تخريج الدلالات السمعية

- علي بن محمد الخزاعي‏ المزيد...
919 /
7

مقدمة التحقيق‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

[الأمور الثلاثة]

1- مؤلف الكتاب:

هو علي بن محمد بن أحمد بن موسى بن سعود الخزاعي- و يكنى أبا الحسن و أحيانا أبا السعود- من أسرة أندلسية عرفت بالفقه و العلم: فجدّ والده- أعني موسى بن سعود الفقيه- ولي القضاء بمدينة أدله بالأندلس في أوائل عهد الدولة النصرية، ثم خلفه على قضائها ابنه الفقيه أحمد بن موسى- جد المؤلف- غير أنه لأسباب لا ندريها غادر تلك البلدة و تحوّل إلى غرناطة عاصمة الدولة النصرية، فولّاه أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن يوسف الأحمر ثالث سلاطين بني نصر (701- 708) الأشغال السلطانية، أي بعبارة أخرى جعله صاحب ديوان العساكر.

غير أن أحمد بن موسى جدّ لديه ما غرّبه عن الأندلس، فارتحل إلى برّ العدوة، و استقر بتلمسان و معه ابنه محمد والد المؤلف، و توفي أحمد الجد بتلمسان و بقي فيها ابنه محمد حيث لقي حظوة لدى أصحابها بني زيان، فعمل كاتبا لديهم ثم أصبح وزيرا في أيام السلطان أبي زيان محمد بن عثمان بن يغمراسن الزياني (703- 707)، ثم تقلد كتابة الأشغال السلطانية في ظل أبي تاشفين عبد الرحمن الزياني (718- 736)، «و قد جمع محمد بين خطتي السيف و القلم، و كان رسوخ قدمه في الفروسية و العلم أثبت من علم».

و في تلمسان رزق بابنه عليّ سنة 710، فعلي كما يقول ابن القاضي:

«تلمساني المولد ... أندلسي الأب و السلف»؛ و قد خلف أباه في خدمة بني عبد الواد بتلمسان، فتولّى خطة الأشغال السلطانية لأمير المسلمين المتوكل على اللّه أبي سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن (737- 753) «فكان صدرا في تلك المحافل و النوادي». غير أن عدم استقرار الأمور بتلمسان و تكرر المحاولات المتعارضة من لدن المرينيين تارة و الزيانيين تارة أخرى لاحتياز المدينة، ربما حفز عليا إلى‏

8

مغادرتها، فتوجه إلى فاس حيث كلف بأعباء خطة الأشغال السلطانية- كما كان حاله في تلمسان- في أيام السلطان المريني أبي عنان فارس الملقب بالمتوكل على اللّه (749- 759).

و بقي عليّ حتى آخر حياته في خدمة سلاطين بني مرين: ظل كاتب الأشغال السلطانية لأبي يحيى أبي بكر السعيد باللّه (759- 760) ثم من بعده لأبي سالم إبراهيم (760- 762) في الوظيفة نفسها، و أضاف إليه أبو سالم كتابة العلامة أو «خطة القلم الأعلى»، و كان معاصرا و مزاملا لأبي القاسم ابن رضوان، صاحب كتاب الشهب اللامعة في السياسة، في بلاط ذلك السلطان، و استمر على ذلك في فترة حكم أبي زيان محمد المنتصر باللّه (763- 767) و حكم أبي فارس عبد العزيز المستنصر باللّه (768- 774) و حكم ابنه أبي زيان السعيد باللّه (774- 776).

تلقى علي دراسته في تلمسان فدرس على شيوخها و في مقدمتهم العالم التلمساني الكبير أبو عبد اللّه ابن مرزوق (- 781) و له منه إجازة؛ و من شيوخه أيضا محمد بن أبي بكر البلفيقي الشهير بابن الحاج (- 771). و قد تنبه عبد الحيّ الكتاني إلى أن أخذ الخزاعي عن مثل هذين الشيخين- و هما يكادان يكونان من أقرانه و لداته في العمر- ربما دلّ على أنه «كان قليل الرواية أو إنما روى و استجاز في كبره» (1).

و مهما يكن من شي‏ء فإن نشأته الثقافية كانت تؤهله للكتابة في الديوان، فقد عرف بمهارته في الحساب، حتى قال فيه ابن الأحمر: «و معرفته بالحساب تستغرق العقول، إذ أربت عن حد الحصر و المعقول» (2). و كان حسن التحصيل في الأدب و النحو و اللغة، هذا إلى إلمام بفروع الفقه و الحديث و قدرة على نظم الشعر؛ و قد أورد له ابن الأحمر قصيدة في مدح المتوكل على اللّه‏ (3)، و أورد له ابن القاضي مقطوعة قالها حين عثرت بموسى بن أبي عنان المريني فرسه؛ و كان أيضا معروفا بجودة الخطّ؛ و كل هذه الوسائل الثقافية أعدته ليكون صاحب الأشغال السلطانية، تلك «الوظيفة» التي تشبه أن تكون وراثية في أسرته، لأنها تعتمد كثيرا على الشئون الحسابية؛ و لعله اعتمد

____________

(1) التراتيب الإدارية 1: 29.

(2) مستودع العلامة: 64.

(3) نثير الجمان: 251- 253.

9

في اتقانها على والده قبل أي شيخ آخر، و لعله من أجل ذلك لم يتبحر في علم بعينه، و لم يكتب له البروز في اتجاه علميّ محدّد.

ذلك مبلغ ما نعرفه عن ثقافته؛ فأما ما يتعلق بأبرز صفاته فلم يميز منها مترجموه إلا أنه كان مبسوط الكفّ سخاء، فقال ابن الأحمر: «و قدمه في الكرماء أرسخ من أبي قبيس، و فضله ينسي فضل الأمير دبيس» (1). و قال في موضع آخر: «و كفه بإرسال المواهب لم تكن جانحة إلى التقصير، و لا قيل لطول جودها: جدعت أنف الفضائل عن بخل يا قصير»(2)؛ و أيد هذا تلميذه ابن السراج بقوله: «كثير الصدقة و الإيثار، لم يكن في زمانه من يضاهيه فيها، فذا في طريقته».

و قد عاش علي حتى ناهز الثمانين، إذ كانت وفاته يوم الأحد الخامس من ذي القعدة سنة 789، و دفن من غده يوم الاثنين بمدينة فاس‏ (3).

2- كتاب تخريج الدلالات السمعية:

لم تكن الأعمال الديوانية و مشاغلها الكثيرة المتلاحقة تمنح علي بن محمد الخزاعي سعة من الوقت كي يتوفر على التأليف؛ و يبدو أنه أعفي من تلك الأعباء و هو في سن السادسة و الستين أو قريبا من ذلك (أي حوالي 776) إذ لا نسمع بعد وفاة السعيد أبي زيان أنه شغل أي منصب في الدولة. و هو يصرح في مقدمة «تخريج الدلالات» أنه كان يلتقط الفوائد و يقتنص الشوارد التي سيبني منها كتابه أيام عزلته عن العمل، و أنه استمرّ يجمع و يرتب و يبوب حتى انتهى من ذلك سنة 786، و إذا به ينهى عملا طويلا شاقا يسميه «تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)من الحرف و الصنائع و العمالات الشرعية». و في ربيع الأول‏

____________

(1) نثير الجمان: 250.

(2) مستودع العلامة: 64.

(3) ترجم له السراج في فهرسته و أخذ عنه، و ابن القاضي في درة الحجال 3: 247- 248 و جذوة الاقتباس: 489 و ابن الأحمر في نثير الجمان: 249- 253 و مستودع العلامة: 62 و روضة النسرين: 31 و ذكره ابن خلدون في التعريف: 43 كما ذكرت سنة وفاته في وفيات الونشريسي: 131 و في لقط الفرائد:

224. و انظر مقدمة التراتيب الإدارية 1: 28- 35؛ و قد ورد اسم جده الأعلى في كثير من المصادر بصيغة «مسعود»، و الأرجح ما أورده معاصره ابن خلدون في التعريف «سعود».

10

من ذلك العام تولّى السلطنة أبو فارس موسى بن المتوكل على اللّه المريني، فقدّم الخزاعي كتابه هدية إليه «جريا على العادة في إتحاف المملوك الخادم لمولاه القادم، و عملا على ما جاء عن النبي (عليه السلام) من الحضّ على الهدية و الأمر بها».

و يختصر المؤلف السبب الذي حدا به إلى تأليف كتابه بأنه رأى كثيرا ممن لم ترسخ في المعارف قدمه، و ليس له من أدوات الطالب إلّا مداده و قلمه، يظنون أن تولي الأعمال السلطانية بدعة، و أنها بدعة تجرّ على صاحبها الاثم، و أنه كان من الأجدر به الترفع عنها؛ و تبديدا لهذا الجهل جمع مادة كتابه ليثبت أن «العمالات الشرعية» ليست شيئا مستحدثا، و إنما هي خطط وجدت أيام الرسول، و تولاها كثير من الصحابة، فمن تولاها من بعد لم يخرج عن النهج المرضيّ، بل إنه ليحرز الشرف الكبير لأنه يجد نفسه واقفا في ركب صحابي جليل، و كذلك يقال أيضا في أصحاب الحرف و الصنائع، فإن أي قارئ لهذا الكتاب سيجد الحقيقة الصادقة التي تزيل عن أصحاب الخطط و أصحاب الحرف وصمة البدعة.

و لعلّ هذا كله مستمدّ من واقع المؤلف، فإنه قضى معظم عمره في خطة سلطانية، و على ذلك كان أبوه وجده من قبل، و ليس بمستبعد أن يكون قد واجه نقدا لانخراطه في سلك الدولة، و مصاحبته للسلطان، فإن النغمة المنفّرة عن مصاحبة السلطان التي ظهرت بظهور موجة زهدية في القرن الأول لم تكن- فيما يبدو- قد تبدّدت؛ و إن حاول كتاب السياسة- على مر الزمن- احتواءها بما رسموه من آيين و ما سنّوه من رسوم في مصاحبة السلاطين.

