البداية و النهاية - ج5

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
356 /
1

-

2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

سنة تسع من الهجرة

ذكر غزوة تبوك في رجب منها

قال اللَّه تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ‏ روى عن ابن عباس و مجاهد و عكرمة و سعيد بن جبير و قتادة و الضحاك و غيرهم: أنه لما أمر اللَّه تعالى أن يمنع المشركون من قربان المسجد الحرام في الحج و غيره. قالت قريش: لينقطعن عنا المتاجر و الأسواق أيام الحج و ليذهبن ما كنا نصيب منها، فعوضهم اللَّه عن ذلك بالأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون.

قلت: فعزم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على قتال الروم لأنهم أقرب الناس اليه و أولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام و أهله. و قد قال اللَّه تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏ فلما عزم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على غزو الروم عام تبوك و كان ذلك في حر شديد و ضيق من الحال جلى للناس أمرها و دعي من حوله من أحياء الاعراب للخروج معه فاوعب معه بشر كثير كما سيأتي قريبا من ثلاثين الفا و تخلف آخرون فعاتب‏

3

اللَّه من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين و المقصرين، و لامهم و وبخهم و قرعهم أشد التقريع و فضحهم أشد الفضيحة و أنزل فيهم قرآنا يتلى و بين أمرهم في سورة براءة كما قد بينا ذلك مبسوطا في التفسير و أمر المؤمنين بالنفر على كل حال. فقال تعالى‏ انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏ ثم الآيات بعدها. ثم قال تعالى‏ وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ فقيل إن هذه ناسخة لتلك و قيل لا فاللَّه أعلم.

قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب- يعنى من سنة تسع- ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم. فذكر الزهري و يزيد بن رومان و عبد اللَّه بن أبى بكر و عاصم ابن عمر بن قتادة و غيرهم من علمائنا كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها و بعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم و ذلك في زمان عسرة من الناس و شدة من الحر و جدب من البلاد و حين طابت الثمار فالناس يحبون المقام في ثمارهم و ظلالهم و يكرهون الشخوص في الحال من الزمان الّذي هم عليه، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد المشقة و شدة الزمان و كثرة العدو الّذي يصمد اليه ليتأهب الناس لذلك أهبته. فأمرهم بالجهاد و أخبرهم أنه يريد الروم.

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذات يوم‏

و هو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بنى سلمة «يا جد هل لك العام في جلاد بنى الأصفر؟» فقال يا رسول اللَّه أو تأذن لي و لا تفتني فو اللَّه لقد عرف قومي أنه ما رجل باشد عجبا بالنساء منى و إني أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر أن لا أصبر، فاعرض عنه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قال «قد أذنت لك»

ففي الجد أنزل اللَّه هذه الآية وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ‏ و قال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد و شكافى الحق و إرجافا بالرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فانزل اللَّه فيهم‏ وَ قالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏. قال ابن هشام: حدثني الثقة عمن حدثه عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد اللَّه ابن حارثة عن أبيه عن جده قال: بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي- و كان بيته عند جاسوم- يثبطون الناس عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غزوة تبوك فبعث اليهم طلحة بن عبيد اللَّه في نفر من أصحابه و أمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة فاقتحم الضحاك‏

4

ابن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله، و اقتحم أصحابه فافلتوا فقال الضحاك في ذلك:

كادت و بيت اللَّه نار محمد* * * يشيط بها الضحاك و ابن أبيرق‏

و ظلت و قد طبقت كبس [ (1)] سويلم‏* * * أنوء على رجلي كسيرا و مرفق‏

سلام عليكم لا أعود لمثلها* * * أخاف و من تشمل به النار يحرق‏

قال ابن إسحاق: ثم إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جد في سفره و أمر الناس بالجهاز و الانكماش [ (2)] و حض أهل الغنى على النفقة و الحملان في سبيل اللَّه فحمل رجال من أهل الغنى و احتسبوا و أنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. قال ابن هشام: فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«اللَّهمّ أرض عن عثمان فانى عنه راض».

و قد قال الامام احمد حدثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة ثنا عبد اللَّه بن شوذب عن عبد اللَّه بن القاسم عن كثة مولى عبد الرحمن بن سمرة قال جاء: عثمان بن عفان إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جيش العسرة قال فصبها في حجر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

فجعل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقلبها بيده و يقول «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم» و

رواه الترمذي عن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن واقع عن ضمرة به‏

و قال حسن غريب. و قاله عبد اللَّه بن احمد في مسند أبيه حدثني أبو موسى العنزي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني سكن بن المغيرة حدثني الوليد بن أبى هشام عن فرقد أبى طلحة عن عبد الرحمن بن حباب السلمي. قال: خطب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فحث على جيش العسرة، فقال عثمان ابن عفان عليّ مائة بعير باحلاسها و أقتابها، قال ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان: عليّ مائة أخرى بأحلاسها و أقتابها قال فرأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول بيده هكذا يحركها، و أخرج عبد الصمد يده كالمتعجب «ما على عثمان ما عمل بعد هذا» و هكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبى داود الطيالسي عن سكن بن المغيرة أبى محمد مولى لآل عثمان به و قال غريب من هذا الوجه. و رواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به و قال ثلاث مرات و أنه النزم بثلاثمائة بعير باحلاسها و أقتابها.

قال عبد الرحمن: فانا شهدت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول و هو على المنبر

«ما ضر عثمان بعدها- أو قال- بعد اليوم»

و قال أبو داود الطيالسي حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن جاوان عن الأحنف بن قيس قال سمعت عثمان بن عفان يقول لسعد بن أبى وقاص و على و الزبير و طلحة: أنشدكم باللَّه هل تعلمون أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

«من جهز جيش العسرة غفر اللَّه له»

فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما و لا عقالا؟ قالوا اللَّهمّ نعم! و رواه النسائي من حديث حصين به.

____________

[ (1)] الكبس: البيت الصغير

[ (2)] في القاموس: كمشه أعجله و تكمش أسرع كانكمش.

5

فصل فيمن تختلف معذورا من البكاءين و غيرهم‏

قال اللَّه تعالى‏ وَ إِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَ جاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَ قالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَ طُبِعَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ، لكِنِ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ أُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَ جاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَ قَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى‏ وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏. قد تكلمنا على تفسير هذا كله في التفسير بما فيه كفاية و للَّه الحمد و المنة، و المقصود ذكر البكاءين الذين جاءوا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليحملهم حتى يصحبوه في غزوته هذه فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه فرجعوا و هم يبكون تأسفا على ما فاتهم من الجهاد في سبيل اللَّه و النفقة فيه. قال ابن إسحاق: و كانوا سبعة نفر من الأنصار و غيرهم، فمن بنى عمرو بن عوف سالم بن عمير، و علبة بن زيد أخو بنى حارثة، و أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بنى مازن بن النجار، و عمرو بن الحمام بن الجموح أخو بنى سلمة، و عبد اللَّه ابن المغفل المزني، و بعض الناس يقولون بل هو عبد اللَّه بن عمرو المزني، و هرمي بن عبد اللَّه أخو بنى واقف، و عرباض بن سارية الفزاري. قال ابن إسحاق: فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى و عبد اللَّه بن مغفل و هما يبكيان فقال ما يبكيكما؟ قالا جئنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه و ليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه و زودهما شيئا من تمر فخرجا مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق و أما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء اللَّه ثم بكى و قال: اللَّهمّ إنك أمرت بالجهاد و رغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به و لم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه و إني أ تصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابنى فيها في مال أو جسد أو عرض ثم أصبح مع الناس،

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«أين المتصدق هذه الليلة» فلم يقم أحد ثم قال «أين المتصدق فليقم» فقام اليه فأخبره فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أبشر فو الّذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة»

و قد أورد الحافظ

6

البيهقي ها هنا

حديث أبى موسى الأشعري فقال حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا احمد بن عبد الحميد المازني حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبى بردة عن أبى موسى قال:

أرسلنى أصحابى إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة غزوة تبوك فقلت يا نبي اللَّه إن أصحابى أرسلونى إليك لتحملهم، فقال «و اللَّه لا أحملكم على شي‏ء» و وافقته و هو غضبان و لا أشعر، فرجعت حزينا من منع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و من مخافة أن يكون رسول اللَّه قد وجد في نفسه على فرجعت إلى أصحابى فأخبرتهم بالذي قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلم البث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادى أين عبد اللَّه بن قيس؟ فأجبته فقال أجب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يدعوك فلما أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «خذ هذين القربتين و هذين القربتين و هذين القربتين» لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد فقال «انطلق بهن إلى أصحابك فقل إن اللَّه أو إن رسول اللَّه يحملكم على هؤلاء»

فقلت إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يحملكم على هؤلاء و لكن و اللَّه لا أدعكم حتى ينطلق معى بعضكم إلى من سمع مقالة رسول اللَّه حين سألته لكم و منعه لي في أول مرة ثم إعطائه إياي بعد ذلك لا تظنوا أنى حدثتكم شيئا لم يقله، فقالوا لي و اللَّه إنك عندنا لمصدق و لنفعلن ما أحببت، قال فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من منعه إياهم ثم إعطائه بعد فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء. و أخرجه البخاري و مسلم جميعا عن أبى كريب عن أبى أسامة و

في رواية لهما عن أبى موسى قال:

أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في رهط من الأشعريين ليحملنا «فقال و اللَّه ما أحملكم و ما عندي ما أحملكم عليه» قال ثم جي‏ء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنهب أبل فامر لنا بست ذود غر الذرى فأخذناها ثم قلنا يعقلنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يمينه و اللَّه لا يبارك لنا، فرجعنا له فقال «ما أنا حملتكم و لكن اللَّه حملكم» ثم قال «إني و اللَّه إن شاء اللَّه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الّذي هو خير و تحللتها».

قال ابن إسحاق: و قد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم الغيبة حتى تخلفوا عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من غير شك و لا ارتياب منهم كعب بن مالك بن أبى كعب أخو بنى سلمة، و مرارة بن ربيع أخو بنى عمرو بن عوف، و هلال بن أمية أخو بنى واقف، و أبو خيثمة أخو بنى سالم بن عوف، و كانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم.

قلت: أما الثلاثة الأول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا إن شاء اللَّه تعالى و هم الذين أنزل اللَّه فيهم‏ وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ‏ و أما أبو خيثمة فإنه عاد و عزم على اللحوق برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما سيأتي.

7

فصل‏

قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم استتب برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سفره و أجمع السير فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع و معه زيادة على ثلاثين الفا من الناس، و ضرب عبد اللَّه بن أبىّ عدو اللَّه عسكره أسفل منه- و ما كان فيما يزعمون باقل العسكرين- فلما سار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تخلف عنه عبد اللَّه بن أبى في طائفة من المنافقين و أهل الريب. قال ابن هشام: و استخلف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري قال و ذكر الدراوَرْديّ أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة.

قال ابن إسحاق:

و خلف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على بن أبى طالب على أهله و أمره بالإقامة فيهم فارجف به المنافقون و قالوا ما خلفه إلا استثقالا له و تخففا منه فلما قالوا ذلك أخذ على سلاحه ثم خرج حتى لحق برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو نازل بالجرف فأخبره بما قالوا فقال «كذبوا و لكنى خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي و أهلك أ فلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»

فرجع على و مضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في سفره. ثم قال ابن إسحاق: حدثني محمد ابن طلحة بن يزيد بن ركانة عن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه سعد أنه سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول لعلى هذه المقالة. و قد روى البخاري و مسلم هذا الحديث من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم عن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه به. و

قد قال أبو داود الطيالسي في مسندة حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال:

خلف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على بن أبى طالب في غزوة تبوك فقال يا رسول اللَّه أ تخلفني في النساء و الصبيان؟ فقال «أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي».

و أخرجاه من طرق عن شعبة نحوه. و علقه البخاري أيضا من طريق أبى داود عن شعبة.

و قال الامام احمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن أبيه سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول له-

و خلفه في بعض مغازيه- فقال على يا رسول اللَّه تخلفني مع النساء و الصبيان؟ فقال «يا على أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» و

رواه مسلم و الترمذي عن قتيبة: زاد مسلم و محمد بن عباد.

كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به.

و قال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

قال ابن إسحاق: ثم إن أبا خيثمة رجع بعد ما سار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أياما إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها و بردت فيه ماء و هيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه و ما صنعتا له فقال: رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الضح و الريح و الحر و أبو خيثمة في ظل بارد و طعام مهيأ و امرأة حسناء في ماله مقيم ما هذا بالنصف‏

8

و اللَّه لا أدخل عريش واحدة منكما حتى الحق برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فهيئا زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أدركه حين نزل تبوك، و كان أدرك أبا خيثمة عمير ابن وهب الجمحيّ في الطريق يطلب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ففعل حتى إذا دنا من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل‏

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«كن أبا خيثمة» فقالوا يا رسول اللَّه هو و اللَّه أبو خيثمة فلما بلغ أقبل فسلم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له «أولى لك يا أبا خيثمة» ثم أخبر رسول اللَّه الخبر فقال خيرا و دعا له بخير.

و قد ذكر عروة بن الزبير و موسى بن عقبة قصة أبى خيثمة بنحو من سياق محمد بن إسحاق و أبسط و ذكر أن خروجه (عليه السلام) إلى تبوك كان في زمن الخريف فاللَّه أعلم. قال ابن هشام و قال أبو خيثمة و اسمه مالك بن قيس في ذلك:

لما رأيت الناس في الدين نافقوا* * * أتيت التي كانت أعف و أكرما

و بايعت باليمنى يدي لمحمد* * * فلم أكتسب إنما و لم أغش محرما

تركت خضيبا في العريش و صرمة* * * صفايا كراما بسرها قد تحمما

و كنت إذا شك المنافق أسمحت‏* * * الى الدين نفسي شطره حيث يمما

قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن بريدة عن سفيان عن محمد بن كعب القرظي عن عبد اللَّه بن مسعود قال:

لما سار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف فيقولون يا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تخلف فلان فيقول «دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه اللَّه بكم و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللَّه منه» حتى قيل يا رسول اللَّه تخلف أبو ذر و أبطأ به بعيره فقال «دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه اللَّه بكم و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللَّه منه»

فتلوم أبو ذر بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ثم خرج يتبع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ماشيا، و نزل رسول اللَّه في بعض منازله و نظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول اللَّه إن هذا الرجل ماش على الطريق‏

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«كن أبا ذر» فلما تأمله القوم قالوا يا رسول اللَّه هو و اللَّه أبو ذر فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يرحم اللَّه أبا ذر يمشى وحده و يموت وحده و يبعث وحده»

قال فضرب [ (1)] ضربه و سير أبو ذر الى الرَّبَذَة فلما حضره الموت أوصى امرأته و غلامه فقال إذا مت فاغسلانى و كفناني من الليل ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر، فلما مات فعلوا به كذلك فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال ما هذا؟ فقيل جنازة أبى‏

____________

[ (1)] بياض في الأصل من النسختين و لعلها فضرب الدهر ضربه. و كان مسيره الى الرَّبَذَة مبعّدا في خلافة عثمان و قصته مشهورة و حكاية وفاته هذه مبسوطة في الجزء الأول من حلية الأولياء.

9

ذر فاستهل ابن مسعود يبكى و قال: صدق رسول اللَّه يرحم اللَّه أبا ذر يمشى وحده و يموت وحده و يبعث وحده، فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه. إسناده حسن و لم يخرجوه قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنا عبد اللَّه بن محمد بن عقيل في قوله (الذين اتبعوه في ساعة العسرة).

