الحسين و بطلة كربلاء

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
528 /
11

المجالس الحسينيّة

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

المقدّمة

ابتدي‏ء بسم اللّه و بحمده، و اصلّي على النّبيّ و آله، و السّلام على سبطه الشّهيد أبي عبد اللّه الحسين إمام الهدى و العروة الوثقى.

و بعد، فقد اعتاد الباحثون أن ينظروا إلى يوم الحسين (عليه السّلام) على أنّه امتداد للصّراع بين هاشم و اميّة، و أنّه نتيجة لحوادث متتابعة، منها محاربة أبي سفيان جدّ يزيد للرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) جدّ الحسين، و منها محاربة معاوية أبي يزيد للإمام عليّ (عليه السّلام) أبي الحسين، و منها وقوف الحسين حائلا بين يزيد و زينب زوّجة عبد اللّه بن سلّام، إلى غير ذلك‏ (1).

و سواء أكان يوم الحسين من ثمرات التّخاصم بين الآباء و الأجداد، أم بين الأولاد و الأحفاد فإنّ الإمام الصّادق (عليه السّلام) قد أوضح سبب ذا العداء بقوله: «نحن و آل أبي سفيان تعادينا في اللّه، قلنا: صدق اللّه. و قالوا كذب اللّه» (2).

و هذه الصّفحات تقدّم الأرقام على هذه الحقيقة، و إنّ العداء بينهما إنّما هو

____________

(1) انظر، الإتحاف بحبّ الأشراف الشّيخ عبد اللّه بن محمّد بن عامر الشّبراوي: 449، بتحقّيقنا، الإمامة و السّياسة: 1/ 217، النّصائح الكافية لمن يتولى معاوية: 129، و من أراد المزيد فعليه مطالعة (دراسة عن أرينب بنت إسحاق) لعبد اللّه بن حسّون العليّ، مطبعة الزّهراء سنة (1950 ه 2).

(2) انظر، مجمع الزّوائد: 7/ 239، مسند البزّار: 2/ 191 ح 571، وقعة صفّين لنصر بن مزاحم: 318، معاني الأخبار: 246، النّصائح الكافية لمن يتولى معاوية: 46، المعيار و الموازنة: 145.

14

عداء بين الكفر الّذي يتمثّل في الأمويّين، و بين الإيمان الّذي يتجسّم في أهل البيت (عليهم السّلام)، و ذكرت مع كلّ رقم جملة تناسبه ممّا حدث يوم الطّفّ، عسى أن يتلو الموالون لأهل البيت بعض صفحات الكتاب في المجالس الحسينيّة، لأشارك في الثّواب، و الحسنات من أحيا أمرهم، و عظّم شعائرهم. قال الإمام زين العابدين (عليه السّلام):

«أللّهمّ صلّ على محمّد و آله، و اشغل قلوبنا بذكرك عن كلّ ذكر، و ألسنتنا بشكرك عن كلّ شكر، و جوارحنا بطاعتك عن كلّ طاعة فإن قدّرت لنا فراغا من شغل فاجعله فراغ سلامة لا تدركنا فيه تبعة، و لا تلحقنا فيه سأمة، حتّى ينصرف عنّا كتّاب السّيّئات بصحيفة خالية من ذكر سيّئاتنا، و يتولّى كتّاب الحسنات عنّا مسرورين بما كتبوا من حسناتنا ...» (1).

لا شي‏ء أسوأ أثرا، و أكثر ضررا من الفراغ، هذا فقير عاطل عن العمل لا يجد وسيلة تدر عليه ثمن الرّغيف، فيجرم، و يحتال بكلّ طريقة للحصول على العيش، و ذاك غني كسول يقتل وقته و نفسه بإدمان الشّراب، و الإفراط في أنواع الملذّات، و ثالث يقبض راتبا، أو يملك عقارا، أو يجد كفيلا يؤمّن له الحياة، و يتّسع وقته لأكثر من الأكل و النّوم، و لا شي‏ء يؤهله لغير الأكل و النّوم، فيملأ فراغه بالقال، و الإشتغال بهذا طويل، و ذاك قصير ...

و إذا عرفنا ما في الفراغ من مفاسد عرفنا السّر في قول الإمام زين العابدين (عليه السّلام):

«اللّهمّ صلّ على محمّد و آله، و اشغل قلوبنا بذكرك عن كلّ ذكر، و ألسنتنا

____________

(1) انظر، الصّحيفة السّجاديّة: 165، الدّعاء الحادي عشر، (دعاؤه بخواتم الخير). بتحقّيقنا.

15

بشكرك عن كلّ شكر، و جوارحنا بطاعتك عن كلّ طاعة فإن قدّرت لنا فراغا من شغل فاجعله فراغ سلامة لا تدركنا فيه تبعة، و لا تلحقنا فيه سأمة، حتّى ينصرف عنّا كتّاب السّيّئات بصحيفة خالية من ذكر سيّئاتنا، و يتولّى كتّاب الحسنات عنّا مسرورين بما كتبوا من حسناتنا ...».

خاف الإمام من الفراغ؛ لأنّه يؤدي بصاحبه إلى المحرمات، و الموبقات، فسأل اللّه أن قدّر له شيئا منه أن يجعله فراغ سلامة لا فراغ تهلكة. فراغ المؤمن الّذي يشغل قلبه و لسانه بذكر اللّه عن عيوب النّاس، و عن كلّ ذكر، و جوارحه بطاعة الرّحمن عن طاعة الشّيطان.

إنّ المجرم لا يشعر باللّذة في ذكر اللّه، و مرضاته، بل لا شي‏ء أثقل عليه من ذلك، تماما كالمريض الّذي يجد العسل مرّ المذاق، و من استحوذ عليه الشّيطان لا يطمئن قلبه إلى ذكر اللّه و شكره، و لا تسكن نفسه إلّا الى الحرام، و المنكرات، و لا يرتاح ضميره إلّا بعيوب النّاس، و أكل لحومهم ..

إنّ الحصول على مرضاة اللّه سهل يسير، و السّبيل إلى طاعته يجدها الغنيّ و الفقير، و القويّ و الضّعيف؛ لأنّها ليست سلعة تحتاج إلى مال، و لا عملا شاقّا يفتقر إلى قوّة، إنّها طهارة النّفس، و تنزيه اللّسان عن الغيبة و الكذب، أنّها الشّغل بذكر اللّه عن كلّ ذكر، و بشكره عن كلّ شكر، فمن حمد اللّه مخلصا فهو مطيع، و من قال حقّا فله الأجر و الثّواب، و من اثنى على الصّالحين، و أحبّ عملهم كان معهم، و أي شي‏ء أيسر من الكلام، و تحريك اللّسان؟! ...

أجل، لا شي‏ء أسهل عليك من أن ترضي الرّقيب الّذي عناه اللّه بقوله: ما

16

يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (1). ترضيه بترك الإساءة إلى خلقه، و بكلمة طيّبة يسجلها لك كتاب الحسنات، و يدّخرونها ليوم ينادي فيه النّاس: وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ‏ (2).

إنّ تعاليم أهل البيت لا تنحصر بعلم دون علم، و فضائلهم لا تختص بالكمال في جهة دون جهة، و مبائهم ليست لزمان دون زمان، أنّهم كالقرآن النّاطق الّذي فيه تبيان كلّ شي‏ء، فالمجال، إذن، يتّسع للعارف الّذي قدّر له شي‏ء من فراغ أن يملأه بنشر فضائلهم، و بثّ تعاليمهم، و إحياء ما تركوه للإنسانيّة من تراث. فهذه المجلّدات، في فقههم، و مناقبهم، و اخلاقهم، و أحاديثهم، و مناجاتهم، لا يبلغها الإحصاء، و هي ميسورة لكلّ طالب، فبدلا من أن يقتل الوقت بكلام لا طائل تحته يستطيع أن يحدّث، أو يكتب في جهادهم، و نصرتهم للحقّ و أهله، و في فلسفتهم في الحياة، و فقههم، و أخلاقهم، و أن يفكّر، و يطيل التّفكير في أدعيتهم، و كلامهم الّذي كانوا يناجون به خالق الكائنات. يستطيع أن يقتبس ما شاء، و متى شاء من أنوارهم الّتي لا تبلغ إلى نهاية، و لا تحدّ بلفظ.

و أي شي‏ء أفضل من الحديث عن العترة الطّاهره و مناقبهم؟! و أي علم أجدى، و أنفع من علومهم و مواعظهم؟! أنّها تذكر اللّه، و تبعث على طاعته، و البعد عن معصته، أنّها كالغيث تحيي النّفوس بعد موتها، و تجعلها مع الخالدين و الأنبياء و الصّالحين، و بمقدار ما يبلغ الإنسان من علوم أهل البيت يبلغ حدّه من العظمة و الخلود.

____________

(1) سورة ق: 18.

(2) القصص: 65.

17

إنّ عظمة الكليني، و الطّوسي، و المفيد، و الحلّي، و المجلسي، و الشّهيد، و الأنصاري و غيرهم و غيرهم، لا مصدر لها إلّا علوم أهل البيت، و إلّا لأنّهم عرفوا شيئا من آثارهم، لقد وجد في كلّ عصر أقطاب من الشّعية تنحني الرّؤوس إجلالا لقدرهم مقامهم، و يرتبط تأريخ العلوم بتأريخهم، و لا سرّ إلّا مدرسة أهل البيت و هدايتهم، و حكمتهم و لولاها لم يكونوا شيئا مذكورا.

و بالتالي، فإنّ تأريخ الإماميّة في عقيدهم، و فقههم و أدبهم هو تأريخ الولاء لأهل البيت، و هذه كتبهم و مؤلفاتهم تزخر بأقوال الرّسول و مناقب الأئمّة الأطهار من أبنائه، و إنّ في هذه الصّفحات ذكرا لآل الرّسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد شغلت أمدا من عمري، و لا أعرّفها بأكثر من ذلك.

و الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا- لو لايتهم- وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (1).

____________

(1) الأعراف: 43.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الشّيعة و يوم عاشوراء

لماذا يهتّم الشّيعة هذا الإهتمام البالغ بذكرى الحسين، و يعلنون الحداد عليه، و يقيمون له عشرة أيّام متوالية من كلّ عام؟ هل الحسين أعظم، و أكرم على اللّه من جدّه محمّد، و أبيه عليّ؟! و إذا كان الحسين إماما فأنّ جدّه خاتم الأنبياء، و أباه سيّد الأوصياء! لماذا لا يحيي الشّيعة ذكرى النّبيّ، و الوصيّ، كما يفعلون بذكرى الحسين؟!.

الجواب: أنّ الشّيعة لا يفضلون أحدا على الرّسول الأعظم. أنّه أشرف الخلق دون استثناء، و يفضلون عليّا على النّاس بإستثناء الرّسول، فقد ثبت عندهم أنّ عليّا قال مفاخرا: «أنا خاصف النّعل» (1). أي مصلح حذاء الرّسول. و قال: «لقد

____________

(1) انظر، المعجم الكبير: 6/ 269 ح 6184، تأريخ مدينة دمشق: 42/ 43، شرح النهج لابن أبي الحديد: 13/ 228، بشارة المصطفى: 140، لسان الميزان: 3/ 283، ينابيع المودّة: 82 و 129، الإصابة: 7/ 294 و 354 ح 14078، كنز العمّال: 11/ 616 ح 32990، ميزان الإعتدال: 2/ 212، أرجح المطالب لعبيد اللّه الأمر تسري: 23، مجمع الزّوائد: 9/ 102، المصنّف: 7/ 503 و: 8/ 350، الآحاد و المثاني: 1/ 149، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 4/ 117، نظم درّر السّمطين: 82، إكمال الكمال: 7/ 127، كنز العمّال: 13/ 144، اسد الغابة: 4/ 18، تهذيب الكمال: 20/ 480، جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب لابن الدّمشقي: 1/ 38، المسترشد في الإمامة لمحمّد ابن جرير الطّبريّ: 354، مناقب أمير المؤمنين لمحمّد بن سليمان الكوفي: 1/ 263 و 294، مناقب‏

20

رأينا يوم بدر و نحن نلوذ برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو أقربنا إلى العدوّ، و كان من أشد النّاس يومئذ بأسا» (1). و قال: «دخلت على رسول اللّه و كانت له هيبة و جلال، فلمّا قعدت بين يديه أفحمت، فو اللّه ما استطعت أن أتكلّم» (2).

