البداية و النهاية - ج12

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
353 /
1

-

2

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

ثم دخلت سنة ست و أربعمائة

في يوم الثلاثاء مستهل المحرم منها وقعت فتنة بين أهل السنة و الروافض، ثم سكّن الفتنة الوزير فخر الملك على أن تعمل الروافض بدعتهم يوم عاشوراء من تعليق المسوح و النوح. و في هذا الشهر ورد الخبر بوقوع وباء شديد في البصرة أعجز الحفارين، و الناس عن دفن موتاهم، و أنه أظلت البلد سحابة في حزيران. فأمطرتهم مطرا شديدا. و في يوم السبت ثالث صفر تولى المرتضى نقابة الطالبيين و المظالم و الحج، و جميع ما كان يتولاه أخوه الرضى، و قرئ تقليده بحضرة الأعيان، و كان يوما مشهودا. و فيها ورد الخبر عن الحجاج بأنه هلك منهم بسبب العطش أربعة عشر ألفا، و سلم ستة آلاف، و أنهم شربوا بول الإبل من العطش. و فيها غزا محمود بن سبكتكين بلاد الهند فأخذه الأدلاء فسلكوا به على بلاد غريبة فانتهوا إلى أرض قد غمرها الماء من البحر فخاض بنفسه الماء أياما و خاض الجيش حتى خلصوا بعد ما غرق كثير من جيشه، و عاد إلى خراسان بعد جهد جهيد. و لم يحج فيها من العراق ركب لفساد البلاد من الاعراب.

و فيها توفى من الأعيان‏

الشيخ أبو حامد الأسفراييني‏

إمام الشافعية، أحمد بن محمد بن أحمد إمام الشافعية في زمانه، ولد في سنة أربع و أربعين و ثلاثمائة و قدم بغداد و هو صغير سنة ثلاث أو أربع و ستين و ثلاثمائة، فدرس الفقه على أبى الحسن ابن المرزبان، ثم على أبى القاسم الداركى، و لم يزل تترقى به الأحوال حتى صارت إليه رياسة

3

الشافعية، و عظم جاهه عند السلطان و العوام، و كان فقيها إماما، جليلا نبيلا، شرح المزني في تعليقة حافلة نحوا من خمسين مجلدا، و له تعليقة أخرى في أصول الفقه، و روى عن الإسماعيلي و غيره.

قال الخطيب: و رأيته غير مرة و حضرت تدريسه بمسجد عبد اللَّه بن المبارك، في صدر قطيعة الربيع، و حدثنا عنه الازجى و الخلال، و سمعت من يذكر أنه كان يحضر تدريسه سبعمائة متفقه، و كان الناس يقولون: لو رآه الشافعيّ لفرح به. و قال أبو الحسن القدوري: ما رأيت في الشافعية أفقه من أبى حامد، و قد ذكرت ترجمته مستقصاة في طبقات الشافعية: و ذكر ابن خلكان أن القدوري قال: هو أفقه و انظر من الشافعيّ. قال الشيخ أبو إسحاق: ليس هذا مسلما إلى القدوري فان أبا حامد و أمثاله بالنسبة إلى الشافعيّ كما قال الشاعر:

نزلوا بمكة في قبائل نوفل* * * و نزلت بالبيداء أبعد منزل‏

قال ابن خلكان: و له مصنفات: التعليقة الكبرى، و له كتاب البستان، و هو صغير فيه غرائب قال و قد اعترض عليه بعض الفقهاء في بعض المناظرات فأنشأ الشيخ أبو حامد يقول:

جفاء جرى جهرا لدى الناس و انبسط* * * و عذر أتى سرا فأكد ما فرط

و من ظن أن يمحو جلى جفائه* * * خفي اعتذار فهو في أعظم الغلط

توفى ليلة السبت لإحدى عشرة بقيت من شوال منها، و دفن بداره بعد ما صلى عليه بالصحراء و كان الجمع كثيرا و البكاء غزيرا، ثم نقل إلى مقبرة باب حرب في سنة عشر و أربعمائة. قال ابن الجوزي: و بلغ من العمر إحدى و ستين سنة و أشهرا.

أبو أحمد الفرضيّ‏

عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن على بن مهران، أبو مسلم الفرضيّ المقري. سمع المحاملي و يوسف ابن يعقوب، و حضر مجلس أبى بكر بن الأنباري، و كان إماما ثقة، ورعا وقورا، كثير الخير، يقرأ القرآن كثيرا، ثم سمع الحديث، و كان إذا قدم على الشيخ أبى حامد الأسفراييني، نهض إليه حافيا فتلقاه إلى باب المسجد، توفى و قد جاوز الثمانين.

الشريف الرضى‏

محمد بن الطاهر أبو أحمد الحسين بن موسى أبو الحسن العلويّ لقبه بهاء الدولة بالرضى، ذي الحسبتين، و لقب أخاه المرتضى ذي المجدين، ولى نقابة الطالبيين ببغداد بعد أبيه، و كان شاعرا مطبقا، سخيا جوادا. و قال بعضهم: كان الشريف في كثرة أشعاره أشعر قريش فمن شعره المستجاد قوله:

اشتر العز بما شئت* * * فما العز بغال‏

بالقصار إن شئت* * * أو بالسمر الطوال‏

4

ليس بالمغبون عقلا* * * من شرى عزا بمال‏

إنما يذخر المال* * * لحاجات الرجال‏

و الفتى من جعل الأموال* * * أثمان المعالي‏

و له أيضا

يا طائر البان غريدا على فنن* * * ما هاج نوحك لي يا طائر البان‏

هل أنت مبلغ من هام الفؤاد به* * * إن الطليق يؤدى حاجة العاني‏

جناية ما جناها غير متلفنا* * * يوم الوداع و وا شوقى إلى الجاني‏

لو لا تذكر أيام بذي سلم* * * و عند رامة أوطاري و أوطاني‏

لما قدحت بنار الوجد في كبدي* * * و لا بللت بماء الدمع أجفانى‏

و قد نسب إلى الرضى قصيدة يتمنى فيها أن يكون عند الحاكم العبيدي، و يذكر فيها أباه و يا ليته كان عنده، حين يرى حاله و منزلته عنده، و أن الخليفة لما بلغه ذلك أراد أن يسيره إليه ليقضى أربه و يعلم الناس كيف حاله. قال في هذه القصيدة:

أ ليس الذل في بلاد الأعادي* * * و بمصر الخليفة العلويّ‏

و أبوه أبى و مولاه مولاى* * * إذا ضامنى البعيد القصي‏

إلى آخرها، فلما سمع الخليفة القادر بأمر هذه القصيدة انزعج و بعث إلى أبيه الموسوي يعاتبه، فأرسل إلى ابنه الرضى فأنكر أن يكون قالها بالمرة، و الروافض من شأنهم التزوير. فقال له أبوه: فإذا لم تكن قلتها فقل أبياتا تذكر فيها أن الحاكم بمصر دعي لا نسب له، فقال: إني أخاف غائلة ذلك، و أصرّ على أن لا يقول ما أمره به أبوه، و ترددت الرسائل من الخليفة إليهم في ذلك، و هم ينكرون ذلك حتى بعث الشيخ أبا حامد الأسفراييني و القاضي أبا بكر إليهما، فحلف لهما بالايمان المؤكدة أنه ما قالها و اللَّه أعلم بحقيقة الحال. توفى في خامس المحرم منها عن سبع و أربعين سنة، و حضر جنازته الوزير و القضاة، و صلى عليه الوزير و دفن بداره بمسجد الأنباري، و ولى أخوه المرتضى ما كان يليه، و زيد على ذلك أشياء و مناصب أخرى، و قد رثى الرضى أخاه بمرثاة حسنة.

باديس بن منصور الحميري‏

أبو المعز مناذر بن باديس [ (1)] نائب الحاكم على بلاد إفريقية و ابن نائبها، لقبه الحاكم بنصير الدولة، كان ذا همة و سطوة و حرمة وافرة، كان إذا هز رمحا كسره، توفى فجأة ليلة الأربعاء سلخ ذي القعدة منها، و يقال إن بعض الصالحين دعي عليه تلك الليلة، و قام في الأمر بعده ولده المعز مناذر.

ثم دخلت سنة سبع و أربعمائة

في ربيع الأول منها، احترق مشهد الحسين بن على [بكر بلاء] و أروقته، و كان سبب ذلك‏

____________

[ (1)] في النجوم الزاهرة: المعز بن باديس بن منصور بن بلكين الحميري.

5

أن القومة اشعلوا شمعتين كبيرتين فمالتا في الليل على التأزير، و نفذت النار منه إلى غيره حتى كان ما كان. و في هذا الشهر أيضا احترقت دار القطن ببغداد و أماكن كثيرة بباب البصرة، و احترق جامع سامرا. و فيها ورد الخبر بتشعيث الركن اليماني من المسجد الحرام، و سقوط جدار بين يدي قبر الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) بالمدينة، و أنه سقطت القبة الكبيرة على صخرة بيت المقدس، و هذا من أغرب الاتفاقات و أعجبها. و في هذه السنة قتلت الشيعة الذين ببلاد إفريقية و نهبت أموالهم، و لم يترك منهم إلا من لا يعرف. و فيها كان ابتداء دولة العلويين ببلاد الأندلس، وليها على بن حمود بن أبى العيس العلويّ، فدخل قرطبة في المحرم منها، و قتل سليمان بن الحكم الأموي، و قتل أباه أيضا، و كان شيخا صالحا، و بايعه الناس و تلقب بالمتوكل على اللَّه، ثم قتل في الحمام في ثامن ذي القعدة منها عن ثمان و أربعين سنة، و قام بالأمر من بعده أخوه القاسم بن حمود، و تلقب بالمأمون، فأقام في الملك ست سنين، ثم قام ابن أخيه يحيى بن إدريس، ثم ملك الأمويون حتى ملك أمر المسلمين على بن يوسف ابن تاشفين. و فيها ملك محمود بن سبكتكين بلاد خوارزم بعد ملكها خوارزم شاه مأمون بن مأمون و فيها استوزر سلطان الدولة أبا الحسن على بن الفضل الرامهرمزيّ، عوضا عن فخر الملك، و خلع عليه. و لم يحج أحد في هذه السنة من بلاد المغرب لفساد البلاد و الطرقات.

و فيها توفى من الأعيان‏

أحمد بن يوسف بن دوست‏

أبو عبد اللَّه البزار، أحد حفاظ الحديث، و أحد الفقهاء على مذهب مالك، كان يذكر بحضرة الدار قطنى و يتكلم على علم الحديث، فيقال إن الدار قطنى تكلم فيه لذلك السبب، و قد تكلم في غيره بما لا يقدح فيه كبير شي‏ء. قال الأزهري: رأيت كتبه طرية، و كان يذكر أن أصوله العتق غرقت، و قد أملى الحديث من حفظه، و المخلص و ابن شاهين حيان موجودان. توفى في رمضان عن أربع و ثمانين سنة.

الوزير فخر الملك‏

محمد بن على بن خلف أبو غالب الوزير، كان من أهل واسط، و كان أبوه صيرفيا، فتنقلت به الأحوال إلى أن وزر لبهاء الدولة، و قد اقتنى أموالا جزيلة، و بنى دارا عظيمة، تعرف بالفخرية، و كانت أولا للخليفة المتقى للَّه، فأنفق عليها أموالا كثيرة، و كان كريما جواد، كثير الصدقة، كسى في يوم واحد ألف فقير، و كان كثير الصلاة أيضا، و هو أول من فرق الحلاوة ليلة النصف من شعبان، و كان فيه ميل إلى التشيع، و قد صادره سلطان الدولة بالأهواز، و أخذ منه شيئا أزيد من ستمائة ألف دينار، خارجا عن الاملاك و الجواهر و المتاع، قتله سلطان الدولة، و كان عمره يوم قتل ثنتين و خمسين سنة و أشهرا و قيل إن سبب هلاكه أن رجلا قتله بعض غلمانه، فاستعدت امرأة الرجل على الوزير هذا، و رفعت إليه قصصتها، و كل ذلك لا يلتفت إليها، فقالت له ذات يوم: أيها الوزير

6

أ رأيت القصص التي رفعتها إليك، فلم تلتفت إليها قد رفعتها إلى اللَّه عز و جل، و أنا أنتظر التوقيع عليها، فلما مسك قال قد و اللَّه خرج توقيع المرأة، فكان من أمره ما كان.

ثم دخلت سنة ثمان و أربعمائة

فيها وقعت فتنة عظيمة بين أهل السنة و الروافض ببغداد، قتل فيها خلق كثير من الفريقين.

و فيها ملك أبو المظفر بن خاقان بلاد ما وراء النهر و غيرها، و تلقب بشرف الدولة، و ذلك بعد وفاة أخيه طغان خان، و قد كان طغان خان هذا دينا فاضلا، يحب أهل العلم و الدين، و قد غزا الترك مرة فقتل منهم مائتي ألف مقاتل، و أسر منهم مائة ألف، و غنم من أواني الذهب و الفضة، و أواني الصين شيئا لا يعهد لأحد مثله، فلما مات ظهرت ملوك الترك على البلاد الشرقية. و في جمادى الأولى منها ولى أبو الحسين أحمد بن مهذب الدولة على بن نصر بلاد البطائح بعد أبيه، فقاتله ابن عمه فغلبه و قتله، ثم لم تطل مدته فيها حتى قتل، ثم آلت تلك البلاد بعد ذلك إلى سلطان الدولة صاحب بغداد، و طمع فيهم العامة، فنزلوا إلى واسط فقاتلوهم مع الترك. و فيها ولى نور الدولة أبو الأغر دبيس ابن أبى الحسن على بن مزيد بعد وفاة أبيه. و فيها قدم سلطان الدولة إلى بغداد، و ضرب الطبل في أوقات الصلوات، و لم تجر بذلك عادة، و عقد عقده على بنت قرواش على صداق خمسين ألف دينار. و لم يحج أحد من أهل العراق لفساد البلاد، و عيث الأعراب و ضعف الدولة. قال ابن الجوزي في المنتظم: أخبرنا سعد اللَّه بن على البزار أنبأ أبو بكر الطريثيثى أنبأ هبة اللَّه بن الحسن الطبري. قال: و في سنة ثمان و أربعمائة استتاب القادر باللَّه الخليفة فقهاء المعتزلة، فأظهروا الرجوع و تبرءوا من الاعتزال و الرفض و المقالات المخالفة للإسلام، و أخذت خطوطهم بذلك، و أنهم متى خالفوا أحل فيهم من النكال و العقوبة ما يتعظ به أمثالهم، و امتثل محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك و استن بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من بلاد خراسان و غيرها، في قتل المعتزلة و الرافضة و الإسماعيلية و القرامطة و الجهمية و المشبهة، و صلبهم و حبسهم و نفاهم، و أمر بلعنهم على المنابر، و أبعد جميع طوائف أهل البدع، و نفاهم عن ديارهم، و صار ذلك سنة في الإسلام.

و فيها توفى من الأعيان‏

الحاجب الكبير.

شباشى أبو نصر

مولى شرف الدولة، و لقبه بهاء الدولة بالسعيد، و كان كثير الصدقة و الأوقاف على وجوه القربات فمن ذلك أنه وقف دباها على المارستان و كانت تغل شيئا كثيرا من الزروع و الثمار و الخراج و بنى قنطرة الخندق و المارستان و الناصرية و غير ذلك، و لما مات دفن بمقبرة الإمام أحمد و أوصى أن لا يبنى عليه فخالفوه، فعقدوا قبة عليه فسقطت بعد موته بنحو من سبعين سنة و اجتمع نسوة عند قبره ينحن يبكين، فلما رجعن رأت عجوز منهن- كانت هي المقدمة فيهن- في المنام كأن تركيا خرج إليهن من‏

7

قبره و معه دبوس فحمل عليهنّ و زجرهن عن ذلك، و إذا هو الحاجب السعيد، فانتبهت مذعورة.

ثم دخلت سنة تسع و أربعمائة

في يوم الخميس السابع عشر من المحرم قرئ بدار الخلافة في الموكب كتاب في مذهب أهل السنة و فيه أن من قال القرآن مخلوق فهو كافر حلال الدم. و في النصف من جمادى الأولى منها فاض البحر المالح و تدانى إلى الأبلة، و دخل البصرة بعد يومين. و فيها غزا محمود بن سبكتكين بلاد الهند و تواقع هو و ملك الهند فاقتتل الناس قتالا عظيما، ثم انجلت عن هزيمة عظيمة على الهند، و أخذ المسلمون يقتلون فيهم كيف شاءوا، و أخذوا منهم أموالا عظيمة من الجواهر و الذهب و الفضة، و أخذوا منهم مائتي فيل، و اقتصوا آثار المنهزمين منهم، و هدموا معامل كثيرة. ثم عاد إلى غزنة مؤيدا منصورا. و لم يحج أحد من درب العراق فيها لفساد البلاد و عيث الأعراب.

و فيها توفى من الأعيان‏

رجاء بن عيسى بن محمد

أبو العباس الأنصناوي، نسبة إلى قرية من قرى مصر يقال لها أنصنا، قدم بغداد فحدث بها و سمع منه الحفاظ، و كان ثقة فقيها مالكيا عدلا عند الحكام، مرضيا. ثم عاد إلى بلده و توفى فيها، و قد جاوز الثمانين.

عبد اللَّه بن محمد بن أبى علان‏

أبو أحمد قاضى الأهواز، كان ذا مال، و له مصنفات منها كتاب في معجزات النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، جمع فيه ألف معجزة، و كان من كبار شيوخ المعتزلة، توفى فيها عن تسع و ثمانين سنة.

على بن نصر

ابن أبى الحسن، مهذب الدولة، صاحب بلاد البطيحة، له مكارم كثيرة، و كان الناس يلجئون إلى بلاده في الشدائد فيؤويهم، و يحسن إليهم، و من أكبر مناقبه إحسانه إلى أمير المؤمنين القادر لما استجار به و نزل عنده بالبطائح فارا من الطائع، فآواه و أحسن إليه، و كان في خدمته حتى ولى إمرة المؤمنين، و كان له بذلك عنده اليد البيضاء، و قد ولى البطائح ثنتين و ثلاثين سنة و شهورا، و توفى فيها عن ثنتين و سبعين سنة، و كان سبب موته أنه اقتصد فانتفخ ذراعه فمات.

عبد الغنى بن سعيد

ابن على بن بشر بن مروان بن عبد العزيز، أبو محمد الأزدي المصري، الحافظ، كان عالما بالحديث و فنونه، و له فيه المصنفات الكثيرة الشهيرة. قال أبو عبد اللَّه الصوري الحافظ: ما رأت عيناي مثله في معناه، و قال الدار قطنى: ما رأيت بمصر مثل شاب يقال له عبد الغنى، كأنه شعلة نار، و جعل يفخم أمره و يرفع ذكره. و قد صنف الحافظ عبد الغنى هذا كتابا فيه أوهام الحاكم، فلما وقف الحاكم عليه جعل يقرؤه على الناس و يعترف لعبد الغنى بالفضل، و يشكره و يرجع فيه إلى ما أصاب‏

8

فيه من الرد عليه، (رحمهما اللَّه)، ولد عبد الغنى لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ثنتين و ثلاثمائة و توفى في صفر من هذه السنة (رحمه اللَّه).