قال خرجوا في غزوة تبوك الرجلان و الثلاثة على بعير واحد و خرجوا في حر شديد فأصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها و يشربوا ماءها فكان ذلك عسرة في الماء و عسرة في النفقة و عسرة في الظهر، قال عبد اللَّه بن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبى هلال عن عتبة بن أبى عتبة عن نافع بن جبير عن عبد اللَّه بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا الى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا و أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده‏

فقال أبو بكر الصديق: يا رسول اللَّه إن اللَّه قد عودك في الدعاء خيرا فادع اللَّه لنا فقال «أو تحب ذلك؟» قال نعم! قال فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت [ (1)] السماء فاطلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر،

اسناده جيد و لم يخرجوه من هذا الوجه. و قد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه أن هذه القصة كانت و هم بالحجر و أنهم قالوا لرجل معهم منافق ويحك هل بعد هذا من شي‏ء؟! فقال سحابة مارة، و ذكر أن ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ضلت فذهبوا في طلبها

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعمارة بن حزم الأنصاري- و كان عنده-

«إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي و يخبركم خبر السماء و هو لا يدرى أين ناقته، و إني و اللَّه لا أعلم الا ما علمني اللَّه و قد دلني اللَّه عليها هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها»

فانطلقوا فجاءوا بها فرجع عمارة الى رحله فحدثهم عما جاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من خبر الرجل فقال رجل ممن كان في رحل عمارة انما قال ذلك زيد بن اللصيت [ (2)] و كان في رحل عمارة قبل أن يأتى فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه و يقول إن في رحلي لداهية و أنا لا أدرى، أخرج عنى يا عدو اللَّه فلا تصحبنى. فقال بعض الناس إن زيدا تاب، و قال بعضهم لم يزل متهما بشر [ (3)] حتى هلك.

قال الحافظ البيهقي: و قد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة ثم روى من حديث الأعمش و قد رواه الامام احمد عن أبى معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة أو عن أبى‏

____________

[ (1)] قالت بمعنى استعدت و تهيأت. عن القاموس.

[ (2)] كذا في الأصلين و في التيمورية:

الصلت، و في الاصابة لصيب و قيل نصيب، و في ابن هشام: اللصيت و قيل لصيب و مثله في ابن جرير بالباء.

[ (3)] كذا في الحلبية، و في المصرية لم يزل مصرا.

10

سعيد الخدريّ- شك الأعمش- قال لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا يا رسول اللَّه لو أذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا و ادّهنا؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «افعلوا» فجاء عمر فقال يا رسول اللَّه إن فعلت قل الظهر و لكن ادعهم بفضل ازوادهم و ادع اللَّه لهم فيها بالبركة لعل اللَّه أن يجعل فيها البركة، فقال رسول اللَّه «نعم!» فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجي‏ء بكف ذرة و يجي‏ء الآخر بكف من التمر و يجي‏ء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شي‏ء يسير

فدعا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالبركة ثم قال لهم «خذوا في أوعيتكم» فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء الا ملئوها و أكلوا حتى شبعوا و فضلت فضلة فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنى رسول اللَّه لا يلقى اللَّه بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» و

رواه مسلم عن أبى كريب عن أبى معاوية عن الأعمش به. و رواه الامام احمد من حديث سهيل عن أبيه عن أبى هريرة به و لم يذكر غزوة تبوك بل قال كان في غزوة غزاها.

ذكر مروره (عليه السلام) في ذهابه الى تبوك بمساكن ثمود و صرحتهم بالحجر

قال ابن إسحاق: و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين مر بالحجر نزلها و استقى الناس من بئرها فلما راحوا

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«لا تشربوا من مياهها شيئا و لا تتوضئوا منه للصلاة و ما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل و لا تأكلوا منه شيئا» هكذا

ذكره ابن إسحاق بغير اسناد

.

و قال الامام احمد حدثنا يعمر بن بشر حدثنا عبد اللَّه بن المبارك أخبرنا معمر عن الزهري أخبرنى سالم بن عبد اللَّه عن أبيه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما مر بالحجر قال‏

«لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم» و تقنع بردائه و هو على الرحل.

و رواه البخاري من حديث عبد اللَّه بن المبارك و عبد الرزاق كلاهما عن معمر باسناده نحوه.

و قال مالك عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لأصحابه‏

«لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا ان تكونوا باكين فان لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما اصلبهم». و

رواه البخاري من حديث مالك و من حديث سليمان بن بلال كلاهما عن عبد اللَّه بن دينار. و رواه مسلم من وجه آخر عن عبد اللَّه بن دينار نحوه.

و قال الامام احمد حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر- هو ابن جويرية- عن نافع عن ابن عمر قال: نزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا و نصبوا القدور باللحم فأمرهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأهرقوا القدور و علفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة و نهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا

[فقال‏]

«إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا

11

تدخلوا عليهم»

و هذا الحديث اسناده على شرط الصحيحين من هذا الوجه و لم يخرجوه و إنما أخرجه البخاري و مسلم من حديث أنس بن عياض عن أبى ضمرة عن عبيد اللَّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر به. قال البخاري و تابعه أسامة عن عبيد اللَّه. و رواه مسلم من حديث شعيب بن إسحاق عن عبيد اللَّه عن نافع به. و

قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم عن أبى الزبير عن جابر قال:

لما مر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالحجر قال «لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج [ (1)] و تصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها [ (2)] و كانت تشرب ماءهم يوما و يشربون لبنها يوما فعقروها فاخذتهم صيحة أهمد اللَّه من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم اللَّه» قيل من هو يا رسول اللَّه؟ قال «هو أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه»

اسناده صحيح و لم يخرجوه. و قال الإمام احمد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا المسعودي عن إسماعيل بن واسط عن محمد بن أبى كبشة الأنماري عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فنودي في الناس الصلاة جامعة

قال فأتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو ممسك بعيره و هو يقول «ما تدخلون على قوم غضب اللَّه عليهم» فناداه رجل نعجب منهم؟ قال «أ فلا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم و ما هو كائن بعدكم فاستقيموا و سددوا فان اللَّه لا يعبأ بعذابكم شيئا، و سيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا»

اسناده حسن و لم يخرجوه و

قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني عبد اللَّه ابن أبى بكر بن حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي- أو عن العباس بن سعد الشك منى-

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين مر بالحجر و نزلها استقى الناس من بئرها فلما راحوا منها قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للناس «لا تشربوا من مائها شيئا و لا تتوضئوا منه للصلاة، و ما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل و لا تأكلوا منه شيئا، و لا يخرجن أحد منكم الليلة إلا و معه صاحب له» ففعل الناس ما أمرهم به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلا رجلين من بنى ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، و خرج الآخر في طلب بعير له فاما الّذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، و أما الّذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى ألقته بجبل طيِّئ، فأخبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بذلك فقال: «أ لم أنهكم أن يخرج رجل إلا و معه صاحب له»

ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفى، و أما الآخر فإنه وصل إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من تبوك و في رواية زياد عن ابن إسحاق أن طيِّئا أهدته إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين رجع إلى المدينة.

قال ابن إسحاق: و قد حدثني عبد اللَّه بن أبى بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين لكنه استكتمه إياهما فلم يحدثني بهما. و قد قال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا وهيب بن خالد ثنا عمرو

____________

[ (1)] في التيمورية: ترد من هذا الوجه، و تصدر إلخ.

[ (2)] الضمير راجع الى ناقة صالح و هي آيته.

12

ابن يحيى عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبى حميد الساعدي قال خرجنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأصحابه:

«أخرصوا» فخرص القوم و خرص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عشرة أوسق، و

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للمرأة

«احصى ما يخرج منها حتى أرجع إليك إن شاء اللَّه» قال فخرج حتى قدم تبوك، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل، فمن كان له بعير فليوثق عقاله» قال أبو حميد: فعقلناها فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة فقام فيها رجل فألقته في جبل طيِّئ، ثم جاء رسول اللَّه ملك أيلة فاهدى لرسول اللَّه بغلة بيضاء، و كساه رسول اللَّه بردا و كتب له يجيرهم [ (1)] ثم أقبل و أقبلنا معه حتى جئنا وادي القرى قال للمرأة «كم جاءت حديقتك؟» قالت عشرة أوسق خرص رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه «إني متعجل فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل» قال فخرج رسول اللَّه و خرجنا معه حتى إذا أوفى على المدينة قال: «هذه طابه». فلما رأى أحدا قال «هذا أحد [ (2)] يحبنا و تحبه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟» قلنا بلى يا رسول اللَّه قال «خير دور الأنصار بنو النجار، ثم دار بنى عبد الأشهل، ثم دار بنى ساعدة، ثم في كل دور الأنصار خير».

و

أخرجه البخاري و مسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه.

و قال الامام مالك (رحمه اللَّه) عن أبى الزبير عن أبى الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره‏

أنهم خرجوا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عام تبوك، فكان يجمع بين الظهر و العصر، و بين المغرب و العشاء، قال فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر و العصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب و العشاء جميعا، ثم قال «إنكم ستأتون غدا إن شاء اللَّه عين تبوك و إنكم لن تأتونها حتى يضحى ضحى النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى» قال فجئناها و قد سبق اليها رجلان و العين مثل الشراك تبض بشي‏ء من ماء، فسألهما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «هل مسستما من مائها شيئا»، قالا نعم فسبهما و قال لهما ما شاء اللَّه أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شي‏ء، ثم غسل رسول اللَّه فيه وجهه و يديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملي‏ء جنانا»

أخرجه مسلم من حديث مالك به.

ذكر خطبته (عليه السلام) الى تبوك إلى نخلة هناك‏

روى الامام احمد عن أبى النضر هاشم بن القاسم و يونس بن محمد المؤدب [ (3)] و حجاج بن محمد

____________

[ (1)] في الأصول الثلاثة: يخبرهم، و التصحيح عن ابن هشام.

[ (2)] في التيمورية: هذا جبل.

[ (3)] كذا في الأصلين و في التيمورية: المؤذن و هو خطأ.

13

ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن أبى الخطاب عن أبى سعيد الخدريّ أنه قال:

إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عام تبوك خطب الناس و هو مسند ظهره إلى نخلة فقال «ألا أخبركم بخير الناس و شر الناس، إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل اللَّه على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، و إن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب اللَّه لا يرعوى إلى شي‏ء منه» و

رواه النسائي عن قتيبة عن الليث به‏

و قال أبو الخطاب لا أعرفه. و

روى البيهقي من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن عبد العزيز بن عمران حدثنا مصعب بن عبد اللَّه عن منظور بن جميل بن سنان [ (1)] أخبرنى أبى سمعت عقبة بن عامر الجهنيّ‏

خرجنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غزوة تبوك، فاسترقد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، قال «أ لم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر» فقال يا رسول اللَّه ذهب بى من النوم مثل الّذي ذهب بك، قال فانتقل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من منزله غير بعيد ثم صلى و سار بقية يومه و ليلته فأصبح بتبوك، فحمد اللَّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال «أيها الناس أما بعد، فان أصدق الحديث كتاب اللَّه، و أوثق العرى كلمة التقوى، و خير الملل ملة إبراهيم، و خير السنن سنة محمد، و أشرف الحديث ذكر اللَّه، و أحسن القصص هذا القرآن، و خير الأمور عوازمها [ (2)] و شر الأمور محدثاتها، و أحسن الهدى هدى الأنبياء و أشرف الموت قتل الشهداء، و أعمى العمى الضلالة بعد الهدى، و خير الأعمال ما نفع، و خير الهدى ما اتبع، و شر العمى عمى القلب، و اليد العليا خير من اليد السفلى، و ما قل و كفى خير مما كثر و ألهى، و شر المعذرة حين يحضر الموت، و شر الندامة يوم القيامة، و من الناس من لا يأتى الجمعة إلا دبرا، و من الناس من لا يذكر اللَّه إلا هجرا، و من أعظم الخطايا اللسان الكذوب، و خير الغنى غنى النفس، و خير الزاد التقوى، و رأس الحكمة مخافة اللَّه عز و جل، و خير ما وقر في القلوب اليقين، و الارتياب من الكفر، و النياحة من عمل الجاهلية، و الغلول من حثاء جهنم. و الشعر من إبليس، و الخمر جماع الإثم، و النساء حبائل الشيطان، و الشباب شعبة من الجنون، و شر المكاسب كسب الربا، و شر المآكل أكل مال اليتيم، و السعيد من وعظ بغيره، و الشقي من شقي في بطن أمه، و إنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع و الأمر إلى الآخرة، و ملاك العمل خواتمه، و شر الروايا روايا الكذب، و كل ما هو آت قريب، و سباب المؤمن فسوق، و قتال المؤمن كفر، و أكل لحمه من معصية اللَّه، و حرمة ماله كحرمة دمه، و من يتألى على اللَّه يكذبه، و من يستغفره يغفر له، و من يعف يعف اللَّه عنه. و من يكظم يأجره اللَّه، و من يصبر على الرزية يعوضه اللَّه، و من يبتغى السمعة يسمّع اللَّه به،

____________

[ (1)] في التيمورية: ابن يسار.

[ (2)] كذا في المصرية و فسرها في النهاية بالفرائض التي عزم اللَّه بفعلها. و في الحلبية: عوارفها. و في التيمورية: عواريها.

14

و من يصبر يضعف اللَّه له، و من يعص اللَّه يعذبه اللَّه، اللَّهمّ اغفر لي و لأمتى، اللَّهمّ اغفر لي و لأمتى، اللَّهمّ اغفر لي و لأمتى» قالها ثلاثا ثم قال: «أستغفر اللَّه لي و لكم».

و هذا حديث غريب و فيه نكارة و في اسناده ضعف و اللَّه أعلم بالصواب. و قال أبو داود ثنا احمد بن سعيد الهمدانيّ و سليمان ابن داود. قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرنى معاوية عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك و هو حاج فإذا رجل مقعد، فسألته عن أمره فقال سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أنى حي،

إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نزل بتبوك إلى نخلة فقال: هذه قبلتنا ثم صلى اليها، قال فأقبلت و أنا غلام أسعى حتى مررت بينه و بينها، فقال قطع صلاتنا قطع اللَّه أثره [ (1)]. [قال فما قمت عليها إلى يومى هذا.

ثم رواه أبو داود من حديث سعيد عن عبد العزيز التنوخي عن مولى ليزيد بن نمران عن يزيد بن نمران. قال:

رأيت بتبوك مقعدا فقال: مررت بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أنا على حمار و هو يصلى فقال: «اللَّهمّ اقطع أثره فما مشيت عليها بعد». و في رواية «قطع صلاتنا قطع اللَّه أثره»].

ذكر الصلاة على معاوية بن أبى معاوية [ (2)] إن صح الخبر في ذلك‏

روى البيهقي من حديث يزيد بن هارون أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي قال سمعت أنس بن مالك قال‏

كنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بتبوك، فطلعت الشمس بضياء و لها شعاع و نور لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريل رسول اللَّه فقال «يا جبريل ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بيضاء و نور و شعاع لم أرها طلعت فيما مضى» قال ذلك أن معاوية بن أبى معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم فبعث اللَّه اليه سبعين ألف ملك يصلون عليه قال «و مم ذاك؟» قال بكثرة قراءته‏

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ

بالليل و النهار، و في ممشاه و في قيامه و قعوده، فهل لك يا رسول اللَّه أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال «نعم!» قال فصلى عليه ثم رجع.

و هذا الحديث فيه غرابة شديدة و نكارة، و الناس يسندون أمرها إلى العلاء ابن زيد هذا و قد تكلموا فيه. ثم‏

قال البيهقي أخبرنا على بن احمد بن عبدان أخبرنا احمد بن عبيد الصفار حدثنا هاشم بن على أخبرنا عثمان بن الهيثم حدثنا محبوب بن هلال عن عطاء بن أبى ميمونة عن أنس قال‏

جاء جبريل فقال: يا محمد مات معاوية بن أبى معاوية المزني أ فتحب أن تصلى عليه؟ قال «نعم!» فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة و لا أكمة إلا تضعضعت له، قال فصلى و خلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، قال قلت «يا جبريل بما نال هذه المنزلة من اللَّه؟» قال بحبه‏

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ

يقرؤها قائما و قاعدا، و ذاهبا و جائيا، و على كل حال‏

قال عثمان:

____________

[ (1)] ما بين المربعين لم يرد في الحلبية.

