تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج4

- ابن جرير الطبري المزيد...
576 /
5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

سنه ست عشره‏

قال ابو جعفر: ففيها دخل المسلمون مدينه بهرسير، و افتتحوا المدائن، و هرب منها يزدجرد بن شهريار.

ذكر بقية خبر دخول المسلمين مدينه بهرسير

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب، قالوا: لما نزل سعد على بهرسير بث الخيول، فاغارت على ما بين دجلة الى من له عهد من اهل الفرات، فأصابوا مائه الف فلاح، فحسبوا، فأصاب كل منهم فلاحا، و ذلك ان كلهم فارس ببهرسير فخندق لهم، فقال له شيرزاد دهقان ساباط: انك لا تصنع بهؤلاء شيئا، انما هؤلاء علوج لأهل فارس لم يجروا إليك، فدعهم الى حتى يفرق لكم الرأي.

فكتب عليه باسمائهم، و دفعهم اليه، فقال شيرزاذ: انصرفوا الى قراكم.

و كتب سعد الى عمر: انا وردنا بهرسير بعد الذى لقينا فيما بين القادسية و بهرسير، فلم يأتنا احد لقتال، فبثثت الخيول، فجمعت الفلاحين من القرى و الاجام، فر رأيك.

فأجابه: ان من أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين لم يعينوا عليكم فهو امانهم، و من هرب فادركتموه فشأنكم به.

فلما جاء الكتاب خلى عنهم و راسله الدهاقين، فدعاهم الى الاسلام و الرجوع، او الجزاء و لهم الذمة و المنعه، فتراجعوا على الجزاء و المنعه و لم يدخل في ذلك ما كان لال كسرى، و من دخل معهم، فلم يبق في غربي دجلة الى ارض العرب سوادي الا امن و اغتبط بملك الاسلام و استقبلوا الخراج، و أقاموا على بهرسير شهرين يرمونها بالمجانيق و يدبون اليهم‏

6

بالدبابات، و يقاتلونهم بكل عده.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المقدام بن شريح الحارثى، عن ابيه، قال: نزل المسلمون على بهرسير، و عليها خنادقها و حرسها و عده الحرب، فرموهم بالمجانيق و العرادات، فاستصنع سعد شيرزاد المجانيق، فنصب على اهل بهرسير عشرين منجنيقا، فشغلوهم بها.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السرى، عن ابن الرفيل، عن ابيه، قال: فلما نزل سعد على بهرسير، كانت العرب مطيفه بها، و العجم متحصنه فيها، و ربما خرج الأعاجم يمشون على المسنيات المشرفه على دجلة في جماعتهم و عدتهم لقتال المسلمين، فلا يقومون لهم، فكان آخر ما خرجوا في رجاله و ناشبه، و تجردوا للحرب، و تبايعوا على الصبر، فقاتلهم المسلمون فلم يثبتوا لهم، فكذبوا و تولوا، و كانت على زهره بن الجويه درع مفصومة، فقيل له: لو امرت بهذا الفصم فسرد! فقال: و لم؟ قالوا: نخاف عليك منه، قال: انى لكريم على الله، ان ترك سهم فارس الجند كله ثم أتاني من هذا الفصم، حتى يثبت في! فكان أول رجل من المسلمين اصيب يومئذ بنشابه، فثبت فيه من ذلك الفصم، فقال بعضهم: انزعوها عنه، فقال: دعوني، فان نفسي معى ما دامت في، لعلى ان اصيب منهم بطعنه او ضربه او خطوه، فمضى نحو العدو، فضرب بسيفه شهربراز من اهل اصطخر، فقتله، و احيط به فقتل و انكشفوا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد ابن ثابت، عن عمره ابنه عبد الرحمن بن اسعد، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: لما فتح الله عز و جل و قتل رستم و اصحابه بالقادسية و فضت جموعهم،

7

اتبعهم المسلمون حتى نزلوا المدائن، و قد ارفضت جموع فارس، و لحقوا بجبالهم، و تفرقت جماعتهم و فرسانهم، الا ان الملك مقيم في مدينتهم، معه من بقي من اهل فارس على امره.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سماك بن فلان‏

9

الهجيمي‏

9

، عن ابيه و محمد بن عبد الله، عن انس بن الحليس، قال:

بينا نحن محاصرو بهرسير بعد زحفهم و هزيمتهم، اشرف علينا رسول فقال: ان الملك يقول لكم: هل لكم الى المصالحه على ان لنا ما يلينا من دجلة و جبلنا، و لكم ما يليكم من دجلة الى جبلكم؟ اما شبعتم لا اشبع الله بطونكم! فبدر الناس ابو مفزر الأسود بن قطبه، و قد انطقه الله بما لا يدرى ما هو و لا نحن، فرجع الرجل و رأيناهم يقطعون الى المدائن، فقلنا:

يا أبا مفزر، ما قلت له؟ فقال: لا و الذى بعث محمدا بالحق ما ادرى ما هو، الا ان على سكينه، و انا أرجو ان أكون قد انطقت بالذي هو خير، و انتاب الناس يسالونه حتى سمع بذلك سعد، فجاءنا فقال: يا أبا مفزر، ما قلت؟ فو الله انهم لهراب، فحدثه بمثل حديثه إيانا، فنادى في الناس، ثم نهد بهم، و ان مجانيقنا لتخطر عليهم، فما ظهر على المدينة احد، و لا خرج إلينا الا رجل نادى بالأمان فآمناه، فقال: ان بقي فيها احد فما يمنعكم! فتسورها الرجال، و افتتحناها، فما وجدنا فيها شيئا و لا أحدا، الا أسارى اسرناهم خارجا منها، فسألناهم و ذلك الرجل: لأي شي‏ء هربوا؟

فقالوا: بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح، فأجبتموه بانه لا يكون بيننا و بينكم صلح ابدا حتى ناكل عسل افريذين باترج كوثى، فقال الملك:

وا ويله! الا ان الملائكة تكلم على السنتهم، ترد علينا و تجيبنا عن العرب، و الله لئن لم يكن كذلك، ما هذا الا شي‏ء القى على في هذا الرجل لننتهى، فارزوا الى المدينة القصوى.

كتب الى السرى عن سيف، عن سعيد بن المرزبان، عن مسلم بمثل حديث سماك‏

8

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد، قالوا: لما دخل سعد و المسلمون بهرسير انزل سعد الناس فيها، و تحول العسكر إليها، و حاول العبور فوجدوهم قد ضموا السفن فيما بين البطائح و تكريت و لما دخل المسلمون بهرسير- و ذلك في جوف الليل- لاح لهم الأبيض، فقال ضرار بن الخطاب: الله اكبر! ابيض كسرى، هذا ما وعد الله و رسوله، و تابعوا التكبير حتى أصبحوا فقال محمد و طلحه: و ذلك ليله نزلوا على بهرسير كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الاعمش، عن حبيب بن صهبان ابى مالك، قال: دفعنا الى المدائن- يعنى بهرسير- و هي المدينة الدنيا، فحصرنا ملكهم و اصحابه، حتى أكلوا الكلاب و السنانير.

قال: ثم لم يدخلوا حتى ناداهم مناد: و الله ما فيها احد، فدخلوها و ما فيها احد

. حديث المدائن القصوى التي كان فيها منزل كسرى‏

قال سيف: و ذلك في صفر سنه ست عشره، قالوا: و لما نزل سعد بهرسير، و هي المدينة الدنيا، طلب السفن ليعبر بالناس الى المدينة القصوى، فلم يقدر

9

على شي‏ء، و وجدهم قد ضموا السفن، فأقاموا ببهرسير أياما من صفر يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين، حتى أتاه اعلاج فدلوه على مخاضه تخاض الى صلب الوادى، فأبى و تردد عن ذلك، و فجئهم المد، فراى رؤيا، ان خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت و قد اقبلت من المد بأمر عظيم، فعزم لتاويل رؤياه على العبور، و في سنه جود صيفها متتابع فجمع سعد الناس، فحمد الله و اثنى عليه، و قال: ان عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون اليه معه، و هم يخلصون إليكم إذا شاءوا، فيناوشونكم في سفنهم، و ليس وراءكم شي‏ء تخافون ان تؤتوا منه، فقد كفاكموهم اهل الأيام، و عطلوا ثغورهم، و أفنوا ذادتهم، و قد رايت من الرأي ان تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل ان تحصركم الدنيا الا انى قد عزمت على قطع هذا البحر اليهم فقالوا جميعا: عزم الله لنا و لك على الرشد، فافعل.

فندب سعد الناس الى العبور، و يقول: من يبدأ و يحمى لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو الباس، و انتدب بعده ستمائه من اهل النجدات، فاستعمل عليهم عاصما، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة، و قال: من ينتدب معى لنمنع الفراض من عدوكم و لنحميكم حتى تعبروا؟ فانتدب له ستون، منهم أصم بنى ولاد و شرحبيل، في أمثالهم، فجعلهم نصفين على خيول إناث و ذكوره، ليكون أساسا لعوم الخيل ثم اقتحموا دجلة، و اقتحم بقية الستمائة على أثرهم، فكان أول من فصل من الستين أصم التيم، و الكلج، و ابو مفزر، و شرحبيل، و جحل العجلى، و مالك بن كعب الهمدانى، و غلام من بنى الحارث بن كعب، فلما رآهم الأعاجم و ما صنعوا أعدوا للخيل التي تقدمت سعدا مثلها، فاقتحموا عليهم دجلة، فاعاموها اليهم، فلقوا عاصما في السرعان، و قد دنا من الفراض، فقال عاصم: الرماح الرماح! اشرعوها و توخوا العيون، فالتقوا فاطعنوا، و توخى المسلمون عيونهم، فولوا نحو الجد، و المسلمون يشمصون بهم خيلهم، ما يملك رجالها منع‏

10

ذلك منها شيئا فلحقوا بهم في الجد، فقتلوا عامتهم، و نجا من نجا منهم عورانا، و تزلزلت بهم خيولهم، حتى انتقضت عن الفراض، و تلاحق الستمائة باوائلهم الستين غير متعتعين و لما راى سعد عاصما على الفراض قد منعها، اذن للناس في الاقتحام، و قال: قولوا نستعين بالله، و نتوكل عليه، حسبنا الله و نعم الوكيل، لا حول و لا قوه الا بالله العلى العظيم! و تلاحق عظم الجند، فركبوا اللجة، و ان دجلة لترمى بالزبد، و انها لمسوده، و ان الناس ليتحدثون في عومهم و قد اقتربوا ما يكترثون، كما يتحدثون في مسيرهم على الارض، ففجئوا اهل فارس بأمر لم يكن في حسابهم، فاجهضوهم و اعجلوهم عن جمهور أموالهم، و دخلها المسلمون في صفر سنه ست عشره، و استولوا على ذلك كله مما بقي في بيوت كسرى من الثلاثة آلاف الف الف، و مما جمع شيرى و من بعده و في ذلك يقول ابو بجيد نافع بن الأسود:

و أرسلنا على المدائن خيلا* * * بحرها مثل برهن اريضا

فانتثلنا خزائن المرء كسرى* * * يوم ولوا و حاص منا جريضا

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله ابن ابى طيبه، عن ابيه، قال: لما اقام سعد على دجلة أتاه علج، فقال: ما يقيمك! لا ياتى عليك ثالثه حتى يذهب يزدجرد بكل شي‏ء في المدائن، فذلك مما هيجه على القيام بالدعاء الى العبور.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن رجل، عن ابى عثمان النهدي في قيام سعد في الناس في دعائهم الى العبور بمثله، و قال: طبقنا دجلة خيلا و رجلا و دواب حتى ما يرى الماء من الشاطئ احد، فخرجت‏

11

بنا خيلنا اليهم تنفض اعرافها، لها صهيل فلما راى القوم ذلك انطلقوا لا يلوون على شي‏ء، فانتهينا الى القصر الأبيض، و فيه قوم قد تحصنوا، فأشرف بعضهم فكلمنا، فدعوناهم و عرضنا عليهم، فقلنا: ثلاث تختارون منهن ايتهن شئتم، قالوا: ما هن؟ قلنا: الاسلام فان اسلمتم فلكم ما لنا و عليكم ما علينا، و ان ابيتم فالجزية، و ان ابيتم فمناجزتكم حتى يحكم الله بيننا و بينكم فأجابنا مجيبهم: لا حاجه لنا في الاولى و لا في الآخرة، و لكن الوسطى.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية بمثله قال:

و السفير سلمان.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السرى، عن ابن الرفيل، قال: لما هزموهم في الماء و أخرجوهم الى الفراض، ثم كشفوهم عن الفراض اجلوهم عن الأموال، الا ما كانوا تقدموا فيه- و كان في بيوت اموال كسرى ثلاثة آلاف الف الف- فبعثوا مع رستم بنصف ذلك، و أقروا نصفه في بيوت الأموال.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن عثمان، عن ابى بكر بن حفص بن عمر، قال: قال سعد يومئذ و هو واقف قبل ان يقحم الجمهور، و هو ينظر الى حماه الناس و هم يقاتلون على الفراض:

و الله ان لو كانت الخرساء- يعنى الكتيبة التي كان فيها القعقاع بن عمرو و حمال بن مالك و الربيل بن عمرو، فقاتلوا قتال هؤلاء القوم هذه الخيل- لكانت قد أجزأت و اغنت، و كتيبه عاصم هي كتيبه الأهوال، فشبه كتيبه الأهوال- لما راى منهم في الماء و الفراض بكتيبه الخرساء قال: ثم انهم تنادوا بعد هنات قد اعتوروها عليهم و لهم فخرجوا حتى لحقوا بهم، فلما استووا على الفراض هم و جميع كتيبه الأهوال باسرهم، اقحم سعد الناس- و كان الذى يساير سعدا في الماء سلمان الفارسي- فعامت بهم الخيل، و سعد

12

يقول: حسبنا الله و نعم الوكيل! و الله لينصرن الله وليه، و ليظهرن الله دينه، و ليهزمن الله عدوه، ان لم يكن في الجيش بغى او ذنوب تغلب الحسنات.

