البداية و النهاية - ج13

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
353 /
1

-

2

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

ثم دخلت سنة تسع و ثمانين و خمسمائة

فيها كانت وفاة السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب (رحمه اللَّه تعالى).

استهلت هذه السنة و هو في غاية الصحة و السلامة، و خرج هو و أخوه العادل إلى الصيد شرقى دمشق، و قد اتفق الحال بينه و بين أخيه أنه بعد ما يفرغ من أمر الفرنج يسير هو إلى بلاد الروم، و يبعث أخاه إلى بغداد، فإذا فرغا من شأنهما سارا جميعا إلى بلاد آذربيجان، بلاد العجم، فإنه ليس دونها أحد يمانع عنها، فلما قدم الحجيج في يوم الاثنين حادي عشر صفر خرج السلطان لتلقيهم، و كان معه ابن أخيه سيف الإسلام، صاحب اليمن، فأكرمه و التزمه، و عاد إلى القلعة فدخلها من باب الجديد، فكان ذلك آخر ما ركب في هذه الدنيا، ثم إنه اعتراه حمى صفراوية ليلة السبت سادس عشر صفر، فلما أصبح دخل عليه القاضي الفاضل و ابن شداد و ابنه الأفضل، فأخذ يشكو إليهم كثرة قلقه البارحة، و طاب له الحديث، و طال مجلسهم عنده، ثم تزايد به المرض و استمر، و قصده الأطباء في اليوم الرابع، ثم اعتراه يبس و حصل له عرق شديد بحيث نفذ إلى الأرض، ثم قوى اليبس فأحضر الأمراء الأكابر فبويع لولده الأفضل نور الدين على، و كان نائبا على دمشق، و ذلك عند ما ظهرت مخايل الضعف الشديد، و غيبوبة الذهن في بعض الأوقات، و كان الذين يدخلون عليه في هذه الحال الفاضل و ابن شداد و قاضي البلد ابن الزكي، ثم اشتد به الحال ليلة الأربعاء السابع و العشرين من صفر، و استدعى الشيخ أبا جعفر إمام الكلاسة ليبيت عنده يقرأ

3

القرآن و يلقنه الشهادة إذا جد به الأمر، فذكر أنه كان يقرأ عنده و هو في الغمرات فقرأ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فقال: و هو كذلك صحيح. فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه و هو في آخر رمق، فلما قرأ القارئ‏ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ‏ تبسم و تهلل وجهه و أسلم روحه إلى ربه سبحانه، و مات (رحمه اللَّه)، و أكرم مثواه، و جعل جنات الفردوس مأواه، و كان له من العمر سبع و خمسون سنة، لأنه ولد بتكريت في شهور سنة ثنتين و ثلاثين و خمسمائة، (رحمه اللَّه)، فقد كان ردءا للإسلام و حرزا و كهفا من كيد الكفرة اللئام، و ذلك بتوفيق اللَّه له، و كان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه، و ود كل منهم لو فداه بأولاده و أحبابه و أصحابه، و قد غلقت الأسواق و احتفظ على الحواصل، ثم أخذوا في تجهيزه، و حضر جميع أولاده و أهله، و كان الّذي تولى غسله خطيب البلد الفقيه الدولعى، و كان الّذي أحضر الكفن و مؤنة التجهيز القاضي الفاضل من صلب ماله الحلال، هذا و أولاده الكبار و الصغار يتباكون و ينادون، و أخذ الناس في العويل و الانتحاب و الدعاء له و الابتهال، ثم أبرز جسمه في نعشه في تابوت بعد صلاة الظهر، و أم الناس عليه القاضي ابن الزكي ثم دفن في داره بالقلعة المنصورة، ثم شرع ابنه في بناء تربة له و مدرسة للشافعية بالقرب من مسجد القدم، لوصيته بذلك قديما، فلم يكمل بناؤها، و ذلك حين قدم ولده العزيز و كان محاصرا لأخيه الأفضل كما سيأتي بيانه، في سنة تسعين و خمسمائة، ثم اشترى له الأفضل دارا شمالي الكلاسة في زان ما زاده القاضي الفاضل في الكلاسة، فجعلها تربة، هطلت سحائب الرحمة عليها، و وصلت ألطاف الرأفة إليها. و كان نقله إليها في يوم عاشوراء سنة اثنتين و تسعين، و صلى عليه تحت النسر قاضى القضاة محمد بن على القرائبي ابن الزكي، عن إذن الأفضل، و دخل في لحده ولده الأفضل فدفنه بنفسه، و هو يومئذ سلطان الشام، و يقال إنه دفن معه سيفه الّذي كان يحضر به الجهاد، و ذلك عن أمر القاضي الفاضل، و تفاءلوا بأنه يكون معه يوم القيامة يتوكأ عليه، حتى يدخل الجنة إن شاء اللَّه. ثم عمل عزاؤه بالجامع الأموي ثلاثة أيام، يحضره الخاص و العام، و الرعية و الحكام، و قد عمل الشعراء فيه مراثي كثيرة من أحسنها ما عمله العماد الكاتب في آخر كتابه البرق السامي، و هي مائتا بيت و اثنان، و قد سردها الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الروضتين، منها قوله:

شمل الهدى و الملك عم شتاته* * * و الدهر ساء و أقلعت حسناته‏

أين الّذي مذ لم يزل مخشية* * * مرجوة رهباته و هباته؟

أين الّذي كانت له طاعاتنا* * * مبذولة و لربه طاعاته؟

باللَّه أين الناصر الملك الّذي* * * للَّه خالصة صفت نياته؟

أين الّذي ما زال سلطانا لنا* * * يرجى نداه و تتقى سطواته؟

4

أين الّذي شرف الزمان بفضله* * * و سمت على الفضلاء تشريفاته؟

أين الّذي عنت الفرنج لبأسه* * * ذلا، و منها أدركت ثاراته؟

أغلال أعناق العدا أسيافه* * * أطواق أجياد الورى مناته‏

و له:-

من للعلى من للذرى من للهدى* * * يحميه؟ من للبأس من للنائل؟

طلب البقاء لملكه في آجل* * * إذ لم يثق ببقاء ملك عاجل‏

بحر أعاد البر بحرا بره* * * و بسيفه فتحت بلاد الساحل‏

من كان أهل الحق في أيامه* * * و بعزه يردون أهل الباطل‏

و فتوحه و القدس من أبكارها* * * أبقت له فضلا بغير مساجل‏

ما كنت أستسقي لقبرك وابلا* * * و رأيت جودك مخجلا للوابل‏

فسقاك رضوان الآله لأننى* * * لا أرتضي سقيا الغمام الهاطل‏

ذكر تركته و شي‏ء من ترجمته‏

قال العماد و غيره: لم يترك في خزانته من الذهب سوى جرم واحد- أي دينار واحد- صوريا و ستة و ثلاثين درهما. و قال غيره: سبعة و أربعين درهما، و لم يترك دارا و لا عقارا و لا مزرعة و لا بستانا، و لا شيئا من أنواع الأملاك. هذا و له من الأولاد سبعة عشر ذكرا و ابنة واحدة، و توفى له في حياته غيرهم، و الذين تأخروا بعده ستة عشر ذكرا أكبرهم الملك الأفضل نور الدين على، ولد بمصر سنة خمس و ستين ليلة عيد الفطر، ثم العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان ولد بمصر أيضا في جمادى الأولى سنة سبع و ستين، ثم الظافر مظفر الدين أبو العباس الخضر، ولد بمصر في شعبان سنة ثمان و ستين، و هو شقيق الأفضل، ثم الظاهر غياث الدين أبو منصور غازى، ولد بمصر في نصف رمضان سنة ثمان و ستين، ثم العزيز فتح الدين أبو يعقوب إسحاق، ولد بدمشق في ربيع الأول سنة سبعين. ثم نجم الدين أبو الفتح مسعود، ولد بدمشق سنة إحدى و سبعين و هو شقيق العزيز، ثم الأغر شرف الدين أبو يوسف يعقوب، ولد بمصر سنة ثنتين و سبعين، و هو شقيق العزيز أيضا، ثم الزاهر مجير الدين أبو سليمان داود، ولد بمصر سنة ثلاث و سبعين و هو شقيق الظاهر، ثم أبو الفضل قطب الدين موسى، و هو شقيق الأفضل، ولد بمصر سنة ثلاث و سبعين أيضا، ثم لقب بالمظفر أيضا، ثم الأشرف معز الدين أبو عبد اللَّه محمد، ولد بالشام سنة خمس و سبعين، ثم المحسن ظهير الدين أبو العباس أحمد ولد بمصر سنة سبع و سبعين، و هو شقيق الّذي قبله، ثم المعظم فخر الدين أبو منصور توران شاه ولد بمصر في ربيع الأول سنة سبع و سبعين، و تأخرت وفاته إلى سنة ثمان و خمسين و ستمائة، ثم الجوال ركن الدين أبو سعيد أيوب ولد سنة ثمان و سبعين، و هو شقيق للمعز، ثم الغالب نصير

5

الدين أبو الفتح ملك شاه، ولد في رجب سنة ثمان و سبعين و هو شقيق المعظم، ثم المنصور أبو بكر أخو المعظم لأبويه، ولد بحران بعد وفاة السلطان، ثم عماد الدين شادى لأم ولد، و نصير الدين مروان لأم ولد أيضا. و أما البنت فهي مؤنسة خاتون تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر ابن أيوب (رحمهم اللَّه تعالى).

و إنما لم يخلف أموالا و لا أملاكا لجوده و كرمه و إحسانه إلى أمرائه و غيرهم، حتى إلى أعدائه، و قد تقدم من ذلك ما يكفى، و قد كان متقللا في ملبسه، و مأكله و مركبه، و كان لا يلبس إلا القطن و الكتان و الصوف، و لا يعرف أنه تخطي إلى مكروه، و لا سيما بعد أن أنعم اللَّه عليه بالملك، بل كان همه الأكبر و مقصده الأعظم نصرة الإسلام، و كسر أعدائه اللئام، و كان يعمل رأيه في ذلك وحده، و مع من يثق به ليلا و نهارا، و هذا مع ما لديه من الفضائل و الفواضل، و الفوائد الفرائد، في اللغة و الأدب و أيام الناس، حتى قيل إنه كان يحفظ الحماسة بتمامها، و كان مواظبا على الصلوات في أوقاتها في الجماعة، يقال إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل، حتى و لا في مرض موته، كان يدخل الامام فيصلي به، فكان يتجشم القيام مع ضعفه، و كان يفهم ما يقال بين يديه من البحث و المناظرة، و يشارك في ذلك مشاركة قريبة حسنة، و إن لم يكن بالعبارة المصطلح عليها، و كان قد جمع له القطب النيسابورىّ عقيدة فكان يحفظها و يحفظها من عقل من أولاده، و كان يحب سماع القرآن و الحديث و العلم، و يواظب على سماع الحديث، حتى أنه يسمع في بعض مصافه جزء و هو بين الصفين فكان يتبحبح بذلك و يقول: هذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثا، و كان ذلك بإشارة العماد الكاتب.

و كان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث، و كان كثير التعظيم لشرائع الدين. كان قد صحب ولده الظاهر و هو بحلب شاب يقال له الشهاب السهروردي، و كان يعرف الكيميا و شيئا من الشعبذة و الأبواب النيرنجيات، فافتتن به ولد السلطان الظاهر، و قربه و أحبه، و خالف فيه حملة الشرع، فكتب إليه أن يقتله لا محالة، فصلبه عن أمر والده و شهره، و يقال بل حبسه بين حيطين حتى مات كمدا، و ذلك في سنة ست و ثمانين و خمسمائة، و كان من أشجع الناس و أقواهم بدنا و قلبا، مع ما كان يعترى جسمه من الأمراض و الأسقام، و لا سيما في حصار عكا، فإنه كان مع كثرة جموعهم و أمدادهم لا يزيده ذلك إلا قوة و شجاعة، و قد بلغت جموعهم خمسمائة ألف مقاتل، و يقال ستمائة ألف، فقتل منهم مائة ألف مقاتل.

و لما انفصل الحرب و تسلموا عكا و قتلوا من كان بها من المسلمين و ساروا برمتهم إلى القدس جعل يسايرهم منزلة منزلة، و جيوشهم أضعاف أضعاف من معه، و مع هذا نصره اللَّه و خذلهم، و سبقهم إلى القدس فصانه و حماه منهم، و لم يزل بجيشه مقيما به يرهبهم و يرعبهم و يغلبهم و يسلبهم حتى تضرعوا إليه‏

6

و خضعوا لديه، و دخلوا عليه في الصلح، و أن تضع الحرب أوزارها بينهم و بينه، فأجابهم إلى ما سألوا على الوجه الّذي أراده، لا على ما يريدونه، و كان ذلك من جملة الرحمة التي رحم اللَّه بها المؤمنين، فإنه ما انقضت تلك السنون حتى ملك البلاد أخوه العادل فعز به المسلمون و ذل به الكافرون، و كان سخيا جبيا ضحوك الوجه كثير البشر، لا يتضجر من خير يفعله، شديد المصابرة على الخيرات و الطاعات، ف(رحمه اللَّه) [و قد ذكر الشيخ شهاب الدين أبو شامة طرفا صالحا من سيرته و أيامه، و عدله في سريرته و علانيته، و أحكامه.

فصل‏

[ (1)] و كان قد قسم البلاد بين أولاده، فالديار المصرية لولده العزيز عماد الدين أبى الفتح، و دمشق و ما حولها لولده الأفضل نور الدين على، و هو أكبر أولاده، و المملكة الحلبية لولده الظاهر غازى غياث الدين، و لأخيه العادل الكرك و الشوبك و بلاد جعبر و بلدان كثيرة قاطع الفرات، و حماه و معاملة أخرى معها للملك المنصور محمد بن تقى الدين عمر بن أخى السلطان، و حمص و الرحبة و غيرها لأسد الدين بن شيركوه بن ناصر الدين بن محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير، نجم الدين أخى أبيه نجم الدين أيوب. و اليمن بمعاقله و مخاليفه جميعه في قبضة السلطان ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين ابن أيوب، أخى السلطان صلاح الدين، و بعلبكّ و أعمالها للامجد بهرام شاه بن فروخ شاه، و بصرى و أعمالها للظافر بن الناصر. ثم شرعت الأمور بعد موت صلاح الدين تضطرب و تختلف في جميع هذه الممالك، حتى آل الأمر و استقرت الممالك و اجتمعت الكلمة على الملك العادل أبى بكر صلاح الدين، و صارت المملكة في أولاده كما سيأتي قريبا إن شاء اللَّه تعالى.

و فيها جدد الخليفة الناصر لدين اللَّه خزانة كتب المدرسة النظامية ببغداد، و نقل إليها ألوفا من الكتب الحسنة المثمنة و في المحرم منها جرت ببغداد كائنة غريبة و هي أن ابنة لرجل من التجار في الطحين عشقت غلام أبيها فلما علم أبوها بأمرها طرد الغلام من داره فواعدته البنت ذات ليلة أن يأتيها فجاء إليها مختفيا فتركته في بعض الدار، فلما جاء أبوها في أثناء الليل أمرته فنزل فقتله، و أمرته بقتل أمها و هي حبلى، و أعطته الجارية حليا بقيمة ألفى دينار، فأصبح أمره عند الشرطة فمسك و قتل قبحه اللَّه، و قد كان سيده من خيار الناس و أكثرهم صدقة و برا، و كان شابا وضي‏ء الوجه (رحمه اللَّه).

و فيها درس بالمدرسة الجديدة عند قبر معروف الكرخي الشيخ أبو على التويابى و حضر عنده القضاة و الأعيان، و عمل بها دعوة حافلة.

____________

[ (1)] بدل ما بين القوسين بياض بالنسخة المصرية.

7

و ممن توفى فيها من الأعيان.

السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ابن شاذى،

و قد تقدمت وفاته مبسوطة،

و الأمير بكتمر صاحب خلاط

قتل في هذه السنة، و كان من خيار الملوك و أشجعهم و أحسنهم سيرة (رحمه اللَّه).

و الأتابك عز الدين مسعود

ابن مودود بن زنكي، صاحب الموصل نحوا من ثلاث عشرة سنة، من خيار الملوك، كان بنسبه نور الدين الشهيد عمه، و دفن بتربته عند مدرسة أنشأها بالموصل أثابه اللَّه.

و جعفر بن محمد بن فطيرا

أبو الحسن أحد الكتاب بالعراق، كان ينسب إلى التشيع، و هذا كثير في أهل تلك البلاد لا أكثر اللَّه منهم، جاءه رجل ذات يوم فقال له رأيت البارحة أمير المؤمنين عليا في المنام، فقال لي: اذهب إلى ابن فطيرا فقل له يعطيك عشرة دنانير، فقال له ابن فطيرا. متى رأيته؟ قال:

أول الليل، فقال ابن فطيرا و أنا رأيته آخر الليل فقال لي: إذا جاءك رجل من صفته كذا و كذا فطلب منك شيئا فلا تعطه، فأدبر الرجل موليا فاستدعاه و وهبه شيئا، و من شعره فيما أورده ابن الساعي و قد تقدم ذلك لغيره:

و لما سبرت الناس أطلب منهم* * * أخا ثقة عند اعتراض الشدائد

و فكرت في يومى سروري و شدتي* * * و ناديت في الأحياء هل من مساعد؟

فلم أر فيما ساءني غير شامت* * * و لم أر فيما سرني غير حاسد

يحيى بن سعيد بن غازى‏

أبو العباس البصري النجراني صاحب المقامات، كان شاعرا أديبا فاضلا بليغا، له اليد الطولى في اللغة و النظم، و من شعره قوله:

غناء خود ينساب لطفا* * * بلا عناء في كل أذن‏

مارده قط باب سمع* * * و لا أتى زائرا باذن‏

السيدة زبيدة

بنت الامام المقتفى لأمر اللَّه، أخت المستنجد و عمة المستضي‏ء، كانت قد عمرت طويلا و لها صدقات كثيرة دارّة، و قد تزوجها في وقت السلطان مسعود على صداق مائة ألف دينار، فتوفى قبل أن يدخل بها، و قد كانت كارهة لذلك، فحصل مقصودها و طلبتها.

8

الشيخة الصالحة فاطمة خاتون‏

بنت محمد بن الحسن العميد، كانت عابدة زاهدة، عمرت مائة سنة و ست سنين، كان قد تزوجها في وقت أمير الجيوش مطر و هي بكر، فبقيت عنده إلى أن توفي و لم تتزوج بعده، بل اشتغلت بذكر اللَّه عز و جل و العبادة، (رحمها اللَّه).

و فيها أنفذ الخليفة الناصر العباسي إلى الشيخ أبى الفرج بن الجوزي يطلب منه أن يزيد على أبيات عدي بن زيد المشهورة ما يناسبها من الشعر، و لو بلغ ذلك عشر مجلدات، و هي هذه الأبيات:

أيها الشامت المعير بالدهر* * * أ أنت المبرأ الموفور؟

أم لديك العهد الوثيق من* * * الأيام، بل أنت جاهل مغرور

من رأيت المنون خلدت أم من* * * ذا عليه من أن يضام خفير

أين كسرى كسر الملوك أبو* * * ساسان أم أين قبله سابور؟

و بنوا الأصفر الملوك ملوك الروم* * * لم يبق منهم مذكور

و أخو الحضر إذ بناه و إذ* * * دجلة تجبى إليه و الخابور

شاده مرمرا و جلله كلسا* * * فللطير في ذراه وكور

لم تهبه ريب المنون فزال* * * الملك عنه فبابه مهجور

و تذكر رب الخورنق إذ* * * أشرف يوما و للهندى تكفير

سره حاله و كثرة ما* * * يملك و البحر معرضا و السدير

فارعوى قلبه و قال و ما* * * غبطة حي إلى الممات يصير

ثم بعد النعيم و الملك و النهى* * * و الأمر وارتهم هناك قبور

ثم أضحوا كأنهم أورق جفت* * * فألوت بها الصبا و الدبور

غير أن الأيام تختص بالمرء* * * و فيها لعمري العظات و التفكير

ثم دخلت سنة تسعين و خمسمائة

لما استقر الملك الأفضل بن صلاح الدين مكان أبيه بدمشق، بعث بهدايا سنية إلى باب الخليفة الناصر، من ذلك سلاح أبيه و حصانه الّذي كان يحضر عليه الغزوات، و منها صليب الصلبوت الّذي استلبه أبوه من الفرنج يوم حطين، و فيه من الذهب ما ينيف على عشرين رطلا مرصعا بالجواهر النفيسة، و أربع جواري من بنات ملوك الفرنج، و أنشأ له العماد الكاتب كتابا حافلا يذكر فيه التعزية بأبيه، و السؤال من الخليفة أن يكون في الملك من بعده، فأجيب إلى ذلك.