أجل، أنّ الشّيعة الإماميّة يعتقدون أنّ محمّدا لا يوازيه عند اللّه ملك مقرّب، و لا نبيّ مرسل، و أنّ عليّا خليفته من بعده، و خير أهله، و صحبه، و إقامة عزاء الحسين مظهر لهذه العقيدة، و عمل مجسّم لها، و تتضح هذه الفكرة إذا عرفنا هاتين الحقّيقتين.

____________

آل أبي طالب: 3/ 25، ذخائر العقبى: 58، مناقب أهل البيت: 40، الاستيعاب بهامش الإصابة:

3/ 46، و: 4/ 1744 ح 3157، مسند البزار: 9/ 342 ح 3898، أمثال الحديث: 1/ 68، البيان و التّعريف: 2/ 110 و 111، فيض القدير: 4/ 358، سير أعلام النّبلاء: 23/ 79، ميزان الاعتدال في نقد الرّجال: 3/ 4 ح 259 و 93 ح 4300، لسان الميزان: 2/ 413 ح 1704 و: 3/ 282 ح 1190، العلل المتناهية: 1/ 240 ح 383، كشف الخفاء: 1/ 288 ح 596.

فهو أمير المؤمنين، و يعسوب الدّين و المسلمين، و مبير الشّرك و المشركين، و قاتل النّاكثين و القاسطين و المارقين، و مولى المؤمنين، و شبه هارون، و المرتضى، و نفس الرّسول، و أخوه، و زوج البتول، و سيف اللّه المسلول، و أبو السّبطين، و أمير البررة، و قاتل الفجرة، و قسيم الجنّة و النّار، و صاحب اللّواء، و سيّد العرب، و خاصف النّعل، و كاشف الكرب، و الصّدّيق الأكبر، و أبو الرّيحانتين، و ذو القرنين، و الهادي، و الفاروق، و الدّاعي، و الشّاهد، و باب المدينة، و الولي، و الوصي، و كشّاف الكرب، و قاضي دين الرّسول، و منجز وعده ... إلخ.

(1) انظر، مسند أحمد: 1/ 86، مجمع الزّوائد: 9/ 12، المصنّف للكوفي: 7/ 578، نظم درّر السّمطين: 62، كنز العمّال: 10/ 397 ح 29943، تأريخ دمشق: 4/ 14، البداية و النّهاية: 3/ 340، الشّفا بتعريف حقوق المصطفى: 1/ 116، السّيرة النّبويّة لابن كثير: 2/ 425، سبل الهدى و الرّشاد: 4/ 46.

(2) انظر، ذخائر العقبى: 27، كنز العمّال: 13/ 683 ح 37751، البداية و النّهاية: 3/ 418، المناقب للخورزمي: 335، الذّرّيّة الطّاهرة: 1/ 63 ح 92، مستدرك سفينة البحار: 10/ 579.

21

1- تزوّج الرّسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله)(1)، و هو ابن (25) سنة (2)، و قبض و له (63) سنة (3)، و بقي بعد خديجة دون نساء سنة واحدة (4)، ثمّ تزوّج الكثيرات حتّى‏

____________

(1) أوّل أزواجه (صلّى اللّه عليه و آله): خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، تزوّجها (صلّى اللّه عليه و آله) قبل الوحي و عمره حينئذ خمس و عشرون سنة، و قيل: إحدى و عشرون سنة. و كان عمرها حينئذ أربعين سنة، و أقامت معه أربعا و عشرين سنة، و لم ينكح عليها إمرأة حتّى ماتت. و أمّها: فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ، من بني عامر بن لؤي.

و كانت خديجة رضي اللّه عنها أوسط نسآء قريش نسبا، و أعظمهنّ شرفا، توفيت بعد أبي طالب رضى اللّه عنه بثلاثة أيّام، و سمّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك العام بعام الحزن. (انظر، جوامع السّيرة: 31، اسد الغابة:

7/ 78، المعارف لابن قتيبة: 132 تحقّيق ثروة عكاشة طبعة قم، السّيرة النّبويّة لابن هشام:

1/ 189).

(2) انظر، السّيرة النّبويّة لابن هشام: 1/ 187.

(3) انظر، شرح صحيح مسلم: 9/ 140، و: 17/ 133، الدّيباج على مسلم: 3/ 408 و: 6/ 148، تلخيص الحبير لابن حجر: 4/ 595، مسند أحمد: 1/ 363 و: 5/ 89، السّنن الكبرى: 3/ 196، دلائل النّبوّة للبيهقي: 2/ 153، سنن الدّارمي: 1/ 15 و 18 و 367، مجمع الزّوائد: 2/ 182 و:

8/ 298، البداية و النّهاية: 6/ 141 و: 308، المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي: 7/ 433، صحيح ابن خزيمة: 3/ 140، المعجم الكبير: 12/ 145 و: 23/ 255، الطّبقات الكبرى: 1/ 252، تأريخ دمشق: 4/ 390 و: 7/ 202، اسد الغابة: 1/ 29، الكامل في التّأريخ: 3/ 288، تهذيب الكمال:

1/ 235.

(4) أوّل أزواجه (صلّى اللّه عليه و آله): خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، تزوّجها (صلّى اللّه عليه و آله) قبل الوحي و عمره حينئذ خمس و عشرون سنة، و قيل: إحدى و عشرون سنة. و كان عمرها حينئذ أربعين سنة، و أقامت معه أربعا و عشرين سنة، و لم ينكح عليها إمرأة حتّى ماتت. و أمّها: فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ، من بني عامر بن لؤي.

و كانت خديجة رضي اللّه عنها أوسط نساء قريش نسبا، و أعظمهنّ شرفا، توفّيت بعد أبي طالب رضى اللّه عنه بثلاثة أيّام، و سمّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك العام بعام الحزن. (انظر، جوامع السّيرة: 31، اسد الغابة:

7/ 78، المعارف لابن قتيبة: 132 تحقّيق ثروة عكاشة طبعة قم، السّيرة النّبويّة لابن هشام:

1/ 189).

22

جمع في آن واحد بين تسع‏ (1)، و امتدت حياته الزّوجية (37) عاما، و رزق من خديجة ذكرين: القاسم و عبد اللّه، و هما الطّيب، و الطّاهر، ماتا صغيرين‏ (2)، و رزق منها أيضا أربع بنات: زينب‏ (3)، و أمّ كلثوم‏ (4)، و رقيّة (5)، و فاطمة (6)، أسلمنّ‏

____________

(1) و بعد وفاتها تزوّج سؤدة بنت زمعة، ثمّ عائشة، عقد له عليها أبو بكر في مكّة، و هي بنت ست سنوات، و بني بها النّبيّ في المدينة بعد أن أكملت التّسع و حين توفّي النّبيّ كان لها من العمر ثماني عشرة سنة، و عاشت إلى السّبعين، و ماتت في أيّام معاوية، و أيضا تزوّج النّبيّ أمّ سلمة، و هي بنت عمّته عاتكة بنت عبد المطلب، و حفصة بنت عمر، و زينب بنت جحش، و هي بنت عمّته أميمة بنت عبد المطلب، و جويرية بنت الحارث، و أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، و صفية بنت حي بن أحطب، و ميمونة بنت الحارث، خالة عبد اللّه ابن عبّاس، و مارية القبطية، و ريحانة بنت زيد، و تكانة بنت عمرو، و قد دخل بهؤلاء جميعا، و كنّ ثيّبات إلّا عائشة كانت بكرا، و له زوّجات أخر طلقهنّ قبل الدّخول.

انظر، اسد الغابة: 7/ 157، المعارف: 123، السّيرة لابن هشام: 4/ 283، الإصابة: 7/ 209 و:

8/ 157، الإستيعاب: 4/ 1813، الطّبقات الكبرى: 8/ 83 و 112 و 233، صحيح مسلم: كتاب الرّضاع: 1065 ح 49، صحيح البخاري: تفسير سورة الأحزاب: 3/ 118 و كتاب النّكاح: 3/ 164 و 165، البداية و النّهاية: 6/ 390، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ: 2/ 122، تأريخ الطّبري:

6/ 21، نسب قريش: 40، جمهرة أنساب العرب: 33.

(2) انظر، صحيح البخاري: 2/ 84 و 85، كنز العمّال: ح 40479، السّنن الكبرى للبيهقي: 4/ 69، مسند أحمد: 3/ 194، صحيح مسلم: 7/ 76، مسند أبي يعلى: 6/ 43، الإصابة: 4/ 283- 284 و: 7/ 209، البداية و النّهاية: 6/ 390، الطّبقات الكبرى: 8/ 233، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ: 2/ 122، الأم للشّافعي: 4/ 259 و: 7/ 368، المجموع: 3/ 150. السّيرة النّبويّة لابن هشام: 1/ 190، الطّبقات الكبرى: 1/ 133، شرح الأخبار: 3/ 15، مناقب آل أبي طالب:

1/ 140، مناقب الخوارزمي: 1/ 161.

(3) انظر، الأم للشّافعي: 4/ 259 و: 7/ 368، المجموع: 3/ 150.

(4) انظر، قصّة زواجها من عثمان بن عفّان في تلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني: 5/ 210، مسند أحمد: 6/ 380، مستدرك الحاكم: 2/ 379 و: 4/ 14، السّنن الكبرى: 2/ 425 و: 7/ 70.

(5) انظر، بدائع الصّنائع: 1/ 308، مسند أحمد: 1/ 68 و: 75، مستدرك الحاكم: 2/ 623 و: 3/ 218 و: 46.

(6) انظر، مطالب السّؤول في مناقب آل الرّسول: 210، و كذلك زبدة المقال في فضائل الآل: (مخطوط ورق 96 في النّسخة تحت رقم 303)، مقاتل الطّالبيّين: 59، الإصابة: 8/ 157، الطّبقات الكبرى لابن سعد: 8/ 11.

23

و تزوّجن، و توفين في حياته ما عدا فاطمة، و ولدت له مارية القبطيّة إبراهيم، و اختاره اللّه، و له من العمر سنة و عشرة أشهر، و ثمانيّة أيّام‏ (1)، فانحصر نسل الرّسول بفاطمة، و ولديها من عليّ، الحسن، و الحسين‏ (2)، فهم أهله الّذين ضمّهم و إيّاه «كساء» (3) واحد، و بيت واحد.

____________

(1) انظر، النّهاية في غريب الحديث: 1/ 157، سبل الهدى و الرّشاد: 11/ 19، السّيرة النّبوية لابن هشام: 1/ 190، الطّبقات الكبرى لابن سعد: 1/ 133، شرح الأخبار: 3/ 15، مناقب آل أبي طالب: 1/ 140، مناقب الخوارزمي: 1/ 161، صحيح البخاري: 2/ 84 و 85، كنز العمّال: ح 40479، السّنن الكبرى للبيهقي: 4/ 69، المحلى: 5/ 146.

(2) انظر، تأريخ الطّبريّ: 4/ 50، و الإصابة (قسم النّساء)، الرّوض الأنف: 2/ 268، وقعة صفّين:

541، شرح النّهج لابن أبي الحديد: 2/ 252 و: 3/ 190،، الإصابة حرف الميم: 3 ق 2/ 451 طبعة أخرى، الاستيعاب: 3/ 328، الفتوح لابن أعثم: 1/ 472 و ما بعدها، الإمامة و السّياسة لابن قتيبة:

1/ 55، و ما بعدها، تهذيب الكمال: 24/ 541 رقم 5097، و الإصابة: 4/ 298 طبعة أخرى، المعارف: 136، تذكرة خواصّ الأمّة: 114 طبعة النّجف، التّمهيد و البيان: 209، الأغاني: 21/ 9، الإشتقاق: 371.