فقال له سلمان: الاسلام جديد، ذللت لهم و الله البحور كما ذلل لهم البر، اما و الذى نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوه أفواجا فطبقوا الماء حتى ما يرى الماء من الشاطئ، و لهم فيه اكثر حديثا منهم في البر لو كانوا فيه، فخرجوا منه- كما قال سلمان- لم يفقدوا شيئا، و لم يغرق منهم احد.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عمر دثار، عن ابى عثمان النهدي، انهم سلموا من عند آخرهم الا رجلا من بارق يدعى غرقده، زال عن ظهر فرس له شقراء، كأني انظر إليها تنفض اعرافها عريا و الغريق طاف، فثنى القعقاع بن عمرو عنان فرسه اليه، فاخذ بيده فجره حتى عبر، فقال البارقى- و كان من أشد الناس: اعجز الاخوات ان يلدن مثلك يا قعقاع! و كان للقعقاع فيهم خؤولة.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد، قالوا: فما ذهب لهم في الماء يومئذ الا قدح كانت علاقته رثه، فانقطعت، فذهب به الماء، فقال الرجل الذى كان يعاوم صاحب القدح معيرا له: اصابه القدر فطاح، فقال: و الله انى لعلى جديله ما كان الله ليسلبنى قدحى من بين اهل العسكر فلما عبروا إذا رجل ممن كان يحمى الفراض، قد سفل حتى طلع عليه اوائل الناس، و قد ضربته الرياح و الأمواج حتى وقع الى الشاطئ، فتناوله برمحه، فجاء به الى العسكر فعرفه، فأخذه صاحبه، و قال للذي كان يعاومه: ا لم اقل لك! و صاحبه حليف لقريش من عنز، يدعى مالك بن عامر، و الذى قال: طاح يدعى عامر بن مالك.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن الوليد، عن عمير الصائدى، قال: لما اقحم سعد الناس في دجلة اقترنوا، فكان‏

13

سلمان قرين سعد الى جانبه يسايره في الماء، و قال سعد: ذلك تقدير العزيز العليم، و الماء يطمو بهم، و ما يزال فرس يستوى قائما إذا أعيا ينشز له تلعه فيستريح عليها، كأنه على الارض، فلم يكن بالمدائن امر اعجب من ذلك، و ذلك يوم الماء، و كان يدعى يوم الجراثيم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و المهلب و طلحه و عمرو و سعيد، قالوا: كان يوم ركوب دجلة يدعى يوم الجراثيم، لا يعيا احد الا انشزت له جرثومة يريح عليها كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن اسماعيل بن ابى خالد، عن قيس بن ابى حازم، قال: خضنا دجلة و هي تطفح، فلما كنا في أكثرها ماء لم يزل فارس واقف ما يبلغ الماء حزامه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الاعمش، عن حبيب بن صهبان ابى مالك، قال: لما دخل سعد المدينة الدنيا، و قطع القوم الجسر، و ضموا السفن، قال المسلمون: ما تنتظرون بهذه النطفه! فاقتحم رجل، فخاض الناس فما غرق منهم انسان و لا ذهب لهم متاع، غير ان رجلا من المسلمين فقد قدحا له انقطعت علاقته، فرايته يطفح على الماء.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و المهلب و طلحه، قالوا: و ما زالت حماه اهل فارس يقاتلون على الفراض حتى أتاهم آت فقال: علام تقتلون انفسكم! فو الله ما في المدائن احد.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد، قالوا: لما راى المشركون المسلمين و ما يهمون به بعثوا من يمنعهم من العبور، و تحملوا فخرجوا هرابا، و قد اخرج يزدجرد- قبل ذلك و بعد ما فتحت بهرسير عياله الى حلوان، فخرج يزدجرد بعد حتى ينزل حلوان، فلحق بعياله، و خلف مهران الرازى و النخيرجان- و كان على بيت المال- بالنهروان، و خرجوا معهم بما قدروا عليه من حر متاعهم‏

14

و خفيفه، و ما قدروا عليه من بيت المال، و بالنساء و الذراري، و تركوا في الخزائن من الثياب و المتاع و الانيه و الفضول و الالطاف و الادهان ما لا يدرى ما قيمته، و خلفوا ما كانوا أعدوا للحصار من البقر و الغنم و الاطعمه و الاشربه، فكان أول من دخل المدائن كتيبه الأهوال، ثم الخرساء، فأخذوا في سككها لا يلقون فيها أحدا و لا يحسونه الا من كان في القصر الأبيض، فأحاطوا بهم و دعوهم، فاستجابوا لسعد على الجزاء و الذمة، و تراجع اليهم اهل المدائن على مثل عهدهم، ليس في ذلك ما كان لال كسرى و من خرج معهم، و نزل سعد القصر الأبيض، و سرح زهره في المقدمات في آثار القوم الى النهروان، فخرج حتى انتهى الى النهروان، و سرح مقدار ذلك في طلبهم من كل ناحيه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الاعمش، عن حبيب بن صهبان ابى مالك، قال: لما عبر المسلمون يوم المدائن دجلة، فنظروا اليهم يعبرون، جعلوا يقولون بالفارسيه: ديوان آمد و قال بعضهم لبعض: و الله ما تقاتلون الانس و ما تقاتلون الا الجن فانهزموا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية بن الحارث و عطاء بن السائب، عن ابى البختري، قال: كان رائد المسلمين سلمان الفارسي، و كان المسلمون قد جعلوه داعيه اهل فارس قال عطية: و قد كانوا امروه بدعاء اهل بهرسير، و امروه يوم القصر الأبيض، فدعاهم ثلاثا قال عطية و عطاء: و كان دعاؤه إياهم ان يقول: انى منكم في الأصل، و انا ارق لكم، و لكم في ثلاث ادعوكم إليها ما يصلحكم: ان تسلموا فاخواننا لكم ما لنا و عليكم ما علينا، و الا فالجزية، و الا نابذناكم على سواء، ان الله لا يحب الخائنين قال عطية: فلما كان اليوم الثالث في بهرسير أبوا ان يجيبوا الى شي‏ء، فقاتلهم المسلمون حين أبوا و لما كان اليوم الثالث في المدائن قبل اهل القصر الأبيض و خرجوا، و نزل سعد القصر الأبيض و اتخذ

15

الإيوان مصلى، و ان فيه لتماثيل جص فما حركها.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب، و شاركهم سماك الهجيمي، قالوا: و قد كان الملك سرب عياله حين أخذت بهرسير الى حلوان، فلما ركب المسلمون الماء خرجوا هرابا، و خيلهم على الشاطئ يمنعون المسلمين و خيلهم من العبور، فاقتتلوا هم و المسلمون قتالا شديدا، حتى ناداهم مناد: علام تقتلون انفسكم! فو الله ما في المدائن من احد فانهزموا و اقتحمتها الخيول عليهم، و عبر سعد في بقية الجيش.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب، قالوا: ادرك اوائل المسلمين أخريات اهل فارس، فأدرك رجل من المسلمين يدعى ثقيفا احد بنى عدى ابن شريف، رجلا من اهل فارس، معترضا على طريق من طرقها يحمى ادبار اصحابه، فضرب فرسه على الاقدام عليه، فاحجم و لم يقدم، ثم ضربه للهرب فتقاعس حتى لحقه المسلم، فضرب عنقه و سلبه كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية و عمرو و دثار ابى عمر، قالوا: كان فارس من فرسان العجم في المدائن يومئذ مما يلى جازر، فقيل له: قد دخلت العرب و هرب اهل فارس، فلم يلتفت الى قولهم، و كان واثقا بنفسه، و مضى حتى دخل بيت اعلاج له، و هم ينقلون ثيابا لهم، قال: ما لكم؟ قالوا: أخرجتنا الزنابير، و غلبتنا على بيوتنا، فدعا بجلاهق و بطين، فجعل يرميهن حتى الزقهن بالحيطان، فافناهن و انتهى اليه الفزع، فقام و امر علجا فاسرج له، فانقطع حزامه، فشده على عجل، و ركب، ثم خرج فوقف و مر به رجل فطعنه، و هو يقول:

خذها و انا ابن المخارق! فقتله ثم مضى ما يلتفت اليه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن المرزبان بمثله، و إذا هو ابن المخارق بن شهاب.

قالوا: و ادرك رجل من المسلمين رجلا منهم معه عصابه يتلاومون،

16

و يقولون: من اى شي‏ء فررنا! ثم قال قائل منهم لرجل منهم: ارفع لي كره، فرماها لا يخطئ، فلما راى ذلك عاج و عاجوا معه و هو امامهم، فانتهى الى ذلك الرجل، فرماه من اقرب مما كان يرمى منه الكره ما يصيبه، حتى وقف عليه الرجل، ففلق هامته، و قال: انا ابن مشرط الحجاره.

و تفار عن الفارسي اصحابه.

و قالوا جميعا، محمد و المهلب و طلحه و عمرو و ابو عمر و سعيد، قالوا:

و لما دخل سعد المدائن، فراى خلوتها، و انتهى الى ايوان كسرى، اقبل يقرا:

«كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ‏» و صلى فيه صلاه الفتح- و لا تصلى جماعه- فصلى ثماني ركعات لا يفصل بينهن، و اتخذه مسجدا، و فيه تماثيل الجص رجال و خيل، و لم يمتنع و لا المسلمون لذلك، و تركوها على حالها قالوا: و اتم سعد الصلاة يوم دخلها، و ذلك انه اراد المقام فيها و كانت أول جمعه بالعراق جمعت جماعه بالمدائن، في صفر سنه ست عشره‏

. ذكر ما جمع من في‏ء اهل المدائن‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و المهلب و عقبه و عمرو و ابى عمر و سعيد، قالوا: نزل سعد ايوان كسرى، و قدم زهره، و امره ان يبلغ النهروان فبعث في كل وجه مقدار ذلك لنفى المشركين و جمع الفيوء، ثم تحول الى القصر بعد ثالثه، و وكل بالاقباض عمرو بن عمرو ابن مقرن، و امره بجمع ما في القصر و الإيوان و الدور و احصاء ما يأتيه به الطلب، و قد كان اهل المدائن تناهبوا عند الهزيمة غاره، ثم طاروا في كل وجه، فما افلت احد منهم بشي‏ء لم يكن في عسكر مهران بالنهروان‏

17

و لا بخيط و الح عليهم الطلب فتنقذوا ما في ايديهم، و رجعوا بما أصابوا من الاقباض، فضموه الى ما قد جمع، و كان أول شي‏ء جمع يومئذ ما في القصر الأبيض و منازل كسرى و سائر دور المدائن.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الاعمش، عن حبيب بن صهبان، قال: دخلنا المدائن، فأتينا على قباب تركية مملوءة سلالا مختمه بالرصاص، فما حسبناها الا طعاما، فإذا هي آنيه الذهب و الفضه فقسمت بعد بين الناس و قال حبيب: و قد رايت الرجل يطوف و يقول: من معه بيضاء بصفراء؟ و أتينا على كافور كثير، فما حسبناه الا ملحا، فجعلنا نعجن به حتى وجدنا مرارته في الخبز.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السرى، عن ابن الرفيل، عن ابيه الرفيل بن ميسور، قال: خرج زهره في المقدمه يتبعهم حتى انتهى الى جسر النهروان، و هم عليه، فازدحموا، فوقع بغل في الماء فعجلوا و كلبوا عليه، فقال زهره: انى اقسم بالله ان لهذا البغل لشأنا! ما كلب القوم عليه و لا صبروا للسيوف بهذا الموقف الضنك الا لشي‏ء بعد ما أرادوا تركه، و إذا الذى عليه حليه كسرى، ثيابه و خرزاته و وشاحه و درعه التي كان فيها الجوهر، و كان يجلس فيها للمباهاه، و ترجل زهره يومئذ حتى إذا ازاحهم امر اصحابه بالبغل فاحتملوه، فاخرجوه فجاءوا بما عليه، حتى رده الى الاقباض، ما يدرون ما عليه، و ارتجز يومئذ زهره:

فدى لقومى اليوم اخوالى و اعمامى هم كرهوا بالنهر خذلاني و إسلامي هم فلجوا بالبغل في الخصام بكل قطاع شئون الهام و صرعوا الفرس على الآكام كأنهم نعم من الانعام كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف،

3

عن هبيرة بن الاشعث، عن جده الكلج‏

3

، قال: كنت فيمن خرج في الطلب، فإذا انا ببغالين قد ردا الخيل عنهما بالنشاب، فما بقي معهما غير نشابتين، فالظظت بهما، فاجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: ارمه و احميك، او ارميه و تحمينى!

