البداية و النهاية - ج8

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
347 /
1

-

2

[تتمة سنة أربعين من الهجرة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

فصل‏

في ذكر شي‏ء من سيرته العادلة و سريرته الفاضلة و مواعظه و قضاياه الفاصلة و خطبه الكاملة و حكمه التي هي إلى القلوب واصله‏

قال عبد الوارث عن أبى عمرو بن العلاء عن أبيه قال:

خطب على الناس فقال: أيها الناس! و اللَّه الّذي لا إله إلا هو ما زريت من مالكم قليلا و لا كثيرا إلا هذه- و أخرج قارورة من كم قميصه فيها طيب- فقال: أهداها إلى الدهقان،- و في رواية بضم الدال-، و قال: ثم أتى بيت المال فقال: خذوا و أنشأ يقول:

أفلح من كانت له قوصرة* * * يأكل منها كل يوم تمرة

و في رواية: مرة. و في رواية طوبى لمن كانت له قوصره.

و قال حرملة عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن عبد اللَّه بن أبى رزين الغافقي قال‏

: دخلنا مع على يوم الأضحى فقرب إلينا خزيرة فقلنا: أصلحك اللَّه لو قدمت إلينا هذا البط و الإوز، فان اللَّه قد أكثر الخير فقال: يا ابن رزين إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «لا يحل للخليفة من مال اللَّه إلا قصعتان، قصعة يأكلها

3

هو و أهله، و قصعة يطعمها بين الناس».

و قال الامام أحمد: حدثنا حسن و أبو سعيد مولى بنى هاشم قالا: ثنا ابن لهيعة ثنا عبد اللَّه بن هبيرة عن عبد اللَّه بن رزين أنه قال‏

: دخلت على على بن أبى طالب، قال حسن يوم الأضحى: فقرب إلينا خزيرة، فقلنا: أصلحك اللَّه لو أطعمتنا هذا البط؟

- يعنى الإوز- فان اللَّه قد أكثر الخير، قال: يا ابن رزين إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«لا يحل للخليفة من مال اللَّه إلا قصعتان، قصعة يأكلها هو و أهله، و قصعة يضعها بين يدي الناس»

و قال أبو عبيد: ثنا عباد بن العوام عن مروان بن عنترة عن أبيه قال‏

: دخلت على على بن أبى طالب بالخورنق و عليه قطيفة و هو يرعد من البرد فقلت: يا أمير المؤمنين إن اللَّه قد جعل لك و لأهل بيتك نصيبا في هذا المال و أنت ترعد من البرد؟ فقال: إني و اللَّه لا أرزأ من مالكم شيئا، و هذه القطيفة هي التي خرجت بها من بيتي- أو قال من المدينة-

و قال أبو نعيم: سمعت سفيان الثوري يقول:

ما بنى على لبنة و لا قصبة على لبنة، و إن كان ليؤتى بحبوبه من المدينة في جراب.

و قال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان أبو حسان عن مجمع بن سمعان التيمي قال‏

: خرج على بن أبى طالب بسيفه إلى السوق فقال: من يشترى منى سيفي هذا؟ فلو كان عندي أربعة دراهم أشترى بها إزارا ما بعته.

و قال الزبير بن بكار: حدثني سفيان عن جعفر قال- أظنه عن أبيه-

إن عليا كان إذا لبس قميصا مد يده في كمه فما فضل من الكم عن أصابعه قطعه و قال: ليس للكم فضل عن الأصابع.

و قال أبو بكر بن عياش عن يزيد بن أبى زياد عن مقسم عن ابن عباس قال:

اشترى على قميصا بثلاثة دراهم و هو خليفة و قطع كمه من موضع الرسغين، و قال: الحمد للَّه الّذي هذا من رياشه.

و روى الامام أحمد في الزهد عن عباد بن العوام عن هلال بن حبان عن مولى لأبى غصين قال‏

:

رأيت عليا خرج فأتى رجلا من أصحاب الكرابيس فقال له: عندك قميص سنبلاني؟ قال: فأخرج إليه قميصا فلبسه فإذا هو إلى نصف ساقيه، فنظر عن يمينه و عن شماله فقال: ما أرى إلا قدرا حسنا، بكم هذا؟ قال: بأربعة دراهم يا أمير المؤمنين، قال: فحلها من إزاره فدفعها إليه ثم انطلق.

و قال محمد بن سعد: أنا الفضل بن دكين أنا الحسن بن جرموز عن أبيه قال‏

: رأيت عليا و هو يخرج من القصر و عليه قبطيتان إزار إلى نصف الساق و رداء مشمر قريب منه، و معه درة له يمشى بها في الأسواق و بأمر الناس بتقوى اللَّه و حسن البيع و يقول: أوفوا الكيل و الميزان، و يقول: لا تنفخوا اللحم.

و قال عبد اللَّه بن المبارك في الزهد: أنا رجل حدثني صالح بن ميثم ثنا يزيد بن وهب الجهنيّ قال‏

: خرج علينا على بن أبى طالب ذات يوم و عليه بردان متزر بأحدهما مرتد بالآخر قد أرخى جانب إزاره و رفع جانبا، قد رفع إزاره بخرقة فمر به أعرابى فقال: أيها الإنسان البس من هذه الثياب فإنك ميت أو مقتول. فقال: أيها الأعرابي إنما ألبس هذين الثوبين ليكونا أبعد لي‏

4

من الزهو، و خيرا لي في صلاتي، و سنة للمؤمن.

و قال عبد بن حميد: ثنا محمد بن عبيد ثنا المختار بن نافع عن أبى مطر قال‏

: خرجت من المسجد فإذا رجل ينادى من خلفي: ارفع إزارك فإنه أبقى لثوبك و أتقى لك، و خذ من رأسك إن كنت مسلما، فمشيت خلفه و هو مؤتزر بإزار و مرتد برداء و معه الدرة كأنه أعرابى بدوي فقلت: من هذا؟ فقال لي رجل: أراك غريبا بهذا البلد. فقلت: أجل أنا رجل من أهل البصرة، فقال: هذا على بن أبى طالب أمير المؤمنين حتى انتهى إلى دار بنى أبى معيط و هو يسوق الإبل، فقال: بيعوا و لا تحلفوا فان اليمين تنفق السلعة و تمحق البركة، ثم أتى أصحاب التمر فإذا خادم تبكى فقال: ما يبكيك؟ فقالت: باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فرده موالي فأبى أن يقبله، فقال له على: خذ تمرك و أعطها درهمها فإنها ليس لها أمر، فدفعه، فقلت: أ تدري من هذا؟ فقال:

لا فقلت: هذا على بن أبى طالب أمير المؤمنين، فصبت تمره و أعطاها درهمها. ثم قال الرجل: أحب أن ترضى عنى يا أمير المؤمنين، قال: ما أرضانى عنك إذا أوفيت الناس حقوقهم، ثم مر مجتازا بأصحاب التمر فقال: يا أصحاب التمر أطعموا المساكين يرب كسبكم. ثم مر مجتازا و معه المسلمون حتى انتهى إلى أصحاب السمك فقال: لا يباع في سوقنا طافى. ثم أتى دار فرات- و هي سوق الكرابيس- فأتى شيخا فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم، فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، ثم آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم و كمه ما بين الرسغين إلى الكعبين يقول في لبسه: الحمد للَّه الّذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، و أواري به عورتي. فقيل له:

يا أمير المؤمنين هذا شي‏ء ترويه عن نفسك أو شي‏ء سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فقال: لا! بل شي‏ء سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقوله عند الكسوة. فجاء أبو الغلام صاحب الثوب فقيل له: يا فلان قد باع ابنك اليوم من أمير المؤمنين قميصا بثلاثة دراهم، قال: أ فلا أخذت منه درهمين؟ فأخذ منه أبوه درهما ثم جاء به إلى أمير المؤمنين و هو جالس مع المسلمين على باب الرحبة فقال: أمسك هذا الدرهم.

فقال: ما شأن هذا الدرهم؟ فقال إنما ثمن القميص درهمين، فقال: باعني رضاي و أخذ رضاه.

و قال عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الشعبي قال‏

: وجد على بن أبى طالب درعه عند رجل نصراني فأقبل به إلى شريح يخاصمه، قال: فجاء على حتى جلس جنب شريح و قال: يا شريح لو كان خصمي مسلما ما جلست إلا معه، و لكنه نصراني و قد قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «إذا كنتم و إياهم في طريق فاضطروهم إلى مضايقه، و صغروا بهم كما صغر اللَّه بهم من غير أن تطغوا» ثم قال: هذا الدرع درعي و لم أبع و لم أهب، فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي و ما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت شريح إلى على فقال: يا أمير المؤمنين هل من بينة؟ فضحك على و قال أصاب شريح، ما لي بينة، فقضى بها شريح للنصراني، قال فأخذه النصراني‏

5

و مشى خطا ثم رجع فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه يقضى عليه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، الدرع و اللَّه درعك يا أمير المؤمنين اتبعت الجيش و أنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الأورق. فقال: أما إذ أسلمت فهي لك،

و حمله على فرس.

قال الشعبي: فأخبرني من رآه يقاتل الخوارج يوم النهروان. و قال سعيد بن عبيد عن على بن ربيعة: جاء جعدة بن هبيرة إلى على فقال‏

: يا أمير المؤمنين يأتيك الرجلان أنت أحب إلى أحدهما من أهله و ماله، و الآخر لو يستطيع أن يذبحك لذبحك، فتقضى لهذا على هذا؟ قال:

فلهزه على و قال: إن هذا شي‏ء لو كان لي فعلت، و لكن إنما ذا شي‏ء للَّه.

و قال أبو القاسم البغوي:

حدثني جدي ثنا على بن هاشم عن صالح بياع الأكسية عن جدته قالت‏

: رأيت عليا اشترى تمرا بدرهم فحمله في ملحفته فقال رجل: يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك؟ فقال: أبو العيال أحق بحمله.

و عن أبى هاشم عن زاذان قال‏

: كان على يمشى في الأسواق وحده و هو خليفة يرشد الضال و يعين الضعيف و يمر بالبياع و البقال فيفتح عليه القرآن و يقرأ

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً

، ثم يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل و التواضع من الولاة و أهل القدرة من سائر الناس.

و عن عبادة بن زياد عن صالح بن أبى الأسود عمن حدثه‏

أنه رأى عليا قد ركب حمارا و دلى رجليه إلى موضع واحد ثم قال: أنا الّذي أهنت الدنيا.

و قال يحيى بن معين عن على ابن الجعد عن الحسن بن صالح قال: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز فقال قائلون: فلان، و قال قائلون: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا على بن أبى طالب. و قال هشام ابن حسان: بينا نحن عند الحسن البصري إذ أقبل رجل من الأزارقة فقال: يا أبا سعيد ما تقول في على بن أبى طالب؟ قال: فاحمرت وجنتا الحسن و قال: رحم اللَّه عليا، إن عليا كان سهما للَّه صائبا في أعدائه، و كان في محلة العلم أشرفها و أقربها إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان رهباني هذه الأمة، لم يكن لمال اللَّه بالسروقة، و لا في أمر اللَّه بالنومة، أعطى القرآن عزائمه و عمله و علمه، فكان منه في رياض مونقة، و أعلام بينة، ذاك على بن أبى طالب يا لكع. و قال هشيم عن يسار عن عمار. قال:

حدث رجل على بن أبى طالب بحديث فكذبه فما قام حتى عمى: و قال أبو بكر بن أبى الدنيا.

حدثني شريح بن يونس ثنا هشيم عن إسماعيل بن سالم عن عمار الحضرميّ عن زاذان أبى عمر

أن رجلا حدث عليا بحديث فقال: ما أراك إلا قد كذبتني، قال: لم أفعل قال: أدعو عليك إن كنت كذبت، قال: ادع! فدعا فما برح حتى عمى.

و قال ابن أبى الدنيا: حدثنا خلف بن سالم ثنا محمد بن بشر عن أبى مكين قال:

مررت أنا و خالي أبو أمية على دار في محل حي من مراد، قال: ترى هذه الدار؟

قلت: نعم! قال: فان عليا مر عليها و هم يبنونها فسقطت عليه قطعة فشجته فدعا اللَّه أن لا يكمل‏

6

بناؤها، قال: فما وضعت عليها لبنة، قال: فكنت فيمن يمر عليها لا تشبه الدور.

و قال ابن أبى الدنيا: حدثني عبد اللَّه بن يونس بن بكير الشيباني عن أبيه عن عبد الغفار بن القاسم الأنصاري عن أبى بشير الشيباني. قال: شهدت الجمل مع مولاي فما رأيت يوما قط أكثر ساعدا نادرا و قدما نادرة من يومئذ، و لا مررت بدار الوليد قط إلا ذكرت يوم الجمل‏

قال: فحدثني الحكم بن عيينة

أن عليا دعا يوم الجمل فقال: اللَّهمّ خذ أيديهم و أقدامهم.

و من كلامه الحسن رضى اللَّه عنه.

قال ابن أبى الدنيا: حدثنا على بن الجعد أنا عمرو بن شمر حدثني إسماعيل السدي سمعت أبا أراكة يقول‏

: صليت مع على صلاة الفجر فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: و اللَّه لقد رأيت أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) فلما أرى اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفرا شعثا غبرا بين أعينهم كأمثال ركب المعزى، قد باتوا للَّه سجدا و قياما يتلون كتاب اللَّه يتراوحون بين جباههم و أقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا اللَّه مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، و هملت أعينهم حتى تنبل ثيابهم، و اللَّه لكأن القوم باتوا غافلين،

ثم نهض فما رئي بعد ذلك مفترا يضحك حتى قتله ابن ملجم عدو اللَّه الفاسق.

و قال وكيع عن عمرو بن منبه عن أوفى بن دلهم عن على بن أبى طالب أنه قال‏

: تعلموا العلم تعرفوا به، و اعملوا تكونوا من أهله، فإنه يأتى من بعدكم زمان ينكر فيه من الحق تسعة أعشاره، و إنه لا ينجو منه إلا كل أواب منيب، أولئك أئمة الهدى و مصابيح العلم ليسوا بالعجل المذاييع البذر، ثم قال: ألا و إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة و إن الآخرة قد أتت مقبلة، و لكل واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا و إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا، و التراب فراشا، و الماء طيبا، ألا من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات، و من أشفق من النار رجع عن المحرمات، و من طلب الجنة سارع إلى الطاعات، و من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ألا إن للَّه عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، و أهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، و قلوبهم محزونة، و أنفسهم عفيفة، و حوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة لعقبي راحة طويلة، أما الليل فصافون أقدامهم، تجرى دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى اللَّه في فكاك رقابهم. و أما النهار فظماء حلماء بررة أتقياء، كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى و ما بالقوم من مرض، و خولطوا و لقد خالط القوم أمر عظيم.

و عن الأصبغ بن نباتة قال:

صعد على ذات يوم المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه و ذكر الموت فقال: عباد اللَّه الموت ليس منه فوت، إن أقمتم له أخذكم، و إن فررتم منه أدرككم، فالنجا النجا، و الوحا الوحا، إن وراءكم طالب حثيث القبر فاحذروا ضغطته و ظلمته و وحشته، ألا و إن القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض‏

7

الجنة، ألا و إنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدود، أنا بيت الوحشة، ألا و إن وراء ذلك يوم يشيب فيه الصغير و يسكر فيه الكبير،

وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى‏ وَ ما هُمْ بِسُكارى‏ وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ

ألا و إن وراء ذلك ما هو أشد منه، نار حرها شديد، و قعرها بعيد، و جليها و مقامعها حديد، و ماؤها صديد، و خازنها مالك ليس للَّه فيه رحمة. قال: ثم بكى و بكى المسلمون حوله، ثم قال: ألا و إن وراء ذلك جنة عرضها السموات و الأرض أعدت للمتقين، جعلنا اللَّه و إياكم من المتقين، و أجارنا و إياكم من العذاب الأليم.

و رواه ليث بن أبى سليم عن مجاهد حدثني من سمع عليا فذكر نحوه.

و قال وكيع عن عمرو بن منبه عن أوفى بن دلهم قال‏

: خطب على فقال: أما بعد فان الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع، و إن الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطلاع، و إن المضمار اليوم و غدا السباق، ألا و إنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خاب عمله، ألا فاعملوا للَّه في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا و إنه لم أر كالجنة نام طالبها، و لم أر كالنار نام هاربها، و إنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل، و من لم يستقم به الهدى حاد به الضلال، ألا و إنكم قد أمرتم بالظعن، و ذللتم على الزاد، ألا أيها الناس إنما الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر و الفاجر، و إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء، و اللَّه يعدكم مغفرة منه و فضلا و اللَّه واسع عليم. أيها الناس: أحسنوا في أعماركم تحفظوا في أعقابكم، فان اللَّه وعد جنته من أطاعه، و أوعد ناره من عصاه، إنها نار لا يهدأ زفيرها، و لا يفك أسيرها، و لا يجبر كسيرها، حرها شديد، و قعرها بعيد، و ماؤها صديد، و إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى و طول الأمل. و في رواية فان اتباع الهوى يصد عن الحق، و إن طول الأمل ينسى الآخرة.

و عن عاصم بن ضمرة قال‏

: ذم رجل الدنيا عند على فقال على: الدنيا دار صدق لمن صدقها، و دار نجاة لمن فهم عنها، و دار غنا و زاد لمن تزود منها، و مهبط وحي اللَّه، و مصلى ملائكته، و مسجد أنبيائه، و متجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، و اكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها و قد آذنت بغيلها، و نادت بفراقها، و شابت بشرورها السرور، و ببلائها الرغبة فيها و الحرص عليها ترغيبا و ترهيبا، فيا أيها الذام للدنيا المعلل نفسه بالأمالي متى خدعتك الدنيا أو متى اشتدت إليك؟ أ بمصارع آبائك في البلى؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم مرضت بيديك، و عللت بكفيك، ممن تطلب له الشفاء، و تستوصف له الأطباء، لا يغنى عنه دواؤك، و لا ينفعه بكاؤك.

و قال سفيان الثوري و الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبى البختري. قال‏

: جاء رجل إلى على فأطراه- و كان يبغض عليا- فقال له: لست كما تقول، و أنا فوق ما في نفسك.

و روى ابن عساكر

أن رجلا قال لعلى: ثبتك اللَّه قال: على صدرك.

و قال ابن أبى الدنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا

8

سفيان بن عيينة عن أبى حمزة عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر قال قال على‏

: إن الأمر ينزل إلى السماء كقطر المطر لكل نفس ما كتب اللَّه لها من زيادة أو نقصان في نفس أو أهل أو مال، فمن رأى نقصا في نفسه أو أهله أو ماله، و رأى لغيره عثرة فلا يكونن ذلك له فتنة، فان المسلم ما لم يعش دناه يظهر تخشعا لها إذا ذكرت، و يغرى به لئام الناس، كالبائس العالم ينتظر أول فورة من قداحه توجب له المغنم، و تدفع عنه المغرم فكذلك المسلم البري‏ء من الخيانة بين إحدى الحسنيين، إذا ما دعا اللَّه، فما عند اللَّه خير له، و إما أن يرزقه اللَّه مالا فإذا هو ذو أهل و مال و معه حسبه و دينه، و إما أن يعطيه اللَّه في الآخرة فالآخرة خير و أبقى، الحرث حرثان فحرث الدنيا المال و التقوى، و حرث الآخرة الباقيات الصالحات، و قد يجمعهما اللَّه تعالى لأقوام.

قال سفيان الثوري: و من يحسن أن يتكلم بهذا الكلام إلا على؟

و قال عن زبيد اليامى عن مهاجر العامري قال‏

: كتب على بن أبى طالب عهدا لبعض أصحابه على بلد فيه: أما بعد فلا تطولن حجابك على رعيتك، فان احتجاب الولاة عن الرعية شعبة الضيق، و قلة علم بالأمور، و الاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيضعف عندهم الكبير، و يعظم الصغير، و يقبح. الحسن، و يحسن القبيح، و يشاب الحق بالباطل، و إنما الوالي بشر لا يعرف ما يوارى عنه الناس به من الأمور، و ليس على القوم سمات يعرف بها ضروب الصدق من الكذب، فتحصن من الإدخال في الحقوق بلين الحجاب، فإنما أنت أحد الرجلين، إما أمرؤ شحت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من حق واجب عليك أن تعطيه؟

و خلق كريم تسد به؟ و إما مبتلى بالمنع و الشح فما أسرع زوال نعمتك، و ما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا يئسوا من ذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك ما لا مؤنة فيه عليك من شكاية مظلمة أو طلب انصاف، فانتفع بما وصفت لك و اقتصر على حظك و رشدك إن شاء اللَّه.