و قد قسم الخزاعي كتابه في عشرة أجزاء: ثمانية منها في العمالات و واحد في الحرف و الصناعات و باب ختامي، و انقسمت الأجزاء العشرة في 178 بابا، و تبدو دقة المؤلف في هذا الترتيب الذي سار عليه في كتابه، في الأجزاء و الأبواب و الفوائد، و توزيعه للمادة في مواضعها، و عدم تورطه في التكرار سهوا، و تكراره لبعض المعلومات عمدا لأنها قد تقع في غير باب واحد؛ و تتجلى دقته في الإحالة على مصادره، و في ذكر قائمة منها في آخر فصل من فصول كتابه، بحيث نقول إن الخزاعيّ يحترم النصّ و يعامله بأمانة؛ و قد جعل منهجه في كتابه أن يتحدث عن الخطة أو عن جانب منها في فصل من الفصول معتمدا على ما جاء في كتب الحديث بخاصة، ثم‏

11

يعقد فصلا تاليا للترجمة لمن تولوا تلك الخطة معتمدا في ذلك كتاب الاستيعاب لابن عبد البر في الأغلب، و كثيرا ما يؤيد تراجم الاستيعاب بالإحالة على سيرة ابن هشام، ثم إنه يبين ما يحتاجه القارئ من فوائد لغوية، و مراجعه في هذه الناحية كثيرة في طليعتها الصحاح للجوهري و المحكم لابن سيده و ديوان الأدب للفارابي و كتب الأفعال و المخصص لابن سيده ... الخ تلك المصادر؛ فإذا كان الأمر يتعلق بشرح ألفاظ الأحاديث أحال على المشارق للقاضي عياض و على غيره مما يتصل بهذا الباب، و أحيانا يورد فقرة بعنوان «تنبيه» تحتوي فائدة خارجة عن نطاق اللغة، أو تكون بمثابة إحالة إلى ما مرّ أو ما سيأتي بيانه. و بهذا التخطيط الدقيق للكتاب لم يبق المؤلّف مجالا للمحقق، إلا مجالا ضيقا، في الشرح و التوضيح، و لكنه يكلف المحقق جهدا بالغا في تتبع المصادر المعتمدة، و المقارنة و التأكد من مدى الصحة في المنقولات. و ربما أخذ على المؤلف إسرافه في تتبع المعاجم اللغوية، فهو يعتمد عددا من المعجمات في تفسير مادة واحدة، مع أن واحدا منها كان يغني عن سائرها؛ و لشغفه بالإكثار من المراجع تراه يقطع النقل عن هذا المصدر و يبدأ النقل عن مصدر آخر، و لو استمرّ في نقله عن الأوّل لجاء بشرح واف بالمراد. و أنت تعجب أحيانا لما ذا يعتمد «ديوان الأدب» في شرح «كفر» بمعنى غطّى و لا يعتمد المحكم أو الصحاح، و يجعل اعتماده على واحد منها مطردا إلى أن يستكشف زيادة مهمة في معجم آخر. على أن هذا بعد كل ذلك إنما يعدّ عيبا لا ضرر فيه، و إن كان مرهقا للمحقق.

و قد أفاد المؤلف كثيرا من خبرته في توليه ديوان العساكر مدة طويلة، و لذلك جاء الجزء الخامس و هو في العمالات الجهادية من أكبر الأجزاء إذ احتوى من الأبواب على خمسة و أربعين جمعت جميع الجوانب المتصلة بمهمات الحرب. و تعدّ الأجزاء:

الرابع في العمالات الأحكامية، و السادس في العمالات الجبائية من أهم الأبواب مع الخامس في تبيان «تركيب» الدولة في عهد الرسول و الخلفاء الراشدين. أما الباب الخاص بالحرف و الصناعات (و هو التاسع) فإنه مكمّل لتصور المجتمع الإسلامي بالإضافة إلى تصوّر بناء الدولة، و لكنه خارج عن غرض المؤلف في إزالة البدعة التي تلصق بأصحاب الخطط السلطانية، فلا أحد يقول إن بيع الطعام أو القيام بالنسج أو البناء أو الصيد أو الطبخ بدعة، و هذه الحرف لم تبدأ على عهد الرسول، و إنما هي حصيلة الحاجة و الاجتماع الإنسانيين، نعم كان يمكن القول بأن بعض الحرف‏

12

أحيطت بدعوى المهانة كالحجامة و الحياكة و غيرهما، ثم يقف المؤلف مدافعا عن مثل هذه الحرف بما يورده من أحاديث و آثار؛ كذلك فإن من السذاجة أن يقف المرء ليجيب: هل كان في عصر الرسول خياطون، و هل كانت الخياطة بدعة؛ أقول:

لم يقصد المؤلف شيئا من ذلك- فيما أعتقد- و إنما رأى أنه يستكمل ضروب النشاط في مجتمع العهد النبوي إذا هو عرّف بهذه الحرف و الصنائع و بمن كان يتولاها.

إن الايحاء الذي يستمده قارئ «تخريج الدلالات» بأن المؤلف في النهاية ينتهي إلى «إجلال» ضروب الممارسات التي تحدّث عنها، لأنها مورست في عهد الرسول، يجب ألا يقلل من شأن الكتاب، فالكتاب حلقة في سلسلة من كتب معاصرة تحدثت عنها في غير هذا الموطن: منها مقدمة ابن خلدون و رسائل لسان الدين ابن الخطيب في السياسة و الشهب اللامعة لابن رضوان و واسطة السلوك لأبي حمو- و ربما ظهر غيرها- و كل تلك الكتب صورة لتفتح العبقرية المغربية تحت أضواء التاريخ، لتمثل تنظيرا و تطبيقا لفكر سياسي أصيل، و ظهور هذه الكتب في عصر واحد، يومئ إلى جيشان فكريّ خاصّ؛ فإذا كان ابن خلدون يستمد من مفهومه للتطوّر آراءه في الدولة و في السياسة، و إذا كان ابن رضوان يستعيد النهج الأخلاقي التطبيقي في سياسة الدول، و إذا كان أبو حمو يعتمد التجربة الواقعية «الوصولية» مسلكا لتسويغ طموحه، فإن الخزاعي يوحي لأول وهلة بالعودة إلى الأصول: كل هذا الذي نراه من نظم أقرّه الإسلام منذ البداية، و لذلك فنحن في تطبيقه لا نخرج عن ما رسمه ذلك الدين. و لقد يفهم من موقف الخزاعي أنه لا يؤمن بالتطور، و لكن ذلك غير صحيح، فإن إيمانه الضمني بالتطور هو الذي يدفعه للبحث عن الحقائق في بدايات نشأتها في ظل الإسلام. و إن اتكاءه على الحديث الصحيح- بعد القرآن- يدلّ على أنه كان يؤمن بأن نواة كل نظام موجودة في أقوال الرسول و أفعاله. و مهمته أن يقتنص الأخبار و يقيدها، فيحدثنا مثلا أن الجيش في زمن الرسول كان يتألف من ميمنة و ميسرة و قلب و ساقة و مقدمة، و يبهرك بهذا الخبر الذي يجد سنده في السير و الأحاديث، و تلك هي غايته، و لا دخل له بأي تغيير حدث في نظام الجيش بعد ذلك، و هل كان ذلك التغيير مما يقره الرسول لو شاهده؛ و هو يحدثنا بأن الشفاء كانت في زمن عمر تتولى الإشراف على السوق، أي تؤدي وظيفة المحتسب، و لكنه لا يتساءل أبدا عن مدى ما يمكن أن تتولاه المرأة من خطط، و هل تستطيع أن تتجاوز وظيفة المحتسب إلى غيرها من‏

13

الوظائف؛ ذلك أيضا من طبيعة الدقة في منهجه، فإنه لو استسلم إلى مثل هذه الحوافز لخرج كثيرا عن الدائرة التي رسمها لكتابه.

و قد لفت هذا الكتاب نظر رفاعة الطهطاوي- لصلته بتفكيره في نظام الدولة- فلخصه، ثم نال إعجاب عالم مغربي هو الشيخ عبد الحي الكتاني، فعلّق عليه و أضاف إلى أجزائه و فصوله في كتابه التراتيب الإدارية، و كان أكثر جهده استكثارا و إلحاقات، و إلا فإن الخزاعيّ كان كثير الاستقصاء و التدقيق، و الفرق بينه و بين الكتاني هو الفرق بين مكتبتين، يغترف منها كل واحد منهما، بحسب ما تيسر لديه من مصادر.

3- تحقيق الكتاب:

اعتمدت في تحقيق تخريج الدلالات على النسخ الآتية:

(1) نسخة الخزانة الملكية رقم (1397) و رمزها (م) و تقع في 120 ورقة (أو 240 صفحة) و تشتمل على جميع الكتاب، و مسطرتها 17 10 و عدد السطور في الصفحة الواحدة 33 سطرا، و معدل الكلمات في السطر الواحد 17 كلمة، و الخط مغربي دقيق واضح؛ و هي نسخة حسنة الضبط يقل فيها الخطأ و الوهم و السقط، إلا أنّ السطور العليا من صفحاتها قد طمست أو طمس بعضها أو بعض جوانبها، و لو لا ذلك لحسن اتخاذها «أما» معتمدة؛ و هي في جزء واحد، و لكن جاء على هامش الصفحة (122) ما يفيد أن الكتاب كان في سفرين و أن السفر الأول ينتهي عند آخر الباب الخامس عشر من الجزء الخامس الخاص بالعمالات الجهادية، و يبدأ السفر الثاني بالباب السادس عشر من ذلك الجزء و عنوانه (في المسرج). و يبدو أنها قرئت على نسخة عليها خط المؤلف‏ (1) و فيها بخطه إلحاقات و زيادات، فهي على هذا تمثل الكتاب في صورته الكاملة كما أراده مؤلفه. و كان الفراغ من نسخها أواخر ربيع الثاني من عام 876 أي بعد حوالي تسعين سنة من تاريخ تأليف الكتاب.

(2) نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم (1828) و رمزها (ط) و تقع في قسمين يتضمن الأول منهما 161 ورقة و الثاني 191 ورقة، و ينتهي الأول عند آخر الباب السابع عشر من الجزء الخامس عشر من الكتاب (أي يزيد بابين على القسمة في النسخة السابقة)

____________

(1) لفظة «المؤلف» قد طمس وسطها في المخطوطة.

14

و مسطرتها 13 7، 7 و في كل صفحة 21 سطرا و معدل الكلمات في السطر الواحد 8 كلمات، و النسخة كاملة لا نقص فيها و خطها نسخي مشرقي واضح، و لكن الأخطاء من قبيل السقط و الوهم و التصحيف كثيرة، و يبدو من خطها أنها حديثة النسخ نسبيا، و على الصفحة الأولى منها ثلاثة تملكات يفيد أحدها أنها نقلت عن نسخة قديمة كانت بحوزة رفاعة بك الطهطاوي؛ و أن رفاعة اهتم بالكتاب فاختصره في كتابه «نهاية الايجاز»، «و لا علم عبد الحي [يعني الكتاني‏] بذلك، إلا بعد أن ألف كتابه التراتيب الإدارية» (1). و كاتب هذا التعليق هو أحمد بن الصديق، و يبدو أنه هو نفسه الذي كتب كثيرا من التعليقات على هوامش النسخة بخط مغربي حديث، و بعض تعليقاته مفيد، غير أن أكثرها مشحون بالغضب و الحنق على المؤلف، و سبب ذلك الغضب أمران: الإكثار من الفوائد اللغوية و شرح ألفاظ لا تحتاج شرحا، و هو في سورة غضبه يعزو ذلك إلى أن المؤلف لم يكن «عربيا»، و الثاني حشده لتراجم الصحابة؛ و يصيب الشيخ الكتانيّ جانب من غضبه حين يقول: «و قد ادعى الشيخ عبد الحي الكتاني أنه لا توجد منه (أي من الكتاب) نسخة إلا بتونس، و هو باطل».

