حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار

- محمد بن بحر الحضرمي‏ المزيد...
591 /
5

كلمة لا بد منها

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه الّذي أكرم هذه الأمّة بالخيريّة، فكانت خير أمّة أخرجت للنّاس. و الصّلاة و السّلام على سيّد الجنّ و النّاس؛ سيّدنا محمّد، و على آله و أصحابه المطهّرين عن الأدناس. و بعد:

فإنّنا- و بين كتابنا هذا- هناك الكثير من الأمور الّتي قابلتنا، و الشّؤون و الشّجون الّتي اعترضتنا، و الّتي تحتّم علينا لزاما التّوضيح و التّبيان.

فبعد أن فرغنا من تحقيق هذا الكتاب المبارك، الّذي نقدّمه للقارئ الكريم، و الّذي أخذ من الوقت و الجهد ما اللّه به عليم، و أصبح في مراحله النّهائية- البروفة الأخيرة- فوجئنا و عند مراجعتنا لبعض الأحداث الواردة فيه، على كتاب آخر مطبوع تحت اسم «حدائق الأنوار» لابن الدّيبع، حقّقه الشّيخ عبد اللّه الأنصاريّ- على الجميع رحمة اللّه- فلاحظنا بعض التّشابه في الكتابة بين الكتابين لنفس الحادثة، فظنّنا أنّه من باب سقوط الحافر على الحافر، فأخذنا جزيئة أخرى من الكتاب، فوجدنا أنّ النّصّ هو هو.

عندها كان لا بدّ لنا من زيادة الاهتمام و البحث في الموضوع، فعدنا إلى أوّل الكتاب، فوجدنا أنّ الكتاب هو نفس الكتاب، و الفرق فقط هو في اسم المؤلّف، و الّذي حقّقه الشّيخ الأنصاريّ- (رحمه اللّه تعالى)- معتمدا نسخة خطيّة من مجموع به عدّة كتب أكثرها لابن الدّيبع، و أنّ هذا الكتاب قد نسب في المخطوط المذكور لابن الدّيبع.

مع العلم بأنّ الشّيخ الأنصاريّ- (رحمه اللّه تعالى)- عند ما ترجم لابن الدّيبع و استعرض مؤلّفاته ذكر أنّه لم يجد ممّن ترجم له ذكر كتاب سيرته هذا، و علّل ذلك بأنّ مترجميه قد أغفلوا هذا الكتاب، أو لم يشتهر أمره. و أضاف قائلا: (و نرجو من اللّه أن يوفّقنا لجمع معلومات تفيدنا أكثر في توثيق هذه السّيرة وصلتها بابن الدّيبع في المستقبل، ممّا سيجتمع إلينا من آراء القرّاء الكرام الّتي نأمل أن يوافونا بها، و بما سنتوصّل إليه في المستقبل إن شاء اللّه).

بل إنّ المخطوط الّذي اعتمده الأنصاريّ- (رحمه اللّه)- قد اعتراه نقص في بعض الأسطر في بداية الكتاب، و المذكور فيها- أي: في المخطوطين المعتمدين لدينا- اسم الكتاب و أنّه مهدى لأحد ملوك الهند. و قد صرّح- (رحمه اللّه)- بذلك- مشيرا إلى مواضع النّقص- قائلا: (فالبياض في الموضع الأوّل أخفى عنّا معرفة الملك الّذي قدّم إليه- المؤلّف- هذا الكتاب و وسمه باسمه‏

6

و رسمه برسمه، و البياض في الموضع الثّاني حجب عنّا معرفة اسم الكتاب على وجه التّحقيق و التّأكيد).

و مع هذا كلّه نرى أنّ الأنصاريّ- (رحمه اللّه)- قد ذكر أثناء وصفه للمخطوط الّذي اعتمده- و الّذي هو ضمن مجموع لكتب أخرى لابن الدّيبع- فقال: (عنوان الكتاب معلّق بخطّ الثّلث الجميل. و أرجّح أنّ هذه العنونة مستحدثة، يعود تاريخ كتابتها إلى زمن متأخّر عن زمن نسخها).

و لعلّ التّشابه في بعض الأمور قد أوصل الأنصاريّ- (رحمه اللّه)- إلى ما وصل إليه.

و كم كنّا نأمل أن يكون الشّيخ الأنصاريّ بين ظهرانينا ليطّلع على ما توصّلنا إليه من معلومات كانت ستثلج صدره و تقرّبها عينه. عليه رحمة اللّه‏ (1).

يحسن بنا أن نشير هنا إلى أنّنا قد أطلعنا الأستاذ المحقق عبد اللّه بن محمّد الحبشي على ما توصّلنا إليه، فتكرّم بكتابة تمهيد لهذا الكتاب المبارك، ساهم في تبيان الحقيقة و إزالة اللّبس. فجزاه اللّه عنّا خيرا، و وفّقه و سدّد خطاه.

و إنّني و كلّي فرح و سرور بهذا الاكتشاف الّذي أعاد الحقوق لأهلها، و أوضح أمرا في غاية الأهمّيّة حول نسبة هذا الكتاب، أتوجّه إلى اللّه تعالى أن يكلّل أعمالنا و مساعينا و جميع أمورنا بالتّوفيق‏ (2).

و يحسن بي أيضا أن أجري في هذه العجالة مقارنة بين طبعة الأنصاريّ- (رحمه اللّه تعالى)- و بين طبعتنا هذه؛ ذاكرا مميّزاتها:

1- اعتمد الأنصاريّ على مخطوط واحد فقط، فقال: (تعرّض المجموع لعمل الأرضة، فأحدثت فيه ثقوبا اخترقت المجموع من الغلاف إلى الغلاف، و أحدثت فيه ضررا بالغا، و أتت على بعض الكلمات فاقتطعتها). و قد بذل- (رحمه اللّه)- جهدا كبيرا بإثبات النّقص الّذي أصاب المخطوط، معارضا الكتاب على أصوله الّتي نهل المؤلّف منها، مجتهدا بتصويب التّصحيف و إصلاح الخلل، و بما أنّه اعتمد على نسخة ناقصة و سقيمة فلم تأت تصويباته كاملة في معظم المواطن. بينما اعتمدنا نحن على مخطوطين كاملين ليس بهما أيّ نقص أو خرم، فجاء الكتاب أكثر ضبطا و أقرب إلى الصّواب.

____________

(1) كانت وفاة الشّيخ عبد اللّه إبراهيم الأنصاريّ نهاية سنة 1410 ه (رحمه اللّه تعالى).

(2) كذلك- و قبل طبع هذا الكتاب المبارك- فإنّنا قد اكتشفنا ما يزيل أيّ شكّ ربّما يطرأ- مع ما توفّر من الأدلّة السّابقة- فقد عثرنا على كتاب «مولد النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)» للعلّامة (بحرق) محفوظا في مكتبة الأسد الوطنيّة بدمشق؛ من خلال ثلاث نسخ خطيّة، ذوات الأرقام: (8571)، (10799)، (11372)؛ و بعد اطلاعنا عليها وجدنا تطابقا في بداية «المولد» مع فصل (خطبة في التّعريف بمولده الشّريف) من هذا الكتاب، ص 53 و هذا التّطابق كلمة بكلمة و حرف بحرف؛ ممّا يؤكد دون أدنى شكّ أنّ هذا الكتاب للعلّامة (بحرق)- (رحمه اللّه تعالى)- و للّه الحمد على ما أنعم و ألهم. اه الناشر.

7

2- أحال- (رحمه اللّه)- نصوص الكتاب على أصولها ما استطاع، و خرّج معظم الأحاديث فيه، و قام بإتمام الأخبار الّتي اختصرها المؤلّف، ذاكرا ذلك في الهامش، ممّا زاد في حجم الكتاب كثيرا- حتّى وصل إلى ثلاث مجلدات. بينما قمنا بإحالة نصوص الكتاب على مصادرها الأصليّة، و تخريج الأحاديث كلّها، و ذلك بشكل مفيد و مختصر، فجاءت طبعتنا في مجلد واحد. و قد استفدنا من بعض تعليقاته فأثبتناها بالهامش و ميّزناها ب (أنصاريّ).

3- ربّما وجدنا تناقضا لم يجمع عليه أهل السّير أثناء معارضة الكتاب على مصادره، فلم يعلّق- (رحمه اللّه)- عليها بشي‏ء. بينما وجدنا من الأمانة العلميّة أن نشير إلى ذلك بالهامش.

4- مرّ معنا- في أثناء الكتاب- بعض الرّوايات الواهية السّاقطة سندا و متنا و عقلا و نقلا- كقصّة زواج النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بزينب بنت جحش- و الّتي وقعت في بعض كتب القصص و التّفسير و السّير، و قد تذرّع بها أعداء الإسلام في التّهجّم على الإسلام و نبيّه، و نسج المستشرقون و المبشّرون من هذه الرّواية و غيرها أثوابا من الكذب و الخيال معتمدين بذلك على هذه الرّوايات المختلقة المدسوسة- عند أئمّة النّقد و علماء الرواية- فلم يشر الأنصاريّ- (رحمه اللّه)- إلى ذلك مطلقا. فقمنا بالرّد على هؤلاء في الأماكن الّتي تتطلّب منّا ذلك.

5- أجهد الأنصاريّ- (رحمه اللّه)- نفسه في صنع فهارس للكتاب- بلغت مجلّدا كاملا!!- ممّا زاد في حجمه و ثمنه، و نرى أنّ مثل هذه الكتب لا تحتاج إلى هذه الفهارس الكثيرة. و قد أشار إلى ذلك العلامة المحقق (عبد الفتاح أبو غدة)- (رحمه اللّه تعالى)- حول عدم جدوى هذه الفهارس مقارنة بالوقت الذي تستهلكه‏ (1).