18

فحمى كل واحد منهما صاحبه حتى رميا بها ثم انى حملت عليهما فقتلتهما و جئت بالبغلين ما ادرى ما عليهما، حتى ابلغتهما صاحب الاقباض، و إذا هو يكتب ما يأتيه به الرجال و ما كان في الخزائن و الدور، فقال:

على رسلك حتى ننظر ما معك! فحططت عنهما، فإذا سفطان على احد البغلين فيهما تاج كسرى مفسخا- و كان لا يحمله الا اسطوانتان- و فيهما الجوهر، و إذا على الآخر سفطان فيهما ثياب كسرى التي كان يلبس من الديباج المنسوج بالذهب المنظوم بالجوهر و غير الديباج منسوجا منظوما.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب، قالوا: و خرج القعقاع بن عمرو يومئذ في الطلب، فلحق بفارسى يحمى الناس، فاقتتلا فقتله، و إذا مع المقتول جنيبه عليها عيبتان و غلافان في أحدهما خمسه اسياف و في الآخر سته اسياف، و إذا في العيبتين ادراع، فإذا في الادراع درع كسرى و مغفره و ساقاه و ساعداه، و درع هرقل، و درع خاقان و درع داهر و درع بهرام شوبين و درع سياوخش و درع النعمان، و كانوا استلبوا ما لم يرثوا، استلبوها ايام غزاتهم خاقان و هرقل و داهر، و اما النعمان و بهرام فحين هربا و خالفا كسرى، و اما احد الغلافين ففيه سيف كسرى و هرمز و قباذ و فيروز، و إذا السيوف الآخر، سيف هرقل و خاقان و داهر و بهرام و سياوخش و النعمان فجاء به الى سعد، فقال: اختر احد هذه الأسياف، فاختار سيف هرقل، و اعطاه درع بهرام، و اما سائرها فنفلها في الخرساء الا سيف كسرى و النعمان- ليبعثوا بهما الى عمر لتسمع بذلك العرب لمعرفتهم بهما، و حبسوهما في الاخماس- و حلى كسرى و تاجه و ثيابه، ثم بعثوا بذلك الى عمر ليراه المسلمون، و لتسمع بذلك العرب، و على هذا الوجه سلب خالد بن سعيد عمرو بن معد يكرب سيفه الصمصامه في الرده و القوم يستحيون من ذلك.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبيده بن معتب، عن رجل من بنى الحارث بن طريف، عن عصمه بن الحارث الضبي، قال: خرجت فيمن خرج يطلب، فأخذت طريقا مسلوكا و إذا عليه حمار،

19

فلما رآنى حثه فلحق باخر قدامه، فمالا، و حثا حماريهما، فانتهيا الى جدول قد كسر جسره، فثبتا حتى اتيتهما، ثم تفرقا، و رمانى أحدهما فالظظت به فقتلته و افلت الآخر، و رجعت الى الحمارين، فأتيت بهما صاحب الاقباض، فنظر فيما على أحدهما، فإذا سفطان في أحدهما فرس من ذهب مسرج بسرج من فضه، على ثفره و لببه الياقوت، و الزمرد منظوم على الفضه، و لجام كذلك، و فارس من فضه مكلل بالجوهر، و إذا في الآخر ناقه من فضه، عليها شليل من ذهب، و بطان من ذهب و لها شناق- او زمام- من ذهب، و كل ذلك منظوم بالياقوت، و إذا عليها رجل من ذهب مكلل بالجوهر، كان كسرى يضعهما الى اسطوانتى التاج.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن هبيرة بن الاشعث، عن ابى عبيده العنبري، قال: لما هبط المسلمون المدائن، و جمعوا الاقباض، اقبل رجل بحق معه، فدفعه الى صاحب الاقباض، فقال و الذين معه:

ما رأينا مثل هذا قط، ما يعد له ما عندنا و لا يقاربه، فقالوا: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: اما و الله لو لا الله ما اتيتكم به، فعرفوا ان للرجل شأنا، فقالوا: من أنت؟ فقال: لا و الله لا اخبركم لتحمدونى، و لا غيركم ليقرظونى، و لكنى احمد الله و ارضى بثوابه فاتبعوه رجلا حتى انتهى الى اصحابه، فسال عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيس.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد، قالوا: قال سعد: و الله ان الجيش لذو امانه، و لو لا ما سبق لأهل بدر لقلت: و ايم الله- على فضل اهل بدر- لقد تتبعت من اقوام منهم هنات و هنات فيما احرزوا، ما احسبها و لا اسمعها من هؤلاء القوم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر بن الفضيل، عن جابر بن عبد الله، قال: و الله الذى لا اله الا هو، ما اطلعنا على احد من اهل القادسية، انه يريد الدنيا مع الآخرة، و لقد اتهمنا ثلاثة نفر، فما

20

رأينا كالذي هجمنا عليه من امانتهم و زهدهم: طليحة بن خويلد، و عمرو بن معد يكرب، و قيس بن المكشوح.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن قيس العجلى، عن ابيه، قال: لما قدم بسيف كسرى على عمر و منطقته و زبرجه، قال: ان أقواما أدوا هذا لذوو امانه! [فقال على: انك عففت فعفت الرعية].

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو و المجالد، عن الشعبى، قال: قال عمر حين نظر الى سلاح كسرى: ان أقواما أدوا هذا لذوو امانه‏

. ذكر صفه قسم الفي‏ء الذى اصيب بالمدائن بين اهله و كانوا- فيما زعم سيف- ستين ألفا

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و عمرو و سعيد و المهلب، قالوا: و لما بعث سعد بعد نزوله المدائن في طلب الأعاجم، بلغ الطلب النهروان، ثم تراجعوا، و مضى المشركون نحو حلوان، فقسم سعد الفي‏ء بين الناس بعد ما خمسه، فأصاب الفارس اثنا عشر ألفا، و كلهم كان فارسا ليس فيهم راجل، و كانت الجنائب في المدائن كثيره.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبى بمثله، و قالوا جميعا: و نفل من الاخماس و لم يجهدها في اهل البلاء.

و قالوا جميعا: قسم سعد دور المدائن بين الناس، و اوطنوها، و الذى ولى القبض عمرو بن عمرو المزنى، و الذى ولى القسم سلمان بن ربيعه، و كان فتح المدائن في صفر سنه ست عشره قالوا: و لما دخل سعد المدائن اتم الصلاة و صام، و امر الناس بايوان كسرى فجعل مسجدا للاعياد، و نصب فيه منبرا، فكان يصلى فيه- و فيه التماثيل- و يجمع فيه، فلما كان الفطر

21

قيل: ابرزوا، فان السنه في العيدين البراز فقال سعد: صلوا فيه، قال: فصلى فيه، و قال: سواء في عقر القرية او في بطنها.

كتب الى السرى: عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبى، قال: لما نزل سعد المدائن، و قسم المنازل، بعث الى العيالات، فانزلهم الدور و فيها المرافق، فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جلولاء و تكريت و الموصل، ثم تحولوا الى الكوفه كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و زياد و المهلب، و شاركهم عمرو و سعيد: و جمع سعد الخمس، و ادخل فيه كل شي‏ء اراد ان يعجب منه عمر، من ثياب كسرى و حليه و سيفه و نحو ذلك، و ما كان يعجب العرب ان يقع اليهم، و نفل من الاخماس، و فضل بعد القسم بين الناس و اخراج الخمس القطف، فلم تعتدل قسمته، فقال للمسلمين: هل لكم في ان تطيب أنفسنا عن اربعه أخماسه، فنبعث به الى عمر فيضعه حيث يرى، فانا لا نراه يتفق قسمته، و هو بيننا قليل، و هو يقع من اهل المدينة موقعا! فقالوا: نعم ها الله إذا، فبعث به على ذلك الوجه، و كان القطف ستين ذراعا في ستين ذراعا، بساطا واحدا مقدار جريب، فيه طرق كالصور و فصوص كالانهار، و خلال ذلك كالدير، و في حافاته كالأرض المزروعه و الارض المبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قضبان الذهب و نواره بالذهب و الفضه و اشباه ذلك فلما قدم على عمر نفل من الخمس أناسا، و قال: ان الاخماس ينفل منها من شهد و من غاب من اهل البلاء فيما بين الخمسين، و لا ارى القوم جهدوا الخمس بالنفل، ثم قسم الخمس في مواضعه، ثم قال: أشيروا على في هذا القطف! فاجمع ملؤهم على ان قالوا: قد جعلوا ذلك لك، فر رأيك، الا ما كان من على فانه [قال: يا امير المؤمنين، الأمر كما قالوا، و لم يبق الا الترويه، انك ان تقبله على هذا اليوم لم تعدم في غد من يستحق به ما ليس له‏]،

22

قال: صدقتني و نصحتني فقطعه بينهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عمير، قال: أصاب المسلمون يوم المدائن بهار كسرى، ثقل عليهم ان يذهبوا به، و كانوا يعدونه للشتاء إذا ذهبت الرياحين، فكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه، فكأنهم في رياض بساط ستين في ستين، ارضه بذهب، و وشيه بفصوص، و ثمره بجوهر، و ورقه بحرير و ماء الذهب، و كانت العرب تسميه القطف، فلما قسم سعد فيئهم فضل عنهم، و لم يتفق قسمته، فجمع سعد المسلمين، فقال: ان الله قد ملا ايديكم، و قد عسر قسم هذا البساط، و لا يقوى على شرائه احد، فأرى ان تطيبوا به نفسا لأمير المؤمنين يضعه حيث شاء، ففعلوا فلما قدم على عمر المدينة راى رؤيا فجمع الناس، فحمد الله و اثنى عليه، و استشارهم في البساط، و اخبرهم خبره، فمن بين مشير بقبضه، و آخر مفوض اليه، و آخر مرقق، [فقام على حين راى عمر يأبى حتى انتهى اليه، فقال: لم تجعل علمك جهلا، و يقينك شكا! انه ليس لك من الدنيا الا ما اعطيت فامضيت، او لبست فابليت، او اكلت فافنيت‏] قال: صدقتني فقطعه فقسمه بين الناس، فأصاب عليا قطعه منه، فباعها بعشرين ألفا، و ما هي بأجود تلك القطع.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد، قالوا: و كان الذى ذهب بالأخماس، اخماس المدائن، بشير بن الخصاصيه، و الذى ذهب بالفتح خنيس بن فلان الأسدي، و الذى ولى القبض عمرو و القسم سلمان قالوا: و لما قسم البساط بين الناس اكثر الناس في فضل اهل القادسية، فقال عمر: أولئك اعيان العرب و غررها، اجتمع لهم مع الاخطار الدين، هم اهل الأيام و اهل القوادس.

قالوا: و لما اتى بحلى كسرى في المشاهدة في غير ذلك- و كانت له عده ازياء لكل حاله زي- قال: على بمحلم- و كان اجسم عربي يومئذ

23

بأرض المدينة فالبس تاج كسرى على عمودين من خشب، و صب عليه اوشحته و قلائده و ثيابه، و اجلس للناس، فنظر اليه عمر، و نظر اليه الناس، فرأوا أمرا عظيما من امر الدنيا و فتنتها، ثم قام عن ذلك، فالبس زيه الذى يليه، فنظروا الى مثل ذلك في غير نوع، حتى اتى عليها كلها، ثم البسه سلاحه، و قلده سيفه، فنظروا اليه في ذلك، ثم وضعه ثم قال: و الله ان أقواما أدوا هذا لذوو امانه و نفل سيف كسرى محلما، و قال:

احمق بأمري من المسلمين غرته الدنيا! هل يبلغن مغرور منها الا دون هذا او مثله! و ما خير امرئ مسلم سبقه كسرى فيما يضره و لا ينفعه! ان كسرى لم يزد على ان تشاغل بما اوتى عن آخرته، فجمع لزوج امراته او زوج ابنته، او امراه ابنه، و لم يقدم لنفسه، فقدم امرؤ لنفسه و وضع الفضول مواضعها تحصل له، و الا حصلت للثلاثة بعده، و احمق بمن جمع لهم او لعدو جارف! كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن كريب، عن نافع بن جبير، قال: قال عمر مقدم الاخماس عليه حين نظر الى سلاح كسرى و ثيابه و حليه، مع ذلك سيف النعمان بن المنذر، فقال لجبير:

ان أقواما أدوا هذا لذوو امانه! الى من كنتم تنسبون النعمان؟ فقال جبير: كانت العرب تنسبه الى الاشلاء، أشلاء قنص، و كان احد بنى عجم بن قنص، فقال: خذ سيفه فنفله اياه، فجهل الناس عجم، و قالوا لخم و قالوا جميعا: و ولى عمر سعد بن مالك صلاه ما غلب عليه و حربه، فولى ذلك، و ولى الخراج النعمان و سويدا ابنى عمرو بن مقرن، سويدا على ما سقى الفرات، و النعمان على ما سقت دجلة، و عقدوا الجسور، ثم ولى عملهما، و استعفيا حذيفة بن اسيد و جابر بن عمرو المزنى، ثم ولى عملهما بعد حذيفة بن اليمان و عثمان بن حنيف.

