثا غبرا

مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ‏

و واد سحيق فأكرموهم يكرمكم الله تعالى قال و كانت قريش تخرج المال الكثير من أموالهم قال و كان هاشم ينظف أحواض الأديم و يجعل فيها ماء زمزم و باقي الحيضان من سائر المياه حتى يشربون الحاج و كان عادته يطعمهم قبل التروية بيوم و كان يحمل الطعام إلى منى و عرفة و كان هاشم يقود لهم اللحم و السمن و التمر و يسقيهم اللبن إلى أن تصدر الناس من مكة ثم يقطع هاشم الضيافة قال صاحب الحديث و قد بلغ أنه قد وقع بمكة ضيق و جدب و غلاء و لم يكن عندهم شي‏ء يزودون به الحاج قال فبعث هاشم أباعرا فباعها

22

و اشترى بثمنها عسلا و زبيبا و لم يترك عنده قوت يوم واحد بل بذل ذلك للحاج فكفى ذلك الطعام جميعا و صدر الناس يشكرونه في الآفاق و في جميع الأمصار و فيه يقول الشاعر صل على خير الورى‏

يا أيها الرجل المجد رحيله‏* * * هلا مررت بدار عبد مناف‏

ثكلتك أمك لو مررت بداره‏* * * لعجبت من كرم و من أوصاف‏

عمرو العلا هشم الثريد لقومه‏* * * و القوم فيها مسنتون عجاف‏

بسطوا إليك الراحتين كلاهما* * * عند الشتاء و رحلة الإيلاف‏

قال فبلغ خبره إلى النجاشي ملك الحبشة و إلى قيصر ملك الروم فكاتبوه و أرسلوا إليه أن يهدوا له بناتهم رغبة في النور الذي في وجهه و هو نور رسول الله(ص)لأن كهانهم و رهبانهم أعلموهم بأن ذلك النور الذي في وجهه نور رسول الله فأبى هاشم عن ذلك و تزوج من نساء قومه و رزق منهم أولادا و كان أولاده أسد و نضر و عروة و أما البنات فصفية و رقية و خالدة و الشعثاء فهذه جملة الإناث و الذكور و نور رسول الله لم يزل في وجهه فعظم ذلك عليه و كبر لديه فلما كان في بعض الليالي و قد طاف بالبيت‏

23

و سأل الله تعالى أن يرزقه ولدا فيه نور رسول الله(ص)فأخذه النعاس فانضجع فأتاه هاتف يقول له عليك بسلمى بنت عمرو النجار فإنها طاهرة مطهرة الأذيال فخذها و ادفع لها المال الجزيل فلم تجد لها شبه في الناس فإنك ترزق سيدا يكون منه النبي(ص)قال فانتبه هاشم فأحضر بني عمه و أخيه المطلب و أخبرهم بما رأى في منامه و بما قال الهاتف فقال أخوه المطلب يا ابن أمي إن هذه المرأة المعروفة في قومها كبيرة في نفسها طاهرة مطهرة و قد كملت قدا و اعتدالا و هي سلمى بنت عمرو النجار و هم أهل الإنصاف و العفاف و إنك أشرف منهم حسبا و نسبا و قد تطاولت إليك الملوك و الأكاسرة و الجبابرة فإن شئت نحن لك فقال هاشم الحاجة ما تقضى إلا بصاحبها و قد جمعت فضلات و تجارات و أريد أن أخرج بنفسي إلى غرة الشام لأخرج هذه التجارة بوصل هذه الامرأة فقالوا له أصحابه و بنو عمه نحن معك و نعينك و نفرح لفرحك و نسر لسرورك و ننظر ما يكون من أمرك قال ثم إن هاشم أمرهم أن يتأهبوا للسفر قال فخرج و خرجوا معه في سلاحهم و تيجانهم‏

24

و ملبوسهم و خرج معه العبيد يقودون خيولهم و الأحمال الأديم و معهم الدروع البيض و الجواشن و أخذوا معهم لواء نزار و هم يومئذ أربعين سيدا من بني عبد مناف و عامر و مخزوم و سار القوم حولهم و كان خروجهم على مكة كرها قال فخرج و خرجوا معهم السادات و الأكابر و فتيان الصفا و خرجوا العبيد و النساء لتوديع هاشم بن عبد مناف و ودعوه و رجعوا عنه و سار هو و بنو عمه طالبين يثرب قال صاحب الحديث ثم ساروا و سهل الله عليهم سفرهم حتى أشرفوا على يثرب فلما أشرفوا عليها تهلل نور رسول الله(ص)في غرة هاشم حتى دخل المراقد و البيوت قال فلما رأوهم أهل يثرب بادروا إليهم مسرعين و قالوا لهم من أنتم أيها الناس فما رأينا أحسن منكم جمالا و لا سيما صاحب هذا النور الساطع و الضياء اللامع فقال لهم المطلب نحن وفد بيت الله الحرام و سكان حرم الله و نحن بني كعب بن لؤي بن غالب و هذا هاشم و قد خطبت الملوك و الأكابر فما رغبنا فيهم و رغبنا فيكم و في نسائكم و نريد أن ترشدونا على بيت عمرو بن أسد فأرشدوهم عليه فقال لهم مرحبا بكم يا أرباب العلا