و في آخر الكتاب عبارة توهم أن في النسخة نقصا إذا جاءت على النحو التالي: «قد انتهى إلى هاهنا ما وجد من كتاب تخريج الدلالات السمعية ...» فكتب المعلق إلى جانب ذلك: «هذه العبارة توهم أن الكتاب غير كامل، و ذلك باطل و جهل من كاتبه ...»، و على ما في هذا التعليق من حدة غاضبة فإنه صحيح، إذ أن المؤلف رسم فهرست كتابه في أوله رسما دقيقا، فإذا انتهى القارئ إلى آخره وجد أن الكتاب مكتمل لا نقص فيه بحسب ذلك الفهرست.

(3) نسخة محفوظة بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم (1203) جعلت رمزها (ر) و على الورقة الأولى أنها تمثل السفر السادس من الدلالات السمعية (و تبدأ على الورقة التالية بالجزء الثامن «في سائر العمالات و فيه عشرة أبواب») فهذه النسخة لا تتضمن إلا الأجزاء الثلاثة الأخيرة من الكتاب؛ و هي في الأصل نسخة حبسها أمير المؤمنين محمد بن عبد اللّه بن اسماعيل الشريف الحسني على خزانة جامع الأشراف من الحضرة المراكشية و ذلك في السادس من ذي الحجة سنة 1194 ه. و قد كان هذا السفر

____________

(1) انظر أيضا التراتيب الإدارية 1: 36.

15

السادس مكملا لنسخة كاملة، فقد معظمها، إذ جاء في آخره «انتهى السفر السادس و به تم جميع كتاب الدلالات السمعية»؛ و مما يلفت النظر في هذه النسخة كما في النسخة السابقة أنها لم تختم بدعاء من المؤلف نفسه، و لعلّ هذا هو الذي جعل ناسخ النسخة (ط) يقول: «قد انتهى إلى هاهنا ما وجد ...».

و تضم النسخة (ر) 196 ورقة (أو 392 صفحة) و مسطرتها 13 8 و عدد الأسطر في الصفحة الواحدة عشرة، و معدل الكلمات في السطر الواحد 6 كلمات، و ذلك لأنها مكتوبة بخط مغربي جميل كبير محلّى بالعطفات و المدّات التي يتميز بها الخط الكوفي، و هي نسخة متقنة حقا لو لا تفشي الحبر في بعض السطور أو بعض الصفحات بحيث تصبح قراءتها عسيرة. و هي من حيث الضبط تقع وسطا بين النسختين السابقتين.

و قد لقي الكتاب شيئا من الاهتمام في العصر الحديث- كما قدمت- و كان شغف عبد الحيّ الكتاني بطلبه، مما جعله- حسب تصويره- يلاحق التعقب لمواطن وجوده حتى حصل على نسخة منه محفوظة بمكتبة جامع الزيتونة رقم (7572) من تحبيس المشير أحمد باشا بتاريخ 1256؛ استخرجها سنة 1339 ه بمعاونة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور قاضي تونس حينئذ، و استثار الكتاب إعجاب الكتاني- كما تقدم- فجعله قاعدة لمؤلفه «التراتيب الإدارية» و أضاف إليه مستعينا بمصادر لم يطلع عليها الخزاعي إما على سبيل البسط و الإكثار من الأمثلة، و إما على سبيل الاستدراك، مميزا في كل موضع نصّ الخزاعي من إضافاته؛ و قد طبع التراتيب الإدارية في جزءين سنة 1346 بالرباط. و لا ريب في أن ما أضافه الكتاني مفيد في معظمه، و إن كان في جوانب منه تزيد لا يخفى. إلا أن النسخة التي اطلع عليها تنقص الجزء العاشر- و هو الجزء الختامي- من الكتاب؛ و عن هذه النسخة ظهرت الطبعة التونسية، ناقصة كذلك، ثم استكملت من بعد، بعد العثور على ما يسدّ النقص في الكتاب.

و حصلت على تلك الطبعة- في شكلها الكامل- بعون من الصديق الأكرم الأستاذ الحاج الحبيب اللمسي، الذي كان يحسّ أن الكتاب بحاجة إلى تحقيق علميّ، لأنّ الطبعة التونسية، على ما بذل فيها من جهد، لم تكن محققة على نحو يوثّق الكتاب و يذيله بالفوائد و التعليقات الموضحة؛ و قد نقل إليّ الحاج الحبيب ما يجول في خاطره من إعجاب بالكتاب و ضرورة تحقيقه؛ و لم ألبث بعد قراءة الكتاب من مشاركته في‏

16

الأمرين؛ فالكتاب في فكرته الرئيسية يعد محاولة جليلة تستحق التقدير، و خاصة للجهد الذي بذله المؤلف في وضع خطته و تنفيذها، و هو أيضا بحاجة إلى تحقيق، و لكن كيف الحصول على نسخ منه؟

هنا وجدت لدى الصديق الأستاذ العالم الأديب محمد باحنيني الوزير المكلف بالشئون الثقافية- سابقا- كلّ عون مخلص إذ تفضل مبادرا فوضع تحت تصرفي النسخ الثلاث التي تقدّم وصفها، و عليها تمّ اعتمادي في التحقيق.

و في هذه الأثناء ظهرت طبعة للكتاب بمصر سنة 1981 قام بتحقيقها فضيلة الأستاذ الشيخ أحمد محمد أبو سلامة من علماء الأزهر الشريف، و قد بذل فيها جهدا طيبا، و حاول مراجعة معظم النقول على مصادرها؛ و زود الكتاب بتعليقات مفيدة، و لا يعيب هذه الطبعة إلا كثرة ما فيها من أخطاء مطبعية. و كنت قد قطعت شوطا بعيدا في التحقيق فاستشرت الحاج اللمسي في التوقف، لأني لا أحبّ هذا اللون من تكرار الجهود في العمل على إخراج كتاب ما، فكان من رأيه أنّ لكل محقق طريقته و منهجه، و أنه يحسّ بأمرين يعدهما هامين:

أولهما: أن هذا الكتاب تونسيّ مغربيّ، و يجب أن تضطلع دار الغرب الإسلامي بنشره و تهتم بإخراجه على صورة مرضية تمام الرضى إكمالا لما لقي من اهتمام التونسيين و المغاربة من قبل.

و ثانيهما: أن محقق الطبعة المصرية- مع الاحترام لجهوده- لم يذكر على أية نسخة اعتمد، و لا من أين حصل عليها، و تحقيق الكتاب على ثلاث نسخ أمر يكفل للعمل مزيدا من الدقة.

و لقد وجدتني أقبل هذا التعليل من الحاج اللمسي بعد تردد، فأكمل ما بدأته، رغم كلّ ما كلفني ذلك من وقت في المقارنة و التدقيق؛ غير أني نهجت في تحقيق هذا الكتاب نهجا مخالفا بعض الشي‏ء لما اتبعته في معظم ما حققته من كتب، نزولا على ما تحكم به طبيعة الكتاب نفسه؛ فالخزاعي إذا نقل نصا ذكر مصدره، و لهذا فاني بعد المقارنة بين النسخ الخطية قمت بالمقارنة بين النص المنقول و الأصل المنقول عنه، و دوّنت رقم الجزء و الصفحة من الأصل في صلب المتن؛ مثلا: ديوان الأدب (3:

194)؛ المشارق (1: 236- 247) و تركت الحواشي للتعريف ببعض الأعلام، و لمقارنة

17

النسخ، و للخلاف بين ما ينقله المؤلف و بين ما جاء في المصدر الأصلي، و لتخريج الشعر و ما أشبه ذلك. و لما كانت السيرة و الاستيعاب المصدرين الكبيرين اللذين استقى منهما المؤلف مادته التاريخية فإني لم أحاول التوسع في التخريج بحيث أحيل القارئ على كتب السيرة و على مصادر تراجم الصحابة، إلا إذا اقتضى الأمر ذلك.

إنني أعلم أن المادة المنقولة في الاستيعاب لها ما يشبهها في أسد الغابة و الإصابة و أحيانا في طبقات ابن سعد، و أن المادة لدى ابن إسحاق قد توجد في مغازي الواقدي و عيون الأثر و سيرة ابن كثير و ... إلى غير ذلك من كتب السيرة، و لكني أعتقد أن قارئ هذا الكتاب ليس بحاجة إلى مثل هذا التزيد في التخريج، فهذه كتب معروفة مشهورة، و من السهل الرجوع إليها إن احتيج إلى ذلك. كذلك فإن المؤلف يعتمد في الأحاديث على الصحاح الستة، و هو قد يذكر في مكان ما واحدا منها و يكون الحديث الذي يورده مذكورا في واحد أو اثنين أو أكثر من الكتب الستة، فأكتفي بتدقيق الحديث على المصدر المذكور.

و قد راجعت كلّ النصوص على المصادر المطبوعة، المتيسرة لديّ، و في بعض الأحيان لم أدرج إلى جانب المصدر رقم الجزء و الصفحة إما لأنه أعياني العثور على النص بعد البحث الطويل، و إما لأنني لم أستطع الحصول على هذا المصدر أو ذاك، و إما لأن المصدر ما يزال مخطوطا، أو لا تزال بعض أجزائه قيد الطبع.

و إلى هاهنا أسكت عن القول المباح لأدع للقارئ حقّ الاستقلال بالإفادة من الكتاب، و الحكم على جهد المؤلف فيه، مقدما شكري الجزيل لكلّ من مدّ إليّ يد العون لدى العمل في إخراج هذا الكتاب.

بيروت في تموز (يوليه) 1984.

إحسان عباس‏

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) من الحرف و الصنائع و العمالات الشرعية لعلي بن محمد ابن سعود الخزاعي‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدمة المؤلف‏

يقول عبيد اللّه الفقير إليه، الغنيّ به عمن سواه، عليّ بن محمد بن أحمد بن موسى بن سعود، وفقه اللّه لما يحبه و يرضاه:

الحمد للّه الذي خلق الخلق من غير افتقار إليهم و بسط الرزق جودا منه عليهم، و بعث فيهم رسلا منهم، أقاموا لهم على وجوده و وحدانيته، سبحانه، أوضح حجّة، و حملوهم في الإيمان به و امتثال أوامره و نواهيه على أفسح محجّة، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ (النساء: 165) و خصنا منهم بأعظمهم قدرا، و أرفعهم ذكرا، أولهم في الجلالة، و آخرهم في الرسالة، مسكة الختام، و لبنة التمام، سيدنا و مولانا محمد نبيه الكريم، الرءوف بالمؤمنين الرحيم، فأدّى، (صلّى اللّه عليه و سلم)، أمانة ما حمّل، و بلغ ما عليه أنزل، و أرشد و نصح، و بين و أوضح، و أكّد الفرائض و سنّ السنن، و سلك بأمته المباركة- التي كانت خير أمة أخرجت للناس- أقوم طريق و أهدى سنن، و شرع لهم، (صلّى اللّه عليه و سلم)، ولايات و أعمالا، و ولّى عليها ممن ارتضاه من الصحابة، (رضوان اللّه عليهم)، أمراء و عمّالا، ليتعاونوا على البرّ و التقوى، و يتمسكوا من طاعة اللّه- عز و جل- و طاعة رسوله- (عليه السلام)- و أولي الأمر منهم بالسبب الأمتن الأقوى. قال اللّه عز و جل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (النساء: 59).

