البداية و النهاية - ج6

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
354 /
1

-

2

[تتمة سنة احدى عشر من الهجرة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

باب ما يذكر من آثار النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) التي كان يختص بها في حياته من ثياب و سلاح و مراكب و غير ذلك مما يجرى مجراه و ينتظم في معناه‏

ذكر الخاتم الّذي كان يلبسه (عليه السلام) و من أي شي‏ء كان من الأجسام‏

و قد أفرد له أبو داود في كتابه السنن كتابا على حدة، و لنذكر عيون ما ذكره في ذلك مع ما نضيفه إليه، و المعول في أصل ما نذكره عليه.

قال أبو داود: حدثنا عبد الرحيم بن مطرف الرؤاسى، حدثنا عيسى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: أراد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يكتب إلى بعض الأعاجم فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا بخاتم، فاتخذ خاتما من فضة، و نقش فيه: محمد رسول اللَّه، و هكذا رواه البخاري عن عبد الأعلى بن حماد عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة به، ثم قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن سعيد، عن قتادة عن أنس بمعنى حديث عيسى بن يونس زاد فكان في يده حتى قبض، و في يد أبى بكر حتى قبض، و في يد عمر حتى قبض، و في يد عثمان. فبينما هو عند بئر إذ سقط في البئر فأمر بها فنزحت، فلم يقدر عليه. تفرد به أبو داود من هذا الوجه، ثم قال أبو داود (رحمه اللَّه): حدثنا قتيبة بن سعيد و أحمد بن صالح قالا: أنا ابن وهب، أخبرنى يونس،

3

عن ابن شهاب، قال حدثني أنس قال: كان خاتم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من ورق فصه حبشي، و قد روى هذا الحديث البخاري من حديث الليث، و مسلم من حديث ابن وهب، و طلحة عن يحيى الأنصاري، و سليمان بن بلال، زاد النسائي و ابن ماجة و عثمان عن عمر خمستهم عن يونس بن يزيد الأيلي به، و قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، ثم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان خاتم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من فضة كله فصه منه، و قد رواه الترمذي و النسائي من حديث زهير بن معاوية الجعفي أبى خيثمة الكوفي به، و قال الترمذي:

حسن صحيح غريب من هذا الوجه، و قال البخاري: ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث، ثنا عبد العزيز ابن صهيب، عن أنس بن مالك قال: اصطنع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خاتما، فقال: إنا اتخذنا خاتما و نقشنا فيه نقشا فلا ينقش عليه أحد، قال: فانى أرى بريقه في خنصره، ثم قال أبو داود: حدثنا نصير بن الفرج، ثنا أبو أسامة، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر: اتخذ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خاتما من ذهب و جعل فصه مما يلي بطن كفه، و نقش فيه محمد رسول اللَّه، فاتخذ الناس خواتم الذهب فلما رآهم قد اتخذوها رمى به و قال: لا ألبسه أبدا، ثم اتخذ خاتما من فضة نقش فيه: محمد رسول اللَّه، ثم لبس الخاتم بعده أبو بكر، ثم لبسه بعد أبى بكر عمر، ثم لبسه بعده عثمان حتى وقع في بئر أريس، و قد رواه البخاري عن يوسف بن موسى عن أبى أسامة حماد بن أسامة به، ثم قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الخبر عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فنقش فيه محمد رسول اللَّه، و قال: لا ينقش أحد على خاتمي هذا، و ساق الحديث، و قد رواه مسلم و أهل السنن الأربعة من حديث سفيان بن عيينة به نحوه، ثم قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى ابن فارس، ثنا أبو عاصم، عن المغيرة بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الخبر عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: فالتمسوه فلم يجدوه، فاتخذ عثمان خاتما و نقش فيه محمد رسول اللَّه، قال: فكان يختم به أو يتختم به، و رواه النسائي عن محمد بن معمر عن أبى عاصم الضحاك بن مخلد النبيل به، ثم قال أبو داود:

باب في ترك الخاتم‏

حدثنا محمد بن سليمان لوين، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك أنه رأى في يد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) خاتما من ورق يوما واحدا، فصنع الناس فلسبوا، و طرح النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فطرح الناس، ثم قال: رواه عن الزهري زياد بن سعد و شعيب و ابن مسافر كلهم قال من ورق، قلت: و قد رواه البخاري حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال حدثني أنس بن مالك‏

4

أنه رأى في يد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق و لبسوها، فطرح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خاتمه، فطرح الناس خواتيمهم، ثم علقه البخاري عن إبراهيم ابن سعد الزهري المدني و شعيب بن أبى حمزة و زياد بن سعد الخراساني، و أخرجه مسلم من حديثه، و انفرد أبو داود بعبد الرحمن بن خالد بن مسافر كلهم عن الزهري كما قال أبو داود: خاتما من ورق، و الصحيح أن الّذي لبسه يوما واحدا ثم رمى به، إنما هو خاتم الذهب، لا خاتم الورق، لما ثبت في الصحيحين عن مالك عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر قال: كان رسول اللَّه يلبس خاتما من ذهب، فنبذه و قال: لا ألبسه أبدا، فنبذ الناس خواتيمهم، و قد كان خاتم الفضة يلبسه كثيرا، و لم يزل في يده حتى توفى (صلوات اللَّه و سلامه عليه)، و كان فصه منه يعنى ليس فيه فص ينفصل عنه، و من روى أنه كان فيه صورة شخص فقد أبعد و أخطأ، بل كان فضة كله و فصه منه، و نقشه محمد رسول اللَّه ثلاثة أسطر:

محمد سطر. رسول سطر. اللَّه سطر، و كأنه و اللَّه أعلم كان منقوشا و كتابته مقلوبة ليطبع على الاستقامة كما جرت العادة بهذا، و قد قيل: إن كتابته كانت مستقيمة، و تطبع كذلك، و في صحة هذا نظر، و لست أعرف لذلك إسنادا لا صحيحا و لا ضعيفا، و هذه الأحاديث التي أوردناها أنه (عليه السلام) كان له خاتم من فضة، ترد الأحاديث التي قدمناها في سنني أبى داود و النسائي من طريق أبى عتاب سهل ابن حماد الدلال عن أبى مكين نوح بن ربيعة عن إياس بن الحارث بن معيقيب بن أبى فاطمة عن جده قال: كان خاتم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من حديد ملوى عليه فضة، و مما يزيده ضعفا الحديث الّذي‏

رواه أحمد و أبو داود و الترمذي و النسائي من حديث أبى طيبة عبد اللَّه بن مسلم السلمي المروزي عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه،

أن رجلا جاء إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و عليه خاتم من شبه فقال: ما لي أجد منك ريح الأصنام؟

فطرحه، ثم جاء و عليه خاتم من حديد، فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟ فطرحه، ثم قال:

يا رسول اللَّه من أي شي‏ء أتخذه؟ قال: اتخذه من ورق، و لا تتمه مثقالا،

و قد كان (عليه السلام) يلبسه في يده اليمنى كما رواه أبو داود و الترمذي في الشمائل، و النسائي من حديث شريك، و أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن القاضي، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن حسن، عن أبيه، عن على رضي اللَّه عنه، عن رسول اللَّه. قال شريك: و أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن رسول اللَّه كان يتختم في يمينه، و روى في اليسرى، رواه أبو داود من حديث عبد العزيز بن أبى رواد، عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يتختم في يساره، و كان فصه في باطن كفه، قال أبو داود: رواه أبو إسحاق و أسامة بن زيد عن نافع في يمينه، و حدثنا هناد، عن عبدة، عن عبيد اللَّه، عن نافع: أن ابن عمر كان يلبس خاتمه في يده اليسرى، ثم قال أبو داود: حدثنا عبد اللَّه بن سعيد، ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: رأيت على الصلت بن عبد اللَّه بن نوفل بن عبد المطلب خاتما في خنصره‏

5

اليمنى، فقلت: ما هذا؟ فقال: رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا و جعل نصه على ظهرها، قال: و لا يخال ابن عباس الا قد كان يذكر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يلبس خاتمه كذلك، و هكذا رواه الترمذي من حديث محمد بن إسحاق به، ثم قال محمد بن إسماعيل يعنى البخاري: حديث ابن إسحاق عن الصلت حديث حسن، و قد روى الترمذي في الشمائل عن أنس و عن جابر و عن عبد اللَّه بن جعفر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يتختم في اليمين، و قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، ثنا أبى، عن ثمامة، عن أنس بن مالك أن أبا بكر لما استخلف كتب له و كان نقش الخاتم ثلاثة أسطر:

محمد سطر. و رسول سطر. و اللَّه سطر، قال أبو عبد اللَّه: و زاد أبو أحمد ثنا الأنصاري حدثني أبى ثنا، ثمامة، عن أنس قال: كان خاتم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في يده، و في يد أبى بكر، و في يد عمر بعد أبى بكر، قال: فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، فأخذ الخاتم فجعل يعبث به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان فنزح البئر فلم يجده، فأما الحديث الّذي رواه الترمذي في الشمائل، حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن أبى يسر عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، اتخذ خاتما من فضة فكان يختم به و لا يلبسه، فإنه حديث غريب جدا. و في السنن من حديث ابن جريج عن الزهري عن أنس قال كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا دخل الخلاء نزع خاتمه.

ذكر سيفه (عليه السلام)

قال الامام أحمد: ثنا شريح، ثنا ابن أبى الزناد، عن أبيه، عن الأعمى عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: تنفل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سيفه ذا الفقار يوم بدر، و هو الّذي رأى الرؤيا يوم أحد، قال: رأيت في سيفي ذا الفقار فلّا فأولته فلا يكون فيكم، و رأيت أنى مردف كبشا، فأولته كبش الكتيبة، و رأيت أنى في درع حصينة فأولتها المدينة، و رأيت بقرا تذبح، فبقر و اللَّه خير فبقر و اللَّه خير، فكان الّذي قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد رواه الترمذي و ابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه به. و قد ذكر أهل السنن أنه سمع قائل يقول: لا سيف الا ذو الفقار، و لا فتى الا على، و روى الترمذي من حديث هود بن عبد اللَّه بن سعيد، عن جده مزيدة بن جابر العبديّ العصرى رضى اللَّه عنه، قال: دخل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مكة و على سيفه ذهب و فضة، الحديث، ثم قال: هذا حديث غريب، و قال الترمذي في الشمائل: حدثنا محمد بن بشار، ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبى، عن قتادة، عن سعيد بن أبى الحسن قال: كانت قبيعة سيف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من فضة، و روى أيضا من حديث عثمان بن سعد عن ابن سيرين قال: صنعت سيفي على سيف سمرة، و زعم سمرة أنه صنع سيفه على سيف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و كان حنفيا و قد صار إلى آل على سيف من سيوف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلما قتل الحسين بن على رضى اللَّه عنهما بكربلاء عند الطف كان‏

6

معه فأخذه على بن الحسين بن زين العابدين فقدم معه دمشق حين دخل على يزيد بن معاوية، ثم رجع معه إلى المدينة، فثبت في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أنه تلقاه إلى الطريق، فقال له: هل لك إلى من حاجة تأمرنى بها؟ قال فقال: لا، فقال: هل أنت معطي سيف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فانى أخشى أن يغلبك عليه القوم، و أيم اللَّه ان أعطيتنيه لا يخلص اليه أحد حتى يبلغ نفسي.

و قد ذكر للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) غير ذلك من السلاح، من ذلك الدروع كما روى غير واحد منهم السائب ابن يزيد، و عبد اللَّه بن الزبير، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ظاهر يوم أحد بين درعين، و في الصحيحين من حديث مالك عن الزهري عن أنس، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دخل يوم الفتح و على رأسه المغفر، فلما نزعه قيل له: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه، و عند مسلم من حديث أبى الزبير، عن جابر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دخل يوم الفتح و عليه عمامة سوداء، و قال وكيع عن مساور الوراق عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، قال: خطب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الناس و عليه عمامة دسماء، ذكرهما الترمذي في الشمائل، و له من حديث الدراوَرْديّ، عن عبد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا اعتم سدلها بين كتفيه، و قد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة:

حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد اللَّه بن محمد، ثنا مخول بن إبراهيم، ثنا إسرائيل، عن عاصم، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك أنه كانت عنده عصية لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فمات فدفنت معه بين جنبه و بين قميصه، ثم قال البزار: لا نعلم رواه إلا مخول بن راشد، و هو صدوق فيه شيعية. و احتمل على ذلك، و قال الحافظ البيهقي بعد روايته هذا الحديث من طريق مخول هذا قال: و هو من الشيعة يأتى بأفراد عن إسرائيل لا يأتى بها غيره، و الضعف على رواياته بين ظاهر

ذكر نعله التي كان يمشى فيها (عليه السلام)

ثبت في الصحيح عن ابن عمر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يلبس النعال السبتية، و هي التي لا شعر عليها، و قد قال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد هو ابن مقاتل، حدثنا عبد اللَّه، يعنى ابن المبارك، أنا عيسى بن طهمان، قال: خرج إلينا أنس بن مالك بنعلين لهما قبالان، فقال ثابت البناني: هذه نعل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد رواه في كتاب الخمس عن عبد اللَّه بن محمد عن أبى أحمد الزبيري عن عيسى بن طهمان عن أنس، قال: أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين لهما قبالان، فحدثني ثابت البناني بعد عن أنس أنهما نعلا النبي (صلى اللَّه عليه و سلم). و قد رواه الترمذي في الشمائل عن أحمد بن منيع عن أبى أحمد الزبيري به، و قال الترمذي في الشمائل: حدثنا أبو كريب، ثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن عبد اللَّه ابن الحارث، عن ابن عباس قال: كان لنعل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قبالان مثنى شراكهما، و قال أيضا: ثنا إسحاق بن منصور، أنا عبد الرزاق عن معمر، عن ابن أبى ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبى‏

7

هريرة قال: كان لنعل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قبالان، و قال الترمذي: ثنا محمد بن مرزوق أبو عبد اللَّه: ثنا عبد الرحمن بن قيس أبو معاوية، ثنا هشام، عن محمد، عن أبى هريرة قال: كان لنعل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قبالان و أبى بكر و عمر و أول من عقد عقدا واحدا عثمان. قال الجوهري: قبال النعل بالكسر الزمام الّذي يكون بين الإصبع الوسطى و التي تليها. قلت: و اشتهر في حدود سنة ستمائة و ما بعدها عند رجل من التجار يقال له: ابن أبى الحدرد، نعل مفردة ذكر أنها نعل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فسامها الملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب منه بمال جزيل فأبى أن يبيعها، فاتفق موته بعد حين، فصارت الى الملك الأشرف المذكور، فأخذها اليه و عظمها، ثم لما بنى دار الحديث الأشرفية الى جانب القلعة، جعلها في خزانة منها، و جعل لها خادما، و قرر له من المعلوم كل شهر أربعون درهما، و هي موجودة الى الآن في الدار المذكورة، و قال الترمذي في الشمائل: ثنا محمد بن رافع و غير واحد قالوا:

ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا شيبان، عن عبد اللَّه بن المختار، عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: كانت لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سلة يتطيب منها.

صفة قدح النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، ثنا شريك، عن عاصم قال: رأيت عند أنس قدح النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فيه ضبة من فضة، و قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه، أخبرنى أحمد ابن محمد النسوي، ثنا حماد بن شاكر، ثنا محمد بن إسماعيل هو البخاري، ثنا الحسن بن مدرك، حدثني يحيى بن حماد أنا أبو عوانة، عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) عند أنس بن مالك و كان قد انصدع فسلسله بفضة، قال: و هو قدح جيد عريض من نضار، قال أنس: لقد سقيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في هذا القدح أكثر من كذا و كذا، قال: و قال ابن سيرين إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فتركه، و قال الامام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، ثنا حجاج بن حسان قال: كنا عند أنس فدعا بإناء فيه ثلاث ضبات حديد و حلقة من حديد، فأخرج من غلاف أسود و هو دون الربع و فوق نصف الربع، و أمر أنس بن مالك فجعل لنا فيه ماء فأتينا به فشربنا و صببنا على رءوسنا و وجوهنا و صلينا على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم). انفرد به أحمد

ذكر ما ورد في المكحلة التي كان (عليه السلام) يكتحل منها

قال الامام أحمد: ثنا يزيد، أنا عبد اللَّه بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثا في كل عين، و قد رواه الترمذي و ابن ماجة من حديث يزيد بن هارون، قال على بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لعباد بن منصور:

8

سمعت هذا الحديث من عكرمة، فقال: أخبرنيه ابن أبى يحيى عن داود بن الحصين عنه، قلت: و قد بلغني أن بالديار المصرية مزارا فيه أشياء كثيرة من آثار النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) اعتنى بجمعها بعض الوزراء المتأخرين، فمن ذلك مكحلة و قيل و مشط و غير ذلك فاللَّه أعلم‏

البردة

قال الحافظ البيهقي: و أما البرد الّذي عند الخلفاء فقد روينا عن محمد بن إسحاق بن يسار في قصة تبوك أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، أعطى أهل أيلة بردة مع كتابه الّذي كتب لهم أمانا لهم، فاشتراه أبو العباس عبد اللَّه بن محمد بثلاثمائة دينار- يعنى بذلك أول خلفاء بنى العباس و هو السفاح (رحمه اللَّه)- و قد توارث بنو العباس هذه البردة خلفا عن سلف كان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، و يأخذ القضيب المنسوب اليه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) في إحدى يديه، فيخرج و عليه من السكينة و الوقار ما يصدع به القلوب، و يبهر به الابصار، و يلبسون السواد في أيام الجمع و الأعياد، و ذلك اقتداء منهم بسيد أهل البدو و الحضر، ممن يسكن الوبر و المدر، لما أخرجه البخاري و مسلم إماما أهل الأثر، من حديث عن مالك الزهري عن أنس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دخل مكة و على رأسه المغفر، و في رواية و عليه عمامة سوداء، و في رواية قد أرخى طرفها بين كتفيه، (صلوات اللَّه و سلامه عليه)، و قد قال البخاري: ثنا مسدد، ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن محمد عن أبى بردة قال: أخرجت إلينا عائشة كساء و إزارا غليظا فقالت: قبض روح النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في هذين، و للبخاريّ من حديث الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن عائشة و ابن عباس قالا: لما نزل برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال و هو كذلك: لعنة اللَّه على اليهود و النصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذّر ما صنعوا، قلت: و هذه الأبواب الثلاثة لا يدرى ما كان من أمرها بعد هذا، و قد تقدم أنه (عليه السلام) طرحت تحته في قبره الكريم قطيفة حمراء كان يصلّى عليها، و لو تقصينا ما كان يلبسه في أيام حياته لطال الفصل و موضعه كتاب اللباس من كتاب الأحكام الكبير إن شاء اللَّه و به الثقة و عليه التكلان‏

ذكر أفراسه و مراكيبه (عليه الصلاة و السلام)

قال ابن إسحاق عن يزيد بن حبيب، عن مرثد بن عبد اللَّه المزني، عن عبد اللَّه بن رزين، عن على قال: كان للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) فرس يقال له المرتجز، و حمار يقال له عفير، و بغلة يقال لها دلدل، و سيفه ذو الفقار، و درعه ذو الفضول. و رواه البيهقي من حديث الحكم عن يحيى بن الجزار عن على نحوه، قال البيهقي: و روينا في كتاب السنن أسماء أفراسه التي كانت عند الساعديين، لزاز و اللحيف و قيل اللخيف و الظرب، و الّذي ركبه لأبى طلحة يقال له المندوب، و ناقته القصواء و العضباء و الجدعاء،

9

و بغلته الشهباء، و البيضاء. قال البيهقي: و ليس في شي‏ء من الروايات أنه مات عنهن إلا ما روينا في بغلته البيضاء، و سلاحه و أرض جعلها صدقة، و من ثيابه، و بغلته، و خاتمه ما روينا في هذا الباب.

