البداية و النهاية - ج4

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
375 /
1

-

2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

سنة ثلاث من الهجرة

في أولها كانت غزوة نجد و يقال لها غزوة ذي أمر. قال ابن إسحاق: فلما رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها ثم غزا نجدا يريد غطفان و هي غزوة ذي أمر. قال ابن هشام: و استعمل على المدينة عثمان بن عفان. قال ابن إسحاق: فأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك ثم رجع و لم يلق كيدا. و قال الواقدي: بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن جمعا من غطفان من بنى ثعلبة بن محارب تجمعوا بذي أمر يريدون حربه، فخرج اليهم من المدينة يوم الخميس لثنتى عشرة خلت من ربيع الأول سنة ثلاث و استعمل على المدينة عثمان بن عفان فغاب أحد عشر يوما و كان معه أربعمائة و خمسون رجلا، و هربت منه الاعراب في رءوس الجبال حتى بلغ ماء يقال له ذو أمر فعسكر به و أصابهم مطر كثير فابتلت ثياب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فنزل تحت شجرة هناك و نشر ثيابه لتجف و ذلك بمرأى من المشركين، و اشتغل المشركون في شئونهم،

فبعث المشركون رجلا شجاعا منهم يقال له غورث بن الحارث أو دعثور بن الحارث فقالوا: قد أمكنك اللَّه من قتل محمد، فذهب ذلك الرجل و معه سيف صقيل حتى قام على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد من يمنعك من اليوم؟ قال: اللَّه. و دفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: من يمنعك منى؟ قال لا أحد و أنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، و اللَّه لا أكثر عليك جمعا أبدا. فأعطاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سيفه فلما رجع الى أصحابه فقالوا: ويلك، مالك؟ فقال: نظرت الى رجل طويل فدفع في صدري فوقعت لظهري فعرفت أنه ملك و شهدت أن محمدا رسول اللَّه و اللَّه لا أكثر عليه جمعا،

3

و جعل يدعو قومه الى الإسلام.

قال: و نزل في ذلك قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ‏ الآية. قال البيهقي: و سيأتي في غزوة ذات الرقاع قصة تشبه هذه فلعلهما قصتان، قلت: ان كانت هذه محفوظة فهي غيرها قطعا لأن ذلك الرجل اسمه غورث بن الحارث أيضا لم يسلم بل استمر على دينه و لم يكن عاهد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن لا يقاتله. و اللَّه أعلم‏

غزوة الفرع من بحران‏

قال ابن إسحاق: فأقام بالمدينة ربيعا الأول كله أو إلا قليلا منه ثم غدا يريد قريشا، قال ابن هشام: و استعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: حتى بلغ بحران و هو معدن بالحجاز من ناحية الفرع. و قال الواقدي: انما كانت غيبته (عليه السلام) عن المدينة عشرة أيام. فاللَّه أعلم‏

خبر يهود بنى قينقاع من أهل المدينة

و قد زعم الواقدي انها كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثنتين من الهجرة فاللَّه أعلم و هم المرادون بقوله تعالى‏ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏

قال ابن إسحاق:

و قد كان فيما بين ذلك من غزو رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمر بنى قينقاع. قال و كان من حديثهم ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جمعهم في سوقهم ثم قال: يا معشر يهود احذروا من اللَّه مثل ما نزل بقريش من النقمة و أسلموا فإنكم قد عرفتم أنى نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم و عهد اللَّه إليكم. فقالوا: يا محمد انك ترى انا قومك لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة أما و اللَّه لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.

قال ابن إسحاق: فحدثني مولى لزيد بن ثابت عن سعيد بن جبير و عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما نزلت هؤلاء الآيات الا فيهم‏ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَ تُحْشَرُونَ إِلى‏ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ الْمِهادُ* قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا يعنى أصحاب بدر من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قريش‏ فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ أُخْرى‏ كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ قال ابن إسحاق: و حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان بنى قينقاع كانوا أول يهود نقضوا العهد و حاربوا فيما بين بدر و أحد. قال ابن هشام فذكر عبد اللَّه بن جعفر [بن عبد الرحمن‏] بن المسور بن مخرمة عن أبى عون قال كان أمر بنى قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلب لها فباعته بسوق بنى قينقاع و جلست الى صائغ هناك منهم فجعلوا

4

يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ الى طرف ثوبها فعقده الى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله و كان يهوديا فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمون فوقع الشر بينهم و بين بنى قينقاع. قال ابن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال فحاصرهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى نزلوا على حكمه فقام اليه عبد اللَّه بن أبىّ ابن سلول حين أمكنه اللَّه منهم فقال: يا محمد أحسن في موالىّ و كانوا حلفاء الخزرج قال فأبطأ عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال يا محمد أحسن في موالي فأعرض عنه قال فأدخل يده في جيب درع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

قال ابن هشام‏

و كان يقال لها ذات الفضول فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أرسلنى و غضب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى رأوا لوجهه طللا ثم قال ويحك أرسلنى قال لا و اللَّه لا أرسلك حتى تحسن في موالىّ أربعمائة حاسر و ثلاثمائة دارع قد منعونى من الأحمر و الأسود تحصدهم في غداة واحدة انى و اللَّه امرؤ أخشى الدوائر. قال فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هم لك.

قال ابن هشام و استعمل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في محاصرته إياهم أبا لبابة بشير بن عبد المنذر و كانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلة. قال ابن إسحاق و حدثني أبى عن عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال لما حاربت بنو قينقاع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تشبث بأمرهم عبد اللَّه بن أبىّ و قام دونهم و مشى عبادة بن الصامت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كان من بنى عوف له من حلفهم مثل الّذي لهم من عبد اللَّه بن أبى فخلعهم الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و تبرأ الى اللَّه و الى رسوله من حلفهم و قال يا رسول اللَّه أتولى اللَّه و رسوله و المؤمنين و ابرأ من حلف هؤلاء الكفار و ولايتهم قال و فيه و في عبد اللَّه بن أبى نزلت الآيات من المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى‏ أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ‏ الآيات حتى قوله‏ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى‏ أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ يعنى عبد اللَّه ابن أبىّ الى قوله‏ وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ‏ يعنى عبادة بن الصامت. و قد تكلمنا على ذلك في التفسير

سرية زيد بن حارثة

الى عير قريش صحبة أبى سفيان أيضا و قيل صحبة صفوان* قال يونس عن بكير عن ابن إسحاق و كانت بعد وقعة بدر بستة أشهر. قال ابن إسحاق و كان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون الى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان و معه فضة كثيرة و هي عظم تجارتهم و استأجروا رجلا من بكر ابن وائل يقال له فرات بن حيان يعنى العجليّ حليف بنى سهم ليدلهم على تلك الطريق. قال ابن‏

5

إسحاق فبعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) زيد بن حارثة فلقيهم على ماء يقال له القردة فأصاب تلك العير و ما فيها و أعجزه الرجال فقدم بها على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال في ذلك حسان بن ثابت:

دعوا فلجات الشام قد حال دونها* * * جلاد كأفواه المخاض الاوارك‏

بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم‏* * * و أنصاره حقا و أيدي الملائك‏

إذا سلكت للغور من بطن عالج‏* * * فقولا لها ليس الطريق هنالك‏

قال ابن هشام و هذه القصيدة في أبيات لحسان و قد أجابه فيها أبو سفيان بن الحارث. و قال الواقدي كان خروج زيد بن حارثة في هذه السرية مستهل جمادى الأولى على رأس ثمانية و عشرين شهرا من الهجرة و كان رئيس هذه العير صفوان بن أمية و كان سبب بعثه زيد بن حارثة أن نعيم ابن مسعود قدم المدينة و معه خبر هذه العير و هو على دين قومه و اجتمع بكنانة بن أبى الحقيق في بنى النضير و معهم سليط بن النعمان من أسلم فشربوا و كان ذلك قبل أن تحرم الخمر فتحدث بقضية العير نعيم بن مسعود و خروج صفوان بن أمية فيها و ما معه من الأموال فخرج سليط من ساعته فأعلم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فبعث من وقته زيد بن حارثة فلقوهم فأخذوا الأموال و أعجزهم الرجال و إنما أسروا رجلا أو رجلين و قدموا بالعير فخمسها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فبلغ خمسها عشرين ألفا و قسم أربعة أخماسها على السرية و كان فيمن أسر الدليل فرات بن حيان فأسلم رضى اللَّه عنه.

قال ابن جرير: و زعم الواقدي أن في ربيع من هذه السنة تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ادخلت عليه في جمادى الآخرة منها

مقتل كعب بن الأشرف اليهودي‏

و كان من بنى طيِّئ ثم أحد بنى نبهان و لكن أمه من بنى النضير. هكذا ذكره ابن إسحاق قبل جلاء بنى النضير و ذكره البخاري و البيهقي بعد قصة بنى النضير و الصحيح ما ذكره ابن إسحاق لما سيأتي فان بنى النضير انما كان أمرها بعد وقعة أحد و في محاصرتهم حرمت الخمر كما سنبينه بطريقة ان شاء اللَّه.

قال البخاري في صحيحه قتل كعب بن الأشرف حدثنا على بن عبد اللَّه حدثنا سفيان قال عمرو سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

من لكعب بن الأشرف فإنه قد أذى اللَّه و رسوله فقام محمد بن مسلمة فقال يا رسول اللَّه أ تحب أن أقتله؟ قال نعم. قال فأذن لي أن أقول شيئا قال قل. فأتاه محمد بن مسلمة فقال ان هذا الرجل قد سألنا صدقة و انه قد عنّانا و انى قد أتيتك أستسلفك. قال و أيضا و اللَّه لتملّنه. قال إنا قد اتبعناه فلا نحبّ أن ندعه حتى ننظر الى أي شي‏ء يصير شأنه و قد أردنا أن تسلفنا قال نعم ارهنونى قلت أي شي‏ء تريد قال ارهنونى‏

6

نساءكم فقالوا كيف نرهنك نساءنا و أنت أجمل العرب قال فارهنونى أبناءكم قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا و لكن نرهنك اللأمة. قال سفيان يعنى السلاح. فواعده أن يأتيه ليلا فجاءه ليلا و معه أبو نائلة و هو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم الى الحصن فنزل اليهم فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ و قال غير عمرو قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم. قال انما هو أخي محمد بن مسلمة و رضيعي أبو نائلة. ان الكريم لو دعي الى طعنة بليل لأجاب قال و يدخل محمد بن مسلمة معه رجلين فقال إذا ما جاء فانى مائل بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه و قال مرة ثم أشمكم فنزل اليهم متوشحا و هو ينفح منه ريح الطيب فقال ما رأيت كاليوم ريحا أي أطيب و قال غير عمرو قال عندي أعطر نساء العرب و أجمل العرب قال عمرو فقال أ تأذن لي أن أشم رأسك؟ قال نعم. فشمه ثم أشم أصحابه ثم قال أ تأذن لي؟ قال نعم. فلما استمكن منه قال دونكم فقتلوه ثم أتوا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبروه.

و قال محمد ابن إسحاق كان من حديث كعب بن الأشرف و كان رجلا من طيِّئ ثم أحد بنى نبهان و أمه من بنى النضير أنه لما بلغه الخبر عن مقتل أهل بدر حين قدم زيد بن حارثة و عبد اللَّه بن رواحة قال و اللَّه لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها. فلما تيقن عدو اللَّه الخبر خرج الى مكة فنزل على المطلب بن أبى وداعة بن صبيرة السهمي و عنده عاتكة بنت ابى العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف فأنزلته و أكرمته و جعل يحرض على قتال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ينشد الأشعار و يندب من قتل من المشركين يوم بدر فذكر ابن إسحاق قصيدته التي أولها:

طحنت رحى بدر لمهلك أهله‏* * * و لمثل بدر تستهل و تدمع‏

و ذكر جوابها من حسان بن ثابت رضى اللَّه عنه و من غيره. ثم عاد الى المدينة فجعل يشبب بنساء المسلمين و يهجو النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه. و قال موسى بن عقبة: و كان كعب بن الأشرف أحد بنى النضير أو فيهم قد آذى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالهجاء و ركب الى قريش فاستغواهم، و قال له أبو سفيان و هو بمكة: أناشدك أ ديننا أحب الى اللَّه أم دين محمد و أصحابه، و أينا أهدى في رأيك و أقرب الى الحق؟ إنا نطعم الجزور الكوماء و نسقي اللبن على الماء و نطعم ما هبّت الشمال. فقال له كعب بن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا. قال فأنزل اللَّه على رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى‏ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً و ما بعدها. قال موسى و محمد بن إسحاق: و قدم المدينة يعلن بالعداوة و يحرّض الناس على الحرب و لم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و جعل يشبب بأم الفضل بن الحارث و بغيرها من‏

7

نساء المسلمين.

قال ابن إسحاق: فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما حدثني عبد اللَّه بن المغيث بن أبى بردة

من لابن الأشرف؟ فقال له محمد بن مسلمة أخو بنى عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول اللَّه أنا أقتله، قال فافعل إن قدرت على ذلك، قال فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل و لا يشرب إلا ما يعلق نفسه، فذكر ذلك لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فدعاه فقال له: لم تركت الطعام و الشراب؟ فقال يا رسول اللَّه قلت لك قولا لا أدرى هل أ في لك به أم لا. قال: إنما عليك الجهد. قال: يا رسول اللَّه، إنه لا بد لنا أن نقول، قال: فقولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك. قال: فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة و سلكان بن سلامة بن وقش و هو أبو نائلة أحد بنى عبد الأشهل. و كان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة و عباد بن بشر بن وقش أحد بنى عبد الأشهل و الحارث بن أوس بن معاذ أحد بنى عبد الأشهل و أبو عبس بن جبر أخو بنى حارثة، قال فقدموا بين أيديهم الى عدو اللَّه كعب سلكان ابن سلامة أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة فتناشدا شعرا- و كان أبو نائلة يقول الشعر- ثم قال:

ويحك يا ابن الأشرف أنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فأكتم عنى، قال أفعل. قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء، عادتنا العرب و رمتنا عن قوس واحدة و قطعت عنا السبيل حتى ضاع العيال و جهدت الأنفس و أصبحنا قد جهدنا و جهد عيالنا. فقال كعب: أنا ابن الأشرف أما و اللَّه لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر يصير الى ما أقول، فقال له سلكان: انى قد أردت أن تبيعنا طعاما و نرهنك و نوثق لك و تحسن في ذلك، قال ترهنونى أبناءكم؟ قال لقد أردت أن تفضحنا، إن معى أصحابا لي على مثل رأيي و قد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم و تحسن في ذلك و نرهنك من الحلقة ما فيه وفاء، و أراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاءوا بها.