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مما خرجه مسلم (2: 85) (رحمه اللّه تعالى): من أطاعني فقد أطاع اللّه، و من عصاني فقد عصى اللّه، و من أطاع أميري فقد أطاعني، و من عصى أميري فقد عصاني. صلى اللّه عليه أتم صلاة، و أعظمها،

22

و أفضلها و أكرمها، و على آله المطهرين، و أصحابه المتخيرين، و سلم عليه و عليهم إلى يوم الدين.

و بعد فإني لما رأيت كثيرا ممن لم ترسخ في المعارف قدمه، و ليس لديه من أدوات الطالب إلا مداده و قلمه، يحسبون من دفع إلى النظر في كثير من تلك الأعمال في هذا الأوان مبتدعا لا متبعا و متوغلا في خطة دنيّة، ليس عاملا في عمالة سنية، استخرت اللّه عز و جل أن أجمع ما تأدى إليّ علمه من تلك العمالات في كتاب يضم نشرها، و يبين لجاهليها أمرها، فيعترف الجاهل، و ينصف المتحامل، فألفت هذا الكتاب و سميته: تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الحرف و الصنائع و العمالات الشرعية.

و ذكرت في كل عمالة منها من ولاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عليها من الصحابة ليعلم ذلك من يليها الآن، فيشكر اللّه عز و جل على أن استعمله في عمل شرعي كان يتولاه صاحب من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أقامه في ذلك مقامه، و يجتهد في إقامة الحق فيه، بما يوجبه الشرع و يقتضيه، فيكون قد أحيا سنة، و أحرز حسنة. و إني لأرجو بما تحملته من التعب في جمع هذا التأليف، حتى أثبتّ لجميع ما تضمنه من الحرف و الصنائع و العمالات التنويه و التشريف، بالنسبة الشرعية، و التنزيه عن الظنّة السيئة البدعية، اغتناما للأجر الجزيل عند اللّه عز و جل بفضله و رحمته في الأخرى، و اجتناء الشكر الجميل و بقاء الذكر الطويل من أربابه في الدنيا إن شاء اللّه تعالى. و ضمنته فوائد في شرح جملة من الألفاظ اللغوية الواردة فيها، و ضبطت ما أشكل منها، و عرفت بالمواضع التي نقلت منها جميع ما اشتمل عليه من كتب العلماء (رحمهم اللّه تعالى)ليقف عليها هنالك من تطمح نفسه لذلك، فأبرأ من عهدة النقل، و أسلم من تبعة النقد. و كنت أشتغل باقتناص شوارده من مكامنها، و التقاط فوائده من أماكنها، أيام عزلتي عن العمل، و عطلتي عن الشّغل. فما زلت أؤلف و أصنف، و أبوب و أرتب، و أصحح و أنقح، حتى طلع‏

23

في رياض الإفادة زهره، و سطع في أفق الإجادة بدره، و ذلك في أوائل ست و ثمانين و سبعمائة، فجمعت على فريدته يد الضنين، و منعت خريدته من لمح العيون.

و لما منّ اللّه تعالى على هذا الصقع الغربي بقدوم مولانا أمير المؤمنين المتوكل على اللّه أبي فارس موسى بن مولانا أمير المؤمنين المتوكل على اللّه أبي عنان فارس ابن موالينا الخلفاء الراشدين أسود العرين و ملوك بني مرين، أيده اللّه تعالى و رضي عنهم، أهديته لمقامهم الكريم أسماه اللّه تعالى جريا على العادة في إتحاف المملوك الخادم لمولاه القادم، و عملا على ما جاء عن النبي (عليه السلام) من الحضّ على الهدية و الأمر بها، و أملا فيما أخبر به- و خبره الحقّ و وعده الصدق- من اقتناء المحبة بسببها. قال (صلّى اللّه عليه و سلم): تهادوا تحابّوا.

و قال: تهادوا تزدادوا حبّا. ذكره القاضي محمد بن سلامة في كتاب «الشهاب».

فرضاهم أعزهم اللّه غاية السّول، و نهاية المأمول، خلّد اللّه تعالى ملكهم، و جعل البسيطة ملكهم، بمنّه و فضله.

[صور مجملة لاجزاء الكتاب و ابوابه و فصوله‏]

و هو ينقسم إلى عشرة أجزاء فيها مائة و ثمانية و سبعون بابا تشتمل على مائة و ست و خمسين خطة من العمالات و الحرف و الصناعات.

الجزء الأول في الخلافة و الوزارة و ما ينضاف إلى ذلك و فيه سبعة أبواب الأول: في ذكر خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الثاني: في الوزير الثالث: في صاحب السّر الرابع: في الآذان و هو الحاجب الخامس: في الخادم السادس: في صاحب الوساد السابع: في صاحب النعلين‏

24

الجزء الثاني في العمالات الفقهية، و أعمال العبادات و ما ينضاف إليها من عمالات المسجد، و عمالات آلات الطهارة و ما يقرب منها، و في الإمارة على الحج و ما يتصل بها و فيه خمسة و عشرون بابا الأول: في معلم القرآن الثاني: في معلم الكتابة الثالث: في المفقّه في الدين الرابع: في اتخاذ الدار ينزلها القراء، و يتخرج منه اتخاذ المدارس الخامس: في المفتي السادس: في عابر الرؤيا السابع: في إمام صلاة الفريضة الثامن: في إمام صلاة القيام في رمضان التاسع: في المؤذن العاشر: في الموقت الحادي عشر: في صاحب الخمرة الثاني عشر: في صاحب العنزة الثالث عشر: في المسرج الرابع عشر: في المجمّر الخامس عشر: في الذي يقمّ المسجد أي يكنسه السادس عشر: في الذي يشتدّ على الناس في الصلاة في الجماعة السابع عشر: في الذي يمنع الناس من اللّغط و المنازعة في المسجد الثامن عشر: في صاحب الطّهور التاسع عشر: في صاحب السواك‏

25

العشرون: في صاحب الكرسي الحادي و العشرون: في الساقي الثاني و العشرون: في الإمارة على الحج الثالث و العشرون: في صاحب البدن الرابع و العشرون: في حاجب البيت الخامس و العشرون: في ذكر السّقاية الجزء الثالث في العمالات الكتابية و ما يشبهها و ما ينضاف إليها و فيه ثلاثة عشر بابا الأول: في كتّاب الوحي الثاني: في كتّاب الرسائل و الإقطاع الثالث: في كتّاب العهود و الصلح الرابع: في صاحب الخاتم الخامس: في الرسول السادس: في حامل الكتاب السابع: في الترجمان الذي يترجم كتب أهل الكتاب.

و يكتب إليهم بخطهم و لسانهم الثامن: في الشاعر التاسع: في الخطيب في غير الصلوات العاشر: في كاتب الجيش الحادي عشر: في العرفاء الثاني عشر: في المنادي و هو الذي يدعو الناس وقت العرض الثالث عشر: في المحاسب.

26

الجزء الرابع في ذكر العمالات الأحكامية و ما ينضاف إليها و فيه سبعة عشر بابا الأول: في الإمارة العامة على النواحي الثاني: في القاضي الثالث: في صاحب المظالم الرابع: في قاضي المناكح الخامس: في الشاهد و كاتب الشروط السادس: في فارض المواريث السابع: في فارض النفقات الثامن: في الوكيل يوكله الإمام في غير الأمور المالية التاسع: في البصير في البناء العاشر: في القسّام الحادي عشر: في المحتسب الثاني عشر: في المنادي الثالث عشر: في صاحب العسس في المدينة الرابع عشر: في الرجل يتولى حراسة أبواب المدينة في وقت الهرج الخامس عشر: في الرجل يكون ربيئة لأهل المدينة في زمن الهرج السادس عشر: في السّجان السابع عشر: في مقيم الحدود الجزء الخامس في ذكر العمالات الجهادية و ما يتشعب منها و ما يتصل بها و فيه خمسة و أربعون بابا الأول: في الإمارة على الجهاد الثاني: في المستخلف على الحضرة إذا خرج الإمام للغزو

27

الثالث: في الذي يستخلفه الإمام على أهله إذا سافر الرابع: في المستنفر الخامس: في حامل اللواء السادس: في قسم الجيش إلى خمسة أقسام، و كون الإمام في القلب من تلك الأقسام السابع: في الرجل يقيمه الإمام يوم لقاء العدو بمكانه من قلب الجيش، و يلبس الإمام لأمته، و يلبس هو لأمة الإمام حياطة على الإمام الثامن: في صاحب المقدمة التاسع: في صاحب الميمنة العاشر: في صاحب الميسرة الحادي عشر: في صاحب الساقة الثاني عشر: في المقدم على الرّماة الثالث عشر: في المقدم على الرّجّالة الرابع عشر: في الوازع الخامس عشر: في صاحب الخيل السادس عشر: في المسرج السابع عشر: في الذي يأخذ بالركاب عند الركوب، و ذكر ما جاء في ضم ثياب الفارس في سرجه عند ركوبه الثامن عشر: في الرجل يركب خيل الإمام يسابق بها التاسع عشر: في صاحب الراحلة العشرون: في صاحب البغلة الحادي و العشرون: في القائد الثاني و العشرون: في الحادي الثالث و العشرون: في صاحب السلاح‏

28

الرابع و العشرون: في حامل الحربة الخامس و العشرون: في حامل السيف السادس و العشرون: في الصّيقل السابع و العشرون: في الدليل الثامن و العشرون: في مسهل الطريق التاسع و العشرون: في صاحب المظلّة الموفي ثلاثين: في صاحب الثّقل الحادي و الثلاثون: في الأمين على الحرم الثاني و الثلاثون: في الحارس الثالث و الثلاثون: في المتجسس الرابع و الثلاثون: في الرجل يتّخذ في دار الحرب ليكتب بالأخبار منها إلى الإمام الخامس و الثلاثون: في المخذّل السادس و الثلاثون: في صانع السفن السابع و الثلاثون: في المستعمل فيها الثامن و الثلاثون: في صانع المنجنيق التاسع و الثلاثون: في الرامي بالمنجنيق الأربعون: في صنعة الدبابات الحادي و الأربعون: في قاطعي الشجر الثاني و الأربعون: في حفر الخندق الثالث و الأربعون: في صاحب المغانم الرابع و الأربعون: في صاحب الخمس الخامس و الأربعون: في المبشر بالفتح، و فيه خروج أهل الحضرة إلى لقاء الإمام يهنئونه‏