محمد بن أمير المؤمنين‏

و يكنى بابي الفضل، كان قد جعله ولى عهده من بعده، و ضربت السكة باسمه و خطب له الخطباء على المنابر، و لقب بالغالب باللَّه، فلم يقدر ذلك. توفى فيها عن سبع و عشرين سنة.

محمد بن إبراهيم بن محمد بن يزيد

أبو الفتح البزار الطرسوسي، و يعرف بابن البصري، سمع الكثير من المشايخ، و سمع منه الصوري ببيت المقدس، حين أقام بها، و كان ثقة مأمونا.

ثم دخلت سنة عشر و أربعمائة

فيها ورد كتاب يمين الدولة محمود بن سبكتكين، يذكر فيه ما افتتحه من بلاد الهند في السنة الخالية، و فيه أنه دخل مدينة فيها ألف قصر مشيد، و ألف بيت للأصنام. و فيها من الأصنام شي‏ء كثير، و مبلغ ما على الصنم من الذهب ما يقارب مائة ألف دينار، و مبلغ الأصنام الفضة زيادة على ألف صنم، و عندهم صنم معظم، يؤرخون له و به بجهالتهم ثلاثمائة ألف عام، و قد سلبنا ذلك كله و غيره مما لا يحصى و لا يعد، و قد غنم المجاهدون في هذه الغزوة شيئا كثيرا، و قد عمموا المدينة بالإحراق، فلم يتركوا منها إلا الرسوم، و بلغ عدد القتلى من الهنود خمسين ألفا، و أسلم منهم نحو من عشرين ألفا، و أفرد خمس الرقيق فبلغ ثلاثا و خمسين ألفا، و اعترض من الأفيال ثلاثمائة و ست و خمسين فيلا، و حصل من الأموال عشرون ألف ألف درهم، و من الذهب شي‏ء كثير. و في ربيع الآخر منها قرئ عهد أبى الفوارس و لقب قوام الدولة، و خلع عليه خلعا حملت إليه بولاية كرمان، و لم يحج في هذه السنة أحد من العراق.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الاصيفر الّذي كان يخفر الحجاج.

أحمد بن موسى بن مردويه‏

ابن فورك، أبو بكر الحافظ الأصبهاني، توفى في رمضان منها.

هبة اللَّه بن سلامة

أبو القاسم الضرير المقرئ المفسر، كان من أعلم الناس و أحفظهم للتفسير، و كانت له حلقة في جامع المنصور، روى ابن الجوزي بسنده إليه قال: كان لنا شيخ نقرأ عليه فمات بعض أصحابه فرآه في المنام فقال له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي. قال: فما كان حالك مع منكر و نكير؟ قال: لما أجلسانى و سألاني ألهمنى اللَّه أن قلت: بحق أبى بكر و عمر دعاني، فقال أحدهما للآخر: قد أقسم بعظيمين فدعه، فتركاني و ذهبا.

9

ثم دخلت سنة إحدى عشرة و أربعمائة

فيها عدم الحاكم بمصر، و ذلك أنه لما كان ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوال فقد الحاكم بن المعز الفاطمي صاحب مصر، فاستبشر المؤمنون و المسلمون بذلك، و ذلك لأنه كان جبارا عنيدا، و شيطانا مريدا. و لنذكر شيئا من صفاته القبيحة، و سيرته الملعونة، أخزاه اللَّه.

كان كثير التلون في أفعاله و أحكامه و أقواله، جائرا، و قد كان يروم أن يدعى الألوهية كما ادعاها فرعون، فكان قد أمر الرعية إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه أن يقوم الناس على أقدامهم صفوفا، إعظاما لذكره و احتراما لاسمه، فعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين، و كان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجدا له، حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع و غيرهم، ممن كان لا يصلى الجمعة، و كانوا يتركون السجود للَّه في يوم الجمعة و غيره و يسجدون للحاكم، و أمر في وقت لأهل الكتابين بالدخول في دين الإسلام كرها، ثم أذن لهم في العود إلى دينهم، و خرب كنائسهم ثم عمرها، و خرب القمامة ثم أعادها، و ابتنى المدارس. و جعل فيها الفقهاء و المشايخ، ثم قتلهم و أخربها، و ألزم الناس بغلق الأسواق نهارا، و فتحها ليلا، فامتثلوا ذلك دهرا طويلا، حتى اجتاز مرة برجل يعمل النجارة في أثناء النهار. فوقف عليه فقال: أ لم أنهكم؟ فقال:

يا سيدي لما كان الناس يتعيشون بالنهار كانوا يسهرون. بالليل، و لما كانوا يتعيشون بالليل سهروا بالنهار فهذا من جملة السهر، فتبسم و تركه. و أعاد الناس إلى أمرهم الأول، و كل هذا تغيير للرسوم، و اختبار لطاعة العامة له، ليرقى في ذلك إلى ما هو أشر و أعظم منه. و قد كان يعمل الحسبة بنفسه فكان يدور بنفسه في الأسواق على حمار له- و كان لا يركب إلا حمارا- فمن وجده قد غش في معيشة أمر عبدا أسود معه يقال له مسعود، أن يفعل به الفاحشة العظمى، و هذا أمر منكر ملعون، لم يسبق إليه، و كان قد منع النساء من الخروج من منازلهن و قطع شجر الأعناب حتى لا يتخذ الناس منها خمرا، و منعهم من طبخ الملوخية، و أشياء من الرعونات التي من أحسنها منع النساء من الخروج، و كراهة الخمر، و كانت العامة تبغضه كثيرا، و يكتبون له الأوراق بالشتيمة البالغة له و لأسلافه، في صورة قصص، فإذا قرأها ازداد غيظا و حنقا عليهم، حتى إن أهل مصر عملوا صورة امرأة من ورق بخفيها و إزارها. و في يدها قصة من الشتم و اللعن و المخالفة شي‏ء كثير، فلما رآها ظنها امرأة، فذهب من ناحيتها و أخذ القصة من يدها فقرأها فرأى ما فيها، فأغضبه ذلك جدا، فأمر بقتل المرأة، فلما تحققها من ورق ازداد غيظا إلى غيظه، ثم لما وصل إلى القاهرة أمر السودان أن يذهبوا إلى مصر فيحرقوها و ينهبوا ما فيها من الأموال و المتاع و الحريم، فذهبوا فامتثلوا ما أمرهم به، فقاتلهم أهل مصر قتالا شديدا، ثلاثة أيام، و النار تعمل في الدور و الحريم، و هو في كل يوم قبحه اللَّه، يخرج فيقف من بعيد و ينظر و يبكى و يقول: من أمر

10

هؤلاء العبيد بهذا؟ ثم اجتمع الناس في الجوامع و رفعوا المصاحف و صاروا إلى اللَّه عز و جل، و استغاثوا به، فرق لهم الترك و المشارقة و انحازوا إليهم، و قاتلوا معهم عن حريمهم و دورهم، و تفاقم الحال جدا، ثم ركب الحاكم لعنه اللَّه ففصل بين الفريقين، و كف العبيد عنهم، و كان يظهر التنصل مما فعله العبيد و أنهم ارتكبوا ذلك من غير علمه و إذنه، و كان ينفذ إليهم السلاح و يحثهم على ذلك في الباطن، و ما انجلى الأمر حتى احترق من مصر نحو ثلثها، و نهب قريب من نصفها، و سبيت نساء و بنات كثيرة و فعل معهن الفواحش و المنكرات، حتى أن منهن من قتلت نفسها خوفا من العار و الفضيحة، و اشترى الرجال منهم من سبى لهم من النساء و الحريم. قال ابن الجوزي: ثم ازداد ظلم الحاكم حتى عنّ له أن يدعى الربوبية، فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون: يا واحد يا أحد يا محيي يا مميت قبحهم اللَّه جميعا.

صفة مقتله لعنه اللَّه‏

كان قد تعدى شره إلى الناس كلهم حتى إلى أخته، و كان يتهمها بالفاحشة، و يسمعها أغلظ الكلام، فتبرمت منه، و عملت على قتله، فراسلت أكبر الأمراء، أميرا يقال له ابن دواس، فتوافقت هي و هو على قتله و دماره، و تواطئا على ذلك، فجهز من عنده عبدين، أسودين شهمين، و قال لهما: إذا كانت الليلة الفلانية فكونا في جبل المقطم، ففي تلك الليلة يكون الحاكم هناك في الليل لينظر في النجوم، و ليس معه أحد إلا ركابي و صبي، فاقتلاه و اقتلاهما معه، و اتفق الحال على ذلك.

فلما كانت تلك الليلة قال الحاكم لأمه: على في هذه الليلة قطع عظيم، فان نجوت منه عمرت نحوا من ثمانين سنة، و مع هذا فانقلى حواصلى إليك، فان أخوف ما أخاف عليك من أختى، و أخوف ما أخاف على نفسي منها، فنقل حواصله إلى أمه، و كان له في صناديق قريب من ثلاثمائة ألف دينار، و جواهر أخر، فقالت له أمه: يا مولانا إذا كان الأمر كما تقول فارحمني و لا تركب في ليلتك هذه إلى موضع و كان يحبها. فقال: أفعل، و كان من عادته أن يدور حول القصر كل ليلة، فدار ثم عاد إلى القصر، فنام إلى قريب من ثلث الليل الأخير، فاستيقظ و قال: إن لم أركب الليلة فاضت نفسي، فثار فركب فرسا و صحبه صبي و ركابي، و صعد الجبل المقطم فاستقبله ذانك العبدان فأنزلاه عن مركوبة، و قطعا يديه و رجليه، و بقرا بطنه، فأتيا به مولاهما ابن دواس، فحمله إلى أخته فدفنته في مجلس دارها، و استدعت الأمراء و الأكابر و الوزير و قد أطلعته على الجلية، فبايعوا لولد الحاكم أبى الحسن على، و لقب بالظاهر لاعزاز دين اللَّه، و كان بدمشق، فاستدعت به و جعلت تقول للناس: إن الحاكم قال لي: إنه يغيب عنكم سبعة أيام ثم يعود، فاطمأن الناس، و جعلت ترسل ركابيين إلى الجبل فيصعدونه، ثم يرجعون فيقولون تركناه في الموضع الفلاني، و يقول الذين بعدهم لأمه: تركناه في موضع كذا و كذا. حتى اطمأن الناس و قدم ابن أخيها و استصحب معه من دمشق ألف ألف دينار، و ألفى ألف درهم، فحين وصل ألبسته‏

11

تاج جد أبيه المعز، و حلة عظيمة، و أجلسته على السرير، و بايعه الأمراء و الرؤساء، و أطلق لهم الأموال، و خلعت على ابن دواس خلعة سنية هائلة، و عملت عزاء أخيها الحاكم ثلاثة أيام، ثم أرسلت إلى ابن دواس طائفة من الجند ليكونوا بين يديه بسيوفهم وقوفا في خدمته، ثم يقولوا له في بعض الأيام: أنت قاتل مولانا، ثم يهبرونه بسيوفهم، ففعلوا ذلك، و قتلت كل من اطلع على سرها في قتل أخيها، فعظمت هيبتها و قويت حرمتها و ثبتت دولتها. و قد كان عمر الحاكم يوم قتل سبعا و ثلاثين سنة، و مدة ملكه من ذلك خمسا و عشرين سنة.

ثم دخلت سنة اثنتي عشرة و أربعمائة

فيها تولى القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد السمناني الحسبة و المواريث ببغداد، و خلع عليه السواد و فيها قالت جماعة من العلماء و المسلمين للملك الكبير يمين الدولة، محمود بن سبكتكين: أنت أكبر ملوك الأرض، و في كل سنة تفتح طائفة من بلاد الكفر، و هذه طريق الحج، قد تعطلت من مدة ستين و فتحك لها أوجب من غيرها. فتقدم إلى قاضى القضاة أبى محمد الناصحى أن يكون أمير الحج في هذه السنة، و بعث معه بثلاثين ألف دينار للأعراب، غير ما جهز من الصدقات، فسار الناس بصحبته، فلما كانوا بفيد اعترضهم الأعراب فصالحهم القاضي أبو محمد الناصحى بخمسة آلاف دينار، فامتنعوا و صمم كبيرهم- و هو جماز بن عدي- على أخذ الحجيج، و ركب فرسه و جال جولة و استنهض شياطين العرب، فتقدم إليه غلام من سمرقند [يقال له ابن عفان‏] فرماه بسهم فوصل إلى قلبه فسقط ميتا، و انهزمت الأعراب، و سلك الناس الطريق فحجوا و رجعوا سالمين و للَّه الحمد و المنة.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أبو سعد الماليني‏

أحمد بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن حفص، أبو سعد الماليني، و مالين قرية من قرى هراة، كان من الحفاظ المكثرين الراحلين في طلب الحديث إلى الآفاق، و كتب كثيرا، و كان ثقة صدوقا صالحا، مات بمصر في شوال منها.

الحسن بن الحسين‏

ابن محمد بن الحسين بن رامين القاضي، أبو محمد الأستراباذيّ، نزل بغداد و حدث بها عن الإسماعيلي و غيره، كان شافعيا كبيرا، فاضلا صالحا.

الحسن بن منصور بن غالب‏

الوزير الملقب ذا السعادتين، ولد بسيراف سنة ثلاث و خمسين و ثلاثمائة، ثم صار وزيرا ببغداد ثم قتل و صودر أبوه على ثمانين ألف دينار.

12

الحسين بن عمرو

أبو عبد اللَّه الغزال، سمع النجاد و الخلدى و ابن السماك و غيرهم. قال الخطيب: كتبت عنه و كان ثقة صالحا كثير البكاء عند الذكر.

محمد بن عمر

أبو بكر العنبري الشاعر، كان أديبا ظريفا، حسن الشعر، فمن ذلك قوله:

إني نظرت إلى الزمان* * * و أهله نظرا كفاني‏

فعرفته و عرفتهم* * * و عرفت عزى من هواني‏

فلذلك اطّرح الصديق* * * فلا أراه و لا يراني‏

و زهدت فيما في يديه* * * و دونه نيل الأماني‏

فتعجبوا لمغالب* * * وهب الأقاصي للأدانى‏

و انسل من بين الزحا* * * م فما له في الغلب ثانى‏

قال ابن الجوزي: و كان متصوفا ثم خرج عنهم و ذمهم بقصائد ذكرتها في تلبيس إبليس توفى يوم الخميس ثانى عشر جمادى الأولى منها.

محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد

ابن روق بن عبد اللَّه بن يزيد بن خالد، أبو الحسن البزار، المعروف بابن رزقويه. قال الخطيب: هو أول شيخ كتبت عنه في سنة ثلاث و أربعمائة، و كان يذكر أنه درس القرآن و درس الفقه على مذهب الشافعيّ، و كان ثقة صدوقا كثير السماع و الكتابة، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، مديما لتلاوة القرآن، شديدا على أهل البدع، و أكب دهرا على الحديث، و كان يقول: لا أحب الدنيا إلا لذكر اللَّه و تلاوة القرآن، و قراءتي عليكم الحديث، و قد بعث بعض الأمراء إلى العلماء بذهب فقبلوا كلهم غيره، فإنه لم يقبل شيئا، و كانت وفاته يوم الاثنين السادس عشر من جمادى الأولى منها، عن سبع و ثمانين سنة، و دفن بالقرب من مقبرة معروف الكرخي.

أبو عبد الرحمن السلمي‏

محمد بن الحسين بن محمد بن موسى، أبو عبد الرحمن السلمي النيسابورىّ، روى عن الأصم و غيره، و عنه مشايخ البغداديين، كالأزهرى و العشاري و غيرهما، و روى عنه البيهقي و غيره. قال ابن الجوزي: كانت له عناية بأخبار الصوفية، فصنف لهم تفسيرا على طريقتهم، و سننا و تاريخا، و جمع شيوخا و تراجم و أبوابا، له بنيسابور دار معروفة، و فيها صوفية و بها قبره، ثم ذكر كلام الناس في تضعيفه في الرواية، فحكى عن الخطيب عن محمد بن يوسف القطان أنه قال: لم يكن بثقة، و لم يكن سمع‏

13

من الأصم شيئا كثيرا، فلما مات الحاكم روى عنه أشياء كثيرة جدا، و كان يضع للصوفية الأحاديث. قال ابن الجوزي: و كانت وفاته في ثالث شعبان منها.

أبو على الحسن بن على الدقاق النيسابورىّ‏

كان يعظ الناس و يتكلم على الأحوال و المعرفة، فمن كلامه: من تواضع لأحد لأجل دنياه ذهب ثلثا دينه، لأنه خضع له بلسانه و أركانه، فان اعتقد تعظيمه بقلبه أو خضع له به ذهب دينه كله. و قال في قوله تعالى‏ (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) اذكروني و أنتم أحياء أذكركم و أنتم أموات تحت التراب، و قد تخلى عنكم الأقارب و الأصحاب و الأحباب. و قال: البلاء الأكبر أن تريد و لا تراد، و تدنو فترد إلى الطرد و الإبعاد، و أنشد عند قوله تعالى‏ (وَ تَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا أَسَفى‏ عَلى‏ يُوسُفَ)

جننا بليلى و هي جنت بغيرنا* * * و أخرى بنا مجنونة لا نريدها

و قال في‏

قوله (صلى اللَّه عليه و سلم)

«حفت الجنة بالمكاره»:

إذا كان هذا المخلوق لا وصل إليه إلا بتحمل المشاق فما الظن بمن لم يزل؟ و قال في‏

قوله عليه السلام‏

«جبلت القلوب على حب من أحسن إليها».

يا عجبا لمن لم ير محسنا غير اللَّه كيف لا يميل بكليته إليه؟ قلت: كلامه على هذا الحديث جيد و الحديث لا يصح بالكلية

صريع الدلال الشاعر

أبو الحسن على بن عبيد الواحد، الفقيه البغدادي، الشاعر الماجن، المعروف بصريع الدلال، قتيل الغواني ذي الرقاعتين، له قصيدة مقصورة عارض بها مقصورة ابن دريد يقول فيها:

و ألف حمل من متاع تستر* * * أنفع للمسكين من لقط النوى‏

من طبخ الديك و لا يذبحه* * * طار من القدر إلى حيث انتهى‏

من دخلت في عينه مسلة* * * فسله من ساعته كيف العمى‏

و الذقن شعر في الوجوه طالع* * * كذلك العقصة من خلف القفا

إلى أن ختمها بالبيت الّذي حسد عليه و هو قوله:

من فاته العلم و أخطاه الغنى* * * فذاك و الكلب على حد سوى‏

قدم مصر في سنة ثنتى عشرة و أربعمائة و امتدح فيها خليفتها الظاهر لاعزاز دين اللَّه بن الحاكم و اتفقت وفاته بها في رجبها.

