تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج6

- ابن جرير الطبري المزيد...
622 /
7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ثم دخلت‏

سنه ست و ستين‏

(ذكر الخبر عن الكائن الذى كان فيها من الأمور الجليله) فمما كان فيها من ذلك و ثوب المختار بن ابى عبيد بالكوفه طالبا بدم الحسين بن على بن ابى طالب و اخراجه منها عامل ابن الزبير عبد الله بن مطيع العدوى.

ذكر الخبر عما كان من امرهما في ذلك و ظهور المختار للدعوة الى ما دعا اليه الشيعة بالكوفه:

ذكر هشام بن محمد، عن ابى مخنف، ان فضيل بن خديج، حدثه عن عبيده بن عمرو و اسماعيل بن كثير من بنى هند ان اصحاب سليمان بن صرد لما قدموا كتب اليهم المختار:

اما بعد، فان الله اعظم لكم الاجر، و حط عنكم الوزر، بمفارقه القاسطين، و جهاد المحلين، انكم لم تنفقوا نفقه، و لم تقطعوا عقبه، و لم تخطوا خطوه الا رفع الله لكم بها درجه، و كتب لكم بها حسنه، الى ما لا يحصيه الا الله من التضعيف، فابشروا فانى لو قد خرجت إليكم قد جردت فيما بين المشرق و المغرب في عدوكم السيف باذن الله، فجعلتهم باذن الله ركاما، و قتلتهم فذا و تؤاما، فرحب الله بمن قارب منكم و اهتدى، و لا يبعد الله الا من عصى و ابى، و السلام يا اهل الهدى.

فجاءهم بهذا الكتاب سيحان بن عمرو، من بنى ليث من عبد القيس قد ادخله في قلنسوته فيما بين الظهارة و البطانه، فاتى بالكتاب رفاعة بن شداد

8

و المثنى بن مخربه العبدى و سعد بن حذيفة بن اليمان و يزيد بن انس و احمر بن شميط الأحمسي و عبد الله بن شداد البجلي و عبد الله بن كامل، فقرا عليهم الكتاب، فبعثوا اليه ابن كامل، فقالوا: قل له: قد قرأنا الكتاب، و نحن حيث يسرك، فان شئت ان نأتيك حتى نخرجك فعلنا.

فأتاه، فدخل عليه السجن، فاخبره بما ارسل اليه به، فسر باجتماع الشيعة له، و قال لهم: لا تريدوا هذا، فانى اخرج في ايامى هذه.

قال: و كان المختار قد بعث غلاما يدعى زربيا الى عبد الله بن عمر ابن الخطاب، و كتب اليه:

اما بعد: فانى قد حبست مظلوما، و ظن بي الولاه ظنونا كاذبه، فاكتب في يرحمك الله الى هذين الظالمين كتابا لطيفا، عسى الله ان يخلصني من أيديهما بلطفك و بركتك و يمنك، و السلام عليك.

فكتب إليهما عبد الله بن عمر:

اما بعد، فقد علمتما الذى بيني و بين المختار بن ابى عبيد من الصهر، و الذى بيني و بينكما من الود، فاقسمت عليكما بحق ما بيني و بينكما لما خليتما سبيله حين تنظران في كتابي هذا، و السلام عليكما و (رحمه الله).

فلما اتى عبد الله بن يزيد و ابراهيم بن محمد بن طلحه كتاب عبد الله ابن عمر دعوا للمختار بكفلاء يضمنونه بنفسه، فأتاه اناس من اصحابه كثير، فقال يزيد بن الحارث بن يزيد بن رؤيم لعبد الله بن يزيد: ما تصنع بضمان هؤلاء كلهم! ضمنه عشره منهم اشرافا معروفين، ودع سائرهم.

ففعل ذلك، فلما ضمنوه، دعا به عبد الله بن يزيد و ابراهيم بن محمد بن طلحه فحلفاه بالله الذى لا اله الا هو عالم الغيب و الشهاده الرحمن الرحيم، لا يبغيهما غائله، و لا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان، فان هو فعل فعليه الف بدنه‏

9

ينحرها لدى رتاج الكعبه، و مماليكه كلهم ذكرهم و أنثاهم احرار فحلف لهما بذلك، ثم خرج فجاء داره فنزلها.

قال ابو مخنف: فحدثني يحيى بن ابى عيسى، عن حميد بن مسلم، قال: سمعت المختار بعد ذلك يقول: قاتلهم الله! ما احمقهم حين يرون انى أفي لهم بايمانهم هذه! اما حلفي لهم بالله، فانه ينبغى لي إذا حلفت على يمين فرايت ما هو خير منها ان ادع ما حلفت عليه و آتى الذى هو خير، و اكفر يميني، و خروجى عليهم خير من كفى عنهم، و اكفر يميني، و اما هدى الف بدنه فهو اهون على من بصقه، و ما ثمن الف بدنه فيهولنى! و اما عتق مماليكى فو الله لوددت انه قد استتب لي امرى، ثم لم املك مملوكا ابدا.

قال: و لما نزل المختار داره عند خروجه من السجن، اختلف اليه الشيعة و اجتمعت عليه، و اتفق رأيها على الرضا به، و كان الذى يبايع له الناس و هو في السجن خمسه نفر: السائب بن مالك الأشعري، و يزيد بن انس، و احمر بن شميط، و رفاعة بن شداد الفتيانى، و عبد الله بن شداد الجشمى.

قال: فلم تزل اصحابه يكثرون، و امره يقوى و يشتد حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد و ابراهيم بن محمد بن طلحه، و بعث عبد الله بن مطيع على عملهما الى الكوفه.

قال ابو مخنف: فحدثني الصقعب بن زهير، عن عمر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، قال: دعا ابن الزبير عبد الله بن مطيع أخا بنى عدى ابن كعب و الحارث بن عبد الله بن ابى ربيعه المخزومي، فبعث عبد الله بن مطيع على الكوفه، و بعث الحارث بن عبد الله بن ابى ربيعه على البصره قال:

فبلغ ذلك بحير بن ريسان الحميرى، فلقيهما، فقال لهما: يا هذان، ان القمر الليلة بالناطح، فلا تسيرا فاما ابن ابى ربيعه، فاطاعه، فأقام يسيرا

10

ثم شخص الى عمله فسلم، و اما عبد الله بن مطيع فقال له: و هل نطلب الا النطح! قال: فلقى و الله نطحا و بطحا، قال: يقول عمر: و البلاء موكل بالقول.

قال عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: بلغ عبد الملك بن مروان ان ابن الزبير بعث عمالا على البلاد، فقال: من بعث على البصره؟

فقيل بعث عليها الحارث بن عبد الله بن ابى ربيعه، قال: لا حر بوادي عوف، بعث عوفا و جلس! ثم قال: من بعث على الكوفه؟ قالوا: عبد الله بن مطيع، قال: حازم و كثيرا ما يسقط، و شجاع و ما يكره ان يفر، قال: من بعث على المدينة؟ قالوا: بعث أخاه مصعب بن الزبير، قال: ذاك الليث النهد، و هو رجل اهل بيته.