قال: و في هذه السنه- اعنى سنه ست عشره- كانت وقعه جلولاء، كذلك‏

24

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق و كتب الى السرى يذكر ان شعيبا حدثه عن سيف بذلك‏

. ذكر الخبر عن وقعه جلولاء الوقيعه‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن اسماعيل بن ابى خالد، عن قيس بن ابى حازم، قال: لما أقمنا بالمدائن حين هبطناها و اقتسمنا ما فيها، و بعثنا الى عمر بالأخماس، و اوطناها، أتانا الخبر بان مهران قد عسكر بجلولاء، و خندق عليه، و ان اهل الموصل قد عسكروا بتكريت.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله ابن ابى طيبه البجلي، عن ابيه بمثله، و زاد فيه: فكتب سعد بذلك الى عمر، فكتب الى سعد: ان سرح هاشم بن عتبة الى جلولاء في اثنى عشر ألفا، و اجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو، و على ميمنته سعر بن مالك، و على ميسرته عمرو بن مالك بن عتبة، و اجعل على ساقته عمرو بن مره الجهنى.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و زياد، قالوا: و كتب عمر الى سعد: ان هزم الله الجندين: جند مهران و جند الانطاق، فقدم القعقاع حتى يكون بين السواد و بين الجبل على حد سوادكم، و شاركهم عمرو و سعيد قالوا: و كان من حديث اهل جلولاء، ان الأعاجم لما انتهوا بعد الهرب من المدائن الى جلولاء، و افترقت الطرق باهل اذربيجان و الباب و باهل الجبال و فارس، تذامروا و قالوا: ان افترقتم لم تجتمعوا ابدا، و هذا مكان يفرق بيننا، فهلموا فلنجتمع للعرب به و لنقاتلهم، فان كانت لنا فهو الذى نريد، و ان كانت الاخرى كنا قد قضينا الذى علينا، و ابلينا عذرا فاحتفروا الخندق، و اجتمعوا فيه على مهران الرازى، و نفذ يزدجرد الى حلوان فنزل بها، و رماهم بالرجال،

25

و خلف فيهم الأموال، فأقاموا في خندقهم، و قد أحاطوا به الحسك من الخشب الا طرقهم قال عمرو، عن عامر الشعبى: كان ابو بكر لا يستعين في حربه بأحد من اهل الرده حتى مات، و كان عمر قد استعان بهم، فكان لا يؤمر منهم أحدا الا على النفر و ما دون ذلك، و كان لا يعدل ان يؤمر الصحابه إذا وجد من يجزى عنه في حربه، فان لم يجد ففي التابعين باحسان، و لا يطمع من انبعث في الرده في الرياسة، و كان رؤساء اهل الرده في تلك الحروب حشوه الى ان ضرب الاسلام بجرانه.

ثم اشترك عمرو و محمد و المهلب و طلحه و سعيد، فقالوا: ففصل هاشم ابن عتبة بالناس من المدائن في صفر سنه ست عشره، في اثنى عشر ألفا، منهم وجوه المهاجرين و الانصار و اعلام العرب ممن ارتد و ممن لم يرتد، فسار من المدائن الى جلولاء أربعا، حتى قدم عليهم، و احاط بهم، فحاصرهم و طاولهم اهل فارس، و جعلوا لا يخرجون عليهم الا إذا أرادوا، و زاحفهم المسلمون بجلولاء ثمانين زحفا، كل ذلك يعطى الله المسلمين عليهم الظفر، و غلبوا المشركين على حسك الخشب، فاتخذوا حسك الحديد.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عقبه بن مكرم، عن بطان بن بشر، قال: لما نزل هاشم على مهران بجلولاء حصرهم في خندقهم، فكانوا يزاحفون المسلمين في زهاء و اهاويل، و جعل هاشم يقوم في الناس، و يقول: ان هذا المنزل منزل له ما بعده، و جعل سعد يمده بالفرسان حتى إذا كان أخيرا احتفلوا للمسلمين، فخرجوا عليهم، فقام هاشم في الناس، فقال: ابلوا الله بلاء حسنا يتم لكم عليه الاجر و المغنم، و اعملوا لله فالتقوا فاقتتلوا، و بعث الله عليهم ريحا اظلمت عليهم البلاد فلم يستطيعوا الا المحاجزة، فتهافت فرسانهم في الخندق، فلم يجدوا بدا من ان يجعلوا فرضا مما يليهم، تصعد منه خيلهم، فأفسدوا حصنهم، و بلغ ذلك المسلمين، فنظروا اليه، فقالوا: ا ننهض اليهم ثانيه فندخله عليهم‏

26

او نموت دونه! فلما نهد المسلمون الثانيه خرج القوم، فرموا حول الخندق مما يلى المسلمين بحسك الحديد لكيلا يقدم عليهم الخيل، و تركوا للمجال.

وجها، فخرجوا على المسلمين منه، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله الا ليله الهرير، الا انه كان اكمش و اعجل، و انتهى القعقاع بن عمرو في الوجه الذى زاحف فيه الى باب خندقهم، فاخذ به، و امر مناديا فنادى: يا معشر المسلمين، هذا اميركم قد دخل خندق القوم و أخذ به فاقبلوا اليه، و لا يمنعنكم من بينكم و بينه من دخوله و انما امر بذلك ليقوى المسلمين به، فحمل المسلمون و لا يشكون الا ان هاشما فيه، فلم يقم لحملتهم شي‏ء، حتى انتهوا الى باب الخندق، فإذا هم بالقعقاع بن عمرو، و قد أخذ به، و أخذ المشركون في هزيمه يمنه و يسره عن المجال الذى بحيال خندقهم، فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فعقرت دوابهم، و عادوا رجاله، و اتبعهم المسلمون، فلم يفلت منهم الا من لا يعد، و قتل الله منهم يومئذ مائه الف، فجللت القتلى المجال و ما بين يديه و ما خلفه، فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم، فهى جلولاء الوقيعه كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفز، عن ابيه، قال: انى لفي اوائل الجمهور، مدخلهم ساباط و مظلمها، و انى لفي اوائل الجمهور حين عبروا دجلة، و دخلوا المدائن، و لقد اصبت بها تمثالا لو قسم في بكر بن وائل لسد منهم مسدا، عليه جوهر، فاديته، فما لبثنا بالمدائن الا قليلا حتى بلغنا ان الأعاجم قد جمعت لنا بجلولاء جمعا عظيما، و قدموا عيالاتهم الى الجبال، و حبسوا الأموال، فبعث اليهم سعد عمرو بن مالك بن عتبة بن اهيب بن عبد مناف بن زهره، و كان جند جلولاء اثنى عشر ألفا من المسلمين، على مقدمتهم القعقاع بن عمرو، و كان قد خرج فيهم وجوه الناس و فرسانهم، فلما مروا ببابل مهروذ صالحه دهقانها، على ان يفرش له جريب ارض دراهم، ففعل و صالحه ثم مضى حتى قدم عليهم بجلولاء، فوجدهم قد خندقوا و تحصنوا في خندقهم، و معهم بيت ما لهم، و تواثقوا و تعاهدوا بالنيران الا يفروا، و نزل المسلمون قريبا منهم، و جعلت‏

27

الامداد تقدم على المشركين كل يوم من حلوان، و جعل يمدهم بكل من امده من اهل الجبال، و استمد المسلمون سعدا فامدهم بمائتي فارس، ثم مائتين، ثم مائتين و لما راى اهل فارس امداد المسلمين بادروا بقتال المسلمين.

و على خيل المسلمين يومئذ طليحة بن فلان، احد بنى عبد الدار، و على خيل الأعاجم خرزاذ بن خرهرمز- فاقتتلوا قتالا شديدا، لم يقاتلوا المسلمين مثله في موطن من المواطن، حتى انفذوا النبل، و حتى انفدوا النشاب، و قصفوا الرماح حتى صاروا الى السيوف و الطبرزينات فكانوا بذلك صدر نهارهم الى الظهر، و لما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء، حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبه و جاءت اخرى فوقفت مكانها، فاقبل القعقاع بن عمرو على الناس، فقال: اهالتكم هذه؟ قالوا: نعم، نحن مكلون و هم مريحون، و الكال يخاف العجز الا ان يعقب، فقال:

انا حاملون عليهم و مجادوهم و غير كافين و لا مقلعين حتى يحكم الله بيننا و بينهم فاحملوا عليهم حمله رجل واحد حتى تخالطوهم، و لا يكذبن احد منكم فحمل فانفرجوا، فما نهنه احد عن باب الخندق، و البسهم الليل رواقه، فأخذوا يمنه و يسره، و جاء في الامداد طليحة و قيس بن المكشوح و عمرو بن معد يكرب و حجر بن عدى، فوافقوهم قد تحاجزوا مع الليل، و نادى منادى القعقاع بن عمرو: اين تحاجزون و اميركم في الخندق! فتفار المشركون، و حمل المسلمون، فادخل الخندق، فاتى فسطاطا فيه مرافق و ثياب، و إذا فرش على انسان فانبشه، فإذا امراه كالغزال في حسن الشمس، فأخذتها و ثيابها، فاديت الثياب، و طلبت في الجاريه حتى صارت الى فاتخذتها أم ولد.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن حماد بن فلان البرجمى، عن ابيه، ان خارجه بن الصلت أصاب يومئذ ناقه من ذهب‏

28

او فضه موشحه بالدر و الياقوت مثل الجفرة إذا وضعت على الارض، و إذا عليها رجل من ذهب موشح كذلك، فجاء بها و به حتى أداهما.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد و الوليد بن عبد الله و المجالد و عقبه بن مكرم، قالوا: و امر هاشم القعقاع بن عمرو بالطلب، فطلبهم حتى بلغ خانقين، و لما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حلوان نحو الجبال، و قدم القعقاع حلوان، و ذلك ان عمر كان كتب الى سعد: ان هزم الله الجندين، جند مهران و جند الانطاق، فقدم القعقاع، حتى يكون بين السواد و الجبل، على حد سوادكم فنزل القعقاع بحلوان في جند من الافناء و من الحمراء، فلم يزل بها الى ان تحول الناس من المدائن الى الكوفه، فلما خرج سعد من المدائن الى الكوفه لحق به القعقاع، و استعمل على الثغر قباذ- و كان من الحمراء، و اصله من خراسان- و نقل منها من شهدها، و بعض من كان بالمدائن نائيا.

و قالوا- و اشتركوا في ذلك: و كتبوا الى عمر بفتح جلولاء و بنزول القعقاع حلوان و استأذنوه في اتباعهم، فأبى، و قال: لوددت ان بين السواد و بين الجبل سدا لا يخلصون إلينا و لا نخلص اليهم، حسبنا من الريف السواد، انى آثرت سلامه المسلمين على الانفال، قالوا: و لما بعث هاشم القعقاع في آثار القوم، ادرك مهران بخانقين، فقتله و ادرك الفيرزان فنزل، و توقل في الظراب، و خلى فرسه، و أصاب القعقاع سبايا، فبعث بهم الى هاشم من سباياهم، و اقتسموهم فيما اقتسموا من الفي‏ء فاتخذن، فولدن في المسلمين و ذلك السبى ينسب الى جلولاء، فيقال: سبى جلولاء، و من ذلك السبى أم الشعبى، وقعت لرجل من بنى عبس، فولدت فمات عنها فخلف عليها شراحيل، فولدت له عامرا، و نشا في بنى عبس.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب،

29

قالوا: و اقتسم في جلولاء على كل فارس تسعه آلاف، تسعه آلاف، و تسعه من الدواب، و رجع هاشم بالأخماس الى سعد.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبى، قال: أفاء الله على المسلمين ما كان في عسكرهم بجلولاء و ما كان عليهم، و كل دابه كانت معهم الا اليسير لم يفلتوا بشي‏ء من الأموال، و ولى قسم ذلك بين المسلمين سلمان بن ربيعه، فكانت اليه يومئذ الاقباض و الاقسام، و كانت العرب تسميه لذلك سلمان الخيل، و ذلك انه كان يقسم لها و يقصر بما دونها، و كانت العتاق عنده ثلاث طبقات، و بلغ سهم الفارس بجلولاء مثل سهمه بالمدائن كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد و عمرو، عن الشعبى، قال: اقتسم الناس في‏ء جلولاء على ثلاثين الف الف، و كان الخمس سته آلاف الف.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحه و محمد و المهلب و سعيد، قالوا: و نفل سعد من اخماس جلولاء من اعظم البلاء ممن شهدها و من اعظم البلاء ممن كان نائيا بالمدائن، و بعث بالأخماس مع قضاعى ابن عمرو الدؤلى من الاذهاب و الاوراق و الانيه و الثياب، و بعث بالسبي مع ابى مفزر الأسود، فمضيا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن زهره و محمد بن عمرو، قالا: بعث الاخماس مع قضاعى و ابى مفزر، و الحساب مع زياد ابن ابى سفيان، و كان الذى يكتب للناس و يدونهم، فلما قدموا على عمر كلم زياد عمر فيما جاء له، و وصف له، فقال عمر: هل تستطيع ان تقوم في الناس بمثل الذى كلمتنى به؟ فقال: و الله ما على الارض شخص اهيب في صدري منك، فكيف لا اقوى على هذا من غيرك! فقام في الناس بما

30

أصابوا و بما صنعوا، و بما يستاذنون فيه من الانسياح في البلاد فقال عمر:

هذا الخطيب المصقع، فقال: ان جندنا أطلقوا بالفعال لساننا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن زهره و محمد، عن ابى سلمه، قال: لما قدم على عمر بالأخماس من جلولاء، قال عمر: و الله لا يجنه سقف بيت حتى اقسمه فبات عبد الرحمن بن عوف و عبد الله بن ارقم يحرسانه في صحن المسجد، فلما اصبح جاء في الناس فكشف عنه جلابيبه- و هي الأنطاع- فلما نظر الى ياقوته و زبرجده و جوهره بكى، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا امير المؤمنين، فو الله ان هذا لموطن شكر! فقال:

عمر: و الله ما ذاك يبكيني، و تالله ما اعطى الله هذا قوما الا تحاسدوا و تباغضوا، و لا تحاسدوا الا القى بأسهم بينهم و اشكل على عمر في اخماس القادسية حتى خطر عليه ما أفاء الله يعنى من الخمس- فوضع ذلك في اهله، فأجرى جلولاء مجرى خمس القادسية عن ملا و تشاور و اجماع من المسلمين، و نفل من ذلك بعض اهل المدينة.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و سعيد و عمرو، قالوا: و جمع سعد من وراء المدائن، و امر بالإحصاء فوجدهم بضعه و ثلاثين و مائه الف، و وجدهم بضعه و ثلاثين الف اهل بيت، و وجد قسمتهم ثلاثة لكل رجل منهم باهلهم، فكتب في ذلك الى عمر، فكتب اليه عمر: ان اقر الفلاحين على حالهم، الا من حارب او هرب منك الى عدوك فأدركته، و اجر لهم ما اجريت للفلاحين قبلهم، و إذا كتبت إليك في قوم فأجروا أمثالهم مجراهم فكتب اليه سعد فيمن لم يكن فلاحا فأجابه: اما من سوى الفلاحين فذاك إليكم ما لم تغنوه- يعنى تقتسموه- و من ترك ارضه من اهل الحرب فخلاها فهى لكم، فان دعوتموهم و قبلتم منهم الجزاء و رددتموهم قبل قسمتها فذمه، و ان لم تدعوهم ففي‏ء لكم لمن أفاء الله‏

31

ذلك عليه و كان احظى بفي‏ء الارض اهل جلولاء، استأثروا بفي‏ء ما وراء النهروان، و شاركوا الناس فيما كان قبل ذلك، فأقروا الفلاحين و دعوا من لج، و وضعوا الخراج على الفلاحين و على من رجع و قبل الذمة، و استصفوا ما كان لال كسرى و من لج معهم فيئا لمن أفاء الله عليه، لا يجاز بيع شي‏ء من ذلك فيما بين الجبل الى الجبل من ارض العرب الا من اهله الذين أفاء الله عليهم، و لم يجيزوا بيع ذلك فيما بين الناس- يعنى فيمن لم يفئه الله تعالى عليه ممن يعاملهم ممن لم يفئه الله عز و جل عليه- فاقره المسلمون، لم يقتسموه، لان قسمته لم تتات لهم، فمن ذلك الاجام و مغيض المياه و ما كان لبيوت النار و لسكك البرد، و ما كان لكسرى و من جامعه، و ما كان لمن قتل، و الأرحاء، فكان بعض من يرق يسال الولاه قسم ذلك، فيمنعهم من ذلك الجمهور، أبوا ذلك، فانتهوا الى رأيهم و لم يجيبوا، و قالوا: لو لا ان يضرب بعضكم وجوه بعض لفعلنا، و لو كان طلب ذلك منهم عن ملا لقسمها بينهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحه بن الأعلم، عن ماهان، قال: لم يثبت احد من اهل السواد على العهد فيما بينهم و بين اهل الأيام الا اهل قريات، أخذوها عنوه، كلهم نكث، ما خلا أولئك القريات، فلما دعوا الى الرجوع صاروا ذمه، و عليهم الجزاء، و لهم المنعه، الا ما كان لال كسرى و من معهم، فانه صافيه فيما بين حلوان و العراق، و كان عمر قد رضى بالسواد من الريف.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحه، عن ماهان، قال: كتبوا الى عمر في الصوافي، فكتب اليهم: ان اعمدوا الى الصوافي التي اصفاكموها الله، فوزعوها على من أفاءها الله عليه، اربعه اخماس للجند، و خمس في مواضعه الى، و ان أحبوا ان ينزلوها فهو الذى لهم فلما

32

جعل ذلك اليهم رأوا الا يفترقوا في بلاد العجم، و اقروها حبيسا لهم يولونها من تراضوا عليه، ثم يقتسمونها في كل عام، و لا يولونها الا من اجمعوا عليه بالرضا، و كانوا لا يجمعون الا على الأمراء، كانوا بذلك في المدائن، و في الكوفه حين تحولوا الى الكوفه كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله ابن ابى طيبه، عن ابيه، قال: كتب عمر: ان احتازوا فيئكم فإنكم ان لم تفعلوا فتقادم الأمر يلحج، و قد قضيت الذى على اللهم انى اشهدك عليهم فاشهد.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله، عن ابيه، قال: فكان الفلاحون للطرق و الجسور و الاسواق و الحرث و الدلالة مع الجزاء عن ايديهم على قدر طاقتهم، و كانت الدهاقين للجزية عن ايديهم و العمارة، و على كلهم الارشاد و ضيافه ابن السبيل من المهاجرين، و كانت الضيافة لمن أفاءها الله خاصه ميراثا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن ابى ثابت بنحو منه، و قالوا جميعا: كان فتح جلولاء في ذي القعده سنه ست عشره في أولها، بينها و بين المدائن تسعه اشهر.

و قالوا جميعا: كان صلح عمر الذى صالح عليه اهل الذمة، انهم ان غشوا المسلمين لعدوهم برئت منهم الذمة، و ان سبوا مسلما ان ينهكوا عقوبة، و ان قاتلوا مسلما ان يقتلوا، و على عمر منعتهم، و برئ عمر الى كل ذي عهد من معره الجيوش.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله و المستنير، عن ابراهيم بمثله.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحه، عن ماهان، قال: كان أشقى اهل فارس بجلولاء اهل الري، كانوا بها حماه اهل‏

33

فارس ففنى اهل الري يوم جلولاء و قالوا جميعا: و لما رجع اهل جلولاء الى المدائن نزلوا قطائعهم، و صار السواد ذمه لهم الا ما اصفاهم الله به من مال الاكاسره، و من لج معهم و قالوا جميعا: و لما بلغ اهل فارس قول عمر و رايه في السواد و ما خلفه، قالوا: و نحن نرضى بمثل الذى رضوا به، لا يرضى اكراد كل بلد ان ينالوا من ريفهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد و حكيم بن عمير، عن ابراهيم بن يزيد، قال: لا يحل اشتراء ارض فيما بين حلوان و القادسية، و القادسية من الصوافي، لأنه لمن افاءه الله عليه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبى مثله.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن المغيره بن شبل، قال: اشترى جرير من ارض السواد صافيه على شاطئ الفرات، فاتى عمر فاخبره، فرد ذلك الشراء و كرهه، و نهى عن شراء شي‏ء لم يقتسمه اهله.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، قال: قلت للشعبى: أخذ السواد عنوه؟ قال: نعم، و كل ارض الا بعض القلاع و الحصون، فان بعضهم صالح و بعضهم غلب، قلت: فهل لأهل السواد ذمه اعتقدوها قبل الهرب؟ قال: لا، و لكنهم لما دعوا و رضوا بالخراج و أخذ منهم صاروا ذمه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز، عن حبيب بن ابى ثابت، قال: ليس لأحد من اهل السواد عقد الا بنى صلوبا و اهل الحيرة و اهل كلواذى و قرى من قرى الفرات، ثم غدروا، ثم دعوا الى الذمة بعد ما غدروا و قال هاشم بن عتبة في يوم جلولاء:

يوم جلولاء و يوم رستم* * * و يوم زحف الكوفه المقدم‏

و يوم عرض النهر المحرم* * * من بين ايام خلون صرم‏

34

شيبن اصداغى فهن هرم* * * مثل ثغام البلد المحرم‏

و قال ابو بجيد في ذلك:

و يوم جلولاء الوقيعه اصبحت* * * كتائبنا تردى بأسد عوابس‏

ففضت جموع الفرس ثم انمتهم* * * فتبا لأجساد المجوس النجائس!

و افلتهن الفيرزان بجرعه* * * و مهران اردت يوم حز القوانس‏

أقاموا بدار للمنية موعد* * * و للترب تحثوها خجوج الروامس‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد، قالوا: و قد كان عمر رضى الله عنه كتب الى سعد: ان فتح الله عليكم جلولاء فسرح القعقاع بن عمرو في آثار القوم حتى ينزل بحلوان فيكون ردءا للمسلمين و يحرز الله لكم سوادكم فلما هزم الله عز و جل اهل جلولاء، اقام هاشم بن عتبة بجلولاء، و خرج القعقاع بن عمرو في آثار القوم الى خانقين في جند من افناء الناس و من الحمراء، فأدرك سبيا من سبيهم، و قتل مقاتله من ادرك، و قتل مهران و افلت الفيرزان، فلما بلغ يزدجرد هزيمه اهل جلولاء و مصاب مهران، خرج من حلوان سائرا نحو الري، و خلف بحلوان خيلا عليها خسرو شنوم، و اقبل القعقاع حتى إذا كان بقصر شيرين على راس فرسخ من حلوان خرج اليه خسرو شنوم، و قدم الزينبى دهقان حلوان، فلقيه القعقاع فاقتتلوا فقتل الزينبى، و احتق فيه عميرة بن طارق و عبد الله، فجعله و سلبه بينهما، فعد عميرة ذلك حقره و هرب خسرو شنوم، و استولى المسلمون على حلوان و أنزلها القعقاع الحمراء، و ولى عليهم قباذ، و لم يزل القعقاع هنالك على الثغر و الجزاء بعد ما دعاهم،

35

فتراجعوا و أقروا بالجزاء الى ان تحول سعد من المدائن الى الكوفه، فلحق به، و استخلف قباذ على الثغر، و كان اصله خراسانيا

. ذكر فتح تكريت‏

و كان في هذه السنه- اعنى سنه ست عشره في روايه سيف- فتح تكريت، و ذلك في جمادى منها.

ذكر الخبر عن فتحها:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و سعيد، و شاركهم الوليد بن عبد الله بن ابى طيبه، قالوا: كتب سعد في اجتماع اهل الموصل الى الانطاق و اقباله حتى نزل بتكريت، و خندق فيه عليه ليحمى ارضه، و في اجتماع اهل جلولاء على مهران معه، فكتب في جلولاء ما قد فرغنا منه، و كتب في تكريت و اجتماع اهل الموصل الى الانطاق بها: ان سرح الى الانطاق عبد الله بن المعتم، و استعمل على مقدمته ربعي ابن الأفكل العنزي، و على ميمنته الحارث بن حسان الذهلي، و على ميسرته فرات بن حيان العجلى، و على ساقته هانئ بن قيس، و على الخيل عرفجة ابن هرثمة، ففصل عبد الله بن المعتم في خمسه آلاف من المدائن، فسار الى تكريت أربعا، حتى نزل على الانطاق، و معه الروم و اياد و تغلب و النمر و معه الشهارجه و قد خندقوا بها، فحصرهم اربعين يوما، فتزاحفوا فيها اربعه و عشرين زحفا، و كانوا اهون شوكه، و اسرع امرا من اهل جلولاء، و وكل عبد الله بن المعتم بالعرب ليدعوهم اليه و الى نصرته على الروم، فهم لا يخفون عليه شيئا، و لما رات الروم انهم لا يخرجون خرجه الا كانت عليهم، و يهزمون في كل ما زاحفوهم، تركوا امراءهم، و نقلوا متاعهم الى السفن، و اقبلت العيون من تغلب و اياد و النمر الى عبد الله بن المعتم بالخبر، و سألوه للعرب السلم، و اخبروه انهم قد استجابوا له، فأرسل اليهم: ان كنتم‏

36

صادقين بذلك فاشهدوا ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله، و أقروا بما جاء به من عند الله، ثم اعلمونا رأيكم فرجعوا اليهم بذلك، فردوهم اليه بالإسلام، فردهم اليهم، و قال: إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا انا قد نهدنا الى الأبواب التي تلينا لندخل عليهم منها، فخذوا بالأبواب التي تلى دجلة، و كبروا و اقتلوا من قدرتم عليه، فانطلقوا حتى تواطئوهم على ذلك و نهد عبد الله و المسلمون لما يليهم و كبروا، و كبرت تغلب و اياد و النمر، و قد أخذوا بالأبواب، فحسب القوم ان المسلمين قد أتوهم من خلفهم، فدخلوا عليهم مما يلى دجلة، فبادروا الأبواب التي عليها المسلمون، فاخذتهم السيوف، سيوف المسلمين مستقبلتهم، و سيوف الربعيين الذين أسلموا ليتئذ من خلفهم، فلم يفلت من اهل الخندق الا من اسلم من تغلب و اياد و النمر و قد كان عمر عهد الى سعد، ان هم هزموا ان يأمر عبد الله بن المعتم بتسريح ابن الأفكل العنزي الى الحصنين، فسرح عبد الله بن المعتم ابن الأفكل العنزي الى الحصنين، فاخذ بالطريق، و قال: اسبق الخبر، و سر ما دون القيل، و احى الليل و سرح معه تغلب و اياد و النمر، فقدمهم و عليهم عتبة بن الوعل، احد بنى جشم بن سعد و ذو القرط و ابو وداعه بن ابى كرب و ابن ذي السنينه قتيل الكلاب و ابن الحجير الأيادي و بشر بن ابى حوط متساندين، فسبقوا الخبر الى الحصنين و لما كانوا منها قريبا قدموا عتبة ابن الوعل فادعى بالظفر و النفل و القفل، ثم ذو القرط، ثم ابن ذي السنينه، ثم ابن الحجير، ثم بشر، و وقفوا بالأبواب، و قد أخذوا بها، و اقبلت سرعان الخيل مع ربعي بن الأفكل حتى اقتحمت عليهم الحصنين، فكانت إياها، فنادوا بالإجابة الى الصلح، فأقام من استجاب، و هرب من لم يستجب، الى ان أتاهم عبد الله بن المعتم، فلما نزل عليهم عبد الله دعا من لج و ذهب، و وفى لمن اقام، فتراجع الهراب و اغتبط المقيم، و صارت لهم جميعا الذمة و المنعه، و اقتسموا في تكريت على كل سهم الف درهم، للفارس ثلاثة آلاف و للراجل الف، و بعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان، و بالفتح‏

37

مع الحارث بن حسان و ولى حرب الموصل ربعي بن الأفكل، و الخراج عرفجة ابن هرثمة

. ذكر فتح ماسبذان‏

و في هذه السنه- اعنى سنه ست عشره- كان فتح ماسبذان أيضا.