(3) انظر، مسند أحمد: 2/ 442، منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد: 5/ 92، الإصابة: 4/ 378، الصّواعق المحرقة: 163، الإستيعاب المطبوع بهامش الإصابة: 2/ 37، مصابيح السّنّة للبغوي الشّافعي: 2/ 280، الفردوس بمأثور الخطاب: 1/ 53 الطّبعة الأولى، سنن التّرمذي: 5/ 360 ح 3961 و 3962 طبعة بيروت، سنن ابن ماجه: 1/ 52/ 145، مودّة القربى: 33، المناقب لابن المغازلي: 64، المستدرك على الصّحيحين: 3/ 149، كنز العمّال: 13/ 640، اسد الغابة: 3/ 11، و: 5/ 523، مجمع الزّوائد: 9/ 166 و 169، كفاية الطّالب: 330 طبعة الحيدريّة، و: 188 و 189 طبعة الغري، نزل الأبرار: 35 و 150، فرائد السّمطين للجويني: 2/ 39/ 373، سمط النّجوم:

24

و قد كان هؤلاء الأربعة (عليهم السّلام) بعد الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) سلوة و عزاء للمسلمين عن فقد نبيّهم، و إن عظم الخطب، لأنّ البيت الّذي كان يأويه ما زال مأهولا بمن يحبّ، عامرا بأهله و ابنائه، و ماتت فاطمة بعد أبيها ب (72) يوما (1)، فبقي بيت النّبيّ مزينا و مضيئا بعليّ، و الحسن، و الحسين، ثمّ قتل عليّ فظل الحسنان، و كان حبّ المسلمين لهما لا يعادله شي‏ء إلّا الحبّ لنّبيهم الكريم، لأنّهما البقية الباقية من نسله، و أهل بيته، و بعد أن ذهب الحسن إلى ربّه‏ (2) لم يبق من أهل البيت إلّا الحسين، فتمثلوا جميعا في شخصه، فكان حبّ المسلمين له حبّا لأهل البيت‏

____________

- 2/ 488، شواهد التّنزيل: 2/ 27، المناقب للخوارزمي: 91، مقتل الحسين: 1/ 61 و 99، نظم درّر السّمطين للزّرندي: 232 و 239، المعجم الصّغير للطّبراني: 2/ 3، الفتح الكبير: 1/ 271، مشكاة المصابيح للعمري: 3/ 258، الرّياض النّضرة: 2/ 249 الطّبعة الثّانية، ينابيع المودّة للقندوزي: 35 و 165 و 172 و 194 و 230 و 261 و 294 و 309 و 370 طبعة اسلامبول، بشارة المصطفى: 128، تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر: 4/ 199، مطالب السّؤول: 64، الإستيعاب: 1/ 368، المقاتل:

59، تأريخ الخلفاء: 73، شذرات الذّهب: 1/ 10.

(1) اختلف في وفاة الصّدّيقة على أقوال. انظر، المناقب للخوارزمي: 1/ 83، الإصابة: 4/ 380، مقاتل الطّالبيين: 31، الطّبقات الكبرى: 8/ 18، الملل و النّحل: 1/ 57، لسان الميزان: 1/ 293، فرائد السّمطين: 2/ 36، شرح النّهج لابن أبي الحديد: 14/ 193، إثبات الوصية للمسعودي: 23، الذّرّيّة الطّاهرة: 216، مروج الذّهب: 1/ 403، المعارف: 142.

(2) انظر، وقعة صفّين: 234، طبعة القاهرة، تأريخ الطّبريّ: 6/ 9، ابن الأثير: 3/ 128، الإستيعاب:

1/ 340، شرح النّهج لابن أبي الحديد: 1/ 483 و: 4/ 11 و 17، المقاتل: 43، و أنساب الأشراف:

1/ 404، و: 4/ 11 و 17، ابن كثير: 8/ 41، تأريخ الخلفاء: 138، الإصابة ترجمة الحسن، ابن قتيبة: 150، الصّواعق: 81، المسعودي في مروج الذّهب بهامش الكامل: 2/ 353، 6/ 55، و تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر: 4/ 226، و أسماء المغتالين من الأشراف: 44، و تأريخ اليعقوبي: 2/ 225، و ابن الأثير: 2/ 197، و ابن شحنة بهامش ابن الأثير: 11/ 132، تأريخ الدّول الإسلاميّة: 1/ 53، تذكرة الخواصّ: 62، تأريخ أبي الفداء: 1/ 194، الاستيعاب: 1/ 389.

25

أجمعين، للنّبيّ، و عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، تماما كما لو كان خمسة أولاد أعزاء، ثمّ فقدت منهم أربعة، و بقي منهم واحد فإنّه يأخذ سهم الجميع و توازي منزلته من قلبك منزلة الخمسة مجتمعين، و بهذا نجد تفسير قول سيّدة الطّفّ زينب، و هي تندب أخاها الحسين يوم العاشر من المحرّم «اليوم مات جدّي رسول اللّه، اليوم ماتت أمّي فاطمة، اليوم قتل أبي عليّ، اليوم سمّ أخي الحسن». و نجد تفسير ما قاله الإمام الشّهيد لجيش يزيد حين صمّموا على قتله: «أفتشكّون في أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فو اللّه ما بين المشرق و المغرب ابن بنت نبي غيري منكم و لا من غيركم، و أنا ابن بنت نبيّكم خاصّة. أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟» (1).

و لذا أقفل بيت الرّسول بقتل الحسين كان، و الحال هذه، استشهاده استشهادا لأهل البيت جميعا، و إحياء ذكراه إحياء لذكرى الجميع.

2- إنّ وقعة الطّفّ كانت و ما زالت أبرز، و أظهر مأساة عرفها التّأريخ على الإطلاق، فلم تكن حربا، و لا قتالا بالمعنى المعروف للحرب، و القتال، و إنّما كانت مجزرة دامية لآل الرّسول كبارا و صغارا، فلقد أحاطت بهم من كلّ جانب كثرة غاشمة باغية، و منعت عنهم الطّعام، و الشّراب أيّاما، و حين أشرف الجميع على الهلاك من الجوع، و العطش انهالوا عليهم رميا بالسّهام، و رشقا بالحجارة،

____________

(1) انظر، ينابيع المودّة لذوي القربى القندوزي: 3/ 64، تأريخ الطّبري: 4/ 240، الكامل لإبن الأثير:

4/ 24، مقتل الخوازمي: 1/ 238 فصل 11، مقاتل الطّالبين لأبي الفرج: 45 طبع إيران.

(1) انظر، الإرشاد الشّيخ المفيد: 2/ 98، إعلام الورى بأعلام الهدى الشّيخ الطّبرسي: 1/ 459، تأريخ الطّبري: 4/ 280- 281 و

26

و ضربا بالسّيوف، و طعنا بالرّماح، و لمّا سقطوا صرعى قطعوا الرّؤوس، و ووطأوا الجثث بحوافر الخيل، مقبلين و مدبرين، و بقروا بطون الأطفال، و أضرموا النّار في الأخبية على النّساء؛ فجدير بمن والى نبيّه الأكرم، و أهل بيته أن يحزن لحزنهم، و أن ينسى كلّ فجيعة و رزية إلّا ما حلّ بهم من الرّزايا، و الفجائع معدّدا مناقبهم، و مساوي‏ء أعدائهم ما دام حيّا.

أنّ الحسين عند شيعته، و العارفين بأهدافه و مقاصده لزيس اسما لشخص فحسب، و إنّما هو رمز عميق الدّلاله، رمز للبطولة، و الإنسانية، و الأمل، و عنوان للدّين و الشّريعة، و الفداء و التّضحية في سبيل الحقّ، و العداله، كما أنّ يزيد رمز للفساد و الإستبداد، و التّهتك، و الرّذيلة، فحيثما كان و يكون الفساد، و الفوضى و اتنهاك الحرمات، و إراقة الدّماء البريئة، و الخلاعة، و الفجور، و سلب الحقوق و الطّغيان فثمّ اسم يزيد و أعمال يزيد، و حيثما كان و يكون الثّبات و الإخلاص و البسالة، و الفضيلة، و الشّرف فثمّ اسم الحسين، و مبادى‏ء الحسين، و هذا ما عناه الشّاعر الشّيعي من قزوله:

كان كلّ مكان كربلاء لدى* * * عيني و كلّ زمان يوم عاشورا

(1)

____________

(1) انظر الشّيعة في الميزان: 869. بتحقّيقنا.

27

مودّة أهل البيت‏

مهما اختلفت الأفراد في أوجه الشّبه فإنّك واحد بين ابناء الأمة الواحدة و الدّين الواحد جامعا مشتركا، و طابعا يميزها عن غيرها من الأمّم و الطّوائف، و أقرب وسيلة لمعرفة هذا الجامع المشترك هي أقوال الأدباء و الشّعراء، فإنّهم يمثلون تقاليد قومهم، و يعبرون عن عقائد طوائفهم أصدق تعبير.

و لقد تقوّلت فئة من النّاس الأقاويل في عقيدة التّشيّع، و افتروا عليهم بما يغضب اللّه و الرّسول، و لكن للشّيعة تأريخا طويلا، و حافلا بالحوادث و الثّورات، و العلوم و الآداب، و كلّها تنبي‏ء عن حقيقة التّشيّع، فيستطيع طالب الحقّ أن يعرفه بنظرة واحدة إلى آثار علمائهم أو أدبائهم يقول شاعرهم:

آل بيت النّبيّ أنتم غياثي* * * في حياتي و عدتي لمعادي‏

ما تزودت للقيامة إلّا* * * صفو ودّي لكم و حسن اعتقادي‏ (1)

فعقيدة التّشيّع، إذن ترتكز على أمرين: حسن الإعتقاد، و صفو الود لأهل البيت. و حسن الإعتقاد هو الإيمان باللّه و كتابه، و بالنّبيّ و سنّته، و قد أوجب القرآن، و الحديث مودّة أهل البيت، و إنّ إنكار مودّتهم و ولائهم إنكار كتاب اللّه‏

____________

(1) من قصيدة طويلة للمرحوم الشّيخ عبد الحسين الأعسم يرثي بها الحسين (عليه السّلام)، و هو من علماء الإماميّة، و شعرائهم، توفّي (1247 ه). (منه (قدّس سرّه)).

28

و سنّة الرّسول.

و لسائل أن يسأل: هل من دليل يلزم النّاس بمودّتهم غير شهادة كتاب اللّه و الحديث؟ هل من سبيل يقنع من لا يؤمن باللّه، و لا بالرّسول يقنعه بدليل معقول مقبول أنّ مودّة أهل البيت يفرضها الوجدان، و منطق العدل على كلّ إنسان مسلما كان أو غير مسلم؟.

أجل، أنّ من يوالي الحقّ و العدل يوالي أهل البيت، و من يعادي الحقّ يعادي أهل البيت، لأنّ أهل البيت هم الحقّ، و الحقّ هو أهل البيت.

و قد تقول: هذه دعوى تفتقر إلى إثبات.

و الجواب: أنّ أي دليل على ذلك أدل من أن يكون الحسين بنفسه صاعقة إلهية تنفجر على الباطل؟! و أي شاهد أصدق من الدّماء و الأرواح تبذل لنصرة الحقّ؟! ثمّ هذا النّشيد، و الهتاف باسم الحسين ألا يدل على أنّ الحسين هو الحقّ؟! و إذا لم يكن الحسين هو الحقّ فلماذا كلّ هذا العداء و البغض من يزيد الباطل؟.

و بقدر ما بلغ الحسين من الحقّ، إن صحّ التّعبير بلغ يزيد من الباطل، و كما عبّر الحسين بإستشهاده عن مكانته من الحقّ فقد عبّر يزيد بضراوته عن منزلته من الباطل. لقد بلغ الحنذق و الغيظ بيزيد إن فعل بالحسين و أهله ما فزعل، لا لشي‏ء إلّا عداوة للحقّ، و هذا ما أراد الحسين أن يعلنه للملأ، و يخبر به الأجيال، فسأل يزيد قائلا: «ويّحكم! أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو بمال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟» (1).

____________

(1) انظر، الإرشاد الشّيخ المفيد: 2/ 98، إعلام الورى بأعلام الهدى الشّيخ الطّبرسي: 1/ 459، تأريخ-

29

أجل، أنّهم يطلبونه بأكثر من ذلك، يطلبونه بما طلبه النّمرود من إبراهيم الخليل. و بما طلبه فرعون من موسى الكليم، و بما طلبه أبو سفيان من محمّد الحبيب، و ما طلبه معاوية من عليّ المرتضى، أنّهم يطلبون؟!

أن لا يوجد شي‏ء على الكرة يقال له دين، و إيمان، و عدالة، و إنسانيّة، و يأبى الحسين إلّا الدّين، لأنّه لا شي‏ء أعظم من الدّين عند الحسين، أنّه أعظم من الأرواح، و من الأنبياء، و الأوصياء، فكم من نبيّ قدّم نفسه فداء للدّين؟! و كم من إمام استشهد من أجل حمايته و صيانته؟! أنّ عظمة الدّين لا يساويها شي‏ء لأنّها من عظمة اللّه الّذي ليس كمثله شى‏ء.

و ما أدرك هذه الحقيقة أحد كما أدركها النّبيّ، و أهل بيته، و من أجل ذلك بذلوا في سبيله ما لم يبذله إنسان، و عبدوا اللّه عبادة الخبير بما له من عظمة و سلطان، فلقد أجهد النّبيّ نفسه في صلاة حتّى تورّمت قدماه‏ (1)، و حتّى عاتبه اللّه بقوله:

طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ (2). و قد كان من عادة الإمام إذا سجد أصابته غشية لا يحس معها بمن حوله، قال أبو الدّرداء:

«رأيت عليّا، و قد اعتزل في مكان خفي، و سمعته ذ، و هو لا يشعر بمكاني، يناجي ربّه، و يقول: إلهي إن طال في عصيانك عمري، و عظم في الصّحف ذنبي‏

____________

- الطّبري: 4/ 280- 281.

(1) انظر، مسند أحمد: 4/ 251، سنن النّسائي: 3/ 219، شرح مسلم: 17/ 162، مجمع الزّوائد:

2/ 271، تحفة الأحوذي: 2/ 383، المصنّف، للصّنعاني: 3/ 50، مسند الحميدي: 2/ 335، السّنن الكبرى: 1/ 418، صحيح ابن حبّان: 2/ 9، المعجم الصّغير للطّبراني: 1/ 71، النّعيم المقيم لعترة النّبأ العظيم: 604، بتحقّيقنا.

(2) طه: 2- 1.

30

فما مؤمل غير غفرانك، و لا أنا براج غير رضوانك، ثمّ ركع ركعات، و لمّا فرغ اتّجه إلى اللّه بالدّعاء، و البكاء، و البث و الشّكوى، فكان ممّا ناجى به: «إلهي أفكر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي، ثمّ أذكر العظيم من أخذك، فتعظم عليّ بليتي. آه إن أنا قرأت في الصّحف سيئة أنا ناسيها، و أنت محصيها، فتقول خذوه، فياله من مأخوذ، لا تنجيه عشيرته، و لا تنفعه قبيلته، و لا يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنّداء! آه من نار تنضج الأكباد و الكرلى! آه من نار نزّاعة للشّوى! آه من غمرة من ملهبات لظى! ثمّ أنعم بالبكاء، ثمّ سكت لا يسمع له حس، و لا حركة.

قال أبو الدّرداء: فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحرّكته‏ة فلم يتحرّك، فقلت: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ (1)، مات و اللّه عليّ بن أبي طالب. فأتيت منزله أنعاه لفاطمة، فقالت فاطمة لأبي الدّرداء: «ما كان من شأنه؟ فلمّا أخبرها، قالت: هي و اللّه الغشية الّتي تأخذه من خشية اللّه» (2).

و كان الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في الصّلاة فسقط ولده في البئر فلم ينثن عن صلاته، و حين فرغ منها مدّ يده، و أخرجه، و قال: أنّي كنت بين يدي جبّار، لو ملت بوجهي عنه لمال عنّي بوجهه» (3). و إذا كان أهل البيت يهتمون بالصّلاة هذا الإهتمام حتّى في الحرب، و ساعة العسرة، فكيف يدّعي التّشيّع لهم من يتركها و يتهاون بها في السّلم، و ساعات الفراغ، و يفضّل عليها اللّهو و المجون.

و مرّة ثانية نكرّر القول بأنّ التّشيّع يرتكز على الإعتقاد باللّه، و الرّسول، و اليوم‏

____________

(1) البقرة: 156.

(2) انظر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 18/ 225، الأمالي للشّيخ الصّدوق: 137، روضة الواعظين: 112، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: 1/ 389.

(3) انظر، الهداية الكبرى: 215، دلائل الإمامة: 198، مناقب آل أبي طالب: 3/ 278.

31

الآخر. و إقام الصّلاة، و إيتاء الزّكاة، و على صفو الود لأهل البيت الّذين قتلوا و قتلوا من أجل الصّلاة، و عبادة الواحد الأحد. انتحي الإمام ناحية يصلّي للّه في صفّين، و الحزرب قائمة على أشدّها، و حين افتقده أصحابه اضطربوا، و كسروا جفون أسيافهم، و آلوا أن لا يغمدوها حتّى يشاهدوا الإمام، و لمّا وجده الأشتر قائما للصّلاة انتظره حتّى فرغ منها، و قال له: «أفي مثل هذه السّاعة؟! فأجابه:

نقاتل لأجلها و نتركها (1)؟! ...

و قام الحسين إلى الصّلاة في قلب المعركة، و أصحابه يتساقطون قزتلى بين يديه، فصلّى بمن بقيّ منهم، و سعيد بن عبد اللّه الحنفي قائم بين يديه يستهدف من النّبال و الرّماح حتّى سقط إلى الأرض، و هو يقول: «أللّهمّ العنهم لعن عاد و ثمود، أللّهمّ بلّغ نبيّك عنّي السّلام، و ابلغه ما لقيت من ألم الجراح، فأنّي أردت ثوابك في نصرة نبيّك» (2). ثمّ قضى نحبه، فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السّيوف، و طعن الرّماح.

____________

(1) انظر، وسائل الشّيعة: 4/ 246 ح 2، كشف اليقين: 122.

(2) انظر، تأريخ الطّبري: 5/ 422 و في 436، و: 4/ 320 طبعة أخرى، مقتل الحسين لأبي مخنف:

113، الإرشاد للشّيخ المفيد: 2/ 95، الأخبار الطّوال: 256. مناقب آل أبي طالب: 4/ 103، مقتل الحسين: 1/ 195 و: 2/ 20.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

هل أقدم الحسين على التّهلكة

قد يتساءل: كيف تحدّى إبراهيم الخليل (عليه السّلام) شعور قومه، و أهانهم في آلهتهم و أعظم مقدّساتهم، و لم يعبأ بالنّمرود صاحب الحول و الطّول؟! هذا، و هو أعزل من السّلاح، و المال لا ناصر له، حتّى أبويه لم يجرءا على مناصرته و الذّب عنه.

حطّم الخليل آلهة قومه، و داسها بقدميه، و قال للألوف المؤلّفة: أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (1)، و لم يخش سطوتهم، و نارهم الّتي أو قدوها لحرقة حيّا.

و موسى الكليم (عليه السّلام) الشّريد الطّريد الّذي أكل بقلة الأرض حتّى بانت خضرتها من شفيف بطنه لهزاله، و حتّى سأل ربّه قطعة خبز، و تضرّع إليه بقوله: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (2). هذا الفقر إلى لقمة الخبز يصرخ في وجه فرعون المتألّه، صاحب النّيل، و الملك العريض الطّويل، و يقول له: «أنت الضّال المضّل! ...

و محمّد اليتيم (صلّى اللّه عليه و آله)(3) الّذي لا يملك شيئا من حطام الدّنيا (4) كيف سفّه أحلام‏

____________

(1) الأنبياء: 67.

(2) القصص: 24.

(3) ماتت أمّه، و له ست سنين. انظر، الخصائص الكبرى: 1/ 80. الحاوي للفتاوي: 2/ 22، السّيرة لزيني دحلان بهامش السّيرة الحلبيّة: 1/ 57. السّيرة لابن هشام: 1/ 168، مروج الذّهب: 2/ 275، الطّبقات الكبرى لابن سعد: 1/ 116، البداية و النّهاية لابن كثير: 2/ 255، تأريخ الطّبريّ:

2/ 272، الرّوض الأنف للسّهيلي: 1/ 8، تأريخ اليعقوبيّ: 2/ 6، حاشية البجيرميّ: 2/ 249، مسالك الحنفا: 63، دلائل النّبوّة للبيهقي: 1/ 188.

(4) كلّ ما ورثه النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من أبويه أمة، و هي أمّ أيمن، و خمسة جمال، و قطيعة غنم، و قد أعتق أمّ أيمن حين تزوّج بخديجة. (منه (قدّس سرّه)). انظر، تركة النّبي: 1/ 101.

34

قريش سادة العرب، و سبّ آلهتهم؟! و بأيّة قوّة هدّد كسرى ملك الشّرق، و قيصر ملك الغرب، و كتب إلى كل أسلم تسلم‏ (1)؟!.

و بكلمة واحدة، ما هي القوّة؟ و ما هو الدّافع الّذي بعث الأنبياء و الرّسل على تلك المغامرات الّتي لا يقدم عليها إلّا معتوه لا يدري ما يقول، أو رسول لا ينطق بلسانه، بل لسان قوّة خارقة، و فوق القوى جميعا؟!.

و ليس من شك أنّ الأنبياء حين يدعون الجبابرة الطّغاة، و أهل الجاه و السّلطان دعوة الحقّ إنّما يدعونهم مدفوعين بقوّة لا تقاوم، و يخاطبونهم باسم اللّه الّذي يؤمنون به أكثر من إيمانهم بأنفسهم، و باسم الوحي الّذي يسمعونه بعقولهم و آذانهم.

يقدم الجيش أو يحجم بأمر قائده و رئيسه، و يبرز الفرسان إلى الميدان فيقتلون أو يقتلون، و من يقتل فهو شهيد تقام له حفلات التّكريم و التّعظيم، و ترفع له في السّاحات العامّة النّصب و التّماثيل، و توضع على قبره أكاليل الأوراد

____________

(1) انظر، صحيح البخاري: 1/ 9، صحيح مسلم: 3/ 1396، مسند أحمد: 1/ 262، صحيح ابن حبّان: 14/ 495، مسند أبي عوانه: 4/ 268، السّنن الكبرى للبيهقي: 9/ 176، معتصر المختصر:

1/ 207، المعجم الكبير: 8/ 15، تفسير ابن كثير: 3/ 395، تفسير البيضاويّ: 4/ 9، أسباب النّزول: 169.

35

و الزّهور. و هكذا الأنبياء يقدمون بدافع من اللّه و قيادته، و يتّحدون أهل القوّة و السّلطان بأمر اللّه و إرادته، فينتصرون أو يقتلون، و هم في الحالين عظماء يمتثلون أمر اللّه، و به يعملون، فإذا استشهدوا فإنّما يستشهدون، و هم يبلغون كلمة اللّه إلى خلقه، و يمثلون الإنسان في أسمى حالات الإخلاص و التّضحية.