فقال: ان في الحلقة لوفاء. قال: فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره، و أمرهم ان يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا اليه، فاجتمعوا عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

قال ابن إسحاق فحدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال:

مشى معهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى بقيع الغرقد ثم وجههم و قال: «انطلقوا على اسم اللَّه. اللَّهمّ أعنهم»

ثم رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى بيته و هو في ليلة مقمرة، فانطلقوا حتى انتهوا الى حصنه، فهتف به أبو نائلة و كان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها و قالت:

أنت امرؤ محارب و ان أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، قال انه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني. فقالت: و اللَّه أنى لأعرف في صوته الشر. قال: بقول لها كعب لو دعي الفتى لطعنة أجاب، فنزل فتحدث معهم ساعة و تحدثوا معه ثم قالوا: هل لك يا ابن الأشرف أن نتماشى الى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ قال إن شئتم. فخرجوا فمشوا ساعة. ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها فأخذ بفودي رأسه ثم قال: اضربوا عدو اللَّه! فاختلفت‏

8

عليه أسيافهم فلم تغن شيئا. قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي فأخذته و قد صاح عدو اللَّه صيحة لم يبق حولنا حصن إلّا أو قدت عليه نار، قال فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدوّ اللَّه و قد أصيب الحارث بن أوس يجرح في رجله أو في رأسه اصابه بعض سيوفنا، قال فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد ثم على بنى قريظة ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض و قد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس و نزفه الدم فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) آخر الليل و هو قائم يصلى فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدوّ اللَّه و تفل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على جرح صاحبنا و رجعنا الى أهلنا فأصبحنا و قد خافت يهود بوقعتنا بعدو اللَّه فليس بها يهودي إلا و هو خائف على نفسه. قال ابن جرير: و زعم الواقدي أنهم جاءوا برأس كعب بن الأشرف الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال ابن إسحاق: و في ذلك يقول كعب بن مالك:

فغودر منهم كعب صريعا* * * فذلت بعد مصرعه النضير

على الكفين ثم وقد علته‏* * * بأيدينا مشهرة ذكور

بأمر محمد إذ دس ليلا* * * الى كعب أخا كعب يسير

فماكره فأنزله بمكر* * * و محمود أخو ثقة جسور

قال ابن هشام: و هذه الأبيات في قصيدة له في يوم بنى النضير ستأتي. قلت: كان قتل كعب ابن الأشرف على يدي الأوس بعد وقعة بدر، ثم ان الخزرج قتلوا أبا رافع بن أبى الحقيق بعد وقعة أحد كما سيأتي بيانه ان شاء اللَّه و به الثقة. و قد أورد ابن إسحاق شعر حسان بن ثابت:

للَّه درّ عصابة لاقيتهم‏* * * يا ابن الحقيق و أنت يا ابن الأشرف‏

يسرون بالبيض الخفاف إليكم‏* * * مرحا كأسد في عرين مغرف‏

حتى أتوكم في محل بلادكم‏* * * فسقوكم حتفا ببيض ذفف‏

مستبصرين لنصر دين نبيهم‏* * * مستصغرين لكل أمر مجحف‏

قال محمد بن إسحاق: و قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه»

فوثب عند ذلك محيصة بن مسعود الأوسي على ابن سنينة- رجل من تجار يهود كان يلابسهم و يبايعهم- فقتله، و كان أخوه حويصة بن مسعود أسن منه و لم يسلم بعد، فلما قتله جعل حويصة يضربه و يقول: أي عدوّ اللَّه أ قتلته؟ أما و اللَّه لرب شحم في بطنك من ماله. قال محيصة: فقلت و اللَّه لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لضربت عنقك، قال فو اللَّه إن كان لأول إسلام حويصة و قال و اللَّه لو أمرك محمد بقتلى لتقتلني؟ قال: نعم، و اللَّه لو أمرنى بضرب عنقك لضربتها. قال: فو اللَّه ان دينا بلغ بك هذا لعجب، فأسلم حويصة. قال ابن إسحاق: حدثني بهذا الحديث مولى لبني‏

9

حارثة عن ابنة محيصة عن أبيها. و قال في ذلك محيصة،

يلوم ابن أم لو أمرت بقتله‏* * * لطبقت ذفراه بأبيض قارب‏

حسام كلون الملح أخلص صقله‏* * * متى ما أصوّبه فليس بكاذب‏

و ما سرني أنى قتلتك طائعا* * * و أن لنا ما بين بصرى و مارب‏

و حكى ابن هشام عن أبى عبيدة عن أبى عمرو المدني أن هذه القصة كانت بعد مقتل بنى قريظة فان المقتول كان كعب بن يهوذا فلما قتله محيصة عن أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم بنى قريظة قال له أخوه حويصة ما قال فرد عليه محيصة بما نقدم فأسلم حويصة يومئذ. فاللَّه أعلم‏

تنبيه:

ذكر البيهقي و البخاري قبله خبر بنى النضير قبل وقعة أحد و الصواب إيرادها بعد ذلك كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق و غيره من أئمة المغازي، و برهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بنى النضير و ثبت في الصحيح انه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدا فدل على أن الخمر كانت إذ ذاك حلالا و انما حرمت بعد ذلك فتبين ما قلناه من أن قصة بنى النضير بعد وقعة أحد. و اللَّه أعلم‏

تنبيه آخر:

خبر يهود بنى قينقاع بعد وقعة بدر كما تقدم و كذلك قتل كعب بن الأشرف اليهودي على يدي الأوس و خبر بنى النضير بعد وقعة أحد كما سيأتي و كذلك مقتل أبى رافع اليهودي تاجر أهل الحجاز على يدي الخزرج و خبر يهود بنى قريظة بعد يوم الأحزاب و قصة الخندق كما سيأتي‏

غزوة أحد في شوال سنة ثلاث‏

فائدة ذكرها المؤلف في تسمية أحد قال سمى أحد أحدا لتوحده من بين تلك الجبال و في الصحيح «أحد جبل يحبنا و نحبه» قيل معناه أهله و قيل لأنه كان يبشره بقرب أهله إذا رجع من سفره كما يفعل المحب و قيل على ظاهره كقوله‏ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏ و

في الحديث عن أبى عبس بن جبر

«أحد يحبنا و نحبه و هو على باب الجنة، و عير يبغضنا و نبغضه و هو على باب من أبواب النار»

قال السهيليّ مقويا لهذا الحديث و قد ثبت أنه (عليه السلام) قال‏

«المرء مع من أحب»

و هذا من غريب صنع السهيليّ فان هذا الحديث انما يراد به الناس و لا يسمى الجبل امرأ. و كانت هذه الغزوة في شوال سنة ثلاث قاله الزهري و قتادة و موسى بن عقبة و محمد بن إسحاق و مالك قال ابن إسحاق للنصف من شوال و قال قتادة يوم السبت الحاري عشر منه قال مالك و كانت الوقعة في أول النهار و هي على المشهور التي أنزل اللَّه فيها قوله تعالى‏ وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ‏

10

الْمُؤْمِنُونَ* وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ* بَلى‏ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ‏ الآيات و ما بعدها الى قوله‏ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ‏ و قد تكلمنا على تفاصيل ذلك كله في كتاب التفسير بما فيه كفاية و للَّه الحمد و المنة. و لنذكر هاهنا ملخص الوقعة مما ساقه محمد بن إسحاق و غيره من علماء هذا الشأن (رحمهم اللَّه) و كان من حديث أحد كما حدثني محمد ابن مسلم الزهري و محمد بن يحيى بن حبان و عاصم بن عمر بن قتادة و الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو ابن سعد بن معاذ و غيرهم من علماءنا كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد و قد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت. قالوا أو من قال منهم: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب و رجع فلهم الى مكة و رجع أبو سفيان بعيره مشى عبد اللَّه بن أبى ربيعة و عكرمة بن أبى جهل و صفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم و أبناؤهم و إخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان و من كانت له في تلك العير من قريش تجارة. فقالوا: يا معشر قريش، ان محمدا قد وتركم و قتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا، ففعلوا. قال ابن إسحاق: ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل اللَّه تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ‏ قالوا: فاجتمعت قريش لحرب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين فعل ذلك أبو سفيان و أصحاب العير بأحابيشها و من أطاعها من قبائل كنانة و أهل تهامة و كان أبو عزة عمرو بن عبد اللَّه الجمحيّ قد منّ عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم بدر، و كان فقيرا ذا عيال و حاجة و كان في الأسارى، فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة، انك امرؤ شاعر فأعنّا بلسانك و اخرج معنا فقال: ان محمدا قد منّ عليّ فلا أريد أن أظاهر عليه. قال: بلى، فأعنا بنفسك فلك اللَّه ان رجعت أن أغنيك و ان قتلت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر و يسر. فخرج أبو عزة يسير في تهامة و يدعو بنى كنانة و يقول:

أيا بنى عبد مناة الرزام‏* * * أنتم حماة و أبوكم حام‏

لا يعدوني نصركم بعد العام‏* * * لا تسلموني لا يحل إسلام‏

قال: و خرج نافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح الى بنى مالك بن كنانة يحرضهم و يقول:

يا مال مال الحسب المقدم‏* * * أنشد ذا القربى و ذا التذمم‏

من كان ذا رحم و من لم يرحم‏* * * الحلف وسط البلد المحرم‏

عند حطيم الكعبة المعظم

11

قال: و دعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيا يقال له وحشي يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطئ بها فقال له: أخرج مع الناس، فان أنت قتلت حمزة عم محمد بعمى طعيمة بن عدي فأنت عتيق. قال فخرجت قريش بحدها و حديدها وجدها و أحابيشها و من تابعها من بنى كنانة و أهل تهامة و خرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة و أن لا يفروا، و خرج أبو سفيان صخر بن حرب و هو قائد الناس و معه زوجته هند بنت عتبة بن ربيعة و خرج عكرمة بن أبى جهل بزوجته ابنة عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة و خرج عمه الحارث بن هشام بزوجته فاطمة بنت الوليد ابن المغيرة و خرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية و خرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج و هي أم ابنه عبد اللَّه بن عمرو و ذكر غيرهم ممن خرج بامرأته قال: و كان وحشي كلما مر بهند بنت عتبة أو مرت به تقول ويها أبا دسمة اشف و اشتف. يعنى تحرضه على قتل حمزة بن عبد المطلب. قال: فاقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة، فلما سمع بهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و المسلمون قال لهم قد رأيت و اللَّه خيرا رأيت بقرا تذبح و رأيت في ذباب سيفي ثلما و رأيت أنى أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة. و هذا الحديث‏

رواه البخاري و مسلم جميعا عن أبى كريب عن أبى أسامة عن بريد بن عبد اللَّه بن أبى بردة عن أبى بردة عن أبى موسى الأشعري عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

«رأيت في المنام أنى أهاجر من مكة الى أرض بها نخل فذهب وهلى الى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب و رأيت في رؤياي هذه أنى هززت سيفا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان فإذا هو ما جاء اللَّه به من الفتح و اجتماع المؤمنين، و رأيت فيها أيضا بقرا و اللَّه خير فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد و إذا الخير ما جاء اللَّه به من الخير و ثواب الصدق الّذي أتانا بعد يوم بدر»

و قال البيهقي أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ أخبرنا الأصم أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم أخبرنا ابن وهب أخبرنى ابن أبى الزناد عن أبيه عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن ابن عباس قال:

تعقل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سيفه ذا الفقار يوم بدر قال ابن عباس و هو الّذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد و ذلك ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأيه أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا نخرج يا رسول اللَّه اليهم نقاتلهم بأحد و رجوا أن يصيبهم من الفضيلة ما أصاب أهل بدر فما زالوا برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى لبس أداته ثم ندموا و قالوا يا رسول اللَّه أقم فالرأي رأيك.

فقال لهم ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد ما لبسها حتى يحكم اللَّه بينه و بين عدوه. قال و كان قال لهم يومئذ قبل أن يلبس الاداة انى رأيت أنى في درع حصينة فأولتها المدينة و أنى مردف كبشا

12

و أوّلته كبش الكتيبة و رأيت أن سيفي ذا الفقار فل فأولته فلا فيكم و رأيت بقرا يذبح فبقر و اللَّه خير»

رواه الترمذي و ابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه به.

و روى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن على بن زيد عن أنس مرفوعا قال:

رأيت فيما يرى النائم كأنى مردف كبشا و كأن ضبة سيفي انكسرت فأولت أنى أقتل كبش القوم و أولت كسر ضبة سيفي قتل رجل من عترتي.

فقتل حمزة و قتل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) طلحة و كان صاحب اللواء. و قال موسى بن عقبة (رحمه اللَّه) و رجعت قريش فاستجلبوا من أطاعهم من مشركي العرب و سار أبو سفيان بن حرب في جمع قريش و ذلك في شوال من السنة المقبلة من وقعة بدر حتى نزلوا ببطن الوادي الّذي قبلىّ أحد و كان رجال من المسلمين لم يشهدوا بدرا قد ندموا على ما فاتهم من السابقة و تمنوا لقاء العدو ليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر فلما نزل أبو سفيان و المشركون بأصل أحد فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدرا بقدوم العدو عليهم و قالوا: قد ساق اللَّه علينا أمنيتنا ثم‏

ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أرى ليلة الجمعة رؤيا فأصبح فجاءه نفر من أصحابه فقال لهم «رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح و اللَّه خير و رأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته. أو قال: به فأول فكرهته و هما مصيبتان و رأيت أنى في درع حصينة و أنى مردف كبشا». فلما أخبرهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) برؤياه، قالوا:

يا رسول اللَّه، ما ذا أولت رؤياك؟ قال: أولت البقر الّذي رأيت بقرا فينا و في القوم و كرهت ما رأيت بسيفي.

و يقول رجال كان الّذي رأى بسيفه الّذي أصاب وجهه فان العدو أصاب وجهه يومئذ و قصموا رباعيته و خرقوا شفته يزعمون أن الّذي رماه عتبة بن أبى وقاص و كان البقر من قتل من المسلمين يومئذ. و قال أوّلت الكبش أنه كبش كتيبة العدو يقتله اللَّه و أوّلت الدرع الحصينة المدينة فامكثوا و اجعلوا الذراري في الآطام فان دخل علينا القوم في الازقة قاتلناهم و رموا من فوق البيوت و كانوا قد سكوا أزقة المدينة بالبنيان حتى [صارت‏] كالحصن. فقال الذين لم يشهدوا بدرا:

كنا نتمنى هذا اليوم و ندعو اللَّه فقد ساقه اللَّه إلينا و قرب المسير و قال رجل من الأنصار: متى نقاتلهم يا رسول اللَّه إذا لم نقاتلهم عند شعبنا؟ و قال رجال ما ذا نمنع إذا لم تمنع الحرب بروع؟ و قال رجال قولا صدقوا به و مضوا عليه منهم حمزة بن عبد المطلب قال: و الّذي أنزل عليك الكتاب لنجادلنهم. و

قال نعيم بن مالك بن ثعلبة و هو أحد بنى سالم: يا نبي اللَّه لا تحرمنا الجنة فو الّذي نفسي بيده لأدخلنها. فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): بم؟ قال: بأنى أحب اللَّه و رسوله و لا أفر يوم الزحف. فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): صدقت. و استشهد يومئذ.

و أبى كثير من الناس إلا الخروج الى العدو و لم يتناهوا الى قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و رأيه و لو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك و لكن غلب القضاء و القدر و عامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرا قد علموا الّذي سبق‏

13

لأصحاب بدر من الفضيلة

فلما صلّى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الجمعة وعظ الناس و ذكرهم و أمرهم بالجد و الجهاد ثم انصرف من خطبته و صلاته فدعا بلأمته فلبسها ثم أذن في الناس بالخروج فلما رأى ذلك رجال من ذوى الرأى قالوا: أمرنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن نمكث بالمدينة و هو أعلم باللَّه و ما يريد و يأتيه الوحي من السماء فقالوا يا رسول اللَّه أمكث كما أمرتنا فقال: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب و أذن بالخروج الى العدو أن يرجع حتى يقاتل و قد دعوتكم الى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج فعليكم بتقوى اللَّه و الصبر عند البأس إذا لقيتم العدو و انظروا ما ذا أمركم اللَّه به فافعلوا.

قال: فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و المسلمون فسلكوا على البدائع و هم ألف رجل و المشركون ثلاثة آلاف فمضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى نزل بأحد و رجع عنه عبد اللَّه بن أبىّ ابن سلول في ثلاثمائة فبقي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في سبعمائة قال البيهقي (رحمه اللَّه) هذا هو المشهور عند أهل المغازي أنهم بقوا في سبعمائة مقاتل قال و المشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل كذلك رواه يعقوب بن سفيان عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن الزهري و قيل عنه بهذا الاسناد سبعمائة فاللَّه أعلم. قال موسى بن عقبة و كان على خيل المشركين خالد بن الوليد و كان معهم مائة فرس و كان لواؤه مع عثمان بن طلحة قال و لم يكن مع المسلمين فرس واحدة ثم ذكر الوقعة كما سيأتي تفصيلها ان شاء اللَّه تعالى. و قال محمد بن إسحاق لما قص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رؤياه عل أصحابه قال لهم ان رأيتم أن تقيموا بالمدينة و تدعوهم حيث نزلوا فان أقاموا أقاموا بشرّ مقام و ان هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها و كان رأى عبد اللَّه بن أبىّ ابن سلول مع رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أن لا يخرج اليهم فقال رجال من المسلمين ممن أكرم اللَّه بالشهادة يوم أحد و غيرهم ممن كان فاته بدر: يا رسول اللَّه أخرج بنا الى أعدائنا لا يرون أنّا جبنّا عنهم و ضعفنا فقال عبد اللَّه ابن أبىّ يا رسول اللَّه لا تخرج اليهم فو اللَّه ما خرجنا منها الى عدو قط الا أصاب منا و لا دخلها علينا الا أصبنا منه. فلم يزل الناس برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى دخل فلبس لأمته و ذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة و قد مات في ذلك اليوم رجل من بنى النجار يقال له مالك بن عمرو فصلى عليه ثم خرج عليهم و

قد ندم الناس و قالوا استكرهنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لم يكن لنا ذلك فلما خرج عليهم قالوا يا رسول اللَّه ان شئت فاقعد فقال ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل.

فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في ألف من أصحابه. قال ابن هشام و استعمل على المدينة ابن أم مكتوم قال ابن إسحاق حتى إذا كان بالشوط بين المدينة و أحد انخزل عنه عبد اللَّه بن أبىّ بثلث الناس و قال أطاعهم و عصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق و الريب و اتبعهم عبد اللَّه بن عمرو بن حرام السلمي والد جابر بن عبد اللَّه فقال: يا قوم أذكركم اللَّه أن لا تخذلوا قومكم و نبيكم عند ما حضر من عدوهم. قالوا لو نعلم انكم تقاتلون ما أسلمناكم‏

14

و لكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه و أبوا الا الانصراف قال: أبعدكم اللَّه أعداء اللَّه فسيغني اللَّه عنكم نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قلت: و هؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى‏ وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ‏ يعنى انهم كاذبون في قولهم لو نعلم قتالا لاتبعناكم، و ذلك لأن وقوع القتال أمره ظاهر بين واضح لا خفاء و لا شك فيه و هم الذين أنزل اللَّه فيهم‏ فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا الآية و ذلك أن طائفة قالت نقاتلهم و قال آخرون لا نقاتلهم كما ثبت و بين في الصحيح. و

ذكر الزهري‏

أن الأنصار استأذنوا حينئذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة فقال لا حاجة لنا فيهم.