29

الجزء السادس في العمالات الجبائية و فيه اثنا عشر بابا الأول: في صاحب الجزية الثاني: في صاحب الأعشار الثالث: في الترجمان الذي يترجم عن أهل الذمة وقت نزولهم في بلاد المسلمين الرابع: في متولي خراج الأرضين الخامس: في المساحة السادس: في العامل على الزكاة السابع: في كاتب أموال الصدقات الثامن: في الخارص التاسع: في صاحب الأوقاف العاشر: في صاحب المواريث الحادي عشر: في المستوفي الثاني عشر: في المشرف الجزء السابع في العمالات الاختزانية و فيه أحد عشر بابا الأول: في فضل الخازن الأمين الثاني: في خازن النقدين و هو صاحب بيت المال الثالث: في الوزان الرابع: في خازن الطعام الخامس: في الكيال‏

30

السادس: في ذكر أسماء الأوزان و الأكيال الشرعية المستعملة في عهد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) السابع: في صاحب السكة، و يقال له صاحب دار الضرب الثامن: في اتخاذ الإبل التاسع: في اتخاذ الغنم العاشر: في الوسام الحادي عشر: في الحمى يحميه الإمام الجزء الثامن في سائر العمالات و فيه عشرة أبواب الأول: في المنفق الثاني: في الوكيل يوكله الإمام في الأمور المالية الثالث: في ذكر الرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذه فيما يأمره به من وجوه مصارف المال في غير الحضرة الرابع: في إنزال الوفود الخامس: في المارستان السادس: في الطبيب السابع: في الراقي الثامن: في القاطع للعروق التاسع: في الكواء العاشر: في المكان يتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل و لا مال، و يتخرج منه اتخاذ الزوايا

31

الجزء التاسع في ذكر حرف و صناعات كانت في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و ذكر من عملها من الصحابة (رضوان اللّه عليهم) و فيه أربعة و ثلاثون بابا دون ما مرّ منها فيما تقدم من الأجزاء في مواضع هي أليق بها الأول: في التجارة الثاني: في البزاز الثالث: في العطار الرابع: في الصراف الخامس: في بائع الرماح السادس: في بائع الطعام السابع: في التمّار الثامن: في بائع الدّباغ التاسع: في بائع الحطب العاشر: في الدلال الحادي عشر: في النساج الثاني عشر: في الخياط الثالث عشر: في النجار الرابع عشر: في ناحت الأقداح الخامس عشر: في الصوّاغ السادس عشر: في الحدّاد السابع عشر: في البنّاء الثامن عشر: في الدبّاغ التاسع عشر: في الخوّاص العشرون: في الصياد في البر

32

الحادي و العشرون: في الصياد في البحر الثاني و العشرون: في العامل في الحوائط الثالث و العشرون: في السقاء الذي يسقي بالأجر الرابع و العشرون: في الحمال على الظهر الخامس و العشرون: في الحجام السادس و العشرون: في الجزار السابع و العشرون: في الطباخ الثامن و العشرون: في الشواء التاسع و العشرون: في الماشطة الثلاثون: في القابلة الحادي و الثلاثون: في الخافضة الثاني و الثلاثون: في المرضعة الثالث و الثلاثون: في المغني الرابع و الثلاثون: في حافر القبور الجزء العاشر- و به كمال التأليف- في ذكر أمور متفرقة مما يرجع إلى معنى الكتاب و فيه أربعة أبواب الأول: في معنى الحرفة و العمالة و الصناعة الثاني: في النهي عن استعمال غير المسلمين من الكفار من أهل الكتاب و غيرهم، و عن الاستعانة بهم الثالث: فيما جاء في أرزاق العمال الرابع: في ذكر الكتب التي استخرج منها جميع ما تضمنه هذا الكتاب و الآن أورد ما جمعت، على الترتيب الذي وضعت، و من اللّه عز و جل أسأل التوفيق و الإرشاد إلى سواء الطريق، بمنّه و فضله.

33

الجزء الأول في الخلافة و الوزارة و ما ينضاف الى ذلك‏

و فيه سبعة أبواب‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

الباب الاول في ذكر خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)

و فيه ثمانية فصول‏

الفصل الأول في ذكر اسمه و كنيته و نسبه‏

هو، رضي اللّه تعالى عنه و رحمه، عبد اللّه بن أبي قحافة أبو بكر الصديق، و كان اسمه في الجاهلية: عبد الكعبة، فسماه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عبد اللّه. و اسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك القرشي التّيميّ. و سمّي الصديق لبداره إلى تصديق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في كل ما جاء به، و قيل لتصديقه له في خبر الإسراء. و كان يقال له «عتيق» لجماله و عتاقة وجهه، و قيل لأنه لم يكن في نسبه شي‏ء يعاب به، و قيل: كان له أخ يسمى عتيقا فمات فسمي به، و قيل بل رآه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مقبلا فقال: من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا. ذكر جميع ذلك أبو عمر ابن عبد البر (رحمه اللّه تعالى) في كتاب «الاستيعاب» في أسماء الصحابة (رضوان اللّه تعالى عليهم) و أخبارهم (963).

فوائد لغوية في ثلاث مسائل:

الأولى: في «المحكم» (3: 13) لابن سيده: سيل قحاف: [كثير] يذهب بكل شي‏ء، و كلّ ما اقتحف من شي‏ء فهو قحافة. و في «الاشتقاق» لابن سيّد (1):

____________

(1) محمد بن أبان بن سيد اللخمي أبو عبد اللّه القرطبي عالم بالعربية أخذ عن القالي و تولى الشرطة للحكم المستنصر و توفي سنة 354 (ابن الفرضي 2: 69 و جذوة المقتبس: 381 و بغية الوعاة 1: 7).

36

القحافة: كلّ شي‏ء قحفته من إناء أو غيره فأخذته بأجمعه، و يقال اقتحفت الريق إذا مصصته. انتهى. و قال ابن طريف‏ (1): قحف الإناء: استوعب ما فيه.

الثانية: في «ديوان الأدب» (4: 145) لأي بفتح اللام و سكون الهمزة من أسماء الرجال.

و أنشد المبرد في «الكامل» (2: 186) للحطيئة: [من الطويل‏]

أتت آل شمّاس بن لأي و إنما* * * أتاهم بها الأحلام و الحسب العدّ (2)

قال الجوهري في «الصحاح» (6: 2478): و تصغيره لؤيّ، و منه لؤي بن غالب.

الثالثة: في «الصحاح» (4: 1520) العتق: الكرم، يقال: ما أبين العتق في وجه فلان، يعني الكرم، و العتيق الكريم من كلّ شي‏ء، و العتق الجمال، و كان يقال لأبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه: عتيق، لجماله.

الفصل الثاني في ذكر اليوم الذي بويع له فيه‏

لم يختلف أنه بويع له رضي اللّه تعالى عنه في اليوم الذي توفّي فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و اختلف في اليوم الذي توفي فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كم كان من الشهر، بعد اتفاقهم على أنه يوم الاثنين في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، فقيل لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول. قال ابن‏

____________

(1) عبد الملك بن طريف اللغوي الأندلسي أبو مروان القرطبي، له كتاب في الأفعال هذب فيه كتاب شيخه ابن القوطية في الموضوع نفسه، و توفي نحو الأربعمائة (ترجمته في الصلة: 340 و إنباه الرواة 2: 208 و بغية الوعاة 2: 111).

(2) ديوان الحطيئة: 140 و الضمير في «أتت» يعود إلى القصيدة، و هي قصيدة نكّبها عن معاشر لم يستحقوها، فذهبت إلى آل شماس، بسبب ما لديهم من أحلام و حسب تالد؛ و قيل بل الضمير يرجع إلى الناقة، و القول الأول أولى و أرجح.

37

جماعة (1) في «مختصر السير»: و هو المرجح عند الجمهور، و لم يصحّحه السهيليّ‏ (2) و لا أبو الربيع ابن سالم‏ (3). انتهى. و قيل غرة شهر ربيع الأول، و قيل الثاني منه، و إلى هذين القولين مال أبو الربيع ابن سالم في كتابه «الاكتفاء في أخبار الخلفاء».

فائدة لغوية:

في «المحكم» (2: 189) البيعة: المتابعة على الأمر و الطاعة (4)، و قد تبايعوا على الأمر، و بايعه عليه مبايعة [عاهده‏]. و في «المشارق» (1: 107) بيعة الأمراء- بفتح الباء- و أصله من البيع لأنهم إذا بايعوه و عقدوا عهده و حلفوا له جعلوا أيديهم في يده توكيدا كالبائع و المشتري.

الفصل الثالث في ذكر بيعته الخاصة

رضي اللّه تعالى عنه في كتاب «السيرة» (2: 655- 660) لابن إسحاق: لما توفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال: إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد توفي، و إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و اللّه‏

____________

(1) ابن جماعة: هو محمد بن إبراهيم بن سعد اللّه بن جماعة الكناني الحموي بدر الدين، تولى الخطابة بالقدس و القضاء بمصر و فيها توفي سنة 733، و له عدة مؤلفات منها مختصر للسيرة النبوية (ترجمته في الوافي 2: 18 و الفوات 3: 297 و نكت الهميان: 235 و الدرر الكامنة 3: 367 و في حاشية الفوات ذكر لمصادر أخرى).

(2) عبد الرحمن بن عبد اللّه السهيلي أبو القاسم و أبو زيد كان عالما باللغة و السير، و توفي سنة 581 و هو صاحب الروض الأنف في شرح السيرة (انظر ترجمته في وفيات الأعيان 3: 143 و في الحاشية ذكر لكثير من مصادر ترجمته).

(3) سليمان بن موسى بن سالم أبو الربيع الحميري الكلاعي البلنسي، استشهد مقبلا غير مدبر في الكائنة على أنيشة سنة 634، و هو من كبار محدثي الأندلس و مؤرخيها و كتابه الذي يعتمده الخزاعي اسمه «كتاب الاكتفاء بما تضمنه من مغازي الرسول و مغازي الثلاثة الخلفاء» وصف بأنه في أربعة مجلدات متوسطة (انظر ترجمته في التكملة رقم: 1991 و الذيل و التكملة 4: 83 و برنامج الرعيني: 66 و المقتضب من تحفة القادم: 83 و في حاشية الذيل و التكملة ذكر لعدد آخر من المصادر).

(4) المحكم: المتابعة و الطاعة.

38

ما مات، و لكنّه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران. فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، و و اللّه ليرجعنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كما رجع موسى فلتقطعن‏ (1) أيدي رجال و أرجلهم زعموا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مات.

و روى محمد بن إسماعيل البخاري (رحمه اللّه) في «صحيحه» (6: 17) عن أبي سلمة أن عائشة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أخبرته قالت: أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسّنح‏ (2)، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلّم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمّم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو مسجّى ببرد حبرة (3)، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه فقبّله ثم بكى، فقال‏ (4): بأبي أنت يا نبيّ اللّه، لا يجمع اللّه عليك موتتين أبدا، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها.

قال أبو سلمة (السيرة 2: 655): فأخبرني‏ (5) ابن عباس: أن أبا بكر خرج و عمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فتشهد أبو بكر، فمال إليه الناس و تركوا عمر، فقال: أما بعد من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد اللّه فإن اللّه حيّ لا يموت، قال اللّه تعالى: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ (آل عمران: 144) قال: و اللّه لكأنّ الناس لم يكونوا يعلمون أن اللّه أنزلها حتى تلاها أبو بكر، فتلقّاها منه الناس فما يسمع بشر إلا و هو يتلوها.