[ (2)] كذا ورد في الأصول الثلاثة معاوية بن أبى معاوية، و في الاصابة معاوية بن معاوية، و لعل كنية أبيه أبو معاوية.

15

فسألت أبى أين كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قال بغزوة تبوك بالشام، و مات معاوية بالمدينة، و رفع له سريره حتى نظر اليه و صلى عليه: و هذا أيضا منكر من هذا الوجه.

قدوم رسول قيصر إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بتبوك‏

قال الامام احمد حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا يحيى بن سليم عن عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن أبى راشد قال لقيت [ (1)] التنوخي رسول هرقل إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحمص [ (2)] و كان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ العقد أو قرب، فقلت ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و رسالة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى هرقل؟ قال بلى: قدم رسول اللَّه تبوك فبعث دحية الكلبي إلى هرقل فلما أن جاءه كتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعا قسيسى الروم و بطارقتها ثم أغلق عليه و عليهم الدار فقال:

قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم؟ و قد أرسل إلى يدعوني إلى ثلاث خصال، يدعوني أن أتبعه على دينه، أو على أن نعطيه ما لنا على أرضنا و الأرض أرضنا، أو نلقى اليه الحرب. و اللَّه لقد عرفتم فيما تقرءون من الكتب لتأخذن [ (3)] فهلم فلنتبعه على دينه أو نعطيه ما لنا على أرضنا، فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم و قالوا تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز. فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقأهم [ (4)] و لم يكد و قال: إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم على أمركم ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال ادع لي رجلا حافظا للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه، فجاء بى فدفع الى هرقل كتابا فقال اذهب بكتابي الى هذا الرجل، فما سمعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال، انظر هل يذكر صحيفته الىّ التي كتب بشي‏ء، و انظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل، و انظر في ظهره هل به شي‏ء يريبك.

قال‏

فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء، فقلت أين صاحبكم؟ قيل ها هو ذا، فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال «ممن أنت» فقلت أنا أخو تنوخ قال «هل لك الى الإسلام الحنيفية ملة أبيكم إبراهيم؟» قلت إني رسول قوم و على دين قوم لا أرجع عنه حتى ارجع اليهم، فضحك و قال‏

«إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ،

يا أخا تنوخ إني كتبت بكتاب الى كسرى و اللَّه ممزقه و ممزق ملكه و كتبت الى النجاشي بصحيفة فخرقها و اللَّه مخرقه و مخرق [ (5)] ملكه‏

____________

[ (1)] كذا بالمصرية و التيمورية و في الحلبية: رأيت.

[ (2)] كذا في المصرية و التيمورية و في الحلبية بمصر.

[ (3)] كذا بالأصلين و في التيمورية: لنا خدن، و لعلها لتؤخذنّ.

[ (4)] في النهاية:

رقأ الدمع سكن، و رفأ بالفاء التأم و قرب.

[ (5)] في التيمورية: فحرقها فحرق ملكه.

16

و كتبت الى صاحبك بصحيفة فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير»

قلت هذه احدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي، فأخذت سهما من جعبتى فكتبته في جنب سيفي ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره قلت من صاحب كتابكم الّذي يقرأ لكم؟ قالوا معاوية فإذا في كتاب صاحبي تدعوني الى جنة عرضها السموات و الأرض أعدت للمتقين فأين النار؟

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«سبحان اللَّه أين الليل إذا جاء النهار» قال فأخذت سهما من جعبتى فكتبته في جلد سيفي، فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال «إن لك حقا و انك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرملون» قال فناداه رجل من طائفة الناس قال أنا أجوزه، ففتح رحله فإذا هو يأتى بحلة صفورية فوضعها في حجري، قلت من صاحب الجائزة؟ قيل لي عثمان، ثم قال رسول اللَّه «أيكم ينزل هذا الرجل؟» فقال فتى من الأنصار انا، فقام الأنصاري و قمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول اللَّه فقال «تعال يا أخا تنوخ» فأقبلت أهوى حتى كنت قائما في مجلسى الّذي كنت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره و قال «ها هنا امض لما أمرت به» فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف مثل الحمحمة [ (1)] الضخمة.

هذا حديث غريب و اسناده لا بأس به تفرد به الامام احمد.

[ (2)] مصالحته (عليه السلام) ملك أيلة و أهل جرباء و أذرح و هو مقيم على تبوك قبل رجوعه قال ابن إسحاق: و لما انتهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أعطاه الجزية، و أتاه أهل جرباء و أذرح و أعطوه الجزية، و كتب لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كتابا فهو عندهم، و كتب ليحنّة بن رؤبة و أهل أيلة، بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذه أمنة من اللَّه و محمد النبي رسول اللَّه ليحنّة بن رؤبة و أهل أيلة سفنهم و سيارتهم في البر و البحر لهم ذمة اللَّه و محمد النبي و من كان معهم من أهل الشام و أهل اليمن و أهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، و أنه طيب لمن أخذه من الناس، و أنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه و لا طريقا يردونه من بر أو بحر. زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق بعد هذا، و هذا كتاب جهيم بن الصلت و شرحبيل بن حسنة باذن رسول اللَّه.

قال يونس عن ابن إسحاق:

و كتب لأهل جرباء و أذرح،

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،

هذا كتاب‏

____________

[ (1)] كذا في الأصلين، و في التيمورية: مثل العجمة و ليراجع.

[ (2)] في التيمورية عنوانه: كتابه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليحنّة إلخ.

17

من محمد النبي رسول اللَّه لأهل جرباء و أذرح، أنهم آمنون بأمان اللَّه و أمان محمد، و أن عليهم مائة دينار في كل رجب، و مائة أوقية طيبة و أن اللَّه عليهم كفيل بالنصح و الإحسان إلى المسلمين، و من لجأ اليهم من المسلمين.

قال و أعطى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أهل أيلة برده مع كتابه أمانا لهم، قال فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد اللَّه بن محمد بثلاثمائة دينار.

بعثه (عليه السلام) خالد بن الوليد الى أكيدر دومة

قال ابن إسحاق: ثم إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعا خالد بن الوليد فبعثه الى أكيدر دومة، و هو أكيدر بن عبد الملك رجل من بنى كنانة [ (1)] كان ملكا عليها و كان نصرانيا، و

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لخالد

«إنك ستجده يصيد البقر»

فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين و في ليلة مقمرة صائفة و هو على سطح له و معه امرأته. و باتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته هل رأيت مثل هذا قط؟ قال لا و اللَّه، قالت فمن يترك هذا؟ قال لا أحد فنزل فامر بفرسه فأسرج له و ركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان فركب و خرجوا معه بمطاردهم، فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخذته و قتلوا أخاه و كان عليه قباء من ديباج مخصوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل قدومه عليه،

قال فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس بن مالك قال:

رأيت قباء أ كيدر حين قدم به على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم و يتعجبون منه فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أ تعجبون من هذا [فو الّذي نفسي بيده‏] لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا».

قال ابن إسحاق: ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حقن له دمه فصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته، فقال رجل من بنى طيِّئ يقال له بجير بن بجرة في ذلك:

تبارك سائق البقرات إني‏* * * رأيت اللَّه يهدى كل هاد

فمن يك حائدا عن ذي تبوك‏* * * فانا قد أمرنا بالجهاد

و قد حكى البيهقي أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لهذا الشاعر

«لا يفضض اللَّه فاك»

فأتت عليه سبعون سنة ما تحرك له فيها ضرس و لا سن. و قد روى ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة و عشرين فارسا إلى أ كيدر دومة فذكر نحو ما تقدم إلا أنه ذكر أنه ما كره حتى أنزله من الحصن، و ذكر أنه قدم مع أ كيدر إلى رسول اللَّه ثمانمائة من السبي، و ألف بعير، و أربعمائة درع، و أربعمائة رمح، و ذكر أنه لما سمع عظيم أيلة يحنة [ (2)]

____________

[ (1)] كذا في الأصلين و الّذي في ابن هشام و التيمورية: رجل من كندة.

[ (2)] في الأصل يحنا.

18

ابن رؤبة بقضية أكيدر دومة أقبل قادما إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصالحه فاجتمعا عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بتبوك فاللَّه أعلم. و روى يونس بن بكير عن سعد بن أوس عن بلال بن يحيى أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل، و خالد بن الوليد على الاعراب في غزوة دومة الجندل، فاللَّه أعلم.

فصل‏

قال ابن إسحاق:

فأقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بضع عشرة ليلة لم يجاوزها ثم انصرف قافلا الى المدينة، قال و كان في الطريق ماء يخرج من وشل يروى الراكب و الراكبين و الثلاثة بواد يقال له وادي المشقق، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «من سبقنا الى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه» قال فسبقه اليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال «من سبقنا الى هذا الماء؟» فقيل له يا رسول اللَّه فلان و فلان، فقال أو لم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيه،

ثم لعنهم و دعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب في يده ما شاء اللَّه أن يصب، ثم نضحه به و مسحه بيده و دعا بما شاء اللَّه أن يدعو، فانحرق من الماء- كما يقول من سمعه- ما أن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس و استقوا حاجتهم منه،

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن بهذا الوادي و هو أخصب ما بين يديه و ما خلفه».

قال ابن إسحاق: و حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن عبد اللَّه بن مسعود كان يحدث قال:

قمت من جوف الليل و أنا مع رسول اللَّه في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها انظر اليها، قال فإذا رسول اللَّه و أبو بكر و عمر و إذا عبد اللَّه ذو البجادين قد مات و إذا هم قد حفروا له، و رسول اللَّه في حفرته، و أبو بكر و عمر يدليانه اليه، و إذا هو يقول «أدنيا إلى أخاكما» فدلياه اليه، فلما هيأه لشقه قال «اللَّهمّ إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه»

قال يقول ابن مسعود ياليتنى كنت صاحب الحفرة. قال ابن هشام: إنما سمى ذو البجادين لأنه كان يريد الإسلام فمنعه قومه و ضيقوا عليه حتى خرج من بينهم و ليس عليه إلا بجاد- و هو الكساء الغليظ- فشقه باثنين فائتزر بواحدة و أرتدى بالأخرى، ثم أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فسمى ذو البجادين [ (1)].

قال ابن إسحاق: و ذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن ابن أخى أبى رهم الغفاريّ أنه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين- و كان من أصحاب الشجرة- يقول:

غزوت مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غزوة تبوك فسرت ذات ليلة معه و نحن بالأخضر و القى اللَّه على النعاس و طفقت أستيقظ و قد

____________

[ (1)] أورد له أبو نعيم ترجمة وافية في الحلية التي نقوم بطبعها فليراجع هناك.

19

دنت راحلتي من راحلة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيفزعني دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوّز راحلتي عنه حتى غلبتني عيني في بعض الطريق فزاحمت راحلتي راحلته و رجله في الغرز، فلم أستيقظ إلا بقوله «حس» فقلت يا رسول اللَّه استغفر لي، قال «سر» فجعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يسألنى عمن تخلف عنه من بنى غفار فأخبره به. فقال و هو يسألنى «ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط [ (1)] الذين لا شعر في وجوههم؟» فحدثته بتخلفهم، قال «فما فعل النفر السود الجعاد القصار» قال قلت و اللَّه ما أعرف هؤلاء منا قال «بلى الذين لهم لعم بشبكة شدخ [ (2)]» فتذكرتهم في بنى غفار فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلّم كانوا حلفاء فينا، فقلت يا رسول اللَّه أولئك رهط من أسلّم حلفاء فينا. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأ نشيطا في سبيل اللَّه، إن أعز أهلي على أن يتخلف عنى المهاجرون و الأنصار و غفار و أسلّم».

قال ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير قال:

لما قفل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به و أن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق، فأخبر بخبرهم فامر الناس بالمسير من الوادي و صعد هو العقبة و سلكها معه أولئك النفر و قد تلثموا، و أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عمار بن ياسر و حذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمار آخذ بزمام الناقة، و حذيفة يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم، فغضب رسول اللَّه و أبصر حذيفة غضبه فرجع اليهم و معه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس، و أقبل حذيفة حتى أدرك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأمرهما فاسرعا حتى قطعوا العقبة و وقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لحذيفة «هل عرفت هؤلاء القوم؟» قال ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم، ثم قال «علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب؟» قالا لا، فأخبرهما بما كانوا تمالئوا عليه و سماهم لهما و استكتمهما ذلك؟ فقالا يا رسول اللَّه أ فلا تأمر بقتلهم؟ فقال «أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»

و قد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده و هذا هو الأشبه و اللَّه أعلم. و يشهد له قول أبى الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود: أ ليس فيكم- يعنى أهل الكوفة- صاحب السواد و الوساد- يعنى ابن مسعود- أ ليس فيكم صاحب السر الّذي لا يعلمه غيره- يعنى حذيفة- أ ليس فيكم الّذي أجاره اللَّه من الشيطان على لسان محمد- يعنى عمارا- و روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه أنه قال لحذيفة: أقسمت عليك باللَّه أنا منهم؟ قال لا

____________

[ (1)] الثطاط بالثاء المثلثة جمع ثط و هو الّذي لا لحية له. عن السهيليّ، و في الأصل الشطاط و فسره الخشنيّ بالصغير شعر للحية.

[ (2)] شبكة شدخ اسم ماء لأسلّم من بنى غفار بالحجاز. عن المعجم.

20

و لا أبرئ بعدك أحدا- يعنى حتى لا يكون مفشيا سر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)-.

قلت: و قد كانوا أربعة عشر رجلا، و قيل كانوا اثنى عشر رجلا، و ذكر ابن إسحاق أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث اليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له فأخبرهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بما كان من أمرهم و بما تمالئوا عليه. ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم قال و فيهم أنزل اللَّه عز و جل‏ وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا.

و روى البيهقي من طريق محمد بن مسلمة عن أبى إسحاق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبى البختري عن حذيفة بن اليمان قال:

كنت آخذا بخطام ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أقود به و عمار يسوق الناقة- أو أنا أسوق و عمار يقود به- حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثني عشر رجلا قد اعترضوه فيها، قال فأنبهت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول اللَّه «هل عرفتم القوم؟» قلنا لا يا رسول اللَّه قد كانوا متلثمين و لكنا قد عرفنا الركاب، قال «هؤلاء المنافقون الى يوم القيامة، و هل تدرون ما أرادوا؟» قلنا لا قال «أرادوا أن يزحموا رسول اللَّه في العقبة فيلقوه منها» قلنا يا رسول اللَّه أ و لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال «لا، أكره أن يتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل لقومه، حتى إذا أظهره اللَّه بهم أقبل عليهم يقتلهم» ثم قال «اللَّهمّ ارمهم بالدبيلة» قلنا يا رسول اللَّه و ما الدبيلة؟ قال «هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك».

و في صحيح مسلّم من طريق شعبة عن قتادة عن أبى نضرة عن قيس بن عبادة. قال: قلت لعمار أ رأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر عليّ أ رأي رأيتموه أم شي‏ء عهده إليكم رسول اللَّه؟ فقال: ما عهد إلينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، و لكن‏

حذيفة أخبرنى عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال‏

«في أصحابى اثنا عشر منافقا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط».

و في رواية من وجه آخر عن قتادة

«إن في أمتى أثنى عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم يكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم».

قال الحافظ البيهقي: و روينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر- أو خمسة عشر- و أشهد باللَّه أن اثنى عشر منهم حرب للَّه و لرسوله في الحياة الدنيا و يوم يقوم الاشهاد، و عذّر ثلاثة أنهم قالوا: ما سمعنا المنادي و لا علمنا بما أراد.