و ذكر عروة بن موسى بن عقبة أن بنى سلمة و بنى حارثة لما رجع عبد اللَّه بن أبىّ و أصحابه همتا ان تفشلا فثبتهما اللَّه تعالى، و لهذا قال‏ إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏ قال جابر بن عبد اللَّه ما أحب أنها لم تنزل و اللَّه يقول‏ وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما كما ثبت في الصحيحين عنه.

قال ابن إسحاق‏

و مضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى سلك في حرة بنى حارثة فذب فرس بذنبه فأصلب كلّاب سيف فاستله فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لصاحب السيف شم سيفك أي أغمده فانى أرى السيوف ستسل اليوم. ثم قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (أي من قريب) من طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة بن الحارث أنا يا رسول اللَّه فنفذ به في حرة بنى حارثة و بين أموالهم حتى سلك به في مال لمربع بن قيظى و كان رجلا منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول اللَّه و من معه من المسلمين قام يحثى في وجوههم التراب و يقول ان كنت رسول اللَّه فانى لا أحل لك أن تدخل في حائطي. قال ابن إسحاق و قد ذكر لي أنه أخذ حفنة من التراب في يده ثم قال و اللَّه لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر،

و قد بدر اليه سعد بن زيد أخو بنى عبد الأشهل قبل نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فضربه بالقوس في رأسه فشجه و مضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي و في الجبل و جعل ظهره و عسكره الى أحد و قال لا يقاتلنّ أحد حتى آمره بالقتال و قد سرحت قريش الظهر و الكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة كانت للمسلمين فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن القتال أ ترعى زروع بنى قيلة و لما نضارب؟ و تعبأ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للقتال و هو في سبعمائة رجل و أمر على الرماة يومئذ عبد اللَّه بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف و هو معلم يومئذ بثياب بيض و الرماة خمسون رجلا فقال النضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا ان كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك‏

15

لا نؤتين من قبلك. و سيأتي شاهد هذا في الصحيحين ان شاء اللَّه تعالى. قال ابن إسحاق و ظاهر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بين درعين يعنى لبس درعا فوق درع و دفع اللواء الى مصعب بن عمير أخى بنى عبد الدار قلت و قد رد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جماعة من الغلمان يوم أحد فلم يمكنهم من حضور الحرب لصغرهم منهم عبد اللَّه بن عمر كما ثبت في الصحيحين قال عرضت على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم أحد فلم يجزنى و عرضت عليه يوم الخندق و أنا ابن خمس عشرة فأجازنى و كذلك رد يومئذ أسامة بن زيد و زيد بن ثابت و البراء بن عازب و أسيد بن ظهير و عرابة بن أوس بن قيظى ذكره ابن قتيبة و أورده السهيليّ، و هو الّذي يقول فيه الشماخ:

إذا ما راية رفعت لمجد* * * تلقاها عرابة باليمين‏

و منهم ابن سعيد بن خيثمة ذكره السهيليّ أيضا و أجازهم كلهم يوم الخندق و كان قد رد يومئذ سمرة بن جندب و رافع بن خديج و هما ابنا خمس عشرة سنة فقيل يا رسول اللَّه ان رافعا رام فأجازه فقيل يا رسول اللَّه فان سمرة يصرع رافعا فأجازه.

قال ابن إسحاق‏

(رحمه اللَّه) و تعبأت قريش و هم ثلاثة آلاف و معهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخليل خالد بن الوليد و على ميسرتها عكرمة بن أبى جهل بن هشام و قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): من يأخذ هذا السيف بحقه فقام اليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام اليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بنى ساعدة فقال و ما حقه يا رسول اللَّه؟ قال أن تضرب به في العدو حتى ينحنى. قال أنا آخذه يا رسول اللَّه بحقه فأعطاه إياه. هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا.

و قد قال الامام أحمد حدثنا يزيد و عفان قالا حدثنا حماد هو ابن سلمة أخبرنا ثابت عن النبي‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخذ سيفا يوم أحد فقال من يأخذ هذا السيف فأخذ قوم فجعلوا ينظرون اليه فقال من يأخذه بحقه فأحجم القوم فقال أبو دجانة سماك: أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق به هام المشركين و

رواه مسلم عن أبى بكر عن عفان به.

قال ابن إسحاق و كان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب و كان له عصابة حمراء يعلم بها عند الحرب يعتصب بها فيعلم أنه سيقاتل، قال فلما أخذ السيف من يد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخرج عصابته تلك فاعتصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين‏

قال:

فحدثني جعفر بن عبد اللَّه بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بنى سلمة قال:

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين رأى أبا دجانة يتبختر:

انها لمشية يبغضها اللَّه الا في مثل هذا الموطن.

قال ابن إسحاق و قد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم على القتال: يا بنى عبد الدار قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم و انما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فاما أن تكفونا لواءنا و اما أن تخلوا بيننا و بينه فنكفيكموه فهموا به و تواعدوه و قالوا: نحن نسلم إليك لواءنا! ستعلم غدا إذا التقيا كيف نصنع. و ذلك الّذي أراد أبو سفيان. قال فلما التقى الناس و دنا بعضهم من‏

16

بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها و أخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال و يحرصن على القتال فقالت هند فيما تقول:

ويها بنى عبد الدار* * * ويها حماة الأدبار

ضربا بكل بتار

و تقول أيضا:

ان تقبلوا نعانق‏* * * و نفرش النمارق‏

أو تدبروا نفارق‏* * * فراق غير وامق‏

قال ابن إسحاق و حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان أبا عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان أحد بنى ضبيعة و كان قد خرج إلى مكة مباعد الرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) معه خمسون غلاما من الأوس و بعض الناس يقول كانوا خمسة عشر و كان يعد قريشا أن لو قد لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش و عبدان أهل مكة فنادى:

يا معشر الأوس أنا أبو عامر قالوا: فلا أنعم اللَّه بك عينا يا فاسق. و كان يسمى في الجاهلية الراهب فسماه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الفاسق. فلما سمع ردهم عليه قال لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم أرضخهم بالحجارة. قال ابن إسحاق فأقبل الناس حتى حميت الحرب و قاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس قال ابن هشام و حدثني غير واحد من أهل العلم أن الزبير بن العوام قال وجدت في نفسي حين سألت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) السيف فمنعنيه و أعطاه أبا دجانة و قلت أنا ابن صفية عمته و من قريش و قد قمت اليه و سألته إياه قبله فأعطاه أبا دجانة و تركني و اللَّه لأنظرن ما يصنع فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه فقالت الأنصار أخرج أبو دجانة عصابة الموت و هكذا كانت تقول له إذا تعصب فخرج و هو يقول:

أنا الّذي عاهدني خليلي‏* * * و نحن بالسفح لدى النخيل‏

أن لا أقوم الدهر في الكيول‏* * * أضرب بسيف اللَّه و الرسول‏

و قال الأموي حدثني أبو عبيد في حديث النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

أن رجلا أتاه و هو يقاتل به فقال لعلك ان أعطيتك تقاتل في الكيول؟ قال لا. فأعطاه سيفا فجعل يرتجز و يقول:

أنا الّذي عاهدني خليلي‏* * * ان لا أقوم الدهر في الكيول‏

و

هذا حديث يروى عن شعبة و رواه إسرائيل كلاهما عن أبى إسحاق عن هند بنت خالد أو غيره يرفع الكيول يعنى مؤخر الصفوف سمعته من عدة من أهل العلم‏

و لم أسمع هذا الحرف إلا في هذا الحديث. قال ابن هشام فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله و كان في المشركين رجل لا يدع جريحا إلا ذفف عليه فجعل كل منهما يدنوا من صاحبه فدعوت اللَّه أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين‏

17

فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه و ضربه أبو دجانة فقتله. ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها فقلت اللَّه و رسوله أعلم. و قد رواه البيهقي في الدلائل من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام بذلك. قال ابن إسحاق قال أبو دجانة رأيت إنسانا يحمس الناس حمسا شديدا فصمدت له فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة فأكرمت سيف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن أضرب به امرأة و ذكر موسى بن عقبة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما عرضه طلبه منه عمر فأعرض عنه ثم طلبه منه الزبير فأعرض عنه فوجدا في أنفسهما من ذلك ثم عرضه الثالثة فطلبه أبو دجانة فدفعه اليه فأعطى السيف حقه قال فزعموا أن كعب بن مالك قال: كنت فيمن خرج من المسلمين فلما رأيت مثل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاورت فإذا رجل من المشركين جمع الأمة يجوز المسلمين و هو يقول: استوقوا كما استوسقت جزر الغنم. قال و إذا رجل من المسلمين ينتظره و عليه لأمته فمضيت حتى كنت من ورائه ثم قمت أقدّر المسلم و الكافر ببصرى فإذا الكافر أفضلهما عدة و هيئة. قال فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف فبلغت وركه و تفرق فرقتين ثم كشف المسلم عن وجهه و قال: كيف ترى يا كعب؟ أنا أبو دجانة

مقتل حمزة رضى اللَّه عنه‏

قال ابن إسحاق و قاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار و كان أحد النفر الذين يحملون اللواء، و كذلك قتل عثمان بن ابى طلحة و هو حامل اللواء و هو يقول:

ان على أهل اللواء حقا* * * أن يخضبوا الصعدة أو تندقا

فحمل عليه حمزة فقتله ثم مر به سباع بن عبد العزّى الغبشانى و كان يكنى بأبي نيار فقال حمزة: هلم الىّ يا ابن مقطعة البظور و كانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي و كانت ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله فقال وحشي غلام جبير بن مطعم و اللَّه انى لأنظر لحمزة يهد الناس بسيفه ما يليق شيئا يمرّ به مثل الجمل الأورق إذ قد نقدمنى اليه سباع فقال حمزة هلم يا ابن مقطعة البظور فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه و هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنّته حتى خرجت من بين رجليه فأقبل نحوي فغلب فوقع و أمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت الى العسكر و لم يكن لي بشي‏ء حاجة غيره. قال ابن إسحاق و حدثني عبد اللَّه بن الفضل بن عياش بن ربيعة بن الحارث عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمريّ‏

18

قال: خرجت أنا و عبيد اللَّه بن عدي بن الخيار أحد بنى نوفل بن عبد مناف في زمان معاوية فأدربنا مع الناس فلما مررنا بحمص و كان وحشي مولى جبير قد سكنها و أقام بها فلما قدمناها قال عبيد اللَّه بن عدي: هل لك في أن نأتي وحشيا فنسأله عن قتل حمزة كيف قتله؟ قال قلت له: ان شئت. فخرجنا نسأل عنه بحمص فقال لنا رجل و نحن نسأل عنه انكما ستجدانه بفناء داره و هو رجل قد غلبت عليه الخمر فان تجداه صاحيا تجدا رجلا عربيا و تجدا عنده بعض ما تريدان و تصيبا عنده ما شئتما من حديث تسألانه عنه و ان تجداه و به بعض ما به فانصرفا عنه و دعاه. قال: فخرجنا نمشي حتى جئناه فإذا هو بفناء داره على طنفسة له و إذا شيخ كبير مثل البغاث، و إذا هو صاح لا بأس به، فلما انتهينا اليه سلمنا عليه، فرفع رأسه الى عبيد اللَّه بن عدي فقال: ابن لعدي بن الخيار أنت؟ قال نعم. قال أما و اللَّه ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى فإنّي ناولتكها و هي على بعيرها فأخذتك بعرضيك فلمعت لي قدماك حتى رفعتك اليها فو اللَّه ما هو إلا أن وقفت عليّ فعرفتهما. قال فجلسنا اليه فقلنا: جئناك لتحدثنا عن قتل حمزة كيف قتلته؟ فقال: أما إني سأحدثكما كما حدثت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين سألني عن ذلك، كنت غلاما لجبير بن مطعم و كان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش الى أحد قال لي جبير: إن قتلت حمزة عم محمد بعمى فأنت عتيق. قال فخرجت مع الناس و كنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطئ بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت انظر حمزة و اتبصره حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الأورق يبهد الناس بسيفه هذا ما يقوم له شي‏ء فو اللَّه إني لأتهيأ له أريده و أستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني إذ تقدمني اليه سباع بن عبد العزى فلما رآه حمزة قال هلم إليّ يا ابن مقطعة البظور، قال فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه، قال و هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه و ذهب لينوء نحوي فغلب و تركته و إياها حتى مات ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت الى العسكر و قعدت فيه و لم يكن لي بغيره حاجة إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة هربت الى الطائف فمكثت بها فلما خرج وفد الطائف الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليسلموا تعيّت على المذاهب فقلت ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد فو اللَّه إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل:

و يحك انه و اللَّه لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه و شهد شهادة الحق، قال فلما قال لي ذلك‏

خرجت حتى قدمت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة فلم يرعه إلا بى قائما على رأسه أشهد شهادة الحق فلما رآني قال لي: أو حشى أنت؟ قلت نعم يا رسول اللَّه. قال اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة؟ قال فحدثته كما حدثتكما، فلما فرغت من حديثي قال ويحك غيّب عنى وجهك فلا أرينك،

قال فكنت‏

19

أتنكب برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حيث كان لئلا يراني حتى قبضه اللَّه عز و جل، فلما خرج المسلمون الى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم و أخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما و بيده السيف و ما أعرفه فتهيأت له و تهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه، و شدّ عليه الأنصاري بالسيف فربك أعلم أينا قتله، فان كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قتلت شر الناس. قلت: الأنصاري هو أبو دجانة سماك بن خرشة كما سيأتي في مقتل أهل اليمامة.

و قال الواقدي في الردة: هو عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازني. و قال سيف بن عمرو: هو عدي ابن سهيل و هو القائل:

أ لم تر أنى و وحشيهم‏* * * قتلت مسيلمة المعين‏

و يسأل الناس عن قتله‏* * * فقلت صربت و هذا طعن‏

و المشهور أن وحشيا هو الّذي بدره بالضربة و ذفف عليه أبو دجانة، لما روى ابن إسحاق عن عبد اللَّه بن الفضل عن سليمان بن يسار عن ابن عمر قال: سمعت صارخا يوم اليمامة يقول: قتله العبد الأسود. و قد روى البخاري قصة مقتل حمزة من طريق عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبى سلمة الماجشون عن عبد اللَّه بن الفضل عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمريّ قال خرجت مع عبد اللَّه بن عدي بن الخيار. فذكر القصة كما تقدم. و ذكر أن عبيد اللَّه بن عدي كان معتجرا عمامة لا يرى منه وحشي إلا عينيه و رجليه فذكر من معرفته له ما تقدم، و هذه قيافة عظيمة كما عرف مجزز المدلجي أقدام زيد و ابنه أسامة مع اختلاف ألوانهما. و قال في سياقته: فلما أن صف الناس للقتال خرج سباع فقال هل من مبارز فخرج اليه حمزة بن عبد المطلب فقال له:

يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور أ تحادّ اللَّه و رسوله؟ ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب، قال و كمنت لحمزة تحت صخرة فلما دنا منى رميته بحربتى فأضعها في ثنّته حتى خرجت من بين وركيه قال فكان ذلك آخر العهد به، الى أن قال: فلما قبض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و خرج مسيلمة الكذاب قلت لأخرج الى مسيلمة لعلى أقتله فأكافئ به حمزة، قال فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان قال فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال فرميته بحربتى فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من كتفيه، قال و وثب اليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته، قال عبد اللَّه بن الفضل فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد اللَّه بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر البيت: وا أمير المؤمنيناه قتله العبد الأسود، قال ابن هشام فبلغني أن وحشيا لم يزل يحدّ في الخمر حتى خلع من الديوان فكان عمر بن الخطاب يقول: قد قلت إن اللَّه لم يكن ليدع قاتل حمزة. قلت:

20

و توفى وحشي بن حرب أبو دسمة و يقال أبو حرب بحمص و كان أول من لبس الثياب المدلوكة.

قال ابن إسحاق: و قاتل مصعب بن عمير دون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى قتل و كان الّذي قتله ابن قمئة الليثي و هو يظن أنه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فرجع الى قريش فقال قتلت محمدا. قلت و ذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن سعيد بن المسيب أن الّذي قتل مصعبا هو أبىّ بن خلف فاللَّه أعلم. قال ابن إسحاق فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اللواء عليّ بن أبى طالب. و قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: كان اللواء أولا مع على بن أبى طالب، فلما رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لواء المشركين مع عبد الدار قال نحن أحق بالوفاء منهم أخذ اللواء من على بن أبى طالب فدفعه الى مصعب بن عمير، فلما قتل مصعب أعطى اللواء عليّ بن أبى طالب. قال ابن إسحاق: و قاتل على بن أبى طالب و رجال من المسلمين.