و لما كان شهر جمادى الأولى قدم العزيز صاحب مصر إلى دمشق ليأخذها من أخيه الأفضل‏

9

فخيم على الكسوة يوم السبت سادس جمادى، و حاصر البلد، فمانعه أخوه و دافعه عنها، فقطع الأنهار و نهبت الثمار، و اشتد الحال، و لم يزل الأمر كذلك حتى قدم العادل عمهما فأصلح بينهما، ورد الأمر للألفة بعد اليمين على أن يكون للعزيز القدس و ما جاور فلسطين من ناحيته أيضا، و على أن يكون جبلة و اللاذقية للظاهر صاحب حلب، و أن يكون لعمهما العادل أقطاعه الأول ببلاد مصر مضافا إلى ما بيده من الشام و الجزيرة كحران و الرها و جعبر و ما جاور ذلك، فاتفقوا على ذلك، و تزوج العزيز بابنة عمه العادل، و مرض ثم عوفي و هو مخيم بمرج الصفر، و خرجت الملوك لتهنئته بالعافية و التزويج و الصلح، ثم كر راجعا إلى مصر لطول شوقه إلى أهله و أولاده، و كان الأفضل بعد موت أبيه قد أساء التدبير فأبعد أمراء أبيه و خواصه، و قرب الأجانب و أقبل على شرب المسكر و اللهو و اللعب، و استحوذ عليه وزيره ضياء الدين ابن الأثير الجزري، و هو الّذي كان يحدوه الى ذلك، فتلف و أتلفه، و أضل و أضله، و زالت النعمة عنهما كما سيأتي.

و فيها كانت وقعة عظيمة بين شهاب الدين ملك غزنة و بين كفار الهند، أقبلوا إليه في ألف ألف مقاتل، و معهم سبعمائة فيل منها فيل أبيض لم ير مثله، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا لم ير مثله، فهزمهم شهاب الدين عند نهر عظيم يقال له الملاحون، و قتل ملكهم و استحوذ على حواصله و حواصل بلاده و غنم فيلتهم و دخل بلد الملك الكبرى، فحمل من خزانته ذهبا و غيره على ألف و أربعمائة جمل، ثم عاد إلى بلاده سالما منصورا.

و فيها ملك السلطان خوارزم شاه تكش- و يقال له ابن الأصباعى- بلاد الري و غيرها، و اصطلح مع السلطان طغرلبك السلجوقي و كان قد تسلم بلاد الري و سائر مملكة أخيه سلطان شاه و خزائنه، و عظم شأنه، ثم التقى هو و السلطان طغرلبك في ربيع الأول من هذه السنة. فقتل السلطان طغرلبك، و أرسل رأسه إلى الخليفة، فعلق على باب النوبة عدة أيام، و أرسل الخليفة الخلع و التقاليد إلى السلطان خوارزم شاه، و ملك همدان و غيرها من البلاد المتسعة.

و فيها نقم الخليفة على الشيخ أبى الفرج بن الجوزي و غضب عليه، و نفاه إلى واسط، فمكث بها خمسة أيام لم يأكل طعاما، و أقام بها خمسة أعوام يخدم نفسه و يستقى لنفسه الماء، و كان شيخا كبيرا قد بلغ ثمانين سنة، و كان يتلو في كل يوم و ليلة ختمة. قال: و لم أقرأ يوسف لوجدى على ولدى يوسف، إلى أن فرج اللَّه كما سيأتي إن شاء اللَّه.

و فيها توفي من الأعيان‏

أحمد بن إسماعيل بن يوسف‏

أبو الخير القزويني الشافعيّ المفسر، قدم بغداد و وعظ بالنظاميّة، و كان يذهب إلى قول الأشعري في الأصول، و جلس في يوم عاشوراء فقيل له: العن يزيد بن معاوية، فقال: ذاك إمام‏

10

مجتهد، فرماه الناس بالآجر فاختفى ثم هرب إلى قزوين.

ابن الشاطبي ناظم الشاطبية

أبو القاسم بن قسيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعينيّ الشاطبي الضرير، مصنف الشاطبية في القراءات السبع، فلم يسبق إليها و لا يلحق فيها، و فيها من الرموز كنوز لا يهتدى إليها إلا كل ناقد بصير، هذا مع أنه ضرير ولد سنة ثمان و ثلاثين و خمسمائة، و بلده شاطبة- قرية شرقى الأندلس- كان فقيرا، و قد أريد أن يلي خطابة بلده فامتنع من ذلك لأجل مبالغة الخطباء على المنابر في وصف الملوك، خرج الشاطبي إلى الحج فقدم الإسكندرية سنة ثنتين و سبعين و خمسمائة، و سمع على السلفي و ولاه القاضي الفاضل مشيخة الأقراء بمدرسته، و زار القدس و صام به شهر رمضان، ثم رجع إلى القاهرة، فكانت وفاته بها في جمادى الآخرة من هذه السنة، و دفن بالقرافة بالقرب من التربة الفاضلية، و كان دينا خاشعا ناسكا كثير الوقار، لا يتكلم فيما لا يعنيه، و كان يتمثل كثيرا بهذه الأبيات، و هي لغز في النعش، و هي لغيره:

أ تعرف شيئا في السماء يطير* * * إذا سار هاج الناس حيث يسير

فتلقاه مركوبا و تلقاه راكبا* * * و كل أمير يعتليه أسير

يحث على التقوى و يكره قربه* * * و تنفر منه النفس و هو نذير

و لم يستزر عن رغبة في زيارة* * * و لكن على رغم المزور يزور

ثم دخلت سنة إحدى و تسعين و خمسمائة

فيها كانت وقعة الزلاقة ببلاد الأندلس شمالي قرطبة، بمرج الحديد، كانت وقعة عظيمة نصر اللَّه فيها الإسلام و خذل فيها عبدة الصلبان، و ذلك أن القيش ملك الفرنج ببلاد الأندلس، و مقر ملكه بمدينة طليطلة، كتب إلى الأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك الغرب يستنخيه و يستدعيه و يستحثه إليه، ليكون من بعض من يخضع له في مثالبه و في قتاله، في كلام طويل فيه تأنيب و تهديد و وعيد شديد، فكتب السلطان يعقوب بن يوسف في رأس كتابه فوق خطه‏ (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَ هُمْ صاغِرُونَ) ثم نهض من فوره في جنوده و عساكره، حتى قطع الزقاق إلى الأندلس، فالتقوا في المحل المذكور، فكانت الدائرة أولا على المسلمين، فقتل منهم عشرون ألفا، ثم كانت أخيرا على الكافرين فهزمهم اللَّه و كسرهم و خذلهم أقبح كسرة، و شر هزيمة و أشنعها، فقتل منهم مائة ألف و ثلاثة و أربعون ألفا، و أسر منهم ثلاثة عشر ألفا، و غنم المسلمون منهم شيئا كثيرا، من ذلك مائة ألف خيمة و ثلاثة و أربعون خيمة، و من الخيل ستة و أربعون ألف فرس، و من البغال مائة ألف بغل، و من الحمر مثلها، و من السلاح التام سبعون ألفا،

11

و من العدد شي‏ء كثير، و ملك عليهم من حصونهم شيئا كثيرا، و حاصر مدينتهم طليطلة مدة، ثم لم يفتحها فانفصل عنها راجعا إلى بلاده. و لما حصل للقيش ما حصل حلق لحيته و رأسه و نكس صليبه و ركب حمارا و حلف لا يركب فرسا و لا يتلذذ بطعام و لا ينام مع امرأة حتى تنصره النصرانية، ثم طاف على ملوك الفرنج فجمع من الجنود ما لا يعلمه إلا اللَّه عز و جل، فاستعد له السلطان يعقوب فالتقيا فاقتتلا قتالا عظيما لم يسمع بمثله، فانهزم الفرنج أقبح من هزيمتهم الأولى، و غنموا منهم نظير ما تقدم أو أكثر، و استحوذ السلطان على كثير من معاملهم و قلاعهم، و للَّه الحمد و المنة، حتى قيل إنه بيع الأسير بدرهم، و الحصان بخمسة دراهم، و الخيمة بدرهم، و السيف بدون ذلك ثم قسم السلطان هذه الغنائم على الوجه الشرعي، فاستغنى المجاهدون إلى الأبد، ثم طلبت الفرنج من السلطان الأمان فهادنهم على وضع الحرب خمس سنين، و إنما حمله على ذلك أن رجلا يقال له على بن إسحاق التوزي الّذي يقال له المكلثم، ظهر ببلاد إفريقية فأحدث أمورا فظيعة في غيبة السلطان و اشتغاله بقتال الفرنج مدة ثلاث سنين، فأحدث هذا المارق النوزى بالبادية حوادث، و عاث في الأرض فسادا، و قتل خلقا كثيرا، و تملك بلادا.

و في هذه السنة و التي قبلها استحوذ جيش الخليفة على بلاد الري و أصبهان و همدان و خوزستان و غيرها من البلاد، و قوى جانب الخلافة على الملوك و الممالك. و فيها خرج العزيز من مصر قاصدا دمشق ليأخذها من يد أخيه الأفضل، و كان الأفضل قد تاب و أناب و أقلع عما كان فيه من الشراب و اللهو و اللعب، و أقبل على الصيام و الصلاة، و شرع بكتابة مصحف بيده، و حسنت طريقته، غير أن وزيره الضيا الجزري يفسد عليه دولته، و يكدر عليه صفوته، فلما بلغ الأفضل إقبال أخيه نحوه سار سريعا إلى عمه العادل و هو بجعبر فاستنجده فسار معه و سبقه إلى دمشق، و راح الأفضل أيضا إلى أخيه الظاهر بحلب، فسارا جميعا نحو دمشق، فلما سمع العزيز بذلك و قد اقترب من دمشق، كر راجعا سريعا إلى مصر، و ركب وراءه العادل و الأفضل ليأخذا منه مصر، و قد اتفقا على أن يكون ثلث مصر للعادل و ثلثاها للأفضل، ثم بدا للعادل في ذلك فأرسل للعزيز يثبته، و أقبل على الأفضل يثبطه، و أقاما على بلبيس أياما حتى خرج إليهما القاضي الفاضل من جهة العزيز، فوقع الصلح على أن يرجع القدس و معاملتها للأفضل، و يستقر العادل مقيما بمصر على إقطاعه القديم، فأقام العادل بها طمعا فيها و رجع العادل إلى دمشق بعد ما خرج العزيز لتوديعه، و هي هدنة على قذا، و صلح على دخن.

و فيها توفي من الأعيان.

على بن حسان بن سافر

أبو الحسن الكاتب البغدادي، كان أديبا شاعرا. من شعره قوله:

نفى رقادي و مضى* * * برق بسلع و مضا

*

لاح كما سلت يد* * * الأسود عضبا أبيضا

12

كأنه الأشهب في* * * النقع إذا ما ركضا

*

يبدو كما تختلف الريح* * * على جمر الغضا

فتحسب الريح أبد* * * انظر أو غمضا [ (1)]

*

أو شعلة النار علا* * * لهيبها و انخفضا

آه له من بارق* * * ضاء على ذات الأضا

*

أذكرنى عهدا مضى* * * على الغوير و انقضى‏

فقال لي قلبي أ* * * توصي حاجة و أعرضا

*

يطلب من أمرضه* * * فديت ذاك الممرضا

يا غرض القلب لقد* * * غادرت قلبي غرضا

*

لأسهم كأنما* * * يرسلها صرف القضا

فبت لا أرتاب في* * * أن رقادي قد قضى‏

*

حتى قفا الليل و كاد* * * الليل أن ينقرضا

و أقبل الصبح لأطراف* * * الدجا مبيضا

*

و سل في الشرق على الغرب* * * ضياء و انقضى‏

ثم دخلت سنة ثنتين و تسعين و خمسمائة

في رجب منها أقبل العزيز من مصر و معه عمه العادل في عساكر، و دخلا دمشق قهرا، و أخرجا منها الأفضل و وزيره الّذي أساء تدبيره، و صلى العزيز عند تربة والده صلاح، و خطب له بدمشق، و دخل القلعة المنصورة في يوم و جلس في دار العدل للحكم و الفصل، و كل هذا و أخوه الأفضل حاضر عنده في الخدمة، و أمر القاضي محيي الدين بن الزكي بتأسيس المدرسة العزيزية إلى جانب تربة أبيه و كانت دارا للأمير عز الدين شامة، ثم استناب على دمشق عمه الملك العادل و رجع إلى مصر يوم الاثنين تاسع شوال، و السكة و الخطبة بدمشق له، و صولح الأفضل على صرخد، و هرب وزيره ابن الأثير الجزري إلى جزيرته، و قد أتلف نفسه و ملكه، و ملكه بجريرته، و انتقل الأفضل إلى صرخد بأهله و أولاده، و أخيه قطب الدين.

و في هذه السنة هبت ريح شديدة سوداء مدلهمة بأرض العراق و معها رمل أحمر، حتى احتاج الناس إلى السرج بالنهار. و فيها ولى قوام الدين أبو طالب يحيى بن سعد بن زيادة كتاب الإنشاء ببغداد، و كان بليغا، و ليس هو كالفاضل. و فيها درس مجير الدين أبو القاسم محمود بن المبارك بالنظاميّة، و كان فاضلا مناظرا.

و فيها قتل رئيس الشافعية بأصبهان محمود بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجنديّ قتله ملك الدين سنقر الطويل، و كان ذلك سبب زوال ملك أصبهان عن الديوان.

و فيها مات‏

الوزير وزير الخلافة.

مؤيد الدين أبو الفضل‏

محمد بن على بن القصاب، و كان أبوه يبيع اللحم في بعض أسواق بغداد. فتقدم ابنه و ساد أهل زمانه. توفى بهمدان و قد أعاد رساتيق كثيرة من بلاد العراق و خراسان و غيرها، إلى ديوان الخلافة، و كان ناهضا ذا همة و له صرامة و شعر جيد. و فيها توفى.

____________

[ (1)] كذا بالأصل، و البيت مضطرب.

13

الفخر محمود بن على‏

التوقاني الشافعيّ، عائدا من الحج. و الشاعر:

أبو الغنائم محمد بن على‏

ابن المعلم الهرثى من قرى واسط، عن إحدى و تسعين سنة، و كان شاعرا فصيحا، و كان ابن الجوزي في مجالسه يستشهد بشي‏ء من لطائف أشعاره، و قد أورد ابن الساعي قطعة جيدة من شعره الحسن المليح. و فيها توفى.

الفقيه أبو الحسن على بن سعيد

ابن الحسن البغدادي المعروف بابن العريف، و يلقب بالبيع الفاسد، كان حنبليا ثم اشتغل شافعيا على أبى القاسم بن فضلان، و هو الّذي لقبه بذلك لكثرة تكراره على هذه المسألة بين الشافعية و الحنفية، و يقال إنه صار بعد هذا كله إلى مذهب الإمامية فاللَّه أعلم. و فيها توفى‏

الشيخ أبو شجاع‏

محمد بن على بن مغيث بن الدهان الفرضيّ الحاسب المؤرخ البغدادي، قدم دمشق و امتدح الكندي أبو اليمن زيد بن الحسن فقال:

يا زيد زادك ربى من مواهبه* * * نعما يقصر عن إدراكها الأمل‏

لا بدل اللَّه حالا قد حباك بها* * * ما دار بين النحاة الحال و البدل‏

النحو أنت أحق العالمين به* * * أ ليس باسمك فيه يضرب المثل‏

ثم دخلت سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة

فيها ورد كتاب من القاضي الفاضل إلى ابن الزكي يخبره فيه «أن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة، و بروق خاطفة، و رياح عاصفة، فقوى الجو بها و اشتد هبوبها قد أثبت لها أعنة مطلقات، و ارتفعت لها صفقات، فرجفت لها الجدران و اصطفقت، و تلاقت على بعدها و اعتنقت، و ثار السماء و الأرض عجاجا، حتى قيل إن هذه على هذه قد انطبقت، و لا يحسب إلا أن جهنم قد سال منها واد، و عدا منها عاد، و زاد عصف الريح إلى أن أطفأ سرج النجوم، و مزقت أديم السماء، و محت ما فوقه من الرقوم، فكنا كما قال تعالى‏ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ‏ و يردون أيديهم على أعينهم من البوارق، لا عاصم لخطف الأبصار، و لا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار. و فر الناس نساء و رجالا و أطفالا، و نفروا من دورهم خفافا و ثقالا، لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا، فاعتصموا بالمساجد الجامعة، و أذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة، بوجوه عانية، و نفوس عن الأهل و المال سالية، ينظرون من طرف خفي، و يتوقعون أي خطب جلى،

14

قد انقطعت من الحياة علقهم، و عميت عن النجاة طرقهم، و وقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون، و قاموا على صلاتهم و ودوا لو كانوا من الذين عليها دائمون، إلى أن أذن بالركود، و أسعف الهاجدون بالهجود، فأصبح كل مسلم على رفيقه، و يهنيه بسلامة طريقه، و يرى أنه قد بعث بعد النفخة، و أفاق بعد الصيحة و الصرخة، و أن اللَّه قد رد له الكرة، و أحياه بعد أن كاد يأخذه على غرة، و وردت الأخبار بأنها قد كسرت المراكب في البحار، و الأشجار في القفار، و أتلفت خلقا كثيرا من السفار، و منهم من فر فلا ينفعه الفرار. إلى أن قال «و لا يحسب المجلس أنى أرسلت القلم محرفا و العلم مجوفا، فالأمر أعظم، و لكن اللَّه سلم، و نرجو أن اللَّه قد أيقظنا بما به وعظنا، و نبهنا بما فيه ولهنا، فما من عباده إلا من رأى القيامة عيانا، و لم يلتمس عليها من بعد ذلك برهانا، إلا أهل بلدنا فما قص الأولون مثلها في المثلات، و لا سبقت لها سابقة في المعضلات، و الحمد للَّه الّذي من فضله قد جعلنا نخبر عنها، و لا يخبر عنا، و نسأل اللَّه أن يصرف عنا عارض الحرص و الغرور، و لا يجعلنا من أهل الهلاك و الثبور».