و قال المدائني‏

: كتب على إلى بعض عماله: رويدا فكأن قد بلغت المدى، و عرضت عليك أعمالك بالمحل الّذي ينادى المغتر بالحسرة، و يتمنى المضيع التوبة، و الظالم الرجعة.

و قال هشيم: أنا عمر بن أبى زائدة عن الشعبي قال: كان أبو بكر يقول الشعر، و كان عمر يقول الشعر، و كان على يقول الشعر، و كان على أشعر الثلاثة. و رواه هشام بن عمار عن إبراهيم بن أعين عن عمر بن أبى زائدة عن عبد اللَّه بن أبى السفر عن الشعبي فذكره.

و قال أبو بكر بن دريد قال و أخبرنا عن دماد عن أبى عبيدة قال‏

:

كتب معاوية إلى على: يا أبا الحسن إلى لي فضائل كثيرة، و كان أبى سيدا في الجاهلية، و صرت ملكا في الإسلام، و أنا صهر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و خال المؤمنين، و كاتب الوحي. فقال على:

أبا الفضائل يفخر على ابن آكلة الأكباد؟ ثم قال: اكتب يا غلام‏

محمد النبي أخى و صهري‏* * * و حمزة سيد الشهداء عمى‏

9

و جعفر الّذي يمسى و يضحى‏* * * يطير مع الملائكة ابن أمى‏

و بنت محمد سكنى و عرسي‏* * * مسوط لحمها بدمى و لحمى‏

و سبطا أحمد ولداي منها* * * فأيكم له سهم كسهمي‏

سبقتكم إلى الإسلام طرا* * * صغيرا ما بلغت أوان حلمي‏

قال فقال معاوية: أخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلون إلى ابن أبى طالب. و هذا منقطع بين أبى عبيدة و زمان على و معاوية.

و قال الزبير بن بكار و غيره: حدثني بكر بن حارثة عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد اللَّه قال‏

: سمعت عليا ينشد و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يسمع:

أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي‏* * * معه ربيت و سبطاه هما ولدى‏

جدي و جد رسول اللَّه منفرد* * * و فاطم زوجتي لا قول ذي فند

صدقته و جميع الناس في بهم‏* * * من الضلالة و الإشراك و النكد

فالحمد للَّه شكرا لا شريك له‏* * * البرّ بالعبد و الباقي بلا أمد

قال: فتبسم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قال: «صدقت يا على»

و هذا بهذا الاسناد منكر و الشعر فيه ركاكة، و بكر هذا لا يقبل منه تفرده بهذا السند و المتن و اللَّه أعلم.

و روى الحافظ ابن عساكر من طريق أبى زكريا الرمليّ: ثنا يزيد بن هارون عن نوح بن قيس عن سلامة الكندي عن الأصبغ ابن نباتة عن على‏

أنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فرفعتها إلى اللَّه قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت اللَّه و شكرتك، و إن أنت لم تقضها حمدت اللَّه و عذرتك.

فقال على: اكتب حاجتك على الأرض فانى أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك، فكتب: إني محتاج، فقال على: على بحلة، فأتى بها فأخذها الرجل فلبسها، ثم أنشأ يقول:

كسوتني حلة تبلى محاسنها* * * فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا

إن نلت حسن ثنائى نلت مكرمة* * * و لست أبغى بما قد قلته بدلا

إن الثناء ليحيى ذكر صاحبه‏* * * كالغيث يحيى نداه السهل و الجبلا

لا تزهد الدهر في خير تواقعه‏* * * فكل عبد سيجزى بالذي عملا

فقال على: على بالدنانير فأتى بمائة دينار فدفعها إليه، قال الأصبغ: فقلت يا أمير المؤمنين حلة و مائة دينار؟ قال: نعم! سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «أنزلوا الناس منازلهم» و هذه منزلة هذا الرجل عندي.

و روى الخطيب البغدادي من طريق أبى جعفر أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط عن أبيه عن جده قال قال على بن أبى طالب‏

:

10

إذا اشتملت على الناس القلوب‏* * * و ضاق بما به الصدر الرحيب‏

و أوطنت المكاره و اطمأنت‏* * * و أرست في أماكنها الخطوب‏

و لم تر لانكشاف الضر وجها* * * و لا أغنى بحيلته الأريب‏

أتاك على قنوط منك غوث‏* * * يمنّ به القريب المستجيب‏

و كل الحادثات إذا تناهت‏* * * فموصول بها الفرج القريب‏

و مما أنشده أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لأمير المؤمنين على بن أبى طالب:-

ألا فاصبر على الحدث الجليل‏* * * و داو جواك بالصبر الجميل‏

و لا تجزع فان أعسرت يوما* * * فقد أيسرت في الدهر الطويل‏

و لا تظنن بربك ظن سوء* * * فان اللَّه أولى بالجميل‏

فان العسر يتبعه يسار* * * و قول اللَّه أصدق كل قيل‏

فلو أن العقول تجر رزقا* * * لكان الرزق عند ذوى العقول‏

فكم من مؤمن قد جاع يوما* * * سيروى من رحيق السلسبيل‏

فمن هوان الدنيا على اللَّه أنه سبحانه يجيع المؤمن مع نفاسته، و يشبع الكلب مع خساسته، و الكافر يأكل و يشرب، و يلبس و يتمتع، و المؤمن يجوع و يعرى، و ذلك لحكمة اقتضتها حكمة أحكم الحاكمين. و مما أنشده على بن جعفر الوراق لأمير المؤمنين على بن أبى طالب‏

أجد الثياب إذا اكتسيت فإنها* * * زين الرجال بها تعز و تكرم‏

و دع التواضع في الثياب تخشعا* * * فاللَّه يعلم ما تجن و تكتم‏

فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة* * * عند الإله و أنت عبد مجرم‏

و بهاء ثوبك لا يضرك بعد أن‏* * * تخشى الإله و تتقى ما يحرم‏

و هذا كما

جاء في الحديث:

«إن اللَّه لا ينظر إلى صوركم و لا إلى ثيابكم و إنما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم»

و قال الثوري: ليس الزهد في الدنيا بلبس العبا و لا بأكل الخشن، إنما الزهد في الدنيا قصر الأمل.

و قال أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المبرد: كان مكتوبا على سيف على:

للناس حرص على الدنيا و تدبير* * * و في مراد الهوى عقل و تشمير

و إن أتوا طاعة للَّه ربهم‏* * * فالعقل منهم عن الطاعات مأسور

لأجل هذا و ذاك الحرص قد مزجت‏* * * صفاء عيشاتها هم و تكدير

لم يرزقوها بعقل عند ما قسمت‏* * * لكنهم رزقوها بالمقادير

11

كم من أديب لبيب لا تساعده‏* * * و مائق نال دنياه بتقصير

لو كان عن قوة أو عن مغالبة* * * طار البزاة بأرزاق العصافير

و قال الأصمعي: ثنا سلمة بن بلال عن مجالد عن الشعبي قال قال على بن أبى طالب لرجل كره له صحبة رجل:

فلا تصحب أخا الجهل‏* * * و إياك و إياه‏

*

فكم من جاهل جاهل‏* * * أودى حليما حين آخاه‏

يقاس المرء بالمرء* * * إذا ما المرء ما شاه‏

*

و للشي‏ء على الشى‏* * * مقاييس و أشباه‏

و للقلب على القلب‏* * * دليل حين يلقاه‏

و عن عمرو بن العلاء عن أبيه قال‏

: وقف على على قبر فاطمة و أنشأ يقول:

ذكرت أبا أروى فبت كأننى‏* * * برد الهموم الماضيات وكيل‏

لكل اجتماع من خليلين فرقة* * * و كل الّذي قبل الممات قليل‏

و إن افتقادي واحدا بعد واحد* * * دليل على أن لا يدوم خليل‏

سيعرض عن ذكرى و تنسى مودتي‏* * * و يحدث بعدي للخليل خليل‏

إذا انقطعت يوما من العيش مدتي‏* * * فان غناء الباكيات قليل‏

و أنشد بعضهم لعلى رضى اللَّه عنه:

حقيق بالتواضع من يموت‏* * * و يكفى المرء من دنياه قوت‏

فما للمرء يصبح ذا هموم‏* * * و حرص ليس تدركه النعوت‏

صنيع مليكنا حسن جميل‏* * * و ما أرزاقه عنا تفوت‏

فيا هذا سترحل عن قليل‏* * * إلى قوم كلامهم السكوت‏

و هذا الفصل يطول استقصاؤه و قد ذكرنا منه ما فيه مقنع لمن أراده و للَّه الحمد و المنة.

و قال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني أنه قال: من أحب أبا بكر فقد أقام الدين و من أحب عمر فقد أوضح السبيل، و من أحب عثمان فقد استنار بنور اللَّه، و من أحب عليا فقد استمسك بالعروة الوثقى، و من قال الحسنى في أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقد برئ من النفاق.

غريبة من الغرائب و آبدة من الأوابد

قال ابن أبى خيثمة: ثنا أحمد بن منصور ثنا سيار ثنا عبد الرزاق قال قال معمر مرة و أنا مستقبله و تبسم و ليس معنا أحد فقلت له: ما شأنك؟ قال: عجبت من أهل الكوفة كأن الكوفة إنما بنيت على حب على، ما كلمت أحدا منهم إلا وجدت المقتصد منهم الّذي يفضل عليا على أبى بكر و عمر، منهم سفيان الثوري، قال: فقلت لمعمر و رأيته؟- كأنى أعظمت ذاك- فقال معمر: و ما ذاك؟ لو أن‏

12

رجلا قال على أفضل عندي منهما ما عبته إذا ذكر فضلهما و لو أن رجلا قال: عمر عندي أفضل من على و أبى بكر ما عنفته، قال عبد الرزاق: فذكرت ذلك لوكيع بن الجراح و نحن خاليين فاستهالها من سفيان و ضحك و قال: لم يكن سفيان يبلغ بنا هذا الحد، و لكنه أفضى إلى معمر بما لم يفض إلينا، و كنت أقول لسفيان: يا أبا عبد اللَّه أ رأيت إن فضلنا عليا على أبى بكر و عمر ما تقول في ذلك؟ فيسكت ساعة ثم يقول: أخشى أن يكون ذلك طعنا على أبي بكر و عمر و لكنا نقف. قال عبد الرزاق: و أما ابن التيمي- يعنى معتمرا- فقال: سمعت أبى يقول: فضل على بن أبى طالب بمائة منقبة و شاركهم في مناقبهم، و عثمان أحب إلى منه. هكذا رواه ابن عساكر في تاريخه بسنده عن ابن أبى خيثمة به. و هذا الكلام فيه تخبيط كثير و لعله اشتبه على معمر فان المشهور عن بعض الكوفيين تقديم على على عثمان، فأما على الشيخين فلا، و لا يخفى فضل الشيخين على سائر الصحابة إلا على غبي، فكيف يخفى على هؤلاء الأئمة؟ بل قد قال غير واحد من العلماء- كأيوب و الدارقطنيّ- من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين و الأنصار. و هذا الكلام حق و صدق و صحيح و مليح.

و قال يعقوب بن أبى سفيان: ثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه الاريسى ثنا إبراهيم بن سعيد عن شعبة عن أبى عون- محمد بن عبد اللَّه الثقفي- عن أبى صالح الحنفي قال‏

: رأيت على بن أبى طالب أخذ المصحف فوضعه على رأسه حتى أنى لأرى ورقه يتقعقع قال ثم قال: اللَّهمّ إنهم منعونى أن أقوم في الأمة بما فيه فأعطنى ثواب ما فيه، ثم قال: اللَّهمّ إني قد مللتهم و ملونى و أبغضتهم و أبغضونى، و حملونى على غير طبيعتي و خلقي و أخلاق لم تكن تعرف لي، اللَّهمّ فأبدلنى بهم خيرا منهم، و أبدلهم بى شرا منى، اللَّهمّ أمت قلوبهم موت الملح في الماء.

قال إبراهيم:- يعنى أهل الكوفة-

و قال ابن أبى الدنيا: حدثني عبد الرحمن بن صالح ثنا عمرو بن هشام الخببيّ عن أبى خباب عن أبى عوف الثقفي عن أبى عبد الرحمن السلمي. قال: قال لي الحسن بن على قال لي على‏

: «إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سنح لي الليلة في منامي فقلت: يا رسول اللَّه ما لقيت من أمتك من الأود و اللدد؟

قال: ادع عليهم فقلت: اللَّهمّ أبدلني بهم من هو خير لي منهم، و أبدلهم بى من هو شر منى، فخرج فضربه الرجل [الأود العوج و اللدد الخصومة]

و قد قدمنا الحديث الوارد بالاخبار بقتله و أنه يخضب لحيته من قرن رأسه، فوقع كما أخبر صلوات اللَّه و سلامه على رسوله،

و روى أبو داود في كتاب القدر

أنه لما كان أيام الخوارج كان أصحاب على يحرسونه كل ليلة عشرة- يبيتون في المسجد بالسلاح- فرآهم على فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: نحرسك، فقال: من أهل السماء؟ ثم قال: إنه لا يكون في الأرض شي‏ء حتى يقضى في السماء، و إن على من اللَّه جنة حصينة.

و في رواية:

و إن الرجل جنة محصونة، و إنه ليس من الناس أحد إلا و قد وكل به ملك فلا تريده دابة و لا شي‏ء إلا قال: اتقه اتقه،

13

فإذا جاء القدر خلا عنه،

و في رواية:

ملكان يدفعان عنه فإذا جاء القدر خليا عنه، و إنه لا يجد عبد حلاوة الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، و ما أخطأه لم يكن ليصيبه،

و كان على يدخل المسجد كل ليلة فيصلي فيه، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها قلق تلك الليلة و جمع أهله فلما خرج إلى المسجد صرخ الإوز في وجهه فسكتوهن عنه فقال: ذروهن فإنهن نوائح، فلما خرج إلى المسجد ضربه ابن ملجم فكان ما ذكرنا قبل. فقال الناس: يا أمير المؤمنين ألا نقتل مرادا كلها؟

فقال: لا و لكن احبسوه و أحسنوا إساره، فان مت فاقتلوه و إن عشت فالجروح قصاص.

و جعلت أم كلثوم بنت على تقول: ما لي و لصلاة الغداة، و قتل زوجي عمر أمير المؤمنين صلاة الغداة، و قتل أبى أمير المؤمنين صلاة الغداة، رضى اللَّه عنها.

و قيل لعلى: ألا تستخلف؟ فقال: لا و لكن أترككم كما ترككم رسول اللَّه، فان يرد اللَّه بكم خيرا يجمعكم على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)،

فهذا اعتراف منه في آخر وقت الدنيا بفضل الصديق.

و قد ثبت عنه بالتواتر

أنه خطب بالكوفة في أيام خلافته و دار إمارته، فقال: أيها الناس إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر و لو شئت أن أسمى الثالث لسميت. و عنه أنه قال و هو نازل من المنبر: ثم عثمان ثم عثمان.

و لما مات على ولى غسله و دفنه أهله، و صلى عليه ابنه الحسن و كبر أربعا، و قيل أكثر من ذلك. و دفن على بدار الخلافة بالكوفة و قيل تجاه الجامع من القبلة في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة، بحذاء باب الوراقين و قيل بظاهر الكوفة، و قيل بالكناسة، و قيل دفن بالبرية. و قال شريك القاضي و أبو نعيم الفضل بن دكين: نقله الحسن بن على بعد صلحه مع معاوية من الكوفة فدفنه بالمدينة بالبقيع إلى جانب فاطمة بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال عيسى بن داب: بل لما تحملوا به حملوه في صندوق على بعير، فلما مروا به ببلاد طيئ أضلوا ذلك البعير فأخذته طيئ تحسب فيه مالا، فلما وجدوا بالصندوق ميتا دفنوه في بلادهم فلا يعرف قبره إلى الآن، و المشهور أن قبره إلى الآن بالكوفة كما ذكر عبد الملك ابن عمران أن خالد بن عبد اللَّه القسري- نائب بنى أمية في زمان هشام- لما هدم دورا ليبنيها وجد قبرا فيه شيخ أبيض الرأس و اللحية فإذا هو على، فأراد أن يحرقه بالنار فقيل له: أيها الأمير إن بنى أمية لا يريدون منك هذا كله، فلفه في قباطي و دفنه هناك. قالوا: فلا يقدر أحد أن يسكن تلك الدار التي هو فيها إلا ارتحل منها. رواه ابن عساكر. ثم إن الحسن بن على استحضر عبد الرحمن بن ملجم من السجن، فأحضر الناس النفط و البواري ليحرقوه، فقالوا لهم أولاد على: دعونا نشتفى منه، فقطعت يداه و رجلاه فلم يجزع و لا فتر عن الذكر، ثم كحلت عيناه و هو في ذلك يذكر اللَّه و قرأ سورة اقرأ باسم ربك إلى آخرها، و إن عينيه لتسيلان على خديه، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعا شديدا، فقيل له في ذلك فقال: إني أخاف أن أمكث في الدنيا فواقا لا أذكر اللَّه‏

14

خلافة الحسن بن على رضى اللَّه عنه و عن أبيه و أمه‏

قد ذكرنا

أن عليا رضى اللَّه عنه لما ضربه ابن ملجم قالوا له: استخلف يا أمير المؤمنين فقال:

لا و لكن أدعكم كما ترككم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- يعنى بغير استخلاف- فان يرد اللَّه بكم خيرا يجمعكم على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)،

فلما توفى و صلى عليه ابنه الحسن- لأنه أكبر بنيه رضى اللَّه عنهم- و دفن كما ذكرنا بدار الامارة على الصحيح من أقوال الناس، فلما فرغ من شأنه كان أول من تقدم إلى الحسن بن على رضى اللَّه عنه قيس بن سعد بن عبادة فقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب اللَّه و سنة نبيه، فسكت الحسن فبايعه ثم بايعه الناس بعده، و كان ذلك يوم مات على، و كان موته يوم ضرب على قول و هو يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين، و قيل إنما مات بعد الطعنة بيومين، و قيل مات في العشر الأخير من رمضان، و من يومئذ ولى الحسن ابن على، و كان قيس بن سعد على إمرة أذربيجان، تحت يده أربعون ألف مقاتل، قد بايعوا عليا على الموت، فلما مات على ألح قيس بن سعد على الحسن في النفير لقتال أهل الشام، فعزل قيسا عن إمرة أذربيجان، و ولى عبيد اللَّه بن عباس عليها، و لم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدا، و لكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعا عظيما لم يسمع بمثله، فأمر الحسن بن على قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثنى عشر ألفا بين يديه، و سار هو بالجيوش في أثره قاصدا بلاد الشام، ليقاتل معاوية و أهل الشام فلما اجتاز بالمدائن نزلها و قدم المقدمة بين يديه، فبينما هو في المدائن معسكرا بظاهرها، إذ صرخ في الناس صارخ: ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضا حتى انتهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطا كان جالسا عليه، و طعنه بعضهم حين ركب طعنة أثبتوه و أشوته فكرههم الحسن كراهية شديدة، و ركب فدخل القصر الأبيض من المدائن فنزله و هو جريح، و كان عامله على المدائن سعد بن مسعود الثقفي- أخو أبى عبيد صاحب يوم الجسر- فلما استقر الجيش بالقصر قال المختار بن أبى عبيد قبحه اللَّه لعمه سعد بن مسعود: هل لك في الشرف و الغنى؟ قال: ما ذا؟ قال: تأخذ الحسن بن على فتقيده و تبعثه إلى معاوية، فقال له عمه: قبحكم اللَّه و قبح ما جئت به، أغدر بابن بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ و لما رأى الحسن بن على تفرق جيشه عليه مقتهم و كتب عند ذلك إلى معاوية بن أبى سفيان- و كان قد ركب في أهل الشام فنزل مسكن- يراوضه على الصلح بينهما، فبعث إليه معاوية عبد اللَّه بن عامر و عبد الرحمن بن سمرة، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما أراد من الأموال، فاشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف درهم، و أن يكون خراج داربجرد له، و أن لا يسب على و هو يسمع، فإذا فعل ذلك نزل عن الإمرة