قال ابن هشام و حدثني مسلمة بن علقمة المازني. قال:

لما اشتد القتال يوم أحد جلس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تحت راية الأنصار و أرسل الى على أن قدم الراية فقدم على و هو يقول: أنا أبو القصم فناداه أبو سعد بن أبى طلحة و هو صاحب لواء المشركين. هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال نعم فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين فضربه على فصرعه ثم انصرف و لم يجهز عليه. فقال له بعض أصحابه: أ فلا أجهزت عليه؟ فقال انه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم و عرفت أن اللَّه قد قتله.

و قد فعل ذلك على رضى اللَّه عنه يوم صفين مع بس ابن ابى أرطاة لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته فرجع عنه. و كذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه على في بعض أيام صفين أبدى عن عورته فرجع على أيضا. ففي ذلك يقول الحارث بن النضر:

أتى كل يوم فارس غير منته‏* * * و عورته وسط العجاجة باديه‏

يكف لها عنه عليّ سنانه‏* * * و يضحك منها في الخلاء معاوية

و ذكر يونس عن ابن إسحاق‏

أن طلحة بن أبى طلحة العبدري حامل لواء المشركين يومئذ دعا الى البراز فأحجم عنه الناس نبرز اليه الزبير بن العوام فوثب حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض فألقاه عنه و ذبحه بسيفه فأثنى عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «ان لكل نبيّ حواريا و حوارىّ الزبير»

و قال: لو لم يبرز اليه لبرزت أنا اليه لما رأيت من احجام الناس عنه. و قال ابن إسحاق قتل أبا سعد بن أبى طلحة سعد بن أبى وقاص و قاتل عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح فقتل نافع بن أبى طلحة و أخاه الحلاس كلاهما يشعره سهما فيأتى أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها فتقول يا بنى من أصابك فيقول سمعت رجلا حين رماني يقول خذها و أنا ابن أبى الأقلح فنذرت ان أمكنها اللَّه من رأى عاصم أن تشرب فيه الخمر و كان عاصم قد عاهد اللَّه لا يمس مشركا أبدا و لا

21

يمسه و لهذا حماه اللَّه منه يوم الرجيع كما سيأتي. قال ابن إسحاق: و التقى حنظلة بن أبى عامر و اسمه عمرو و يقال عبد عمرو بن صيفي و كان يقال لأبي عامر في الجاهلية الراهب لكثرة عبادته فسماه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الفاسق لما خلف الحق و أهله و هرب من المدينة هربا من الإسلام و مخالفة للرسول (عليه السلام) و حنظلة الّذي يعرف بحنظلة الغسيل لانه غسلته الملائكة كما سيأتي هو و أبو سفيان صخر بن حرب‏

فلما علاه حنظلة رآه شداد بن الأوس و هو الّذي يقال له ابن شعوب فضربه شداد فقتله فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ان صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه» فسئلت صاحبته‏

قال الواقدي:

هي جميلة بنت أبى ابن سلول و كانت عروسا عليه تلك الليلة. فقالت خرج و هو جنب حين سمع الهاتفة فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كذلك غسلته الملائكة.

و قد ذكر موسى بن عقبة أن أباه ضرب برجله في صدره و قال ذنبان أصبتهما و لقد نهيتك عن مصرعك هذا، و لقد و اللَّه كنت وصولا الرحم برا بالوالد. قال ابن إسحاق و قال ابن شعوب في ذلك:

لأحمين صاحبي و نفسي‏* * * بطعنة مثل شعاع الشمس‏

و قال ابن شعوب:

و لو لا دفاعى يا ابن حرب و مشهدي‏* * * لألفيت يوم النعف غير مجيب‏

و لو لا مكري المهر بالنعف فرفرت‏* * * عليه ضباع أو ضراء كليب‏

و قال أبو سفيان:

و لو شئت نجتنى كميت طمرّة* * * و لم أحمل النعماء لابن شعوب‏

و ما زال مهري مزجر الكلب منهم‏* * * لدن غدوة حتى دنت لغروب‏

أقاتلهم و أدّعي يا لغالب‏* * * و أدفعهم عنى بركن صليب‏

فبكى و لا ترعى مقالة عاذل‏* * * و لا تسأمى من عبرة و نحيب‏

أباك و إخوانا له قد تتابعوا* * * و حق لهم من عبرة بنصيب‏

و سلى الّذي قد كان في النفس اننى‏* * * قتلت من النجار كل نجيب‏

و من هاشم قرما كريما و مصعبا* * * و كان لدمى الهيجاء غير هيوب‏

فلو أننى لم أشف نفسي منهم‏* * * لكانت شجى في القلب ذات ندوب‏

فآبوا و قد أودى الجلابيب منهم‏* * * بهم خدب من مغبط و كئيب‏

أصابهم من لم يكن لدمائهم‏* * * كفاء و لا في خطة بضريب‏

فأجابه حسان بن ثابت:

ذكرت القروم الصيد من آل هاشم‏* * * و لست لزور قلته بمصيب‏

22

أتعجب أن اقصدت حمرة منهم‏* * * نجيبا و قد سميته بنجيب‏

أ لم يقتلوا عمرا و عتبة و ابنه‏* * * و شيبة و الحجاج و ابن حبيب‏

غداة دعا العاصي عليا فراعه‏* * * بضربة عضب بله بخضيب‏

فصل‏

قال ابن إسحاق: ثم أنزل اللَّه نصره على المسلمين، و صدقهم و عده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر و كانت الهزيمة لا شك فيها. و حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه عباد عن عبد اللَّه بن الزبير عن الزبير قال: و اللَّه لقد رأيتني انظر الى خدم هند بنت عتبة و صواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل و لا كثير إذ مالت الرماة على العسكر حين كشفنا القوم عنه و خلوا ظهورنا للخيل فأتينا من خلفنا و صرخ صارخ ألا ان محمدا قد قتل فانكفأنا و انكفأ القوم علينا بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد منهم، فحدثني بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به و كان اللواء مع صواب غلام لبني أبى طلحة حبشي و كان آخر من أخذه منهم فقاتل به حتى قطعت يداه ثم برك عليه فاخذ اللواء بصدره و عنقه حتى قتل عليه و هو يقول: اللَّهمّ هل أعزرت- يعنى اللَّهمّ هل أعذرت- فقال حسان بن ثابت في ذلك:

فخرتم باللواء و شر فخر* * * لواء حين رد الى صواب‏

جعلتم فخركم فيه لعبد* * * و ألأم من يطا عفر التراب‏

ظننتم و السفيه له ظنون‏* * * و ما ان ذاك من أمر الصواب‏

بأن جلادنا يوم التقينا* * * بمكة بيعكم حمر العياب‏

أقر العين ان عصبت يداه‏* * * و ما ان تعصبان على خضاب‏

و قال حسان أيضا في رفع عمرة بنت علقمة اللواء لهم:

إذا عضل سيقت إلينا كأنها* * * جداية شرك معلمات الحواجب‏

أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا* * * و حزناهم بالضرب من كل جانب‏

فلو لا لواء الخارثية أصبحوا* * * يباعون في الأسواق بيع الجلائب‏

قال ابن إسحاق فانكشف المسلمون و أصاب منهم العدو و كان يوم بلاء و تمحيص أكرم اللَّه فيه من أكرم بالشهادة حتى خلص العدو الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فذبّ بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته و شج في وجهه و كلمت شفته و كان الّذي أصابه عتبة بن أبى وقاص‏

فحدثني حميد الطويل عن‏

23

أنس بن مالك قال‏

كسرت رباعية النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم أحد و شج في وجيه فجعل يمسح الدم و يقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم و هو يدعوهم الى اللَّه فأنزل اللَّه‏

لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ‏

قال ابن جرير في تاريخه حدثنا محمد بن الحسين حدثنا أحمد ابن الفضل حدثنا أسباط عن السدي قال‏

أتى ابن قمئة الحارثي فرمى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحجر فكسر أنفه و رباعيته و شجه في وجهه فأثقله و تفرق عنه أصحابه و دخل بعضهم المدينة و انطلق طائفة فوق الجبل الى الصخرة و جعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يدعو الناس: الىّ عباد اللَّه، الىّ عباد اللَّه فاجتمع اليه ثلاثون رجلا فجعلوا يسيرون بين يديه فلم يقف أحد الا طلحة و سهل بن حنيف فحماه طلحة فرمى بسهم في يده فيبست يده و أقبل أبىّ بن خلف الجمحيّ و قد حلف ليقتلن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال بل أنا أقتله فقال يا كذاب أين تفر فحمل عليه فطعنه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخور خوار الثور فاحتملوه و قالوا ليس بك جراحة فما يجزعك؟ قال: أ ليس قال لأقتلنك لو كانت تجتمع ربيعة و مضر لقتلهم. فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح و فشا في الناس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة ليت لنا رسولا الى عبد اللَّه بن أبىّ فيأخذ لنا أمنة من أبى سفيان، يا قوم ان محمدا قد قتل فارجعوا الى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فقال أنس ابن النضر يا قوم ان كان محمد قد قتل فان رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اللَّهمّ انى أعتذر إليك مما يقول هؤلاء و أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل و انطلق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يدعو الناس حتى انتهى الى أصحاب الصخرة فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه يرميه فقال أنا رسول اللَّه ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و فرح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به، فلما اجتمعوا و فيهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذهب عنهم الحزن فأقبلوا يذكرون الفتح و ما فاتهم منه و يذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فقال اللَّه عز و جل في الذين قالوا ان محمدا قد قتل فارجعوا الى قومكم:

وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏

الآية فأقبل ابو سفيان حتى أشرف عليهم فلما نظروا اليه نسوا ذلك الّذي كانوا عليه و همهم أبو سفيان فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ليس لهم أن يعلونا، اللَّهمّ ان تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض». ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فقال أبو سفيان يومئذ: أعل هبل حنظلة بحنظلة و يوم أحد بيوم بدر.

و ذكر تمام القصة. و هذا غريب جدا و فيه نكارة. قال ابن هشام: و زعم ربيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه عن أبى سعيد أن عتبة بن أبى وقاص رمى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فكسر رباعيته اليمنى السفلى و جرح شفته السفلى و أن عبد اللَّه بن شهاب الزهري شجه في جبهته و ان عبد اللَّه بن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته و وقع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في حفرة

24

من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون فأخذ على بن أبى طالب بيده و رفعه طلحة بن عبيد اللَّه حتى استوى قائما و مص مالك بن سنان أبو أبى سعيد الدم من وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم ازدرده فقال من مس دمه دمي لم تمسه النار قلت و

ذكر قتادة

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما وقع لشقه أغمى عليه فمر به سالم مولى أبى حذيفة فأجلسه و مسح الدم عن وجهه فأفاق و هو يقول كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم و هو يدعوهم الى اللَّه فأنزل اللَّه‏

لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ

الآية

رواه ابن جرير و هو مرسل‏

و سيأتي بسط هذا في فصل وحده قلت: كان أول النهار للمسلمين على الكفار كما قال اللَّه تعالى‏ وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَ تَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ* إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى‏ أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍ‏ الآية

قال الامام أحمد حدثنا [عبد اللَّه حدثني أبى حدثني‏] سليمان بن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن عبيد اللَّه عن ابن عباس أنه قال:

ما نصر اللَّه في موطن كما نصر يوم أحد قال فأنكرنا ذلك فقال بيني و بين من أنكر ذلك كتاب اللَّه ان اللَّه يقول في يوم أحد

وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ‏

يقول ابن عباس و الحسّ القتل‏

حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ‏

الى قوله‏

وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏

و انما عنى بهذا الرماة و ذلك أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أقامهم في موضع ثم قال احموا ظهورنا فان رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا و ان رأيتمونا نغنم فلا تشركونا. فلما غنم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينهبون و قد التقت صفوف أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فهم هكذا (و شبك بين أصابع يديه) و التبسوا فلما أخلّ الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فضرب بعضهم بعضا فالتبسوا و قتل من المسلمين ناس كثير و قد كان لرسول اللَّه و أصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة و جال المسلمون جولة نحو الجبل و لم يبلغوا حيث يقول الناس الغار انما كان تحت المهراس، و صاح الشيطان: قتل محمد! فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بين السعدين نعرفه بتكفّيه إذا مشى قال ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا قال فرقى نحونا و هو يقول اشتد غضب اللَّه على قوم دموا وجه رسول اللَّه. و يقول مرة أخرى اللَّهمّ انه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: أعل هبل أعل هبل، مرتين (يعنى آلهته)، أين ابن ابى كبشة أين ابن ابى قحافة أين ابن الخطاب؟ فقال عمر بن الخطاب أ لا أجيبه؟ قال بلى قال فلما قال أعل هبل قال: اللَّه أعلى و أجل. فقال أبو سفيان يا ابن الخطاب قد أنعمت‏

25

عينها، فعاد عنها- أو فعال عنها- فقال أين ابن أبى كبشة أين ابن أبى قحافة أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هذا أبو بكر و ها انا ذا عمر، قال فقال أبو سفيان يوم بيوم بدر، الأيام دول و ان الحرب سجال. قال فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار. قال انكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا اذن و خسرنا. ثم قال أبو سفيان: اما انكم سوف تجدون في قتلاكم مثلة و لم يكن ذلك عن رأى سراتنا. قال ثم أدركته حمية الجاهلية فقال اما انه ان كان ذلك لم نكرهه. و قد

رواه ابن ابى حاتم و الحاكم في مستدركه و البيهقي في الدلائل من حديث سليمان بن داود الهاشمي به‏

و هذا حديث غريب و هو من مرسلات ابن عباس و له شواهد من وجوه كثيرة سنذكر منها ما تيسر إن شاء اللَّه و به الثقة و عليه التكلان و هو المستعان.

قال البخاري حدثنا عبيد اللَّه بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء قال:

لقينا المشركين يومئذ و أجلس النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جيشا من الرماة و أمر عليهم عبد اللَّه بن جبير و قال: لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، و إن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا. فلما لقينا هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة! فقال عبد اللَّه: عهد إليّ النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن لا تبرحوا. فأبوا، فلما أبوا صرفت وجوههم فأصيب سبعون قتيلا و أشرف أبو سفيان فقال: أ في القوم محمد؟ فقال لا تجيبوه. فقال أ في القوم ابن أبى قحافة؟ فقال لا تجيبوه. فقال أ في القوم ابن الخطاب؟ فقال إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدوّ اللَّه، أبقى اللَّه عليك ما يحزنك. فقال أبو سفيان: أعل هبل. فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أجيبوه، قالوا ما نقول؟ قال قولوا: اللَّه أعلى و أجلّ. فقال أبو سفيان: لنا العزّى و لا عزّى لكم. فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أجيبوه، قالوا ما نقول؟ قال قولوا: اللَّه مولانا و لا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، و الحرب سجال، و تجدون مثلة لم آمر بها و لم تسؤنى.

و هذا من افراد البخاري دون مسلم. و

قال الامام أحمد:

حدثني موسى حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق أن البراء بن عازب قال:

جعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على الرماة يوم أحد- و كانوا خمسين رجلا- عبد اللَّه بن جبير، قال و وضعهم موضعا و قال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، و إن رأيتمونا ظهرنا على العدوّ و أوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، قال فهزموهم، قال فأنا و اللَّه رأيت النساء يشتددن على الجبل و قد بدت أسوقهن و خلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد اللَّه بن جبير: الغنيمة، أي قوم، الغنيمة. ظهر أصحابكم، فما تنظرون؟ قال عبد اللَّه بن جبير: أ نسيتم ما قال لكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟

قالوا: إنّا و اللَّه لنأتينّ الناس فلنصيبنّ من الغنيمة! فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك الّذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غير اثنى عشر رجلا فأصابوا

26

منا سبعين رجلا، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين و مائة:

سبعين أسيرا و سبعين قتيلا، فقال أبو سفيان: أ في القوم محمد، أ في القوم محمد، أ في القوم محمد؟

ثلاثا، فنهاهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يجيبوه، ثم قال: أ في القوم ابن أبى قحافة، أ في القوم ابن أبى قحافة؟ أ في القوم ابن الخطاب، أ في القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا و قد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت و اللَّه يا عدوّ اللَّه، إن الذين عددت لأحياء كلهم و قد بقي لك ما يسؤك. فقال: يوم بيوم بدر، و الحرب سجال، انكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها و لم تسؤنى. ثم أخذ يرتجز: أعل هبل أعل هبل. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ألا تجيبونه قالوا يا رسول اللَّه و ما نقول؟ قال قولوا: اللَّه أعلى و أجلّ. قال: إن العزّى لنا و لا عزّى لكم؟ قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ألا تجيبونه؟ قالوا: يا رسول اللَّه ما نقول؟ قال قولوا: اللَّه مولانا و لا مولى لكم.