ثم دخلت سنة ثلاث عشرة و أربعمائة

فيها جرت كائنة غريبة عظيمة، و مصيبة عامة، و هي أن رجلا من المصريين من أصحاب الحاكم اتفق مع جماعة من الحجاج المصريين على أمر سوء، و ذلك أنه لما كان يوم النفر الأول طاف هذا الرجل بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر الأسود جاء ليقبله فضربه بدبوس كان معه ثلاث ضربات‏

14

متواليات، و قال: إلى متى نعبد هذا الحجر؟ و لا محمد و لا على يمنعني مما أفعله، فانى أهدم اليوم هذا البيت، و جعل يرتعد، فاتقاه أكثر الحاضرين و تأخروا عنه، و ذلك لأنه كان رجلا طوالا جسيما أحمر اللون أشقر الشعر، و على باب الجامع جماعة من الفرسان، وقوف ليمنعوه ممن يريد منعه من هذا الفعل، و أراده بسوء، فتقدم إليه رجل من أهل اليمن معه خنجر فوجأه بها، و تكاثر الناس عليه فقتلوه و قطعوه قطعا، و حرقوه بالنار، و تتبعوا أصحابه فقتلوا منهم جماعة، و نهبت أهل مكة الركب المصري، و تعدى النهب إلى غيرهم، و جرت خبطة عظيمة، و فتنة كبيرة جدا، ثم سكن الحال بعد أن تتبع أولئك النفر الذين تمالئوا على الإلحاد في أشرف البلاد غير أنه قد سقط من الحجر ثلاث فلق مثل الأظفار، و بدا ما تحتها أسمر يضرب إلى صفرة، محببا مثل الخشخاش، فأخذ بنو شيبة تلك الفلق فعجنوها بالمسك و الك و حشوا بها تلك الشقوق التي بدت، فاستمسك الحجر و استمر على ما هو عليه الآن، و هو ظاهر لمن تأمله. و فيها فتح المارستان الّذي بناه الوزير مؤيد الملك، أبو على الحسن، وزير شرف الملك بواسط، و رتب له الخزان و الأشربة و الأدوية و العقاقير، و غير ذلك مما يحتاج إليه.

و فيها توفى من الأعيان‏

ابن البواب الكاتب‏

صاحب الخط المنسوب، على بن هلال أبو الحسن ابن البواب، صاحب أبى الحسين بن سمعون الواعظ، و قد أثنى على ابن البواب غير واحد في دينه و أمانته، و أما خطه و طريقته فيه فأشهر من أن ننبه عليها، و خطه أوضح تعريبا من خط أبى على بن مقلة، و لم يكن بعد ابن مقلة أكتب منه، و على طريقته الناس اليوم في سائر الأقاليم إلا القليل. قال ابن الجوزي: توفى يوم السبت ثانى جمادى الآخرة منها، و دفن بمقبرة باب حرب، و قد رثاه بعضهم بأبيات منها قوله:

فللقلوب التي أبهجتها حرق* * * و للعيون التي أقررتها سهر

فما لعيش و قد ودعته ارج* * * و ما لليل و قد فارقته سحر

قال ابن خلكان: و يقال له السترى، لأن أباه كان ملازما لستر الباب، و يقال له ابن البواب و كان قد أخذ الخط عن عبد اللَّه بن محمد بن أسد بن على بن سعيد البزار، و قد سمع أسد هذا على النجاد و غيره، و توفى سنة عشر و أربعمائة، و أما ابن البواب فإنه توفى في جمادى الأولى من هذه السنة، و قبل في سنة ثلاث و عشرين و أربعمائة، و قد رثاه بعضهم فقال:

استشعرت الكتاب فقدك سالفا* * * و قضت بصحة ذلك الأيام‏

فلذاك سودت الدّوىّ كآبة* * * أسفا عليك و شقت الأقلام‏

ثم ذكر ابن خلكان أول من كتب بالعربية، فقيل إسماعيل عليه السلام، و قيل أول من‏

15

كتب بالعربية من قريش حرب بن أمية بن عبد شمس، أخذها من بلاد الحيرة عن رجل يقال له أسلم بن سدرة، و سأله ممن اقتبستها؟ فقال: من واضعها رجل يقال له مرامر بن مروة، و هو رجل من أهل الأنبار. فأصل الكتابة في العرب من الأنبار. و قال الهيثم بن عدي: و قد كان لحمير كتابة يسمونها المسند، و هي حروف متصلة غير منفصلة، و كانوا يمنعون العامة من تعلمها، و جميع كتابات الناس تنتهي إلى اثنى عشر صنفا و هي العربية و الحميرية، و اليونانية، و الفارسية، و الرومانية، و العبرانية، و الروميّة، و القبطية، و البربرية، و الهندية و الاندلسية، و الصينية. و قد اندرس كثير منها فقل من يعرف شيئا منها.

و فيها توفى من الأعيان‏

على بن عيسى‏

ابن سليمان بن محمد بن أبان، أبو الحسن الفارسي المعروف بالسكري الشاعر، و كان يحفظ القرآن و يعرف القراءات، و صحب أبا بكر الباقلاني، و أكثر شعره في مديح الصحابة و ذم الرافضة. و كانت وفاته في شوال من هذه السنة و دفن بالقرب من قبر معروف، و قد كان أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات التي عملها و هي قوله:

نفس، يا نفس كم تمادين في تلفى* * * و تمشين في الفعال المعيب‏

راقبي اللَّه و احذرى موقف العرض* * * و خافي يوم الحساب العصيب‏

لا تغرنك السلامة في العيش* * * فان السليم رهن الخطوب‏

كل حي فللمنون و لا يدفع* * * كأس المنون كيد الأديب‏

و اعلمي أن للمنية وقتا* * * سوف يأتى عجلان غير هيوب‏

إن حب الصديق في موقف* * * الحشر أمان للخائف المطلوب‏

محمد بن أحمد بن محمد بن منصور

أبو جعفر البيع، و يعرف بالعتيقي، ولد سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة، و أقام بطرسوس مدة، و سمع بها و بغيرها، و حدث بشي‏ء يسير.

ابن النعمان‏

شيخ الإمامية الروافض، و المصنف لهم، و المحامي عن حوزتهم، كانت له وجاهة عند ملوك الأطراف، لميل كثير من أهل ذلك الزمان إلى التشيع، و كان مجلسه يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف، و كان من جملة تلاميذه الشريف الرضى و المرتضى، و قد رثاه بقصيدة بعد وفاته في هذه السنة، منها قوله:

من لعضل أخرجت منه حساما* * * و معان فضضت عنها ختاما؟

من يثير العقول من بعد ما* * * كن همودا و يفتح الافهاما؟

16

من يعير الصديق رأيا* * * إذا ما سل في الخطوب حساما؟

ثم دخلت سنة أربع عشرة و أربعمائة

فيها قدم الملك شرف الدولة إلى بغداد فخرج الخليفة في الطيارة لتلقيه، و صحبته الأمراء و القضاة و الفقهاء و الوزراء و الرؤساء، فلما واجهه شرف الدولة قبل الأرض بين يديه مرات و الجيش واقف برمته، و العامة في الجانبين. و فيها ورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سبكتكين إلى الخليفة يذكر أنه دخل بلاد الهند أيضا، و أنه فتح بلادا، و قتل خلقا منهم، و أنه صالحه بعض ملوكهم و حمل إليه هدايا سنية، منها فيول كثيرة، و منها طائر على هيئة القمري، إذا وضع عند الخوان و فيه سم دمعت عيناه و جرى منهما ماء، و منها حجر يحك و يؤخذ منه ما تحصل منه فيطلي بها الجراحات ذات الأفواه الواسعة فيلحمها، و غير ذلك. و حج الناس من أهل العراق و لكن رجعوا على طريق الشام لاحتياجهم إلى ذلك.

و فيها توفى من الأعيان‏

الحسن بن الفضل بن سهلان‏

أبو محمد الرامهرمزيّ، وزير سلطان الدولة، و هو الّذي بنى سور الحائر عند مشهد الحسين، قتل في شعبان منها

الحسن بن محمد بن عبد اللَّه‏

أبو عبد اللَّه الكشغلي الطبري، الفقيه الشافعيّ، تفقه على أبى القاسم الداركى، و كان فهما فاضلا صالحا زاهدا، و هو الّذي درس بعد الشيخ أبى حامد الأسفراييني في مسجده، مسجد عبد اللَّه بن المبارك. في قطيعة الربيع، و كان الطلبة عنده مكرمين، اشتكى بعضهم إليه حاجة و أنه قد تأخرت عنه نفقته التي ترد إليه من أبيه، فأخذه بيده و ذهب إلى بعض التجار فاستقرض له منه خمسين دينارا. فقال التاجر: حتى تأكل شيئا، فمد السماط فأكلوا و قال: يا جارية هاتي المال، فأحضرت شيئا من المال فوزن منها خمسين دينارا و دفعها إلى الشيخ، فلما قاما إذا بوجه ذلك الطالب قد تغير، فقال له الكشغلي: مالك؟ فقال: يا سيدي قد سكن قلبي حب هذه الجارية، فرجع به إلى التاجر، فقال له:

قد وقعنا في فتنة أخرى، فقال: و ما هي؟ فقال: إن هذا الفقيه قد هوى الجارية فأمر التاجر الجارية أن تخرج فتسلمها الفقيه، و قال ربما أن يكون قد وقع في قلبها منه مثل الّذي قد وقع في قلبه منها، فلما كان عن قريب قدم على ذلك الطالب نفقته من أبيه ستمائة دينار، فوفى ذلك التاجر ما كان له عليه من ثمن الجارية و القرض، و ذلك بسفارة الشيخ. توفى في ربيع الآخر منها و دفن بباب حرب.

على بن عبد اللَّه بن جهضم‏

أبو الحسن الجهضمي الصوفي المكيّ، صاحب بهجة الأسرار، كان شيخ الصوفية بمكة، و بها توفى قال ابن الحوزى: و قد ذكر أنه كان كذابا، و يقال إنه الّذي وضع حديث صلاة الرغائب.

17

القاسم بن جعفر بن عبد الواحد

أبو عمر الهاشمي البصري، قاضيها، سمع الكثير، و كان ثقة أمينا، و هو راوي سنن أبى داود عن أبى على اللؤلؤي، توفى فيها و قد جاوز التسعين.

محمد بن أحمد بن الحسن بن يحيى بن عبد الجبار

أبو الفرج القاضي الشافعيّ، يعرف بابن سميكة، روى عن النجاد و غيره، و كان ثقة، توفى في ربيع الأول منها و دفن بباب حرب.

محمد بن أحمد

أبو جعفر النسفي، عالم الحنفية في زمانه، و له طريقة في الخلاف، و كان فقيرا متزهدا، بات ليلة قلقا لما عنده من الفقر و الحاجة، فعرض له فكر في فرع من الفروع كان أشكل عليه، فانفتح له فقام يرقص و يقول: أين الملوك؟ فسألته امرأته عن خبره فأعلمها بما حصل له، فتعجبت من شأنه (رحمه اللَّه)، و كانت وفاته في شعبان منها.

هلال بن محمد

ابن جعفر بن سعدان، أبو الفتح الحفار، سمع إسماعيل الصفار و النجاد و ابن الصواف، و كان ثقة توفى في صفر منها عن اثنتين و تسعين سنة.

ثم دخلت سنة خمس عشرة و أربعمائة

فيها ألزم الوزير جماعة الأتراك و المولدين و الشريف المرتضى و نظام الحضرة أبا الحسن الزينبي و قاضى القضاة أبا الحسن بن أبى الشوارب، و الشهود، بالحضور لتجديد البيعة لشرف الدولة، فلما بلغ ذلك الخليفة توهم أن تكون هذه البيعة لنية فاسدة من أجله، فبعث إلى القاضي و الرؤساء ينهاهم عن الحضور، فاختلفت الكلمة بين الخليفة و شرف الدولة، و اصطلحا و تصافيا، و جددت البيعة لكل منهما من الآخر. و لم يحج فيها من ركب العراق و لا خراسان أحد، و اتفق أن بعض الأمراء من جهة محمود بن سبكتكين شهد الموسم في هذه السنة، فبعث إليه صاحب مصر بخلع عظيمة ليحملها للملك محمود، فلما رجع بها إلى الملك أرسل بها إلى بغداد إلى الخليفة القادر فحرقت بالنار.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن عمر بن الحسن‏

أبو الفرج المعدل المعروف بابن المسلمة، ولد سنة سبع و ثلاثين و ثلاثمائة، و سمع أباه و أحمد بن كامل و النجاد و الجهضمي و دعلج و غيرهم، و كان ثقة. سكن الجانب الشرقي من بغداد، و كان يملى في أول كل سنة مجلسا في المحرم، و كان عاقلا فاضلا، كثير المعروف، داره مألف لأهل العلم، و تفقه بأبي بكر الرازيّ، و كان يصوم الدهر، و يقرأ في كل يوم سبعا، و يعيده بعينه في التهجد، توفى في ذي القعدة منها

18

أحمد بن محمد بن أحمد

ابن القاسم بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن سعيد بن أبان الضبي، أبو الحسن المحاملي، نسبة إلى المحامل التي يحمل عليها الناس في السفر، تفقه على أبى حامد الأسفراييني، و برع فيه، حتى إن الشيخ كان يقول: هو أحفظ للفقه منى، و له المصنفات المشهورة، منها اللباب، و الأوسط و المقنع و له في الخلاف، و علق على أبى حامد تعليقة كبيرة. قال ابن خلكان: ولد سنة ثمان و ستين و ثلاثمائة، و توفى في يوم الأربعاء لتسع بقين من ربيع الآخر منها، و هو شاب.

عبيد اللَّه بن عبد اللَّه‏

ابن الحسين أبو القاسم الخفاف، المعروف بابن النقيب، كان من أئمة السنة، و حين بلغه موت بن المعلم فقيه الشيعة سجد للَّه شكرا. و جلس للتهنئة و قال: ما أبالى أي وقت مت بعد أن شاهدت موت ابن المعلم، و مكث دهرا طويلا يصلى الفجر بوضوء العشاء. قال الخطيب: و سألته عن مولده فقال في سنة خمس و ثلاثمائة، و أذكر من الخلفاء المقتدر و القاهر و الرضى و المتقى للَّه و المستكفي و المطيع و الطائع و القادر و الغالب باللَّه، الّذي خطب له بولاية العهد، توفى في سلخ شعبان منها عن مائة و عشر سنين.

عمر بن عبد اللَّه بن عمر

أبو حفص الدلال، قال سمعت الشبلي ينشد قوله:

و قد كان شي‏ء سمى السرور* * * قديما سمعنا به ما فعل‏

خليلي، إن دام هم النفوس* * * قليلا على ما نراه قتل‏

يؤمل دنيا لتبقى له* * * فمات المؤمل قبل الأمل‏

محمد بن الحسن أبو الحسن‏

الأقساسي العلويّ، نائب الشريف المرتضى في إمرة الحجيج، حج بالناس سنين متعددة، و له فصاحة و شعر، و هو من سلالة زيد بن على بن الحسين.

ثم دخلت سنة ست عشرة و أربعمائة

فيها قوى أمر العيارين ببغداد و نهبوا الدور جهرة، و استهانوا بأمر السلطان، و في ربيع الأول منها توفى شرف الدولة بن بويه الديلميّ صاحب بغداد و العراق و غير ذلك، فكثرت الشرور ببغداد و نهبت الخزائن، ثم سكن الأمر على تولية جلال الدولة أبى الطاهر، و خطب له على المنابر، و هو إذ ذاك على البصرة، و خلع على شرف الملك أبى سعيد بن ماكولا وزيره، و لقب علم الدين سعد الدولة أمين الملة شرف الملك، و هو أول من لقب بالألقاب الكثيرة، ثم طلب من الخليفة أن يبايع لأبى كاليجار ولى عهد أبيه سلطان الدولة، الّذي استخلفه بهاء الدولة عليهم، فتوقف في الجواب ثم‏

19

وافقهم على ما أرادوا، و أقيمت الخطبة للملك أبى كاليجار يوم الجمعة سادس عشر شوال منها، ثم تفاقم الأمر ببغداد من جهة العيارين، و كبسوا الدور ليلا و نهارا، و ضربوا أهلها كما يضرب المصادرون و يستغيث أحدهم فلا يغاث، و اشتد الحال و هربت الشرطة من بغداد و لم تغن الأتراك شيئا، و عملت السرايج على أفواه السكك فلم يفد ذلك شيئا، و أحرقت دار الشريف المرتضى فانتقل منها، و غلت الأسعار جدا. و لم يحج أحد من أهل العراق و خراسان.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

سابور بن ازدشير

وزر لبهاء الدولة ثلاث مرات، و وزر لشرف الدولة، و كان كاتبا شديدا عفيفا عن الأموال، كثير الخير، سليم الخاطر، و كان إذا سمع المؤذن لا يشغله شي‏ء عن الصلاة، و قد وقف دارا للعلم في سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة، و جعل فيها كتبا كثيرة جدا، و وقف عليها غلة كبيرة، فبقيت سبعين سنة ثم أحرقت عند مجي‏ء الملك طغرلبك في سنة خمسين و أربعمائة، و كانت محلتها بين السورين، و قد كان حسن المعاشرة إلا أنه كان يعزل عماله سريعا خوفا عليهم من الأشر و البطر، توفى فيها و قد قارب التسعين.

عثمان النيسابورىّ‏

الجداوى الواعظ. قال ابن الجوزي: صنف كتبا في الوعظ من أبرد الأشياء، و فيه أحاديث كثيرة موضوعة، و كلمات مرذولة، إلا أنه كان خيرا صالحا، و كانت له وجاهة عند الخلفاء و الملوك، و كان الملك محمود بن سبكتكين إذا رآه قام له، و كانت محلته حمى يحتمي بها من الظلمة، و قد وقع في بلده نيسابور موت، و كان يغسل الموتى محتسبا، فغسل نحوا من عشرة آلاف ميتا، (رحمه اللَّه).

محمد بن الحسن بن صالحان‏

أبو منصور الوزير لشرف الدولة و لبهاء الدولة، كان وزير صدق جيد المباشرة حسن الصلاة، محافظا على أوقاتها، و كان محسنا إلى الشعراء و العلماء، توفى فيها عن ست و سبعين سنة.

الملك شرف الدولة

أبو على بن بهاء الدولة، أبى نصر بن عضد الدولة بن بويه، أصابه مرض حار فتوفى لثمان بقين من ربيع الآخر عن ثلاث و عشرين سنة، و ثلاثة أشهر و عشرين يوما.

التهامي الشاعر

على بن محمد التهامي أبو الحسن، له ديوان مشهور، و له مرثاة في ولده و كان قد مات صغيرا أولها:

حكم المنية في البرية جاري* * * ما هذه الدنيا بدار قرار

و منها:-

إني لأرحم حاسدىّ لحرّ ما* * * ضمت صدورهم من الاوغار

نظروا صنيع اللَّه بى فعيونهم* * * في جنة و قلوبهم في نار

20

و منها في ذم الدنيا:

جبلت على كدر و أنت ترومها* * * صفوا من الاقذار و الاكدار

و مكلف الأيام ضد طباعها* * * متطلب في الماء جذوة نار

و إذا رجوت المستحيل فإنما* * * تبنى الرجاء على شفير هار

و منها قوله في ولده بعد موته:

جاورت أعدائى و جاور ربه* * * شتان بين جواره و جواري‏

و قد ذكر ابن خلكان أنه رآه بعضهم في المنام في هيئة حسنة فقال له بعض أصحابه: بم نلت هذا؟

فقال: بهذا البيت‏

شتان بين جواره و جواري‏

ثم دخلت سنة سبع عشرة و أربعمائة

في العشرين من محرمها وقعت فتنة بين الاسفهلارية و بين العيارين، و ركبت لهم الأتراك بالدبابات، كما يفعل في الحرب، و أحرقت دور كثيرة من الدور التي احتمى فيها العيارون، و أحرق من الكرخ جانب كبير، و نهب أهله، و تعدى بالنهب إلى غيرهم، و قامت فتنة عظيمة ثم خمدت الفتنة في اليوم الثاني، و قرر على أهل الكرخ مائة ألف دينار، مصادرة، لاثارتهم الفتن و الشرور.