ذكر الخبر عن فتحها:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحه و محمد و المهلب و عمرو و سعيد قالوا: و لما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء الى المدائن، بلغ سعدا ان آذين بن الهرمزان قد جمع جمعا، فخرج بهم الى السهل، فكتب بذلك الى عمر، فكتب اليه عمر: ابعث اليهم ضرار بن الخطاب في جند و اجعل على مقدمته ابن الهذيل الأسدي، و على مجنبتيه عبد الله بن وهب الراسبي حليف بجيله، و المضارب بن فلان العجلى، فخرج ضرار بن الخطاب، و هو احد بنى محارب بن فهر في الجند، و قدم ابن الهذيل حتى انتهى الى سهل ماسبذان، فالتقوا بمكان يدعى بهندف، فاقتتلوا بها، فاسرع المسلمون في المشركين، و أخذ ضرار آذين سلما، فاسره فانهزم عنه جيشه فقدمه فضرب عنقه ثم خرج في الطلب حتى انتهى الى السيروان فاخذ ماسبذان عنوه فتطاير أهلها في الجبال، فدعاهم فاستجابوا له، و اقام بها حتى تحول سعد من المدائن فأرسل اليه، فنزل الكوفه و استخلف ابن الهذيل على ماسبذان فكانت احدى فروج الكوفه‏

ذكر وقعه قرقيسياء

و فيها كانت وقعه قرقيسياء في رجب.

ذكر الخبر عن الوقعه بها:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحه و محمد و المهلب و عمرو و سعيد، قالوا: و لما رجع هاشم بن عتبة عن جلولاء الى المدائن‏

38

و قد اجتمعت جموع اهل الجزيرة، فامدوا هرقل على اهل حمص، و بعثوا جندا الى اهل هيت، و كتب بذلك سعد الى عمر، فكتب اليه عمر ان ابعث اليهم عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف في جند، و ابعث على مقدمته الحارث بن يزيد العامري، و على مجنبتيه ربعي بن عامر و مالك ابن حبيب، فخرج عمر بن مالك في جنده سائرا نحو هيت، و قدم الحارث ابن يزيد حتى نزل على من بهيت، و قد خندقوا عليهم فلما راى عمر ابن مالك امتناع القوم بخندقهم و اعتصامهم به، استطال ذلك، فترك الاخبيه على حالها و خلف عليهم الحارث بن يزيد محاصرهم، و خرج في نصف الناس يعارض الطريق حتى يجي‏ء قرقيسياء في عره، فأخذها عنوه، فأجابوا الى الجزاء، و كتب الى الحارث بن يزيد ان هم استجابوا فخل عنهم فليخرجوا، و الا فخندق على خندقهم خندقا ابوابه مما يليك حتى ارى من رأيي فسمحوا بالاستجابة، و انضم الجند الى عمر و الأعاجم الى اهل بلادهم و قال الواقدى: و في هذه السنه غرب عمر أبا محجن الثقفى الى باضع.

قال: و فيها تزوج ابن عمر صفيه بنت ابى عبيده.

قال: و فيها ماتت مارية أم ولد رسول الله ص، أم ابراهيم، و صلى عليها عمر، و قبرها بالبقيع، في المحرم.

قال: و فيها كتب التاريخ في شهر ربيع الاول.

قال: و حدثنى ابن ابى سبره، عن عثمان بن عبيد الله بن ابى رافع، عن ابن المسيب، قال: أول من كتب التاريخ عمر، لسنتين و نصف من خلافته، فكتب لست عشره من الهجره بمشوره على بن ابى طالب.

حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا نعيم‏

39

ابن حماد، قال: حدثنا الدراوردى، عن عثمان بن عبيد الله بن ابى رافع، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: جمع عمر بن الخطاب الناس، فسألهم من اى يوم نكتب؟ [فقال على: من يوم هاجر رسول الله ص، و ترك ارض الشرك‏] ففعله عمر.

و حدثنى عبد الرحمن، قال: حدثنى يعقوب بن إسحاق بن ابى عباد، قال: حدثنا محمد بن مسلم الطائفى، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كان التاريخ في السنه التي قدم فيها رسول الله(ص)المدينة و فيها ولد عبد الله بن الزبير.

و حج بالناس في هذه السنه عمر بن الخطاب، و استخلف على المدينة- فيما زعم الواقدى- زيد بن ثابت و كان عامل عمر في هذه السنه على مكة عتاب بن اسيد، و على الطائف عثمان بن ابى العاص، و على اليمن يعلى ابن اميه، و على اليمامه و البحرين العلاء بن الحضرمى، و على عمان حذيفة بن محصن، و على الشام كلها ابو عبيده بن الجراح، و على الكوفه سعد بن ابى وقاص، و على قضائها ابو قره، و على البصره و أرضها المغيره بن شعبه، و على حرب الموصل ربعي بن الأفكل، و على الخراج بها عرفجة بن هرثمة في قول بعضهم، و في قول آخرين عتبة بن فرقد على الحرب و الخراج- و قيل ذلك كله كان الى عبد الله بن المعتم- و على الجزيرة عياض بن عمرو الأشعري‏

40

سنه سبع عشره‏

ففيها اختطت الكوفه، و تحول سعد بالناس من المدائن إليها في قول سيف بن عمر و روايته.

ذكر سبب تحول من تحول من المسلمين من المدائن الى الكوفه و سبب اختطاطهم الكوفه في روايه سيف‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد، قالوا: لما جاء فتح جلولاء و حلوان و نزول القعقاع بن عمرو بحلوان فيمن معه، و جاء فتح تكريت و الحصنين، و نزول عبد الله بن المعتم و ابن الأفكل الحصنين فيمن معه، و قدمت الوفود بذلك على عمر، فلما رآهم عمر قال: و الله ما هيئتكم بالهيئه التي ابدأتم بها، و لقد قدمت وفود القادسية و المدائن و انهم لكما ابدءوا، و لقد انتكيتم فما غيركم؟ قالوا: و خومه البلاد فنظر في حوائجهم، و عجل سراحهم، و كان في وفود عبد الله بن المعتم عتبة بن الوعل، و ذو القرط، و ابن ذي السنينه، و ابن الحجير و بشر، فعاقدوا عمر على بنى تغلب، فعقد لهم، على ان من اسلم منهم فله ما للمسلمين و عليه ما عليهم، و من ابى فعليه الجزاء، و انما الاجبار من العرب على من كان في جزيرة العرب فقالوا: إذا يهربون و ينقطعون فيصيرون عجما، فامر اجمل الصدقه، فقال: ليس الا الجزاء، فقالوا: تجعل جزيتهم مثل صدقه المسلم، فهو مجهودهم، ففعل على الا ينصروا وليدا ممن اسلم آباؤهم، فقالوا: لك ذلك، فهاجر هؤلاء التغلبيون و من أطاعهم من النمريين و الاياديين الى سعد بالمدائن و خطوا معه بعد بالكوفه، و اقام من اقام في بلاده على ما أخذوا لهم على عمر مسلمهم و ذميهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابن شبرمة، عن الشعبى، قال: كتب حذيفة الى عمر: ان العرب قد اترفت بطونها،

41

و خفت اعضادها، و تغيرت ألوانها و حذيفة يومئذ مع سعد.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و أصحابهما، قالوا: كتب عمر الى سعد: انبئنى ما الذى غير الوان العرب و لحومهم؟ فكتب اليه: ان العرب خددهم و كفى ألوانهم و خومه المدائن و دجلة، فكتب اليه: ان العرب لا يوافقها الا ما وافق ابلها من البلدان، فابعث سلمان رائدا و حذيفة- و كانا رائدى الجيش- فليرتادا منزلا بريا بحريا، ليس بيني و بينكم فيه بحر و لا جسر، و لم يكن بقي من امر الجيش شي‏ء الا و قد اسنده الى رجل، فبعث سعد حذيفة و سلمان، فخرج سلمان حتى ياتى الأنبار، فسار في غربي الفرات لا يرضى شيئا، حتى اتى الكوفه.

و خرج حذيفة في شرقى الفرات لا يرضى شيئا حتى اتى الكوفه، و الكوفه على حصباء- و كل رمله حمراء يقال لها سهله، و كل حصباء و رمل هكذا مختلطين فهو كوفه- فأتيا عليها، و فيها ديرات ثلاثة: دير حرقه، و دير أم عمرو، و دير سلسله، و خصاص خلال ذلك، فاعجبتهما البقعة، فنزلا فصليا، و قال كل واحد منهما: اللهم رب السماء و ما اظلت، و رب الارض و ما اقلت، و الريح و ما ذرت، و النجوم و ما هوت، و البحار و ما جرت، و الشياطين و ما اضلت، و الخصاص و ما اجنت، بارك لنا في هذه الكوفه، و اجعله منزل ثبات و كتب الى سعد بالخبر.

حدثنى محمد بن عبد الله بن صفوان، قال: حدثنا اميه بن خالد، قال: حدثنا ابو عوانه، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: لما هزم الناس يوم جلولاء، رجع سعد بالناس، فلما قدم عمار خرج بالناس الى المدائن فاجتووها، قال عمار: هل تصلح بها الإبل؟ قالوا: لا، ان بها البعوض، قال: قال عمر: ان العرب لا تصلح بأرض لا تصلح بها الإبل قال: فخرج عمار بالناس حتى نزل الكوفه‏

42

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن قيس، عن ابيه، عن النسير بن ثور، قال: و لما اجتوى المسلمون المدائن بعد ما نزلناها و آذاهم الغبار و الذباب، و كتب الى سعد في بعثه روادا يرتادون منزلا بريا بحريا، فان العرب لا يصلحها من البلدان الا ما اصلح البعير و الشاه، سال من قبله عن هذه الصفة فيما بينهم، فاشار عليه من راى العراق من وجوه العرب باللسان- و ظهر الكوفه يقال له اللسان، و هو فيما بين النهرين الى العين، عين بنى الحذاء، كانت العرب تقول: ادلع البر لسانه في الريف، فما كان يلى الفرات منه فهو الملطاط، و ما كان يلى الطين منه فهو النجاف- فكتب الى سعد يأمره به.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد، قالوا: و لما قدم سلمان و حذيفة على سعد، و اخبراه عن الكوفه، و قدم كتاب عمر بالذي ذكرا له، كتب سعد الى القعقاع بن عمرو: ان خلف على الناس بجلولاء قباذ فيمن تبعكم الى من كان معه من الحمراء ففعل و جاء حتى قدم على سعد في جنده، و كتب سعد الى عبد الله بن المعتم: ان خلف على الموصل مسلم بن عبد الله الذى كان اسر ايام القادسية فيمن استجاب لكم من الأساورة، و من كان معكم منهم ففعل، و جاء حتى قدم على سعد في جنده، فارتحل سعد بالناس من المدائن حتى عسكر بالكوفه في المحرم سنه سبع عشره و كان بين وقعه المدائن و نزول الكوفه سنه و شهران، و كان بين قيام عمر و اختطاط الكوفه ثلاث سنين و ثمانية اشهر، اختطت سنه اربع من اماره عمر في المحرم سنه سبع عشره من التاريخ، و أعطوا العطايا بالمدائن في المحرم من هذه السنه قبل ان يرتحلوا و في بهرسير، في المحرم سنه ست عشره، و استقر باهل البصره منزلهم اليوم بعد ثلاث نزلات قبلها، كلها ارتحلوا عنها في المحرم سنه سبع عشره، و استقر باقى قرارهما اليوم في شهر واحد.

و قال الواقدى: سمعت القاسم بن معن يقول: نزل الناس الكوفه في آخر سنه سبع عشره‏

43

قال: و حدثنى ابن ابى الرقاد، عن ابيه، قال: نزلوها حين دخلت سنه ثماني عشره، في أول السنه.

