تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - ج2

- الشيخ حسين ديار البكري‏ المزيد...
399 /
1

تاريخ الخميس فى أحوال أنفس نفيس‏

تأليف الامام العالم العلامة الشيخ حسين بن محمد ابن الحسن الديار بكرى نفعنا اللّه به و بعلومه و المسلمين أجمعين آمين‏

2

اللّه‏ الجزء الثانى من تاريخ الخميس فى أحوال أنفس نفيس‏

[تتمة الركن الثالث من الحوادث من ابتداء نبوته إلى زمان هجرته و وفاته‏]

* (بسم اللّه الرحمن الرحيم) *

(الموطن السادس فيما وقع فى السنة السادسة من الهجرة

من سرية محمد بن مسلمة الى القرطاء بالضرية و قصة ثمامة و كسوف الشمس و غزوة بنى لحيان و بعث أبى بكر الى كراع الغميم و زيارة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قبر أمّه و غزوة الغابة و سرية عكاشة الى عمر و سرية محمد بن مسلمة الى ذى القصة و سرية أبى عبيدة بن الجراح الى مصارع أصحاب محمد بن مسلمة و سرية زيد بن حارثة الى بنى سليم بالجموم و سرية زيد بن حارثة الى العيص و سرية زيد بن حارثة الى الطرف و سرية زيد بن حارثة الى حسمى و سرية كرز ابن جابر الفهرى الى العرنيين و سرية زيد بن حارثة الى وادى القرى و بعث عبد الرحمن بن عوف الى بنى كلب و بعث على بن أبى طالب الى بنى سعد و سرية زيد بن حارثة الى أمّ قرفة و سرية عبد اللّه بن عتيك لقتل أبى رافع و الاستسقاء و سرية عبد اللّه بن رواحة الى أسير بن رزام اليهودى بخيبر و سرية زيد ابن حارثة الى مدين و غزوة الحديبية و بيعة لرضوان و وفاة أمّ رومان و نزول حكم الظهار و تحريم الخمر و تزوّج أمّ حبيبة)*

سرية محمد ابن مسلمة الى القرطاء

* و فى محرّم هذه السنة لعشر خلون منه على رأس تسعة و خمسين شهرا من الهجرة كانت سرية محمد ابن مسلمة الى القرطاء بطن من بنى بكر بن كلاب و هم ينزلون ضرية بالبكرات* روى أنه بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) محمد بن مسلمة فى ثلاثين راكبا على جماعة من بنى بكر بن كلاب بموضع يقال له الضرية فى خلاصة الوفا الضرية بفتح الضاد المعجمة و كسر الراء و تشديد المثناة التحتية قرية على سبع مراحل بطريق خارج البصرة الى مكة و فى القاموس ضرية بين البصرة و مكة* و أمره أن يغير عليهم‏

3

بغتة و كان محمد يسير بالليل و يختفى بالنهار حتى أغار عليهم فجأة و هم عارون غافلون و هرب سائرهم* و عند الدمياطى قتل نفرا منهم و هرب سائرهم و أصاب منهم خمسين بعيرا و ثلاثة آلاف شاة و ساقها و قدم المدينة لليلة بقيت من المحرّم فقسمها النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بين أصحابه بعد اخراج الخمس و كانت غيبته فى تلك السرية تسع عشرة ليلة

قصة ثمامة بن أثال الحنفى‏

و كان معه ثمامة بن أثال الحنفى سيد اليمامة أسيرا فربط بسارية من سوارى المسجد* و فى الاكتفاء ان خيلا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خرجت فأخذت رجلا من بنى حنيفة لا يشعرون من هو حتى أتوا به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال أ تدرون من أخذتم هذا ثمامة ابن أثال الحنفى أحسنوا أساره و رجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الى أهله فقال اجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به إليه و أمر بلقحته أن يغدى عليه بها و يراح فجعل لا يقع من ثمامة موقعا و يأتيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و يقول أسلم يا ثمامة و فى رواية ما تقول يا ثمامة* و فى رواية فخرج إليه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقال ما عندك يا ثمامة فقال عندى خير يا محمد ان تقتلنى تقتل ذادم و ان تنعم تنعم على شاكر و ان كنت تريد المال فسل منه ما شئت فترك حتى كان الغد ثم قال له ما عندك يا ثمامة و هكذا الى ثلاثة أيام ففى اليوم الثالث أمر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بأن يطلق فانطلق الى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم عاد إليه فقال أشهد أن لا إله الا اللّه و أشهد أنّ محمدا رسول اللّه* و فى الاكتفاء فلما أطلقوه خرج حتى أتى الى البقيع فتطهر و أحسن طهوره ثم أقبل فبايع النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) على الاسلام فلما أمسى جاءوه بما كانوا يأتونه به من الطعام فلم ينل منه الا قليلا و باللقحة فلم يصب من حلابها الا يسيرا فتعجب المسلمون من ذلك فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مم تعجبون من رجل أكل أوّل النهار فى معى كافر و أكل آخر النهار فى معى مسلم انّ الكافر يأكل فى سبعة أمعاء و انّ المسلم يأكل فى معى واحدة* و قال ثمامة حين أسلم لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لقد كان وجهك أبغض الوجوه الىّ فأصبح و هو أحب الوجوه الىّ و لقد كان دينك أبغض الاديان الىّ فأصبح و هو أحب الاديان الىّ و لقد كان بلدك أبغض البلاد الىّ فأصبح و هو أحب البلاد الىّ* و فى رواية قال يا محمد و اللّه ما كان على الارض وجه أبغض الىّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه الىّ و و اللّه ما كان من دين أبغض الىّ من دينك فقد أصبح دينك أحب الاديان الىّ و و اللّه ما كان من بلد أبغض الىّ من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد الىّ و انّ خيلك أخذتنى و أنا أريد العمرة فما ذا ترى فبشره النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل صبوت قال لا و لكنى أسلمت مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لا و اللّه لما تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ثم خرج الى اليمامة فمنعهم أن يحملوا الى مكة شيئا فكتبوا الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنك تأمر بصلة الرحم و انك قد قطعت أرحامنا فكتب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن خل بين قومى و بين ميرتهم ففعل و يقال انه لما كان ببطن مكة فى عمرته لبى فكان أوّل من دخل مكة يلبى فأخذته قريش فقالوا لقد اجترأت علينا و هموا بقتله ثم خلوه لمكان حاجتهم إليه و الى بلده ذكر قصته البخاري*

كسوف الشمس‏

و فى هذه السنة كسفت الشمس أوّل مرّة قبل الكسوف الذي كان فيه موت ابراهيم كذا فى الوفا*

غزوة بنى لحيان‏

و فى ربيع الاوّل من هذه السنة وقعت غزوة بنى لحيان بكسر اللام و فتحها لغتان و ذكرها ابن اسحاق فى جمادى الاولى على رأس ستة أشهر من فتح بنى قريظة* قال ابن حرم الصحيح أنها فى الخامسة قال أهل السير لما وقعت وقعة عاصم بن ثابت و خبيب بن عدى و غيرهما من الصحابة الذين قتلهم هذيل وجد النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) وجدا شديدا فأراد أن ينتقم منهم فأمر أصحابه بالتهيؤ و ورّى فأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة

4

و عسكر فى مائتى رجل و معهم عشرون فرسا و استخلف على المدينة عبد اللّه بن أم مكتوم فسلك على غراب جبل بناحية المدينة الى الشام ثم على مخيض تم على البتراء ثم ذات اليسار فخرج على بين ثم على صخيرات اليمام ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة فأسرع السير حتى انتهى الى منازلهم ببطن عران بخط السلفى كتب تحت العين عين صغيرة و قال ابن الاثير بضم الغين المعجمة و فتح الراء و هو واد بين أمج و عسفان و بينه و بين عسفان خمسة أميال حيث كان مصاب أصحاب الرجيع الذين قتلوا فوجد بنى لحيان قد حذروا و تمنعوا فى رءوس الجبال فترحم على أصحاب الرجيع و دعا لهم و استغفر و أقام هناك يوما أو يومين يبعث السرايا فى كل ناحية فلما أخطأ من غرتهم ما أراد قال لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة فخرج فى مائتى راكب من أصحابه حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم كرّا و رجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قافلا و كان جابر بن عبد اللّه يقول سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول حين وجه راجعا آئبون تائبون ان شاء اللّه تعالى لربنا حامدون أعوذ باللّه من وعثاء السفر و كآبة المنقلب و سوء المنظر فى الاهل و المال كذا فى الاكتفاء* و فى رواية بعث أبا بكر فى عشرة فوارس من عسفان ليسمع بهم قريش فيذعرهم فأتوا كراع الغميم ثم رجعوا و لم يلقوا أحدا و انصرف (صلى اللّه عليه و سلم) الى المدينة و لم يلق كيدا و كانت غيبته عن المدينة أربع عشرة ليلة*

زيارة النبي (ص) قبر أمه‏

و فى هذه السنة زار قبر أمّه روى أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما رجع من بنى لحيان وقف على الابواء فنظر يمينا و شمالا فرأى قبر آمنة أمه فتوضأ ثم صلى ركعتين فبكى و بكى الناس لبكائه ثم قام فصلى ركعتين ثم انصرف الى الناس فقال ما الذي أبكاكم قالوا بكيت فبكينا يا رسول اللّه قال ما ظننتم قالوا ظننا أنّ العذاب نازل علينا قال لم يكن من ذلك شي‏ء قالوا ظننا أنّ أمتك كلفت من الاعمال ما لا يطيقون قال لم يكن من ذلك شي‏ء و لكنى مررت بقبر أمى فصليت ركعتين ثم استأذنت ربى عز و جل أن أستغفر لها فنهيت فبكيت ثم عدت و صليت ركعتين فاستأذنت ربى عز و جل أن أستغفر لها فزجرت زجرا فأبكانى ثم دعا براحلته فركبها فسار يسيرا فقامت الناقة لثقل الوحى فأنزل اللّه‏ ما كان للنبىّ و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولى قربى‏ الى آخر الآيتين فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أشهد كم أنى برى‏ء من آمنة كما تبرأ ابراهيم من أبيه* و فى رواية لما فتح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مكة زار قبر أمه بالابواء ثم قام متغيرا ذكره الطيبى فى شرح المشكاة* و فى رواية لما مرّ بالابواء فى عمرة الحديبية زار قبرها و عن أبى هريرة قال زار النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قبر أمه فبكى و أبكى من حوله فقال استأذنت ربى فى أن أستغفر لها فلم يأذن لى و استأذنته فى أن أزور قبرها فأذن لى فزوروا القبور فانها تذكر الموت* و عن بريدة قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها و نهيتكم عن لحوم الاضاحى فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم و نهيتكم عن النبيذ الا فى سقاء فاشربوا فى الاسقية كلها و لا تشربوا مسكرا رواهما مسلم* و عن ابن مسعود عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فانها تزهد فى الدنيا و تذكر الآخرة رواه ابن ماجه* و عن محمد بن النعمان يرفعه الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قال من زار قبر أبويه أو أحدهما فى كل جمعة غفر له و كتب برّا رواه البيهقي فى شعب الايمان* و عن بريدة قال كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يعلمهم اذا خرجوا الى المقابر ان يقولوا السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين و المسلمين و انا ان شاء اللّه بكم لاحقون نسأل اللّه لنا و لكم العافية رواه مسلم* و عن أبى هريرة أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لعن زوّارات القبور رواه أحمد و الترمذى و ابن ماجه و قد رأى بعض أهل العلم انّ هذا كان قبل أن يرخص النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فى زيارة القبور فلما رخص دخل فى رخصته‏

5

الرجال و النساء و قال بعضهم انما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهنّ و كثرة جزعهنّ كذا فى المشكاة و عن عائشة قالت كنت أدخل بيتى الذي فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و انى واضعة ثوبى و أقول انما هو زوجى و أبى فلما دفن عمر معهما فو اللّه ما دخلته الا و أنا مشدودة علىّ ثيابى حياء من عمر رواه أحمد و اللّه تعالى أعلم‏

* (و فى ربيع الاوّل من هذه السنة وقعت غزوة الغابة)*

و تعرف بذى قرد بفتح القاف و الراء و بالدال المهملة و هو ماء على بريد من المدينة* و فى خلاصة الوفا الغابة واد لم يزل معروفا فى أسفل سافلة المدينة من جهة الشام و هو مغيض مياه أوديتها بعد مجتمع السيول و كان بها املاك أهل المدينة استولى عليها الخراب و الحفياء من أدنى الغابة و انها على خمسة أميال أو ستة من المدينة* و عن محمّد بن الضحاك أنّ العباس كان يقف على سلع فينادى غلمانه و هم بالغابة فيسمعهم و ذلك من آخر الليل و بينهما ثمانية أميال و هو محمول على انتهاء الغابة لا أدناها* و فى حياة الحيوان الغابة موضع بينه و بين المدينة أربعة أميال و فيها أيضا كان للنبىّ (صلى اللّه عليه و سلم) عشرون لقحة بالغابة و هى على بريد من المدينة بطريق الشام* و فى معجم ما استعجم الغابة بالموحدة اثنتان العليا و السفلى و منبر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) كان من طرفاء الغابة* و فى خلاصة الوفا و ذو قرد ماء انتهى إليه المسلمون فى غزوة الغابة قال ابن الاثير هو بين المدينة و خيبر على يومين من المدينة* و فى فتح البارى مسافة يوم و فى غيره نحو يوم مما يلى بلاد غطفان و كانت فى ربيع الاوّل سنة ست قبل الحديبية و عند البخاري انها كانت قبل خيبر بثلاثة أيام و فى مسلم نحوه قال الحافظ مغلطاى فى ذلك نظر لاجتماع أهل السير على خلافهما انتهى* قال القرطبى شارح مسلم لا يختلف أهل السير أنّ غزوة ذى قرد كانت قبل الحديبية و قال الحافظ ابن حجر ما فى الصحيح من التاريخ لغزوة ذى قرد أصح مما ذكره أهل السير و هى الغزوة التي أغار فزارة على لقاح النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فى ربيع الاوّل قبل خيبر و عن سلمة بن الاكوع قال رجعنا أى من الغزوة الى المدينة فو اللّه ما لبثنا فى المدينة الا ثلاث ليال حتى خرجنا الى خيبر و قال ابن اسحاق كانت غزوة بنى لحيان فى شعبان سنة ست فلما رجع النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الى المدينة لم يقم بها الا ليال قلائل حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى على لقاحه و قال ابن سعد كانت غزوة ذى قرد فى ربيع الاوّل سنة ست قبل الحديبية و يمكن الجمع بأنّ اغارة عيينة ابن حصن على اللقاح كانت مرّتين الاولى قبل الحديبية و الثانية بعدها قبل الخروج الى خيبر كذا فى فتح البارى* و فى المواهب اللدنية سببها أنه كان لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عشرون لقحة و هى ذوات اللبن القريبة العهد بالولادة ترعى بالغابة و كان أبو ذرّ فيها فأغار عليهم عيينة بن حصن الفزارى* و فى المشكاة و غيرها انّ عبد الرحمن بن حصن الفزارى أغار على اللقاح و يمكن الجمع بأنّ عبد الرحمن هو الذي أنشأ الاغارة لكن عيينة لما جاء الى امداده نسبت الاغارة تارة الى هذا و تارة الى هذا و كانت الاغارة ليلة الاربعاء فى أربعين فارسا فاستاقوها و قتلوا ابن أبى ذرّ الغفارى* و قال ابن اسحاق و كان فيها رجل من بنى غفار و امرأته فقتلوا الرجل و سبوا المرأة و احتملوها فى اللقاح و كان أوّل من نذر بهم سلمة بن الاكوع الاسلمى غدا يريد الغابة متوشحا قوسه و نبله و معه غلام لطلحة بن عبيد اللّه معه فرس له يقوده حتى اذا علا ثنية الوداع نظر الى بعض خيولهم فأشرف فى ناحية سلع ثم صرخ وا صباحاه و خرج يشتدّ فى آثار القوم و كان مثل السبع حتى لحق القوم فجعل يردّهم بالنبل و يقول‏

6

اذا رمى* خذها و أنا ابن الاكوع* اليوم يوم الرضع* فكلما وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فاذا أمكنه الرمى رمى ثم قال خذها و أنا ابن الاكوع اليوم يوم الرضع فيقول قائلهم أكيعنا أوّل النهار فبلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صياح ابن الاكوع فصرخ بالمدينة الفزع الفزع* و فى رواية و نودى يا خيل اللّه اركبى و كان أوّل ما نودى بها و ركب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى خمسمائة و قيل فى سبعمائة و استخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم و خلف سعد بن عبادة فى ثلاثمائة يحرسون المدينة و كان قد عقد لمقداد بن عمرو فى رمحه لواء و قال له امض حتى تلحقك الخيول و انا على أثرك فأدرك أخريات العدوّ كذا فى المواهب اللدنية* و فى الاكتفاء فكان أوّل من انتهى الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الفرسان المقداد بن عمرو و هو الذي يقال له المقداد بن الاسود حليف بنى زهرة ثم كان أوّل فارس وقف على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد المقداد من الانصار عباد بن بشر بن وقش أحد بنى عبد الاشهل و سعد بن زيد أحد بنى كعب بن عبد الاشهل و أسيد بن ظهير أخو بنى حارثة يشك فيه و عكاشة بن محصن أخو بنى أسد بن خزيمة و محرز بن نضلة أخو بنى أسد بن خزيمة و أبو قتادة الحارث بن ربعى أخو بنى سلمة و أبو عياش و هو عبيد بن زيد بن صامت أخو بنى رزيق فلما اجتمعوا الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أقر عليهم سعد بن زيد و قال اخرج فى طلب القوم حتى ألحقك فى الناس و قال لابي عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق القوم قال أبو عياش فقلت يا رسول اللّه أنا أفرس الناس ثم أضرب الفرس فو اللّه ما جرى بى خمسين ذراعا حتى طرحنى فعجبت أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول لو أعطيته أفرس منك و أقول أنا أفرس الناس فأعطى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فرس أبى عياش هذا فيما يزعمون معاذ بن ماعص أو عائذ بن ماعص فكان ثامنا و بعض الناس يعد سلمة بن عمر و ابن الاكوع أحد الثمانية و يطرح أسيد بن ظهير أخا بني حارثة و اللّه أعلم أى ذلك كان* و لم يكن سلمة يومئذ فارسا قد كان أوّل من لحق بالقوم على رجليه فخرج الفرسان فى طلب القوم حتى تلاحقوا و كان أوّل فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة أخو بنى أسد بن خزيمة و كان يقال لمحرز هذا الأخرم و يقال له أيضا قمير لما كان الفزع جال فرس لمحمود بن سلمة فى الحائط و هو مربوط بجذع نخل حين سمع صاهلة الخيل و كان فرسا ضبعا جامعا فقال بعض نساء بنى عبد الاشهل حين رأى الفرس يجول فى الحائط بجذع نخل هو مربوط به يا قمير هل لك فى أن تركب هذا الفرس فانه كما ترى ثم تلحق برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و بالمسلمين فأعطته اياه فخرج عليه فلم يلبث ان بدأ الخيل بحمامه حتى أدرك القوم فوقف بين أيديهم ثم قال قفوا بنى اللكيعة كذا فى الاكتفاء* و فى سيرة ابن هشام معشر اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من المهاجرين و الانصار ثم حمل عليه رجل منهم فقتله و جال الفرس فلم يقدر حتى وقف على اربة فى بنى عبد الاشهل فقيل انه لم يقتل من المسلمين يومئذ غيره و قيل انه قتل مع محرز وقاص ابن محرز المدلجى* قال ابن اسحاق و كان اسم فرس محمود ذا اللمة و قال ابن هشام و كان اسم فرس سعد لا حق و اسم فرس المقداد برجة و يقال سمحة و فرس عكاشة ذو اللمة و فرس أبى قتادة خرودة و فرس عباس بن بشر لماع و فرس أسيد بن ظهير مسنون و فرس عياش جلوة قال ابن اسحاق و قد حدّثنى بعض من لا أتهم عن عبد اللّه بن كعب بن مالك أن محرزا انما كان على فرس عكاشة بن محصن يقال لها الجناح فقتل محرز و استلبت الجناح و لما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة بن حصن و غشاه برده ثم لحق بالناس و أقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى المسلمين فاذا حبيب مسحى ببرد أبى قتادة فاسترجع الناس و قالوا قتل أبو قتادة فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ليس بأبى قتادة

و لكنه قتيل لابي قتادة وضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه‏

7

* و فى المواهب اللدنية و قتل أبو قتادة مسعدة فأعطاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فرسه و سلاحه و قتل عكاشة بن محصن أبان بن عمرو و قتل من المسلمين محرز بن نضلة قتله مسعدة و أدرك عكاشة ابن محصن أوبارا و ابنه عمرو بن أوبار و هما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا و استنقذوا بعض اللقاح* و فى المواهب اللدنية استنقذوا عشرة من اللقاح و أفلت القوم بما بقى و هو عشر و سار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى نزل بالجبل من ذى قرد و تلاحق الناس و الخيول عشاء و ذهب الصريخ الى بنى عمرو بن عوف فجاء الامداد فلم تزل الخيل تأتى و الرجال على أقدامهم و على الابل حتى انتهوا الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بذي قرد و أقام عليه يوما و ليلة و قال له سلمة بن الاكوع يا رسول اللّه لو سرحتنى فى مائة رجل لاستنقذت بقية السرح و أخذت بأعناق القوم فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) انهم الآن ليغبقون فى غطفان* و فى المواهب اللدنية قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يا ابن الاكوع اذا ملكت فأسجح بهمزة قطع ثم سين مهملة ثم جيم مكسورة ثم حاء مهملة أى فارفق و أحسن من السجاحة و هى السهولة ثم قال انهم ليقرون فى غطفان فقسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى أصحابه فى كل مائة رجل جزورا* و فى المواهب اللدنية و صلى (صلى اللّه عليه و سلم) صلاة الخوف بذى قرد ثم رجع قافلا الى المدينة و قد غاب عنها خمس ليال و افلتت امرأة الغفارى على ناقة من ابل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر فلما فرغت قالت يا رسول اللّه انى نذرت أن أنحرها ان نجانى اللّه عليها فتبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم قال بئسما جزيتيها أن حملك اللّه عليها و نجاك بها ثم تنحرينها انه لا نذر فى معصية اللّه و لا فيما لا تملكين انما هى ناقة من ابلى ارجعى الى أهلك على بركة اللّه و هذا حديث ابن اسحاق عن غزوة ذى قرد و خرج مسلم بن الحجاج حديثها فى صحيحه باسناده الى سلمة بن الاكوع مطوّلا و مختصرا و خالف فيه حديث ابن اسحاق فى مواضع منها أنّ هذه الغزوة بعد انصراف النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من الحديبية و جعلها ابن اسحاق قبلها و كذلك فعل ابن عقبة قال القرطبى لا تختلف أهل السير أنّ غزوة ذى قرد كانت قبل الحديبية و ما فى الصحيح من التاريخ لها أصح مما فى السير كما مرّ و يمكن الجمع بتكرر الواقعة و يؤيده أنّ الحاكم ذكر فى الاكليل أنّ الخروج الى ذى قرد تكرّر الاولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد و فى الثانية خرج إليها النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فى ربيع الآخر سنة خمس و الثالثة هى المختلف فيها و منها أنّ اللقاح كانت ترعى بذى قرد و كذا فى البخاري و قال ابن اسحاق بالغابة و كذا قال عياض الاوّل غلط و يمكن الجمع بأنها كانت ترعى تارة بذى قرد و تارة بالغابة و منها قد ورد فى صحاح الاحاديث عن سلمة أنه قال خرجت أنا و رباح عبد النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن يؤذن بلال بالاولى يعنى صلاة الصبح نحو الغابة و أنا راكب على فرس أبى طلحة الانصارى فاذا أغار عبد الرحمن ابن عيينة بن حصن الفزارى قبل طلوع الفجر على لقاح النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و كانت ترعى بذى قرد و قد قتل الراعى و استاق اللقاح فقلت أى رباح اركب هذا الفرس و بلغه الى أبى طلحة و أخبر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)* و فى رواية عن سلمة خرجت قبل أن يؤذن بلال بالاولى فلقينى عبد لعبد الرحمن بن عوف فقلت و يحك مالك قال أخذت لقاح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قلت من أخذها قال أخذها غطفان و فزارة* و فى رواية لمسلم ما يقتضى أنّ سلمة كان مع السرح لما أغير عليه و انه قام على اكمة و صاح وا صباحاه ثلاثا و هذا يرجح ان السرح كان بالغابة و يبعد كونه بذى قرد اذ لو كان بذى قرد لما أمكنه لحوقهم و منها أنّ سلمة بن الاكوع استنقذ سرح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بجملته قال سلمة فو اللّه ما زلت أرميهم و أعقرهم فاذا رجع‏

الىّ فارس منهم أتيت شجرة فجلست فى أصلها ثم رميته‏

8

فعقرت حتى اذا تضايق الجبل فدخلوا فى مضائقه علوت الجبل فجعلت أردّهم بالحجارة قال فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق اللّه من بعير من ظهر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الا خلفته وراء ظهرى و خلوا بينى و بينه ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة و ثلاثين رمحا يستخفون و لا يطرحون شيئا الا جعلت عليه آراما من الحجارة يعرفها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه حتى أتوا متضايقا من ثنية فأتاهم فلان ابن بدر الفزارى فجلسوا يتضحون أى يتغدون و جلست على رأس قرن قال الغزارى ما هذا الذي أرى قالوا لقينا من هذا البرح و اللّه ما رافقنا منذ عيش يومنا حتى انتزع كل شي‏ء فى أيدينا قال فليقم إليه نفر منكم قال فصعد الىّ منهم أربعة فى الجبل فلما أمكنونى من الكلام قلت هل تعرفوننى قالوا لا و من أنت قلت فأنا سلمة بن الاكوع و الذي كرّم وجه محمد (صلى اللّه عليه و سلم) لا أطلب رجلا منكم الا أدركته و لا يطلبنى فيدركنى قال أحدهم أظنّ ذلك فرجعوا فما برحت مكانى حتى رأيت فوارس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يتخللون الشجر فاذا أوّلهم الأخرم الاسدى و على أثره أبو قتادة الانصارى و على أثره المقداد بن الاسود الكندى فأخذت بعنان الأخرم و قلت يا أخرم احذرهم لا يقتطعونك حتى يلحق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه فقال يا سلمة ان كنت تؤمن باللّه و اليوم الآخر و تعلم أن الجنة حق و النار حق فلا تحل بينى و بين الشهادة قال فخليته فالتقى هو و عبد الرحمن فقتله و تحوّل على فرسه و لحق أبو قتادة فارس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعبد الرحمن فطعنه فقتله* و فى رواية اختلفا طعنتين فطعن أوّلا الأخرم عبد الرحمن فجرحه ثم طعن عبد الرحمن أخرم فقتله و ركب فرسه فبلغه أبو قتادة فاختلفا طعنتين أيضا فطعن أوّلا عبد الرحمن أبا قتادة فجرحه بالرمح الذي طعن به أخرم فطعنه أبو قتادة فقتله فركب فرس أخرم الذي ركبه عبد الرحمن* و فى الشفاء أصاب سهم وجه أبى قتادة يوم ذى قرد فبصق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على أثر السهم فما ضرب و لا قاح* و فى الاكتفاء قال سلمة بن الاكوع و الذي أكرم وجه محمد (صلى اللّه عليه و سلم) لتبعتهم أعدو على رجلىّ حتى ما أرى من ورائى من أصحاب محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و لا من غبارهم شيئا حتى عدلوا قبل غروب الشمس الى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد ليشربوا منه و هم عطاش فنظروا الى عدوى وراءهم فجلوتهم عنه فما ذاقوا منه قطرة و يخرجون و يشتدّون فى ثنية فأعد و فألحق رجلا منهم فاصكه بسهم فى نغض كتفه فقلت خذها و أنا ابن الاكوع و اليوم يوم الرضع قال يا ثكلة أمه أكوعه بكره قلت نعم يا عدوّ نفسه أكوعه بكره قال و أردوا فرسين على ثنية فجئت بهما أسوقهما الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لحقنى عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن و سطيحة فيها ماء فتوضأت و شربت ثم أتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو على الماء الذي جلاتهم عنه قد أخذت تلك الابل و كل شي‏ء استنقذته من المشركين و كل رمح و كل بردة و اذا بلال نحر ناقة من الابل التي استنقذت من القوم فاذا هو يشوى لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من كبدها و سنامها قلت يا رسول اللّه خلنى فانتخب من القوم مائة رجل فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر الا قتلته فضحك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى بدت نواجذه فى ضوء النهار و قال يا سلمة أتراك كنت فاعلا قلت نعم و الذي أكرمك قال انهم الآن ليقرّون بأرض غطفان قال فجاء رجل من غطفان فقال نحر لهم فلان جزورا فلما كشطوا جلدها رأوا غبارا فقال أتاكم القوم فخرجوا هاربين فلما أصبحنا قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة و يرخ؟؟؟