و قال أبو داود الطيالسي ثنا زمعة بن صالح عن أبى حازم عن سهل بن سعد قال: توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و له جبة صوف في الحياكة، و هذا إسناد جيد، و قد روى الحافظ أبو يعلى في مسندة: حدثنا مجاهد، عن موسى، ثنا على بن ثابت، ثنا غالب الجزري عن أنس قال: لقد قبض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و إنه لينسج له كساء من صوف، و هذا شاهد لما تقدم و قال أبو سعيد بن الأعرابي: حدثنا سعدان بن نصير، ثنا سفيان بن عيينة، عن الوليد بن كثير، عن حسين، عن فاطمة بنت الحسين أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قبض و له بردان في الجف يعملان، و هذا مرسل. و قال أبو القاسم الطبراني: ثنا الحسن بن إسحاق التستري، ثنا أبو أمية عمرو بن هشام الحراني، ثنا عثمان بن عبد الرحمن بن على ابن عروة، عن عبد الملك بن أبى سليمان، عن عطاء و عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سيف قائمته من فضة و قبيعته، و كان يسميه ذا الفقار، و كان له قوس تسمى السداد و كانت له كنانة تسمى الجمع و كانت له درع موشحة بالنحاس تسمى ذات الفضول، و كانت له حربة تسمى السغاء، و كان له مجن يسمى الذقن، و كان له ترس أبيض يسمى الموجز، و كان له فرس أدهم يسمى السكب و كان له سرج يسمى الداج، و كان له بغلة شهباء يقال لها دلدل، و كانت له ناقة تسمى القصواء، و كان له حمار يقال له: يعفور، و كان له بساط يسمى الكر، و كان له نمرة تسمى النمر، و كانت له ركوة تسمى الصادر، و كانت له مرآة تسمى المرآة، و كان له مقراض يسمى الجاح، و كان له قضيب شوحط يسمى المشوق، قلت: قد تقدم عن غير واحد من الصحابة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يترك دينارا، و لا درهما، و لا عبدا، و لا أمة سوى بغلة و أرض [ (1)] جعلها صدقة، و هذا يقتضي أنه (عليه السلام) نجز العتق في جميع ما ذكرناه من العبيد، و الإماء، و الصدقة في جميع ما ذكر من السلاح، و الحيوانات، و الأثاث، و المتاع مما أوردناه و ما لم نورده، و أما بغلته فهي الشهباء، و هي البيضاء أيضا و اللَّه أعلم، و هي التي أهداها له المقوقس، صاحب الاسكندرية و اسمه، جريج بن ميناء فيما أهدى من التحف، و هي التي كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) راكبها يوم حنين و هو في نحور العدو ينوه باسمه الكريم شجاعة و توكلا على اللَّه عز و جل، فقد قيل إنها عمرت بعده حتى كانت عند على بن أبى طالب في أيام خلافته و تأخرت أيامها حتى كانت بعد على عند عبد اللَّه بن جعفر فكان يجش لها الشعير حتى تأكله من ضعفها بعد ذلك، و أما حماره يعفور، و يصغر فيقال له عفير، فقد كان (عليه السلام) يركبه في بعض الأحايين، و قد روى أحمد من حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبى‏

____________

[ (1)] نسخة و أرضا.

10

حبيب، عن يزيد بن عبد اللَّه العوفيّ، عن عبد اللَّه بن رزين، عن على قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يركب حمارا يقال له عفير، و رواه أبو يعلى من حديث عون بن عبد اللَّه عن ابن مسعود، و قد ورد في أحاديث عدة أنه (عليه السلام) ركب الحمار، و في الصحيحين أنه (عليه السلام) مر و هو راكب حمارا بمجلس فيه عبد اللَّه بن أبى بن سلول و أخلاط من المسلمين و المشركين عبدة الأوثان و اليهود، فنزل و دعاهم الى اللَّه عز و جل، و ذلك قبل وقعة بدر، و كان قد عزم على عيادة سعد بن عبادة، فقال له عبد اللَّه: لا أحسن مما تقول أيها المرء فان كان حقا فلا تغشنا به في مجالسنا، و ذلك قبل أن يظهر الإسلام، و يقال إنه خمر أنفه لما غشيتهم عجاجة الدابة و قال: لا تؤذنا بنتن حمارك، فقال له عبد اللَّه ابن رواحة: و اللَّه لريح حمار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أطيب من ريحك. و قال عبد اللَّه: بل يا رسول اللَّه اغشنا به في مجالسنا فانا نحب ذلك، فتثاور الحيان و هموا أن يقتتلوا فسكنهم رسول اللَّه، ثم ذهب الى سعد بن عبادة فشكى اليه عبد اللَّه بن أبى. فقال: ارفق به يا رسول اللَّه، فو الّذي أكرمك بالحق لقد بعثك اللَّه بالحق، و انا لننظم له الخدر لنملكه علينا، فلما جاء اللَّه بالحق شرق بريقه، و قد قدمنا أنه ركب الحمار في بعض أيام خيبر، و جاء أنه أردف معاذا على حمار، و لو أوردناها بألفاظها و أسانيدها لطال الفصل و اللَّه أعلم، فأما ما ذكره القاضي عياض بن موسى السبتي في كتابه الشفا، و ذكره قبل إمام الحرمين في كتابه الكبير في أصول الدين و غيرهما أنه كان لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حمار يسمى زياد بن شهاب و أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يبعثه ليطلب له بعض أصحابه فيجي‏ء إلى باب أحدهم فيقعقعه فيعلم أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يطلبه، و أنه ذكر للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه سلالة سبعين حمارا كل منها ركبه نبي، و أنه لما توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذهب فتردى في بئر فمات، فهو حديث لا يعرف له إسناد بالكلية، و قد أنكره غير واحد من الحفاظ منهم عبد الرحمن بن أبى حاتم و أبوه رحمهما اللَّه، و قد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي (رحمه اللَّه) ينكره غير مرة إنكارا شديدا،

و قال الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى العنبري، ثنا أحمد بن محمد بن يوسف، ثنا إبراهيم ابن سويد الجذوعى، حدثني عبد اللَّه بن أذين الطائي، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل قال:

أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو بخيبر حمار أسود فوقف بين يديه، فقال: من أنت؟ قال: أنا عمرو بن فلان كنا سبعة إخوة كلنا ركبنا الأنبياء و أنا أصغرهم، و كنت لك فملكنى رجل من اليهود، فكنت إذا ذكرتك كبوت به فيوجعنى ضربا. فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): فأنت يعفور،

هذا حديث غريب جدا.

11

فصل‏

و هذا أوان إيراد ما بقي علينا من متعلقات السيرة الشريفة، و ذلك أربعة كتب: الأول في الشمائل. الثاني في الدلائل. الثالث في الفضائل. الرابع في الخصائص، و باللَّه المستعان، و عليه التكلان، و لا حول و لا قوة إلا باللَّه العزيز الحكيم.

كتاب الشمائل‏

شمائل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و بيان خلقه الظاهر و خلقه الطاهر

قد صنف الناس في هذا قديما و حديثا، كتبا كثيرة مفردة و غير مفردة، و من أحسن من جمع في ذلك فأجاد و أفاد الامام (أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي) (رحمه اللَّه)، أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بالشمائل، و لنا به سماع متصل اليه، و نحن نورد عيون ما أورده فيه، و نزيد عليه أشياء مهمة لا يستغنى عنها المحدث و الفقيه، و لنذكر أولا بيان حسنه الباهر الجميل، ثم نشرع بعد ذلك في إيراد الجمل و التفاصيل، فنقول و اللَّه حسبنا و نعم الوكيل.

باب ما ورد في حسنة الباهر بعد ما تقدم من بيان حسبه الطاهر

قال البخاري: ثنا أحمد بن سعيد أبو عبد اللَّه، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبى إسحاق: قال سمعت البراء بن عازب يقول: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أحسن الناس وجها، و أحسنهم خلقا، ليس بالطويل البائن، و لا بالقصير. و هكذا رواه مسلم عن أبى كريب عن إسحاق بن منصور، و قال البخاري: حدثنا جعفر بن عمر، ثنا شعبة، عن أبى إسحاق، عن البراء ابن عازب. قال: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مربوعا بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه. قال يوسف بن أبى إسحاق: عن أبيه الى منكبيه. و قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء قال: ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، له شعر يضرب منكبيه بعيد ما بين المنكبين، ليس بالطويل و لا بالقصير، و قد رواه مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي من حديث وكيع به. و قال الامام أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، أنا أبو إسحاق، ح و حدثنا يحيى بن أبى بكير، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق قال: سمعت البراء يقول: ما رأيت أحدا من خلق اللَّه أحسن في حلة حمراء من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و إن جمته لتضرب الى منكبيه، قال ابن أبى بكير، لتضرب قريبا من‏

12

منكبيه. قال- يعنى ابن إسحاق- و قد سمعته يحدث به مرارا ما حدث به قط إلا ضحك. و قد رواه البخاري في اللباس، و الترمذي في الشمائل، و النسائي في الزينة من حديث إسرائيل به. و قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، ثنا زهير، عن أبى إسحاق قال: سئل البراء بن عازب أ كان وجه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مثل السيف؟ قال: لا بل مثل القمر، و رواه الترمذي من حديث زهير بن معاوية الجعفي الكوفي عن أبى إسحاق السبيعي و اسمه عمرو بن عبد اللَّه الكوفي عن البراء بن عازب به و قال: حسن صحيح. و قال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان ببغداد، أنا عبد اللَّه بن جعفر بن درستويه، ثنا أبو يوسف يعقوب بن سفيان، ثنا أبو نعيم و عبد اللَّه، عن إسرائيل، عن سماك أنه سمع جابر بن سمرة قال له رجل: أ كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وجهه مثل السيف؟

قال: لا، بل مثل الشمس و القمر مستديرا، و هكذا رواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن عبيد اللَّه بن موسى به، و قد رواه الامام أحمد مطولا فقال: ثنا عبد الرزاق، أنا إسرائيل، عن سماك أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد شمط مقدم رأسه و لحيته، فإذا ادهن و مشطهن لم يتبين، و إذا شعث رأسه تبين، و كان كثير الشعر و اللحية، فقال رجل: وجهه مثل السيف؟ قال:

لا، بل مثل الشمس و القمر مستديرا، قال: و رأيت خاتمه عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده.

و قال الحافظ البيهقي: أنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد بن بلال، ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، ثنا المحاربي، عن أشعث، عن أبى إسحاق، عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في ليلة أضحيان و عليه حلة حمراء فجعلت انظر إليه و إلى القمر فلهو عندي أحسن من القمر، هكذا رواه الترمذي و النسائي جميعا عن هناد بن السري عن عيثر بن القاسم عن أشعث بن سوار، قال النسائي:

و هو ضعيف، و قد أخطأ و الصواب أبو إسحاق عن البراء، و قال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث أشعث بن سوار، و سألت محمد بن إسماعيل- يعنى البخاري- قلت: حديث أبى إسحاق عن البراء أصح أم حديثه عن جابر؟ فرأى كلا الحديثين صحيحا، و ثبت في صحيح البخاري عن كعب بن مالك في حديث التوبة قال: و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا سر استنار وجها كأنه قطعة قمر، و قد تقدم الحديث بتمامه، و قال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد، ثنا يونس بن أبى يعفور العبديّ، عن أبى إسحاق الهمدانيّ، عن امرأة من همدان سماها. قالت: حججت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة بيده محجن عليه بردان أحمران يكاد يمن منكبه، إذا مر بالحجر استلمه بالمحجن ثم يرفعه إليه فيقبله، قال أبو إسحاق: فقلت لها: شبهته؟ قالت كالقمر ليلة البدر لم أر قبله و لا بعده مثله، و قال يعقوب بن سفيان: حدثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا عبد اللَّه بن موسى التيمي، ثنا أسامه بن زيد، عن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: قلت للربيع بنت‏

13

معوذ: صفى لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قالت: يا بنى لو رأيته رأيت الشمس طالعة، و رواه البيهقي من حديث يعقوب بن محمد الزهري عن عبد اللَّه بن موسى التيمي بسنده فقالت: لو رأيته لقلت الشمس طالعة، و ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: دخل على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مسرورا تبرق أسارير وجهه. الحديث‏

صفة لون رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

قال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن خالد هو ابن يزيد، عن سعيد- يعنى ابن هلال- عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، قال: سمعت أنس بن مالك يصف النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: كان ربعة من القوم ليس بالطويل و لا بالقصير، أزهر اللون ليس بأبيض أمهق و لا بآدم، ليس بجعد قطط و لا سبط رجل، أنزل عليه و هو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه و بالمدينة عشر سنين و ليس في رأسه و لحيته عشرون شعرة بيضاء، قال ربيعة: فرأيت شعرا من شعره فإذا هو أحمر، فسألت فقيل: احمر من الطيب، ثم قال البخاري: ثنا عبد اللَّه بن يوسف، أخبرنا مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أنه سمعه يقول: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليس بالطويل البائن و لا بالقصير، و ليس بالأبيض الأمهق و لا بالآدم، و ليس بالجعد القطط، و لا بالسبط، بعثه اللَّه على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، و بالمدينة عشر سنين، فتوفاه اللَّه و ليس في رأسه و لحيته عشرون شعرة بيضاء، و كذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك، و رواه أيضا عن قتيبة و يحيى بن أيوب و على بن حجر، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر، و عن القاسم بن زكريا، عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال ثلاثتهم عن ربيعة به، و رواه الترمذي و النسائي جميعا عن قتيبة عن مالك به، و قال الترمذي: حسن صحيح. قال الحافظ البيهقي: و رواه ثابت عن أنس فقال: كان أزهر اللون، قال: و رواه حميد كما أخبرنا، ثم ساق باسناده عن يعقوب بن سفيان، حدثني عمرو بن عون و سعيد بن منصور قالا: حدثنا خالد بن عبد اللَّه، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أسمر اللون، و هكذا روى هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزار عن على عن خالد بن عبد اللَّه عن حميد عن أنس، قال: و حدثناه محمد بن المثنى قال:

حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا حميد عن أنس قال: لم يكن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالطويل و لا بالقصير، و كان إذا مشى تكفأ و كان أسمر اللون، ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن حميد إلا خالد و عبد الوهاب، ثم قال البيهقي (رحمه اللَّه): و أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو جعفر البزار، ثنا يحيى ابن جعفر، ثنا على بن عاصم، ثنا حميد سمعت أنس بن مالك يقول فذكر الحديث في صفة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: كان أبيض بياضه الى السمرة، قلت: و هذا السياق أحسن من الّذي قبله، و هو يقتضي أن‏

14

السمرة التي كانت تعلو وجهه (عليه السلام) من كثرة أسفاره و بروزه للشمس و اللَّه أعلم، فقد قال يعقوب ابن سفيان الفسوي أيضا: حدثني عمرو بن عون و سعيد بن منصور قالا: ثنا خالد بن عبد اللَّه بن الجريريّ، عن أبى الطفيل قال: رأيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و لم يبق أحد رآه غيري، فقلنا له: صف لنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: كان أبيض مليح الوجه. و رواه مسلم عن سعيد بن منصور به. و رواه أيضا أبو داود من حديث سعيد بن إياس الجريريّ. عن أبى الطفيل عامر بن واثلة الليثي. قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أبيض مليحا، إذا مشى كأنما ينحط في صبوب، لفظ أبى داود، و قال الامام أحمد:

حدثنا زيد بن هارون الجريريّ، قال: كنت أطوف مع أبى الطفيل فقال: ما بقي أحد رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) غيري. قلت: و رأيته؟ قال: نعم، قال: قلت: كيف كانت صفته؟ قال: كان أبيض مليحا مقصدا، و قد رواه الترمذي عن سفيان بن وكيع و محمد بن بشار كلاهما عن يزيد بن هارون به و قال البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنا عبد اللَّه بن جعفر أو أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد ابن سلمة، ثنا واصل بن عبد الأعلى الأسدي، ثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن أبى جحيفة قال: رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أبيض قد شاب، و كان الحسن بن على يشبهه، ثم قال:

رواه مسلم عن واصل بن عبد الأعلى، و رواه البخاري عن عمرو بن على عن محمد بن فضيل، و أصل الحديث كما ذكر في الصحيحين، و لكن بلفظ آخر كما سيأتي، و قال محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، عن أبيه أن سراقة بن مالك قال: أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلما دنوت منه و هو على ناقته، جعلت انظر إلى ساقه كأنها جمارة، و في رواية يونس عن ابن إسحاق و اللَّه لكأنّي انظر الى ساقه في غرزه كأنها جمارة، قلت: يعنى من شدة بياضها كأنها جمارة طلع النخل، و قال الامام أحمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن مولى لهم- مزاحم بن أبى مزاحم- عن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، عن رجل من خزاعة يقال له: محرش أو مخرش، لم يكن سفيان يقف على اسمه، و ربما قال محرش و لم أسمعه أنا، ان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) خرج من الجعرانة ليلا فاعتمر ثم رجع فأصبح بها كبائت فنظرت الى ظهره كأنها سبيكة فضة، تفرد به أحمد، و هكذا رواه يعقوب بن سفيان عن الحميدي عن سفيان بن عيينة، و قال يعقوب بن سفيان: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء، حدثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد اللَّه بن سالم، عن الزبيدي، أخبرنى محمد بن مسلم، عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: كان شديد البياض، و هذا إسناد حسن، و لم يخرجوه، و قال الامام أحمد: ثنا حسن، ثنا عبد اللَّه بن لهيعة، ثنا أبو يونس سليم بن جبير مولى أبى هريرة أنه سمع أبا هريرة يقول: ما رأيت شيئا أحسن من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، كان كأن الشمس تجرى في جبهته، و ما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول اللَّه‏

15

(صلى اللَّه عليه و سلم)، كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا و إنه لغير مكترث، و رواه الترمذي عن قتيبة عن ابن لهيعة به و قال: كأن الشمس تجرى في وجهه، و قال: غريب، و رواه البيهقي من حديث عبد اللَّه بن المبارك عن رشدين بن سعد المصري، عن عمرو بن الحارث، عن أبى يونس، عن أبى هريرة، و قال: كأنما الشمس تجرى في وجهه، و كذلك رواه ابن عساكر من حديث حرملة عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبى يونس عن أبى هريرة فذكره و قال: كأنما الشمس تجرى في وجهه، و قال البيهقي: أنا على بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إبراهيم بن عبد اللَّه، ثنا حجاج، ثنا حماد، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن محمد بن على- يعنى ابن الحنفية- عن أبيه قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أزهر اللون،

و قال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن عثمان بن عبد اللَّه بن هرمز، عن نافع بن جبير، عن على بن أبى طالب قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مشربا وجهه حمرة،

و قال يعقوب بن سفيان: ثنا ابن الأصبهاني، ثنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن جبير، قال:

وصف لنا عليّ النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: كان أبيض مشرب الحمرة،

و قد رواه الترمذي بنحوه من حديث المسعودي عن عثمان بن مسلم عن هرمز

،

و قال: هذا حديث صحيح، قال البيهقي: و قد روى هكذا عن على من وجه آخر، قلت: رواه ابن جريج عن صالح بن سعيد عن نافع بن جبير، عن على، قال البيهقي: و يقال: إن المشرب فيه حمرة ما ضحا للشمس و الرياح، و ما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر.