25

و المآثر و الشرف و المفاخر سادات الكرام و مطعمين الطعام و نهاية الجود و الإكرام فلكم عندنا ما تحبون و أفضل ما تطلبون و اعلموا أن المرأة التي خرجتم لأجلها و جئتم طالبين لها هي ابنتي و قرة عيني غير أنها مالكة نفسها و مع ذلك خرجت بالأمس إلى سوق من أسواقنا مع نساء من قومنا إلى سوق يقال له سوق بني قينقاع فإن أقمتم عندنا فأنتم في الغاية و الكفاية فمن الخاطب منكم و الراغب فيها فقالوا جميعا هو صاحب هذا النور الساطع و الضياء اللامع سراج بيت الله الحرام و مصباح الظلام هو الموصوف بالجود و الإكرام هاشم بن عبد مناف صاحب رحلة الإيلاف و الراقي ذروة الأحقاف ثم إن عمرو بن أسد قال بخ بخ لقد علونا و علا فخرنا بخطبتكم لنا ثم قال اعلموا يا من حضر أني رغبت في هذا الرجل أكثر من رغبتكم غير أن أمري غير أمرها و ها أنا أسير معكم فانزلوا يا خير زوار و أكرم بني نزار و قد سبق عمرو إلى قومه و نحر لهم الإبل و صنع لهم الطعام و خرجت لهم العبيد الطعام بالأجفان فأكل القوم بحسب الكفاية و لم يبق أحد منهم من أهل يثرب إلا و خرج ينظر

26

إلى هاشم و إلى نور وجهه و خرجوا الأوس و الخزرج و الناس متعجبين من ذلك النور و خرج اليهود فلما نظروه و عرفوه بالصفات التي في التوراة و العلامات قال فعظم ذلك عليهم و كبر لديهم و بكوا بكاء شديدا فقال بعض اليهود و كان من أحبارهم ما بكاؤكم؟ قالوا من هذا الرجل فإنه سيظهر من صلبه غلام يكون فيه سفك دمائكم و قد جاءكم السفاك الهتاك الذي تقاتل معه الأملاك المعروف في كتبكم أنواره قد ابتدرت و علاماته قد ظهرت قال فبكوا اليهود من هذا القول ثم التفتوا إلى القائل لهذا الكلام فقالوا له يا أبانا إن هذا الذي ذكرته فهل نصل إلى قتله و نكفى شره فقال لهم هيهات حيل بينكم و بين ما تشتهون و عجزتم عما تأملون و اعلموا أن هذا المولود الذي ذكرته لكم تقاتل معه الأملاك من الهواء و يخاطب من السماء و يقول قال لي جبرئيل عن رب العالمين و أمره و نهيه فقالوا هذا يكون بمنزلة الولد فقال إنه أعز من الولد و أكرم أهل السماوات و الأرض عند الله تعالى و أشرف خلق الله فقالوا له أيها السيد الكريم نحن نسعو في إطفاء هذا المصباح من قبل أن‏

27

يتمكن من كل مكروه قال و أظهر القوم العداوة و البغضاء و كان سبب عداوة اليهود لرسول الله من ذلك اليوم قال فلما أصبح هاشم أمر أصحابه أن يلبسوا أفخر أثوابهم و أن يظهروا زينتهم فلبسوا ما كان عندهم من الزينة و أظهروا التيجان و الجواشن و الدروع و البيض و أقبلوا يريدون سوق قينقاع و قد شدوا لواء نزار و أحاطوا بهاشم عن يمينه و شماله فتقدمت العبيد و أبو سلمى معهم و معهم رجال من كبار قومه و هم جماعة من اليهود قال فلما أشرفوا على سوق بني قينقاع و كان يجتمع إليه الناس من أقصى البلاد و أقطارها و سكانها فلما أشرف هاشم على السوق هو و أصحابه و هو بينهم كالبدر المنير بين الكواكب و عليه السكينة و الوقار قال فاندهش أهل السوق و جعلوا ينظرون إلى النور الذي بين عينيه قال و كانت سلمى واقفة بين الناس تنظر إلى هاشم و إلى حسنه و جماله و ما عليه من الهيبة و الوقار إذ أقبل إليها أبوها و قال لها يا سلمى أبشرك بما يسرك و كانت سلمى متعجبة من نفسها ثم قالت فيم تبشرني؟ قال أبشرك أن هذا الرجل لك خاطب و فيك راغب هذا يا سلمى من أهل العفاف و المعروف‏