و

رواه البخاري من حديث زهير و هو ابن معاوية مختصرا و قد تقدم روايته له مطولة من طريق إسرائيل عن أبى إسحاق.

و قال الامام أحمد: حدّثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت و عليّ ابن زيد عن أنس بن مالك‏

أن المشركين لما رهقوا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو في سبعة من الأنصار و رجل من قريش، قال: من يردّهم عنا و هو رفيقي في الجنة؟ فجاء رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. فلما رهقوه أيضا قال: من يردّهم عنا و هو رفيقي في الحنة، حتى قتل السبعة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما أنصفنا أصحابنا. و

رواه مسلم عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به.

و قال البيهقي في الدلائل:

باسناده عن عمارة بن غزية عن أبى الزبير عن جابر قال:

انهزم الناس عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم أحد و بقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار و طلحة بن عبيد اللَّه و هو يصعد في الجبل فلحقهم المشركون فقال: ألا أحد لهؤلاء؟ فقال طلحة أنا يا رسول اللَّه. فقال: كما أنت يا طلحة، فقال رجل من الأنصار:

فأنا يا رسول اللَّه، فقاتل عنه، و صعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و من بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه، فقال: ألا رجل لهؤلاء؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مثل قوله. فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول اللَّه، فقاتل و أصحابه يصعدون ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول و يقول طلحة أنا يا رسول فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): من لهؤلاء؟ فقال طلحة أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله و أصيبت أنامله فقال حس، فقال لو قلت بسم اللَّه لرفعتك الملائكة و الناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء. ثم صعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى أصحابه و هم مجتمعون.

و روى البخاري عن عبد اللَّه بن أبى شيبة عن وكيع عن إسماعيل عن قيس بن أبى حازم قال: رأيت يد طلحة شلّاء وقى بها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم أحد. و في الصحيحين من حديث موسى بن إسماعيل عن‏

27

معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبى عثمان النهدي قال: لم يبق مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة و سعد عن حديثهما. و قال الحسن بن عرفة حدثنا مروان بن معاوية عن هاشم بن هاشم السعدي سمعت سعيد بن المسيب يقول سمعت سعد بن أبى وقاص يقول: نثل لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كنانته يوم أحد و قال: ارم فداك أبى و أمى. و أخرجه البخاري عن عبد اللَّه بن محمد عن مروان به. و

في صحيح البخاري من حديث عبد اللَّه بن شداد عن على بن أبى طالب قال‏

ما سمعت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جمع أبويه لأحد الا لسعد بن مالك فانى سمعته يقول يوم أحد: يا سعد ارم فداك أبى و أمى.

قال محمد بن إسحاق حدثني صالح بن كيسان عن بعض آل سعد عن سعد بن أبى وقاص‏

أنه رمى يوم أحد دون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال سعد فلقد رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يناولني النبل و يقول: ارم فداك أبى و أمى. حتى انه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمى به.

و ثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن سعد بن أبى وقاص قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك و لا بعده. يعنى جبريل و ميكائيل (عليهما السلام). و قال أحمد حدثنا عفان أخبرنا ثابت عن أنس أن أبا طلحة كان يرمى بين يدي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم أحد و النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خلفه يترس به و كان راميا و كان إذا رمى رفع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شخصه ينظر أين يقع سهمه، و يرفع أبو طلحة صدره و يقول هكذا بأبي أنت و أمى يا رسول اللَّه لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك. و كان أبو طلحة يسوّر نفسه بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و يقول: انى جلد يا رسول اللَّه، فوجهني في حوائجك و مرني بما شئت. و قال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا عبد العزيز عن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو طلحة بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مجوّب عليه بجحفة له و كان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، و كان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة. قال و يشرف النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينظر الى القوم فيقول أبو طلحة بأبي أنت و أمى لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك. و لقد رأيت عائشة بنت أبى بكر و أم سليم و انهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم. و لقد وقع السيف من يدي أبى طلحة إما مرتين و إما ثلاثا. قال البخاري و قال لي خليفة حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس عن أبى طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط و آخذه و يسقط فآخذه. هكذا ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم و يشهد له قوله تعالى‏ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى‏ طائِفَةً مِنْكُمْ وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ‏

28

يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى‏ مَضاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ* إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ‏.

قال البخاري: حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال‏

جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال من هؤلاء القعود قال هؤلاء قريش قال من الشيخ قالوا ابن عمر فأتاه فقال انى سائلك عن شي‏ء أ تحدّثنى. قال أنشدك بحرمة هذا البيت أ تعلم ان عثمان بن عفان فر يوم أحد قال نعم. قال فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال نعم. قال فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال نعم. قال فكبر. قال ابن عمر: تعال لأخبرك و لأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن اللَّه عفا عنه، و أما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كانت مريضة فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ان لك أجر رجل ممن شهد بدرا و سهمه، و أما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه فبعث عثمان و كانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان الى مكة فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان. اذهب بهذا الآن معك. و قد

رواه البخاري أيضا في موضع آخر و الترمذي من حديث أبى عوانة عن عثمان بن عبد اللَّه بن موهب به.

و قال الأموي في مغازيه عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد عن أبيه عن جده سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول‏

، و قد كان الناس انهزموا عنه حتى بلغ بعضهم الى المتقى دون الأعوص، و فرّ عثمان بن عفان و سعد بن عثمان رجل من الأنصار حتى بلغوا الجلعب جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص فأقاموا ثلاثا ثم رجعوا، فزعموا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة.

و المقصود أن أحدا وقع فيها أشياء مما وقع في بدر، منها حصول النعاس حل التحام الحرب و هذا دليل على طمأنينة القلوب بنصر اللَّه و تأييده و تمام توكلها على خلقها و بارئها. و قد تقدم الكلام على قوله تعالى في غزوة بدر: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ‏ الآية و قال هاهنا ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى‏ طائِفَةً مِنْكُمْ‏ يعنى المؤمنين الكمّل كما قال ابن مسعود و غيره من السلف: النعاس في الحرب من الايمان و النعاس في الصلاة من النفاق. و لهذا قال بعد هذا. وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ‏ الآية. و من ذلك‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استنصر يوم أحد كما استنصر يوم بدر بقوله: «إن تشأ لا تعبد في الأرض»

كما

قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد و عفان قالا حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يقول يوم أحد:

«اللَّهمّ إنك ان تشأ لا تعبد في الأرض» و

رواه مسلم‏

29

عن حجاج بن الشاعر عن عبد الصمد عن حماد بن سلمة به.

و قال البخاري: حدّثنا عبد اللَّه ابن محمد حدثنا سفيان عن عمرو سمع جابر بن عبد اللَّه قال:

قال رجل للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم أحد:

«أ رأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل». و

رواه مسلم و النسائي من حديث سفيان بن عيينة به‏

،

و هذا شبيه بقصة عمير بن الحمام التي تقدمت في غزوة بدر رضى اللَّه عنهما و أرضاهما

فصل فيما لقي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومئذ من المشركين قبحهم اللَّه‏

قال البخاري: ما أصاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الجراح يوم أحد* حدّثنا إسحاق بن نصر حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه سمع أبا هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«اشتد غضب اللَّه على قوم فعلوا بنبيه- يشير الى رباعيته- اشتد غضب اللَّه على رجل يقتله رسول اللَّه في سبيل اللَّه»

و رواه مسلم من طريق عبد الرزاق حدثنا مخلد بن مالك حدثنا يحيى بن سعيد الأموي حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: «اشتد غضب اللَّه على من قتله النبي في سبيل اللَّه، اشتد غضب اللَّه على قوم دموا وجه رسول اللَّه» (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و

قال أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال يوم أحد

و هو يسلت الدم عن وجهه و هو يقول: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم و كسروا رباعيته، و هو يدعو الى اللَّه» فأنزل اللَّه‏

لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ‏

. و

رواه مسلم عن القعنبي عن حماد بن سلمة به‏

،

و رواه الامام أحمد عن هشيم و يزيد بن هارون عن حميد عن أنس‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كسرت رباعيته و شجّ في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم و هو يدعوهم الى ربهم» فأنزل اللَّه تعالى‏

لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ

و قال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب عن أبى حازم انه سمع سهل بن سعد و هو يسأل.

عن جرح النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: أما و اللَّه انى لأعرف من كان يغسل جرح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و من كان يسكب الماء و بما دووي، قال: كانت فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تغسله و عليّ يسكب الماء بالمجن فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها و ألصقتها فاستمسك الدم و كسرت رباعيته يومئذ و جرح وجهه و كسرت البيضة على رأسه. و

قال أبو داود الطيالسي في مسندة: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق عن يحيى بن طلحة بن عبيد اللَّه أخبرنى عيسى بن طلحة عن أم المؤمنين عائشة قالت:

كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد فرأيت رجلا يقاتل في سبيل اللَّه دونه و أراه قال حمية، قال فقلت كن طلحة حيث فاتنى ما فاتنى، فقلت يكون رجلا من قومي أحب الى، و بيني و بين المشركين رجل‏

30

لا أعرفه و أنا أقرب الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منه و هو يخطف المشي خطفا لا أخطفه فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح فانتهينا الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد كسرت رباعيته و شج في وجهه و قد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «عليكما صاحبكما» يريد طلحة و قد نزف فلم نلتفت الى قوله قال: و ذهبت لا نزع ذاك من وجهه، فقال: أقسم عليك بحقي لما تركتني، فتركته فكره تناولها بيده فيؤذى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فازم عليها بفيه فاستخرج احدى الحلقتين و وقعت ثنيته مع الحلقة و ذهبت لا صنع ما صنع فقال أقسمت عليك بحقي لما تركتني.

قال ففعل مثل ما فعل في المرة الاولى فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة فكان أبو عبيدة رضى اللَّه عنه من أحسن الناس هتما. فأصلحنا من شأن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار فإذا به بضع و سبعون من بين طعنة و رمية و ضربة و إذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه. و ذكر الواقدي عن ابن أبى سبرة عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى فروة عن أبى فروة عن أبى الحويرث عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول شهدت أحدا فنظرت الى النبل تأتى من كل ناحية و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وسطها كل ذلك يصرف عنه، و لقد رأيت عبد اللَّه بن شهاب الزهري يومئذ يقول: دلوني على محمد لا نجوت ان نجا، و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى جنبه ما معه أحد فجاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان بن أمية، فقال و اللَّه ما رايته، أحلف باللَّه انه منا ممنوع خرجنا أربعة فتعاهدنا و تعاقدنا على قتله فلم نخلص اليه. قال الواقدي: ثبت عندي أن الّذي رمى في وجنتي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ابن قمئة، و الّذي رمى في شفته و أصاب رباعيته عتبة بن أبى وقاص، و قد تقدم عن ابن إسحاق نحو هذا و ان الرباعية التي كسرت له (عليه السلام) هي اليمنى السفلى.

قال ابن إسحاق: و حدّثنى صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبى وقاص قال:

ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبى وقاص و ان كان ما علمت لسيّئ الخلق مبغضا في قومه، و لقد كفاني فيه قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «اشتد غضب اللَّه على من دمي وجه رسوله».

و قال عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عثمان الحررى عن مقسم‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعا على عتبة بن أبى وقاص حين كسر رباعيته و دمي وجهه فقال «اللَّهمّ لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا» فما حال عليه الحول حتى مات كافرا الى النار.

و قال أبو سلمان الجوزجاني حدثنا محمد بن الحسن حدثني إبراهيم بن محمد حدثني ابن عبد اللَّه بن محمد بن أبى بكر بن حرب عن أبيه عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) داوى وجهه يوم أحد بعظم بال. هذا حديث غريب رأيته في أثناء كتاب المغازي للأموى في وقعة أحد. و لما نال عبد اللَّه بن قمئة من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما نال رجع و هو يقول: قتلت محمدا. و صرخ الشيطان أزبّ العقبة يومئذ بأبعد صوت: ألا ان محمدا قد قتل! فحصل بهتة عظيمة في المسلمين و اعتقد كثير من الناس ذلك و صمموا على القتال عن حوزة الإسلام حتى يموتوا على‏

31

ما مات عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، منهم أنس بن النضر و غيره ممن سيأتي ذكره، و قد أنزل اللَّه تعالى التسلية في ذلك على تقدير وقوعه فقال تعالى‏ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ، وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ* وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا، وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها، وَ سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ* وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ* وَ ما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ إِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ* فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَ حُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ* بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَ هُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ* سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ مَأْواهُمُ النَّارُ وَ بِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ‏. و قد تكلمنا على ذلك مستقصى في كتابنا التفسير و للَّه الحمد. و قد خطب الصديق رضى اللَّه عنه في أول مقام قامه بعد وفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، و من كان يعبد اللَّه فان اللَّه حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ‏ الآية. قال: فكأنّ الناس لم يسمعوها قبل ذلك، فما من الناس أحد الا يتلوها. و روى البيهقي في دلائل النبوة من طريق ابن أبى نجيح عن أبيه قال: مرّ رجل من المهاجرين يوم أحد على رجل من الأنصار و هو يتشحط في دمه. فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل. فقال الأنصاري: ان كان محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد قتل فقد بلغ الرسالة فقاتلوا عن دينكم، فنزل‏ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏ الآية. و لعل هذا الأنصاري هو أنس بن النضر رضى اللَّه عنه و هو عم أنس بن مالك. قال الامام أحمد حدّثنا يزيد حدّثنا حميد عن أنس أن عمه غاب عن قتال بدر، فقال غبت عن أول قتال قاتله النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للمشركين، لئن اللَّه أشهدنى قتالا للمشركين ليرينّ ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللَّهمّ انى أعتذر إليك عما صنع هؤلاء- يعنى أصحابه- و ابرأ إليك مما جاء به هؤلاء- يعنى المشركين- ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال سعد: أنا معك. قال سعد: فلم أستطع أصنع ما صنع، فوجد فيه بضع و ثمانون من بين ضربة بسيف و طعنة برمح و رمية بسهم، قال: فكنا نقول: فيه و في أصحابه نزلت‏ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ. و رواه الترمذي عن عبد بن حميد و النسائي عن إسحاق بن راهويه كلاهما عن يزيد بن هارون به و قال الترمذي: حسن، قلت: بل على شرط الصحيحين من هذا الوجه. و قال أحمد حدثنا بهز و حدثنا هاشم قالا حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال قال‏

32

أنس: عمى (قال هاشم: أنس بن النضر) سميت به و لم يشهد مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم بدر. قال فشق عليه و قال: أول مشهد شهده رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غبت عنه، و لئن أرانى اللَّه مشهدا فيما بعد مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليرينّ اللَّه ما أصنع. قال فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم أحد، قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟ واها لريح الجنة أجده دون أحد.

قال فقاتلهم حتى قتل فوجد في جسده بضع و ثمانون من ضربة و طعنة و رمية. قال فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخى إلا ببنانه. و نزلت هذه الآية مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه و في أصحابه. و رواه مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد. و رواه الترمذي و النسائي من حديث عبد اللَّه بن المبارك و زاد النسائي و ابو داود و حماد بن سلمة أربعتهم عن سليمان بن المغيرة به. و قال الترمذي حسن صحيح. و

قال أبو الأسود عن عروة بن الزبير قال‏

كان أبىّ بن خلف أخو بنى جمح قد حلف و هو بمكة ليقتلن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فلما بلغت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حلفته قال:

بل أنا أقتله ان شاء اللَّه.

فلما كان يوم أحد أقبل أبى في الحديد مقنعا و هو يقول: لا نجوت إن نجا محمد. فحمل على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بنى عبد الدار يقي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه فقتل مصعب بن عمير و أبصر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ترقوة أبىّ بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع و البيضة فطعنه فيها بالحربة فوقع الى الأرض عن فرسه و لم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه و هو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أ جزعك؟ انما هو خدش. فذكر لهم قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنا أقتل أبيا، ثم قال و الّذي نفسي بيده لو كان هذا الّذي بى بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون فمات الى النار فسحقا لأصحاب السعير. و قد رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري عن سعيد بن المسيّب نجوة. و

قال ابن إسحاق‏

لما أسند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الشعب أدركه أبىّ بن خلف و هو يقول: لا نجوت ان نجوت. فقال القوم: يا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الشعب أدركه أبىّ بن خلف و هو يقول: لا نجوت ان نجوت. فقال القوم: يا رسول اللَّه يعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): دعوه! فلما دنا منه تناول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحربة من الحارث بن الصمة فقال بعض القوم كما ذكر لي فلما أخذها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) انتفض انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا.