و هذا الحديث قد رواه الامام احمد في مسندة قال حدثنا يزيد- هو ابن هارون- أخبرنا الوليد بن عبد اللَّه بن جميع عن أبى الطفيل. قال:

لما أقبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى إن رسول اللَّه آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقوده حذيفة و يسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا و هو يسوق برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لحذيفة «قد قد» حتى هبط رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الوادي، فلما هبط و رجع عمار

21

قال «يا عمار هل عرفت القوم؟» قال قد عرفت عامة الرواحل و القوم متلثمون قال «هل تدري ما أرادوا؟» قال اللَّه و رسوله أعلم، قال «أرادوا أن ينفروا برسول اللَّه فيطرحوه»

قال فسارّ عمار رجلا من أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: نشدتك باللَّه كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال أربعة عشر رجلا، فقال إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، قال فعذر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منهم ثلاثة قالوا ما سمعنا منادى رسول اللَّه و ما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب للَّه و لرسوله في الحياة الدنيا و يوم يقوم الاشهاد.

قصة مسجد الضرار

قال اللَّه تعالى‏ وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى‏ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى‏ تَقْوى‏ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى‏ شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏ و قد تكلمنا على تفسير ما يتعلق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا التفسير بما فيه كفاية و للَّه الحمد. و ذكر ابن إسحاق كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله و كيفية أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة، و مضمون ذلك أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء و أرادوا أن يصلى لهم رسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيه حتى بروج لهم ما أرادوه من الفساد و الكفر و العناد، فعصم اللَّه رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الصلاة فيه و ذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك، فلما رجع منها فنزل بذي أوان- مكان بينه و بين المدينة ساعة- نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد و هو قوله تعالى‏ وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ‏ الآية. أما قوله ضرارا فلأنهم أرادوا مضاهاة مسجد قباء، و كفرا باللَّه لا للايمان به، و تفريقا للجماعة عن مسجد قباء و إرصادا لمن حارب اللَّه و رسوله من قبل و هو أبو عامر الراهب الفاسق قبحه اللَّه و ذلك أنه لما دعاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى الإسلام فأبى عليه، ذهب إلى مكة فاستنفرهم. فجاءوا عام أحد فكان من أمرهم ما قدمناه، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر ليستنصره على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب و كان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم و يمنيهم و ما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فكانت مكاتباته و رسله تفد اليهم كل حين. فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة و باطنه دار حرب و مقر لمن‏

22

يفد من عند أبى عامر الراهب، و مجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين و لهذا قال تعالى‏ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ‏. ثم قال‏ وَ لَيَحْلِفُنَ‏ أي الذين بنوه‏ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى‏ أي إنما أردنا ببنائه الخير. قال اللَّه تعالى‏ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏ ثم قال اللَّه تعالى الى رسوله‏ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرر أمره ثم أمره ثم أمره و حثه على القيام في المسجد الّذي أسس على التقوى من أول يوم و هو مسجد قباء لما دل عليه السياق و الأحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة اليه، و ما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا ينافي ما تقدم لانه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك و أحرى، و أثبت في الفضل منه و أقوى، و قد أشبعنا القول في ذلك في التفسير و للَّه الحمد. و المقصود أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما نزل بذي أو ان دعا مالك بن الدخشم و معن بن عدي- أو أخاه عاصم بن عدي- رضى اللَّه عنهما فأمرهما أن يذهبا إلى هذا المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار، فذهبا فحرقاه بالنار، و تفرق عنه أهله.

قال ابن إسحاق: و كان الذين بنوه اثنى عشر رجلا وهم، خذام بن خالد- و في جنب داره كان بناء هذا المسجد- و ثعلبة بن حاطب، و معتب بن قشير، و أبو حبيبة بن الأزعر، و عباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، و جارية بن عامر، و ابناه مجمع و زيد، و نبتل بن الحارث، و بخرج و هو الى بنى ضبيعة، و بجاد بن عثمان و هو من بنى ضبيعة، و وديعة بن ثابت و هو الى بنى أمية.

قلت: و في غزوة تبوك هذه صلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خلف عبد الرحمن بن عوف صلاة الفجر أدرك معه الركعة الثانية منها، و ذلك أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذهب يتوضأ و معه المغيرة بن شعبة فأبطأ على الناس، فأقيمت الصلاة فتقدم عبد الرحمن بن عوف، فلما سلّم الناس أعظموا ما وقع فقال لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أحسنتم و أصبتم» و ذلك فيما رواه البخاري (رحمه اللَّه) قائلا حدثنا. و

قال البخاري حدثنا أحمد بن محمد حدثنا عبد اللَّه بن المبارك أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا و لا قطعتم واديا الا كانوا معكم» فقالوا يا رسول اللَّه و هم بالمدينة؟ قال «و هم بالمدينة حبسهم العذر»

تفرد به من هذا الوجه.

قال البخاري حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان حدثني عمرو بن يحيي عن العباس بن سهل بن سعد عن أبى حميد قال:

أقبلنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال «هذه طابة، و هذا أحد جبل يحبنا و نحبه» و

رواه مسلم من حديث سليمان بن بلال به نحوه.

قال البخاري حدثنا عبد اللَّه بن محمد حدثنا سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد قال:

اذكر أنى خرجت مع الصبيان نتلقى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك. و رواه أبو داود و الترمذي من حديث سفيان بن عيينة به، و قال الترمذي حسن صحيح. و قال البيهقي‏

23

أخبرنا أبو نصر بن قتادة أخبرنا أبو عمرو بن مطر سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول:

لما قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة جعل النساء و الصبيان و الولائد يقلن:

طلع البدر علينا* * * من ثنيات الوداع‏

وجب الشكر علينا* * * ما دعا للَّه داع‏

قال البيهقي: و هذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة لا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك و اللَّه أعلم. فذكرناه ها هنا أيضا. قال البخاري (رحمه اللَّه) حديث كعب ابن مالك رضى اللَّه عنه: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك أن عبد اللَّه بن كعب بن مالك- و كان قائد كعب من بنيه حين عمى- قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غزوة غزاها الا في غزوة تبوك، غير أنى كنت تخلفت في غزوة بدر و لم يعاتب أحدا تخلف عنها، انما خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يريد عير قريش، حتى جمع اللَّه بينهم و بين عدوهم على غير ميعاد، و لقد شهدت مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليلة العقبة حتى تواثبنا [ (1)] على الإسلام و ما أحب أن لي بها مشهد بدر، و إن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أنى لم أكن قط أقوى و لا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، و اللَّه ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، و لم يكن رسول اللَّه يريد غزوة الا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول اللَّه في حر شديد و استقبل سفرا بعيدا و عددا و عدادا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الّذي يريد و المسلمون مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كثير و لا يجمعهم كتاب حافظ- يريد الديوان- قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب الا ظن أن يستخفى له ما لم ينزل فيه وحي اللَّه، و غزا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [تلك الغزوة] حين طابت الثمار و الظلال، و تجهز رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و المسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فارجع و لم اقض شيئا، فأقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بى حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول اللَّه و المسلمون معه و لم اقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت و لم أقص شيئا، ثم غدوت ثم رجعت و لم أقض شيئا فلم يزل بى حتى أسرعوا و تفارط الغزو و هممت أن ارتحل فأدركهم- و ليتني فعلت- فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللَّه فطفت فيهم أحزننى أنى لا أرى الا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر اللَّه من الضعفاء، و

لم يذكرني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى بلغ تبوك فقال و هو جالس في القوم بتبوك «ما فعل كعب؟»

فنال‏

____________

[ (1)] كذا بالأصلين، و في البخاري: حين تواثقنا.

24

رجل من بنى سلمة: يا رسول اللَّه حبسه برداه و نظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، و اللَّه يا رسول اللَّه ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال كعب بن مالك: قال فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي و طفقت أتذكر الكذب و أقول بما ذا أخرج غدا من سخطه و استعنت على ذلك بكل ذي رأى من أهلي، فلما قيل إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد أظل قادما زاح عنى الباطل و عرفت أنى لن أخرج منه أبدا بشي‏ء فيه كذب، فأجمعت صدقه و أصبح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قادما فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون اليه و يحلفون له و كانوا بضعة و ثمانين رجلا،

فقبل منهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) علانيتهم و بايعهم و استغفر لهم و وكل سرائرهم الى اللَّه عز و جل، فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال «تعال» فجئت أمشى حتى جلست بين يديه، فقال لي «ما خلفك؟ أ لم تكن قد ابتعت ظهرك» فقلت بلى إني و اللَّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر- و لقد أعطيت جدلا- و لكنى و اللَّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن اللَّه أن يسخطك على، و لئن حدثتك حديث صدق تجد على فيه إني لأرجو فيه عفو اللَّه، لا و اللَّه ما كان لي من عذر، و و اللَّه ما كنت قط أقوى و لا أيسر منى حين تخلفت عنك، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضى اللَّه فيك»

فقمت فثار رجال من بنى سلمة فاتبعوني فقالوا لي: و اللَّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا و لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بما اعتذر اليه المخلفون، و قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لك فو اللَّه ما زالوا يؤنبوننى حتى هممت أن ارجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم هل لقي هذا معى أحد؟

قالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت و قيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما، قالوا مرارة بن الربيع العمرى و هلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما و نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف، فاجتنبنا الناس و تغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي اعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا و قعدا في بيوتهما يبكيان، و أما أنا فكنت أشب القوم و أجلدهم فكنت أخرج فاشهد الصلاة مع المسلمين و أطوف في الأسواق و لا يكلمني أحد، و آتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأسلم عليه و هو في مجلسه بعد الصلاة و أقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا، ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل الى و إذا التفت نحوه أعرض عنى حتى إذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة- و هو ابن عمى و أحب الناس الى- فسلمت عليه فو اللَّه ما رد على السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك باللَّه هل تعلمني أحب اللَّه‏

25

و رسوله؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال اللَّه و رسوله أعلم، ففاضت عيناي و توليت حتى تسورت الجدار. قال و بينا أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع الى كتابا من ملك غسان [في سرقة من حرير] فإذا فيه، أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك و لم يجعلك اللَّه بدار هوان و لا مضيعة، فالحق بنا نواسيك. فقلت لما قرأتها: و هذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يأتينى فقال: رسول اللَّه يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت أطلقها أم ما ذا أفعل؟ قال لا بل اعنزلها و لا تقربها، و أرسل الى صاحبىّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتى الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضى اللَّه في هذا الأمر.

قال كعب:

فجاءت امرأة هلال بن أمية الى رسول اللَّه فقالت يا رسول اللَّه إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه، قال «لا و لكن لا يقربك»

قالت إنه و اللَّه ما به حركة إلى شي‏ء، و اللَّه ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول اللَّه في امرأتك كما استأذن هلال ابن أمية أن تخدمه، فقلت و اللَّه لا أستأذن فيها رسول اللَّه و ما يدريني ما يقول رسول اللَّه إذا استأذنته فيها و أنا رجل شاب، قال فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول اللَّه عن كلامنا، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة و أنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللَّه عز و جل قد ضاقت عليّ نفسي و ضاقت على الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أو في على جبل سلع [يقول‏] بأعلى صوته: يا كعب أبشر، فخررت ساجدا و عرفت أن قد جاء فرج و آذن رسول اللَّه [للناس‏] بتوبة اللَّه علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، و ذهب قبل صاحبي مبشرون، و ركض رجل إليّ فرسا، و سعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الّذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه و اللَّه ما أملك غيرهما يومئذ، و استعرت ثوبين فلبستهما و انطلقت إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونى بالتوبة يقولون ليهنك توبة اللَّه عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد اللَّه يهرول حتى صافحنى و هنأني، و اللَّه ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره و لا أنساها لطلحة،

قال كعب:

فلما سلمت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يبرق وجهه من السرور «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قال قلت أمن عندك يا رسول اللَّه أم من عند اللَّه؟ قال «لا بل من عند اللَّه» و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا سرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر و كنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين‏

26

يديه. قلت يا رسول اللَّه إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللَّه و إلى رسوله، قال رسول اللَّه «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك»

قلت فانى أمسك سهمي الّذي بخيبر، و قلت يا رسول اللَّه إن اللَّه إنما نجاني بالصدق، و إن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت، فو اللَّه ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه اللَّه في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه أحسن مما أبلانى، ما شهدت منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى يومى هذا كذبا، و انى لأرجو أن يحفظني اللَّه فيما بقيت، و أنزل اللَّه على رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الى قوله‏ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏ فو اللَّه ما أنعم اللَّه على من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فان اللَّه تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال اللَّه تعالى‏ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ‏ الى قوله‏ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى‏ عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ‏ قال كعب: و كنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول اللَّه حين حلفوا له فبايعهم [ (1)] و استغفر لهم و أرجأ رسول اللَّه أمرنا حتى قضى اللَّه فيه فبذلك قال اللَّه تعالى‏ وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ليس الّذي ذكر اللَّه مما خلفنا من الغزو و انما هو تخليفه إيانا و إرجاؤه أمرنا عمن حلف له و اعتذر اليه فقبل منهم، و هذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه.

و هكذا رواه محمد بن إسحاق عن الزهري مثل سياق البخاري، و قد سقناه في التفسير من مسند الامام احمد و فيه زيادات يسيرة و للَّه الحمد و المنة.

ذكر أقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء

قال على بن طلحة الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى‏ وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏

قال‏

كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غزوة تبوك، فلما حضروا رجوعه أوسق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد فلما مر بهم رسول اللَّه قال «من هؤلاء؟» قالوا أبا لبابة و أصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم و تعذرهم قال «و أنا أقسم باللَّه لا أطلقهم و لا أعذرهم حتى يكون اللَّه عز و جل هو الّذي يطلقهم، رغبوا عنى و تخلفوا عن الغزو مع المسلمين»

فلما أن بلغهم ذلك قالوا و نحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون اللَّه هو الّذي يطلقنا. فانزل اللَّه عز و جل‏ وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ‏ الآية. و عسى من اللَّه واجب [ (2)] فلما أنزلت أرسل اليهم رسول اللَّه فاطلقهم و عذرهم، فجاءوا بأموالهم و قالوا: يا رسول اللَّه هذه أموالنا

____________

[ (1)] كذا في الأصلين، و في ابن هشام: فعذرهم.

[ (2)] كذا في الأصلين.

27

فتصدق بها عنا و استغفر لنا.

فقال‏

«ما أمرت أن آخذ أموالكم»

فانزل اللَّه‏ خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ الى قوله‏ وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ‏ و هم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسوارى فارجئوا حتى نزل قوله تعالى‏ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ‏ الى آخرها. و كذا رواه عطية بن سعيد العوفيّ عن ابن عباس بنحوه.

و قد ذكر سعيد بن المسيب و مجاهد و محمد بن إسحاق قصة أبى لبابة

و ما كان من أمره يوم بنى قريظة و ربط نفسه حتى تيب عليه، ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب اللَّه عليه، و أراد أن ينخلع من ماله كله صدقة فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يكفيك من ذلك الثلث»

قال مجاهد و ابن إسحاق: و فيه نزل‏ وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ‏ الآية. قال سعيد بن المسيب: ثم لم ير منه بعد ذلك في الإسلام الا خيرا رضى اللَّه عنه و أرضاه.

قلت: و لعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه و اقتصروا على أنه كان كالزعيم لهم كما دل عليه سياق ابن عباس و اللَّه أعلم. و

روى الحافظ البيهقي من طريق أبى احمد الزبيري عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن عياض بن عياض عن أبيه عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال‏

«إن منكم منافقين فمن سميت فليقم قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان» حتى عد ستة و ثلاثين، ثم قال «إن فيكم- أو إن منكم- منافقين فسلوا اللَّه العافية»

قال فمر عمر برجل متقنع و قد كان بينه و بينه معرفة فقال: ما شأنك؟ فأخبره بما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال بعدا لك سائر اليوم.

قلت: كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام، مأمورون مأجورون كعليّ بن أبى طالب و محمد بن مسلمة، و ابن أم مكتوم، و معذورون و هم الضعفاء و المرضى، و المقلون و هم البكاءون، و عصاة مذنبون و هم الثلاثة، أبو لبابة و أصحابه المذكورون، و آخرون ملومون مذمومون و هم المنافقون.