قال هشام: قال ابو مخنف: و قدم عبد الله بن مطيع الكوفه في رمضان سنه خمس و ستين يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان، فقال لعبد الله ابن يزيد: ان احببت ان تقيم معى احسنت صحبتك، و اكرمت مثواك، و ان لحقت بامير المؤمنين عبد الله بن الزبير فبك عليه كرامة، و على من قبله من المسلمين و قال لإبراهيم بن محمد بن طلحه: الحق بامير المؤمنين، فخرج ابراهيم حتى قدم المدينة، و كسر على ابن الزبير الخراج، و قال: انما كانت فتنه، فكف عنه ابن الزبير.

قال: و اقام ابن مطيع على الكوفه على الصلاة و الخراج، و بعث على شرطته اياس بن مضارب العجلى، و امره ان يحسن السيرة و الشده على المريب.

قال ابو مخنف: فحدثني حصيره بن عبد الله بن الحارث بن دريد الأزدي- و كان قد ادرك ذلك الزمان، و شهد قتل مصعب بن الزبير- قال:

انى لشاهد المسجد حيث قدم عبد الله بن مطيع، فصعد المنبر، فحمد الله و اثنى عليه، و قال: اما بعد، فان امير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثني على مصركم و ثغوركم، و أمرني بجباية فيئكم، و الا احمل فضل فيئكم عنكم الا برضا منكم، و وصيه عمر بن الخطاب التي اوصى بها عند وفاته، و بسيره عثمان ابن عفان التي سار بها في المسلمين، فاتقوا الله و استقيموا و لا تختلفوا، و خذوا

11

على أيدي سفهائكم، و الا تفعلوا فلوموا انفسكم و لا تلوموني، فو الله لاوقعن بالسقيم العاصي، و لأقيمن درء الاصعر المرتاب فقام اليه السائب بن مالك الأشعري، فقال: اما امر ابن الزبير إياك الا تحمل فضل فيئنا عنا الا برضانا فانا نشهدك انا لا نرضى ان تحمل فضل فيئنا عنا، و الا يقسم الا فينا، و الا يسار فينا الا بسيره على بن ابى طالب التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك (رحمه الله عليه)، و لا حاجه لنا في سيره عثمان في فيئنا و لا في أنفسنا، فإنها انما كانت اثره و هوى، و لا في سيره عمر بن الخطاب في فيئنا، و ان كانت اهون السيرتين علينا ضرا، و قد كان لا يالو الناس خيرا فقال يزيد ابن انس: صدق السائب بن مالك و بر، رأينا مثل رايه، و قولنا مثل قوله.

فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكل سيره احببتموها و هو يتموها ثم نزل فقال:

يزيد بن انس الأسدي: ذهبت بفضلها يا سائب، لا يعدمك المسلمون! اما و الله لقد قمت و انى لأريد ان اقوم فأقول له نحوا من مقالتك، و ما أحب ان الله ولى الرد عليه رجلا من اهل المصر ليس من شيعتنا.

و جاء اياس بن مضارب الى ابن مطيع، فقال له: ان السائب بن مالك من رءوس اصحاب المختار، و لست آمن المختار، فابعث اليه فليأتك، فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتى يستقيم امر الناس، فان عيوني قد أتتني فخبرتني ان امره قد استجمع له، و كأنه قد وثب بالمصر قال: فبعث اليه ابن مطيع زائده بن قدامه و حسين بن عبد الله البرسمى من همدان، فدخلا عليه، فقالا: أجب الأمير، فدعا بثيابه و امر باسراج دابته و تحشخش للذهاب معهما، فلما راى زائده بن قدامه ذلك قرأ قول الله تبارك و تعالى:

«وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏»، ففهمها المختار، فجلس ثم القى ثيابه عنه، ثم قال: القوا على القطيفة، ما أراني الا قد وعكت، انى لأجد قفقفه‏

12

شديده، ثم تمثل قول عبد العزى بن صهل الأزدي:

إذا ما معشر تركوا نداهم* * * و لم يأتوا الكريهة لم يهابوا

ارجعا الى ابن مطيع، فاعلماه حالي التي انا عليها فقال له زائده بن قدامه: اما انا ففاعل، فقال: و أنت يا أخا همدان فاعذرنى عنده فانه خير لك.

قال ابو مخنف: فحدثني اسماعيل بن نعيم الهمدانى، عن حسين بن عبد الله، قال: قلت في نفسي: و الله ان انا لم ابلغ عن هذا ما يرضيه ما انا بآمن من ان يظهر غدا فيهلكني قال: فقلت له، نعم، انا أضع عند ابن مطيع عذرك، و ابلغه كل ما تحب، فخرجنا من عنده، فإذا اصحابه على بابه، و في داره منهم جماعه كثيره قال: فأقبلنا نحو ابن مطيع، فقلت لزائده بن قدامه: اما انى قد فهمت قولك حين قرات تلك الآية، و علمت ما اردت بها، و قد علمت انها هي ثبطته عن الخروج معنا بعد ما كان قد لبس ثيابه، و اسرج دابته، و علمت حين تمثل البيت الذى تمثل انما اراد يخبرك انه قد فهم عنك ما اردت ان تفهمه، و انه لن يأتيه قال: فجاحدنى ان يكون اراد شيئا من ذلك، فقلت له: لا تحلف، فو الله ما كنت لابلغ عنك و لا عنه شيئا تكرهانه، و لقد علمت انك مشفق عليه، تجد له ما يجد المرء لابن عمه فأقبلنا الى ابن مطيع، فأخبرناه بعلته و شكواه، فصد قنا و لها عنه.

قال: و بعث المختار الى اصحابه، فاخذ يجمعهم في الدور حوله، و اراد ان يثب بالكوفه في المحرم، فجاء رجل من اصحابه من شبام- و كان عظيم الشرف يقال له عبد الرحمن بن شريح- فلقى سعيد بن منقذ الثوري و سعر ابن ابى سعر الحنفي و الأسود بن جراد الكندى و قدامه بن مالك الجشمى، فاجتمعوا في منزل سعر الحنفي، فحمد الله و اثنى عليه ثم قال:

اما بعد، فان المختار يريد ان يخرج بنا، و قد بايعناه و لا ندري ارسله إلينا ابن الحنفيه أم لا، فانهضوا بنا الى ابن الحنفيه فلنخبره بما قدم علينا به‏

13

و بما دعانا اليه، فان رخص لنا في اتباعه اتبعناه، و ان نهانا عنه اجتنبناه، فو الله ما ينبغى ان يكون شي‏ء من امر الدنيا آثر عندنا من سلامه ديننا.

فقالوا له: ارشدك الله! فقد اصبت و وفقت، اخرج بنا إذا شئت.