ذكر الواقدي عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد اللَّه ابن كعب بن مالك عن أبيه نحو ذلك. قال الواقدي و كان ابن عمر يقول: مات أبىّ بن خلف ببطن رابغ، فانى لاسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل إذا أنا بنار تأججت فهبتها و إذا برجل يخرج منها بسلسلة يجذبها يهيجه العطش فإذا رجل يقول: لا تسقه، فإنه قتيل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، هذا أبىّ بن خلف. و قد ثبت‏

في الصحيحين كما تقدم من طريق عبد الرزّاق عن معمر عن همام عن‏

33

أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«اشتد غضب اللَّه على رجل يقتله رسول اللَّه في سبيل اللَّه»

و رواه البخاري من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس «اشتد غضب اللَّه على من قتله رسول اللَّه بيده في سبيل اللَّه» و

قال البخاري و قال أبو الوليد عن شعبة عن ابن المنكدر سمعت جابرا قال:

لما قتل أبى جعلت أبكى و أكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينهونني و النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم ينه، و قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا تبكه أو ما تبكيه ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع.

هكذا ذكر هذا الحديث هاهنا معلقا و قد أسنده في الجنائز عن بندار عن غندر عن شعبة. و رواه مسلم و النسائي من طرق عن شعبة به و قال البخاري حدثنا عبدان أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم أن عبد الرحمن ابن عوف أتى بطعام و كان صائما فقال قتل مصعب بن عمير و هو خير منى كفن في بردة إن غطى رأسه بدت رجلاه و إن غطى رجلاه بدا رأسه، و أراه قال و قتل حمزة هو خير منى ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط (أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا) و قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا.

ثم جعل يبكى حتى برد الطعام. انفرد به البخاري و

قال البخاري حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الأعمش عن شقيق عن خباب بن الأرت قال:

هاجرنا مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نبتغى وجه اللَّه فوجب أجرنا على اللَّه فمنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئا كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد لم يترك إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه و إذا غطى بها رجلاه خرج رأسه فقال لنا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غطوا بها رأسه و اجعلوا على رجله الإذخر. و منا من أينعت له ثمرته فهو يهد بها. و

أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن الأعمش به.

و قال البخاري حدثنا عبيد اللَّه بن سعيد حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون فصرخ إبليس لعنة اللَّه عليه: أي عباد اللَّه أخراكم. فرجعت أولاهم فاجتلدت هي و أخراهم فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد اللَّه أبى أبى. قال قالت فو اللَّه ما احتجزوا حتى قتلوه. فقال حذيفة يغفر اللَّه لكم. قال عروة: فو اللَّه ما زال في حذيفة بقية خير حتى لقي اللَّه عز و جل. قلت كان سبب ذلك أن اليمان و ثابت بن وقش كانا في الآطام مع النساء لكبرهما و ضعفهما فقالا انه لم يبق من آجالنا إلا ظم‏ء حمار فنزلا ليجضرا الحرب فجاء طريقهما ناحية المشركين فأما ثابت فقتله المشركون و أما اليمان فقتله المسلمون خطأ. و تصدق حذيفة بدية أبيه على المسلمين و لم يعاتب أحدا منهم لظهور العذر في ذلك‏

فصل‏

قال ابن إسحاق: و أصيب يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى. سقطت على وجنته فردها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بيده فكانت أحسن عينيه و أحدّهما. و في الحديث عن جابر بن عبد اللَّه‏

34

أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى سالت على خده فردها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكانها فكانت أحسن عينيه و أحدهما و كانت لا تريد إذا رمدت الأخرى. و روى الدارقطنيّ باسناد غريب عن مالك عن محمد بن عبد اللَّه بن أبى صعصعة عن أبيه عن أبى سعيد عن أخيه قتادة ابن النعمان قال: أصيبت عيناي يوم أحد فسقطتا على وجنتي فأتيت بهما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأعادهما مكانهما و بصق فيهما فعادتا تبرقان. و المشهور الأول أنه أصيبت عينه الواحدة. و لهذا لما وفد ولده على عمر بن عبد العزيز قال له: من أنت؟ فقال له مرتجلا:

أنا ابن الّذي سالت على الخد عينه‏* * * فردت بكف المصطفى أحسن الرد

فعادت كما كانت لأول أمرها* * * فيا حسنها عينا و يا حسن ما خد

فقال عمر بن عبد العزيز عند ذلك:

تلك المكارم لا قعبان من لبن‏* * * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

ثم وصله فأحسن جائزته رضى اللَّه عنه‏

فصل‏

قال ابن هشام: و قاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد فذكر سعيد ابن أبى زيد الأنصاري أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول دخلت على أم عمارة فقلت لها يا خالة أخبرينى خبرك فقالت خرجت أول النهار انظر ما يصنع الناس و معى سقاء فيه ماء فانتهيت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو في أصحابه و الدولة و الريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقمت أباشر القتال و أذبّ عنه بالسيف و أرمى عن القوس حتى خلصت الجراح الى. قالت فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور فقلت لها من أصابك بهذا قالت ابن قمئة أقمأه اللَّه، لما ولى الناس عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أقبل يقول دلوني على محمد لا نجوت ان نجا فاعترضت له أنا و مصعب بن عمير و أناس ممن ثبت مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فضربني هذه الضربة. و لقد ضربته على ذلك ضربات و لكن عدو اللَّه كانت عليه درعان. قال ابن إسحاق و ترس أبو دجانة دون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه يقع النبل في ظهره و هو منحن عليه حتى كثر فيه النبل. قال ابن إسحاق و حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده. قال ابن إسحاق و حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بنى عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك الى عمر بن الخطاب و طلحة بن عبيد اللَّه في رجال من المهاجرين و الأنصار و قد ألقوا بأيديهم فقال فما يجلسكم قالوا قتل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل و به سمى أنس بن مالك. فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة فما عرفه‏

35

الا أخته، عرفته ببنانه. قال ابن هشام: و حدثني بعض أهل العلم ان عبد الرحمن بن عوف أصيب فوه يومئذ فهتم و جرح عشرين جراحة أو أكثر أصابه بعضها في رجله فعرج‏

فصل‏

قال ابن إسحاق: و كان أول من عرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد الهزيمة و قول الناس قتل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- كما ذكر لي الزهري- كعب بن مالك قال: رأيت عينيه تزهران من تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فأشار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن أنصت. قال ابن إسحاق فلما عرف المسلمون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نهضوا به و نهض معهم نحو الشعب معه أبو بكر الصديق و عمر بن الخطاب و على بن أبى طالب و طلحة بن عبيد اللَّه و الزبير بن العوام و الحارث بن الصمة و رهط من المسلمين فلما أسند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الشعب أدركه أبىّ بن خلف (فذكر قتله (عليه السلام) أبيا كما تقدم)

قال ابن إسحاق: و كان ابىّ بن خلف كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف‏

يلقى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمكة فيقول: يا محمد ان عندي العود- فرسا- أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه. فيقول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): بل أنا أقتلك ان شاء اللَّه.

فلما رجع الى قريش و قد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم فقال: قتلني و اللَّه محمد. فقالوا له ذهب و اللَّه فؤادك، و اللَّه ان بك بأس. قال انه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك. فو اللَّه لو بصق عليّ لقتلني. فمات عدو اللَّه بسرف و هم قافلون به الى مكة. قال ابن إسحاق فقال حسان بن ثابت في ذلك:

لقد ورث الضلالة عن أبيه‏* * * أبىّ يوم بارزه الرسول‏

أتيت اليه تحمل رم عظم‏* * * و توعده و أنت به جهول‏

و قد قتلت بنو النجار منكم‏* * * أمية إذ يغوّث يا عقيل‏

و تبّ ابنا ربيعة إذ أطاعا* * * أبا جهل لأمهما الهبول‏

و أفلت حارث لما شغلنا* * * بأسر القوم أسرته فليل‏

و قال حسان بن ثابت أيضا:

ألا من مبلغ عنى أبيا* * * فقد ألقيت في سحق السعير

منى بالضلالة من بعيد* * * و تقسم ان قدرت مع النذور

تمنيك الأماني من بعيد* * * و قول الكفر يرجع في غرور

فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ* * * كريم البيت ليس بذي فجور

له فضل على الأحياء طرا* * * إذا نابت ملمات الأمور

قال ابن إسحاق:

فلما انتهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى فم الشعب خرج على بن أبى طالب حتى ملأ درقته ماء من المهراس فجاء بها الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه و لم يشرب منه و غسل‏

36

عن وجهه الدم و صب على رأسه و هو يقول «اشتد غضب اللَّه على من دمي وجه نبيه»

و قد تقدم شواهد ذلك من الأحاديث الصحيحة بما فيه الكفاية. قال ابن إسحاق: فبينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الشعب معه أولئك النفر من أصحابه إذ علت عالية من قريش الجبل قال ابن هشام فيهم خالد بن الوليد

قال ابن إسحاق فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

اللَّهمّ انه لا ينبغي لهم أن يعلونا.

فقاتل عمر بن الخطاب و رهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل و نهض النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى صخرة من الجبل ليعلوها و قد كان بدن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ظاهر بين درعين فلما ذهب لينهض لم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد اللَّه فنهض به حتى استوى عليها

فحدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه عن عبد اللَّه بن الزبير عن الزبير قال سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول يومئذ

«أوجب طلحة» حين صنع برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومئذ ما صنع.

قال ابن هشام و ذكر عمر مولى عفرة ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلّى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التي أصابته و صلّى المسلمون خلفه قعودا.

قال ابن إسحاق و حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال:

كان فينا رجل أتىّ لا يدرى من هو يقال له قزمان فكان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول إذا ذكر «انه لمن أهل النار»

قال فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا فقتل هو وحده ثمانية أو سبعة من المشركين و كان ذا بأس فأثبتته الجراحة فاحتمل الى دار بنى ظفر قال فجعل رجال من المسلمين يقولون له: و اللَّه لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر. قال بما ذا أبشر فو اللَّه ان قاتلت الا عن أحساب قومي و لو لا ذلك ما قاتلت. قال فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه. و قد ورد مثل قصة هذا في غزوة خيبر كما سيأتي ان شاء اللَّه.

قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن المسيب عن أبى هريرة قال‏

شهدنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيبر فقال لرجل ممن يدّعى الإسلام «هذا من أهل النار» فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل يا رسول اللَّه الرجل الّذي قلت انه من أهل النار قاتل اليوم قتالا شديدا و قد مات فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «الى النار» فكاد بعض القوم يرتاب فبينما هم على ذلك إذ قيل فإنه لم يمت و لكن به جراح شديدة فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بذلك فقال اللَّه أكبر، أشهد أنى عبد اللَّه و رسوله» ثم أمر بلالا فنادى في الناس «انه لا يدخل الجنة الا نفس مسلمة و ان اللَّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر». و

أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به‏

قال ابن إسحاق‏

و كان ممن قتل يوم أحد مخيريق و كان أحد بنى ثعلبة بن الغيطون فلما كان يوم أحد قال يا معشر يهود و اللَّه لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا ان اليوم يوم السبت. قال لا سبت لكم. فأخذ سيفه و عدته و قال ان أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء. ثم غدا الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقاتل معه حتى قتل. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيما بلغنا «مخيريق خير يهود»

قال السهيليّ فجعل‏

37

رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أموال مخيريق- و كانت سبع حوائط- أوقافا بالمدينة للَّه قال محمد بن كعب القرظي و كانت أول وقف بالمدينة. و

قال ابن إسحاق و حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ عن أبى سفيان مولى ابن أبى أحمد عن أبى هريرة أنه كان يقول حدثوني عن رجل‏

دخل الجنة لم يصلّ قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو فيقول اصيرم بنى عبد الأشهل عمرو بن ثابت ابن وقش قال الحصين فقلت لمحمود بن أسد كيف كان شأن الاصيرم؟ قال كان يأبى الإسلام على قومه فلما كان يوم أحد بدا له فأسلم ثم أخذ سيفه فغدا حتى دخل في عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة قال فبينما رجال من بنى عبد الأشهل يتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به فقالوا و اللَّه ان هذا للاصيرم ما جاء به لقد تركناه و انه لمنكر لهذا الحديث فسألوه فقالوا [ما جاء بك يا عمرو] أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام فقال بل رغبة في الإسلام آمنت باللَّه و برسوله و أسلمت ثم أخذت سيفي و غدوت مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقاتلت حتى أصابنى ما أصابنى. فلم يلبث أن مات في أيديهم فذكروه لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «انه من أهل الجنة».

قال ابن إسحاق و حدثني أبى عن أشياخ من بنى سلمة قالوا

كان عمرو بن الجموح رجلا أعرج شديد العرج و كان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه و قالوا ان اللَّه قد عذرك فأتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قال ان بنى يزيدون أن يحبسوني عن هذا الوجه و الخروج معك فيه فو اللَّه انى لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «اما أنت فقد عذرك اللَّه فلا جهاد عليك» و قال لبنيه «ما عليكم أن لا تمنعوه لعل اللَّه أن يرزقه الشهادة» فخرج معه فقتل يوم أحد رضى اللَّه عنه.

قال ابن إسحاق: و وقعت هند بنت عتبة- كما حدثني صالح بن كيسان- و النسوة اللائي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يجد عن الآذان و لا نوف حتى اتخذت هند من آذان الرجل و أنوفهم خدما و قلائد و أعطت خدمها و قلائدها و قرطها وحشيا. و بقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. و ذكر موسى ابن عقبة ان الّذي بقر عن كبد حمزة وحشي فحملها الى هند فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فاللَّه أعلم.

قال ابن إسحاق ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت:

نحن جزينا كم بيوم بدر* * * و الحرب بعد الحرب ذات سعر

ما كان لي عن عتبة من صبر* * * و لا أخى و عمه و بكر

شفيت نفسي و قضيت نذرى‏* * * شفيت وحشيّ غليل صدري‏

فشكر وحشي عليّ عمري‏* * * حتى ترمّ أعظمى في قبري‏

قال فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت:

38

خزيت في بدر و بعد بدر* * * يا بنت وقّاع عظيم الكفر

صبّحك اللَّه غداة الفجر* * * م الهاشميين الطوال الزهر

بكل قطاع حسام يفرى‏* * * حمزة ليثى و على صقرى‏

إذ رام شيب و أبوك غدرى‏* * * فخضّبا منه ضواحي النحر

و نذرك السوء فشرّ نذر

قال ابن إسحاق و كان الحليس بن زيان أخو بنى الحارث بن عبد مناة- و هو يومئذ سيد الأحابيش- مر بأبي سفيان و هو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح و يقول:

ذق عقق. فقال الحليس يا بنى كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما. فقال: ويحك اكتمها عنى فإنها كانت زلة.

قال ابن إسحاق:

ثم ان أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت، ان الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعلى هبل (أي ظهر دينك). فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعمر «قم يا عمر فأجبه فقال: اللَّه أعلى و أجل، لا سواء، قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار» فقال له أبو سفيان: هلم الى يا عمر. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعمر: ائته فانظر ما شأنه. فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك اللَّه عمر أ قتلنا محمدا؟ فقال عمر:

اللَّهمّ لا و انه ليسمع كلامك الآن. قال أنت عندي أصدق من ابن قمئة و أبر. قال ابن إسحاق:

ثم نادى أبو سفيان: انه قد كان في قتلا كم مثل، و اللَّه ما رضيت و ما سخطت، و ما نهيت و لا أمرت. قال: و لما انصرف أبو سفيان نادى: ان موعدكم بدر العام المقبل. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لرجل من أصحابه: قل نعم هو بيننا و بينك موعد. قال ابن إسحاق ثم بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على بن أبى طالب فقال: أخرج في آثار القوم و انظر ما ذا يصنعون و ما يريدون، فان كانوا قد جنبوا الخيل و امتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، و ان ركبوا الخيل و ساقوا الإبل فهم يريدون المدينة. و الّذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرن اليهم فيها ثم لا ناجزنهم. قال على: فخرجت في أثرهم انظر ما ذا يصنعون، فجنبوا الخيل و امتطوا الإبل و وجهوا الى مكة

ذكر دعاء النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد الوقعة يوم أحد

قال الامام احمد حدثنا مروان بن معاوية الفزاري حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكيّ عن ابن رفاعة الزرقيّ عن أبيه قال:

لما كان يوم أحد و انكفأ المشركون قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «استووا حتى أثنى على ربى عز و جل» فصاروا خلفه صفوفا فقال «اللَّهمّ لك الحمد كله، اللَّهمّ لا قابض لما بسطت و لا باسط لما قبضت و لا هادي لمن أضللت و لا مضلّ لمن هديت و لا معطي لما منعت‏

39

و لا مانع لما أعطيت و لا مقرّب لما باعدت و لا مبعد لما قربت. اللَّهمّ ابسط علينا من بركاتك و رحمتك و فضلك و رزقك. اللَّهمّ انى أسألك النعيم المقيم الّذي لا يحول و لا يزول. اللَّهمّ أنى أسألك النعيم يوم العيلة و الأمن يوم الخوف. اللَّهمّ أنى عائذ بك من شرما أعطيتنا و شر ما منعتنا. اللَّهمّ حبب إلينا الايمان و زينه في قلوبنا، و كرّه إلينا الكفر و الفسوق و العصيان و اجعلنا من الراشدين. اللَّهمّ توفنا مسلمين و أحينا مسلمين و ألحقنا بالصالحين غير خزايا و لا مفتونين. اللَّهمّ قاتل الكفرة الذين يكذّبون رسلك و يصدون عن سبيلك، و اجعل عليهم رجزك و عذابك. اللَّهمّ قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق» و

رواه النسائي في اليوم و الليلة عن زياد بن أيوب عن مروان بن معاوية عن عبد الواحد بن أيمن عن عبيد بن رفاعة عن أبيه به.