15

فيه. فقتل عند ذلك و حرق بالنار، قبحه اللَّه. قال محمد بن سعد: كان ابن ملجم رجلا أسمر حسن الوجه أبلج، شعره مع شحمة أذنه، في جبهته أثر السجود. قال العلماء: و لم ينتظر بقتله بلوغ العباس ابن على فإنه كان صغيرا يوم قتل أبوه، قالوا: لأنه كان قتل محاربة لا قصاصا و اللَّه أعلم. و كان طعن على يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين بلا خلاف فقيل مات من يومه و قيل يوم الأحد التاسع عشر منه، قال الفلاس: و قيل ضرب ليلة إحدى و عشرين و مات ليلة أربع و عشرين عن بضع أو ثمان و خمسين سنة، و قيل عن ثلاث و ستين سنة و هو المشهور، قاله محمد بن الحنفية، و أبو جعفر الباقر، و أبو إسحاق السبيعي، و أبو بكر بن عياش. و قال بعضهم: عن ثلاث أو أربع و ستين سنة، و عن أبى جعفر الباقر خمس و ستين سنة. و كانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، و قيل أربع سنين و ثمانية أشهر و ثلاثة و عشرين يوما، رضى اللَّه عنه. و قال جرير عن مغيرة قال: لما جاء نعى على بن أبى طالب إلى معاوية و هو نائم مع امرأته فاختة بنت قرطة في يوم صائف، جلس و هو يقول: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و جعل يبكى فقالت له فاختة: أنت بالأمس تطعن عليه و اليوم تبكى عليه، فقال: ويحك إنما أبكى لما فقد الناس من حلمه و علمه و فضله و سوابقه و خيره. و ذكر ابن أبى الدنيا- في كتاب مكائد الشيطان- أن رجلا من أهل الشام من أمراء معاوية غضب ذات ليلة على ابنه فأخرجه من منزله، فخرج الغلام لا يدرى أين يذهب، فجلس وراء الباب من خارج فنام ساعة ثم استيقظ و بابه يخمشه هر أسود بري، فخرج إليه الهر الّذي في منزلهم فقال له البري: ويحك! افتح فقال: لا أستطيع، فقال: ويحك ائتني بشي‏ء أتبلغ به فانى جائع و أنا تعبان، هذا أوان مجي‏ء من الكوفة، و قد حدث الليلة حدث عظيم، قتل على بن أبى طالب، قال فقال له الهر الأهلي: و اللَّه إنه ليس هاهنا شي‏ء إلا و قد ذكروا اسم اللَّه عليه، غير سفود كانوا يشوون عليه اللحم، فقال: ائتني به، فجاء به فجعل يلحسه حتى أخذ حاجته و انصرف، و ذلك بمرأى من الغلام و مسمع، فقام إلى الباب فطرقه فخرج إليه أبوه فقال: من؟ فقال له: افتح، فقال: ويحك مالك؟ فقال: افتح، ففتح فقص عليه خبر ما رأى، فقال له: ويحك أ منام هذا؟ قال: لا و اللَّه، قال: ويحك! أ فأصابك جنون بعدي؟ قال لا و اللَّه، و لكن الأمر كما وصفت لك، فاذهب إلى معاوية الآن فاتخذ عنده بما قلت لك، فذهب الرجل فاستأذن على معاوية فأخبره خبر ما ذكر له ولده. فأرّخوا ذلك عندهم قبل مجي‏ء البرد، و لما جاءت البرد وجدوا ما أخبروهم به مطابقا لما كان أخبر به أبو الغلام، هذا ملخص ما ذكره.

و قال أبو القاسم: ثنا على بن الجعد ثنا زهير بن معاوية عن أبى إسحاق عن عمرو بن الأصم قال‏

: قلت للحسين بن على: إن هذه الشيعة يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: كذبوا و اللَّه ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه و لا قسمنا ماله.

و رواه أسباط بن محمد عن مطرف عن إسحاق عن عمرو بن الأصم عن الحسن بن على بنحوه.

16

لمعاوية، و يحقن الدماء بين المسلمين. فاصطلحوا على ذلك و اجتمعت الكلمة على معاوية على ما سيأتي بيانه و تفصيله، و قد لام الحسين لأخيه الحسن على هذا الرأى فلم يقبل منه، و الصواب مع الحسن رضى اللَّه عنه كما سنذكر دليله قريبا. و بعث الحسن بن على إلى أمير المقدمة قيس بن سعد أن يسمع و يطيع، فأبى قيس بن سعد من قبول ذلك، و خرج عن طاعتهما جميعا، و اعتزل بمن أطاعه ثم راجع الأمر فبايع معاوية بعد قريب كما سنذكره. ثم المشهور أن مبايعة الحسن لمعاوية كانت في سنة أربعين، و لهذا يقال له عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية، و المشهور عند ابن جرير و غيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى و أربعين كما سنذكره إن شاء اللَّه، و حج بالناس في هذه السنة- أعنى سنة أربعين- المغيرة بن شعبة، و زعم ابن جرير فيما رواه عن إسماعيل بن راشد أن المغيرة بن شعبة افتعل كتابا على لسان معاوية ليلى إمرة الحج عامئذ، و بادر إلى ذلك عتبة بن أبى سفيان، و كان معه كتاب من أخيه بإمرة الحج، فتعجل المغيرة فوقف بالناس يوم الثامن ليسبق عتبة إلى الامرة. و هذا الّذي نقله ابن جرير لا يقبل، لا يظن بالمغيرة رضى اللَّه عنه ذلك، و إنما نبهنا على ذلك ليعلم أنه باطل، فان الصحابة أجل قدرا من هذا، و لكن هذه نزغة شيعية. قال ابن جرير: و في هذه السنة بويع لمعاوية بايلياء- يعنى لما مات على- قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين لأنه لم يبق له عندهم منازع، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن على رضى اللَّه عنه ليمانعوا به أهل الشام فلم يتم لهم ما أرادوه و ما حاولوه، و إنما كان خذلانهم من قبل تدبيرهم و آرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم، و لو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم اللَّه به عليهم من مبايعتهم ابن بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و سيد المسلمين، و أحد علماء الصحابة و حلمائهم و ذوى آرائهم. و الدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الّذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا»

و إنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن على، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى و أربعين، و ذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فإنه توفى في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، و هذا من دلائل النبوة (صلوات اللَّه و سلامه عليه و سلم تسليما).

و قد مدحه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على صنيعه هذا و هو تركه الدنيا الفانية، و رغبته في الآخرة الباقية، و حقنه دماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة و جعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد. و هذا المدح قد ذكرناه‏

و سنورده في حديث أبى بكرة الثقفي‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صعد المنبر يوما و جلس الحسن بن على إلى جانبه، فجعل ينظر إلى الناس مرة و إليه أخرى ثم قال: «أيها الناس إن ابني هذا سيد، و سيصلح اللَّه به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»

رواه البخاري.

17

سنة إحدى و أربعين‏

قال ابن جرير: فيها سلم الحسن بن على الأمر لمعاوية بن أبى سفيان. ثم روى عن الزهري أنه قال: لما بايع أهل العراق الحسن بن على طفق يشترط عليهم أنهم سامعون مطيعون مسالمون [من سالمت‏] محاربون [من حاربت‏] فارتاب به أهل العراق و قالوا: ما هذا لكم بصاحب؟ فما كان عن قريب حتى طعنوه فأشووه فازداد لهم بغضا و ازداد منهم ذعرا، فعند ذلك عرف تفرقهم و اختلافهم عليه و كتب إلى معاوية يسالمه و يراسله في الصلح بينه و بينه على ما يختاران. و قال البخاري في كتاب الصلح: حدثنا عبد اللَّه بن محمد ثنا سفيان عن أبى موسى. قال: سمعت الحسن يقول: «استقبل و اللَّه الحسن بن على معاوية بن أبى سفيان بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية- و كان و اللَّه خير الرجلين-: إن قتل هؤلاء هؤلاء، و هؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بضعفتهم؟ من لي بنسائهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبد شمس- عبد الرحمن بن سمرة، و عبد اللَّه بن عامر- قال: اذهبا إلى هذا الرجل فأعرضا عليه و قولا له و اطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه فتكلما و قالا له و طلبا إليه،

فقال لهما الحسن بن على:

إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، و إن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا و كذا، و يطلب إليك و يسالمك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه»،

قال الحسن: و لقد سمعت أبا بكرة يقول‏

: رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على المنبر و الحسن بن على إلى جنبه و هو يقبل على الناس مرة و عليه أخرى و يقول: «إن ابني هذا سيد و لعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».

قال البخاري قال لي على بن المديني: إنما ثبت عندنا سماع الحسن بن أبى بكرة بهذا الحديث، قلت: و قد روى هذا الحديث البخاري في كتاب الفتن عن على بن عبد اللَّه- و هو ابن المديني- و في فضائل الحسن عن صدقة بن الفضل ثلاثتهم عن سفيان. و رواه أحمد عن سفيان- و هو ابن عيينة- عن إسرائيل بن موسى البصري به. و رواه أيضا في دلائل النبوة عن عبد اللَّه بن محمد- و هو ابن أبى شيبة- و يحيى بن آدم كلاهما عن حسين بن على الجعفي عن إسرائيل عن الحسن و هو البصري به. و أخرجه أحمد و أبو داود و النسائي من حديث حماد بن زيد عن على بن زيد عن الحسن البصري به. و رواه أبو داود أيضا و الترمذي من طريق أشعث عن الحسن به. و قال الترمذي: حسن صحيح. و قد رواه النسائي من طريق عوف الأعرابي و غيره عن الحسن البصري مرسلا.

و قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنا معمر أخبرنى من سمع الحسن يحدث عن أبى بكرة قال‏

: «كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يحدثنا يوما و الحسن بن على في حجره فيقبل على أصحابه فيحدثهم ثم يقبل على الحسن فيقبله ثم قال: «إن ابني‏

18

هذا سيد إن يعش يصلح بين طائفتين من المسلمين»

قال الحافظ ابن عساكر: كذا رواه معمر و لم يسم الّذي حدثه به عن الحسن، و قد رواه جماعة عن الحسن منهم أبو موسى إسرائيل، و يونس بن عبيد، و منصور بن زاذان، و على بن زيد، و هشام بن حسان، و أشعث بن سوار، و المبارك بن فضالة، و عمرو بن عبيد القدري.

ثم شرع ابن عساكر في تطريق هذه الروايات كلها فأفاد و أجاد.

قلت: و الظاهر أن معمرا رواه عن عمرو بن عبيد فلم يفصح باسمه. و قد رواه محمد بن إسحاق بن يسار عنه و سماه، و رواه أحمد بن هشام عن مبارك بن فضالة عن الحسن بن أبى بكرة فذكر الحديث قال الحسن: فو اللَّه و اللَّه بعد أن يولى لم يهراق في خلافته مل‏ء محجمة بدم، قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه: و قد رواه بعضهم عن الحسن عن أم سلمة.

و قد روى هذا الحديث من طريق جابر بن عبد اللَّه الأنصاري رضى اللَّه عنه، قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) للحسن:

«إن ابني هذا سيد يصلح اللَّه به بين فئتين من المسلمين».

و كذا رواه عبد الرحمن بن معمر عن الأعمش به.

و قال أبو يعلى: ثنا أبو بكر ثنا زيد بن الحباب ثنا محمد بن صالح التمار المدني ثنا محمد بن مسلم بن أبى مريم عن سعيد بن أبى سعيد المدني قال‏

: كنا مع أبى هريرة إذ جاء الحسن بن على قد سلم علينا قال:

فتبعه [فلحقه‏] و قال: و عليك السلام يا سيدي، و قال سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إنه سيد»

و قال أبو الحسن على بن المديني: كان تسليم الحسن الأمر لمعاوية في الخامس من ربيع الأول سنة إحدى و أربعين، و قال غيره: في ربيع الآخر. و يقال في غرة جمادى الأولى فاللَّه أعلم. قال:

و حينئذ دخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها بعد البيعة.

و ذكر ابن جرير

أن عمرو بن العاص أشار على معاوية أن يأمر الحسن بن على أن يخطب الناس و يعلمهم بنزوله عن الأمر لمعاوية، فأمر معاوية الحسن فقام في الناس خطيبا فقال في خطبته بعد حمد اللَّه و الثناء عليه و الصلاة على رسوله (صلى اللَّه عليه و سلم): أما بعد أيها الناس! فان اللَّه هداكم بأولنا و حقن دماءكم بآخرنا، و إن لهذا الأمر مدة، و الدنيا دول، و إن اللَّه تعالى قال لنبيه (صلى اللَّه عليه و سلم):

وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏

،

فلما قالها غضب معاوية و أمره بالجلوس، و عتب على عمرو بن العاص في إشارته بذلك، و لم يزل في نفسه لذلك و اللَّه أعلم. فأما الحديث الّذي‏

قال أبو عيسى الترمذي في جامعه: حدثنا محمود بن غيلان ثنا أبو داود الطيالسي ثنا القاسم بن الفضل الحدانى عن يوسف بن سعد قال:

قام رجل إلى الحسن بن على بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين- أو يا مسود وجوه المؤمنين- فقال: لا تؤنبنى رحمك اللَّه، فان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أرى بنى أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت‏

إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ

يا محمد- يعنى نهرا في الجنة- و نزلت‏

إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ

يملكها بعدك بنو أمية يا محمد،

قال الفضل: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما

19

و لا تنقص. ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل و هو ثقة وثقه يحيى القطان و ابن مهدي، قال: و شيخه يوسف بن سعد، و يقال يوسف بن مازن- رجل مجهول- قال: و لا يعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه، فإنه حديث غريب بل منكر جدا، و قد تكلمنا عليه في كتاب التفسير بما فيه كفاية و بينا وجه نكارته، و ناقشنا القاسم ابن الفضل فيما ذكره، فمن أراد ذلك فليراجع التفسير و اللَّه أعلم. و قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: ثنا إبراهيم بن مخلد بن جعفر ثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكمي ثنا عباس بن محمد ثنا أسود بن عامر ثنا زهير بن معاوية ثنا أبو روق الهمدانيّ ثنا أبو العريف قال: كنا في مقدمة الحسن بن على اثنا عشر ألفا بمسكن مستميتين من الجد على قتال أهل الشام، و علينا أبو الغمر طه فلما جاءنا بصلح الحسن بن على كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ،

فلما قدم الحسن بن على الكوفة قال له رجل منا يقال له أبو عامر سعيد بن النتل: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: لا تقل هذا يا عامر! لست بمذل المؤمنين و لكنى كرهت أن أقتلهم على الملك.

و لما تسلم معاوية البلاد و دخل الكوفة و خطب بها و اجتمعت عليه الكلمة في سائر الأقاليم و الآفاق، و رجع إليه قيس بن سعد أحد دهاة العرب- و قد كان عزم على الشقاق- و حصل على بيعة معاوية عامئذ الإجماع و الاتفاق، ترحل الحسن ابن على و معه أخوه الحسين و بقية إخوتهم و ابن عمهم عبد اللَّه بن جعفر من أرض العراق إلى أرض المدينة النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة و السلام، و جعل كلما مر بحىّ من شيعتهم يبكتونه على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية، و هو في ذلك هو البار الراشد الممدوح، و ليس يجد في صدره حرجا و لا تلوما و لا ندما، بل هو راض بذلك مستبشر به، و إن كان قد ساء هذا خلقا من ذويه و أهله و شيعتهم، و لا سيما بعد ذلك بمدد و هلم جرّا إلى يومنا هذا. و الحق في ذلك اتباع السنة و مدحه فيما حقن به دماء الأمة، كما مدحه على ذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كما تقدم في الحديث الصحيح و للَّه الحمد و المنة. و سيأتي فضائل الحسن عند ذكر وفاته رضى اللَّه عنه و أرضاه، و جعل جنات الفردوس متقلبه و مثواه، و قد فعل. و قال محمد بن سعد: أنا أبو نعيم ثنا شريك عن عاصم عن أبى رزين. قال:

خطبنا الحسن بن على يوم جمعة فقرأ سورة إبراهيم على المنبر حتى ختمها. و روى ابن عساكر عن الحسن أنه كان يقرأ كل ليلة سورة الكهف في لوح مكتوب يدور معه حيث دار من بيوت أزواجه قبل أن ينام و هو في الفراش رضى اللَّه عنه.

ذكر أيام معاوية بن أبى سفيان و ملكه‏

قد تقدم في الحديث أن الخلافة بعده (عليه السلام) ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا، و قد انقضت الثلاثون بخلافة الحسن بن على، فأيام معاوية أول الملك، فهو أول ملوك الإسلام و خيارهم.

قال‏

20

الطبراني: حدثنا على بن عبد العزيز ثنا أحمد بن يونس ثنا الفضيل بن عياض عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبى ثعلبة الخشنيّ عن معاذ بن جبل و أبى عبيدة قالوا قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«إن هذا الأمر بدا رحمة و نبوة، ثم يكون رحمة و خلافة، ثم كائن ملكان عضوضا، ثم كائن عتوا و جبرية و فسادا في الأرض، يستحلون الحرير و الفروج و الخمور و يرزقون على ذلك و ينصرون حتى يلقوا اللَّه عز و جل»

[ (1)] إسناده جيد.

و قد ذكرنا في دلائل النبوة الحديث الوارد من طريق إسماعيل بن إبراهيم ابن مهاجر و فيه ضعف عن عبد الملك بن عمر قال قال معاوية

: و اللَّه ما حملني على الخلافة إلا قول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لي: «يا معاوية إن ملكت فأحسن».

رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن العباس بن محمد عن محمد بن سابق عن يحيى بن زكريا بن أبى زائدة عن إسماعيل،

ثم قال البيهقي:

و له شواهد من وجوه أخر،

منها حديث عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص عن جده سعيد

أن معاوية أخذ الاداوة فتبع رسول اللَّه فنظر إليه فقال له: «يا معاوية إن وليت أمرا فاتق اللَّه و اعدل»

قال معاوية: فما زلت أظن أنى مبتلى بعمل لقول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

و منها حديث راشد بن سعد عن معاوية قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم»

قال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فنفعه اللَّه بها.

ثم روى البيهقي من طريق هشيم عن العوام بن حوشب عن سليمان بن أبى سليمان عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «الخلافة بالمدينة، و الملك بالشام»

غريب جدا،

و روى من طريق أبى إدريس عن أبى الدرداء قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «بينا أنا نائم رأيت الكتاب احتمل من تحت رأسي فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصرى فعمد به إلى الشام، و إن الايمان حين تقع الفتنة بالشام».

و قد رواه سعيد عن عبد العزيز عن عطية ابن قيس عن يونس بن ميسرة عن عبد اللَّه بن عمرو. و رواه الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان عن سليمان عن عامر عن أبى أمامة.

و روى يعقوب بن سفيان عن نصر بن محمد بن سليمان السلمي الحمصي عن أبيه عن عبد اللَّه بن قيس، سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

«رأيت عمودا من نور خرج من تحت رأسي ساطعا حتى استقر بالشام».

و قال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد اللَّه بن صفوان قال‏

قال رجل يوم صفين: اللَّهمّ العن أهل الشام، فقال له على:

لا تسب أهل الشام فان بها الابدال فان بها الابدال فان بها الابدال.

و قد روى هذا الحديث من وجه آخر مرفوعا:

فضل معاوية بن أبى سفيان رضى اللَّه عنه‏

هو معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي أبو عبد الرحمن القرشي الأموي، خال المؤمنين، و كاتب وحي رب العالمين، أسلم هو و أبوه و أمه هند

____________

[ (1)] و هذا الحديث قد رواه أبو داود الطيالسي فذكر نحوه. من هامش نسخة طوبقبو.