ذكر ما كان من الحوادث بعد رجوعه (عليه السلام) إلى المدينة و منصرفه من تبوك‏

قال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ إملاء أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أبو البختري عبد اللَّه بن شاكر حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا عم أبى زخر [ (1)] بن حصن عن جده حميد بن منهب قال سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول:

هاجرت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول اللَّه إني أريد أن أمتدحك! فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «قل لا يفضض اللَّه فاك» فقال:

من قبلها طبت في الظلال و في‏* * * مستودع حيث يخصف الورق‏

____________

[ (1)] في الأصل زجر (بالجيم) و التصحيح من الاصابة و ضبطه بفتح الزاى و سكون المعجمة.

28

ثم هبطت البلاد لا بشر* * * أنت و لا نطفة و لا علق‏

بل نطفة تركب السفين و قد* * * ألجم نسرا و أهله الغرق‏

تنقل من صالب الى رحم‏* * * إذا مضى عالم بدا طبق‏

حتى احتوى بيتك المهيمن من‏* * * خندف علياء تحتها النطق‏

و أنت لمّا ولدت أشرقت الأرض‏* * * فضاءت بنورك الأفق‏

فنحن في ذلك الضياء و في‏* * * النور و سبل الرشاد نخترق‏

و

رواه البيهقي من طريق اخرى عن أبى السكن زكريا بن يحيى الطائي و هو في جزء له مروى عنه. قال البيهقي و زاد ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«هذه الحيرة البيضاء رفعت لي، و هذه الشيماء بنت نفيلة [ (1)] الازدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود» فقلت يا رسول اللَّه إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي؟ قال «هي لك»

قال ثم كانت الردة فما ارتد أحد من طيِّئ و كنا نقاتل من يلينا من العرب على الإسلام فكنا نقاتل قيسا و فيها عيينة بن حصن، و كنا نقاتل بنى أسد و فيهم طلحة بن خويلد، و كان خالد بن الوليد يمدحنا، و كان فيما قال فينا:

جزى اللَّه عنا طيِّئا في ديارها* * * بمعترك الابطال خير جزاء

هموا أهل رايات السماحة و الندى‏* * * إذا ما الصبا ألوت بكل خباء

همو اضربوا قيسا على الدين بعد ما* * * أجابوا منادى ظلمة و عماء

قال ثم سار خالد إلى مسيلمة الكذاب فسرنا معه فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة فلقينا هرمز بكاظمة في جيش هو أكبر من جمعنا، و لم يكن أحد [ (2)] من العجم أعدى للعرب و الإسلام من هرمز، فخرج اليه خالد و دعاه الى البراز فبرز له فقتله خالد و كتب بخبره الى الصديق فنفله سلبه فبلغت قلنسوة هرمز مائة ألف درهم و كانت الفرس إذا شرف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمائة ألف درهم، قال ثم قفلنا على طريق الطف الى الحيرة فأول من تلقانا حين دخلناها الشيماء بنت نفيلة كما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فتعلقت بها و قلت هذه وهبها لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فدعاني خالد عليها بالبينة فأتيته بها، و كانت البينة محمد بن مسلمة و محمد بن بشير الأنصاري فسلمها الى، فنزل الىّ أخوها عبد المسيح يريد الصلح فقال بعنيها، فقلت لا أنقصها و اللَّه عن عشرة مائة درهم، فأعطاني ألف درهم و سلمتها اليه، فقيل لو قلت مائة ألف لدفعها إليك، فقلت ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة.

____________

[ (1)] في الأصل: بقيلة (بالباء) و التصحيح عن الاصابة.

[ (2)] في الحلبية: و لم يكن أحد من العرب و في التيمورية: من الناس.

29

قدوم وفد ثقيف على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في رمضان من سنة تسع‏

تقدم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم فدعا لهم بالهداية، و قد تقدم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين أسلّم مالك بن عوف النضري أنعم عليه و أعطاه و جعله أميرا على من أسلم من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيف و يضيق عليهم حتى ألجأهم الى الدخول في الإسلام، و تقدم أيضا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الأحمسي أنه لم يزل بثقيف حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فأقبل بهم الى المدينة النبويّة بأذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) له في ذلك.

و قال ابن إسحاق: و قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة من تبوك في رمضان، و قدم عليه في ذلك الشهر وفد من ثقيف،

و كان من حديثهم‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما انصرف عنهم أتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل الى المدينة فأسلّم و سأله أن يرجع الى قومه بالإسلام. فقال له رسول اللَّه- كما يتحدث قومه- «إنهم قاتلوك»

و عرف رسول اللَّه أن فيهم نخوة الامتناع للذي كان منهم فقال عروة: يا رسول اللَّه أنا أحب اليهم من أبكارهم، و كان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو فقال عروة: يا رسول اللَّه أنا أحب اليهم من أبكارهم، و كان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو قومه الى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف على علية له و قد دعاهم الى الإسلام و أظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله، فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف أخو بنى سالم بن مالك، و يزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بنى عتاب يقال له وهب بن جابر، فقيل لعروة ما ترى في دينك [ (1)]؟ قال كرامة أكرمنى اللَّه بها، و شهادة ساقها اللَّه الى فليس فىّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم فدفنوه معهم‏

فزعموا ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال فيه‏

«إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه»

و هكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة و لكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبى بكر الصديق، و تابعه أبو بكر البيهقي في ذلك و هذا بعيد، و الصحيح أن ذلك قبل حجة أبى بكر كما ذكره ابن إسحاق و اللَّه أعلم.

قال ابن إسحاق: ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب و قد بايعوا و أسلموا، فائتمروا فيما بينهم و ذلك عن رأى عمر و ابن أمية أخي بنى علاج فائتمروا بينهم ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلا منهم فأرسلوا عبد يا ليل بن عمرو بن عمير و معه اثنان من الأحلاف و ثلاثة من بنى مالك، و هم الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، و شرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، و عثمان بن أبى العاص، و أوس بن عوف أخو

____________

[ (1)] في دينك و احسبه تصحيف ديتك: و في ابن هشام. ما ترى في دمك.

30

بنى سالم، و نمير بن خرشة بن ربيعة. و قال موسى بن عقبة: كانوا بضعة عشر رجلا فيهم كنانة بن عبد يا ليل- و هو رئيسهم- و فيهم عثمان بن أبى العاص و هو أصغر الوفد. قال ابن إسحاق: فلما دنوا من المدينة و نزلوا قناة، الفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فلما رآهم ذهب يشتد ليبشر رسول اللَّه بقدومهم فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البيعة و الإسلام إن شرط لهم رسول اللَّه شروطا و يكتبوا كتابا في قومهم، فقال أبو بكر للمغيرة أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول اللَّه حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فأخبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم و علمهم كيف يحيون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، و لما قدموا على رسول اللَّه ضربت عليهم قبة في المسجد و كان خالد بن سعيد بن العاص هو الّذي يمشى بينهم و بين رسول اللَّه. فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيد قبلهم، و هو الّذي كتب لهم كتابهم. قال: و كان مما اشترطوا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يدع لهم الطاغية ثلاث سنين، فما برحوا يسألونه سنة سنة و يأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ليتألفوا سفهاءهم فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب و المغيرة ليهدماها، و سألوه مع ذلك أن لا يصلوا و أن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم‏

فقال‏

«أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك، و أما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه»

فقالوا سنؤتيكها و إن كانت دناءة. و

قد قال الامام احمد حدثنا عفان ثنا محمد بن مسلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبى العاص‏

أن وفد ثقيف قدموا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن لا يحشروا و لا يعشروا و لا يجبوا و لا يستعمل عليهم غيرهم، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «لكم أن لا تحشروا [1] و لا تجبوا و لا يستعمل عليكم غيركم، و لا خير في دين لا ركوع فيه»

و قال عثمان بن أبى العاص: يا رسول اللَّه علمني القرآن و اجعلني إمام قومي. و قد رواه أبو داود من حديث أبى داود الطيالسي عن حماد بن سلمة عن حميد به. و قال أبو داود حدثنا الحسن بن الصباح ثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل بن منبه عن وهب سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال: اشترطت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن لا صدقة عليها و لا جهاد، و

أنه سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول بعد ذلك‏

«سيتصدقون و يجاهدون إذا أسلموا».

قال ابن إسحاق: فلما أسلموا و كتب لهم كتابهم أمر عليهم عثمان بن أبى العاص- و كان أحدثهم سنا- لأن الصديق قال يا رسول اللَّه إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام و تعلم‏

____________

[ (1)] أي لا يندبون الى المغازي و لا تضرب عليهم البعوث إلخ. عن النهاية.

31

القرآن و ذكر موسى بن عقبة أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول اللَّه خلفوا عثمان بن أبى العاص في رحالهم فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فسأله عن العلم فاستقرأه القرآن فان وجده نائما ذهب إلى أبى بكر الصديق، فلم يزل دأبه حتى فقه في الإسلام و أحبه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حبا شديدا.

قال ابن إسحاق: حدثني سعيد بن أبى هند عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير عن عثمان بن أبى العاص. قال:

كان من آخر ما عهد إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين بعثني إلى ثقيف قال «يا عثمان تجوّز في الصلاة، و أقدر الناس بأضعفهم فان فيهم الكبير و الصغير و الضعيف و ذا الحاجة»

و قال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجريريّ عن أبى العلاء عن مطرف عن عثمان بن أبى العاص. قال:

قلت يا رسول اللَّه اجعلني إمام قومي، قال: «أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم و اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا»

رواه أبو داود و الترمذي من حديث حماد بن سلمة به و رواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن إسماعيل بن علية عن محمد بن إسحاق كما تقدم.

و روى احمد عن عفان عن وهب و عن معاوية بن عمرو عن زائدة كلاهما عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم عن داود ابن أبى عاصم عن عثمان بن أبى العاص أن آخر ما فارقه رسول اللَّه حين استعمله على الطائف أن قال‏

«إذا صليت بقوم فخفف بهم حتى وقّت لي أقرأ باسم ربك الّذي خلق، و أشباهها من القرآن»

و قال احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سعيد بن المسيب قال حدث عثمان ابن أبى العاص. قال: آخر ما عهد إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن قال:

«إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة» و

رواه مسلّم عن محمد بن مثنى و بندار كلاهما عن محمد بن جعفر عن عبد ربه.

و قال احمد حدثنا أبو احمد الزبيري ثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عبد اللَّه بن الحكم أنه سمع عثمان بن أبى العاص يقول‏

استعملني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على الطائف، فكان آخر ما عهد إلى أن قال «خفف عن الناس الصلاة»

تفرد به من هذا الوجه. و

قال احمد حدثنا يحيى بن سعيد أخبرنا عمرو بن عثمان حدثني موسى- هو ابن طلحة- أن عثمان بن أبى العاص حدثه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمره أن يؤم قومه ثم قال:

«من أم قوما فليخفف بهم فان فيهم الضعيف و الكبير و ذا الحاجة، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء» و

رواه مسلّم من حديث عمرو بن عثمان به.

و قال احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم سمعت أشياخا من ثقيف قالوا حدثنا عثمان بن أبى العاص أنه قال قال لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«و أمّ قومك و إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة فإنه يقوم فيها الصغير و الكبير و الضعيف و المريض و ذو الحاجة»

و قال احمد حدثنا إبراهيم بن إسماعيل عن الجريريّ عن أبى العلاء بن الشخير

أن عثمان قال: يا رسول اللَّه حال الشيطان بيني و بين صلاتي و قراءتي، قال «ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أنت حسسته فتعوذ باللَّه منه و اتفل عن يسارك ثلاثا» قال‏

32

ففعلت ذلك فأذهبه اللَّه عنى. و

رواه مسلّم من حديث سعيد الجريريّ به.

و روى مالك و احمد و مسلّم و أهل السنن من طرق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عثمان بن أبى العاص‏

أنه شكى إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وجعا يجده في جسده فقال له «ضع يدك على الّذي يألم من جسدك و قل بسم اللَّه ثلاثا، و قل سبع مرات أعوذ بعزة اللَّه و قدرته من شر ما أجد و أحاذر» و في بعض الروايات ففعلت ذلك فاذهب اللَّه ما كان بى فلم أزل آمر به أهلي و غيرهم.

و قال أبو عبد اللَّه بن ماجة حدثنا محمد بن يسار ثنا محمد ابن عبد اللَّه الأنصاري حدثني عيينة بن عبد الرحمن- و هو ابن جوشن- حدثني أبى عن عثمان بن أبى العاص. قال:

لما استعملني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على الطائف جعل يعرض لي شي‏ء في صلاتي حتى ما أدرى ما أصلى فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «ابن أبى العاص؟» قلت نعم! يا رسول اللَّه! قال «ما جاء بك؟» قلت يا رسول اللَّه عرض لي شي‏ء في صلاتي حتى ما أدرى ما أصلى قال «ذاك الشيطان أدن» فدنوت منه فجلست على صدور قدمي، قال فضرب صدري بيده و تفل في فمي و قال «أخرج عدو اللَّه» فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال «الحق بعملك». قال فقال عثمان:

فلعمري ما أحسبه خالطني بعد. تفرد به ابن ماجة.

قال ابن إسحاق: و حدثني عيسى بن عبد اللَّه عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي عن بعض وفدهم قال: كان بلال يأتينا حين أسلمنا و صمنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما بقي من شهر رمضان بفطورنا و سحورنا فيأتينا بالسحور فانا لنقول إنا لنرى الفجر قد طلع؟ فيقول: قد تركت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يتسحر لتأخير السحور، و يأتينا بفطرنا و إنا لنقول ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد، فيقول ما جئتكم حتى أكل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، ثم يضع يده في الجفنة فيلقم منها. و روى الامام احمد و أبو داود و ابن ماجة من حديث عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عثمان بن عبد اللَّه بن أوس عن جده أوس بن حذيفة قال قدمنا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في وفد ثقيف، قال فنزلت الاحلاف على المغيرة بن شعبة،

و أنزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنى مالك في قبة له كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش، ثم يقول «لا آسى و كنا مستضعفين مستذلين بمكة، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا و بينهم ندال عليهم و يدالون علينا» فلما كانت ليلة أبطأ عنا الوقت الّذي كان يأتينا فيه فقلنا لقد أبطأت علينا الليلة؟ فقال: «إنه طرئ على جزئى [ (1)] من القرآن فكرهت أن أجي‏ء حتى أتمه»

قال أوس سألت أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كيف يجزئون القرآن؟ فقالوا ثلاث، و خمس، و سبع، و تسع و إحدى عشر، و ثلاث عشرة. و حزب المفصل وحده لفظ أبو داود. قال ابن إسحاق: فلما فرغوا

____________

[ (1)] كذا في الحلبية، و في التيمورية: طرأ على حزبي من القرآن.

33

من أمرهم و توجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) معهم أبا سفيان بن حرب و المغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان و قال ادخل أنت على قومك و أقام أبو سفيان بماله بذي الهرم، فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول و قام قومه بنى معتب دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود قال و خرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها و يقلن:

* لنبكين دفاع، أسلمها الرضاع، لم يحسنوا المصاع [ (1)]* قال ابن إسحاق: و يقول أبو سفيان: و المغيرة يضربها بالفأس و آها لك آها لك، فلما هدمها المغيرة و أخذ مالها و حليها أرسل إلى أبى سفيان فقال إن رسول اللَّه قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعود و أخيه الأسود بن مسعود والد قارب بن الأسود دينهما من مال الطاغية يقضى ذلك عنهما.