فصل.

قال ابن إسحاق و فرغ الناس لقتلاهم فحدثني محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن ابن أبى صعصعة المازني أخو بنى النجار أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

من رجل ينظر لي ما فعل سعد ابن الربيع أ في الاحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا. فنظر فوجده جريحا في القتلى و به رمق، قال فقال له: ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمرنى أن انظر أ في الاحياء أنت أم في الأموات فقال: أنا في الأموات فأبلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سلامي و قل له: ان سعد بن الربيع يقول لك: جزاك اللَّه عنا خير ما جزى نبيا عن أمته. و أبلغ قومك عنى السلام و قل لهم: ان سعد بن الربيع يقول لكم: انه لا عذر لكم عند اللَّه ان خلص الى نبيكم و فيكم عين تطرف. قال ثم لم أبرح حتى مات و جئت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبرته خبره‏

قلت: كان الرجل الّذي التمس سعدا في القتلى محمد بن سلمة فيما ذكره محمد بن عمر الواقدي و ذكر أنه ناداه مرتين فلم يجبه فلما قال ان رسول اللَّه أمرنى أن انظر خبرك أجابه بصوت ضعيف و ذكره. و قال الشيخ أبو عمر في الاستيعاب كان الرجل الّذي التمس سعدا أبىّ كعب فاللَّه أعلم.

و كان سعد بن الربيع من النقباء ليلة العقبة رضى اللَّه عنه و هو الّذي آخى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بينه و بين عبد الرحمن بن عوف.

قال ابن إسحاق:

و خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده و مثل به فجدع أنفه و أذناه،

فحدثني محمد ابن جعفر بن الزبير

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال حين رأى ما رأى: «لو لا أن تحزن صفية و تكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع و حواصل الطير، و لئن أظهرنى اللَّه على قريش في موطن من المواطن لأمثلنّ بثلاثين رجلا منهم» فلما رأى المسلمون حزن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و غيظه على‏

40

من فعل بعمه ما فعل، قالوا: و اللَّه لئن أظفرنا اللَّه بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب.

قال ابن إسحاق فحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب، و حدثني من لا أتهم عن ابن عباس أن اللَّه أنزل في ذلك‏ وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ‏ الآية. قال: فعفا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و صبر و نهى عن المثلة. قلت: هذه الآية مكية و قصة أحد بعد الهجرة بثلاث سنين فكيف يلتئم هذا فاللَّه أعلم. قال و حدثني حميد الطويل عن الحسن عن سمرة قال: ما قام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في مقام قط ففارقه حتى يأمر بالصدقة و ينهى عن المثلة. و

قال ابن هشام:

و لما وقف النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على حمزة قال «لن أصاب بمثلك أبدا، و ما وقفت قط موقفا أغيظ إليّ من هذا» ثم قال «جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في السماوات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد اللَّه و أسد رسوله»

قال ابن هشام: و كان حمزة و أبو سلمة بن عبد الأسد أخو رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الرضاعة أرضعتهم ثلاثتهم ثويبة مولاة أبى لهب‏

ذكر الصلاة على حمزة و قتلى أحد

و قال ابن إسحاق و حدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس قال: «أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحمزة فسجى ببردة ثم صلّى عليه فكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى يوضعون الى حمزة فصلى عليهم و عليه معهم حتى صلّى عليه ثنتين و سبعين صلاة» و هذا غريب و سنده ضعيف. قال السهيليّ: و لم يقل به أحد من علماء الأمصار. و قد

قال الامام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد حدثنا عطاء بن السائب عن الشعبي عن ابن مسعود قال:

إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبرّ أنا ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل اللَّه‏

مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ‏

فلما خلف أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عصوا ما أمروا به أفرد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في تسعة- سبعة من الأنصار و اثنين من قريش و هو عاشرهم- فلما رهقوه قال: رحم اللَّه رجلا ردّهم عنا ... فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا، فجاء أبو سفيان فقال: أعل هبل! فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): قولوا اللَّه أعلى و أجلّ، فقالوا اللَّه أعلى و أجل. فقال أبو سفيان: لنا العزّى و لا عزّى لكم، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): قولوا اللَّه مولانا و لا مولى لكم. ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، يوم لنا و يوم علينا، و يوم نساء و يوم نسر، حنظلة بحنظلة، و فلان بفلان، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا سواء، أما قتلانا فأحياء يرزقون و قتلاكم في النار يعذبون. قال أبو سفيان: قد كانت في القوم مثلة و إن كانت لعن غير ملأ منا، ما أمرت و لا نهيت و لا أحببت و لا كرهت،

41

و لا ساءني و لا سرني، قال فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه و أخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أ أكلت شيئا؟ قالوا لا، قال ما كان اللَّه ليدخل شيئا من حمزة في النار، قال فوضع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حمزة فصلى عليه و جي‏ء برجل من الأنصار فوضع الى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري و ترك حمزة و جي‏ء بآخر فوضعه الى جنب حمزة فصلى عليه ثم رفع و ترك حمزة حتى صلّى عليه يومئذ سبعين صلاة»

تفرد به أحمد و هذا اسناد فيه ضعف أيضا من جهة عطاء بن السائب فاللَّه أعلم. و الّذي رواه البخاري أثبت حيث قال: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن جابر بن عبد اللَّه أخبره أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذا لقرآن؟ فإذا أشير له الى أحدهما قدمه في اللحد و قال أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. و أمر بدفنهم بدمائهم و لم يصل عليهم و لم يغسلوا تفرد به البخاري دون مسلم. و رواه أهل السنن من حديث الليث بن سعد به و قال أحمد حدثنا محمد يعنى ابن جعفر حدثنا شعبة سمعت عبد ربه يحدث عن الزهري عن ابن جابر عن جابر ابن عبد اللَّه عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال في قتلى أحد: فان كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة و لم يصلّ عليهم و ثبت أنه صلّى عليهم بعد ذلك بسنين عديدة قبل وفاته بيسير كما

قال البخاري:

حدثنا محمد بن عبد الرحيم حدثنا زكريا بن عدي أخبرنا المبارك عن حيوة عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة بن عامر قال:

صلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودّع للاحياء و الأموات، ثم طلع المنبر فقال: انى بين أيديكم فرط و أنا عليكم شهيد و ان موعدكم الحوض و انى لأنظر اليه من مقامي هذا و انى لست أخشى عليكم أن تشركوا و لكنى أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. قال: فكان آخر نظرة نظرتها الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و

رواه البخاري في مواضع أخر و مسلم و أبو داود و النسائي من حديث يزيد بن أبى حبيب به نحوه.

و قال الأموي حدثني أبى حدثنا الحسن بن عمارة عن حبيب بن أبى ثابت قال: قالت عائشة: خرجنا من السحر مخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى أحد نستطلع الخبر حتى إذا طلع الفجر إذا رجل محتجر يشتد و يقول:

لبّث قليلا يشهد الهيجا حمل‏

قال: فنظرنا فإذا أسيد بن حضير، ثم مكثنا بعد ذلك فإذا بعير قد أقبل، عليه امرأة بين وسقين قالت فدنونا منها فإذا هي امرأة عمرو بن الجموح فقلنا لها ما الخبر قالت دفع اللَّه عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و اتخذ من المؤمنين شهداء ورد اللَّه الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا و كفى اللَّه المؤمنين القتال و كان اللَّه قويا عزيزا. ثم قالت لبعيرها: حل. ثم نزلت، فقلنا لها: ما هذا؟

قالت: أخى و زوجي. و

قال ابن إسحاق:

و قد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر اليه و كان‏

42

أخاها لأبيها و أمها فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لابنها الزبير بن العوام: القها فارجعها لا ترى ما بأخيها فقال لها: يا أمه ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يأمرك أن ترجعى. قالت و لم و قد بلغني انه مثل بأخي و ذلك في اللَّه فما أرضانا ما كان من ذلك لأحتسبن و لأصبرن ان شاء اللَّه. فلما جاء الزبير الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أخبره بذلك قال خل سبيلها، فأتته فنظرت اليه و صلت عليه و استرجعت و استغفرت.

قال ابن إسحاق: ثم أمر به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فدفن و دفن معه ابن أخته عبد اللَّه بن جحش و أمه أميمة بنت عبد المطلب و كان قد مثل به غير انه لم ينقر عن كبده رضى اللَّه عنهما. قال السهيليّ:

و كان يقال له المجدع في اللَّه قال و ذكر سعد انه هو و عبد اللَّه بن جحش دعيا بدعوة فاستجيبت لهما فدعا سعد أن يلقى فارسا من المشركين فيقتله و يستلبه فكان ذلك و دعا عبد اللَّه بن جحش أن يلقاه فارس فيقتله و يجدع أنفه في اللَّه فكان ذلك و ذكر الزبير بن بكار ان سيفه يومئذ انقطع فأعطاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عرجونا فصار في يد عبد اللَّه بن جحش سيفا يقاتل به ثم بيع في تركه بعض ولده بمائتي دينار و هذا كما تقدم لعكاشة في يوم بدر. و قد تقدم في صحيح البخاري أيضا ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يجمع بين الرجلين و الثلاثة في القبر الواحد بل في الكفن الواحد و انما أرخص لهم في ذلك لما بالمسلمين من الجراح التي يشق معها أن يحفروا الكل واحد واحد و يقدم في اللحد أكثرهما أخذا للقرآن و كان يجمع بين الرجلين المتصاحبين في اللحد الواحد كما جمع بين عبد اللَّه بن عمرو بن حرام والد جابر و بين عمرو بن الجموح لأنهما كانا متصاحبين و لم يغسلوا بل تركهم بجراحهم و دمائهم كما

روى ابن إسحاق عن الزهري عن عبد اللَّه بن ثعلبة بن صعير

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما انصرف عن القتلى يوم أحد قال: أنا شهيد على هؤلاء انه ما من جريح يجرح في سبيل اللَّه إلا و اللَّه يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه اللون لون دم و الريح ريح مسك.

قال و حدثني عمى موسى بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

ما من جريح يجرح في اللَّه إلا و اللَّه يبعثه يوم القيامة و جرحه يدمي اللون لون الدم و الريح ريح المسك‏

و هذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه. و قال الامام احمد حدثنا على بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم أحد بالشهداء أن ينزع عنهم الحديد و الجلود و قال ادفنوهم بدمائهم و ثيابهم. رواه أبو داود و ابن ماجة من حديث على بن عاصم به. و

قال الامام أبو داود في سننه: حدثنا القعنبي أن سليمان بن المغيرة حدثهم عن حميد بن هلال عن هشام بن عامر أنه قال:

جاءت الأنصار الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم أحد فقالوا قد أصابنا قرح و جهد فكيف تأمر فقال: احفروا و أوسعوا و اجعلوا الرجلين و الثلاثة في القبر الواحد. قيل: يا رسول اللَّه فأيهم يقدم؟ قال: أكثرهم قرآنا. ثم‏

رواه من حديث الثوري عن أيوب عن حميد بن هلال عن هشام بن عامر فذكره و زاد

و اعمقوا.

قال ابن إسحاق: و قد

43

احتمل ناس من المسلمين قتلاهم الى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن ذلك و قال:

ادفنوهم حيث صرعوا. و قد قال الامام احمد حدثنا على بن إسحاق حدثنا عبد اللَّه و عتاب حدثنا عبد اللَّه حدثنا عمر بن سلمة بن أبى يزيد المديني حدثني أبى سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: استشهد أبى بأحد فأرسلني أخواتي اليه بناضح لهن فقلن: اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل فادفنه في مقبرة بنى سلمة. فقال فجئته و أعوان لي فبلغ ذلك نبي اللَّه و هو جالس بأحد فدعاني فقال: و الّذي نفسي بيده لا يدفن إلا مع اخوته فدفن مع أصحابه بأحد. تفرد به احمد. و قال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الأسود بن قيس عن نبيح عن جابر بن عبد اللَّه أن قتلى أحد حملوا من مكانهم فنادى منادى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن ردوا القتلى الى مضاجعهم. و قد رواه أبو داود و النسائي من حديث الثوري و الترمذيّ من حديث شعبة و النسائي أيضا و ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة كلهم عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر بن عبد اللَّه قال: خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من المدينة الى المشركين يقاتلهم و قال لي أبى عبد اللَّه يا جابر لا عليك أن تكون في نظارى أهل المدينة حتى تعلم الى ما مصير أمرنا فانى و اللَّه لو لا أنى أترك بنات لي بعدي لا حببت أن تقتل بين يدي. قال: فبينا أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بابي و خالي عادلتهما على ناضح فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا إذ لحق رجل ينادى: ألا أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبى سفيان إذ جاءني رجل فقال يا جابر بن عبد اللَّه و اللَّه لقد أثار أباك عمال معاوية فبدا فخرج طائفة منه. فأتيته فوجدته على النحو الّذي دفنته لم يتغير إلا ما لم يدع القتل أو القتيل، ثم ساق الامام قصة وفائه دين أبيه كما هو ثابت في الصحيحين. و روى البيهقي من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن أبى الزبير عن جابر بن عبد اللَّه قال: لما أجرى معاوية العين عند قتلى أحد بعد أربعين سنة استصرخناهم اليهم فأتيناهم فأخرجناهم فأصابت المسحاة قدم حمزة فانبعث دما. و في رواية ابن إسحاق عن جابر قال: فأخرجناهم كأنما دفنوا بالأمس. و ذكر الواقدي أن معاوية لما أراد أن يجرى العين نادى مناديه من كان له قتيل بأحد فليشهد، قال جابر فحفرنا عنهم فوجدت أبى في قبره كأنما هو نائم على هيئته و وجدنا جاره في قبره عمرو بن الجموح و يده على جرحه فازيلت عنه فانبعث جرحه دما، و يقال انه فاح من قبورهم مثل ريح المسك رضى اللَّه عنهم أجمعين و ذلك بعد ست و أربعين سنة من يوم دفنوا.

و قد قال البخاري حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا حسين المعلم عن عطاء عن جابر قال: لما حضر أحد دعاني أبى من الليل فقال لي ما أرانى إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و انى لا أترك بعدي أعز عليّ منك غير نفس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أن عليّ دينا فاقض‏

44

و استوص بأخواتك خيرا، فأصبحنا و كان أول قتيل فدفنت معه آخر في قبره ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته هيئة غير أذنه. و ثبت‏

في الصحيحين من حديث شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر

أنه لما قتل أبوه جعل يكشف عن الثوب و يبكى فنهاه الناس فقال رسول اللَّه تبكيه أو لا تبكيه، لم تزل الملائكة تظله حتى رفعتموه.

و في رواية أن عمته هي الباكية. و

قال البيهقي حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ و أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا فيض بن وثيق البصري حدثنا أبو عبادة الأنصاري عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لجابر

«يا جابر ألا أبشرك؟ قال بلى بشرك اللَّه بالخير، فقال: أشعرت أن اللَّه أحيا أباك فقال تمنّ عليّ عبدي ما شئت أعطكه. قال يا رب عبدتك حق عبادتك أتمنّى عليك أن تردّنى الى الدنيا فأقتل مع نبيك و أقتل فيك مرة أخرى، قال: إنه سلف منى أنه اليها لا يرجع».

و قال البيهقي حدثنا أبو الحسن محمد ابن أبى المعروف الأسفراييني حدثنا أبو سهل بشر بن أحمد حدثنا أحمد بن الحسين بن نصر حدثنا على بن المديني حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري قال: سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة الأنصاري ثم السلمي قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه قال:

نظر إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «ما لي أراك مهتما؟ قال: قلت يا رسول اللَّه قتل أبى و ترك دينا و عيالا، فقال: ألا أخبرك ما لكم اللَّه أحدا إلا من وراء حجاب و إنه كلم أباك كفاحا و قال له يا عبدي سلني أعطك. فقال: أسألك أن تردني الى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال:

إنه قد سبق منى القول: انهم اليها لا يرجعون. قال يا رب: فأبلغ من ورائي. فأنزل اللَّه‏

وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏

الآية.

و قال ابن إسحاق: و حدثني بعض أصحابنا عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل سمعت جابرا يقول: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«ألا أبشرك يا جابر؟ قلت بلى، قال: إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه اللَّه ثم قال له: ما تحب يا عبد اللَّه ما تحب أن أفعل بك؟ قال: أي رب أحب أن تردني الى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى» و قد

رواه أحمد عن على بن المديني عن سفيان بن عيينة عن محمد بن على بن ربيعة السلمي عن ابن عقيل عن جابر، و زاد:

فقال اللَّه إني قضيت أنهم اليها لا يرجعون.