و في شهر ربيع الآخر منها شهد أبو عبد اللَّه الحسين بن على، الصيمري عند قاضى القضاة ابن أبى الشوارب بعد ما كان استتابه عما ذكر عنه من الاعتزال. و في رمضان منها انقض كوكب سمع له دوى كدوي الرعد، و وقع في سلخ شوال برد لم يعهد مثله، و استمر ذلك إلى العشرين من ذي الحجة، و جمد الماء طول هذه المدة، و قاسي الناس شدة عظيمة، و تأخر المطر و زيادة دجلة، و قلت الزراعة، و امتنع كثير من الناس عن التصرف. و لم يحج أحد من أهل العراق و خراسان في هذه السنة لفساد البلاد و ضعف الدولة.

و فيها توفى من الأعيان‏

قاضى القضاة ابن أبى الشوارب.

أحمد بن محمد بن عبد اللَّه‏

ابن العباس بن محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب، أبو الحسن القرشي الأموي، قاضى قضاة بغداد بعد ابن الأكفاني بثنتى عشرة سنة، و كان عفيفا نزها، و قد سمع الحديث من أبى عمر الزاهد و عبد الباقي بن قانع، إلا أنه لم يحدث. قاله ابن الجوزي: و حكى الخطيب عن شيخه أبى العلاء الواسطي: أن أبا الحسن هذا آخر من ولى الحكم ببغداد، من سلالة محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب و قد ولى الحكم من سلالته أربعة و عشرون، منهم ولوا قضاء قضاة بغداد. قال أبو العلاء: ما رأينا مثل أبى الحسن هذا، جلالة و نزاهة و صيانة و شرفا. و قد ذكر القاضي الماوردي أنه كان له صديقا

21

و صاحبا، و أن رجلا من خيار الناس أوصى له بمائتي دينار، فحملها إليه الماوردي فأبى القاضي أن يقبلها، و جهد عليه كل الجهد فلم يفعل، و قال له: سألتك باللَّه لا تذكرن هذا لأحد ما دمت حيا، ففعل الماوردي، فلم يخبر عنه إلا بعد موته، و كان ابن أبى الشوارب فقيرا إليها، و إلى ما هو دونها فلم يقبلها (رحمه اللَّه). توفى في شوال منها.

جعفر بن أبان‏

أبو مسلم الختّليّ سمع ابن بطة و درس فقه الشافعيّ على الشيخ أبى حامد الأسفراييني، و كان ثقة دينا، توفى في رمضان منها

عمر بن أحمد بن عبدويه‏

أبو حازم الهذلي النيسابورىّ، سمع ابن نجيد و الإسماعيلي، و خلقا، و سمع منه الخطيب و غيره، و كان الناس ينتفعون بافادته و انتخابه، توفى يوم عيد الفطر منها.

على بن أحمد بن عمر بن حفص‏

أبو الحسن المقري المعروف بالحمامي، سمع النجاد و الخلدى و ابن السماك و غيرهم، و كان صدوقا فاضلا، حسن الاعتقاد، و تفرد بأسانيد القراءات و علوها، توفى في شعبان منها عن تسع و ثمانين سنة.

صاعد بن الحسن‏

ابن عيسى الربعي البغدادي، صاحب كتاب الفصوص في اللغة على طريقة القالي في الأمالي، صنفه للمنصور بن أبى عامر، فأجازه عليه خمسة آلاف دينار، ثم قيل له إنه كذاب متهم، فقال في ذلك بعض الشعراء:

قد غاص في الماء كتاب الفصوص* * * و هكذا كل ثقيل يغوص‏

فلما بلغ صاعدا هذا البيت أنشد:

عاد إلى عنصره إنما* * * يخرج من قعر البحور الفصوص‏

قلت: كأنه سمى هذا الكتاب بهذا الاسم ليشاكل به الصحاح للجوهري، لكنه كان مع فصاحته و بلاغته و علمه متهما بالكذب، فلهذا رفض الناس كتابه، و لم يشتهر، و كان ظريفا ما جنا سريع الجواب، سأله رجل أعمى على سبيل التهكم فقال له: ما الحر تقل؟ فأطرق ساعة و عرف أنه افتعل هذا من عند نفسه ثم رفع رأسه إليه فقال: هو الّذي يأتى نساء العميان، و لا يتعداهن إلى غيرهن، فاستحى ذلك الأعمى و ضحك الحاضرون. توفى في هذه السنة سامحه اللَّه.

القفال المروزي‏

أحد أئمة الشافعية الكبار، علما و زهدا و حفظا و تصنيفا، و إليه تنسب الطريقة الخراسانية، و من أصحابه الشيخ أبو محمد الجويني، و القاضي حسين، و أبو على السبخى، قال ابن خلكان:

22

و أخذ عنه إمام الحرمين، و فيما قاله نظر. لأن سن إمام الحرمين لا يحتمل ذلك، فان القفال هذا مات في هذه السنة و له تسعون سنة، و دفن بسجستان، و إمام الحرمين ولد سنة تسع عشرة و أربعمائة كما سيأتي، و إنما قيل له القفال لأنه كان أولا يعمل الأقفال، و لم يشتغل إلا و هو ابن ثلاثين سنة، (رحمه اللَّه تعالى)

ثم دخلت سنة ثمان عشرة و أربعمائة

في ربيع الأول منها وقع برد أهلك شيئا كثيرا من الزروع و الثمار، و قتل خلقا كثيرا من الدواب. قال ابن الجوزي: و قد قيل إنه كان في برده كل بردة رطلان و أكثر، و في واسط بلغت البردة أرطالا، و في بغداد بلغت قدر البيض. و في ربيع الآخر سألت الاسفهلارية الغلمان الخليفة أن يعزل عنهم أبا كاليجار، لتهاونه بأمرهم، و فساده و فساد الأمور في أيامه، و يولى عليهم جلال الدولة، الّذي كانوا قد عزلوه عنهم، فماطلهم الخليفة في ذلك و كتب إلى أبى كاليجار أن يتدارك أمره، و أن يسرع الأوبة إلى بغداد، قبل أن يفوت الأمر، و ألح أولئك على الخليفة في تولية جلال الدولة، و أقاموا له الخطبة ببغداد، و تفاقم الحال، و فسد النظام. و فيها ورد كتاب من محمود بن سبكتكين يذكر أنه دخل بلاد الهند أيضا، و أنه كسر الصنم الأعظم الّذي لهم المسمى بسومنات، و قد كانوا يفدون إليه من كل فج عميق، كما يفد الناس إلى الكعبة البيت الحرام و أعظم، و ينفقون عنده النفقات و الأموال الكثيرة، التي لا توصف و لا تعد، و كان عليه من الأوقاف عشرة آلاف قرية، و مدينة مشهورة، و قد امتلأت خزائنه أموالا، و عنده ألف رجل يخدمونه، و ثلاثمائة رجل يحلقون رءوس حجيجه، و ثلاثمائة رجل يغنون و يرقصون على بابه، لما يضرب على بابه الطبول و البوقات، و كان عنده من المجاورين ألوف يأكلون من أوقافه، و قد كان البعيد من الهنود يتمنى لو بلغ هذا الصنم، و كان يعوقه طول المفاوز و كثرة الموانع و الآفات، ثم استخار اللَّه السلطان محمود لما بلغه خبر هذا الصنم و عباده، و كثرة الهنود في طريقه، و المفاوز المهلكة، و الأرض الخطرة، في تجشم ذلك في جيشه، و أن يقطع تلك الأهوال إليه، فندب جيشه لذلك فانتدب معه ثلاثون ألفا من المقاتلة، ممن اختارهم لذلك، سوى المتطوعة، فسلمهم اللَّه حتى انتهوا إلى بلد هذا الوثن، و نزلوا بساحة عباده، فإذا هو بمكان بقدر المدينة العظيمة، قال: فما كان بأسرع من أن ملكناه و قتلنا من أهله خمسين ألفا و قلعنا هذا الوثن و أوقدنا تحته النار. و قد ذكر غير واحد أن الهنود بذلوا للسلطان محمود أموالا جزيلة ليترك لهم هذا الصنم الأعظم، فأشار من أشار من الأمراء على السلطان محمود بأخذ الأموال و إبقاء هذا الصنم لهم، فقال: حتى أستخير اللَّه عز و جل، فلما أصبح قال: إني فكرت في الأمر الّذي ذكر فرأيت أنه إذا نوديت يوم القيامة أين محمود الّذي كسر الصنم؟ أحب إلى من أن يقال الّذي ترك الصنم لأجل ما يناله من الدنيا، ثم عزم فكسره (رحمه اللَّه)، فوجد عليه و فيه من الجواهر و اللآلي و الذهب و الجواهر

23

النفيسة ما ينيف على ما بذلوه له بأضعاف مضاعفة، و نرجو من اللَّه له في الآخرة الثواب الجزيل الّذي مثقال دانق منه خير من الدنيا و ما فيها، مع ما حصل له من الثناء الجميل الدنيوي، ف(رحمه اللَّه) و أكرم مثواه. و في يوم السبت ثالث رمضان دخل جلال الدولة إلى بغداد فتلقاه الخليفة في دجلة في طيارة، و معه الأكابر و الأمراء، فلما واجه جلال الدولة الخليفة قبل الأرض دفعات، ثم سار إلى دار الملك، و عاد الخليفة إلى داره، و أمر جلال الدولة أن يضرب له الطبل في أوقات الصلوات الثلاث، كما كان الأمر في زمن عضد الدولة، و صمصامها و شرفها و بهائها، و كان الخليفة يضرب له الطبل في أوقات الخمس، فأراد جلال الدولة ذلك فقيل له يحمل هذه المساواة الخليفة في ذلك، ثم صمم على ذلك في أوقات الخمس. قال ابن الجوزي: و فيها وقع برد شديد حتى جمد الماء و النبيذ و أبوال الدواب و المياه الكبار، و حافات دجلة. و لم يحج أحد من أهل العراق.

و فيها توفى من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن عبد اللَّه‏

ابن عبد الصمد بن المهتدي باللَّه، أبو عبد اللَّه الشاهد، خطب له في جامع المنصور في سنة ست و ثمانين و ثلاثمائة، و لم يخطب له إلا بخطبة واحدة جمعات كثيرة متعددة، فكان إذا سمعها الناس منه ضجوا بالبكاء و خشعوا لصوته.

الحسين بن على بن الحسين‏

أبو القاسم المغربي الوزير، ولد بمصر في ذي الحجة سنة تسعين و ثلاثمائة، و هرب منها حين قتل صاحبها الحاكم أباه و عمه محمدا، و قصد مكة ثم الشام، و وزر في عدة أماكن، و كان يقول الشعر الحسن، و قد تذاكر هو و بعض الصالحين فأنشده ذلك الصالح شعرا:

إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن* * * على حالة إلا رضيت بدونها

فاعتزل المناصب و السلطان، فقال له بعض أصحابه: تركت المنازل و السلطان في عنفوان شبابك؟ فأنشأ يقول:

كنت في سفر الجهل و البطالة* * * حينا فحان منى القدوم‏

تبت من كل مأثم فعسى* * * يمحى بهذا الحديث ذاك القديم‏

بعد خمس و أربعين تعد* * * ألا إن الآله القديم كريم‏

توفى بميافارقين في رمضان منها عن خمس و أربعين سنة، و دفن بمشهد على.

محمد بن الحسن بن إبراهيم‏

أبو بكر الوراق، المعروف بابن الخفاف، روى عن القطيعي و غيره، و قد اتهموه بوضع الحديث و الأسانيد، قاله الخطيب و غيره.

24

أبو القاسم اللالكائي‏

هبة اللَّه بن الحسن بن منصور: الرازيّ، و هو طبرى الأصل، أحد تلامذة الشيخ أبى حامد الأسفراييني، كان يفهم و يحفظ، و عنى بالحديث فصنف فيه أشياء كثيرة، و لكن عاجلته المنية قبل أن تشتهر كتبه، و له كتاب في السنة و شرفها، و ذكر طريقة السلف الصالح في ذلك، وقع لنا سماعه على الحجار عاليا عنه، توفى بالدينور في رمضان منها، و رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل اللَّه بك؟

قال: غفر لى، قال بم؟ قال بشي‏ء قليل من السنة أحييته:

أبو القاسم بن أمير المؤمنين القادر

توفى ليلة الأحد في جمادى الآخرة، و صلى عليه غير مرة، و مشى الناس في جنازته، و حزن عليه أبوه حزنا شديدا، و قطع الطبل أياما.

ابن طباطبا الشريف‏

كان شاعرا، و له شعر حسن.

أبو إسحاق‏

و هو الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني إبراهيم بن محمد بن مهران. الشيخ أبو إسحاق الامام العلامة، ركن الدين الفقيه الشافعيّ، المتكلم الأصولي، صاحب التصانيف في الأصلين، جامع الحلي في مجلدات، و التعليقة النافعة في أصول الفقه، و غير ذلك، و قد سمع الكثير من الحديث من أبى بكر الإسماعيلي و دعلج و غيرهما، و أخذ عنه البيهقي و الشيخ أبو الطيب الطبري، و الحاكم النيسابورىّ، و أثنى عليه، توفى يوم عاشوراء منها بنيسابور، ثم نقل إلى بلده و دفن بمشهده.

القدوري‏

صاحب الكتاب المشهور في مذهب أبى حنيفة، أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان، أبو الحسن القدوري الحنفي، صاحب المصنف المختصر، الّذي يحفظ، كان إماما بارعا عالما، و ثبتا مناظرا، و هو الّذي تولى مناظرة الشيخ أبى حامد الأسفراييني من الحنفية، و كان القدوري يطريه و يقول: هو أعلم من الشافعيّ، و انظر منه، توفى يوم الأحد الخامس من رجب منها، عن ست و خمسين سنة، و دفن إلى جانب الفقيه أبى بكر الخوارزمي الحنفي.

ثم دخلت سنة تسع عشرة و أربعمائة

فيها وقع بين الجيش و بين جلال الدولة و نهبوا دار وزيره، و جرت له أمور طويلة، آل الحال فيها إلى اتفاقهم على إخراجه من البلد، فهيّئ له برذون رث، فخرج و في يده طير نهارا، فجعلوا لا يلتفتون إليه و لا يفكرون فيه، فلما عزم على الركوب على ذلك البرذون الرث رثوا له و رقوا له و لهيئته و قبلوا الأرض بين يديه، و انصلحت قضيته بعد فسادها. و فيها قل الرطب جدا بسبب هلاك النخل في‏

25

السنة الماضية بالبرد، فبيع الرطب كل ثلاثة أرطال بدينار جلالي، و وقع برد شديد أيضا فأهلك شيئا كثيرا من النخيل أيضا. و لم يحج أحد من أهل المشرق و لا من أهل الديار المصرية فيها، إلا أن قوما من خراسان ركبوا في البحر من مدينة مكران فانتهوا إلى جدة فحجوا.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

حمزة بن إبراهيم بن عبد اللَّه‏

أبو الخطاب المنجم، حظي عند بهاء الدولة و علماء النجوم، و كان له بذلك وجاهة عنده، حتى أن الوزراء كانوا يخافونه و يتوسلون به إليه، ثم صار أمره طريدا بعيدا حتى مات يوم مات بالكرخ من سامرا غريبا، فقيرا مفلوجا، قد ذهب ماله و جاهه و عقله.

محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد

أبو الحسن التاجر، سمع الكثير على المشايخ المتقدمين، و تفرد بعلو الاسناد، و كان ذا مال جزيل فخاف من المصادرة ببغداد فانتقل إلى مصر فأقام بها سنة، ثم عاد إلى بغداد، فاتفق مصادرة أهل محلته فقسط عليه ما أفقره، و مات حين مات و لم يوجد له كفن و لم يترك شيئا فأرسل له القادر باللَّه ما كفن فيه.

مبارك الأنماطي‏

كان ذا مال جزيل نحو ثلاثمائة ألف دينار، مات و لم يترك وارثا سوى ابنة واحدة ببغداد، و توفى هو بمصر.

أبو الفوارس بن بهاء الدولة

كان ظالما، و كان إذا سكر يضرب الرجل من أصحابه أو وزيره مائتي مقرعة، بعد أن يحلفه بالطلاق أنه لا يتأوه، و لا يخبر بذلك أحدا. فيقال إن حاشيته سموه، فلما مات نادوا بشعار أخيه كاليجار.

أبو محمد بن الساد

وزير كاليجار، و لقبه معز الدولة، فلك الدولة، رشيد الأمة، وزير الوزراء، عماد الملك، ثم سلم بعد ذلك إلى جلال الدولة فاعتقله و مات فيها.

أبو عبد اللَّه المتكلم‏

توفى فيها، هكذا رأيت ابن الجوزي ترجمه مختصرا.

ابن غلبون الشاعر

عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب أبو محمد الشامي ثم الصوري، الشاعر المطبق، له ديوان مليح، كان قد نظم قصيدة بليغة في بعض الرؤساء، ثم أنشدها لرئيس آخر يقال له ذو النعمتين، و زاد فيها بيتا واحدا يقول فيه:

و لك المناقب كلها* * * فلم اقتصرت على اثنتين‏

فأجازه جائزة سنية، فقيل له: إنه لم يقلها فيك، فقال: إن هذا البيت وحده بقصيدة، و له أيضا في بخيل نزل عنده:

26

و أخ مسه تزولى بقرح* * * مثل ما مسنى من الجرح‏

بت ضيفا له كما حكم الدهر* * * و في حكمه على الحر فتح‏

فابتدأني يقول و هو من* * * السكر بالهم طافح ليس يصحو

لم تغربت؟ قلت قال رسول الله* * * و القول منه نصح و نجح‏

«سافروا تغنموا»

فقال و قد* * *

قال تمام الحديث‏ «صوموا تصحوا»

ثم دخلت سنة عشرين و أربعمائة

فيها سقط بناحية المشرق مطر شديد، معه برد كبار. قال ابن الجوزي: حزرت البردة الواحدة منه مائة و خمسون رطلا، و غاصت في الأرض نحوا من ذراع. و فيها ورد كتاب من محمود ابن سبكتكين أنه أحل بطائفة من أهل الري من الباطنية و الروافض قتلا ذريعا، و صلبا شنيعا، و أنه انتهب أموال رئيسهم رستم بن على الديلميّ، فحصل منها ما يقارب ألف ألف دينار، و قد كان في حيازته نحو من خمسين امرأة حرة، و قد ولدن له ثلاثا و ثلاثين ولدا بين ذكر و أنثى، و كانوا يرون إباحة ذلك. و في رجب منها انقض كواكب كثيرة شديدة الضوء شديدة الصوت. و في شعبان منها كثرت العملات و ضعفت رجال المعونة عن مقاومة العيارين. و في يوم الاثنين منها ثامن عشر رجب غار ماء دجلة حتى لم يبق منه إلا القليل، و وقفت الأرحاء عن الطحن، و تعذر ذلك. و في هذا اليوم جمع القضاة و العلماء في دار الخلافة، و قرئ عليهم كتاب جمعه القادر باللَّه، فيه مواعظ و تفاصيل مذاهب أهل البصرة، و فيه الرد على أهل البدع، و تفسيق من قال بخلق القرآن، و صفة ما وقع بين بشر المريسي و عبد العزيز بن يحيى الكتاني من المناظرة، ثم ختم القول بالمواعظ، و القول بالمعروف، و النهى عن المنكر. و أخذ خطوط الحاضرين بالموافقة على ما سمعوه. و في يوم الإثنين غرة ذي القعدة جمعوا أيضا كلهم و قرئ عليهم كتاب آخر طويل يتضمن بيان السنة و الرد على أهل البدع و مناظرة بشر المريسي و الكتاني أيضا، و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و فضل الصحابة، و ذكر فضائل أبى بكر الصديق و عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنهما، و لم يفرغوا منه إلا بعد العتمة، و أخذت خطوطهم بموافقة ما سمعوه. و عزل خطباء الشيعة، و ولى خطباء السنة و للَّه الحمد و المنة على ذلك و غيره.