و فيها كتب القاضي الفاضل من مصر إلى الملك العادل بدمشق يحثه على قتال الفرنج، و يشكره على ما هو بصدده من محاربتهم، و حفظ حوزة الإسلام، فمن ذلك قوله في بعض تلك الكتب «هذه الأوقات التي أنتم فيها عرائس الأعمار، و هذه النفقات التي تجرى على أيديكم مهور الحور في دار القرار، و ما أسعد من أودع يد اللَّه ما في يديه، فتلك نعم اللَّه عليه، و توفيقه الّذي ما كل من طلبه وصل إليه، و سواد العجاج في هذه المواقف بباطن ما سودته الذنوب من الصحائف، فما أسعد تلك الوقفات و ما أعود بالطمأنينة تلك الرجعات». و كتب أيضا «أدام اللَّه ذلك الاسم تاجا على مفارق المنابر و الطروس، و حياه للدنيا و ما فيها من الأجساد و النفوس، و عرف المملوك من الأمر الّذي اقتضته المشاهدة، و جرت به العافية في سرور، و لا يزيد على سيبه الحال بقوله:

أ لم تر أن المرء تدوى يمينه* * * فيقطعها عمدا ليسلم سائره‏

و لو كان فيها تدبير لكان مولانا سبق إليه، و من قلم من الإصبع ظفرا فقد جلب إلى الجسد بفعله نفعا، و دفع عنه ضررا، و تجشم المكروه ليس بضائر إذا كان ما جلبه سببا إلى المحمود، و آخر سنوه أول كل غزوة، فلا يسأم مولانا نية الرباط و فعلها، و تجشم الكلف و حملها، فهو إذا صرف وجهه إلى وجه واحد و هو وجه اللَّه، صرف الوجوه إليه كلها وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏.

و في هذه السنة انقضت مدة الهدنة التي كان عقدها الملك صلاح الدين للفرنج فأقبلوا بحدهم و حديدهم، فتلقاهم الملك العادل بمرج عكا فكسرهم و غنمهم، و فتح يافا عنوة و للَّه الحمد و المنة. و قد كانوا كتبوا إلى ملك الألمان يستنهضونه لفتح بيت المقدس فقدر اللَّه هلاكه سريعا، و أخذت الفرنج‏

15

في هذه السنة بيروت من نائبها عز الدين شامة من غير قتال و لا نزال، و لهذا قال بعض الشعراء في الأمير شامة

سلم الحصن ما عليك ملامه* * * ما يلام الّذي يروم السلامة

فتعطى الحصون من غير حرب* * * سنة سنها ببيروت شامة

و مات فيها ملك الفرنج كندهرى، سقط من شاهق فمات، فبقيت الفرنج كالغنم بلا راعى، حتى ملكوا عليهم صاحب قبرس و زوجوه بالملكة امرأة كندهرى، و جرت خطوب كثيرة بينهم و بين العادل، ففي كلها يستظهر عليهم و يكسرهم، و يقتل خلقا من مقاتلتهم، و لم يزالوا كذلك معه حتى طلبوا الصلح و المهادنة، فعاقدهم على ذلك في السنة الآتية.

و فيها توفى ملك اليمن.

سيف الإسلام طغتكين‏

أخو السلطان صلاح الدين، و كان قد جمع أموالا جزيلة جدا، و كان يسبك الذهب مثل الطواحين و يدخره كذلك، و قام في الملك بعده ولده إسماعيل، و كان أهوج قليل التدبير، فحمله جهله على أن ادعى أنه قرشي أموى، و تلقب بالهادي، فكتب إليه عمه العادل ينهاه عن ذلك و يتهدده بسبب ذلك، فلم يقبل منه و لا التفت إليه، بل تمادى و أساء التدبير إلى الأمراء و الرعية، فقتل و تولى بعده مملوك من مماليك أبيه. و فيها توفى:

الأمير الكبير أبو الهيجاء السمين الكردي‏

كان من أكابر أمراء صلاح الدين، و هو الّذي كان نائبا على عكا، و خرج منها قبل أخذ الافرنج، ثم دخلها بعد المشطوب، فأخذت منه، و استنابه صلاح الدين على القدس، ثم لما أخذها العزيز عزل عنها فطلب إلى بغداد فأكرم إكراما زائدا، و أرسله الخليفة مقدما على العساكر إلى همدان، فمات هناك. و فيها توفى.

قاضى بغداد أبو طالب على بن على بن هبة اللَّه بن محمد

البخاري، سمع الحديث على أبى الوقت و غيره، و تفقه على أبى القاسم بن فضلان، و تولى نيابة الحكم ببغداد، ثم استقل بالمنصب و أضيف إليه في وقت نيابة الوزارة، ثم عزل عن القضاء ثم أعيد و مات و هو حاكم، نسأل اللَّه العافية، و كان فاضلا بارعا من بيت فقه و عدالة و له شعر:

تنح عن القبيح و لا ترده* * * و من أوليته حسنا فزده‏

كفا بك من عدوك كل كيد* * * إذا كاد العدو و لم تكده‏

و فيها توفى‏

السيد الشريف نقيب الطالبيين ببغداد

أبو محمد الحسن بن على بن حمزة بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن على بن يحيى بن الحسين بن يزيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب العلويّ الحسيني المعروف بابن الأقساسي،

16

الكوفي مولدا و منشأ، كان شاعرا مطبقا، امتدح الخلفاء و الوزراء، و هو من بيت مشهور بالأدب و الرئاسة و المروءة، قدم بغداد فامتدح المقتفى و المستنجد و ابنه المستضي‏ء و ابنه الناصر، فولاه النقابة كان شيخا مهيبا، جاوز الثمانين، و قد أورد له ابن الساعي قصائد كثيرة منها:

اصبر على كيد الزمان* * * فما يدوم على طريقة

سبق القضاء فكن به* * * راض و لا تطلب حقيقة

كم قد تغلب مرة* * * و أراك من سعة و ضيقه‏

ما زال في أولاده* * * يجرى على هذي الطريقة

و فيها توفيت‏

الست عذراء بنت شاهنشاه‏

ابن أيوب، و دفنت بمدرستها داخل باب النصر، و الست خاتون والدة الملك العادل، و دفنت بدارها بدمشق المجاورة لدار أسد الدين شيركوه.

ثم دخلت سنة أربع و تسعين و خمسمائة

فيها جمعت الفرنج جموعها و أقبلوا فحاصروا تينين، فاستدعى العادل بنى أخيه لقتالهم، فجاءه العزيز من مصر، و الأفضل من صرخند، فأقلعت الفرنج عن الحصن و بلغهم موت ملك الألمان فطلبوا من العادل الهدنة و الأمان، فهادنهم و رجعت الملوك إلى أماكنها، و قد عظم المعظم عيسى بن العادل في هذه المرة، و استنابه أبوه على دمشق، و سار إلى ملكه بالجزيرة، فأحسن فيهم السيرة، و كان قد توفى في هذه السنة السلطان صاحب سنجار و غيرها من المدائن الكبار، و هو عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي الأتابكي، كان من خيار الملوك و أحسنهم شكلا و سيرة، و أجودهم طوية و سريرة، غير أنه كان يبخل، و كان شديد المحبة للعلماء، و لا سيما الحنفية، و قد ابتنى لهم مدرسة بسنجار، و شرط لهم طعاما يطبخ لكل واحد منهم في كل يوم، و هذا نظر حسن، و الفقيه أولى بهذه الحسنة من الفقير، لاشتغال الفقيه بتكراره و مطالعته عن الفكر فيما يقيته، فعدى على أولاده ابن عمه صاحب الموصل، فأخذ الملك منهم، فاستغاث بنوه بالملك العادل، فرد فيهم الملك و درأ عنهم الضيم، و استقرت المملكة لولده قطب الدين محمد، ثم سار الملك إلى ماردين فحاصرها في شهر رمضان، فاستولى على ريفها و معاملتها، و أعجزته قلعتها، فطاف عليها و مشى، و ما ظن أحد أنه تملكها، لأن ذلك لم يكن مثبوتا و لا مقدارا.

و فيها ملكت الخزر مدينة بلخ و كسروا الخطا و قهروهم، و أرسل الخليفة إليهم أن يمنعوا خوارزم شاه من دخول العراق، فإنه كان يروم أن يخطب له ببغداد. و فيها حاصر خوارزم شاه مدينة بخارى ففتحها بعد مدة، و قد كانت امتنعت عليه دهرا و نصرهم الخطا، فقهرهم جميعا و أخذها عنوة، و عفا

17

عن أهلها و صفح، و قد كانوا ألبسوا كلبا أعور قباء و سموه خوارزم شاه، و رموه في المنجيق إلى الخوارزمية، و قالوا هذا مالكم، و كان خوارزم شاه أعور، فلما قدر عليهم عفا عنهم، جزاه اللَّه خيرا.

و فيها توفى من الأعيان.

العوام بن زيادة

كاتب الإنشاء بباب الخلافة، و هو أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة اللَّه بن على بن زيادة، انتهت إليه رياسة الرسائل و الإنشاء و البلاغة و الفصاحة في زمانه بالعراق، و له علوم كثيرة غير ذلك من الفقه على مذهب الشافعيّ، أخذه عن ابن فضلان، و له معرفة جيدة بالأصلين الحساب و اللغة، و له شعر جيد و قد ولى عدة مناصب كان مشكورا في جميعها، و من مستجاد شعره قوله:

لا تحقرن عدوا تزدريه فكم* * * قد أتعس الدهر جد الجد باللعب‏

فهذه الشمس يعروها الكسوف لها* * * على جلالتها بالرأس و الذنب‏

و له:

باضطراب الزمان ترتفع الأنذال* * * فيه حتى يعم البلاء

و كذا الماء راكد فإذا* * * حرك ثارت من قعره الأقذاء

و له أيضا:

قد سلوت الدنيا و لم يسلها* * * من علقت في آماله و الأراجى‏

فإذا ما صرفت وجهي عنها* * * قذفتني في بحرها العجاج‏

يستضيئون بى و أهلك وحدي* * * فكأني ذبالة في سراج‏

توفى في ذي الحجة و له ثنتان و سبعون سنة، و حضر جنازته خلق كثير، و دفن عند موسى بن جعفر.

القاضي أبو الحسن على بن رجاء بن زهير

ابن على البطائحي، قدم بغداد فتفقه بها و سمع الحديث و أقام برحبة مالك بن طوق مدة يشتغل على أبى عبد اللَّه بن النبيه الفرضيّ، ثم ولى قضاء العراق مدة، و كان أديبا، و قد سمع من شيخه أبى عبد اللَّه بن النبيه ينشد لنفسه معارضا للحريرى في بيتيه اللذين زعم أنهما لا يعزوان ثالثا لهما، و هما قوله‏

سم سمة يحمد آثارها* * * و اشكر لمن أعطا و لو سمسمة

و المكر مهما استطعت لا تأته* * * لتقتنى السؤدد و المكرمة

فقال ابن النبيه:

ما الأمة الوكساء بين الورى* * * أحسن من حر أتى ملامه‏

فمه إذا استجديت عن قول لا* * * فالحر لا يملأ منها فمه‏

الأمير عز الدين حرديل‏

كان من أكابر الأمراء في أيام نور الدين، و كان ممن شرك في قتل شاور، و حظي عند صلاح الدين، و قد استنابه على القدس حين افتتحها، و كان يستند به للمهمات الكبار فيسدها بنفسه‏

18

و شجاعته، و لما ولى الأفضل عزله عن القدس فترك بلاد الشام و انتقل إلى الموصل، فمات بها في هذه السنة.

ثم دخلت سنة خمس و تسعين و خمسمائة

«فيها كانت وفاة العزيز صاحب مصر»

و ذلك أنه خرج إلى الصيد فكانت ليلة الأحد العشرين من المحرم، ساق خلف ذئب فكبا به فرسه فسقط عنه فمات بعد أيام، و دفن بداره، ثم حول إلى عند تربة الشافعيّ، و له سبع أو ثمان و عشرون سنة، و يقال: إنه كان قد عزم في هذه السنة على إخراج الحنابلة من بلده، و يكتب إلى بقية إخوته بإخراجهم من البلاد، و شاع ذلك عنه و ذاع، و سمع ذلك منه و صرح به، و كل ذلك من معلميه و خلطائه و عشرائه من الجهمية، و قلة علمه بالحديث، فلما وقع منه هذا و نوى هذه النية القبيحة الفاسدة أهلكه اللَّه و دمره سريعا، و عظم قدر الحنابلة بين الخلق بمصر و الشام، عند الخاص و العام.

و قيل: إن بعض صالحيهم دعا عليه، فما هو إلا أن خرج إلى الصيد فكان هلاكه سريعا، و كتب الفاضل كتاب التعزية بالعزيز لعمه العادل، و هو محاصر ماردين و معه العساكر، و ولده محمد الكامل، و هو نائبة على بلاد الجزيرة المقاربة لبلاد الحيرة، و صورة الكتاب «أدام اللَّه سلطان مولانا الملك العادل، و بارك في عمره و أعلا أمره بأمره، و أعز نصر الإسلام بنصره، و فدت الأنفس نفسه الكريمة و أصغر اللَّه العظائم بنعمه فيه العظيمة، و أحياه اللَّه حياة طيبة هو و الإسلام في مواقيت الفتوح الجسيمة و ينقلب عنها بالأمور المسلمة و العواقب السليمة، و لا نقص له رجالا و لا أعدمه نفسا و لا ولدا، و لا قصر له ذيلا و لا يدا، و لا أسخن له عينا و لا كبدا، و لا كدر له خاطرا و لا موردا، و لما قدر اللَّه ما قدر من موت الملك العزيز كانت حياته مكدرة عليه منغصة مهملة، فلما حضر أجله كانت بديهة المصاب عظيمة، و طالعة المكروه أليمة، و إذا محاسن الوجه بليت تعفى الثرى عن وجهه الحسن، و كانت مدة مرضه بعد عوده من الفيوم أسبوعين، و كانت في الساعة السابعة من ليلة الأحد و العشرين من المحرم، و المملوك في حال تسطيرها مجموع بين مرض القلب و الجسد، و وجع أطراف و علة كبد، و قد فجع بهذا المولى و العهد بوالده غير بعيد، و الأسى عليه في كل يوم جديد». و لما توفى العزيز خلف من الولد عشرة ذكور، فعمد أمراؤه فملكوا عليهم ولده محمدا، و لقبوه بالمنصور، و جمهور الأمراء في الباطن مائلون إلى تمليك العادل، و لكنهم يستبعدون مكانه، فأرسلوا إلى الأفضل و هو بصرخد فأحضروه على البريد سريعا، فلما حضر عندهم منع رفدهم و وجدوا الكلمة مختلفة عليه، و لم يتم له ما صار إليه، و خامر عليه أكابر الأمراء الناصرية، و خرجوا من مصر فأقاموا ببيت المقدس و أرسلوا يستحثون الجيوش العادلية، فأقر ابن أخيه على السلطنة و نوه باسمه على السكة و الخطبة في سائر بلاد مصر، لكن استفاد الأفضل في سفرته هذه أن أخذ جيشا كثيفا من المصريين، و أقبل بهم ليسترد

19

دمشق في غيبة عمه. و ذلك بإشارة أخيه صاحب حلب، و ملك حمص أسد الدين، فلما انتهى إليها و نزل حواليها قطع أنهارها و عقر أشجارها، و أكل ثمارها، و نزل بمخيمه على مسجد القدم، و جاء إليه أخوه الظاهر و ابن عمه الأسد الكاسر و جيش حماه، فكثر جيشه و قوى بأسه، و قد دخل جيشه إلى البلد، و نادوا بشعاره فلم يتابعهم من العامة أحد، و أقبل العادل من ماردين بعساكره و قد التف عليه أمراء أخيه و طائفة بنى أخيه، و أمده كل مصر بأكابره، و سبق الأفضل إلى دمشق بيومين فحصنها و حفظها، و قد استناب على ماردين ولده محمدا الكامل. و لما دخل دمشق خامر إليه أكثر الأمراء من المصريين و غيرهم، و ضعف أمر الأفضل و يئس من برهم و خيرهم، فأقام محاصر البلد بمن معه حتى انسلخ الحول ثم انفصل الحال في أول السنة الآتية على ما سيأتي.

و فيها شرع في بناء سور بغداد بالآجر و الكلس، و فرق على الأمراء و كملت عمارته بعد هذه السنة، فأمنت بغداد من الغرق و الحصار، و لم يكن لها سور قبل ذلك.

و فيها توفى السلطان أبو محمد يعقوب بن يوسف‏

ابن عبد المؤمن، صاحب المغرب و الأندلس بمدينته، و كان قد بنى عندها مدينة مليحة سماها المهدية، و قد كان دينا حسن السيرة صحيح السريرة، و كان مالكي المذهب، ثم صار ظاهريا حزميا ثم مال إلى مذهب الشافعيّ، و استقضى في بعض بلاده منهم قضاة، و كانت مدة ملكه خمس عشرة سنة، و كان كثير الجهاد (رحمه اللَّه)، و كان يؤم الناس في الصلوات الخمس، و كان قريبا إلى المرأة و الضعيف (رحمه اللَّه). و هو الّذي كتب إليه صلاح الدين يستنجده على الفرنج فلما لم يخاطبه بأمير المؤمنين غضب من ذلك و لم يجبه إلى ما طلب منه، و قام بالملك بعده ولده محمد فسار كسيرة والده، و رجع إليه كثير من البلدان اللاتي كانت قد عصت على أبيه، ثم من بعد ذلك تفرقت بهم الأهواء و باد هذا البيت بعد الملك يعقوب.

و فيها ادعى رجل أعجمى بدمشق أنه عيسى بن مريم، فأمر الأمير صارم الدين برغش نائب القلعة، بصلبه عند حمام العماد الكاتب، خارج باب الفرج مقابل الطاحون التي بين البابين، و قد باد هذا الحمام قديما، و بعد صلبه بيومين ثارت العامة على الروافض و عمدوا إلى قبر رجل منهم بباب الصغير يقال له وثاب فنبشوه و صلبوه مع كلبين، و ذلك في ربيع الآخر منها.

و فيها وقعت فتنة كبيرة ببلاد خراسان، و كان سببها أن فخر الدين محمد بن عمر الرازيّ وفد إلى الملك غياث الدين الغورى صاحب غزنة، فأكرمه و بنى له مدرسة بهراة، و كان أكثر الغورية كرامية فأبغضوا الرازيّ و أحبوا إبعاده عن الملك، فجمعوا له جماعة من الفقهاء الحنفية و الكرامية، و خلقا من الشافعية، و حضر ابن القدوة و كان شيخا معظما في الناس، و هو على مذهب ابن كرام و ابن الهيصم‏

20

فتناظر هو و الرازيّ، و خرجا من المناظرة إلى السب و الشتم، فلما كان من الغد اجتمع الناس في المسجد الجامع، و قام واعظ فتكلم فقال في خطبته: أيها الناس، إنا لا نقول إلا ما صح عندنا عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أما علم أرسطاطاليس و كفريات ابن سينا و فلسفة الفارابيّ و ما تلبس به الرازيّ فانا لا نعلمها و لا نقول بها، و إنما هو كتاب اللَّه و سنة رسوله، و لأى شي‏ء يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين اللَّه و سنة رسوله، على لسان متكلم ليس معه على ما يقول دليل. قال فبكى الناس و ضجوا و بكت الكرامية و استغاثوا، و أعانهم على ذلك قوم من خواص الناس، و أنهوا إلى الملك صورة ما وقع، فأمر بإخراج الرازيّ من بلاده، و عاد إلى هراة، فلهذا أشرب قلب الرازيّ بغض الكرامية، و صار يلهج بهم في كلامه في كل موطن و مكان.