28

بالجود و الإنصاف هاشم بن عبد مناف و إنه لم يخرج من الحرم لغيرك قال فلما سمعت كلام أبيها أعرضت بوجهها عنه و أدركها الحياء من أبيها و قد أمسكت عن الكلام ثم التفتت إليه و قالت يا أبي إن النساء يفتخرن بالحسن و الجمال و القد و الاعتدال و إذا كان زوج المرأة سيد من سادات العرب و كان مليح المنظر و المخبر فما تقول المرأة و قد علمت ما جرى بيني و بين أحيحة بن الجلاح الأوسي و حيلتي عليه و إنه قد خلعت منه نفسي ثم إنه لم يتمكن من الكلام و إن هذا الرجل قد كبرت عظمته و نور وجهه و علت مروءته و إن إحسانه يدل على فخره إلا أنه لا بد لي أن أطلب عليه المهر و ما أستحقه و لا أصغر حالي و سيكون لنا و لهم خطابا و جوابا و كان ذلك القول تجللا و تجملا لأبيها لأنها لم تصدق بذلك حتى سمعت من أبيها ذلك الكلام ثم نزل هاشم قريب من السوق و اعتزل ناحية و أقبل أهل السوق مسرعين ينظرون إليه. قال صاحب الحديث قد بلغنا أنه قد ضاع من معاشهم شي‏ء كثير حتى اشتغلوا بالنظر إلى وجهه قال فضرب له خيمة بالخز

29

الأحمر و نصب له سرادقان فلما دخل هاشم و أصحابه الخيمة تفرق أهل السوق عنه و جعل أهل السوق يسألون عن هاشم و أمره و ما قدومه عليهم من مكة فقيل لهم خطابا لسلمى بنت عمرو قال فحسدوها عليه و كانت أجمل أهل زمانها و أحسنهم و أكملهم و كانت سلمى جارية تامة معتدلة و كان لها منظر و مخبر كاملة الأوصاف ناعمة الأطراف سريعة الجواب حسنة الأواب عاقلة عفيفة تقية طاهرة مطهرة من الدنس قال فحسدوها على هاشم حتى إبليس اللعين قد تصور لها في صورة شيخ كبير فقال لها يا سلمى أنا من أصحاب هاشم و قد جئتك أخبرك و هي نصيحة مني إليك اعلمي أن لصاحبنا من الحسن و الجمال كما رأيت غير أنه مملول للنساء و لا تقيم المرأة عنده أكثر من شهرين إذا كثر و إلا عشرة أيام و قد تزوج بنساء كثيرة و بعد ذلك جبان في الحروب فقالت سلمى إليك عني فو الله لو ملأ لي حوضا من المال ما قبلته و قد كنت أحببته و رغبت فيه و لقد زالت رغبتي فيه لما ذكرت من هذه الخصال فاذهب عني و انصرف قال فانصرف عنها و تركها

30

في همها و غمها ثم إن إبليس اللعين تصور في صورة رجل آخر و زعم أنه من أصحاب هاشم و قال لها مثلما قال أولا فقالت أ و ليس أرسلت إليه أنه لا يرسل لي بعد ذلك و الله إن بعث أبي رسولا أمرت بضرب عنقه قال فخرج إبليس لعنه الله من عندها فرحا مسرورا و قد صح عنده البغضاء لهاشم و ظن أن هاشم يرجع خائبا قال فدخل عليها أبوها فوجدها في حيرتها و سكرتها فقال لها يا سلمى ما الذي حل بك و اليوم يوم سرورك و فرحك؟ قالت يا أبت لا تزيدني هما فقد فضحتني و شهرت أمري و أردت تزويجي برجل ملول للنساء كثير الطلاق جبان في الحروب قال فضحك أبوها و قال يا سلمى و الله ما لهذا الرجل من هذه الخصال شي‏ء و إنه إلى كرمه الغاية و إلى جوده النهاية و إنما سمي هاشم لأنه هشم الثريد لقومه و أما قولك مطلاق فإنه ما طلق امرأة بعينها و أما قولك جبان في الحروب فإنه أجود أهل زمانه في الشجاعة و إنه معروف عند الناس بالجواب و الخطاب و الصواب فقالت يا أبت فلو كان هذه خصاله فلم جاءني منه رسولان و أخبراني كل واحد منهما بهذا

31

الكلام؟ فقال أبوها ما جاءنا رسول و لا خبر فاصرفي عنك الوسواس ثم خرج من عندها و تركها في همها و قد صح عندها قول الشيطان و أخذ بعقلها و كان الشيطان بذلك الزمان يحضر و يأخذ عقول الناس و يأمرهم و ينهاهم و كانوا يطيعونه و هاشم لا يعلم بذلك و كان قد عول على خطبتها غداة غد في جمع من قومه و أنها سارت في حوائجها و هي تريد أن تنظر إلى هاشم قال فجمع الله بينها و بينه في طريق واحد و كان في ذلك الزمان النساء لا يستحين من الرجال و لا كان يضرب حجابا إلى أن بعث رسول الله قال و كانت طائفة من اليهود بناحية من الخيمة خيمة هاشم فلما اجتمعت سلمى بهاشم عرفته بالنور الساطع و الضياء اللامع و عرفها كذلك ثم قالت يا هاشم قد أحببتك و أردتك فإذا كان في غداة غد فاخطبني من أبي و لا يعز عليك المال فإن طلبوا منك مالا ساعدتك عليه فلما أصبح الصباح تأهب هاشم للقاء القوم فتزينوا بزينتهم و أومى إلى أخيه المطلب أن اخطبها فإذا تكاملوا أهل سلمى أنبأ عليهم بالكلام قال فعند ذلك تكاملوا أهل سلمى و دخل هاشم‏