____________

(1) قال العلّامة المحقّق (عبد الفتّاح أبو غدّة)- (رحمه اللّه تعالى)- في كتابه «الانتقاء فى فضل الأئمّة الثّلاثة الفقهاء»، ص 352؛ تحت عنوان (حول صنع الفهارس للكتب المطبوعة و ذهاب الوقت الثمين بها):

جرت العادة في الأيّام الأخيرة أن يصنع للكتاب الكبير أو النّفيس الخطير فهارس عامّة، حتّى يسهل الاتصال بمعلوماته دون عناء طويل و تردّد كثير بين صفحاته للوصول إلى طلبة الباحث، و في ذلك نفع مشهود و ضبط تامّ لأطراف المعلومات فتصاب لراغبها بأقصر الطّرق و أقل الوقت.

و لكن هذا العمل فيه بذل جهد كبير، و تحمّل مشقّات كثيرة؛ فقد صار نوعا من أنواع التأليف، و الإتقان فيه صعب وعر، و يحتاج إلى حبس النّفس عليه مدّة طويلة، و لذا يتردّد طالب العلم بين الإقدام عليه لتقريبه المطلوب بيسر و سهولة، و الإحجام عنه لما يأكل من الذّهن و الزّمن في معاناة ضبط الأسماء و تمييزها، و تصنيفها و عدم تعدّدها أو تداخلها سهوا و خطأ.

و قد تردّدت كثيرا في صنع فهارس هذا الكتاب نظرا لما يذهب من الوقت في تأليف فهارسه و ضبطها و إتقانها ..، فقد أخذ منّي صنع هذه الفهارس و ضبطها، و مقابلتها بالكتاب أكثر من ثلاثة أشهر مع بعض أعمال صغرى خفيفة، فتمنّيت لو كنت صرفت ذلك الزّمن في خدمة كتاب آخر، و لكن ما كلّ الأماني ترتضى!

قال الأخ الفاضل الأستاذ المحقّق محمود الطّناحي، في كتابه النّفيس «مدخل إلى تاريخ نشر التراث» في ص 74، بعد أن أشار إلى فضل الأستاذ الشيخ محمّد محيي الدّين عبد الحميد- (رحمه اللّه تعالى)- فيما نشره و حقّقه من الكتب، و بعد ذكره ما انتقد على الشّيخ في إغفاله صنع الفهارس لكتبه النّضرة الميسّرة،

8

فلم نعمد في عملنا هذا إلى صناعة الفهارس، سيّما و أنّنا فصلنا بين مواضيع الكتاب المتتابعة و وضعناها على هامش الكتاب. و لم ندخلها في نصّ المؤلّف- كما يفعل بعض المحقّقين- كيلا يتوهّم القارئ الكريم أنّها من صنع المؤلّف، و أيضا من باب التّأدّب مع الأئمّة السّابقين بالمحافظة على مصنّفاتهم. و بالتالي أصبح تناول الكتاب سهلا و ممتعا.

6- ألحقنا بالكتاب ثبتا ضمّنّاه أهمّ أحداث السّيرة النّبويّة العطرة و التشريعات و نحو ذلك، و أحلناها إلى مكان وجودها في صفحات الكتاب. أمّا الحدث الّذي لم يرد بعده رقم يشير إلى مكان وجوده داخل الكتاب؛ فليعلم أنّ المؤلّف- (رحمه اللّه)- لم يذكره. و إنّما ذكرناه إتماما للفائدة و النّفع. كما ألحقنا به أيضا بعض المصوّرات و المخطّطات الملوّنة الّتي تعين على فهم بعض أحداث السّيرة النّبويّة الشّريفة.

و في الختام: نسأل اللّه أن يجعل نيّاتنا و مقاصدنا له وحده سبحانه، خالصة لوجهه الكريم.

و أن يعمّ النّفع بهذا الكتاب الأمّة المحمّديّة في مشارق الأرض و مغاربها، و أن يجزي القائمين على هذا العمل، و كلّ من شارك أو ساعد في إخراج هذا الكتاب خير الجزاء، إنّه سميع مجيب. و صلى اللّه على سيّدنا محمّد و على آله و صحبه و سلّم. و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

الناشر

____________

و حدّثني الأستاذ فؤاد سيّد؛ عالم المخطوطات بدار الكتب المصريّة (رحمه اللّه تعالى) قال: سألت ذات يوم الشّيخ محيي الدّين عبد الحميد: لما ذا لا تهتمّ بفهرسة ما تنشر يا مولانا؟! فأجاب: أمن أجل خمسة عشر مستشرقا أضيّع وقتا هو أولى بأن يصرف إلى تحقيق كتاب جديد؟!! و قد صدق الشيخ فإنّها تذهب بالوقت الثّمين، و لا يشعر به القارئ. ا. ه.

9

تمهيد

بقلم: عبد اللّه بن محمّد الحبشى‏ (*) بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله و صحبه و سلّم. أمّا بعد:

فأطلعني الأستاذ- الناشر لهذا الكتاب المبارك- على مخطوطتين من هذا الكتاب القيّم.

كلاهما تحمل اسم العلّامة المتبحّر الكبير (محمّد بن عمر بحرق الحضرميّ) المتوفّى سنة 930 ه.

و في كلتيهما ما لا يدع مجالا للشّكّ في نسبة الكتاب للمذكور.

و يصدق القول في ذلك الإهداء الّذي صدّر المؤلّف مقدّمته به، و هو إلى سلطان الهند العالم (شمس الدّين مظفّر بن محمود شاه)؛ ممّا يعطي دليلا آخر إلى نسبة الكتاب إلى (بحرق)، حيث إنّ المذكور دخل الهند و استوطن بها، و كان ممّا أتحف به هذا الملك كتابنا هذا، لشغف المذكور بالعلم و أهله و تقريب العلماء.

و قد أشار إلى صلة المؤلّف بالمذكور صاحب «النّور السّافر»؛ فقال: (و لمّا عزم إلى الهند، و وفد على السّلطان مظفّر، فقرّبه السّلطان و عظّمه؛ و لمّا خبر علمه و فضله زاد في تعظيمه و تبجيله، و أنزله المنزلة الّتي تليق به) (1).

و يزيدنا إيضاحا حول هذا الموضوع العلّامة (عبد الحيّ اللكنوي)، صاحب كتاب «نزهة الخواطر»؛ يقول في أثناء كلامه حول دخول العلّامة (بحرق) الهند: (و وفد على سلطانها (مظفّر بن محمود بيكره)- بايقرا-، فعظّمه و قام به، و قدّمه و وسّع عليه، و التفت إليه و أدناه منه، و أخذ عنه؛ فاشتهر بجاهه، و صنّف له «تبصرة الحضرة الشّاهيّة الأحمديّة بسيرة الحضرة النّبويّة الأحمديّة» (2).

فدلّنا جميع هذا .. على صحّة نسبة الكتاب إلى علّامتنا (بحرق). و بدليل أنّ جميع‏

____________

* باحث يمني، يعمل حاليا في (المجمع الثقافي) بأبوظبي.

(1) تاريخ النّور السّافر عن أخبار القرن العاشر، ص 136.

(2) نزهة الخواطر، ج 4/ 306.

10

المخطوطات الموجودة تحمل اسم العلّامة (بحرق).

و لكن يشكّك على ذلك التّواتر، و يجعل هناك في نفس الباحث بعض السّؤال أنّ النّسخة المطبوعة من هذا الكتاب تحمل اسم العلّامة المحدّث (أبي محمّد عبد الرّحمن بن عليّ ابن الدّيبع الزّبيديّ) المتوفّى سنة 944 ه. و قد قام بنشرها في سنة 1403 ه العلّامة الفاضل (عبد اللّه بن إبراهيم الأنصاريّ)، و قد بذل في تحقيقها جهدا يشكر عليه؛ إلّا أنّه لم يرجع في تحقيق المخطوطة إلّا إلى نسخة واحدة، و أوحى كلامه في المقدّمة إلى الشّكّ في نسبة الكتاب إلى (ابن الدّيبع) المذكور فقال: (و لم أجد أحدا ممّن ترجمه قد ذكر كتاب سيرته «حدائق الأنوار و مطالع الأسرار»، و لعلّ هذا الكتاب قد غفل عن ذكره مترجموه، أو لم يشتهر أمره).

قلت: و الرّجوع في تحقيق كتاب مثل هذا إلى مخطوطة واحدة لا يخلو من بعض المجازفة، إضافة على ذلك سقم النّسخة الّتي رجع إليها علّامتنا (الأنصاريّ)- (رحمه اللّه)- و كما أشار إلى ذلك هو بنفسه.

و لكن تبقى أمامنا الحقيقة الماثلة، و هي أنّ جميع المخطوطات المتوفّرة لدينا الآن تجمع على نسبة الكتاب إلى العلّامة (بحرق)، باستثناء تلك النّسخة السّقيمة الّتي رجع إليها (الأنصاريّ)، و الّتي تشير إلى نسبة تأليفها إلى (ابن الدّيبع).

و لا يخلو الأمر من أنّ هناك يدا عابثة أو تعمّدا أدخل تلك النّسبة إلى المخطوطة المذكورة، حيث إنّ هناك أسطر بقيت فارغة، ترك فيها ناسخها عنوان الكتاب و اسم المهدى إليه الكتاب المذكور؛ و هو سلطان الهند، الّذي اتّصل به العلّامة (بحرق) و اجتمع به، و لا يعرف لابن الدّيبع رحلة إلى الهند، بل بقي أثر من اسم المهدى إليه في الأبيات الّتي أوردها المؤلّف في مدح السّلطان المذكور، و هي قوله:

فأحمد أسمى من بنى اسما و كنية* * * و فعلا و وصفا ملكه من أساسه‏

شهاب فخذ من علمه و اقتباسه* * * سنا النّور و اخش النّار في وقت باسه‏

إلى قوله:

فلا زال محمودا حميدا مظفّرا* * * شهابا على أعدائه كأناسه‏

و أيضا بقيّة من اسم الكتاب، حيث جاء في طبعة (الأنصاريّ) قوله: (فوسمت باسمه هذا الكتاب الكريم، و رسمته برسمه ... فسمّيته تبصرة- (في مطبوعة الأنصاريّ بصيرة .. خطأ)- الحضرة، ثمّ تأتي نقط في المطبوعة هي موضع السّقط المتعمّد من قبل النّاسخ أو غيره.