و فيها رضى الخليفة عن أبى الفرج ابن الجوزي شيخ الوعاظ، و قد كان أخرج من بغداد إلى واسط فأقام بها خمس سنين، فانتفع به أهلها و اشتغلوا عليه و استفادوا منه، فلما عاد إلى بغداد خلع عليه الخليفة و أذن له في الوعظ على عادته عند التربة الشريفة المجاورة لقبر معروف، فكثر الجمع جدا و حضر الخليفة و أنشد يومئذ فيما يخاطب به الخليفة:

لا تعطش الروض الّذي بنيته* * * بصوب إنعامك قد روضا

لا تبر عودا أنت قد رشته* * * حاشى لبانى المجد أن ينقضا

إن كان لي ذنب قد جنيته* * * فأستأنف العفو و هب لي الرضا

قد كنت أرجوك لنيل المنى* * * فاليوم لا أطلب إلا الرضا

و مما أنشده يومئذ:

شقينا بالنوى زمنا فلما* * * تلاقينا كأنا ما شقينا

سخطنا عند ما جنت الليالي* * * و ما زالت بنا حتى رضينا

و من لم يحى بعد الموت يوما* * * فانا بعد ما متنا حيينا

و في هذه السنة استدعى الخليفة الناصر قاضى الموصل ضياء الدين ابن الشهرزوريّ فولاه قضاء قضاة بغداد. و فيها وقعت فتنة بدمشق بسبب الحافظ عبد الغنى المقدسي، و ذلك أنه كان يتكلم في مقصورة الحنابلة بالجامع الأموي، فذكر يوما شيئا من العقائد، فاجتمع القاضي ابن الزكي و ضياء الدين الخطيب الدولعى بالسلطان المعظم، و الأمير صارم الدين برغش، فعقد له مجلسا فيما يتعلق بمسألة الاستواء على العرش و النزول و الحرف و الصوت، فوافق النجم الحنبلي بقية الفقهاء و استمر الحافظ على ما يقوله لم يرجع عنه، و اجتمع بقية الفقهاء عليه، و ألزموه بإلزامات شنيعة لم يلتزمها، حتى قال له الأمير برغش كل هؤلاء على الضلالة و أنت وحدك على الحق؟ قال: نعم،

21

فغضب الأمير و أمر بنفيه من البلد، فاستنظره ثلاثة أيام فأنظره، و أرسل برغش الأسارى من القلعة فكسروا منبر الحنابلة و تعطلت يومئذ صلاة الظهر في محراب الحنابلة، و أخرجت الخزائن و الصناديق التي كانت هناك، و جرت خبطة شديدة، نعوذ باللَّه من الفتن ما ظهر منها و ما بطن، و كان عقد المجلس يوم الاثنين الرابع و العشرين من ذي الحجة، فارتحل الحافظ عبد الغنى إلى بعلبكّ ثم سار إلى مصر فآواه المحدثون، فحنوا عليه و أكرموه.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الأمير مجاهد الدين قايماز الرومي‏

نائب الموصل المستولى على مملكتها أيام ابن استاذه نور الدين أرسلان، و كان عاقلا ذكيا فقيها حنفيا، و قيل شافعيا، يحفظ شيئا كثيرا من التواريخ و الحكايات، و قد ابتنى عدة جوامع و مدارس و ربط و خانات، و له صدقات كثيرة دارة، قال ابن الأثير: و قد كان من محاسن الدنيا.

أبو الحسن محمد بن جعفر

ابن أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباس الهاشمي، قاضى القضاة ببغداد، بعد ابن النجاري، كان شافعيا تفقه على أبى الحسن بن الخل و غيره، و قد ولى القضاء و الخطابة بمكة، و أصله منها، و لكن ارتحل إلى بغداد فنال منها ما نال من الدنيا، و آل به الأمر إلى ما آل، ثم إنه عزل عن القضاء بسبب محضر رقم خطه عليه، و كان فيما قيل مزورا عليه. فاللَّه أعلم، فجلس في منزله حتى مات.

الشيخ جمال الدين أبو القاسم‏

يحيى بن على بن الفضل بن بركة بن فضلان، شيخ الشافعية ببغداد، تفقه أولا على سعيد بن محمد الزار مدرس النظامية، ثم ارتحل إلى خراسان فأخذ عن الشيخ محمد الزبيدي تلميذ الغزالي و عاد إلى بغداد و قد اقتبس علم المناظرة و الأصلين، و ساد أهل بغداد و انتفع به الطلبة و الفقهاء، و بنيت له مدرسة فدرس بها و بعد صيته، و كثرت تلاميذه، و كان كثير التلاوة و سماع الحديث، و كان شيخا حسنا لطيفا ظريفا، و من شعره:

و إذا أردت منازل الأشراف* * * فعليك بالاسعاف و الإنصاف‏

و إذا بغا باغ عليك فخله* * * و الدهر فهو له مكاف كاف‏

ثم دخلت سنة ست و تسعين و خمسمائة

استهلت هذه السنة و الملك الأفضل بالجيش المصري محاصر دمشق لعمه العادل، و قد قطع عنها الأنهار و الميرة، فلا خبز و لا ماء إلا قليلا، و قد تطاول الحال، و قد خندقوا من أرض اللوان إلى اللد خندقا لئلا يصل إليهم جيش دمشق، و جاء فصل الشتاء و كثرت الأمطار و الأوحال، فلما دخل شهر صفر قدم الملك الكامل محمد بن العادل على أبيه بخلق من التركمان، و عساكر من بلاد

22

الجزيرة و الرها و حران، فعند ذلك انصرف العساكر المصرية، و تفرقوا أيادي سبا، فرجع الظاهر إلى حلب و الأسد إلى حمص، و الأفضل إلى مصر، و سلم العادل من كيد الأعادي، بعد ما كان قد عزم على تسليم البلد. و سارت الأمراء الناصرية خلف الأفضل ليمنعوه من الدخول إلى القاهرة، و كاتبوا العادل أن يسرع السير إليهم، فنهض إليهم سريعا فدخل الأفضل مصر و تحصن بقلعة الجبل، و قد اعتراه الضعف و الفشل، و نزل العادل على البركة و أخذ ملك مصر و نزل إليه ابن أخيه الأفضل خاضعا ذليلا، فأقطعه بلادا من الجزيرة، و نفاه من الشام لسوء السيرة، و دخل العادل القلعة و أعاد القضاء إلى صدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الكردي، و أبقى الخطبة و السكة باسم ابن أخيه المنصور، و العادل مستقل بالأمور، و استوزر الصاحب صفى الدين بن شكر لصرامته و شهامته، و سيادته و ديانته، و كتب العادل إلى ولده الكامل يستدعيه من بلاد الجزيرة ليملكه على مصر، فقدم عليه فأكرمه و احترمه و عانقه و التزمه، و أحضر الملك الفقهاء و استفتاهم في صحة مملكة ابن أخيه المنصور بن العزيز، و كان ابن عشر سنين، فأفتوا بأن ولايته لا تصح لأنه متولى عليه، فعند ذلك طلب الأمراء و دعاهم إلى مبايعته فامتنعوا فأرغبهم و أرهبهم، و قال فيما قال: قد سمعتم ما أفتى به العلماء، و قد علمتم أن ثغور المسلمين لا يحفظها الأطفال الصغار، و إنما يحفظها الملوك الكبار، فأذعنوا عند ذلك و بايعوه، ثم من بعده لولده الكامل، فخطب الخطباء بذلك بعد الخليفة لهما، و ضربت السكة باسمهما، و استقرت دمشق باسم المعظم عيسى بن العادل، و مصر باسم الكامل.

و في شوال رجع إلى دمشق الأمير ملك الدين أبو منصور سليمان بن مسرور بن جلدك، و هو أخو الملك العادل لأمه، و هو واقف الفلكية داخل باب الفراديس، و بها قبره، فأقام بها محترما معظما إلى أن توفى في هذه السنة. و فيها و في التي بعدها كان بديار مصر غلاء شديد، فهلك بسببه الغنى و الفقير، و هرب الناس منها نحو الشام فلم يصل إليها إلا القليل، و تخطفهم الفرنج من الطرقات و غروهم من أنفسهم و اغتالوهم بالقليل من الأقوات، و أما بلاد العراق فإنه كان مرخصا. قال ابن الساعي: و في هذه السنة باض ديك ببغداد فسألت جماعة عن ذلك فأخبروني به.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

السلطان علاء الدين خوارزم شاه‏

ابن تكش بن ألب رسلان من ولد طاهر بن الحسين، و هو صاحب خوارزم و بعض بلاد خراسان و الري و غيرها من الأقاليم المتسعة، و هو الّذي قطع دولة السلاجقة، كان عادلا حسن السيرة له معرفة جيدة بالموسيقى، حسن المعاشرة، فقيها على مذهب أبى حنيفة، و يعرف الأصول، و بنى‏

23

للحنفية مدرسة عظيمة، و دفن بتربة بناها بخوارزم، و قام في الملك من بعده ولده علاء الدين محمد، و كان قبل ذلك يلقب بقطب الدين. و فيها قتل وزير السلطان خوارزم شاه المذكور.

نظام الدين مسعود بن على‏

و كان حسن السيرة، شافعيّ المذهب، له مدرسة عظيمة بخوارزم، و جامع هائل، و بنى بمرو جامعا عظيما للشافعية، فحسدتهم الحنابلة [ (1)] و شيخهم بها يقال له شيخ الإسلام، فيقال إنهم أحرقوه و هذا إنما يحمل عليه قلة الدين و العقل، فأغرمهم السلطان خوارزم شاه ما غرم الوزير على بنائه.

و فيها توفى الشيخ المسند المعمر رحلة الوقت.

أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب‏

ابن صدقة بن الخضر بن كليب الحراني الأصل البغدادي المولد و الدار و الوفاة، عن ست و تسعين سنة، سمع الكثير و أسمع، و تفرد بالرواية عن جماعة من المشايخ، و كان من أعيان التجار و ذوى الثروة

الفقيه مجد الدين‏

أبو محمد بن طاهر بن نصر بن جميل، مدرس القدس أول من درس بالصلاحية، و هو والد الفقهاء بنى جميل الدين، كانوا بالمدرسة الجاروخية، ثم صاروا إلى العماديّة و الدماغية في أيامنا هذه، ثم ماتوا و لم يبق إلا شرحهم.

الأمير صارم الدين قايماز

ابن عبد اللَّه النجي، كان من أكابر الدولة الصلاحية، كان عند صلاح الدين بمنزلة الأستاذ، و هو الّذي تسلم القصر حين مات العاضد، فحصل له أموال جزيلة جدا، و كان كثير الصدقات و الأوقاف، تصدق في يوم بسبعة آلاف دينار عينا، و هو واقف المدرسة القيمازية، شرقى القلعة، و قد كانت دار الحديث الأشرفية دارا لهذا الأمير، و له بها حمام، فاشترى ذلك الملك الأشرف فيما بعد و بناها دار حديث، و أخرب الحمام و بناه مسكنا للشيخ المدرس بها. و لما توفى قيماز و دفن في قبره نبشت دوره و حواصله، و كان متهما بمال جزيل، فتحصل ما جمع من ذلك مائة ألف دينار و كان يظن أن عنده أكثر من ذلك، و كان يدفن أمواله في الخراب من أراضى ضياعه و قراياه، سامحه اللَّه.

الأمير لؤلؤ

أحد الحجاب بالديار المصرية، كان من أكابر الأمراء في أيام صلاح الدين، و هو الّذي كان متسلم الأسطول في البحر، فكم من شجاع قد أسر، و كم من مركب قد كسر، و قد كان مع كثرة جهاده دار

____________

[ (1)] لعله الحنفية فإنه ليس بمرو حنابلة و اللَّه سبحانه أعلم. و لكن ابن الأثير قد وافق المؤلف.

24

الصدقات، كثير النفقات في كل يوم، وقع غلاء بمصر فتصدق باثني عشر ألف رغيف، لاثنى عشر ألف نفس.

الشيخ شهاب الدين الطوسي‏

أحد مشايخ الشافعية بديار مصر، شيخ المدرسة المنسوبة إلى تقى الدين شاهنشاه بن أيوب، التي يقال لها منازل العز، و هو من أصحاب محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، كان له قدر و منزلة عند ملوك مصر، يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر، توفى في هذه السنة، فازدحم الناس على جنازته، و تأسفوا عليه.

الشيخ ظهير الدين عبد السلام الفارسي‏

شيخ الشافعية بحلب، أخذ الفقه عن محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، و تتلمذ للرازى، و رحل إلى مصر و عرض عليه أن يدرس بتربة الشافعيّ فلم يقبل، فرجع إلى حلب فأقام بها إلى أن مات.

الشيخ العلامة بدر الدين ابن عسكر

رئيس الحنفية بدمشق، قال أبو شامة: و يعرف بابن العقادة.

الشاعر أبو الحسن‏

على بن نصر بن عقيل بن أحمد بغدادي، قدم دمشق في سنة خمس و تسعين و خمسمائة، و معه ديوان شعر له فيه درر حسان، و قد تصدى لمدح الملك الأمجد صاحب بعلبكّ و له:

و ما الناس إلا كامل الحظ ناقص* * * و آخر منهم ناقص الحظ كامل‏

و إني لمثر من خيار أعفة* * * و إن لم يكن عندي من المال كامل‏

و فيها توفى القاضي الفاضل، الامام العلامة شيخ الفصحاء و البلغاء.

أبو على عبد الرحيم بن القاضي الأشرف‏

أبى المجد على بن الحسن بن البيساني المولى الأجل القاضي الفاضل، كان أبوه قاضيا بعسقلان فأرسل ولده في الدولة الفاطمية إلى الديار المصرية، فاشتغل بها بكتابة الإنشاء على أبى الفتح قادوس و غيره، فساد أهل البلاد حتى بغداد، و لم يكن له في زمانه نظير، و لا فيما بعده إلى وقتنا هذا مثيل، و لما استقر الملك صلاح الدين بمصر جعله كاتبه و صاحبه و وزيره و جليسه و أنيسه، و كان أعز عليه من أهله و أولاده، و تساعدا حتى فتح الأقاليم و البلاد، هذا بحسامه و سنانه، و هذا بقلمه و لسانه و بيانه و قد كان الفاضل من كثرة أمواله كثير الصدقات و الصلات و الصيام و الصلاة، و كان يواظب كل يوم و ليلة على ختمة كاملة، مع ما يزيد عليها من نافلة، رحيم القلب حسن السيرة، طاهر القلب و السريرة له مدرسة بديار مصر على الشافعية و المالكية، و أوقاف على تخليص الأسارى من يدي النصارى، و قد اقتنى من الكتب نحوا من مائة ألف كتاب، و هذا شي‏ء لم يفرح به أحد من الوزراء و لا العلماء و لا الملوك، ولد في سنة ثنتين و خمسمائة، توفى يوم دخل العادل إلى قصر مصر بمدرسته فجأة يوم‏

25

الثلاثاء سادس ربيع الآخر، و احتفل الناس بجنازته، و زار قبره في اليوم الثاني الملك العادل، و تأسف عليه، ثم استوزر العادل صفى الدين بن شكر، فلما سمع الفاضل بذلك دعا اللَّه أن لا يحييه إلى هذه الدولة لما بينهما من المنافسة، فمات و لم ينله أحد بضيم و لا أذى، و لا رأى في الدولة من هو أكبر منه، و قد رثاه الشعراء بأشعار حسنة، منها قول القاضي هبة اللَّه بن سناء الملك:

عبد الرحيم على البرية رحمة* * * أمنت بصحبتها حلول عقابها

يا سائلي عنه و عن أسبابه* * * نال السماء فسله عن أسبابها

و أتته خاطبة إليه وزارة* * * و لطال ما أعيت على خطابها

و أتت سعادته إلى أبوابه* * * لا كالذي يسعى إلى أبوابها

تعنو الملوك لوجهه بوجوهها* * * لا بل تساق لبابة برقابها

شغل الملوك بما يزول و نفسه* * * مشغولة بالذكر في محرابها

في الصوم و الصلوات أتعب نفسه* * * و ضمان راحته على إتعابها

و تعجل الإقلاع عن لذاته* * * ثقة بحسن مآلها و مآبها

فلتفخر الدنيا بسائس ملكها* * * منه و دارس علمها و كتابها

صوامها قوامها علامها* * * عمالها بذالها و هابها

و العجب أن الفاضل مع براعته ليس له قصيدة طويلة، و إنما له ما بين البيت و البيتين في أثناء رسائله و غيرها شي‏ء كثير جدا، فمن ذلك قوله:

سبقتم بإسداء الجميل تكرما* * * و ما مثلكم فيمن يحدث أو يحكى‏

و كان ظني أن أسابقكم به* * * و لكن بلت قبلي فهيج لي البكا

و له:

ولى صاحب ما خفت من جور حادث* * * من الدهر إلا كان لي من ورائه‏

إذا عضنى صرف الزمان فاننى* * * براياته أسطو عليه ورائه‏

و له في بدو أمره:

أرى الكتاب كلهم جميعا* * * بأرزاق تعمهم سنينا

و ما لي بينهم رزق كأنى* * * خلقت من الكرام الكاتبينا

و له في النحلة و الزلقطة:

و مغردين تجاوبا في مجلس* * * منعاهما لأذاهما الأقوام‏

هذا يجود بعكس ما يأتى به* * * هذا فيحمد ذا و ذاك يلام‏

و له:

بتنا على حال تسر الهوى* * * لكنه لا يمكن الشرح‏

26

بوابنا الليل و قلنا له* * * إن غبت عنا هجم الصبح‏

و أرسلت جارية من جواري الملك العزيز إلى الملك العزيز زرا من ذهب مغلف بعنبر أسود، فسأل الملك الفاضل عن معنى ما أرادت بإرساله فأنشأ يقول:

أهدت لك العنبر في وسطه* * * زر من التبر رقيق اللحام‏

فالزر في العنبر معناهما* * * زر هكذا مختفيا في الظلام‏

قال ابن خلكان: و قد اختلف في لقبه فقيل محيي الدين و قيل مجير الدين، و حكى عن عمارة اليمنى أنه كان يذكر جميل و أن العادل بل الصالح هو الّذي استقدمه من الاسكندرية، و قد كان معدودا في حسناته. و قد بسط ابن خلكان ترجمته بنحو ما ذكرنا، و في هذه زيادة كثيرة و اللَّه أعلم‏

ثم دخلت سنة سبع و تسعين و خمسمائة

فيها اشتد الغلاء بأرض مصر جدا، فهلك خلق كثير جدا من الفقراء و الأغنياء، ثم أعقبه فناء عظيم، حتى حكى الشيخ أبو شامة في الذيل أن العادل كفن من ماله في مدة شهر من هذه السنة نحوا من مائتي ألف، و عشرين ألف ميت، و أكلت الكلاب و الميتات فيها بمصر، و أكل من الصغار و الأطفال خلق كثير، يشوى الصغير والداه و يأكلانه، و كثر هذا في الناس جدا حتى صار لا ينكر بينهم، فلما فرغت الأطفال و الميتات غلب القوى الضعيف فذبحه و أكله، و كان الرجل يحتال على الفقير فيأتى به ليطعمه أو ليعطيه شيئا، ثم يذبحه و يأكله، و كان أحدهم يذبح امرأته و يأكلها و شاع هذا بينهم بلا إنكار و لا شكوى، بل يعذر بعضهم بعضا، و وجد عند بعضهم أربعمائة رأس و هلك كثير من الأطباء الذين يستدعون إلى المرضى، فكانوا يذبحون و يؤكلون، كان الرجل يستدعى الطبيب ثم يذبحه و يأكله، و قد استدعى رجل طبيبا حاذقا و كان الرجل موسرا من أهل المال، فذهب الطبيب معه على وجل و خوف، فجعل الرجل يتصدق على من لقيه في الطريق و يذكر اللَّه و يسبحه، و يكثر من ذلك، فارتاب به الطبيب و تخيل منه، و مع هذا حمله الطمع على الاستمرار معه حتى دخل داره، فإذا هي خربة فارتاب الطبيب أيضا فخرج صاحبه فقال له: و مع هذا البطء جئت لنا بصيد، فلما سمعها الطبيب هرب فخرجا خلفه سراعا فما خلص إلا بعد جهد و شر.

و فيها وقع وباء شديد ببلاد عنزة بين الحجاز و اليمن، و كانوا عشرين قرية، فبادت منها ثماني عشرة لم يبق فيها ديار و لا نافخ نار، و بقيت أنعامهم و أموالهم لا قانى لها، و لا يستطيع أحد أن يسكن تلك القرى و لا يدخلها، بل كان من اقترب إلى شي‏ء من هذه القرى هلك من ساعته، نعوذ باللَّه من بأس اللَّه و عذابه، و غضبه و عقابه، أما القريتان الباقيتان فإنهما لم يمت منهما أحد و لا عندهم شعور بما جرى على من حولهم، بل هم على حالهم لم يفقد منهم أحد فسبحان الحكيم العليم.