21

بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يوم الفتح. و قد روى عن معاوية أنه قال: أسلمت يوم عمرة القضاء و لكنى كتمت إسلامي من أبى إلى يوم الفتح، و قد كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية، و آلت إليه رياسة، قريش بعد يوم بدر، فكان هو أمير الحروب من ذلك الجانب، و كان رئيسا مطاعا ذا مال جزيل،

و لما أسلم قال: يا رسول اللَّه مرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: «نعم، قال و معاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: نعم»

ثم سأل أن يزوج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بابنته، و هي عزة بنت أبى سفيان و استعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فلم يقع ذلك، و بيّن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن ذلك لا يحل له. و قد تكلمنا على هذا الحديث في غير موضع، و أفردنا له مصنفا على حدة و للَّه الحمد و المنة. و المقصود أن معاوية كان يكتب الوحي لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مع غيره من كتاب الوحي رضى اللَّه عنهم. و لما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد بن أبى سفيان، و أقره على ذلك عثمان ابن عفان و زاده بلادا أخرى، و هو الّذي بنى القبة الخضراء بدمشق و سكنها أربعين سنة، قاله الحافظ ابن عساكر. و لما ولى على بن أبى طالب الخلافة أشار عليه كثير من أمرائه ممن باشر قتل عثمان أن يعزل معاوية عن الشام و يولى عليها سهل بن حنيف فعزله فلم ينتظم عزله و التف عليه جماعة من أهل الشام و مانع عليا عنها و قد قال: لا أبايعه حتى يسلمني قتلة عثمان فإنه قتل مظلوما، و قد قال اللَّه تعالى: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً. و روى الطبراني عن ابن عباس أنه قال:

ما زلت موقنا أن معاوية يلي الملك من هذه الآية. أوردنا سنده و متنه عند تفسير هذه الآية. فلما امتنع معاوية من البيعة لعلى حتى يسلمه القتلة، كان من صفين ما قدمنا ذكره، ثم آل الأمر إلى التحكيم، فكان من أمر عمرو بن العاص و أبى موسى ما أسلفناه من قوة جانب أهل الشام في الصعدة الظاهرة، و استفحل أمر معاوية، و لم يزل أمر على في اختلاف مع أصحابه حتى قتله ابن ملجم كما تقدم، فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن على، و بايع أهل الشام لمعاوية بن أبى سفيان. ثم ركب الحسن في جنود العراق عن غير إرادة منه، و ركب معاوية في أهل الشام. فلما تواجه الجيشان و تقابل الفريقان سعى الناس بينهما في الصلح فانتهى الحال إلى أن خلع الحسن نفسه من الخلافة و سلم الملك إلى معاوية بن أبى سفيان، و كان ذلك في ربيع الأول من هذه السنة- أعنى سنة إحدى و أربعين- و دخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعد ما بايعه الناس- و استوثقت له الممالك شرقا و غربا، و بعدا و قربا، و سمى هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة، فولى معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد، ثم بعده لأبى إدريس الخولانيّ. و كان على شرطته قيس بن حمزة، و كان كاتبه و صاحب أمره سرحون بن منصور الرومي، و يقال إنه أول من اتخذ الحرس و أول من حزم الكتب و ختمها، أو كان أول الأحداث في دولته رضى اللَّه عنه.

22

خروج طائفة من الخوارج عليه‏

و كان سبب ذلك أن معاوية لما دخل الكوفة و خرج الحسن و أهله منها قاصدين إلى الحجاز، قالت فرقة من الخوارج- نحو من خمسمائة-: جاء ما لا يشك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه، فساروا حتى قربوا من الكوفة و عليهم فروة بن نوفل، فبعث إليهم معاوية خيلا من أهل الشام فطردوا الشاميين، فقال معاوية: لا أمان لكم عندي حتى تكفوا بوائقكم، فخرجوا إلى الخوارج فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون؟ أ ليس معاوية عدوكم و عدونا؟ فدعونا حتى نقاتله فان أصبناه كنا قد كفيناكموه، و إن أصبنا كنتم قد كفيتمونا. فقالوا: لا و اللَّه حتى نقاتلكم، فقالت الخوارج: يرحم اللَّه إخواننا من أهل النهروان كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، فاقتتلوا فهزمهم أهل الكوفة و طردوهم، ثم إن معاوية أراد أن يستخلف على الكوفة عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فقال له المغيرة بن شعبة:

أ توليه الكوفة و أباه مصر و تبقى أنت بين لحيي الأسد؟ فثناه عن ذلك و ولى عليها المغيرة بن شعبة، فاجتمع عمرو بن العاص بمعاوية فقال: أ تجعل المغيرة على الخراج؟ هلا و ليت الخراج رجلا آخر؟

فعزله عن الخراج و ولاه على الصلاة، فقال المغيرة لعمرو في ذلك، فقال له: أ لست المشير على أمير المؤمنين في عبد اللَّه بن عمرو؟ قال: بلى! قال: فهذه بتلك. و في هذه السنة وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها و تغلب عليها، فبعث معاوية جيشا ليقتلوه و من معه، فجاء أبو بكرة الثقفي إلى معاوية فسأله في الصفح و العفو، فعفا عنهم و أطلقهم و ولى على البصرة بسر بن أبى أرطاة، فتسلط على أولاد زياد يريد قتلهم، و ذلك أن معاوية كتب إلى أبيهم ليحضر إليه فلبث، فكتب إليه بسر: لئن لم تسرع إلى أمير المؤمنين و إلا قتلت بنيك، فبعث أبو بكرة إلى معاوية في ذلك.

و قد قال معاوية لأبى بكرة: هل من عهد تعهده إلينا؟ قال: نعم! أعهد إليك يا أمير المؤمنين أن تنظر لنفسك و رعيتك و تعمل صالحا فإنك قد تقلدت عظيما، خلافة اللَّه في خلقه، فاتق اللَّه فان لك غاية لا تعدوها، و من ورائك طالب حثيث و أوشك أن يبلغ المدى فيلحق الطالب فتصير إلى من يسألك عما كنت فيه و هو أعلم به منك، و إنما هي محاسبة و توقيف، فلا تؤثرن على رضا اللَّه شيئا.

ثم ولى معاوية في آخر هذه السنة البصرة لعبد اللَّه بن عامر، و ذلك أن معاوية أراد أن يوليها لعتبة بن أبى سفيان فقال له ابن عامر: إن لي بها أموالا و ودائع، و إن لم تولينها هلكت، فولاه إياها و أجابه إلى سؤاله في ذلك. قال أبو معشر: و حج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبى سفيان، و قال الواقدي:

إنما حج بهم عنبسة بن أبى سفيان فاللَّه أعلم.

و من أعيان من توفى في هذا العام‏

رفاعة بن رافع‏

ابن مالك بن العجلان شهد العقبة و بدرا و ما بعد ذلك.

23

ركانة بن عبد يزيد

ابن هشام بن عبد المطلب القرشي، و هو الّذي صارعه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فصرعه، و كان هذا من أشد الرجال، و كان غلب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) له من المعجزات كما قدمنا في دلائل النبوة، أسلم عام الفتح، و قيل قبل ذلك بمكة فاللَّه أعلم.

صفوان بن أمية

ابن خلف بن وهب بن حذافة بن وهب القرشي، أحد الرؤساء تقدم أنه هرب من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عام الفتح، ثم جاء فأسلم و حسن إسلامه، و كان الّذي استأمن له عمير بن وهب الجمحيّ. و كان صاحبه و صديقه في الجاهلية كما تقدم، و قدم به في وقت صلاة العصر فاستأمن له فأمّنه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أربعة أشهر، و استعار منه أدرعا و سلاحا و مالا. و حضر صفوان حنينا مشركا، ثم أسلم و دخل الإيمان قلبه، فكان من سادات المسلمين كما كان من سادات الجاهلية. قال الواقدي: ثم لم يزل مقيما بمكة حتى توفى بها في أول خلافة معاوية.

عثمان بن طلحة

ابن أبى طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار العبدري الحجبي، أسلم هو و خالد بن الوليد و عمرو بن العاص في أول سنة ثمان قبل الفتح. و قد روى الواقدي حديثا طويلا عنه في صفة إسلامه، و هو الّذي أخذ منه رسول اللَّه مفتاح الكعبة عام الفتح ثم رده إليه و هو يتلو قوله تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها و قال له: «خذها يا عثمان خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلا ظالم». و كان على قد طلبها فمنعه من ذلك. قال الواقدي: نزل المدينة حياة رسول اللَّه، فلما مات نزل بمكة فلم يزل بها حتى مات في أول خلافة معاوية.

عمرو بن الأسود السكونيّ‏

كان من العباد الزهاد، و كانت له حلة بمائتي درهم يلبسها إذا قام إلى صلاة الليل، و كان إذا خرج إلى المسجد وضع يمينه على شماله مخافة الخيلاء، روى عن معاذ، و عبادة بن الصامت، و العرباض بن سارية و غيرهم، و قال أحمد في الزهد: ثنا أبو اليمان ثنا ابن بكر عن حكيم بن عمير و ضمرة بن حبيب قالا: قال عمر بن الخطاب: من سره أن ينظر إلى هدى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلينظر إلى هدى عمرو بن الأسود.

عاتكة بنت زيد

ابن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، و هي أخت سعيد بن زيد أحد العشرة، أسلمت و هاجرت و كانت من حسان النساء و عبادهن، تزوجها عبيد اللَّه بن أبى بكر فتتيم بها، فلما قتل في غزوة الطائف آلت أن لا تزوج بعده، فبعث إليها عمر بن الخطاب- و هو ابن عمها- فتزوجها، فلما

24

قتل عنها خلف بعده عليها الزبير بن العوام، فقتل بوادي السباع، فبعث إليها على بن أبى طالب يخطبها فقالت: إني أخشى عليك أن تقتل، فأبت أن تتزوجه و لو تزوجته لقتل عنها أيضا، فأنها لم تزل حتى ماتت في أول خلافة معاوية في هذه السنة رحمها اللَّه.

ثم دخلت سنة ثنتين و أربعين‏

فيها غزا المسلمون اللان و الروم فقتلوا من أمرائهم و بطارقتهم خلقا كثيرا، و غنموا و سلموا، و فيها ولى معاوية مروان بن الحكم نيابة المدينة، و على مكة خالد بن العاص بن هشام، و على الكوفة المغيرة بن شعبة، و على قضائها شريح القاضي، و على البصرة عبد اللَّه بن عامر، و على خراسان قيس ابن الهيثم من قبل عبد اللَّه بن عامر. و في هذه السنة تحركت الخوارج الذين كانوا قد عفى عنهم على يوم النهروان، و قد عوفي جرحاهم و ثابت إليهم قواهم، فلما بلغهم مقتل على ترحموا على قاتله ابن ملجم و قال قائلهم: لا يقطع اللَّه يدا علت قذال على بالسيف، و جعلوا يحمدون اللَّه على قتل على، ثم عزموا على الخروج على الناس و توافقوا على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فيما يزعمون. و في هذه السنة قدم زياد بن أبيه على معاوية- و كان قد امتنع عليه قريبا من سنة في قلعة عرفت به يقال لها قلعة زياد- فكتب إليه معاوية: ما يحملك على أن تهلك نفسك؟ أقدم عليّ فأخبرني بما صار إليك من أموال فارس و ما صرفت منها و ما بقي عندك فائتنى به و أنت آمن، فان شئت أن تقيم عندنا فعلت و إلا ذهبت حيث ما شئت من الأرض فأنت آمن. فعند ذلك أزمع زياد السير إلى معاوية، فبلغ المغيرة قدومه فخشي أن يجتمع بمعاوية قبله، فسار نحو دمشق إلى معاوية فسبقه زياد إلى معاوية بشهر فقال معاوية للمغيرة: ما هذا و هو أبعد منك و أنت جئت بعده بشهر؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه ينتظر الزيادة و أنا أنتظر النقصان، فأكرم معاوية زيادا و قبض ما كان معه من الأموال و صدقه فيما صرفه و ما بقي عنده.

ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين‏

فيها غزا بسر بن أبى أرطاة بلاد الروم فوغل فيها حتى بلغ مدينة قسطنطينية، و شتى ببلادهم فيما زعمه الواقدي، و أنكر غيره ذلك و قالوا: لم يكن بها مشتى لأحد قط فاللَّه أعلم. قال ابن جرير: و فيها مات عمرو بن العاص بمصر، و محمد بن مسلمة، قلت: و سنذكر ترجمة كل منهما في آخرها، فولى معاوية بعد عمرو بن العاص على ديار مصر ولده عبد اللَّه بن عمرو، قال الواقدي: فعمل له عليها سنتين.

و قد كانت في هذه السنة- أعنى سنة ثلاث و أربعين- وقعة عظيمة بين الخوارج و جند الكوفة، و ذلك أنهم صمموا- كما قدمنا- على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمائة عليهم المستورد بن علقمة، فجهز عليهم المغيرة بن شعبة جندا عليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، فصار إليهم و قدم بين يديه أبا الرواع في طليعة هي ثلاثمائة على عدة الخوارج، فلقيهم أبو

25

الرواع بمكان يقال له المذار: فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج، و لكن لم يقتل أحد منهم، فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس، فنزل و صلى بأصحابه، ثم شرع في مدح أبى الرواع فقال له: أيها الأمير إن لهم شدات منكرة، فكن أنت ردء الناس، و مر الفرسان فليقاتلوا بين يديك، فقال معقل بن قيس: نعم ما رأيت، فما كان إلا ريثما قال له ذلك حتى حملت الخوارج على معقل و أصحابه، فانجفل عنه عامة أصحابه، فترجل عند ذلك معقل بن قيس و قال: يا معشر المسلمين الأرض الأرض، فترجل معه جماعة من الفرسان و الشجعان قريب من مائتي فارس، منهم أبو الرواع الشاكري، فحمل عليهم المستورد بن علقمة بأصحابه فاستقبلوهم بالرماح و السيوف، و لحق بقية الجيش بعض الفرسان فدمرهم و عيرهم و أنبهم على الفرار فرجع الناس إلى معقل و هو يقاتل الخوارج بمن معه من الأنصار قتالا شديدا، و الناس يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة و ميسرة و رتبهم و قال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم، فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، فسار معقل في طلبهم و قدم بين يديه أبا الرواع في ستمائة فالتقوا بهم عند طلوع الشمس فثار إليهم الخوارج فتبارزوا ساعة، ثم حملوا حملة رجل واحد فصبر لهم أبو الرواع بمن معه، و جعل يدمرهم و يعيرهم و يؤنبهم على الفرار و يحثهم على الصبر فصبروا و صدقوا في الثبات حتى ردوا الخوارج إلى أماكنهم، فلما رأت الخوارج ذلك خافوا من هجوم معقل عليهم فما يكون دون قتلهم شي‏ء، فهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة و وقعوا في أرض نهر شير، و تبعهم أبو الرواع و لحقه معقل بن قيس، و وصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد- نائب المدائن- و لحقهم أبو الرواع بمن معه من المقدمة. و حج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة.

و ممن توفى بها عمرو بن العاص و محمد بن مسلمة رضى اللَّه عنهما. أما عمرو بن العاص [فهو عمرو ابن العاص‏] بن وائل بن هشام بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب القرشي السهمي، أبو عبد اللَّه، و يقال أبو محمد، أحد رؤساء قريش في الجاهلية، و هو الّذي أرسلوه إلى النجاشي ليرد عليهم من هاجر من المسلمين إلى بلاده فلم يجبهم إلى ذلك لعدله، و وعظ عمرو بن العاص في ذلك، فيقال إنه أسلم على يديه و الصحيح أنه إنما أسلم قبل الفتح بستة أشهر هو و خالد بن الوليد، و عثمان بن طلحة العبدري. و كان أحد أمراء الإسلام، و هو أمير ذات السلاسل، و أمده رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بمدد عليهم أبو عبيدة و معه الصديق و عمر الفاروق، و استعمله رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على عمان فلم يزل عليها مدة حياة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أقره عليها الصديق.

و قد قال الترمذي:

ثنا قتيبة ثنا ابن لهيعة ثنا مشرح بن عاهان عن عقبة بن عامر. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «أسلم‏

26

الناس و آمن عمرو بن العاص»

و قال أيضا: ثنا إسحاق بن منصور ثنا أبو أسامة عن نافع عن عمر الجمحيّ عن ابن أبى مليكة. قال قال طلحة بن عبيد اللَّه: سمعت رسول اللَّه يقول‏

: «إن عمرو بن العاص من صالحي قريش»

و

في الحديث الآخر:

«ابنا العاص مؤمنان»

و

في الحديث الآخر:

«نعم أهل البيت عبد اللَّه و أبو عبد اللَّه و أم عبد اللَّه».

رووه في فضائل عمرو بن العاص. ثم إن الصديق بعثه في جملة من بعث من أمراء الجيش إلى الشام فكان ممن شهد تلك الحروب، و كانت له الآراء السديدة، و المواقف الحميدة، و الأحوال السعيدة. ثم بعثه عمر إلى مصر فافتتحها و استنابه عليها، و أقره فيها عثمان بن عفان أربع سنين ثم عزله كما قدمنا، و ولى عليها عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، فاعتزل عمرو بفلسطين و بقي في نفسه من عثمان رضى اللَّه عنهما. فلما قتل سار إلى معاوية فشهد مواقفه كلها بصفين و غيرها، و كان هو أحد الحكمين. ثم لما أن استرجع معاوية مصر و انتزعها من يد محمد بن أبى بكر، استعمل عمرو بن العاص عليها فلم يزل نائبها إلى أن مات في هذه السنة على المشهور، و قيل إنه توفى سنة سبع و أربعين، و قيل سنة ثمان و أربعين. و قيل سنة إحدى و خمسين (رحمه اللَّه). و قد كان معدودا من دهاة العرب و شجعانهم و ذوى آرائهم. و له أمثال حسنة و أشعار جيدة. و قد روى عنه أنه قال: حفظت من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ألف مثل، و من شعره:

إذا المرء لم يترك طعاما يحبه‏* * * و لم ينه قلبا غاويا حيث يمما

قضى وطرا منه و غادر سبة* * * إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما

و قال الامام أحمد: حدثنا على بن إسحاق ثنا عبد اللَّه- يعنى ابن المبارك- أنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبى حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى فقال له ابنه عبد اللَّه: لم تبكى؟ أ جزعا على الموت؟ فقال: لا و اللَّه و لكن مما بعد الموت، فقال له: قد كنت على خير، فجعل يذكره صحبة رسول اللَّه و فتوحه الشام، فقال عمرو: تركت أفضل من ذلك كله شهادة أن لا إله إلا اللَّه، إني كنت على ثلاثة أطباق ليس فيها طبق إلا عرفت نفسي فيه، كنت أول قريش كافرا، و كنت أشد الناس على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلو مت حينئذ وجبت لي النار، فلما بايعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كنت أشد الناس حياء منه، فما ملأت عيني من رسول اللَّه و لا راجعته فيما أريد حتى لحق باللَّه حياء، فلو مت يومئذ قال الناس: هنيئا لعمرو أسلم و كان على خير فمات عليه نرجو له الجنة. ثم تلبست بعد ذلك بالسلطان و أشياء فلا أدرى عليّ أم لي، فإذا مت فلا تبكين على باكية، و لا يتبعني مادح و لا نار، و شدوا على إزاري فانى مخاصم، و شنوا على التراب شنا، فان جنبي الأيمن ليس أحق بالتراب من جنبي الأيسر، و لا تجعلن في قبري خشبة و لا حجرا، و إذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور أستأنس بكم. و قد روى مسلم هذا الحديث في صحيحه من‏

27

حديث يزيد بن أبى حبيب باسناده نحوه و فيه زيادات على هذا السياق، فمنها قوله: كي أستأنس بكم لأنظر ما ذا أراجع رسل ربى عز و جل. و في رواية أنه بعد هذا حول وجهه إلى الجدار و جعل يقول:

اللَّهمّ أمرتنا فعصينا، و نهيتنا فما انتهينا، و لا يسعنا إلا عفوك. و في رواية أنه وضع يده على موضع الغل من عنقه و رفع رأسه إلى السماء و قال: اللَّهمّ لا قوى فانتصر، و لا برئ فأعتذر، و لا مستنكر بل مستغفر، لا إله إلا أنت، فلم يزل يرددها حتى مات رضى اللَّه عنه.