هذا هو منطق أهل الدّين و العقل، و هذي هي عقيدة أصحاب الإيمان و الوجدان، أمّا الملحدون الّذين لا يؤمنون باللّه و اليوم الآخر من شباب هذا العصر، و مثلهم السّذّج المغفلون من قبل و من بعد، أمّا هؤلاء فيقولون: لقد جازف الحسين بخروجه إلى العراق، لأنّ أهله أهل الغدر، و النّفاق، و أصحاب أبيه و أخيه، و إذا خرج، و خدعته كتبهم و رسلهم فكان عليه أن يستسلم، بعد أن رأى ما رأى، من عزمهم و تصميمهم على قتله، و عجزه عن الذّب و الدّفاع عن نفسه و أهله. قالوا هذا، و هم يعتقدون أنّ الإستشهاد فضيلة ممّن استشهد مع قائد يملك العدّة و العدد. أمّا الحسين في نظرهم فقد خاطر و جازف، لأنّه استشهد و لا قوّة تدعمه، و سلطان يناصره‏ (1).

____________

(1) انظر، العواصم من القواصم، تحقّيق: محبّ الدّين الخطيب- طبع سنة (1371 ه): 232. مثل هذه الأكاذيث و المقولات الموضوعة، أو الّتي لا تفسّر بشكلها الصّحيح هي الّتي شلّت حركة الأمّة، و جعلتها قابعة تحت سيطرة الحاكم المستبد، و أطفأت الرّوح الجهاديّة في الأمّة. هذا أوّلا.

و ثانيّا: ليست هذه هي المرّة الأولى الّتي نقرأ فيها الزّور، و البهتان على الشّيعة، فلقد عودنا بعض الكتّاب المستأجرين من المستعمرين، و الوهابيّين على شحنائهم، و أسوائهم الّتي استفاده منها أعداء الإسلام و المسلمين، و لم تضر الشّيعة شيئا، و لكن الشّي‏ء الجديد هو هذا الكذب الصّراح على اللّه و الرّسول، و تحريف آي الذّكر الحكيم، و الدّس في سنّة الرّسول العظيم ...

و و ليس من شكّ أنّ السّكوت عن الجبهان، و محبّ الدّين الخطيب، و غيرهما ممّن كتب و نشر، و حمل-

36

إنّ الّذين يقولون هذا القول يخطئون الفهم، و لا ينظرون إلى أبعد من أنوفهم، أنّ الحسين لم ينهض من تلقاء نفسه، و لم يخرج إلى العراق رغبة في شي‏ء من أشياء هذه الحياة، و إنّما خرج بأمر اللّه، و قاتل بإرادة اللّه، و استشهد بين يدي اللّه، فكما أنّ الجندي لا مناص له من البراز و النّزال حين صدرت أوامر رئيسه و قائده، كذلك الحسين لا ندحة له إلى التّخلص، و الفرار بعد أن أمره اللّه ... ممّا كان و فعل، و يؤكد هذه الحقيقة قول الحسين لمن نهاه عن الخروج، فلقد أتاه فيمن أتاه جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و قال له: أنت ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أحد سبطيه لا أرى إلّا أن تصالح كما صالح أخوك، فأنّه كان موقفا رشيدا.

فقال له الحسين، يا جابر! قد فعل ذلك أخي بأمر اللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنا أيضا أفعل بأمر اللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)(1).

____________

- و تحامل على الشّيعة و التّشيّع لآل الرّسول قد أدّى كنتيجة طبيعيّة إلى الكذب و الإفتراء على اللّه و آياته، و النّبيّ و عترته، و الإسلام و حماته.

و ثالثا: و هذه «رسالة العقيدة الواسطية» لابن تيميّة الّذي يقدّسه الوهابيون «فصل في سنّة رسول اللّه» جاء فيه: «ينزل ربّنا إلى سماء الدّنيا كلّ ليلة حين يبقى ثلث اللّيل الآخر فيقول: من يدعوني استجب له؟ من يسألني أعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟» ثمّ قال ابن تيمية: هذا متفق عليه ... و أيضا جاء فيه: «لا تزال جهنّم يلقى فيها و هي تقول: هل من مزيد؟ حتّى يضع ربّ العزّة فيها رجله فتقول: قطّ قطّ» و قال أيضا: متفق عليه. انظر، الفصل في الأهواء و الملل و النّحل: 1/ 167.

و رابعا: لقد وجد معاوية أبا هريرة، و سمرة بن جندب يضعان الأحاديث الكاذبة على لسان الرّسول في مدح معاوية، و الطّعن على عليّ؛ كما وجد ولده يزيد شيخا يقول: أنّ الحسين قتل بسيف جدّه! ... لم توجد هذه الكلمة في تأريخ ابن خلدون الموجود الآن، و كأنّه ذكرها في النّسخة الّتي رجع عنها كما قال بعض المؤرّخين. انظر، الضّوء اللّامع: 4/ 147، فيض القدير شرح الجامع الصّغير: 1/ 265 ح 281 و: 5/ 313 ح 7163.

(1) انظر، الثّاقب في المناقب: 322 ح 266، معالم السّبطين: 1/ 216.

37

و هذا الجواب يحدّد لنا سلوك الحسين في حياته كلّها، و لا يدع قولا لقائل، و إنّه يسير بأمر اللّه، و على سنّة جدّه محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلقد أوقع النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صلح الحديبية مع مشركي مكّة بأمر اللّه، و محا كلمة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، و محمّد رسول اللّه من كتاب الصّلح بأمر اللّه‏ (1)، و رضي أبوه بالتّحكيم يوم صفّين بأمر اللّه‏ (2)،

____________

(1) في سنة خمس للهجرة خرج النّبيّ من المدينة إلى مكّة في ناس من أصحابه يريد العمرة، فمنعه المشركون من دخولها، ثمّ وقع الصّلح بينه و بينهم على أن يترك العمرة هذه السّنة إلى السّنة القادمة فيدخل مكّة بلا سلاح، و أمر النّبيّ عليّا أن يكتب كتاب الصّلح، فكتب بسم اللّه الرّحمن الرّحيم: هذا ما قاضى عليه محمّد رسول اللّه، فأبى المشركون إلّا محو البسملة و الشّهادة لمحمّد بالرّسالة، فقال النّبيّ للإمام: أمح. فقال الإمام: إنّ يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النّبوّة، و التفت إلى مندوب المشركين، و قال له: أنّه رسول اللّه رغم أنفك، فتولى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) المحو بنفسه. (منه (قدّس سرّه)).

انظر، سنن التّرمذي: 5/ 298 ح 3799، الفضائل لأحمد: 2/ 649، مسند أحمد: 1/ 155، المستدرك للحاكم: 2/ 137، تأريخ الطّبري: 4/ 48، مروج الذّهب: 2/ 404.

(2) لقد تكلّم الشّارحون عن حرب الخوارج، و مروقهم، و أطال المؤرخون الحديث عن أحوالهم، و وضع فيهم العديد من المؤلفات، و من أحبّ معرفة التّفاصيل فليرجع إليها، و إلى أقوال شارحي النّهج ... و غرضنا الآن أن نشير إلى موقف أمير المؤمنين (عليه السّلام) منهم، و يتلخص بأنّه حاول جهد المستطاع أن لا يهيجهم في شي‏ء. و من جملة ما قال لهم: «ألم أقل عند رفع المصاحف: إنّ معاوية و رهطه ليسوا بأصحاب دين، و لا قرآن، و إنّما هم يكيدون، و يخدعون، و يتّقون حرّ السّيف؟. فأبيتم إلّا إيقاف القتال، و الكف عنه، و إلّا التّحكيم، و إلّا الأشعريّ .. فرضيت مكرها خوف الفتنة، و رضوخا لأهون الشّرين .. و أيضا قلت لكم بعد التّحكيم: أخذنا عليهما ألّا يتعدّيا القرآن فتاها عنه، و تركا الحقّ، و هما يبصرانه، و كان الجور هواهما فمضيا عليه»؟.

انظر، نهج البلاغة من كلام له (عليه السّلام) رقم (127)، البداية و النّهاية: 9/ 339، الإحتجاج: 2/ 58، الإرشاد: 2/ 165، أنساب الأشراف: 2/ 357، الأخبار الطّوال: 209، تأريخ ابن خلدون:

ق 2/ ج 2/ 177، ينابيع المودّة: 2/ 20- 21، وقعة صفّين: 517، الإمامة و السّياسة: 1/ 168، الكامل لابن الأثير: 2/ 404.

38

و صالح أخوه الحسن معاوية بأمر اللّه‏ (1)، و نهض هو نهضته المباركة بأمر اللّه، إنّ الّذين يعترضون على نهضة الحسين لا يفسرون الأشياء تفسيرا واقعيّا، و لا تفسيرا دينيّا، و إنّما يفسرونها تفسيرا ذاتيّا و شخصيّا محضا لا يمت إلى العلم و الدّين بسبب، و لا ينظرون إلى حكمة اللّه، و حجته البالغة: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (2).

لقد بيّن سيّد الشّهداء كلمة اللّه، و دعا إلى الحقّ، و حذّر المخالفين من عاقبة الظّلم، و الطّغيان، فمن خذطبة له يوم الطّفّ:

«فسحقا لكم يا عبيد الأمّة، و شذاذ الأحزاب، و نبذة الكتاب، و نقثة الشّيطان، و عصبة الآثام، و محرّفي الكتاب، و مطفئي السّنن، و يحكم هؤلاء ...!، و عنّا

____________

(1) اختلف المؤرّخون اختلافا كثيرا فيمن بدر لطلب الصّلح، فابن خلدون في تأريخه: 2/ 186 ذهب إلى أنّ المبادر لذلك هو الإمام الحسن (عليه السّلام) حين دعا عمرو بن سلمة الأرحبي و أرسله إلى معاوية يشترط عليه بعد ما آل آمره إلى الإنحلال، و قال ابن الأثير في الكامل: 3/ 205 مثل ذلك؛ لأنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) رأى تفرّق الأمر عنه، و جاء مثله في شرح النّهج لابن أبي الحديد: 4/ 8.

و أمّا ابن أعثم في الفتوح: 2/ 292 قال: ثمّ دعا الحسن بن عليّ بعبد اللّه بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم و هو ابن اخت معاوية فقال له: صرّ إلى معاوية فقل له عنّي: إنّك إن أمنت النّاس على أنفسهم ... و قريب من هذا في تأريخ الطّبري: 6/ 92، و البداية و النّهاية: 8/ 15، و ابن خلدون:

2/ 186، و تأريخ الخلفاء: 74، و الأخبار الطّوال: 200، و تأريخ اليعقوبي: 2/ 192.

أمّا الفريق الآخر فقد ذكر أنّ معاوية هو الّذي طلب و بادر إلى الصّلح بعد ما بعث إليه برسائل أصحابه المتضمّنة للغدر و الفتك به متى شاء معاوية أو أراد، كما ذكر الشّيخ المفيد في الإرشاد: 2/ 13 و 14 و صاحب كشف الغمّة: 154، و مقاتل الطّالبيّين: 74، و تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي: 206 و لكننا نعتقد أنّ معاوية هو الّذي طلب الصّلح، و ممّا يدل على ذلك خطاب الإمام الحسن (عليه السّلام) الّذي ألقاه في المدائن و جاء فيه: ألا و إنّ معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ و لا نصفه ...

انظر، الكامل في التّاريخ: 3/ 205، و تأريخ الطّبري: 6/ 93.

(2) الأنفال: 42.

39

تخاذلون، أجل و اللّه، الخذل فيكم معروف، و شجت عليه أصولكم، و تآزرت عليه فروعكم، و ثبتت عليه قلوبكم. و غشيت صدوركم، فكنتم أخبث ثمرة:

شجي للناظر، و أكلة للغاصب.

ألا و إنّ الدعيّ ابن الدّعيّ قد ركز بين اثنتين بين السّلّة و الذّلّة، و هيهات منّا الذّلّة، يأبي اللّه لنا ذلك و رسوله و المؤمنون، و جدود طابت، و حجور طهرت، و أنوف حميّة، و نفوس أبيّة، لا تؤثر طاعة اللّئام على مصارع الكرام .. (1).

أما و اللّه لا تلبثون بعدها إلّا كريثّما يركب الفرس، حتّى تدور بكم دور الرّحي، و تقلق قلق المحور، عهد عهده إليّ أبي عن جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ‏ (2)؛ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (3).