فاجمع رأيهم على ان يخرجوا من ايامهم، فخرجوا، فلحقوا بابن الحنفيه، و كان امامهم عبد الرحمن بن شريح، فلما قدموا عليه سألهم عن حال الناس فخبروه عن حالهم و ما هم عليه قال ابو مخنف: فحدثني خليفه بن ورقاء، عن الأسود بن جراد الكندى قال: قلنا لابن الحنفيه، ان لنا إليك حاجه، قال: فسر هي أم علانية؟

قال: قلنا: لا، بل سر، قال: فرويدا إذا، قال: فمكث قليلا، ثم تنحى جانبا فدعانا فقمنا اليه، فبدا عبد الرحمن بن شريح، فتكلم، فحمد الله و اثنى عليه، ثم قال: اما بعد، فإنكم اهل بيت خصكم الله بالفضيلة، و شرفكم بالنبوة، و عظم حقكم على هذه الامه، فلا يجهل حقكم الا مغبون الرأي، مخسوس النصيب، قد أصبتم بحسين (رحمه الله عليه) عظمت مصيبه اختصصتم بها، بعد ما عم بها المسلمون و قد قدم علينا المختار بن ابى عبيد يزعم لنا انه قد جاءنا من تلقائكم، و قد دعانا الى كتاب الله و سنه نبيه ص، و الطلب بدماء اهل البيت، و الدفع عن الضعفاء، فبايعناه على ذلك ثم انا رأينا ان نأتيك فنذكر لك ما دعانا اليه، و ندبنا له، فان أمرتنا باتباعه اتبعناه، و ان نهيتنا عنه اجتنبناه.

ثم تكلمنا واحدا واحدا بنحو مما تكلم به صاحبنا، و هو يسمع، حتى إذا فرغنا حمد الله و اثنى عليه، و صلى على النبي ص، ثم قال:

اما بعد، فاما ما ذكرتم مما خصصنا الله به من فضل، فان الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم، فلله الحمد! و اما ما ذكرتم من مصيبتنا بحسين، فان ذلك كان في الذكر الحكيم‏

14

و هي ملحمه كتبت عليه، و كرامة أهداها الله له، رفع بما كان منها درجات قوم عنده، و وضع بها آخرين، وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا، وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً.

و اما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم الى الطلب بدمائنا، فو الله لوددت ان الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، اقول قولي هذا و استغفر الله لي و لكم.

قال: فخرجنا من عنده، و نحن نقول: قد اذن لنا، قد قال: لوددت ان الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، و لو كره لقال: لا تفعلوا.

قال: فجئنا و اناس من الشيعة ينتظرون مقدمنا ممن كنا قد اعلمناه بمخرجنا و اطلعناه على ذات أنفسنا، ممن كان على رأينا من إخواننا، و قد كان بلغ المختار مخرجنا، فشق ذلك عليه، و خشي ان نأتيه بأمر يخذل الشيعة عنه، فكان قد أرادهم على ان ينهض بهم قبل قدومنا، فلم يتهيأ ذلك له، فكان المختار يقول: ان نفيرا منكم ارتابوا و تحيروا و خابوا، فان هم أصابوا أقبلوا و أنابوا، و ان هم كبوا و هابوا، و اعترضوا و انجابوا، فقد ثبروا و خابوا، فلم يكن الا شهرا و زياده شي‏ء، حتى اقبل القوم على رواحلهم، حتى دخلوا على المختار قبل دخولهم الى رحالهم، فقال لهم: ما وراءكم؟ فقد فتنتم و ارتبتم، فقالوا له: قد امرنا بنصرتك فقال: الله اكبر! انا ابو إسحاق، اجمعوا الى الشيعة، فجمع له منهم من كان منه قريبا فقال: يا معشر الشيعة، ان نفرا منكم أحبوا ان يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا الى امام الهدى، و النجيب المرتضى ابن خير من طشى و مشى، حاشا النبي المجتبى، فسألوه عما قدمت به عليكم، فنباهم انى وزيره و ظهيره، و رسوله و خليله، و امركم باتباعى و طاعتي فيما دعوتكم اليه من قتال المحلين، و الطلب بدماء اهل بيت نبيكم المصطفين.

فقام عبد الرحمن بن شريح، فحمد الله و اثنى عليه، ثم قال: اما بعد يا معشر الشيعة، فانا قد كنا أحببنا ان نستثبت لأنفسنا خاصه و لجميع إخواننا عامه، فقدمنا على المهدى بن على، فسألناه عن حربنا هذه، و عما دعانا اليه المختار منها، فأمرنا بمظاهرته و مؤازرته و اجابته الى ما دعانا اليه،

15

فأقبلنا طيبه أنفسنا، منشرحه صدورنا، قد اذهب الله منها الشك و الغل و الريب، و استقامت لنا بصيرتنا في قتال عدونا، فليبلغ ذلك شاهدكم، غائبكم، و استعدوا و تأهبوا ثم جلس و قمنا رجلا فرجلا، فتكلمنا بنحو من كلامه، فاستجمعت له الشيعة و حدبت عليه.

قال ابو مخنف: فحدثني نمير بن وعله و المشرقي، عن عامر الشعبى، قال: كنت انا و ابى أول من أجاب المختار قال: فلما تهيأ امره و دنا خروجه، قال له احمر بن شميط و يزيد بن انس و عبد الله بن كامل و عبد الله بن شداد: ان اشراف اهل الكوفه مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع، فان جامعنا على امرنا ابراهيم بن الاشتر رجونا باذن الله القوه على عدونا، و الا يضرنا خلاف من خالفنا، فانه فتى بئيس، و ابن رجل شريف بعيد الصيت، و له عشيره ذات عز و عدد قال لهم المختار: فالقوه فادعوه، و اعلموه الذى امرنا به من الطلب بدم الحسين و اهل بيته.

قال الشعبى: فخرجوا اليه و انا فيهم، و ابى، فتكلم يزيد بن انس، فقال له:

انا قد أتيناك في امر نعرضه عليك، و ندعوك اليه، فان قبلته كان خيرا لك، و ان تركته فقد أدينا إليك فيه النصيحه، و نحن نحب ان يكون عندك مستورا.

فقال لهم ابراهيم بن الاشتر: و ان مثلي لا تخاف غائلته و لا سعايته، و لا التقرب الى سلطانه باغتياب الناس، انما أولئك الصغار الاخطار الدقاق همما.