27

و اتفق باليمن في هذه السنة كائنة غريبة جدا، و هي أن رجلا يقال له عبد اللَّه بن حمزة العلويّ كان قد تغلب على كثير من بلاد اليمن، و جمع نحوا من اثنى عشر ألف فارس، و من الرجالة جمعا كثيرا، و خافه ملك اليمن إسماعيل بن طغتكين بن أيوب، و غلب على ظنه زوال ملكه على يدي هذا الرجل، و أيقن بالهلكة لضعفه عن مقاومته، و اختلاف أمرائه معه في المشورة، فأرسل اللَّه صاعقة فنزلت عليهم فلم يبق منهم أحد سوى طائفة من الخيالة و الرجالة، فاختلف جيشه فيما بينهم فغشيهم المعز فقتل منهم ستة آلاف، و استقر في ملكه آمنا.

و فيها تكاتب الاخوان الأفضل من صرخد و الظاهر من حلب على أن يجتمعا على حصار دمشق و ينزعاها من المعظم بن العادل، و تكون للأفضل، ثم يسيرا إلى مصر فيأخذاها من العادل و ابنه الكامل اللذين نقضا العهد و أبطلا خطبة المنصور، و نكثا المواثيق، فإذا أخذا مصر كانت للأفضل و تصير دمشق مضافة إلى الظاهر مع حلب، فلما بلغ العادل ما تمالئا عليه أرسل جيشا مددا لابنه المعظم عيسى إلى دمشق، فوصلوا إليها قبل وصول الظاهر و أخيه إليها، و كان وصولهما إليها في ذي القعدة من ناحية بعلبكّ، فنزلا على مسجد القدم و اشتد الحصار للبلد، و تسلق كثير من الجيش من ناحية خان القدم، و لم يبق إلا فتح البلد، لو لا هجوم الليل، ثم إن الظاهر بدا له في كون دمشق للأفضل فرأى أن تكون له أولا، ثم إذا فتحت مصر تسلمها الأفضل، فأرسل إليه في ذلك فلم يقبل الأفضل، فاختلفا و تفرقت كلمتهما، و تنازعا الملك بدمشق، فتفرقت الأمراء عنهما، و كوتب العادل في الصلح فأرسل يجيب إلى ما سألا و زاد في إقطاعهما شيئا من بلاد الجزيرة، و بعض معاملة المعرة. و تفرقت العساكر عن دمشق في محرم سنة ثمان و تسعين، و سار كل منهما إلى ما تسلم من البلاد التي أقطعها، و جرت خطوب يطول شرحها، و قد كان الظاهر و أخوه كتبا إلى صاحب الموصل نور الدين أرسلان الأتابكي أن يحاصر مدن الجزيرة التي مع عمهما العادل، فركب في جيشه و أرسل إلى ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار، و اجتمع معهما صاحب ماردين الّذي كان العادل قد حاصره و ضيق عليه مدة طويلة، فقصدت العساكر حران، و بها الفائز بن العادل، فحاصروه مدة، ثم لما بلغهم وقوع الصلح عدلوا إلى المصالحة، و ذلك بعد طلب الفائز ذلك منهم، و تمهدت الأمور و استقرت على ما كانت عليه.

و فيها ملك غياث الدين و أخوه شهاب الدين الغوريان جميع ما كان يملك خوارزم شاه من البلدان و الحواصل و الأموال، و جرت لهم خطوب طويلة جدا. و فيها كانت زلزلة عظيمة ابتدأت من بلاد الشام إلى الجزيرة و بلاد الروم و العراق، و كان جمهورها و عظمها بالشام تهدمت منها دور كثيرة، و تخربت محال كثيرة، و خسف بقرية من أرض بصرى، و أما سواحل الشام و غيرها فهلك فيها شي‏ء

28

كثير، و أخربت محال كثيرة من طرابلس و صور و عكا و نابلس، و لم يبق بنابلس سوى حارة السامرة و مات بها و بقراها ثلاثون ألفا تحت الردم، و سقط طائفة كثيرة من المنارة الشرقية بدمشق بجامعها، و أربع عشرة شرافة منه، و غالب الكلاسة و المارستان النوري، و خرج الناس إلى الميادين يستغيثون و سقط غالب قلعة بعلبكّ مع وثاقة بنيانها، و انفرق البحر إلى قبرص و قد حذف بالمراكب منه إلى ساحله، و تعدى إلى ناحية الشرق فسقط بسبب ذلك دور كثيرة، و مات أمم لا يحصون و لا يعدون حتى قال صاحب مرآة الزمان: إنه مات في هذه السنة بسبب الزلزلة نحو من ألف ألف و مائة ألف إنسان قتلا تحتها، و قيل إن أحدا لم يحص من مات فيها و اللَّه سبحانه أعلم.

و فيها توفى من الأعيان.

عبد الرحمن بن على‏

ابن محمد بن على بن عبد اللَّه بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي- نسبة إلى فرضة نهر البصرة- ابن عبد اللَّه بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، الشيخ الحافظ الواعظ جمال الدين أبو الفرج المشهور بابن الجوزي، القرشي التيمي البغدادي الحنبلي، أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، و انفرد بها عن غيره، و جمع المصنفات الكبار و الصغار نحوا من ثلاثمائة مصنف، و كتب بيده نحوا من مائتي مجلدة، و تفرد بفن الوعظ الّذي لم يسبق إليه و لا يلحق شأوه فيه و في طريقته و شكله، و في فصاحته و بلاغته و عذوبته و حلاوة ترصيعه و نفوذ وعظه و غوصه على المعاني البديعة، و تقريبه الأشياء الغريبة فيما يشاهد من الأمور الحسية، بعبارة وجيزة سريعة الفهم و الإدراك، بحيث يجمع المعاني الكثيرة في الكلمة اليسيرة، هذا و له في العلوم كلها اليد الطولى، و المشاركات في سائر أنواعها من التفسير و الحديث و التاريخ و الحساب و النظر في النجوم و الطب و الفقه و غير ذلك من اللغة و النحو، و له من المصنفات في ذلك ما يضيق هذا المكان عن تعدادها، و حصر أفرادها، منها كتابه في التفسير المشهور بزاد المسير، و له تفسير أبسط منه و لكنه ليس بمشهور، و له جامع المسانيد استوعب به غالب مسند أحمد و صحيحى البخاري و مسلم و جامع الترمذي، و له كتاب المنتظم في تواريخ الأمم من العرب و العجم في عشرين مجلدا، قد أوردنا في كتابنا هذا كثيرا منه من حوادثه و تراجمه، و لم يزل يؤرخ أخبار العالم حتى صار تاريخا، و ما أحقه بقول الشاعر:

ما زلت تدأب في التاريخ مجتهدا* * * حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا

و له مقامات و خطب، و له الأحاديث الموضوعة، و له العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، و غير ذلك. ولد سنة عشر و خمسمائة، و مات أبوه و عمره ثلاث سنين، و كان أهله تجارا في النحاس، فلما ترعرع جاءت به عمته إلى مسجد محمد بن ناصر الحافظ، فلزم الشيخ و قرأ عليه و سمع عليه‏

29

الحديث و تفقه بابن الزاغونى، و حفظ الوعظ و وعظ و هو ابن عشرين سنة أو دونها، و أخذ اللغة عن أبى منصور الجواليقيّ، و كان و هو صبي دينا مجموعا على نفسه لا يخالط أحدا و لا يأكل ما فيه شبهة، و لا يخرج من بيته إلا للجمعة، و كان لا يلعب مع الصبيان، و قد حضر مجلس وعظه الخلفاء و الوزراء و الملوك و الأمراء و العلماء و الفقراء، و من سائر صنوف بنى آدم، و أقل ما كان يجتمع في مجلس وعظه عشرة آلاف، و ربما اجتمع فيه مائة ألف أو يزيدون، و ربما تكلم من خاطره على البديهة نظما و نثرا، و بالجملة كان أستاذا فردا في الوعظ و غيره، و قد كان فيه بهاء و ترفع في نفسه و إعجاب و سمو بنفسه أكثر من مقامه، و ذلك ظاهر في كلامه في نثره و نظمه، فمن ذلك قوله:

ما زلت أدرك ما غلا بل ما علا* * * و أكابد النهج العسير الأطولا

تجرى بى الآمال في حلباته* * * جرى السعيد مدى ما أملا

أفضى بى التوفيق فيه إلى الّذي* * * أعيا سواي توصلا و تغلغلا

لو كان هذا العلم شخصا ناطقا* * * و سألته هل زار مثلي؟ قال: لا

و من شعره و قيل هو لغيره:

إذا قنعت بميسور من القوت* * * بقيت في الناس حرا غير ممقوت‏

ياقوت يومى إذا ما در حلقك لي* * * فلست آسى على در و ياقوت‏

و له من النظم و النثر شي‏ء كثيرا جدا، و له كتاب سماه لقط الجمان في كان و كان، و من لطائف كلامه‏

قوله في الحديث‏

«أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين»

إنما طالت أعمار من قبلنا لطول البادية، فلما شارف الركب بلد الاقامة قيل لهم حثوا المطي، و قال له رجل أيما أفضل؟ أجلس أسبح أو أستغفر؟ فقال الثوب الوسخ أحوج إلى البخور. و سئل عمن أوصى و هو في السياق فقال: هذا طين سطحه في كانون. و التفت إلى ناحية الخليفة المستضي‏ء و هو في الوعظ فقال: يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك، و إن سكت خفت عليك، و إن قول القائل لك اتّق اللَّه خير لك من قوله لكم إنكم أهل بيت مغفور لكم، كان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغني عن عامل لي أنه ظلم فلم أغيره فأنا الظالم، يا أمير المؤمنين. و كان يوسف لا يشبع في زمن القحط حتى لا ينسى الجائع، و كان عمر يضرب بطنه عام الرمادة و يقول قرقرا و لا تقرقرا، و اللَّه لا ذاق عمر سمنا و لا سمينا حتى يخصب الناس. قال فبكى المستضي‏ء و تصدق بمال كثير، و أطلق المحابيس و كسى خلقا من الفقراء.

ولد ابن الجوزي في حدود سنة عشر و خمسمائة كما تقدم، و كانت وفاته ليلة الجمعة بين العشاءين الثاني عشر من رمضان من هذه السنة، و له من العمر سبع و ثمانون سنة، و حملت جنازته على رءوس الناس، و كان الجمع كثيرا جدا، و دفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من الامام أحمد، و كان يوما

30

مشهودا، حتى قيل: إنه أفطر جماعة من الناس من كثرة الزحام و شدة الحر، و قد أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات:

يا كثير العفو لمن* * * كثرت الذنوب لديه‏

*

جاءك المذنب يرجو الصفح* * * عن جرم يديه‏

أنا ضيف و جزاء* * * الضيف إحسان إليه‏

و قد كان له من الأولاد الذكور ثلاثة: عبد العزيز- و هو أكبرهم- مات شابا في حياة والده في سنة أربع و خمسين، ثم أبو القاسم على، و قد كان عاقا لوالده إلبا عليه في زمن المحنة و غيرها، و قد تسلط على كتبه في غيبته بواسط فباعها بأبخس الثمن، ثم محيي الدين يوسف، و كان أنجب أولاده و أصغرهم ولد سنة ثمانين و وعظ بعد أبيه، و اشتغل و حرر و أتقن و ساد أقرانه، ثم باشر حسبة بغداد، ثم صار رسول الخلفاء إلى الملوك بأطراف البلاد، و لا سيما بنى أيوب بالشام، و قد حصل منهم من الأموال و الكرامات ما ابتنى به المدرسة الجوزية بالنشابين بدمشق، و ما أوقف عليها، ثم حصل له من سائر الملوك أموالا جزيلة، ثم صار أستاذ دار الخليفة المستعصم في سنة أربعين و ستمائة، و استمر مباشرها إلى أن قتل مع الخليفة عام هارون تركي بن جنكيزخان، و كان لأبى الفرج عدة بنات منهن رابعة أم سبطه أبى المظفر بن مزعلى صاحب مرآة الزمان، و هي من أجمع التواريخ و أكثرها فائدة، و قد ذكره ابن خلكان في الوفيات فأثنى عليه و شكر تصانيفه و علومه.

العماد الكاتب الأصبهاني‏

محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد اللَّه بن على بن محمود بن هبة اللَّه بن أله- بتشديد اللام و ضمها-، المعروف بالعماد الكاتب الأصبهاني، صاحب المصنفات و الرسائل، و هو قرين القاضي الفاضل، و اشتهر في زمنه، و من اشتهر في زمن الفاضل فهو فاضل، ولد بأصبهان في سنة تسع عشرة و خمسمائة، و قدم بغداد فاشتغل بها على الشيخ أبى منصور سعيد بن الرزاز مدرس النظامية، و سمع الحديث ثم رحل إلى الشام فحظي عند الملك نور الدين محمود بن زنكي، و كتب بين يديه و ولاه المدرسة التي أنشأها داخل باب الفرج التي يقال لها العماديّة، نسبة إلى سكناه بها و إقامته فيها، و تدريسه بها، لا أنه أنشأها و إنما أنشأها نور الدين محمود، و لم يكن هو أول من درس بها، بل قد سبقه إلى تدريسها غير واحد، كما تقدم في ترجمة نور الدين، ثم صار العماد كاتبا في الدولة الصلاحية و كان الفاضل يثنى عليه و يشكره، قالوا: و كان منطوقه يعتريه جمود و فترة، و قريحته في غاية الجودة و الحدة، و قد قال القاضي الفاضل لأصحابه يوما: قولوا فتكلموا و شبهوه في هذه الصفة بصفات فلم يقبلها القاضي، و قال: هو كالزناد ظاهره بارد و داخله نار، و له من المصنفات الجريدة جريدة النصر في شعراء العصر، و الفتح القدسي، و البرق السامي و غير ذلك من المصنفات المسجعة، و العبارات المتنوعة

31

و القصائد المطولة. توفى في مستهل رمضان من هذه السنة عن ثمان و سبعين سنة، و دفن بمقابر الصوفية.

الأمير بهاء الدين قراقوش‏

الفحل الخصى، أحد كبار كتاب أمراء الدولة الصلاحية، كان شهما شجاعا فاتكا، تسلم القصر لما مات العاضد و عمر سور القاهرة محيطا على مصر أيضا، و انتهى إلى المقسم و هو المكان الّذي اقتسمت فيه الصحابة ما غنموا من الديار المصرية، و بنى قلعة الجبل، و كان صلاح الدين سلمه عكا ليعمر فيها أماكن كثيرة فوقع الحصار و هو بها، فلما خرج البدل منها كان هو من جملة من خرج، ثم دخلها ابن المشطوب. و قد ذكر أنه أسر فافتدى نفسه بعشرة آلاف دينار، و عاد إلى صلاح الدين ففرح به فرحا شديدا، و لما توفى في هذه السنة احتاط العادل على تركته و صارت أقطاعه و أملاكه للملك الكامل محمد بن العادل. قال ابن خلكان: و قد نسب إليه أحكام عجيبة، حتى صنف بعضهم جزءا لطيفا سماه كتاب الفاشوش في أحكام قراقوش، فذكر أشياء كثيرة جدا، و أظنها موضوعة عليه، فان الملك صلاح الدين كان يعتمد عليه، فكيف يعتمد على من بهذه المثابة و اللَّه أعلم.

مكلبة بن عبد اللَّه المستنجدي‏

كان تركيا عابدا زاهدا، سمع المؤذن وقت السحر و هو ينشد على المنارة:

يا رجال الليل جدوا* * * رب صوت لا يرد

ما يقوم الليل إلا* * * من له عزم و جد

فبكى مكلبة و قال للمؤذن يا مؤذن زدني، فقال:

قد مضى الليل و ولى* * * و حبيبي قد تخلا

فصرخ مكلبة صرخة كان فيها حتفه، فأصبح أهل البلد قد اجتمعوا على بابه فالسعيد منهم من وصل إلى نعشه (رحمه اللَّه تعالى).

أبو منصور بن أبى بكر بن شجاع‏

المركلسي ببغداد، و يعرف بابن نقطة، كان يدور في أسواق بغداد بالنهار ينشد كان و كان و المواليا، و يسحر الناس في ليالي رمضان، و كان مطبوعا ظريفا خليعا، و كان أخوه الشيخ عبد الغنى الزاهد من أكابر الصالحين، له زاوية ببغداد يزار فيها، و كان له أتباع و مريدون، و لا يدخر شيئا يحصل له من الفتوح، تصدق في ليلة بألف دينار و أصحابه صيام لم يدخر منها شيئا لعشائهم، و زوجته أم الخليفة بجارية من خواصها و جهزتها بعشرة آلاف دينار إليه فما حال الحول و عندهم من ذلك شي‏ء سوى هاون، فوقف سائل ببابه فألح في الطلب فأخرج إليه الهاون فقال: خذ هذا و كل به ثلاثين يوما، و لا تسأل الناس و لا تشنع على اللَّه عز و جل. هذا الرجل من خيار الصالحين، و المقصود أنه قال لأخيه أبى‏

32

منصور: ويحك أنت تدور في الأسواق و تنشد الأشعار و أخوك من قد عرفت؟ فأنشأ يقول في جواب ذلك بيتين مواليا من شعره على البديهة:

قد خاب من شبه الجزعة إلى درة* * * و قاس قحبة إلى مستحيية حره‏

أنا مغنى و أخى زاهد إلى مرة* * * في الدر ببرى ذي حلوة و ذي مره‏

و قد جرى عنده مرة ذكر قتل عثمان و على حاضر، فأنشأ يقول كان و كان، و من قتل في جواره مثل ابن عفان فاعتذر، يجب عليه أن يقبل في الشام عذر يزيد، فأرادت الروافض قتله فاتفق أنه بعض الليالي يسحر الناس في رمضان إذ مر بدار الخليفة فعطس الخليفة في الطارقة فشمته أبو منصور هذا من الطريق، فأرسل إليه مائة دينار، و رسم بحمايته من الروافض، إلى أن مات في هذه السنة (رحمه اللَّه). و فيها توفى مسند الشام.

أبو طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر

الخشوعي، شارك ابن عساكر في كثير من مشيخته، و طالت حياته بعد وفاته بسبع و عشرين سنة فألحق فيها الأحفاد بالأجداد.

ثم دخلت سنة ثمان و تسعين و خمسمائة

فيها شرع الشيخ أبو عمر محمد بن قدامة باني المدرسة بسفح قائسون، في بناء المسجد الجامع بالسفح، فاتفق عليه رجل يقال له الشيخ أبو داود محاسن الغامى، حتى بلغ البناء مقدار قامة فنفد ما عنده، و ما كان معه من المال، فأرسل الملك المظفر كوكرى بن زين الدين صاحب إربل مالا جزيلا ليتمه به، فكمل و أرسل ألف دينار ليساق بها إليه الماء من بردي، فلم يمكن من ذلك الملك المعظم صاحب دمشق، و اعتذر بأن هذا فرش قبور كثيرة للمسلمين، فصنع له بئر و بغل يدور، و وقف عليه وقفا لذلك. و فيها كانت حروب كثيرة و خطوب طويلة بين الخوارزمية و الغورية ببلاد المشرق بسطها ابن الأثير و اختصرها ابن كثير. و فيها درس بالنظاميّة مجد الدين يحيى بن الربيع و خلع عليه خلعة سنية سوداء و طرحة كحلى، و حضر عنده العلماء و الأعيان. و فيها تولى القضاء ببغداد أبو الحسن على بن سليمان الجيلي و خلع عليه أيضا.