و جرت فتنة بمسجد براثا، و ضربوا الخطيب السنى بالآجر، حتى كسروا أنفه و خلعوا كتفه، فانتصر لهم الخليفة و أهان الشيعة و أذلهم، حتى جاءوا يعتذرون مما صنعوا، و أن ذلك إنما تعاطاه السفهاء منهم. و لم يتمكن أحد من أهل العراق و خراسان في هذه السنة من الحج.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الحسن بن أبى القين‏

أبو على الزاهد، أحد العباد و الزهاد و أصحاب الأحوال، دخل عليه بعض الوزراء فقبل يده،

27

فعوتب الوزير بذلك فقال: كيف لا أقبل يدا ما امتدت إلا إلى اللَّه عز و جل.

على بن عيسى بن الفرج بن صالح‏

أبو الحسن الربعي النحويّ، أخذ العربية أولا عن أبى سعيد السيرافي، ثم عن أبى على الفارسي و لازمه عشرين سنة حتى كان يقول: قولوا له لو سار من المشرق إلى المغرب لم يجد أحدا أتحى منه، كان يوما يمشى على شاطئ دجلة إذ نظر إلى الشريفين الرضى و المرتضى في سفينة، و معهما عثمان بن جنى، فقال لهما: من أعجب الأشياء عثمان معكما، و على بعيد عنكما، يمشى على شاطئ الفرات.

[فضحكا و قالا: باسم اللَّه‏] توفى في المحرم منها عن ثنتين و تسعين سنة، و دفن بباب الدير، و يقال إنه لم يتبع جنازته إلا ثلاثة أنفس‏

أسد الدولة

أبو على صالح بن مرداس بن إدريس الكلابي، أول ملوك بنى مرداس بحلب، انتزعها من يدي نائبها عن الظاهر بن الحاكم العبيدي، في ذي الحجة سنة سبع عشرة و أربعمائة، ثم جاءه جيش كثيف من مصر قاقتتلوا فقتل أسد الدولة هذا في سنة تسع عشرة، و قام حفيده نصر.

ثم دخلت سنة إحدى و عشرين و أربعمائة

فيها توفى الملك الكبير المجاهد المغازي، فاتح بلاد الهند محمود بن سبكتكين (رحمه اللَّه)، لما كان في ربيع الأول من هذه السنة توفى الملك العادل الكبير الثاغر المرابط، المؤيد المنصور، يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين، صاحب بلاد غزنة و مالك تلك الممالك الكبار، و فاتح أكثر بلاد الهند قهرا، و كاسر أصنامهم، و ندودهم و أوثانهم و هنودهم، و سلطانهم الأعظم قهرا، و قد مرض (رحمه اللَّه) نحوا من سنتين لم يضطجع فيهما على فراش، و لا توسد وسادا، بل كان يتكى‏ء جالسا حتى مات و هو كذلك، و ذلك لشهامته و صرامته، و قوة عزمه، و له من العمر ستون سنة (رحمه اللَّه). و قد عهد بالأمر من بعده لولده محمد، فلم يتم أمره حتى عافصه أخوه مسعود بن محمود المذكور، فاستحوذ على ممالك أبيه، مع ما كان يليه مما فتحه هو بنفسه من بلاد الكفار، من الرساتيق الكبار و الصغار، فاستقرت له الممالك شرقا و غربا في تلك النواحي، في أواخر هذا العام، و جاءته الرسل بالسلام من كل ناحية و من كل ملك همام، و بالتحية و الاكرام، و بالخضوع التام، و سيأتي ذكر أبيه في الوفيات. و فيها استحوذت السرية التي كان بعثها الملك المذكور محمود إلى بلاد الهند على أكثر مدائن الهنود و أكبرها مدينة، و هي المدينة المسماة نرسى، دخلوها في نحو من مائة ألف مقاتل، ما بين فارس و راجل، فنهبوا سوق العطر و الجوهر بها نهارا كاملا، و لم يستطيعوا أن يحولوا ما فيه من أنواع الطيب و المسك و الجواهر و اللآلي و اليواقيت، و مع هذا لم يدر أكثر أهل البلد بشي‏ء من ذلك لاتساعها، و ذلك أنها كانت في غاية الكبر: طولها مسيرة منزلة من منازل الهند، و عرضها كذلك، و أخذوا منها من الأموال و التحف‏

28

و الأثاث ما لا يحد و لا يوصف، حتى قيل إنهم اقتسموا الذهب و الفضة بالكيل، و لم يصل جيش من جيوش المسلمين إلى هذه المدينة قط، لا قبل هذه السنة و لا بعدها، و هذه المدينة من أكثر بلاد الهند خيرا و مالا، بل قيل إنه لا يوجد مدينة أكثر منها مالا و رزقا، مع كفر أهلها و عبادتهم الأصنام، فليسلم المؤمن على الدنيا سلام. و قد كانت محل الملك، و أخذوا منها من الرقيق من الصبيان و البنات ما لا يحصى كثرة. و فيها عملت الرافضة بدعتهم الشنعاء، و حادثتهم الصلعاء، في يوم عاشوراء، من تعليق المسوح، و تغليق الأسواق، و النوح و البكاء في الازقة، فأقبل أهل السنة إليهم في الحديد فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من الفريقين طوائف كثيرة، و جرت بينهم فتن و شرور مستطيرة.

و فيها مرض أمير المؤمنين القادر باللَّه و عهد بولاية العهد من بعده إلى ولده أبى جعفر القائم بأمر اللَّه، بمحضر من القضاة و الوزراء و الأمراء، و خطب له بذلك، و ضرب اسمه على السكة المتعامل بها. و فيها أقبل ملك الروم من قسطنطينية في مائة ألف مقاتل، فسار حتى بلغ بلاد حلب، و عليها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، فنزلوا على مسيرة يوم منها، و من عزم ملك الروم أن يستحوذ على بلاد الشام كلها، و أن يستردها إلى دين النصرانية، و قد

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده»

و قيصر هو من ملك الشام من الروم مع بلاد الروم فلا سبيل لملك الروم إلى هذا. فلما نزل من حلب كما ذكرنا أرسل اللَّه عليهم عطشا شديدا، و خالف بين كلمتهم، و ذلك أنه كان معه الدمستق، فعامل طائفة من الجيش على قتله ليستقل هو بالأمر من بعده، ففهم الملك ذلك فكر من فوره راجعا، فاتبعهم الأعراب ينهبونهم ليلا و نهارا، و كان من جملة ما أخذوا منهم أربعمائة فحل محجل محملة أموالا و ثيابا للملك، و هلك أكثرهم جوعا و عطشا، و نهبوا من كل جانب و للَّه الحمد و المنة. و فيها ملك جلال الدولة واسطا و استناب عليها ولده، و بعث وزيره أبا على بن ماكولا إلى البطائح ففتحها، و سار في الماء إلى البصرة و عليها نائب لأبى كاليجار، فهزمهم البصريون فسار إليهم جلال الدولة بنفسه فدخلها في شعبان منها. و فيها جاء سيل عظيم بغزنة فأهلك شيئا كثيرا من الزروع و الأشجار. و في رمضان منها تصدق مسعود بن محمود بن سبكتكين بألف ألف درهم، و أدر أرزاقا كثيرة للفقهاء و العلماء ببلاده، على عادة أبيه من قبله، و فتح بلادا كثيرة، و اتسعت ممالكه جدا، و عظم شأنه، و قويت أركانه، و كثرت جنوده و أعوانه. و فيها دخل خلق كثير من الأكراد إلى بغداد يسرقون خيل الأتراك ليلا، فتحصن الناس منهم فأخذوا الخيول كلها حتى خيل السلطان. و فيها سقط جسر بغداد على نهر عيسى. و فيها وقعت فتنة بين الأتراك النازلين بباب البصرة، و بين الهاشميين، فرفعوا المصاحف و رمتهم الأتراك بالنشاب، و جرت خبطة عظيمة ثم أصلح بين الفريقين. و فيها كثرت العملات، و أخذت الدور جهرة، و كثر العيارون و لصوص‏

29

الأكراد. و فيها تعطل الحج أيضا سوى شرذمة من أهل العراق ركبوا من جمال البادية مع الأعراب، ففازوا بالحج.

ذكر من توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد

أبو الحسن الواعظ، المعروف بابن اكرات، صاحب كرامات و معاملات، كان من أهل الجزيرة فسكن دمشق، و كان يعظ الناس بالرفادة القيلية، حيث كان يجلس القصاص. قاله ابن عساكر.

قال: و صنف كتبا في الوعظ، و حكى حكايات كثيرة، ثم قال: سمعت أبا الحسن أحمد بن عبد اللَّه اكرات الواعظ ينشد أبياتا:

أنا ما أصنع باللذات* * * شغلي بالذنوب‏

إنما العيد لمن فاز* * * بوصل من حبيب‏

أصبح الناس على روح* * * و ريحان و طيب‏

ثم أصبحت على نوح* * * و حزن و نحيب‏

فرحوا حينأهلوا* * * شهرهم بعد المغيب‏

و هلالي متوار* * * من وراء حجب الغيوب‏

فلهذا قلت للذات* * * غيبي ثم غيبي‏

و جعلت الهم و الحزن* * * من الدنيا نصيبي‏

يا حياتي و مماتي* * * و شقائي و طبيبي‏

جد لنفس تتلظى* * * منك بالرحب الرحيب‏

الحسين بن محمد الخليع‏

الشاعر، له ديوان شعر حسن، عمر طويلا، و توفى في هذه السنة.

الملك الكبير العادل‏

محمود بن سبكتكين، أبو القاسم الملقب يمين الدولة، و أمين الملة، و صاحب بلاد غزنة، و ما والاها، و جيشه يقال لهم السامانية، لأن أباه كان قد تملك عليهم، و توفى سنة سبع و ثلاثين و ثلاثمائة فتملك عليهم بعده ولده محمود هذا، فسار فيهم و في سائر رعاياه سيرة عادلة، و قام في نصر الإسلام قياما تاما، و فتح فتوحات كثيرة في بلاد الهند و غيرها، و عظم شأنه، و اتسعت مملكته، و امتدت رعاياه، و طالت أيامه لعدله و جهاده، و ما أعطاه اللَّه إياه، و كان يخطب في سائر ممالكه للخليفة القادر باللَّه، و كانت رسل الفاطميين من مصر تفد إليه بالكتب و الهدايا لأجل أن يكون من جهتهم، فيحرق بهم و يحرق كتبهم و هداياهم، و فتح في بلاد الكفار من الهند فتوحات هائلة، لم يتفق لغيره من‏

30

الملوك، لا قبله و لا بعده، و غنم مغانم منهم كثيرة لا تنحصر و لا تنضبط، من الذهب و اللآلي، و السبي، و كسر من أصنامهم شيئا كثيرا، و أخذ من حليتها. و قد تقدم ذلك مفصلا متفرقا في السنين المتقدمة من أيامه، و من جملة ما كسر من أصنامهم صنم يقال له سومنات، بلغ ما تحصل من حليته من الذهب عشرين ألف ألف دينار، و كسر ملك الهند الأكبر الّذي يقال له صينال، و قهر ملك الترك الأعظم الّذي يقال له إيلك الخان، و أباد ملك السامانية، و قد ملكوا العالم في بلاد سمرقند و ما حولها، ثم هلكوا. و بنى على جيحون جسرا تعجز الملوك و الخلفاء عنه، غرم عليه ألفى ألف دينار، و هذا شي‏ء لم يتفق لغيره، و كان في جيشه أربعمائة فيل تقاتل، و هذا شي‏ء عظيم هائل، و جرت له فصول يطول تفصيلها، و كان مع هذا في غاية الديانة و الصيانة و كراهة المعاصي و أهلها، لا يحب منها شيئا، و لا يألفه، و لا أن يسمع بها، و لا يجسر أحد أن يظهر معصية و لا خمرا في مملكته، و لا غير ذلك، و لا يحب الملاهي و لا أهلها، و كان يحب العلماء و المحدثين و يكرمهم و يجالسهم، و يحب أهل الخير و الدين و الصلاح، و يحسن إليهم، و كان حنفيا ثم صار شافعيا على يدي أبى بكر القفال الصغير على ما ذكره إمام الحرمين و غيره، و كان على مذهب الكرامية في الاعتقاد، و كان من جملة من يجالسه منهم محمد بن الهيضم، و قد جرى بينه و بين أبى بكر بن فورك مناظرات بين يدي السلطان محمود في مسألة العرش، ذكرها ابن الهيضم في مصنف له، فمال السلطان محمود إلى قول ابن الهيضم، و نقم على ابن فورك كلامه، و أمر بطرده و إخراجه، لموافقته لرأى الجهمية، و كان عادلا جيدا، اشتكى إليه رجل أن ابن أخت الملك يهجم عليه في داره و على أهله في كل وقت، فيخرجه من البيت و يختلى بامرأته، و قد حار في أمره، و كلما اشتكاه لأحد من أولى الأمر لا يجسر أحد عليه خوفا و هيبة للملك.

فلما سمع الملك ذلك غضب غضبا شديدا و قال للرجل، ويحك متى جاءك فائتنى فأعلمني، و لا تسمعن من أحد منعك من الوصول إلى، و لو جاءك في الليل فائتنى فأعلمني، ثم إن الملك تقدم إلى الحجبة و قال لهم: إن هذا الرجل متى جاءني لا يمنعه أحد من الوصول إليّ من ليل أو نهار، فذهب الرجل مسرورا داعيا، فما كان إلا ليلة أو ليلتان حتى هجم عليه ذلك الشاب فأخرجه من البيت و اختلى بأهله، فذهب باكيا إلى دار الملك فقيل له إن الملك نائم، فقال: قد تقدم إليكم أن لا أمنع منه ليلا و لا نهارا، فنبهوا الملك فخرج معه بنفسه و ليس معه أحد، حتى جاء إلى منزل الرجل فنظر إلى الغلام و هو مع المرأة في فراش واحد، و عندهما شمعة تقد، فتقدم الملك فأطفأ الضوء ثم جاء فاحتز رأس الغلام و قال للرجل: ويحك الحقنى بشربة ماء، فأتاه بها فشرب ثم انطلق الملك ليذهب، فقال له الرجل:

باللَّه لم أطفأت الشمعة؟ قال: ويحك إنه ابن أختى، و إني كرهت أن أشاهده حالة الذبح، فقال: و لم طلبت الماء سريعا؟ فقال الملك: إني آليت على نفسي منذ أخبرتنى أن لا أطعم طعاما و لا أشرب‏

31

شرابا حتى أنصرك، و أقوم بحقك، فكنت عطشانا هذه الأيام كلها، حتى كان ما كان مما رأيت.

فدعا له الرجل و انصرف الملك راجعا إلى منزله، و لم يشعر بذلك أحد. و كان مرض الملك محمود هذا بسوء المزاج، اعتراه معه الطلاق البطن سنتين، فكان فيهما لا يضطجع على فراش، و لا يتكى‏ء على شي‏ء، لقوة بأسه و سوء مزاجه، و كان يستند على مخاد توضع له و يحضر مجلس الملك، و يفصل على عادته بين الناس، حتى مات كذلك في يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة عن ثلاث و ستين سنة، ملكه منها ثلاث و ثلاثون سنة، و خاف من الأموال شيئا كثيرا، من ذلك سبعون رطلا من جوهر، الجوهرة منه لها قيمة عظيمة سامحه اللَّه. و قام بالأمر من بعده ولده محمد، ثم صار الملك إلى ولده الآخر مسعود بن محمود فأشبه أباه، و قد صنف بعض العلماء مصنفا في سيرته و أيامه و فتوحاته و ممالكه.

ثم دخلت سنة اثنتين و عشرين و أربعمائة

فيها كانت وفاة القادر باللَّه الخليفة، و خلافة ابنه القائم بأمر اللَّه على ما سيأتي تفصيله و بيانه.

و فيها وقعت فتنة عظيمة بين السنة و الروافض، فقويت عليهم السنة و قتلوا خلقا منهم، و نهبوا الكرخ و دار الشريف المرتضى، و نهبت العامة دور اليهود لأنهم نسبوا إلى معاونة الروافض، و تعدى النهب إلى دور كثيرة، و انتشرت الفتنة جدا، ثم سكنت بعد ذلك. و فيها كثرت العملات و انتشرت المحنة بأمر العيارين في أرجاء البلد، و تجاسروا على أمور كثيرة، و نهبوا دورا و أماكن سرا و جهرا، ليلا و نهارا، و اللَّه سبحانه أعلم.

خلافة القائم باللَّه‏

أبى جعفر عبد اللَّه بن القادر باللَّه، بويع له بالخلافة لما توفى أبوه أبو العباس أحمد بن المقتدر بن المعتضد بن الأمين أبو أحمد الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، في ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة من هذه السنة، عن ست و ثمانين سنة، و عشرة أشهر و إحدى عشر يوما، و لم يعمر أحد من الخلفاء قبله هذا العمر و لا بعده، مكث من ذلك خليفة إحدى و أربعين سنة و ثلاثة أشهر، و هذا أيضا شي‏ء لم يسبقه أحد إليه، و أمه أم ولد اسمها يمنى، مولاة عبد الواحد بن المقتدر، و قد كان حليما كريما، محبا لأهل العلم و الدين و الصلاح، و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، و كان على طريقة السلف في الاعتقاد، و له في ذلك مصنفات كانت تقرأ على الناس، و كان أبيض حسن الجسم طويل اللحية عريضها يخضبها، و كان يقوم الليل كثير الصدقة، محبا للسنة و أهلها، مبغضا للبدعة و أهلها. و كان يكثر الصوم و يبر الفقراء من أقطاعه، يبعث منه إلى المجاورين بالحرمين و جامع المنصور، و جامع الرصافة، و كان يخرج من داره في زي العامة فيزور قبور الصالحين، و قد ذكرنا طرفا صالحا من سيرته عند ذكر ولايته في سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة، و جلسوا

32

في عزائه سبعة أيام لعظم المصيبة به، و لتوطيد البيعة لولده المذكور، و أمه يقال لها قطر الندى، و أرمنية أدركت خلافته في هذه السنة، و كان مولده يوم الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة سنة إحدى و تسعين و ثلاثمائة، ثم بويع له بحضرة القضاة و الأمراء و الكبراء في هذه السنة، و كان أول من بايعه المرتضى و أنشده أبياتا:

فأما مضى جبل و انقضى* * * فمنك لنا جبل قد رسا

و أما فجعنا ببدر التمام* * * فقد بقيت منه شمس الضحى‏

لنا حزن في محل السرور* * * فكم ضحك في محل البكا

فيا صارما أغمدته يد* * * لنا بعدك الصارم المنتضى‏

و لما حضرنا لعقد البياع* * * عرفنا بهداك طرق الهدى‏

فقابلتنا بوقار المشيب* * * كمالا و سنك سن الفتى‏

فطالبته الأتراك برسم البيعة فلم يكن مع الخليفة شي‏ء يعطيهم، لأن أباه لم يترك شيئا، و كادت الفتنة تقع بين الناس بسبب ذلك، حتى دفع عنه الملك جلال الدولة مالا جزيلا لهم، نحوا من ثلاثة آلاف دينار، و استوزر الخليفة أبا طالب محمد بن أيوب، و استقضى ابن ماكولا. و لم يحج أحد من أهل المشرق سوى شرذمة خرجوا من الكوفة مع العرب فحجوا.