رجالتنا سلمة بن الاكوع ثم أعطانى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سهمين سهم الراجل و سهم الفارس فجمعهما الىّ جميعا و ذكر الزبير بن أبى بكر أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مرّ فى غزوة ذى قرد هذه على ماء يقال له بيسان فسأل عنه فقيل اسمه يا رسول اللّه بيسان و هو مالح فقال رسول اللّه صلى اللّه‏

9

عليه و سلم لا بل اسمه نعمان و هو طيب فغير رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اسمه فغير اللّه تعالى الماء فاشتراه طلحة بن عبيد اللّه ثم تصدّق به و جاء الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما أنت يا طلحة الافياض فسمى طلحة الفياض قال سلمة ثم أردفنى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ناقته فرجعنا الى المدينة فلما دنونا الى المدينة نادى رجل من الانصار هل من سابق نتسابق الى المدينة فاستأذنت النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فسابقته فسبقته*

سرية عكاشة الى غمر مرزوق‏

و فى ربيع الاوّل من هذه السنة كانت سرية عكاشة بن محصن الاسدى الى غمر مرزوق بالغين المعجمة المكسورة و هو ماء لبنى أسد على ليلتين من فيد فى أربعين رجلا فخرج سريعا فأخبر به القوم فهربوا فنزل المسلمون عليا بلادهم و بعث شجاع بن وهب فى جماعة الى بعض النواحى فأخذ رجلا من بنى أسد فدلهم على نعمهم فى المرعى فساقوا مائة بعير و قدموا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يلقوا كيدا*

سرية محمد بن مسلمة الى ذى القصة

و فى ربيع الاوّل من هذه السنة كانت سرية محمد بن مسلمة الى ذى القصة بفتح القاف و الصاد المهملة المشدّدة موضع بينه و بين المدينة أربعة و عشرون ميلا و معه عشرة الى بنى ثعلبة فورد عليه ليلا فأحدق به القوم و هم مائة رجل فتراموا ساعة من الليل ثم حملت الاعراب عليهم بالرماح فقتلوهم الا محمد بن مسلمة فوقع جريحا و جردوهم من ثيابهم و مرّ رجل من المسلمين فحمله حتى ورد به الى المدينة* و فى ربيع الآخر من هذه السنة بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أبا عبيدة بن الجراح فى أربعين رجلا الى مصارعهم فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربا فى الجبال و أصاب رجلا واحدا فأسلم و تركه و أخذ نعما من نعمهم فاستاقها ورثة من متاعهم و قدم به المدينة فخمسه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قسم ما بقى عليهم* و فى القاموس الرث السقط من متاع البيت كالرثة بالكسر*

سرية زيد بن حارثة الى بنى سليم‏

و فى ربيع الآخر من هذه السنة كانت سرية زيد بن حارثة الى بنى سليم بالجموم من أرض بنى سليم و يقال بالجموح ناحية ببطن نخل من المدينة على أربعة أميال فأصابوا امرأة من مزينة يقال لها حليمة فدلتهم على محلة من محال بنى سليم فأصابوا نعما و شاء و أسرى فكان فيهم زوج حليمة المزنية فلما قفل زيد بما أصاب وهب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) للمزنية نفسها و زوجها*

سرية زيد بن حارثة أيضا الى العيص‏

و فى جمادى الاولى من هذه السنة كانت سرية زيد بن حارثة أيضا الى العيص موضع على أربعة أميال من المدينة و معه سبعون راكبا لما بلغه (عليه السلام) أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام يتعرّض لها فأخذوها و ما فيها فأخذوا يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية و أسر منهم ناسا منهم أبو العاص بن الربيع زوج زينب ابنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فنادت فى الناس حين صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الفجر انى قد أجرت أبا العاص فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما علمت بشي‏ء من هذا و قد أجرنا من أجرت و ردّ عليه ما أخذ* و ذكر ابن عقبة ان أسره كان على يد أبى بصير بعد الحديبية و كانت هاجرت قبله و تركته على شركه و ردّها النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بالنكاح الاوّل قيل بعد سنتين و قيل بعد ست سنين و قيل قبل انقضاء العدّة* و فى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ردّها له بنكاح جديد سنة سبع*

سرية زيد بن حارثة أيضا الى الطرف‏

و فى جمادى الآخرة من هذه السنة كانت سرية زيد بن حارثة أيضا الى الطرف و هو ماء على ستة و ثلاثين ميلا من المدينة فخرج الى بنى ثعلبة فى خمسة عشر رجلا فأصاب نعما و شاء و هربت الاعراب و صبح زيد بالنعم المدينة و هى عشرون بعيرا و لم يلق كيدا و غاب أربع ليال*

سرية زيد بن حارثة أيضا الى حسمى‏

و فى جمادى الآخرة من هذه السنة كانت سرية زيد بن حارثة أيضا الى حسمى و هو واد وراء ذات القرى* و فى الاكتفاء و كان من حديثها كما حدّث رجال من جذام و كانوا علماء بها ان رفاعة بن زيد الجذاميّ لما قدم على قومه من عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بكتابه يدعوهم الى الاسلام فاستجابوا له لم يلبث أن قدم دحية بن خليفة الكلبى من عند قيصر صاحب‏

10

الروم حين بعثه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و معه تجارة له و قد أجازه قيصر و كساه حتى اذا كان بواد من أوديتهم يقال له حسمى أغار عليه الهنيد بن عوض الضلعي بطن منه و ابنه عوض فأصاب كل شي‏ء معه فبلغ ذلك قوما من بنى الضبيب و هم رهط رفاعة ممن كان أسلم و أجاب فنفروا الى الهنيد و ابنه فاستنقذوا ما كان فى أيديهما من متاع دحية فخرج دحية حتى قدم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره خبره و استشفاه دم الهنيد و ابنه فبعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) زيد بن حارثة و بعث معه جيشا خمسمائة رجل و ردّ معه دحية فكان زيد يسير بالليل و يكمن بالنهار حتى هجموا مع الصبح على القوم فأغاروا عليهم و قتلوا فيهم و أوجعوا و قتلوا الهنيد و ابنه و أخذوا من النعم ألف بعير و من الشاء خمسة آلاف و مائة من النساء و الصبيان* و فى الاكتفاء فجمعوا ما وجدوا من مال و أناس و قتلوا الهنيد و ابنه و رجلين معهما فلما سمع ذلك بنو الضبيب ركب نفر منهم فيهم حسان بن ملة فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال حسان انا قوم مسلمون فقال له زيد اقرأ أم الكتاب فقرأها فقال زيد بن حارثة نادوا فى الجيش أن قد حرم علينا ثغرة القوم التي جاءوا منها الا من ختر أى غدر و اذا بأخت حسان فى الاسارى فقال له زيد خذها فقالت أم الغرار الضلعية أ تنطلقون ببناتكم و تذرون أمهاتكم فقال أحد بنى الخصيب انها بنو الضبيب و سحر ألسنتهم سائر اليوم فسمعها بعض الجيش فأخبر بها زيدا فامر بأخت حسان و قد كانت أخذت بحقوى أخيها ففكت يداها من حقويه و قال لها اجلسى مع بنات عمك حتى يحكم اللّه فيكن حكمه فرجعوا و نهى الجيش أن يهبطوا الى واديهم الذي جاءوا منه فامسوا فى أهليهم فلما شربوا عتمتهم ركبوا الى رفاعة بن زيد فصبحوه فقال له حسان بن ملة انك لجالس تحلب المعزى و ان نساء جذام أسارى قد غرّها كتابك الذي جئت به فدعا رفاعة بجمل له فشدّ عليه رحله و هو يقول* هل أنت حى و تنادى حيا* ثم غدا رفاعة فى نفر من قومه و هم مبكرون فساروا الى جهة المدينة ثلاث ليال فلما دخلوا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و رآهم ألاح إليهم بيده أن تعالوا من وراء الناس فلما استفتح رفاعة بن زيد النطق قال رجل من الناس يا رسول اللّه ان هؤلاء قوم سحرة فردّدها مرتين فقال رفاعة رحم اللّه من لم يحدث فى يومنا هذا إلّا خيرا ثم دفع رفاعة الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كتابه الذي كان كتب له و لقومه ليالى قدم عليه فأسلم فقال دونك يا رسول اللّه قديما كتابه حديثا غدره فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اقرأه يا غلام و أعلن فلما قرأ كتابه استخبرهم فأخبره فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كيف أصنع بالقتلى ثلاث مرّات فقال رفاعة أنت أعلم يا رسول اللّه لا نحرّم عليك حلالا و لا نحلل لك حراما فقال أبو زيد بن عمر و أحد قومه مع رفاعة أطلق لنا يا رسول اللّه من كان حيا و من قتل فهو تحت قدمي هذه فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صدق أبو زيد اركب معهم يا على فقال له على يا رسول اللّه انّ زيدا لا يطيعنى قال فخذ سيفى هذا فأعطاه سيفه فخرجوا فاذا رسول لزيد بن حارثة على ناقة من ابلهم فأنزلوه عنها فقال يا على ما شأنى فقال ما لهم عرفوه فأخذوه ثم ساروا فلقوا الجيش فأخذوا ما بأيديهم حتى كانوا ينتزعون لبد المرأة من تحت الرجل*

سرية كرز الى العرنيين‏

و فى جمادى الآخرة من هذه السنة على قول ابن اسحاق و هو المذكور فى المواهب اللدنية أو فى شوّال هذه السنة على ما قاله الواقدى و تبعه ابن سعد و ابن حبان أو فى ذى القعدة بعد الحديبية و هو المذكور فى البخاري كانت سرية كرز بن جابر الفهرى الى العرنيين بضم العين و فتح الراء المهملتين حى من قضاعة وحى من بجيلة و المراد هاهنا الثانى كذا ذكره ابن عقبة فى المغازى* روى ان ثمانية نفر من عرينة و فى البخاري من عكل و عرينة* عكل بضم العين و اسكان الكاف و فى الاكتفاء من قيس كبة من بجيلة قدموا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فتكلموا فى الاسلام ثم استوخموا أو قال اجتووا أو استوبئوا المدينة

11

و طلحوا و قالوا انا كنا أهل ضرع و لم نكن أهل ريف فبعثهم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الى لقاحه* و فى الاكتفاء و كانت لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لقاح ترعى بناحية الجماوان يرعاها عبد له يقال له يسار كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أصابه فى غزوة بنى محارب و بنى ثعلبة* و فى رواية بعثهم الى ابل الصدقة و كأنهما كانا معا فصح الاخبار بالبعث الى كل منهما* و فى الاكتفاء فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لو خرجتم الى اللقاح فشربتم من ألبانها و أبوالها فخرجوا إليها فشربوا من ألبانها و أبوالها حتى صحوا و سمنوا و انطوت بطونهم عكنا و عدوا على راعى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فذبحوه* و فى رواية و قتلوا راعيها يسارا و قطعوا يده و رجله و غرّزوا الشوك فى لسانه و عينيه حتى مات و استاقوا الابل فلما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه الخبر فى أوّل النهار بعث فى أثرهم عشرين فارسا و أمّر عليهم كرز بن جابر الفهرى فأدركوهم و أحاطوا بهم و ربطوهم فما ارتفع النهار حتى قدموا بهم المدينة و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالغابة فخرجوا بهم نحوه* و فى الاكتفاء فأتى بهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مرجعه من غزوة ذى قرد فامر بهم فقطعت أيديهم و أرجلهم* و فى رواية و سمرت أعينهم و صلبوا هنا لك* و فى صحيح البخاري فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم و قطع أيديهم و ما حسمهم ثم ألقوا فى الحرّة يستقون فما سقوا حتى ماتوا قال أنس فكنت أرى أحدهم يكد أو يكدم الارض بفيه و عن محمد بن سيرين انما فعل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) هذا قبل ان تنزل الحدود كذا فى الترمذى قال أبو قلابة هؤلاء قوم سرقوا و قتلوا و حاربوا اللّه و رسوله و كانت اللقاح خمس عشرة لقحة فردّوها الا واحدة و فى الوفاء ذكر أهل السيران اللقاح كانت ترعى بناحية الجماوان* و فى رواية بذى الجدر غربى جبال عير على ستة أميال من المدينة و ذكر ابن سعد عن ابن عقبة ان أمير الخيل يومئذ سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرة فأدركوهم و ربطوهم و أردفوهم على خيلهم و ردّوا الابل و لم يفقدوا منها الا لقحة واحدة من لقاحه (صلى اللّه عليه و سلم) تدعى الحناء فسأل عنها فقيل نحروها فلما دخلوا بهم المدينة كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالغابة قال بعضهم و ذلك مرجعه من غزوة ذى قرد كما مر فخرجوا بهم نحوه فلقوه بالغابة فقطعت أيديهم و أرجلهم و سملت أعينهم و صلبوا هناك*

سرية زيد الى وادى القرى‏

و فى رجب هذه السنة كانت سرية زيد بن حارثة الى وادى القرى فقتل من المسلمين قتلى و ارتث زيد أى حمل من المعركة رثيثا أى جريحا و به رمق و هو مبنى للمجهول قاله فى القاموس و اللّه أعلم‏

* سرية عبد الرحمن بن عوف الى دومة الجندل‏

و فى شعبان هذه السنة بعث عبد الرحمن بن عوف الى بنى كلب بدومة الجندل قال أهل السير دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عبد الرحمن بن عوف فأجلسه بين يديه و عممه بيده و قال اغز باسم اللّه و فى سبيل اللّه فقاتل من كفر باللّه و لا تغدر و لا تقتل وليدا و بعثه الى بنى كلب بدومة الجندل و قال ان استجابوا لك فتزوّج ابنة ملكهم فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل فمكث ثلاثة أيام يدعوهم الى الاسلام فأسلم اصبغ بن عمرو الكلبى و كان نصرانيا و كان رئيسهم و أسلم معه ناس كثير من قومه و أقام من أقام على دينه على اعطاء الجزية و تزوّج عبد الرحمن تماضر ابنة الاصبغ فقدم بها المدينة فولدت له أبا سلمة عبد اللّه الاصغر و هو من الفقهاء السبعة بالمدينة و من أفضل التابعين كذا فى المواهب اللدنية و فى الاكتفاء قال عطاء بن أبى رباح سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد اللّه ابن عمر بن الخطاب عن ارسال العمامة من خلف الرجل اذا اعتم فقال عبد اللّه سأخبرك عن ذلك ان شاء اللّه تعالى ثم ذكر مجلسا شاهده من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر فيه عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها قال فأصبح و قد اعتم بعمامة من كرابيس سود فأدناه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) منه ثم نقضها ثم عممه بها و أرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك ثم قال هكذا يا ابن عوف فاعتم‏

12

فانه أحسن و أعرف ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء فدفعه إليه فحمد اللّه و صلى على نفسه ثم قال خذه يا ابن عوف اغزوا جميعا فى سبيل اللّه فقاتلوا من كفر باللّه لا تغلوا و لا تغدروا و لا تمثلوا و لا تقتلوا وليدا فهذا عهد اللّه و سيرة نبيه فيكم فأخذ عبد الرحمن اللواء قال ابن هشام فخرج عبد الرحمن و من معه الى دومة الجندل المذكور

* بعث على بن أبى طالب الى بنى سعد

و فى شعبان هذه السنة بعث على بن أبى طالب فى مائة رجل الى بنى سعد بن بكر بفدك و سببه انه بلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ان لهم جمعا يريدون أن يمدّوا يهود خيبر فسار علىّ بمن معه فأغاروا عليهم و هم عارون بين فدك و خيبر فأخذوا خمسمائة بعير و ألفى شاة و هربت بنو سعد و عزل علىّ طائفة من الابل الجياد صفى المغنم و قسم الباقى على السرية و قدم بمن معه المدينة و لم يلقوا كيدا*

بعث زيد الى أم قرفة

و فى رمضان هذه السنة بعث زيد بن حارثة الى أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن زيد الفزارى بناحية وادى القرى على سبع ليال من المدينة و كان سببها ان زيد بن حارثة خرج فى تجارة الى الشام و معه بضائع لاصحاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فلما كانوا بوادى القرى لقيه ناس من فزارة من بنى بدر فضربوه و ضربوا أصحابه و أخذوا ما كان معهم و قدم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره فبعثه (صلى اللّه عليه و سلم) إليهم فكمن أصحابه بالنهار و ساروا بالليل ثم صبحهم زيد و أصحابه فكبروا و أحاطوا بالحاضر و أخذوا أم قرفة و كانت ملكة رئيسة و فى المثل يقال* أمنع و أعز من أم قرفة* لانه كان يعلق فى بيتها خمسون سيفا لخمسين رجلا كلهم لها محرم و هى زوجة مالك بن حذيفة بن بدر كذا فى القاموس و أخذوا بنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر و عمد قيس بن المحسر الى أم قرفة و هى عجوز كبيرة فقتلها قتلا عنيفا و ربط برجليها حبلين ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا بها فقطعاها و قدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرع باب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقام إليه عريانا يجرّ ثوبه حتى اعتنقه و قبله و سأله فأخبره بما ظفر به و اللّه أعلم*

سرية عبد اللّه بن عتيك لقتل أبى رافع‏

و فى رمضان هذه السنة كانت سرية عبد اللّه بن عتيك لقتل أبى رافع عبد اللّه تاجر أهل الشام* و فى سيرة ابن هشام و كان سلام ابن أبى الحقيق و هو أبو رافع اليهودى و هو بخيبر فيمن حزب الاحزاب يوم الخندق كذا ذكره ابن سعد هنا انها كانت فى رمضان و ذكر فى ترجمة عبد اللّه بن عتيك انه بعثه فى ذى الحجة الى أبى رافع سنة خمس بعد وقعة بنى قريظة و قيل فى جمادى الآخرة سنة ثلاث* و فى البخاري قال الزهرى بعد قتل كعب بن الاشرف و أرسل معه أربعة فكانوا خمسة عبد اللّه بن عتيك و عبد اللّه بن أنيس و أبا قتادة الحارث بن ربعى و الاسود بن الخزاعى و مسعود بن سنان و أمرهم بقتله فذهبوا الى خيبر فكمنوا فلما هدأت الرجل جاءوا الى منزله فصعدوا درجة له و قدّموا عبد اللّه بن عتيك لانه كان يرطن باليهودية فاستفتح و قال جئت أبا رافع بهدية ففتحت له امرأته فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشار إليها بالسيف فسكتت فدخلوا عليه فما عرفوه الا ببياضه فعلوه بأسيافهم* و فى البخاري كان أبو رافع يؤدى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و يعين عليه و كان فى حصن له فلما دنوا منه و قد غربت الشمس و راح الناس بسرحهم قال عبد اللّه لاصحابه اجلسوا مكانكم فانى منطلق و متلطف للبوّاب لعلى أدخل فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضى حاجته مبديا انه من أهل الحصن فدخل الناس فهتف به البوّاب يا عبد اللّه ان كنت تريد أن تدخل فادخل فانى أريد أغلق الباب فحسب البوّاب انه من أهل الحصن فدخل عبد اللّه فكمن فلما دخل الناس أغلق البوّاب الباب ثم علق الاقاليد فأخذها بعد ما رقد و افتتح الباب و كان أبو رافع يسمر عنده و كان فى علالى له فلما ذهب عنه أهل سمره صعد عبد اللّه فجعل كلما فتح بابا من خارج أغلق عليه من داخل لئلا يصل إليه القوم ان علموا به حتى يقتله فانتهى إليه فاذا هو فى بيت مظلم وسط عياله لا يدرى أين هو

13

من البيت فقال يا أبا رافع فقال من هذا فأهوى نحو الصوت فضربه ضربة بالسيف و هو دهش فما أغنى عنه شيئا و صاح أبو رافع فخرج عبد اللّه من البيت فمكث غير بعيد ثم دخل عليه كأنه يغيثه فقال مالك يا أبا رافع و غير عبد اللّه صوته فقال لامك الويل دخل علىّ رجل فضربنى بالسيف فعمد إليه بالسيف فضربه ضربة أخرى فلم تغن عنه شيئا فصاح و قام أهله فجاء و غير صوته كهيئة المغيث له فاذا هو مستلق على ظهره فوضع ضبيب السيف فى بطنه ثم انكفأ عليه حتى سمع صوت العظم ثم خرج دهشا يفتح الابواب بابا بابا حتى أتى السلم يريد أن ينزل فنزل حتى انتهى الى درجة له فوضع رجله و هو يحسب انه انتهى الى الارض فسقط فى ليلة مقمرة فانكسرت ساقه* و فى رواية فانخلعت رجله فعصبها بعمامته ثم انطلق حتى جلس على الباب فقال لا أخرج الليلة حتى أعلم أ قتلته أم لا فلما صاح الديك قام الناعى على السور فقال أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز فانطلق الى أصحابه يحجل و قال قد قتل اللّه أبا رافع فأسرعوا فانطلقوا حتى أتوا الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فحدّثه بما جرى فقال له النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أبسط رجلك فمسحها فبرأت كما كانت و كأنه لم يشتكها قط* و فى رواية محمد بن سعد أن الذي قتله عبد اللّه بن أنيس و الصواب ان الذي دخل عليه و قتله عبد اللّه بن عتيك وحده كما فى البخاري كذا فى المواهب اللدنية* و فى رواية بعث (صلى اللّه عليه و سلم) خمسة من أصحابه منهم أبو قتادة الى خيبر لقتل سلام بن أبى الحقيق فدخلوا بيته ليلا و قتلوه و خرجوا فنسى أبو قتادة قوسه فرجع إليها و أخذها فأصيبت رجله فشدّها بعمامته و لحق بأصحابه و كانوا يتناوبون حمله حتى قدموا المدينة فأتوا به النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فمسحها بيده فبرأت كأنما لم تشتك و هذا لفظ البخاري* و فى سيرة ابن هشام و لما أصابت الاوس كعب ابن الاشرف فى عداوته لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قالت الخزرج و اللّه لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا فتذاكروا من رجل لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى العداوة كابن الاشرف فذكروا ابن أبى الحقيق و هو بخيبر فاستأذنوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى قتله فأذن لهم فخرج إليه من الخزرج من بنى سلمة خمسة نفر و هم عبد اللّه بن عتيك و مسعود بن سنان و عبد اللّه بن أنيس و أبو قتادة الحارث بن ربعى و خزاعى بن أسود حليف لهم من أسلم فخرجوا حتى اذا قدموا خيبر أتوا دار أبى الحقيق ليلا فلم يدعوا بيتا فى الدار الا أغلقوه على أهله قال و كان فى علية له إليها عجلة فاستندوا إليها حتى قاموا على بابه فاستأذنوه فخرجت إليهم امرأته فقالت من أنتم فقالوا انا من العرب نلتمس الميرة فقالت لهم ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه قال فلما دخلنا أغلقنا علينا و عليها الحجرة تخوّفا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا و بينه قال و صاحت بنا امرأته فنوّهت بنا و ابتدرناه و هو على فراشه بأسيافنا و اللّه ما يدلنا عليه فى سواد الليل الا بياضه كأنه قطنة ملقاة قال و لما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يتذكر نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيكف يده و لو لا ذلك لفرغنا منها بليل قال و لما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد اللّه بن أنيس بسيفه فى بطنه حتى أنفذه و هو يقول قطنى قطنى أى حسبى حسبى و خرجنا و كان عبد اللّه بن عتيك رجلا سيئ البصر فوقع من الدرجة فوثبت يده وثيا شديدا و يقال انها رجله فيما قاله ابن هشام و حملناه حتى نأتى نهرا من عيونهم فندخل فيه قال و أوقدوا النيران و اشتدّوا فى كل وجه يطلبون حتى اذا أيسوا رجعوا الى صاحبهم فاكتنفوه و هو يقضى بينهم قال فقلنا كيف لنا بأن نعلم بأن عدوّ اللّه قد مات فقال رجل منا أنا أذهب فأنظر لكم الخبر فانطلق حتى دخل فى الناس قال فوجدتها و رجال يهود حوله و فى يدها المصباح فتنظر فى وجهه و تحدّثهم و تقول أما و اللّه لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت و قلت اين ابن عتيك بهذه البلاد ثم أقبلت عليه تنظر فى وجهه ثم قالت فاظ؟؟؟ و إله يهود فما سمعت كلمة كانت ألذ الى نفسى منها

قال ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا

14

صاحبنا فقدمنا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبرناه بقتل عدوّ اللّه و اختلفنا عنده فى قتله و كلنا يدّعيه فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هاتوا أسيافكم فجئناه بها فنظر إليها فقال لسيف عبد اللّه بن أنيس هذا قتله أرى فيه أثر الطعام*