32

و أصحابه فعند ذلك قام من في المجلس و جلس هاشم و أصحابه في صدر المجلس و تطاولت القوم إلى هاشم بالأعناق فابتدأ هاشم بالكلام و ساعده أخوه المطلب و قال يا أهل الشرف و الإكرام و الإنعام نحن أهل البيت الحرام و المشاعر العظام و زمزم و المقام و إلينا سعت الأقدام و إلينا يورد الواردون و أنتم تعلمون شرفنا و ما خصنا الله به من النور الساطع و الضياء اللامع و نحن من لؤي بن غالب بن كعب و قد انتقل النور من عبد مناف إلى أخينا هاشم يجري من ظهور طاهرات إلى بطون مطهرات و قد ساقه الله إليكم و أقدمه عليكم فنحن لكريمتكم خاطبون و فيكم راغبون فقال عمرو أبو سلمى لكم التحية و الإكرام و الإجابة و الإنعام و قد أعطيتم و أجبنا دعوتكم و أطعنا وسيلتكم و أنتم تعلمون علمنا و لا تخفى عليكم أحوالنا و لا بد من تقديم المهر كما سلف آباؤنا الماضون و أجدادنا الأقدمون و كذلك آباؤكم و لو لا ذلك ما واجهناكم بشي‏ء و لا قابلناكم به أبدا قال فعند ذلك تقدم و تكلم المطلب و قال لكم عندي مائتي ناقة حمر الوبر سود الحدق لم يعلها فحل و لا جمل‏

33

قال فبكى إبليس لأنه من جملة من حضر و جلس مقابل أبي سلمى فأشار إليه أن اطلب الزيادة فقال عمرو النجار يا معاشر السادات ما هذا قدر ابنتنا عندكم فقال المطلب و لكم ألف مثقال من الذهب الأحمر قال فغمز إبليس بحاجبيه لعمرو أبي سلمى و أشار إليه أن اطلب الزيادة فقال يا فتى قصرت في حقنا و أقللت فيما بذلت فقال و لكم عندي حمل بعير و عشرة أثواب من قباطي مصر و عشرة من العراق فقد أنصفتكم قال فغمز إبليس لعمرو أبي سلمى و أشار عليه أن اطلب الزيادة فقال أبوها يا فتى أقربت و أجملت فقال المطلب نعمة و كرامة قال المطلب و لكم خمس وصائف برسم الخدمة فهل تريد أكثر من ذلك؟ قال فأشار عليه إبليس أن اطلب الزيادة فقال عمرو إن الذي بذلتموه هو إليكم راجع فقال المطلب و لكم عشرة أوراق من المسك الأذفر و خمس أوراق من الكافور فهل رضيتم أم لا فهم إبليس أن يغمز لأبي سلمى فصاح عليه صيحة عظيمة و قال قم و اخرج يا قبيح المنظر و شيخ السوء فعند ذلك قام إبليس خارجا و اليهود معه فقال إبليس يا عمرو إن المهر الذي‏

34

اشترطته في مهر ابنتك قليل و إنما أردت أن أطلب لابنتك من القوم ما تفتخر به على أهل زمانها و لقد هممت أن أشترط عليهم أن يبني لها قصر طوله خمسة فراسخ و عرضه مثل ذلك و يكون شاهقا في الهواء باسقا في السماء و يكون أعلاه مجلس تنظر منه إلى إيوان كسرى و تنظر إلى المراكب منحدرات في البحر ثم يجلب إليه نهر من دجلة و من الفرات عرضه مائة ذراع تجري فيه المراكب منحدرات و مصعدات ثم يغرس على باب القصر نخلات معتدلات مسطرات لا ينقطع ثمرها قيض و لا شتاء فقال المطلب حين سمع كلامه لقد أسرفت يا شيخ في مقالك فمن يقدر يصل إلى ذلك ثم صاح عليه عمرو و المطلب و أخذته الصيحة من كل جانب و مكان و كان مراد إبليس اللعين انفساخ المجلس ثم قال ارمون بن يقطون إن هذا الشيخ أحكم الحكماء و واحد البلغاء و هو معروف عندنا في بلاد العراق و الشام و بعد ذلك ما نزوج ابنتنا بغريب في غير بلادنا ثم قامت اليهود بأجمعهم و كانوا أربعمائة يهودي و كان أهل الحرم سبعون سيدا فجردوا سيوفهم ثم قال‏