11

و إذا كان طرأ التشكيك- عند من يرى هذا- في- نسبة الكتاب إلى (بحرق)، فإنّ العنوان كذلك يختلف عمّا أورده العلّامة (العيدروس) في «النّور السّافر»، حيث ذكر أنّ عنوانه هو كتاب «تبصرة الحضرة الشّاهيّة الأحمديّة بسيرة الحضرة النّبويّة الأحمديّة» (1).

و أيّد هذا المؤلّف نفسه، حيث نصّ صراحة على هذا العنوان في مقدّمة كتابه فقال:

(فوسمت باسمه هذا الكتاب الكريم، و رسمته برسمه، و إنّه‏ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏؛ فسمّيته: «تبصرة الحضرة الأحمديّة الشّاهيّة بسيرة الحضرة الأحمديّة النّبويّة».

و لكنّ المخطوطات الّتي بأيدينا تحمل عنوانا مغايرا للعنوان الّذي ارتضاه المؤلّف، بما فيها تلك المخطوطات الّتي نصّ فيها المؤلّف على عنوانه الأوّل. و هذا يدخل أيضا في باب الاستفهام حول العنوان و المؤلّف، و لكن يقع لبعض المؤلّفين أن يغيّروا في أسماء كتبهم، بل و في المؤلّفات نفسها؛ إمّا بالزّيادة أو النّقصان، و لا يستبعد أن العلّامة (بحرق)- (رحمه اللّه)- لمّا كتب كتابه أوّل مرّة و أهداه إلى السّلطان السّابق ذكره جعله يحمل اسمه، لشرف هذا السّلطان و ورعه، حيث عرف عند من ترجم له بالصّلاح و كثرة العبادة، و لكن رأى بعد ذلك تكريما للمقام الشّريف أن يحمل عنوانا آخر يتناسب مع عظيم الموضوع، و مع أذواق طلبة العلم، فأسماه: «حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النّبيّ المختار (صلى اللّه عليه و سلم)».

و هو الاسم الّذي تحمله طبعتنا هذه و طبعة الشّيخ (الأنصاريّ)- (رحمه اللّه)-

و هذا ما أردنا التّنبيه عليه، و فوق كلّ ذي علم عليم ...

عبد اللّه بن محمّد الحبشى‏

أبو ظبي-

في 25/ 7/ 1418 ه 25/ 11/ 1997 م‏

____________

(1) تاريخ النّور السّافر عن أخبار القرن العاشر، ص 136.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدّمة التحقيق‏

إنّ الحمد للّه نحمده، و نستعينه و نستغفره، و نعوذ باللّه من شرور أنفسنا، و من سيّئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضلّ له، و من يضلل فلا هادي له.

و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له. و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ [سورة آل عمران 3/ 102].

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [سورة النّساء 4/ 1].

يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (72) [سورة الأحزاب 33/ 71- 71].

أمّا بعد:

فإنّ خير ما يتدارسه النّاشئة و طلّاب العلم، و يعنى به الباحثون و المؤلّفون دراسة السّيرة النّبويّة، إذ هي خير وسيلة للتّعلّم و التّهذيب و التّأديب، و فيها ما يرجوه المؤمن من دين و دنيا، و علم و عمل، و آداب و أخلاق، و رحمة و عدل، و جهاد و استشهاد في سبيل اللّه، ثمّ نشر العقيدة و الشّريعة، و القيم الإنسانيّة النّبيلة.

إنّ السّيرة النّبويّة نور ساطع وهّاج، أفضى إلى ظلمات الجهل و الوثنيّة، فانجابت كما ينجاب الغمام، و هدى من اللّه أرسله إلى الإنسانيّة الضّالّة، فانتشلها من ضياع، و انتاشها من هلاك، و أنقذها ممّا كانت تتخبّط فيه من دياجير الظّلام، و عقابيل الضّلال.

و إذا كانت السّيرة في اللّغة بمعنى: الطّريقة و السّنّة، فإنّها يراد بها التّعرّف على حياة الرّسول (صلى اللّه عليه و سلم) قرّة العين و ريحانة القلب؛ منذ ظهور الإرهاصات الّتي مهّدت لرسالته، و ما سبق مولده من ظواهر و أحداث تلقي أضواء رحمانيّة على طريقة الدّعوة المحمّديّة، ثمّ مولده (صلى اللّه عليه و سلم)،

14

و نشأته حتّى مبعثه، و ما جاء بعد ذلك من دعوة النّاس إلى الدّين القيّم، و ما لقي (صلى اللّه عليه و سلم) في سبيل نشر هذا الدّين من عنت و معارضة، و ما جرى بينه (عليه الصّلاة و السّلام) و بين من عارضوه من صراع بالبيان و السّنان، و ذكر من استجاب له، حتّى علت راية الحقّ، و أضاءت شعلة الإيمان.

تاريخ التّأليف في السّيرة و أشهر كتبها:

إنّ أوّل ما يلفت الانتباه في سير الأنبياء أنّ السّيرة النّبويّة أصحّ سيرة لتاريخ نبيّ مرسل، و لم نعرف على مدى التّاريخ البشريّ كلّه أمّة من أمم الرّسل (عليهم الصّلاة و السّلام)، سعدت بمثل ما جاء في القرآن الكريم عن الرّسالة و الرّسول، و لا حظيت بمثل تلك المجموعة الثّمينة من الأحاديث النّبويّة، ذلك السّجل الخالد، بل كانت هناك حلقات مفقودة في حياة رسلها، لا يمكن البحث عنها، و الاهتداء إليها.

أمّا خاتم الرّسل محمّد (صلى اللّه عليه و سلم) فهو الرّسول الّذي نعرف عنه كلّ دقيق و جليل، و نعرف عنه من دقائق الأخلاق و الصّفات، و الميول و الرّغبات، و القول و العمل، ما لا نعرفه عن غيره من النّبيّين (عليهم الصّلاة و السّلام).

و من رحمة اللّه تعالى أن كانت هذه الأمّة تملك قوّة الذّاكرة، و سرعة الحفظ و الاستظهار، ممّا يسّر لها الجمع و الاستحضار، و لا عجب في ذلك فقد بهرهم الوحي بقوّة بيانه، و أخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه، و استأثر بكريم مواهبهم في لفظه و معناه، فكان الحفظ في الصّدور، و التّدوين في السّطور، و كانت الصّبغة الّتي شاء اللّه أن تكون.

لقد اهتمّ المسلمون الأوائل اهتماما كبيرا بأحاديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و سننه الفعليّة و القوليّة، قبل أن تدوّن الأحاديث تدوينا عامّا في آخر القرن الأوّل الهجري- و لم يكن قد دوّن في تاريخ العرب أو السّيرة شي‏ء إلى أن مضت أيّام الخلفاء الرّاشدين- فكتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى عامله على المدينة أبي بكر بن محمّد بن حزم- و هو من كبار المحدّثين- طالبا منه أن يدوّن أحاديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في كتاب وزّعه على البلاد الإسلاميّة.

و قد قام المحدّثون بعدها بجمع أحاديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في كتب لا تلتزم منهجا معيّنا في التّرتيب و التّصنيف، و لم تخل كتبهم من ذكر ما يتعلّق بسيرة النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و حياته و مغازيه و مناقبه و ما إلى ذلك. و قد استمرّ هذا المنهج حتّى بعد انفصال السّيرة عن الأحاديث في التّأليف.

ثمّ صنّفت في السّيرة النّبويّة مصنّفات خاصّة بها. و قد كان في مقدّمة المؤلّفين في السّيرة أربعة:

1- عروة بن الزّبير (المتوفّى سنة 93 ه)، و كان فقيها، محدّثا، عالما بالحديث، معروفا

15

بتدوينه العلم و الحديث، أسلم قديما، و شهد الغزوات و المشاهد كلّها. و لم يصل كتابه إلينا.

2- أبان بن عثمان بن عفّان (المتوفّى سنة 105 ه)، كان فقيها، محدّثا. و قد كتب ما سمع من أخبار السّيرة في مصنّف لم يصل إلينا.

3- وهب بن منبّه (المتوفّى سنة 114 ه)، كان مؤرّخا، و كانت له معرفة بأخبار الأوائل، و أحوال الأمم السّابقة. و قد أكثر من الرّواية عن الإسرائيليات.

4- شرحبيل بن سعد الخطمي المدني (المتوفّى سنة 123 ه)، كان عالما بالمغازي و البدريّين.

و يعدّ هؤلاء الأربعة الطّبقة الأولى الّتي صنّفت في السّيرة النّبويّة.

ثمّ جاء بعد هؤلاء طبقة أخرى، عاشت في العصر الأموي، اشتهر منها في كتابة السّيرة النّبويّة ثلاثة:

1- عاصم بن عمر بن قتادة (المتوفّى سنة 120 ه)، و هو راوية للعلم، عالم بالمغازي و السّيرة، و قد أمره الخليفة عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق فيحدّث النّاس بالمغازي و مناقب الصّحابة، ففعل. و قد اعتمد ابن إسحاق و الواقدي على مصنّفاته، و جعلوها من مراجعهم المهمّة.

2- محمّد بن شهاب الزّهريّ (المتوفّى سنة 124 ه)، عالم محدّث، و هو أوّل من دوّن الحديث، و قيل: إنّ سيرته أوّل سيرة صنّفت في الإسلام، و هي من أوثق السّير و أفضلها، و قد اعتمد ابن إسحاق عليها في سيرته.

3- عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم الأنصاريّ (المتوفّى سنة 125 ه)، و قد كان عالما، محدّثا، ثبتا، و كان من أهل العلم و البصر، و قد نقلت عنه روايات كثيرة، اعتمدها ابن إسحاق و ابن سعد و الطّبريّ في كتبهم.

ثمّ جاء بعد هؤلاء طبقة أخرى، عاشت في العصر العبّاسيّ الأوّل، و كان من أشهرهم أربعة:

1- موسى بن عقبة (المتوفّى سنة 141 ه)، كان عالما بالسّيرة النّبويّة، و قد صنّف كتابا في المغازي، اعتمد عليه ابن سعد و الطّبريّ في كتبهم. و لم يصل كتابه إلينا.