و قال أحمد: حدثنا يعقوب حدثنا أبى عن ابن إسحاق حدّثنى عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن عبد اللَّه عن جابر بن عبد اللَّه قال سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول‏

إذا ذكر أصحاب أحد «أما و اللَّه لوددت أنى غودرت مع أصحابه بحضن الجبل» يعنى سفح الجبل،

تفرد به أحمد. و قد

روى البيهقي من حديث عبد الأعلى بن عبد اللَّه بن أبى فروة عن قطن بن وهب عن عبيد بن عمير عن أبى هريرة

45

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين انصرف من أحد مرّ على مصعب بن عمير و هو مقتول على طريقة فوقف عليه فدعا له ثم قرأ

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏

. الآية قال «أشهد أن هؤلاء شهداء عند اللَّه يوم القيامة فأتوهم و زوروهم و الّذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد الى يوم القيامة إلا ردّوا عليه»

و هذا حديث غريب، و روى عن عبيد بن عمير مرسلا. و

روى البيهقي من حديث موسى بن يعقوب عن عباد بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال:

كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يأتى قبور الشهداء فإذا أتى فرضة الشعب قال «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار»

ثم كان أبو بكر بعد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يفعله و كان عمر بعد أبى بكر يفعله و كان عثمان بعد عمر يفعله.

قال الواقدي:

كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يزورهم كل حول فإذا بلغ نقرة الشعب يقول «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» ثم كان أبو بكر يفعل ذلك كل حول ثم عمر ثم عثمان، و كانت فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تأتيهم فتبكى عندهم و تدعو لهم،

و كان سعد يسلم ثم يقبل على أصحابه فيقول: ألا تسلمون على قوم يردّون عليكم. ثم حكى زيارتهم عن أبى سعيد و أبى هريرة و عبد اللَّه بن عمر و أم سلمة رضى اللَّه عنهم.

و قال ابن أبى الدنيا حدثني إبراهيم حدثني الحكم بن نافع حدثنا العطاف بن خالد حدثتني خالتي قالت: ركبت يوما الى قبور الشهداء- و كانت لا تزال تأتيهم- فنزلت عند حمزة فصليت ما شاء اللَّه ان أصلى و ما في الوادي داع و لا مجيب إلا غلاما قائما آخذا برأس دابتي فلما فرغت من صلاتي قلت هكذا بيدي «السلام عليكم» قالت فسمعت ردّ السلام عليّ يخرج من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن اللَّه عز و جل خلقني و كما أعرف الليل و النهار فاقشعرّت كل شعرة منى. و

قال محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن أبى الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:

قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل اللَّه أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة و تأكل من ثمارها و تأوى الى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم و مشربهم و مقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب و لا يزهدوا في الجهاد. فقال اللَّه عز و جل: أنا أبلغهم عنكم فأنزل اللَّه في الكتاب قوله تعالى‏

وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏

.

و روى مسلم و البيهقي من حديث أبى معاوية عن الأعمش عن عبد اللَّه بن مرّة عن مسروق قال:

سألنا عبد اللَّه بن مسعود عن هذه الآية و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللَّه أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. فقال: اما إنا قد سألنا عن ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في ايها شاءت ثم تأوى الى قناديل معلقة بالعرش، قال فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة، فقال: اسألونى ما شئتم. فقالوا يا ربنا و ما نسألك و نحن نسرح في الجنة في أيها شئنا،

46

ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أن لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: نسألك أن ترد أرواحنا الى أجسادنا في الدنيا نقتل في سبيلك مرة أخرى. قال: فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تركوا

فصل‏

في عدد الشهداء. قال موسى بن عقبة جميع من استشهد يوم أحد من المهاجرين و الأنصار تسعة و أربعون رجلا و قد ثبت في الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلا فاللَّه أعلم. و قال قتادة عن أنس قتل من الأنصار يوم أحد سبعون و يوم بئر معونة سبعون و يوم اليمامة سبعون. و قال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس انه كان يقول قارب السبعين يوم أحد و يوم بئر معونة و يوم مؤتة و يوم اليمامة. و قال مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قتل من الأنصار يوم أحد و يوم اليمامة سبعون و يوم جسر أبى عبيد سبعون و هكذا قال عكرمة و عروة و الزهري و محمد بن إسحاق في قتلى أحد و يشهد له قوله تعالى‏ أَ وَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا يعنى أنهم قتلوا يوم بدر سبعين و أسروا سبعين و عن ابن إسحاق قتل من الأنصار- لعله من المسلمين- يوم أحد خمسة و ستون أربعة من المهاجرين حمزة و عبد اللَّه بن جحش و مصعب بن عمير و شماس بن عثمان و الباقون من الأنصار و سرد أسماءهم على قبائلهم و قد استدرك عليه ابن هشام زيادة على ذلك خمسة آخرين فصاروا سبعين على قول ابن هشام و سرد ابن إسحاق أسماء الذين قتلوا من المشركين و هم اثنان و عشرون رجلا. و عن عروة كان الشهداء يوم أحد أربعة أو قال سبعة و أربعين و قال موسى بن عقبة تسعة و أربعون و قتل من المشركين يومئذ ستة عشر رجلا و قال عروة تسعة عشر و قال ابن إسحاق اثنان و عشرون و

قال الربيع عن الشافعيّ‏

و لم يؤسر من المشركين سوى أبى عزّة الجمحيّ و قد كان في الأسارى يوم بدر فمن عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بلا فدية و اشترط عليه ألا يقاتله فلما أسر يوم أحد قال يا محمد امنن على لبناتي و أعاهد أن لا أقاتلك فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا أدعك تمسح عارضيك بمكة و تقول خدعت محمدا مرتين ثم أمر به فضربت عنقه.

و ذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين».

فصل‏

قال ابن إسحاق‏

ثم انصرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش كما ذكر لي فلما لقيت الناس نعى اليها أخوها عبد اللَّه بن جحش فاسترجعت و استغفرت له ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت و استغفرت له ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت و ولولت فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ان زوج المرأة منها لبمكان» لما رأى من تثبتها عند أخيها و خالها و صياحها على زوجها.

و قد قال ابن ماجة: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا إسحاق بن محمد الفروى حدثنا عبد اللَّه بن عمر عن إبراهيم بن محمد بن عبد اللَّه بن جحش عن أبيه عن حمنة بنت جحش‏

انه‏

47

قيل لها: قتل أخوك. فقالت: (رحمه اللَّه) و انا للَّه و انا اليه راجعون. فقالوا: قتل زوجك قالت:

وا حزناه. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «ان للزوج من المرأة لشعبة ما هي لشي‏ء»

قال ابن إسحاق:

و حدثني عبد الواحد بن أبى عون عن إسماعيل عن محمد عن سعد بن أبى وقاص قال: مرّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بامرأة من بنى دينار و قد أصيب زوجها و أخوها و أبوها مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأحد فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قالوا: خيرا يا أم فلان هو بحمد اللَّه كما تحبين، قالت:

أرونيه حتى انظر اليه، قال: فأشير لها اليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل. قال ابن هشام: الجلل يكون من القليل و الكثير و هو هاهنا القبيل. قال امرؤ القيس:

لقتل بنى أسد ربهم‏* * * ألا كل شي‏ء خلاه جلل‏

أي صغير و قليل.

قال ابن إسحاق:

فلما انتهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: «اغسلي عن هذا دمه يا بنيّة، فو اللَّه لقد صدقنى في هذا اليوم» و ناولها على بن أبى طالب سيفه فقال: و هذا فاغسلي عنه دمه فو اللَّه لقد صدقنى اليوم. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لئن كنت صدقت القتال لقد صدقه معك سهل بن حنيف و أبو دجانة»

و قال موسى بن عقبة في موضع آخر:

و لما رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سيف على مخضبا بالدماء قال: «لئن كنت أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح و الحارث بن الصمة و سهل بن حنيف»

و روى البيهقي عن سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال:

جاء على بن أبى طالب بسيفه يوم أحد قد انحنى فقال لفاطمة: هاك السيف حميدا فإنها قد شفتي، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاده سهل بن حنيف و أبو دجانة و عاصم بن ثابت و الحارث ابن الصمة»

قال ابن هشام: و سيف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هذا هو ذو الفقار، قال: و حدثني بعض أهل العلم عن ابن أبى نجيح قال: نادى مناد يوم أحد لا سيف الا ذو الفقار،

قال: و حدثني بعض أهل العلم ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لعلى:

«لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح اللَّه علينا»

قال ابن إسحاق:

و مرّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بدار بنى عبد الأشهل فسمع البكاء و النوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم قال: «لكن حمزة لا بواكي له» فلما رجع سعد بن معاذ و أسيد بن الحضير الى دار بنى عبد الأشهل أمرا نساءهن أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن بعض رجال بنى عبد الأشهل قال:

لما سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بكاءهن على حمزة خرج عليهنّ و هن في باب المسجد يبكين فقال: «ارجعن يرحمكن اللَّه فقد آسيتن بأنفسكن»

قال: و نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومئذ عن النوح فيما قال ابن هشام، و هذا الّذي ذكره منقطع و منه مرسل و قد

أسنده الامام أحمد فقال: حدثنا زيد بن الحباب حدثني أسامة بن‏

48

زيد حدثني نافع عن ابن عمر

ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما رجع من أحد فجعل نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن قال: فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «و لكن حمزة لا بواكي له» قال: ثم نام فاستنبه و هن يبكين قال: «فهن اليوم إذا يبكين يندبن حمزة» و هذا على شرط مسلم.

و قد رواه ابن ماجة عن هارون بن سعيد عن ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي عن نافع عن ابن عمر

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مرّ بنساء بنى عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لكن حمزة لا بواكي له» فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة فاستيقظ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «ويحهن ما انقابن بعد مرورهن فلينقلين و لا يبكين على هالك بعد اليوم»

و قال موسى بن عقبة:

و لما دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أزقة المدينة إذا النوح و البكاء في الدور قال: «ما هذا» قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم فقال: «لكن حمزة لا بواكي له» و استغفر له فسمع ذلك سعد بن معاذ و سعد بن عبادة و معاذ بن جبل و عبد اللَّه بن رواحة فمشوا الى دورهم فجمعوا كل نائحة باكية كانت بالمدينة فقالوا: و اللَّه لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة.

و زعموا ان الّذي جاء بالنوائح عبد اللَّه بن رواحة فلما سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: «ما هذا» فأخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم فاستغفر لهم و قال لهم خيرا و قال: «ما هذا أردت، و ما أحب البكاء» و نهى عنه. و

هكذا ذكر ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير سواء.

قال موسى بن عقبة: و أخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر و التفريق عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و تحزين المسلمين و ظهر غش اليهود و فأرت المدينة بالنفاق فور المرجل و قالت اليهود: لو كان نبيا ما ظهروا عليه و لا أصيب منه ما أصيب و لكنه طالب ملك تكون له الدولة و عليه، و قال المنافقون مثل قولهم و قالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم فأنزل اللَّه القرآن في طاعة من أطاع و نفاق من نافق و تعزية المسلمين يغلي فيمن قتل منهم فقال: وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ الآيات كلها كما تكلمنا على ذلك في التفسير و للَّه الحمد و المنة

ذكر خروج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأصحابه على ملهم من القرح و الجراح في أثر أبى سفيان إرهابا له و لأصحابه حتى بلغ حمراء الأسد و هي على ثمانية أميال من المدينة

قال موسى بن عقبة بعد اقتصاصه وقعة أحد و ذكره رجوعه (عليه السلام) الى المدينة: و قدم رجل من أهل مكة على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فسأله عن أبى سفيان و أصحابه فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون و يقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا أصبتهم شوكة القوم و حدّهم ثم تركتموهم و لم‏

49

تبتروهم فقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم، فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- و بهم أشد القرح- بطلب العدوّ ليسمعوا بذلك و قال: لا ينطلقنّ معى إلا من شهد القتال. فقال عبد اللَّه بن أبىّ: أنا راكب معك. فقال لا، فاستجابوا للَّه و لرسوله على الّذي بهم من البلاء فانطلقوا. فقال اللَّه في كتابه:

الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ‏ قال و أذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لجابر حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته، قال و طلب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) العدو حتى بلغ حمراء الأسد. و هكذا روى ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة ابن الزبير سواء. و قال محمد بن إسحاق في مغازيه: و كان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذّن مؤذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الناس بطلب العدوّ و أذّن مؤذنه ألّا يخرجنّ أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد اللَّه فأذن له. قال ابن إسحاق: و إنما خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مرهبا للعدوّ ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة و أن الّذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم. قال ابن إسحاق (رحمه اللَّه):

فحدثني عبد اللَّه بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبى السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من بنى عبد الأشهل قال: شهدت أحدا أنا و أخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذّن مؤذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالخروج في طلب العدو قلت لأخى و قال لي: أ تفوتنا غزوة مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ و اللَّه ما لنا من دابة نركبها و ما منّا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كنت أيسر جرحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة و مشى عقبة حتى انتهينا الى ما انتهى اليه المسلمون. قال ابن إسحاق: فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى انتهى الى حمراء الأسد و هي من المدينة على ثمانية أميال فأقام بها الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء ثم رجع الى المدينة. قال ابن هشام: و قد كان استعمل على المدينة ابن أم مكتوم.

قال ابن إسحاق: حدثني عبد اللَّه بن أبى بكر معبد بن أبى معبد الخزاعي و كانت خزاعة مسلمهم و كافرهم عيبة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، و معبد يومئذ مشرك مرّ برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو مقيم بحمراء الأسد فقال: يا محمد أما و اللَّه لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك و لوددنا أن اللَّه عافاك فيهم، ثم خرج من عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان ابن حرب و من معه بالروحاء و قد أجمعوا الرجعة الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه و قالوا: أصبنا حد أصحابه و قادتهم و أشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرّن على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم و ندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شي‏ء لم أر مثله قط. قال ويلك ما تقول؟ قال: و اللَّه ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال فو اللَّه لقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصل شأفتهم، قال فانى أنهاك عن ذلك، و اللَّه لقد

50

حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر. قال و ما قلت؟ قال قلت:

كادت تهدّ من الأصوات راحلتي‏* * * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل‏

تردى بأسد كرام لا تنابلة* * * عند اللقاء و لا ميل معازيل‏

فظلت عدوا أظن الأرض مائلة* * * لما سموا برئيس غير مخذول‏

فقلت ويل ابن حرب من لقائكم‏* * * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل‏

إني نذير لأهل البسل ضاحية* * * لكل ذي اربة منهم و معقول‏

من جيش أحمد لا و خش قنابله‏* * * و ليس يوصف ما أنذرت بالقيل‏

قال فثنى ذلك أبا سفيان و من معه. و مرّ به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا المدينة، قال: و لم؟ قالوا نريد الميرة؟ قال: فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم بها اليه و احمل لكم ابلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه انا قد أجمعنا السير اليه و الى أصحابه لنستأصل بقيتهم.

فمر الركب برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال:

حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏

.

و كذا قال الحسن البصري.

و قد قال البخاري حدثنا أحمد بن يونس أراه قال حدثنا أبو بكر عن أبى حصين عن أبى الضحى عن ابن عباس:

حسبنا اللَّه و نعم الوكيل قالها إبراهيم (عليه السلام) حين ألقى في النار و قالها محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين قالوا ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا و قالوا حسبنا اللَّه و نعم الوكيل.

تفرد بروايته البخاري‏

و قد قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه عنها الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ‏

قالت لعروة: يا ابن أختى كان أبواك منهم الزبير و أبو بكر رضى اللَّه عنهما لما أصاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما أصاب يوم أحد و انصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال من يذهب في أثرهم.

فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر و الزبير.

هكذا رواه البخاري و قد رواه مسلم مختصرا من وجه عن هشام و هكذا رواه سعيد بن منصور و أبو بكر الحميدي جميعا عن سفيان بن عيينة. و أخرجه ابن ماجة من طريقه عن هشام بن عروة به. و رواه الحاكم في مستدركه من طريق أبى سعيد عن هشام ابن عروة به و رواه من حديث السدي عن عروة و قال في كل منهما صحيح و لم يخرجاه‏

.

كذا قال. و هذا السياق غريب جدا فان المشهور عند أصحاب المغازي ان الذين خرجوا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى حمراء الأسد كل من شهد أحدا و كانوا سبعمائة كما تقدم قتل منهم سبعون و بقي الباقون. و قد روى ابن جرير من طريق العوفيّ عن ابن عباس قال: ان اللَّه قذف في قلب أبى سفيان الرعب يوم أحد بعد الّذي كان منه فرجع الى مكة و كانت وقعة أحد في شوال و كان التجار يقدمون في ذي القعدة المدينة فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة و انهم قدموا بعد وقعة أحد

و كان أصاب المسلمين‏