35

لأصحابه دونكم القوم فهذا تأويل رؤياي قال فوقعت فيهم الصيحة فوثب المطلب على ارمون بن يقطون و وثب هاشم على إبليس فعطف يريد الهرب فأدركه هاشم و قبض على جميع أطرافه و جلد به الأرض جلدة فصاح صيحة عظيمة لما غشيه نور رسول الله(ص)فصار ريحا قال فالتفت هاشم إلى أخيه المطلب و إذا هو قد قتل ارمون بن يقطون و قد قسمه نصفين و هاشم و أصحابه قد قتلوا من اليهود خلقا كثيرا و وقعت الرجفة في المدينة و خرجت الرجال و النساء فانهزمت اليهود على وجوههم و رجع أبو سلمى و قال مزجتم الفرح بالترح و ما كان سبب الفتنة إلا إبليس اللعين قال فرفعوا السيف عن اليهود و ذلك بعد أن قتلوا منهم اثنين و سبعين رجلا و كان عداوة اليهود لرسول الله من ذلك اليوم ثم إن هاشم قال لأصحابه هذا تأويل رؤياي ثم إن اليهود افتقدوا حبرهم فلم يجدوه فقال لهم هاشم يا معشر اليهود إنما أغواكم الشيطان الرجيم فانظروا إلى صاحبكم فإن وجدتموه فهو كما زعمتم أنه من حكمائكم و أن لم تجدوه فهو ليس كما زعمتم‏

36

فقد بينكم و بينه و قد ظننتم أنه من أحباركم فقد أغواكم قال ثم إن أبا سلمى مضى لابنته لإصلاح شأنها فلم يبق أحد من أصحابه إلا و قد حضروا و رجعوا إلى أماكنهم و حطوا أسلحتهم و قد امتلئوا غيضا على اليهود قال فجلس هاشم و من حوله أصحابه و مضى عمرو إلى منزله و أصلح الوليمة و الكرامة و أمر العبيد يحملون الأجفان المترعة باللبن و لحم الضأن و الإبل و السمن ثم إن عمرو مضى إلى ابنته سلمى و قال لها إن الرجل الذي بلغك أن هاشم جبانا فقد نطق بالحال و ايم الله لما أمسكني و أعطفني عليه و على أصحابه ما ترك من القوم أحد قالت سلمى يا أبت افصل المهر على كل حال يكون و لا تطل الملامة قال فلما أكل هاشم الطعام و معه أصحابه و فرغوا من الأكل أقبل عليهم عمرو أبو سلمى و قال يا معاشر السادات الكرام اصرفوا عن قلوبكم الهم و الغم و الحزن و نحن لكم و ابنتنا هدية منا إليكم فقال له المطلب أيها السيد الكريم لك بها ما ذكرناه و زيادة ثم قال لأخيه هاشم رضيت بما تكلمت به عليك؟ فقال هاشم رضيت بذلك و هو عندي يسير قال‏

37

فعند ذلك تصافحوا و مضى أبو سلمى إلى منزله و أقبل و في يده دراهم و دنانير فنثر الدراهم و الدنانير على رأس هاشم و نثر الدراهم على رأس أصحابه ثم نثر عليهم سحيق المسك الأذفر و الكافور و العنبر فعمم أطمارهم ثم قال أبو سلمى يا هاشم أ تحب الدخول على زوجتك هذه الليلة أو تصبر عنها هذه الليلة حتى يصلح شأنها فقال هاشم بل أصبر لا بأس بالصبر فعند ذلك هيئوا مطاياهم و أمر بتقديمهن فركبوهن و تهيئوا للخروج. ثم إن هاشم دفع إلى أخيه المطلب ما حضره من الدراهم و أمره أن يدفعها إلى سلمى فلما أوصلها إليه المطلب فرحت بذلك الأمر قال فدفع إليها المال فقبلته منه و قالت يا سيد الحرم و خير من سعى على قدم أقرئ أخاك السلام و قل له ما الرغبة إلا فيك فاحفظ منا ما حفظناه منك و قل له مثلما أقول لك فقال لها قولي ما بدا لك فقالت إني امرأة كان لي زوج اسمه أحيحة بن الجلاح الأوسي و كان كثير المال فلما تزوج بي شرطت عليه أنه متى أساء فارقته كان من قصتي أني رزقت منه ولدا فأردت أن أفارقه فأخذت‏

38

خيطا و ربطت فيه رجل الطفل فجعل يبكي تلك الليلة و جعلنا نساهره حتى مضى من الليل ثلثه أو نصفه فقطعت الخيط من رجل الطفل فنام عند ذلك هو و أبوه فخرجت إلى أهلي فلما انتبه الرجل لم يجدني فعلم أنها مني حيلة و أنا قد عرفتك بهذا الحديث لتوصي بذلك أخاك لكي لا يخفى عليه شي‏ء من أمري و لا يشتغل عني ببعض نسائه. فعند ذلك قال المطلب اعلمي أن أخي تطاولت إليه الملوك في خطبته و رغبوا في تزويجه فأبى حتى أتاه هاتف في منامه فأخبره بخبرك فرغب فيك و أراد أن يستودعك الذي استودعه من الأنبياء فأسأل الله أن يتم لك السرور و يقيك شر كل محذور. ثم إنه خرج من عندها و هي تشتغل بشأنها و معها نساء من قومها. فمضى المطلب إلى أخيه و أخبره بما قالت سلمى فضحك هاشم من ذلك الكلام ثم قال له قد بلغت الرسالة.

39

ثم إن هاشم أقام أياما و دخل على زوجته سلمى في مدينة يثرب و حضر عرسها الحاضر و البادي من جميع الجهات و دخل هاشم فرأى ما يسره من الحسن و الجمال و الهيبة و الوقار ثم إن سلمى دفعت إليه جميع مالها الذي عندها و زادته أضعاف ما دفع إليها فلما واقعها حملت منه في ليلتها بعبد المطلب جد رسول الله ص.