صفة وجه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ذكر محاسنه من فرقه و جبينه و حاجبيه و عينيه و أنفه و فمه و ثناياه و ما جرى مجرى ذلك من محاسن طلعته و محياه‏

قد تقدم قول أبى الطفيل كان أبيض مليح الوجه، و قول أنس كان أزهر اللون، و قول البراء و قد قيل له: أ كان وجه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مثل السيف؟- يعنى في صقاله- فقال: لا، بل مثل القمر، و قول جابر بن سمرة و قد قيل له مثل ذلك، فقال: لا، بل مثل الشمس و القمر مستديرا، و قول الربيع بنت معوذ: لو رأيته لقلت الشمس طالعة، و في رواية لرأيت الشمس طالعة، و قال أبو إسحاق السبيعي عن امرأة من همدان حجت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فسألها عنه فقالت: كان كالقمر ليلة البدر لم أر قبله و لا بعده مثله، و قال أبو هريرة: كأن الشمس تجرى في وجهه، و في رواية في جبهته، و قال الامام أحمد: حدثنا عفان و حسن بن موسى قالا: ثنا حماد و هو ابن سلمة، عن عبد اللَّه ابن محمد بن عقيل، عن محمد بن على، عن أبيه قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ضخم الرأس عظيم العينين أهدب الأشفار مشرب العينين بحمرة كث اللحية أزهر اللون شثن الكفين و القدمين، إذا مشى كأنما يمشى في صعد، و إذا التفت التفت جميعا. تفرد به أحمد،

و قال أبو يعلى: حدثنا زكريا

16

و يحيى الواسطي، ثنا عباد بن العوام، ثنا الحجاج، عن سالم المكيّ، عن ابن الحنفية، عن على‏

أنه سئل عن صفة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: كان لا قصيرا و لا طويلا، حسن الشعر رجله مشربا وجهه حمرة، ضخم الكراديس، شثن الكعبين و القدمين، عظيم الرأس، طويل المسربة، لم أر قبله و لا بعده مثله، إذا مشى تكفأ كأنما ينزل من صبب.

و قال محمد بن سعد عن الواقدي: حدثني عبد اللَّه بن محمد ابن عمر بن على بن أبى طالب، عن أبيه، عن جده، عن على قال:

بعثني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى اليمن فانى لأخطب يوما على الناس و حبر من أحبار يهود واقف في يده سفر ينظر فيه، فلما رآني قال: صف لنا أبا القاسم، فقال على: رسول اللَّه ليس بالقصير و لا بالطويل البائن، و ليس بالجعد القطط و لا بالسبط، هو رجل الشعر أسوده، ضخم الرأس، مشربا لونه حمرة، عظيم الكراديس، شثن الكفين و القدمين، طويل المسربة، و هو الشعر الّذي يكون من النحر إلى السرة، أهدب الأشفار، مقرون الحاجبين، صلت الجبين، بعيد ما بين المنكبين إذا مشى تكفأ كأنما ينزل من صبب، لم أر قبله مثله، و لا بعده مثله، قال على: ثم سكت فقال لي الحبر: و ما ذا؟ قال على: هذا ما يحضرني، قال الحبر في عينيه حمرة، حسن اللحية، حسن الفم تام الأذنين، يقبل جميعا و يدبر جميعا، فقال على: و اللَّه هذه صفته، قال الحبر: [و ما ذا؟] قال على: و ما هو؟ قال الحبر و فيه جناء [ (1)]، قال على: هو الّذي قلت لك كأنما ينزل من صبب قال الحبر: فانى أجد هذه الصفة في سفر إياي [ (2)] و نجده يبعث في حرم اللَّه و أمنه و موضع بيته ثم يهاجر الى حرم يحرّمه هو و يكون له حرمة كحرمة الحرم الّذي حرم اللَّه، و نجد أنصاره الذين هاجر اليهم قوما من ولد عمر بن عامر أهل نخل و أهل الأرض قبلهم يهود، قال على: هو هو، و هو رسول اللَّه، قال الحبر: فانى أشهد أنه نبي و أنه رسول اللَّه الى الناس كافة فعلى ذلك أحيا و عليه أموت و عليه أبعث إن شاء اللَّه.

قال: فكان يأتى عليا فيعلمه القرآن و يخبره بشرائع الإسلام، ثم خرج على و الحبر من هنالك حتى مات في خلافة أبى بكر و هو مؤمن برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مصدق به، و هذه الصفة قد وردت عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب من طرق متعددة سيأتي ذكرها،

و قال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا خالد بن عبد اللَّه، عن عبيد اللَّه بن محمد ابن عمر بن على بن أبى طالب، عن أبيه، عن جده قال:

سئل أو قيل لعلى انعت لنا رسول اللَّه، فقال: كان ابيض مشربا بياضه حمرة و كان أسود الحدقة أهدب الأشفار،

قال يعقوب: و حدثنا عبد اللَّه ابن سلمة و سعيد بن منصور قالا: ثنا عيسى بن يونس، ثنا عمر بن عبد اللَّه مولى عفرة، عن إبراهيم ابن محمد عن ولد على قال:

كان على إذا نعت رسول اللَّه قال: كان في الوجه تدوير أبيض أدعج العينين أهدب الأشفار،

قال الجوهري: الدعج شدة سواد العينين مع سعتها، و قال أبو داود الطيالسي: ثنا

____________

[ (1)] كذا

[ (2)] كذا بالأصول التي بأيدينا. و لعله (آبائي)

17

شعبة، أخبرنى سماك، سمعت جابر بن سمرة يقول: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أشهل العينين منهوس العقب ضليع الفم. هكذا وقع في رواية أبى داود عن شعبة أشهل العينين، قال أبو عبيد و الشهلة حمرة في سواد العين، و الشكلة حمرة في بياض العين، قلت: و قد روى هذا الحديث مسلم في صحيحه عن أبى موسى و بندار كلاهما عن أحمد بن منيع عن أبى قطن عن شعبة به. و قال أشكل العينين، و قال: حسن صحيح، و وقع في صحيح مسلم تفسير الشكلة بطول أشفار العينين، و هو من بعض الرواة، و قول أبى عبيد: حمرة في بياض العين أشهر و أصح و ذلك يدل على القوة و الشجاعة و اللَّه تعالى أعلم، و قال يعقوب بن سفيان: ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني عمرو بن الحرث حدثني عبد اللَّه بن سالم عن الزبيدي حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصف رسول اللَّه فقال: كان مفاض الجبين أهدب الأشفار، و قال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو غسان ثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجليّ حدثني رجل بمكة عن ابن لأبى هالة التميمي عن الحسن بن على عن خاله قال: كان رسول اللَّه واسع الجبين أزج الحواجب سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم سهل الخدين ضليع الفم أشنب مفلج الأسنان. و قال يعقوب، ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا عبد العزيز بن أبى ثابت الزهري، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه أفلج الثنيتين و كان إذا تكلم رئي كالنور بين ثناياه.

و رواه الترمذي عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن المنذر به. و قال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا عباد بن حجاج عن سماك عن جابر عن سمرة قال: كنت إذا نظرت إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قلت: أكحل العينين و ليس بأكحل، و كان في ساقى رسول اللَّه حموشة و كان لا يضحك إلا تبسما،

و قال الامام أحمد: ثنا وكيع، حدثني مجمع بن يحيى عن عبد اللَّه بن عمران الأنصاري عن على و المسعودي عن عثمان بن عبد اللَّه عن هرمز عن نافع بن جبير عن على قال:

كان رسول اللَّه ليس بالقصير و لا بالطويل ضخم الرأس و اللحية شثن الكفين و القدمين و الكراديس مشربا وجهه حمرة طويل المسربة إذا مشى تكفأ كأنما يقلع من صخر لم أر قبله و لا بعده مثله.

قال ابن عساكر:

و قد رواه عبد اللَّه بن داود الخريبى عن مجمع فأدخل بين ابن عمران و بين على رجلا غير مسمى ثم أسند من طريق عمرو بن على الفلاس عن عبد اللَّه بن داود ثنا مجمع بن يحيى الأنصاري عن عبد اللَّه ابن عمران عن رجل من الأنصار قال: سألت على بن أبى طالب و هو محتب بحمالة سيفه في مسجد الكوفة عن نعت رسول اللَّه فقال كان أبيض اللون مشربا حمرة أدعج العينين سبط الشعر دقيق المسربة سهل الخد كث اللحية ذا وفرة كأن عنقه إبريق فضة له شعر من لبته إلى سرته كالقضيب ليس في بطنه و لا صدره شعر غيره شثن الكفين و القدم إذا مشى كأنما ينحدر من صبب و إذا مشى‏

18

كأنما يتقلع من صخر و إذا التفت التفت جميعا ليس بالطويل و لا بالقصير و لا العاجز و لا اللأم [ (1)] كأن عرقه في وجهه اللؤلؤ و لريح عرقه أطيب من المسك الأذفر لم أر قبله و لا بعده مثله* و قال يعقوب بن سفيان، ثنا سعيد بن منصور: ثنا نوح بن قيس الحراني، ثنا خالد بن خالد الميمى عن يوسف بن مازن المازني أن رجلا قال لعلى: يا أمير المؤمنين انعت لنا رسول اللَّه، قال: كان أبيض مشربا حمرة ضخم الهامة أغر أبلج أهدب الأشفار* و قال الامام أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا شريك، عن ابن عمير قال شريك: قلت له عمن يا أبا عمير (عمن حدثه) قال: عن نافع بن جبير عن أبيه عن على قال: كان رسول اللَّه ضخم الهامة مشربا حمرة شثن الكفين و القدمين ضخم اللحية طويل المسربة ضخم الكراديس يمشى في صبب يتكفأ في المشية لا قصير و لا طويل لم أر قبله مثله و لا بعده، و قد روى لهذا شواهد كثيرة عن على، و روى عن عمر نحوه* و قال الواقدي: ثنا بكير بن مسمار عن زياد بن سعد قال:

سألت سعد بن أبى وقاص هل خضب رسول اللَّه؟ قال: لا و لا هم به، كان شيبة في عنفقته و ناصيته لو أشاء أن أعدها لعددتها* قلت: فما صفته؟ قال كان رجلا ليس بالطويل و لا بالقصير، و لا بالأبيض الأمهق، و لا بالآدم و لا بالسبط و لا بالقطط، و كانت لحيته حسنة و جبينه صلتا، مشربا بحمرة، شثن الأصابع، شديد سواد الرأس و اللحية* و قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: ثنا أبو محمد عبد اللَّه ابن جعفر بن أحمد بن فارس، ثنا يحيى بن حاتم العسكري، ثنا بسر بن مهران، ثنا شريك عن عثمان ابن المغيرة عن زيد بن وهب عن عبد اللَّه بن مسعود قال: إن أول شي‏ء علمته من رسول اللَّه قدمت مكة في عمومة لي فأرشدونا إلى العباس بن عبد المطلب فانتهينا إليه، و هو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبيض تعلوه حمرة له وفرة جعدة إلى أنصاف أذنيه أقنى الأنف براق الثنايا أدعج العينين كث اللحية دقيق المسربة شثن الكفين و القدمين عليه ثوبان أبيضان كأنه القمر ليلة البدر. و ذكر تمام الحديث و طوافه (عليه السلام) بالبيت و صلاته عنده هو و خديجة و على بن أبى طالب، و أنهم سألوا العباس عنه فقال: هذا هو ابن أخى محمد بن عبد اللَّه و هو يزعم أن اللَّه أرسله إلى الناس*

و قال الامام أحمد: ثنا جعفر، ثنا عوف بن أبى جميلة، عن يزيد الفارسي قال:

رأيت رسول اللَّه في النوم في زمن ابن عباس قال: و كان يزيد يكتب المصاحف، قال:

فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول اللَّه في النوم، قال ابن عباس: فأن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يقول:

«إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بى، فمن رآني فقد رآني»

هل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الّذي رأيت؟ قال: قلت: نعم، رأيت رجلا بين الرجلين جسمه و لحمه أسمر إلى البياض، حسن‏

____________

[ (1)] اللأم الشديد من كل شي‏ء. كما في مستدرك تاج العروس ناسبا لابن سيده. فيكون المعنى:

ليس بالعاجز و لا الشديد. انتهى عن فضيلة الشيخ حبيب اللَّه الشنقيطى.

19

الضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه، حتى كادت تملأ نحره* قال عوف: لا أدرى ما كان مع هذا من النعت، قال: فقال ابن عباس: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا* و قال محمد بن يحيى الذهلي: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن الزهري قال: سئل أبو هريرة عن صفة رسول اللَّه فقال: أحسن الصفة و أجملها كان ربعة إلى الطول ما هو بعيد ما بين المنكبين أسيل الخدين، شديد سواد الشعر، أكحل العين، أهدب الأشفار، إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها، ليس لها أخمص إذا وضع رداءه على منكبيه فكأنه سبيكة فضة، و إذا ضحك كاد يتلألأ في الجدر، لم أر قبله و لا بعده مثله* و قد رواه محمد بن يحيى من وجه آخر متصل فقال: ثنا إسحاق ابن إبراهيم- يعنى الزبيدي- حدثني عمرو بن الحارث، عن عبد اللَّه بن سالم، عن الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة فذكر نحو ما تقدم* و رواه الذهلي عن إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن صالح عن أبى الأخضر عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: كان رسول اللَّه كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر، مفاض البطن، عظيم مشاش المنكبين، يطأ بقدمه جميعا، إذا أقبل أقبل جميعا، و إذا أدبر أدبر جميعا* و رواه الواقدي: حدثني عبد الملك عن سعيد بن عبيد بن السباق عن أبى هريرة قال: كان رسول اللَّه شثن القدمين و الكفين ضخم الساقين عظيم الساعدين ضخم العضدين و المنكبين بعيد ما بينهما، رحب الصدر، رجل الرأس، أهدب العينين، حسن الفم، حسن اللحية، تام الأذنين، ربعة من القوم، لا طويل و لا قصير، أحسن الناس لونا، يقبل معا و يدبر معا، لم أر مثله و لم أسمع بمثله* و قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا أبو الحسن المحمودي المروزي، ثنا أبو عبد اللَّه محمد بن على الحافظ، ثنا محمد بن المثنى، ثنا عثمان بن عمر، ثنا حرب بن سريج، صاحب الحلواني، حدثني رجل؟ بلعدرنه؟ [ (1)] حدثني جدي قال انطلقت إلى المدينة أذكر الحديث في رؤية رسول اللَّه قال: فإذا رجل حسن الجسم عظيم الجمة دقيق الأنف دقيق الحاجبين و إذا من لدن نحره إلى سرته كالخيط الممدود شعره و رأسه من طمرين فدنا منى و قال: السلام عليك.

ذكر شعره (عليه السلام)

قد ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشي‏ء و كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم و كان المشركون يفرقون رءوسهم فسدل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم فرق بعد، و قال الامام أحمد: ثنا حماد ابن خالد، ثنا مالك، ثنا زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سدل ناصيته‏

____________

[ (1)] كذا

20

ما شاء أن يسدل ثم فرق بعد، تفرد به من هذا الوجه، و قال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت: أنا فرقت لرسول اللَّه رأسه صدعت فرقه عن يافوخه و أرسلت ناصيته بين عينيه* قال ابن إسحاق: و قد قال محمد بن جعفر بن الزبير و كان فقيها مسلما: ما هي إلا سيما من سيما النصارى تمسكت بها النصارى من الناس* و ثبت في الصحيحين عن البراء أن رسول اللَّه كان يضرب شعره الى منكبيه، و جاء في الصحيح عنه و عن غيره الى أنصاف أذنيه، و لا منافاة بين الحالين، فان الشعر تارة يطول و تارة يقصر منه فكل حكى بحسب ما رأى، و قال أبو داود: ثنا ابن نفيل ثنا ابن الرواد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان شعر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فوق الوفرة و دون الجمة* و قد ثبت أنه (عليه السلام) حلق جميع رأسه في حجة الوداع و قد مات بعد ذلك بأحد و ثمانين يوما (صلوات اللَّه و سلامه عليه) دائما إلى يوم الدين* و قال يعقوب بن سفيان: ثنا عبد اللَّه بن مسلم و يحيى بن عبد الحميد قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال قالت أم هانئ: قدم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مكة قدمة و له أربع غدائر- تعنى ضفائر- و روى الترمذي من حديث سفيان بن عيينة* و ثبت في الصحيحين من حديث ربيعة عن أنس قال بعد ذكره شعر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إنه ليس بالسبط و لا بالقطط قال: و توفاه اللَّه و ليس في رأسه و لحيته عشرون شعرة بيضاء.