قال ابن إسحاق (2: 656): و لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) انحاز

____________

(1) السيرة: فليقطعنّ.

(2) السّنح: في طرف من أطراف المدينة، كان بها منزل أبي بكر الصديق حين تزوج مليكة و قيل حبيبة بنت خارجة الأنصارية.

(3) البخاري: و هو مغشى بثوب حبرة.

(4) البخاري: و بكى ثم قال.

(5) قارن أيضا بالبخاري 6: 17.

39

هذا الحيّ من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، و اعتزل علي بن أبي طالب و الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد اللّه في بيت فاطمة، و انحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر، و انحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل. فأتى آت أبا بكر و عمر فقال: إنّ هذا الحيّ من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في بيته لم يفرغ من أمره، قد أغلق دونه الباب أهله؛ قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه، فانطلقنا نؤمّهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم و قالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ [قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، قالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين‏] (1) اقضوا أمركم، قال، قلت: و اللّه لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمّل، فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت:

ما له؟ فقالوا: وجع. فلما جلسنا تشهّد خطيبهم فأثنى على اللّه بما هو أهله‏ (2) ثم قال: أما بعد فنحن أنصار اللّه و كتيبة الإسلام، و أنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، و قد دفّت دافّة من قومكم قال: و إذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا و يغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم و قد زوّرت مقالة في نفسي قد أعجبتني أريد أن أقدّمها بين يدي أبي بكر، و كنت أداري منه بعض الحدّ. فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلم و هو كان أعلم مني و أوقر، فو اللّه ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل منها حتى سكت.

قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، و لن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش، أوسط (3) العرب نسبا و دارا، قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، و أخذ بيدي و بيد أبي عبيدة بن الجراح، و هو جالس بيننا،

____________

(1) ما بين معقفين زيادة من السيرة.

(2) السيرة: بما هو له أهل.

(3) السيرة: هم أوسط.

40

و لم أكره شيئا مما قال غيرها، كان و اللّه أن أقدّم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر، قال: فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكّك، و عذيقها المرجّب، منا أمير و منكم أمير يا معشر قريش، قال:

فكثر اللغط، و ارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، و بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، و نزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، قال: فقلت: قتل اللّه سعد بن عبادة.

فوائد لغوية في ثماني مسائل:

الأولى: في «الصحاح» (6: 2372) سجّيت الميت تسجية: إذا مددت عليه ثوبا، و في «المشرع الروي»: سجّى: غطّى و ستر من قولهم: سجى الليل إذا غطّى النهار بظلمته.

الثانية: في «المشارق» (1: 175) البرد المحبّر: المزيّن الملون، و منه حلّة حبرة، و برد حبرة.

الثالثة: أسيد بن حضير: بضم الهمزة و الحاء على التصغير فيهما؛ كذلك في «المشارق» (1: 60).

الرابعة: في «الصحاح» (1: 73) أبو زيد: مالأته على الأمر ممالأة: ساعدته عليه و شايعته. ابن السّكّيت: تمالئوا على الأمر: اجتمعوا عليه، و الملأ: الجماعة.

الخامسة: في «الصحاح» (2: 731) يقال: هو نازل بين ظهريهم، و ظهرانيهم بفتح النون، و لا تقل: ظهرانيهم بكسرها، و زاد في «المحكم»: و بين أظهرهم.

السادسة: في «الغريبين» الدافّة: القوم يسيرون جماعة بالتشديد، يقال:

يدفّون دفيقا. و في «الأفعال» لابن طريف: دفّت دافّة من الناس يقال ذلك للجماعة تقبل من بلد إلى بلد.

السابعة: زوّرت مقالة: في «الغريبين» أي أصلحت و هيّأت، و التزوير:

41

إصلاح الشي‏ء، و كلّ شي‏ء كان صلاحا لشي‏ء فهو زواره و زياره، و منه: زيار الدابة.

و في «المحكم» كلام مزور و هو المثقّف قبل أن يتكلم به، و منه قول عمر:

ما زوّرت كلاما لأقوله إلا سبقني به أبو بكر. قال نصر بن سيار: [من الطويل‏]

أبلغ أمير المؤمنين رسالة* * * تزوّرتها من محكمات الرسائل‏

(1) الثامنة: في «الغريبين» قال الأصمعي: الجذيل تصغير جذل أو جذل: لغتان، و هو العود ينصب للجربى فتحتكّ به. و العذيق: تصغير عذق- بفتح العين- و هو النخلة. و المرجّب: قال أبو عبيدة و الأصمعي: هو من الرّجبة، و هو أن تعمد النخلة الكريمة إذا خيف عليها لطولها و كثرة حملها ببناء من حجارة أو بخشبة ذات شعبتين، و يكون ترجيبها أيضا أن يجعل حولها شوك فلا يرقى إليها راق. يقول: أنا ممن يستشفى برأيه كما استشفت الإبل الجربى بالاحتكاك بهذا العود من جربها.

و في «المشارق» (1: 282) شبه نفسه بالعذق المرجّب لما عنده من قوم يمنعونه و يحمونه، و عشيرة تشدّه و ترفده، و تصغيرهما ليس على طريق التحقير، بل للمدح كما قيل: فريخ قريش، و قيل للتعظيم.

تنبيه:

قول الأصمعي: الجذيل تصغير جذل أو جذل، يريد بكسر الجيم أو فتحها.

قال القاضي في «المشارق» (1: 143) جذل الشجرة بكسر الجيم و فتحها:

أصلها القائم.

الفصل الرابع في ذكر بيعته العامة

رضي اللّه تعالى عنه و رحمه قال ابن إسحاق (رحمه اللّه تعالى) في «السير» (2: 660) و لما بويع لأبي بكر في السقيفة، و كان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر: فتكلم قبل أبي بكر،

____________

(1) ورد بيت نصر في اللسان (زور)؛ و في طبعة تونس: ألا أبلغ؛ و سقطت «ألا» من المخطوطات.

42

فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما وجدتها (1) في كتاب اللّه، و لا كانت عهدا عهده إليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لكني كنت أرى أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سيدبر أمرنا- يقول: يكون آخرنا- و إن اللّه قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم لما كان هداه له، و إنّ اللّه قد أجمع لكم أمركم على خيركم: صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.

(2: 661) ثم تكلم أبو بكر فحمد اللّه و أثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم و لست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، و إن أسأت فقوّموني، الصدق أمانة، و الكذب خيانة، و الضعيف فيكم قويّ عندي حتى أريح عليه حقه، إن شاء اللّه، و القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحقّ منه، إن شاء اللّه. لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللّه إلا ضربهم اللّه بالذلّ، و لا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمّهم اللّه بالبلاء، أطيعوني ما أطعت اللّه و رسوله، فإذا عصيت اللّه و رسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللّه.

قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (976) قال ابن أبي عزة القرشي الجمحي‏ (2): [من الكامل‏]

شكرا لمن هو بالثناء خليق‏* * * ذهب اللّجاج و بويع الصّديق‏

من بعد ما دحضت بسعد نعله‏* * * و رجا رجاء دونه العيّوق‏

جاءت به الأنصار عاصب رأسه‏* * * فأتاهم الصديق و الفاروق‏

____________

(1) السيرة: ما كانت مما وجدتها.

(2) أبو عزة الجمحي اسمه عمرو بن عبد اللّه، كان شاعرا أسر يوم بدر و منّ عليه الرسول فأطلقه، ثم أسر فيما قيل يوم أحد، فقتله الرسول و قال: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين (طبقات ابن سلام: 253- 257) و قيل: ما أسر يوم أحد هو و لا غيره، كان المسلمون يومئذ في شغل عن الأسر؛ و الإشكال في قول ابن عبد البر بن أبي عزة، إذ يقول ابن حزم في الجمهرة: 162 «و لا عقب لأبي عزة».

43

و أبو عبيدة و الذين إليهم‏* * * نفس المؤمّل للبقاء تتوق‏

فدعت قريش باسمه فأجابها* * * إن المنوّه باسمه الموثوق‏

فوائد لغوية في ثلاث مسائل:

الأولى: في «الديوان» (2: 309) أجمعت الشي‏ء جعلته جميعا. و في «الصحاح» (3: 1199): قال الكسائي: أجمعت الأمر و على الأمر: إذا عزمت عليه، و الأمر مجمع، و قال أيضا: أجمع أمرك و لا تدعه منتشرا. قال الشاعر: [من الطويل‏]

تهلّ و تسعى بالمصابيح وسطها* * * لها أمر حزم لا يفرّق مجمع‏ (1)

الثانية: في «المحكم» (4: 391): إنك لخليق بذلك، أي جدير. و في «المشارق» (1: 141) هو جدير بكذا: أي حقيق به.

الثالثة: في «الصحاح» (3: 1075) مكان دحض و دحض أيضا بالتحريك:

زلق، و دحضت رجله تدحض دحضا. قلت: و هذا مثل يضرب لكلّ من أخطأ الصواب، فيقال: زلقت قدمه و زلّت نعله. قال زهير، أنشده الأعلم في «أشعار الستة»: [من الطويل‏]

تداركتما الأحلاف قد ثلّ عرشها* * * و ذبيان قد زلّت بأقدامها النعل‏

(2)

الفصل الخامس في ما جاء عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مما يحتجّ به على صحّة استخلافه و صحة إمامته‏

رضي اللّه عنه قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (969) (رحمه اللّه تعالى):

استخلفه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في أمته على من بعده بما أظهر من الدلائل البينة على محبته في ذلك، و بالتعريض الذي يقوم مقام التصريح،

____________

(1) الشاعر هو أبو الحسحاس كما في اللسان و التاج (جمع).

(2) شرح ديوان زهير: 109 و الأحلاف: عبس و فزارة، و ثلّ عرشها: أصابها ما كسرها و هدمها؛ و اللذان تداركا الأحلاف هما هرم بن سنان و الحارث بن عوف.

44

و لم يصرّح بذلك لأنه لم يؤمر فيه بشي‏ء، و كان لا يصنع شيئا في دين اللّه إلا بوحي، و الخلافة ركن من أركان الدين. و من الدليل الواضح‏ (1) على ما قلناه ما حدّثناه سعيد بن نصر و عبد الوارث بن سفيان، و ذكر حديث محمد بن جبير بن مطعم الذي خرّجه مسلم (2: 231) (رحمه اللّه تعالى) و النص لمسلم عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه: أن امرأة سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)شيئا فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: يا رسول اللّه فإن لم أجدك‏ (2)؟- قال أبي: كأنها تعني الموت- قال: فإن لم تجديني فأتي أبا بكر.

قال أبو عمر ابن عبد البر: في هذا الحديث دليل على أن الخليفة أبو بكر.