و فيها توفى من الأعيان‏

القاضي ابن الزكي‏

محمد بن على بن محمد بن يحيى بن عبد العزيز أبو المعالي القرشي، محيي الدين قاضى قضاة دمشق و كل منهما كان قاضيا أبوه و جده و أبو جده يحيى بن على، و هو أول من ولى الحكم بدمشق منهم، و كان هو جد الحافظ أبى القاسم بن عساكر لأمه، و قد ترجمه ابن عساكر في التاريخ و لم يزد على القرشي.

قال الشيخ أبو شامة: و لو كان أمويا عثمانيا كما يزعمون لذكر ذلك ابن عساكر، إذ كان فيه شرف لجده‏

33

و خاليه محمد و سلطان، فلو كان ذلك صحيحا لما خفي على ابن عساكر، اشتغل ابن الزكي على القاضي شرف الدين أبى سعد عبد اللَّه بن محمد بن أبى عصرون، و ناب عنه في الحكم، و هو أول من ترك النيابة، و هو أول من خطب بالقدس لما فتح كما تقدم، ثم تولى قضاء دمشق و أضيف إليه قضاء حلب أيضا، و كان ناظر أوقاف الجامع، و عزل عنها قبل وفاته بشهور، و وليها شمس الدين بن الليثي ضمانا، و قد كان ابن الزكي ينهى الطلبة عن الاشتغال بالمنطق و علم الكلام، و يمزق كتب من كان عنده شي‏ء من ذلك بالمدرسة النورية، و كان يحفظ العقيدة المسماة بالمصباح للغزالى، و يحفظها أولاده أيضا، و كان له درس في التفسير يذكره بالكلاسة، تجاه تربة صلاح الدين، و وقع بينه و بين الإسماعيلية فأرادوا قتله فاتخذ له بابا من داره إلى الجامع ليخرج منه إلى الصلاة، ثم إنه خولط في عقله، فكان يعتريه شبه الصرع إلى أن توفى في شعبان من هذه السنة، و دفن بتربته بسفح قائسون و يقال إن الحافظ عبد الغنى دعا عليه فحصل له هذا الداء العضال، و مات، و كذلك الخطيب الدولعى توفى فيها و هما اللذان قاما على الحافظ عبد الغنى فماتا في هذه السنة، فكانا عبرة لغيرهما.

الخطيب الدولعى‏

ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين الثعلبي الدولعى، نسبة إلى قرية بالموصل، يقال لها الدولعية، ولد بها في سنة ثمان عشرة و خمسمائة، و تفقه ببغداد على مذهب الشافعيّ و سمع الحديث فسمع الترمذي على أبى الفتح الكروجي، و النسائي على أبى الحسن على بن أحمد البردي ثم قدم دمشق فولى بها الخطابة و تدريس الغزالية، و كان زاهدا متورعا حسن الطريقة مهيبا في الحق، توفى يوم الثلاثاء تاسع عشر ربيع الأول، و دفن بمقبرة باب الصغير عند قبور الشهداء، و كان يوم جنازته يوما مشهودا، و تولى بعده الخطابة ولد أخيه محمد بن أبى الفضل بن زيد سبعا و ثلاثين سنة، و قيل ولده جمال الدين محمد و قد كان ابن الزكي ولى ولده الزكي فصلى صلاة واحدة فتشفع جمال الدين بالأمير علم الدين أخى العادل، فولاه إياها فبقي فيها إلى أن توفى سنة خمس و ثلاثين و ستمائة.

الشيخ على بن على بن عليش‏

اليمنى العابد الزاهد، كان مقيما شرقى الكلاسة، و كانت له أحوال و كرامات، نقلها الشيخ علم الدين السخاوي عنه، ساقها أبو شامة عنه.

الصدر أبو الثناء حماد بن هبة اللَّه‏

ابن حماد الحراني، التاجر، ولد سنة إحدى عشرة عام نور الدين الشهيد، و سمع الحديث ببغداد و مصر و غيرها من البلاد، و توفى في ذي الحجة، و من شعره قوله:

تنقل المرء في الآفاق يكسبه* * * محاسنا لم يكن منها ببلدته‏

34

أما ترى البيدق الشطرنج أكسبه* * * حسن التنقل حسنا فوق زينته‏

الست الجليلة

ينفشا بنت عبد اللَّه‏

عتيقة المستضي‏ء، كانت من أكبر حظاياه، ثم صارت بعده من أكثر الناس صدقة و برا و إحسانا إلى العلماء و الفقراء، لها عند تربتها ببغداد عند تربة معروف الكرخي صدقات و بر.

ابن المحتسب الشاعر أبو السكر

محمود بن سليمان بن سعيد الموصلي يعرف بابن المحتسب، تفقه ببغداد ثم سافر إلى البلاد و صحب ابن الشهرزوريّ و قدم معه، فلما ولى قضاء بغداد ولاه نظر أوقاف النظامية، و كان يقول الشعر، و له أشعار في الخمر لا خير فيها تركتها تنزها عن ذلك، و تقذرا لها.

ثم دخلت سنة تسع و تسعين و خمسمائة

قال سبط ابن الجوزي في مرآته: في ليلة السبت سلخ المحرم هاجت النجوم في السماء و ماجت شرقا و غربا، و تطايرت كالجراد المنتشر يمينا و شمالا، قال: و لم ير مثل هذا الا في عام المبعث، و في سنة إحدى و أربعين و مائتين. و فيها شرع بعمارة سور قلعة دمشق و ابتدأ ببرج الزاوية الغربية القبلية المجاور لباب النصر. و فيها أرسل الخليفة الناصر الخلع و سراويلات الفتوة إلى الملك العادل و بنيه.

و فيها بعث العادل ولده موسى الأشرف لمحاصرة ماردين، و ساعده جيش سنجار و الموصل ثم وقع الصلح على يدي الظاهر، على أن يحمل صاحب ماردين في كل سنة مائة ألف و خمسين ألف دينار، و أن تكون السكة و الخطبة للعادل، و أنه متى طلبه بجيشه يحضر إليه. و فيها كمل بناء رباط الموريانية، و وليه الشيخ شهاب الدين عمر بن محمد الشهرزوريّ، و معه جماعة من الصوفية، و رتب لهم من المعلوم و الجراية ما ينبغي لمثلهم. و فيها احتجر الملك العادل على محمد بن الملك العزيز و إخوته و سيرهم إلى الرها خوفا من آفاتهم بمصر. و فيها استحوذت الكرج على مدينة دوين فقتلوا أهلها و نهبوها، و هي من بلاد آذربيجان، لاشتغال ملكها بالفسق و شرب الخمر قبحه اللَّه، فتحكمت الكفرة في رقاب المسلمين بسببه، و ذلك كله غل في عنقه يوم القيامة.

و فيها توفى‏

الملك غياث الدين الغورى أخو شهاب الدين‏

فقام بالملك بعده ولده محمود، و تلقب بلقب أبيه، و كان غياث الدين عاقلا حازما شجاعا، لم تكسر له راية مع كثرة حروبه، و كان شافعيّ المذهب، ابتنى مدرسة هائلة للشافعية، و كانت سيرته حسنة في غاية الجودة.

و فيها توفى من الأعيان. الأمير علم الدين أبو منصور [ (1)]

سليمان بن شيروة بن جندر أخو الملك العادل لأبيه، في تاسع عشر من المحرم، و دفن بداره التي‏

____________

[ (1)] في النجوم الزاهرة: سليمان بن جندر.

35

خطها مدرسة في داخل باب الفراديس في محلة الافتراس، و وقف عليها الحمام بكمالها تقبل اللَّه منه‏

القاضي الضياء الشهرزوريّ‏

أبو الفضائل القاسم بن يحيى بن عبد اللَّه بن القاسم الشهرزوريّ الموصلي، قاضى قضاة بغداد، و هو ابن أخى قاضى قضاة دمشق كمال الدين الشهرزوريّ، أيام نور الدين. و لما توفى سنة ست و سبعين في أيام صلاح الدين أوصى لولد أخيه هذا بالقضاء فوليه، ثم عزل عنه بابن أبى عصرون، و عوض بالسفارة إلى الملوك، ثم تولى قضاء بلدة الموصل، ثم استدعى إلى بغداد فوليها سنتين و أربعة أشهر، ثم استقال الخليفة فلم يقله لحظوته عنده، فاستشفع في زوجته ست الملوك على أم الخليفة، و كان لها مكانة عندها، فأجيب إلى ذلك فصار إلى قضاء حماه لمحبته إياها، و كان يعاب عليه ذلك، و كانت لديه فضائل و له أشعار رائقة، توفى في حماه في نصف رجب منها.

عبد اللَّه بن على بن نصر بن حمزة

أبو بكر البغدادي المعروف بابن المرستانية، أحد الفضلاء المشهورين. سمع الحديث و جمعه، و كان طبيبا منجما يعرف علوم الأوائل و أيام الناس، و صنف ديوان الإسلام في تاريخ دار السلام، و رتبه على ثلاثمائة و ستين كتابا إلا أنه لم يشتهر، و جمع سيرة ابن هبيرة، و قد كان يزعم أنه من سلالة الصديق فتكلموا فيه بسبب ذلك. و أنشد بعضهم:

دع الأنساب لا تعرض لتيم* * * فان الهجن من ولد الصميم‏

لقد أصبحت من تيم دعيا* * * كدعوى حيص بيص إلى تميم‏

ابن النجا الواعظ

على بن إبراهيم بن نجا زين الدين أبو الحسن الدمشقيّ، الواعظ الحنبلي، قدم بغداد فتفقه بها و سمع الحديث ثم رجع إلى بلده دمشق، ثم عاد إليها رسولا من جهة نور الدين في سنة أربع و ستين، و حدث بها، ثم كانت له حظوة عند صلاح الدين، و هو الّذي نم على عمارة اليمنى و ذويه فصلبوا، و كانت له مكانة بمصر، و قد تكلم يوم الجمعة التي خطب فيها بالقدس بعد الفراغ من الجمعة، و كان وقتا مشهودا، و كان يعيش عيشا أطيب من عيش الملوك في الأطعمة و الملابس، و كان عنده أكثر من عشرين سرية من أحسن النساء، كل واحدة بألف دينار، فكان يطوف عليهنّ و يغشاهن و بعد هذا كله مات فقيرا لم يخلف كفنا، و قد أنشد و هو على منبره للوزير طلائع بن زريك:

مشيبك قد قضى شرخ الشباب* * * و حل الباز في وكر الغرا

تنام و مقلة الحدثان يقظى* * * و ما ناب النوائب عنك ناب‏

فكيف بقاء عمرك و هو كنز* * * و قد أنفقت منه بلا حساب؟

36

الشيخ أبو البركات (محمد بن أحمد بن سعيد التكريتي) يعرف بالمؤيد، كان أديبا شاعرا. و مما نظمه في الوجيه النحويّ حين كان حنبليا فانتقل حنفيا، ثم صار شافعيا، نظم ذلك في حلقة النحو بالنظاميّة فقال:

ألا مبلغا عنى الوجيه رسالة* * * و إن كان لا تجدى لديه الرسائل‏

تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل* * * و ذلك لما أعوزتك المآكل‏

و ما اخترت قول الشافعيّ ديانة* * * و لكنما تهوى الّذي هو حاصل‏

و عما قليل أنت لا شك صائر* * * إلى مالك فانظر إلى ما أنت قائل؟

الست الجليلة زمرد خاتون‏

أم الخليفة الناصر لدين اللَّه زوجة المستضي‏ء، كانت صالحة عابدة كثيرة البر و الإحسان و الصلات و الأوقاف، و قد بنت لها تربة إلى جانب قبر معروف، و كانت جنازتها مشهورة جدا، و استمر العزاء بسببها شهرا، عاشت في خلافة ولدها أربعا و عشرين سنة نافذة الكلمة مطاعة الأوامر.

و فيها كان مولد الشيخ شهاب الدين أبى شامة، و قد ترجم نفسه عند ذكر مولده في هذه السنة في الذيل ترجمة مطولة، فينقل إلى سنة وفاته، و ذكر بدو أمره، و اشتغاله و مصنفاته و شيئا كثيرا من شعاره، و ما رئي له من المنامات المبشرة. و فيها كان ابتداء ملك جنكيزخان ملك التتار، عليه من اللَّه ما يستحقه، و هو صاحب الباسق وضعها ليتحاكموا إليها- يعنى التتار و من معهم من أمراء الترك- ممن يبتغى حكم الجاهلية- و هو والد تولى، و جد هولاكو بن تولى- الّذي قتل الخليفة المستعصم و أهل بغداد في سنة ست و خمسين و ستمائة كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى في موضعه.

و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.

سنة ستمائة من الهجرة النبويّة

في هذه السنة كانت الفرنج قد جمعوا خلقا منهم ليستعيدوا بيت المقدس من أيدي المسلمين، فأشغلهم اللَّه عن ذلك بقتال الروم، و ذلك أنهم اجتازوا في طريقهم بالقسطنطينية فوجدوا ملوكها قد اختلفوا فيما بينهم، فحاصروها حتى فتحوها قسرا، و أباحوها ثلاثة أيام قتلا و أسرا، و أحرقوا أكثر من ربعها، و ما أصبح أحد من الروم في هذه الأيام الثلاثة إلا قتيلا أو فقيرا أو مكبولا أو أسيرا، و لجأ عامة من بقي منها إلى كنيستها العظمى المسماة باياصوفيا، فقصدهم الفرنج فخرج إليهم القسيسون بالأناجيل ليتوسلوا إليهم و يتلوا ما فيها عليهم، فما التفتوا إلى شي‏ء من ذلك، بل قتلوهم أجمعين أكتعين أبصعين و أخذوا ما كان في الكنيسة من الحلي و الأذهاب و الأموال التي لا تحصى و لا

37

تعد، و أخذوا ما كان على الصلبان و الحيطان، و الحمد للَّه الرحيم الرحمن، الّذي ما شاء كان، ثم اقترع ملوك الفرنج و كانوا ثلاثة و هم دوقس البنادقة، و كان شيخا أعمى يقاد فرسه، و مركيس الافرنسيس و كندا بلند، و كان أكثرهم عددا و عددا. فخرجت القرعة له ثلاث مرات، فولوه ملك القسطنطينية و أخذ الملكان الآخران بعض البلاد، و تحول الملك من الروم إلى الفرنج بالقسطنطينية في هذه السنة و لم يبق بأيدي الروم هنالك إلا ما وراء الخليج، استحوذ عليه رجل من الروم يقال له تسكرى، و لم يزل مالكا لتلك الناحية حتى توفى. ثم إن الفرنج قصدوا بلاد الشام و قد تقووا بملكهم القسطنطينية فنزلوا عكا و أغاروا على كثير من بلاد الإسلام من ناحية الغور و تلك الأراضي، فقتلوا و سبوا، فنهض إليهم العادل و كان بدمشق، و استدعى الجيوش المصرية و الشرقية و نازلهم بالقرب من عكا، فكان بينهم قتال شديد و حصار عظيم، ثم وقع الصلح بينهم و الهدنة و أطلق لهم شيئا من البلاد فانا للَّه و إنا إليه راجعون.

و فيها جرت حروب كثيرة بين الخوارزمية و الغورية بالمشرق يطول ذكرها. و فيها تحارب صاحب الموصل نور الدين و صاحب سنجار قطب الدين و ساعد الأشرف بن العادل القطب، ثم اصطلحوا و تزوج الأشرف أخت نور الدين، و هي الأتابكية بنت عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، واقفة الأتابكية التي بالسفح، و بها تربتها. و فيها كانت زلزلة عظيمة بمصر و الشام و الجزيرة و قبرص و غيرها من البلاد. قاله ابن الأثير في كامله. و فيها تغلب رجل من التجار يقال له محمود بن محمد الحميري على بعض بلاد حضرموت ظفار و غيرها، و استمرت أيامه إلى سنة تسع عشرة و ستمائة و ما بعدها.

و في جمادى الأولى منها عقد مجلس لقاضى القضاة ببغداد و هو أبو الحسن على بن عبد اللَّه بن سليمان الجيلي بدار الوزير، و ثبت عليه محضر بأنه يتناول الرشا فعزل في ذلك المجلس و فسق و نزعت الطرحة عن رأسه، و كانت مدة ولايته سنتين و ثلاثة أشهر.

و فيها كانت وفاة الملك ركن الدين بن قلج أرسلان، كان ينسب إلى اعتقاد الفلاسفة، و كان كهفا لمن ينسب إلى ذلك، و ملجأ لهم، و ظهر منه قبل موته تجهرم عظيم، و ذلك أنه حاصر أخاه شقيقه- و كان صاحب أنكوريّة، و تسمى أيضا أنقرة- مدة سنين حتى ضيق عليه الأقوات بها فسلمها إليه قسرا، على أن يعطيه بعض البلاد. فلما تمكن منه و من أولاده أرسل إليهم من قتلهم غدرا و خديعة و مكرا فلم ينظر بعد ذلك إلا خمسة أيام فضربه اللَّه تعالى بالقولنج سبعة أيام و مات‏ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ‏ و قام بالملك من بعده ولده أفلح أرسلان، و كان صغيرا فبقي سنة واحدة، ثم نزع منه الملك و صار إلى عمه كنخسرو. و فيها قتل خلق كثير من الباطنية بواسط. قال ابن‏

38

الأثير: في رجب منها اجتمع جماعة من الصوفية برباط ببغداد في سماع فأنشدهم، و هو الجمال الحلي:

أ عاذلتي أقصرى* * * كفى بمشيبى عذل‏

شباب كأن لم يكن* * * و مشيب كأن لم يزل‏

و بثي ليال الوصال* * * أواخرها و الأول‏

و صفرة لون المحبب* * * عند استماع الغزل‏

لئن عاد عتبى لكم* * * حلالي العيش و اتصل‏

فلست أبالى بما نالني* * * و لست أبالى بأهل و مل‏

قال فتحرك الصوفية على العادة فتواجد من بينهم رجل يقال له أحمد الرازيّ فخر مغشيا عليه، فحركوه فإذا هو ميت. قال: و كان رجلا صالحا، و قال ابن الساعي كان شيخا صالحا صحب الصدر عبد الرحيم شيخ الشيوخ فشهد الناس جنازته، و دفن بباب أبرز.

و فيها توفى من الأعيان.

أبو القاسم بهاء الدين‏

الحافظ ابن الحافظ أبو القاسم على بن هبة اللَّه بن عساكر. كان مولده في سنة سبع و عشرين و خمسمائة، أسمعه أبوه الكثير، و شارك أباه في أكثر مشايخه، و كتب تاريخ أبيه مرتين بخطه، و كتب الكثير و أسمع و صنف كتبا عدة، و خلف أباه في إسماع الحديث بالجامع الأموي، و دار الحديث النورية. مات يوم الخميس ثامن صفر و دفن بعد العصر على أبيه بمقابر باب الصغير شرقى قبور الصحابة خارج الحظيرة.