و في صحيح البخاري من حديث أيوب عن ابن سيرين أنه قال: قلت لأنس أخضب رسول اللَّه؟

قال: إنه لم ير من الشيب الا قليلا* و كذا روى هو و مسلم من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس و قال حماد بن سلمة عن ثابت قيل لأنس: هل كان شاب رسول اللَّه؟ فقال: ما شانه اللَّه بالشيب ما كان في رأسه إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة شعرة* و عند مسلم من طريق المثنى بن سعيد عن قتادة عن أنس أن رسول اللَّه لم يختضب انما كان شمط عند العنفقة يسيرا، و في الصدغين يسيرا، و في الرأس يسيرا* و قال البخاري: ثنا أبو نعيم، ثنا همام عن قتادة قال: سألت أنسا هل خضب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ قال: لا إنما كان شي‏ء في صدغيه* و روى البخاري عن عصام بن خالد عن جرير بن عثمان قال: قلت لعبد اللَّه بن بسر السلمي رأيت رسول اللَّه أ كان شيخا؟ قال: كان في عنفقته شعرات بيض* و تقدم عن جابر بن سمرة مثله، و في الصحيحين من حديث أبى إسحاق عن أبى جحيفة قال:

رأيت رسول اللَّه هذه منه بيضاء- يعنى عنفقته- و قال يعقوب بن سفيان: ثنا عبد اللَّه بن عثمان، عن أبى حمزة السكرى، عن عثمان بن عبد اللَّه بن موهب القرشي قال: دخلنا على أم سلمة فأخرجت إلينا من شعر رسول اللَّه فإذا هو أحمر مصبوغ بالحناء و الكتم رواه البخاري عن إسماعيل بن موسى عن سلام بن أبى مطيع عن عثمان بن عبد اللَّه بن موهب عن أم سلمة به، و قال البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا يحيى بن بكير، ثنا إسرائيل‏

21

عن عثمان بن موهب قال: كان عند أم سلمة جلجل من فضة ضخم فيه من شعر رسول اللَّه فكان إذا أصاب إنسانا الحمى بعث اليها فحضحضته فيه ثم ينضحه الرجل على وجهه، قال: فبعثني أهلي اليها فأخرجته، فإذا هو هكذا- و أشار إسرائيل بثلاث أصابع- و كان فيه خمس شعرات حمر* رواه البخاري عن مالك بن إسماعيل عن إسرائيل* و قال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم ثنا عبيد اللَّه ابن إياد، حدثني إياد عن أبى رمثة قال: انطلقت مع أبى نحو رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلما رأيته قال: هل تدري من هذا؟ قلت لا قال: إن هذا رسول اللَّه، فاقشعررت حين قال ذلك، و كنت أظن أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) شي‏ء لا يشبه الناس، فإذا هو بشر ذو وفرة بها ردع من حناء، و عليه بردان أخضران* و رواه أبو داود و الترمذي و النسائي من حديث عبيد اللَّه بن إياد بن لقيط عن أبيه عن أبى رمثة و اسمه حبيب بن حيان، و يقال رفاعة بن يثربى، و قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث إياد كذا قال* و قد رواه النسائي أيضا من حديث سفيان الثوري و عبد الملك بن عمير كلاهما عن إياد بن لقيط به ببعضه، و رواه يعقوب بن سفيان أيضا عن محمد بن عبد اللَّه المخرمي عن أبى سفيان الحميري عن الضحاك بن حمزة بن غيلان بن جامع عن إياد بن لقيط بن أبى رمثة قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخضب بالحناء و الكتم، و كان شعره يبلغ كتفيه أو منكبيه* و قال أبو داود: ثنا عبد الرحيم بن مطرف بن سفيان، ثنا عمرو بن محمد، أنا ابن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يلبس النعال السبتية و يصفر لحيته بالورس و الزعفران، و كان ابن عمر يفعل ذلك* و رواه النسائي عن عبدة بن عبد الرحيم المروزي عن عمرو بن محمد المنقري به* و قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ: ثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا الحسن بن محمد بن زياد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا يحيى بن آدم، ح و أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد اللَّه بن جعفر، أنا يعقوب بن سفيان، حدثني أبو جعفر محمد بن عمر بن الوليد الكندي الكوفي، ثنا يحيى ابن آدم، ثنا شريك عن عبيد اللَّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كان شيب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نحوا من عشرين شعرة، و في رواية إسحاق رأيت شيب رسول اللَّه نحوا من عشرين شعرة بيضاء في مقدمه* قال البيهقي: و حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أحمد بن سلمان الفقيه، ثنا هلال بن العلاء الرقى، ثنا حسين بن عباس الرقى، ثنا جعفر بن برقان، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن عقيل قال: قدم أنس ابن مالك المدينة و عمر بن عبد العزيز وال عليها، فبعث إليه عمر و قال للرسول: سله هل خضب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فانى رأيت شعرا من شعره قد لون، فقال أنس: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد منع بالسواد و لو عددت ما أقبل على من شيبة في رأسه و لحيته ما كنت أزيد على إحدى عشرة شيبة و إنما هو الّذي لون من الطيب الّذي كان يطيب به شعر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هو الّذي غير لونه. قلت: و نفى‏

22

أنس للخضاب معارض بما تقدم عن غيره من إثباته، و القاعدة المقررة أن الإثبات مقدم على النفي لأن المثبت معه زيادة علم ليست عند النافي* و هكذا إثبات غيره لزيادة ما ذكر من السبب مقدم لا سيما عن ابن عمر الّذي المظنون أنه تلقى ذلك عن أخته أم المؤمنين حفصة، فان اطلاعها أتم من اطلاع أنس لأنها ربما أنها فلت رأسه الكريم (عليه الصلاة و السلام).

ذكر ما ورد في منكبيه و ساعديه و إبطيه و قدميه و كعبيه (صلى اللَّه عليه و سلم)

قد تقدم ما أخرج البخاري و مسلم من حديث شعبة عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مربوعا بعيدا ما بين المنكبين، و روى البخاري عن أبى النعمان عن جرير عن قتادة عن أنس قال: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ضخم الرأس و القدمين سبط الكفين، و تقدم من غير وجه أنه (عليه السلام) كان شثن الكفين و القدمين، و في رواية، ضخم الكفين و القدمين، و قال يعقوب ابن سفيان: ثنا آدم و عاصم بن على قالا: ثنا ابن أبى ذئب، ثنا صالح مولى التوأمة قال: كان أبو هريرة ينعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: كان شبح الذراعين بعيد ما بين المنكبين، أهدب أشفار العينين* و في حديث نافع بن جبير عن على قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) شثن الكفين و القدمين ضخم الكراديس طويل المسربة، و تقدم في حديث حجاج عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كان في ساقى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حموشة أي لم يكونا ضخمين، و قال سراقة بن مالك بن جعشم: فنظرت إلى ساقيه، و في رواية قدميه في الغرز- يعنى الركاب- كأنهما جمارة أي جمارة النخل من بياضهما* و في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة كان ضليع الفم، و فسره بأنه عظيم الفم، أشكل العينين، و فسره بأنه طويل شق العينين منهوس العقب، و فسره بانه قليل لحم العقب، و هذا أنسب و أحسن في حق الرجال* و قال الحارث بن أبى أسامة: ثنا عبد اللَّه بن بكر، ثنا حميد، عن أنس قال: أخذت أم سليم بيدي مقدم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) المدينة فقالت: يا رسول اللَّه هذا أنس غلام كاتب يخدمك، قال: فخدمته تسع سنين فما قال لشي‏ء صنعت: أسأت، و لا بئس ما صنعت، و لا مسست شيئا قط خزا و لا حريرا ألين من كف رسول اللَّه، و لا شممت رائحة قط مسكا و لا عنبرا أطيب من رائحة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و هكذا رواه معتمر بن سليمان و على بن عاصم و مروان بن معاوية الفزاري و إبراهيم بن طهمان، كلهم عن حميد، عن أنس في لين كفه (عليه السلام)، و طيب رائحته صلاة اللَّه و سلامه عليه* و في حديث الزبيدي عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة أن رسول اللَّه كان يطأ بقدمه كلها ليس لها أخمص، و قد جاء خلاف هذا كما سيأتي* و قال يزيد بن هارون: حدثني عبد اللَّه بن يزيد بن مقسم قال: حدثتني عمتي سارة بنت مقسم عن ميمونة بنت كردم قالت: رأيت رسول اللَّه بمكة و هو على ناقة و أنا مع أبى و بيد رسول اللَّه درة كدرة الكتاب فدنا منه أبى فأخذ بقدمه فأقر له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قالت: فما نسيت‏

23

طول إصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه* و رواه الامام أحمد عن يزيد بن هارون مطولا، و رواه أبو داود من حديث يزيد بن هارون ببعضه* و عن أحمد بن صالح عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن إبراهيم بن ميسرة عن خالته عنها، و رواه ابن ماجة من وجه آخر عنها و اللَّه أعلم* و قال البيهقي: أنا على بن أحمد بن عبد اللَّه بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا محمد بن إسحاق أبو بكر، ثنا سلمة بن حفص السعدي، ثنا يحيى بن اليمان، ثنا إسرائيل عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كانت إصبع لرسول اللَّه خنصره من رجله متظاهرة و هذا حديث غريب.

صفة قوامه (عليه السلام) و طيب رائحته‏

في صحيح البخاري من حديث ربيعة عن أنس قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ربعة من القوم ليس بالطويل و لا بالقصير* و قال أبو إسحاق عن البراء: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحسن الناس وجها و أحسنهم خلقا ليس بالطويل و لا بالقصير. أخرجاه في الصحيحين. و قال نافع بن جبير عن على: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليس بالطويل و لا بالقصير لم أر قبله و لا بعده مثله.

و قال سعيد بن منصور عن خالد بن عبد اللَّه ابن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب عن أبيه عن جده عن على قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليس بالطويل و لا بالقصير و هو إلى الطول أقرب، و كان عرقه كاللؤلؤ،

الحديث*

و قال سعيد عن روح بن قيس عن خالد بن خالد التميمي عن يوسف بن مازن الراسبي عن على قال:

كان رسول اللَّه ليس بالذاهب طولا و فوق الربعة إذا جامع القوم غمرهم و كان عرقه في وجهه كاللؤلؤ،

الحديث* و قال الزبيدي عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة قال: كان رسول اللَّه ربعة و هو إلى الطول أقرب، و كان يقبل جميعا و يدبر جميعا، لم أر قبله و لا بعده مثله* و ثبت في البخاري من حديث حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: ما مسست بيدي ديباجا و لا حريرا و لا شيئا ألين من كف رسول اللَّه، و لا شممت رائحة أطيب من ريح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و رواه مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس به، و رواه مسلم أيضا من حديث حماد بن سلمة و سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: كان رسول اللَّه أزهر اللون، كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، و ما مسست حريرا و لا ديباجا ألين من كف رسول اللَّه، و لا شممت مسكا و لا عنبرا أطيب من رائحة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و قال أحمد: ثنا ابن أبى عدي، ثنا حميد عن أنس قال: ما مسست شيئا قط خزا و لا حريرا ألين من كف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لا شممت رائحة أطيب من ريح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و الاسناد ثلاثي على شرط الصحيحين، و لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه* و قال يعقوب بن سفيان: أنا عمرو بن حماد بن طلحة الفناد، و أخرجه البيهقي من حديث أحمد بن حازم بن أبى عروة عنه، قال: ثنا أسباط بن نصر عن سماك عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله و خرجت‏

24

معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا* قال: و أما أنا فمسح خدي فوجدت ليده بردا و ريحا كأنما أخرجها من جونة عطار* و رواه مسلم عن عمرو بن حماد به نحوه* و قال الامام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة و حجاج، أخبرنى شعبة عن الحكم سمعت أبا جحيفة قال:

خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالهاجرة الى البطحاء فتوضأ و صلّى الظهر ركعتين و بين يديه عنزة، زاد فيه عون عن أبيه يمر من ورائها الخمار و المرأة، قال حجاج في الحديث: ثم قام الناس فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت يده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج و أطيب ريحا من المسك* و هكذا رواه البخاري عن الحسن بن منصور عن حجاج بن محمد الأعور عن شعبة فذكر مثله سواء. و أصل الحديث في الصحيحين أيضا* و قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنا هشام بن حسان و شعبة و شريك، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد، عن أبيه- يعنى يزيد بن الأسود- قال: صلّى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بمنى، فانحرف فرأى رجلين من وراء الناس، فدعا بهما فجيئا ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول اللَّه إنا كنا قد صلينا في الرحال، قال: فلا تفعلا إذا صلّى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الامام فليصلها معه فإنها له نافلة، قال: فقال أحدهما استغفر لي يا رسول اللَّه، فاستغفر له، قال: و نهض الناس إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و نهضت معهم، و أنا يومئذ أشب الرجال و أجلده، قال: فما زلت أزحم الناس حتى وصلت إلى رسول اللَّه فأخذت بيده فوضعتها إما على وجهي أو صدري، قال: فما وجدت شيئا أطيب و لا أبرد من يد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: و هو يومئذ في مسجد الخيف* ثم رواه أيضا عن أسود بن عامر و أبى النضر عن شعبة عن يعلى بن عطاء سمعت جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه أنه صلّى مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الصبح فذكر الحديث قال: ثم ثار الناس يأخذون بيده يمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فمسحت بها وجهي، فوجدتها أبرد من الثلج و أطيب ريحا من المسك* و قد رواه أبو داود من حديث شعبة و الترمذي و النسائي من حديث هشيم عن يعلى به، و قال الترمذي: حسن صحيح* و قال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم ثنا مسعر عن عبد الجبار بن وائل بن حجر قال: حدثني أهلي عن أبى قال: أتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بدلو من ماء فشرب منه ثم مج في الدلو ثم صب في البئر، أو شرب من الدلو ثم مج في البئر، ففاح منها ريح المسك، و هذا رواه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان عن أبى نعيم و هو الفضل بن دكين* و قال الامام أحمد: ثنا هاشم، ثنا سليمان عن ثابت عن أنس قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا صلّى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها فربما جاءوه في الغداة الباردة فيمس يده فيها* و رواه مسلم من حديث أبى النضر هاشم بن القاسم به*

و قال الامام أحمد: حدثنا حجين بن المثنى، ثنا عبد العزيز- يعنى ابن أبى سلمة

25

الماجشون- عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة، عن أنس قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها و ليست فيه قال فجاء ذات يوم فنام على فراشها فأتت فقيل لها:

هذا رسول اللَّه نائم في بيتك على فراشك، قال: فجاءت و قد عرق و استنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش ففتحت عبيرتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتصره في قواريرها ففزع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال ما تصنعين يا أم سليم؟ فقالت: يا رسول اللَّه نرجو بركته لصبياننا، قال: أصبت* و

رواه مسلم عن محمد بن رافع عن حجين به،

و قال أحمد: ثنا هاشم بن القاسم ثنا سليمان عن ثابت عن أنس قال:

دخل علينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال عندنا فعرق و جاءت أمى بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ رسول اللَّه فقال: يا أم سليم ما هذا الّذي تصنعين؟ قالت: عرقك نجعله في طيبنا و هو من أطيب الطيب*

و رواه مسلم عن زهير بن حرب عن أبى النضر هاشم بن القاسم به*

و قال أحمد:

ثنا إسحاق بن منصور- يعنى السلولي- ثنا عمارة،- يعنى ابن زاذان- عن ثابت عن أنس قال:

كان رسول اللَّه يقيل عند أم سليم، و كان من أكثر الناس عرقا فاتخذت له نطعا و كان يقيل عليه و حطت بين رجليه حطا و كانت تنشف العرق فتأخذه فقال: ما هذا يا أم سليم؟ قالت: عرقك يا رسول اللَّه أجعله في طيبي،

قال: فدعا لها بدعاء حسن، تفرد به أحمد من هذا الوجه* و قال أحمد: ثنا محمد بن عبد اللَّه، ثنا حميد عن أنس قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا نام ذا عرق، فتأخذ عرقه بقطنة في قارورة، فتجعله في مسكها، و هذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين و لم يخرجاه و لا أحد منهما،

و قال البيهقي: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الحافظ، حدثنا أبو عمرو المغربي، أنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر ابن أبى شيبة، و قال مسلم: ثنا أبو بكر بن شيبة، ثنا عفان، ثنا وهيب ثنا أيوب عن أبى قلابة عن أنس عن أم سليم‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يأتيها فيقيل عندها فتبسط له نطعا فيقيل عليه و كان كثير العرق فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب و القوارير فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا أم سليم ما هذا؟

فقالت: عرقك أدوف به طيبي،

لفظ مسلم*

و قال أبو يعلى الموصلى في مسندة: ثنا بسر، ثنا حليس ابن غالب، ثنا سفيان الثوري عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال:

جاء رجل إلى رسول اللَّه، فقال: يا رسول اللَّه إني زوجت ابنتي، و أنا أحب أن تعينني بشي‏ء، قال: ما عندي شي‏ء و لكن إذا كان غد فأتنى بقارورة واسعة الرأس و عود شجرة و آية بيني و بينك أن تدق ناحية الباب،

قال فأتاه بقارورة واسعة الرأس و عود شجرة. قال: فجعل يسلت العرق من ذراعيه حتى امتلأت القارورة، قال: فخذها، و مر ابنتك أن تغمس هذا العود في القارورة و تطيب به، قال فكانت إذا تطيبت به شم أهل المدينة رائحة الطيب فسموا بيوت المطيبين، هذا حديث غريب جدا* و قد قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن هشام، ثنا موسى بن عبد اللَّه، ثنا عمر بن سعيد عن سعيد

26

عن قتادة عن أنس قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا مر في طريق من طرق المدينة وجدوا منه رائحة الطيب، و قالوا: مر رسول اللَّه في هذا الطريق، ثم قال: و هذا الحديث رواه أيضا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أنس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يعرف بريح الطيب [ (1)]. كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) طيبا و ريحه طيب و كان مع ذلك يحب الطيب أيضا*

قال الامام أحمد: ثنا أبو عبيدة عن سلام أبى المنذر عن ثابت عن أنس أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

«حبب إلى النساء و الطيب و جعل قرة عيني في الصلاة»

ثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم، ثنا سلام أبو المنذر القاري عن ثابت عن أنس قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

إنما حبب إلى من الدنيا النساء و الطيب و جعل قرة عيني في الصلاة*

و هكذا رواه النسائي بهذا اللفظ عن الحسين بن عيسى القرشي عن عفان بن مسلم عن سلام بن سليمان أبى المنذر القاري البصري عن ثابت عن أنس فذكره* و قد روى من وجه آخر بلفظ:

«حبب إلى من دنياكم ثلاث: الطيب و النساء و جعل قرة عيني في الصلاة»

و ليس بمحفوظ بهذا فان الصلاة ليست من أمور الدنيا و إنما هي من أهم شئون الآخرة و اللَّه أعلم‏

صفة خاتم النبوة الّذي بين كتفيه (صلوات اللَّه و سلامه عليه)

قال البخاري: ثنا محمد بن عبيد اللَّه، ثنا حاتم عن الجعد قال: سمعت السائب بن يزيد يقول:

ذهبت بى خالتي إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: يا رسول اللَّه، إن ابن أختى وجع، فمسح رأسي و دعا لي بالبركة و توضأ فشربت من وضوئه ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم بين كتفيه مثل زر الحجلة، و هكذا رواه مسلم عن قتيبة و محمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به* ثم قال البخاري: الحجلة من حجلة الفرس الّذي بين عينيه، و قال إبراهيم بن حمزة: رز الحجلة قال أبو عبد اللَّه الرز الراء قبل الزاى [ (2)]* و قال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا عبيد اللَّه عن إسرائيل عن سماك أنه سمع جابر ابن سمرة يقول: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد شمط مقدم رأسه و لحيته، و كان إذا ادهن لم يتبين و إذا شعث رأسه تبين، و كان كثير شعر اللحية، فقال رجل: وجهه مثل السيف؟ قال: لا بل كان المثل الشمس و القمر و كان مستديرا، و رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده* حدثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن حزم، ثنا شعبة عن سماك سمعت جابر بن سمرة قال: رأيت خاتما في ظهر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كأنه بيضة حمام* و حدثنا ابن نمير، ثنا عبيد اللَّه بن موسى، ثنا حسن بن صالح عن سماك بهذا الاسناد مثله* و قال الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن عاصم بن سليمان عن عبد اللَّه بن سرجس‏

____________

[ (1)] بياض بالأصل.