قلت: كان الأسود قد مات مشركا و لكن أمر رسول اللَّه بذلك تأليفا و إكراما لولده قارب بن الأسود رضى اللَّه عنه. و ذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا، فلما قدموا أنزلهم رسول اللَّه المسجد ليسمعوا القرآن، فسألوه عن الربا و الزنا و الخمر فحرم عليهم ذلك كله فسألوه عن الربة ما هو صانع بها؟ قال «اهدموها» قالوا هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها، فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد يا ليل ما أجهلك، إنما الربة حجر. فقالوا إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، ثم‏

قالوا يا رسول اللَّه تول أنت هدمها أما نحن فانا لن نهدمها أبدا، فقال «سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها»

فكاتبوه على ذلك و استأذنوه أن يسبقوا رسله اليهم، فلما جاءوا قومهم تلقوهم فسألوهم ما وراءكم فأظهروا الحزن و أنهم إنما جاءوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف يحكم ما يريد و قد دوخ العرب، قد حرم الربا و الزنا و الخمر، و أمر بهدم الربة، فنفرت ثقيف و قالوا لا نطيع لهذا أبدا، قال فتأهبوا للقتال و أعدوا السلاح، فمكثوا على ذلك يومين- أو ثلاثة- ثم ألقى اللَّه في قلوبهم الرعب فرجعوا و أنابوا و قالوا ارجعوا اليه فشارطوه على ذلك و صالحوه عليه قالوا فإنا قد فعلنا ذلك و وجدناه أتقى الناس و أوفاهم و أرحمهم و أصدقهم، و قد بورك لنا و لكم في مسيرنا اليه و فيما قاضيناه فافهموا القضية و أقبلوا عافية اللَّه، قالوا فلم كتمتمونا هذا أولا؟ قالوا أردنا أن ينزع اللَّه من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم و مكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد أمرّ عليهم خالد بن الوليد و فيهم المغيرة بن شعبة، فعمدوا إلى اللات و قد استكفت ثقيف رجالها و نساءها و الصبيان حتى خرج العواتق من الحجال و لا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة و يظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين- يعنى المعول- و قال لأصحابه: و اللَّه لاضحكنكم من ثقيف،

____________

[ (1)] في السهيليّ: إذ كرهوا المصاع، أي أسلمها اللئام حين كرهوا القتال و المصاع الضرب.

34

فضرب بالكرزين ثم سقط يركض برجله فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة و فرحوا و قالوا أبعد اللَّه المغيرة قتلته الربة، و قالوا لأولئك من شاء منكم فليقترب، فقام المغيرة فقال: و اللَّه يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة و مدر، فاقبلوا عافية اللَّه و اعبدوه، ثم إنه ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها و علا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض، و جعل سادنها يقول:

ليغضبن الأساس فليخسفن بهم، فلما سمع المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها فحفروه حتى أخرجوا ترابها و جمعوا ماءها و بناءها، و بهتت عند ذلك ثقيف، ثم رجعوا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقسم أموالها من يومه و حمدوا اللَّه تعالى على اعتزاز دينه و نصرة رسوله.

قال ابن إسحاق:

و كان كتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الّذي كتب لهم،

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،

من محمد النبي رسول اللَّه إلى المؤمنين إن عضاه و ج [ (1)] و صيده لا يعضد من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد و تنزع ثيابه، و إن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي محمدا و إن هذا أمر النبي محمد، و كتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد اللَّه فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول اللَّه.

و قد قال الامام احمد حدثنا عبد اللَّه بن الحارث- من أهل مكة مخزومى- حدثني محمد ابن عبد اللَّه بن أنسان- و أثنى عليه خيرا- عن أبيه عن عروة بن الزبير قال:

أقبلنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من ليّة [ (2)] حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في طرف القرن حذوها فاستقبل محبسا ببصره- يعنى واديا- و وقف حتى اتفق الناس كلهم ثم قال «إن صيدوح و عضاهه حرم محرم للَّه»

و ذلك قبل نزوله الطائف و حصاره ثقيفا، و قد رواه أبو داود من حديث محمد بن عبد اللَّه بن إنسان الطائفي و قد ذكره ابن حبان في ثقاته. و قال ابن معين ليس به بأس. تكلم فيه بعضهم و قد ضعف احمد و البخاري و غيرهما هذا الحديث، و صححه الشافعيّ و قال بمقتضاه و اللَّه أعلم.

ذكر موت عبد اللَّه بن أبىّ قبحه اللَّه‏

قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد. قال:

دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على عبد اللَّه بن أبىّ يعوده في مرضه الّذي مات فيه، فلما عرف فيه الموت قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أما و اللَّه إن كنت لأنهاك عن حب يهود»

فقال قد أبغضهم أسعد بن زرارة فمه؟. و قال الواقدي مرض عبد اللَّه بن أبى في ليال بقين من شوال، و مات في ذي القعدة، و كان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول اللَّه يعوده فيها،

فلما كان اليوم الّذي مات فيه دخل عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يجود

____________

[ (1)] و ج: هي أرض الطائف و حرم عضاهه و شجره على غير أهله كتحريم المدينة و مكة حكاه السهيليّ.

[ (2)] لية: (بتشديد الياء و كسر اللام) من نواحي الطائف.

35

بنفسه فقال «قد نهيتك عن حب يهود»

فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه؟ ثم قال يا رسول اللَّه ليس هذا الحين عتاب هو الموت فاحضر غسلي و أعطنى قميصك الّذي يلي جلدك فكفني فيه وصل على و استغفر لي، ففعل ذلك به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و روى البيهقي من حديث سالم بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوا مما ذكره الواقدي فاللَّه أعلم.

و قد قال إسحاق بن راهويه: قلت لأبي أسامة أحدثكم عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر قال:

لما توفى عبد اللَّه بن أبىّ ابن سلول جاء ابنه عبد اللَّه إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و سأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه، ثم سأله أن يصلى عليه فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلى عليه فقام عمر بن الخطاب فاخذ بثوبه فقال: يا رسول اللَّه تصلى عليه و قد نهاك اللَّه عنه، فقال رسول اللَّه «إن ربى خيرنى فقال‏

اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ‏

و سأزيد على السبعين» فقال إنه منافق أ تصلي عليه؟

فانزل اللَّه عز و جل‏

وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى‏ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏

فأقر به أبو أسامة و قال نعم! و أخرجاه في الصحيحين من حديث أبى أسامة، و في رواية للبخاريّ و غيره قال عمر: فقلت يا رسول اللَّه تصلى عليه و قد قال في يوم كذا كذا، و قال في يوم كذا كذا و كذا!! فقال «دعني يا عمر فانى بين خيرتين، و لو أعلم أنى إن زدت على السبعين غفر له لزدت»

ثم صلى عليه فأنزل اللَّه عز و جل‏ وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى‏ قَبْرِهِ‏ الآية.

قال عمر: فعجبت من جرأتى على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و اللَّه و رسوله أعلم. و قال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: أنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبر عبد اللَّه بن أبىّ بعد ما أدخل حفرته فامر به فاخرج فوضعه على ركبتيه- أو فخذيه- و نفث عليه من ريقه و ألبسه قميصه فاللَّه أعلم.

و في صحيح البخاري بهذا الاسناد مثله و عنده إنه إنما ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسى العباس قميصا حين قدم المدينة فلم يجدوا قميصا يصلح له إلا قميص عبد اللَّه بن أبىّ. و قد ذكر البيهقي ها هنا قصة ثعلبة بن حاطب و كيف افتتن بكثرة المال و منعه الصدقة، و قد حررنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ‏ الآية.

فصل‏

قال ابن إسحاق: و كانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و قال حسان بن ثابت رضى اللَّه عنه يعدد أيام الأنصار مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و يذكر مواطنهم معه في أيام غزوة، قال ابن هشام و تروى لابنه عبد الرحمن بن حسان:

أ لست خير معد كلها نفرا* * * و معشرا إن هموا عموا و إن حصلوا

36

قوم هموا شهدوا بدرا بأجمعهم‏* * * مع الرسول فما ألّوا و ما خذلوا

و بايعوه فلم ينكث به أحد* * * منهم و لم يك في إيمانه دخل‏

و يوم صبّحهم في الشعب من أحد* * * ضرب رصين كحر النار مشتعل‏

و يوم ذي قرد يوم استثار بهم‏* * * على الجياد فما خانوا و ما نكلوا

و ذا العشيرة جاسوها بخيلهم‏* * * مع الرسول عليها البيض و الأسل‏

و يوم ودان أجلوا أهله رقصا* * * بالخيل حتى نهانا الحزن و الجبل‏

و ليلة طلبوا فيها عدوهم‏* * * للَّه و اللَّه يجزيهم بما عملوا

و ليلة بحنين جالدوا معه‏* * * فيها يعلّهم في الحرب إذ نهلوا

و غزوة يوم نجد ثم كان لهم‏* * * مع الرسول بها الاسلاب و النفل‏

و غزوة القاع فرقنا العدو به‏* * * كما يفرق دون المشرب الرسل‏

و يوم بويع كانوا أهل بيعته‏* * * على الجلاد فآسوه و ما عدلوا

و غزوة الفتح كانوا في سريته‏* * * مرابطين فما طاشوا و ما عجلوا

و يوم خيبر كانوا في كتيبته‏* * * يمشون كلهم مستبسل بطل‏

بالبيض ترعش في الايمان عارية* * * تعوج بالضرب أحيانا و تعتدل‏

و يوم سار رسول اللَّه محتسبا* * * إلى تبوك و هم راياته الأول‏

و ساسة الحرب إن حرب بدت لهم‏* * * حتى بدا لهم الإقبال فالقفل‏

أولئك القوم أنصار النبي و هم‏* * * قومي أصير اليهم حين أتصل‏

ماتوا كراما و لم تنكث عهودهم‏* * * و قتلهم في سبيل اللَّه إذ قتلوا

ذكر بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع و نزول سورة براءة

قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطا. قال: أقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بقية شهر رمضان و شوالا و ذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، و أهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت و منهم من له عهد مؤقت إلى أمد، فلما خرج أبو بكر رضى اللَّه عنه بمن معه من المسلمين و فصل عن البيت أنزل اللَّه عز و جل هذه الآيات من أول سورة التوبة بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلى قوله‏ وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى‏

37

النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ‏ إلى آخر القصة. ثم شرع ابن إسحاق يتكلم على هذه الآيات و قد بسطنا الكلام عليها في التفسير و للَّه الحمد و المنة، و المقصود أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث عليا رضى اللَّه عنه بعد أبى بكر الصديق ليكون معه و يتولى عليّ بنفسه إبلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لكونه ابن عمه من عصبته.

قال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبى جعفر محمد بن على أنه قال:

لما نزلت براءة على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد كان بعث أبا بكر الصديق رضى اللَّه عنه ليقيم للناس الحج، قيل له يا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لو بعثت بها إلى أبى بكر فقال «لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتي» ثم دعا على بن أبى طالب فقال «اخرج بهذه القصة من صدر براءة و أذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى ألا إنه لا يدخل الجنة كافر، و لا يحج بعد العام مشرك، و لا يطوف بالبيت عريان، و من كان له عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عهد فهو له إلى مدته» فخرج على بن أبى طالب على ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال بل مأمور،

ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج و العرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام على ابن أبى طالب فأذن في الناس بالذي أمره به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أجل أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم و بلادهم، ثم لا عهد لمشرك و لا ذمة الا أحد كان له عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عهد فهو له إلى مدته فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، و لم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و هذا مرسل من هذا الوجه. و قد قال البخاري: باب حج أبى بكر رضى اللَّه عنه بالناس سنة تسع حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع حدثنا فليح عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة: أن أبا بكر الصديق رضى اللَّه عنه بعثه في الحجة التي أمّره عليها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك، و لا يطوفن في البيت عريان. و قال البخاري في موضع آخر حدثنا عبد اللَّه بن يوسف ثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرنى حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، و لا يطوفن بالبيت عريان. قال حميد ثم أردف النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعلي فأمره أن يؤذن ببراءة قال: أبو هريرة فأذن معنا على في أهل منى يوم النحر ببراءة أن لا يحج بعد العام مشرك و لا يطوفن بالبيت عريان. و قال البخاري في كتاب الجهاد حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرنى حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى، لا يحج بعد العام مشرك، و لا يطوف بالبيت عريان. و يوم الحج الأكبر يوم النحر، و إنما قيل الا كبر من أجل قول الناس العمرة

38

الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الّذي حج فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مشرك. و رواه مسلم من طريق الزهري به نحوه.

و قال الامام احمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن مغيرة عن الشعبي عن محرز بن أبى هريرة عن أبيه. قال:

كنت مع على بن أبى طالب حين بعثه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال ما كنتم تنادون؟ قالوا كنا ننادى أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، و لا يطوف في البيت عريان، و من كان بينه و بين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عهد فان أجله- أو أمده- إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر فان اللَّه بري‏ء من المشركين و رسوله، و لا يحج هذا البيت بعد العام مشرك. قال فكنت أنادى حتى صحل صوتي [ (1)].

و هذا اسناد جيد لكن فيه نكارة من جهة قول الراويّ إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر، و قد ذهب إلى هذا ذاهبون و لكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ و لو زاد على أربعة أشهر و من ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر، بقي قسم ثالث و هو من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل و هذا يحتمل أن يلتحق بالأول، فيكون أجله إلى مدته و إن قل، و يحتمل أن يقال إنه يؤجل إلى أربعة أشهر لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية و اللَّه تعالى أعلم. و

قال الإمام احمد حدثنا عفان ثنا حماد عن سماك عن أنس بن مالك‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث براءة مع أبى بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال «لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي» فبعث بها مع على بن أبى طالب. و

قد رواه الترمذي من حديث حماد بن سلمة

و قال حسن غريب من حديث أنس. و

قد روى عبد اللَّه بن احمد عن لوين عن محمد بن جابر عن سماك عن حلس عن على‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما أردف أبا بكر بعلي فأخذ منه الكتاب بالجحفة رجع أبو بكر فقال: يا رسول اللَّه نزل في شي‏ء؟ قال «لا و لكن جبريل جاءني فقال لا يؤدى عنك إلا أنت أو رجل منك»

و هذا ضعيف الاسناد و متنه فيه نكارة و اللَّه أعلم. و

قال الامام احمد حدثنا سفيان عن أبى إسحاق عن زيد بن بثيع- رجل من همدان- قال:

سألنا عليا بأي شي‏ء بعثت يوم بعثه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مع أبى بكر في الحجة؟ قال بأربع، لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، و لا يطوف بالبيت عريان، و من كان بينه و بين رسول اللَّه عهد فعهده إلى مدته و لا يحج المشركون بعد عامهم هذا. و

هكذا رواه الترمذي من حديث سفيان- هو ابن عيينة- عن أبى إسحاق السبيعي عن زيد بن بثيع عن على به و قال حسن صحيح. ثم قال و قد رواه شعبة عن أبى إسحاق فقال عن زيد ابن أثيل، و رواه الثوري عن أبى إسحاق عن بعض أصحابه عن على.

قلت: و رواه ابن جرير من حديث معمر عن أبى إسحاق عن الحارث عن على.

و قال ابن‏

____________

[ (1)] صحل صوتي: أي حتى بح من النهاية.

39

جرير حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم أخبرنا أبو زرعة وهب اللَّه بن راشد أخبرنا حيوة بن شريح أخبرنا ابن صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول سمعت أبا الصهباء البكري و هو يقول: سألت على بن أبى طالب عن يوم الحج الأكبر فقال‏

إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث أبا بكر ابن أبى قحافة يقيم للناس الحج، و بعثني معه بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إلى فقال: قم يا على فادّ رسالة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة ثم صدرنا فأتينا منى فرميت الجمرة و نحرت البدنة ثم حلقت رأسي و علمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضورا كلهم خطبة أبى بكر رضى اللَّه عنه يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم. قال على فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا و هو يوم عرفة.

و قد تقصينا الكلام على هذا المقام في التفسير و ذكرنا أسانيد الأحاديث و الآثار في ذلك مبسوطا بما فيه كفاية و للَّه الحمد و المنة.

قال الواقدي و قد كان خرج مع أبى بكر من المدينة ثلاثمائة من الصحابة منهم عبد الرحمن بن عوف، و خرج أبو بكر معه بخمس بدنات، و بعث معه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعشرين بدنة ثم أردفه بعلي فلحقه بالعرج فنادى ببراءة امام الموسم.

فصل‏

كان في هذه السنة- أعنى في سنة تسع- من الأمور الحادثة غزوة تبوك في رجب كما تقدم بيانه. قال الواقدي و في رجب منهامات النجاشي صاحب الحبشة و نعاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى الناس.