2- محمّد بن إسحاق المطلبي (المتوفّى سنة 151 ه)، و هو من أصل فارسيّ، صنّف كتابه «المغازي» بناء على طلب الخليفة المنصور، جمع فيه تاريخ الخليقة من آدم (عليه السّلام) إلى‏

16

زمنه، و قد أطال فيه فلم يرضه المنصور و أمره باختصاره فاختصره. و هو أوّل كتاب وصل إلينا.

3- معمر بن راشد (المتوفّى سنة 150 ه)، فقيه، حافظ، متقن. صنّف كتابا في المغازي لم يصل إلينا، ما خلا نقولا أوردها الواقديّ و ابن سعد في كتبهم.

4- محمّد بن عمر الواقديّ (المتوفّى سنة 207 ه)، و قد كان عالما بالمغازي و اختلاف النّاس و أحاديثهم. صنّف كتاب «المغازي»، و نهج فيه منهجا تاريخيا علميّا جغرافيا. و قد كان هذا الكتاب الأساس الّذي بنى عليه المؤلّفون في السّيرة كتبهم.

ثمّ جاء بعدهم طبقة أخرى، من أشهرهم:

1- أبو محمّد عبد الملك بن هشام (المتوفّى سنة 218 ه)، كان مؤرّخا، عالما بالسّير و الأنساب و اللّغة و أخبار العرب، روى لنا سيرة ابن إسحاق بعد أن هذّبها، و حذف منها الكثير ممّا ليس فيه صلة بسيرته (صلى اللّه عليه و سلم)، فجاء على نحو مخالف تماما لما وضعه ابن إسحاق، لكن دون أن يغيّر منه كلمة واحدة. و لهذا فقد نسي ابن إسحاق، و ذكر ابن هشام. و لم يعد الكتاب مقرونا إلّا باسم ابن هشام.

ثمّ جاء بعد هؤلاء الأعلام علماء كثيرون صنّفوا في السّيرة، منهم من أطال، و منهم من اقتصر، و منهم من اعتنى بذكر الأسانيد، و منهم من حذفها.

و من أشهر هذه المصنّفات:

1- عيون الأثر في فنون المغازي و الشّمائل و السّير، لابن سيّد النّاس الأندلسيّ، (المتوفّى سنة 734 ه).

2- جوامع السّيرة، لابن حزم الأندلسي، (المتوفّى سنة 456 ه).

3- المواهب اللّدنيّة. للقسطلانيّ، (المتوفّى سنة 923 ه).

4- سبل الهدى و الرّشاد في سيرة خير العباد، للصالحي، (المتوفى سنة 942 ه).

5- إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون، المعروف بالسيرة الحلبية، للحلبي، (المتوفّى سنة 1044 ه).

و من بين هؤلاء الأئمة الأعلام- صاحب هذا الكتاب الّذي بين أيدينا- محمّد بن عمر بن مبارك (بحرق) الحضرمي. حيث نهج في تأليف هذا الكتاب نهج من سبقه من علماء السّير، فصنّفه في وقت كثر فيه التّأليف في السّيرة. و كانت مؤلّفات المحدّثين في السّيرة تحظى بالقبول و التّقدير، لأنّها من أفضل الكتب صحّة، و أروعها تأليفا، و أصدقها لهجة، على حين كانت‏

17

مؤلّفات المؤرّخين و أصحاب المغازي و الملاحم لا تصل إلى تلك الرّفعة الّتي حظيت بها كتب المحدّثين؛ ذلك لأنّ المحدّثين كانوا لا ينقلون في كتبهم إلّا عن الثّقات، و يطرحون ما لم يصحّ عندهم من الرّوايات، و يذكرون الأحاديث الصّحيحة، و يبتعدون عن تدوين الأحاديث الضّعيفة، و يهجرون الرّوايات الموضوعة و المنحولة.

لقد كان المؤلّف- (رحمه اللّه تعالى)- أحد أولئك المحدّثين، حيث نهج في كتابه هذا منهجهم، فانتقى الأحاديث الصّحيحة، و الأخبار الثّابتة، و اختار موضوعاته من أمّهات كتب السّيرة النّبويّة الّتي قرأها و تعلّمها. و لا عجب في ذلك، فهو ممّن عرف بطول اليد في علم الحديث و فنونه.

فجاء الكتاب جليل النّفع، عظيم الفائدة، عزير المعلومات، واضح الأسلوب، جزل العبارة.

نسخ الكتاب:

اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسختين خطّيتين:

الأولى: نسخة (دار الكتب المصريّة)، برقم (1261)؛ و هي من كتب المرحوم (جعفر أفندي بناسكجي)، الّذي آل الكتاب إليه من مكتبة المرحوم المبرور (موسى بن السيد جعفر مبرك) طاب ثراه، تقع في ستّ و ثلاثين و مائة ورقة، في كلّ ورقة ثلاثة و عشرون سطرا، خطّها نسخيّ متقدّم، ليس عليها ما يشير إلى اسم ناسخها،

الثّانية: نسخة مكتبة الأحقاف بتريم. عدد أوراقها سبع و مائة ورقة، و متوسّط عدد أسطرها خمسة و عشرون سطرا، خطّها بين الثّلث و النّسخ المعتاد. ذات الرّقم (3010). لم أجد ما يشير إلى اسم ناسخها، كان الفراغ من نسخها يوم الأربعاء سادس عشر ذي القعدة سنة إحدى و أربعين و مائتين و ألف للهجرة.

منهج التّحقيق:

1- بعد نسخ المخطوط المعتمد أصلا، قابلته على النّسخة الأخرى، فما كان بين النّسختين أدنى خلاف؛ أثبتّ ما في المخطوط المعتمد أصلا؛ إلا أن يكون خطأ ظاهرا أو زيادات لم ترد في الأصل، فأثبتّ ما في النّسخة الأخرى.

2- أضفت ما كان مناسبا من العبارة ليستقيم المعنى، و ميزته ب []، و هذه الزّيادة اعتمدتها لدى رجوعي إلى الأصول الّتي نهل المؤلّف منها.

3- ضبطت النّصّ ضبطا أسأل اللّه العليّ العظيم أن يكون صحيحا، قريبا إلى الصّواب، كما أراده المؤلّف- (رحمه اللّه)-.

18

4- أثبتّ أرقام صفحات المخطوط المعتمد عند بداية كلّ صفحة، و رمزت لها ب [ق ...].

5- خرّجت الآيات الكريمة بذكر اسم السّورة، و ترتيبها في القرآن، و رقم الآية.

6- عزوت الأحاديث النّبوية الشّريفة إلى مظانّها من كتب السّنّة المطهّرة.

7- أحلت الموضوعات الرّئيسة إلى مصادرها.

8- وضّحت ما كان مغلقا و مبهما بالشّرح و التّبيان.

9- عنونت فقر الكتاب بعنوانات مناسبة، و وضعتهما على هامش الكتاب، و ذلك للفصل بين موضوعات الكتاب المتتابعة، بطريقة تجعله سهلا متناولا في هذا العصر.

10- ربّما أجد تناقضا أو مخالفة لم يجمع عليها علماء السّير أثناء مقابلة المصادر الّتي أخذ عنها المؤلّف مع مصادر السّيرة الأخرى، لذلك وجدت من الواجب و الأمانة أن أنبّه على ذلك و أشير إليه في الحاشية، رامزا له ب (قلت).

11- تعرّضت أثناء الكتاب للرّدّ على بعض المستشرقين و أبواقهم المقلّدين لهم، و ذلك في المواضع الّتي تحتاج لذلك.

يحسن بي أن أشير إلى أنني عدت إلى معظم كتب المغازي و السّير الّتي كتبت قديما و حديثا لمعارضتها بهذا الكتاب.

و إنّي أجد من البرّ و الوفاء أن أتوقّف عند أهمّ كتابين كانا لي عونا، فقد استفدت منهما و أفدت.

أوّلهما: السّيرة النّبويّة في ضوء القرآن و السّنّة. للدّكتور محمّد بن محمّد أبو شهبة- (رحمه اللّه تعالى)- الّذي اعتمد على ذكر الآيات المتعلّقة بحوادث السّيرة و وقائعها. و بذكر الأحاديث الصّحيحة، و ترك الأحاديث الموضوعة أو الإسرائيليات المكذوبة. و اعتمد أيضا على كتب التّاريخ و السّير قديمها و حديثها، بعد الفحص و التّمحيص و التّحقيق، و الموازنة بين الرّوايات، و الأخذ بما يصلح للاحتجاج منها، و الرّد على أوهام المؤرّخين الّذين بالغوا في مخالفة المحدّثين، و خاصّة إذا عارضت روايتهم ما هو أصحّ منها كرواية صاحبي الصّحيحين. ثمّ تصدّى- (رحمه اللّه تعالى)- لأولئك الّذين يحاولون أن يتألكوا بالباطل من المبشّرين و المستشرقين الّذين لا يجدون ثغرة ينفثون منها أحقادهم و سمومهم إلّا نفذوا منها، فكان لهم بالمرصاد.

و كذلك فقد تصدّى للكتّاب المسلمين الّذين تأثّروا بالمستشرقين، و راحوا يلوكون أقوالهم دون تثبّت و معرفة. فجزاه اللّه عنّا و عن المسلمين كلّ خير.

19

ثانيهما: الجامع في السّيرة النّبويّة. تأليف الأخت سميرة الزّائد. فقد كان هذا الكتاب- الّذي يقع في ستّة مجلدات من القطع الكبير- عملا فريدا من نوعه، و ينمّ عن جلالة هذا العمل و مدى أهميّته، الجهد الكبير الّذي بذل في سبيل إنجازه. أمّا ثمرة هذا الجهد المبارك فتتجلّى في فائدتين لا تقلّ إحداهما عن الأخرى قيمة و أهمّيّة:

الأولى: الإحاطة بمعظم أحداث السّيرة النّبويّة، و تسجيلها في كتاب جامع، يطلّ القارئ من خلاله على حياة الرّسول (صلى اللّه عليه و سلم) عامّة، بكلّ جوانبها و مراحلها، و سائر ما فيها و ما يتّصل بها.

الثّانية: ربط سائر مرويات السّيرة النّبويّة بمصادرها الأصليّة المتنوّعة. مع بيان أماكن كلّ منها من تلك المصادر على اختلافها.