و قال القاضي أبو الفضل عياض في «الاكمال»، (رحمه اللّه تعالى): فيه من الحجة صحة إمامة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، و أن النبي (عليه السلام) أخبر أنه سيكون إماما بعده، و لو لم يكن لها أهلا لما أمر بالمجي‏ء إليه. انتهى.

و قوله في الحديث «قال أبي» قال القاضي: قال هذا عن أبيه محمد بن جبير. انتهى.

و ذكر الحافظ أبو عمر أيضا في «الاستيعاب» (969) الحديث الذي يرويه الزّهريّ بسنده عن عبد اللّه‏ (3) بن زمعة بن الأسود قال: كنت عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)و هو عليل، فدعاه بلال إلى الصلاة فقال لنا: مروا من يصلي بالناس. قال: فخرجت فإذا عمر في الناس، و كان أبو بكر غائبا، فقلت: قم فصلّ بالناس، فقام عمر، فلما كبّر سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)صوته و كان عمر مجهرا، فقال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلم)): فأين أبو بكر؟ يأبى اللّه ذلك و المسلمون، فبعثت إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلّى عمر تلك الصلاة، فصلّى بالناس طوال علته حتى مات، ((صلّى اللّه عليه و سلم)).

____________

(1) الاستيعاب: الدلائل الواضحة.

(2) مسلم: أ رأيت إن جئت فلم أجدك.

(3) م ط: عبد الرّحمن، و أثبت ما في الاستيعاب.

45

و روى أبو عمر (970) أيضا عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بكلام قاله عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏ (1): نشدتكم اللّه هل تعلمون أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فأيّكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلم))؟ قالوا: كلنا لا تطيب نفسه، و نستغفر اللّه.

و ذكر أبو عمر (971) أيضا الحديث الذي يرويه الحسن البصري عن قيس بن عبادة قال: قال لي علي بن أبي طالب: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)مرض ليالي و أياما، ينادى للصلاة فيقول: مروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)نظرت فإذا الصلاة علم الإسلام، و قوام الدين، فرضينا لدنيانا من رضي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)لديننا، فبايعنا أبا بكر. انتهى.

فائدتان لغويتان:

الأولى: في «الصحاح» (2: 618) جهر بالقول: رفع به صوته، نقول منه: جهر الرجل بالضم، و إجهار الكلام: إعلانه، و رجل مجهر بكسر الميم: إذا كان من عادته أن يجهر بكلامه، و قال ابن طريف: جهرت بالكلام و أجهرت.

الثانية: في «الصحاح» (5: 217) قوام الأمر بالكسر: نظامه و عماده، و قوام الأمر أيضا: ملاكه الذي يقوم به، و قد يفتح.

الفصل السادس في ذكر نبذ من أخباره و مناقبه‏

، رضي اللّه تعالى عنه قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (963): لا يختلفون أنه، رضي اللّه عنه، شهد بدرا بعد مهاجرته مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)من مكة إلى المدينة، و أنه لم يكن رفيقه من الصحابة غيره، و هو كان مؤنسه في الغار إلى أن خرج معه مهاجرين، و هو أول من أسلم من الرجال في قول طائفة من أهل العلم‏

____________

(1) كان رجوع ... عنه: سقط من م.

46

بالسير و الخبر، و أول من صدّق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)في قول أولئك.

و قال الشعبي: سألت ابن عباس، أو سئل أيّ الناس كان أول إسلاما؟ فقال:

أ ما سمعت قول حسان‏ (1): [من البسيط]

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة* * * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها و أعدلها* * * بعد النبيّ و أوفاها بما حملا

و الثاني التالي المحمود مشهده‏* * * و أول الناس منهم صدّق الرسلا

و روى مسلم (رحمه اللّه تعالى) في «صحيحه» (2: 230) عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه قال، قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلم)): إن أمنّ الناس عليّ في ماله و صحبته أبو بكر، و لو كنت متخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا، و لكن أخوّة الإسلام، لا تبقينّ في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر.

و روى أيضا (2: 231) (رحمه اللّه تعالى) عن عمرو بن العاص أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر فعدد رجالا. انتهى.

و فضائله، رضي اللّه تعالى عنه، أكثر من أن تحصى.

فائدة لغوية:

قول حسان في الصديق رضي اللّه تعالى عنهما: «و أول الناس منهم صدق الرسلا» في «المخصص» (13: 234- 235) لابن سيده في باب ما جاء مجموعا و إنما هو واحد في الأصل، قال الأصمعي: يقال: ألقاه في لهوات الليث، و إنما له لهاة واحدة، و كذلك: وقع في لهوات الليث؛ و قال العجاج: [من الرجز]

عودا دوين اللهوات مولجا (2)

____________

(1) ديوان حسان 1: 125 و البيان و التبيين 3: 361 و عيون الأخبار 2: 151 و العقد 3: 284.

(2) ديوان العجاج 2: 33 و قبله: «كأن في فيه إذا ما شحجا» يصف حمار الوحش إذا نهق فيقول كأن في فمه عودا، يريد سعة شدقه.

47

و قال الأسود (1): [من الكامل‏]

فلقد أروح إلى التّجار مرجّلا* * * مذلا بمالي ليّنا أجيادي‏

و قال غيره: [من البسيط]

تمدّ للمشي أوصالا و أصلابا

يعني: ناقة، و إنما لها صلب واحد.

الفصل السابع في ذكر وفاته و قدر مدته‏

رضي اللّه تعالى عنه في «الاستيعاب» (977): مكث في خلافته سنتين و ثلاثة أشهر إلا خمس ليال، و قيل سنتين و ثلاثة أشهر و سبع ليال، و قيل عشرة أيام، و قيل و اثنتي عشرة ليلة. و اختلف في حين وفاته: فقيل هو يوم الجمعة لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، و قيل يوم الاثنين، و قيل ليلة الثلاثاء، و قيل عشي يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة.

و اختلف في السبب الذي مات منه: فذكر الواقدي أنه اغتسل في يوم بارد فحمّ، و مرض خمسة عشر يوما، و قال الزبير بن بكار: كان به طرف من السلّ، و قال سلام بن أبي مطيع: إنه سم. انتهى.

و قال أبو الفرج الجوزي في «الصفوة» (1: 100) عن ابن شهاب إن أبا بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه و الحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه فقال الحارث لأبي بكر: ارفع يدك يا خليفة رسول اللّه، و اللّه إن فيها لسمّ سنة، و أنا و أنت نموت في يوم واحد، فرفع يده فما زالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة.

فوائد لغوية في ثلاث مسائل:

الأولى: «في تفسير الألفاظ الطبية» (115) لابن الحشّا: السّلّ في اللغة:

____________

(1) هو الأسود بن يعفر النهشلي، شاعر جاهلي، و البيت من قصيدته المفضلية.

48

ذبول البدن و ذهاب لحمه عن أبي سبب كان، و في اصطلاح الأطباء اسم لقرحة الرئة، و يتبعها لا محالة ذبول البدن.

الثانية: حكى ابن السّيد في «المثلث» عن الطوسي في السم ثلاث لغات:

ضم السين و فتحها و كسرها.

الثالثة: في «ديوان الأدب» (1: 429): الخزيرة: أن ينصب القدر بلحم يقطّع صغارا على ماء كثير فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق، فإذا لم يكن فيها لحم فهي عصيدة.

الفصل الثامن في معنى الخليفة، و أول خليفة كان في الإسلام، و معنى الأمير، و أول من تسمّى بأمير المؤمنين، و بأمير المسلمين‏

و فيه خمس مسائل:

المسألة الأولى في معنى الخليفة

: في «تفسير القرآن» (1) (1: 257) شرفه اللّه تعالى للفخر ابن الخطيب (رحمه اللّه تعالى): الخليفة من يخلف غيره و يقوم مقامه.

و في «ديوان الأدب» (2: 119) للفارابي: خلفه يخلفه- بفتح اللام في الماضي و ضمّها في المستقبل.

و في «صناعة الكتابة» لابن النحاس: و على هذا خوطب الصديق رضي اللّه تعالى عنه فقيل له: يا خليفة رسول اللّه. انتهى.

و في «اختصار الزجاجي لزاهر ابن الأنباري» (2): الأصل في الخليفة: خليف بغير هاء، فدخلت الهاء للمبالغة في مدحه بهذا الوصف كعلّامة و نسّابة و راوية و ما أشبه ذلك. انتهى.

____________

(1) يعني تفسير الفخر الرازي المسمى «مفاتيح الغيب».

(2) النص في الزاهر نفسه 2: 241.

49

و جمع الخليفة في «الصحاح» (4: 1356) للجوهري: الخلائف على الأصل، مثل كريمة و كرائم، و الخلفاء على تقدير إسقاط الهاء من أجل أنه لا يقع إلا لمذكر، فصار مثل ظريف و ظرفاء لأن فعيلة بالهاء لا تجمع على فعلاء.

و في «المحكم» (5: 121) الخلفاء جمع الخليف بمعنى الخليفة، و لم يعرفه سيبويه، و حكاه أبو حاتم، و أنشد لأوس بن حجر: [من البسيط]

إن من الحيّ موجودا (1)خليفته‏* * * و ما خليف أبي وهب بموجود

(2) انتهى.

قلت: قد جاء أوس في بيته هذا باللغتين معا: خليفة و خليف.

المسألة الثانية

: في أول من ولي الخلافة و دعي بها:

في كتاب «نفحة الحدائق و الخمائل»: أول من ولي الخلافة أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه.

و في كتاب «الاستيعاب» (971) لأبي عمر: كان أبو بكر يقول: أنا خليفة رسول اللّه، و كان يدعى: يا خليفة رسول اللّه. و روى بسند عن ابن أبي مليكة قال، قال رجل لأبي بكر: يا خليفة اللّه، قال: لست بخليفة اللّه، و لكني خليفة رسول اللّه، و أنا راض بذلك.

المسألة الثالثة: في معنى الأمير.

في «المحكم» الأمير: الآمر، و الأمير: الملك لنفاذ أمره بين الإمارة و الأمارة، و أمر علينا يأمر أمرا، و أمر و أمر كولي.

تنبيه:

المشهور في الإمارة من الولاية كسر الهمزة، و زاد في المحكم فتحها، و أما

____________

(1) م ط: موجود.

(2) البيت في ديوان أوس: 25 و اللسان و التاج (خلف).

50

الأمارة بمعنى العلامة فهي بفتح الهمزة لا غير، كذلك، قيّدها الهروي و الفارابي، و أنشدا جميعا: [من الطويل‏]

إذا طلعت شمس النهار فإنها* * * أمارة تسليمي عليك فسلّمي‏

المسألة الرابعة: في أول من تسمى بأمير المؤمنين و هو عمر بن الخطاب‏

رضي اللّه تعالى عنه.