و قال الحسين، حين بلغه مقتل ابن عمّه مسلم: «و أيم اللّه لتقتلني الفئة الباغية، و ليلبسنّهم اللّه ذلا شاملا، و سيفا قاطعا» (4).

ليس هذا القول تنبأ بالصّدفة، و أخذا من مجرى الحوادث. كلّا، و إنّما هو كما قال الإمام عهد من اللّه سبحانه إلى نبيّه محمّد، و منه إلى أمير المؤمنين، و منه إلى الإمام الشّهيد، و قد صدق التّأريخ ذلك، و ما نقص منه شي‏ء، فلم يلبث قاتلو

____________

(1) انظر، تأريخ الطّبري: 5/ 425- 426 طبعة سنة 1964 م، الكامل في التّأريخ: 3/ 287- 288.

(2) يونس: 71.

(3) هود: 56.

(4) انظر، الفتوح لابن أعثم: 5/ 79، مقتل الحسين (عليه السّلام) للخوارزمي: 1/ 226، مثير الأحزان: 46، أعيان الشّيعة: 1/ 595، اللّهوف في قتلى الطّفوف: 29.

40

الحسين (عليه السّلام) حتّى دار الزّمن بهم دوراته، و ضربهم بضرباته.

لقد دعا نبيّ اللّه يحيى إلى الواحد الأحد، فقتله جبّار أثيم، و أهدى رأسه بطست إلى بغي‏ (1)، و دعا الحسين إلى الحقّ و العدل، فقتله الطّغاة، و أهدوا رأسه إلى يزيد اللّعين، و قتل زكريّا و غيره من الأنبياء، و هم يبشرون و ينذرون، فإذا كان الحسين قد أخطأ في استشهاده من أجل الحقّ، و العدل فقد أخطأ إذن الأنبياء، و الأولياء، و المصلحون الّذين قتلوا، و شردوا في سبيل اللّه، و إعلاء كلمة الحقّ، و إلقاء الحجّة على المبطلين.

قال عليّ بن الحسين: «ما نزل أبي منزلا، أو ارتحل عنه في مسيره إلى العراق إلّا و ذكر يحيى بن زكريا». و قال يوما، «من هوان الدّنيا على اللّه أنّ رأس يحيى بن زكريّا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل ... (2).

ذكر الحسين يحيى للشّبه بين الإثنين، فلقد أهديّ رأس الحسين إلى بغي من بغايا الأمويّين الّذين كانوا أشرّ، و أضرّ على العرب، و المسلمين من صهاينة هذا العصر. نكث يزيد رأس الحسين بالخيزران عنادا للّه و رسوله‏ (3)، و لأنّ في هذا

____________

(1) انظر، الفتوح لابن أعثم: 5/ 42 مقتل الإمام الحسين: 1/ 192، اللّهوف في قتلى الطّفوف: 12.

(2) انظر، مستدرك الحاكم: 2/ 290 و: 3/ 178، كنز العمّال: 12/ 127 ح 34320، فيض القدير:

1/ 265، تفسير القرطبي: 10/ 219، الدّر المنثور: 4/ 264، تأريخ ابن عساكر: 14/ 225 و:

64/ 216، بغية الطّلب في تأريخ حلب: 1/ 93، تأريخ بغداد: 1/ 152.

(3) انظر، سنن التّرمذي: 5/ 659، موارد الظّمآن: 1/ 554، مسند أبي يعلى: 5/ 228، المعجم الكبير: 3/ 125 و: 5/ 206 و 210، تحفة الأحوذي: 10/ 191 و 307، سير أعلام النّبلاء:

3/ 261 و 315 و 320، تهذيب الكمال: 6/ 434، تأريخ واسط: 1/ 220، فضائل الصّحابة لأحمد: 2/ 783، تأريخ الطّبري: 3/ 300، الإتحاف بحبّ الأشراف الشّيخ عبد اللّه بن محمّد بن عامر الشّبراوي: 152، بتحقّيقنا.

41

الرّأس الشّريف علوم القرآن الكريم، و الرّسول العظيم.

أ يهدى إلى الشّامات رأس ابن فاطم* * * و يقرعه بالخيزرانة كاشحه‏

و تسبى كريمات النّبيّ حواسرا* * * تفادي الجوا من ثكلها و تراوحه‏

يلوح لها رأس الحسين على القنا* * * فتبكي و ينهاها عن الصّبر لائحه‏

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

رضا اللّه رضانا أهل البيت‏

من كلام سيّد الشّهداء أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام):

«اللّهمّ اجعلني أخشاك كأنّي أراك ... و اجمعني عليك بخدمة توصلني إليك، و كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! أيكون لغيرك من الظّهور ما ليس لك حتّى يكون المظهر لك؟! متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! عميّت عين لا تراك عليها رقيبا، و خسرت صفقة عبد لم يجعل له من حبّك نصيبا» (1).

هكذا عرف اللّه سبحانه أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام). عرفوه حتّى كأنّهم يرونه وجها لوجه، و حتّى كأنّهم يسمعون أوامره، و نواهيه رأسا و بلا واسطة، لقد فتح اللّه لهم أبواب العلوم بربوبيته و عظمته، و أضاء لهم طرق الإخلاص له في توحيده و طاعته، و شرّفهم بالفضائل على جميع خلقه، فما نطقوا إلّا بكلمة اللّه، و ما عملوا إلّا بما يرضي اللّه، و ما قطعوا أمرا، إلّا بأمر من اللّه. لمّا عزم الحسين على الخروج إلى العراق قام خطيبا، و قال:

«الحمد للّه ما شاء اللّه، و لا قوّة إلّا باللّه، و صلّى اللّه على رسوله، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، و ما أولهني إلى أسلافي اشتياق‏

____________

(1) انظر، كتاب الإقبال لابن طاوس: 349، من دعاء الحسين يوم عرفة.

44

يعقوب إلى يوسف و خير لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النّواويس، و كربلاء فيملأنّ منّي أكراشا جوفا، و أجربة سغبا، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضا اللّه رضانا أهل البيت نصبر على بلائه و يوفينا أجور الصّابرين، لن تشذّ عن رسول اللّه لحمته بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه، و ينجز بهم وعده، من كان باذلا فينا مهجته، و موطّنا على لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا فإنّني راحل، مصبحا إنّ شاء اللّه تعالى» (1).

قيل للإمام الصّادق (عليه السّلام): «بأي شي‏ء يعلم المؤمن أنّه مؤمن؟

قال: بالتّسليم و الرّضا فيما ورد عليه من السّرور أو السّخط» (2).

إذن لا يقاس المؤمن المخلص بالإعتقادات و العبادات، و إنّما يقاس إيمانه و إخلاصه بالتّسليم لأمر اللّه، و طيب نفسه بما يرضي اللّه، و لو كان قرضا بالمقاريض، و نشرا بالمناشير.

قال أمير المؤمنين: «أوحى اللّه إلى داود: تريد، و أريد، و لا يكون إلّا ما أريد، فإن أسلمت لما أريد أعطيت ما تريد، و إن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد، ثمّ لا يكون إلّا ما أريد» (3).

و قال: «... و لا تسخط اللّه برضا أحد من خلقه، فإنّ في اللّه خلفا من غيره، و ليس من اللّه خلف في غيره ...» (4).

____________

(1) انظر، شرح الأخبار، القاضي النّعمان المغربي: 146، كشف الغمّة: 2/ 239، اللّهوف في قتلى الطّفوف: 25.

(2) انظر، اصول الكافي: 2/ 62 ح 12.

(3) انظر، توحيد الصّدوق: 337.

(4) انظر، نهج البلاغة: من كتاب له (عليه السّلام) تحت رقم (27).

45

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من طلب رضا مخلوق بسخط الخالق سلّط اللّه عليه ذلك المخلوق» (1).

و أوضح مثال على هذه الحقيقة جزاء ابن زياد لابن سعد. قاتل هذا الحسين (عليه السّلام) طمعا في ملك الرّي، فحرمه من الملك، ثمّ سلّط اللّه عليه المختار (2) فذبحه على فراشه، و حرمه الحياة. فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ‏ (3).

و لبى أصحاب الحسين نداءه، و رحلوا معه، و بذلوا مهجهم دونه طلبا لمرضاة اللّه، و رغبة بلقائه و ثوابه، فلقد كان حنظلة بن أسعد الشّبامي‏ (4) يوم الطّفّ يقف بين يدي الحسين يقيه السّهام، و الرّماح، و السّيوف بوجهه و نحره، و ينادي يا قوم! إنّي أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، مثل قوم نوح، و عاد، و ثمود، و الّذين من بعدهم: وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (5)، وَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (6). يا قوم لا تقتلوا حسينا: فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَ قَدْ خابَ مَنِ‏

____________

(1) انظر، تحف العقول: 52.

(2) انظر، تأريخ الطّبري، «ثورة المختار»: 4/ 487- 577 و: 7/ 146، الفرق بين الفرق: 31- 37، الكامل لابن الأثير: 4/ 82- 108، الحور العين: 182، الأخبار الطّوال: 282- 300، أخبار اليمن:

32، الفاطميون في مصر: 34- 38.

(3) الرّوم: 47.

(4) الشّبامي: شبام بطن من همدان، من القحطانية (يمن، عرب الجنوب) كوفي.

(5) غافر: 31.

(6) غافر: 30- 32.

46

افْتَرى‏ (1).

ثمّ قال حنظلة: السّلام عليك يا أبا عبد اللّه، صلّى اللّه عليك و على أهل بيتك، و عرّف بيننا و بينك في جنته، و قاتل حتّى قتل (رضوان اللّه عليه)(2)، و كان من الّذين عناهم اللّه بقوله تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (3).

____________

(1) طه: 61.

(2) انظر، تأريخ الطّبري: 5/ 443، مقتل الحسين: 2/ 24.

(3) البقرة: 207.

47

روح النّبيّ و الوصيّ‏

قال عبد اللّه بن عمّار، و قد شهد معركة الطّفّ: «ما رأيت مكثورا قطّ، قتل ولده و أهل بيته، و أصحابه أربط جأشا من الحسين، و إن كانت الرّجال لتشدّ عليه، فيشدّ عليها بسيفه، فتنكشف عنه إنكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذّئب، و كان يحمل فيهم، و قد تكاملوا ثلاثين ألفا، فينهزمون بين يديه، كأنّهم الجراد المنتشر ثمّ يرجع إلى مركزه، و هو يقول: «لا حوّل و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم» (1).

لقد دهش هذا الرّاوي من شجاعة الحسين، و مضي عزمه، و ذهل، و هو ينظر إليه، و قد شدّ على ثلاثين ألفا (2) فتنكشف عنه إنكشاف المعزى إذا شدّ عليها اللّيث، لقد دهش و ذهل، و ما درى أنّه ابن عليّ القائل: «و اللّه لو تظاهرت العرب‏

____________

(1) انظر، تأريخ بغداد: 3/ 334، شرح الأخبار: 2/ 164، اللّهوف في قتلى الطّفوف: 49 و 70، المجدي في أنساب الطّالبيّين: 12، البداية و النّهاية: 8/ 204، مقتل الحسين لأبي مخنف: 194، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر: 333.

(2) نعتقد أنّ عدد الجيش الأموي في كربلاء يتجاوز الأربعة آلآف، و هو العدد الّذي يبدو مقبولا لدى المؤرّخين. فقد ورد على لسان الطّرمّاح بن عديّ في كلامه مع الحسين حين لقي الحسين في عذيب الهجانات، قوله: «... و قد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة و فيه من النّاس ما لم تر عيناي في صعيد واحد جمعا أكثر منه، فسألت عنهم، فقيل: اجتمعوا ليعرضوا، ثمّ يسرحون إلى الحسين ... انظر، الطّبري: 5/ 406. و تذكر كتب المقتل عدّة روايات في عدد أفراد الجيش الأموي، أقربها إلى تمثيل الحقيقة في نظرنا أنّ العدد يتراوح بين عشرين و ثلاثين ألفا.

48

على قتالي لما ولّيت عنها، و لو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها» (1).