و هذا الكتاب، من خلال هاتين الفائدتين؛ يعدّ أوّل جهد من نوعه في نطاق الكتابات الحديثة في السّيرة النّبويّة. أرفع للأخت سميرة الشّكر الوفير لجهدها المبارك هذا الّذي قلّما يستطيع أن ينهض به فرد واحد.

و إنّي أجد من البرّ و الوفاء أيضا- و تحقيقا لقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «من لم يشكر النّاس لم يشكر اللّه»- أن أقدّم جزيل الشّكر و الامتنان لمشايخنا و أساتذتنا و إخواننا من طلبة العلم؛ الّذين أسهموا بمجهود مشكور و عمل مذكور في مراجعة و تدقيق و تصحيح نصّ هذا الكتاب المبارك، و كذلك لما أسدوه من ملاحظات و إيضاحات لحواشى الكتاب؛ ممّا أغنى الكتاب و جعله من الكتب المخدومة بحقّ. و نحن لا نزكّي عملنا هذا؛ و إنّما هو من باب التّحدّث بنعمة اللّه، و لسوف يلمس القارئ الكريم ذلك عند تصفّحه لهذا الكتاب.

نسأل اللّه أن يقبل ما بذلوه و عملوه، و أن يجزيهم عنّا خير الجزاء.

و إليك أيّها القارئ الغالي أقدم سيرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مبسّطة، مبوّبة، مرتّبة. بذلت فيها طوقي و استنفدت طاقتي، فإن أصبت فمن اللّه تعالى، و إن قصّرت عن بلوغ الهدف فمن نفسي، و حسبي بذل الجهد و حسن النّيّة.

أسأل اللّه العليّ القدير أن ينفع بهذا الكتاب الأمّة المحمّديّة، و أن يكرمهم باتباع سيرة الرّسول و سنّته و أقواله و أفعاله و أحواله (صلى اللّه عليه و سلم)، إنّه على ما يشاء قدير.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

و كتبه‏

محمّد غسّان نصوح عزقول‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

نبذة يسيرة عن حياة الامام بحرق (رحمه اللّه تعالى)

اسمه:

هو الشّيخ العلّامة المحدّث، الإمام البارع، اللّغويّ النّحويّ الأديب؛ القاضي: جمال الدّين محمّد بن عمر بن مبارك بن عبد اللّه بن عليّ. الحميريّ، الحضرميّ، الشّافعي. الشّهير ب (بحرق).

مولده:

ولد- (رحمه اللّه تعالى)- في ليلة النّصف من شعبان، سنة تسع و ستّين و ثمان مائة بحضر موت.

نشأته و طلبه العلم:

نشأ- (رحمه اللّه تعالى)- على أحسن الأوصاف و النّعوت بحضر موت؛ المشهود لها بوفرة العلماء و رسوخهم في كثير من فنون العلم، فحفظ القرآن العظيم و «الجزريّة» و معظم «الحاوي الصّغير» و «الشّاطبيّة» و منظومة «البرماوي» الأصوليّة و «ألفيّة ابن مالك» النّحويّة. و أخذ عن الفقيه الشّيخ الجليل محمّد بن أحمد باجرفيل الفقه.

رحل إلى (الشحر)، فأخذ عن العلّامة الشّهير عبد اللّه بن عبد الرّحمن بافضل و قرأ عليه في الفقه و أصوله.

ثمّ إلى بندر (عدن)، فأخذ عن عبد اللّه بن أحمد بامخرمة الّذي لازمه ملازمة تامّة حتّى تخرّج به، و قرأ عليه الفقه و أصوله و العربيّة، حتّى كان جلّ انتفاعه به، و قرأ عليه «ألفيّة ابن مالك» و جميع «سيرة ابن هشام» و جملة صالحة من «الحاوي الصّغير» في الفقه، و سمع عليه جملة من علوم شتّى. و أخذ عن الشّيخ محمّد بن أحمد بافضل، فقرأ عليه أيضا الفقه و أصوله.

ثمّ ارتحل إلى (زبيد) و أخذ عن علمائها. فأخذ علم الحديث عن المحدّث الشّيخ‏

22

زين الدّين محمّد بن عبد اللّطيف الشرجي، و علم الأصول عن الفقيه جمال الدّين محمّد بن أبي بكر الصّائغ، و أخذ عنه التّفسير و الحديث و النّحو، و قرأ عليه «شرح البهجة الورديّة» لأبي زرعة. و أخذ أيضا عن السّيّد الشّريف الحسين بن عبد الرّحمن الأهدل. و صحب الشّيخ أبا بكر العيدروس، و أخذ عنه، و انتفع به، و عادت عليه بركته.

ثمّ رحل إلى (الحرمين) سنة أربع و تسعين و ثمان مائة، و أدّى النّسكين العظيمين، و اجتمع بالحافظ السّخاويّ، و سمع منه، و أخذ عنه علم الحديث و المصطلح.

مكانته و حياته:

كان- (رحمه اللّه تعالى)- ثقة، صالحا، حافظا للأحاديث و الآثار، رجّاعا إلى الحقّ، محبّا لأهل العلم، محسنا إلى طلبته، غاية في الكرم، مؤثرا.

تولّى القضاء (بالشحر)، فكان قاضيا عادلا تحمد أحكامه. ثمّ عزل نفسه، و قصد (عدن) فحصل له قبول و جاه عند أميرها مرجان العامريّ.

و لمّا توفّي الأمير مرجان سنة سبع و عشرين و تسع مائة قصد (الهند)، فوفد على سلطانها مظفّر شاه أحمد بن محمود بايقرا (الكجراتي). فقرّبه السّلطان و أكرمه و عظّمه، و قام به و قدّمه، و وسّع عليه و التفت إليه، و أدناه منه و أخذ عنه، فاشتهر بجاهه. و صنّف للسّلطان كتابنا هذا: «تبصرة الحضرة الشّاهيّة الأحمديّة بسيرة الحضرة النّبويّة الأحمديّة».

قال السّخاويّ في «الضّوء اللّامع»: و صاهر صاحبنا- أي: بحرق- حمزة النّاشريّ على ابنته و أولدها، و تولّع النّظم أيضا و مدح- السّلطان- عامر بن عبد الوهّاب حين شرع في بناء مدارس (زبيد) و النّظر فيها، فكان من أولها فيما أنشدنيه حين لقيته (بمكّة)، و أخذ عنّي، و كان قدومه لها ليلة الصّعود، فحجّ حجّة الإسلام و أقام قليلا، ثمّ رجع- كان اللّه له-.

فممّا قال- مادحا السّلطان عامر بن عبد الوهّاب-:

أبى اللّه إلّا أن تحوز المفاخرا* * * فسمّاك من بين البريّة عامرا

عمرت رسوم الدّين بعد دروسها* * * و أحييت آثار الإله الدّواثرا

فأنت صلاح الدّين لا شكّ هذه* * * شواهده تبدو عليك ظواهرا

قال- أي: السّخاويّ- و كذا أنشدني ممّا امتدح به المشار إليه بيتا هو عشر كلمات:

يا ربّ كن أبدا معينا ناصرا* * * شمس الملوك صلاح دينك عامرا

و ضمّنه في أربعة أبيات يستخرج منها الضّمير من العشر فقال:

23

أيّدت دينك يا ربّ العلا أبدا* * * بناصر لملوك الأرض قد ضهدا

أعني به عامرا شمس الملوك فكن* * * نصيره أبدا في كلّ ما قصدا

و ناصرا و معينا فهو شمس ضحى* * * أخفى نجوم ملوك الأرض منذ بدا

سمّيته عامرا لمّا أردت به* * * صلاح دينك إرغاما لمن جحدا

انتهى كلام السّخاويّ‏ (1).

قال عنه العيدروس في «النّور السّافر»: (ما رأيت أحدا من علماء (حضر موت) أحسن و لا أوجز عبارة منه، و له نظم حسن، و هو أحد من جمع بين ديباجتي النّظم و النّثر، فنثره منثور الرّياض جاد بها السّحائب، و نظمه منظوم العقود زانتها النّحور و التّرائب) (2).

و هو الّذي يقول هذه الأبيات مجيبا لبعض الفضلاء الممتحنين له من أهل زمانه:

يا من أجاد غداة أنشد مقولا* * * و أفاد من إحسانه و تفضّلا

إن كنت ممتحني بذاك فإنّني* * * لست الهيوبة حيثما قيل انزلا

و إذا تبادرت الجياد بحلبة* * * يوم النّزال رأيت طرفي أوّلا

قسما بآيات البديع و ما حوى* * * من صنعتيه موشّحا و مسلسلا

لو كنت مفتخرا بنظم قصيدة* * * لبنيت في هام المجرّة منزلا

من كلّ قافية يروق سماعها* * * و يعيد سحبان الفصاحة باقلا

و ترى لبيدكم بليدا قلبه* * * حصرا و ينقلب الفرزدق أخطلا

و على جرير نجرّ مطرف تيهنا* * * و مهلهلا نبديه نسج مهلهلا

و لئن تنبّى ابن الحسين فإنّني* * * سأكون في تلك الصّناعة مرسلا

أظننت أنّ الشّعر يصعب صوغه* * * عندي و قد أضحى لديّ مذلّلا

أبدي العجائب إن برزت مفاخرا* * * أو مادحا للقوم أو متغزّلا

لكنّني رجل أصون بضاعتي* * * عمّن يساوم بخسها متبذّلا

و أرى من الجرم العظيم خريدة* * * حسناء تهدى للّئيم و تجتلى‏

ما كنت أحسب عقربا تحتكّ بال* * * أفعى و لا جذعا يزاحم بزّلا

و أنا الغريب و أنت ذاك و بيننا* * * رحم يحقّ لمثلها أن توصلا

و لقد أجاد فيها كلّ الإجادة- و للّه درّه- و لا يبعد أنّ براعته في الشّعر لمعنى إرثي من إمامه‏

____________

(1) الضوء اللّامع، ج 8/ 2253 ز 0- 254.

(2) تاريخ النّور السّافر عن أخبار القرن العاشر، ص 133.

24

الشّافعي رضي اللّه عنه. انتهى كلام العيدروس‏ (1).