فقال له: انما ندعوك الى امر قد اجمع عليه راى الملا من الشيعة، الى كتاب الله و سنه نبيه صلى الله عليه، و الطلب بدماء اهل البيت، و قتال المحلين، و الدفع عن الضعفاء قال: ثم تكلم احمر بن شميط، فقال له: انى لك ناصح، و لحظك محب و ان اباك قد هلك و هو سيد الناس و فيك منه ان رعيت حق الله خلف، قد دعوناك الى امر ان أجبتنا اليه عادت لك منزله ابيك في الناس، و احييت من ذلك امرا قد مات، انما يكفى مثلك اليسير حتى تبلغ الغاية التي لا مذهب وراءها، انه قد بنى لك اولك مفتخرا و اقبل القوم‏

16

كلهم عليه يدعونه الى امرهم و يرغبونه فيه فقال لهم ابراهيم بن الاشتر:

فانى قد أجبتكم الى ما دعوتموني اليه من الطلب بدم الحسين و اهل بيته، على ان تولوني الأمر، فقالوا: أنت لذلك اهل، و لكن ليس الى ذلك سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدى، و هو الرسول و المأمور بالقتال، و قد امرنا بطاعته فسكت عنهم ابن الاشتر و لم يجبهم فانصرفنا من عنده الى المختار فأخبرناه بما رد علينا، قال: فغبر ثلاثا، ثم ان المختار دعا بضعه عشر رجلا من وجوه اصحابه- قال الشعبى: انا و ابى فيهم- قال: فسار بنا و مضى امامنا يقد بنا بيوت الكوفه قدا لا ندري اين يريد، حتى وقف على باب ابراهيم بن الاشتر، فاستأذنا عليه فاذن لنا، و القيت لنا وسائد، فجلسنا عليها و جلس المختار معه على فراشه، فقال المختار:

الحمد لله، و اشهد ان لا اله الا الله، و صلى الله على محمد، و السلام عليه، اما بعد، فان هذا كتاب إليك من المهدى محمد بن امير المؤمنين الوصي، و هو خير اهل الارض اليوم، و ابن خير اهل الارض كلها قبل اليوم بعد أنبياء الله و رسله، و هو يسألك ان تنصرنا و تؤازرنا، فان فعلت اغتبطت، و ان لم تفعل فهذا الكتاب حجه عليك، و سيغنى الله المهدى محمدا و أولياءه عنك.

قال الشعبى: و كان المختار قد دفع الكتاب الى حين خرج من منزله، فلما قضى كلامه قال لي: ادفع الكتاب اليه، فدفعته اليه، فدعا بالمصباح و فض خاتمه، و قراه فإذا هو:

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد المهدى الى ابراهيم بن مالك الاشتر، سلام عليك، فانى احمد إليك الله الذى لا اله الا هو، اما بعد فانى قد بعثت إليكم بوزيرى و أميني و نجيي الذى ارتضيته لنفسي، و قد امرته بقتال عدوى و الطلب بدماء اهل بيتى، فانهض معه بنفسك و عشيرتك و من أطاعك، فإنك ان نصرتني و اجبت دعوتي و ساعدت وزيرى كانت لك عندي بذلك فضيله، و لك بذلك اعنه الخيل و كل جيش غاز، و كل مصر و منبر و ثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفه و اقصى بلاد اهل‏

17

الشام، على الوفاء بذلك على عهد الله، فان فعلت ذلك نلت به عند الله افضل الكرامه، و ان أبيت هلكت هلاكا لا تستقيله ابدا، و السلام عليك.

فلما قضى ابراهيم قراءة الكتاب، قال: لقد كتب الى ابن الحنفيه، و قد كتبت اليه قبل اليوم، فما كان يكتب الى الا باسمه و اسم ابيه، قال له 2 المختار: ان ذلك زمان و هذا زمان، قال ابراهيم: فمن يعلم ان هذا كتاب ابن الحنفيه الى؟ فقال له: يزيد بن انس و احمر بن شميط و عبد الله بن كامل و جماعتهم- قال الشعبى: الا انا و ابى- فقالوا: نشهد ان هذا كتاب محمد ابن على إليك، فتأخر ابراهيم عند ذلك عن صدر الفراش فاجلس المختار عليه، فقال: ابسط يدك ابايعك، فبسط المختار يده فبايعه ابراهيم، و دعا لنا بفاكهه، فأصبنا منها، و دعا لنا بشراب من عسل فشربنا ثم نهضنا، و خرج معنا ابن الاشتر، فركب مع المختار حتى دخل رحله، فلما رجع ابراهيم منصرفا أخذ بيدي، فقال: انصرف بنا يا شعبى، قال: فانصرفت معه و مضى بي حتى دخل بي رحله، فقال: يا شعبى، انى قد حفظت انك لم تشهد أنت و لا ابوك، افترى هؤلاء شهدوا على حق؟ قال: قلت له: قد شهدوا على ما رايت و هم ساده القراء و مشيخه المصر و فرسان العرب، و لا ارى مثل هؤلاء يقولون الا حقا قال: فقلت له هذه المقاله، و انا و الله لهم على شهادتهم متهم، غير انى يعجبني الخروج و انا ارى راى القوم، و أحب تمام ذلك الأمر، فلم اطلعه على ما في نفسي من ذلك، فقال لي ابن الاشتر: اكتب لي اسماءهم فانى ليس كلهم اعرف و دعا بصحيفة و دواه، و كتب فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما شهد عليه السائب بن مالك الأشعري، و يزيد بن انس الأسدي و احمر بن شميط الأحمسي و مالك بن عمرو النهدي، حتى اتى على أسماء القوم، ثم كتب: شهدوا ان محمد بن على كتب الى ابراهيم بن الاشتر يأمره بموازره المختار و مظاهرته على قتال المحلين، و الطلب بدماء اهل البيت، و شهد على هؤلاء النفر الذين شهدوا على هذه الشهاده شراحيل ابن عبد- و هو ابو عامر الشعبى الفقيه- و عبد الرحمن بن عبد الله النخعى،

18

و عامر بن شراحيل الشعبى فقلت له: ما تصنع بهذا رحمك الله؟ فقال:

دعه يكون قال: و دعا ابراهيم عشيرته و اخوانه و من أطاعه، و اقبل يختلف الى المختار.