و تعجب الرّاوي من صبر الحسين و إيمانه، و نسي أنّه ابن من خاطب اللّه بقوله:

«اللّهمّ أنّك تعلم لو أنّي أعلم أنّ رضاك في أن أضع ظبّة سيفي في بطني، ثمّ انحني عليه حتّى يخرج من ظهري لفعلت» (2).

أنّ أهل البيت لا يقيمون وزنا لشي‏ء في هذه الحياة، و لا يكترثون، و لو ملئت الأرض عليهم خيلا، و رجالا، و يصبرون على التّضحية بالنّفس، و النّساء، و الأطفال، و يطيقون كلّ حمل إلّا سخط اللّه و غضبه، فإنّهم يفرون منه، و يعجزون عنه، و لا يستطيعون الصّبر على اليسير منه، مهما تكن الظّروف.

و هنا تبرز خصائص الإمامة، و العصمة (3)، و نجد السّر الّذي يميّز أهل البيت عن غيرهم من النّاس الّذين يصعب عليهم كلّ شي‏ء إلّا معصية اللّه، فإنّها أهون عندهم من التّنفس، و شرب الماء، أنّ الحسين بشر يأكل الطّعام، و يمشي في الأسواق، و لكنّه يحمل صفة تجعله فوق النّاس أجمعين، و قد أشار النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى هذه الصّفة بقوله: «حسين منّي، و أنا من حسين» (4)، و محمّد من نور اللّه،

____________

(1) انظر، نهج البلاغة: الرّسالة «25».

(2) انظر، تأريخ الطّبري: 1/ 3317 و: 4/ 22 و: 5/ 38، في عنوان «مقتل عمّار ....»، المعيار الموازنة: 136، وقعة صفّين لنصر: 320، سير أعلام النّبلاء: 6/ 65، الإصابة: 4/ 769.

(3) استدل علماء الشّيعة على عصمة الإمام بأنّ الغاية من وجوده إرشاد النّاس إلى الحقّ، وردعهم عن الباطل، فلو أخطأ أو عصى لكان كمن يزيل القذارة بمثلها، و لإفتقر الإمام إلى آخر، و يتسلسل، و هذا دليل نظري، أمّا الدّليل العملي الملموس على عصمة عليّ و أولاده الأئمّة فسيرتهم و تضحياتهم في سبيل الحقّ، و العدالة، و كفى بموقف الحسين دليلا قاطعا، و برهانا ساطعا على عصمته. (منه (قدّس سرّه)).

(4) انظر صحيح التّرمذي: 13/ 195، و: 5/ 656/ 3775، و: 2/ 307، سنن ابن ماجه: 1/ 51 ح-

49

فالحسين، إذن من نور اللّه، و قد علّق الأستاذ العلايلي على هذا الحديث: «بأنّه يفيد الإمتزاج، و الإتحاد» (1).

قال الأستاذ العقّاد في كتاب «أبو الشّهداء»:

«ظل الحسين على حضور ذهنه، و ثبات جأشه في تلك المحنة المتراكمة الّتي تعصف بالصّبر، و تطيش بالألباب ... و هو جهد عظيم لا تحتويه طاقة اللّحم و الدّم. فإنّه رضى اللّه عنه كان يقاسي جهد العطش، و الجوع، و السّهر، و نزف الجراح، و متابعة القتال، و يلقي باله إلى حركات القوم و مكائدهم، و يدبّر لرهطه ما يحبطون به تلك الحركات، و يتّقون به تلك المكائد، ثمّ يحمل بلاءه و بلاءهم.

و يتكاثر عليه وقر الأسى لحظة بعد لحظة، كلّما فجع بشهيد من شهدائهم. و لا يزال كلّما أصيب عزيز حمله إلى جانب إخوانه، و فيهم رمق ينازعهم و ينازعونه، و ينسون في حشرجة الصّدور ما فيهم ... فيطلبون الماء، و يحزّ طلبهم في قلبه كلّما أعياه الجواب، و يرجع إلى ذخيرة بأسه، فيستمد من هذه الآلام الكاوية عزما يناهض به الموت، و يعرض به عن الحياة ... و يقول في أثر كلّ صريع: «لا خير في العيش بعدك» (2).

____________

- 144، مسند أحمد: 4/ 172، المستدرك على الصّحيحين: 3/ 177، تهذيب الكمال: 71، اسد الغابة: 2/ 19، و: 5/ 130، تيسير الوصول: 3/ 276، مقتل الحسين للخوارزمي: 1/ 146، البخاري في الأدب المفرد: ح 346، كنز العمّال: 6/ 221، و: 16/ 270، و: 13/ 101 و 105 و 106، و: 12/ 129 ح 34328، و: 7/ 107، المعجم الكبير للطّبراني: 3/ 32.

(1) انظر، سمو المعنى في سمو الذّات: 78 طبعة (1939 م).

(2) انظر، كتاب «أبو الشّهداء الحسين بن عليّ»: 176، طبعة القاهرة.

50

«لا حوّل و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم» (1).

يمس أحدنا الخطب مسّا خفيفا فيملاء الدّنيا صراخا و عويلا، و يمتحنه اللّه بنقص من المال أو الأهل، فيخرج من عقله و دينه، و يجرأ على خالقه بألفاظ تصم منها المسامع، و تخرس لها الألسن. و تنهال السّهام، و السّيوف، و الرّماح على الحسين، و يتفجّر جسده الشّريف بالدّماء، و يتساقط القتلى من أولاده، و أصحابه بالعشرات، و هو ينظر إليهم، ثمّ لا يزيد على قول: «لا حوّل و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم»، أجل، لقد قال حين سقط على الأرض مخاطبا ربّه، و هو يسلّمه النّفس الأخير:

«أللّهمّ أنّك قريب إذا دعيت، محيط بما خلقت، قابل التّوبة لمن تاب إليك، قادر على ما أردت ... أدعوك محتاجا، و أرغب إليك فقيرا، و أفزغ إليك خائفا» (2).

أنت خائف من ربّك يا أبا عبد اللّه، و غيرك في أمان من عقابه!. و من أي شي‏ء تخاف! من ظلمك و طغيانك ... و ما ظلم أحد في الكون كما ظلمت .. أو من تهاونك بأمر اللّه، و كنت تصلّي له في اليوم و اللّيلة ألف ركعة!. أو من سكوتك عن حكّام الجور، و ترك الأمر بالمعروف. و ما ضحى أحد في هذه السّبيل كما ضحيت! .. أو تخشى جبنك و خورك، و قد لا قيت ثلاثين ألفا بصدرك، و قلبك، و كنت عنوانا لصبر الأنبياء، و مثال الشّجاعة، و الإباء لكلّ جيل كان و يكون! ...

____________

(1) انظر، تأريخ بغداد: 3/ 334، شرح الأخبار: 2/ 164، اللّهوف في قتلى الطّفوف: 49 و 70، المجدي في أنساب الطّالبيّين: 12، البداية و النّهاية: 8/ 204، مقتل الحسين لأبي مخنف: 194، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر: 333.

(2) انظر، مصباح المتهجّد: 827، إقبال الأعمال: 3/ 304.

51

إذا ماذا أراد الحسين بقوله: «و أفزع إليك خائفا» (1). أنّه أراد أن يقول للّه سبحانه: على الرّغم من كلّ ما حلّ بي يا إلهي فأنا طيّب النّفس، صابر على امتحانك و بلائك، راض بحكمك و قضائك، و ما أنا بمتألم و لا متبرم، لأنّه لا مطمح لي إلّا رضاك، فإن تألمت و خفت من شي‏ء فإنّما أخاف أن تمنعني حبّك و قربك.

و هنا يقف العقل حائرا و متسائلا: هل في الكون أعظم، و أكبر منزلة عند اللّه من الحسين؟؟ هل ضحى أحد في سبيل اللّه، و الحقّ كما ضحى الحسين، و هل وجد من هو في عمقه و رحابته؟! و لو ابتلي أحد بما ابتلي به الحسين لوجدنا وجها للموازنة و المقارنة. لقد سمعنا بمن ضحى بنفسه، أو بماله، أو بأولاده، أمّا من ضحى بكلّ هذه مجتمعة، أمّا من ذبح أطفاله الصّغار و الكبار، و قتل جميع أهل بيته و أصحابه، و سبيت نساؤه، و احرقت دياره، و نهبت أمواله، و رفع رأسه على الرّمح، و وطأت الخيل صدره و ظهره، أمّا كلّ هذه مجتمعة فلم تكن لأحد غير الحسين، و لن تكون أبدا! و بالتالي، فإنّنا نتساءل: هل في الكون أعظم من الحسين؟ و نحن نؤمن بأنّه الصّورة الكاملة لعظمة جدّه محمّد، و أبيه عليّ.

____________

(1) انظر، المصدر السّابق.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

خروج الإمام بأهله‏

قامت المرأة بدور هام في وقعة الطّفّ، و كان لها أبعد الأثر في الكشف عن مخازي الأمويّين، و انهيار حكمهم، و تألّب النّاس عليهم، فمن النّساء من دفعت بابنها أو زوّجها إلى القتل بين يدي الحسين تقربا إلى اللّه، و الرّسول، كما فعلت أمّ وهب و زوّجته، و منهنّ من حملنّ السّلاح للدّفاع عن نساء النّبيّ و أطفاله، و منهنّ من تظاهرنّ ضدّ حكّام الجور الّذين قتلوا ابن بنت رسول اللّه، و رشقنّ جيش الطّغاة بالحجارة هاتفات بسب يزيد و ابن زياد.

أرسل الحسين رسولا إلى زهير بن القين ليأتيه، و لمّا دخل عليه الرّسول وجده مع قومه يتغذون، و حين أبلغه رسالة الحسين طرح على كلّ إنسان ما في يده، و جمد حتّى كأنّ على رأسه الطّير، فالتفتت امرأة زهير، و قالت: يا سبحان اللّه! أيبعث إليك ابن رسول اللّه، ثمّ لا تأتيه؟! فذهب زهير إلى الحسين، و ما لبث أن جاء مستبشرا مشرق الوجه، و قال: قد عزمت على صحبة الحسين لأفديه بنفسي، واقيه بروحي، ثمّ التفت إلى زوّجته، و قال لها: أنت طالق، إلحقي بأهلك، فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلّا خير، و أعطاها ما لها، و سلّمها إلى بعض أهلها. فقامت إليه، و بكت و ودعته قائلة: «كان اللّه عونا و معينا لك، خار

54

اللّه لك، أسألك أن تذكرني يوم القيامة عند جدّ الحسين» (1).

لقد دفعت هذه الحرّة المصونة المؤمنة بزوّجها إلى سعادة الدّارين و نالت الدّرجات العلى عند اللّه و النّاس، فما زال اسمها يعلن على المنابر و يدوّن في الكتب مقرونا بالحمد و الثّناء إلى يوم يبعثون، و هي في الآخرة مع جدّ الحسين و أبيه و أمّه، و حسن أولئك رفيقا، و هكذا المرأة العاقلة المؤمنة تدفع بزوّجها إلى الخير، و تردعه عن الشّر ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

و كانت امرأة من بني بكر بن وائل مع زوّجها في أصحاب عمر بن سعد، فلمّا رأت القوم قد اقتحموا على أطفال الحسين، و نساؤه هاربات حاسرات، يستغثنّ و يندبنّ، و لا مغيث، اسودّ الكون في وجهها، و فار الدّم في قلبها و عروقها، و أخذت سيفا، و أقبلت نحو الفسطاط منادية: يا آل بكر أتسلب بنات رسول اللّه؟! لا حكم إلا للّه! يا لثارات رسول اللّه! فأخذها زوّجها، وردها إلى رحله‏ (2).

و ليس من شك أنّ ثورة هذه السّيّدة النّبيلة قد بعثت الإستياء و النّقمة على الأمويّين، و ملأت النّفوس عليهم و على سلطانهم حقدا و غيظا، و كلّ ما حدث في كربلاء، و في الكوفة، و في مسير السّبايا إلى الشّام كان من أجدى الدّعايات و أنفعها ضدّ الأمويّين.