و قد ذكر له كرامات و مرائي صالحات لا نطيل بذكرها.

و له مقاطيع شعريّة حسنة، منها:

أنا في سلوة على كلّ حال* * * إن أباني الحبيب أو إن أتاني‏

أغنم الوصل إن دنا في أمان* * * و إذا ما نأى أعش بالأماني‏

و له قصيدة عظيمة سمّاها: «العروة الوثيقة في الجمع بين الشّريعة و الحقيقة»، أجاد فيها إلى الغاية، و شرحها شرحا سمّاه: «الحديقة الأنيقة».

لقد كان- (رحمه اللّه تعالى)- العالم الّذي يمشي تحت علم فتياه العلماء الأعلام و حملة الأقلام، و تخضع لفصاحته و بلاغته صيارفة النّثر و النّظام. شيخ اللّغة و النّحو و الإعراب، و عمدة الفقهاء في نصوص الشّافعي و الأصحاب.

مصنّفاته:

صنّف- (رحمه اللّه تعالى)- مصنّفات عديدة في الأصول و الفروع و الحديث و السّيرة و العقيدة و النّحو و في أهل الأحوال. و قد تلقّاها النّاس بالقبول نذكر منها:

1- حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النّبيّ المختار، المسمّى ب «تبصرة الحضرة الشّاهيّة الأحمديّة بسيرة الحضرة النّبوية الأحمديّة». و هو كتابنا هذا، الّذي نتشرّف بإخراجه إلى الإخوة القرّاء الكرام.

2- أرجوزة في علم الحساب.

3- أرجوزة في علم الطّبّ، و شرحها شرحا مفيدا.

4- الأسرار النّبويّة في اختصار الأذكار النّوويّة. (مطبوع).

5- البهجة في تقويم اللّهجة.

6- ترتيب السّلوك إلى ملك الملوك.

7- تحفة الأحباب في شرح «ملحة الأعراب»، للحريري. (مطبوع).

8- الحديقة الأنيقة في شرح العروة الوثيقة. (مطبوع).

9- الحسام المسلول على منتقصي أصحاب الرّسول (صلى اللّه عليه و سلم). (مطبوع).

____________

(1) تاريخ النّور السّافر عن أخبار القرن العاشر، ص 133- 134.

25

10- حلية البنات و البنين فيما يحتاج إليه من أمر الدّين. (مطبوع).

11- الحواشي المفيدة على أبيات اليافعي في العقيدة. و ذكر في كتابه «ترتيب السّلوك» أنّ له على أبيات الشّيخ عبد اللّه بن أسعد اليافعي ثلاثة شروح، بسيط و وسيط و وجيز.

12- ذخيرة الإخوان، (المختصر من كتاب الاستغناء بالقرآن). (مخطوط).

13- رسالة في علم الميقات.

14- رسالة في الفلك.

15- شرح الجزريّة.

16- شرح على منظومة الشّيخ أبي الجبيش الأندلسي في العروض.

17- شرحان على لامية ابن مالك في التّصريف، مختصر و كبير.

18- عقد الدّرر في الإيمان بالقضاء و القدر. (مخطوط).

19- العقد الثّمين في إبطال القول بالتّقبيح و التّحسين. (مخطوط).

20- فتح الأقفال شرح أبنية الأفعال.

21- فتح الرّءوف في معاني الحروف.

22- مختصر الخلاصة لابن مالك، في عدّة أهل بدر و شرحه.

23- مختصر نهاية النّاشري في علم القراءات.

24- متعة الأسماع بأحكام السّماع، (المختصر من كتاب الإمتاع).

25- مختصر التّرغيب و التّرهيب، للمنذريّ. (مخطوط).

26- مختصر شرح لامية العجم، للصّفدي. (مخطوط).

27- مختصر المقاصد الحسنة، للسّخاويّ.

28- مواهب القدّوس في مناقب العيدروس.

29- النّبذة المختصرة في معرفة الخصال المكفّرة للذّنوب المقدّمة و المؤخّرة.

30- النّبذة المنتخبة من كتاب الأوائل، للعسكريّ.

لعلّ هذه المصنّفات هي الأشهر.

و بالجملة: فجميع مؤلّفاته رائقة حسنة، محرّرة منقّبة مستحسنة، و لهذا تداولها أبناء

26

الزّمان، و تناقلها المشاة و الرّكبان، و عقدت عليها الخناصر، و انعطفت عليها الأواصر.

وفاته:

قال العيدروس في «النّور السافر» (1): حكي أنّه مات بالسّمّ، و سبب ذلك أنّه حظي عند السّلطان إلى الغاية، فحسده الوزراء على ذلك، فوقع منهم ما أوجب له الشّهادة، و ناهيك بها من سعادة.

و من أحسن ما قيل فيه هذا البيت لبعضهم يمدحه:

لأيّ المعاني زيدت القاف في اسمكم* * * و ما غيّرت شيئا إذا هي تذكر

لأنّك بحر العلم و البحر شأنه* * * إذا زيد فيه الشّي‏ء لا يتغيّر

و مثله قول الآخر فيه أيضا:

فأنت بحر و قاف ما له طرف* * * محمّد اسمك المعروف موصوفا

سميّ خير الأنام الطّهر من مضر* * * يهناك يهناك هذا الفخر تشريفا

عاش- (رحمه اللّه تعالى)- إحدى و ستّين سنة، و انتقل إلى جوار ربّه ليلة العشرين من شعبان سنة ثلاثين و تسع مائة (بكجرات)، فشيّعه خلق كثير، و دفن في مدينة (أحمدآباد).

تغمّده اللّه بالرّحمة و الرّضوان، و أسكنه فسيح الجنان.

____________

(1) تاريخ النّور السّافر عن أخبار القرن العاشر، ص 140.

27

ترجمة السّلطان مظفّر بن محمود بايقرا الكجراتي‏

المهدى إليه هذا الكتاب هو السّلطان الفاضل العادل المحدّث الفقيه مظفّر بن محمود بن محمّد بن أحمد بن محمّد بن المظفّر الكجراتي، أبو النّصر شمس الدّين مظفّر شاه. صاحب الرّئاستين‏ (1).

ولد في العشرين من شوّال سنة خمس و سبعين و ثمان مائة في (گجرات) من بلاد الهند.

و نشأ في مهد السّلطنة، و رضع من لبان العلم و ترعرع. و قرأ على مجد الدّين الإيجي العلّامة، و أخذ الحديث عنه. و عن الشّيخ المحدّث جمال الدّين محمّد بن عمر بن مبارك الحميريّ الحضرميّ الشهير ب (بحرق)، و تدرّب في الفنون الحربيّة، حتّى فاق أسلافه في العلم و الأدب، و في كثير من الفعال الحميدة.

قام بالملك بعد والده في شهر رمضان سنة سبع عشرة و تسع مائة.

كان غاية في التّقوى و العزيمة، و العدل و السّخاء، و النّجدة و الجهاد، و العفو و التّسامح عن النّاس؛ و لذلك لقّبوه بالسّلطان الحليم.

و كان جيّد القريحة، سليم الطّبع، حسن المحاضرة، خطّاطا جيّد الخطّ، كان يكتب النّسخ و الثّلث و الرّقاع بكمال الجودة، و كان يكتب القرآن الحكيم بيده ثمّ يبعث به إلى الحرمين الشّريفين، و حفظ القرآن في أيّام الشّباب.

و كان يقتفي آثار السّنّة السّنيّة في كلّ قول و فعل، و يعمل بنصوص الأحاديث النّبويّة، و كثيرا ما يذكر الموت و يبكي، و يكرم العلماء و يبالغ في تعظيمهم.

و لم يزل يحافظ على الوضوء و يصلّي بالجماعة و يصوم رمضان، و لم يقرب الخمر قطّ، و لم يقع في عرض أحد، و كان يعفو و يسامح عن الخطّائين، و يجتنب الإسراف و التّبذير، و بذل الأموال الطّائلة على غير أهلها.

و كان كثير التفحّص عن أخبار النّاس، عظيم التحسّس عن أخبار الممالك، و ربّما يغيّر زيّه و لباسه و يخرج من قصره آناء اللّيل و النّهار، و يطّلع على الأخبار و يستكشف الأسرار.

____________

(1) أي: رئاسة السّيف و القلم.

28

و له من الأخبار و النّوادر ما لا يسمع بمثله في العدل و إنصاف المظلومين، ممّا يذكّرنا بسير الأوائل من الخلفاء الرّاشدين و من بعدهم.

قال اللكنوي في «نزهة الخواطر»، أثناء ترجمته لهذا السّلطان العادل:

قال الآصفي: و في سنة إحدى و ثلاثين و تسع مائة خرج السّلطان إلى مصلّى العيد للاستسقاء، و تصدّق و تفقّد ذوي الحاجة على طبقاتهم، و سألهم الدّعاء، ثمّ تقدّم للصّلاة، و كان آخر ما دعا به- كما يقال-: (اللّهمّ إنّي عبدك و لا أملك لنفسي شيئا، فإن تك ذنوبي حبست القطر عن خلقك فها ناصيتي بيدك! فأغثنا يا أرحم الرّاحمين)، قال هذا و وضع جبهته على الأرض، و استمرّ ساجدا يكرّر قوله: (يا أرحم الرّاحمين)، فما رفع رأسه إلّا و هاجت ريح و نشأت بحرية ببرق و رعد و مطر؛ ثمّ سجد للّه شكرا، و رجع من صلاته بدعاء الخلق له و هو يتصدّق و ينفح بالمال يمينا و شمالا.