قال هشام بن محمد: قال ابو مخنف: حدثنى يحيى بن ابى عيسى الأزدي، قال: كان حميد بن مسلم الأسدي صديقا لإبراهيم بن الاشتر، و كان يختلف اليه، و يذهب به معه، و كان ابراهيم يروح في كل عشيه عند المساء، فيأتي المختار، فيمكث عنده حتى تصوب النجوم ثم ينصرف، فمكثوا بذلك يدبرون أمورهم، حتى اجتمع رأيهم على ان يخرجوا ليله الخميس لاربع عشره من ربيع الاول سنه ست و ستين و وطن على ذلك شيعتهم و من أجابهم فلما كان عند غروب الشمس، قام ابراهيم بن الاشتر، فاذن، ثم انه استقدم، فصلى بنا المغرب، ثم خرج بنا بعد المغرب حين قلت: اخوك او الذئب- و هو يريد المختار،- فأقبلنا علينا السلاح، و قد اتى اياس بن مضارب عبد الله بن مطيع فقال: ان المختار خارج عليك احدى الليلتين، قال:

فخرج اياس في الشرط، فبعث ابنه راشدا الى الكناسة، و اقبل يسير حول السوق في الشرط ثم ان اياس بن مضارب دخل على ابن مطيع، فقال له: انى قد بعثت ابنى الى الكناسة، فلو بعثت في كل جبانه بالكوفه عظيمه رجلا من أصحابك في جماعه من اهل الطاعة، هاب المريب الخروج عليك قال:

فبعث ابن مطيع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الى جبانه السبيع، و قال:

اكفنى قومك، لا اوتين من قبلك، و احكم امر الجبانة التي وجهتك إليها، لا يحدثن بها حدث، فاوليك العجز و الوهن و بعث كعب بن ابى كعب الخثعمى الى جبانه بشر، و بعث زحر بن قيس الى جبانه كنده، و بعث شمر بن ذي الجوشن الى جبانه سالم، و بعث عبد الرحمن بن مخنف بن سليم الى جبانه الصائديين، و بعث يزيد بن الحارث بن رؤيم أبا حوشب الى جبانه مراد

19

و اوصى كل رجل ان يكفيه قومه، و الا يؤتى من قبله، و ان يحكم الوجه الذى وجهه فيه، و بعث شبث بن ربعي الى السبخة، و قال: إذا سمعت صوت القوم فوجه نحوهم، فكان هؤلاء قد خرجوا يوم الاثنين، فنزلوا هذه الجبابين، و خرج ابراهيم بن الاشتر من رحله بعد المغرب يريد اتيان المختار، و قد بلغه ان الجبابين قد حشيت رجالا، و ان الشرط قد أحاطت بالسوق و القصر.

قال ابو مخنف: فحدثني يحيى بن ابى عيسى، عن حميد بن مسلم، قال: خرجت مع ابراهيم من منزله بعد المغرب ليله الثلاثاء حتى مررنا بدار عمرو بن حريث، و نحن مع ابن الاشتر كتيبه نحو من مائه، علينا الدروع، قد كفرنا عليها بالاقبيه، و نحو متقلد و السيوف، ليس معنا سلاح الا السيوف في عواتقنا، و الدروع قد سترناها باقبيتنا، فلما مررنا بدار سعيد بن قيس فجزناها الى دار اسامه، قلنا: مر بنا على دار خالد بن عرفطه، ثم امض بنا الى بجيله، فلنمر في دورهم حتى نخرج الى دار المختار- و كان ابراهيم فتى حدثا شجاعا، فكان لا يكره ان يلقاهم- فقال: و الله لآمرن على دار عمرو بن حريث الى جانب القصر وسط السوق، و لارعبن به عدونا و لارينهم هوانهم علينا قال: فأخذنا على باب الفيل على دار ابن هبار، ثم أخذ ذات اليمين على دار عمرو بن حريث، حتى إذا جاوزها ألفينا اياس بن مضارب في الشرط مظهرين السلاح، فقال لنا: من أنتم؟ ما أنتم؟

فقال له ابراهيم: انا ابراهيم بن الاشتر، فقال له ابن مضارب: ما هذا الجمع معك؟

و ما تريد؟ و الله ان امرك لمريب! و قد بلغنى انك تمر كل عشيه هاهنا، و ما انا بتاركك حتى آتى بك الأمير فيرى فيك رايه فقال ابراهيم: لا أبا لغيرك! خل سبيلنا، فقال: كلا و الله لا افعل- و مع اياس بن مضارب رجل من همدان، يقال له ابو قطن، كان يكون مع امره الشرطه فهم يكرمونه و يؤثرونه، و كان لابن الاشتر صديقا- فقال له ابن الاشتر: يا أبا قطن، ادن منى- و مع ابى قطن رمح له طويل-، فدنا منه ابو قطن، و معه الرمح،

20

و هو يرى ان ابن الاشتر يطلب اليه ان يشفع له الى ابن مضارب ليخلى سبيله، فقال ابراهيم- و تناول الرمح من يده: ان رمحك هذا لطويل، فحمل به ابراهيم على ابن مضارب، فطعنه في ثغره نحره فصرعه، و قال لرجل من قومه: انزل عليه، فاحتز راسه، فنزل اليه فاحتز راسه، و تفرق اصحابه و رجعوا الى ابن مطيع فبعث ابن مطيع ابنه راشد بن اياس مكان ابيه على الشرطه، و بعث مكان راشد بن اياس الى الكناسة تلك الليلة سويد بن عبد الرحمن المنقرى أبا القعقاع بن سويد و اقبل ابراهيم بن الاشتر الى المختار ليله الأربعاء، فدخل عليه فقال له ابراهيم: انا اتعدنا للخروج للمقابله ليله الخميس، و قد حدث امر لا بد من الخروج الليلة، قال المختار: ما هو؟

قال: عرض لي اياس بن مضارب في الطريق ليحبسنى بزعمه، فقتلته، و هذا راسه مع اصحابى على الباب فقال المختار: فبشرك الله بخير! فهذا طير صالح، و هذا أول الفتح ان شاء الله ثم قال المختار: قم يا سعيد بن منقذ، فاشعل في الهرادى النيران ثم ارفعها للمسلمين، و قم أنت يا عبد الله بن شداد، فناد: يا منصور أمت، و قم أنت يا سفيان بن ليل، و أنت يا قدامه ابن مالك، فناد: يا لثارات الحسين! ثم قال المختار: على بدرعي و سلاحي، فاتى به، فاخذ يلبس سلاحه و يقول:

قد علمت بيضاء حسناء الطلل* * * واضحه الخدين عجزاء الكفل‏

انى غداه الروع مقدام بطل

ثم ان ابراهيم قال للمختار: ان هؤلاء الرءوس الذين وضعهم ابن مطيع في الجبابين يمنعون إخواننا ان يأتونا، و يضيقون عليهم، فلو انى خرجت بمن معى من اصحابى حتى آتى قومى، فيأتيني كل من قد بايعنى من قومى، ثم سرت بهم في نواحي الكوفه، و دعوت بشعارنا، فخرج الى من اراد الخروج إلينا، و من قدر على إتيانك من الناس، فمن أتاك حبسته عندك الى من‏

21

معك و لم تفرقهم، فان عوجلت فأتيت كان معك من تمتنع به، و انا لو قد فرغت من هذا الأمر عجلت إليك في الخيل و الرجال قال له إما لا فاعجل و إياك ان تسير الى أميرهم تقاتله، و لا تقاتل أحدا و أنت تستطيع الا تقاتل، و احفظ ما اوصيتك به الا ان يبدأك احد بقتال فخرج ابراهيم بن الاشتر من عنده في الكتيبة التي اقبل فيها، حتى اتى قومه، و اجتمع اليه جل من كان بايعه و اجابه ثم انه سار بهم في سكك الكوفه طويلا من الليل، و هو في ذلك يتجنب السكك التي فيها الأمراء، فجاء الى الذين معهم الجماعات الذين وضع ابن مطيع في الجبابين و افواه الطرق العظام، حتى انتهى الى مسجد السكون، و عجلت اليه خيل من خيل زحر بن قيس الجعفى ليس لهم قائد و لا عليهم امير فشد عليهم ابراهيم بن اشتر و اصحابه، فكشفوهم حتى دخلوا جبانه كنده، فقال ابراهيم: من صاحب الخيل في 2 جبانه كنده فشد ابراهيم و اصحابه عليهم، و هو يقول: اللهم انك تعلم انا غضبنا لأهل بيت نبيك، و ثرنا لهم، فانصرنا عليهم، و تمم لنا دعوتنا، حتى انتهى اليهم هو و اصحابه، فخالطوهم و كشفوهم فقيل له: زحر بن قيس، فقال: انصرفوا بنا عنهم، فركب بعضهم بعضا كلما لقيهم زقاق دخل منهم طائفه، فانصرفوا يسيرون.