الحافظ عبد الغنى المقدسي‏

ابن عبد الواحد بن على بن سرور الحافظ أبو محمد المقدسي، صاحب التصانيف المشهورة، من ذلك الكمال في أسماء الرجال، و الأحكام الكبرى و الصغرى و غير ذلك، ولد بجماعيل في ربيع الآخر سنة إحدى و أربعين و خمسمائة، و هو أسن من عميه الامام موفق الدين عبد اللَّه بن أحمد بن قدامة المقدسي، و الشيخ أبى عمر، بأربعة أشهر، و كان قدومهما مع أهلهما من بيت المقدس إلى مسجد أبى صالح، خارج باب شرقى أولا، ثم انتقلوا إلى السفح فعرفت محلة الصالحية بهم، فقيل لها الصالحية، فسكنوا الدير، و قرأ الحافظ عبد الغنى القرآن و سمع الحديث و ارتحل هو و الموفق إلى بغداد سنة ستين و خمسمائة، فأنزلهما الشيخ عبد القادر عنده في المدرسة، و كان لا يترك أحدا ينزل عنده، و لكن توسم فيهما الخير و النجابة و الصلاح فأكرمهما و أسمعهما، ثم توفى بعد مقدمهما بخمسين ليلة (رحمه اللَّه)، و كان ميل عبد الغنى إلى الحديث و أسماء الرجال، و ميل الموفق إلى الفقه و اشتغلا على الشيخ أبى الفرج ابن الجوزي، و على الشيخ أبى الفتح ابن المنى، ثم قدما دمشق بعد أربع سنين‏

39

فدخل عبد الغنى إلى مصر و اسكندرية، ثم عاد إلى دمشق، ثم ارتحل إلى الجزيرة و بغداد، ثم رحل إلى أصبهان فسمع بها الكثير، و وقف على مصنف للحافظ أبى نعيم في أسماء الصحابة، قلت: و هو عندي بخط أبى نعيم. فأخذ في مناقشته في أماكن من الكتاب في مائة و تسعين موضعا، فغضب بنو الخجنديّ من ذلك، فبغضوه و أخرجوه منها مختفيا في إزار. و لما دخل في طريقه إلى الموصل سمع كتاب العقيلي في الجرح و التعديل، فثار عليه الحنفية بسبب أبى حنيفة، فخرج منها أيضا خائفا يترقب، فلما ورد دمشق كان يقرأ الحديث بعد صلاة الجمعة برواق الحنابلة من جامع دمشق، فاجتمع الناس عليه و إليه، و كان رقيق القلب سريع الدمعة، فحصل له قبول من الناس جدا، فحسده بنو الزكي و الدولعى و كبار الدماشقة من الشافعية و بعض الحنابلة، و جهزوا الناصح الحنبلي، فتكلم تحت قبة النسر، و أمروه أن يجهر بصوته مهما أمكنه، حتى يشوش عليه، فحول عبد الغنى ميعاده إلى بعد العصر فذكر يوما عقيدته على الكرسي فثار عليه القاضي ابن الزكي، و ضياء الدين الدولعى، و عقدوا له مجلسا في القلعة يوم الاثنين الرابع و العشرين من ذي القعدة سنة خمس و تسعين. و تكلموا معه في مسألة العلو و مسألة النزول، و مسألة الحرف و الصوت، و طال الكلام و ظهر عليهم بالحجة، فقال له برغش نائب القلعة: كل هؤلاء على الضلالة و أنت على الحق؟ [قال نعم‏] فغضب برغش من ذلك و أمره بالخروج من البلد، فارتحل بعد ثلاث إلى بعلبكّ، ثم إلى القاهرة، فآواه الطحانيون فكان يقرأ الحديث بها فثار عليه الفقهاء بمصر أيضا و كتبوا إلى الوزير صفى الدين بن شكر فأقر بنفيه إلى المغرب فمات قبل وصول الكتاب يوم الاثنين الثالث و العشرين من ربيع الأول من هذه السنة، و له سبع و خمسون سنة، و دفن بالقرافة عند الشيخ أبى عمرو بن مرزوق (رحمهما اللَّه). قال السبط: كان عبد الغنى ورعا زاهدا عابدا، يصلى كل يوم ثلاثمائة ركعة كورد الامام أحمد، و يقوم الليل و يصوم عامة السنة، و كان كريما جوادا لا يدخر شيئا، و يتصدق على الأرامل و الأيتام حيث لا يراه أحد، و كان يرقع ثوبه و يؤثر بثمن الجديد، و كان قد ضعف بصره من كثرة المطالعة و البكاء و كان أوحد زمانه في علم الحديث و الحفظ. قلت: و قد هذب شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي كتابه الكمال في أسماء الرجال- رجال الكتب الستة- بتهذيبه الّذي استدرك عليه فيه أماكن كثيرة، نحوا من ألف موضع، و ذلك الامام المزي الّذي لا يمارى و لا يجارى، و كتابه التهذيب لم يسبق إلى مثله، و لا يلحق في شكله ف(رحمهما اللَّه)، فلقد كانا نادرين في زمانهما في أسماء الرجال حفظا و إتقانا و سماعا و إسماعا و سردا للمتون و أسماء الرجال، و الحاسد لا يفلح و لا ينال منالا طائلا.

قال ابن الأثير: و فيها توفى. أبو الفتوح أسعد بن محمود العجليّ‏

صاحب تتمة التتمة أسعد بن أبى الفضل بن محمود بن خلف العجليّ الفقيه الشافعيّ الأصبهاني‏

40

الواعظ منتخب الدين، سمع الحديث و تفقه و برع و صنف تتمة التتمة لأبى سعد الهروي، كان زاهدا عابدا، و له شرح مشكلات الوسيط و الوجيز، توفى في صفر سنة ستمائة.

البناني الشاعر

أبو عبد اللَّه محمد بن المهنا الشاعر المعروف بالبنانى، مدح الخلفاء و الوزراء و غيرهم، و مدح و كبر و علت سنه، و كان رقيق الشعر ظريفه قال:

ظلما ترى مغرما في الحب تزجره* * * و غيره بالهوى أمسيت تنكره‏

يا عاذل الصب لو عانيت قاتله* * * لو جنة و عذار كنت تعذره‏

أفدى الّذي بسحر عينيه يعلمني* * * إذا تصدى لقتلى كيف أسحره‏

يستمتع الليل في نوم و أسهره* * * إلى الصباح و ينساني و أذكره‏

أبو سعيد الحسن بن خلد

ابن المبارك النصراني المارداني الملقب بالوحيد، اشتغل في حداثته بعلم الأوائل و أتقنه و كانت له يد طولى في الشعر الرائق، فمن ذلك قوله قاتله اللَّه.

أتانى كتاب أنشأته أنامل* * * حوت أبحرا من فيضها يغرق البحر

فوا عجبا أنى التوت فوق طرسه* * * و ما عودت بالقبض أنمله العشر

و له أيضا

لقد أثرت صدغاه في لون خده* * * و لاحا كفي‏ء من وراء زجاج‏

ترى عسكرا للروم في الريح مذ بدت* * * كطائفة تسعى ليوم هياج‏

أم الصبح بالليل البهيم موشح* * * حكى آبنوسا في صحيفة عاج‏

لقد غار صدغاه على ورد خده* * * فسيجه من شعره بسياج‏

الطاووسيّ صاحب الطريقة.

العراقي محمد بن العراقي‏

ركن الدين أبو الفضل القزويني، ثم الهمدانيّ، المعروف بالطاوسي، كان بارعا في علم الخلاف و الجدل و المناظرة، أخذ علم ذلك عن رضى الدين النيسابورىّ الحنفي، و صنف في ذلك ثلاث تعاليق قال ابن خلكان: أحسنهن الوسطى، و كانت إليه الرحلة بهمدان، و قد بنى له بعض الحجبة بها مدرسة تعرف بالحاجبية، و يقال إنه منسوب إلى طاووس بن كيسان التابعي فاللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة إحدى و ستمائة

فيها عزل الخليفة ولده محمد الملقب بالظاهر عن ولاية العهد بعد ما خطب له سبعة عشرة سنة، و ولى العهد ولده الآخر عليا، فمات على عن قريب فعاد الأمر إلى الظاهر، فبويع له بالخلافة

41

بعد أبيه الناصر كما سيأتي في سنة ثلاث و عشرين و ستمائة.

و فيها وقع حريق عظيم بدار الخلافة في خزائن السلاح، فاحترق من ذلك شي‏ء كثير من السلاح و الأمتعة و المساكن ما يقارب قيمته أربعة آلاف ألف دينار، و شاع خبر هذا الحريق في الناس، فأرسلت الملوك من سائر الأقطار هدايا أسلحة إلى الخليفة عوضا عن ذلك و فوقه من ذلك شيئا كثيرا.

و فيها عاثت الكرج ببلاد المسلمين فقتلوا خلقا، و أسروا آخرين. و فيها وقعت الحرب بين أمير مكة قتادة الحسيني، و بين أمير المدينة سالم بن قاسم الحسيني، و كان قتادة قد قصد المدينة فحصر سالما فيها، فركب إليه سالم بعد ما صلى عند الحجرة فاستنصر اللَّه عليه، ثم برز إليه فكسره و ساق وراءه إلى مكة فحصره بها، ثم إن قتادة أرسل إلى أمراء سالم فأفسدهم عليه فكر سالم راجعا إلى المدينة سالما.

و فيها ملك غياث الدين كنجشرى بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج بلاد الروم و استلبها من ابن أخيه، و استقر هو بها و عظم شأنه و قويت شوكته، و كثرت عساكره و أطاعه الأمراء و أصحاب الأطراف، و خطب له الأفضل بن صلاح الدين بسميساط، و سار إلى خدمته. و اتفق في هذه السنة أن رجلا ببغداد نزل إلى دجلة يسبح فيها و أعطى ثيابه لغلامه فغرق في الماء فوجد في ورقة بعمامته هذه الأبيات:

يا أيها الناس كان لي أمل قصر بى عن بلوغه الأجل‏

فليتق اللَّه ربه رجل* * * أمكنه في حياته العمل‏

ما أنا وحدي بفناء بيت* * * يرى كل إلى مثله سينتقل‏

و فيها توفى من الأعيان.

أبو الحسن على بن عنتر بن ثابت الحلي‏

المعروف بشميم، كان شيخا أديبا لغويا شاعرا جمع من شعره حماسة كان يفضلها على حماسة أبى تمام، و له خمريات يزعم أنها أفحل من التي لأبى نواس. قال أبو شامة في الذيل: كان قليل الدين ذا حماقة و رقاعة و خلاعة، و له حماسة و رسائل. قال ابن الساعي: قدم بغداد فأخذ النحو عن ابن الخشاب، حصل منه طرفا صالحا، و من اللغة و أشعار العرب، ثم أقام بالموصل حتى توفى بها. و من شعره:

لا تسرحن الطرف في مقل المها* * * فمصارع الآجال في الآمال‏

كم نظرة أردت و ما أخرت* * * يد كم قبلت أوان قتال‏

سنحت و ما سمحت بتسليمة* * * و أغلال التحية فعلة المحتال‏

و له في التجنيس:

ليت من طول بالشأم* * * ثواه و ثوابه‏

*

جعل العود إلى الزوراء* * * من بعض ثوابه‏

42

أ ترى يوطئنى الدهر* * * ثرى مسك ترابه‏

*

و أرانى نور عيني* * * موطئا لي و ثرى به‏

و له أيضا في الخمر و غيره:

أبو نصر محمد بن سعد اللَّه [ (1)]

ابن نصر بن سعيد الأرتاحي، كان سخيا بهيا واعظا حنبليا فاضلا شاعرا مجيدا و له:

نفس الفتى إن أصلحت أحوالها* * * كان إلى نيل المنى أحوى لها

و إن تراها سددت أقوالها* * * كان على حمل العلى أقوى لها

فان تبدت حال من لها لها* * * في قبره عند البلى لها لها

أبو العباس أحمد بن مسعود

ابن محمد القرطبي الخزرجي، كان إماما في التفسير و الفقه و الحساب و الفرائض و النحو و اللغة و العروض و الطب، و له تصانيف حسان، و شعر رائق منه قوله:

و في الوجنات ما في الروض لكن* * * لرونق زهرها معنى عجيب‏

و أعجب ما التعجب منه* * * أنى لتيار تحمله عصيب [ (2)]

أبو الفداء إسماعيل بن برتعس السنجاري‏

مولى صاحبها عماد الدين زنكي بن مودود، و كان جنديا حسن الصورة مليح النظم كثير الأدب و من شعره ما كتب به إلى الأشرف موسى بن العادل يعزيه في أخ له اسمه يوسف:

دموع المعالي و المكارم أذرفت* * * و ربع العلى قاع لفقدك صفصف‏

غدا الجود و المعروف في اللحد ثاويا* * * غداة ثوى في ذلك اللحد يوسف‏

متى خطفت يد المنية روحه* * * و قد كان للأرواح بالبيض يخطف‏

سقته ليالي الدهر كأس حمامها* * * و كان بسقى الموت في الحرب يعرف‏

فوا حسرتا لو ينفع الموت حسرة* * * و وا أسفا لو كان يجدي التأسف‏

و كان على الارزاء نفسي قوية* * * و لكنها عن حمل ذا الرزء تضعف‏

أبو الفضل بن الياس بن جامع الإربلي‏

تفقه بالنظاميّة و سمع الحديث، و صنف التاريخ و غيره، و تفرد بحسن كتابة الشروط، و له فضل و نظم، فمن شعره:

أ ممرض قلبي، ما لهجرك آخر؟* * * و مسهر طرفي، هل خيالك زائر؟

و مستعذب التعذيب جورا بصده* * * أ ما لك في شرع المحبة زاجر؟

هنيئا لك القلب الّذي قد وقفته* * * على ذكر أيامى و أنت مسافر

____________

[ (1)] في النجوم الزاهرة: محمد بن أحمد بن حامد أبو عبد اللَّه‏

[ (2)] كذا في الأصل و البيت مضطرب فليحرر

43

فلا فارق الحزن المبرح خاطري* * * لبعدك حتى يجمع الشمل قادر

فان مت فالتسليم منى عليكم* * * يعاودكم ما كبر اللَّه ذاكر

أبو السعادات الحلي‏

التاجر البغدادي الرافضيّ، كان في كل جمعة يلبس لأمة الحرب و يقف خلف باب داره، و الباب مجاف عليه، و الناس في صلاة الجمعة، و هو ينتظر أن يخرج صاحب الزمان من سرداب سامرا- يعنى محمد بن الحسن العسكري- ليميل بسيفه في الناس نصرة للمهدي.

أبو غالب بن كمنونة اليهودي‏

الكاتب، كان يزور على خط ابن مقلة من قوة خطه، توفى لعنه اللَّه بمطمورة واسط، ذكره ابن الساعي: في تاريخه.

ثم دخلت سنة ثنتين و ستمائة

فيها وقعت حرب عظيمة بين شهاب الدين محمد بن سام الغورى، صاحب غزنة، و بين بنى بوكر أصحاب الجبل الجودي، و كانوا قد ارتدوا عن الإسلام فقاتلهم و كسرهم و غنم منهم شيئا كثيرا لا يعد و لا يوصف، فاتبعه بعضهم حتى قتله غيلة في ليلة مستهل شعبان منها بعد العشاء، و كان (رحمه اللَّه) من أجود الملوك سيرة و أعقلهم و أثبتهم في الحرب، و لما قتل كان في صحبته فخر الدين الرازيّ، و كان يجلس للوعظ بحضرة الملك و يعظه، و كان السلطان يبكى حين يقول في آخر مجلسه يا سلطان سلطانك لا يبقى، و لا يبقى الرازيّ أيضا و إن مردنا جميعا إلى اللَّه، و حين قتل السلطان اتهم الرازيّ بعض الخاصكية بقتله، فخاف من ذلك و التجأ إلى الوزير مؤيد الملك بن خواجا، فسيره إلى حيث يأمن و تملك غزنة بعده أحد مماليكه تاج الدر، و جرت بعد ذلك خطوب يطول ذكرها، قد استقصاها ابن الأثير و ابن الساعي.

و فيها أغارت الكرج على بلاد المسلمين فوصلوا إلى أخلاط فقتلوا و سبوا و قاتلهم المقاتلة و العامة.

و فيها سار صاحب إربل مظفر الدين كوكرى و صحبته صاحب مراغة لقتال ملك أذربيجان، و هو أبو بكر بن البهلول، و ذلك لنكوله عن قتال الكرج و إقباله على السكر ليلا و نهارا، فلم يقدروا عليه، ثم إنه تزوج في هذه السنة بنت ملك الكرج، فانكف شرهم عنه. قال ابن الأثير: و كان كما يقال أغمد سيفه و سل أيره. و فيها استوزر الخليفة نصير الدين ناصر بن مهدي ناصر العلويّ الحسنى و خلع عليه بالوزارة و ضربت الطبول بين يديه و على بابه في أوقات الصلوات. و فيها أغار صاحب بلاد الأرمن و هو ابن لاون على بلاد حلب فقتل و سبى و نهب، فخرج إليه الملك الظاهر غازى بن الناصر فهرب ابن لاون بين يديه، فهدم الظاهر قلعة كان قد بناها و دكها إلى الأرض. و في شعبان منها

44

هدمت القنطرة الرومانية عند الباب الشرقي، و نشرت حجارتها ليبلط بها الجامع الأموي بسفارة الوزير صفى الدين بن شكر، وزير العادل، و كمل تبليطه في سنة أربع و ستمائة.

و فيها توفى من الأعيان.

شرف الدين أبو الحسن‏

على بن محمد بن على جمال الإسلام الشهرزوريّ، بمدينة حمص، و قد كان أخرج إليها من دمشق، و كان قبل ذلك مدرسا بالأمينية و الحلقة بالجامع تجاه البرادة، و كان لديه علم جيد بالمذهب و الخلاف.

التقى عيسى بن يوسف‏

ابن أحمد العراقي الضرير، مدرس الأمينية أيضا، كان يسكن المنارة الغربية، و كان عنده شاب يخدمه و يقود به فعدم للشيخ دراهم فاتهم هذا الشاب بها فلم يثبت له عنده شيئا، و اتهم الشيخ عيسى هذا بأنه يلوط به، و لم يكن يظن الناس أن عنده من المال شي‏ء، فضاع المال و اتهم عرضه، فأصبح يوم الجمعة السابع من ذي القعدة مشنوقا ببيته بالمأذنة الغربية، فامتنع الناس من الصلاة عليه لكونه قتل نفسه، فتقدم الشيخ فخر الدين عبد الرحمن بن عساكر فصلى عليه، فائتم به بعض الناس قال أبو شامة: و إنما حمله على ما فعله ذهاب ماله و الوقوع في عرضه، قال و قد جرى لي أخت هذه القضية فعصمني اللَّه سبحانه بفضله، قال و قد درس بعده في الأمينية الجمال المصري وكيل بيت المال‏

أبو الغنائم المركيسهلار البغدادي‏

كان يخدم مع عز الدين نجاح السراى، و حصل أموالا جزيلة، كان كلما تهيأ له مال اشترى به ملكا و كتبه باسم صاحب له يعتمد عليه، فلما حضرته الوفاة أوصى ذلك الرجل أن يتولى أولاده و ينفق عليهم من ميراثه مما تركه لهم، فمرض الموصى إليه بعد قليل فاستدعى الشهود ليشهدهم على نفسه أن ما في يده لورثة أبى الغنائم، فتمادى ورثته بإحضار الشهود و طولوا عليه و أخذته سكتة فمات فاستولى ورثته على تلك الأموال و الأملاك، و لم يقضوا أولاد أبى الغنائم منها شيئا مما ترك لهم.

أبو الحسن على بن سعاد الفارسي‏

تفقه ببغداد و أعاد بالنظاميّة و ناب في تدريسها و استقل بتدريس المدرسة التي أنشأتها أم الخليفة و أزيد على نيابة القضاء عن أبى طالب البخاري فامتنع فألزم به فباشره قليلا، ثم دخل يوما إلى مسجد فلبس على رأسه مئزر صوف، و أمر الوكلاء و الجلاوزة أن ينصرفوا عنه، و أشهد على نفسه بعزلها عن نيابة القضاء، و استمر على الاعادة و التدريس (رحمه اللَّه).

و في يوم الجمعة العشرين من ربيع الأول توفيت الخاتون‏

أم السلطان الملك المعظم عيسى بن العادل، فدفنت بالقبة بالمدرسة المعظمية بسفح قائسون.