و بعد الاستسقاء بقليل اعتراه الكسل، ثمّ ضعف المعدة، و منه شكا ضعف الجسد، و في خلال ذلك عقد مجلسا حفلا بسادة الأمّة و مشايخ الدّين، و اجتمع بهم، و تذاكروا فيما يصلح بلاغا للآخرة، إلى أن تسلسل الحديث في رحمة اللّه سبحانه و ما اقتضاه منّه و إحسانه، فأخذ يشرح ما منّ اللّه عليه من حسنة و نعمة، و يعترف بعجز شكرها، إلى أن قال: (و ما من حديث رويته عن أستاذي المسند العالي مجد الدين بروايته له عن مشايخه إلّا و أحفظه و أسنده، و أعرف لراويه نسبته و ثقته، و أوائل حاله إلى وفاته. و ما من آية إلّا و منّ اللّه عليّ بحفظها و فهم تأويلها و أسباب نزولها و علم قراءتها. و أمّا الفقه فاستحضر منه ما أرجو به مفهوم: «من يرد اللّه به خيرا يفقّهه في الدّين». ولي مدّة أشهر أصرف وقتي باستعمال ما عليه الزّهّاد، و أشتغل بما سنّه المشايخ لتزكية الأنفاس عملا بما قيل:

«من تشبّه بقوم فهو منهم»؛ و ها أنا أطمع في شمول بركاتهم متعلّلا بعسى و لعلّ، و كنت شرعت بقراءة «معالم التّنزيل»، و قد قاربت إتمامه، إلّا أني أرجو أن أختمه في الجنّة إن شاء اللّه تعالى، فلا تنسوني من صالح دعائكم، فإنّي أجد أعضائي فقدت قواها، و ليس إلّا رحمة اللّه سبحانه دواها).

فدعا له الحاضرون بالبركة في العمر.

قال: و في سنة اثنتين و ثلاثين و تسع مائة على خروجه من (جانپانير) ظهرت منه مخائل المستودع بفراق الأبد لها و لأهلها، و أكثر من أعمال البرّ فيها.

29

و في طريقه إلى (أحمدآباد)، و لمّا نزل بها كان يكثر من التردّد إلى المزارات المتبرّكة، و يكثر من الخير بها، و كان له حسن الظّنّ بالعلّامة (خرم خان)، فقال له يوما: نظرت فيما أوثر به أولي الاستحقاق من الإنفاق فإذا أنا بين إفراط في صرف بيت المال و تفريط في منع أهله، فلم أدر إذا سئلت عنهما بما أجيب.

و في آخر أيّامه- و كان يوم الجمعة- قام إلى المحل و اضطجع إلى أن زالت الشّمس، فاستدعى بالماء و توضّأ و صلّى ركعتي الوضوء، و قام من مصلّاه إلى بيت الحرم، و اجتمعت النّسوة عليه آيسات باكيات يندبن أنفسهن حزنا على فراق لا اجتماع بعده، فأمرهنّ بالصّبر المؤذن بالأجر، و فرّق عليهنّ مالا، ثمّ ودّعهن و استودعهن اللّه سبحانه، و خرج و جلس ساعة، ثمّ استدنى منه راجه محمّد حسين المخاطب بأشجع الملك و قال له: قد رفع اللّه قدرك بالعلم و له و هي آخر خدمتك لي، أريدك تحضر وفاتي و تقرأ عليّ سورة يس، و تغسلني بيدك و تسامحني فيه، فامتن بما أهّله به و فدّاه و دعا له، ثمّ و قد سمع أذانا قال: أ هو في الوقت؟ فأجاب أسد الملك: هذا أذان الاستدعاء لاستعداد صلاة الجمعة و يكون في العادة قبل الوقت، فقال: أمّا صلاة الظّهر فأصليها عندكم، و أمّا صلاة العصر فعند ربّي في الجنّة إن شاء اللّه تعالى، ثمّ أذن للحاضرين في صلاة الجمعة و استدعى مصلّاه و صلّى، و دعا اللّه سبحانه بوجه مقبل عليه و قلب منيب إليه، دعاء من هو مفارق للقصر مشرف على القبر، ثمّ كان آخر دعائه: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏ و قام من مصلّاه و هو يقول: أستودعك اللّه- و اضطجع على سريره و هو مجتمع الحواس، و وجهه يلتفت إلى القبلة، و قال: (لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه)، و فاضت نفسه و الخطيب على المنبر يدعو له؛ و في ذلك عبرة لمن ألقى السّمع و هو شهيد.

و كان ذلك في ثاني جمادى الأولى سنة اثنتين و ثلاثين و تسع مائة و حمل تابوته إلى (سركيج) و دفن عند والده. طيّب اللّه ثراه. (1)

____________

(1) نزهة الخواطر و بهجة المسامع و النّواظر، ج 4/ 355. ملخّصا.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

صورة عن المخطوطات المستعان بها في تحقيق هذا الكتاب‏

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

راموز ورقة العنوان لمخطوط (دار الكتب المصريّة)

34

راموز الورقة الأولى لمخطوط (دار الكتب المصريّة)

راموز الورقة الأخيرة لمخطوط (دار الكتب المصريّة)

35

راموز الورقة الأولى لمخطوط (مكتبة الأحقاف بتريم)

راموز الورقة الأخيرة لمخطوط (مكتبة الأحقاف بتريم)

36

راموز ورقة العنوان لمخطوط (الأنصاريّ)

37

راموز الورقة الأولى لمخطوط (الأنصاريّ)

38

راموز الورقة الثانية لمخطوط (الأنصاريّ)، و يبدو فيها البياض الّذي تركه النّاسخ، ممّا فوّت الفرصة على الأنصاريّ- (رحمه اللّه)- معرفة اسم السّلطان المهدى إليه الكتاب، و معرفة اسمه أيضا.

39

راموز الورقة الأخيرة لمخطوط (الأنصاريّ)

40

راموز ورقة العنوان لمخطوط (مولد النّبيّ) للإمام بحرق وضعت للفائدة العلمية

41

راموز الورقة الأولى لمخطوط (مولد النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)) للإمام بحرق وضعت للفائدة العلمية

راموز الورقة الأخيرة لمخطوط (مولد النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)) للإمام بحرق وضعت للفائدة العلمية

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النّبي المختار (صلى اللّه عليه و سلم)، و على آله و صحبه المصطفين الأخيار المسمّى تبصرة الحضرة الاحمديّة الشّاهيّة بسيرة الحضرة الأحمديّة النّبويّة للعالم الفقيه القاضي علّامة اليمن محمّد بن عمر بحرق الحضرميّ الشّافعيّ (رحمه اللّه تعالى) 869- 930 ه

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

[ق 2]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدّمة المؤلف‏

الحمد للّه الّذي كشف عنّا الغمّة (1)، و جلا غياهب الظّلمة، و أكمل ديننا و أتمّ علينا النّعمة، و أكرمنا بخير نبيّ فكنّا به خير أمّة، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ [سورة الجمعة 62/ 2].

(صلّى اللّه و سلّم عليه)، و على آله و أصحابه الأئمّة، و أتباعه و أحزابه أولي المناقب الجمّة.

أمّا بعد: فإنّ خير الهدي هدي محمّد (صلى اللّه عليه و سلم)، و خير الأخلاق الحسنة خلقه الأعظم، و خير الطّرق الموصلة إلى اللّه تعالى طريقه الأقوم.

و لهذا قال اللّه تعالى ترغيبا للأوّل و الآخر في اكتساب تلك المحامد و المفاخر: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ [سورة الأحزاب 33/ 21]. [و قال تعالى‏]: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ [سورة آل عمران 3/ 31]. [و قال تعالى‏]: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ [سورة النّور 24/ 63].

فرغّب سبحانه في اتّباع سنّته السّنيّة (2)، و معرفة سيرته‏

____________

(1) الغمّة: الكرب.

(2) السّنيّة: المضيئة الرّفيعة القدر.

46

السّريّة (1). و قد صنّف العلماء- رحمهم اللّه تعالى- في سيرته (صلى اللّه عليه و سلم) و في عاداته و عباداته المختصر و المطوّل، و ألّفوا فيها المجمل و المفصّل. فانتقيت من مجموع ما صنّفوه، و اصطفيت من محصول ما ألّفوه؛ نبذة كافية شافية، لخّصتها ممّا صحّ من الأخبار، و اشتهر بين علماء الحديث و الآثار، ممّا أكثره في «الصّحيحين»، أو في أحدهما، أو في غيرهما من الأصول المعتمدة- كالسّنن الأربعة، لأبي داود و التّرمذيّ و النّسائيّ و ابن ماجه، و كموطإ الإمام مالك، و كسيرة ابن هشام، و شفاء القاضي عياض- رحمة اللّه عليهم أجمعين.

فوقع بحمد اللّه تعالى كتابا عظيم الوقع، جمّ الفوائد، كثير النّفع، صغير الحجم، كثير العلم، مشتملا على ما يزيد في الإيمان من الكلم الطّيّب العذب، و يحيي القلب إحياء المطر الصّيّب‏ (2) للبلد الجدب‏ (3).

وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ/ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَ جاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ [سورة هود 11/ 120].

مفتتحا بخطبتين، منقسما إلى قسمين، مشتملا على سيرتين، مشمولا إلى حضرتين.

فقسم في المبادئ و السّوابق، و قسم في المقاصد و اللّواحق.

أمّا قسم المبادئ و السّوابق: فافتتحته بخطبة في التّعريف بمولده الشّريف، و قدره العليّ المنيف- و إن كان غنيّا عن التّعريف-

____________

(1) السّريّة: الشّريفة. سرو، سروة، و سروا: شرف، فهو سريّ.

(2) المطر الصّيّب: المطر بقدر ما ينفع و لا يؤذي. من الصّوب.

(3) البلد الجدب: البلد الّذي يبست أرضه لاحتباس الماء عنها.

47

ينبغي أن يخطب بها في شهر مولده (صلى اللّه عليه و سلم) في الجمع على المنابر، و يطرّز بقراءتها المحافل الشّريفة و المحاضر.

ثمّ أتبعتها بثمانية أبواب، كلّ باب منها باب من أبواب الجنّة، و وقاية من النّار لمن ألقى إليه السّمع و جنّة.

الباب الأوّل: في سرد مضمون الكتاب، ليتذكّر به أولو الألباب، من لدن مولده (صلى اللّه عليه و سلم) إلى وفاته.

الباب الثّاني: في شرف بلدي مولده و نشأته و وفاته و هجرته، و شرف قومه و نسبه، و مآثر آبائه (صلى اللّه عليه و سلم) و حسبه.

الباب الثّالث: في ذكر من بشّر به (صلى اللّه عليه و سلم) قبل ظهوره، و ما أسفر قبل بزوغ شمس نبوّته من صبح نوره (صلى اللّه عليه و سلم).