و أما محمد بن مسلمة الأنصاري [فقد] أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل أسيد بن حضير و سعد ابن معاذ، شهد بدرا و ما بعدها إلا تبوك فإنه استخلفه رسول اللَّه على المدينة في قول، و قيل استخلفه في قرقرة الكدر، و كان فيمن قتل كعب بن الأشرف اليهودي، و قيل إنه الّذي قتل مرحبا اليهودي يوم خيبر أيضا. و قد أمّره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على نحو من خمس عشرة سرية، و كان ممن اعتزل تلك الحروب بالجمل و صفين و نحو ذلك، و اتخذ سيفا من خشب. و قد ورد في حديث قدمناه أنه أمره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بذلك و خرج إلى الرَّبَذَة. و كان من سادات الصحابة، و كان هو رسول عمر إلى عماله و هو الّذي شاطرهم عن أمره، و له وقائع عظيمة و صيانة و أمانة بليغة، رضى اللَّه عنه، و استعمله على صدقات جهينة، و قيل إنه توفى سنة ست أو سبع و أربعين، و قيل غير ذلك. و قد جاوز السبعين، و ترك بعده عشرة ذكور و ست بنات، و كان أسمر شديد السمرة طويلا أصلع رضى اللَّه عنه.

و ممن توفى فيها عبد اللَّه بن سلام أبو يوسف الإسرائيلي، أحد أحبار اليهود، أسلم حين قدم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) المدينة،

قال:

لما قدم رسول اللَّه المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل إليه، فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: «أيها الناس أفشوا السلام، و أطعموا الطعام، و صلوا الأرحام تدخلوا الجنة بسلام».

و قد ذكرنا صفة إسلامه أول الهجرة، و ما ذا سأل عنه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من الأسئلة النافعة الحسنة، رضى اللَّه عنه. و هو ممن شهد له رسول اللَّه بالجنة، و هو ممن يقطع له بدخولها.

ثم دخلت سنة أربع و أربعين‏

فيها غزا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم و معه المسلمون و شتوا هنالك، و فيها غزا بسر ابن أبى أرطاة في البحر، و فيها عزل معاوية عبد اللَّه بن عامر عن البصرة، و ذلك أنه ظهر فيها الفساد و كان ليّن العريكة سهلا، يقال إنه كان لا يقطع لصا و يريد أن يتألف الناس، فذهب عبد اللَّه بن أبى أوفى المعروف بابن الكواء فشكاه إلى معاوية، فعزل معاوية ابن عامر عن البصرة و بعث إليها الحرث بن عبد اللَّه الأزدي، و يقال إن معاوية استدعاه إليه ليزوره فقدم ابن عامر على معاوية دمشق فأكرمه و رده على عمله، فلما ودعه قال له معاوية: ثلاث أسألكهن فقل هي لك و أنا ابن أم‏

28

حكيم، ترد على عملي و لا تغضب، قال ابن عامر: قد فعلت، قال معاوية: و تهب لي مالك بعرفة، قال: قد فعلت. قال: و تهب لي دورك بمكة، قال: قد فعلت. فقال له معاوية: و صلتك رحما، فقال ابن عامر: يا أمير المؤمنين و إني سائلك ثلاثا فقل هي لك و أنا ابن هند، قال: ترد على مالي بعرفة، قال: قد فعلت قال و لا تحاسب: لي عاملا و لا أميرا، قال: قد فعلت، قال: و تنكحني ابنتك هندا، قال: قد فعلت. و يقال إن معاوية خيره بين هذه الثلاث و بين الولاية على البصرة فاختار هذه الثلاث و اعتزل عن البصرة. قال ابن جرير: و في هذه السنة استلحق معاوية زياد ابن أبيه فألحقه بأبي سفيان، و ذلك أن رجلا شهد على إقرار أبى سفيان أنه عاهر بسمية أم زياد في الجاهلية، و أنها حملت بزياد هذا منه، فلما استلحقه معاوية قيل له زياد بن أبى سفيان، و قد كان الحسن البصري ينكر هذا الاستلحاق و يقول:

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

«الولد للفراش و للعاهر الحجر».

و قال أحمد: ثنا هشيم ثنا خالد عن أبى عثمان قال: لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت:

ما هذا الّذي صنعتم؟

سمعت سعد بن أبى وقاص يقول: سمعت أذنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه و هو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام»

فقال أبو بكرة: و أنا سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، أخرجاه من حديث أبى عثمان عنهما. قلت: أبو بكرة و اسمه نفيع و أمه سمية أيضا. و حج بالناس في هذه السنة معاوية، و فيها عمل معاوية المقصورة بالشام، و مروان مثلها بالمدينة.

و في هذه السنة توفيت أم حبيبة بنت أبى سفيان أم المؤمنين، و اسمها رملة أخت معاوية، أسلمت قديما و هاجرت هي و زوجها عبد اللَّه بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر هناك زوجها، و ثبتت على دينها رضى اللَّه عنها، و حبيبة هي أكبر أولادها منه، ولدتها بالحبشة و قيل بمكة قبل الهجرة، و مات زوجها هنالك لعنة اللَّه و قبحه. و لما تأيمت من زوجها بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشي فزوجها منه، و ولى العقد خالد بن سعيد بن العاص، و أصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار و حملها إليه في سنة سبع، و لما جاء أبوها عام الفتح ليشهد العقد دخل عليها فثنت عنه فراش رسول اللَّه فقال لها: و اللَّه يا بنية ما أدرى أرغبت بهذا الفراش عنى أم بى عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول اللَّه و أنت رجل مشرك، فقال لها: و اللَّه يا بنية لقد لقيت بعدي شرا. و قد كانت من سيدات أمهات المؤمنين و من العابدات الورعات رضى اللَّه عنها. قال محمد بن عمر الواقدي:

حدثني أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبى سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة عند موتها فقالت: قد يكون بيننا ما يكون بين الضرائر. فقلت:

يغفر اللَّه لي و لك، ما كان من ذلك كله و تجاوزت و حاللتك، فقالت: سررتينى سرك اللَّه. و أرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك.

29

ثم دخلت سنة خمس و أربعين‏

فيها ولى معاوية البصرة للحارث بن عبد اللَّه الأزدي، ثم عزله بعد أربعة أشهر، و ولى زيادا فقدم زياد الكوفة، و عليها المغيرة فأقام بها ليأتيه رسول معاوية بولاية البصرة، فظن المغيرة أنه قد جاء على إمرة الكوفة فبعث إليه وائل بن حجر ليعلم خبره فاجتمع به فلم يقدر منه على شي‏ء، فجاء البريد إلى زياد أن يسير إلى البصرة، و استعمله على خراسان و سجستان ثم جمع له الهند و البحرين و عمان.

و دخل زياد البصرة في مستهل جمادى الأول فقام في أول خطبة خطبها- و قد وجد الفسق ظاهرا- فقال فيها: أيها الناس كأنكم لم تسمعوا ما أعد اللَّه من الثواب لأهل الطاعة، و العذاب لأهل المعصية تكونون كمن طرقت جبينه الدنيا و فسدت مسامعه الشهوات، فاختار الفانية على الباقية. ثم ما زال يقيم أمر السلطان و يجرد السيف حتى خافه الناس خوفا عظيما، و تركوا ما كانوا فيه من المعاصي الظاهرة، و استعان بجماعة من الصحابة، و ولى عمران بن حصين القضاء بالبصرة، و ولى الحكم بن عمرو الغفاريّ نيابة خراسان، و ولى سمرة بن جندب و عبد الرحمن بن سمرة و أنس بن مالك، و كان حازم الرأى ذا هيبة داهية، و كان مفوها فصيحا بليغا. قال الشعبي: ما سمعت متكلما قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا من أن يسي‏ء إلا زيادا فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما، و قد كانت له وجاهة عند عمر بن الخطاب. و في هذه السنة غزا الحكم بن عمرو نائب زياد على خراسان جبل الأسل عن أمر زياد فقتل منهم خلقا كثيرا و غنم أموالا جمة، فكتب إليه زياد: إن أمير المؤمنين قد جاء كتابه أن يصطفى له كل صفراء و بيضاء- يعنى الذهب و الفضة- يجمع كله من هذه الغنيمة لبيت المال. فكتب الحكم بن عمرو: إن كتاب اللَّه مقدم على كتاب أمير المؤمنين، و إنه و اللَّه لو كانت السموات و الأرض على عدو فاتقى اللَّه يجعل له مخرجا، ثم نادى في الناس: أن أغدوا على قسم غنيمتكم، فقسمها بينهم و خالف زيادا فيما كتب إليه عن معاوية، و عزل الخمس كما أمر اللَّه و رسوله، ثم قال الحكم: إن كان لي عندك خير فاقبضنى إليك، فمات بمرو من خراسان رضى اللَّه عنه. قال ابن جرير: و حج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم و كان نائب المدينة.

و في هذه السنة توفى زيد بن ثابت الأنصاري أحد كتاب الوحي، و قد ذكرنا ترجمته فيهم في أواخر السيرة، و هو الّذي كتب هذا المصحف الامام الّذي بالشام عن أمر عثمان بن عفان، و هو خط جيد قوى جدا فيما رأيته، و قد كان زيد بن ثابت من أشد الناس ذكاء تعلم لسان يهود و كتابهم في خمسة عشر يوما، قال أبو الحسن بن البراء: تعلم الفارسية من رسول كسرى في ثمانية عشر يوما، و تعلم الحبشية و الروميّة و القبطية من خدام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال الواقدي: و أول مشاهده الخندق و هو ابن خمس عشرة سنة. و في الحديث الّذي رواه أحمد و النسائي: «و أعلمهم بالفرائض زيد بن‏

30

ثابت». و قد استعمله عمر بن الخطاب على القضاء، و قال مسروق: كان زيد بن ثابت من الراسخين، و قال محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن ابن عباس أنه أخذ لزيد بن ثابت بالركاب فقال له: تنح يا ابن عم رسول اللَّه، فقال: لا! هكذا نفعل بعلمائنا و كبرائنا. و قال الأعمش عن ثابت عن عبيد قال:

كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته و من أذمها إذا خرج إلى الرجال. و قال محمد بن سيرين:

خرج زيد بن ثابت إلى الصلاة فوجد الناس راجعين منها فتوارى عنهم، و قال: من لا يستحيى من الناس لا يستحيى من اللَّه. مات في هذه السنة و قيل في سنة خمس و خمسين، و الصحيح الأول، و قد قارب الستين و صلى عليه مروان، و قال ابن عباس: لقد مات اليوم عالم كبير. و قال أبو هريرة:

مات حبر هذه الأمة.

و فيها مات سلمة بن سلامة بن وقش عن سبعين، و قد شهد بدرا و ما بعدها و لا عقب له. و عاصم ابن عدي، و قد استخلفه رسول اللَّه حين خرج إلى بدر على قبا و أهل العالية، و شهد أحدا و ما بعدها، و توفى عن خمس و عشرين و مائة، و قد بعثه رسول اللَّه هو و مالك بن الدخشم إلى مسجد الضرار فحرقاه.

و فيها توفيت حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين، و كانت قبل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تحت حنيس بن حذافة السهمي، و هاجرت معه إلى المدينة فتوفى عنها بعد بدر، فلما انقضت عدتها عرضها أبوها على عثمان بعد وفاة زوجته رقية بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فأبى أن يتزوجها، فعرضها على أبى بكر فلم يرد عليه شيئا، فما كان عن قريب حتى خطبها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فتزوجها، فعاتب عمر أبا بكر بعد ذلك في ذلك فقال له أبو بكر: إن رسول اللَّه كان قد ذكرها فما كنت لأفشى سر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لو تركها فتزوجها. و قد روينا في الحديث أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) طلق حفصة ثم راجعها. و في رواية أن جبريل أمره بمراجعتها، و قال: إنها صوامة قوامة، و هي زوجتك في الجنة. و قد أجمع الجمهور أنها توفيت في شعبان من هذه السنة عن ستين سنة، و قيل إنها توفيت أيام عثمان و الأول أصح.

ثم دخلت سنة ست و أربعين‏

فيها شتى المسلمون ببلاد الروم مع أميرهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و قيل كان أميرهم غيره و اللَّه أعلم. و حج بالناس فيها عتبة بن أبى سفيان أخو معاوية، و العمال على البلاد هم المتقدم ذكرهم‏

و ممن توفى في هذه السنة

سالم بن عمير أحد البكاءين المذكورين في القرآن، شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد كلها.

31

سراقة بن كعب شهد بدرا و ما بعدها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد

القرشي المخزومي، و كان من الشجعان المعروفين و الأبطال المشهورين كأبيه، و كان قد عظم ببلاد الشام لذلك حتى خاف منه معاوية، و مات و هو مسموم (رحمه اللَّه) و أكرم مثواه، قال ابن مندة و أبو نعيم الأصبهاني: أدرك النبي (صلى اللَّه عليه و سلم). و قد روى ابن عساكر من طريق أبى عمر أن عمرو بن قيس روى عنه عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في الحجامة بين الكتفين قال البخاري: و هو منقطع- يعنى مرسلا- و كان كعب بن جعيل مداحا له و لأخويه مهاجر و عبد اللَّه. و قال الزبير بن بكار: كان عظيم القدر في أهل الشام، شهد صفين مع معاوية. و قال ابن سميع: كان يلي الصوائف زمن معاوية، و قد حفظ عن معاوية. و قد ذكر ابن جرير و غيره أن رجلا يقال له ابن أثال- و كان رئيس الذمة بأرض حمص- سقاه شربة فيها سم فمات، و زعم بعضهم أن ذلك عن أمر معاوية له في ذلك و لا يصح. و رثاه بعضهم فقال:

أبوك الّذي قاد الجيوش مغرّيا* * * إلى الروم لما أعطت الخرج فارس‏

و كم من فتى نبهّته بعد هجعة* * * بقرع لجام و هو أكتع ناعس‏

و ما يستوي الصفان صف لخالد* * * و صف عليه من دمشق البرانس‏

و قد ذكروا أن خالد بن عبد الرحمن بن خالد قدم المدينة فقال له عروة بن الزبير: ما فعل ابن أثال؟ فسكت، ثم رجع إلى حمص فثار على ابن أثال فقتله، فقال: قد كفيتك إياه و لكن ما فعل ابن جرموز؟ فسكت عروة و محمد بن مسلمة في قول، و قد تقدم (هرم بن حبان العبديّ) و هو أحد عمال عمر بن الخطاب، و لقي أويسا القرني و كان من عقلاء الناس و علمائهم، و يقال إنه لما دفن جاءت سحابة فروت قبره وحده، و نبت العشب عليه من وقته و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة سبع و أربعين‏

فيها شتى المسلمون ببلاد الروم، و فيها عزل معاوية عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن ديار مصر و ولى عليها معاوية بن خديج، و حج بالناس عتبة، و قيل أخوه عنبسة بن أبى سفيان فاللَّه أعلم.

و ممن توفى فيها قيس بن عاصم المنقري، كان من سادات الناس في الجاهلية و الإسلام، و كان ممن حرم الخمر في الجاهلية و الإسلام، و ذلك أنه سكر يوما فعبث بذات محرم منه فهربت منه، فلما أصبح قيل له في ذلك فقال في ذلك:

رأيت الخمر منقصة و فيها* * * مقابح تفضح الرجل الكريما

فلا و اللَّه أشربها حياتي‏* * * و لا أشفى بها أبدا سقيما

و كان إسلامه مع وفد بنى تميم، و في بعض الأحاديث‏

أن رسول اللَّه قال:

«هذا سيد أهل الوبر»

32

و كان جوادا ممدحا كريما و هو الّذي يقول فيه الشاعر:

و ما كان قيس هلكه هلك واحد* * * و لكنه بنيان قوم تهدما

و قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء و أبا سفيان بن العلاء يقولان: قيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري، لقد اختلفنا إليه في الحكم كما يختلف إلى الفقهاء، فبينا نحن عنده يوما و هو قاعد بفنائه محتب بكسائه أتته جماعة فيهم مقتول و مكتوف فقالوا:

هذا ابنك قتله ابن أخيك، قال: فو اللَّه ما حل حبوته حتى فرغ من كلامه، ثم التفت إلى ابن له في المسجد فقال: أطلق عن ابن عمك، و وار أخاك و احمل إلى أمه مائة من الإبل فإنها غريبة، و يقال إنه لما حضرته الوفاة جلس حوله بنوه- و كانوا اثنين و ثلاثين ذكرا- فقال لهم: يا بنى سوّدوا عليكم أكبركم تخلفوا أباكم، و لا تسوّدوا أصغركم فيزدرى بكم أكفاؤكم، و عليكم بالمال و اصطناعه فإنه نعم ما يهبه الكريم، و يستغنى به عن اللئيم، و إياكم و مسألة الناس فإنها من أخس مكسبة الرجل، و لا تنوحوا عليّ فان رسول اللَّه لم ينح عليه، و لا تدفنونى حيث يشعر بكر بن وائل، فانى كنت أعاديهم في الجاهلية. و فيه يقول الشاعر

عليك سلام اللَّه قيس بن عاصم‏* * * و رحمته ما شاء أن يترحما

تحية من أوليته منك منة* * * إذا ذكرت مثلتها تملأ الفما

فما كان قيس هلكه هلك واحد* * * و لكنه بنيان قوم تهدما

ثم دخلت سنة ثمان و أربعين‏

فيها شتى أبو عبد الرحمن القتبى بالمسلمين ببلاد انطاكية، و فيها غزا عقبة بن عامر بأهل مصر البحر، و حج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة.

ثم دخلت سنة تسع و أربعين‏

فيها غزا يزيد بن معاوية بلاد الروم حتى بلغ قسطنطينية و معه جماعات من سادات الصحابة منهم ابن عمرو ابن عباس و ابن الزبير و أبو أيوب الأنصاري.

و قد ثبت في صحيح البخاري أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

«أول جيش يغزون مدينة قيصر مغفور لهم»

فكان هذا الجيش أول من غزاها، و ما وصلوا إليها حتى بلغوا الجهد. و فيها توفى أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري، و [قيل‏] لم يمت في هذه الغزوة بل بعدها سنة إحدى أو ثنتين أو ثلاث و خمسين كما سيأتي. و فيها عزل معاوية مروان عن المدينة و ولى عليها سعيد بن العاص، فاستقضى سعيد عليها أبا سلمة بن عبد الرحمن.

و فيها شتى مالك بن هبيرة الفزاري بأرض الروم، و فيها كانت غزوة فضالة بن عبيد، و شتى لك، ففتح البلد و غنم شيئا كثيرا. و فيها كانت صائفة عبد اللَّه بن كرز. و فيها وقع الطاعون بالكوفة فخرج‏

33

منها المغيرة فارا، فلما ارتفع الطاعون رجع إليها فأصابه الطاعون فمات، و الصحيح أنه مات سنة خمسين كما سيأتي، فجمع معاوية لزياد الكوفة إلى البصرة، فكان أول من جمع له بينهما، فكان يقيم في هذه ستة أشهر و هذه ستة أشهر، و كان يستخلف على البصرة سمرة بن جندب. و حج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص.

ذكر من توفى في هذه السنة من الأعيان الحسن بن على بن أبى طالب‏

أبو محمد القرشي الهاشمي، سبط رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ابن ابنته فاطمة الزهراء، و ريحانته، و أشبه خلق اللَّه به في وجهه، ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه رسول اللَّه بريقه و سماه حسنا، و هو أكبر ولد أبويه، و قد كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يحبه حبا شديدا حتى كان يقبل زبيبته و هو صغير، و ربما مص لسانه و اعتنقه و داعبه، و ربما جاء و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ساجد في الصلاة فيركب على ظهره فيقره على ذلك و يطيل السجود من أجله، و ربما صعد معه إلى المنبر،

و قد ثبت في الحديث‏

أنه (عليه السلام) بينما هو يخطب إذ رأى الحسن و الحسين مقلين فنزل إليهما فاحتضنهما و أخذهما معه إلى المنبر و قال: «صدق اللَّه‏

أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ

إني رأيت هذين يمشيان و يعثران فلم أملك أن نزلت إليهما» ثم قال: «إنكم لمن روح اللَّه و إنكم لتبجلون و تحببون».