45

الأمير مجير الدين طاشتكين المستنجدي‏

أمير الحاج و زعيم بلاد خوزستان، كان شيخا خيرا حسن السيرة كثير العبادة، غاليا في التشيع، توفى بتستر ثانى جمادى الآخرة و حمل تابوته إلى الكوفة فدفن بمشهد على لوصيته بذلك، هكذا ترجمه ابن الساعي في تاريخه، و ذكر أبو شامة في الذيل أنه طاشتكين بن عبد اللَّه المقتفوي أمير الحاج، حج بالناس ستا و عشرين سنة، كان يكون في الحجاز كأنه ملك، و قد رماه الوزير ابن يونس بأنه يكاتب صلاح الدين فحبسه الخليفة، ثم تبين له بطلان ما ذكر عنه فأطلقه و أعطاه خوزستان ثم أعاده إلى إمرة الحج، و كانت الحلة الشيعية إقطاعه، و كان شجاعا جوادا سمحا قليل الكلام، يمضى عليه الأسبوع لا يتكلم فيه بكلمة، و كان فيه حلم و احتمال، استغاث به رجل على بعض نوابه فلم يرد عليه، فقال له الرجل المستغيث: أ حمار أنت؟ فقال: لا. و فيه يقول ابن التعاويذي.

و أمير على البلاد مولى* * * لا يجيب الشاكي بغير السكوت‏

كلما زاد رفعة حطنا اللَّه* * * بتفيله إلى البهموت‏

و قد سرق فراشه حياجبة له فأرادوا أن يستقروه عليها، و كان قد رآه الأمير طاشتكين حين أخذها فقال: لا تعاقبوا أحدا، قد أخذها من لا يردها، و رآه حين أخذها من لا ينم عليه، و قد كان بلغ من العمر تسعين سنة، و اتفق أنه استأجر أرضا مدة ثلاثمائة سنة للوقف، فقال فيه بعض المضحكين: هذا لا يوقن بالموت، عمره تسعون سنة و استأجر أرضا ثلاثمائة سنة، فاستضحك القوم و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.

ثم دخلت سنة ثلاث و ستمائة

فيها جرت أمور طويلة بالمشرق بين الغورية و الخوارزمية، و ملكهم خوارزم شاه بن تكش ببلاد الطالقان. و فيها ولى الخليفة القضاء ببغداد لعبد اللَّه بن الدامغانيّ. و فيها قبض الخليفة على عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر الجيلاني، بسبب فسقه و فجوره، و أحرقت كتبه و أمواله قبل ذلك لما فيها من كتب الفلاسفة، و علوم الأوائل، و أصبح يستعطى بين الناس، و هذا بخطيئة قيامه على أبى الفرج ابن الجوزي، فإنه هو الّذي كان وشى به إلى الوزير ابن القصاب حتى أحرقت بعض كتب ابن الجوزي، و ختم على بقيتها، و نفى إلى واسط خمس سنين، و الناس يقولون: في اللَّه كفاية و في القرآن، و جزاء سيئة سيئة مثلها، و الصوفية يقولون: الطريق يأخذ.

و الأطباء يقولون الطبيعة مكافئة. و فيها نازلت الفرنج حمص فقاتلهم ملكها أسد الدين شيركوه، و أعانه بالمدد الملك الظاهر صاحب حلب فكف اللَّه شرهم. و فيها اجتمع شابان [ (1)] ببغداد على الخمر

____________

[ (1)] أحدهما أبو القاسم أحمد بن المقرئ صاحب ديوان الخليفة، داعب ابن الأمير أصبه. و كان شابا جميلا فرماه بسكين فقتله. فسلمه الخليفة إلى أولاد ابن أصبه فقتلوه. (النجوم ج 6 ص 192)

46

فضرب أحدهما الآخر بسكين فقتله و هرب، فأخذ فقتل فوجد معه رقعة فيها بيتان من نظمه أمر أن تجعل بين أكفانه:

قدمت على الكريم بغير زاد* * * من الأعمال بالقلب السليم‏

و سوء الظن أن تعتد زادا* * * إذا كان القدوم على كريم‏

و فيها توفى من الأعيان.

الفقيه أبو منصور

عبد الرحمن بن الحسين بن النعمان النبلى، الملقب بالقاضي شريح لذكائه و فضله و برعاته و عقله و كمال أخلاقه، ولى قضاء بلده ثم قدم بغداد فندب إلى المناصب الكبار فأباها، فحلف عليه الأمير طاشتكين أن يعمل عنده في الكتابة فخدمه عشرين سنة، ثم وشى به الوزير ابن مهدي إلى المهدي فحبسه في دار طاشتكين إلى أن مات في هذه السنة، ثم إن الوزير الواشي عما قريب حبس بها أيضا، و هذا مما نحن فيه من قوله: كما تدين تدان.

عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر

كان ثقة عابدا زاهدا ورعا، لم يكن في أولاد الشيخ عبد القادر الجيلاني خير منه، لم يدخل فيما دخلوا فيه من المناصب و الولايات، بل كان متقللا من الدنيا مقبلا على أمر الآخرة، و قد سمع الكثير و سمع عليه أيضا.

أبو الحزم مكي بن زيان‏

ابن شبة بن صالح الماكسيني، من أعمال سنجار، ثم الموصلي النحويّ، قدم بغداد و أخذ على ابن الخشاب و ابن القصار، و الكمال الأنباري، و قدم الشام فانتفع به خلق كثير منهم الشيخ علم الدين السخاوي و غيره و كان ضريرا، و كان يتعصب لأبى العلاء المعرى لما بينهما من القدر المشترك في الأدب و العمى، و من شعره:

إذا احتاج النوال إلى شفيع* * * فلا تقبله تصبح قرير عين‏

إذا عيف النوال لفرد من* * * فأولى أن يعاف لمنتين‏

و من شعره أيضا:

نفسي فداء لا غيد غنج* * * قال لنا الحق حين ودّعنا

من ود شيئا من حبه طمعا* * * في قتله للوداع ودّعنا

إقبال الخادم‏

جمال الدين أحد خدام صلاح الدين، واقف الاقباليتين الشافعية و الحنفية، و كانتا دارين فجعلهما مدرستين، و وقف عليهما وقفا الكبيرة للشافعية و الصغيرة للحنفية، و عليها ثلث الوقف. توفى بالقدس‏

47

(رحمه اللَّه).

ثم دخلت سنة أربع و ستمائة

فيها رجع الحجاج إلى العراق و هم يدعون اللَّه و يشكون إليه ما لقوا من صدر جهان البخاري الحنفي، الّذي كان قدم بغداد في رسالة فاحتفل به الخليفة، و خرج إلى الحج في هذه السنة، فضيق على الناس في المياه و الميرة، فمات بسبب ذلك ستة آلاف من حجيج العراق، و كان فيما ذكروا يأمر غلمانه فتسبق إلى المناهل فيحجزون على المياه و يأخذون الماء فيرشونه حول خيمته في قيظ الحجاز و يسقونه للبقولات التي كانت تحمل معه في ترابها، و يمنعون منه الناس و ابن السبيل، الآمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم و رضوانا، فلما رجع مع الناس لعنته العامة و لم تحتفل به الخاصة و لا أكرمه الخليفة و لا أرسل إليه أحدا، و خرج من بغداد و العامة من ورائه يرجمونه و يلعنونه، و سماه الناس صدر جهنم، نعوذ باللَّه من الخذلان، و نسأله أن يزيدنا شفقة و رحمة لعباده، فإنه إنما يرحم من عباده الرحماء. و فيها قبض الخليفة على وزيره ابن مهدي العلويّ، و ذلك أنه نسب إليه أنه يروم الخلافة، و قيل غير ذلك من الأسباب، و المقصود أنه حبس بدار طاشتكين حتى مات بها، و كان جبارا عنيدا، حتى قال بعضهم فيه:

خليلي قولا للخليفة و انصحا* * * توق وقيت السوء ما أنت صانع‏

وزيرك هذا بين أمرين فيهما* * * صنيعك يا خير البرية ضائع‏

فان كان حقا من سلالة حيدر* * * فهذا وزير في الخلافة طامع‏

و إن كان فيما يدعى غير صادق* * * فاضيع ما كانت لديه الصنائع‏

و قيل: إنه كان عفيفا عن الأموال حسن السيرة جيد المباشرة فاللَّه أعلم بحاله. و في رمضان منها رتب الخليفة عشرين دارا للضيافة يفطر فيها الصائمون من الفقراء، يطبخ لهم في كل يوم فيها طعام كثير و يحمل إليها أيضا من الخبز النقي و الحلواء شي‏ء كثير، و هذا الصنيع يشبه ما كانت قريش تفعله من الرفادة في زمن الحج، و كان يتولى ذلك عمه أبو طالب، كما كان العباس يتولى السقاية، و قد كانت فيهم السفارة و اللواء و الندوة له، كما تقدم بيان ذلك في مواضعه، و قد صارت هذه المناصب كلها على أتم الأحوال في الخلفاء العباسيين. و فيها أرسل الخليفة الشيخ شهاب الدين الشهرزوريّ و في صحبته سنقر السلحدار إلى الملك العادل بالخلعة السنية، و فيها الطوق و السواران، و إلى جميع أولاده بالخلع أيضا. و فيها ملك الأوحد بن العادل صاحب ميافارقين مدينة خلاط بعد قتل صاحبها شرف الدين بكتمر، و كان شابا جميل الصورة جدا، قتله بعض مماليكهم [ (1)] ثم قتل القاتل أيضا، فخلا البلد عن ملك فأخذها الأوحد بن العادل.

و فيها ملك خوارزم شاه محمد بن تكش بلاد ما وراء النهر بعد حروب طويلة. اتفق له في بعض‏

____________

[ (1)] اسمه: الهزاردينارى (انظر النجوم ج 6 ص 188).

48

المواقف أمر عجيب، و هو أن المسلمين انهزموا عن خوارزم شاه و بقي معه عصابة قليلة من أصحابه، فقتل منهم كفار الخطا من قتلوا، و أسروا خلقا منهم، و كان السلطان خوارزم شاه في جملة من أسروا، أسره رجل و هو لا يشعر به و لا يدرى أنه الملك، و أسر معه أميرا يقال له مسعود، فلما وقع ذلك و تراجعت العساكر الإسلامية إلى مقرها فقدوا السلطان فاختبطوا فيما بينهم و اختلفوا اختلافا كثيرا و انزعجت خراسان بكمالها، و من الناس من حلف أن السلطان قد قتل، و أما ما كان من أمر السلطان و ذاك الأمير فقال الأمير للسلطان: من المصلحة أن تترك اسم الملك عنك في هذه الحالة، و تظهر أنك غلام لي، فقبل منه ما قال و أشار به، ثم جعل الملك يخدم ذلك الأمير يلبسه ثيابه و يسقيه الماء و يصنع له الطعام و يضعه بين يديه، و لا يألو جهدا في خدمته، فقال الّذي أسرهما: إني أرى هذا يخدمك فمن أنت؟ فقال: أنا مسعود الأمير، و هذا غلامي، فقال: و اللَّه لو علم الأمراء أنى قد أسرت أميرا و أطلقته لأطلقتك، فقال له: إني إنما أخشى على أهلي، فإنهم يظنون أنى قد قتلت و يقيمون المأتم، فان رأيت أن تفادينى على مال و ترسل من يقبضه منهم فعلت خيرا، فقال: نعم، فعين رجلا من أصحابه فقال له الأمير مسعود: إن أهلي لا يعرفون هذا و لكن إن رأيت أن أرسل معه غلامي هذا فعلت ليبشرهم بحياتي فإنهم يعرفونه، ثم يسعى في تحصيل المال، فقال: نعم، فجهز معهما من يحفظهما إلى مدينة خوارزم شاه. فلما دنوا من مدينة خوارزم سبق الملك إليها. فلما رآه الناس فرحوا به فرحا شديدا، و دقت البشائر في سائر بلاده، و عاد الملك إلى نصابه، و استقر السرور بايابه، و أصلح ما كان و هي من مملكته بسبب ما اشتهر من قتله، و حاصر هراة و أخذها عنوة. و أما الّذي كان قد أسره فإنه قال يوما للأمير مسعود الّذي يتوجه لي و ينوهون به أن خوارزم شاه قد قتل، فقال: لا، هو الّذي كان في أسرك، فقال له: فهلا أعلمتنى به حتى كنت أرده موقرا معظما؟ فقال: خفتك عليه، فقال: سر بنا إليه، فسارا إليه فأكرمهما إكراما زائدا، و أحسن إليهما. و أما غدر صاحب سمرقند فإنه قتل كل من كان في أسره من الخوارزمية، حتى كان الرجل يقطع قطعتين و يعلق في السوق كما تعلق الأغنام، و عزم على قتل زوجته بنت خوارزم شاه ثم رجع عن قتلها و حبسها في قلعة و ضيق عليها، فلما بلغ الخبر إلى خوارزم شاه سار إليه في الجنود فنازله و حاصر سمرقند فأخذها قهرا و قتل من أهلها نحوا من مائتي ألف، و أنزل الملك من القلعة و قتله صبرا بين يديه، و لم يترك له نسلا و لا عقبا، و استحوذ خوارزم شاه على تلك الممالك التي هنالك، و تحارب الخطا و ملك التتار كشلى خان المتاخم لمملكة الصين، فكتب ملك الخطا لخوارزم شاه يستنجده على التتار و يقول: متى غلبونا خلصوا إلى بلادك، و كذا و كذا. و كتب التتار إليه أيضا يستنصرونه على الخطا و يقولون: هؤلاء أعداؤنا و أعداؤك، فكن معنا عليهم، فكتب إلى‏

49

كل من الفريقين يطيب قلبه، و حضر الوقعة بينهم و هو متحيز عن الفريقين، و كانت الدائرة على الخطا، فهلكوا إلا القليل منهم، و غدر التتار ما كانوا عاهدوا عليه خوارزم شاه، فوقعت بينهم الوحشة الأكيدة، و تواعدوا للقتال، و خاف منهم خوارزم شاه و خرب بلادا كثيرة متاخمة لبلاد كشلى خان خوفا عليها أن يملكها، ثم إن جنكيزخان خرج على كشلى خان، فاشتغل بمحاربته عن محاربة خوارزم شاه، ثم إنه وقع من الأمور الغريبة ما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى.

و فيها كثرت غارات الفرنج من طرابلس على نواحي حمص، فضعف صاحبها أسد الدين شيركوه عن مقاومتهم، فبعث إليه الظاهر صاحب حلب عسكرا قواه بهم على الفرنج، و خرج العادل من مصر في العساكر الإسلامية، و أرسل إلى جيوش الجزيرة فوافوه على عكا فحاصرها، لأن القبارصة أخذوا من أسطول المسلمين قطعا فيها جماعة من المسلمين، فطلب صاحب عكا الأمان و الصلح على أن يرد الأسارى، فأجابه إلى ذلك، و سار العادل فنزل على بحيرة قدس قريبا من حمص، ثم سار إلى بلاد طرابلس، فأقام اثنى عشر يوما يقتل و يأسر و يغنم، حتى جنح الفرنج إلى المهادنة، ثم عاد إلى دمشق.

و فيها ملك صاحب آذربيجان الأمير نصير الدين أبو بكر بن البهلول مدينة مراغة لخلوها عن ملك قاهر، لأن ملكها مات و قام بالملك بعده ولد له صغير، فدبر أمره خادم له. و في غرة ذي القعدة شهد محيي الدين أبو محمد يوسف بن عبد الرحمن بن الجوزي عند قاضى القضاة أبى القاسم بن الدامغانيّ، فقبله و ولاه حسبة جانبي بغداد، و خلع عليه خلعة سنية سوداء بطرحة كحلية، و بعد عشرة أيام جلس للوعظ مكان أبيه أبى الفرج بباب درب الشريف، و حضر عنده خلق كثير. و بعد أربعة أيام من يومئذ درس بمشهد أبى حنيفة ضياء الدين أحمد بن مسعود الركسانى الحنفي، و حضر عنده الأعيان و الأكابر و في رمضان منها وصلت الرسل من الخليفة إلى العادل بالخلع، فلبس هو و ولداه المعظم و الأشرف و وزيره صفى الدين بن شكر، و غير واحد من الأمراء، و دخلوا القلعة وقت صلاة الظهر من باب الحديد، و قرأ التقليد الوزير و هو قائم، و كان يوما مشهودا. و فيها درس شرف الدين عبد اللَّه ابن زين القضاة عبد الرحمن بالمدرسة الرواحية بدمشق. و فيها انتقل الشيخ الخير بن البغدادي من الحنبلية إلى مذهب الشافعية، و درس بمدرسة أم الخليفة، و حضر عنده الأكابر من سائر المذاهب.

و فيها توفى من الأعيان‏

الأمير بنيامين بن عبد اللَّه‏

أحد أمراء الخليفة الناصر، كان من سادات الأمراء عقلا و عفة و نزاهة، سقاه بعض الكتاب من النصارى سما فمات. و كان اسم الّذي سقاه ابن سأوا، فسلمه الخليفة إلى غلمان بنيامين فشفع فيه ابن مهدي الوزير و قال: إن النصارى قد بذلوا فيه خمسين ألف دينار، فكتب الخليفة على رأس الورقة

50

إن الأسود أسود الغاب همتها* * * يوم الكريهة في المسلوب لا السلب‏

فتسلمه غلمان بنيامين فقتلوه و حرقوه، و قبض الخليفة بعد ذلك على الوزير ابن مهدي كما تقدم‏

حنبل بن عبد اللَّه‏

ابن الفرج بن سعادة الرصافيّ الحنبلي، المكبر بجامع المهدي، راوي مسند أحمد عن ابن الحصين عن ابن المذهب عن ابى مالك عن عبد اللَّه عن أبيه، عمر تسعين سنة و خرج من بغداد فأسمعه بإربل، و استقدمه ملوك دمشق إليها فسمع الناس بها عليه المسند، و كان المعظم يكرمه و يأكل عنده على السماط من الطيبات، فتصيبه التخمة كثيرا، لأنه كان فقيرا ضيق الأمعاء من قلة الأكل، خشن العيش ببغداد، و كان الكندي إذا دخل على المعظم يسأل عن حنبل فيقول المعظم هو متخوم، فيقول أطعمه العدس فيضحك المعظم، ثم أعطاه المعظم مالا جزيلا و رده إلى بغداد فتوفى بها، و كان مولده سنة عشر و خمسمائة، و كان معه ابن طبرزد، فتأخرت وفاته عنه إلى سنة سبع و ستمائة.

عبد الرحمن بن عيسى‏

ابن أبى الحسن المروزي الواعظ البغدادي، سمع من ابن أبى الوقت و غيره، و اشتغل على ابن الجوزي بالوعظ، ثم حدثته نفسه بمضاهاته و شمخت نفسه، و اجتمع عليه طائفة من أهل باب النصيرة ثم تزوج في آخر عمره و قد قارب السبعين، فاغتسل في يوم بارد فانتفخ ذكره فمات في هذه السنة.

الأمير زين الدين قراجا الصلاحى‏

صاحب صرخد، كانت له دار عند باب الصغير عند قناة الزلاقة، و تربته بالسفح في قبة على جادة الطريق عند تربة ابن تميرك، و أقر العادل ولده يعقوب على صرخد.

عبد العزيز الطبيب‏

توفى فجأة، و هو والد سعد الدين الطبيب الأشرفي، و فيه يقول ابن عنين:

فراري و لا خلف الخطيب جماعة* * * و موت و لا عبد العزيز طبيب‏

و فيها توفى العفيف بن الدرحى‏

إمام مقصورة الحنفية الغربية بجامع بنى أمية.

أبو محمد جعفر بن محمد

ابن محمود بن هبة اللَّه بن أحمد بن يوسف الإربلي، كان فاضلا في علوم كثيرة في الفقه على مذهب الشافعيّ، و الحساب و الفرائض و الهندسة و الأدب و النحو، و ما يتعلق بعلوم القرآن العزيز و غير ذلك. و من شعره:

لا يدفع المرء ما يأتى به القدر* * * و في الخطوب إذا فكرت معتبر