ثم خرج ابراهيم يسير حتى انتهى الى جبانه اثير، فوقف فيها طويلا، و نادى اصحابه بشعارهم، فبلغ سويد بن عبد الرحمن المنقرى مكانهم في جبانه اثير، فرجا ان يصيبهم فيحظى بذلك عند ابن مطيع، فلم يشعر ابن الاشتر الا و هم معه في الجبانة، فلما راى ذلك ابن الاشتر قال لأصحابه:

يا شرطه الله، انزلوا فإنكم اولى بالنصر من الله من هؤلاء الفساق الذين خاضوا دماء اهل بيت رسول الله(ص)فنزلوا ثم شد عليهم ابراهيم، فضربهم حتى اخرجهم من الصحراء، و ولوا منهزمين يركب بعضهم بعضا، و هم يتلاومون، فقال قائل منهم: ان هذا الأمر يراد، ما يلقون لنا جماعه‏

22

الا هزموهم! فلم يزل يهزمهم حتى ادخلهم الكناسة و قال اصحاب ابراهيم لإبراهيم: اتبعهم و اغتنم ما قد دخلهم من الرعب، فقد علم الله الى من ندعو و ما نطلب، و الى من يدعون و ما يطلبون! قال: لا، و لكن سيروا بنا الى صاحبنا حتى يؤمن الله بنا وحشته، و نكون من امره على علم، و يعلم هو أيضا ما كان من عنائنا، فيزداد هو و اصحابه قوه و بصيره الى قواهم و بصيرتهم، مع انى لا آمن ان يكون قد اتى.

فاقبل ابراهيم في اصحابه حتى مر بمسجد الاشعث، فوقف به ساعه، ثم مضى حتى اتى دار المختار، فوجد الأصوات عاليه، و القوم يقتتلون، و قد جاء شبث بن ربعي من قبل السبخة، فعبى له المختار يزيد بن انس، و جاء حجار بن ابجر العجلى، فجعل المختار في وجهه في وجهه احمر بن شميط، فالناس يقتتلون، و جاء ابراهيم من قبل القصر، فبلغ حجارا و اصحابه ان ابراهيم قد جاءهم من ورائهم، فتفرقوا قبل ان يأتيهم ابراهيم، و ذهبوا في الأزقة و السكك، و جاء قيس بن طهفة في قريب من مائه رجل من بنى نهد من اصحاب المختار، فحمل على شبث بن ربعي و هو يقاتل يزيد بن انس، فخلى لهم الطريق حتى اجتمعوا جميعا ثم ان شبث بن ربعي ترك لهم السكة، و اقبل حتى لقى ابن مطيع، فقال: ابعث الى أمراء الجبابين فمرهم فليأتوك، فاجمع إليك جميع الناس، ثم انهد الى هؤلاء القوم فقاتلهم و ابعث اليهم من تثق به فليكفك قتالهم، فان امر القوم قد قوى، و قد خرج المختار و ظهر، و اجتمع له امره فلما بلغ ذلك المختار من مشوره شبث بن ربعي على ابن مطيع خرج المختار في جماعه من اصحابه حتى نزل في ظهر دير هند مما يلى بستان زائده في السبخة.

قال: و خرج ابو عثمان النهدي فنادى في شاكر و هم مجتمعون في دورهم، يخافون ان يظهروا في الميدان لقرب كعب بن ابى كعب الخثعمى منهم، و كان كعب في جبانه بشر، فلما بلغه ان شاكرا تخرج جاء يسير حتى نزل بالميدان، و أخذ عليهم بأفواه سككهم و طرقهم قال: فلما أتاهم ابو عثمان النهدي‏

23

في عصابه من اصحابه، نادى: يا لثارات الحسين! يا منصور أمت! يايها الحى المهتدون، الا ان امير آل محمد و وزيرهم قد خرج فنزل دير هند، و بعثني إليكم داعيا و مبشرا، فاخرجوا اليه يرحمكم الله! قال:

فخرجوا من الدور يتداعون: يا لثارات الحسين! ثم ضاربوا كعب بن ابى كعب حتى خلى لهم الطريق، فاقبلوا الى المختار حتى نزلوا معه في عسكره، و خرج عبد الله بن قراد الخثعمى في جماعه من خثعم نحو المائتين حتى لحق بالمختار، فنزلوا معه في عسكره، و قد كان عرض له كعب بن ابى كعب فصافه، فلما عرفهم و راى انهم قومه خلى عنهم و لم يقاتلهم.

و خرجت شبام من آخر ليلتهم فاجتمعوا الى جبانه مراد، فلما بلغ ذلك عبد الرحمن بن سعيد بن قيس بعث اليهم: ان كنتم تريدون اللحاق بالمختار فلا تمروا على جبانه السبيع، فلحقوا بالمختار، فتوافى الى المختار ثلاثة آلاف و ثمانمائه من اثنى عشر ألفا كانوا بايعوه، فاستجمعوا له قبل انفجار الفجر، فاصبح قد فرغ من تعبيته.

قال ابو مخنف: فحدثني الوالبى قال: خرجت انا و حميد بن مسلم، و النعمان بن ابى الجعد الى المختار ليله خرج، فأتيناه في داره و خرجنا معه الى معسكره، قال: فو الله ما انفجر الفجر حتى فرغ من تعبيته، فلما 2 اصبح استقدم، فصلى بنا الغداة بغلس، ثم قرأ وَ النَّازِعاتِ‏ و عَبَسَ وَ تَوَلَّى، قال: فما سمعنا اماما أم قوما افصح لهجة منه.

قال ابو مخنف: حدثنى حصيره بن عبد الله، ان ابن مطيع بعث الى اهل الجبابين، فأمرهم ان ينضموا الى المسجد، و قال لراشد بن اياس بن مضارب: ناد في الناس فليأتوا المسجد، فنادى المنادى: الا برئت الذمة من رجل لم يحضر المسجد الليلة! فتوافى الناس في المسجد، فلما اجتمعوا بعث ابن مطيع شبث بن ربعي في نحو من ثلاثة آلاف الى المختار، و بعث راشد بن اياس في اربعه آلاف من الشرط.