حديث الاستسقاء

و فى رمضان هذه السنة استسقى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما أجدب الناس فطروا فقال (صلى اللّه عليه و سلم) أصبح الناس مؤمنا باللّه و كافرا بالكواكب* قاله مغلطاى و استسقى فى موضع المصلى و صلى صلاة الاستسقاء روى أنه قحط الناس على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأتاه المسلمون و قالوا يا رسول اللّه قحط المطر و يبس الشجر و هلكت المواشى و أسنت الناس فاستسق لنا ربك فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و الناس معه يمشى و يمشون بالسكينة و الوقار حتى أتوا المصلى فتقدّم و صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يقرأ فى العيدين و الاستسقاء فى الركعة الاولى بفاتحة الكتاب و سبح اسم ربك الاعلى و فى الركعة الثانية بفاتحة الكتاب و هل أتاك حديث الغاشية فلما قضى صلاته استقبل الناس بوجهه و قلب رداءه لكى ينقلب القحط الى الخصب ثم جثا على ركبتيه و رفع يديه و كبر تكبيرة قبل أن يستسقى ثم قال اللهم اسقنا و أغثنا غيثا مغيثا و حياء ربيعا و جدا طبقا غدقا مغدقا عامّا هنيئا مريئا مريعا مرتعا وابلا شاملا مسبلا مجللا دائما و درا نافعا غير ضارّ عاجلا غير رائث غيثا اللهم تحيى به البلاد و تغيث به العباد و تجعله بلاغا صالحا للحاضر و الباد اللهم أنزل فى أرضنا زينتها و أنزل عليها سكنها اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا تحى به بلدة ميتا و اسقه مما خلقت أنعاما و أناسىّ كثيرا* فما برحوا حتى أقبل قزع من السحاب فالتأم بعضه الى بعض ثم أمطرت سبعة أيام بلياليهنّ لا تقلع عن المدينة فأتاه المسلمون و قالوا يا رسول اللّه قد غرقت الارض و تهدّمت البيوت و انقطعت السبل فادع اللّه تعالى أن يصرفها عنا فضحك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو على المنبر حتى بدت نواجذه تعجبا لسرعة ملالة بنى آدم ثم رفع يديه ثم قال حوالينا و لا علينا اللهم على رءوس الظراب و منابت الشجر و بطون الاودية و ظهور الاكام فتصدّعت عن المدينة حتى كانت مثل ترس عليها كالفسطاط تمطر مراعيها و لا تمطر فيها قطرة* و فى رواية لما صارت المدينة كالفسطاط و ضحك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى بدت نواجذه ثم قال للّه أبو طالب لو كان حيا لقرّت عيناه من الذي ينشدنا قوله فقام على بن أبى طالب رضى اللّه عنه فقال يا رسول اللّه كأنك أردت‏

و أبيض يستسقى العمام بوجهه‏* * * ثمال اليتامى عصمة للارامل‏

يلوذ به الهلاك من آل هاشم‏* * * فهم عنده فى نعمة و فواضل‏

كذبتم و بيت اللّه يردى محمد* * * و لما نقاتل دونه و نناضل‏

و نسلمه حتى نصرع حوله‏* * * و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏

فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أجل فقام رجل من كنانة يترنم و يذكر هذه الابيات و يقول فى ذلك‏

لك الحمد و الشكر ممن شكر* * * سقينا بوجه النبيّ المطر

دعا اللّه خالقنا دعوة* * * إليه و أشخص منه البصر

و لم يك الا كقلب الردا* * * و أسرع حتى رأينا المطر

دفاق الغرائل جم البعاق‏* * * أغاث به علينا مضر

و كان كما قاله عمه‏* * * أبو طالب أبيض ذو غرر

به اللّه يسقيه صوب الغمام‏* * * و هذا العيان لذاك الخبر

15

فمن يشكر اللّه يلق المزيد* * * و من يكفر اللّه يلق العبر

فقال (صلى اللّه عليه و سلم) ان يكن شاعر أحسن فقد أحسنت و أنشد بعض السلف عقيب حديث الاستسقاء هذه الابيات‏

سألنا و قد ضنّ السحاب بمائه‏* * * نبى الهدى فى جمعة و هو يخطب‏

فقلنا قد اغبرّت من الجدب أرضنا* * * فليس لنا فيها من الضرّ مذهب‏

فما زال يدعو اللّه و الصحب حوله‏* * * و يضرع مقلوب الرداء و يرغب‏

الى أن بدت من نحو سلع غمامة* * * فلما تزل سبعا على القوم تسكب‏

فقام إليه بعض من كان شاهدا* * * يقول و أخلاف السموات تحلب‏

سل اللّه يا خير النبيين حبسها* * * فقد خيف منها أن تهدّم يثرب‏

سرية عبد اللّه بن رواحة الى أسير بن رزام اليهودى‏

و فى شوّال هذه السنة كانت سرية عبد اللّه بن رواحة الى اسير ابن رزام اليهودى بخيبر* و فى سيرة ابن هشام اليسير بن رزام و يقال رازم و كان سببها أنه لما قتل أبو رافع بن أبى الحقيق أمّرت يهود عليها أسيرا فسار فى غطفان و غيرهم يجمع لحربه (صلى اللّه عليه و سلم) و بلغه ذلك فوجه عبد اللّه بن رواحة فى ثلاثة نفر فى رمضان سرّا فسأل عن خبره و عربه فأخبر بذلك فقدم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره فندب (عليه السلام) الناس فانتدب له ثلاثون رجلا لأمّر عليهم عبد اللّه بن رواحة فقدموا عليه و قالوا انّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعثنا إليك لتخرج إليه يستعملك على خيبر و يحسن إليك فطمع فى ذلك و خرج معه ثلاثون رجلا من اليهود مع كل رجل رديفه من المسلمين حتى اذا كانوا بقرقرة فضربه عبد اللّه بن أنيس بالسيف و كان فى السرية فسقط عن بعيره و مالوا على أصحابه فقتلوهم غير رجل و لم يصب من المسلمين أحد ثم قدموا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال قد نجاكم اللّه من القوم الظالمين* و فى الاكتفاء غزا عبد اللّه بن رواحة خيبر مرّتين احداهما التي أصاب فيها اليسير بن رزام و من حديثه أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فبعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عبد اللّه بن رواحة فى نفر من أصحابه منهم عبد اللّه بن أنيس حليف بنى سلمة فلما قدموا عليه كلموه و قاربوا له و قالوا له انك ان قدمت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) استعملك و أكرمك فلم يزالوا به حتى خرج معهم فى نفر من يهود فحمله عبد اللّه بن أنيس على بعيره حتى اذا كانوا بالقرقرة من خيبر على ستة أميال ندم اليسير على مسيره الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ففطن به عبد اللّه بن أنيس و هو يريد السيف فاقتحم به فضربه بالسيف فقطع رجله و ضربه اليسير بمخرش فى يده من شوحط فأمّه فمال كل رجل من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على صاحبه من يهود فقتله الا رجلا واحدا أفلت على رجليه فلما قدم عبد اللّه بن أنيس على رسول اللّه (عليه السلام) تفل على شجته فلم تقح و لم تؤذه*

سرية زيد بن حارثة الى مدين‏

و بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) زيد بن حارثة الى مدين و فى معجم ما استعجم مدين بلد بالشام معلوم تلقاء غزة و هو المذكور فى كتاب اللّه تعالى و هو منزل جذام و شعيب النبيّ (عليه السلام) المبعوث الى أهل مدين أحد بنى وائل من جذام فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) اذا قدم جذام مرحبا بقوم شعيب و أصهار موسى لا تقوم الساعة حتى يتزوّج فيكم المسيح و يولد له و فى كتاب الاعلام شعيب هو شعيب ابن صيعون بن مدين بن ابراهيم* و فى أنوار التنزيل مدين قرية شعيب سميت باسم مدين بن ابراهيم و لم تكن فى سلطنة فرعون و كان بينها و بين مصر مسيرة ثمانى مراحل بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سرية الى مدين أميرهم زيد بن حارثة فأصاب سرايا من أهل مينا قال ابن اسحاق ميناهى سواحل فبيعوا و فرّقوا بين الامّهات و أولادهنّ فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هم يبكون فقال ما لهم‏

16

فأخبر خبرهم فقال لا تبيعوا الا جميعا*

غزوة الحديبية

و فى هلال ذى القعدة من هذه السنة وقعت غزوة الحديبية* و فى معجم ما استعجم الحجازيون يخففونها و العراقيون يثقلونها ذكر ذلك ابن المدينى فى كتاب العلل و الشواهد و كذلك الجعرانة و الحديبية قرية سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة و بين الحديبية و المدينة تسع مراحل و بينها و بين مكة مرحلة* قيل هى من الحرم و قيل بعضها من الحرم قال المحب الطبرى هى قرية قريبة من مكة أكثرها فى الحرام و هى على تسعة أميال من مكة* و فى شفاء الغرام و مسجد الشجرة بالحديبية و الشجرة المنسوب إليها هذا المسجد هى الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان و كانت هذه الشجرة سمرة معروفة عند الناس و هذا المسجد عن يمين طريق جدّة و هو المسجد الذي يزعم الناس أنه الموضع الذي كان صلى فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه و ثمة مسجد آخر و هذان المسجدان و الحديبية لا تعرف اليوم و اللّه أعلم بذلك* و سبب هذه الغزوة أنه أرى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى المنام بالمدينة قبل أن يخرج الى الحديبية أنه دخل هو و أصحابه المسجد الحرام و أخذ مفتاح الكعبة بيده و طافوا و اعتمروا و حلق بعضهم و قصر بعضهم فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا و حسبوا أنهم داخلوا مكة عامهم ذلك فأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر فاستنفر العرب و من حوله من أهل البوادى من الاعراب ليخرجوا معه و هو لا يريد الحرب لكنه يخشى من قريش أن يتعرّضوا له بحرب أو يصدّوه عن البيت و أبطأ عليه كثير من الاعراب فاغتسل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و لبس ثيابه و ركب ناقته القصوى و استخلف على المدينة عبد اللّه بن أمّ مكتوم و خرج منها يوم الاثنين غرّة ذى القعدة من السنة السادسة من الهجرة للعمرة و هى عام الحديبية و معه أصحابه من المهاجرين و الانصار و من لحق به من العرب و ساق معه سبعين بدنة منها جمل أبى جهل الذي غنمه يوم بدر و جعل على الهدى ناجية بن جندب الاسلمى* و فى معالم التنزيل ناجية بن عمير و ساق ذو اليسار من أصحابه معه الهدى فصلى الظهر بذى الحليفة و قلد الهدى و أشعر فتولى تقليد البعض بنفسه و أمر ناجية فقلد الباقى و اقتدى به من أصحابه من كان معه الهدى فقلدوا و أشعروا ثم أحرم من ذى الحليفة بالعمرة و لبى فقال لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك انّ الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك فاقتدى به جمهور الصحابة فأحرموا من ذى الحليفة و بعضهم أحرم من جحفة و بعث من ذى الحليفة عينا له من خزاعة يقال له بشر بن سفين بن عمرو بن عويمر الخزاعى يخبره عن قريش و قدّم ناجية الاسلمى مع الهدى و سار هو من خلفه و جعل عباد بن بشر فى عشرين راكبا من المهاجرين و الانصار طليعة و كانوا ألفا و أربعمائة أو أكثر كذا فى البخاري عن البراء و عن مروان و المسور بن مخرمة بضع عشرة مائة* و فى معالم التنزيل الناس سبعمائة رجل و كانت كل بدنة عن عشرة نفر و كانت معه من أمّهات المؤمنين أمّ سلمة و لما بلغ المشركين خبر مسيره الى مكة تشاور وافى ذلك فاستقرّ رأيهم على انهم يصدّوه عن البيت و استعانوا من قبائل العرب و جماعة الاحابيش فأجابوهم و استعدّوا و خرجوا من مكة و عسكروا بموضع يقال له بلدح و جعلوا خالد بن الوليد و عكرمة بن أبى جهل فى مائتى رجل طليعة و سار (صلى اللّه عليه و سلم) حتى اذا كان بغدير الاشطاط على وزن الاشتات تلقاء الحديبية على ثلاثة أميال من عسفان مما يلى مكة أتاه عنه الخزاعى الذي بعثه من ذى الحليفة الى أهل مكة بخبر قريش* و فى الاكتفاء حتى اذا كان بعسفان لقيه عينه بشر بن سفين الكعبى فقال يا رسول اللّه هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل و قد لبسوا جلود النمور و قد نزلوا بذى طوى يعاهدون اللّه لا تدخلها عليهم أبدا و هذا خالد بن الوليد فى خيلهم قد قدّموها الى كراع الغميم* و فى رواية قال انّ قريشا جمعوا لك جموعا و قد جمعوا لك الاحابيش و هم مقاتلوك و صادّوك عن البيت فقال‏

17

النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أشيروا علىّ أيها الناس أ ترون أن أميل على ذرارى هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم فان قعدوا قعدوا موتورين و ان نجوا يكونوا عتقاء عتقها اللّه أو ترون البيت فمن صدّنا عنه قاتلناه فقال أبو بكر يا رسول اللّه خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتال أحد و لا حربا فتوجه له فمن صدّنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم اللّه فنفذوا حتى اذا كانوا ببعض الطريق قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) انّ خالد بن الوليد بالغميم فى خيل لقريش طليعة لهم فخذوا ذات اليمين* و فى الاكتفاء بعد ما أخبره عينه بتهيؤ قريش للصدّ عن البيت قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب ما ذا عليهم لو خلوا بينى و بين سائر العرب فان هم أصابونى كان الذي أرادوا و ان أظهرنى اللّه عليهم دخلوا فى الاسلام وافرين و ان لم يفعلوا قاتلوا و بهم قوّة فما تظنّ قريش فو اللّه لا أزال أجاهد على الّذي بعثنى اللّه به حتى يظهره اللّه أو تنفرد هذه السالفة ثم قال من رجل يخرج بنا على غير طريقهم فقال رجل من أسلم أنا فسلك بهم طريقا و عرا أجزل بين شعاب فلما خرجوا منه و قد شق عليهم و أفضوا الى أرض سهلة عند منقطع الوادى قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قولوا نستغفر اللّه و نتوب إليه فقالوا ذلك فقال و اللّه انها للحطة التي عرضت على بنى اسرائيل فلم يقولوها فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اسلكوا ذات اليمين بين ظهرى الحمض فى طريق مخرجة على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين الى قريش و خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى اذا سلك فى ثنية المرار بركت ناقته قالت الناس خلأت القصوى الى آخر الحديث* و فى نهاية ابن الاثير الخلأ للنوق كالالحاح للجمال و الحران للدواب يقال خلأت الناقة و ألحّ الجمل و حرن الفرس* و فى خلاصة الوفاء الغميم بالفتح موضع بين رابغ و الجحفة قاله المجد و قال ابن شهاب الغميم بين عسفان و ضجنان و قال عياض هو واد بعد عسفان بثمانية أميال* و فى القاموس الغميم كأمير واد بين الحرمين على مرحلتين من مكة و قيل الغميم حيث حبس العباس أبا سفيان بن حرب أيام الفتح دون الاراك الى مكة و هذا يقتضى أن يكون الغميم دون مر الظهران الى مكة لان الجيوش مرّت على أبى سفيان بعد توجهها من مر الظهران الى مكة فيكون الغميم بين مر الظهران و مكة كذا فى شفاء الغرام و من كراع الغميم الى بطن مر خمسة عشر ميلا و مر الظهران هو الذي تسميه أهل مكة الوادى و يقال له وادى مر أيضا نقل الحازمى عن الكندى ان مرا اسم لقرية و الظهران اسم للوادى و بين مرو مكة ستة و عشرون ميلا على ما قاله البكرى و قيل ثمانية عشر ميلا و قيل أحد و عشرون كذا فى شفاء الغرام و دون مر بثلاثة أميال مسلك خشن و طريق رتب بين جبلين و هو الموضع الذي أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عمه عباسا أن يحبس هناك أبا سفيان حتى يرى جيوش المسلمين و من مر الظهران الى سرف سبعة أميال و من سرف الى مكة ستة أميال و بين مكة و سرف التنعيم و منه يحرم من أراد العمرة و هو الموضع الذي أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عبد الرحمن بن أبى بكر أن يعمر منه عائشة و دونه الى مكة مسجد عائشة بينه و بين التنعيم ميلان* و فى شفاء الغرام التنعيم من جهة المدينة النبوية امام أدنى الحل على ما ذكره المحب الطبرى و ليس بطرف الحل و من فسره بذلك تجوّز و أطلق اسم الشي‏ء على ما قرب منه و أدنى الحل انما هو من جهته ليس موضع فى الحل أقرب الى الحرم منه و هو على ثلاثة أميال من مكة و التنعيم امامه قليلا فى صوب طريق مر الظهران و قال صاحب المطالع التنعيم من الحل بين مكة و سرف على فرسخين من مكة و قيل على أربعة اميال و سميت بذلك لان جبلا عن يمينها يقال له نعيم و آخر عن شمالها يقال له ناعم و الوادى نعمان و بين أدنى الحل و مكة ذو طوى و هذا وقع فى البين لفوائد فلنرجع الى ما كنا فيه قال فو

اللّه‏

18

ما شعر بهم خالد حتى اذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذير القريش و سار النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) حتى اذا كان بثنية ارمياء الثنية التي يهبط عليها منها بركت راحلته فقال الناس حل حل فالحت فقالوا خلأت القصوى فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ما خلأت القصوى و ما ذاك لها بخلق و لكن حبسها حابس الفيل ثم قال و الذي نفسى بيده لا تدعونى قريش اليوم الى حطة يعظمون فيها حرمات اللّه و فيها صلة الرحم الا أعطيتهم ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضا فلم يلبث حتى نزحوه و شكوا الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سل العطش فانتزع سهما من كنانته و أعطاه رجلا من أصحابه يقال له ناجية بن عمير و هو سائق بدن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فنزل فى البئر فغرزه فى جوفه فو اللّه ما زال يجيش لهم بالرواء حتى صدروا عنه* و فى المشكاة فبلغ النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا باناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض و دعا ثم صبه فيها ثم قال دعوها ساعة فأرووا أنفسهم و ركائبهم حتى ارتحلوا رواه البخاري* و عن البراء بن عازب عن جابر قال عطش الناس يوم الحديبية و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بين يديه ركوة يتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه قالوا ليس عندنا ما نتوضأ به و نشرب الا ما فى ركوتك فوضع النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) يده فى الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون قال فشربنا و توضأنا* قيل لجابركم كنتم قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة متفق عليه* قال فبينما هم كذلك اذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعى فى نفر من قومه و كانت خزاعة مسلمهم و كافرهم عيبة نصح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من أهل تهامة فقال انى تركت كعب بن لؤيّ و عامر بن لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل و هم مقاتلوك و صادّوك عن البيت* العوذ جمع عائذ و هى كل أنثى لها سبع ليال منذ وضعت و قيل النساء مع الاولاد و قيل النوق مع فصلانها و هذا هو الاصل و هى كالنفساء من النساء و المطافيل ذوات الاطفال الصغار جمع مطفيل و هى الناقة التي معها ولدها ذكرهما فى المنتقى* فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) انا لم نجئ لقتال أحد و لكنا جئنا معتمرين و انّ قريشا قد نهكتهم الحرب و أضرّت بهم فان شاءوا ماددتهم مدّة و يخلوا بينى و بين الناس و ان شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا و الا فقد حموا و ان هم أبوا فو الذي نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى و هى أعلى العنق أو لينفذنّ اللّه أمره فقال بديل سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا فقال انا قد جئناكم من عند هذا الرجل و سمعناه يقول قولا فان شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشي‏ء و قال ذو الرأى منهم هات ما سمعته قال سمعته يقول كذا و كذا فحدّثهم بما قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقام عروة بن مسعود الثقفى فقال أى قوم أ لستم بالولد قالوا بلى قال أ لست بالوالد قالوا بلى قال فهل تتهمونى قالوا لا قال أ لستم تعلمون أنى استنفرت أهل عكاظ فلما بلجوا علىّ جئتكم بأهلى و ولدى و من أطاعنى قالوا بلى قال فانّ هذا الرجل قد عرض عليكم حطة رشد فاقبلوها و دعونى آته قالوا ائته فأتاه فجعل يكلم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك يا محمد ان استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك و ان تكن الأخرى فانى و اللّه لا أرى وجوها و انى لارى أشوابا من الناس خليقا أن يفرّوا و يدعوك فقال له أبو بكر امصص بظر اللات أ نحن نفرّ عنه و ندعه فقال من ذا قالوا أبو بكر قال أما و الذي نفسى بيده لو لا يد كانت لك عندى لم أجزك بها لا جبتك و كان عروة فى الجاهلية تحمل دينا فأعانه أبو بكر فيه اعانة جميلة* و فى رواية أعطاه عشرة ابل شواب و جعل عروة يكلم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فكلما كلمه أخذ بلحيته و المغيرة بن شعبة قائم على رأس‏

النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و معه السيف و عليه المغفر فكلما

19

أهوى عروة بيده الى لحية النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ضرب يده بنصل السيف و يقول اكفف يدك عن لحية رسول اللّه فرفع عروة رأسه فقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال أى غدر أ لست أسعى فى غدرتك* و فى رواية لما أكثر المغيرة ضرب يد عروة بنصل السيف غضب عروة و قال يا محمد من هذا الذي يؤذينى من بين أصحابك و اللّه ما أظنّ فيكم ألأم منه و لا أسوأ منه فتبسم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و قال يا عروة هذا ابن أخيك المغيرة ابن شعبة فأقبل عروة على المغيرة و قال أى غدر أ لست أسعى فى غدرتك و كان المغيرة صحب فى الجاهلية ثلاثة عشر رجلا من بنى مالك من قبيلة ثقيف و كانوا خرجوا الى مصر و قصدوا المقوقس و لما بلغوا الى مصر و لا قوة أمر لكل واحد منهم بالجائزة و لم يعط المغيرة شيئا فحسد عليهم و بعد ما رجعوا من مصر نزلوا منزلا و شربوا خمرا فلما سكروا و ناموا وثب عليهم المغيرة و قتل هؤلاء الثلاثة عشر كلهم و أخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أمّا الاسلام فأقبل و أمّا المال فلست منه فى شي‏ء فلما أخبر بنو مالك اختصموا مع رهط المغيرة و شرعوا فى محاربتهم فسعى عروة بن مسعود الثقفى فى اطفاء نائرة الحرب و قبل لبنى مالك ثلاث عشرة دية فصالحوا على ذلك* فقول عروة للمغيرة أى غدر أ لست أسعى فى غدرتك كان اشارة الى تلك القصة ثم انّ عروة جعل يرمق أصحاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بعينيه فلما رجع الى قريش قال أى قوم لقد وفدت على الملوك و وفدت على قيصر و كسرى و النجاشى و اللّه ان رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه مثلما يعظم أصحاب محمد محمدا و اللّه أعلم ما تنخم نخامة الا وقعت فى كف رجل منهم فدلك بها وجهه و جلده اذا أمر ابتدروا أمره و اذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه و اذا تكلم أو تكلموا خفضوا أصواتهم عنده و ما يحدون إليه النظر تعظيما له* و فى رواية و اذا سقطت شعرة من رأسه أو لحيته أخذوها تبركا و حفظوها احتراما و انه قد عرض عليكم حطة رشد فاقبلوها فقال رجل من بنى كنانة دعونى آته فقالوا ائته فلما أشرف على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هذا فلان و هو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعث له و استقبله الناس يلبون فلما رأى ذلك قال سبحان اللّه ما ينبغى لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت ثم بعثوا إليه الحليس* و فى رواية رقت و فاضت عيناه و قال هلكت قريش و رب الكعبة ما جاء هؤلاء الا للعمرة فلما رجع الى أصحابه قال رأيت بدنا قد قلدت و أشعرت فما أرى أن يصدّوا عن البيت ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة كذا فى معالم التنزيل* و فى روضة الاحباب قعد الرجل الكنانى و الحليس واحدا فقال رجل من بنى كنانة يقال له الجليس* و فى رواية العلقمة الى آخره و كان الحليس يومئذ سيد الاحابيش فلما رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال ان هذا من قوم يتألهون فابعثوا بالهدى فى وجهه حتى يراه فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادى فى قلائد قد أكل أوباره من طول الحبس رجع الى قريش و لم يصل الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اعظاما لما رأى فقال يا معشر قريش انى رأيت ما لا يحل صدّه الهدى فى قلائد قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله فقالوا له اجلس فانما أنت رجل أعرابى لا علم لك فغضب الحليس عند ذلك و قال يا معشر قريش و اللّه ما على هذا حالفناكم و لا على هذا عاقدناكم أن تصدّوا عن البيت الحرام من جاءه معظما له و الذي نفس الحليس بيده لتخلنّ بين محمد و بين ما جاء له أو لانفرنّ بالاحابيش نفرة رجل واحد فقالوا له مه كف عنا يا حليس حتى نأخذ لا نفسنا ما نرضى به* و فى الاكتفاء دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جواس ابن أمية الخزاعى فحمله على بعير له و بعثه الى قريش ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا الجمل و أرادوا قتله فنعته الاحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و بعثت قريش أربعين رجلا أو خمسين و أمروهم أن يطوفوا بعسكر

20

رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا أخذ فأتى بهم الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فخلى سبيلهم*

(ذكر بيعة الرضوان)

* و لما رجع الجواس دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عمر بن الخطاب ليبعثه الى مكة فقال انى أخاف قريشا على نفسى و ليس بمكة من بنى عدى ابن كعب أحد يمنعنى و قد عرفت قريش عداوتى اياها و غلظتى عليها و لكن أدلك على رجل هو أعز بها منى عثمان بن عفان فدعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عثمان و بعثه الى أبى سفيان و أشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب و انما جاء زائرا للبيت معظما لحرمته فخرج عثمان الى مكة فلقيه أبان ابن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله أبان بين يديه ثم أجاره حتى يبلغ رسالة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال له فيما ذكر غير ابن اسحاق أقبل و أدبر و لا تخف أحدا بنو سعيدهم أعزة الحرم و انطلق عثمان حتى دخل مكة و أتى أبا سفيان و عظماء قريش و أشرافهم و بلغهم رسالة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فعاقدوه و لما فرغ و أراد أن يرجع قالوا ان شئت أن تطوف بالبيت فطف قال ما كنت لا فعل حتى يطوف به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فغضبت قريش و حبسته عندها و لما أبطأ عثمان قال المسلمون طوبى لعثمان دخل مكة و سيطوف وحده فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ما كان ليطوف وحده و لما احتبس عثمان طارت الاراجيف بأنّ عثمان قد قتل أى بأنّ قريشا قتلوه بمكة قيل انّ الشيطان دخل جيش المسلمين و نادى بأعلى صوته ألا انّ أهل مكة قتلوا عثمان فحزن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و المسلمون من سماع هذا الخبر حزنا شديدا فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) حين بلغه ذلك لا نبرح حتى نناجز القوم و دعا النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الناس الى البيعة فبايعهم على أن يقاتلوا قريشا و لا يفرّوا عنهم* و كان (صلى اللّه عليه و سلم) جالسا تحت سمرة أو سدرة و كان عدد المبايعين ألفا و ثلاثمائة قاله عبد اللّه بن أبى اوفى أو ألفا و أربعمائة على ما قاله معقل بن يسار قال لقد رأيتنى يوم الشجرة و النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) يبايع الناس و أنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه و نحن أربع عشرة مائة أو ألفا و خمسمائة على ما قاله جابر و سميت هذه البيعة بيعة الرضوان لان اللّه تعالى ذكر فى سورة الفتح المؤمنين الذين صدرت عنهم هذه البيعة بقوله لقد رضى اللّه عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة فسميت بهذه الآية كذا فى المدارك قال سعيد بن المسيب حدّثنى أبى أنه كان فيمن بايع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تحت الشجرة قال فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نفد عليها* روى أنّ عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه مرّ بذلك المكان بعد ذهاب الشجرة فقال أين كانت فجعل بعضهم يقول هاهنا و بعضهم يقول هنا فلما كثر اختلافهم قال سيروا قد ذهبت الشجرة قال أبو بكر بن الاشجع و سلمة بن الاكوع بايعوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على الموت فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بل على ما استطعتم و قال جابر ابن عبد اللّه و معقل بن يسار ما بايعناه على الموت و لكن بايعناه على أن لا نفرّ و قال أبو عيسى معنى الحديثين صحيح فبايعه جماعة على الموت أى لا نزال نقاتل بين يديك ما لم نقتل و بايعه آخرون و قالوا لا نفرّ كذا فى معالم التنزيل و كان أول من بايعه بيعة الرضوان رجل من بنى أسد يقال له أبو سنان بن وهب و لم يتخلف عنه أحد من المسلمين ممن حضرها الا الجدّ بن قبس الانصارىّ أخو بنى سلمة اختفى تحت ابط بعيره قال جابر و كأنى أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته مستترا بها عن الناس و عن أنس قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) انّ عثمان فى حاجة اللّه و حاجة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده اليسرى فقال هذه لعثمان و كانت يد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لعثمان خيرا من أيديهم لانفسهم فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنتم اليوم خير أهل الارض و عن جابر بن عبد اللّه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة

21

ثم أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الخبر بانّ ما ذكر من أمر عثمان باطل ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو و قالوا ائت محمدا فصالحه و لا يكون فى صلحه الا أن يرجع عنا عامه هذا فو اللّه لا تحدّث العرب أنه دخل علينا عنوة أبدا* و روى أنه بعد ما رجع الحليس قام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال دعونى آته فقالوا ائته فلما أشرف عليهم قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) هذا مكرز و هو رجل فاجر فجعل يكلم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)* و فى رواية قال و هو رجل غادر فلا تقولوا له شيئا فجعل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بكلمة فبينما هو يكلمه اذ جاء سهيل بن عمرو فلما رآه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) مقبلا قال قد سهل لكم من أموركم و قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل فلما انتهى إليه سهيل قال يا محمد انّ قريشا يصالحونك على ان تعتمر من العام المقبل* و فى الاكتفاء تكلم سهيل فأطال الكلام و تراجعا ثم جرى بينهما الصلح* و فى المدارك بعثت قريش سهيل بن عمرو و حويطب بن عبد العزى و مكرز بن حفص على أن يعرضوا على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلى له قريش مكة من العام المقبل ثلاثة أيام فقبل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقال سهيل هات اكتب بيننا و بينكم كتاب صلح فدعا النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الكاتب فقال له اكتب* بسم اللّه الرحمن الرحيم قال سهيل و أصحابه أمّا الرحمن فو اللّه ما ندرى أو ما نعرف ما هو و لكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون لا نكتب الا بسم اللّه الرحمن الرحيم فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) اكتب باسمك اللهم فكتبها ثم قال اكتب هذا ما قضى أو صالح عليه محمد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سهيل بن عمرو فقالوا و اللّه لو كنا نعلم أنك رسول اللّه ما صددناك عن البيت و لا قاتلناك و لكن اكتب اسمك و اسم أبيك محمد ابن عبد اللّه فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) انى لرسول اللّه و ان كذبتمونى اكتب محمد بن عبد اللّه* و فى رواية كان الكاتب على بن أبى طالب و كان قد كتب محمد رسول اللّه فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لعلى امح رسول اللّه و اكتب مكانه محمد بن عبد اللّه فقال على لا و اللّه لا أمحوك أبدا فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فأرنيه فأراه اياه فأخذ الكتاب بيده الكريمة (صلى اللّه عليه و سلم) و شرف و كرم و محا رسول اللّه و لم يكن يحسن الكتابة فكتب مكانه ابن عبد اللّه و كانت هذه معجزة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حيث كتب بيده و لم يكن يحسن الخط* و فى شواهد النبوّة و غيرها أنه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد ما كتب فى كتاب الصلح محمد بن عبد اللّه أقبل بوجهه على علىّ فقال يا على سيكون لك يوم مثل هذه الواقعة و هذا الكلام كان اشارة الى أنه لما وقعت المصالحة بين علىّ و معاوية بعد حرب صفين و كتب الكاتب فى كتاب الصلح هذا ما صالح أمير المؤمنين علىّ قال معاوية لا تكتب أمير المؤمنين لو كنت أعلم انه أمير المؤمنين ما قاتلته و لكن اكتب على بن أبى طالب فلما سمع ذلك علىّ تذكر قول النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) له يوم الحديبية فقال صدق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اكتب على بن أبى طالب ثم قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لسهيل على أن تخلوا بيننا و بين البيت لنطوف به قال سهيل و اللّه لا تتحدّث العرب أنا أخذنا ضغطة و اضطرارا و لكن ذلك من العام المقبل فكل شرط شرطه سهيل يوم الحديبية قبله النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و كتبه علىّ و كتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه سهيل بن عمرو و اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس و يكف بعضهم عن بعض و على انه من أتى محمدا من قريش بغير اذن وليه ردّه عليه و ان كان مسلما و ان جاء قريشا ممن مع محمد لم يردّوه عليه و انّ بيننا عيبة مكفوفة و انه لا اسلال و لا اغلال و انه من أحب أن يدخل فى عقد قريش و

عهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا نحن فى عقد محمد و عهده و تواثبت بنو بكر فقالوا نحن فى عقد قريش و عهدهم و انك ترجع عنا عامك هذا فلا

22

تدخل علينا مكة و انه اذا كان عام قابل خرجنا عنها فدخلتها أنت و أصحابك فأقمت فيها ثلاثا مع سلاح الراكب السيوف فى القرب لا تدخلها بغيرها* و فى رواية و لا تدخلها الا بجلباب السلاح السيف و القوس و نحو ذلك كذا فى المنتقى* و فى رواية لما بلغ هذا الشرط ان من أتى محمدا من قريش ردّه عليهم و ان كان مسلما و من جاء قريشا ممن مع محمد لم يردّوه عليه تعجب المسلمون من هذا الشرط فقالوا سبحان اللّه كيف نردّ من أتانا مسلما و قالوا يا رسول اللّه أ نكتب هذا قال نعم انه من ذهب منا إليهم فأبعده اللّه و من جاءنا منهم سيجعل اللّه له فرجا و مخرجا* و فى رواية قال عمر عند ذلك أ ترضى بهذا الشرط يا رسول اللّه فتبسم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و قال من جاءنا منهم فرددناه إليهم سيجعل اللّه له فرجا و مخرجا و من أعرض عنا و ذهب إليهم لسنا منه فى شي‏ء أو ليس منا بل هو أولى بهم فبينما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يكتب الكتاب هو و سهيل بن عمرو اذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف فى قيده و قد انفلت الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل يا محمد هذا أوّل ما أقاضيك عليه ان تردّه الىّ فقال انا لم نقض الكتاب بعد قال فو اللّه ما أصالحك على شي‏ء أبدا قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فأجره لى قال ما أنا بمجيره لك قال بلى فافعل قال ما أنا بفاعل قال مكرز بلى قد أجرناه لك قال لا تعذبه و كان قد عذب فى اللّه عذابا شديدا فضمن له ذلك مكرز بن حفص فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه و ضرب وجهه و أخذ بتلبيبه و جرّه ليردّه الى قريش فجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته و يقول يا معشر المسلمين أردّ الى المشركين يفتنونى فى دينى فزاد الناس ذلك الى ما بهم* و فى رواية قام سهيل الى سمرة و جز منها غصنا و ضرب به وجه أبى جندل ضربا رق عليه المسلمون و بكوا فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يا أبا جندل اصبر و احتسب فانّ اللّه جاعل لك و لمن معك من المسلمين فرجا و مخرجا اننا قد عقدنا بيننا و بين القوم عقدا و اصطلحنا و أعطيناهم على ذلك و أعطونا عهد اللّه و انا لا نغدر بهم فوثب عمر بن الخطاب يمشى الى جنب أبى جندل و يقول اصبر يا أبا جندل فانما هم المشركون و انما دم أحدهم كدم كلب و يدنى عمر و هو قائم السيف منه يقول رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضنّ الرجل بأبيه* و فى رواية قال أبو جندل يا عمر ما أنت بأحرى بطاعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) منى* و قد كان أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خرجوا و هم لا يشكون فى الفتح لرؤيا رآها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فلما رأوا ما رأوا من الصلح و الرجوع من غير فتح و ما تحمل عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون* و روى عن عمر أنه قال و اللّه ما شككت منذ أسلمت الا يومئذ فأتيت النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقلت أ لست نبىّ اللّه حقا قال بلى قلت ألسنا على الحق و عدوّنا على الباطل قال بلى قلت أ ليس قتلانا فى الجنة و قتلاهم فى النار قال بلى قلت فلم نعطى الدنية فى ديننا قال انى رسول اللّه و لست أعصيه و هو ناصرى قلت أو لست كنت تحدّثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به قال بلى أ فأخبرتك انا نأتيه العام قلت لا قال فانك آتيه و مطوّف به قال فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أ ليس هذا نبىّ اللّه حقا قال بلى قلت فلم نعطى الدنية فى ديننا قال أيها الرجل انه رسول اللّه و لن يعصيه فاستمسك بغرزه فو اللّه انه لعلى الحق المبين فكان عمر رضى اللّه عنه يقول ما زلت أتصدّق و أصوم و أصلى و أعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامى الذي تكلمت به حين رجوت أن يكون خيرا كذا فى الاكتفاء* و فى غيره قال عمر جعلت كثيرا من الاعمال الصالحة من الصوم و الصلاة و الصدقة و

الاعتاق كفارة لتلك الجراءة التي صدرت منى يومئذ و ما فى الاكتفاء مغاير لما ذكرنا حيث قال فلما التأم الامر و لم يبق الا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال يا أبا بكر أ ليس هذا برسول اللّه قال بلى قال‏

23

أو لسنا بالمسلمين قال بلى قال أو ليس هؤلاء بالمشركين قال بلى قال فلم نعطى الدنية فى ديننا قال أبو بكر يا عمر الزم غرزه فانى أشهد انه رسول اللّه قال عمر و أنا أشهد انه رسول اللّه ثم أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال يا رسول اللّه أ لست برسول اللّه قال بلى قال أو لسنا بالمسلمين قال بلى قال أو ليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطى الدنية فى ديننا قال أنا عبد اللّه و رسوله لن أخالف أمره و لن يضيعنى فلما فرغ من الكتاب أشهد رجالا من المسلمين و رجالا من المشركين* و هم أبو بكر و عمر بن الخطاب و علىّ بن أبى طالب و هو كاتب الصحيفة و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبى وقاص و أبو عبيدة بن الجراح و محمد بن مسلمة و عبد اللّه بن سهيل بن عمرو و حويطب بن عبد العزى و مكرز بن حفص* و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مضطربا فى الحل و كان يصلى فى الحرم فلما فرغ من الصلح قال لاصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا فو اللّه ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرّات فلما لم يقم أحد منهم قام فدخل على أمّ سلمة فذكر لها ما لقى من الناس فقالت أم سلمة يا رسول اللّه أ تحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك و تدعو حالقك فيحلق لك فخرج و لم يكلم أحدا حتى نحر بدنه و دعا حالقه فحلق له قيل كان حالقه فى ذلك اليوم الجواس بن أمية بن فضل الخزاعى فلما رأوا ذلك قاموا و نحروا و جعل بعضهم يحلق لبعض حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما* و فى حياة الحيوان و كان الهدى مع النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فى الحديبية و نحر مائة بدنة قال ابن عمرو ابن عباس حلق رجال يوم الحديبية و قصر آخرون فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اللهم اغفر للمحلقين* و فى معالم التنزيل قال يرحم اللّه المجلقين قالوا و المقصرين يا رسول اللّه قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا و المقصرين يا رسول اللّه قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا و المقصرين و فى الثالثة أو الرابعة قال و المقصرين قالوا يا رسول اللّه لم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين قال لانهم لم يشكوا قال ابن عمر و ذلك انه تربص قوم و قالوا لعلنا نطوف بالبيت* قال ابن عباس اهدى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عام الحديبية فى هداياه جملا لابي جهل فى رأسه برة فضة قد كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) غنمه يوم بدر ليغيظ المشركين بذلك* روى أن جمل أبى جهل ندّ من بين الهدايا و ذهب الى مكة و دخل داره فتعاقبه جمال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأراد سفهاء قريش أن لا يردّوه فمنعهم سهيل بن عمرو و هو المؤسس لبنيان الصلح و قال لهم ان تريدوه فاعرضوا على محمد مائة من الابل فان قبلها فأمسكوا هذا الجمل و الا فلا تتعرّضوا له فقبلوا قول سهيل فعرضوا على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) مائة من الابل فأبى و قال لو لم يكن هذا الجمل للهدى لقبلت المائة و أعطيت هذا الواحد أو كما قال فنحره أيضا و قسم لحوم الهدايا على الفقراء الذين حضروا الحديبية* و فى رواية بعث النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الى مكة عشرين بدنة مع ناجية حتى نحروها بمروة و قسموا لحومها على فقراء مكة* روى انه لما تم النحر و الحلق بعث اللّه ريحا شديدة حتى حملت شعرات المسلمين الى أرض الحرم و نشرتها هناك و فى بعض كتب السيران رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما حلق رأسه ألقى شعره على سمرة بقربه فأجهد بعض الصحابة نفسه جهدا بليغا حتى أصاب شعرات منه و كانت عنده يغسلها للمرضى و يسقيهم للشفاء* و فى رواية انه (صلى اللّه عليه و سلم) كان بالحديبية اذ جاءته جماعة من النساء المؤمنات مهاجرات من مكة منهنّ أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط و سبيعة ابنة الحارث الاسلمية فأقبل زوجها و هو مسافر المخزومى طالبا لها و أراد مشركو مكة أن يردّوهنّ الى مكة فنزل جبريل بهذه الآية يا أيها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهنّ الى آخره فاستحلف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سبيعة فحلفت فأعطى زوجها مسافرا ما أنفق فتزوّجها عمر* و فى الاكتفاء و هاجرت الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى مدة

الصلح‏

24

أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط فخرج أخواها عمارة و الوليدا بنا عقبة حتى قدما على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يسألانه ان يردّها عليهما بالعهد الذي بينه و بين قريش بالحديبية فلم يفعل و قال أبى اللّه ذلك و أنزل فيه على رسوله* يا أيها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهنّ الآية فكأنّ الآية بيان انّ ذلك الرد فى الرجال لا فى النساء لانّ المسلمة لا تحلّ للكافر فلما تعذر ردّهنّ لورود النهى عنه لزم ردّ مهورهنّ فأمر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أن لا ترجع المؤمنات الى الكفار لشرف الاسلام و أن لا تكون كافرة فى نكاح مسلم لقوله تعالى و لا تمسكوا بعصم الكوافر* العصم جمع عصمة و هى ما يعتصم به من عقد و نسب و الكوافر جمع كافرة و هى التي بقيت فى دار الحرب أو لحقت بها مرتدة و المراد نهى المؤمنين عن البقاء على نكاح المشركات فطلق الاصحاب كل امرأة كافرة فى نكاحهم و طلق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين له مشركتين بمكة فتزوّج احداهما معاوية بن أبى سفيان و الأخرى صفوان بن أمية و عن ابن عباس يعنى من كانت له امرأة بمكة فلا يعدّها من نسائه لان اختلاف الدارين قطع عصمتها منه* قال أهل السير أقام النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بالحديبية قريبا من عشرين يوما ثم رجع الى المدينة* روى انه (صلى اللّه عليه و سلم) لما رجع من الحديبية و كان بضجنان كسكران جبل بقرب مكة نزلت عليه ليلة سورة انا فتحنا لك فتحا مبينا و المراد من الفتح المبين عند بعض المفسرين فتح الحديبية و سمى فتحا لانه كان مقدمة لفتوح كثيرة كما ورد فى كتب التفاسير و السير من أن الذين أسلموا فى سنتى الصلح يعدلون الذين أسلموا قبلهما و بعض المفسرين على ان المراد بالفتح المبين فتح مكة أو فتح خيبر الذي وعده اللّه لرسوله و انما أدّى بصيغة الماضى لان اخبار اللّه فى التحقق بمنزلة الكائن الموجود و اللّه أعلم* روى أن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لما قدم المدينة من الحديبية جاءه أبو بصير عتبة بن أسد بن حارثة رجل من قريش و هو مسلم و كان ممن حبس بمكة فكتب أزهر بن عبد بن عوف و الاخنس بن شريق الثقفى الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كتابا و بعثا فى طلبه رجلا من بنى عامر بن لؤيّ و معه مولى لهم فقدما على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة بالكتاب و قالا العهد الذي جعلت لنا فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يا أبا بصير انا أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت و لا يصح فى ديننا الغدر و ان اللّه جاعل لك و لمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا ثم دفعه الى الرجلين فخرجا به و انطلق معهما حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا هناك فدخل أبو بصير المسجد و ركع ركعتين ثم جلسوا يتغدّون و يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لاحد الرجلين و اللّه انى لارى سيفك هذا يا اخا بنى عامر صار ما جيدا فاستله الآخر فقال أجل انه و اللّه لجيد لقد جربت به ثم جربت فقال أبو بصير أرنى أنظر إليه فأمكنه منه فضربه به حتى برد* و فى رواية استله أبو بصير فضربه به حتى برد و ذكر ابن عقبة ان الرجل هو الذي سل سيفه ثم هزه و قال لا ضربن بسيفى هذا فى الاوس و الخزرج يوما الى الليل فقال له أبو بصير فصارم سيفك هذا فقال نعم فقال ناولنيه لا نظر إليه فناوله اياه فلما قبض عليه ضربه به حتى برد و يقال بل تناول أبو بصير سيف الرجل بفيه فقطع أساره ثم ضربه به حتى برد و طلب الآخر فخرج مرعوبا حتى دخل المسجد* و فى رواية و فرّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعد و حتى لتطن الحصباء من شدّة سعيه فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لقد لقى هذا ذعرا فلما انتهى الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال له ويلك مالك قال قتل صاحبكم صاحبى و انى لمقتول* و فى الاكتفاء قال و يحك مالك قال قد قتل صاحبكم صاحبى قال فو اللّه ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف حتى وقف على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال يا نبى اللّه قد و اللّه أوفى اللّه ذمتك قد رددتنى إليهم ثم أنجانى اللّه منهم فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ويل أمه مسعر حرب لو

كان معه أحد* و فى الاكتفاء

25

محش حرب لو كان معه رجال و فى هذا الكلام ايماء لابي بصير الى الفرار و رمز للمؤمنين الذين كانوا بمكة أن يلحقوا به فلما سمع ذلك أبو بصير عرف أنه سيردّه الى قريش فخرج حتى نزل سيف البحر موضعا يقال له العيص من ناحية المروة على ساحل البحر بطريق قريش الذي كانوا يأخذونه الى الشام و بلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال فخرجوا الى أبى بصير بالعيص فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم و ذكر موسى ابن عقبة ان أبا جندل بن سهيل بن عمرو الذي ردّ الى قريش بالحديبية مكرها يوم الصلح و القضية هو الذي انفلت فى سبعين راكبا أسلموا و هاجروا فلحقوا بأبى بصير و نزلوا مع أبى بصير فى منزل كريه الى قريش فقطعوا مادتهم من طريق الشام و كان أبو بصير على ما زعموا و هو فى مكانه ذلك يصلى بأصحابه فلما قدم عليهم أبو جندل كان هو يؤمّهم و اجتمع الى أبى جندل أناس من غفار و أسلم و جهينة و طوائف من العرب حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل و هم مسلمون فأقاموا مع أبى جندل و أبى بصير لا تمرّ بهم عير لقريش الا أخذوها و قتلوا أصحابها و قال فى ذلك أبو جندل فيما ذكره غير ابن عقبة شعرا

أبلغ قريشا عن أبى جندل‏* * * أنا بذى المروة بالساحل‏

فى معشر تخفق أيمانهم‏* * * بالبيض فيها و القنا الذابل‏

يأبون أن تبقى لهم رفقة* * * من بعد اسلامهم الواصل‏

أو يجعل اللّه لهم مخرجا* * * و الحق لا يغلب بالباطل‏

فيسلم المرء باسلامه‏* * * أو يقتل المرء و لا يأتل‏

فأرسل قريش أبا سفيان بن حرب الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يسألونه و يتضرّعون إليه و يناشدونه باللّه و الرحم أن يرسل الى أبى بصير و أبى جندل بن سهيل و من معهم فيقدموا عليه و قالوا انا أسقطنا هذا الواحد من الشروط فمن أتاه فهو آمن* و فى الاكتفاء قالوا من خرج منا إليك فأمسكه فى غير حرج فانّ هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح اقراره فلما كان ذلك من أمرهم علم الذين كانوا أشاروا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يمنع أبا جندل من أبيه يوم الصلح و القضية أنّ طاعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خير فيما أحبوا و فيما كرهوا و انّ رأيه أفضل من رأيهم* و كتب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الى أبى جندل و أبى بصير يأمرهم أن يقدموا عليه بالمدينة و يأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا الى بلادهم و أهليهم و لا يتعرّضوا لاحد مرّ بهم من قريش و عيرانها فقدم كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على أبى جندل و أبى بصير و كان أبو بصير حينئذ مشرفا على الموت فمات و كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى يده يقتريه فدفنه أبو جندل مكانه و جعل عند قبره مسجدا و قدم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع أناس من أصحابه و رجع سائرهم الى أهليهم و أمنت عيران قريش و لم يزل أبو جندل مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و شهد ما أدرك من المشاهد بعد ذاك و شهد الفتح و رجع مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فلم يزل معه بالمدينة حتى توفى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قدم أبوه سهيل بن عمرو المدينة أوّل امارة عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه فمكث بها شهرا ثم خرج الى الشام يجاهد و خرج معه ولده أبو جندل فلم يزالا مجاهدين حتى ماتا جميعا هناك (رحمهما اللّه) و ظاهر بعض روايات البخاري يدل على أنّ قوله تعالى و هو الذي كف أيديهم عنكم و أيديكم عنهم ببطن مكة الآية نزلت فى قصة أبى بصير و اللّه أعلم*

بيان حكم الظهار

و فى هذه السنة نزل حكم الظهار و ذلك أنّ أوس ابن الصامت غضب على زوجته خولة بنت ثعلبة ذات يوم و قال لها أنت علىّ كظهر أمى و كان ذلك أوّل ظهار فى الاسلام و كان الظهار طلاقا فى الجاهلية ثم ندم على ما قال فأتت خولة النبيّ‏

26

(صلى اللّه عليه و سلم) و عائشة تغسل رأسه فقالت يا رسول اللّه انّ زوجى أوس بن الصامت تزوّجنى و أنا ذات مال و أهل فلما أكل مالى و ذهب شبابى و نفضت بطنى و تفرّق أهلى ظاهر منى فقال (صلى اللّه عليه و سلم) حرمت عليه فبكت و صاحت و قالت أشكو الى اللّه فقرى و فاقتي و وجدى و صبية صغارا ان ضممتهم إليه ضاعوا و ان ضممتهم الىّ جاعوا فقال (صلى اللّه عليه و سلم) ما أراك الا حرمت عليه فجعلت ترفع صوتها باكية و تقول اللهم انى أشكو إليك فبينما هى على تلك الحالة اذ تغير وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) للوحى فنزل جبريل (عليه السلام) بهذه الآيات* قد سمع اللّه قول التي تجادلك فى زوجها و تشتكى الى اللّه و اللّه يسمع تحاور كما الآيات* فدعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أوس بن الصامت فتلا عليه الآيات المذكورة فقالت عائشة تبارك اللّه الذي وسع سمعه كل شي‏ء انى كنت أسمع كلام خولة و يخفى علىّ بعضه و هى تحاور رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لاوس أعتق رقبة قال ما لي بهذا قدرة قال فصم شهرين متتابعين قال انى اذا لم آكل فى اليوم مرّتين كل بصرى قال فأطعم ستين مسكينا قال لا أجد الا أن تعيننى منك بعون وصلة فأعانه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بخمسة عشر صاعا و كانوا يرون أنّ عند أوس مثلها و ذلك لستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع*

وفاة أم رومان أم عائشة رضى اللّه عنها

و فى هذه السنة ماتت أمّ رومان بنت عامر بن عويمر أمّ عائشة رضى اللّه عنها كانت أسلمت قديما و كانت أوّلا تحت عبد اللّه ابن سخبرة فولدت له الطفيل و هو أخو عائشة لامها كذا فى أسد الغابة ثم مات عنها فتزوّجها أبو بكر فولدت له عبد الرحمن و عائشة فلما ماتت نزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى قبرها فلما دليت فى قبرها قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من أراد أن ينظر الى امرأة من الحور العين فلينظر الى هذه و كون وفاتها على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قول محمد بن سعد و ابراهيم الحربى و قال آخرون انها عاشت بعده دهرا طويلا كذا فى الصفوة*

تحريم الخمر

و فى هذه السنة السادسة حرمت الخمر* جزم الحافظ الدمياطى فى سيرته بأنّ تحريم الخمر كان فى سنة الحديبية و هى سنة ست من الهجرة و قال ابن اسحاق كان تحريمها فى وقعة بنى النضير و هى بعد أحد و ذلك فى سنة أربع على القول الراجح* و فى أسد الغابة فى السنة الثالثة و قيل فى الرابعة حرمت الخمر فى ربيع الاوّل و كذا فى المنتقى أورد تحريمها فى سنة أربع كما قاله ابن اسحاق و فيه نظر لان أنسا كان الساقى يوم حرمت و أنه لما سمع المنادى بتحريمها بادر فأراقها و لو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك و آية تحريم الخمر نزلت عام الفتح قبل الفتح ذكر كله القسطلانى و رجح القول بكون تحريمها فى السنة السادسة و قيل كون تحريمها فى السنة الرابعة هو المشهور كما هو قول ابن اسحاق* الخمر فى الاصل مصدر خمره اذا ستره سمى به عصير العنب اذا اشتدّ و غلا كأنه يخمر العقل كما سمى سكرا لانه يسكره أى يحجزه كذا فى المواهب اللدنية و فى القاموس الخمر ما أسكر من عصير العنب أو عام كالخمرة و العموم أصح لانها حرمت و ما بالمدينة خمر عنب و ما كان شرابهم الا البسر و التمر سميت خمرا لانها تخمر العقل و تستره* و فى الكشاف الخمر ما غلا و اشتدّ و قذف الزبد من عصير العنب و هو حرام و كذا نقيع الزبيب و التمر الذي لم يطبخ فان طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم غلا و اشتدّ و ذهب خبثه و نصيب الشيطان حلّ شربه ما دون السكر اذا لم يقصد بشر به اللهو و الطرب عند أبى حنيفة* و عن بعض أصحابه لأن أقول مرارا هو حلال أحب الىّ من ان أقول مرّة هو حرام و لئن أخرّ من السماء فأتقطع قطعا أحبّ الىّ من أن أتناول منه قطرة* و عند أكثر الفقهاء هو حرام كالخمر و كذلك كل ما أسكر من كل شراب سميت خمرا لتغطيتها العقل و التمييز كما سميت سكرا لانها تسكرهما أى تحجزهما و كأنها سميت بالمصدر من خمره خمرا اذا ستره‏