ذكر أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (1151) أن عمر بن عبد العزيز (رحمه اللّه تعالى) سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة (1): لأي شي‏ء كان أبو بكر يكتب من خليفة رسول اللّه، و كان عمر يكتب من خليفة أبي بكر، و من أوّل من كتب من عبد اللّه أمير المؤمنين؟ قال: حدثتني الشفاء، و كانت من المهاجرات الأول، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل العراق: أن ابعث إليّ برجلين نبيلين أسألهما عن العراق، فبعث إليه عامل العراق لبيد بن ربيعة العامري، و عديّ بن حاتم الطائي، فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد فإذا هما بعمرو بن العاص، فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين يا عمرو، فقال عمرو:

أنتما و اللّه أصبتما اسمه، نحن المؤمنون و هو أميرنا، فوثب عمرو فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما بدا لك في هذا الاسم؟ يعلم اللّه لتخرجنّ مما قلت أو لأفعلن، قال: إن لبيد بن ربيعة و عديّ بن حاتم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد و قالا لي: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فهما و اللّه أصابا اسمك، أنت الأمير و نحن المؤمنون، قال: فجرى الكتاب من يومئذ. انتهى.

المسألة الخامسة: في أول من تسمى بأمير المسلمين و هو يوسف بن تاشفين‏

(رحمه اللّه تعالى):

____________

(1) أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة العدوي المدني روى عن أبيه وجدته الشفاء، قال فيه الزهري:

كان من علماء قريش؛ وثقه ابن حبان (تهذيب التهذيب 12: 25).

51

و في «الحدائق و الخمائل» أول من تسمّى بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين‏ (1)، و كان أول من دعاه به المعتمد بن عباد، فاستحسن ذلك منه و مرت عليه هذه التسمية إلى أن مات.

____________

(1) يقال إن يوسف بن تاشفين لقب أمير المسلمين بعد الزلاقة سنة 479، و أصبح هذا اللقب شعار المرابطين؛ و أما قول من قال إنه تلقب بأمير المؤمنين فذلك على الأرجح و هم (راجع التراتيب الإدارية 1: 10).

52

الباب الثاني في الوزير

و فيه اربعة فصول‏

الفصل الأول في معنى الوزير و اشتقاق اسم الوزارة

في كتاب «أحكام القرآن» (4: 1630) للقاضي أبي بكر ابن العربي (رحمه اللّه تعالى): الوزارة عبارة عن رجل موثوق به في دينه و عقله، يشاوره الخليفة فيما يعنّ له من الأمور. انتهى.

و في اشتقاق الوزير ثلاثة أقوال:

الأول: أن يكون مشتقا من الوزر، و هو الثّقل، بكسر الواو و سكون الزاي، كذلك ضبطه الفارابي (3: 236) فكأن الوزير يحمل عن السلطان ثقل الأمور، قاله الهروي و العزيزي و ابن سيده.

و الثاني: أن يكون مشتقا من الوزر: و هو المكان الممتنع في الجبل يلجأ إليه و يمتنع فيه- بفتح الواو و الزاي معا- كذلك ضبطه الفارابي أيضا (3: 215) فكأن الوزير يلجأ إليه السلطان فيما يعنّ له من الأمور، و يمتنع برأيه من الخطأ، قاله الهروي و ابن سيده.

و الثالث: أن يكون مشتقا من الأزر، و هو الشدة و القوة- بفتح الهمزة و سكون الزاي- كذلك ضبطه الفارابي أيضا (4: 140) فكأن الوزير يشدّ أمر السلطان و يقويه، قاله ابن سيده. قال: و من هنا أيضا ذهب بعضهم إلى أن الواو في الوزير بدل من الهمزة و قال: و حالته الوزارة و الوزارة، و الكسر أعلى. انتهى.

53

الفصل الثاني في قول رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلم)): وزيراي من أهل السماء جبريل و ميكائيل، و وزيراي من أهل الأرض أبو بكر و عمر

في كتاب «أحكام القرآن» (4: 1630) و كتاب «سراج المريدين» للقاضي أبي بكر ابن العربي (رحمه اللّه): في الحديث الحسن عن النبي ((صلّى اللّه عليه و سلم)): وزيراي من أهل السماء: جبريل و ميكائيل، و وزيراي من أهل الأرض أبو بكر و عمر.

و خرج مسلم (2: 211) (رحمه اللّه تعالى) عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن سعد قال: رأيت عن يمين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)و عن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بياض ما رأيتهما قبل و لا بعد، يعني جبريل و ميكائيل (عليهما السلام).

و خرج مسلم (2: 211) (رحمه اللّه) عن سعد أيضا عن أبيه عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه قال: لقد رأيت يوم أحد عن يمين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)و عن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشدّ القتال ما رأيتهما قبل و لا بعد. انتهى.

و في هذه الأحاديث ثبوت مؤازرة جبريل و ميكائيل (عليهما السلام) له (صلّى اللّه عليه و سلم)و تصحيح الحديث الحسن الذي خرجه أبو بكر ابن العربي في ذلك.

و قد ذكر ذلك حسان بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه في شعره‏ (1)، فقال يمدح رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلم))، أنشده الفقيه أبو القاسم العزفي في «الدرّ المنظم في مولد النبي المعظّم»: [من الكامل‏]

يا ركن معتمد و عصمة لائذ* * * و ملاذ منتجع و جار مجاور

يا من تخيّره الإله لخلقه‏* * * فحباه بالخلق الرضيّ الطاهر

____________

(1) لم أجد الأبيات في ديوان حسان.

54

أنت النبيّ و خير عترة آدم‏* * * يا من يجود بفيض بحر زاخر

ميكال معك و جبرئيل كلاهما* * * مدد لنصرك من عزيز قاهر

الفصل الثالث في ذكر أبي بكر و عمر رضي اللّه تعالى عنهما و أنسابهما و أخبارهما

أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه:

قد تقدم من ذكره في الباب الذي قبل هذا ما فيه كفاية، و الحمد للّه.

عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه:

في «الاستيعاب» (1144): عمر بن الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد اللّه بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب القرشي العدوي، أبو حفص، أسلم بعد أربعين رجلا، فكان إسلامه عزّا ظهر به الإسلام‏ (1) بدعوة النبي ((صلّى اللّه عليه و سلم)).

و في «السير» لابن إسحاق (1: 345) أن خبّاب بن الأرت قال لعمر يحضه على الإسلام يوم أسلم: و اللّه إني لأرجو أن يكون اللّه قد خصّك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس و هو يقول: اللهم أيّد الإسلام بأبي الحكم ابن هشام أو بعمر بن الخطاب.

و في «الاستيعاب» (1147): ضرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)صدر عمر حين أسلم ثلاث مرات، و هو يقول: اللهم أخرج ما في صدره من غلّ و أبدله إيمانا، يقولها ثلاثا.

و هاجر فهو من المهاجرين الأولين، و شهد بدرا و بيعة الرضوان و كلّ مشهد شهده رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلم))، و توفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)و هو عنه راض.

____________

(1) م: به في الإسلام.

55

و قال ((صلّى اللّه عليه و سلم)): إن اللّه جعل الحقّ‏ (1) على لسان عمر و قلبه.

و قال (عليه السلام): قد كان في الأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر بن الخطاب. و ولي الخلافة بعد أبي بكر باستخلافه سنة ثلاث عشرة، فسار بأحسن سيرة و فتح اللّه له الفتوح بالشام و العراق و مصر. و كان لا يخاف في اللّه لومة لائم، و كان من أشراف قريش، و إليه كانت السفارة في الجاهلية، و ذلك أن قريشا إذا وقعت بينهم حرب، أو بينهم و بين غيرهم، بعثوه سفيرا، و إن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرا و مفاخرا، و رضوا به.

ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة (2)، و قتل (رحمه اللّه) سنة ثلاث و عشرين، طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة لثلاث بقين من ذي الحجة و قيل لأربع بقين منه يوم الأربعاء، و كانت خلافته عشر سنين و ستة أشهر.

و في «الاكتفاء» أن عمر رضي اللّه تعالى عنه بعد أن قدم المدينة من حجه، خرج يوما يطوف بالسوق، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، و كان نصرانيا لعنه اللّه.

و في «الاستيعاب» (1155) و يقال‏ (3) كان مجوسيا.

رجع إلى «الاكتفاء»: فقال يا أمير المؤمنين: أعدني‏ (4) على المغيرة فإن علي خراجا كثيرا، قال: و كم خراجك؟ قال: درهمان في كل يوم، قال: و أيش صناعتك؟ قال: نجار، نقاش، حداد. قال: فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الأعمال. ثم انصرف عمر رضي اللّه تعالى عنه إلى منزله، فلما كان صبح اليوم الثالث خرج رضي اللّه تعالى عنه إلى الصلاة، و كان يؤكّل بالصفوف رجالا، فإذا استوت أخبروه فكبر، فدخل أبو لؤلؤة في الناس، في يده خنجر له رأسان نصابه في‏

____________

(1) ط: جعل الحقّ.

(2) سنة: سقطت من ط.

(3) و يقال: سقطت من ط.

(4) بهامش م: لعله أعني.

56

وسطه، فضرب عمر رضي اللّه تعالى عنه ست ضربات، إحداهن تحت سرته، و هي التي قتلته، فلما وجد عمر رضي اللّه تعالى عنه حرّ السلاح سقط، و قال دونكم الكلب فإنه قد قتلني، و ماج الناس فأسرعوا إليه فجرح منهم ثلاثة عشر.

و في «الاستيعاب» اثني عشر (1) مات منهم ستة.

رجع إلى «الاكتفاء»: فجاء رجل فاحتضنه من خلفه، و قيل: ألقى عليه برنسا، فقيل: إنه لما أخذ قتل نفسه، و أمر عمر رضي اللّه تعالى عنه عبد الرّحمن بن عوف فصلّى بالناس، ثمّ حمل رضي اللّه تعالى عنه إلى منزله، و كان مقتله رضي اللّه تعالى عنه لأربع بقين من ذي الحجة من سنة ثلاث و عشرين، و قيل لثلاث بقين منه، و قيل إن وفاته كانت في غرة المحرم من سنة أربع و عشرين.

و في «الاستيعاب» (1155): و اختلف الناس في سن عمر رضي اللّه تعالى عنه يوم مات، فقيل اثنتان و خمسون، و قيل أربع و خمسون، و قيل خمس و خمسون، و قيل ستون، و قيل ثلاث و ستون. و قال أبو الربيع ابن سالم في «الاكتفاء»: و أشهر ما في ذلك: ثلاث و ستون، و أنه استوفى بمدة خلافته سنّ رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلم))، و سنّ أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه.

فوائد لغوية في خمس مسائل:

المسألة الأولى: من «شرح العمدة» لابن دقيق العيد (2): رياح في نسب عمر رضي اللّه تعالى عنه براء مهملة مكسورة بعدها الياء أخت الواو و ألف و حاء مهملة.

و رزاح براء كذلك بعدها زاي معجمة و ألف و حاء مهملة.

المسألة الثانية: في «المشارق» (1: 183) محدّثون بفتح الدال، قال البخاري:

يجري على ألسنتهم الصواب.

____________

(1) في الاستيعاب أيضا ثلاثة عشر.

(2) انظر العدة للصنعاني 1: 183.