قال ابو مخنف: فحدثني ابو الصلت التيمى عن ابى سعيد الصيقل‏

24

قال: لما صلى المختار الغداة ثم انصرف سمعنا أصواتا مرتفعه فيما بين بنى سليم و سكه البريد، فقال المختار: من يعلم لنا علم هؤلاء ما هم؟

فقلت له: انا اصلحك الله! فقال المختار: اما لا فالق سلاحك و انطلق حتى تدخل فيهم كأنك نظار، ثم تأتيني بخبرهم قال: ففعلت، فلما دنوت منهم إذا مؤذنهم يقيم، فجئت حتى دنوت منهم فإذا شبث بن ربعي معه خيل عظيمه، و على خيله شيبان بن حريث الضبي، و هو في الرجاله معه منهم كثره، فلما اقام مؤذنهم تقدم فصلى باصحابه، فقرا: «إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها»، فقلت في نفسي: اما و الله انى لأرجو ان يزلزل الله بكم، و قرأ: «وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً»، فقال اناس من اصحابه: لو كنت قرات سورتين هما اطول من هاتين شيئا! فقال شبث: ترون الديلم قد نزلت بساحتكم، و أنتم تقولون: لو قرات سوره البقره و آل عمران! قال: و كانوا ثلاثة آلاف، قال: فاقبلت سريعا حتى اتيت المختار فاخبرته بخبر شبث و اصحابه، و أتاه معى ساعه أتيته سعر بن ابى سعر الحنفي يركض من قبل مراد، و كان ممن بايع المختار فلم يقدر على الخروج معه ليله خرج مخافه الحرس، فلما اصبح اقبل على فرسه، فمر بجبانه مراد، و فيها راشد بن اياس، فقالوا:

كما أنت! و من أنت؟ فراكضهم حتى جاء المختار، فاخبره خبر راشد، و اخبرته انا خبر شبث، قال: فسرح ابراهيم بن الاشتر قبل راشد بن اياس في تسعمائة- و يقال ستمائة فارس و ستمائة راجل- و بعث نعيم بن هبيرة أخا مصقله بن هبيرة في ثلاثمائة فارس و ستمائه راجل، و قال لهما: امضيا حتى تلقيا عدو كما، فإذا لقيتماهم فانزلا في الرجال و عجلا الفراغ و ابدءاهم بالاقدام، و لا تستهد فالهم، فإنهم اكثر منكم، و لا ترجعا الى حتى تظهرا او تقتلا فتوجه ابراهيم الى راشد، و قدم المختار يزيد بن انس في موضع مسجد شبث في تسعمائة امامه.

و توجه نعيم بن هبيرة قبل شبث قال ابو مخنف: قال ابو سعيد الصيقل: كنت انا فيمن توجه مع نعيم‏

25

ابن هبيرة الى شبث و معى سعر بن ابى سعر الحنفي، فلما انتهينا اليه قاتلناه قتالا شديدا، فجعل نعيم بن هبيرة سعر بن ابى سعر الحنفي على الخيل، و مشى هو في الرجال فقاتلهم حتى اشرقت الشمس و انبسطت، فضربناهم حتى أدخلناهم البيوت، ثم ان شبث بن ربعي ناداهم: يا حماه السوء! بئس فرسان الحقائق أنتم! امن عبيدكم تهربون! قال: فثابت اليه منهم جماعه فشد علينا و قد تفرقنا فهزمنا، و صبر نعيم بن هبيرة فقتل، و نزل سعر فاسر و اسرت انا و خليد مولى حسان بن محدوج، فقال شبث لخليد- و كان وسيما جسيما: من أنت؟ فقال: خليد مولى حسان بن محدوج الذهلي، فقال له شبث:

يا بن المتكاء، تركت بيع الصحناة بالكناسة و كان جزاء من اعتقك ان تعدو عليه بسيفك تضرب رقابه! اضربوا عنقه، فقتل، و راى سعرا الحنفي فعرفه، فقال: أخو بنى حنيفه؟ فقال له: نعم، فقال: ويحك! ما اردت الى اتباع هذه السبئيه! قبح الله رأيك، دعوا ذا فقلت في نفسي: قتل المولى و ترك العربي، ان علم و الله انى مولى قتلني فلما عرضت عليه قال: من أنت؟ فقلت: من بنى تيم الله، قال: أ عربي أنت او مولى؟

فقلت: لا بل عربي، انا من آل زياد بن خصفه، فقال: بخ بخ! ذكرت الشريف المعروف، الحق باهلك قال: فاقبلت حتى انتهيت الى الحمراء، و كانت لي في قتال القوم بصيره، فجئت حتى انتهيت الى المختار، و قلت في نفسي: و الله لاتين اصحابى فلا واسينهم بنفسي، فقبح الله العيش بعدهم! قال: فاتيتهم و قد سبقني اليهم سعر الحنفي، و اقبلت اليه خيل شبث، و جاءه قتل نعيم بن هبيرة، فدخل من ذلك اصحاب المختار امر كبير، قال: فدنوت من المختار، فاخبرته بالذي كان من امرى، فقال لي: اسكت، فليس هذا بمكان الحديث و جاء شبث حتى احاط بالمختار و بيزيد بن انس‏

26

و بعث ابن مطيع يزيد بن الحارث بن رؤيم في الفين من قبل سكه لحام جرير، فوقفوا في افواه تلك السكك، و ولى المختار يزيد بن انس خيله، و خرج هو في الرجاله.

قال ابو مخنف: فحدثني الحارث بن كعب الوالبى، والبة الأزد، قال:

حملت علينا خيل شبث بن ربعي حملتين، فما يزول منا رجل من مكانه، فقال يزيد بن انس لنا: يا معشر الشيعة، قد كنتم تقتلون و تقطع ايديكم و ارجلكم، و تسمل اعينكم، و ترفعون على جذوع النخل في حب اهل بيت نبيكم، و أنتم مقيمون في بيوتكم، و طاعه عدوكم، فما ظنكم بهؤلاء القوم ان ظهروا عليكم اليوم! إذا و الله لا يدعون منكم عينا تطرف، و ليقتلنكم صبرا، و لترون منهم في أولادكم و ازواجكم و أموالكم ما الموت خير منه، و الله لا ينجيكم منهم الا الصدق و الصبر، و الطعن الصائب في اعينهم، و الضرب الدراك على هامهم فتيسروا للشدة، و تهيئوا للحمله، فإذا حركت رايتي مرتين فاحملوا قال الحارث: فتهيانا و تيسرنا، و جثونا على الركب، و انتظرنا امره.