[ (2)] في رواية زر الحجلة أراد بالحجلة البيت كالقبة يستر بالثياب و تكون له أزرار كبار. و في رواية رز الحجلة أراد بالحجلة القبجة ترزّ كالجرادة أي تكبس ذنبها في الأرض لتبيض.

27

قال: ترون هذا الشيخ- يعنى نفسه- كلمت نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أكلت معه و رأيت العلامة التي بين كتفيه و هي في طرف نغض كتفه اليسرى كأنه جمع (بمعنى الكف المجتمع، و قال بيده فقبضها) عليه خيلان كهيئة الثآليل* و قال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم و أسود بن عامر قالا: ثنا شريك عن عاصم عن عبد اللَّه بن سرجس قال: رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و سلمت عليه و أكلت معه و شربت من شرابه و رأيت خاتم النبوة، قال هاشم: في نغض كتفه اليسرى كأنه جمع فيه خيلان سود كأنها الثآليل. و رواه عن غندر عن شعبة عن عاصم عن عبد اللَّه بن سرجس فذكر الحديث و شك شعبة في أنه هل هو في نغض الكتف اليمنى أو اليسرى*

و قد رواه مسلم من حديث حماد بن زيد و على ابن مسهر و عبد الواحد بن زياد ثلاثتهم عن عاصم عن عبد اللَّه بن سرجس قال:

أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أكلت معه خبزا و لحما أو قال ثريدا، فقلت: يا رسول اللَّه غفر اللَّه لك، قال: و لك، فقلت:

أستغفر لك رسول اللَّه؟ قال نعم و لكم، ثم تلا هذه الآية «و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات»

قال ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند نغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل*

و قال أبو داود الطيالسي: ثنا قرة بن خالد، ثنا معاوية بن قرة، عن أبيه قال:

أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلت: يا رسول اللَّه أرنى الخاتم، فقال: أدخل يدك، فأدخلت يدي في جربّانه فجعلت ألمس انظر إلى الخاتم فإذا هو على نغض كتفه مثل البيضة فما منعه ذاك أن جعل يدعو لي و إن يدي لفي جربانه*

و رواه النسائي عن أحمد بن سعيد عن وهب بن جرير عن قرة بن خالد به*

و قال الإمام أحمد: ثنا وكيع، ثنا سفيان عن إياد بن لقيط السدوسي عن أبى رمثة التيمي قال:

خرجت مع أبى حتى أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فرأيت برأسه ردع حناء و رأيت على كتفه مثل التفاحة فقال أبى: إني طبيب أ فلا أطبها لك، قال: طبيبها الّذي خلقها، قال: و قال لأبى هذا ابنك؟

قال: نعم قال: أما إنه لا يجنى عليك و لا تجنى عليه*

و قال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا عبيد اللَّه بن زياد، حدثني أبى عن أبى ربيعة أو رمثة، قال‏

انطلقت مع أبى نحو النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فنظر إلى مثل السلعة بين كتفيه فقال: يا رسول اللَّه إني كأطبّ الرجال أ فأعالجها لك؟ قال: لا، طبيبها الّذي خلقها.

قال البيهقي: و قال الثوري عن إياد بن لقيط في هذا الحديث: فإذا خلف كتفيه مثل التفاحة، و قال عاصم بن بهدلة عن أبى رمثة: فإذا في نغض كتفه مثل بعرة البعير أو بيضة الحمامة*

ثم روى البيهقي من حديث سماك بن حرب عن سلامة العجليّ، عن سلمان الفارسي، قال:

أتيت رسول اللَّه فألقى رداءه و قال: يا سلمان انظر الى ما أمرت به، قال: فرأيت الخاتم بين كتفيه مثل بيضة الحمامة*

و روى يعقوب بن سفيان، عن الحميدي، عن يحيى بن سليم عن أبى خيثم عن سعيد ابن أبى راشد، عن التنوخي الّذي بعثه هرقل إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو بتبوك، فذكر الحديث كما

28

قدمناه في غزوة تبوك إلى أن قال:

فحل حبوته عن ظهره ثم قال: هاهنا امض لما أمرت به، قال: فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف مثل الحجمة الضخمة [ (1)]*

و قال يعقوب بن سفيان: ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا عبد اللَّه بن ميسرة، ثنا عتاب سمعت أبا سعيد يقول: الخاتم الّذي بين كتفي النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لحمة نابتة* و قال الامام أحمد: حدثنا شريح، ثنا أبو ليلى عبد اللَّه بن ميسرة الخراساني عن غياث البكري قال: كنا نجالس أبا سعيد الخدريّ بالمدينة فسألته عن خاتم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الّذي كان بين كتفيه، فقال بإصبعه السبّابة هكذا لحم ناشز بين كتفيه (صلى اللَّه عليه و سلم) تفرد به أحمد من هذا الوجه* و قد ذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية المصري في كتابه- التنوير في مولد البشير النذير- عن أبى عبد اللَّه محمد بن على بن الحسين بن بشر المعروف بالحكيم الترمذي أنه قال: كان الخاتم الّذي بين كتفي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها اللَّه وحده، و في ظاهرها توجه حيث شئت فإنك منصور* ثم قال: و هذا غريب و استنكره* قال: و قيل كان من نور، ذكره الإمام أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ في كتابه تنقل الأنوار، و حكى أقوالا غريبة غير ذلك* و من أحسن ما ذكره ابن دحية (رحمه اللَّه) و غيره من العلماء قبله في الحكمة في كون الخاتم كان بين كتفي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إشارة إلى أنه لا نبي بعدك يأتى من ورائك. قال: و قيل كان على نغض كتفه لأنه يقال: هو الموضع الّذي يدخل الشيطان منه إلى الإنسان، فكان هذا عصمة له (عليه السلام) من الشيطان* قلت: و قد ذكرنا الأحاديث الدالة على أنه لا نبي بعده (عليه السلام) و لا رسول، عند تفسير قوله تعالى: «ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً».

باب جامع لأحاديث متفرقة وردت في صفة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

قد تقدم في‏

رواية نافع بن جبير عن على بن أبى طالب، أنه قال:

لم أر قبله و لا بعده مثله،

و قال يعقوب بن سفيان: حدثنا عبد اللَّه بن مسلم القعنبي و سعيد بن منصور، ثنا عمر بن يونس، ثنا عمر بن عبد اللَّه مولى عفرة، حدثني إبراهيم بن محمد من ولد على، قال: كان على إذا نعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: لم يكن بالطويل الممغّط و لا القصير المتردّد، و كان ربعة من القوم، و لم يكن بالجعد

____________

[ (1)] تقدم في الجزء الخامس صفحة 16 برسم (الحمحمة) في النسختين الحلبية و المصرية، و برسم (العجمة) في التيمورية. و بمراجعة مسند الامام أحمد وجدناها كما هنا (الحجمة) الضخمة و هي في النسخة المصرية أيضا كذلك و في رواية عند الامام أيضا (مثل الحجم الضخم).

29

القطط، و لا بالسبط، كان جعدا رجلا و لم يكن بالمطهم و لا المكلثم، و كان في الوجه تدوير أبيض مشربا أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش و الكتد، أجرد ذو مسربة، شثن الكفين و القدمين إذا مشى تقلع كأنما يمشى في صبب و إذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، أجود الناس كفا و أرحب الناس صدرا، و أصدق الناس لهجة، و أو في الناس ذمة، و ألينهم عريكة، و ألزمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، و من خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم أر قبله و لا بعده مثله* و قد روى هذا الحديث الامام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب* ثم روى عن الكسائي و الأصمعي و أبى عمرو تفسير غريبه، و حاصل ما ذكره مما فيه غرابة: أن المطهم هو الممتلئ الجسم، و المكلثم شديد تدوير الوجه. يعنى لم يكن بالسمين الناهض، و لم يكن ضعيفا بل كان بين ذلك، و لم يكن وجهه في غاية التدوير بل فيه سهولة، و هي أحلى عند العرب و من يعرف، و كان أبيض مشربا حمرة و هي أحسن اللون، و لهذا لم يكن أمهق اللون، و الأدعج هو شديد سواد الحدقة، و جليل المشاش هو عظيم رءوس العظام مثل الركبتين و المرفقين و المنكبين، و الكتد الكاهل و ما يليه من الجسد و قوله: شثن الكفين أي: غليظهما، و تقلع في مشيته، أي شديد المشية، و تقدم الكلام على الشّكلة و الشُّهلة و الفرق بينهما، و الاهدب طويل أشفار العين، و جاء في حديث أنه كان شبح الذراعين، يعنى غليظهما و اللَّه تعالى أعلم.

حديث أم معبد في ذلك‏

قد تقدم الحديث بتمامه في الهجرة من مكة إلى المدينة حين ورد عليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و معه أبو بكر و مولاه عامر بن فهيرة و دليلهم عبد اللَّه بن أريقط الديليّ، فسألوها: هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئا، و قالت: لو كان عندنا شي‏ء ما أعوزكم القرى، و كانوا ممحلين‏

فنظر إلى شاة في كسر خيمتها فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت خلفها الجهد، فقال: أ تأذنين أن أحلبها؟ فقالت: إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا بالشاة فمسحها و ذكر اسم اللَّه،

فذكر الحديث في حلبة منها ما كفاهم أجمعين ثم حلبها و ترك عندها إناءها ملأى و كان يربض الرهط، فلما جاء بعلها استنكر اللبن و قال: من أين لك هذا يا أم معبد و لا حلوبة في البيت و الشاء عازب؟ فقالت: لا و اللَّه إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت و كيت، فقال: صفيه لي فو اللَّه إني لأراه صاحب قريش الّذي تطلب فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثجلة، و لم تزر به صعلة، قسيم وسيم، في عينيه دعج، و في أشفاره وطف، و في صوته صحل، أحور، أكحل، أزج، أقرن، في عنقه سطع، و في لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، و إذا تكلم سما و علاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر و لا هذر، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، أبهى الناس و أجمله من بعيد،

30

و أحلاه و أحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه عين من طول، و لا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، و أحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، و إن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود، لا عابس و لا مفند* فقال بعلها: هذا و اللَّه صاحب قريش الّذي تطلب، و لو صادفته لالتمست أن أصحبه، و لأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا* قال:

و أصبح صوت بمكة عال بين السماء و الأرض يسمعونه و لا يرون من يقوله و هو يقول:

جزى اللَّه ربّ الناس خير جزائه‏* * * رفيقين حلا خيمتي أم معبد

هما نزلا بالبر و ارتحلا به‏* * * فأفلح من أمسى رفيق محمد

فيال قصىّ ما زوى اللَّه عنكم‏* * * به من فعال لا تجازى و سؤدد

سلوا أختكم عن شاتها و إنائها* * * فانكمو إن تسألوا الشاة تشهد

دعاها بشاة حائل فتحلبت‏* * * له بصريح ضرّة الشاة مزبد

فغادره رهنا لديها لحالب‏* * * يدر لها في مصدر ثم مورد

و قد قدمنا جواب حسان بن ثابت لهذا الشعر المبارك بمثله في الحسن* و المقصود أن الحافظ البيهقي روى هذا الحديث من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي قال: ثنا الحسن بن الصباح عن أبى معبد الخزاعي فذكر الحديث بطوله كما قدمناه بألفاظه* و قد رواه الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي و الحافظ أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة، قال عبد الملك: فبلغني أن أبا معبد أسلم بعد ذلك، و أن أم معبد هاجرت و أسلمت، ثم إن الحافظ البيهقي أتبع هذا الحديث بذكر غريبه و قد ذكرناه في الحواشي فيما سبق و نحن نذكر هاهنا نكتا من ذلك، فقولها: ظاهر الوضاءة، أي ظاهر الجمال، أبلج الوجه، أي مشرق الوجه مضيئة لم تعبه ثجلة قال أبو عبيد هو كبر البطن و قال غيره كبر الرأس، ورد أبو عبيدة رواية من روى لم تعبه نحلة يعنى من النحول و هو الضعف. قلت: و هذا هو الّذي فسر به البيهقي الحديث و الصحيح قول أبى عبيدة، و لو قيل: إنه كبر الرأس لكان قويا، و ذلك لقولها بعده: و لم تزر به صعلة و هو صغر الرأس بلا خلاف و منه يقال لولد النعامة: صعل، لصغر رأسه، و يقال له: الظليم، و أما البيهقي فرواه لم تعبه نحلة يعنى من الضعف كما فسره، و لم تزر به صعلة و هو الحاصرة [ (1)]، يريد أنه ضرب من الرجال ليس بمشفح [ (1)] و لا ناحل، قال: و يروى لم تعبه ثجلة و هو كبر البطن و لم تزر به صعلة و هو صغر الرأس، و أما الوسيم فهو حسن الخلق و كذلك القسيم أيضا، و الدعج شدة سواد الحدقة، و الوطف طول أشفار العينين، و رواه القتيبي في أشفاره عطف و تبعه البيهقي في ذلك. قال: ابن قتيبة و لا أعرف‏

____________

[ (1)] كذا في النسختين الحلبية و المصرية: و في التيمورية قال: و هو الخاصرة و يريد أنه ضرب من الرجال ليس بمنتفخ و لا ناحل.

31

ما هذا لأنه وقع في روايته غلط فحار في تفسيره و الصواب ما ذكرناه و اللَّه أعلم* و في صوته صحل و هو بحة يسيرة و هي أحلى في الصوت من أن يكون حادا، قال أبو عبيد: و بالصحل يوصف الظباء، قال: و من روى في صوته صهل فقد غلط فان ذلك لا يكون إلا في الخيل و لا يكون في الإنسان، قلت:

و هو الّذي أورده البيهقي. قال و يروى صحل، و الصواب قول أبى عبيد و اللَّه أعلم، و أما قولها:

أحور فمستغرب في صفة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو قبل في العين يزينها لا يشينها كالحول، و قولها: أكحل، قد تقدم له شاهد، و قولها: أزج، قال أبو عبيد هو المتقوس الحاجبين، قال: و أما قولها: أقرن فهو التقاء الحاجبين بين العينين قال: و لا يعرف هذا في صفة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) الا في هذا الحديث قال: و المعروف في صفته (عليه السلام) أنه أبلج الحاجبين، في عنقه سطع قال أبو عبيد: أي طول، و قال غيره: نور قلت: و الجمع ممكن بل متعين، و قولها إذا صمت فعليه الوقار، أي الهيبة عليه في حال صمته و سكوته و إذا تكلم سما أي علا على الناس و علاه البهاء أي في حال كلامه حلو المنطق فصل أي فصيح بليغ يفصل الكلام و يبينه، لا نزر و لا هذر، أي لا قليل و لا كثير، كأن منطقه خرزات نظم، يعنى الّذي من حسنه و بلاغته و فصاحته و بيانه و حلاوة لسانه، أبهى الناس و أجمله من بعيد و أحلاه و أحسنه من قريب، أي هو مليح من بعيد و من قريب، و ذكرت أنه لا طويل و لا قصير بل هو أحسن من هذا و من هذا، و ذكرت أن أصحابه يعظمونه و يخدمونه و يبادرون إلى طاعته و ما ذلك إلا لجلالته عندهم و عظمته في نفوسهم و محبتهم له و أنه ليس بعابس أي ليس يعبس، و لا يفند أحدا أي يهجنه و يستقل عقله بل جميل المعاشرة حسن الصحبة صاحبه كريم عليه و هو حبيب إليه صلّى اللَّه عليه‏

حديث هند بن أبى هالة في ذلك‏

و هند هذا هو ربيب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أمه خديجة بنت خويلد و أبوه أبو هالة كما قدمنا بيانه. قال يعقوب بن سفيان الفسوي الحافظ (رحمه اللَّه):

حدثنا سعيد بن حماد الأنصاري المصري و أبو غسان مالك ابن إسماعيل الهندي قالا: ثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجليّ، قال: حدثني رجل بمكة عن ابن لأبى هالة التميمي عن الحسن بن على قال:

سألت خالي هند بن أبى هالة- و كان وصافا- عن حلية رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- و أنا أشتهى أن يصف لي منها شيئا أتعلق به- فقال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فحما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر أطول من المربوع و أقصر من المشذب عظيم الهامة رجل الشعر إذا تفرقت عقيصته فرق و الا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، ذا وفرة أزهر اللون واسع الجبين أزج الحواجب سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب أقنى العرنين له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم كث اللحية أدعج سهل الخدين ضليع الفم أشنب مفلج الأسنان دقيق المسربة كأن عنقه جيد دمية في صفاء- يعنى الفضة- معتدل الخلق بادن متماسك سواء البطن و الصدر عريض الصدر بعيد ما بين‏

32

المنكبين ضخم الكراديس أنور المتجرد موصول ما بين اللبة و السرة بشعر يجرى كالخط عاري الثديين و البطن مما سوى ذلك أشعر الذراعين و المنكبين و أعالى الصدر طويل الزندين رحب الراحة سبط الغضب شثن الكفين و القدمين سابل الاطراف خمصان الأخمصين مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا زال زال قلعا يخطو تكفيا و يمشى هونا ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب و إذا التفت التفت جميعا خافض الطرف نظره إلى الأرض أطول من نظره الى السماء جل نظره الملاحظة يسوق أصحابه يبدأ من لقيه بالسلام* قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة لا يتكلم في غير حاجة طويل السكوت يفتتح الكلام و يختمه بأشداقه يتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول و لا تقصير دمث ليس بالجافي و لا المهين يعظم النعمة و إن دقت لا يذم منها شيئا و لا يمدحه و لا يقوم لغضبه إذا تعرض للحق شي‏ء حتى ينتصر له، و في رواية:

لا تغضبه الدنيا و ما كان لها فإذا تعرض للحق لم يعرفه أحد و لم يقم لغضبه شي‏ء حتى ينتصر له لا يغضب لنفسه و لا ينتصر لها إذا أشار أشار بكفه كلها، و إذا تعجب قلبها و إذا تحدث يصل بها يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، و إذا غضب أعرض و أشاح، و إذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم و يفتر عن مثل حب الغمام* قال الحسن فكتمتها الحسن بن على زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني اليه فسأله عما سألته عنه و وجدته قد سأل أباه عن مدخله و مخرجه و مجلسه و شكله فلم يدع منه شيئا قال الحسن: سألت أبى عن دخول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك و كان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءا للَّه و جزءا لأهله، و جزءا لنفسه، ثم جزأ جزأه بين الناس فرد ذلك على العامة و الخاصة لا يدخر عنهم شيئا، و كان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بأدبه و قسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، و منهم ذو الحاجتين، و منهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم و يشغلهم فيما أصلحهم و الأمة من مسألته عنهم و أخبارهم بالذي ينبغي و يقول: ليبلغ الشاهد الغائب، و أبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من بلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت اللَّه قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده الا ذلك و لا يقبل من أحد غيره يدخلون عليه زوارا و لا يفترقون إلا عن ذواق و في رواية و لا يتفرقون الا عن ذوق، و يخرجون أدلة يعنى فقهاء. قال: و سألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، فقال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخزن لسانه الا بما يعنيهم و يؤلفهم و لا ينفرهم، و يكرم كريم كل قوم و يوليه عليهم، و يحذر الناس، و يحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره و لا خاتمه، يتفقد أصحابه و يسأل الناس عما في الناس، و يحسن الحسن و يقويه، و يقبح القبيح و يوهيه، معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا لكل حال عنده عتاد لا يقصر عن الحق و لا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم‏

33

نصيحة، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و مؤازرة. قال: فسألته عن مجلسه كيف كان فقال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لا يجلس و لا يقوم الا على ذكر، و لا يوطن الأماكن و ينهى عن إيطانها و إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس، و يأمر بذلك، يعطى كل جلسائه نصيبه لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، و من سأله حاجة لم يرده الا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطه و خلقه فصار لهم أبا و صاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حكم و حياء و صبر و أمانة، لا ترفع فيه الأصوات، و لا تؤمن فيه الحرم، و لا تنثى فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير و يرحمون الصغير يؤثرون ذا الحاجة، و يحفظون الغريب. قال: فسألته عن سيرته في جلسائه فقال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ و لا غليظ و لا سخاب و لا فحاش و لا عياب و لا مزاح يتغافل عما لا يشتهي و لا يؤيس منه [راجيه‏] [ (1)] و لا يخيب فيه قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، و الإكثار و ما لا يعنيه و ترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، و لا يعيره، و لا يطلب عورته و لا يتكلم الا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا و لا يتنازعون عنده، يضحك مما يضحكون منه، و يتعجب مما يتعجبون منه، و يصبر للغريب على الجفوة في منطقه و مسألته حتى ان كان أصحابه يستحلونه [ (2)] في المنطق و يقول: إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه، و لا يقبل الثناء الا من مكافئ و لا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام. قال فسألته كيف كان سكوته؟ قال: كان سكوته على أربع: الحلم و الحذر و التقدير و التفكر. فأما تقديره ففي تسويته النظر و الاستماع بين الناس و أما تذكره أو قال تفكره ففيما يبقى و يفنى، و جمع له (صلى اللَّه عليه و سلم) الحلم و الصبر فكان لا يغضبه شي‏ء و لا يستفزه، و جمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسنى، و القيام لهم فيما جمع لهم الدنيا و الآخرة (صلى اللَّه عليه و سلم)*

و قد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو عيسى الترمذي (رحمه اللَّه) في كتاب شمائل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن سفيان بن وكيع بن الجراح عن جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجليّ حدثني رجل من ولد أبى هالة زوج خديجة يكنى أبا عبد اللَّه سماه غيره يزيد بن عمر عن ابن لأبى هالة عن الحسن بن على قال: سألت خالي فذكره و فيه حديثه عن أخيه الحسين عن أبيه على بن أبى طالب*

و قد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل عن أبى عبد اللَّه الحاكم النيسابورىّ لفظا و قراءة عليه: أنا أبو محمد الحسن [ (3)] محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد اللَّه بن الحسين بن على بن أبى طالب القعنبي صاحب كتاب النسب ببغداد، حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب أبو محمد بالمدينة سنة ست و ستين و مائتين، حدثني على‏

____________

[ (1)] هذه الزيادة من الشمائل.

[ (2)] في التيمورية «يستحلونه».

[ (3)] كذا.

34

ابن جعفر بن محمد عن أخيه موسى بن جعفر عن جعفر بن محمد عن على بن الحسين بن على عن أبيه محمد بن على بن الحسين قال: قال الحسن سألت خالي هند بن أبى هالة فذكره قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي (رحمه اللَّه) في كتابه الأطراف بعد ذكره ما تقدم من هاتين الطريقين: و روى إسماعيل بن مسلم بن قعنب القعنبي عن إسحاق بن صالح المخزومي عن يعقوب التيمي عن عبد اللَّه ابن عباس أنه قال لهند بن أبى هالة- و كان وصافا لرسول اللَّه-: صف لنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فذكر بعض هذا الحديث، و قد روى الحافظ البيهقي من طريق صبيح بن عبد اللَّه الفرغاني و هو ضعيف عن عبد العزيز بن عبد الصمد عن جعفر بن محمد عن أبيه، و عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديثا مطولا في صفة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قريبا من حديث هند بن أبى هالة. و سرده البيهقي بتمامه و في أثنائه تفسير ما فيه من الغريب و فيما ذكرناه غنية عنه و اللَّه تعالى أعلم* و روى البخاري عن أبى عاصم الضحاك عن عمر بن سعيد بن أحمد بن حسين، عن ابن أبى مليكة عن عقبة بن الحارث قال: صلى أبو بكر العصر بعد موت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بليال فخرج هو و على يمشيان، فإذا الحسن بن على يلعب مع الغلمان، قال فاحتمله أبو بكر على كاهله و جعل يقول: يا باى، شبه النبي ليس شبيها بعلي و على يضحك منهما رضى اللَّه عنهما و قال البخاري: ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا إسماعيل عن أبى جحيفة قال: رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و كان الحسن بن على يشبهه*

و روى البيهقي عن أبى على الروذبارى عن عبد اللَّه بن جعفر بن شوذب الواسطي عن شعيب بن أيوب الصريفيني عن عبيد اللَّه بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن هانئ عن على رضى اللَّه عنه قال:

الحسن أشبه برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما بين الصدر إلى الرأس، و الحسين أشبه برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما كان أسفل من ذلك.

باب ذكر أخلاقه و شمائله الطاهرة (صلى اللَّه عليه و سلم)

قد قدمنا طيب أصله و محتده، و طهارة نسبه و مولده، و قد قال اللَّه تعالى: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ».

و قال البخاري: حدثنا قتيبة، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو عن سعيد المقبري عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

«بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا بعد قرن حتى كنت من القرن الّذي كنت فيه»*

و في صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

«إن اللَّه اصطفى قريشا من بنى إسماعيل، و اصطفى بنى هاشم من قريش، و اصطفاني من بنى هاشم»

و قال اللَّه تعالى: «ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ* ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ* وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ»* قال العوفيّ عن ابن عباس: في قوله تعالى- و إنك لعلى خلق عظيم-

35

يعنى- و إنك لعلى دين عظيم- و هو الإسلام* و هكذا قال مجاهد و ابن مالك و السدي و الضحاك و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، و قال عطية: لعلى أدب عظيم* و قد ثبت في صحيح مسلم من حديث قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة أم المؤمنين فقلت: أخبرينى عن خلق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقالت: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، فقالت: كان خلقه القرآن* و قد روى الامام أحمد عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن البصري قال: و سئلت عائشة عن خلق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: كان خلقه القرآن* و روى الامام أحمد عن عبد الرحمن ابن مهدي و النسائي من حديثه، و ابن جرير من حديث ابن وهب كلاهما عن معاوية بن صالح عن أبى الزاهرية عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة فسألتها عن خلق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: كان خلقه القرآن* و معنى هذا أنه (عليه السلام) مهما أمره به القرآن امتثله، و مهما نهاه عنه تركه. هذا ما جبله اللَّه عليه من الأخلاق الجبلية الأصلية العظيمة التي لم يكن أحد من البشر و لا يكون على أجمل منها، و شرع له الدين العظيم الّذي لم يشرعه لأحد قبله، و هو مع ذلك خاتم النبيين فلا رسول بعده و لا نبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فكان فيه من الحياء و الكرم و الشجاعة و الحلم و الصفح و الرحمة و سائر الأخلاق الكاملة ما لا يحد و لا يمكن وصفه* و قال يعقوب بن سفيان: ثنا سليمان، ثنا عبد الرحمن ثنا الحسن بن يحيى ثنا زيد بن واقد عن بشر بن عبيد اللَّه عن أبى إدريس الخولانيّ عن أبى الدرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه و يسخط لسخطه* و قال البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، أنا قيس بن أنيف، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا جعفر بن سليمان عن أبى عمران عن زيد بن؟ بابنوس [ (1)] قال: قلنا لعائشة يا أم المؤمنين كيف كان خلق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ قالت: كان خلق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [ (2)] ثم قالت أ تقرأ سورة المؤمنون اقرأ قد أفلح المؤمنون إلى العشر قالت: هكذا كان خلق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و هكذا رواه النسائي عن قتيبة* و روى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد اللَّه بن الزبير في قوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ». قال: أمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يأخذ العفو من أخلاق الناس*

و قال الامام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور، ثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»

تفرد به أحمد. و رواه الحافظ أبو بكر الخرائطى في كتابه فقال:

و إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق*

و تقدم ما رواه البخاري من حديث أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحسن الناس وجها، و أحسن الناس خلقا* و قال مالك عن الزهري‏

____________

[ (1)] كذا

[ (2)] كذا و فيه سقط لعله كلمة «القرآن».

36

عن عروة عن عائشة أنها قالت: ما خير رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فان كان إثما كان أبعد الناس منه، و ما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة اللَّه فينتقم للَّه بها* و رواه البخاري و مسلم من حديث مالك* و روى مسلم عن أبى كريب عن أبى أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: ما ضرب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بيده شيئا قط لا عبدا و لا امرأة و لا خادما إلا أن يجاهد في سبيل اللَّه، و لا نيل منه شي‏ء فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شي‏ء من محارم اللَّه فينتقم للَّه عز و جل* و قد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: ما ضرب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بيده خادما له قط و لا امرأة، و لا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل اللَّه، و لا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما، حتى يكون إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم، و لا انتقم لنفسه من شي‏ء يؤتى إليه حتى تنتهك حرمات اللَّه فيكون هو ينتقم للَّه عز و جل* و قال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة عن أبى إسحاق، سمعت أبا عبد اللَّه الجدلي يقول: سمعت عائشة و سألتها عن خلق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: لم يكن فاحشا و لا متفحشا، و لا سخابا في الأسواق، و لا يجزى بالسيئة السيئة، و لكن يعفو و يصفح، أو قال يعفو و يغفر. شك أبو داود* و رواه الترمذي من حديث شعبة و قال: حسن صحيح* و قال يعقوب بن سفيان: ثنا آدم و عاصم بن على قالا: ثنا ابن أبى ذئب، ثنا صالح مولى التوأمة قال: كان أبو هريرة ينعت رسول اللَّه قال: كان يقبل جميعا و يدبر جميعا بأبي و أمى لم يكن فاحشا و لا متفحشا و لا سخابا في الأسواق* زاد آدم و لم أر مثله قبله و لم أر مثله بعده* و قال البخاري: ثنا عبدان عن أبى حمزة عن الأعمش عن أبى وائل عن مسروق عن عبد اللَّه بن عمرو قال: لم يكن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فاحشا و لا متفحشا و كان يقول:

إن من خياركم أحسنكم أخلاقا* و رواه مسلم من حديث الأعمش به* و قد روى البخاري من حديث فليح بن سليمان عن هلال بن على عن عطاء بن يسار عن عبد اللَّه بن عمرو أنه قال: إن رسول اللَّه موصوف في التوراة بما هو موصوف في القرآن، «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً و حرزا للاميين أنت عبدي و رسولي سميتك المتوكل ليس بفظ و لا غليظ و لا سخاب في الأسواق، و لا يجزى بالسيئة السيئة، و لكن يعفو و يصفح و لن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا اللَّه و يفتح أعينا عميا، و آذانا صما، و قلوبا غلفا» و قد روى عن عبد اللَّه بن سلام و كعب الأحبار* و قال البخاري: ثنا مسدد، ثنا يحيى عن شعبة عن قتادة عن عبد اللَّه بن أبى عتبة عن أبى سعيد قال: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أشد حياء من العذراء في خدرها* حدثنا ابن بشار ثنا يحيى و عبد الرحمن قالا: ثنا شعبة مثله و إذا كره شيئا عرف ذلك في وجهه، و رواه مسلم من حديث شعبة* و قال الامام أحمد: ثنا أبو عامر، ثنا فليح عن هلال بن على عن أنس بن مالك قال: لم يكن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

37

سبابا و لا لعانا و لا فاحشا، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة: ما له تربت جبينه. و رواه البخاري عن محمد بن سنان عن فليح* و في الصحيحين و اللفظ لمسلم من حديث حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحسن الناس و كان أجود الناس، و كان أشجع الناس، و لقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول اللَّه راجعا و قد سبقهم إلى الصوت و هو على فرس لأبى طلحة عرى في عنقه السيف و هو يقول: لم تراعوا لم تراعوا، قال: وجدناه بحرا، أو إنه لبحر، قال و كان فرسا يبطأ* ثم قال مسلم: ثنا بكر بن أبى شيبة، ثنا وكيع عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: كان فزع بالمدينة فاستعار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فرسا لأبى طلحة يقال له مندوب فركبه فقال: ما رأينا من فزع و إن وجدناه لبحرا، قال: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و قال أبو إسحاق السبيى عن حارثة بن مضرب عن على بن أبى طالب قال: لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و كان أشد الناس بأسا* رواه أحمد و البيهقي* و تقدم في غزوة هوازن أنه (عليه السلام) لما فر جمهور أصحابه يومئذ ثبت و هو راكب بغلته و هو ينوّه باسمه الشريف يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، و هو مع ذلك يركضها إلى نحور الأعداء. و هذا في غاية ما يكون من الشجاعة العظيمة و التوكل التام (صلوات اللَّه عليه)* و في صحيح مسلم من حديث إسماعيل ابن عليّة عن عبد العزيز عن أنس قال: لما قدم رسول اللَّه المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بنا إلى رسول اللَّه فقال: يا رسول اللَّه إن أنسا غلام كيس فليخدمك قال: فخدمته في السفر و الحضر، و اللَّه ما قال لي لشي‏ء صنعته لم صنعت هذا هكذا؟ و لا لشي‏ء لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا؟* و له من حديث سعيد بن أبى بردة عن أنس قال: خدمت رسول اللَّه تسع سنين فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا و كذا؟ و لا عاب على شيئا قط*

و له من حديث عكرمة بن عمار عن إسحاق قال أنس:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من أحسن الناس خلقا فأرسلنى يوما لحاجة فقلت: و اللَّه لا أذهب- و في نفسي أن أذهب لما أمرنى به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- فخرجت حتى أمر على صبيان و هم يلعبون في السوق فإذا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد قبض بقفاي من ورائي قال: فنظرت إليه و هو يضحك فقال: يا أنيس ذهبت حيث أمرتك؟ فقلت: نعم أنا أذهب يا رسول اللَّه.