أمر ابن زياد أن يطاف بالرّأس الشّريف في أزقّة الكوفة يهدد به كلّ من تحدّثه‏

____________

(1) انظر، تأريخ الطّبري: 4/ 298، مقتل الحسين (عليه السّلام)، لأبي مخنف: 74 و 113، روضة الواعظين:

178، مقتل الحسين للخوارزمي: 2/ 4، و: 4/ 320، إعلام الورى: 1/ 457، الإرشاد للشّيخ المفيد: 2/ 95، مناقب آل أبي طالب: 3/ 250، البداية و النّهاية: 8/ 193، الأخبار الطّوال: 256، تأريخ الطّبري: 5/ 396- 397.

(2) انظر، اللّهوف في قتلى الطّفوف: 78.

55

نفسه بالخروج عن طاعته، و طاعة أسياده، فكان هذا التّطوّف خير وسيلة لنشر الدّعوة العلوية، و مبدأ التّشيّع لأهل البيت، و لعن من شايع، و بايع، و تابع على قتل الحسين، و سلام اللّه على السّيّدة الحوراء حيث قالت ليزيد: «فو اللّه ما فريت إلّا جلدك، و ما حززت إلّا لحمك» (1).

و بعد الطّواف بالرّأس أرسله ابن زياد و سائر الرّؤوس إلى يزيد مع أبي بردة، و طارق بن ضبّان في جماعة من أهل الكوفة، ثمّ أمر بنساء الحسين و صبيانه فشدّوا بالحبال على أقتاب الجمال مكشوفات الوجوه، و معهم الإمام زين العابدين قد وضعت الأغلال في عنقه، و سرّح بهم ابن زياد مع مخفر بن ثعلبة و شمر بن ذي الجوشن‏ (2)، فأسرعا حتّى لحقا بالقوم الّذين معهم الرّؤوس، و كانوا إذا مرّوا ببلد استقبلهم أهله بالمظاهرات، و الهتافات المعادية، و رشقتهم النّساء و الأطفال بالحجارة يصرخون بهم: يا فجرة، يا قتلة أولاد الأنبياء.

سبوا الأطفال، و النّساء، و طافوا بهنّ و بالرّؤوس ليقضوا على مبدأ عليّ و أبناء عليّ، فكان السّبي، و التّطوّاف، ضربة مميتة لهم و لسطانهم، و وسيلة حقّقت الغاية الّتي أرادها الحسين من نهضته، فلقد أثار السّبي الأحزان، و الأشجان في كلّ نفس، و زاد من فجائع الواقعة المؤلمة، و كشف أسرار الأمويّين للقاصي و الدّاني، و ظهرت قبائحهم و مخازيهم للعالم و الجاهل، و استبان للمسلمين في‏

____________

(1) انظر، الإحتجاج: 2/ 36، مثير الأحزان لابن نما: 81، مقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي: 227.

(2) انظر، الكامل لابن الأثير: 4/ 92، ميزان الإعتدال: 1/ 449، لسان الميزان: 3/ 152، تأريخ علماء الأندلس: 1/ 166، جمهرة الأنساب: 270، اللّباب: 2/ 69، المحبّر: 301، تأريخ الطّبري:

4/ 349 و: 5/ 455- 456، مثير الأحزان: 65، اللّهوف في قتلى الطّفوف: 60، الإرشاد للشّيخ المفيد: 2/ 163، الأخبار الطّوال: 259، مقتل الحسين لأبي مخنف: 204.

56

كلّ مكان و زمان إلّا الأمويّين أعدى أعداء الإسلام يبطنون الكفر، و يظهرون الإيمان رياء و نفاقا.

و بذلك نجد الجواب عن هذا السّؤال: لماذا صحب الحسين معه النّساء و الأطفال إلى كربلاء؟! و ما كان أغناه عن تعرضهم للسّبي و التّنكيل؟!.

لقد صحبهم معه الحسين ليطوفوا بهم في البلدان، و يراهم كلّ إنسان مكشّفات الوجوه، يقولون للنّاس- و في أيديهم الأغلال و السّلاسل-: «أيّها النّاس انظروا ما فعلت أميّة الّتي تدّعي الإسلام بآل نبّيكم».

نقل عن السّبط ابن الجوزي عن جدّه أنّه قال: «ليس العجب أن يقتل ابن زياد حسينا، و إنّما العجب كل العجب أن يضرب يزيد ثناياه بالقضيب، و يحمل نساءه، سبايا على أقتاب الجمال! ...» (1). لقد رأى النّاس في السّبايا من الفجيعة أكثر ممّا رأوا في قتل الحسين، و هذا بعينه ما أراده الحسين من الخروج بالنّساء و الصّبيان، و لو لم يخرج بهنّ لما حصل السّبي و التّنكيل، و بالتالي لم يتحقّق الهدف الّذي آراه الحسين من نهضته، و هو إنهيار دولة الظّلم، و الطّغيان.

و لو افترض أن السّيّدة زينب بقيت في المدينة، و قتل أخوها في كربلاء فماذا تصنع؟! و أي عمل تستطيع القيام به غير البكاء و إقامة العزاء؟!.

و هل ترضى لنفسها، أو يرضى لها مسلم أن تركب جملا مكشوفة الوجه‏

____________

(1) انظر، تذكرة الخواصّ: 148 طبعة لكنهو، صورة الأرض لابن حوقل: 161، الكامل لابن الأثير:

4/ 35، مروج الذّهب للمسعودي: 2/ 91، و العقد الفريد: 2/ 313، أعلام النّساء: 1/ 504، و مجمع الزّوائد: 9/ 198، الشّعر و الشّعراء: 151، الأشباه و النّظائر: 4، الأغاني: 12/ 120، الفتوح لابن أعثم: 5/ 241، شرح مقامات الحريري: 1/ 193، البداية و النّهاية: 8/ 197، الطّبري في تأريخه: 6/ 267، و: 4/ 352، الآثار الباقية للبيروني: 331 طبعة اوفسيت، قريب منه.

57

تنتقل من بلد إلى بلد تؤلّب النّاس على يزيد، و ابن زياد؟! و هل كان يتسنى لها الدّخول على ابن زياد في قصر الإمارة، و تقول له في حشد من النّاس: «الحمد للّه الّذي أكرمنا بنّبيه محمّد، و طهرنا من الرّجس تطهيرا، إنّما يفتضح الفاسق، و يكذّب الفاجر، و هو غيرنا و الحمد للّه» (1)؟! و هل كان بإمكانها أن تدخل على يزيد في مجلسه و سلطانه، و تلقي تلك الخطب الّتي أعلنت بها فسقه، و فجوره، و لعن آبائه، و أجداده على رؤوس الأشهاد؟!.

أنّ السّيّدة زينب لا تخرج من بيتها مختارة، و لا يرضى المسلمون لها بالخروج مهما كان السّبب، حتّى و لو قطّع النّاس يزيد بأسنانهم، و لكن الأمويّين هم الّذين أخرجوها، و هم الّذين ساروا بها، و هم الّذين أدخلوها في مجالسهم، و مهدوا لها طريق سبّهم و لعنهم، و الدّعاية ضدّهم و ضدّ سلطانهم.

و مرّة ثانية نقول: هذه هي المصلحة في خروج الحسين بنسائه و أطفاله إلى كربلاء، و ما كان لأحد أن يدركها في بدء الأمر إلّا الحسين و أخته زينب، عهد إلى الحسين من أبيه عليّ عن جدّه محمّد عن جبريل عن ربّ العالمين. سرّ لا يعلمه إلّا اللّه، و من ارتضاه لعلمه و رسالته.

____________

(1) انظر، الإرشاد: 2/ 115، إعلام الورى بأعلام الهدى: 1/ 471، ينابيع المودّة لذوي القربى: 3/ 87.

58

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

59

ما ذنب أهل البيت‏

سؤال ردّدته الأجيال منذ القديم، و يردّده الآن كلّ إنسان، و سيبقى خالدا إلى آخر يوم لا يقطعه مرور الزّمن، و لا تحول دونه الحوادث و إن عظمت.

سؤال نظمه الشّعراء في آلاف القصائد، و دونه الكتّاب في مئات الكتب، و أعلنه الخطباء على المنابر في كلّ جزء من أحزاء المعمورة.

سؤال ردّده المؤمن و الجاحد، و الكبير و الصّغير حتّى الأطفال.

سؤال كبير في معناه، صغير في مبناه يعبّر عنه بكلمتين فقط، و هذا هو:

ما ذنب أهل البيت* * * حتّى منهم أخلوا ربوعه‏

تركوهم شتّى مصا* * * ئبهم و أجمعها فظيعه‏

فمغيّب كالبدر تر* * * تقب الورى شوقا طلوعه‏

و مكابد للسّم قد* * * سقيت حشاشته نقيعه‏

و مضرج بالسّيف آ* * * ثر عزّه و أبى خضوعه‏

و مصفّد للّه سلّم* * * أمر ما قاسى جميعه‏

و سليبة باتت بأفعى* * * الهمّ مهجتها لسيعه‏

و مرّة ثانية

ما ذنب أهل البيت حتّى منهم أخلوا ربوعه؟!.

60

و أي ذنب أعظم من ذنب الحرّة الطّاهرة عند الفاجرات العاهرات؟! و أي جرم أكبر من جرم الأمين المجاهد في سبيل اللّه عند الخونة الّذين باعوا دينهم و ضمائرهم للشّيطان؟! و أي إساءة تعادل إساءة المحقّ عند المبطلين؟! و أي عداء أقوى من عداء الجهلة السّفهاء للعالم الشّريف؟!.

ألا يكفي أهل البيت من الذّنوب أن يشهد القرآن بقداستهم و تطهيرهم، و أن تعلن الإذاعات في شرق الأرض و غربها في كلّ يوم، و في كلّ صباح و مساء:

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1)؟! ألّا يكفي‏

____________

(1) لا بدّ لنا من تحديد معنى (الأهل) لغة و اصطلاحا- كما وردت في كتاب اللّه، و أحاديث رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و قواميس اللّغة العربيّة، و ذلك لقطع الطّريق على المتلاعبين، و إلقاء الحجة على الآخرين، و ليكن تحديدنا على نحو الإستعراض السّريع.

فالأهل في اللّغة: أهل الرّجل، عشيرته، و ذو و قرباه، جمعه: أهلون، و أهلات، و أهل. يأهل و يأهل أهولا و تأهل و اتّهل: اتّخذ أهلا.

و أهل الأمر: ولاته، و للبيت سكّانه، و للمذهب من يدين به، و للرّجل زوّجته كأهلته، و للنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أزواجه، و بناته، و صهره عليّ (عليه السّلام) أو نساؤه، و الرّجال الّذين هم آله، و لكلّ نبيّ أمّته، و مكان آهل، له أهل و مأهول، فيه أهل ... (انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي).

و ذكر في المعجم الوسيط تعريفا آخر للأهل: الأهل: الأقارب، و العشيرة، و الزّوجة، و أهل الشّي‏ء:

أصحابه، و أهل الدّار و نحوها: سكّانها.

و ذكر الرّازي صاحب مختارات الصّحاح معنى الأهل فقال: من الأهالة، و الأهالة لغة: الودك و المستأهل هو الّذي يأخذ الأهالة، و الودك دسم اللّحم، و البيت عيال الرّجل ... و الأهل، و الأرقاب، و العشيرة، و الزّوجة، و أهل الشّي‏ء أصحابه، و أهل الدّار سكّانها.

إذن، كلمة «أهل» عند ما تطلق فإنّها تحتمل عدّة معان، فربّما تعني: الزّوجة فقط، أو الأولاد فقط، أو الزّوجة و الأولاد معا، أو الأرقاب و العشيرة، إلى غير ذلك. و لذا نجد كلّ واحدة من هذه المعاني قد وردت في القرآن الكريم، حيث قال تعالى: فَلَمَّا قَضى‏ مُوسَى الْأَجَلَ وَ سارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ‏-