و في شعبان منها- أي من هذه السنة- توفيت أم كلثوم بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فغسلتها أسماء بنت عميس و صفية بن عبد المطلب، و قيل غسلها نسوة من الأنصار فيهن أم عطية.

قلت: و هذا ثابت في الصحيحين، و

ثبت في الحديث أيضا

أنه (عليه السلام) لما صلى عليها و أراد دفنها قال: «لا يدخله أحد قارف الليلة أهله» فامتنع زوجها عثمان لذلك و دفنها أبو طلحة الأنصاري رضى اللَّه عنه [و يحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر و الدفن من الصحابة كأبى عبيدة و أبى طلحة و من شابههم فقال «لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء»

إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، هذا بعيد و اللَّه أعلم‏] [ (1)] و فيها صالح ملك أيلة و أهل جرباء و أذرح و صاحب دومة الجندل كما تقدم إيضاح ذلك كله في مواضعه. و فيها هدم مسجد الضرار الّذي بناه جماعة المنافقين صورة مسجد و هو دار حرب في‏

____________

[ (1)] ما بين المربعين لم يرد في المصرية.

40

الباطن فأمر به (عليه السلام) فحرق. و في رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم و رجعوا اليهم بالأمان و كسرت اللات كما تقدم. و فيها توفى عبد اللَّه بن أبىّ بن سلول رأس المنافقين لعنه اللَّه في أواخرها، و قبله بأشهر توفى معاوية بن معاوية الليثي- أو المزني- و هو الّذي صلى عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو نازل بتبوك إن صح الخبر في ذلك. و فيها حج أبو بكر رضى اللَّه عنه بالناس عن إذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) له في ذلك. و فيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب و لذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود، و ها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخاري و غيره.

كتاب الوفود

الواردين إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

قال محمد بن إسحاق: لما افتتح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة و فرغ من تبوك و أسلمت ثقيف و بايعت ضربت اليه وفود العرب من كل وجه، قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع و أنها كانت تسمى سنة الوفود، قال ابن إسحاق: و إنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحي من قريش، لأن قريشا كانوا امام الناس و هاديتهم و أهل البيت و الحرم و صريح ولد إسماعيل بن إبراهيم و قادة العرب لا ينكرون ذلك، و كانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و خلافه فلما افتتحت مكة و دانت له قريش و دوخها الإسلام عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لا عداوته فدخلوا في دين اللَّه كما قال عز و جل أفواجا يضربون اليه من كل وجه يقول اللَّه تعالى لنبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً أي فاحمد اللَّه على ما ظهر من دينك‏ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً، و قد قدمنا حديث عمرو بن مسلمة قال: كانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون اتركوه و قومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم و بدر- أي قومي- بإسلامهم، فلما قدم قال جئتكم و اللَّه من عند النبي حقا، قال صلوا صلاة كذا في حين كذا، و صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم و ليؤمكم أكثركم قرآنا، و ذكر تمام الحديث و هو في صحيح البخاري.

قلت: و قد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي و البخاري ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قومهم على سنة تسع بل و على فتح مكة. و قد قال اللَّه تعالى‏ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏ و تقدم‏

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الفتح‏

«لا هجرة و لكن جهاد و نية»

فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على‏

41

زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، و بين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد اللَّه خيرا و حسنى، و لكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان و الفضيلة و اللَّه أعلم. على أن هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بإيراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء لم يذكروها و نحن نورد بحمد اللَّه و منّه ما ذكروه و ننبه على ما ينبغي التنبيه عليه من ذلك و نذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء اللَّه و به الثقة و عليه التكلان. و قد قال محمد بن عمر الواقدي حدثنا كثير بن عبد اللَّه المزني عن أبيه عن جده. قال: كان أول من وفد على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من مضر أربعمائة من مزينة و ذاك في رجب سنة خمس‏

فجعل لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الهجرة في دارهم و قال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم»

فرجعوا إلى بلادهم، ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبي باسناده أن أول من قدم من مزينة خزاعيّ بن عبد نهم و معه عشرة من قومه فبايع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على إسلام قومه، فلما رجع اليهم لم يجدهم كما ظن فيهم فتأخروا عنه. فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعي من غير أن يهجوه، فذكر أبياتا فلما بلغت خزاعيا شكى ذلك إلى قومه فجمعوا له و أسلموا معه و قدم بهم إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما كان يوم الفتح دفع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لواء مزينة- و كانوا يومئذ الفا- إلى خزاعيّ هذا، قال و هو أخو عبد اللَّه ذو البجادين [ (1)]. و

قال البخاري (رحمه اللَّه) باب وفد بنى تميم حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبى صخرة عن صفوان بن محرز المازني عن عمران بن حصين. قال:

أتى نفر من بنى تميم الي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «أقبلوا البشرى يا بنى تميم» قالوا يا رسول اللَّه قد بشرتنا فأعطنا، فرئي ذلك في وجهه ثم جاء نفر من اليمن فقال: «أقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم» قالوا قبلنا يا رسول اللَّه.

ثم قال البخاري حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبره عن ابن أبى مليكة أن عبد اللَّه بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بنى تميم على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال أبو بكر: أمّر القعقاع ابن معبد بن زرارة، فقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ حتى انقضت. و رواه البخاري أيضا من غير وجه عن ابن أبى مليكة بألفاظ أخر و قد ذكرنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى‏ لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ‏ الآية.

و قال محمد بن إسحاق: و لما قدمت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بنى تميم منهم الأقرع بن حابس، و الزبرقان بن بدر التميمي- أحد بنى سعد- و عمرو بن الأهتم، و الحتحات [ (2)] بن يزيد، و نعيم بن يزيد، و قيس بن‏

____________

[ (1)] في الاصابة: ذي النجادين.

[ (2)] في الحلبية: الحبحاب، و في التيمورية: الحجاب، و في ابن إسحاق الحثحاث، و قال ابن هشام الحتات و وافقه السهيليّ و استشهد بقول الفرزدق على أنه الحتات.

42

الحارث، و قيس بن عاصم أخو بنى سعد في وفد عظيم من بنى تميم. قال ابن إسحاق: و معهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، و قد كان الأقرع بن حابس و عيينة شهدا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فتح مكة و حنين و الطائف، فلما قدم وفد بنى تميم كانا معهم،

و لما دخلوا المسجد نادوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من وراء حجراته أن أخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من صياحهم، فخرج اليهم فقالوا يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا و خطيبنا. قال: «قد أذنت لخطيبكم فليقل»

فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد للَّه الّذي له علينا الفضل و المن و هو أهله الّذي جعلنا ملوكا و وهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، و جعلنا أعزة أهل المشرق و أكثره عددا و أيسره عدة. فمن مثلنا في الناس، أ لسنا برءوس الناس و أولى فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، و إنا لو نشاء لا كثرنا الكلام و لكن نخشى [ (1)] من الإكثار فيما أعطانا، و إنا نعرف [بذلك‏] أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، و أمر أفضل من أمرنا، ثم جلس.

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لثابت بن قيس بن شماس أخى بنى الحارث بن الخزرج:

«قم فأجب الرجل في خطبته»

فقام ثابت فقال: الحمد للَّه الّذي السموات و الأرض خلقه، قضى فيهن أمره، و وسع كرسيه علمه و لم يك شي‏ء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا و اصطفى من خيرته رسولا أكرمه نسبا و أصدقه حديثا و أفضله حسبا، فانزل عليه كتابا و ائتمنه على خلقه فكان خيرة [ (2)] اللَّه من العالمين، ثم دعا الناس إلى الايمان به فآمن برسول اللَّه المهاجرون من قومه و ذوى رحمه أكرم الناس أحسابا، و أحسن الناس وجوها، و خير الناس فعالا ثم كان أول الخلق إجابة و استجاب للَّه حين دعاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نحن، فنحن أنصار اللَّه و وزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن باللَّه و رسوله منع ماله و دمه، و من كفر جاهدناه في اللَّه أبدا و كان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا و استغفر اللَّه لي و لكم و للمؤمنين و المؤمنات و السلام عليكم.

فقام الزبرقان بن بدر فقال:

نحن الكرام فلا حىّ يعادلنا* * * منّا الملوك و فينا تنصب البيع‏

و كم قسرنا من الأحياء كلهم‏* * * عند النهاب و فضل العز يتبع‏

و نحن يطعم عند القحط مطعمنا* * * من الشواء إذا لم يؤنس الفزع‏

بما ترى الناس تأتينا سراتهم‏* * * من كل أرض هويا ثم نصطنع‏

فننحر الكوم عبطا في أرومتنا* * * للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا

فما ترانا إلى حي نفاخرهم‏* * * إلا استفادوا و كانوا الرأس تقتطع‏

فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه‏* * * فيرجع القوم و الاخبار تستمع‏

____________

[ (1)] كذا في الأصلين، و في ابن هشام: و لكنا نحيا.

[ (2)] في ابن هشام: من خير خلقه.

43

إنا أبينا و لم يأبى لنا أحد* * * إنا كذلك عند الفخر نرتفع‏

قال ابن إسحاق: و كان حسان بن ثابت غائبا فبعث اليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال فلما انتهيت إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قام شاعر القوم فقال ما قال أعرضت في قوله و قلت على نحو ما قال، فلما فرغ الزبرقان‏

قال رسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لحسان بن ثابت:

«قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال».

فقال حسان:

إن الذوائب من فهر و إخوتهم‏* * * قد بينوا سنّة للناس تتبع‏

يرضى بها كل من كانت سريرته‏* * * تقوى الإله و كل الخير يصطنع‏

قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم‏* * * أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا

سجية تلك منهم غير محدثة* * * إن الخلائق- فاعلم- شرها البدع‏

إن كان في الناس سباقون بعدهم‏* * * فكل سبق لأدنى سبقهم تبع‏

لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم‏* * * عند الدفاع و لا يوهون ما رفعوا

إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم‏* * * أو وازنوا أهل مجد بالندى منعوا [ (1)]

أعفة ذكرت في الوحي عفتهم‏* * * لا يطمعون و لا يرديهم طمع‏

لا يبخلون على جار بفضلهم‏* * * و لا يمسهم من مطمع طبع‏

إذا نصبنا لحي لم ندب لهم‏* * * كما يدب الى الوحشية الذرع‏

نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها* * * إذا الزعانف من أظفارها خشعوا

لا يفخرون إذا نالوا عدوهم‏* * * و إن أصيبوا فلا خور و لا هلع [ (2)]

كأنهم في الوغى و الموت مكتنع‏* * * أسد بحلية في أرساغها فدع‏

خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا* * * و لا يكن همك الأمر الّذي منعوا

فانّ في حربهم- فاترك عداوتهم* * * -شرا يخاض عليه السم و السلع‏

أكرم بقوم رسول اللَّه شيعتهم‏* * * إذا تفاوتت الأهواء و الشيع‏

أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره‏* * * فيما أحب لسان حائك صنع‏

فإنهم أفضل الاحياء كلهم‏* * * إن جد في الناس جدا لقول أو شمعوا [ (3)]

و قال ابن هشام: و أخبرنى بعض أهل العلم بالشعر من بنى تميم أن الزبرقان لما قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في وفد بنى تميم قام فقال:

____________

[ (1)] كذا في الحلبية، و في التيمورية: قنعوا، و في ابن هشام: متعوا.

[ (2)] لم يرد هذا البيت في الحلبية، و إنما ورد في التيمورية و ابن هشام.

[ (3)] في الأصل سمعوا بالسين المهملة. و هي في ابن هشام شمعوا و فسرها السهيليّ ضحكوا.

44

أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا* * * إذا اختلفوا عند احتضار المواسم‏

بأنّا فروع الناس في كل موطن‏* * * و أن ليس في أرض الحجاز كدارم‏

و أنا نذود المعلمين إذا انتخوا* * * و نضرب رأس الأصيد المتفاقم‏

و إن لنا المرباع في كل غارة* * * تغير بنجد أو بأرض الأعاجم‏

قال فقام حسان فأجابه فقال:

هل المجد إلا السؤدد العود و الندى‏* * * و جاه الملوك و احتمال العظائم‏

نصرنا و آوينا النبي محمدا* * * على أنف راض من معد و راغم‏

بحي حريد أصله و ثراؤه‏* * * بجابية الجولان وسط الأعاجم‏

نصرناه لما حل بين بيوتنا* * * بأسيافنا من كل باغ و ظالم‏

جعلنا بنينا دونه و بناتنا* * * و طبنا له نفسا بفي‏ء المغانم‏

و نحن ضربنا الناس حتى تتابعوا* * * على دينه بالمرهفات الصوارم‏

و نحن ولدنا من قريش عظيمها* * * ولدنا نبي الخير من آل هاشم‏

بنى دارم لا تفخروا إن فخركم‏* * * يعود وبالا عند ذكر المكارم‏

هبلتم علينا تفخرون و أنتم‏* * * لنا خول من بين ظئر و خادم‏

فان كنتم جئتم لحقن دمائكم‏* * * و أموالكم أن تقسموا في المقاسم‏

فلا تجعلوا للَّه ندا و أسلموا* * * و لا تلبسوا زيا كزى الأعاجم‏

قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الأقرع بن حابس: و أبى إن هذا لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا، و لشاعره أشعر من شاعرنا، و لأصواتهم أعلا من أصواتنا. قال فلما فرغ القوم أسلموا و جوزهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأحسن جوائزهم، و كان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في رحالهم و كان أصغرهم سنا، فقال قيس بن عاصم- و كان يبغض عمرو بن الأهتم- يا رسول اللَّه إنه كان رجل منافى رحالنا و هو غلام حدث و أزرى به، فأعطاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مثل ما أعطى القوم، قال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه:

ظللت مفترش الهلباء تشتمني‏* * * عند الرسول فلم تصدق و لم تصب‏

سدناكم سؤددا رهوا و سؤددكم‏* * * باد نواجذه مقع على الذنب‏

و قد روى الحافظ البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن الزبير الحنظليّ. قال: قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الزبرقان بن بدر، و قيس بن عاصم، و عمرو بن الأهتم. فقال لعمرو بن الأهتم: «أخبرنى عن الزبرقان، فاما هذا فلست‏

45

أسألك عنه» و أراه كان قد عرف قيسا، قال فقال مطاع في أدنيه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره.

فقال الزبرقان: قد قال ما قال و هو يعلم أنى أفضل مما قال، قال فقال عمرو: و اللَّه ما علمتك إلا زبر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال، ثم قال يا رسول اللَّه قد صدقت فيهما جميعا، أرضانى فقلت بأحسن ما أعلم فيه و أسخطنى فقلت بأسوإ ما أعلم.

قال فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«إن من البيان سحرا»

و هذا مرسل من هذا الوجه. قال البيهقي و قد روى من وجه آخر موصولا أنبأنا أبو جعفر كامل بن احمد المستملي ثنا محمد بن محمد بن محمد بن احمد بن عثمان البغدادي ثنا محمد بن عبد اللَّه ابن الحسن العلاف ببغداد حدثنا على بن حرب الطائي أنبأنا أبو سعد بن الهيثم بن محفوظ عن أبى المقوم يحيى بن يزيد الأنصاري عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال: جلس إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قيس بن عاصم و الزبرقان بن بدر و عمرو بن الأهتم التميميون، ففخر الزبرقان فقال يا رسول اللَّه أنا سيد تميم و المطاع فيهم و المجاب، أمنعهم من الظلم و آخذ لهم بحقوقهم و هذا يعلم ذلك- يعنى عمرو ابن الأهتم- قال عمرو بن الأهتم: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه. فقال الزبرقان و اللَّه يا رسول اللَّه لقد علم منى غير ما قال و ما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو بن الأهتم أنا أحسدك فو اللَّه إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة، و اللَّه يا رسول اللَّه لقد صدقت فيما قلت أولا، و ما كذبت فيما قلت آخرا و لكنى رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، و إذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، و لقد صدقت في الاولى و الأخرى جميعا.