و قد ثبت في صحيح البخاري عن أبى عاصم عن عمر بن سعيد بن أبى حسين عن ابن أبى مليكة عن عقبة بن الحارث أن أبا بكر صلّى بهم العصر بعد وفاة رسول اللَّه بليال ثم خرج هو و على يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلمان فاحتمله على عنقه و جعل يقول: «يا بابي شبه النبي، ليس شبيها بعلي». قال: و على يضحك. و روى سفيان الثوري و غير واحد قالوا: ثنا وكيع ثنا إسماعيل بن أبى خالد سمعت أبا جحيفة يقول: «رأيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و كان الحسن بن على يشبهه». و رواه البخاري و مسلم من حديث إسماعيل بن أبى خالد قال وكيع: لم يسمع إسماعيل من أبى جحيفة إلا هذا الحديث.

و قال أحمد: ثنا أبو داود الطيالسي ثنا زمعة عن ابن أبى مليكة قالت:

كانت فاطمة تنقر للحسن بن على و تقول: يا بابي شبه النبي ليس شبيها بعلي.

و قال عبد الرزاق و غيره عن معمر عن الزهري عن أنس قال: كان الحسن بن على أشبههم وجها برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و رواه أحمد عن عبد الرزاق بنحوه،

و قال أحمد: ثنا حجاج ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن هانئ عن على قال:

«الحسن أشبه برسول اللَّه ما بين الصدر إلى الرأس، و الحسين أشبه برسول اللَّه ما أسفل من ذلك».

و رواه الترمذي من حديث إسرائيل‏

و قال حسن غريب.

و قال أبو داود الطيالسي: ثنا قيس عن أبى إسحاق عن هانئ بن هانئ عن على قال:

كان الحسن أشبه الناس برسول اللَّه من وجهه إلى سرته، و كان الحسين أشبه الناس به‏

34

ما أسفل من ذلك.

و قد روى عن ابن عباس و ابن الزبير أن الحسن بن على كان يشبه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم).

و قال أحمد: ثنا حازم بن الفضيل ثنا معتمر عن أبيه قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن أبى عثمان النهدي يحدثه أبو عثمان عن أسامة بن زيد قال:

«كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يأخذنى فيقعدني على فخذه و يقعد الحسن على فخذه الأخرى ثم يضمنا ثم يقول: اللَّهمّ ارحمهما فانى أرحمهما».

و كذا رواه البخاري عن النهدي عن محمد بن الفضيل أخو حازم به، و عن على بن المديني عن يحيى القطان عن سليمان التيمي عن أبى تميمة عن أبى عثمان عن أسامة، و أخرجه أيضا عن موسى بن إسماعيل و مسدد عن معتمر عن أبيه عن أبى عثمان عن أسامة

فلم يذكر أبا تميمة و اللَّه أعلم. و

في رواية:

«اللَّهمّ إني أحبهما فأحبهما».

و قال شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال:

رأيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و الحسن بن على عاتقه و هو يقول: «اللَّهمّ إني أحبه فأحبه».

أخرجاه من حديث شعبة. و رواه على بن الجعد عن فضيل بن مرزوق عن عدي عن البراء، فزاد

«و أحب من أحبه»

و قال الترمذي: حسن صحيح.

و قال أحمد: ثنا سفيان بن عيينة عن عبيد اللَّه بن أبى يزيد عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبى هريرة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال للحسن بن على:

«اللَّهمّ إني أحبه فأحبه و أحب من يحبه».

و رواه مسلم عن أحمد و أخرجاه من حديث شعبة.

و قال أحمد: ثنا أبو النضر ثنا ورقاء عن عبيد اللَّه بن أبى يزيد عن نافع بن جبير عن أبى هريرة. قال:

«كنت مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في سوق من أسواق المدينة فانصرف و انصرفت معه، فجاء إلى فناء فاطمة فقال أي لكع أي لكع أي لكع فلم يجبه أحد، فانصرف و انصرفت معه إلى فناء فقعد، قال: فجاء الحسن بن على- قال أبو هريرة: ظننا أن أمه حبسته لتجعل في عنقه السخاب- فلما دخل التزمه رسول اللَّه و التزم هو رسول اللَّه، ثم قال: إني أحبه و أحب من يحبه» ثلاث مرات.

و أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة عن عبد اللَّه به.

و قال أحمد:

ثنا حماد الخياط ثنا هشام بن سعد عن نعيم بن عبد اللَّه المجمر عن أبى هريرة. قال:

«خرج رسول اللَّه إلى سوق بنى قينقاع متكئا على يدي فطاف فيها، ثم رجع فاحتبى في المسجد و قال: أين لكاع؟

ادعوا لي لكاع، فجاء الحسن فاشتد حتى وثب في حبوته فأدخل فمه في فمه ثم قال: اللَّهمّ إني أحبه فأحبه و أحب من يحبه» ثلاثا، قال أبو هريرة: ما رأيت الحسن إلا فاضت عينىّ، أو قال: دمعت عيني أو بكيت- و هذا على شرط مسلم و لم يخرجوه.

و قد رواه الثوري عن نعيم عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة فذكر مثله أو نحوه. و رواه معاوية بن أبى برود عن أبيه عن أبى هريرة بنحوه و فيه زيادة. و روى أبو إسحاق عن الحارث عن على نحوا من هذا. و رواه عثمان بن أبى اللباب عن ابن أبى مليكة عن عائشة بنحوه و فيه زيادة. و روى أبو إسحاق عن الحارث عن على نحوا من هذا السياق.

و قال سفيان الثوري و غيره عن سالم بن أبى حفصة عن أبى حازم عن أبى هريرة. قال قال‏

35

رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

«من أحب الحسن و الحسين فقد أحبنى، و من أبغضهما فقد أبغضنى»

غريب من هذا الوجه.

و قال أحمد: ثنا ابن نمير ثنا الحجاج- يعنى ابن دينار- عن جعفر بن إياس عن عبد الرحمن بن مسعود عن أبى هريرة قال:

«خرج علينا رسول اللَّه و معه حسن و حسين، هذا على عاتقه و هذا على عاتقه، و هو يلثم هذا مرة و هذا مرة حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول اللَّه إنك لتحبهما، فقال: من أحبهما فقد أحبنى و من أبغضهما فقد أبغضنى».

تفرد به أحمد.

و قال أبو بكر ابن عياش عن عاصم عن زر عن عبد اللَّه قال:

«كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يصلى فجاء الحسن و الحسين فجعلا يتوثبان على ظهره إذا سجد، فأراد الناس زجرهما فلما سلم قال للناس: هذان ابناي، من أحبهما فقد أحبنى».

و رواه النسائي من حديث عبيد اللَّه بن موسى عن على بن صالح عن عاصم به.

و قد ورد عن عائشة و أم سلمة أمى المؤمنين‏

أن رسول اللَّه اشتمل على الحسن و الحسين و أمهما و أبيهما فقال: «اللَّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا»

و قال محمد بن سعد: ثنا محمد ابن عبد اللَّه الأسدي ثنا شريك عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد اللَّه. قال قال رسول اللَّه:

«من سره أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسن ابن على»

و قد رواه وكيع عن الربيع بن سعد عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر فذكر مثله،

و إسناده لا بأس به، و لم يخرجوه.

و جاء من حديث على و أبى سعيد و بريدة أن رسول اللَّه قال‏

: «الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة و أبوهما خير منهما».

و قال أبو القاسم البغوي: ثنا داود بن عمرو ثنا إسماعيل ابن عياش حدثني عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم عن سعد بن راشد عن يعلى بن مرة. قال:

«جاء الحسن و الحسين يسعيان إلى رسول اللَّه فجاء أحدهما قبل الآخر فجعل يده تحت رقبته ثم ضمه إلى إبطه، ثم جاء الآخر فجعل يده إلى الأخرى في رقبته ثم ضمه إلى إبطه، و قبل هذا ثم قبل هذا ثم قال: اللَّهمّ إني أحبهما فأحبهما، ثم قال: أيها الناس إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة»

و قد رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبى خيثم عن محمد بن الأسود بن خلف عن أبيه‏

«أن رسول اللَّه أخذ حسنا فقبله ثم أقبل عليهم فقال: إن الولد مبخلة مجبنة»

و قال ابن خزيمة: ثنا عبدة بن عبد اللَّه الخزاعي ثنا زيد بن الحباب ح و قال أبو يعلى أبو خيثمة: ثنا زيد بن الحباب حدثني حسين بن واقد حدثني عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه قال:

«كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب فجاء الحسن و الحسين و عليهما قميصان أحمران يعثران و يقومان، فنزل رسول اللَّه إليهما فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر، ثم قال: صدق اللَّه! إنما أموالكم و أولادكم فتنة، رأيت هذين الصبيين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته».

و قد رواه أبو داود و الترمذي و ابن ماجة من حديث الحسين بن واقد، و قال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه، و قد رواه محمد الضمريّ عن زيد بن أرقم‏

فذكر القصة للحسن وحده:

و في‏

36

حديث عبد اللَّه بن شداد عن أبيه‏

«أن رسول اللَّه صلّى بهم إحدى صلاتي العشي فسجد سجدة أطال فيها السجود، فلما سلم قال الناس له في ذلك، قال: إن ابني هذا- يعنى الحسن- ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضى حاجته».

و قال الترمذي عن أبى الزبير عن جابر قال:

«دخلت على رسول اللَّه و هو حامل الحسن و الحسين على ظهره و هو يمشى بهما على أربع، فقلت: نعم الحمل حملكما فقال: و نعم العدلان هما»

على شرط مسلم و لم يخرجوه،

و قال أبو يعلى: ثنا أبو هاشم ثنا أبو عامر ثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس. قال:

«خرج رسول اللَّه و هو حامل الحسن على عاتقه فقال له رجل: يا غلام نعم المركب ركبت، فقال رسول اللَّه: و نعم الراكب هو».

و قال أحمد: حدثنا تليد بن سليمان ثنا أبو الحجاف عن أبى حازم عن أبى هريرة. قال:

«نظر رسول اللَّه إلى على و حسن و حسين و فاطمة فقال: أنا حرب لمن حاربتم و سلم لمن سالمتم».

و قد رواه النسائي من حديث أبى نعيم، و ابن ماجة من حديث وكيع كلاهما عن سفيان الثوري عن أبى الحجاف داود بن أبى عوف،

قال وكيع: و كان مريضا- عن أبى حازم عن أبى هريرة أن رسول اللَّه قال‏

عن الحسن و الحسين: «من أحبهما فقد أحبنى، و من أبغضهما فقد أبغضنى»

و قد رواه أسباط عن السدي عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم فذكره.

و قال بقية عن بجير بن سعيد عن خالد ابن معدان عن المقدام بن معديكرب قال: سمعت رسول اللَّه يقول:

«الحسن منى و الحسين من على»

فيه نكارة لفظا و معنى. و قال أحمد: ثنا محمد بن أبى عدي عن ابن عوف عن عمير بن إسحاق. قال: «كنت مع الحسن بن على فلقينا أبو هريرة فقال: أرنى أقبل منك حيث رأيت رسول اللَّه يقبل، فقال: بقميصه، قال: فقبل سرته» تفرد به أحمد، ثم رواه عن إسماعيل بن علية عن ابن عوف. و قال أحمد: ثنا هاشم بن القاسم عن جرير عن عبد الرحمن أبى عوف الجرشى عن معاوية. قال: «رأيت رسول اللَّه يمص لسانه- أو قال شفته يعنى الحسن بن على- و إنه لن يعذب لسان أو شفتان يمصهما رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)». تفرد به أحمد، و قد ثبت في الصحيح عن أبى بكرة.

و روى أحمد عن جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

«إن ابني هذا سيد و لعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».

و قد تقدم هذا الحديث في دلائل النبوة، و تقدم قريبا عند نزول الحسن لمعاوية عن الخلافة، و وقع ذلك تصديقا لقوله (صلى اللَّه عليه و سلم) هذا، و كذلك ذكرناه في كتاب دلائل النبوة و للَّه الحمد و المنة. و قد كان الصديق يجله و يعظمه و يكرمه و يحبه و يتفداه، و كذلك عمر ابن الخطاب، فروى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه: أن عمر لما عمل الديوان فرض للحسن و الحسين مع أهل بدر في خمسة آلاف خمسة آلاف، و كذلك كان عثمان بن عفان يكرم الحسن و الحسين و يحبهما. و قد كان الحسن بن على يوم الدار- و عثمان بن عفان محصور-

37

عنده و معه السيف متقلدا به يحاجف عن عثمان فخشي عثمان عليه فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييبا لقلب على، و خوفا عليه رضى اللَّه عنهم.

و كان على يكرم الحسن إكراما زائدا، و يعظمه و يبجله و قد قال له يوما: يا بنى ألا تخطب حتى أسمعك؟ فقال: إني أستحيى أن أخطب و أنا أراك، فذهب على فجلس حيث لا يراه الحسن ثم قام الحسن في الناس خطيبا و عليّ يسمع، فأدى خطبة بليغة فصيحة فلما انصرف جعل على يقول: ذرية بعضها من بعض و اللَّه سميع عليم.

و قد كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن و الحسين إذا ركبا، و يرى هذا من النعم عليه. و كانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون (عليهما السلام) عليهما، رضى اللَّه عنهما و أرضاهما. و كان ابن الزبير يقول:

و اللَّه ما قامت النساء عن مثل الحسن بن على. و قال غيره: كان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول اللَّه يجلس في مصلاه يذكر اللَّه حتى ترتفع الشمس، و يجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلم عليهنّ و ربما أتحفنه ثم ينصرف إلى منزله. و لما نزل لمعاوية عن الخلافة من ورعه صيانة لدماء المسلمين، كان له على معاوية في كل عام جائزة، و كان يفد إليه، فربما أجازه بأربعمائة ألف درهم، و راتبه في كل سنة مائة ألف، فانقطع سنة عن الذهاب و جاء وقت الجائزة فاحتاج الحسن إليها- و كان من أكرم الناس- فأراد أن يكتب إلى معاوية ليبعث بها إليه، فلما نام تلك الليلة رأى رسول اللَّه في المنام فقال له: يا بنى أ تكتب إلى مخلوق بحاجتك؟ و علمه دعاء يدعو به» فترك الحسن. ما كان همّ به من الكتابة، فذكره معاوية و افتقده، و قال: ابعثوا إليه بمائتي ألف فلعل له ضرورة في تركه القدوم علينا، فحملت إليه من غير سؤال.

قال صالح بن أحمد: سمعت أبى يقول: الحسن بن على مدني ثقة. حكاه ابن عساكر في تاريخه، قالوا:

و قاسم اللَّه ماله ثلاث مرات، و خرج من ماله مرتين، و حج خمسا و عشرين مرة ماشيا و إن الجنائب لتقاد بين يديه. و روى ذلك البيهقي من طريق عبيد اللَّه بن عمير عن ابن عباس. و قال على بن زيد بن جدعان: و قد علق البخاري في صحيحه أنه حج ماشيا و الجنائب تقاد بين يديه، و روى داود بن رشيد عن حفص عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال: حج الحسن بن على ماشيا و الجنائب تقاد بين يديه و نجائبه تقاد إلى جنبه.

و قال العباس بن الفضل عن القاسم عن محمد بن على قال قال الحسن بن على:

إني لأستحيى من ربى أن ألقاه و لم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة إلى المدينة على رجليه،

قالوا: و كان يقرأ في بعض خطبه سورة إبراهيم، و كان يقرأ كل ليلة سورة الكهف قبل أن ينام، يقرؤها من لوح كان يدور معه حيث كان من بيوت نسائه، فيقرؤه بعد ما يدخل في الفراش قبل أن ينام رضى اللَّه عنه. و قد كان من الكرم على جانب عظيم، قال محمد بن سيرين:

ربما أجاز الحسن بن على الرجل الواحد بمائة ألف. و قال سعيد بن عبد العزيز: سمع الحسن رجلا

38

إلى جانبه يدعو اللَّه أن يملكه عشرة آلاف درهم، فقام إلى منزله فبعث بها إليه.

و ذكروا أن الحسن رأى غلاما أسود يأكل من رغيف لقمة و يطعم كلبا هناك لقمة، فقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: إني أستحى منه أن آكل و لا أطعمه، فقال له الحسن: لا تبرح من مكانك حتى آتيك، فذهب إلى سيده فاشتراه و اشترى الحائط الّذي هو فيه، فأعتقه و ملّكه الحائط، فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له.

قالوا: و كان كثير التزوج، و كان لا يفارقه أربع حرائر، و كان مطلاقا مصداقا، يقال إنه أحصن سبعين امرأة، و ذكروا أنه طلق امرأتين في يوم، واحدة من بنى أسد و أخرى من بنى فزارة- فزارية- و بعث إلى كل واحدة منهما بعشرة آلاف و بزقاق من عسل، و قال للغلام: اسمع ما تقول كل واحدة منهما، فأما الفزارية فقالت: جزاه اللَّه خيرا، و دعت له، و أما الأسدية فقالت. متاع قليل من حبيب مفارق. فرجع الغلام إليه بذلك، فارتجع الأسدية و ترك الفزارية.

و قد كان على يقول لأهل الكوفة:

لا تزوجوه فإنه مطلاق، فيقولون و اللَّه يا أمير المؤمنين لو خطب إلينا كل يوم لزوجناه منا من شاء ابتغاء في صهر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

و ذكروا أنه نام مع امرأته خولة بنت منظور الفزاري- و قيل هند بنت سهيل- فوق إجار فعمدت المرأة فربطت رجله بخمارها إلى خلخالها، فلما استيقظ قال لها: ما هذا؟ فقالت: خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب. فأعجبه ذلك منها، و استمر بها سبعة أيام بعد ذلك.

و قال أبو جعفر الباقر:

جاء رجل إلى الحسين بن على فاستعان به في حاجة فوجده معتكفا فاعتذر إليه، فذهب إلى الحسن فاستعان به فقضى حاجته، و قال: لقضاء حاجة أخ لي في اللَّه أحب إلى من اعتكاف شهر.

و قال هشيم عن منصور عن ابن سيرين قال:

كان الحسن بن على لا يدعو إلى طعامه أحدا يقول: هو أهون من أن يدعى إليه أحد.

و قال أبو جعفر: قال على‏

يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن بن عسلى فإنه مطلاق،

فقال رجل من همذان: و اللَّه لنزوجنه، فما رضى أمسك و ما كره طلق. و قال أبو بكر الخرائطى- في كتاب مكارم الأخلاق-: ثنا ابن المنذر- هو إبراهيم- ثنا القواريري ثنا عبد الأعلى عن هشام عن محمد بن سيرين قال: تزوج الحسن بن على امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. و قال عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه عن أبيه عن الحسن بن سعد عن أبيه قال: متع الحسن بن على امرأتين بعشرين ألفا و زقاق من عل، فقالت إحداهما- و أراها الحنفية- متاع: قليل من حبيب مفارق.

و قال الواقدي: حدثني على بن عمر عن أبيه عن على بن الحسين قال:

كان الحسن بن على مطلاقا للنساء، و كان لا يفارق امرأة إلا و هي تحبه.

و قال جويرية بن أسماء:

لما مات الحسن بكى عليه مروان في جنازته، فقال له الحسين: أ تبكيه و قد كنت تجرعه ما تجرعه؟ فقال: إني كنت أفعل إلى أحلم من هذا،

و أشار هو

39

إلى الجبل.

و قال محمد بن سعد: أنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن ابن عون عن محمد بن إسحاق قال:

ما تكلم عندي أحد كان أحب إلى إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن على، و ما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه كان بينه و بين عمرو بن عثمان خصومة فقال: ليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه قط.

قال محمد بن سعد: و أنا الفضل بن دكين أنا مساور الجصاص عن رزين بن سوار. قال:

كان بين الحسن و مروان خصومة فجعل مروان يغلظ للحسن و حسن ساكت، فامتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن: ويحك! أما علمت أن اليمنى للوجه، و الشمال للفرج؟ أف لك، فسكت مروان.

و قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد

قيل للحسن بن على: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، و السقم أحب إلي من الصحة، فقال: رحم اللَّه أبا ذر أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار اللَّه له لم يتمكن أن يكون في غير الحالة التي اختار اللَّه له.

و هذا أحد الوقوف على الرضا بما تعرف به القضاء.

و قال أبو بكر محمد بن كيسان الأصم: قال الحسن ذات يوم لأصحابه:

إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، و كان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، و لا يكثر إذا وجد، و كان خارجا عن سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله و لا رأيه، و كان خارجا عن سلطان جهله فلا يمد يدا إلا على ثقة المنفعة، و لا يخطو خطوة إلا لحسنة، و كان لا يسخط و لا يتبرم، كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، و كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على الصمت، كان أكثر دهره صامتا، فإذا قال يذر القائلين، و كان لا يشارك في دعوى، و لا يدخل في مراء، و لا يدلى بحجة، حتى يرى قاضيا يقول ما لا يفعل، و يفعل ما لا يقول، تفضلا و تكرما، كان لا يغفل عن إخوانه، و لا يستخص بشي‏ء دونهم. كان لا يكرم أحدا فيما يقع العذر بمثله، كان إذا ابتدأه أمر ان لا يرى أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه.

رواه ابن عساكر و الخطيب.

و قال أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري: ثنا بدر بن الهيثم الحضرميّ ثنا على بن المنذر الطريفي ثنا عثمان ابن سعيد الدارميّ ثنا محمد بن عبد اللَّه أبو رجاء- من أهل تستر- ثنا شعبة بن الحجاج الواسطي عن أبى إسحاق الهمدانيّ عن الحارث الأعور

أن عليا سأل ابنه- يعنى الحسن- عن أشياء من المروءة فقال: يا بنى ما السداد؟ قال: يا أبة السداد دفع المنكر بالمعروف، قال: فما الشرف؟ قال:

اصطناع العشيرة و حمل الجريرة. قال: فما المروءة؟ قال: العفاف و إصلاح المرء ماله. قال: فما الدنيئة؟ قال: النظر في اليسير و منع الحقير. قال: فما اللوم؟ قال: احتراز المرء نفسه و بذله عرسه.

قال: فما السماحة؟ قال: البذل في العسر و اليسر. قال: فما الشح؟ قال: أن ترى ما في يديك سرفا و ما أنفقته تلفا. قال: فما الإخاء؟ قال: الوفاء في الشدة و الرخاء. قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة

40

على الصديق و النكول عن العدو. قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى و الزهادة في الدنيا.

قال: فما الحلم؟ قال كظم الغيظ و ملك النفس. قال فما الغنى؟ قال: رضى النفس بما قسم اللَّه لها و إن قلّ، فإنما الغنى غنى النفس. قال: فما الفقر؟ قال: شره النفس في كل شي‏ء. قال: فما المنعة؟

قال: شدة البأس و مقارعة أشد الناس. قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند المصدوقية؟ قال: فما الجرأة؟ قال: موافقة الأقران. قال: فما الكلفة قال: كلامك فيما لا يعنيك. قال: فما المجد. قال:

أن تعطى في الغرم و أن تعفو عن الجرم. قال: فما العقل؟ قال: حفظ القلب كل ما استرعيته. قال:

فما الخرق؟ قال: معاداتك إمامك و رفعك عليه كلامك. قال: فما الثناء؟ قال: إتيان الجميل و ترك القبيح. قال: فما الحزم؟ قال: طول الاناة، و الرّفق بالولاة، و الاحتراس من الناس بسوء الظن هو الحزم قال: فما الشرف؟ قال: موافقة الاخوان، و حفظ الجيران. قال فما السفه؟ قال: اتباع الدناة، و مصاحبة الغواة، قال؟ فما الغفلة. قال: تركك المسجد و طاعتك المفسد. قال: فما الحرمان؟ قال:

تركك حظك و قد عرض عليك. قال: فمن السيد؟ قال: الأحمق في المال المتهاون بعرضه، يشتم فلا يجيب المتحرم بأمر العشيرة هو السيد. قال ثم قال على: يا بنى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«لا فقر أشد من الجهل، و لا مال أفضل من العقل، و لا وحدة أوحش من العجب، و لا مظاهرة أوثق من المشاورة، و لا عقل كالتدبير، و لا حسب كحسن الخلق، و لا ورع كالكف، و لا عبادة كالتفكر، و لا إيمان كالحياء، و رأس الايمان الصبر، و آفة الحديث الكذب، و آفة العلم النسيان، و آفة الحلم السفه، و آفة العبادة الفترة، و آفة الطرف الصلف، و آفة الشجاعة البغي، و آفة السماحة المن، و آفة الجمال الخيلاء، و آفة الحب الفخر» ثم قال على: يا بنى لا تستخفن برجل تراه أبدا، فان كان أكبر منك فعدّه أباك، و إن كان مثلك فهو أخوك، و إن كان أصغر منك فاحسب أنه ابنك.

فهذا ما سأل على ابنه عن أشياء من المروءة. قال القاضي أبو الفرج: ففي هذا الخبر من الحكمة و جزيل الفائدة ما ينتفع به من راعاه، و حفظه و وعاه، و عمل به و أدب نفسه بالعمل عليه، و هذبها بالرجوع إليه، و تتوفر فائدته بالوقوف عنده. و فيما رواه أمير المؤمنين و أضعافه عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ما لا غنى لكل لبيب عليم، و قدرة حكيم، عن حفظه و تأمله، و المسعود من هدى لتلقيه، و المجدود من وفق لامتثاله و تقبله. قلت: و لكن إسناد هذا الأثر و ما فيه من الحديث المرفوع ضعيف، و مثل هذه الألفاظ في عبارتها ما يدل ما في بعضها من النكارة على أنه ليس بمحفوظ و اللَّه أعلم. و قد ذكر الأصمعي و العتبى و المدائني و غيرهم: أن معاوية سأل الحسن عن أشياء تشبه هذا فأجابه بنحو ما تقدم، لكن هذا السياق أطول بكثير مما تقدم فاللَّه أعلم. و قال على بن العباس الطبراني: كان على خاتم الحسن بن على مكتوبا:

41

قدم لنفسك ما استطعت من التقى‏* * * إن المنية نازلة بك يا فتى‏

أصبحت ذا فرح كأنك لا ترى‏* * * أحباب قلبك في المقابر و البلى‏

قال الامام أحمد: حدثنا مطلب بن زياد بن محمد ثنا محمد بن أبان قال قال الحسن بن على لبنيه و بنى أخيه:

«تعلموا فإنكم صغار قوم اليوم و تكونوا كبارهم غدا، فمن لم يحفظ منكم فليكتب».

رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه.

و قال محمد بن سعد: ثنا الحسن بن موسى و أحمد بن يونس قالا: ثنا زهير بن معاوية ثنا أبو إسحاق عن عمرو الأصم قال‏

قلت للحسن بن على: إن هذه الشيعة تزعم أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، قال: كذبوا و اللَّه! ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه و لا اقتسمنا ما له.

و قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني أبو على سويد الطحان ثنا على بن عاصم ثنا أبو ريحانة عن سفينة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

«الخلافة بعدي ثلاثون سنة»

فقال رجل كان حاضراً في المجلس: قد دخلت من هذه الثلاثين ستة شهور في خلافة معاوية. فقال: من هاهنا أتيت تلك الشهور كانت البيعة للحسن بن على، بايعه أربعون ألفا أو اثنان و أربعون ألفا.

و قال صالح بن أحمد: سمعت أبى يقول: بايع الحسن تسعون ألفا فزهد في الخلافة و صالح معاوية و لم يسل في أيامه محجمة من دم. و قال ابن أبى خيثمة: و حدثنا أبى ثنا وهب بن جرير قال قال أبى:

فلما قتل على بايع أهل الكوفة الحسن بن على و أطاعوه و أحبوه أشد من حبهم لأبيه. و قال ابن أبى خيثمة: ثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة عن ابن شوذب. قال: لما قتل على سار الحسن في أهل العراق و سار معاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال و بايع معاوية على أن جعل العهد للحسن من بعده.

قال:

فكان أصحاب الحسن يقولون: يا عار المؤمنين، قال: فيقول لهم: العار خير من النار.

و قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثنا العباس بن هشام عن أبيه قال: لما قتل على بايع الناس الحسن بن على فوليها سبعة و أحد عشر يوما. و قال غير عباس: بايع الحسن أهل الكوفة، و بايع أهل الشام معاوية بايلياء بعد قتل على، و بويع بيعة العامة ببيت المقدس يوم الجمعة من آخر سنة أربعين، ثم لقي الحسن معاوية بمسكن- من سواد الكوفة- في سنة إحدى و أربعين فاصطلحا، و بايع الحسن معاوية. و قال غيره: كان صلحهما و دخول معاوية الكوفة في ربيع الأول من سنة إحدى و أربعين. و قد تكلمنا على تفصيل ذلك فيما تقدم بما أغنى عن إعادته هاهنا.

و حاصل ذلك أنه اصطلح مع معاوية على أن يأخذ ما في بيت المال الّذي بالكوفة، فوفى له معاوية بذلك فإذا فيه خمسة آلاف ألف، و قيل سبعة آلاف ألف، و على أن يكون خراج. و قيل دارابجرد له في كل عام، فامتنع أهل تلك الناحية عن أداء الخراج إليه، فعوضه معاوية عن كل ستة آلاف ألف درهم في كل عام، فلم يزل يتناولها مع ما له في كل زيارة من الجوائز و التحف و الهدايا، إلى أن توفى في‏

42

هذا العام.

و قال محمد بن سعد عن هودة بن خليفة عن عوف عن محمد بن سيرين قال:

لما دخل معاوية الكوفة و بايعه الحسن بن على قال أصحاب معاوية لمعاوية: مر الحسن بن على أن يخطب، فإنه حديث السن عيى، فلعله يتلعثم فيتضع في قلوب الناس. فأمره فقام فاختطب فقال في خطبته:

«أيها الناس لو اتبعتم بين جابلق و جابرس رجلا جده نبي غيري و غير أخى لم تجدوه، و إنا قد أعطينا بيعتنا معاوية و رأينا أن حقن دماء المسلمين خير من إهراقها، و اللَّه ما أدرى لعله فتنة لكم و متاع إلى حين»- و أشار إلى معاوية- فغضب من ذلك و قال: ما أردت من هذه؟ قال: أردت منها ما أراد اللَّه منها.

فصعد معاوية و خطب بعده. و قد رواه غير واحد و قدمنا أن معاوية عتب على أصحابه.

و قال محمد بن سعد: ثنا أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة عن يزيد قال: سمعت جبير بن نفير الحضرميّ يحدث عن أبيه قال:

قلت للحسن بن على: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة؟ فقال: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت و يحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه اللَّه، ثم أثيرها ثانيا من أهل الحجاز.

و قال محمد بن سعد: أنا على بن محمد عن إبراهيم بن محمد عن زيد بن أسلم قال:

دخل رجل على الحسن بن على و هو بالمدينة و في يده صحيفة فقال: ما هذه؟ فقال: ابن معاوية يعدنيها و يتوعد، قال: قد كنت على النّصف منه، قال: أجل و لكن خشيت أن يجئ يوم القيامة سبعون ألفا، أو ثمانون ألفا، أو أكثر أو أقل، تنضح أوداجهم دما، كلهم يستعدى اللَّه فيم هريق دمه.

و قال الأصمعي عن سلام بن مسكين عن عمران بن عبد اللَّه. قال: رأى الحسن بن على في منامه أنه مكتوب بين عينيه، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ففرح بذلك فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال:

إن كان رأى هذه الرؤيا فقلّ ما بقي من أجله. قال: فلم يلبث الحسن بن على بعد ذلك إلا أياما حتى مات.

و قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثنا عبد الرحمن بن صالح العتكيّ و محمد بن عثمان العجليّ قالا:

ثنا أبو أسامة عن ابن عون عن عمير بن إسحاق. قال:

دخلت أنا و رجل آخر من قريش على الحسن ابن على فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، و لقد سقيت السم مرارا و ما سقيت مرة هي أشد من هذه. قال: و جعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألنى، فقال ما أسألك شيئا يعافيك اللَّه، قال: فخرجنا من عنده ثم عدنا إليه من الغد. و قد أخذ في السوق فجاء حسين حتى قعد عند رأسه، فقال: أي أخى! من صاحبك؟ قال: تريد قتله، قال:

نعم! قال لئن كان صاحبي الّذي أظن للَّه أشد نقمة.

و في رواية:

فاللَّه أشد بأسا و أشد تنكيلا، و إن لم يكنه ما أحب أن تقتل بى بريئا.

و رواه محمد بن سعد عن ابن علية عن ابن عون.

و قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد اللَّه بن جعفر عن أم بكر بنت المسور. قالت: الحسن سقى مرارا كل ذلك يفلت منه، حتى كانت المرة الآخرة التي مات فيها فإنه كان يختلف كبده، فلما مات أقام‏

43

نساء بنى هاشم عليه النوح شهرا. و قال الواقدي: و حدثنا عبدة بنت نائل عن عائشة قالت: حد نساء بنى هاشم على الحسن بن على سنة. قال الواقدي: و حدثني عبد اللَّه بن جعفر عن عبد اللَّه بن حسن قال: كان الحسن بن على كثير نكاح النساء، و كان قل ما يحظين عنده، و كان قل امرأة تزوجها إلا أحبته و ضنت به، فيقال إنه كان سقى سما، ثم أفلت، ثم سقى فأفلت ثم كانت الآخرة توفى فيها، فلما حضرته الوفاة قال الطبيب و هو يختلف إليه: هذا رجل قطع السم إمعاءه،

فقال الحسين:

يا أبا محمد أخبرنى من سقاك؟ قال: و لم يا أخى؟ قال: أقتله و اللَّه قبل أن أدفنك و لا أقدر عليه أو يكون بأرض أتكلف الشخوص إليه. فقال: يا أخى إنما هذه الدنيا ليال فانية، دعه حتى ألتقى أنا و هو عند اللَّه، و أبى أن يسميه.

و قد سمعت بعض من يقول: كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما. قال محمد بن سعد: و أنا يحيى بن حمال أنا أبو عوانة عن المغيرة عن أم موسى أن جعدة بنت الأشعث بن قيس سقت الحسن السم فاشتكى منه شكاة، قال فكان يوضع تحته طشت و يرفع آخر نحوا من أربعين يوما. و روى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سمى الحسن و أنا أتزوجك بعده، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إليه فقال: إنا و اللَّه لم نرضك للحسن أ فترضاك لأنفسنا؟ و عندي أن هذا ليس بصحيح، و عدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى و الأحرى، و قد قال كثير نمرة في ذلك:

يا جعد بكيّه و لا نسأمى‏* * * بكاء حق ليس بالباطل‏

لن تسترى البيت على مثله‏* * * في الناس من حاف و لا ناعل‏

أعنى الّذي أسلمه أهله‏* * * للزمن المستخرج الماحل‏

كان إذا شبت له ناره‏* * * يرفعها بالنسب الماثل‏

كيما يراها بائس مرمل‏* * * أو فرد قوم ليس بالآهل‏

تغلي بنىّ اللحم حتى إذا* * * أنضج لم تغل على آكل‏

قال سفيان بن عيينة عن رقبة بن مصقلة قال:

لما احتضر الحسن بن على قال: أخرجونى إلى الصحن انظر في ملكوت السموات. فأخرجوا فراشه فرفع رأسه فنظر فقال: اللَّهمّ إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الأنفس على، قال: فكان مما صنع اللَّه له أنه احتسب نفسه عنده.

و قال عبد الرحمن بن مهدي: لما اشتد بسفيان الثوري المرض جزع جزعا شديدا فدخل عليه مرحوم بن عبد العزيز فقال: ما هذا الجزع يا أبا عبد اللَّه؟ تقدم على رب عبدته ستين سنة، صمت له، صليت له، حججت له، قال فسرى عن الثوري.

و قال أبو نعيم:

لما اشتد بالحسن بن على الوجع جزع فدخل عليه رجل فقال له: يا أبا محمد ما هذا الجزع؟ ما هو إلا أن تفارق روحك جسدك فتقدم على‏

44

أبويك على و فاطمة، و على جديك النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و خديجة، و على أعمامك حمزة و جعفر، و على أخوالك القاسم الطيب و مطهر و إبراهيم، و عل خالاتك رقيّة و أم كلثوم و زينب، قال: فسرى عنه.

و

في رواية أن القائل له ذلك الحسين، و أن الحسن قال له:

يا أخى إني أدخل في أمر من أمر اللَّه لم أدخل في مثله، و أرى خلقا من خلق اللَّه لم أر مثله قط. قال: فبكى الحسين رضى اللَّه عنهما.

رواه عباس الدوري عن ابن معين، و رواه بعضهم عن جعفر بن محمد عن أبيه فذكر نحوهما.

و قال الواقدي:

ثنا إبراهيم بن الفضل عن أبى عتيق قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: شهدنا حسن بن على يوم مات و كادت الفتنة تقع بين الحسين بن على و مروان بن الحكم، و كان الحسن قد عهد إلى أخيه أن يدفن مع رسول اللَّه، فان خاف أن يكون في ذلك قتال أو شر فليدفن بالبقيع، فأبى مروان أن يدعه- و مروان يومئذ معزول يريد أن يرضى معاوية- و لم يزل مروان عدوا لبني هاشم حتى مات، قال جابر: فكلمت يومئذ حسين بن على فقلت: يا أبا عبد اللَّه اتّق اللَّه و لا تثر فتنة فان أخاك كان لا يحب ما ترى، فادفنه بالبقيع مع أمه ففعل. ثم‏

روى الواقدي: حدثني عبد اللَّه بن نافع عن أبيه عن عمر قال‏

حضرت موت الحسن بن على فقلت للحسين بن على اتّق اللَّه و لا تثر فتنة و لا تسفك الدماء:

و ادفن أخاك إلى جانب أمه، فان أخاك قد عهد بذلك إليك، قال ففعل الحسين. و قد روى الواقدي عن أبى هريرة نحوا من هذا، و في رواية أن الحسن بعث يستأذن عائشة في ذلك فأذنت له، فلما مات لبس الحسين السلاح و تسلح بنو أمية و قالوا: لا ندعه يدفن مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، أ يدفن عثمان بالبقيع و يدفن الحسن بن على في الحجرة؟ فلما خاف الناس وقوع الفتنة أشار سعد بن أبى وقاص و أبو هريرة و جابر و ابن عمر على الحسين أن لا يقاتل فامتثل و دفن أخاه قريبا من قبر أمه بالبقيع، رضى اللَّه عنه.

و قال سفيان الثوري عن سالم بن أبى حفصة عن أبى حازم قال:

رأيت الحسين بن على قدّم يومئذ سعيد بن العاص فصلى على الحسن و قال: لو لا أنها سنة ما قدمته.

و قال محمد بن إسحاق: حدثني مساور مولى بن سعد بن بكر قال: رأيت أبا هريرة قائما على مسجد رسول اللَّه يوم مات الحسن بن على و هو ينادى بأعلى صوته: يا أيها الناس مات اليوم حب رسول اللَّه فابكوا. و قد اجتمع الناس لجنازته حتى ما كان البقيع يسع أحدا من الزحام. و قد بكاه الرجال و النساء سبعا، و استمر نساء بنى هاشم ينحن عليه شهرا، و حدت نساء بنى هاشم عليه سنة. قال يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد بن يحيى ثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قتل على و هو ابن ثمان و خمسين سنة، و مات لها حسن، و قتل لها الحسين رضى اللَّه عنهم. و قال شعبة عن أبى بكر بن حفص قال: توفى سعد و الحسن ابن على في أيام بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين.

و قال علية عن جعفر بن محمد عن أبيه قال‏

: توفى الحسن و هو ابن سبع و أربعين،

و كذا قال غير واحد و هو أصح. و المشهور أنه مات سنة

45

تسع و أربعين كما ذكرنا، و قال آخرون: مات سنة خمسين و قيل سنة إحدى و خمسين أو ثمان و خمسين.

سنة خمسين من الهجرة

ففي هذه السنة توفى‏

أبو موسى الأشعري‏

في قول، و الصحيح سنة ثنتين و خمسين كما سيأتي.