فهذا حديث تزويج سلمى بنت عمرو النجار و ما جرى في تزويجها من الأحاديث و العجائب و الغرائب. قال الراوي و تم معها أيام عرسها في خير وافر و عز شامل و أهل يثرب كل يوم يعملون الولائم و يطعمون الناس إكراما لهاشم و أصحابه و سلمى قد زادها حسنا و جمالا على حسنها و هم يهنئونها على ذلك الشرف العالي الذي خصها الله به و خص قومها و افتخارها. فيها تحدثت الكهان و الأحبار عن صفة رسول الله(ص)و أن يكون الخير الكامل و العز الشامل فهو بفضل رسول الله‏

40

و ما يكون من ولد هاشم و ما يتم له من القتال مع اليهود و سلمى و قومها يقتلون اليهود و يرجعون اليهود بالذلة و الانكسار و قال و لم يقم عندها هاشم إلا أياما قلائل و سافر إلى غرة الشام و مات بها رحمة الله عليه‏ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ و قد كمل الجزء الأول من كتاب الأنوار أنوار رسول الله ص‏

41

الجزء الثاني من كتاب الأنوار في مولد النبي محمد (ص)

قال: حدثنا أشياخنا و أسلافنا الرواة لهذا الحديث-

لما تزوج هاشم بن عبد مناف بسلمى بنت عمرو النجار و انتقل النور الذي كان معه في وجه سلمى و زادها حسنا و جمالا و بهاء و كمالا و قدا و اعتدالا حتى كان الناس يتعجبون من حسنها و جمالها و شاع في جميع الآفاق و كانت إذا مشت يهنئها الشجر و المدر و الحجر بالتحية و الإكرام و تسمع قائلا يقول السلام عليك يا سلمى السلام عليك يا خيرة النسوان و لم تزل تحدث الناس حتى حضر هاشم و كانت تكتم أمرها عن قومها حتى إذا كان ليلة من الليالي سمعت قائلا يقول‏

42

لك البشر إذ أوتيت أكرم من مشى‏* * * و خير الناس من حضر و بادي‏

قال فلما سمعت بذلك قالت لم أدع هاشم يلامسني و لا يقاربني بعد هذا اليوم ثم إن هاشم أقام في المدينة أياما حتى اشتد حمل سلمى و خرج إلى غرة الشام و قام يوصي أزواجه و قال يا سلمى إني أودعك الوديعة التي أودعها الله تعالى آدم ثم أودعها آدم شيث ثم أودعها شيث ولده من بعده و لم يزالوا يتوارثونها من واحد بعد واحد إلى أن وصلت إلينا و قد شرفنا الله بهذا النور و قد أودعه إياك و أنا آخذ عليك العهد و الميثاق بأن توقيه و تحفظيه و إن أنت أتيت به و أنا غائب فليكن عندك بمنزلة الحدقة من العين و الروح بين الجنبين و إن قدرت على أن لا تراه العيون فافعلي فإن له حسادا و أضدادا و أشد الناس عليه عداوة اليهود و قد رأيت ما جرى بيننا و بينهم بالأمس يوم خطبتك و إن لم أرجع من سفري هذا فليكن عندك مكرما محفوظا إلى أن يترعرع و احمليه إلى الحرم دار عزه و نصره ثم قال سمعت و حفظت ما قلت لك قالت نعم سمعت‏

43

و حفظت غير أنك أوجعت قلبي بكلامك و أسأل الله العظيم أن يردك سالما ثم خرج إلى أصحابه و أخيه المطلب و أقبل إليه و قال يا ابن أبي و عشيرتي من بني لؤي اعلموا أن الموت سبيل لا بد منه و أنا راحل عنكم و لا أدري أرجع أم لا و أنا أوصيكم بالاجتماع و إياكم و التفرق و الشتات فتذهب حميتكم و تهان مقدرتكم عند الملوك و يطمع فيكم الطامع و هذا أخي المطلب أعز إخوتي من أمي و أبي و أعز الخلق علي فإن سمعتم نصيحتي فقدموه و سلموا إليه مفاتيح الكعبة و سقاية الحاج و لواء نزار و نعل شيث و قميص إبراهيم و قوس إسماعيل و خاتم نوح و الوفادة و الرفادة و كل ما كان من مكارم الأنبياء و كل ما كان لعبد مناف فإذا فعلتم ذلك سعدتم و إني موصيكم بولدي الذي اشتملت عليه سلمى بنت عمرو إنه يكون له شأن عظيم فلا تخالفوا قولي قالوا سمعنا و أطعنا غير أنك كسرت قلوبنا بوصيتك و أزعجت فؤادنا بقولك هذا ثم إن هاشم سافر إلى غرة الشام بالتجارة و حضر موسمها فباعها جميعا و لم يبق من بضاعته شي‏ء و اشترى ما يصلح له و اشترى لسلمى طرفا و تحفا ثم إنه تجهز للسفر