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«إن من البيان سحرا»

و هذا اسناد غريب جدا [و قد ذكر الواقدي سبب قدومهم و هو أنه كانوا قد جهزوا السلاح على خزاعة فبعث اليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصارى و لا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلا و إحدى عشرة امرأة و ثلاثين صبيا فقدم رؤساهم بسبب أسرائهم و يقال قدم منهم تسعين- أو ثمانين- رجلا في ذلك منهم عطارد و الزبرقان و قيس بن عاصم و قيس بن الحارث و نعيم بن سعد و الأقرع بن حابس و رباح بن الحارث و عمرو بن الأهتم، فدخلوا المسجد و قد أذن بلال الظهر و الناس ينتظرون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليخرج اليهم فعجل هؤلاء فنادوه من وراء الحجرات فنزل فيهم ما نزل، ثم ذكر الواقدي خطيبهم و شاعرهم و أنه عليه الصلاة و السلام أجازهم على كل رجل أثنى عشر أوقية و نشا إلا عمرو بن الأهتم فإنما أعطى خمس أواق لحداثة سنه و اللَّه أعلم‏] [ (1)].

قال ابن إسحاق: و نزل فيهم من القرآن قوله تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ، وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏

قال ابن‏

____________

[ (1)] ما بين المربعين تأخر في المصرية إلى آخر الفصل.

46

جرير: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن أبى إسحاق عن البراء في قوله‏ إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ‏. قال‏

جاء رجل إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: يا محمد إن حمدي زين، و ذمي شين. فقال: «ذاك اللَّه عز و جل»

و هذا إسناد جيد متصل. و قد روى عن الحسن البصري و قتادة مرسلا عنهما، و قد وقع تسمية هذا الرجل‏

فقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا وهيب ثنا موسى بن عقبة عن أبى سلمة عن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس‏

أنه نادى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: يا محمد يا محمد، و في رواية يا رسول اللَّه فلم يجبه.

فقال: يا رسول اللَّه إن حمدي لزين، و أن ذمي لشين. فقال: «ذاك اللَّه عز و جل».

حديث في فضل بنى تميم‏

قال البخاري حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة. قال:

لا أزال أحب بنى تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقولها فيهم: «هم أشد أمتى على الدجال» و كانت فيهم سبية عند عائشة فقال: «أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل» و جاءت صدقانهم فقال: «هذه صدقات قوم- أو قومي-» و

هكذا رواه مسلم عن زهير بن حرب به.

[و هذا الحديث يرد على قتادة ما ذكره صاحب الحماسة و غيره من شعر من ذمهم حيث يقول:]

تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا* * * و لو سلكت طرق الرشاد لضلت‏

و لو أن برغونا على ظهر قملة* * * رأته تميم من بعيد لولت [ (1)]]

وفد بنى عبد القيس‏

ثم قال البخاري بعد وفد بنى تميم: باب وفد عبد القيس حدثنا أبو إسحاق حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا قرة عن أبى حمزة قال قلت لابن عباس: إن لي جرة ينتبذ لي فيها فاشربه حلوا في حر إن أكثرت منه فجالست القوم فاطلت الجلوس خشيت أن أفتضح؟

فقال‏

قدم وفد عبد القيس على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «مرحبا بالقوم غير خزايا و لا الندامى» فقال يا رسول اللَّه إن بيننا و بينك المشركين من مضر، و إنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام فحدثنا بجميل من الأمر أن عملنا به دخلنا الجنة و ندعوا به من وراءنا. قال: «آمركم بأربع، و أنها كم عن أربع، الايمان باللَّه هل تدرون ما الايمان باللَّه شهادة أن‏

لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ،

و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم رمضان، و أن تعطوا من المغانم الخمس و أنها كم عن، أربع ما ينتبذ في الدباء و النقير و الحنتم و المزفت». و

هكذا رواه مسلم من حديث قرة بن خالد عن أبى حمزة و له طرق في الصحيحين عن أبى حمزة.

و قال أبو

____________

[ (1)] لم يرد ما بين المربعين في المصرية.

47

داود الطيالسي في مسندة حدثنا شعبة عن أبى حمزة سمعت ابن عباس يقول:

إن وفد عبد القيس لما قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «ممن القوم؟» قالوا من ربيعة. قال: «مرحبا بالوفد غير الخزايا و لا الندامى» فقالوا يا رسول اللَّه: إنا حي من ربيعة، و إنا نأتيك شقة بعيدة، و إنه يحول بيننا و بينك هذا الحي من كفار مضر، و إنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام فمرنا بأمر فصل ندعوا اليه من وراءنا و ندخل به الجنة. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «آمركم بأربع و أنهاكم عن أربع، آمركم بالايمان باللَّه وحده أ تدرون ما الايمان باللَّه شهادة أن‏

لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ‏

و أن محمدا رسول اللَّه، و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صوم رمضان و أن تعطوا من المغانم الخمس، و أنها كم عن أربع، عن الدباء و الحنتم و النقير و المزفت- و ربما قال و المقير- فاحفظوهن و ادعوا إليهن من وراءكم» و

قد أخرجاه صاحبا الصحيحين من حديث شعبة بنحوه،

و قد رواه مسلم من حديث سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى نضرة عن أبى سعيد بحديث قصتهم بمثل هذا السياق، و عنده أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لاشج عبد القيس‏

«إن فيك لخلتين يحبهما اللَّه عز و جل، الحلم و الاناة» و في رواية «يحبهما اللَّه و رسوله» فقال يا رسول [تخلقتهما أم جبلنى اللَّه عليهما؟ فقال: «جبلك اللَّه عليهما» فقال الحمد للَّه الّذي جبلنى على خلقين يحبهما اللَّه و رسوله [ (1)]].

و قال الامام احمد حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم حدثنا مطر بن عبد الرحمن سمعت هند بنت الوازع أنها سمعت الوازع يقول:

أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و الأشج المنذر بن عامر- أو عامر بن المنذر- و معهم رجل مصاب فانتهوا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما رأوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وثبوا من رواحلهم فاتوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقبلوا يده، ثم نزل الأشج فعقل راحلته و أخرج عيبته ففتحها فاخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم أتى رواحلهم فعقلها فأتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «يا أشج إن فيك خصلتين يحبهما اللَّه عز و جل و رسوله، الحلم و الاناة» فقال يا رسول اللَّه أنا تخلقتهما أو جبلنى اللَّه عليهما؟ فقال: «بل اللَّه جبلك عليهما». قال الحمد للَّه الّذي جبلنى على خلقين يحبهما اللَّه عز و جل و رسوله. فقال الوازع يا رسول اللَّه إن معى خالا لي مصابا فادع اللَّه له فقال: «أين هو آتيني به» قال فصنعت مثل ما صنع الأشج ألبسته ثوبيه و أتيته فاخذ من ورائه يرفعها حتى رأينا بياض إبطه، ثم ضرب بظهره فقال «أخرج عدو اللَّه» فولى وجهه و هو ينظر بنظر رجل صحيح.

و روى الحافظ البيهقي من طريق هود بن عبد اللَّه بن سعد أنه سمع جده مزيدة العبديّ. قال‏

بينما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يحدث أصحابه إذ قال لهم «سيطلع من ها هنا ركب هم خير أهل المشرق»

فقام عمر فتوجه نحوهم فتلقى ثلاثة عشر راكبا، فقال من القوم؟ فقالوا من بنى عبد القيس، قال فما أقدمكم هذه البلاد التجارة؟ قالوا

____________

[ (1)] ما بين المربعين لم يرد في المصرية.

48

لا قال أما أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد ذكركم آنفا فقال خيرا، ثم مشوا معه حتى أتوا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال عمر للقوم: و هذا صاحبكم الّذي تريدون، فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم فمنهم من مشى و منهم من هرول و منهم من سعى حتى أتوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخذوا بيده فقبلوها،

و تخلف الأشج في الركاب حتى أناخها و جمع متاع القوم ثم جاء يمشى حتى أخذ بيد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقبلها، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «إن فيك خلتين يحبهما اللَّه و رسوله». قال جبل جبلت أم تخلقا منى قال بل جبل.

فقال: الحمد للَّه الّذي جبلنى على ما يحب اللَّه و رسوله.

و قال ابن إسحاق: و قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الجارود بن عمرو بن حنش أخو عبد القيس قال ابن هشام و هو الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس و كان نصرانيا، قال ابن إسحاق‏

و حدثني من لا أتهم عن الحسن [ (1)] قال‏

لما انتهى الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كلمه فعرض عليه الإسلام و دعاه اليه و رغبه فيه فقال يا محمد إني كنت على دين و إني تارك ديني لدينك أ فتضمن لي ديني؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «نعم أنا ضامن أن قد هداك اللَّه الى ما هو خير منه» قال فأسلم و أسلم أصحابه، ثم سأل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحملان فقال: «و اللَّه ما عندي ما أحملكم عليه».

قال يا رسول اللَّه إن بيننا و بين بلادنا ضوالا من ضوال الناس أ فنتبلغ عليها الى بلادنا، قال لا إياك و إياها فإنما تلك حرق النار قال فخرج الجارود راجعا الى قومه و كان حسن الإسلام صلبا على دينه حتى هلك، و قد أدرك الردة فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم الى دينهم الأول مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر قام الجارود فتشهد شهادة الحق و دعا الى الإسلام فقال: أيها الناس إني أشهد أن‏ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ‏ و أن محمدا عبده و رسوله، و اكفر من لم يشهد. و قد كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث العلاء بن الحضرميّ قبل فتح مكة الى المنذر بن ساوى العبديّ فأسلم فحسن إسلامه ثم هلك بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل ردة أهل البحرين، و العلاء عنده أميرا لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على البحرين. و لهذا روى البخاري من حديث إبراهيم بن طهمان عن أبى حمزة عن ابن عباس. قال: أول جمعة جمعت في مسجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في مسجد عبد القيس بحوّانا من البحرين، و روى البخاري عن أم سلمة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبد القيس حتى صلاهما بعد العصر في بيتها.

قلت: لكن في سياق ابن عباس ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فتح مكة لقولهم و بيننا و بينك هذا الحي من مضر لا نصل إليك إلا في شهر حرام و اللَّه أعلم.

قصة ثمامة و وفد بنى حنيفة و معهم مسيلمة الكذاب لعنه اللَّه‏

قال البخاري باب وفد بنى حنيفة و قصة ثمامة بن أثال حدثنا عبد اللَّه بن يوسف حدثنا الليث‏

____________

[ (1)] في ابن هشام: عن الحسين.

49

ابن سعد حدثني سعيد بن أبى سعيد سمع أبا هريرة قال:

بعث النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج اليه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «ما عندك يا ثمامة»؟ قال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم. و ان تنعم تنعم على شاكر، و ان كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فتركه حتى كان الغد ثم قال له: «ما عندك يا ثمامة»؟

فقال عندي ما قلت لك ان تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى بعد الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة»؟

فقال عندي ما قلت لك. فقال: «أطلقوا ثمامة»

فانطلق الى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد. فقال: أشهد أن‏ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ‏ و أن محمدا رسول اللَّه، يا محمد و اللَّه ما كان على وجه الأرض وجه أبغض الى من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه الى، و اللَّه ما كان دين أبغض الى من دينك فأصبح دينك أحب الدين الىّ، و اللَّه ما كان من بلد أبغض الىّ من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد الى، و إن خيلك أخذتني و أنا أريد العمرة فما ذا ترى؟ فبشره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل أ صبوت؟ قال: لا! و لكن أسلمت مع محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لا و اللَّه لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و قد رواه البخاري في موضع آخر و مسلم و أبو داود و النسائي كلهم عن قتيبة عن الليث به. و في ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر و ذلك أن ثمامة لم يفد بنفسه و إنما أسر و قدم به في الوثاق فربط بسارية من سواري المسجد ثم في ذكره مع الوفود سنة تسع نظر آخر، و ذلك أن الظاهر من سياق قصته أنها قبيل الفتح لأن أهل مكة عيروه بالإسلام و قالوا أ صبوت فتوعدهم بأنه لا يفد اليهم من اليمامة حبة حنطة ميرة حتى يأذن فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فدل على أن مكة كانت إذ ذاك دار حرب لم يسلم أهلها بعد و اللَّه أعلم. و لهذا ذكر الحافظ البيهقي قصة ثمامة بن أثال قبل فتح مكة و هو أشبه و لكن ذكرناه ها هنا اتباعا للبخاريّ (رحمه اللَّه).

و قال البخاري حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن عبد اللَّه بن أبى حسين ثنا نافع بن جبير عن ابن عباس. قال:

قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، و قدم في بشر كثير من قومه فاقبل اليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و معه ثابت بن قيس بن شماس و في يد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه. فقال له: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتها، و لن تعدو أمر اللَّه فيك، و لئن أدبرت ليعقرنك اللَّه، و إني لأراك الّذي رأيت فيه ما أريت، و هذا ثابت يجيبك عنى» ثم انصرف عنه. قال ابن عباس فسألت عن قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنك الّذي رأيت فيه ما أريت، فأخبرني أبو هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فاهمنى شأنهما، فأوحى الىّ في المنام إن أنفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما كذا بين يخرجان بعدي أحدهما الأسود العنسيّ و الآخر مسيلمة».

ثم قال‏

50

البخاري حدثنا إسحاق بن منصور ثنا عبد الرزاق أخبرنى معمر عن هشام بن أمية أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

«بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض فوضع في كفى سواران من ذهب فكبرا عليّ فأوحى الى أن انفخهما، فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء، و صاحب اليمامة».

ثم قال البخاري ثنا سعيد بن محمد الجرمي ثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبى عن صالح عن ابن عبيدة عن نشيط- و كان في موضع آخر اسمه عبد اللَّه- أن عبيد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عتبة. قال:

بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة فنزل في دار بنت الحارث و كان تحته بنت الحارث بن كريز و هي أم عبد اللَّه بن الحارث [ (1)] بن كريز فأتاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و معه ثابت ابن قيس بن شماس و هو الّذي يقال له خطيب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و في يد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قضيب فوقف عليه فكلمه فقال له مسيلمة إن شئت خليت بينك و بين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه و إني لأراك الّذي رأيت فيه ما رأيت، و هذا ثابت بن قيس و سيجيبك عنى» فانصرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال عبد اللَّه سألت ابن عباس عن رؤيا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الّذي ذكر فقال ابن عباس ذكر لي أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: «بينا أنا نائم رأيت أنه وضع في يدي سواران من ذهب فقطعتهما و كرهتهما فاذن لي فنفختهما فطارا فأولتهما كذا بين [يخرجان» فقال عبيد اللَّه أحدهما العنسيّ الّذي قتله [ (2)]] فيروز باليمن و الآخر مسيلمة الكذاب.

و قال محمد بن إسحاق: قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وفد بنى حنيفة فيهم مسيلمة بن ثمامة ابن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هماز بن ذهل بن الزول بن حنيفة و يكنى أبا ثمامة و قيل أبا هارون و كان قد تسمى بالرحمن فكان يقال له رحمان اليمامة و كان عمره يوم قتل مائة و خمسين سنة، و كان يعرف أبوابا من النيرجات فكان يدخل البيضة الى القارورة و هو أول من فعل ذلك، و كان يقص جناح الطير ثم يصله و يدعى أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب منها.

قلت: و سنذكر أشياء من خبره عند ذكر مقتله لعنه اللَّه. قال ابن إسحاق: و كان منزلهم في دار بنت الحارث امرأة من الأنصار ثم من بنى النجار، فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن بنى حنيفة أتت به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تستره بالثياب و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات،

فلما انتهى الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هم يسترونه بالثياب كلمه و سأله فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه»

قال ابن إسحاق و حدثني شيخ من بنى حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا. و زعم أن وفد بنى حنيفة أتوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و خلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه فقالوا يا رسول اللَّه إنا قد خلفنا صاحبا

____________

[ (1)] في البخاري. أم عبد اللَّه بن عامر بن كريز.

[ (2)] ما بين المربعين من البخاري.