27

للمبالغة* و عن على لو وضعت قطرة أى من الخمر فى بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها و لو وقعت فى بحر ثم جف و نبت فيه الكلأ لم أرعه* و عن ابن عمر لو أدخلت اصبعى فيه لم يتبعنى و هذا هو الايمان و هم الذين اتقوا اللّه حق تقاته* و فى المواهب اللدنية قال أبو هريرة فيما رواه أحمد حرمت الخمر ثلاث مرّات* و فى المنتقى جملة الآيات النازلة فى تحريم الخمر أربع الاولى قوله تعالى و من ثمرات النخيل و الاعناب تتخذون منه سكرا و رزقا حسنا و هى نزلت بمكة و كان المسلمون يشربونها و هى يومئذ كانت حلالا* و الثانية يسألونك عن الخمر و الميسر قل فيهما اثم كبير و منافع للناس* نزلت فى عمر و حمزة و معاذ بن جبل قالوا يا رسول اللّه أفتنا فى الخمر و الميسر فانهما مذهبتان لعقولنا و مسلبتان لاموالنا فنزلت هذه الآية فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) انّ اللّه تقدم فى تحريم الخمر فتركها قوم لقوله تعالى قل فيهما اثم كبير و شربها قوم لقوله تعالى و منافع للناس الى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أتاهم بخمر فشربوا و سكروا فحضرت صلاة المغرب فقدّموا بعضهم ليصلى بهم فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون هكذا الى آخر السورة بحذف لا فأنزل اللّه تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون و هى ثالثة الآيات فحرّم الخمر فى أوقات الصلاة فترك قوم الخمر مطلقا فقالوا لا خير فى شي‏ء يحول بيننا و بين الصلاة و تركها قوم فى أوقات الصلاة و شربوها فى غير وقت الصلاة فكان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح و قد زال عنه السكر و يشرب بعد الصبح فيصحو اذا جاء وقت الظهر* و اتخذ عتبان بن مالك صنيعا و دعا رجالا من المسلمين و فيهم سعد بن أبى وقاص و كان شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه و شربوا الخمر حتى سكروا ثم انهم افتخروا عند ذلك و انتسبوا و تناشدوا الاشعار فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الانصار و فخر لقومه فأخذ رجل من الانصار لحى بعير فضرب به رأس سعد فشجه شجة موضحة فانطلق سعد الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و شكا إليه الانصارى فقال عمر اللهم بين لنار رأيك فى الخمر بيانا شافيا فأنزل اللّه تعالى تحريم الخمر فى سورة المائدة و هو قوله تعالى انما الخمر و الميسر و الانصاب و الازلام رجس من عمل الشيطان الى قوله فهل أنتم منتهون* فقال عمر انتهينا يا رب و هى رابعة الآيات النازلة فى تحريم الخمر و كذا فى الكشاف* و فى المواهب اللدنية و هى حرام مطلقا و كذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء و قال أبو حنيفة نقيع الزبيب و التمر اذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون السكر انتهى*

ذكر الحشيشة و أشباهها

و أمّا الحشيشة و تسمى القنب الهندية و الحيدرية و القلندرية فلم يتكلم فيها الأئمة الاربعة و لا غيرهم من علماء السلف لانها لم تكن فى زمنهم و انما ظهرت فى أواخر المائة السادسة أو السابعة و اختلف هل هى مسكرة فيجب فيها الحدّ أو مفسدة للعقل فيجب التعزير و الذي أجمع عليه الاطباء أنها مسكرة و به جزم الفقهاء و صرّح به الشيخ أبو اسحاق الشيرازى فى كتاب التذكرة فى الخلاف و النووى فى شرح المهذب و لا يعرف فيه خلاف عند الشافعية و نقل عن ابن تيمية أنه قال الصحيح أنها مسكرة كالشراب فان أكلتها ينتشون عنها و لذلك يتناولون بخلاف البنج فانه لا ينشى و لا يشتهى قال الزركشى و لم أر من خالف فى هذا الا القرافى فى قواعده فقال قال بعض العلماء بالنبات فى كتبهم انها مسكرة و الذي يظهر أنها مفسدة و قد تظافرت الادلة على حرمتها ففى صحيح مسلم كل مسكر حرام و قد قال اللّه تعالى و يحرّم عليهم الخبائث و أىّ خبيث أعظم مما يفسد العقول التي اتفقت الملل و الشرائع على ايجاب حفظها و لا ريب أنّ متناول الحشيشة يظهر به التغير فى انتظام الفعل و القول المستمد كماله من نور العقل* و قد روى أبو داود باسناد حسن عن ديلم الحمير قال سألت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقلت يا رسول اللّه انا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا

28

و انا نتخذ شرابا من هذا القبح نتقوّى به على أعمالنا و على برد بلادنا قال هل يسكر قلت نعم قال فاجتنبوه قلت فانّ الناس غير تاركيه قال فان لم يتركوه فقاتلهم و هذا تنبيه على العلة التي لاجلها حرم المزر فوجب أنّ كل شي‏ء عمل عمله يجب تحريمه و لا شك أنّ الحشيش يعمل ذلك و فوقه* و روى أحمد فى مسنده و أبو داود فى سننه عن أمّ سلمة قالت نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن كل مسكر و مفتر* قال العلماء المفتر كل ما يورث الفتور و الخدر فى الاطراف و هذا الحديث أدل دليل على تحريم الحشيشة و غيرها من المخدّرات فانها و ان لم تكن مسكرة كانت مفترة مخدّرة و لذا يكثر النوم من متعاطيها و تثقل رءوسهم بواسطة تبخيرها فى الدماغ* و قد نقل الاجماع على تحريمها غير واحد منهم القرافى و اختلف هل يحرم تعاطى اليسير الذي لا يسكر فقال النووى فى شرح المهذب انه لا يحرم اكل القليل الذي لا يسكر من الحشيش بخلاف الخمر حيث حرم قليلها الذي لا يسكر و الفرق أنّ الحشيش طاهر و الخمر نجس فلا يجوز شرب قليله للنجاسة و تعقبه الزركشى بأنه صح فى الحديث ما أسكر كثيره فقليله حرام قال و المتجه أنه لا يجوز تناول شي‏ء من الحشيش لا قليل و لا كثير* و أمّا قول النووى انها طاهرة و ليست نجسة فقطع به ابن دقيق العيد و حكى الاجماع قال و الافيون و هو لبن الخشخاش أقوى فعلا من الحشيش لان القليل منه يسكر جدّا و كذلك السيكران و جوز الطيب مع أنه طاهر بالاجماع انتهى*

مضار الحشيشة

و قد جمع بعضهم فى الحشيش مائة و عشرين مضرّة دينية و بدنية حتى قال بعضهم كل ما فى الخمر من المذمومات موجود فى الحشيش و زيادة فانّ أكثر ضرر الخمر فى الدين لا فى البدن و ضررها فيهما* فمن ذلك فساد العقل و عدم المروءة و كشف العورة و ترك الصلاة و الوقوع فى المحرّمات و قطع النسل و البرص و الجذام و الاسقام و الرعشة و الابنة و نتن الفم و سقوط شعر الاجفان و حفر الاسنان و تسويدها و تضييق النفس و تصفير اللون و تنقيب الكبد و تجعل الاسد كالجعل و تورث الكسل و الفشل و تجعل العزيز دليلا و الصحيح عليلا و الفصيح أبكم و الصحيح أثلم و تذهب السعادة و تنسى الشهادة فصاحبها بعيد من السنة طريد عن الجنة موعود من اللّه باللعنة الا أن يقرع من الندم سنه و يحسن باللّه ظنه و لقد أحسن القائل فيما قال‏

قل لمن يأكل الحشيشة جهلا* * * يا خسيسا قد عشت شرّ معيشه‏

دية العقل بدرة فلما ذا* * * يا سفيها قد بعتها بحشيشه‏

و لبعضهم فى القهوة

شراب مطبوخة القشر قد حرما* * * لكونه مفسدا عقل الذي طعما

أبو كثير به أفتى و كم رجل‏* * * أفتوا بتحريمه قطعا و قد جزما

فذر مقالة قوم قد غدوا سفها* * * يحللون الذي قد حرّم العلما

صفة الميسر

و أمّا الميسر فهو القمار مصدر من يسر كالموعد و المرجع من فعليهما يقال يسرته اذا قمرته و اشتقاقه من اليسر لانه أخذ مال الرجل بيسر و سهولة من غير كد و لا تعب أو من اليسار لانه سلب يساره* و عن ابن عباس كان الرجل فى الجاهلية يخاطر على أهله و ماله و صفة الميسر كانت لهم عشرة أقداح و هى الازلام و الاقلام الفذ و التوأم و الرقيب و الحلس و النافس و المسبل و المعلى و المنيح و السفج و الوغد و لبعضهم شعر

و أقداح أزلام القمار عديدة* * * فثنتان منها مسبل و سفيح‏

و فذ و حلس و المعلى و نافس‏* * * رقيب و وغد توأم و منيح‏

لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها و يجزّءونها عشرة أجزاء و قيل ثمانية و عشرين جزءا الا

29

الثلاثة فانها لا نصيب لها و هى المنيح و السفيح و الوغد* و لبعضهم‏

لى فى الدنيا سهام* ليس فيهنّ ربيح* و أساميهنّ و غد* و سفيح و منيح‏

للفذ سهم و للتوأم سهمان و للرقيب ثلاثة و للحلس أربعة و للنافس خمسة و للمسبل ستة و للمعلى سبعة يجعلونها فى الرباب و هى خريطة و يضعونها على يدى عدل ثم يجلجلها و يدخل يده فيها فيخرج باسم رجل رجل قدحا منها فمن خرج له قدح من ذوات الانصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح و من خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا و غرم ثمن الجزور كله و كانوا يدفعون تلك الانصباء الى الفقراء و لا يأكلون منها و يفتخرون بذلك و يذمون من لم يدخل فيه و يسمونه البرم* و فى حكم الميسر أنواع القمار من النرد و الشطرنج و غيرهما* و عن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) اياكم و هاتين الكعبتين المشؤمتين فانهما من ميسر العجم* و عن على رضى اللّه عنه أنّ النرد و الشطرنج من الميسر* و عن ابن سيرين كل شي‏ء فيه خطر فهو من الميسر كذا فى الكشاف* و فى هذه السنة تزوّج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمّ حبيبة و سيجي‏ء البناء بها فى الموطن السابع‏

* (الموطن السابع فى وقائع السنة السابعة من الهجرة

من اتخاذ الخاتم و ارسال الرسل الى الملوك و سحره و بعث أبان بن سعيد قبل نجد و اسلام أبى هريرة و غزوة خيبر و سمه بها و استصفاء صفية و فتح فدك و طلوع الشمس بعد غروبها و فتح وادى القرى و ليلة التعريس و البناء بأمّ حبيبة و سرية عمر بن الخطاب الى تربة و بعث أبى بكر الى بنى كلاب بناحية الضرية و بعث بشر بن سعد الى بنى مرّة بفدك و بعث غالب بن عبد اللّه الى الميفعة و سرية بشر بن سعد الى اليمن و جبار و بعث سرية قبل نجد و كتابه الى جبلة بن الايهم و قتل شيرويه أباه كسرى برويز و وصول هدية المقوقس و عمرة القضاء و تزوّج ميمونة و سرية ابن أبى العوجاء الى بنى سليم)*

* ذكر اتخاذ الخاتم‏

و فى هذه السنة اتخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الخاتم* ثبت فى صحاح الاحاديث أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لما أراد أن يكتب الى كسرى و قيصر و النجاشى و غيرهم من الملوك يدعوهم الى الاسلام قيل انهم لا يقبلون كتابا الا بخاتم أو مختوما فصاغ النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) خاتما من ذهب و اقتدى به ذو و اليسار من أصحابه فصنعوا خواتيم من ذهب فلما لبس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خاتمه لبسوا أيضا خواتيمهم فجاء جبريل (عليه السلام) من الغد و قال لبس الذهب حرام لذكور أمتك فطرح النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) خاتمه فطرح أصحابه أيضا خواتيمهم ثم اتخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خاتما حلقه و فصه من فضة و نقش فيه محمد رسول اللّه فى ثلاثة أسطر محمد سطر و رسول سطر و اللّه سطر و نهى أن ينقش عليه أحد و اقتدى به أصحابه فاتخذوا خواتيمهم من فضة*

ارسال الرسل الى الملوك‏

و فى هذه السنة كان ارسال الرسل الى الملوك* فى الوفاء و فى أوّل السنة السابعة كتب الى الملوك* و فى أسد الغابة فى سنة سبع بعث الرسل الى الملوك بغير لفظ الاوّل و قيل كان ارسال الرسل فى آخر سنة ست و جمع بعضهم بين القولين بان ارسال الرسل كان فى السنة السادسة و وصولهم الى المرسل إليهم كان فى السابعة* و فى المواهب اللدنية بعث ستة نفر فى يوم واحد فى المحرم سنة سبع و ذكر القاضى عياض فى الشفاء مما عزاه الى الواقدى انه أصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم انتهى و كان ذلك معجزة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)* و فى المنتقى خرجوا مصطحبين فى ذى الحجة الحرام* و فى شواهد النبوّة و من أواخر ذى الحجة الحرام من السنة السادسة على القول الاظهر الى أوّل المحرم من السنة السابعة بعث الرسل الى أرباب الاديان* و فى الاكتفاء ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خرج على أصحابه ذات يوم بعد عمرته التي صدّ عنها يوم الحديبية فقال يا أيها الناس ان اللّه بعثنى رحمة و كافة فأدّوا

30

عنى يرحمكم اللّه و لا تختلفوا علىّ كما اختلف الحواريون على عيسى فقال أصحابه و كيف اختلف الحواريون يا رسول اللّه فقال دعاهم الى الذي دعوتكم إليه فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضى و سلم و أما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه و تثاقل فشكا ذلك عيسى الى اللّه تعالى فأصبح المتثاقلون و كل واحد منهم يتكلم بلغة الامّة التي بعث إليها* و روى انه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد ما صاغ الخاتم دعا بالكاتبين فكتبوا ستة كتب الى ستة ملوك و أسماؤهم هذه* النجاشى ملك الحبشة و قيصر و يقال هرقل عظيم الروم و كسرى حاكم فارس و المدائن و المقوقس صاحب الاسكندرية و مصر و الحارث و الى تخوم الشام و دمشق و ثمامة بن أثال و هوذة بن على الحنفيين ملكى اليمامة و قائديها و دعا ستة من أصحابه و دفع الى كل واحد منهم كتابا و بعثه الى واحد من هؤلاء الملوك فبعث عمرو بن أمية الضمرى الى النجاشى و دحية بن خليفة الكلبى الى قيصر و عبد اللّه بن حذافة السهمى الى كسرى و حاطب بن أبى بلتعة اللخمى الى المقوقس و الشجاع بن وهب الاسدى الى الحارث بن أبى شمر الغسانى و سليط بن عمرو العامرى الى ثمامة و هوذة*

(ذكر كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الى النجاشى مع عمرو بن أمية الضمرى)

* روى ان النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بعث عمرا الى النجاشى فى شأن جعفر بن أبى طالب و أصحابه و كتب إليه كتابين أحدهما يدعوه فيه الى الاسلام و يتلو عليه القرآن فكتب فيه* بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللّه الى النجاشى ملك الحبشة أما بعد فانى أحمد إليك اللّه الذي لا إله الا هو الملك القدّوس السلام المؤمن المهيمن و أشهد ان عيسى ابن مريم روح اللّه و كلمته ألقاها الى مريم البتول الطاهرة المطهرة الطيبة الحصينة فحملت بعيسى فخلقه اللّه من روحه و نفخه كما خلق آدم بيده و انى أدعوك الى اللّه وحده لا شريك له و الموالاة على طاعته فان تابعتنى و تؤمن بالذى جاءنى فانى رسول اللّه و انى أدعوك و جنودك الى اللّه تعالى و قد بلغت و نصحت فاقبلوا نصحى و قد بعثت إليك ابن عمى جعفرا و معه نفر من المسلمين و السلام على من اتبع الهدى* فأخذ كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و وضعه على عينيه و نزل من سريره و جلس على الارض تواضعا فقال أشهد باللّه انه النبيّ الامىّ الذي ينتظره أهل الكتاب و ان بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل فأسلم النجاشى و شهد شهادة الحق و قال لو كنت استطيع ان آتيه لآتيته و كتب الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)* بسم اللّه الرحمن الرحيم من النجاشى أصحمة سلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته اللّه الذي لا إله الا هو الذي هدانى للاسلام* أما بعد فقد بلغنى كتابك يا رسول اللّه فما ذكرت من امر عيسى (عليه السلام) فو رب السماء و الارض ان عيسى (عليه السلام) لا يزيد على ما ذكرت ثفروقا انه كما قلت و قد عرفنا ما بعثت به إلينا و قدم ابن عمك و أصحابه و أشهد انك رسول اللّه صادقا مصدّقا و قد بايعتك و بايعت ابن عمك و أسلمت على يديه للّه رب العالمين و قد بعثت إليك ابنى أرها فان شئت أن آتيك بنفسى فعلت يا رسول اللّه فانى أشهد ان ما تقول حق و السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته* و ذكر الواقدى عن سلمة بن الاكوع ان النجاشى توفى فى رجب سنة تسع كما سيجي‏ء منصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن تبوك قال سلمة صلى بنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الصبح ثم قال ان أصحمة النجاشى قد توفى فى هذه الساعة فاخرجوا بنا الى المصلى حتى نصلى عليه قال سلمة فحشد الناس و خرجنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقدمنا و انا لصفوف خلفه و أنا فى الصف الرابع فكبر بنا أربعا كذا فى الاكتفاء* و قال فى المواهب اللدنية و هذا هو أصحمة الذي هاجر إليه المسلمون فى رجب سنة خمس من النبوّة و كتب إليه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) كتابا يدعوه فيه الى الاسلام مع عمرو بن أمية الضمرى سنة ست من‏

31

الهجرة و أسلم على يد جعفر بن أبى طالب و توفى فى رجب سنة تسع من الهجرة و نعاه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) يوم توفى و صلى عليه بالمدينة و أما النجاشى الذي ولى بعده و كتب إليه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) يدعوه الى الاسلام فكان كافرا لم يعرف اسلامه و لا اسمه و قد خلط بعضهم و لم يميز بينهما* و فى صحيح مسلم عن قتادة أن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) كتب الى كسرى و الى قيصر و الى النجاشى و الى كل جبار يدعوهم الى الاسلام و الى دين اللّه و ليس بالنجاشى الذي صلى عليه* قال ابن اسحاق فذكر لى انه بعث النجاشى بعد قدوم جعفر الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أرها ابن النجاشى من البحر فى ستين رجلا من الحبشة فركبوا سفينة فى اثر جعفر و أصحابه حتى اذا كانوا فى وسط البحر غرقوا و وافى جعفر و أصحابه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى سبعين رجلا و عليهم ثياب من الصوف منهم اثنان و ستون من الحبشة و ثمانية من أهل الشام فقرأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سورة يس الى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن فأسلموا و قالوا ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فأنزل اللّه تعالى و لتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى يعنى وفد النجاشى الذين قدموا مع جعفر و هم سبعون و كانوا أصحاب الصوامع* و قال مقاتل كانوا أربعين رجلا اثنان و ثلاثون من الحبشة و ثمانية من أهل الشام و قال عطاء كانوا ثمانين رجلا أربعون من أهل نجران من بنى الحارث و اثنان و ثلاثون من الحبشة و ثمانية روميون من أهل الشام كذا فى معالم التنزيل* و فى الكتاب الآخر يأمره أن يزوّجه أم حبيبة ابنة أبى سفيان و كانت قد هاجرت الى الحبشة مع زوجها عبد اللّه بن جحش الاسدى فتنصر هناك و مات كما سيجي‏ء فى هذا الموطن و أمره فى الكتاب بأن يبعث إليه بمن قبله من أصحابه فجهز النجاشى مهاجرى الحبشة و بعثهم فى سفينتين مع عمرو بن أمية الضمرى الى المدينة* روى انّ النجاشى دعا بحقة من عاج فجعل فيها مكتوبى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و قال لا يزال فى أهل الحبشة خير و بركة ما دام فيهم هذان المكتوبان* و أورد صاحب الاعلام ان كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فى أيدى ملوك الحبشة باق الى الآن يعظمونه*

(ذكر كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الى قيصر مع دحية بن خليفة الكلبى)

* قيل ان اسم قيصر هرقل و قيل أغطس و قيصر كلمة افر نجية معناه شق عنه* و سببه على ما قاله المؤرخون ان أم قيصر ماتت فى المخاض فشق بطنها و أخرج فسمى قيصر و كان يفتخر بذلك على الملوك و يقال انه لم يخرج من الرحم ثم وضع هذا اللقب لكل من ملك الروم كما لقبوا ملك الترك خاقان و ملك فارس كسرى و ملك الشام هرقل و ملك القبط فرعون و ملك اليمن تبع و ملك الحبشة النجاشى و ملك فرغانة اخشيد و ملك مصر فى الاسلام سلطان فأخذ دحية كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و توجه الى بصرى لان النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أمره أن يدفع الكتاب الى عظيم بصرى و هو الحارث ملك غسان ليدفعه الى قيصر و لما انتهى دحية الى بصرى و كان حينئذ عظيم بصرى فى حمص فبعث رجلا مع دحية ليبلغه الى قيصر و قيصر ذاهب الى ايليا و هو بيت المقدس لانه لما كشف اللّه عنه جنود فارس مشى من حمص الى ايليا شكرا للّه عز و جل فيما أولاه من ذلك* فلما جاء قيصر كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال التمسوا أحدا من قومه و كان أبو سفيان حينئذ بالشام فى رجال من قريش قدموا تجارا فى زمان الهدنة فأتى بأبى سفيان و أصحابه فسألهم عن أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كما سيجي‏ء ذكره الواقدى من حديث ابن عباس* و فى حديث غير هذا ذكره أيضا الواقدى عن محمد بن كعب القرظى ان دحية الكلبى لقى قيصر بحمص لما بعثه إليه رسول اللّه و قيصر ماش من قسطنطينية الى ايليا فى نذر كان عليه لئن أظهر اللّه الروم على فارس ليمشين حافيا من قسطنطينية الى ايليا و ليصلين فيه‏

32

ففرشوا له بسطا و نثروا عليها الرياحين و هو يمشى عليها حتى بلغ ايليا و وفى بنذره فقال لدحية قومه لما بلغ قيصر اذا رأيته فاسجد له ثم لا ترفع رأسك أبدا حتى يأذن لك قال دحية لا أفعل هذا أبدا و لا أسجد لغير اللّه أبدا قالوا اذا لا يأخذ كتابك و لا يكتب جوابك قال و ان لم يأخذه فقال له رجل منهم أدلك على أمر يأخذ فيه كتابك و لا يكلفك فيه السجود قال دحية و ما هو قال ان له على كل عقبة منبرا يجلس عليه فضع صحيفتك تجاه المنبر فانّ أحدا لا يحركها حتى يأخذها هو ثم يدعو صاحبها فيأتيه قال أما هذا فسأفعل فعمد الى منبر من تلك المنابر التي يستريح عليها قيصر فألقى الصحيفة فدعا بها فاذا عنوانها كتاب العرب فدعا بالترجمان الذي يقرأ بالعربية فاذا فيه من محمد رسول اللّه الى قيصر صاحب الروم فغضب أخ لقيصر يقال له نباق فضرب فى صدر الترجمان ضربة شديدة و نزع الصحيفة من يده فقال له قيصر ما شأنك فقال تنظر فى كتاب رجل بدأ بنفسه قبلك و سماك قيصر صاحب الروم ما ذكر لك ملكا فقال له قيصر انك و اللّه ما علمت أحمق صغيرا مجنون كبيرا تريدان تخرق كتاب رجل قبل ان أنظر فيه فلعمرى لئن كان رسول اللّه كما يقول لنفسه أحق أن يبدأ بها منى و ان كان سمانى صاحب الروم لقد صدق ما أنا الا صاحبهم و ما أملكهم و لكن اللّه عز و جل سخرهم لى و لو شاء لسلطهم علىّ كما سلط فارس على كسرى فقتلوه ثم فتح الصحيفة فاذا فيها* بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللّه الى قيصر صاحب الروم سلام على من اتبع الهدى* أما بعد* يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏ فى آيات من كتاب اللّه يدعوه الى اللّه و يزهده فى ملكه و يرغبه فيما رغبه اللّه من الآخرة و يحذره بطش اللّه و بأسه كذا فى الاكتفاء* و فى الصحيح و كان ابن الناطور صاحب ايليا و هرقلة أسقفا على نصارى الشام يحدّث ان هرقل حين قدم ايليا أصبح يوما خبيث النفس مهموما فقال له بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك قال ابن الناطور و كان هرقل حزاء ينظر فى النجوم ماهرا فى الاحكام النجومية يستخرج أحكام الاجسام السفلية من آثار الاجرام العلوية عالما بسائر القواعد النجومية فقال لهم حين سألوه أجل انى رأيت الليلة حين نظرت فى النجوم أن ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الامة قالوا ما نعلم يختتن الا اليهود فلا يهمنك شأنهم و هم فى حكمك و سلطانك و اكتب الى مدائن ملكك فليقتلوا من فيها من اليهود فتستريح من الهم فبينما هم على أمرهم اذ أتى هرقل رجل اسمه عدى بن حاتم و هو رسول عظيم بصرى برجل من العرب يقوده و هو دحية بن خليفة الكلبى فقال أيها الملك ان هذا من العرب يحدّث عن أمر عجيب قد حدث ببلاده فقال هرقل لترجمانه سله ما هذا الحدث الذي ببلاده فسأله فقال دحية خرج من بين أظهرنا رجل يزعم انه نبىّ فاتبعه اناس و خالفه آخرون فكانت بينهم ملاحم فتركتهم على ذلك فلما أخبره قال هرقل اذهبوا به فجردوه فانظروا أ مختون هو أم لا فجرّدوه و نظروا إليه فاذا هو مختون فحدّثوه انه مختون و سألوه عن العرب فقال هم يختتنون فقال هرقل هذا و اللّه الذي رأيته هذا ملك هذه الامة قد ظهر أعطوه ثوبه ثم دعا صاحب شرطته فقال له قلب لى الشام ظهر او بطنا حتى تأتينى برجل من قوم هذا الرجل يعنى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)* قال أبو سفيان ان هرقل أرسل إليه فى ركب من قريش صاحب شرطته و كان أبو سفيان و أصحابه حينئذ تجارا بالشام بمدينة غزة فى المدّة التي كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هادن فيها أبا سفيان و كفار قريش اى فى زمان الهدنة فأتوهم بايليا و هو بيت المقدس و كان هرقل حينئذ فيه فدعاهم الى مجلسه و حوله عظماء الروم و دعا ترجمانه فقال أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم انه نبىّ فقال أبو سفيان أنا أقربهم نسبا فقال ادنوه منى و قربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره‏