قال أنس: و اللَّه لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشي‏ء صنعته لم صنعت كذا و كذا أو لشي‏ء تركته هلا فعلت كذا و كذا* و قال الامام أحمد: ثنا كثير، ثنا هشام، ثنا جعفر، ثنا عمران القصير عن أنس بن مالك قال: خدمت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) عشر سنين فما أمرنى بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلامني، و إن لامنى أحد من أهله إلا قال:

دعوه فلو قدر- أو قال قضى- أن يكون كان* ثم رواه أحمد عن على بن ثابت عن جعفر هو ابن برقان عن عمران البصري و هو القصير عن أنس فذكره، تفرد به الامام أحمد* و قال الامام أحمد: ثنا

38

عبد الصمد، ثنا أبى، ثنا أبو التياح، ثنا أنس قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحسن الناس خلقا و كان لي أخ يقال له أبو عمير، قال: أحسبه قال فطيما، قال: فكان إذا جاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فرآه قال: أبا عمير ما فعل النغير، قال نغر كان يلعب به، قال: فربما تحضر الصلاة و هو في بيتنا فيأمر بالبساط الّذي تحته فيكنس ثم ينضح ثم يقوم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و نقوم خلفه يصلّى بنا، قال: و كان بساطهم من جريد النخل* و قد رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن أبى التياح يزيد بن حميد عن أنس بنحوه* و ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أجود الناس، و كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أجود بالخير من الريح المرسلة* و قال الامام أحمد: حدثنا أبو كامل، ثنا حماد بن زيد، ثنا سلم العلويّ، سمعت أنس بن مالك أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) رأى على رجل صفرة فكرهها قال فلما قام قال: لو أمرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة. قال: و كان لا يكاد يواجه أحدا بشي‏ء يكرهه* و قد رواه أبو داود و الترمذي في الشمائل، و النسائي في اليوم و الليلة من حديث حماد بن زيد عن سلم بن قيس العلويّ البصري. قال أبو داود: و ليس من ولد على بن أبى طالب، و كان يبصر في النجوم، و قد شهد عند عدي بن أرطاة على رؤية الهلال فلم يجز شهادته* و قال أبو داود: ثنا عثمان ابن أبى شيبة، ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، ثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة قالت:

كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا بلغه عن رجل شي‏ء لم يقل ما بال فلان يقول و لكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا و كذا* و ثبت في الصحيح أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: لا يبلغني أحد عن أحد شيئا، إني أحب أن أخرج إليكم و أنا سليم الصدر* و قال مالك عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال: كنت أمشى مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و عليه برد غليظ الحاشية فأدركه أعرابى فجبذ بردائه جبذا شديدا حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فإذا قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال اللَّه الّذي عندك، قال: فالتفت إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فضحك ثم أمر له بعطاء. أخرجاه من حديث مالك*

و قال الامام أحمد: ثنا زيد بن الحباب، أخبرنى محمد ابن هلال القرشي عن أبيه أنه سمع أبا هريرة يقول:

كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المسجد فلما قام قمنا معه فجاء أعرابى فقال: أعطني يا محمد، فقال: لا و أستغفر اللَّه، فجذبه بحجزته فخدشه، قال: فهموا به فقال: دعوه قال ثم أعطاه، قال: فكانت يمينه: لا و أستغفر اللَّه،

و قد روى أصل هذا الحديث أبو داود و النسائي و ابن ماجة من طرق عن محمد بن هلال بن أبى هلال مولى بنى كعب عن أبيه عن أبى هريرة بنحوه*

و قال يعقوب بن سفيان: ثنا عبد اللَّه بن موسى عن شيبان عن الأعمش عن ثمامة بن عتبة عن زيد بن أرقم قال: كان رجل من الأنصار يدخل على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و يأتمنه و أنه عقد

39

له عقدا و ألقاه في بئر فصرع ذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأتاه ملكان يعود انه فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا و هي في بئر فلان، و لقد اصفرّ الماء من شدة عقده، فأرسل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فاستخرج العقد، فوجد الماء قد اصفرّ فحل العقد و نام النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلقد رأيت الرجل بعد ذلك يدخل على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فما رأيته في وجه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى مات* قلت و المشهور في الصحيح: أن لبيد بن الأعصم اليهودي هو الّذي سحر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في مشط و مشاقة في جف طلعة ذكر تحت بئر ذروان، و أن الحال استمر نحو ستة أشهر حتى أنزل اللَّه سورتي المعوذتين و يقال: إن آياتهما إحدى عشرة آية و أن عقد ذلك الّذي سحر فيه كان إحدى عشرة عقدة، و قد بسطنا ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية و اللَّه أعلم* و قال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا عمران بن زيد أبو يحيى الملائى، ثنا زيد العمى عن أنس ابن مالك قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا صافح أو صافحه الرجل لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، و إن استقبله بوجه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف عنه، و لا يرى مقدما ركبتيه بين يدي جليس له* و رواه الترمذي و ابن ماجة من حديث عمران بن زيد الثعلبي أبى يحيى الطويل الكوفي عن زيد بن الحواري العمى عن أنس به* و قال أبو داود: ثنا أحمد بن منيع، ثنا أبو قطن ثنا مبارك بن فضالة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: ما رأيت رجلا قط التقم أذن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الّذي ينحى رأسه، و ما رأيت رسول اللَّه آخذا بيده رجل فترك يده حتى يكون الرجل هو الّذي يدع يده. تفرد به أبو داود* قال الامام أحمد: و حدثنا محمد بن جعفر و حجاج قالا: ثنا شعبة قال ابن جعفر في حديثه قال: سمعت على بن يزيد قال قال: أنس بن مالك ان كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجي‏ء فتأخذ بيد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت* و رواه ابن ماجة من حديث شعبة، و قال الامام أحمد: ثنا هشيم، ثنا حميد عن أنس بن مالك قال: إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فتنطلق به في حاجتها* و قد رواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه معلقا فقال: و قال محمد بن عيسى هو ابن الطباع: ثنا هشيم فذكره*

و قال الطبراني: ثنا أبو شعيب الحراني، ثنا يحيى بن عبد اللَّه البابلتي، ثنا أيوب بن نهيك، سمعت عطاء بن أبى رباح، سمعت ابن عمر، سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

رأى صاحب بزّ فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم فخرج و هو عليه فإذا رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه اكسنى قميصا كساك اللَّه من ثياب الجنة فنزع القميص فكساه إياه ثم رجع إلى صاحب الحانوت فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم و بقي معه درهمان، فإذا هو بجارية في الطريق تبكى فقال: ما يبكيك؟

فقالت: يا رسول اللَّه دفع إليّ أهلي درهمين أشترى بهما دقيقا فهلكا، فدفع إليها رسول اللَّه الدرهمين الباقيين ثم انقلب و هي تبكى فدعاها فقال ما يبكيك و قد أخذت الدرهمين؟ فقالت: أخاف أن‏

40

يضربونى، فمشى معها إلى أهلها فسلم فعرفوا صوته ثم عاد فسلم ثم عاد فسلم ثم عاد فثلث فردوا، فقال:

أ سمعتم أول السلام؟ قالوا: نعم و لكن أحببنا أن تزيدنا من السلام فما أشخصك بأبينا و أمنا، فقال:

أشفقت هذه الجارية أن تضربوها، فقال صاحبها: هي حرة لوجه اللَّه لممشاك معها، فبشرهم رسول اللَّه بالخير و الجنة. ثم قال: لقد بارك اللَّه في العشرة: كسا اللَّه نبيه قميصا و رجلا من الأنصار قميصا و أعتق اللَّه منها رقبة و أحمد اللَّه هو الّذي رزقنا هذا بقدرته*

هكذا رواه الطبراني و في إسناده أيوب بن نهيك الحلبي و قد ضعفه أبو حاتم، و قال أبو زرعة منكر الحديث، و قال الأزدي متروك* و قال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد عن ثابت عن أنس أن امرأة كان في عقلها شي‏ء فقالت:

يا رسول اللَّه إن لي حاجة، فقال: يا أم فلان انظري أي الطرق شئت فقام معها يناجيها حتى قضت حاجتها، و هكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة* و ثبت في الصحيحين من حديث الأعمش عن أبى حازم عن أبى هريرة قال: ما عاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) طعاما قط إن اشتهاه أكله و إلا تركه* و قال الثوري عن الأسود بن قيس عن شيخ العوفيّ [ (1)] عن جابر قال: أتانا رسول اللَّه في منزلنا فذبحنا له شاة فقال: كأنهم علموا أنا نحب اللحم الحديث، و قال محمد بن إسحاق عن يعقوب ابن عتبة عن عمر بن عبد العزيز عن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام عن أبيه قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا جلس يتحدّث كثيرا ما يرفع طرفه إلى السماء، و هكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه من حديث محمد بن إسحاق به* و قال أبو داود: حدثنا سلمة بن شعيب، ثنا عبد اللَّه بن إبراهيم، ثنا إسحاق بن محمد الأنصاري عن ربيح بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أبى سعيد الخدريّ أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان إذا جلس احتبى بيده* و رواه البزار في مسندة و لفظه: كان إذا جلس نصب ركبتيه و احتبى بيديه، ثم قال أبو داود: ثنا حفص بن عمر و موسى بن إسماعيل قالا: ثنا عبد الرحمن بن حسان العنبري، حدثني جدتاى صفية و دحيبة ابنتا عليبة قال موسى ابنة حرملة و كانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة و كانت جدة أبيهما أنها أخبرتهما أنها رأت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو قاعد القرفصاء قالت:

فلما رأيت رسول اللَّه المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق* و رواه الترمذي في الشمائل و في الجامع عن عبد بن حميد عن عفان بن مسلم بن عبد اللَّه بن حسان به. و هو قطعة من حديث طويل قد ساقه الطبراني بتمامه في معجمه الكبير* و قال البخاري: ثنا الحسن بن الصباح البزار، ثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): كان يحدث حديثا لو عدّه العاد لأحصاه. قال البخاري: و قال الليث: حدثني يونس عن ابن شهاب أخبرنى عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت:

____________

[ (1)] لعله شقيق الكوفي، و هو شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي أحد سادة التابعين، و قد أخذ عنه الأسود بن قيس.

41

ألا أعجبك أبو فلان جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يسمعني ذلك و كنت أسبّح فقام قبل أن أقضى سبحتي و لو أدركته لرددت عليه إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يكن يسرد الحديث كسردكم* و قد رواه أحمد عن على بن إسحاق، و مسلم عن حرملة، و أبو داود عن سليمان بن داود كلهم عن ابن وهب عن يونس بن يزيد به، و في روايتهم: ألا أعجبك من أبى هريرة فذكرت نحوه* و قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن أسامة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان كلام النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فصلا يفهمه كل أحد لم يكن يسرد سردا* و قد رواه أبو داود عن ابن أبى شيبة عن وكيع* و قال أبو يعلى: ثنا عبد اللَّه بن محمد بن أسماء، ثنا عبد اللَّه بن مسعر، حدثني شيخ أنه سمع جابر بن عبد اللَّه- أو ابن عمر- يقول: كان في كلام النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ترتيل أو ترسيل* و قال الامام أحمد:

حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد اللَّه بن المثنى عن ثمامة عن أنس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان إذا تكلم بكلمة رددها ثلاثا و إذا أتى قوما يسلم عليهم سلم ثلاثا، و رواه البخاري من حديث عبد الصمد* و قال أحمد: ثنا أبو سعيد بن أبى مريم، ثنا عبد اللَّه بن المثنى، سمعت ثمامة بن أنس يذكر أن أنسا كان إذا تكلم تكلم ثلاثا و يذكر أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): كان إذا تكلم تكلم ثلاثا، و كان يستأذن ثلاثا و جاء في الحديث الّذي رواه الترمذي عن عبد اللَّه بن المثنى عن ثمامة عن أنس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان إذا تكلم يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه، ثم قال الترمذي حسن صحيح غريب* و في الصحيح أنه قال: أوتيت جوامع الكلم و أختصر الحكم اختصارا* قال الامام أحمد حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: بعثت بجوامع الكلم، و نصرت بالرعب، و بينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي، و هكذا رواه البخاري من حديث الليث*

و قال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن الأعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

نصرت بالرعب، و أوتيت جوامع الكلم، و بينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي*

تفرد به أحمد من هذا الوجه،

و قال أحمد: حدثنا يزيد، ثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

نصرت بالرعب، و أوتيت جوامع الكلم، و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، و بينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلّت في يدي،

تفرد به أحمد من هذا الوجه و هو على شرط مسلم* و ثبت في الصحيحين من حديث ابن وهب عن عمرو بن الحرث، حدثني أبو النضر عن سليمان بن يسار عن عائشة قالت: ما رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم* و قال الترمذي: ثنا قتيبة، ثنا ابن لهيعة عن عبد اللَّه بن المغيرة عن عبد اللَّه بن الحرث بن جزء قال: ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* ثم‏

42

رواه من حديث الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن عبد اللَّه بن الحرث بن جزء قال: ما كان ضحك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلا تبسما، ثم قال صحيح* و قال مسلم: ثنا يحيى بن يحيى، ثنا أبو خيثمة عن سماك بن حرب قلت لجابر بن سمرة: أ كنت تجالس رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ قال: نعم كثيرا كان لا يقوم من مصلاه الّذي يصلّى فيه الصبح حتى تطلع الشمس قام، و كانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون و يتبسم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و قال أبو داود الطيالسي: ثنا شريك و قيس بن سعد عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أ كنت تجالس النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ قال: نعم كان قليل الصمت، قليل الضحك فكان أصحابه ربما يتناشدون الشعر عنده و ربما قال الشي‏ء من أمورهم فيضحكون و ربما يتبسم* و قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ و أبو سعيد بن أبى عمرو قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق، أنا أبو عبد الرحمن المقري، ثنا الليث بن سعد عن الوليد بن أبى الوليد أن سليمان بن خارجة أخبره عن خارجة بن زيد- يعنى ابن ثابت- أن نفرا دخلوا على أبيه فقالوا:

حدثنا عن بعض أخلاق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال: كنت جاره فكان إذا نزل الوحي بعث إليّ فآتيه فأكتب الوحي و كنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، و إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، و إذا ذكرنا الطعام ذكره معنا فكل هذا نحدثكم عنه* و رواه الترمذي في الشمائل عن عباس الدوري عن أبى عبد الرحمن عن عبد اللَّه بن يزيد المقري به نحوه‏

ذكر كرمه (عليه السلام)

تقدم ما أخرجاه في الصحيحين من طريق الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أجود الناس و كان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن فلرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أجود بالخير من الريح المرسلة، و هذا التشبيه في غاية ما يكون من البلاغة في تشبيهه الكرم بالريح المرسلة في عمومها و تواترها و عدم انقطاعها* و في الصحيحين من حديث سفيان بن سعيد الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه قال: ما سئل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) شيئا قط فقال لا* و قال الامام أحمد حدثنا ابن أبى عدي عن حميد عن موسى بن أنيس عن أنس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يسأل شيئا على الإسلام إلا أعطاه، قال فأتاه رجل فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة، قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فان محمدا يعطى عطاء ما يخشى الفاقة و رواه مسلم عن عاصم بن النضر عن خالد بن الحارث عن حميد* و قال أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد، ثنا ثابت عن أنس أن رجلا سأل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فأعطاه غنما بين جبلين فأتى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فان محمدا يعطى عطاء ما يخاف الفاقة، فان كان الرجل ليجي‏ء إلى رسول اللَّه ما يريد إلا الدنيا، فما يمسى حتى يكون دينه أحب إليه و أعز عليه من الدنيا و ما فيها* و رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به.

43

و هذا العطاء ليؤلف به قلوب ضعيفى القلوب في الإسلام، و يتألف آخرين ليدخلوا في الإسلام كما فعل يوم حنين حين قسم تلك الأموال الجزيلة من الإبل و الشاء و الذهب و الفضة في المؤلفة، و مع هذا لم يعط الأنصار و جمهور المهاجرين شيئا، بل أنفق فيمن كان يحب أن يتألفه على الإسلام، و ترك أولئك لما جعل اللَّه في قلوبهم من الغنى و الخير، و قال مسليا لمن سأل عن وجه الحكمة في هذه القسمة لمن عتب من جماعة الأنصار: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء و البعير، و تذهبون برسول اللَّه تحوزونه إلى رحالكم؟ قالوا: رضينا يا رسول اللَّه*

و هكذا أعطى عمه العباس بعد ما أسلم حين جاءه ذلك المال من البحرين فوضع بين يديه في المسجد و جاء العباس فقال: يا رسول اللَّه أعطني فقد فأديت نفسي يوم بدر و فأديت عقيلا، فقال: خذ، فنزع ثوبه عنه و جعل يضع فيه من ذلك المال ثم قام ليقله فلم يقدر فقال لرسول اللَّه: ارفعه على، قال: لا أفعل، فقال: مر بعضهم ليرفعه على، فقال: لا، فوضع منه شيئا ثم عاد فلم يقدر فسأله أن يرفعه أو أن يأمر بعضهم برفعه فلم يفعل فوضع منه ثم احتمل الباقي و خرج به من المسجد و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يتبعه بصره عجبا من حرصه*

قلت: و قد كان العباس رضى اللَّه عنه رجلا شديدا طويلا نبيلا، فأقل ما احتمل شي‏ء يقارب أربعين ألفا و اللَّه أعلم* و قد ذكره البخاري في صحيحه في مواضع معلقا بصيغة الجزم و هذا يورد في مناقب العباس لقوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى‏ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»* و قد تقدم عن أنس بن مالك خادمه (عليه السلام) أنه قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أجود الناس، و أشجع الناس، الحديث* و كيف لا يكون كذلك و هو رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) المجبول على أكمل الصفات، الواثق بما في يدي اللَّه عز و جل، الّذي أنزل اللَّه عليه في محكم كتابه العزيز:

«وَ ما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» الآية* و قال تعالى: «وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ»

و هو (عليه السلام) القائل لمؤذنه بلال و هو الصادق المصدوق في الوعد و المقال:

«أنفق بلال و لا تخش من ذي العرش إقلالا»

و هو القائل (عليه السلام)

«ما من يوم تصبح العباد فيه إلا و ملكان يقول أحدهما: اللَّهمّ أعط منفقا خلفا، و يقول الآخر:

اللَّهمّ أعط ممسكا تلفا»

و في الحديث الآخر أنه قال لعائشة: لا توعى فيوعى اللَّه عليك، و لا توكى فيوكى اللَّه عليك*

و في الصحيح أنه (عليه السلام) قال:

يقول اللَّه تعالى: «ابن آدم أنفق أنفق عليك»

فكيف لا يكون أكرم الناس و أشجع الناس، و هو المتوكل الّذي لا أعظم منه في توكله، الواثق برزق اللَّه و نصره، المستعين بربه في جميع أمره؟ ثم قد كان قبل بعثته و بعدها و قبل هجرته، ملجأ الفقراء و الأرامل، و الأيتام و الضعفاء، و المساكين، كما قال عمه أبو طالب فيما قدمناه من القصيدة المشهورة

44

و ما ترك قوم لا أبا لك سيدا* * * يحوط الذمار غير ذرب موكل‏

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه‏* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏

يلوذ به الهلاك من آل هاشم‏* * * فهم عنده في نعمة و فواضل‏

و من تواضعه‏

ما روى الامام أحمد من حديث حماد بن سلمة عن ثابت زاد النسائي- و حميد عن أنس-

أن رجلا قال لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا سيدنا و ابن سيدنا، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا أيها الناس قولوا بقولكم و لا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد اللَّه و رسوله، و اللَّه ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني اللَّه*

و في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَّه‏

لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد اللَّه و رسوله*

و قال الامام أحمد: حدثنا يحيى عن شعبة، حدثني الحكم عن إبراهيم عن الأسود قال: قلت لعائشة: ما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يصنع في أهله؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة* و حدثنا وكيع و محمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود قال: قلت لعائشة: ما كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يصنع إذا دخل بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج فصلى* و رواه البخاري عن آدم عن شعبة* و قال الامام أحمد: حدثنا عبدة، ثنا هشام بن عروة عن رجل قال: سئلت عائشة: ما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يصنع في بيته؟ قالت: كان يرقع الثوب و يخصف النعل و نحو هذا، و هذا منقطع من هذا الوجه* و قد قال عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري عن عروة و هشام بن عروة عن أبيه قال: سأل رجل عائشة هل كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يعمل في بيته؟

قالت: نعم، كان يخصف نعله، و يخيط ثوبه كما يعمل أحدكم في بيته* رواه البيهقي فاتصل الاسناد* و قال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البحتري- إملاء- حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي، حدثنا ابن صالح، حدثني معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن عمرة قالت: قلت لعائشة: ما كان يعمل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في بيته؟ قالت: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بشرا من البشر، يفلى ثوبه و يحلب شاته، و يخدم نفسه* و رواه الترمذي في الشمائل عن محمد بن إسماعيل عن عبد اللَّه بن صالح عن معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن عمرة قالت: قيل لعائشة ما كان يعمل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في بيته الحديث* و روى ابن عساكر من طريق أبى أسامة عن حارثة بن محمد الأنصاري عن عمرة قالت: قلت لعائشة: كيف كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في أهله؟ قالت: كان ألين الناس، و أكرم الناس، و كان ضحاكا بساما* و قال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، حدثني مسلم أبو عبد اللَّه الأعور، سمع أنسا يقول: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يكثر الذكر و يقل اللغو، و يركب الحمار، و يلبس الصوف، و يجيب دعوة المملوك، و لو رأيته يوم خيبر على حمار خطامه من ليف*