و فيها توفى من الأعيان‏

غير الخليفة

الحسن بن جعفر

أبو على بن ماكولا الوزير لجلال الدولة، قتله غلام له و جارية تعاملا عليه فقتلاه، عن ست و خمسين سنة

عبد الوهاب بن على‏

ابن نصر بن أحمد بن الحسن بن هارون بن مالك بن طوق، صاحب الرحبة، التغلبي البغدادي أحد أئمة المالكية، و مصنفيهم، له كتاب التلقين يحفظه الطلبة، و له غيره في الفروع و الأصول، و قد أقام ببغداد دهرا، و ولى قضاء داريا و ماكسايا، ثم خرج من بغداد لضيق حاله، فدخل مصر فأكرمه المغاربة و أعطوه ذهبا كثيرا، فتمول جدا، فأنشأ يقول متشوقا إلى بغداد.

سلام على بغداد في كل موقف* * * و حق لها منى السلام مضاعف‏

فو اللَّه ما فارقتها عن ملالة* * * و إني بشطى جانبيها لعارف‏

و لكنها ضاقت على بأسرها* * * و لم تكن الأرزاق فيها تساعف‏

فكانت كخل كنت أهوى دنوّه* * * و أخلاقه تنأى به و تخالف‏

قال الخطيب: سمع القاضي عبد الوهاب من ابن السماك، و كتبت عنه، و كان ثقة، و لم تر المالكية أحدا أفقه منه. قال ابن خلكان: و عند وصوله إلى مصر حصل له شي‏ء من المال، و حسن حاله، مرض من أكلة اشتهاها فذكر عنه أنه كان يتقلب و يقول: لا إله إلا اللَّه، عند ما عشنا متنا

33

قال: و له أشعار رائقة فمنها قوله:

و نائمة قبلتها فتنبهت* * * فقالت تعالوا و اطلبوا اللص بالحد

فقلت إني فديتك غاصب* * * و ما حكموا في غاصب بسوى الرد

خذيها و كفى عن أثيم طلابة* * * و إن أنت لم ترضى فألفا على العد

فقالت قصاص يشهد العقل أنه* * * على كبد الجاني ألذ من الشهد

فباتت يميني و هي هميان خصرها* * * و باتت يسارى و هي واسطة العقد

فقالت أ لم تخبر بأنك زاهد* * * فقلت بلى، ما زلت أزهد في الزهد

و مما أنشده ابن خلكان للقاضي عبد الوهاب:

بغداد دار لأهل المال طيبة* * * و للمفاليس دار الضنك و الضيق‏

ظللت حيران أمشى في أزقتها* * * كأننى مصحف في بيت زنديق‏

ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين و أربعمائة

في سادس المحرم منها استسقى أهل بغداد لتأخر المطر عن أوانه، فلم يسقوا، و كثر الموت في الناس، و لما كان يوم عاشوراء عملت الروافض بدعتهم، و كثر النوح و البكاء، و امتلأت بذلك الطرقات و الأسواق. و في صفر منها أمر الناس بالخروج إلى الاستسقاء فلم يخرج من أهل بغداد مع اتساعها و كثرة أهلها مائة واحد. و فيها وقع بين الجيش و بين جلال الدولة فاتفق على خروجه إلى البصرة منفيا، ورد كثيرا من جواريه، و استبقى بعضهن معه، و خرج من بغداد ليلة الاثنين سادس ربيع الأول منها. و كتب الغلمان الاسفهلارية إلى الملك أبى كاليجار ليقدم عليهم، فلما قدم تمهدت البلاد و لم يبق أحد من أهل العناد و الإلحاد، و نهبوا دار جلال الدولة و غيرها، و تأخر مجي‏ء أبى كاليجار، و ذلك أن وزيره أشار عليه بعدم القدوم إلى بغداد. فأطاعه في ذلك، فكثر العيارون و تفاقم الحال، و فسد البلد، و افتقر جلال الدولة بحيث أن احتاج إلى أن باع بعض ثيابه في الأسواق، و جعل أبو كاليجار يتوهم من الأتراك و يطلب منهم رهائن، فلم يتفق ذلك، و طال الفصل فرجعوا إلى مكاتبة جلال الدولة، و أن يرجع إلى بلده، و شرعوا يعتذرون إليه، و خطبوا له في البلد على عادته، و أرسل الخليفة الرسل إلى الملك كاليجار، و كان فيمن بعث إليه القاضي أبو الحسن الماوردي، فسلم عليه مستوحشا منه، و قد تحمل أمرا عظيما، فسأل من القضاة أن يلقب بالسلطان الأعظم مالك الأمم، فقال الماوردي: هذا ما لا سبيل إليه، لأن السلطان المعظم هو الخليفة، و كذلك مالك الأمم، ثم اتفقوا على تلقيبه بملك الدولة، فأرسل مع الماوردي تحفا عظيمة منها ألف ألف دينار سابورية، و غير ذلك من الدراهم آلاف مؤلفة، و التحف و الألطاف، و اجتمع الجند على‏

34

طلب من الخليفة فتعذر ذلك فراموا أن يقطعوا خطبته، فلم تصل الجمعة، ثم خطب له من الجمعة القابلة، و تخبط البلد جدا، و كثر العيارون. ثم في ربيع الآخر منها حلف الخليفة لجلال الدولة بخلوص النية و صفائها، و أنه على ما يحب من الصدق و صلاح السريرة. ثم وقع بينهما بسبب جلال الدولة و شربه النبيذ و سكره. ثم اعتذر إلى الخليفة و اصطلحا على فساد. و في رجب غلت الأسعار جدا ببغداد و غيرها، من أرض العراق. و لم يحج أحد منهم.

و فيها وقع موتان عظيم ببلاد الهند و غزنة و خراسان و جرجان و الري و أصبهان، خرج منها في أدنى مدة أربعون ألف جنازة. و في نواحي الموصل و الجبل و بغداد طرف قوى من ذلك بالجدري، بحيث لم تخل دار من مصاب به، و استمر ذلك في حزيران و تموز و آزار و أيلول و تشرين الأول و الثاني، و كان في الصيف أكثر منه في الخريف. قاله ابن الجوزي في المنتظم. و قد رأى رجل في منامه من أهل أصبهان في هذه السنة مناديا ينادى بصوت جهوريّ: يا أهل أصبهان سكت، نطق، سكت، نطق، فانتبه الرجل مذعورا فلم يدر أحد تأويلها ما هو، حتى قال رجل بيت أبى العتاهية فقال: احذروا يا أهل أصبهان فانى قرأت في شعر أبى العتاهية قوله:

سكت الدهر زمانا عنهم* * * ثم أبكاهم دما حين نطق‏

فما كان إلا قليل حتى جاء الملك مسعود بن محمود فقتل منهم خلقا كثيرا، حتى قتل الناس في الجوامع. و في هذه السنة ظفر الملك أبو كاليجار بالخادم جندل فقتله، و كان قد استحوذ على مملكته و لم يبق معه سوى الاسم، فاستراح منه. و فيها مات ملك الترك الكبير صاحب بلاد ما وراء النهر، و اسمه قدرخان.

و فيها توفى من الأعيان‏

روح بن محمد بن أحمد

أبو زرعة الرازيّ. قال الخطيب: سمع جماعة، وفد علينا حاجا فكتبت عنه، و كان صدوقا فهما، أديبا، يتفقه على مذهب الشافعيّ، و ولى قضاء أصبهان. قال: و بلغني أنه مات بالكرخ سنة ثلاث و عشرين و أربعمائة.

على بن محمد بن الحسن‏

ابن محمد بن نعيم بن الحسن البصري، المعروف بالنعيمى، الحافظ الشاعر، المتكلم الفقيه الشافعيّ. قال البرقاني: هو كامل في كل شي‏ء لو لا بادرة فيه، و قد سمع على جماعة، و من شعره قوله:

إذا أظمأتك أكف اللئام* * * كفتك القناعة شبعا و ريا

فكن رجلا رجله في الثرى* * * و هامة همه في الثريا

أبيا لنائل ذي نعمة* * * تراه بما في يديه أبيا

35

فان إراقة ماء الحياة* * * دون إراقة ماء المحيا

محمد بن الطيب‏

ابن سعد بن موسى أبو بكر الصباغ، حدث عن النجاد و أبى بكر الشافعيّ، و كان صدوقا، حكى الخطيب أنه تزوج تسعمائة امرأة، و توفى عن خمس و تسعين سنة.

على بن هلال‏

الكاتب المشهور، ذكر ابن خلكان أنه توفى في هذه السنة، و قيل في سنة ثلاث عشرة كما تقدم‏

ثم دخلت سنة أربع و عشرين و أربعمائة

فيها تفاقم الحال بأمر العيارين، و تزايد أمرهم، و أخذوا العملات الكثيرة، و قوى أمر مقدمهم البرجمي، و قتل صاحب الشرطة غيلة، و تواترت العملات في الليل و النهار، و حرس الناس دورهم، حتى دار الخليفة منه، و كذلك سور البلد، و عظم الخطب بهم جدا، و كان من شأن هذا البرجمي أنه لا يؤذى امرأة و لا يأخذ مما عليها شيئا، و هذه مروءة في الظلم، و هذا كما قيل* حنانيك بعض الشر أهون من بعض* و فيها أخذ جلال الدولة البصرة و أرسل إليها ولده العزيز، فأقام بها الخطبة لأبيه، و قطع منها خطبة أبى كاليجار في هذه السنة و التي بعدها، ثم استرجعت، و أخرج منها ولده. و فيها ثارت الأتراك بالملك جلال الدولة ليأخذوا أرزاقهم، و أخرجوه من داره، و رسموا عليه في المسجد، و أخرجت حريمه، فذهب في الليل إلى دار الشريف المرتضى فنزلها، ثم اصطلحت الأتراك عليه و حلفوا له بالسمع و الطاعة، و ردوه إلى داره، و كثر العيارون و استطالوا على الناس جدا. و لم يحج أحد من أهل العراق و خراسان لفساد البلاد.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن الحسين بن أحمد

أبو الحسين الواعظ المعروف بابن السماك، ولد سنة ثلاثين و ثلاثمائة، و سمع جعفر الخلدى و غيره و كان يعظ بجامع المنصور و جامع المهدي، و يتكلم على طريق الصوفية، و قد تكلم بعض الأئمة فيه، و نسب إليه الكذب. توفى فيها عن أربع و تسعين سنة و دفن بباب حرب.

ثم دخلت سنة خمس و عشرين و أربعمائة

فيها غزا السلطان مسعود بن محمود بلاد الهند، و فتح حصونا كثيرة، و كان من جملتها أنه حاصر قلعة حصينة فخرجت من السور عجوز كبيرة ساحرة، فأخذت مكنسة فبلتها و رشتها من ناحية جيش المسلمين، فمرض السلطان تلك الليلة مرضا شديدا، فارتحل عن تلك القلعة، فلما استقل ذاهبا عنها عوفي عافية كاملة، فرجع إلى غزنة سالما. و فيها ولى البساسيري حماية الجانب الشرقي من بغداد، لما تفاقم أمر العيارين. و فيها ولى سنان بن سيف الدولة بعد وفاة أبيه، فقصد عمه قرواشا فأقره‏

36

و ساعده على أموره. و فيها هلك ملك الروم أرمانوس، فملكهم رجل ليس من بيت ملكهم، قد كان صيرفيا في بعض الأحيان، إلا أنه كان من سلالة الملك قسطنطين. و فيها كثرت الزلازل بمصر و الشام فهدمت شيئا كثيرا، و مات تحت الردم خلق كثير، و انهدم من الرملة ثلثها، و تقطع جامعها تقطيعا، و خرج أهلها منها هاربين، فأقاموا بظاهرها ثمانية أيام، ثم سكن الحال فعادوا إليها، و سقط بعض حائط بيت المقدس، و وقع من محراب داود قطعة كبيرة، و من مسجد إبراهيم قطعة، و سلمت الحجرة، و سقطت منارة عسقلان، و رأس منارة غزة، و سقط نصف بنيان نابلس، و خسف بقرية البارزاد و بأهلها و بقرها و غنمها، و ساخت في الأرض. و كذلك قرى كثيرة هنالك، و ذكر ذلك ابن الجوزي. و وقع غلاء شديد ببلاد إفريقية، و عصفت ريح سوداء بنصيبين فألقت شيئا كثيرا من الأشجار كالتوت و الجوز و العناب، و اقتلعت قصرا مشيدا بحجارة و آجر و كلس فألقته و أهله فهلكوا، ثم سقط مع ذلك مطر أمثال الأكف، و الزنود و الأصابع، و جزر البحر من تلك الناحية ثلاث فراسخ، فذهب الناس خلف السمك فرجع البحر عليهم فهلكوا. و فيها كثر الموت بالخوانيق حتى كان يغلق الباب على من في الدار كلهم موتى، و أكثر ذلك كان ببغداد، فمات من أهلها في شهر ذي الحجة سبعون ألفا. و فيها وقعت الفتنة بين السنة و الروافض حتى بين العيارين من الفريقين مع ابنا الأصفهانيّ و هما مقدمي عيارين أهل السنة، منعا أهل الكرخ من ورود ماء دجلة فضاق عليهم الحال، و قتل ابن البرجمي و أخوه في هذه السنة. و لم يحج أحد من أهل العراق.

و فيها توفى من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب‏

الحافظ أبو بكر المعروف بالبرقاني، ولد سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة، و سمع الكثير، و رحل إلى البلاد، و جمع كتبا كثيرة جدا، و كان عالما بالقرآن و الحديث و الفقه و النحو، و له مصنفات في الحديث حسنة نافعة. قال الأزهري: إذا مات البرقاني ذهب هذا الشأن، و ما رأيت أتقن منه. و قال غيره:

ما رأيت أعبد منه في أهل الحديث. توفى يوم الخميس مستهل رجب، و صلى عليه أبو على بن أبى موسى الهاشمي، و دفن في مقبرة الجامع ببغداد، و قد أورد له ابن عساكر من شعره:

أعلل نفسي بكتب الحديث* * * و أجمل فيه لها الموعدا

و أشغل نفسي بتصنيفه* * * و تخريجه دائما سرمدا

فطورا أصنفه في الشيوخ* * * و طورا أصنفه مسندا

و أقفو البخاري فيما حواه* * * و صنفه جاهدا مجهدا

و مسلم إذ كان زين الأنام* * * بتصنيفه مسلما مرشدا

و ما لي فيه سوى أننى* * * أراه هوى صادف المقصدا

37

و أرجو الثواب بكتب الصلاة* * * على السيد المصطفى أحمدا

أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد

أبو العباس الأبيوردي، أحد أئمة الشافعية، من تلاميذ الشيخ أبى حامد الأسفراييني، كانت له حلقة في جامع المنصور للفتيا. و كان يدرس في قطيعة الربيع، و ولى الحكم ببغداد نيابة عن ابن الأكفاني، و قد سمع الحديث، و كان حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، فصيح اللسان، صبورا على الفقر، كاتما له، و كان يقول الشعر الجيد، و كان كما قال تعالى‏ (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً) توفى في جمادى الآخرة، و دفن بمقبرة باب حرب:

أبو على البندنيجي‏

الحسن بن عبد اللَّه بن يحيى، الشيخ أبو على البندنيجي، أحد أئمة الشافعية، من تلاميذ أبى حامد أيضا، و لم يكن في أصحابه مثله، تفقه و درس و أفتى و حكم ببغداد، و كان دينا ورعا. توفى في جمادى الآخرة منها أيضا.

عبد الوهاب بن عبد العزيز

الحارث بن أسد، أبو الصباح التميمي، الفقيه الحنبلي الواعظ، سمع من أبيه أثرا مسلسلا عن على «الحنان: الّذي يقبل على من أعرض عنه، و المنان الّذي يبدأ بالنوال قبل السؤال» توفى في ربيع الأول و دفن في مقبرة أحمد بن حنبل.

غريب بن محمد

ابن مفتى سيف الدولة أبو سنان، كان قد ضرب السكة باسمه، و كان ملكا متمكنا في الدولة، و خلف خمسمائة ألف دينار، و قام ابنه سنان بعده، و تقوى بعمه قرواش، و استقامت أموره، توفى بالكرخ سابور عن سبعين سنة.

ثم دخلت سنة ست و عشرين و أربعمائة

في محرمها كثر تردد الأعراب في قطع الطرقات إلى حواشي بغداد و ما حولها، بحيث كانوا يسلبون النساء ما عليهنّ، و من أسروه أخذوا ما معه و طالبوه بفداء نفسه، و استفحل أمر العيارين و كثرت شرورهم، و في مستهل صفر زادت دجلة بحيث ارتفع الماء على الضياع ذراعين، و سقط من البصرة في مدة ثلاثة نحو من ألفى دار. و في شعبان منها ورد كتاب من مسعود بن محمود بأنه قد فتح فتحا عظيما في الهند، و قتل منهم خمسين ألفا و أسر تسعين ألفا، و غنم شيئا كثيرا، و وقعت فتنة بين أهل بغداد و العيارين، و وقع حريق في أماكن من بغداد، و اتسع الخرق على الراقع، و لم يحج أحد من هؤلاء و لا من أهل خرسان.