33

ثم قال لترجمانه انى سائل هذا أى أبا سفيان عن هذا الرجل يعنى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فان كذبنى فكذبوه قال ابو سفيان فو اللّه لو لا الحياء من ان يأثروا علىّ كذبا لكذبت عنه قال ثم كان أوّل ما سألنى عنه أن قال كيف نسبه فيكم قلت هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط قلت لا قال فهل كان من آبائه من ملك قلت لا قال فاشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم قال أ يزيدون أم ينقصون قلت بل يزيدون قال فهل يرتدّ منهم أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا قال فهل يغدر قلت لا و نحن فى هدنة لا ندرى ما هو فاعل فيها قال أبو سفيان و لم يمكنى أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة قال فهل قاتلتموه قلت نعم قال كيف كان قتالكم اياه قلت الحرب بيننا و بينه سجال ينال منا و ننال منه قال بما ذا يأمركم قلت يقول اعبدوا اللّه وحده و لا تشركوا به شيئا و اتركوا ما يقول آباؤكم و يأمرنا بالصلاة و الصدقة و الصدق و العفاف و الصلة و الطهارة فقال للترجمان قل له سألتك عن نسبه فذكرت انه ذو نسب و كذلك الرسل تبعث فى نسب قومها و سألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت أن لا فقلت لو قال أحد هذا القول قبله لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله و سألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا قلت فلو كان من آبائه من ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه و سألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا فقد علمت انه لم يكن ليذر الكذب على الناس و يكذب على اللّه و سألتك اشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه و هم اتباع الرسل و سألتك أ يزيدون أم ينقصون فذكرت انهم يزيدون و كذلك أمر الايمان حتى يتم و سألتك أ يرتدّ أحد سخطة لدينه بعد ان يدخل فيه فذكرت أن لا و كذلك الايمان حين تخالط بشاشته القلوب و سألتك هل يغدر فذكرت أن لا و كذلك الرسل لا تغدر و سألتك بما يأمركم فذكرت انه يأمركم أن تعبدوا اللّه و لا تشركوا به شيئا و ينهاكم عن عبادة الاوثان و يأمركم بالصلاة و الصدقة و العفاف فان كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين و قد كنت أعلم انه خارج و لم أكن أظنّ انه منكم فلو أنى أخلص إليه لتجشمت لقاءه و لو كنت عنده لغسلت عن قدمه ثم دعا بكتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الذي بعث به دحية الى عظيم بصرى فدفعه الى هرقل ملك الروم كما تقدّم آنفا فاذا مكتوب فيه*

صورة كتاب النبيّ الى هرقل‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

من محمد رسول اللّه الى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فانى أدعوك بداعية الاسلام اسلم تسلم اسلم يؤتك اللّه أجرك مرّتين فان توليت فعليك اثم الاريسيين و يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا و بينكم أن لا نعبد الا اللّه و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون اللّه فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون* قال أبو سفيان فلما قال هرقل ما قال و فرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب و ارتفعت أصوات الذين حوله و كثر لغطهم فلا أدرى ما قالوا و أمر بنا فأخرجنا من عنده فقلت لاصحابى حين أخرجنا لقد عظم أمر ابن أبى كبشة انه يخافه ملك بنى الاصفر فما زلت موقنا انه سيظهر حتى أدخل اللّه علىّ الاسلام* و فى الاكتفاء و فى هذا الحديث عن أبى سفيان انه قال لقيصر لما سأله عن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) جملة ما أجابه به أيها الملك أ لا أخبرك عنه خبرا تعرف به انه كاذب قال و ما هو قلت زعم انه خرج من أرضنا أرض الحرم فى ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد ايليا و رجع إلينا فى تلك الليلة قبل الصباح قال و بطريق ايليا عند رأس قيصر قال قد علمت تلك الليلة قال فنظر إليه قيصر و قال ما علمك بهذا قال انى كنت لا أنام ليلة أبدا حتى أغلق أبواب المسجد فلما كانت تلك الليلة أغلقت الابواب كلها غير باب واحد غلبنى فاستعنت عليه بعمالى و من يحضرنى فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول جبلا فدعوت النجارين فنظروا إليه فقالوا

34

هذا باب سقط عليه النجاف و البنيان فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر إليه من أين أتى فرجعت و تركت البابين مفتوحين فلما أصبحت غدوت عليهما فاذا الحجر الذي فى زاوية المسجد مثقوب و اذا فيه أثر رباط الدابة فقلت لاصحابى ما حبس هذا الليلة الباب الاعلى نبىّ و قد صلى الليلة فى مسجدنا هذا فقال قيصر لقومه يا معشر الروم أ لستم تعلمون ان بين عيسى و بين الساعة نبىّ بشركم به عيسى ابن مريم ترجون أن يجعله اللّه فيكم قالوا بلى قال فان اللّه قد جعله فى غيركم فى أقل منكم عددا و أضيق منكم بلدا و هى رحمة اللّه عز و جل يضعها حيث شاء* و فى رواية ان هرقل لما قرأ الكتاب أى كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خلا بدحية و قال له و اللّه انا لنعلم انه نبىّ مرسل و هو الذي كنا ننتظره و قرأنا نعته فى الكتب السماوية و انى أخاف الروم أن يقصدوا هلاكى و الا تابعته فاذهب الى رومة فلن بها رجلا اسمه ضفاطر و كان رجلا عظيما من علماء النصارى و كان نظير هرقل فى العلم قال فأخبره بهذا الخبر* و فى رواية كتب إليه هرقل كتابا و قال لدحية ان ضفا طرفى الروم أعظم منى و اعتقادهم لكلامه أكثر فانظر ما ذا يقول فذهب دحية الى رومة و بلغ ضفاطر كتاب هرقل و أخبره بخبر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أوصافه قال ضفاطر و اللّه انه لنبىّ على الحق و نحن وجدناه فى كتابنا بالصفة التي ذكرت و قرأنا اسمه فى التوراة و الانجيل ثم دخل ضفاطر بيته و نزع ثيابه السود و لبس ثيابا بيضا و أخذ بيده العصا و ذهب الى كنيسة النصارى حين كان فيها جمع من أشرافهم و قال يا معشر الروم اعلموا انه جاءنا كتاب من عند أحمد العربى و دعانا فى ذلك الكتاب الى الحق* و أنا أشهد أن لا إله الا اللّه و أن أحمد عبده و رسوله* فلما سمعت الروم منه هذا الكلام و ثبت عليه بأجمعها فضربته حتى قتلته فرجع دحية الى هرقل و أخبره بما رأى قال له هرقل أ ما قلت لك انى أخاف من الروم و اللّه ان ضفاطر عند قومه أعظم منى عند هؤلاء القوم و اعتقاد أهل الروم لكلامه أكثر من اعتقادهم لكلامى و قد ثبت ان هرقل لما بلغه خبر ضفاطر انتقل من ايليا الى حمص دار ملكه و سلطنته و كانت له هناك دسكرة أى قصر عظيم فأذن لعظماء الروم فى دسكرته ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع فقال يا معشر الروم هل لكم فى الفلاح و الرشد و أن يثبت ملككم فتابعوا هذا النبيّ فحاصوا حيصة حمر الوحش الى الابواب فوجدوها قد غلقت فلما رأى هرقل نفرتهم و أيس من ايمانهم قال ردّوهم علىّ فقال انى قلت مقالتى آنفا أختبر بها شدّتكم على دينكم فقد رأيت فسجدوا له و رضوا عنه فكان ذلك آخر شأن هرقل* رواه صالح بن كيسان و معمر عن الزهرى كذا فى البخاري* و فى المنتقى و هرقل عظيم الروم ملك احدى و ثلاثين سنة و اختلف فى اسلامه* و فى ملكه توفى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و شرف و كرم*

(ذكر كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الى كسرى ملك فارس)

* و هذا هو كسرى برويز بن هرمز بن أنو شروان و معنى برويز بالعربية المظفر فيما ذكره المسعودى و هو الذي كان غلب الروم فأنزل اللّه فى قصتهم* الم غلبت الروم فى أدنى الارض و أدنى الارض فيما ذكره الطبرى هى بصرى و فلسطين و أذرعات من أرض الشام* ذكر الواقدى أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعث عبد اللّه بن حذافة السهمى منصرفه من الحديبية الى كسرى و بعث معه كتابا مختوما و فيه مكتوب* (بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ من محمد رسول اللّه الى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى و آمن باللّه و رسوله و شهد أن لا إله الا اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمدا عبده و رسوله و أدعوك بداعية اللّه عز و جل فانى أنا رسول اللّه عز و جل الى الناس كافة لا نذر من كان حيا و يحق القول على الكافرين أسلم تسلم فان أبيت فعليك اثم المجوس فلما قرأ كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أخذه و مزّقه و شققه و قال يكتب الىّ بهذا الكتاب‏

35

و هو عبدى ثم قال لى ملك هنى‏ء لا أخشى أن أغلب عليه و لا أشارك فيه و قد ملك فرعون بنى اسرائيل و لستم بخير منهم فما يمنعنى أن أملككم و انا خير منه فلما بلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنّ كسرى شقق كتابه قال مزّق اللّه ملكه)* و فى المنتقى دعا عليه أن يمزّقوا كل ممزّق فقال مزّق كتابى مزّق اللّه ملكه* و فى رواية قال اللهم مزّق ملكه فانصرف عبد اللّه عنه الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)* و فى نظام التواريخ بلغ برويز فى الملك و التبختر و التنعم الى مرتبة لم يكن أحد من الملوك مثله ثمانيا و عشرين سنه و أعظم الاسباب فى زوال ملكه تمزيق كتاب رسول اللّه لما كتب الى ملوك الاطراف يدعوهم الى الاسلام* قال ابن هشام فى سيرته بلغنى أنه قال كتب كسرى الى باذان أنه بلغنى أنّ رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبىّ فسر إليه فاستتبه فان تاب و الا فابعث الىّ برأسه فبعث باذان كتاب كسرى الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فكتب إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) انّ اللّه وعدنى أن يقتل كسرى يوم كذا من شهر كذا فلما أتى باذان الكتاب توقف و قال ان كان نبيا فسيكون ما قال فقتل اللّه كسرى فى اليوم الذي قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قتل على يد ولده شيرويه* و فى المنتقى كتب كسرى الى باذان و هو على اليمن من قبله أن ابعث الى هذا الرجل الذي بالحجاز من عندك رجلين جلدين فليأتيانى به* و فى رواية كتب الى باذان بلغنى أن فى أرضك رجلا تنبأ فاربطه و ابعث به الىّ فبعث باذان قهرمانه و هو بانويه و كان كاتبا حاسبا و بعث معه برجل من الفرس يقال له خرخسره و فكتب معهما الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يأمره أن ينصرف معهما الى كسرى و قال لبانويه ويلك انظر ما الرجل و كلمه و ائتنى بخبره فخرجا فلما بلغا الطائف و كان فيه حينئذ جمع من أشراف قريش مثل أبى سفيان و صفوان بن أمية و غيرهما فسألا عن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقالوا انه بيثرب فلما سمع أبو سفيان و صفوان بن أمية مضمون كتاب باذان فرحا و قالا مثل كسرى قام بعداوته و قدم بانويه و خرخسره المدينة على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فلما قد ما عليه أنزلهما و أمرهما بالمقام أياما ثم أرسل لهما (صلى اللّه عليه و سلم) ذات غداة و لما دخلا عليه قال لهما اجلسا فبركا على ركبهما و كلمه بانويه و قال انّ شهنشاه ملك الملوك كسرى كتب الى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك و قد بعثنى إليك لتنطلق معى فان فعلت كتب فيك الى ملك الملوك بكتاب ينفعك و يكف عنك به و ان أبيت فهو ممن قد علمت و هو مهلكك و مهلك قومك و مخرب بلادك و أعطياه كتاب باذان و لما اطلع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على مضمون الكتاب و سمع حكايتهم المزخرفة تبسم و دعاهما الى الاسلام* و فى رواية أنهما حين دخلا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كانا قد حلقا لحاهما و أعفيا شواربهما حتى وارت شفاههما فكره النظر إليهما و قال ويلكما من أمركما بهذا قالا أمرنا بهذا ربنا يعنيان كسرى فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لكن ربى أمرنى باعفاء لحيتى و قص شواربى* و فى المشكاة عن زيد بن أرقم أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال من لم يأخذ من شار به فليس منا رواه أحمد و الترمذى و النسائى و أورد الكرمانى فى مناسكه اثم تطويل الشوارب و عقوبته فقال قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من طوّل شاربه عوقب بأربعة أشياء لا يجد شفاعتى و لا يشرب من حوضى و يعذب فى قبره و يبعث اللّه إليه المنكر و النكير فى غضب انتهى* روى أنهما كانا يتكلمان بالتجلد و ترجف بوادرهما من هيبة مجلس رسول اللّه فقالا له ان لم تأت معنا فاكتب جواب كتاب الملك باذان فقال لهما ارجعا حتى تأتيانى غدا فلما خرجا من عنده قال أحدهما لصاحبه لو مكثنا فى مجلس هذا الرجل أكثر مما جلسنا لخفت على نفسى الهلاك و قال صاحبه و انى أيضا ما لقيت قط مثل ما وقع لى اليوم فى محضر هذا الرجل من الخوف فيعلم أنّ له‏

36

شأنا فأتى جبريل (عليه السلام) الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره أنّ اللّه عز و جل قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله فى شهر كذا و كذا ليلة كذا و كذا بعد ما مضى من الليل كذا و كذا ساعة فلما أتيا الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من الغد قال انّ ربى قد قتل الليلة ربكما بعد ما مضى من الليل سبع ساعات سلط عليه ابنه شيرويه حتى بقر بطنه و كانت تلك الليلة ليلة الثلاثاء العاشرة من جمادى الاولى من السنة السابعة من الهجرة قال اذهبا و أخبرا صاحبكما يعنى باذان بهذا الخبر فقالا هل تدرى ما تقول انا قد نقمنا منك ما هو أيسر من هذا أ فنكتب بها عنك و نخبر الملك قال نعم أخبراه ذلك عنى و قولا له انّ دينى و سلطانى سيبلغ ما بلغ ملك كسرى و ينتهى منتهى الخف و الحافر و قولا له انك ان أسلمت أعطيتك ما تحت يدك و ملكتك على قومك من الابناء* و فى الاكتفاء يروى أنّ كسرى رأى فى النوم بعد أن أخبر بخروج النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من مكة و نزوله بيثرب ان سلما وضع فى الارض الى السماء و حشر الناس حوله اذ أقبل رجل عليه عمامة و ازار و رداء فصعد السلم حتى اذا كان بمكان منه نودى اين فارس و رجالها و نساؤها و لامتها و كنوزها فأقبلوا فجعلوا فى جوالق ثم دفع الجوالق الى ذلك الرجل فأصبح كسرى تعس النفس محزونا لتلك الرؤيا و ذكرها لاساورته فجعلوا يهوّنون عليه الامر فيقول كسرى هذا أمر يراد به فارس فلم يزل مهموما حتى قدم عليه عبد اللّه بن حذافة بكتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يدعوه الى الاسلام* و فى المنتقى ان كسرى كان اذا ركب ركب أمامه رجلان يقولان له ساعة فساعة أنت عبد و لست برب فيشير برأسه نعم قال فركب يوما فقالا له ذلك و لم يشر برأسه فشكوا الى صاحب شرطته ليعاتبه و كان كسرى قد نام فلما وقع صوت حوافر الدواب فى سمعه استيقظ فدخل عليه صاحب شرطته فقال أيقظتمونى و لم تدعونى أنام انى رأيت انه رقى بى فوق سبع سماوات فوقفت بين يدى اللّه تعالى فاذا رجل بين يديه عليه ازار و رداء و قال لى سلم مفاتيح خزائن أرضى الى هذا فأيقظتمونى قال و صاحب الرداء و الازار يعنى به النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)* و عن سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال بعث اللّه ملكا الى كسرى و هو فى بيت من بيوت ايوانه الذي لا يدخل عليه فيه فلم يرع الا به قائما على رأسه فى يده عصا بالهاجرة و فى ساعته التي كان يقيل فيها فقال له يا كسرى أ تسلم أو أكسر هذه العصا فقال بهل بهل بالفارسية معناه خل خل و أمهل و لا تكسر فانصرف عنه ثم دعا حرّاسه و حجابه فتغيظ عليهم فقال من أدخل هذا الرجل علىّ قالوا ما دخل عليك أحد و لا رأيناه حتى اذا كان العام القابل أتاه فى الساعة التي أتاه فيها فقال له كما قال له ثم قال له أ تسلم أم أكسر هذه العصا فقال بهل بهل فخرج عنه فدعا كسرى حجابه و بوّابيه فتغيظ عليهم فقال لهم كما قال أوّل مرّة فقالوا ما رأينا أحدا دخل عليك حتى اذا كان العام الثالث أتاه فى الساعة التي جاء فيها و قال له كما قال ثم قال أ تسلم أو أكسر هذه العصا فقال بهل بهل فكسر العصا ثم خرج فهلك كسرى عند ذلك* و فى الاكتفاء ذكر الواقدى من حديث أبى هريرة و غيره ان كسرى بينما هو فى بيت كان يخلو فيه و اذا رجل خرج إليه فى يده عصا فقال يا كسرى ان اللّه بعث رسولا و أنزل عليه كتابا فأسلم تسلم و اتبعه يبق لك ملكك قال كسرى أخر عنى أثرا ما فدعا حجابه و بوّابيه فتوعدهم و قال من هذا الذي دخل علىّ قالوا له و اللّه ما دخل عليك أحد و ما ضيعنا لك بابا حتى اذا كان العام المقبل أتاه فقال له مثل ذلك و قال له ان لم تسلم أكسر العصا قال لا تفعل أخر ذلك أثرا ما ثم جاءه العام المقبل ففعل مثل ذلك و ضرب بالعصا على رأسه فكسرها و خرج من عنده و يقال ان ابنه قتله تلك الليلة فأعلم اللّه بذلك رسوله فأخبر بذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) رسل باذان إليه ثم أعطى خرخسره منطقة فيها

ذهب و فضة كان أهداها له‏

37

بعض الملوك فخرجا من عنده و انطلقا حتى قدما على باذان و أخبراه الخبر فقال و اللّه ما هذا بكلام ملك و انى لارى الرجل نبيا كما يقول و لننظرنّ ما قد قال فلئن كان ما قد قاله حقا سيأتى الخبر الىّ يوم كذا و لا كلام أنه نبىّ مرسل و لا يسبق علىّ أحد من الملوك فى الايمان به و ان لم يكن فسنرى فيه رأينا فلم يلبث باذان ان قدم عليه كتاب شيرويه* أما بعد فانى قد قتلت كسرى و لم أقتله الا غضبا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم فتفرق الناس فاذا جاءك كتابى هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك و انظر الرجل الذي كان كسرى كتب إليك فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمرى فيه* فلما انتهى كتاب شيرويه الى باذان قال ان هذا الرجل لرسول اللّه حقا فأسلم و أسلمت الابناء من فارس من كان منهم باليمن فبعث باذان باسلامه و اسلام من كان معه الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و يقال ان الخبر أتاه بمقتل كسرى و هو مريض فاجتمعت إليه أساورته فقالوا له من تؤمّر علينا فقال لهم ملك مقبل و ملك مدبر فاتبعوا هذا الرجل و ادخلوا فى دينه و أسلموا و مات باذان فبعث رءوسهم الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وفدهم يعرّفونه باسلامهم* روى ان أهل اليمن كانوا يقولون لخرخسره ذو المفخرة و يقال لاولاده أيضا الآن ذو المفخرة و المفخرة بلغة حمير المنطقة*

(ذكر كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الى المقوقس)

* فى حياة الحيوان هو لقب لجريج بن مينا القبطى و كان من قبل هرقل و يقال ان هرقل عز له لما رأى ميله الى الاسلام انتهى* بعثه مختوما مع حاطب بن أبى بلتعة و انه لما انتهى الى الاسكندرية أتى أوّلا حاجب المقوقس و أخبره الخبر فأكرمه الحاجب و أدخله على المقوقس من غير توقف فأكرمه المقوقس* عبارة الاكتفاء فلم يلبث أن وصل الى المقوقس كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لقيه حاطب و أخذ كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و كان فيه* بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمد بن عبد اللّه رسول اللّه الى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى* أما بعد فانى ادعوك بداعية الى الاسلام أسلم تسلم أسلم يؤتك اللّه أجرك مرّتين فان توليت فانّ عليك اثم القبط* يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا و بينكم أن لا نعبد الا اللّه و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون اللّه فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون* فكلمه حاطب فقال له انه قد كان قبلك رجل يزعم انه الرب الاعلى فأخذه اللّه نكال الآخرة و الاولى فانتقم به ثم انتقم منه فاعتبر بغيرك و لا يعتبر بك غيرك الى غير ذلك من النصائح و المواعظ و أخذ كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فجعله فى حقة من عاج و ختم عليه و دفعه الى جارية له ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية فكتب الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و شرف و كرّم* بسم اللّه الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد اللّه من المقوقس عظيم القبط سلام عليك أما بعد فقد قرأت كتابك و فهمت ما ذكرت فيه و ما تدعو إليه و قد علمت ان نبيا بقى و كنت أظنّ انه يخرج بالشام و قد أكرمت رسولك و بعثت إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم و بكسوة و أهديت إليك بغلة لتركبها و السلام عليك* و لم يزد على هذا و لم يسلم و هاتان الجاريتان اللتان ذكرهما احداهما مارية أمّ ابراهيم ابن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و الثانية أختها سيرين و هى التي وهبها النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن و البغلة هى الدلدل و كانت بيضاء و قيل انه لم تكن يومئذ فى العرب بغلة غيرها و انها بقيت الى زمان معاوية و ذكر الواقدى باسناد له ان المقوقس أرسل الى حاطب ليلة و ليس عنده الا ترجمان له يترجم بالعربية فقال له أ لا تخبرنى عن أمور أسألك عنها و تصدقنى فانى أعلم ان صاحبك قد تخيرك من بين أصحابه حيث بعثك فقال له حاطب لا تسألنى عن شي‏ء إلا صدقتك فسأله عن ما ذا يدعو إليه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و من أتباعه و هل يقاتل قومه فأجابه‏

38

حاطب عن ذلك كله ثم سأله عن صفته فوصفه حاطب و لم يستوف فقال له بقيت أشياء لم أرك تذكرها فى عينيه حمرة قلما تفارقه و بين كتفيه خاتم النبوّة و يركب الحمار و يلبس الشملة و يجتزى بالتمرات و الكسرة و لا يبالى من لاقى من عم و ابن عم قال حاطب فهذه صفته قال قد كنت أعلم انه قد بقى نبىّ و كنت أظنّ انّ مخرجه و منبته بالشام و هناك تخرج الأنبياء من قبله فأراه قد خرج فى العرب فى أرض جهد و بؤس و القبط لا يطاوعونى فى اتباعه و لا أحب ان تعلم محاورتى اياك و أنا أضن بملكى أن أفارقه و سيظهر على البلاد و ينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده حتى يظهر على ما هاهنا فارجع الى صاحبك فقد أمرت له بهدايا و جاريتين أختين فارهتين و بغلة من مراكبى و ألف مثقال ذهبا و عشرين ثوبا من لين و غير ذلك و أمرت لك بمائة دينار و خمسة أثواب فارحل من عندى و لا يسمع منك القبط حرفا واحدا* قال حاطب فرجعت من عنده و قد كان لى مكرما فى الضيافة و قلة اللبث ببابه انى ما أقمت عنده الا خمسة أيام و ان فى الوفود وفود العجم من ببابه منذ شهر و أكثر* قال حاطب فذكرت قوله لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال ضنّ الخبيث بملكه و لا بقاء لملكه هذا ما فى الاكتفاء* و فى غيره أهدى الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أربع جوار تركية منها مارية القبطية أمّ ابراهيم و أختها سيرين و كانت مارية من قرية يقال لها حفن من قرى كورة أنصنا بفتح أوّله و اسكان ثانيه بعده صاد مهملة مكسورة و نون و ألف ذكره فى معجم ما استعجم و جاريتين أخريين اسمهما غير معلوم و غلاما خصيا كان أخا لمارية و سيرين كذا فى بعض كتب السير* و فى حياة الحيوان اسمه مأبور و كان ابن عم مارية و كان يأوى إليها فقال الناس علج يدخل على علجة فبلغ ذلك النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فبعث عليا ليقتله فقال يا رسول اللّه أقتله أو أرى فيه رأيى فقال بل ترى رأيك فيه فلما رأى الخصى عليا و رأى السيف تكشف فاذا هو مجبوب ممسوح فرجع علىّ الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أخبره فقال (عليه السلام) ان الشاهد يرى ما لا يرى الغائب* و فى سح السحابة ان رجلا كان يتهم بأمّ ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال (عليه السلام) لعلىّ رضى اللّه عنه اذهب إليه فاضرب عنقه فأتاه علىّ فاذا هو فى ركى يتبرز فقال له علىّ اخرج فناوله يده فأخرجه فاذا هو مجبوب ماله ذكر و مات الخصى فى زمن عمر و كان عمر رضى اللّه عنه جمع الناس لشهود جنازته و صلى عليه و دفنه بالبقيع* قال الدميرى فى حياة الحيوان ذكر ابن مندة و أبو نعيم مأبور القبطى فى أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و غلطا فى ذلك فانه لم يسلم و ما زال نصرانيا و فى زمنه فتح المسلمون مصر فى خلافة عمر رضى اللّه عنه و أهدى أيضا قدحا من قوارير كان (عليه السلام) يشرب فيه و ثيابا من قباطى مصر و ألف مثقال ذهبا و عسلا من عسل بنها فأعجب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) العسل و دعا فى عسله بالبركة و فرسا يقال له لزاز و بغلة يقال لها الدلدل و حمارا يقال له عفير أو يعفور و وصلت تلك الهدايا سنة سبع و قيل سنة ثمان فقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هديته فاختار مارية لنفسه و كان (صلى اللّه عليه و سلم) معجبا بمارية و كانت بيضاء جميلة و ضرب عليها الحجاب و كان يطؤها بملك اليمين فلما حملت بابراهيم و وضعته قبلته سلمى مولاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فجاء أبو رافع زوج سلمى فبشر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بابراهيم فوهب له عبدا و ذلك فى ذى الحجة من السنة الثامنة من الهجرة كما سيجي‏ء* و وهب سيرين لحسان بن ثابت و وهب احدى الجاريتين لابي جهم بن حذيفة و بقيت البغلة الى زمان معاوية و هلك الحمار مرجعه من حجة الوداع و مات المقوقس فى خلافة عمر بن الخطاب على نصرانيته و دفن فى كنيسة أبى مجلس و اللّه تعالى أعلم‏