رجع الحديث الى حديث سيف قالوا: و كتب عمر الى سعد بن مالك و الى عتبة بن غزوان ان يتربعا بالناس في كل حين ربيع في اطيب ارضهم، و امر لهم بمعاونهم في الربيع من كل سنه، و باعطائهم في المحرم من كل سنه، و بفيئهم عند طلوع الشعرى في كل سنه، و ذلك عند ادراك الغلات، و أخذوا قبل نزول الكوفه عطاءين كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن قيس، عن رجل من بنى اسد يدعى المغرور، قال: لما نزل سعد الكوفه، كتب الى عمر: انى قد نزلت بكوفه منزلا بين الحيرة و الفرات بريا بحريا، ينبت الحلى و النصى، و خيرت المسلمين بالمدائن، فمن اعجبه المقام فيها تركته فيها كالمسلحة فبقى اقوام من الافناء، و اكثرهم بنو عبس.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و عمرو و سعيد و المهلب، قالوا: و لما نزل اهل الكوفه الكوفه، و استقرت باهل البصره الدار، عرف القوم انفسهم، و ثاب اليهم ما كانوا فقدوا ثم ان اهل الكوفه استأذنوا في بنيان القصب، و استاذن فيه اهل البصره، فقال عمر: العسكر أجد لحربكم و اذكى لكم، و ما أحب ان اخالفكم، و ما القصب؟ قالوا:

العكرش إذا روى قصب فصار قصبا، قال: فشأنكم، فابتنى اهل المصرين بالقصب.

ثم ان الحريق وقع بالكوفه و بالبصرة، و كان أشدهما حريقا الكوفه،

44

فاحترق ثمانون عريشا، و لم يبق فيها قصبه في شوال، فما زال الناس يذكرون ذلك فبعث سعد منهم نفرا الى عمر يستاذنون في البناء باللبن، فقدموا عليه بالخبر عن الحريق، و ما بلغ منهم- و كانوا لا يدعون شيئا و لا يأتونه الا و آمروه فيه- فقال: افعلوا، و لا يزيدن احدكم على ثلاثة ابيات، و لا تطاولوا في البنيان، و الزموا السنه تلزمكم الدولة فرجع القوم الى الكوفه بذلك و كتب عمر الى عتبة و اهل البصره بمثل ذلك، و على تنزيل اهل الكوفه ابو الهياج بن مالك، و على تنزيل اهل البصره عاصم ابن الدلف ابو الجرباء.

قال: و عهد عمر الى الوفد و تقدم الى الناس الا يرفعوا بنيانا فوق القدر.

قالوا: و ما القدر؟ قال: ما لا يقربكم من السرف، و لا يخرجكم من القصد.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد، قالوا: لما اجمعوا على ان يضعوا بنيان الكوفه، ارسل سعد الى ابى الهياج فاخبره بكتاب عمر في الطرق، انه امر بالمناهج اربعين ذراعا، و ما يليها ثلاثين ذراعا، و ما بين ذلك عشرين، و بالازقه سبع اذرع، ليس دون ذلك شي‏ء، و في القطائع ستين ذراعا الا الذى لبنى ضبة فاجتمع اهل الرأي للتقدير، حتى إذا أقاموا على شي‏ء قسم ابو الهياج عليه، فأول شي‏ء خط الكوفه و بنى حين عزموا على البناء المسجد، فوضع في موضع اصحاب الصابون و التمارين من السوق، فاختطوه، ثم قام رجل في وسطه، رام شديد النزع، فرمى عن يمينه فامر من شاء ان يبنى وراء موقع ذلك السهم، و رمى من بين يديه و من خلفه، و امر من شاء ان يبنى وراء موقع السهمين.

فترك المسجد في مربعه غلوه من كل جوانبه، و بنى ظله في مقدمه، ليست لها مجنبات و لا مواخير، و المربعة لاجتماع الناس لئلا يزدحموا-

45

و كذلك كانت المساجد ما خلا المسجد الحرام، فكانوا لا يشبهون به المساجد تعظيما لحرمته، و كانت ظلته مائتي ذراع على أساطين رخام كانت للاكاسره، سماؤها كاسميه الكنائس الرومية، و اعلموا على الصحن بخندق لئلا يقتحمه احد ببنيان، و بنوا لسعد دارا بحياله بينهما طريق منقب مائتي ذراع، و جعل فيها بيوت الأموال، و هي قصر الكوفه اليوم، بنى ذلك له روزبه من آجر بنيان الاكاسره بالحيرة، و نهج في الودعة من الصحن خمسه مناهج، و في قبلته اربعه مناهج، و في شرقيه ثلاثة مناهج، و في غربيه ثلاثة مناهج، و علمها، فانزل في ودعه الصحن سليما و ثقيفا مما يلى الصحن على طريقين، و همدان على طريق، و بجيله على طريق آخر، و تيم اللات على آخرهم و تغلب، و انزل في قبله الصحن بنى اسد على طريق، و بين بنى اسد و النخع طريق، و بين النخع و كنده طريق، و بين كنده و الأزد طريق، و انزل في شرقى الصحن الانصار، و مزينه على طريق، و تميما و محاربا على طريق، و أسدا و عامرا على طريق، و انزل في غربي الصحن بجاله و بجله على طريق، و جديله و اخلاطا على طريق، و جهينة و اخلاطا على طريق، فكان هؤلاء الذين يلون الصحن و سائر الناس بين ذلك و من وراء ذلك و اقتسمت على السهمان، فهذه مناهجها العظمى و بنوا مناهج دونها تحاذى هذه ثم تلاقيها، و اخر تتبعها، و هي دونها في الذرع، و المحال من ورائها، و فيما بينها، جعل هذه الطرقات من وراء الصحن، و نزل فيها الاعشار من اهل الأيام و القوادس، و حمى لأهل الثغور و الموصل اماكن حتى يوافوا إليها، فلما ردفتهم الروادف، البدء و الثناء، و كثروا عليهم، ضيق الناس المحال فمن كانت رادفته كثيره شخص اليهم و ترك محلته، و من كانت رادفته قليله انزلوهم منازل من شخص الى رادفته لقلته إذا كانوا جيرانهم، و الا وسعوا على روادفهم و ضيقوا على انفسهم، فكان الصحن على حاله زمان عمر كله، لا تطمع فيه القبائل، ليس فيه الا المسجد و القصر، و الاسواق في غير بنيان و لا اعلام و قال عمر: الاسواق على سنه المساجد، من سبق‏

46

الى مقعد فهو له، حتى يقوم منه الى بيته او يفرغ من بيعه، و قد كانوا أعدوا مناخا لكل رادف، فكان كل من يجي‏ء سواء فيه- و ذلك المناخ اليوم دور بنى البكاء- حتى يأتوا بالهياج، فيقوم في امرهم حتى يقطع لهم حيث أحبوا و قد بنى سعد في الذين خطوا للقصر قصرا بحيال محراب مسجد الكوفه اليوم، فشيده، و جعل فيه بيت المال، و سكن ناحيته ثم ان بيت المال نقب عليه نقبا، و أخذ من المال، و كتب سعد بذلك الى عمر، و وصف له موضع الدار و بيوت المال من الصحن مما يلى ودعه الدار.

فكتب اليه عمر: ان انقل المسجد حتى تضعه الى جنب الدار، و اجعل الدار قبلته، فان للمسجد أهلا بالنهار و بالليل، و فيهم حصن لمالهم، فنقل المسجد و اراغ بنيانه، فقال له دهقان من اهل همذان، يقال له روزبه بن بزرجمهر: انا ابنيه لك، و ابنى لك قصرا فاصلهما، و يكون بنيانا واحدا فخط قصر الكوفه على ما خط عليه، ثم انشاه من نقض آجر قصر كان للاكاسره في ضواحي الحيرة على مساحته اليوم، و لم يسمح به، و وضع المسجد بحيال بيوت الأموال منه الى منتهى القصر، يمنه على القبله، ثم مد به عن يمين ذلك الى منقطع رحبه على بن ابى طالب ع، و الرحبه قبلته، ثم مد به فكانت قبله المسجد الى الرحبه و ميمنه القصر، و كان بنيانه على أساطين من رخام كانت لكسرى بكنائس بغير مجنبات، فلم يزل على ذلك حتى بنى ازمان معاويه بن ابى سفيان بنيانه اليوم، على يدي زياد.

و لما اراد زياد بنيانه دعا ببنائين من بنائى الجاهلية، فوصف لهم موضع المسجد و قدره و ما يشتهى من طوله في السماء، و قال: اشتهى من ذلك شيئا لا أقع على صفته، فقال له بناء قد كان بناء لكسرى: لا يجي‏ء هذا الا بأساطين من جبال اهواز، تنقر ثم تثقب، ثم تحشى بالرصاص و بسفافيد الحديد، فترفعه ثلاثين ذراعا في السماء، ثم تسقفه، و تجعل له مجنبات و مواخير، فيكون اثبت له فقال: هذه الصفة التي كانت نفسي تنازعنى‏

47

إليها و لم تعبرها و غلق باب القصر، و كانت الاسواق تكون في موضعه بين يديه، فكانت غوغاؤهم تمنع سعدا الحديث، فلما بنى ادعى الناس عليه ما لم يقل، و قالوا: قال سعد: سكن عنى الصويت و بلغ عمر ذلك، و ان الناس يسمونه قصر سعد، فدعا محمد بن مسلمه، فسرحه الى الكوفه، و قال: اعمد الى القصر حتى تحرق بابه، ثم ارجع عودك على بدئك، فخرج حتى قدم الكوفه، فاشترى حطبا، ثم اتى به القصر، فاحرق الباب، و اتى سعد فاخبر الخبر، فقال: هذا رسول ارسل لهذا من الشان، و بعث لينظر من هو؟ فإذا هو محمد بن مسلمه، فأرسل اليه رسولا بان ادخل، فأبى فخرج اليه سعد، فاراده على الدخول و النزول، فأبى، و عرض عليه نفقه فلم يأخذ، و دفع كتاب عمر الى سعد: بلغنى انك بنيت قصرا اتخذته حصنا، و يسمى قصر سعد، و جعلت بينك و بين الناس بابا، فليس بقصرك، و لكنه قصر الخبال، انزل منه منزلا مما يلى بيوت الأموال و اغلقه، و لا تجعل على القصر بابا تمنع الناس من دخوله و تنفيهم به عن حقوقهم، ليوافقوا مجلسك و مخرجك من دارك إذا خرجت، فحلف له سعد ما قال الذى قالوا و رجع محمد بن مسلمه من فوره، حتى إذا دنا من المدينة فنى زاده، فتبلغ بلحاء من لحاء الشجر، فقدم على عمر، و قد سنق فاخبره خبره كله، فقال: فهلا قبلت من سعد! فقال: لو اردت ذلك كتبت لي به، او أذنت لي فيه، فقال عمر: ان اكمل الرجال رايا من إذا لم يكن عنده عهد من صاحبه عمل بالحزم، او قال به، و لم ينكل، و اخبره بيمين سعد و قوله، فصدق سعدا و قال: هو اصدق ممن روى عليه و من أبلغني.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن‏

9

عطاء ابى محمد، مولى إسحاق بن طلحه‏

3

، قال: كنت اجلس في المسجد الأعظم قبل ان يبنيه زياد، و ليست له مجنبات و لا مواخير، فأرى منه دير هند و باب الجسر.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابن شبرمة، عن‏

48

الشعبى، قال: كان الرجل يجلس في المسجد فيرى منه باب الجسر كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف،

3

عن عمر بن عياش أخي ابى بكر بن عياش‏

3

، عن ابى كثير، ان روزبه بن بزرجمهر بن ساسان كان همذانيا، و كان على فرج من فروج الروم، فادخل عليهم سلاحا، فاخافه الاكاسره، فلحق بالروم، فلم يامن حتى قدم سعد بن مالك، فبنى له القصر و المسجد ثم كتب معه الى عمر، و اخبره بحاله، فاسلم، و فرض له عمر و اعطاه، و صرفه الى سعد مع اكريائه- و الأكرياء يومئذ هم العباد- حتى إذا كان بالمكان الذى يقال له قبر العبادي مات، فحفروا له، ثم انتظروا به من يمر بهم ممن يشهدونه موته، فمر قوم من الاعراب، و قد حفروا له على الطريق، فاروهموه ليبرءوا من دمه، و أشهدوهم ذلك، فقالوا: قبر العبادي- و قيل قبر العبادي لمكان الأكرياء- قال ابو كثير: فهو و الله ابى، قال: فقلت: ا فلا تخبر الناس بحاله! قال: لا كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد و زياد، قالوا: و رجح الاعشار بعضهم بعضا رجحانا كثيرا، فكتب سعد الى عمر في تعديلهم، فكتب اليه: ان عد لهم، فأرسل الى قوم من نساب العرب و ذوى رأيهم و عقلائهم منهم سعيد بن نمران و مشعله ابن نعيم، فعدلوهم عن الاسباع، فجعلوهم أسباعا، فصارت كنانه و حلفاؤها من الاحابيش و غيرهم، و جديله- و هم بنو عمرو بن قيس عيلان- سبعا، و صارت قضاعه- و منهم يومئذ غسان بن شبام- و بجيله و خثعم و كنده و حضرموت، و الأزد سبعا، و صارت مذحج و حمير و همدان و حلفاؤهم سبعا، و صارت تميم و سائر الرباب و هوازن سبعا، و صارت اسد و غطفان و محارب و النمر و ضبيعه و تغلب سبعا، و صارت اياد و عك و عبد القيس و اهل هجر و الحمراء سبعا، فلم يزالوا بذلك زمان عمر و عثمان و على، و عامه اماره معاويه، حتى ربعهم زياد

49

اعاده تعريف الناس‏

و عرفوهم على مائه الف درهم، فكانت كل عرافه من القادسية خاصه ثلاثة و اربعين رجلا و ثلاثا و اربعين امراه و خمسين من العيال، لهم مائه الف درهم، و كل عرافه من اهل الأيام عشرين رجلا على ثلاثة آلاف و عشرين امراه، و كل عيل على مائه، على مائه الف درهم، و كل عرافه من الرادفه الاولى ستين رجلا و ستين امراه و اربعين من العيال ممن كان رجالهم ألحقوا على الف و خمسمائة على مائه الف درهم، ثم على هذا من الحساب.