الباب الرّابع: في سيرته (صلى اللّه عليه و سلم) من حين ولادته إلى بعثته، من تنقّله في أطواره- كرضاعه و شقّ صدره- و بعض أسفاره.

الباب الخامس: في نسخ دينه (صلى اللّه عليه و سلم) لكلّ دين، و عموم رسالته إلى النّاس أجمعين، و تفضيله على جميع الأنبياء و المرسلين، (صلّى اللّه و سلّم عليه و عليهم أجمعين).

الباب السّادس: في بعض ما اشتهر من معجزاته، و ظهر من دلالات صدقه (صلى اللّه عليه و سلم) و آياته.

الباب السّابع: في بعض سيرته (صلى اللّه عليه و سلم)؛ ممّا لاقاه من حين بعثه اللّه إلى أن هاجر إلى اللّه تعالى.

الباب الثّامن: في بعض ما اشتمل عليه حديث الإسراء من العجائب، و انطوى عليه من الأسرار و الغرائب، ممّا أكرمه اللّه به (صلى اللّه عليه و سلم).

و أمّا قسم المقاصد و اللّواحق: فافتتحته أيضا بخطبة في الحثّ‏

48

على الجهاد في سبيل اللّه بالأنفس و الأموال، و إيراد بعض الآيات و الأحاديث الدّالّة على أنّه من أفضل/ الأعمال، ليخطب بها حيث تدعو الحاجة إليها، لتحريض المجاهدين، و تذكيرهم برفع درجاتهم يوم الدّين‏ وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ‏ [سورة الذّاريات 51/ 55].

ثمّ أتبعتها بذكر ما اشتهر من سيرته (صلى اللّه عليه و سلم)- من هجرته إلى وفاته- و من تشريع أحكام دينه و غزواته، و ما في أثناء ذلك من علامات نبوّته و معجزاته، و أسباب نزول سور من القرآن و آياته، مرتّبا لها على سنيّ هجرته (صلى اللّه عليه و سلم) العشر، ناشرا لما انطوى من مسكها الطّيّب النّشر.

ثمّ ذيّلت ذلك بفصول في وجوب نصب الإمام، و أنّ الإمام الحقّ بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ رضي اللّه عنهم أجمعين، و مدّة خلافة الخلفاء الأربعة، و ذكر شي‏ء من فضائل الصّحابة رضي اللّه عنهم أجمعين؛ الّذين جاهدوا في اللّه حقّ جهاده، و خلفائه الأربعة، الموضّحين سبل رشاده، مع ذكر ترتيبهم في الفضل، و الرّدّ على من قدح في أحد منهم بالقول الفصل.

ثمّ ختمت الكتاب بشي‏ء من سيرته (صلى اللّه عليه و سلم) في أحواله النّفيسة النّفسيّة، و أقواله المقدّسة القدسيّة، إذ لا ينطق (صلى اللّه عليه و سلم) عن الهوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ [سورة النّجم 53/ 4].

أمّا أحواله النّفسيّة: ففي حسن خلقه و خلقه، و وفور عقله، و حسن عشرته، و سماحته، و شجاعته، و زهده (صلى اللّه عليه و سلم).

و أمّا أقواله القدسيّة: ففي ذكره لربّه في سوابق صلاته، و لواحقها، و فيها، و في صيامه، و حجّه، و جهاده، و سفره، و معاشه، و معاشرته، و مرضه، و عند موته (صلى اللّه عليه و سلم).

ناقلا ذلك عن كتب الحديث المعتمدة، ليكون كتابا جامعا

49

للحضرتين، شافعا للجامع بين السّيرتين، كالملك المظفّر و اللّيث الغضنفر: السّلطان أحمد بن السّلطان محمود شاه‏ (1)، زاده اللّه ممّا آتاه من الملك و الحكمة، و علّمه ممّا يشاء، و أوزعه‏ (2) أن يشكر نعمته الّتي أنعم عليه، و على والديه، و أن يعمل صالحا يرضاه، و أصلح له في ذرّيّته، و أدخله برحمته في عباده الصّالحين، و إيّانا و المسلمين، إنّه جواد كريم/ [قال: من الطّويل‏]:

فأحمد أسمى من بنى اسما و كنية* * * و فعلا و وصفا ملكه من أساسه‏

شهاب فخذ من علمه و اقتباسه* * * سنا النّور و اخش النّار في وقت باسه‏

و عن بيضه أو سمره أو قياسه* * * سل الخصم عن برهانه أو قياسه‏

فتلك رجوم، قد أعدّت لبأسه* * * نجوم هدى في زيّه و لباسه‏ (3)

فلا زال محمودا حميدا مظفّرا* * * شهابا على أعدائه كأناسه‏ (4)

ينكّس جالوت الصّليب صلابه* * * بتأييد داود على أمّ راسه‏ (5)

____________

(1) ذكرنا نبذة يسيرة عنه في المقدمة، ص 21- 26.

(2) أوزعه: ألهمه.

(3) الرّجوم: الشّهب و الأنوار. مفردها: رجم.

(4) المقصود: مثل سهام الرّمي. و إنسي القوس: ما أقبل عليك منها، و قيل: ما ولي الرّامي.

(5) الصّليب: القويّ. داود: النّبيّ داود (عليه السّلام). أمّ رأسه: أصل رأسه.

50

و يحظى بما آتاه ملكا و حكمة* * * بأجناده أم نفسه أم مراسه‏ (1)

فوسمت باسمه هذا الكتاب الكريم، و رسمته برسمه، و و إنّه‏ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏، فسمّيته: (تبصرة الحضرة الأحمديّة الشّاهيّة بسيرة الحضرة الأحمديّة النّبويّة)؛ متوسّلا إلى اللّه تعالى بصاحب الحضرة النّبويّة خير الأنام عليه أفضل الصّلاة و السّلام؛ أن يمهّد بصاحب الحضرة الشّاهيّة قواعد الإسلام، و أن يعمر و يغمر بوجوده وجوده البلاد و العباد، و أن يلحق الحضرة بالحضرة، و يحشر الزّمرة في الزّمرة، فالمرء مع من أحبّ‏ (2)، و من تشبّه بقوم فهو منهم‏ (3)، وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ‏ [سورة المائدة 5/ 56].

____________

(1) أجناده: جنوده. المراس: القوّة. أم: حرف عطف بمعنى بل.

(2) إشارة لقول النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الّذي أخرجه البخاريّ، برقم (5816) عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: «المرء مع من أحبّ».

(3) إشارة لقول النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الّذي أخرجه أبو داود، برقم (3512) عن ابن عمر رضي اللّه عنهما: «من تشبّه بقوم فهو منهم».

51

القسم الأوّل قسم المبادى و السّوابق‏

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

خطبة في التّعريف بمولده الشّريف، و قدره العليّ المنيف‏

الحمد للّه بارئ أمشاج النّسم‏ (1)، و فاتق رتاج الكمم‏ (2)، و مولج الأنوار في الظّلم، و مخرج الموجودات من العدم، خلق من صلصال‏ (3) كالفخّار آدم، و نجّى نوحا في السفينة من الغرق الّذي عمّ، و قال للنّار: كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏ [سورة الأنبياء 21/ 69] و هي تضطرم، و سلّم موسى من سطوة فرعون و نجّاه من اليمّ، و أنطق عيسى في المهد ببراءة مريم، و ختم الأنبياء بمحمّد صلّى اللّه عليه و عليهم أجمعين و سلّم، و جعله سيّد ولد آدم، و أمّته خير الأمم.

أحمده على ما رزق و أنعم، و أفوّض أمري إليه تعالى فيما قضى و أبرم.

و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، شهادة من آمن به و أسلم. و أشهد أنّ محمّدا عبده المصطفى المكرّم، و رسوله‏

____________

(1) المشيج: كلّ شيئين مختلطين. النّسم: الخلق و النّاس.

(2) الرّتاج: الباب العظيم، (ج): رتج. الكمّ: برعوم الثّمرة. و أيضا:

وعاء الطّلع، (ج): أكمام. و الكمّ: بضمّ الكاف: مدخل اليد و مخرجها من الثّوب، (ج): أكمام، و كممة.

(3) الصّلصال: طين يابس له صلصلة، أي: صوت.

54

المجتبى المعظّم؛ أرسله/ إلى كافّة العرب و العجم، و اختصّه بأحسن الأخلاق و الشّيم.

اللّهمّ صلّ على محمّد و على آله أهل الفضل و الكرم، و أصحابه الموفّين بالعهود و الذّمم.

أمّا بعد: فحقيق بيوم كان فيه وجود المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) أن يتّخذ عيدا، و خليق بوقت أسفرت فيه غرّته أن يعقد طالعا سعيدا، فاتّقوا اللّه عباد اللّه، و احذروا عواقب الذّنوب، و تقرّبوا إلى اللّه تعالى بتعظيم شأن هذا النّبيّ المحبوب، و اعرفوا حرمته عند علّام الغيوب، ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ‏ [سورة الحج 22/ 32].

و اعلموا أنّه ما أكرم أيّام مولده الشّريفة عند من عرف قدرها! و ما أعظم بركتها عند من لاحظ سرّها!.

ففي شهر ربيع الأوّل انبثقت عن جوهرة الكون بيضة الشّرف.

و في يوم الاثنين منه ظهرت الدّرّة المصونة من باطن الصّدف.

و في ثاني عشره أبرز سابق السّعد من كمون‏ (1) العدم، و ب (مكّة) المشرّفة أنجز صادق الوعد بمضمون الكرم. حملت به أمّه في شهر رجب الأصمّ، و مات أبوه و حمله ما استتمّ، ثمّ أدّت ما حملته من الأمانة آمنة، و كانت ممّا تشكوه الحوامل آمنة.

فحينئذ أسفر (2) صبح السّعادة و بدا، و بشّرت طلائعه بطلوع‏

____________

(1) الكمون: الاختفاء و الكتمان. يقال: كمن في المكان، أي: توارى و اختفى. و كمنت النّاقة لقاحها، أي: كتمته.

(2) أسفر: انجلى و انكشف.