44

فلما كان في الليلة التي عزم فيها على السفر و الرجوع إلى وطنه طرقته العلة و الفجعة و جاءته السرعة و حوادث الزمان فأصبح مثقلا فارتحلت القافلة و بقي هاشم وحده مع عبيده و غلمانه و أصحابه فقال لهم الحقوا برفقتكم فإني هالك لا محالة ارجعوا إلى مكة و إن مررتم بيثرب فأقرءوا زوجتي مني السلام و أخبروها بخبري و عزوها بشخصي و وصوها بولدي فهو أكبر همي و لولاه ما نلت أمري قال فبكوا القوم بكاء شديدا و قالوا ما نبرح من عندك حتى ننظر ما يكون من أمرك ثم أقاموا تلك الليلة فلما أصبح الصباح على هاشم ترادف عليه الأمر و اشتد عليه القلق فقالوا له كيف تجد نفسك فقال لا مقام لكم عندي أكثر من يومي هذا و غدا توسدوني التراب قال فبكوا القوم و علموا أنه مفارق الدنيا و لم يزالوا يساهرونه إلى الفجر ثم قال لهم أقعدوني و ائتوني بدواة و قرطاس ثم إنهم أتوه بما طلب و جعل يكتب و أصابعه ترتعد و هو يقول باسمك اللهم هذا كتاب كتبه عبد ذليل و قد جاءه أمر مولاه بالرحيل أما بعد فإني قد كتبت لكم هذا الكتاب و روحي من‏

45

الموت تجذب و ما لي لا أجد من الموت مهرب و إني نفذت إليكم جميع أموالي و ضيعتي يا إخواني تقاسموها بينكم بالسوية و لا تنسوا البعيدة الغائبة التي أخذت جمالكم و احتوت على عزكم و جمالكم سلمى بنت عمرو فلا تنسوها و أوصيكم بولدي الذي منها و قولوا لخالدة و صفية و رقية و باقي النساء يبكون بالفجيعة و يندبوني ندب الثكلى و بلغوا سلمى عني أفضل السلام و قولوا لها آه ثم آه إني لم أشبع من قربها و لا من النظر إليها و لا إلى ولدي و السلام عليكم إلى يوم النشور ثم طوى الكتاب و ختمه بخاتمه و دفعه إلى بعض أصحابه ثم قال أضجعوني فأضجعوه فشخص ببصره نحو السماء ثم قال رفقا بي أيها الرسول بما حملت من نور المصطفى فكأنما كان مصباحا فانطفى ثم مات (رحمه الله) فعند ذلك جهزوه و دفنوه و قبره معروف قال ثم عطفوا عبيده و غلمانه على رحله و متاعه و أمواله.

اليوم هاشم قد مضى لسبيله‏* * * يا عين فابكي الجود بالعبرات‏

إن ابن كعب قد مضى لسبيله‏* * * يا عين فابكي الجود بالعبرات‏

و ابكي على البدر المنير بحرقة* * * و ابكي على الضرغام طول حياتي‏

46

صعب الكريهة لا به ألم و لا* * * فشل غداة الروع و الكربات‏

يا عين ابكي غيث جود هاطل‏* * * أعني به ابن عبد مناف و الخيرات‏

و ابكي لأكرم من مشى فوق الثرى‏* * * فلأجله قد أذرفت زفرات‏

قال و سار القوم حتى قاموا إلى يثرب فلما قربوا منها بكوا و نادوا وا هاشماه وا عزاه فخرجن النساء إليهم مع سلمى و أبيها و قومها و نظروا إلى مطايا هاشم و قد جزوا نواصيها و كل مطية من مطايا هاشم عليها شي‏ء من ثياب هاشم قال فلما سمعت سلمى بموت هاشم شقت جيبها و لطمت خدها و نادت وا هاشماه مات و الله من بعدك الكرم و العز من لولدك الذي لم تره عيناك قال فضجوا النساء بالبكاء و النحيب ثم إن سلمى أخذت سيفا من سيوف هاشم و عطفت على ركاب هاشم فعقرتها و حسبت ثمنها على نفسها و قالت أقرءوا المطلب مني السلام و قولوا له إني على عهد أخيه و إن الرجال حرام علي بعده قال ثم ساروا عبيده و غلمانه إلى مكة و كان قد سبقهم الناعي إلى عبد المطلب و أولاده فأقبلوا أهل مكة بالبكاء و النحيب و الضجيج و النوح و العويل و خرجت سادات بني عبد المطلب‏

47

لابسين السواد و نساؤهم كذلك فأقبلت خالدة تلومهم حيث لم يحملوه إلى الحرم و جعلت تقول‏

يا أيها الناعون أكرم من نشا* * * الفاضل ابن الفاضل ابن الفاضل‏

أسد الشرى لا زال يحمي أهله‏* * * من ظالم أو معتد بالباطل‏

ماضي العزيمة أروع ذو همة* * * عليا و جود كالسحاب الهاطل‏

زين العشيرة كلها و عمادها* * * عند الهزاهز طاعنا بالذابل‏

إن السميدع قد ثوى في بلدة* * * بالشام بين صحاصح و جنادل‏

فلما فرغت من شعرها أقبلت إليهم ابنته الشعثاء و قالت بئس العشيرة ضيعوا سيدهم و سلموا عمادهم أ ما كان هاشم عليكم شفيقا إذا نزل به الموت فلم لا تحملوه إلى بلده و عشيرته لنشاهده و بكت و قالت‏