* (ذكر كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الى الحارث بن أبى شمر الغسانى)

* ذكر الواقدى ان رسول اللّه‏

39

(صلى اللّه عليه و سلم) بعث شجاع بن وهب الى الحارث بن أبى شمر فانتهى إليه بكتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و كان فيه* بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللّه الى الحارث بن أبى شمر سلام على من اتبع الهدى و آمن به و صدّق و انى أدعوك أن تؤمن باللّه وحده لا شريك له يبق لك ملكك* و ختم الكتاب و أخذه شجاع و خرج به الى الحارث و هو بغوطة دمشق فوجده و هو مشغول بتهيئة الانزال و الالطاف لقيصر و هو جاء من حمص الشام الى ايليا حيث كشف اللّه عنه جنود فارس شكر اللّه تعالى* قال شجاع فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه انى رسول من عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال انك لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا و كذا و جعل حاجبه و كان روميا اسمه مرى يسألنى عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ما يدعو إليه فكنت أحدّثه عن صفته و ما يدعو إليه فيرق حتى يغلبه البكاء و يقول انى قرأت الانجيل فأجد صفته و ما يدعو إليه بعينه فكنت أراه يخرج بالشام و أراه قد خرج بأرض القرظ و أنا أو من به و أصدّقه و أخاف من الحارث أن يقتلنى و كان الحاجب يكرمنى و يحسن ضيافتى و يخبرنى عن الحارث باليأس منه و يقول هو يخاف قيصر و خرج الحارث يوما فجلس على سريره و وضع التاج على رأسه و أذن لى عليه فدخلت عليه و دفعت إليه كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقرأه ثم رمى به و قال من ينتزع منى ملكى و أنا سائر إليه و لو كان باليمن جئته فلم يزل جالسا يتعرّض حتى الليل ثم قام و أمر بالخيل أن تنعل ثم قال أخبر صاحبك بما ترى و كتب الى قيصر يخبره بخبرى و ما عزم عليه فصادف رسوله قيصر بايليا و عنده دحية الكلبى و قد بعثه إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فلما قرأ قيصر كتاب الحارث كتب إليه أن لا تسر إليه و إله عنه و وافنى بايليا قال و رجع الكتاب و أنا مقيم و لما جاء جواب كتابه دعانى فقال متى تريد أن تخرج الى صاحبك فقلت غدا فأمر لى بمائة مثقال من الذهب و وصلنى حاجبه مرى‏ء بنفقة و كسوة و قال اقرأ على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) منى السلام و اخبره أنى متبع دينه فقدمت على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبرته به فقال باد ملكه و أقرأته من مرى السلام و أخبرته بما قال فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صدق* و مات الحارث عام الفتح و كان نازلا بجلق و انتقل ملكه الى جبلة بن الايهم الغسانى آخر ملوك بنى غسان و كان ينزل الجابية أدركه عمر بن الخطاب بالجابية فأسلم ثم انه لاحى رجلا من مزينة فلطم عينه فجاء به المزنى الى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه و قال خذ لي بحقى فقال له عمر الطم وجهه فأنف جبلة و قال عينى و عينه سواء قال عمر نعم فقال جبلة لا أقيم بهذه الدار أبدا و لحق بعمورية مرتدّا فمات هناك على ردّته هكذا ذكر الواقدى أنّ توجه شجاع بن وهب بكتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان الى الحارث بن أبى شمر و كذلك ابن اسحاق و أمّا ابن هشام فقال انما توجه الى جبلة بن الايهم و قد قال ذلك غيره و اللّه أعلم و سيجي‏ء فى هذا الموطن فى كتاب جبلة بن الايهم بعض ما يخالف هذا و بعض أهل السير على أنّ الحارث أسلم و لكن قال أخاف أن أظهر اسلامى فيقتلنى قيصر و اللّه أعلم*

(ذكر كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الى ثمامة ابن أثال و هوذة بن على الحنفيين ملكى عمان مع سليط بن عمرو العامرىّ)

* و يقال لهوذة المتوّج و كان كسرى قد تؤجه و ذكر الواقدى أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كتب الى هوذة مع سليط حين بعثه إليه* بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ من محمد رسول اللّه الى هوذة بن على سلام على من اتبع الهدى و اعلم أنّ دينى سيظهر الى منتهى الخف و الحافر فأسلم تسلم و أجعل لك ما تحت يدك* فلما قدم عليه سليط بكتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) مختوما أكرمه و أنزله و حياه و قرأ كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و كان هوذة من الملوك العقلاء و لكن لم يوفق و كتب إليه ما أحسن ما تدعو إليه و أجمله و أنا شاعر قومى و خطيبهم و العرب تهاب مكانى‏

40

فاجعل لى بعض ملكك أتبعك و أجاز سليطا بجائزة و كساه أثوابا من نسج هجر فقدم بذلك كله على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أخبره بما قال فقرأ كتابه و قال لو سألنى سيابة من الارض ما فعلت باد و باد ما فى يده فلما انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من فتح مكة جاءه جبريل فأخبره أنّ هوذة قد مات فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أما انّ اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعدى فقال قائل يا رسول اللّه فمن يقتله فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنت و أصحابك فكان من أمر مسيلمة و تكذيبه ما كان و ظهر عليه المسلمون فقتلوه فى خلافة أبى بكر رضى اللّه عنه و كان ذلك القائل من قتلته وفق ما قاله الصادق المصدوق (صلوات اللّه و بركاته عليه)* ذكر الواقدى باسناد له عن عبد اللّه بن مالك أنه قال قدمت اليمامة فى خلافة عثمان بن عفان فجلست فى مجلس بهجر فقال رجل فى المجلس انى لعند ذى التاج الحنفى يعنى هوذة يوم الفصح اذ جاءه حاجبه فاستأذن لاركون دمشق و هو عظيم من عظماء النصارى فقال ائذن له فدخل فرحب به فتحدّثا فقال الاركون ما أطيب بلاد الملك و أبرأها من الاوجاع قال ذو التاج هى أصح بلاد العرب و هى ريف بلادهم قال الاركون و ما قرب محمد منك قال ذو التاج هو بيثرب و قد جاءنى كتابه يدعونى الى الاسلام فلم أجبه قال الاركون لم لا تجيبه قال ضننت يدينى و أنا ملك قومى فان تبعته لم أملك قال بلى و اللّه لئن تبعته ليملكنك و انّ الخيرة لك فى اتباعه و انه للنبىّ العربىّ الذي بشر به عيسى ابن مريم و المكتوب عندنا فى الانجيل محمد رسول اللّه* قال ذو التاج قد قرأت فى الانجيل ما تذكر ثم قال للاركون فما لك لا تتبعه قال الحسد له و الضنّ بالخمر و شربها قال فما فعل هرقل قال هو على دينه و يظهر لرسله أنه معه و قد سبر أهل مملكته فأبوا أشدّ الاباء فضنّ بملكه أن يفارقه قال ذو التاج فما أرانى الا متبعه و داخلا فى دينه فانى فى بيت العرب و هو مقرّى على ما تحت يدى قال البطريق هو فاعل فاتبعه فدعا رسولا و كتب معه كتابا و سمى هدايا فجاءه قومه فقالوا تتبع محمدا و تترك دينك لا تملكنّ علينا أبدا فرفض الكتاب قال فأقام الاركون عنده فى حباء و كرامة ثم وصله و وجهه راجعا الى الشام قال الرجل و تبعته حين خرج فقلت أحق ما أخبرت ذا التاج قال نعم و اللّه فاتبعه قال فرجعت الى أهلى فتكلفت الشخوص الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقدمت عليه مسلما و أخبرته بكل ما كان فالحمد للّه الذي هدانى و لم يسم فى حديث الواقدى هذا الرجل الا أنّ فيه أنه كان من طئ من بنى نبهان* روى انّ عامر بن سلمة من بنى حنيفة رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاثة أعوام ولاء فى الموسم بعكاظ و بمجنة و بذى المجاز يعرض نفسه على قبائل العرب يدعوهم الى اللّه و الى أن ينصروه حتى يبلغ عن اللّه فلا يستجيب له أحد و انّ هوذة بن على سأل عامرا بعد انصرافه عن الموسم الى اليمامة فى أوّل عام عما كان فى موسمهم من خبر فأخبره خبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أنه رجل من قريش فسأله هوذة من أىّ قريش فقال له عامر من أوسطهم نسبا من بنى عبد المطلب فقال له هوذة انما أمره سيظهر على ما هاهنا و غير هاهنا ثم ذكر تكرّر سؤال هوذة له عنه حتى ذكر له فى السنة الثالثة أنه رآه و أمره قد أمر فقال هوذة هو الذي قلت لك و لو أنا اتبعناه لكان خيرا لنا و لكنا نضنّ بملكنا و أخبر عامر بذلك كله سليط بن عمرو و قد مرّ به منصرفا إذ بعثه إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أسلم عامر آخر حياة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و مات هوذة كافرا على نصرانيته ذكر هذا الكلام كله الكلاعى فى الاكتفاء*

سحر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)

و فى هذه السنة سحر فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)* فى المواهب اللدنية قد بين الواقدى السنة التي وقع فيها السحر كما أخرجه عنه ابن سعد بسند له الى عمر بن الحكم مرسل قال لما رجع (صلى اللّه عليه و سلم) من الحديبية فى ذى الحجة الحرام و دخل المحرّم سنة سبع جاءت رؤساء اليهود الى لبيد بن الاعصم و كان حليفا فى بنى زريق‏

41

و كان ساحرا فقالوا له يا أبا الاعصم أنت أسحرنا و قد سحرنا محمدا فلم يصنع شيئا و نحن نجعل لك جعلا على أن تسحر لنا سحرا ينكاءه فجعلوا له ثلاثة دنانير و وقع فى رواية أبى ضمرة عند الاسماعيلى فأقام يعنى فى السحر أربعين يوما* و فى رواية وهب عن هشام عن أحمد ستة أشهر و يمكن الجمع بأن يكون ستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه و الاربعين يوما من استحكامه و قال السهيلى لم أقف فى شي‏ء من الاحاديث المشهورة على قدر المدّة التي مكث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيها فى السحر حتى ظفرت به فى جامع معمر عن الزهرى أنه لبث سنة* قال الحافظ ابن حجر و قد وجدناه موصولا بالاسناد الصحيح فهو المعتمد* و فى كنز العباد أنّ بنات لبيد بن الاعصم اليهودى سحرنه فمرض حتى انه لم يقدر على قربان أهله ستة أشهر و ذكر السنة و الاربعين يوما فى الوفاء و فى البخاري عن عائشة أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سحر حتى أن كان ليخيل إليه أنه يفعل الشي‏ء و ما فعله* و فى معالم التنزيل قال ابن عباس و عائشة كان غلام من اليهود يخدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فدبت إليه اليهود فلم يزالوا به حتى أخذ من مشاطة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و عدّة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروا فيها فتولى ذلك لبيد ابن الاعصم رجل من اليهود و اشتدّ عليه ثلاث ليال فجاءه ملكان و هو نائم فقال أحدهما لصاحبه ما باله فقال طب قال من طبه قال لبيد بن الاعصم اليهودى قال و بما طبه قال بمشط و مشاطة فى جف طلعة ذكر و عقد فى وتر دسه تحت راعونة* و فى رواية تحت صخرة فى ذروان و ذروان بئر بمنازل بنى زريق قبلى الدور التي فى جهة قبلة المسجد كذا فى خلاصة الوفاء* و فى رواية فى بئر ذى أروان كذا فى كتاب مسلم و كذا وقع فى بعض روايات البخاري و فى معظمها ذروان و كلاهما صحيح مشهور و الاوّل أصح و أجود و هى بئر فى المدينة فى بستان أبى زريق كذا ذكره الطيبى فانتبه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فذهب فى أناس من أصحابه الى البئر و قال هذه البئر التي أريتها و كانّ ماءها نقاعة الحناء و كأنّ نخلها رءوس الشياطين فاستخرجه كذا ذكره الشيخان* و فى فتح البارى فنزل رجل و استخرجه و انه وجد فى الطلعة تمثالا من الشمع تمثال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فاذا فيه ابر مغروزة و اذا و ترفيه احدى عشرة عقدة فنزل جبريل بالمعوّذتين فكلما قرأ آية انحلت عقدة و كلما نزع ابرة وجد لها ألما ثم يجد بعدها راحة كذا فى المواهب اللدنية* و فى رواية بعث عليا و زبيرا و عمارا فنزحوا ماء البئر و اخرجوا جف الطلعة و كانت تحت صخرة فاذا مشاطة رأسه و أسنان من مشطه و اذا فيه و تر معقد فيه احدى عشرة عقدة مغروزة بالابر فلم يقدروا على حل العقد فنزلت المعوّذتان فكلما قرأ جبريل آية انحلت عقدة و وجد بعض الخفة حتى قام عند انحلال العقدة الاخيرة فكأنما أنشط من عقاله و جعل جبريل يقول بسم اللّه أرقيك و اللّه يشفيك من كل داء يؤذيك فلهذا جوّز الاسترقاء بما كان من كتاب اللّه و كلام رسوله لا بما كان بالسريانية و العبرية و الهندية فانه لا يحلّ اعتقاده و الاعتماد عليه ثم أمر بها النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فدفنت فقيل قتل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من سحره و قيل عفا عنه قال الواقدى عفوه عنه أثبت عندنا و روى قتله*

سرية أبان بن سعيد قبل نجد

و فى هذه السنة بعث (صلى اللّه عليه و سلم) أبان بن سعيد فى سرية من المدينة قبل نجد فقدم أبان فى أصحابه على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بخيبر بعد ما افتتحها و انّ جزم خيلهم الليف و لم يقسم لهم من غنائم خيبر و كان اسلام أبان بين الحديبية و خيبر و هو الذي أجار عثمان يوم الحديبية حين بعثه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الى مكة كذا فى حياة الحيوان‏

* اسلام أبى هريرة

و فى هذه السنة أسلم أبو هريرة* و فى المنتقى كان اسلامه بين الحديبية و خيبر و اختلفوا فى اسمه و اسم أبيه على ثمانية عشر قولا ذكرها ابن الجوزى فى التلقيح أشهرها عبد شمس بن عامر فسمى فى الاسلام عبد اللّه* و فى التذنيب الاظهر أنّ اسمه عبد الرحمن و اسم أبيه صخر و كانت له هريرة

42

صغيرة فكنى بها و كانت كنيته فى الجاهلية أبا الاسود* و فى المنتقى قيل له لم كنوك بأبى هريرة قال كنت أرعى غنم قومى و كانت لى هريرة صغيرة ألعب بها فكنونى بأبى هريرة و كان النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) يكنيه أبا هرّ قدم المدينة سنة سبع مهاجرا و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بخيبر فسار إليه حتى قدم مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة كذا فى الصفوة و كان أحفظ الصحابة لاخبار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و آثاره و لم يشتغل بالبيع و لا بالغرس و لزم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاث سنين مختارا للعدم و الفقر و دعا له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال اللهم حبب عبيدك هذا و أمّه الى عبادك المؤمنين و حبب إليهما المؤمنين و قال أبو هريرة حفظت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خمس جرب من العلم فاخرجت جرابين و لو أخرجت الثالث لرجمونى بالحجارة و عن يزيد بن الاصم قال سمعت أبا هريرة يقول يقولون لى أكثرت يا أبا هريرة و الذي نفسى بيده لو حدّثتكم بكل ما سمعت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لرميتمونى بالقشع و هى النخامة و قيل الجلد اليابس ثم ما ناظرتمونى* و عن أبى هريرة قال حفظت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وعاءين فأمّا أحدهما فبثثته فيكم و أمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم يعنى مجرى الطعام و عن سعيد بن المسيب أنّ أبا هريرة قال انكم تقولون ان أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و المهاجرون و الانصار لا يحدّثون عن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) مثل حديث أبى هريرة و ان اخوانى من المهاجرين كان يشغلهم الصفق فى الاسواق و اخوانى من الانصار يشغلهم عمل أموالهم و كنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة ألزم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) على مل‏ء بطنى فأحضر حين يغيبون و أعى حين ينسون* روى ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال له أ لا تسألنى عن هذه الغنائم التي يسألنى أصحابك فقال أسألك أن تعلمنى مما علمك اللّه و خرج النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ذات يوم و قال لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضى مقالتى هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول قال أبو هريرة فبسطت نمرة لى حتى اذا قضى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)* و فى رواية فنزع نمرة عن ظهرى فبسطها بينى و بينه حتى كأنى أنظر الى القمل يدب عليها حتى اذا استوعب حديثه قال اجمعها فجمعتها الى صدرى فما نسيت من مقالة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)* و روى عن الامام أحمد بن حنبل قال رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى المنام فقلت يا رسول اللّه ما روى أبو هريرة عنك حق قال نعم‏

قصة جراب أبى هريرة

و أبو هريرة كان من أهل الصفة و اختلف فى صفة جرابه و الصحيح ما روى عنه أنه قال أتيت النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بتمرات فقلت يا رسول اللّه ادع لى فيهنّ بالبركة قضمهن ثم دعا فيهنّ بالبركة و قال خذهنّ و اجعلهنّ فى مزودك كلما أردت منه شيئا فأدخل فيه يدك فخذه و لا تنثره نثرا قال فحملت من تلك التمرات كذا و كذا من وسق فى سبيل اللّه و كنا نأكل منه و نطعم و كان لا يفارق حقوى حتى كان يوم الدار يوم قتل عثمان انقطع فذهب* و فى رواية عنه قال كنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى غزوة فأصاب الناس مخمصة فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) يا أبا هريرة هل من شي‏ء قلت نعم شي‏ء من تمر فى المزود فقال ائتنى به فأتيته به فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها ثم قال ادع لى عشرة فدعوت عشرة فأكلوا حتى شبعوا فما زال يصنع ذلك حتى أطعم الجيش كلهم و شبعوا ثم قال خذ ما جئت به و أدخل يدك فاقبض و لا تكبه قال فقبضت على أكثر مما جئت به ثم قال أ لا أحدّثكم كم أكلت أكلت حياة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و حياة أبى بكر و أطعمت و حياة عمر و أطعمت و حياة عثمان و أطعمت فلما قتل عثمان انتهب يعنى الجراب فذهب* و فى المنتقى انتهبت يعنى المدينة و ذهب المزود و كان يقول‏

للناس همّ ولى فى اليوم همان‏* * * همّ الجراب و همّ الشيخ عثمان‏

43

توفى أبو هريرة بالمدينة و يقال بالعقيق سنة سبع و قيل ثمان و قيل تسع و خمسين من الهجرة فى آخر خلافة معاوية و له ثمان و سبعون سنة كذا فى الصفوة و سيجي‏ء فى الخاتمة مروياته فى كتب الاحاديث خمسة آلاف و ثلاثمائة و أربعة و سبعون حديثا*

غزوة خيبر

و فى هذه السنة وقعت غزوة خيبر* فى الاكتفاء لما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الحديبية فى ذى الحجة مكث بها ذا الحجة منسلخ سنة ست و بعض المحرم من سنة سبع* و فى رواية قريبا من عشرين يوما ثم خرج فى بقية منه الى خيبر غازيا و كان اللّه وعده اياها و هو بالحديبية بقوله* وعدكم اللّه مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه يعنى بالمعجل صلح الحديبية و بالمغانم الموعود بها فتح خيبر فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إليها مستنجزا ميعاد ربه و واثقا بكفايته و نصرته* و فى رواية أقام يحاصر خيبر بضع عشرة ليلة الى أن فتحها و قيل كانت فى آخر سنة ست و هو منقول عن مالك و به جزم ابن حزم قال الحافظ ابن حجر و الراجح ما ذكره ابن اسحاق و يمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناه على ان ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي و هو ربيع الاوّل كذا فى المواهب اللدنية* و فى المنتقى كانت غزوة خيبر فى جمادى الاولى و كان معه ألف و أربعمائة راجل و مائتا فارس و معه أمّ سلمة زوجته* و فى خلاصة الوفاء خيبر اسم ولاية مشتملة على حصون و مزارع و نخل كثير على ثلاثة أيام من المدينة على يسار خارج الشام و خيبر بلسان اليهود الحصن* و فى معجم ما استعجم بينها و بين المدينة ثمانية برد الى جهة الشام مشى ثلاثة أيام* و فى مزيل الخفاء كل بريد أربعة فراسخ و كل فرسخ ثلاثة أميال و كل ميل أربعة آلاف خطوة و كل خطوة ثلاثة أقدام يوضع قدم أمام قدم و يلصق به* و أمر أن لا يخرج معه الا من رغب فى الجهاد لا من غرضه عرض الدنيا و استخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفارى و استعمل على مقدمة الجيش عكاشة بن محصن الاسدى و على الميمنة عمر بن الخطاب و على الميسرة واحدا من أصحابه و فى بعض الكتب على بن أبى طالب و هو غير صحيح لان الروايات الصحيحة تدل على ان عليا فى أوائل الحال لم يكن فى العسكر و كان به رمد شديد و لما لحق بالعسكر أعطاه الراية و أمّره على الجيش و وقع الفتح على يده كما سيجي‏ء و كان دليله رجلين من أشجع ماهرين بالطريق اسم أحدهما حسبل و أرسل ابن أبى بن سلول الى يهود خيبر يخبرها بأن محمدا فى قصدكم و توجه إليكم فخذوا حذركم و أدخلوا أموالكم فى الحصون و اخرجوا الى قتاله و لا تخافوا منه فان عددكم و عددكم كثيرة و قوم محمد شرذمة قليلون عزل لا سلاح فيهم الا قليل فلما علم بذلك أهل خيبر أرسلوا كنانة بن أبى الحقيق و هوذة بن قيس الوائلى الى غطفان يستمدونهم لانهم كانوا حلفاء يهود خيبر و شرطوا لهم نصف ثمار خيبر ان غلبوا على المسلمين و لم تقبل غطفان خوفا من أهل الاسلام* و فى رواية قبلوا و لما نزل المسلمون منزل الرجيع و كان بينهم و بين غطفان مسيرة يوم و ليلة تهيأ غطفان و توجهوا الى خيبر لامداد اليهود و لما كانوا ببعض الطريق سمعوا من خلفهم حسا و لغطا فظنوا ان المسلمين أغاروا على أهليهم و أموالهم فرجعوا و تركوا أهل خيبر مخذولين و خلوا بين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و بين خيبر كما سيجي‏ء* و فى معجم ما استعجم قال محمد بن اسحاق كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين خرج من المدينة الى خيبر سلك على عصر هكذا روى بفتح العين و اسكان الصاد المهملة و فى بعض النسخ عصر بفتح الصاد قال فبنى له فيها مسجد ثم سلك على الصهباء التي أعرس بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هى من خيبر على بريد* روى انه (صلى اللّه عليه و سلم) لما ورد الصهباء و صلى بها العصر دعا بالازواد فلم يأتوا بغير التمر و السويق فأكلوا و صلى المغرب فى الجماعة بوضوء العصر و بعد ما صلى العشاء دعا بالدليلين ليدلاه على أحسن طرق خيبر حتى يحول بين أهل خيبر و غطفان فقال أحد

44

الدليلين و اسمه حسبل انا أدلك يا رسول اللّه فأقبل حتى انتهوا الى مفرق الطريق المتعدّدة قال حسبل يا رسول اللّه هذه طرق يمكن الوصول من كل منها الى المقصد فأمر بأن يسميها له واحدا واحدا قال حسبل اسم واحد منها احزن فأبى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من سلوكه و قال اسم الآخر شأس فامتنع منه أيضا و قال اسم الآخر حاطب فامتنع منه أيضا قال حسبل فما بقى الا واحد قال عمر ما اسمه قال مرحب فاختار النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) سلوكه فقال عمر يا حسبل هلا قلت هذا أوّل مرة* و فى خلاصة الوفاء مرحب بالحاء المهملة كمقعد طريق اختار النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أن يسلكه لخيبر بعد ان ذكر له طرق غيره فأبى أن يسلكها فأقبل حتى نزل بواد يقال له الرجيع كأمير فنزله بين أهل خيبر و بين غطفان ليحول بينهم و بين أن يمدوا أهل خيبر و كانوا لهم مظاهرين على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كما مرّ و قد كان النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قدّم عباد بن بشر فى جماعة من الركبان أمامه طليعة فأصابوا عينا اليهود خيبر فأخذوه فسأله عباد من أنت قال جمال فاقدا بل خرجت أطلبها قال ما الخبر من أهل خيبر قال هم أرسلوا هوذة بن قيس و كنانة بن أبى الحقيق الى حلفائهم يستمدونهم و أدخلوا عيينة بن بدر مع جمع كثير فى حصونهم لامدادهم فالان فيها ألف مقاتل يترقبون حرب محمد و أصحابه قال له عباد كأنك عينهم فأنكر فضربه و عذبه و خوّفه بالقتل فقال اذا أدخلتنى فى جوارك أصدقتك ففعل فقال اعلموا ان أهل خيبر خائفون منكم خوفا شديدا و استولى على قلوبهم خوف عظيم مما فعلتم بيهود بنى قريظة و النضير و منافقو المدينة بعثوا الى أهل خيبر يخبرونهم ان محمدا يقصدكم فلا تخافوهم فانهم قليلون فأرسلونى لا تجسس أخباركم و أحرز أعدادكم و مقداركم فجاء به عباد الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره بما سمع منه فقال عمر ينبغى أن يضرب عنقه فقال عباد هو فى جوارى فأمر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) عبادا بحفظه حتى يتبين الامر و بعد ما دخل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) خيبر أسلم العين و عن سلمة بن الاكوع أنه قال خرجنا من المدينة مع النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الى خيبر فقال رجل من القوم لعامر بن الاكوع أ لا تسمعنا من هنيهاتك و كان عامر رجلا شاعرا فشرع يحد و للقوم يقول رجز ابن رواحة

اللهمّ لو لا أنت ما اهتدينا* * * و لا تصدّقنا و لا صلينا

فاغفر فدى لك لما أبقينا* * * و ثبت الاقدام ان لاقينا

و ألقين سكينة علينا* * * انا اذا صيح بنا أتينا

و بالصياح عوّلوا علينا

و فى رواية اياس بن أبى سلمة عن أبيه عن الضبى فى هذا الرجز من الزيادة و هو قوله‏

ان الذين قد بغوا علينا* * * اذا أرادوا فتنة أبينا

و نحن عن فضلك ما استغنينا

فأعجب القوم ذلك و فرحوا و أسرع الابل فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) كما فى رواية البخاري من هذا السائق قالوا عامر بن الاكوع فقال يرحمه اللّه* و فى رواية لما قال من هذا السائق قال أنا عامر ابن الاكوع فقال غفر لك ربك و كان معلوما عندهم انه ما استغفر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لانسان يخصه الا استشهد فقال عمر بن الخطاب وجبت له الشهادة فنادى عمر و هو على جمل له يا رسول اللّه هلا أمتعتنا به فاستشهد فى خيبر كما سيجي‏ء* و فى صحيح البخاري فأصيب صبيحة ليلته* و فى بعض الكتب لما سكت عامر عن الحداء أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عبد اللّه بن رواحة أن يسوق الابل فشرع عبد اللّه فى الحداء و أنشد ما أنشد عامر و زاد عليه فقال (صلى اللّه عليه و سلم) اللهمّ ارحمه فاستشهد هو أيضا بمؤتة كما سيجي‏ء* و روى انه كان لسلام بن مشكم حصن‏