و قال عطية بن الحارث: قد أدركت مائه عريف، و على مثل ذلك كان اهل البصره، كان العطاء يدفع الى أمراء الاسباع و اصحاب الرايات، و الرايات على ايادى العرب، فيدفعونه الى العرفاء و النقباء و الأمناء، فيدفعونه الى اهله في دورهم‏

. فتوح المدائن قبل الكوفه‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد، قالوا: فتوح المدائن السواد و حلوان و ماسبذان و قرقيسيا، فكانت الثغور ثغور الكوفه اربعه: حلوان عليها القعقاع بن عمرو، و ماسبذان عليها ضرار بن الخطاب الفهري، و قرقيسياء عليها عمر بن مالك او عمرو بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، و الموصل عليها عبد الله بن المعتم، فكانوا بذلك، و الناس مقيمون بالمدائن بعد ما تحول سعد الى تمصير الكوفه، و انضمام هؤلاء النفر الى الكوفه و استخلافهم على الثغور من يمسك بها و يقوم عليها، فكان خليفه القعقاع على حلوان قباذ بن عبد الله، و خليفه عبد الله على الموصل مسلم بن عبد الله، و خليفه ضرار رافع بن عبد الله، و خليفه عمر عشنق بن عبد الله، و كتب اليهم عمر ان يستعينوا بمن احتاجوا اليه من الأساورة، و يرفعوا عنهم الجزاء، ففعلوا فلما اختطت الكوفه و اذن للناس بالبناء، نقل الناس أبوابهم من المدائن الى الكوفه فعلقوها على‏

50

ما بنوا و اوطنوا الكوفه و هذه ثغورهم، و ليس في ايديهم من الريف الا ذلك.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد عن عامر، قال: كانت الكوفه و سوادها و الفروج: حلوان، و الموصل، و ماسبذان و قرقيسياء ثم وافقهم في الحديث عمرو بن الريان، عن موسى بن عيسى الهمدانى بمثل حديثهم، و نهاهم عما وراء ذلك، و لم يأذن لهم في الانسياح.

و قالوا جميعا: ولى سعد بن مالك على الكوفه بعد ما اختطت ثلاث سنين و نصفا سوى ما كان بالمدائن قبلها، و عماله ما بين الكوفه و حلوان و الموصل و ماسبذان و قرقيسياء الى البصره، و مات عتبة بن غزوان و هو على البصره فظع بعمله، و سعد على الكوفه فولى عمر أبا سبره مكان عتبة بن غزوان، ثم عزل أبا سبره عن البصره، و استعمل المغيره، ثم عزل المغيره، و استعمل أبا موسى الأشعري‏

. ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحب الروم‏

و في هذه السنه قصدت الروم أبا عبيده بن الجراح و من معه من جند المسلمين بحمص لحربهم، فكان من امرهم و امر المسلمين ما ذكر ابو عبيده، و هو فيما كتب به الى السرى عن شعيب، عن سيف عن محمد و طلحه و عمرو و سعيد- قالوا أول ما اذن عمر للجند بالانسياج، ان الروم خرجوا، و قد تكاتبوا هم و اهل الجزيرة يريدون أبا عبيده و المسلمين بحمص، فضم ابو عبيده اليه مسالحه، و عسكروا بفناء مدينه حمص، و اقبل خالد من قنسرين حتى انضم اليهم فيمن انضم من أمراء المسالح، فاستشارهم ابو عبيده في المناجزة او التحصن الى مجي‏ء الغياث، فكان خالد يأمره ان يناجزهم، و كان سائرهم يأمرونه بان يتحصن، و يكتب الى عمر، فاطاعهم و عصى خالدا، و كتب الى عمر يخبره بخروجهم عليه،

51

و شغلهم اجناد اهل الشام عنه، و قد كان عمر اتخذ في كل مصر على قدره خيولا من فضول اموال المسلمين عده لكون ان كان، فكان بالكوفه من ذلك اربعه آلاف فرس فلما وقع الخبر لعمر كتب الى سعد ابن مالك: ان اندب الناس مع القعقاع بن عمرو و سرحهم من يومهم الذى يأتيك فيه كتابي الى حمص، فان أبا عبيده قد احيط به، و تقدم اليهم في الجد و الحث.

و كتب أيضا اليه ان سرح سهيل بن عدى الى الجزيرة في الجند و ليأت الرقة فان اهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على اهل حمص، و ان اهل قرقيسياء لهم سلف و سرح عبد الله بن عبد الله بن عتبان الى نصيبين، فان اهل قرقيسياء لهم سلف، ثم لينفضا حران و الرهاء و سرح الوليد بن عقبه على عرب الجزيرة من ربيعه و تنوخ و سرح عياضا، فان كان قتال فقد جعلت امرهم جميعا الى عياض بن غنم- و كان عياض من اهل العراق الذين خرجوا مع خالد بن الوليد ممدين لأهل الشام، و ممن انصرف ايام انصرف اهل العراق ممدين لأهل القادسية، و كان يرافد أبا عبيده- فمضى القعقاع في اربعه آلاف من يومهم الذى أتاهم فيه الكتاب نحو حمص، و خرج عياض بن غنم و أمراء الجزيرة فأخذوا طريق الجزيرة على الفراض و غير الفراض، و توجه كل امير الى الكورة التي امر عليها فاتى الرقة، و خرج عمر من المدينة مغيثا لأبي عبيده يريد حمص حتى نزل الجابية و لما بلغ اهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على اهل حمص و استثاروهم و هم معهم مقيمون عن حديث من بالجزيرة منهم بان الجنود قد ضربت من الكوفه، و لم يدروا: الجزيرة يريدون أم حمص! فتفرقوا الى بلدانهم‏

52

و إخوانهم، و خلوا الروم و راى ابو عبيده امرا لما انفضوا غير الاول، فاستشار خالدا في الخروج، فأمره بالخروج، ففتح الله عليهم و قدم القعقاع بن عمرو في اهل الكوفه في ثلاث من يوم الوقعه، و قدم عمر فنزل الجابية، فكتبوا الى عمر بالفتح و بقدوم المدد عليهم في ثلاث، و بالحكم في ذلك فكتب اليهم ان اشركوهم، و قال: جزى الله اهل الكوفه خيرا! يكفون حوزتهم و يمدون اهل الأمصار.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن زكرياء بن سياه، عن الشعبى، قال: استمد ابو عبيده عمر، و خرجت عليه الروم، و تابعهم النصارى فحصروه، فخرج و كتب الى اهل الكوفه، فنفر اليهم في غداه اربعه آلاف على البغال يجنبون الخيل، فقدموا على ابى عبيده في ثلاث بعد الوقعه، فكتب فيهم الى عمر، و قد انتهى الى الجابية، فكتب اليه:

ان اشركهم، فإنهم قد نفروا إليكم، و تفرق لهم عدوكم كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحه، عن ماهان، قال: كان لعمر اربعه آلاف فرس عده لكون ان كان، يشتيها في قبله قصر الكوفه و ميسرته، و من اجل ذلك يسمى ذلك المكان الارى الى اليوم، و يربعها فيما بين الفرات و الأبيات من الكوفه مما يلى العاقول، فسمته الأعاجم آخر الشاهجان، يعنون معلف الأمراء، و كان قيمه عليها سلمان ابن ربيعه الباهلى في نفر من اهل الكوفه، يصنع سوابقها، و يجريها في كل عام، و بالبصرة نحو منها، و قيمه عليها جزء بن معاويه، و في كل مصر من الأمصار الثمانية على قدرها، فان نابتهم نائبه ركب قوم و تقدموا الى ان يستعد الناس.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن حلام، عن شهر ابن مالك بنحو منه فلما فرغوا رجعوا

53

ذكر فتح الجزيرة

و في هذه السنه- اعنى سنه سبع عشره- افتتحت الجزيرة في روايه سيف و اما ابن إسحاق، فانه ذكر انها افتتحت في سنه تسع عشره من الهجره، و ذكر من سبب فتحها ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه عنه، ان عمر كتب الى سعد بن ابى وقاص: ان الله قد فتح على المسلمين الشام و العراق، فابعث من عندك جندا الى الجزيرة، و امر عليهم احد الثلاثة: خالد بن عرفطه، او هاشم بن عتبة، او عياض بن غنم.

فلما انتهى الى سعد كتاب عمر، قال: ما اخر امير المؤمنين عياض بن غنم آخر القوم الا انه له فيه هوى ان اوليه، و انا موليه فبعثه و بعث معه جيشا، و بعث أبا موسى الأشعري، و ابنه عمر بن سعد- و هو غلام حدث السن ليس اليه من الأمر شي‏ء- و عثمان بن ابى العاص بن بشر الثقفى، و ذلك في سنه تسع عشره فخرج عياض الى الجزيرة، فنزل بجنده على الرهاء فصالحه أهلها على الجزية، و صالحت حران حين صالحت الرهاء، فصالحه أهلها على الجزية ثم بعث أبا موسى الأشعري الى نصيبين، و وجه عمر بن سعد الى راس العين في خيل رداء للمسلمين، و سار بنفسه في بقية الناس الى دارا، فنزل عليها حتى افتتحها، فافتتح ابو موسى نصيبين، و ذلك في سنه تسع عشره ثم وجه عثمان بن ابى العاص الى أرمينية الرابعه فكان عندها شي‏ء من قتال، اصيب فيه صفوان بن المعطل السلمى شهيدا.

ثم صالح أهلها عثمان بن ابى العاص على الجزية، على كل اهل بيت دينار ثم كان فتح قيساريه من فلسطين و هرب هرقل.

و اما في روايه سيف، فان الخبر في ذلك، فيما كتب به الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و المهلب و طلحه و عمرو و سعيد، قالوا:

خرج عياض بن غنم في اثر القعقاع، و خرج القواد- يعنى حين كتب عمر الى سعد بتوجيه القعقاع في اربعه آلاف من جنده مددا لأبي عبيده حين قصدته الروم و هو بحمص- فسلكوا طريق الجزيرة على الفراض و غيرها،

54

فسلك سهيل بن عدى و جنده طريق الفراض حتى انتهى الى الرقة، و قد ارفض اهل الجزيرة عن حمص الى كورهم حين سمعوا بمقبل اهل الكوفه، فنزل عليهم، فأقام محاصرهم حتى صالحوه، و ذلك انهم قالوا فيما بينهم: أنتم بين اهل العراق و اهل الشام، فما بقاؤكم على حرب هؤلاء و هؤلاء! فبعثوا في ذلك الى عياض و هو في منزل واسط من الجزيرة، فراى ان يقبل منهم، فبايعوه و قبل منهم، و كان الذى عقد لهم سهيل بن عدى عن امر عياض، لأنه امير القتال و اجروا ما أخذوا عنوه، ثم أجابوا مجرى اهل الذمة، و خرج عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فسلك على دجلة حتى انتهى الى الموصل، فعبر الى بلد حتى اتى نصيبين، فلقوه بالصلح، و صنعوا كما صنع اهل الرقة، و خافوا مثل الذى خافوا، فكتبوا الى عياض، فراى ان يقبل منهم، فعقد لهم عبد الله بن عبد الله، و اجروا ما أخذوا عنوه، ثم أجابوا مجرى اهل الذمة، و خرج الوليد بن عقبه حتى قدم على بنى تغلب و عرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم و كافرهم الا اياد ابن نزار، فإنهم ارتحلوا بقليتهم، فاقتحموا ارض الروم، فكتب بذلك الوليد الى عمر بن الخطاب و لما اعطى اهل الرقة و نصيبين الطاعة ضم عياض سهيلا و عبد الله اليه فسار بالناس الى حران، فاخذ ما دونها فلما انتهى اليهم اتقوه بالإجابة الى الجزية فقبل منهم، و اجرى من أجاب بعد غلبه مجرى اهل الذمة ثم ان عياضا سرح سهيلا و عبد الله الى الرهاء، فاتقوهما بالإجابة الى الجزية، و اجرى من دونهم مجراهم، فكانت الجزيرة اسهل البلدان امرا، و ايسره فتحا، فكانت تلك السهوله مهجنه عليهم و على من اقام فيهم من المسلمين، و قال عياض بن غنم:

من مبلغ الأقوام ان جموعنا* * * حوت الجزيرة يوم ذات زحام‏

جمعوا الجزيرة و الغياث فنفسوا* * * عمن بحمص غيابه القدام‏