38

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن كليب الشاعر

و هو أحد من هلك بالعشق، روى ابن الجوزي في المنتظم بسنده أن أحمد بن كليب هذا المسكين المغتر عشق غلاما يقال له أسلم بن أبى الجعد، من بنى خلد [ (1)] و كان فيهم وزارة، أي كانوا وزراء للملوك و حجابا، فأنشد فيه أشعارا تحدث الناس بها، و كان هذا الشاب أسلم يطلب العلم في مجالس المشايخ فلما بلغه عن ابن كليب ما قال فيه استحى من الناس و انقطع في دارهم، و كان لا يجتمع بأحد من الناس، فازداد غرام ابن كليب به حتى مرض من ذلك مرضا شديدا، بحيث عاده منه الناس، و لا يدرون ما به، و كان في جملة من عاده بعض المشايخ من العلماء، فسأله عن مرضه فقال:

أنتم تعلمون ذلك، و من أي شي‏ء مرضى، و في أي شي‏ء دوائي، لو زارني أسلم و نظر إلى نظرة و نظرته نظرة واحدة لبرأت، فرأى ذلك العالم من المصلحة أن لو دخل على أسلم و سأله أن يزوره و لو مرة واحدة مخنفيا، و لم يزل ذلك الرجل العالم بأسلم حتى أجابه إلى زيارته، فانطلقا إليه فلما دخلا دربه و محلته تجبّن الغلام و استحى من الدخول عليه، و قال للرجل العالم: لا أدخل عليه، و قد ذكرني و نوّه باسمي، و هذا مكان ريبة و تهمة، و أنا لا أحب أن أدخل مداخل التهم، فحرص به الرجل كل الحرص ليدخل عليه فأبى عليه، فقال له: إنه ميت لا محالة، فإذا دخلت عليه أحييته. فقال:

يموت و أنا لا أدخل مدخلا يسخط اللَّه على و يغضبه، و أبى أن يدخل، و انصرف راجعا إلى دارهم، فدخل الرجل على ابن كليب فذكر له ما كان من أمر أسلم معه، و قد كان غلام ابن كليب دخل عليه قبل ذلك و بشّره بقدوم معشوقه عليه، ففرح بذلك جدا، فلما تحقق رجوعه عنه اختلط كلامه و اضطرب في نفسه، و قال لذلك الرجل الساعي بينهما: اسمع يا أبا عبد اللَّه و احفظ عنى ما أقول، ثم أنشده:

أسلم يا راحة العليل* * * رفقا على الهائم النحيل‏

وصلك أشهى إلى فؤادي* * * من رحمة الخالق الجليل‏

فقال له الرجل: ويحك اتّق اللَّه تعالى، ما هذه العظيمة؟ فقال: قد كان ما سمعت، أو قال القول ما سمعت. قال فخرج الرجل من عنده فما توسط الدار حتى سمع الصراخ عليه، و سمع صيحة الموت و قد فارق الدنيا على ذلك. و هذه زلة شنعاء، و عظيمة صلعاء، و داهية دهياء، و لو لا أن هؤلاء الأئمة ذكروها ما ذكرتها، و لكن فيها عبرة لأولى الألباب، و تنبيه لذوي البصائر و العقول، أن يسألوا اللَّه رحمته و عافيته، و أن يستعيذوا باللَّه من الفتن، ما ظهر منها و ما بطن، و أن يرزقهم حسن الخاتمة عند الممات إنه كريم جواد.

قال الحميدي: و أنشدنى أبو على بن أحمد قال: أنشدنى محمد بن عبد الرحمن لأحمد بن كليب و قد أهدى إلى أسلم كتاب الفصيح لثعلب:

____________

[ (1)] في النجوم الزاهرة: أسلم بن أحمد بن سعيد قاضى قضاة الأندلس.

39

هذا كتاب الفصيح* * * بكل لفظ مليح‏

وهبته لك طوعا* * * كما وهبتك روحي‏

الحسن بن أحمد

ابن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان بن حرب بن مهران البزاز، أحد مشايخ الحديث، سمع الكثير، و كان ثقة صدوقا، جاء يوما شاب غريب فقال له: إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام فقال لي: اذهب إلى أبى على بن شاذان فسلم عليه و أقره منى السلام. ثم انصرف الشاب فبكى الشيخ و قال: ما أعلم لي عملا أستحق به هذا غير صبري على سماع الحديث، و صلاتي على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كلما ذكر. ثم توفى بعد شهرين أو ثلاثة من هذه الرؤيا في محرمها، عن سبع و ثمانين سنة و دفن بباب الدير.

الحسن بن عثمان‏

ابن أحمد بن الحسين بن سورة، أبو عمر الواعظ المعروف بابن الغلو، سمع الحديث عن جماعة.

قال ابن الجوزي: و كان يعظ، و له بلاغة، و فيه كرم، و أمر بمعروف و نهى عن منكر، و من شعره قوله:

دخلت على السلطان في دار عزه* * * بفقر و لم أجلب بخيل و لا رجل‏

و قلت: انظروا ما بين فقري و ملككم* * * بمقدار ما بين الولاية و العزل‏

توفى في صفر منها و قد قارب الثمانين، و دفن بمقبرة حرب إلى جانب ابن السماك (رحمهما اللَّه).

ثم دخلت سنة سبع و عشرين و أربعمائة

في المحرم منها تكاملت قنطرة عيسى التي كانت سقطت، و كان الّذي ولى مشارفة الإنفاق عليها الشيخ أبو الحسين القدوري الحنفي، و في المحرم و ما بعده تفاقم أمر العيارين، و كبسوا الدور و تزايد شرهم جدا.

و فيها توفى صاحب مصر الظاهر أبو الحسن على بن الحاكم الفاطمي، و له من العمر ثلاث و ثلاثون سنة، و قام بالأمر من بعده ولده المستنصر و عمره سبع سنين، و اسمه معد، و كنيته أبو تميم، و تكفل بأعباء المملكة بين يديه الأفضل أمير الجيوش، و اسمه بدر بن عبد اللَّه الجمالي، و كان الظاهر هذا قد استوزر الصاحب أبا القاسم على بن أحمد الجرجرائى، و كان مقطوع اليدين من المرفقين، في سنة ثماني عشرة، فاستمر في الوزارة مدة ولاية الظاهر، ثم لولده المستنصر، حتى توفى الوزير الجرجرائى المذكور في سنة ست و ثلاثين، و كان قد سلك في وزارته العفة العظيمة، و كان الّذي يعلم عنه القاضي أبو عبد اللَّه القضاعي صاحب كتاب الشهاب، و كانت علامته الحمد للَّه شكرا لنعمه، و كان الّذي قطع يديه من المرفقين الحاكم، لجناية ظهرت منه في سنة أربع و أربعمائة، ثم استعمله في بعض الأعمال سنة تسع، فلما فقد الحاكم في السابع و العشرين من شوال، سنة إحدى عشرة، تنقلت بالجرجرائي المذكور الأحوال حتى استوزر سنة ثماني عشرة كما ذكرنا، و قد هجاه بعض الشعراء

40

فقال:

يا أجمعا اسمع و قل* * * و دع الرقاعة و التحامق‏

أ أقمت نفسك في الثقات* * * وهبك فيما قلت صادق‏

أمن الأمانة و التقى* * * قطعت يداك من المرافق‏

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعالبي‏

و يقال الثعلبي أيضا- و هو لقب أيضا و ليس- بنسبة، النيسابورىّ المفسر المشهور، له التفسير الكبير، و له كتاب العرايس في قصص الأنبياء عليهم السلام، و غير ذلك، و كان كثير الحديث واسع السماع، و لهذا يوجد في كتبه من الغرائب شي‏ء كثير، ذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في تاريخ نيسابور، و أثنى عليه، و قال: هو صحيح النقل موثوق به، توفى في سنة سبع و عشرين و أربعمائة، و قال غيره: توفى يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم منها، و رئيت له منامات صالحة (رحمه اللَّه). و قال السمعاني: و نيسابور كانت مغصبة فأمر سابور الثاني ببنائها مدينة.

ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة

فيها خلع الخليفة على أبى تمام محمد بن محمد بن على الزينبي، و قلده ما كان إلى أبيه من نقابة العباسيين و الصلاة. و فيها وقعت الفرقة بين الجند و بين جلال الدولة و قطعوا خطبته و خطبة الملك أبى كاليجار، ثم أعادوا الخطبة، و استوزر أبا المعالي بن عبد الرحيم، و كان جلال الدولة قد جمع خلقا كثيرا معه، منهم البساسيري، و دبيس بن على بن مرثد، و قرواش بن مقلد، و نازل بغداد من جانبها الغربي حتى أخذها قهرا، و اصطلح هو و أبو كاليجار نائب جلال الدولة على يدي قاضى القضاة الماوردي، و تزوج أبو منصور بن أبى كاليجار بابنة جلال الدولة على صداق خمسين ألف دينار و اتفقت كلمتهما و حسن حال الرعية. و فيها نزل مطر ببلاد قم الصلح و معه سمك وزن السمكة رطل و رطلان، و فيها بعث ملك مصر بمال لإصلاح نهر بالكوفة إن أذن الخليفة العباسي في ذلك، فجمع الخليفة الفقهاء و سألهم عن هذا المال فأفتوا بأن هذا المال في‏ء للمسلمين، يصرف في مصالحهم.

فأذن في صرفه في مصالح المسلمين. و فيها ثار العيارون ببغداد و فتحوا السجن بالجانب الشرقي، و أخذوا منه رجالا و قتلوا من رجال الشرط سبعة عشر رجلا، و انتشرت الشرور في البلد جدا. و لم يحج أحد من أهل العراق و خراسان لاختلاف الكلمة.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

القدوري أحمد بن محمد

ابن أحمد بن جعفر، أبو الحسن القدوري الحنفي البغدادي، سمع الحديث و لم يحدث إلا بشي‏ء يسير. قال الخطيب: كتبت عنه. و قد تقدمت وفاته، و دفن بداره في درب خلف.

الحسن بن شهاب‏

ابن الحسن بن على، أبو على العكبريّ، الفقيه الحنبلي الشاعر، ولد سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة

41

سمع من أبى بكر بن مالك و غيره، و كان كما قال البرقاني ثقة أمينا، و كان يسترزق من الوراقة- و هو النسخ- يقال إنه كان يكتب ديوان المتنبي في ثلاث ليال فيبيعه بمائتي درهم، و لما توفى أخذ السلطان من تركته ألف دينار سوى الأملاك، و كان قد أوصى بثلث ماله في متفقهة الحنابلة، فلم تصرف‏

لطف اللَّه أحمد بن عيسى‏

أبو الفضل الهاشمي، ولى القضاء و الخطابة بدرب ريحان، و كان ذا لسان، و قد أضر في آخر عمره، و كان يروى حكايات و أناشيد من حفظه، توفى في صفر منها.

محمد بن أحمد

ابن على بن موسى بن عبد المطلب، أبو على الهاشمي، أحد أئمة الحنابلة و فضلائهم.

محمد بن الحسن‏

ابن أحمد بن على أبو الحسن الأهوازي، و يعرف بابن أبى على الأصبهاني، ولد سنة خمس و أربعين و ثلاثمائة، و قدم بغداد و خرج له أبو الحسن النعيمي أجزاء من حديثه، فسمعها منه البرقاني، إلا أنه بان كذبه، حتى كان بعضهم يسميه جراب الكذب، أقام ببغداد سبع سنين، ثم عاد إلى الأهواز فمات بها

مهيار الديلميّ الشاعر

مهيار بن مرزويه أبو الحسين الكاتب الفارسي، و يقال له الديلميّ، كان مجوسيا فأسلم، إلا أنه سلك سبيل الرافضة، و كان ينظم الشعر القوى الفحل في مذاهبهم، من سب الصحابة و غيرهم، حتى قال له أبو القاسم بن برهان: يا مهيار انتقلت من زاوية في النار إلى زاوية أخرى في النار، كنت مجوسيا فأسلمت فصرت تسب الصحابة، و قد كان منزله بدرب رباح من الكرخ، و له ديوان شعر مشهور، فمن مستجاد قوله:

أستنجد الصبر فيكم و هو مغلوب* * * و أسأل النوم عنكم و هو مسلوب‏

و أبتغي عندكم قلبا سمحت به* * * و كيف يرجع شي‏ء و هو موهوب‏

ما كنت أعرف مقدار حبكم* * * حتى هجرت و بعض الهجر تأديب‏

و لمهيار أيضا:

أجارتنا بالغور و الركب منهم* * * أ يعلم خال كيف بات المتيم‏

رحلتم و جمر القلب فينا و فيكم* * * سواء و لكن ساهرون و نوّم‏

فبنتم عنا ظاعنين و خلفوا* * * قلوبا أبت أن تعرف الصبر عنهم‏

و لما خلى التوديع عما حذرته* * * و لم يبق إلا نظرة لي تغنم‏

بكيت على الوادي و حرمت ماءه* * * و كيف به ماء و أكثره دم‏

قال ابن الجوزي: و لما كان شعره أكثره جيدا اقتصرت على هذا القدر. توفى في جمادى‏

42

الآخرة

هبة اللَّه بن الحسن‏

أبو الحسين المعروف بالحاجب، كان من أهل الفضل و الأدب و الدين، و له شعر حسن، فمنه قوله:

يا ليلة سلك الزمان* * * في طيبها كل مسلك‏

إذ ترتقى روحي المسرة* * * مدركا ما ليس يدرك‏

و البدر قد فضح الزمان* * * و سرّه فيه مهتّك‏

و كأنما زهر النجوم* * * بلمعها شعل تحرك‏

و الغيب أحيانا يلو* * * ح كأنه ثوب ممسك‏

و كأن تجعيد الرياح* * * لدجلة ثوب مفرّك‏

و كان نشر المسك* * * ينفح في النسيم إذا تحرك‏

و كأنما المنثور مصفر* * * الذرى ذهب مسبّك‏

و النور يبسم في الرياض* * * فان نظرت إليه سرك‏

شارطت نفسي أن أقو* * * م بحقها و الشرط أملك‏

حتى تولى الليل منهزما* * * و جاء الصبح يضحك‏

و ذا الفتى لو أنه* * * في طيب العيش يترك‏

و الدهر يحسب عمره* * * فإذا أتاه الشيب فذلك‏

أبو على بن سينا

الطبيب الفيلسوف، الحسن بن عبد اللَّه بن سينا الرئيس، كان بارعا في الطب في زمانه، كان أبوه من أهل بلخ، و انتقل إلى بخارى، و اشتغل بها فقرأ القرآن و أتقنه، و هو ابن عشر سنين، و أتقن الحساب و الجبر و المقابلة و إقليدس و المجسطي، ثم اشتغل على أبى عبد اللَّه الناتلى الحكيم، فبرع فيه و فاق أهل زمانه في ذلك، و تردد الناس إليه و اشتغلوا عليه، و هو ابن ست عشرة سنة، و عالج بعض الملوك السامانية، و هو الأمير نوح بن نصر، فأعطاه جائزة سنية، و حكمه في خزانة كتبه، فرأى فيها من العجائب و المحاسن ما لا يوجد في غيرها، فيقال إنه عزا بعض تلك الكتب إلى نفسه، و له في الإلهيات و الطبيعات كتب كثيرة، قال ابن خلكان: له نحو من مائة مصنف، صغار و كبار، منها القانون، و الشفا، و النجاة، و الإشارات، و سلامان، و إنسان، وحي بن يقظان، و غير ذلك. قال و كان من فلاسفة الإسلام، أورد له من الأشعار قصيدته في نفسه التي يقول فيها:

هبطت إليك من المقام الأرفع* * * ورقاء ذات تعزز و تمنع‏

محجوبة عن كل مقلة عارف* * * و هي التي سفرت و لم تتبرقع‏

43

وصلت على كره إليك و ربما* * * كرهت فراقك و هي ذات تفجع‏

و هي قصيدة طويلة و له:

اجعل غذاءك كل يوم مرة* * * و احذر طعاما قبل هضم طعام‏

و احفظ منيك ما استطعت فإنه* * * ماء الحياة يراق في الأرحام‏

و ذكر أنه مات بالقولنج في همذان، و قيل بأصبهان، و الأول أصح، يوم الجمعة في شهر رمضان منها، عن ثمان و خمسين سنة. قلت: قد حصر الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة، ثم رد عليه في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلسا له، كفره في ثلاث منها، و هي قوله بقدم العالم، و عدم المعاد الجثمانى، و أن اللَّه لا يعلم الجزئيات، و بدعة في البواقي، و يقال إنه تاب عند الموت فاللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة تسع و عشرين و أربعمائة

فيها كان بدو ملك السلاجقة، و فيها استولى ركن الدولة أبو طالب طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق، على نيسابور، و جلس على سرير ملكها، و بعث أخاه داود إلى بلاد خراسان فملكها، و انتزعها من نواب الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين. و فيها قتل جيش المصريين لصاحب حلب و هو شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، و استولوا على حلب و أعمالها. و فيها سأل جلال الدولة الخليفة أن يلقب ملك الدولة، فأجابه إلى ذلك بعد تمنع. و فيها استدعى الخليفة بالقضاة و الفقهاء و أحضر جاثليق النصارى و رأس جالوت اليهود، و ألزموا بالغيار. و في رمضان منها لقب جلال الدولة شاهنشاه الأعظم ملك الملوك، بأمر الخليفة، و خطب له بذلك على المنابر، فنفرت العامة من ذلك و رموا الخطباء بالآجر، و وقعت فتنة شديدة بسبب ذلك، و استفتوا القضاة و الفقهاء في ذلك فأفتى أبو عبد اللَّه الصيمري أن هذه الأسماء يعتبر فيها القصد و النية، و قد قال تعالى‏ (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً) و قال‏ (وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ) و إذا كان في الأرض ملوك جاز أن يكون بعضهم فوق بعض، و أعظم من بعض، و ليس في ذلك ما يوجب النكير و المماثلة بين الخالق و المخلوقين. و كتب القاضي أبو الطيب الطبري أن إطلاق ملك الملوك جائز، و يكون معناه ملك ملوك الأرض، و إذا جاز أن يقال كافى الكفاة و قاضى القضاة، جاز أن يقال ملك الملوك، و إذا كان في اللفظ ما يدل على أن المراد به ملوك الأرض زالت الشبهة، و منه قولهم: اللَّهمّ أصلح الملك، فيصرف الكلام إلى المخلوقين و كتب التميمي الحنبلي نحو ذلك، و أما الماوردي صاحب الحاوي الكبير فقد نقل عنه أنه أجاز ذلك أيضا، و المشهور عنه ما نقله ابن الجوزي و الشيخ أبو منصور بن الصلاح في أدب المفتى أنه منع من ذلك و أصرّ على المنع من ذلك، مع صحبته للملك جلال الدولة، و كثرة ترداده إليه، و وجاهته عنده، و أنه امتنع من الحضور عن مجلسه حتى استدعاه جلال الدولة في يوم عيد، فلما دخل عليه،

44

دخل و هو وجل خائف أن يوقع به مكروها، فلما واجهه قال له جلال الدولة: قد علمت أنه إنما منعك من موافقة الذين جوزوا ذلك مع صحبتك إياي و وجاهتك عندي، دينك و اتباعك الحق، و إن الحق آثر عندك من كل أحد، و لو حابيت أحدا من الناس لحابيتنى، و قد زادك ذلك عندي صحبة و محبة، و علو مكانة.

قلت: و الّذي حمل القاضي الماوردي على المنع هو السنة التي وردت بها الأحاديث الصحيحة من غير وجه.

قال الامام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة، عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال‏

: «أخنع اسم عند اللَّه يوم القيامة رجل تسمى بملك الأملاك».

قال الزهري: سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع اسم قال: أوضع. و

قد رواه البخاري عن على بن المديني عن ابن عيينة، و أخرجه مسلم من طريق همام عن أبى هريرة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال‏

:

«أغيظ رجل على اللَّه يوم القيامة و أخبثه رجل تسمى ملك الأملاك لا ملك إلا اللَّه عز و جل».

و

قال الامام أحمد: حدثني محمد بن جعفر حدثنا عوف عن جلاس عن أبى هريرة، قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«اشتد غضب اللَّه على من قتله نبي، و اشتد غضب اللَّه على رجل تسمى بملك الأملاك، لا ملك إلا اللَّه عز و جل».

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الثعالبي صاحب يتيمة الدهر

أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابورىّ، كان إماما في اللغة و الأخبار و أيام الناس، بارعا مفيدا، له التصانيف الكبار في النظم و النثر و البلاغة و الفصاحة، و أكبر كتبه يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر. و فيها يقول بعضهم:

أبيات أشعار اليتيمة* * * أبكار أفكار قديمة

ماتوا و عاشت بعدهم* * * فلذاك سميت اليتيمة

و إنما سمى الثعالبي لأنه كان رفاء يخيط جلود الثعالب، و له أشعار كثيرة مليحة، ولد سنة خمسين و ثلاثمائة، و مات في هذه السنة.