45

صعب فذهب جماعة من أعيان يهود الى منزله و شاوروه فى الخروج الى حرب محمد و التحصن فى حصونهم فحرضهم سلام على الخروج* و فى رواية قال الرأى ما أشار إليكم عبد اللّه بن أبى على سبيل النصيحة و لكن لم يقدّر لهم الخروج فبقوا فى حصونهم* و روى ان النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) دخل حصونها من طريق وادى خرصه و لما أشرف (صلى اللّه عليه و سلم) على خيبر قال لاصحابه قفوا ثم قال اللهمّ رب السموات و ما أظللن و رب الارضين و ما أقللن و رب الشياطين و ما أضللن و رب الرياح و ما أذرين* و فى رواية و رب البحار و ما جرين فانا نسألك خير هذه القرية و خير أهلها و خير ما فيها و نعوذ بك من شرّها و شرّ أهلها و شرّ ما فيها ثم قال اقدموا بسم اللّه و كان يقولها لكل قرية دخلها فساروا حتى انتهوا الى موضع يسمى المنزلة و عرّس بها ساعة من الليل فصلى فيها نافلته فبنى له ثمة له مسجد بالحجارة و هذا المسجد يسمى المنزلة و فيه تصلى الاعياد اليوم كذا فى معجم ما استعجم فقامت راحلته تجرّ زمامها فأدركت لتردّ فقال دعوها فانها مأمورة فلما انتهت الى موضع الصخرة بركت عندها فتحوّل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الى الصخرة و تحوّل الناس إليها و اتخذوا ذلك الموضع معسكرا و ابتنى هناك مسجدا و هو مسجدهم اليوم و هو المسجد الاعظم الذي كان طول مقامه بخيبر يصلى فيه و بنى عيسى بن موسى هذا المسجد و انفق عليه ما لا جزيلا و هو على طاقات معقودة و له رحاب واسعة و فيها الصخرة التي يصلى إليها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) طول مقامه بخيبر و كان قد استولى ليلتئذ نوم الغفلة على أهل خيبر فلم يشعروا بقدوم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع انهم كانوا قبل ذلك يبعثون كل ليلة من رجالهم ركبانا متسلحة للتجسس و الاستخبار عن جيش الاسلام فانهم كانوا قد سمعوا بخروجهم من المدينة و توجههم الى خيبر و فى تلك الليلة لم يتحرّك أحد منهم حتى ان ديوكهم لم تصح و دوابهم لم تتحرّك* و فى البخاري من حديث أنس أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أتى خيبر ليلا و كان اذا أتى قوما بليل لم يغزهم حتى يصبح فان سمع أذانا أمسك و الا أغار فبات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى أصبح و لم يسمع أذانا فركب و ركبنا معه و ركبت خلف أبى طلحة و ان قدمي لتمس قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فاستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم و مكاتلهم* و فى رواية فلما أصبحوا و أفئدتهم تخفق فانتبهوا قريبا من طلوع الشمس و فتحوا حصونهم و غدوا الى أعمالهم فخرجوا بمساحيهم و مدافلهم و مكاتلهم فلما رأوه قالوا و اللّه محمد و الخميس معه فولوا هاربين الى حصونهم و جعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول اللّه أكبر خربت خيبر فانا اذا انزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين و الخميس الجيش سمى به لانه مقسوم بخمسة أقسام التامّة؟؟؟ و الساقة و الميمنة و الميسرة و القلب و محمد خبر مبتدأ أى هذا محمد قال السهيلى و يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل لانه (عليه السلام) لما رأى آلة الهدم تفاءل ان مدينتهم ستخرب انتهى و يحتمل كما قاله فى فتح البارى أن يكون قال خربت خيبر بطريق الوحى و يؤيده قوله انا اذ انزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين فدخلت اليهود حصونهم و أخبر و اسلام بن مشكم بأنه قد دهمهم جيش محمد قال ما سمعتم كلامى و قصرتم فى الخروج إليه فلا تقصروا فى الحرب لأن تقتلوا فى الحرب خير من أن توتروا فعزموا على الحرب فأدخلوا أموالهم و عيالهم فى حصن كثيبة و أدخلوا ذخائرهم فى حصن ناعم و جمع المقاتلة و أهل الحرب فى حصن نطاة و سلام بن مشكم مع انه كان مريضا جاء و دخل نطاة معهم و حرض الناس على الحرب و مات فى ذلك الحصن و لما تيقن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ان اليهود تحارب وعظ أصحابه و نصحهم و حرضهم على الجهاد و رغبهم فى الثواب و بشرهم بأن من صبر فله الظفر و الغنيمة و قال مغلطاى و غيره و فرّق (عليه السلام) الرايات و لم تكن الرايات الا بخيبر و انما كانت الالوية و قال الدمياطى و كانت‏

46

راية النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) سوداء من برد لعائشة* و فى رواية عقد النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) رايتين احداهما سوداء من ستر باب عائشة و تسمى العقاب و الأخرى بيضاء و كانت ألوية غيرهما و كان شعار المسلمين يا منصور أمت أمت* روى ان خباب بن المنذر أتى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقال يا رسول اللّه أ رأيت هذا المنزل أ منزل أنزلكه اللّه أم هو الرأى فى الحرب قال بل هو الرأى فقال يا رسول اللّه ان هذا المنزل قريب جدّا من حصن نطاه و جميع مقاتل خيبر فيها و هم يدرون أحوالنا و نحن لا ندرى أحوالهم و سهامهم تصل إلينا و سهامنا لا تصل إليهم و لا نأمن بياتهم و أيضا هذا منزل بين النخلات و مكان غائر و أرض و خيمة لو أمرت بمكان خال عن هذه المفاسد يتخذ معسكرا قال (صلى اللّه عليه و سلم) الراى ما أشرت إليه و قد مرّ مثل هذا فى غزوة بدر فدعا محمد بن مسلمة فأمره أن يرتاد منزلا يصلح لأن يتخذ معسكرا كما قاله خباب فذهب محمد بن مسلمة يلتمس و يدور حتى انتهى الى موضع يقال له الرجيع فرأى ذلك الموضع صالحا للمعسكر فرجع الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أخبره به فنهضوا إليه بالليل فيومئذ فى ذلك الموضع شرعوا فى حرب حصن نطاة و كانت اليهود ترمى بالسهام الى عسكر الاسلام و يلتقطها المسلمون و يرمونها فى وجوههم الى الحصن ثم انهم قطعوا من نخيل نطاة أربعمائة نخلة و ما قطع فى خيبر غير نخيلها* و فى تلخيص المغازى و بعض كتب السير أوّل ما فتح من حصون خيبر نطاة ثم الشق و قال ابن اسحاق كان أوّل حصن افتتحه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حصن ناعم و عنده قتل محمود بن مسلمة و كان قد حارب حتى أعياه الحرب و ثقل السلاح و كان الحرّ يومئذ شديدا فانحاز محمود بن مسلمة الى ظل حصن ناعم يظنّ ان ليس فيه أحد و كان مرحب اليهودى أو كنانة بن أبى الحقيق يراه فأتى بحجر الرحا و ألقاه على رأسه فهشمت البيضة على رأسه و نزل جلد جبهته على وجهه فأدركه المسلمون فارتثوه الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فسوّى جلده بيده الى مكانه و عصبه بخرقة فمات من هذه الجراحة ثم افتتح (صلى اللّه عليه و سلم) القموص حصن بنى أبى الحقيق فأصاب (صلى اللّه عليه و سلم) سبايا منهم صفية ابنة حيى بن أخطب و كانت زوجة كنانة بن الربيع ابن أبى الحقيق و بنتا عم لها فاصطفى صفية لنفسه بعد أن سأله اياها دحية بن خليفة الكلبى فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتى عمها و كان بلال هو الذي جاء بصفية و بأخرى معها فمرّ بهما على قتلى يهود فلما رأتهم التي مع صفية صاحت و صكت وجهها و حثت التراب على رأسها فلما رآها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال اعزبوا عنى هذه الشيطانة فذكر ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لبلال حين رأى بتلك اليهودية ما رأى أ نزعت منك الرحمة يا بلال حتى تمر بامرأتين على قتلى رجالهما ثم أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حصن القموص و أتى إليه بكنانة بن الربيع و هو من رؤساء يهود خيبر و كان عنده كنز بنى النضير و أبى الحقيق و كان ملأ مسك جمل بالجيم و قيل حمار ذهبا و عقودا من الدر و الجوهر و اذا كان لاعيان أهل مكة و رؤسائهم وليمة أو عرس يبعثون إليه بالرهن و يستعيرون منه فيعطيهم من ذلك الحلى و الجواهر ما أرادوه و كان الكنز فى الاوائل ملأ مسلك حمل بالحاء المهملة و لما ازدادت ثروة أبى الحقيق زادها حتى لا يسعها مسك شاة فجعلها فى مسك ثور هكذا كان يزيد عليها حتى جعلها ملأ مسك بعير و لما سأل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) كنانة عن الكنز قال يا أبا القاسم صرفناها فى الحروب و نوائب الدهر حتى فنيت و ما بقى منها شي‏ء و حلف على ذلك فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ان ظهر خلاف ذلك أبحت دماءكم قالوا نعم فأشهد النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) على ذلك أبا بكر و عمر و عليا و عشرة من رجال يهود فقام يهودى و قال لكنانة ان كان ما يطلبه محمد عندك أو تعلم أين هو فأخبره تبق فى أمانه و الا فو اللّه ليطلعنه اللّه عليه فتفتضح فزجره كنانة و لم يسمع كلامه‏

47

فأطلع اللّه نبيه على موضع الكنز فطلب كنانة فأخبره بكذبه و انه أخبر به من السماء و كان كنانة حين رأى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فتح حصن نطاة و تيقن بظهوره عليهم دفنه فى خربة* و فى رواية سأل (صلى اللّه عليه و سلم) ثعلبة بن سلام بن أبى الحقيق عن الكنز قال لا أدرى غير انى رأيت كنانة يطيف كل غداة حول تلك الخربة فأرسل (صلى اللّه عليه و سلم) الزبير بن العوّام مع جماعة الى تلك الخربة فحفروها و وجدوا الكنز فرفع عنهم الامان و أبيحت دماؤهم* و فى الاكتفاء فسأل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) كنانة عن الكنز فجحد ان يكون يعلم مكانه فأتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) برجل من اليهود فقال انى رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أ رأيت ان وجدناه عندك أقتلك قال نعم فأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله ما بقى فأبى أن يريه فأمر به الزبير بن العوّام فقال عذبه حتى تستأصل ما عنده فكان الزبير يقدح بزند فى صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة* و فى المواهب اللدنية و فتح اللّه عليه خيبر حصنا حصنا و هى نطاة و حصن الصعب و حصن ناعم و حصن قلعة الزبير و الشق و حصن أبى و حصن البراء و القموص و الرطيح و السلالم و هو حصن آل أبى الحقيق* و فى خلاصة الوفاء الوطيح بالفتح و كسر الطاء المهملة و مثناة تحتية و حاء مهملة من أعظم حصون خيبر و فى كتاب أبى عبيدة الوطيحة بزيادة هاء و فى بعض الكتب اللغوية عدّ السطيح بفتح السين المهملة من حصون خيبر مما فتحه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ما وجدته فى كتب السير و اللّه أعلم بذلك و السلالم بضم السين و كسر اللام الثانية أحرز حصون خيبر أو موضع به حصن من حصونها و روى الواقدى ان من حصون خيبر البزار كان أهله أشدّ رميا للمسلمين من؟؟؟ حصاره فحصبه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بكف من حصى فرجف بهم و ساخ* و فى تلخيص المغازى فى أيام محاصرة حصن صعب خرج من الحصن عشرون أو ثلاثون حمارا فأخذها رهط من المسلمين فذبحوها و جعلوا لحومها فى قدور و جعلوا يطبخونها للاكل من شدّة الجوع فمرّ بهم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فسأل عما فى القدور و البرام قالوا لحم الحمر الانسية فأمر المنادى حتى نادى ألا ان لحم الحمار الانسى و لحم كل حيوان ذى ناب من السباع و ذى مخلب من الطيور و نكاح المتعة حرام المشهور فى الانسية كسر الهمزة نسبة الى الانس و هم بنو آدم و حكى ضم الهمزة ضدّ الوخشية و يجوز فتحها و النون أيضا مصدر أنست به انسا و انسة* و فى المواهب اللدنية نهى يوم خيبر عن أكل الثؤم و عن لحم الحمر الاهلية و عن سلمة بن الاكوع لما امسوا يوم فتحوا خيبر أوقدوا النيران قال (صلى اللّه عليه و سلم) علا أو قدتم هذه النيران قالوا على لحم الحمر الاهلية قال أهريقوا ما فيها فكسروا قدورها فقام رجل من القوم فقال أ نهريق ما فيها و نغسلها فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أو ذلك كذا فى الصحيحين* و فى الاكتفاء قال ابن عقبة كانت خيبر أرضا و خيمة شديدة الحرّ فجهد المسلمون جهدا شديدا و أصابتهم مسغبة شديدة فوجدوا أحمرة انسية ليهود لم يكونوا أدخلوها فى الحصن فانتحروها ثم وجدوا فى أنفسهم من ذلك فذكروها لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فنهاهم عن أكلها* و عن جابر بن عبد اللّه و؟؟؟ خيبر أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم فى لحوم الحيل و عن معتب بن قش الاسلمى أنه قال حين محاصرة نطاة بلغ حالنا أيها الاسلميون المخمصة فأرسلنا الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) نشكو إليه الجوع فقلنا له ادع لنا بالفتح فقال اللهمّ افتح للمسلمين أعظم الحصون و أكثرها طعاما فجمع الجيش و أعطى الراية خباب بن المنذر و أمرهم أن يحملوا جملة واحدة ففعلوا فأوّل جماعة و صلوا الى باب‏

48

حصن الصعب أسلم و كانوا يحاربون حتى فتح الحصن فأصابوا أقمشة و أمتعة و أطعمة كثيرة* و فى الاكتفاء و لما أصاب المسلمين بخيبر ما أصابهم من الجهد أتى بنو سهم من أسلم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقالوا يا رسول اللّه لقد جهدنا و ما بأيدينا من شي‏ء فلم يجدوا عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) شيئا يعطيهم اياه فقال اللهمّ انك قد عرفت حالهم و ان ليست بهم قوّة و ان ليس بيدى شي‏ء أعطيهم اياه فافتح عليهم أعظم حصونها غناء و أكثرها طعاما و ودكا فغدا الناس ففتح اللّه عليهم حصن الصعب بن معاذ و ما بخيبر حصن كان أكثر طعاما و ودكا منه* و فى معجم ما استعجم نطاة و شق و اديان بينهما أرض تسمى السبخة و فى نطاة حصن مرحب و قصره وقع فى سهم الزبير بن العوّام و فى نطاة عين تسمى اللجيجة و أوّل دار فتحت بخيبر دار بنى قمة و هى بنطاة و هى منزل لياسر أخى مرحب و هى التي قالت فيها عائشة رضى اللّه عنها ما شبع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من خبز الشعير و التمر حتى فتحت دار بنى قمة قال كل ذلك من كتاب السكونى ثم قال بالشق عين تسمى الحمة و هى التي سماها النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قسمة الملائكة يذهب ثلثا مائها فى فلج بالفاء و الجيم و هو النهر الصغير كذا فى الصحاح و الثلث الآخر فى فلج و المسلك واحد و قد اعتبرت منذ زمان النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الى اليوم يطرح فيها ثلاث خشبات أو ثلاث تمرات فيذهب اثنان فى الفلج الذي له ثلثا مائها و واحدة فى الفلج الثانى و لا يقدر أحد أن يأخذ من ذلك الفلج أكثر من الثلث و من قام فى الفلج الذي يأخذ الثلثين ليردّ الماء الى الفلج الثانى غلبه الماء و فاض و لم يرجع الى الفلج الثانى بشي‏ء يزيد على الثلث* قال الواقدى بعد فتح الشق و نطاة تحوّل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الى كثيبة* و فى خلاصة الوفاء الكثيبة بلفظ كتيبة الجيش قاله أبو عبيدة بالمثلثة حصن بخيبر خمس اللّه و رسوله و ذى القربى و اليتامى و المساكين و جاء أهل الشق و نطاة فتحصنوا معهم فى القموص و هو حصن خيبر الاعظم و القموص بالصاد المهملة كصبور جبل عليه حصن لبنى أبى الحقيق بخيبر و قيل الحصن بالغين و الضاد المعجمتين و كان حصنا حصينا حاصره النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قريبا من عشرين ليلة و حين حاصره كانت به شقيقة لم يقدر أن يحضر بنفسه الكريمة معركة المحاربة و كان يعطى الراية كل يوم واحدا من أصحابه و يبعثه الى المحاربة فأعطاها يوما أبا بكر و وجهه إليه فأتاه و قاتل مقاتلة شديدة و رجع من غير فتح و أخذ الراية فى اليوم الثانى عمر فقاتل أشدّ من اليوم السابق و لم يفتح له* و فى رواية فى اليوم الاوّل قاتل عمر و فى الثانى أبو بكر و فى الثالث عمر و لم يفتح الحصن فلما أمسى قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) اما و اللّه لأعطين الراية غدا رجلا كرارا غير فرّار يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله يفتح اللّه على يديه* و فى رواية قال ابشر يا محمد بن مسلمة تقتل غدا قاتل أخيك و بات الناس يدوكون ليلتهم أى يحرصون و يتحدّثون أيهم يعطاها غدا و لم يكن أحد من الصحابة الذين لهم منزلة من النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الا يرجو أن يعطاها روى ان عليا لما بلغه ما قاله النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قال اللهمّ لا معطى لما منعت و لا مانع لما أعطيت* روى ان الناس لما أصبحوا غدوا الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و اجتمعوا على بابه* و فى المنتقى لما كان من الغد تطاول لها أبو بكر و عمر و قريش يرجو كل واحد أن يكون هو صاحب ذلك و عن سعد بن أبى وقاص قال جئت فبركت بحذاء النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ثم قمت و وقفت بين يديه و عن عمر بن الخطاب أنه قال ما أحببت الامارة الا ذلك اليوم ثم خرج النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من خيمته و قال أين على بن أبى طالب فقيل هو يشتكى عينيه و عن سلمة بن الاكوع أنه قال كان علىّ تخلف عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى سفر خيبر بالمدينة

أوّلا و كان به رمد شديد حتى انه كان لا يرى شيئا ثم قال أنا أتخلف عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فتأهب و خرج فى أثره و لحق به فى الطريق أو بعد وصوله الى خيبر

49

فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أرسلوا إليه من يأتى به فذهب إليه سلمة بن الاكوع و أخذ بيده يقوده حتى أتى به الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و هو أرمد و كان قد عصب عينيه بشقة برد قطرى فتفل فى عينيه و دعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به رمد و لا وجع فأعطاه الراية و عن علىّ أنه قال لما انتهيت الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) وضع رأسى فى حجره فبصق فى عينى و فى رواية عنه بصق فى كفه و مسح به عينى فشفيت فى الحال و ما اشتكيتهما بعد اليوم أبدا و فى رواية فما وجعاه بعد حتى مضى لسبيله و فى رواية عن علىّ دعا له النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقال اللهمّ أذهب عنه الحر و القر فما وجد بعده الحر و البرد و كان يلبس ثياب الصيف فى الشتاء و لا يبالى و ثياب الشتاء فى الصيف و لا يبالى و فى رواية ألبسه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) درعه الحديد و شدّ ذا الفقار أعنى السيف فى وسطه و أعطاه الراية و وجهه الى الحصن فقال علىّ يا رسول اللّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا يعنى مسلمين فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم الى الاسلام و أخبرهم بما يجب عليهم من حق اللّه فيه فو اللّه لان يهدى اللّه بك رجلا واحدا خير لك من ان يكون لك حمر النعم يعنى تصدّقت بها فى سبيل اللّه أخرجاه فى الصحيحين* و فى معالم التنزيل قال امض و لا تلتفت حتى يفتح اللّه عليك و فى الاكتفاء قال خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح اللّه عليك قال سلمة ابن عمرو بن الاكوع فخرج علىّ و اللّه يهرول هرولة و انا خلفه نتبع أثره حتى ركز رايته فى ربض من حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودى من فوق الحصن قال من أنت فقال على بن أبى طالب فقال اليهودى غلبتم و ما أنزل على موسى أو كما قال قال فما رجع حتى فتح اللّه على يديه و فى المواهب اللدنية و لما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرا فتناول ساق يهودى ليضربه و رجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه فلما قفلوا قال سلمة قلت يا رسول اللّه فداك أبى و أمّى زعموا ان عامرا قد حبط عمله قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) كذب من قاله و ان له أجرين و جمع بين اصبعيه انه لجاهد مجاهد رواه البخاري و فى بعض كتب السير روى انه لما حاربوا على حصن صعب خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه و يقول شعرا

قد علمت خيبر أنى مرحب‏* * * شاكى السلاح بطل مجرب‏

اذا الحروب أقبلت تلتهب

فبرز له عامر بن الاكوع و قال‏

قد علمت خيبر انى عامر* * * شاكى السلاح بطل مغامر

فاختلفا ضربتين فاوّلا سلّ مرحب سيفه و ضرب به عامرا فاتقى عامر بترسه فنشب السيف فى الترس فسل عامر سيفه و ذهب يسفل فتناول به ساق مرحب ليضربه و كان فى سيفه قصر فرجع سيفه على نفسه فأصاب ذباب السيف ركبة نفسه فقطع أكحله فكانت فيها موته فدفنوه فى منزل رجيع مع محمود بن مسلمة فى غار واحد قال سلمة بن الاكوع لما رجعنا من خيبر رآنى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فى الطريق محزونا* و فى رواية قال أتيت النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقلت يا رسول اللّه يزعم أسيد بن حضير و جماعة من أصحابك ان عامرا حبط عمله اذ قتل بسيفه قال كذب من قاله ان له لأجرين اثنين و جمع بين اصبعيه و قال انه لجاهد مجاهد كما مرّ* و فى رواية قال انه ليعوم فى الجنة عوم الدعموص* و عن زيد بن ابى عبيد قال رأيت أثر ضربة بساق سلمة بن الاكوع فقلت ما هذه الضربة قال هذه ضربة أصابتنى يوم خيبر فأتيت النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فنفث فيها ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة أخرجه البخاري و عنه أيضا شهدنا خيبر فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لرجل ممن معه يدّعى الاسلام هذا من أهل النار فلما حضر القتال قاتل الرجل أشدّ

50

القتال حتى كثرت به الجراحة فكاد بعض الناس يرتاب فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده الى كنانته فاستخرج منها سهما فنحر نفسه فاشتدّ رجال من المسلمين فقالوا يا رسول اللّه صدّق اللّه حديثك انتحر فلان فقتل نفسه فقال قم يا فلان فناد لا يدخل الجنة الا مؤمن و ان اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر* و فى رواية قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عند ذلك ان الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس و هو من أهل النار و ان الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس و هو من أهل الجنة كذا فى المواهب اللدنية* و روى ان عليا لما انتهى الى حصن قموص كان أوّل من خرج إليه من الحصن الحارث اليهودى أخو مرحب مع اتباعه و باشهر الحرب و قتل رجلين من المسلمين فقتله علىّ فلما رأى مرحب أن أخاه قد قتل خرج من الحصن سريعا مع اتباعه و هو يرتجز و يقول‏

قد علمت خيبر انى مرحب‏* * * شاكى السلاح بطل مجرّب‏

أطعن أحيانا و حينا أضرب‏* * * اذا الحروب أقبلت تلهب‏

ان حماى للحمى لا يقرب

روى أنه لم يكن فى أهل خيبر أشجع من مرحب و كان يومئذ قد لبس درعين و تقلد بسيفين و اعتمّ بعمامتين و لبس فوقهما مغفرا و حجرا قد ثقبه قدر البيضة* و فى معالم التنزيل كهيئة البيضة على رأسه و له رمح سنانه ثلاثة أسنان و لم يقدر أحد من أهل الاسلام أن يقاومه فى الحرب فبرز له علىّ و هو يرتجز و يقول‏

أنا الذي سمتنى أمى حيدره‏* * * ضرغام آجام و ليث قسوره‏

و فى الكشاف كانت أمّه فاطمة بنت أسد رضى اللّه عنها سمته أسدا باسم أبيها و كان أبو طالب غائبا فلما رجع كره ذلك و سماه عليا* و فى معالم التنزيل و الكشف* كليث غابات كريه المنظرة* بدل* ضرغام آجام و ليث قسوره* عبل الذراعين غليظ القصرة* أو فيهم و فى رواية* أكيلكم بالصاع كيل السندرة* قوله عبل الذراعين أى ضخمهما و القصرة أصل العنق و السندرة ضرب من الكيل كبير و اسم امرأة كانت تبيع القمح و توفى الكيل كذا فى القاموس قيل لعلّ النكتة فى ارتجاز علىّ بهذا الرجز أنّ مرحبا كان قد رأى فى المنام أنّ أسدا يفترسه فلعلّ اللّه أطلع عليا على رؤيا مرحب فأراد أن بذكره رؤياه ليقذف فى قلبه الرعب فيجبن جبن الرباح و لا تقوى يده على حمل السلاح* و فى حياة الحيوان الرباح بفتح الراء و الباء المخففة دويبة كالسنور و هى التي يجلب منها الزباد و ذكر القرود و فى الامثال قالوا أجبن من الرباح* فلما اختلطا أراد مرحب أن يضرب عليا فسبقه علىّ فعلاه بالسيف و هو ذو الفقار فتترس مرحب فوقع السيف على الترس فقدّه و الحجر و المغفر و العمامتين و فلق هامته حتى أخذ السيف فى الاضراس كذا فى معالم التنزيل* قيل هذا أى قتل علىّ مرحبا هو الصحيح و ما نظمه بعض الشعراء يؤيده و هو

علىّ حمى الاسلام من قتل مرحب‏* * * غداة اعتلاه بالحسام المضخم‏

و فى رواية قتله محمد بن مسلمة* فى الاكتفاء و لما افتتح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من حصونهم ما افتتح و حاز من الاموال ما حاز انتهوا الى حصنيهم الوطيح و السلالم و كانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بضع عشرة ليلة و خرج مرحب اليهودى من حصنهم قد جمع سلاحه و هو ينادى من يبارز و يرتجز و يقول‏

قد علمت خيبر أنى مرحب‏* * * شاكى السلاح بطل مجرّب‏