فيها حج بالناس معاوية، و قيل ابنه يزيد، و كان نائب المدينة في هذه السنة سعيد بن العاص، و على الكوفة و البصرة و المشرق و سجستان و فارس و السند و الهند زياد. و في هذه السنة اشتكى بنو و نهشل على الفرزدق إلى زياد فهرب منه إلى المدينة، و كان سبب ذلك أنه عرّض بمعاوية في قصيدة له فتطلبه زياد أشد الطلب ففر منه إلى المدينة، فاستجار بسعيد بن العاص، و قال في ذلك أشعارا، و لم يزل فيما بين مكة و المدينة حتى توفى زياد فرجع إلى بلاده، و قد طول ابن جرير هذه القصة. و قد ذكر ابن جرير في هذه السنة من الحوادث ما رواه من طريق الواقدي: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه أن معاوية كان قد عزم على تحويل المنبر النبوي من المدينة إلى دمشق و أن يأخذ العصاة التي كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يمسكها في يده إذا خطب فيقف على المنبر و هو ممسكها، حتى قال أبو هريرة و جابر بن عبد اللَّه: يا أمير المؤمنين نذكرك اللَّه أن تفعل هذا فان هذا، لا يصلح أن يخرج المنبر من موضع وضعه فيه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أن يخرج عصاه من المدينة. فترك ذلك معاوية و لكن زاد في المنبر ست درجات و اعتذر إلى الناس. ثم روى الواقدي أن عبد الملك بن مروان في أيامه عزم على ذلك أيضا فقيل له: إن معاوية كان قد عزم على هذا ثم ترك، و أنه لما حرك المنبر خسفت الشمس فترك. ثم لما حج الوليد بن عبد الملك أراد ذلك أيضا فقيل له: إن معاوية و أباك أراد ذلك ثم تركاه، و كان السبب في تركه أن سعيد بن المسيب كلم عمر بن عبد العزيز أن يكلمه في ذلك و يعظه فترك. ثم لما حج سليمان أخبره عمر بن عبد العزيز بما كان عزم عليه الوليد، و أن سعيد بن المسيب نهاه عن ذلك، فقال: ما أحب أن يذكر هذا عن عبد الملك و لا عن الوليد، و ما يكون لنا أن نفعل هذا، ما لنا و له، و قد أخذنا الدنيا فهي في أيدينا فنريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يفد إليه الناس فنحمله إلى ما قبلنا. هذا ما لا يصلح (رحمه اللَّه).

و في هذه السنة عزل معاوية عن مصر معاوية بن خديج و ولى عليها من إفريقية مسلمة بن مخلد، و فيها افتتح عقبة بن نافع الفهري عن أمر معاوية بلاد إفريقية، و اختط القيروان- و كان غيضة تأوى إليها السباع و الوحوش و الحيات العظام، فدعا اللَّه تعالى فلم يبق فيها شي‏ء من ذلك حتى ان السباع صارت تخرج منها تحمل أولادها، و الحيات يخرجن من أجحارهن هوارب- فأسلم خلق كثير من البربر فبنى في مكانها القيروان. و فيها غزا بسر بن أبى أرطاة و سفيان بن عوف أرض الروم، و فيها غزا فضالة بن عبيد البحر، و فيها توفى مدلاج بن عمرو السلمي صحابى جليل شهد

46

المشاهد كلها مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لم أر له ذكرا في الصحابة.

صفية بنت حيي بن أخطب‏

ابن شعبة بن ثعلبة بن عبد بن كعب بن الخزرج بن أبى حبيب بن النضير بن النحام بن نحوم، أم المؤمنين النضرية من سلالة هارون (عليه السلام)، و كانت مع أبيها و ابن عمها أخطب بالمدينة، فلما أجلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بنى النضير ساروا إلى خيبر، و قتل أبوها مع بنى قريظة صبرا كما قدمنا فلما فتح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خيبر كانت في جملة السبي فوقعت في سهم دحية بن خليفة الكلبي، فذكر له جمالها و أنها بنت ملكهم، فاصطفاها لنفسه و عوضه منها و أسلمت و أعتقها و تزوجها، فلما حلت بالصهباء بنى بها، و كانت ماشطتها أم سليم، و قد كانت تحت ابن عمها كنانة بن أبى الحقيق فقتل في المعركة، و وجد رسول اللَّه بخدها لطمة فقال: ما هذه؟ فقالت: إني رأيت كأن القمر أقبل من يثرب فسقط في حجري فقصّيت المنام على ابن عمى فلطمني و قال: تتمنين أن يتزوجك ملك يثرب؟ فهذه من لطمته. و كانت من سيدات النساء عبادة و ورعا و زهادة و برا و صدقة، رضى اللَّه عنها و أرضاها. قال الواقدي: توفيت سنة خمسين و قال غيره سنة ست و ثلاثين، و الأول أصح و اللَّه أعلم.

و أما أم شريك الأنصارية

و يقال العامرية فهي التي وهبت نفسها للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) فقيل قبلها و قيل لم يقبلها، و لم تتزوج حتى مات رضى اللَّه عنها و هي التي سقيت بدلو من السماء لما منعها المشركون الماء فأسلموا عند ذلك، و اسمها غزية، و قيل عزيلة بنى عامر على الصحيح، قال ابن الجوزي: ماتت سنة خمسين و لم أره لغيره.

و أما عمرو بن أمية الضمريّ‏

فصحابي جليل أسلّم بعد أحد، و أول مشاهده بئر معونة، و كان ساعي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعثه إلى النجاشي في تزويج أم حبيبة و أن يأتى بمن بقي من المسلمين، و له أفعال حسنة، و آثار محمودة، رضى اللَّه عنه. توفى في خلافة معاوية.

و ذكر أبو الفرج ابن الجوزي- في كتابه المنتظم- أن في هذه السنة توفى جبير بن مطعم و حسان بن ثابت، و الحكم بن عمرو الغفاريّ، و دحية بن خليفة الكلبي، و عقيل بن أبى طالب، و عمرو بن أمية الضمريّ بدري، و كعب بن مالك، و المغيرة بن شعبة، و جويرية بنت الحارث، و صفية بنت حيي، و أم شريك الأنصارية. رضى اللَّه عنهم أجمعين.

أما جبير بن مطعم‏

ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي أبو محمد و قيل أبو عدي المدني، فإنه قدم و هو مشرك في فداء أسارى بدر، فلما سمع قراءة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سورة الطور أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ

47

شَيْ‏ءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ‏ دخل في قلبه الإسلام، ثم أسلم عام خيبر، و قيل زمن الفتح، و الأول أصح، و كان من سادات قريش و أعلمها بالأنساب، أخذ ذلك عن الصديق و المشهور أنه توفى سنة ثمان و خمسين، و قيل سنة تسع و خمسين.

و أما حسان بن ثابت‏

شاعر الإسلام فالصحيح أنه توفى سنة أربع و خمسين كما سيأتي.

و أما الحكم بن عمرو بن مجدع الغفاريّ‏

أخو رافع بن عمرو، و يقال له الحكم بن الأقرع، فصحابي جليل له عند البخاري حديث واحد في النهى عن لحوم الحمر الانسية، استنابه زياد بن أبيه على غزو جبل الأشل فغنم شيئا كثيرا، فجاء كتاب زياد إليه على لسان معاوية أن يصطفى من الغنيمة لمعاوية ما فيها من الذهب و الفضة لبيت ماله فرد عليه: إن كتاب اللَّه قبل كتاب أمير المؤمنين، أو لم يسمع لقوله (عليه السلام):

«لا طاعة لمخلوق في معصية اللَّه»؟ و قسم في الناس غنائمهم، فيقال إنه حبس إلى أن مات بمرو في هذه السنة و قيل في سنة إحدى و خمسين (رحمه اللَّه).

و أما دحية بن خليفة الكلبي‏

فصحابي جليل، كان جميل الصورة، فلهذا كان جبريل يأتى كثيرا في صورته، و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أرسله إلى قيصر، أسلم قديما و لكن لم يشهد بدرا، و شهد ما بعدها، ثم شهد اليرموك و أقام بالمرة- غربي دمشق- إلى أن مات في خلافة معاوية.

و فيها توفى عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي أبو سعيد العبشمي، أسلم يوم الفتح، و قيل شهد موتة، و غزا خراسان، و افتتح سجستان و كابل و غيرها، و كانت له دار بدمشق و أقام بالبصرة، و قيل بمرو، قال محمد بن سعد و غير واحد: مات بالبصرة سنة خمسين، و قيل سنة إحدى و خمسين، و صلى عليه زياد، و ترك عدة من الذكور، و كان اسمه في الجاهلية عبد كلال، و قيل عبد كلوب، و قيل عبد الكعبة، فسماه رسول (صلى اللَّه عليه و سلم) عبد الرحمن. و هو كان أحد السفيرين بين معاوية و الحسن رضى اللَّه عنهما* و فيها توفى عثمان بن أبى العاص الثقفي، أبو عبد اللَّه الطائفي، له و لأخيه الحكم صحبة، قدم على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في وفد ثقيف فاستعمله رسول اللَّه على الطائف، و أمّره عليها أبو بكر و عمر، فكان أميرهم و إمامهم مدة طويلة حتى مات سنة خمسين، و قيل سنة إحدى و خمسين رضى اللَّه عنه.

و أما عقيل بن أبى طالب‏

أخو على فكان أكبر من جعفر بعشر سنين و جعفر أكبر من على بعشر سنين كما أن طالب أكبر من عقيل بعشر، و كلهم أسلم إلا طالبا، أسلّم عقيل قبل الحديبيّة و شهد موتة، و كان من أنسب قريش، و كان قد ورث أقرباءه الذين هاجروا و تركوا أموالهم بمكة، و مات في خلافة معاوية.

48

و فيها كانت وفاة عمرو بن الحمق بن الكاهن الخزاعي، أسلم قبل الفتح، و هاجر، و قيل: إنه إنما أسلم عام حجة الوداع، و ورد في حديث أن رسول اللَّه دعا له أن يمتعه اللَّه بشبابه، فبقي ثمانين سنة لا يرى في لحيته شعرة بيضاء، و مع هذا كان أحد الأربعة الذين دخلوا على عثمان، ثم صار بعد ذلك من شيعة على، فشهد معه الجمل و صفين، و كان من جملة من أعان حجر بن عدي فتطلبه زياد فهرب إلى الموصل، فبعث معاوية إلى نائيها فوجدوه قد اختفى في غار فنهشته حية فمات فقطع رأسه فبعث به إلى معاوية، فطيف به في الشام و غيرها، فكان أول رأس طيف به. ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد- و كانت في سجنه- فألقى في حجرها، فوضعت كفها على جبينه و لئمت فمه و قالت: غيبتموه عنى طويلا، ثم أهديتموه إلى قتيلا فأهلا بها من هدية غير قالية و لا مقلية.

و أما كعب بن مالك الأنصاري السلمي‏

شاعر الإسلام فأسلم قديما و شهد العقبة و لم يشهد بدرا كما ثبت في الصحيحين في سياق توبة اللَّه عليه فإنه كان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم من تخلفهم عن غزوة تبوك كما ذكرنا ذلك مفصلا في التفسير، و كما تقدم في غزوة تبوك. و غلط ابن الكلبي في قوله إنه شهد بدرا، و في قوله إنه توفى قبل إحدى و أربعين، فان الواقدي- و هو أعلم منه- قال توفى سنة خمسين، و قال القاسم بن عدي سنة إحدى و خمسين رضى اللَّه عنه.

المغيرة بن شعبة

ابن أبى عامر بن مسعود أبو عيسى و يقال أبو عبد اللَّه الثقفي، و عروة بن مسعود الثقفي عم أبيه، كان المغيرة من دهاة العرب، و ذوى آرائها، أسلم عام الخندق بعد ما قتل ثلاثة عشر من ثقيف، رجعهم من عند المقوقس و أخذ أموالهم فغرم دياتهم عروة بن مسعود، و شهد الحديبيّة، و كان واقفا يوم الصلح على رأس رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالسيف صلتا، و بعثه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعد إسلام أهل الطائف هو و أبو سفيان بن حرب فهدما اللات، و قدمنا كيفية هدمهما إياها، و بعثه الصديق إلى البحرين، و شهد اليمامة و اليرموك فأصيبت عينه يومئذ، و قيل بل نظر إلى الشمس و هي كاسفة فذهب ضوء عينه، و شهد القادسية، و ولاه عمر فتوحا كثيرة، منها همدان و ميسان، و هو الّذي كان رسول سعد إلى رستم فكلمه بذلك الكلام البليغ فاستنابه عمر على البصرة، فلما شهد عليه بالزنا و لم يثبت عزله عنها و ولاه الكوفة، و استمر به عثمان حينا ثم عزله، فبقي معتزلا حتى كان أمر الحكمين فلحق بمعاوية، فلما قتل على و صالح معاوية الحسن و دخل الكوفة ولاه عليها فلم يزل أميرها حتى مات في هذه السنة على المشهور. قاله محمد بن سعد و غيره. و قال الخطيب: أجمع الناس على ذلك، و ذلك في رمضان منها عن سبعين سنة، و قال أبو عبيد: مات سنة تسع و أربعين، و قال:

ابن عبد البر: سنة إحدى و خمسين، و قيل سنة ثمان و خمسين، و قيل سنة ست و ثلاثين و هو غلط.

49

قال محمد بن سعد: و كان أصهب الشعر جدا، أكشف، مقلص الشفتين، أهتم ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، و كان يفرق رأسه أربعة قرون. و قال الشعبي: القضاة أربعة أبو بكر، و عمر، و ابن مسعود، و أبو موسى. و الدهاة أربعة، معاوية، و عمرو، و المغيرة، و زياد، و قال الزهري: الدهاة في الفتنة خمسة، معاوية، و عمرو بن العاص، و المغيرة بن شعبة، و كان معتزلا، و قيس بن سعد بن عبادة، و عبد اللَّه بن بديل بن ورقاء، و كانا مع على. قلت: و الشيعة يقولون:

الأشباح خمسة. رسول اللَّه، و على، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، و الاضداد خمسة أبو بكر، و عمر، و معاوية، و عمرو بن العاص، و المغيرة بن شعبة. و قال الشعبي: سمعت المغيرة يقول: ما غلبني أحد إلا فتى مرة أردت أن أتزوج امرأة فاستشرته فيها فقال: أيها الأمير! لا أرى لك أن تتزوجها، فقلت له: لم؟ فقال: إني رأيت رجلا يقبلها. ثم بلغني عنه أنه تزوجها، فقلت له: أ لم تزعم أنك رأيت رجلا يقبلها؟ فقال: نعم! رأيت أباها يقبلها و هي صغيرة. و قال أيضا: سمعت قبيصة بن جابر يقول: صحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها. و قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: كان المغيرة بن شعبة يقول:

صاحب المرأة الواحدة يحيض معها و يمرض معها، و صاحب المرأتين بين نارين يشتعلان، و صاحب الأربعة قرير العين، و كان يتزوج أربعة معا و يطلقهنّ معا، و قال عبد اللَّه بن نافع الصائغ أحصن المغيرة ثلاثمائة امرأة. و قال غيره: ألف امرأة و قيل مائة امرأة. و قيل ثمانين امرأة.

جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار الخزاعية المصطلقية

و كان سباها رسول (صلى اللَّه عليه و سلم) في غزوة المريسيع، و هي غزوة المصطلق، و كان أبوها ملكهم فأسلمت فأعتقها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و تزوجها، و كانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس و كاتبها

فأتت رسول اللَّه تستعينه في كتابتها فقال: «أو خير من ذلك»؟ قالت: و ما هو يا رسول اللَّه؟ قال:

«أشتريك و أعتقك و أتزوجك»

فأعتقها فقال الناس أصهار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فاعتقوا ما بأيديهم من سبى بنى المصطلق نحوا من مائة أهل بيت، فقالت عائشة: لا أعلم امرأة أعظم بركة على أهلها منها.

و كان اسمها برة فسماها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جويرية. و كانت امرأة ملاحة- أي حلوة الكلام- توفيت في هذا العام سنة خمسين كما ذكره ابن الجوزي و غيره عن خمس و ستين سنة، و قال الواقدي:

سنة ست و خمسين رضى اللَّه عنها و أرضاها، و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة إحدى و خمسين‏

فيها كان مقتل حجر بن عدي بن جبل بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكبر بن الحارث بن معاوية بن ثور بن بزيغ بن كندى الكوفي، و يقال له حجر الخير، و يقال له حجر بن الأدبر، لأن‏

50

أباه عديا طعن موليا فسمى الأدبر، و هو من كندة من رؤساء أهل الكوفة، قال ابن عساكر: وفد إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و سمع عليا و عمارا و شراحيل بن مرة، و يقال شرحبيل بن مرة. و روى عنه أبو ليلى مولاه، و عبد الرحمن بن عباس، و أبو البختري الطائي. و غزا الشام في الجيش الذين افتتحوا عذراء، و شهد صفين مع على أميرا، و قيل بعذراء من قرا دمشق، و مسجد قبره بها معروف. ثم ساق ابن عساكر بأسانيده إلى حجر يذكر طرفا صالحا من روايته عن على و غيره، و قد ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة، و ذكر له وفادة، ثم ذكره في الأول من تابعي أهل الكوفة. قال: و كان ثقة معروفا، و لم يرو عن غير على شيئا قال ابن عساكر: بل قد روى عن عمار و شراحيل بن مرة، و قال أبو أحمد العسكري: أكثر المحدثين لا يصححون له صحبة، شهد القادسية و افتتح برج عذراء، و شهد الجمل و صفين، و كان مع على حجر الخير- و هو حجر بن عدي هذا- و حجر الشرف- و هو حجر ابن يزيد بن سلمة بن مرة- و قال المرزباني: قد روى أن حجر بن عدي وفد إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مع أخيه هانئ بن عدي، و كان هذا الرجل من عباد الناس و زهادهم، و كان بارا بأمه، و كان كثير الصلاة و الصيام، قال أبو معشر: ما أحدث قط إلا توضأ، و لا توضأ إلا صلّى ركعتين. هكذا قال غير واحد من الناس. و قد قال الامام أحمد: حدثنا يعلى بن عبيد حدثني الأعمش عن أبى إسحاق. قال قال سلمان لحجر: يا ابن أم حجر لو تقطعت أعضاؤك ما بلغت الايمان، و كان إذ كان المغيرة بن شعبة على الكوفة إذا ذكر عليا في خطبته يتنقصه بعد مدح عثمان و شيعته فيغضب حجر هذا و يظهر الإنكار عليه، و لكن كان المغيرة فيه حلم و أناة فكان يصفح عنه و يعظه فيما بينه و بينه، و يحذره غب هذا الصنيع، فان معارضة السلطان شديد وبالها، فلم يرجع حجر عن ذلك. فلما كان في آخر أيام المغيرة قام حجر يوما، فأنكر عليه في الخطبة و صاح به و ذمه بتأخيره العطاء عن الناس، و قام معه فئام الناس لقيامه، يصدقونه و يشنعون على المغيرة، و دخل المغيرة بعد الصلاة قصر الامارة و دخل معه جمهور الأمراء، فأشاروا عليه بردع حجر هذا عما تعاطاه من شق العصي و القيام على الأمير، و ذمروه و حثوه على التنكيل فصفح عنه و حلم به. و ذكر يونس بن عبيد أن معاوية كتب إلى المغيرة يستمده بمال يبعثه من بيت المال، فبعث عيرا تحمل مالا فاعترض لها حجر، فأمسك بزمام أولها و قال: لا و اللَّه حتى يوفى كل ذي حق حقه. فقال شباب ثقيف للمغيرة: ألا نأتيك برأسه؟ فقال:

ما كنت لأفعلن ذلك بحجر، فتركه، فلما بلغ معاوية ذلك عزل المغيرة و ولى زيادا، و الصحيح أنه لم يعزل المغيرة حتى مات، فلما توفى المغيرة بن شعبة رضى اللَّه عنه و جمعت الكوفة مع البصرة لزياد دخلها و قد التف على حجر جماعات من شيعة على يقولون أمره و يشدون على يده، و يسبون معاوية و يتبرءون منه، فلما كان أول خطبة خطبها زياد بالكوفة، ذكر في آخرها فضل عثمان و ذم من قتله‏