الأستاذ أبو منصور

عبد القاهر بن طاهر بن محمد، البغدادي الفقيه الشافعيّ، أحد الأئمة في الأصول و الفروع، و كان ماهرا في فنون كثيرة من العلوم، منها علم الحساب و الفرائض، و كان ذا مال و ثروة أنفقه كله على أهل العلم، و صنف و درس في سبعة عشر علما، و كان اشتغاله على أبى إسحاق الأسفراييني، و أخذ عنه ناصر المروزي و غيره‏

ثم دخلت سنة ثلاثين و أربعمائة

فيها التقى الملك مسعود بن محمود، و الملك طغرلبك السلجوقي، و معه أخوه داود، في شعبان،

45

فهزمهما مسعود، و قتل من أصحابهما خلقا كثيرا. و فيها خطب شبيب بن ريان للقائم العباسي بحران و الرحبة و قطع خطبة الفاطمي العبيدي. و فيها خوطب أبو منصور بن جلال الدولة بالملك العزيز، و هو مقيم بواسط، و هذا العزيز آخر من ملك بغداد من بنى بويه، لما طغوا و تمردوا و بغوا و تسموا بملك الأملاك، فسلبهم اللَّه ما كان أنعم به عليهم، و جعل الملك في غيرهم، كما قال اللَّه تعالى‏ (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) الآية. و فيها خلع الخليفة على القاضي أبى عبد اللَّه بن ماكولا خلعة تشريف. و فيها وقع ثلج عظيم ببغداد مقدار شبر. قال ابن الجوزي: و في جمادى الآخرة تملك بنو سلجوق بلاد خراسان و الجبل، و تقسموا الأطراف، و هو أول ملك السلجوقية و لم يحج أحد فيها من العراق و خراسان، و لا من أهل الشام و لا مصر إلا القليل.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الحافظ أبو نعيم الأصبهاني‏

أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، أبو نعيم الأصبهاني، الحافظ الكبير ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة، منها حلية الأولياء في مجلدات كثيرة، دلت على اتساع روايته، و كثرة مشايخه، و قوة اطلاعه على مخارج الحديث، و شعب طرقه، و له معجم الصحابة، و هو عندي بخطه، و له صفة الجنة و دلائل النبوة، و كتاب في الطب النبوي، و غير ذلك من المصنفات المفيدة. و قد قال الخطيب البغدادي: كان أبو نعيم يخلط المسموع له بالمجاز، و لا يوضح أحدهما من الآخر. و قال عبد العزيز النخشبى: لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بن أبى أسامة بن أبى بكر بن خلاد بتمامه، فحدث به كله، و قال ابن الجوزي: سمع الكثير و صنف الكثير، و كان يميل إلى مذهب الأشعري في الاعتقاد ميلا كثيرا، توفى أبو نعيم في الثامن و العشرين من المحرم منها عن أربع و تسعين سنة (رحمه اللَّه)، لأنه ولد فيما ذكره ابن خلكان في سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة. قال و له تاريخ أصبهان. و ذكر أبو نعيم في ترجمة والده أن مهران أسلم، و أن ولاءهم لعبد اللَّه بن معاوية بن عبد اللَّه ابن جعفر بن أبى طالب. و ذكر أن معنى أصبهان و أصله بالفارسية شاهان، أي مجمع العساكر، و أن الإسكندر بناها

الحسن بن حفص‏

أبو الفتوح العلويّ أمير مكة الحسن بن الحسين، أبو على البرجمي، وزر لشرف الدولة سنتين ثم عزل، و كان عظيم الجاه في زمانه، و هو الّذي بنى مارستان واسط، و رتب فيه الأشربة و الأطباء و الأدوية، و وقف عليه كفايته. توفى في هذه السنة و قد قارب الثمانين (رحمه اللَّه).

الحسين بن محمد بن الحسن‏

ابن على بن عبد اللَّه المؤدب، و هو أبو محمد الخلال، سمع صحيح البخاري من إسماعيل بن محمد الكشميهني، و سمع غيره، توفى في جمادى الأولى و دفن بباب حرب.

46

عبد الملك بن محمد

ابن عبد اللَّه بن محمد بن بشر بن مهران، أبو القاسم الواعظ، سمع النجاد و دعلج بن أحمد و الآجري و غيرهم، و كان ثقة صدوقا، و كان يشهد عند الحكام فترك ذلك رغبة عنه و رهبة من اللَّه، و مات في ربيع الآخر منها، و قد جاوز التسعين، و صلى عليه في جامع الرصافة، و كان الجمع كثيرا حافلا، و دفن إلى جانب أبى طالب المكيّ، و كان قد أوصى بذلك.

محمد بن الحسين بن خلف‏

ابن الفراء، أبو حازم القاضي أبو يعلى الحنبلي، سمع الدار قطنى و ابن شاهين، قال الخطيب: كان لا بأس به، و رأيت له أصولا سماعه فيها، ثم إنه بلغنا أنه خلط في الحديث بمصر و اشترى من الوراقين صحفا فروى منها، و كان يذهب إلى الاعتزال. توفى بتنيس من بلاد مصر.

محمد بن عبد اللَّه‏

أبو بكر الدينَوَريّ الزاهد، كان حسن العيش، و كان ابن القزويني يثنى عليه، و كان جلال الدولة صاحب بغداد يزوره، و قد سأله مرة أن يطلق للناس مكث الملح، و كان مبلغه ألفى دينار فتركه من أجله، و لما توفى اجتمع أهل بغداد لجنازته و صلى عليه مرات، و دفن بباب حرب (رحمه اللَّه تعالى).

الفضل بن منصور

أبو الرضى، و يعرف بابن الظريف، و كان شاعرا ظريفا و من شعره قوله:

يا قالة الشعر قد نصحت لكم* * * و لست أدهى إلا من النصح‏

قد ذهب الدهر بالكرام* * * و في ذاك أمور طويلة الشرح‏

أ تطلبون النوال من رجل* * * قد طبعت نفسه على الشح‏

و أنتم تمدحون بالحسن و الظرف* * * وجوها في غاية القبح‏

من أجل ذا تحرمون رزقكم* * * لأنكم تكذبون في المدح‏

صونوا القوافي فما أرى* * * أحدا يغتر فيه بالنجح‏

فان شككتم فيما أقول لكم* * * فكذبوني بواحد سمح‏

هبة اللَّه بن على بن جعفر

أبو القاسم بن ماكولا، وزر لجلال الدولة مرارا، و كان حافظا للقرآن، عارفا بالشعر و الأخبار، خنق بهيت في جمادى الآخرة منها.

أبو زيد الدبوسي‏

عبد اللَّه بن عمر بن عيسى الفقيه الحنفي، أول من وضع علم الخلاف و أبرزه إلى الوجود. قاله‏

47

ابن خلكان، و كان يضرب به المثل، و الدبوس نسبة إلى قرية من أعمال بخارى، قال: و له كتاب الأسرار و التقويم للادلة، و غير ذلك من التصانيف و التعاليق، قال و روى أنه ناظر فقيها فبقي كلما ألزمه أبو زيد إلزاما تبسم أو ضحك، فأنشد أبو زيد في ذلك:

ما لي إذا ألزمته حجة* * * قابلنى بالضحك و القهقهة

إن ضحك المرء من فقهه* * * فالدب بالصحراء ما أفقهه‏

الحوفى صاحب إعراب القرآن‏

أبو الحسن على بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف الحوفى النحويّ، له كتاب في النحو كبير، و إعراب القرآن في عشر مجلدات، و له تفسير القرآن أيضا، و كان إماما في العربية و النحو و الأدب و له تصانيف كثيرة، انتفع بها الناس. قال ابن خلكان: و الحوفى نسبة لناحية بمصر يقال لها الشرقية، و قصبتها مدينة بلبيس، فجميع ريفها يسمون حوف، واحدهم حوفى و هو من قرية يقال لها شبر النخلة من أعمال الشرقية المذكورة (رحمه اللَّه).

ثم دخلت سنة إحدى و ثلاثين و أربعمائة

فيها زادت دجلة زيادة عظيمة بحيث حملت الجسر و من عليه فألقتهم بأسفل البلد و سلموا، و فيها وقع بين الجند و بين جلال الدولة شغب، و قتل من الفريقين خلق، و جرت شرور يطول ذكرها.

و وقع فساد عريض و اتسع الخرق على الراقع، و نهبت دور كثيرة جدا، و لم يبق للملك عندهم حرمة، و غلت الأسعار. و فيها زار الملك أبو طاهر مشهد الحسين، و مشى حافيا في بعض تلك الأزوار. و لم يحج أحد من أهل العراق. و فيها بعث الملك أبو كاليجار وزيره العادل إلى البصرة فملكها له.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

إسماعيل بن أحمد

ابن عبد اللَّه أبو عبد الرحمن الضرير الخيريّ، من أهل نيسابور، كان من أعيان الفضلاء الأذكياء، و الثقات الأمناء، قدم بغداد حاجا في سنة ثلاث و عشرين و أربعمائة، فقرأ عليه الخطيب جميع صحيح البخاري في ثلاث مجالس بروايته له عن أبى الهيثم الكشميهني، عن الفربري عن البخاري، توفى فيها و قد جاوز التسعين.

بشرى الفاتنى‏

و هو بشرى بن مسيس من سبى الروم، أهداه أمراء بنى حمدان الفاتن غلام المطيع، فأدبه و سمع الحديث عن جماعة من المشايخ، و روى عنه الخطيب. و قال: كان صدوقا صالحا دينا، توفى يوم عيد الفطر منها (رحمه اللَّه)

محمد بن على‏

ابن أحمد بن يعقوب بن مروان أبو العلاء الواسطي، و أصله من فم الصلح، سمع الحديث و قرأ

48

القراءات و رواها، و قد تكلموا في روايته في القراءات و الحديث فاللَّه أعلم. توفى في جمادى الآخرة منها و قد جاوز الثمانين.

ثم دخلت سنة ثنتين و ثلاثين و أربعمائة

فيها عظم شأن السلجوقية، و ارتفع شأن ملكهم طغرلبك، و أخيه داود، و هما ابنا ميكائيل بن سلجوق بن بغاق، و قد كأن جدهم بغاق هذا من مشايخ الترك القدماء، الذين لهم رأى و مكيدة و مكانة عند ملكهم الأعظم، و نشأ ولده سلجوق نجيبا شهما، فقدمه الملك و لقبه شباسى، فأطاعته الجيوش و انقاد له الناس بحيث تخوف منه الملك و أراد قتله، فهرب منه إلى بلاد المسلمين، فأسلم فازداد عزا و علوا، ثم توفى عن مائة و سبع سنين، و خلف أرسلان و ميكائيل و موسى، فأما ميكائيل فإنه اعتنى بقتال الكفار من الأتراك، حتى قتل شهيدا، و خلف ولديه طغرلبك محمد، و جعفر بك داود، فعظم شأنهما في بنى عمهما، و اجتمع عليهما الترك من المؤمنين، و هم ترك الايمان الذين يقول لهم الناس تركمان، و هم السلاجقة بنو سلجوق جدهم هذا، فأخذوا بلاد خراسان بكمالها بعد موت محمود بن سبكتكين، و قد كان يتخوف منهم محمود بعض التخوف، فلما مات و قام ولده مسعود بعده قاتلهم و قاتلوه مرارا، فكانوا يهزمونه في أكثر المواقف، و استكمل لهم ملك خراسان بأسرها، ثم قصدهم مسعود في جنود يضيق بهم الفضاء فكسروه، و كبسه مرة داود فانهزم مسعود فاستحوذ على حواصله و خيامه، و جلس على سريره، و فرق الغنائم على جيشه، و مكث جيشه على خيولهم لا ينزلون عنها ثلاثة أيام، خوفا من دهمة العدو، و بمثل هذا تم لهم ما راموه، و كمل لهم جميع ما أملوه، ثم كان من سعادتهم أن الملك مسعود توجه نحو بلاد الهند لسبى بها و ترك مع ولده مودود جيشا كثيفا بسبب قتال السلاجقة، فلما عبر الجسر الّذي على سيحون نهبت جنوده حواصله، و اجتمعوا على أخيه محمد بن محمود، و خلعوا مسعودا فرجع إليهم مسعود فقاتلهم فهزموه و أسروه، فقال له أخوه: و اللَّه لست بقاتلك على شر صنيعك إلى، و لكن اختر لنفسك أي بلد تكون فيه أنت و عيالك، فاختار قلعة كبرى، و كان بها، ثم إن الملك محمدا أخا مسعود جعل لولده الأمر من بعده، و بايع الجيش له، و كان ولده اسمه أحمد، و كان فيه هرج، فاتفق هو و يوسف بن سبكتكين على قتل مسعود ليصفو لهم الأمر، و يتم لهم الملك، فسار إليه أحمد من غير علم أبيه فقتله، فلما علم أبوه بذلك غاظه و عتب على ابنه عتبا شديدا، و بعث إلى ابن أخيه يعتذر إليه و يقسم له أنه لم يعلم بذلك، حتى كان ما كان. فكتب إليه مودود بن مسعود: رزق اللَّه ولدك المعتوه عقلا يعيش به، فقد ارتكب أمرا عظيما، و قدم على إراقة دم مثل والدي الّذي لقبه أمير المؤمنين بسيد الملوك و السلاطين، و ستعلمون أي حيف تورطتم، و أي شر تأبطتم‏ (وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) ثم سار إليهم في جنود فقاتلهم فقهرهم‏

49

و أسرهم، فقتل عمه محمدا و ابنه أحمد و بنى عمه كلهم، إلا عبد الرحمن و خلقا من رءوس أمرائهم، و ابتنى قرية هنالك و سماها فتح‏آباذ، ثم سار إلى غزنة فدخلها في شعبان، فأظهر العدل و سلك سيرة جده محمود، فأطاعه الناس، و كتب إليه أصحاب الأطراف بالانقياد و الاتباع و الطاعة، غير أنه أهلك قومه بيده، و هذا من جملة سعادة السلاجقة.

و فيها اختلف أولاد حماد على العزيز باديس صاحب إفريقية، فسار إليهم فحاصرهم قريبا من سنتين، و وقع بإفريقية في هذه السنة غلاء شديد بسبب تأخر المطر، و وقع ببغداد فتنة عظيمة بين الروافض و السنة من أهل الكرخ، و أهل باب البصرة، فقتل بينهم خلق كثير من الفريقين. و لم يحج أحد من أهل العراق و خراسان.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

محمد بن الحسين‏

ابن الفضل بن العباس، أبو يعلى البصري الصوفي، أذهب عمره في الاسفار و التغريب، و قدم بغداد في سنة ثنتين و ثلاثين، فحدث بها عن أبى بكر بن أبى الحديد الدمشقيّ، و أبى الحسين بن جميع الغساني، و كان ثقة صدوقا دينا حسن الشعر.

ثم دخلت سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة

فيها ملك طغرلبك جرجان و طبرستان، ثم عاد إلى نيسابور مؤيدا منصورا. و فيها ولى ظهير الدولة بن جلال الدولة أبى جعفر بن كالويه بعد وفاة أبيه، فوقع الخلف بينه و بين أخويه أبى كاليجار و كرسانيف. و فيها دخل أبو كاليجار همذان و دفع الغز عنها. و فيها شعثت الأكراد ببغداد لسبب تأخر العطاء عنهم. و فيها سقطت قنطرة بنى زريق على نهر عيسى، و كذا القنطرة الكثيفة التي تقابلها. و فيها دخل بغداد رجل من البلغار يريد الحج، و ذكر أنه من كبارهم، فأنزل بدار الخلافة و أجرى عليه الأرزاق، و ذكر أنهم مولدون من الترك و الصقالبة، و أنهم في أقصى بلاد الترك، و أن النهار يقصر عندهم حتى يكون ست ساعات، و كذلك الليل، و عندهم عيون و زروع و ثمار، على غير مطر و لا سقى. و فيها قرئ الاعتقاد القادري الّذي جمعه الخليفة القادر، و أخذت خطوط العلماء و الزهاد عليه بأنه اعتقاد المسلمين، و من خالفه فسق و كفر، و كان أول من كتب عليه الشيخ أبو الحسن على بن عمر القزويني، ثم كتب بعده العلماء، و قد سرده الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي بتمامه في منتظمه، و فيه جملة جيدة من اعتقاد السلف.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

بهرام بن منافية

أبو منصور الوزير لأبى كاليجار، كان عفيفا نزها صينا، عادلا في سيرته، و قد وقف خزانة

50

كتب في مدينة فيروزاباذ، تشتمل على سبعة آلاف مجلد، من ذلك أربعة آلاف ورقة بخط أبى على و أبى عبد اللَّه بن مقلة [ (1)].

محمد بن جعفر بن الحسين‏

المعروف بالجهرمي، قال الخطيب: هو أحد الشعراء الذين لقيناهم و سمعنا منهم، و كان يجيد القول، و من شعره:

يا ويح قلبي من تقلبه* * * أبدا نحن إلى معذبه‏

قالوا كتمت هواه عن جلد* * * لو أن لي جلد لبحت به‏

ما بى جننت غير مكترث* * * عنى و لكن من تغيبه‏

حسبي رضاه من الحياة و ما* * * يلقى و موتى من تغضبه‏

مسعود الملك بن الملك محمود

ابن الملك سبكتكين، صاحب غزنة و ابن صاحبها، قتله ابن عمه أحمد بن محمد بن محمود، فانتقم له ابنه مودود بن مسعود، فقتل قاتل أبيه و عمه و ابن عمه و أهل بيته، من أجل أبيه، و استتب له الأمر وحده من غير منازع من قومه كما تقدم‏

بنت أمير المؤمنين المتقى باللَّه‏

تأخرت مدتها حتى توفيت في هذه السنة في رجب منها عن إحدى و تسعين سنة، بالحريم الظاهر، و دفنت بالرصافة.

ثم دخلت سنة أربع و ثلاثين و أربعمائة

فيها أمر الملك جلال الدولة أبا طاهر بجباية أموال الجوالى، و منع أصحاب الخليفة من قبضها، فانزعج لذلك الخليفة القائم باللَّه، و عزم على الخروج من بغداد. و فيها كانت زلزلة عظيمة بمدينة تبريز، فهدمت قلعتها و سورها و دورها، و من دار الامارة عامة قصورها، و مات تحت الهدم خمسون ألفا، و لبس أهلها المسوح لشدة مصابهم. و فيها استولى السلطان طغرلبك على أكثر البلاد الشرقية من ذلك مدينة خوارزم و دهستان و طيس و الري و بلاد الجبل و كرمان و أعمالها، و قزوين. و خطب له في تلك النواحي كلها، و عظم شأنه جدا، و اتسع صيته. و فيها ملك سماك بن صالح بن مرداس حلب، أخذها من الفاطميين، فبعث إليه المصريون من حاربه. و لم يحج أحد من أهل العراق و غيرها، و لا في اللواتي قبلها.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أبو ذر الهروي‏

عبد اللَّه بن أحمد بن محمد الحافظ المالكي، سمع الكثير و رحل إلى الأقاليم، و سكن مكة، ثم تزوج في العرب، و كان يحج كل سنة و يقيم بمكة أيام الموسم و يسمع الناس، و منه أخذ المغاربة مذهب الأشعري عنه، و كان يقول إنه أخذ مذهب مالك عن الباقلاني، كان حافظا، توفى في‏

____________

[ (1)] كذا في الأصل. و ابن مقلة هو أبو على محمد بن على.