45

و في الترمذي و ابن ماجة من حديث مسلم بن كيسان الملائى عن أنس بعض ذلك* و قال البيهقي:

أنا أبو عبد اللَّه الحافظ- إملاء- ثنا أبو بكر محمد بن جعفر الآدمي القاري ببغداد، ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن إبراهيم الدرورى، ثنا أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي، ثنا على بن الحسين ابن واقد عن أبيه قال: سمعت يحيى بن عقيل يقول: سمعت عبد اللَّه بن أبى أوفى يقول: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يكثر الذكر، و يقل اللغو، و يطيل الصلاة، و يقصر الخطبة، و لا يستنكف أن يمشى مع العبد، و لا مع الأرملة، حتى يفرغ لهم من حاجاتهم* و رواه النسائي عن محمد بن عبد العزيز عن أبى زرعة عن الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن يحيى بن عقيل الخزاعي البصري عن ابن أبى أوفى بنحوه* و قال البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو بكر إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفقيه بالري، ثنا أبو بكر محمد بن الفرج الأزرق، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا شيبان أبو معاوية عن أشعث بن أبى الشعثاء عن أبى بردة عن أبى موسى قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يركب الحمار، و يلبس الصوف، و يعتقل الشاة، و يأتى مراعاة الضيف [ (1)]، و هذا غريب من هذا الوجه، و لم يخرجوه و إسناده جيد* و روى محمد بن سعد، عن إسماعيل بن أبى فديك عن موسى بن يعقوب الربعي عن سهل مولى عتبة، أنه كان نصرانيا من أهل مريس، و أنه كان في حجر عمه، و أنه قال: قرأت يوما في مصحف [ (2)] لعمى، فإذا فيه ورقة بغير الخط و إذا فيها نعت محمد (صلى اللَّه عليه و سلم): لا قصير و لا طويل أبيض ذو ضفيرتين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء، و لا يقبل الصدقة، و يركب الحمار و البعير، و يحتلب الشاة، و يلبس قميصا مرقوعا، و من فعل ذلك فقد بري‏ء من الكبر، و هو من درية إسماعيل اسمه أحمد. قال: فلما جاء عمى و رآني قد قرأتها ضربني و قال: مالك و فتح هذه، فقلت: إن فيها نعت أحمد، فقال: إنه لم يأت بعد* و قال الامام أحمد: ثنا إسماعيل، ثنا أيوب عن عمرو عن سعيد عن أنس قال: ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ذكر الحديث، و رواه مسلم عن زهير بن حرب عن إسماعيل بن علية به* و قال الترمذي في الشمائل: ثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو داود عن شعبة عن الأشعث بن سليم، [قال‏] سمعت عمتي تحدث عن عمها قال: بينا أنا أمشى بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول: ارفع إزارك فإنه أنقى و أبقى، [فنظرت‏] فإذا هو رسول اللَّه، فقلت:

يا رسول إنما هي بردة ملحاء، قال: أ ما لك فىّ أسوة؟ فإذا إزاره إلى نصف ساقيه* ثم قال: ثنا سويد بن نصر، ثنا عبد اللَّه بن المبارك، عن موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة عن أبيه قال:

كان عثمان بن عفان متزرا إلى أنصاف ساقيه قال: هكذا كانت أزرة صاحبي (صلى اللَّه عليه و سلم)* و قال أيضا:

____________

[ (1)] كذا في النسخ التي بأيدينا.

[ (2)] كذا في التيمورية، و في نسخة دار الكتب المصرية. «في مصرف».

46

ثنا يوسف بن عيسى، ثنا وكيع، ثنا الربيع بن صبيح، ثنا يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يكثر القناع، كأن ثوبه ثوب زيات، و هذا فيه غرابة و نكارة و اللَّه أعلم* و روى البخاري عن على بن الجعد عن شعبة عن يسار أبى الحكم عن ثابت عن أنس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مرّ على صبيان يلعبون فسلم عليهم* و رواه مسلم من وجه آخر عن شعبة.

ذكر مزاحه (عليه السلام)

و قال ابن لهيعة: حدثني عمارة بن غزية عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أنس قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من أفكه الناس مع صبي* و قد تقدم حديثه في ملاعبته أخاه أبا عمير، و قوله أبا عمير ما فعل النغير، يذكره بموت نغر كان يلعب به ليخرجه [ (1)] بذلك كما جرت به عادة الناس من المداعبة مع الأطفال الصغار*

و قال الامام أحمد: ثنا خلف بن الوليد، ثنا خالد بن عبد اللَّه، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك‏

أن رجلا أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فاستحمله فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إنا حاملوك على ولد ناقة، فقال: يا رسول اللَّه ما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): و هل تلد الإبل إلا النوق؟*

و رواه أبو داود عن وهب بن بقية، و الترمذي عن قتيبة كلاهما عن خالد بن عبد اللَّه الواسطي الطحان به،

و قال الترمذي صحيح غريب*

و قال أبو داود في هذا الباب: ثنا يحيى بن معين، ثنا حجاج بن محمد، ثنا يونس بن أبى إسحاق عن أبى إسحاق عن العيزار بن حرب، عن النعمان بن بشير قال:

استأذن أبو بكر على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فسمع صوت عائشة عاليا على رسول اللَّه، فلما دخل تناولها ليلطمها و قال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول اللَّه!، فجعل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يحجزه و خرج أبو بكر مغضبا، فقال رسول اللَّه حين خرج أبو بكر: كيف رأيتينى أنقذتك من الرجل؟

فمكث أبو بكر أياما ثم استأذن على رسول اللَّه فوجدهما قد اصطلحا فقال لهما: أدخلانى في سلمكما كما أدخلتمانى في حربكما، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): قد فعلنا قد فعلنا*

و قال أبو داود: ثنا مؤمل بن الفضل، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد اللَّه بن العلاء عن بشر بن عبيد اللَّه عن أبى إدريس الخولانيّ عن عوف بن مالك الأشجعي قال:

أتيت رسول اللَّه في غزوة تبوك و هو في قبة من أدم فسلمت فرد و قال: ادخل، فقلت: أ كلي يا رسول اللَّه فقال: كلك، فدخلت*

و حدثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد ابن عثمان بن أبى العاملة إنما قال أدخل كلى من صغر القبة* ثم قال أبو داود: ثنا إبراهيم بن مهدي، ثنا شريك عن عاصم عن أنس قال: قال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

يا ذا الأذنين‏

* قلت: و من هذا القبيل ما

رواه الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن ثابت عن أنس‏

أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهرا و كان يهدى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) الهدية من البادية، فيجهزه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا أراد أن يخرج،

____________

[ (1)] كذا بالتيمورية و نسخة دار الكتب. و لعلها: ليمازحه.

47

فقال رسول اللَّه: إن زاهرا باديتنا و نحن حاضروه،

و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يحبه، و كان رجلا دميما فأتاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه و لا يبصره الرجل، فقال: أرسلنى، من هذا؟

فالتفت فعرف النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حين عرفه،

و جعل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

من يشترى العبد فقال: يا رسول اللَّه إذن و اللَّه تجدني كاسدا، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لكن عند اللَّه لست بكاسد أو قال: لكن عند اللَّه أنت غال*

و هذا إسناد رجاله كلهم ثقات على شرط الصحيحين و لم يروه الا الترمذي في الشمائل عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق* و رواه ابن حبان في صحيحه عن [ (1)] و من هذا القبيل ما

رواه البخاري من صحيحه‏

أن رجلا كان يقال له عبد اللَّه- و يلقب حمارا- و كان يضحك النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان يؤتى به في الشراب، فجي‏ء به يوما فقال رجل: لعنه اللَّه ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «لا تلعنه فإنه يحب اللَّه و رسوله»*

و من هذا ما

قال الامام أحمد: ثنا حجاج، حدثني شعبة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك‏

أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) كان في مسير و كان حاد يحدو بنسائه أو سائق، قال: فكان نساؤه يتقدمن بين يديه، فقال: يا أنجشة ويحك، ارفق بالقوارير*

و هذا الحديث في الصحيحين عن أنس، قال:

كان للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) حاد يحدو بنسائه يقال له أنجشة، فحدا فأعنقت الإبل، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ويحك يا أنجشة ارفق بالقوارير،

و معنى القوارير النساء و هي كلمة دعابة (صلوات اللَّه و سلامه عليه) دائما إلى يوم الدين.

و من مكارم أخلاقه و دعابته و حسن خلقه استماعه (عليه السلام) حديث أم زرع من عائشة بطوله، و وقع في بعض الروايات أنه (عليه السلام) هو الّذي قصه على عائشة* و من هذا ما

رواه الامام أحمد:

ثنا أبو النضر، ثنا أبو عقيل- يعنى عبد اللَّه بن عقيل الثقفي- به، حدثنا مجالد بن سعيد عن عامر عن مسروق عن عائشة قالت:

حدث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نساءه ذات ليلة حديثا، فقالت امرأة منهن:

يا رسول اللَّه كان الحديث حديث خرافة، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أ تدرين ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلا من عذرة أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهرا طويلا،

ثم ردوه إلى الانس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة* و قد رواه الترمذي في الشمائل عن الحسن بن الصباح البزار عن أبى النضر هاشم بن القاسم به* قلت: و هو من غرائب الأحاديث و فيه نكارة و مجالد بن سعيد يتكلمون فيه فاللَّه أعلم* و قال الترمذي في باب خراج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من كتابه الشمائل:

ثنا عبد بن حميد، ثنا مصعب بن المقدام، ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن‏

____________

[ (1)] بياض بنسخة دار الكتب المصرية، و في التيمورية إلى قوله «و رواه ابن حبان في صحيحه» و ليس فيها بياض.

48

قال:

أتت عجوز النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: يا رسول اللَّه ادع لي أن يدخلني اللَّه الجنة، قال: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، فولت العجوز تبكى، فقال أخبروها أنها لا تدخلها و هي عجوز فان اللَّه تعالى يقول‏

«إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً»

و هذا مرسل من هذا الوجه*

و قال الترمذي: ثنا عباس ابن محمد الدوري، ثنا على بن الحسن بن شقيق، ثنا عبد اللَّه بن المبارك عن أسامة بن زيد عن سعيد المقبري عن أبى هريرة قال:

قالوا يا رسول اللَّه إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقا.

تداعبنا- يعنى تمازحنا- و هكذا رواه الترمذي في جامعه في باب البر بهذا الاسناد ثم قال: و هذا حديث مرسل حسن*

باب زهده (عليه السلام) و إعراضه عن هذه الدار و إقباله و اجتهاده و عمله لدار القرار

قال اللَّه تعالى: «وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏» و قال تعالى: «وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» و قال تعالى: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ» و قال: «وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ» و الآيات في هذا كثيرة. و أما الأحاديث،

فقال يعقوب بن سفيان: حدثني أبو العباس حيوة بن شريح، أنا بقية عن الزبيدي عن الزهري عن محمد بن عبد اللَّه بن عباس قال:

كان ابن عباس يحدث أن اللَّه أرسل إلى نبيه ملكا من الملائكة معه جبريل، فقال الملك لرسوله: «إن اللَّه يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا و بين أن تكون ملكا نبيا» فالتفت رسول اللَّه إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول اللَّه أن تواضع، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): بل أكون عبدا نبيا، قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لقي اللَّه عز و جل*

و هكذا رواه البخاري في التاريخ عن حيوة بن شريح، و أخرجه النسائي عن عمرو بن عثمان كلاهما عن بقية بن الوليد به،

و أصل هذا الحديث في الصحيح بنحو من هذا اللفظ* و قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل عن عمارة عن أبى زرعة- و لا أعلمه الا عن أبى هريرة- قال: جلس جبريل إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلنى إليك ربك: أ فملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا* هكذا وجدته بالنسخة التي عندي بالمسند مقتصرا و هو من إفراده من هذا الوجه*

و ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب‏

في حديث إيلاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من أزواجه أن لا يدخل عليهنّ شهرا و اعتزل عنهن في علية، فلما دخل عليه عمر في تلك العلية فإذا

49

ليس فيها سوى صبرة من قرظ، و أهبة معلقة، و صبرة من شعير، و إذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر في جنبه، فهملت عينا عمر، فقال: مالك، فقلت: يا رسول اللَّه أنت صفوة اللَّه من خلقه، و كسرى و قيصر فيما هما فيه، فجلس محمرا وجهه فقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ ثم قال:

أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا.

و في رواية لمسلم‏

اما ترضى أن تكون لهم الدنيا و لنا الآخرة؟ فقلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: فاحمد اللَّه عز و جل،

ثم لما انقضى الشهر أمره اللَّه عز و جل أن يخير أزواجه و أنزل عليه قوله: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً». و قد ذكرنا هذا مبسوطا في كتابنا التفسير و أنه بدأ بعائشة، فقال لها: إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمرى أبويك، و تلا عليها هذه الآية، قالت:

فقلت أ في هذا أستأمر أبوي؟ فانى أختار اللَّه و رسوله و الدار الآخرة، و كذلك قال سائر أزواجه (عليه السلام) و رضى عنهن*

و قال مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال:

دخلت على رسول اللَّه و هو على سرير مزمول بالشريط، و تحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، و دخل عليه عمرو ناس من الصحابة فانحرف رسول اللَّه انحرافة، فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى، فقال له: ما يبكيك يا عمر؟

قال: و ما لي لا أبكى و كسرى و قيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، و أنت على الحال الّذي أرى، فقال: يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا و لنا الآخرة؟ قال: بلى، قال: هو كذلك.

هكذا رواه البيهقي*

و قال الامام أحمد: [حدثنا أبو النضر] ثنا مبارك عن الحسن عن أنس بن مالك قال:

دخلت على رسول اللَّه و هو على سرير مضطجع مزمل بشريط و تحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف فدخل عليه نفر من أصحابه، و دخل عمر فانحرف رسول اللَّه انحرافة فلم ير عمر بين جنبه و بين الشريط ثوبا و قد أثر الشريط بجنب رسول اللَّه، فبكى عمر، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ما يبكيك يا عمر؟ قال: و اللَّه ما أبكى ألا أكون أعلم أنك أكرم على اللَّه من كسرى و قيصر و هما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه و أنت يا رسول اللَّه في المكان الّذي أرى، فقال رسول اللَّه: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا و لنا الآخرة؟ قال: بلى، قال فإنه كذلك*

و قال أبو داود الطيالسي ثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة بن مسعود قال:

اضطجع رسول اللَّه على حصير فأثر الحصير بجلده، فجعلت أمسحه و أقول بأبي أنت و أمى ألا آذنتنا فنبسط لك شيئا يقيك منه تنام عليه؟ فقال: ما لي و للدنيا، ما أنا و الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح و تركها*

و رواه ابن ماجة عن يحيى بن حكيم عن أبى داود الطيالسي به. و أخرجه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكندي عن زيد بن الحباب كلاهما عن المسعودي به.

و قال الترمذي حسن صحيح*

و قد رواه الامام أحمد من حديث ابن عباس، فقال:

50

حدثنا عبد الصمد و أبو سعيد و عفان قالوا: ثنا ثابت، ثنا هلال عن عكرمة عن ابن عباس‏

أن رسول اللَّه دخل عليه عمر و هو على حصير قد أثر في جنبه، فقال: يا رسول اللَّه لو اتخذت فراشا أوثر من هذا، فقال: ما لي و للدنيا ما مثلي و مثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح و تركها*

تفرد به أحمد*

و في صحيح البخاري من حديث الزهري عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عتبة عن أبى هريرة أن رسول اللَّه قال:

لو أن لي مثل أحد ذهبا ما سرّني أن تأتى عليّ ثلاث ليال و عندي منه شي‏ء إلا شي‏ء أرصده لدين*

و في الصحيحين من حديث عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

اللَّهمّ اجعل رزق آل محمد قوتا*

فأما الحديث الّذي‏

رواه ابن ماجة من حديث يزيد بن سنان عن ابن المبارك عن عطاء عن أبى سعيد أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

اللَّهمّ أحينى مسكينا و أمتنى مسكينا و احشرني في زمرة المساكين،

فإنه حديث ضعيف لا يثبت من جهة إسناده لأن فيه يزيد بن سنان أبا فروة الرهاوي و هو ضعيف جدا و اللَّه أعلم*

و قد رواه الترمذي من وجه آخر فقال: حدثنا عبد الأعلى بن واصل الكوفي، ثنا ثابت بن محمد العابد الكوفي، حدثنا الحارث بن النعمان الليثي عن أنس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

اللَّهمّ أحينى مسكينا و أمتنى مسكينا و احشرني في زمرة المساكين يوم القيامة، فقالت عائشة: لم يا رسول اللَّه؟ قال: إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا يا عائشة لا تردى المسكين و لو بشق تمرة. يا عائشة حبّى المساكين و قربيهم فان اللَّه يقربك يوم القيامة*

ثم قال هذا حديث غريب* قلت: و في إسناده ضعف و في متنه نكارة و اللَّه أعلم* و قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، [قال: حد] ثنا أبو عبد الرحمن- يعنى- عبد اللَّه ابن دينار عن أبى حازم عن سعيد بن سعد أنه قيل له: هل رأى النقي بعينه- يعنى الحوّارى- فقال له ما رأى رسول اللَّه النقي بعينه حتى لقي اللَّه عز و جل، فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول اللَّه؟ فقال: ما كانت لنا مناخل، فقيل له: فكيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قال: ننفخه فيطير [منه‏] ما طار* و هكذا رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار به و زاد ثم نذريه و نعجنه، ثم قال حسن صحيح* و قد رواه مالك عن أبى حازم. قلت: و قد رواه البخاري عن سعيد بن أبى مريم عن محمد بن مطرف بن غسان المدني عن أبى حازم عن سهل بن سعد به، و رواه البخاري أيضا و النسائي عن شيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري عن أبى حازم عن سهل به، و قال الترمذي: حدثنا عباس بن محمد الدوري، ثنا يحيى بن أبى بكير، ثنا جرير بن عثمان عن سليم بن عامر سمعت أبا أمامة يقول: ما كان يفضل عن أهل بيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خبز الشعير، ثم قال:

حسن صحيح غريب* و قال الامام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم قال: رأيت أبا هريرة يشير بإصبعه مرارا: و الّذي نفس أبى هريرة بيده ما شبع نبي اللَّه و أهله ثلاثة