يا عين جودي و سحي دمعك الهطلا* * * على الكريم ثوى بالشام ثم خلا

زين الورى ابن من ألقى به كرما* * * و لم يرى في يديه مذ نشا بخلا

فلما فرغت من شعرها تقدمت ابنته طليقة و جعلت تقول‏

يا أيها الركب الذي تركتموا* * * كريمكم بالشام رهن مقام‏

أ لم تعلموا ما قدره و مقامه‏* * * ألا إنكم أولى الورى بملام‏

48

فيا عبرتي لا تملي فقد مضى‏* * * أخا الجود و الإنصاف تحت رخام‏

فلما فرغت من شعرها تقدمت ابنته رقية و كانت آخر من بكى قالت‏

يا عين جودي بالبكا و العويل‏* * * لأخا الفضل و السخاء الجليل‏

طيب الأصل في العزيمة ماض‏* * * سمهري في النائبات أصيل‏

قال فبكى القوم لذلك و فكوا كتابه و قرءوه فلما رأوا ما فيه جددوا أحزانهم و بكاءهم ثم قدموا أخاه المطلب و سيدوه و قال إن أخي عبد شمس أكبر مني سنا و أحق مني بهذا المكان فقال عبد شمس و ايم الله إنك لخليفة أخي هاشم قال فرضوا أهل مكة بذلك و سلموا إليه مفاتيح الكعبة و السقاية و الوفادة و لواء نزار و قوس إسماعيل و قميص إبراهيم و خاتم نوح و نعل شيث و كان في أيديهم من مكارم الأنبياء قال صاحب الحديث ثم إن سلمى اشتد بها أيام حملها و جاءها المخاض و هي لا تجد وجعا و لا ألما إذ سمعت هاتفا و هو يقول‏

يا زينة النسا من بني النجار* * * بالله اسدلي عليه بالأستار

و احجبيه عن أعين النظار* * * لتسعدي من جملة الأقطار

49

قال فلما سمعت بذلك أغلقت الباب عليها و كتمت أمرها فبينما هي تعالج ما هي فيه إذ نظرت حجاب من نور قد ضرب من حولها من الأرض إلى عنان السماء و حبس الله عنها الشيطان الرجيم فولدت يومئذ بشيبة فقامت من وقتها و ساعتها و تولت نفسها فلما ولد سطع من غرته نور شعشعاني و كان ذلك النور نور رسول الله و الطفل قد ضحك و تبسم قال فتعجبت منه أمه ثم نظرت إليه و إذ في رأسه شعرة بيضاء فقالت نعم أنت شيبة كما سميت صغيرا ثم إن سلمى أدرجته في ثوب من صوف و لم يعلم به أحد من قومها حتى مضت له أيام و صارت تلاعبه و يضحك لها قال فلما كمل له شهرا علموا الناس فأقبلوا إليها القوابل فوجدوه يلاعب إبهامه قال فلما صار له شهران مشى و لم يكن على اليهود أشد منه عداوة و كانوا إذا نظروا إليه امتلئوا غيظا و حنقا و كمدا لما يعلمون ما يظهر من خراب ديارهم و قلع آثارهم و كانت سلمى إذا ركبت ركب معها أبطال الأوس و الخزرج و كانت مطاعة فيهم و كان إذا طلع يلعب مع الأولاد تحبه الناس دون أولادهم و كانت أمه لا تأمن‏

50

عليه أحد فلما تم له سبع سنين اشتد حيله و قوي بأسه و تبين للناس فضله و كان يحمل الشي‏ء الثقيل و يصرع به الصبي فشكوا الناس إلى أمه ما يفعل بأولادهم قال الراوي و بلغنا أن رجلا من بني الحرث دخل إلى يثرب و هو في حاجة فإذا بابن هاشم يلعب مع الصبيان و قد عم نوره البلاد فوقف الرجل و هو ينتدب بين الأولاد و يقول أنا ابن زمزم و الصفا و المقام أنا ابن هاشم و كفى قال فناداه الرجل و قال يا فتى فقال ما تريد يا عم؟ فقال ما اسمك؟ فقال شيبة بن هاشم بن عبد مناف و قد مات أبي و جفوني عمومتي و نسوني أهلي و بقيت عند أمي و أخوالي فمن أين أقبلت يا عم؟ قال من مكة فقال و هل أنت ستحمل لي برسالة و متقلد إلي أمانة؟ فقال الحرث و حق أبيك و أبي أفعل ما أمرتني به ثم قال يا عم إذا رجعت إلى بلدك سالما و رأيت بني عبد مناف فأقرئهم عني السلام و قل لهم إن معي رسالة من يتيم قد مات أبوه و جفوه أعمامه ثم قل يا بني عبد مناف ما أسرع ما نسيتم وصية هاشم و ضيعتم نسله و إذا هبت الريح تحمل ريحكم إليه قال فبكى الرجل و استوى على ظهر راحلته و أرسل‏