قال ابو مخنف: و حدثنى فضيل بن خديج الكندى ان ابراهيم بن الاشتر كان حين توجه الى راشد بن اياس، مضى حتى لقمه في مراد، فإذا معه اربعه آلاف، فقال ابراهيم لأصحابه: لا يهولنكم كثره هؤلاء، فو الله لرب رجل خير من عشره، و لرب فئه قليله قد غلبت فئه كثيره باذن الله و الله مع الصابرين، ثم قال يا خزيمة بن نصر، سر اليهم في الخيل، و نزل هو يمشى في الرجال، و رايته مع مزاحم بن طفيل، فاخذ ابراهيم يقول له: ازدلف برايتك، امض بها قد ما قد ما و اقتتل الناس، فاشتد قتالهم، و بصر خزيمة بن نصر العبسى براشد بن اياس، فحمل عليه‏

27

فطعنه، فقتله، ثم نادى: قتلت راشدا و رب الكعبه و انهزم اصحاب راشد، و اقبل ابراهيم بن الاشتر و خزيمة بن نصر و من كان معهم بعد قتل راشد نحو المختار، و بعث النعمان بن ابى الجعد يبشر المختار بالفتح عليه و بقتل راشد، فلما ان جاءهم البشير بذلك كبروا، و اشتدت انفسهم و دخل اصحاب ابن مطيع الفشل، و سرح ابن مطيع حسان بن فائد بن بكير العبسى في جيش كثيف نحو من الفين فاعترض ابراهيم بن الاشتر فويق الحمراء ليرده عمن في السبخة من اصحاب ابن مطيع، فقدم ابراهيم خزيمة بن نصر الى حسان بن فائد في الخيل، و مشى ابراهيم نحوه في الرجال.

فقال:

و الله ما أطعنا برمح، و لا اضطربنا بسيف حتى انهزموا و تخلف حسان بن فائد في أخريات الناس يحميهم و حمل عليه خزيمة بن نصر، فلما رآه عرفه فقال له: يا حسان بن فائد اما و الله لو لا القرابة لعرفت انى سالتمس قتلك بجهدى، و لكن النجاء فعثر بحسان فرسه فوقع.

فقال: تعسا لك، أبا عبد الله! و ابتدره الناس فأحاطوا به فضاربهم ساعه بسيفه، فناداه خزيمة بن نصر قال: انك آمن يا أبا عبد الله لا تقتل نفسك و جاء حتى وقف عليه و نهنه الناس عنه و مر به ابراهيم، فقال له خزيمة: هذا ابن عمى و قد آمنته، فقال له ابراهيم: احسنت، فامر خزيمة بطلب فرسه حتى اتى به، فحمله عليه، و قال: الحق باهلك.

قال: و اقبل ابراهيم نحو المختار، و شبث محيط بالمختار و يزيد بن انس.

فلما رآه يزيد بن الحارث و هو على افواه سكك الكوفه التي تلى السبخة.

و ابراهيم مقبل نحو شبث، اقبل نحوه ليصده عن شبث و اصحابه، فبعث ابراهيم طائفه من اصحابه مع خزيمة بن نصر، فقال: اغن عنا يزيد بن الحارث، و صمد هو في بقية اصحابه نحو شبث بن ربعي.

قال ابو مخنف: فحدثني الحارث بن كعب ان ابراهيم لما اقبل نحونا رأينا شبثا و اصحابه ينكصون وراءهم رويدا رويدا، فلما دنا ابراهيم من شبث و اصحابه، حمل عليهم، و امرنا يزيد بن انس بالحمله عليهم،

28

فحملنا عليهم، فانكشفوا حتى انتهوا الى ابيات الكوفه، و حمل خزيمة ابن نصر على يزيد بن الحارث بن رؤيم فهزمه، و ازدحموا على افواه السكك، و قد كان يزيد بن الحارث وضع راميه على افواه السكك فوق البيوت، و اقبل المختار في جماعه الناس الى يزيد بن الحارث، فلما انتهى، اصحاب المختار الى افواه السكك رمته تلك الراميه بالنبل، فصدوهم عن دخول الكوفه من ذلك الوجه، و رجع الناس من السبخة منهزمين الى ابن مطيع، و جاءه قتل راشد بن اياس، فاسقط في يده.

قال ابو مخنف: فحدثني يحيى بن هانئ، قال: قال عمرو بن الحجاج الزبيدى لابن مطيع: ايها الرجل لا يسقط في خلدك، و لا تلق بيدك، اخرج الى الناس فاندبهم الى عدوك فاغزهم، فان الناس كثير عددهم، و كلهم معك الا هذه الطاغيه التي خرجت على الناس، و الله مخزيها و مهلكها، و انا أول منتدب، فاندب معى طائفه، و مع غيرى طائفه، قال: فخرج ابن مطيع، فقام في الناس، فحمد الله و اثنى عليه ثم قال: ايها الناس، ان من اعجب العجب عجزكم عن عصبه منكم قليل عددها، خبيث دينها، ضالة مضلة، اخرجوا اليهم فامنعوا منهم حريمكم و قاتلوهم عن مصركم، و امنعوا منهم فيئكم، و الا و الله ليشاركنكم في فيئكم من لا حق له فيه و الله لقد بلغنى ان فيهم خمسمائة رجل من محرريكم عليهم امير منهم و انما ذهاب عزكم و سلطانكم و تغير دينكم حين يكثرون ثم نزل.

قال: و منعهم يزيد بن الحارث ان يدخلوا الكوفه قال: و مضى المختار من السبخة حتى ظهر على الجبانة، ثم ارتفع الى البيوت، بيوت مزينه و احمس و بارق، فنزل عند مسجدهم و بيوتهم، و بيوتهم شاذه منفرده من بيوت اهل الكوفه، فاستقبلوه بالماء، فسقى اصحابه، و ابى المختار ان يشرب قال: فظن اصحابه انه صائم، و قال احمر بن هديج من همدان‏

29

لابن كامل: ا ترى الأمير الأمير صائما؟ فقال له: نعم، هو صائم، فقال له: فلو انه كان في هذا اليوم مفطرا كان اقوى له، فقال له: انه معصوم، و هو اعلم بما يصنع، فقال له: صدقت، استغفر الله و قال المختار: نعم مكان المقاتل هذا، فقال له: ابراهيم بن الاشتر: قد هزمهم الله و فلهم و ادخل الرعب قلوبهم، و تنزل هاهنا! سربنا، فو الله ما دون القصر احد يمنع.

و لا يمتنع كبير امتناع، فقال المختار: ليقم هاهنا كل شيخ ضعيف و ذي عله، وضعوا ما كان لكم من ثقل و متاع بهذا الموضع حتى تسيروا الى عدونا ففعلوا، فاستخلف المختار عليهم أبا عثمان النهدي، و قدم ابراهيم بن الاشتر امامه، و عبى اصحابه على الحال التي كانوا عليها في السبخة.

قال: و بعث عبد الله بن مطيع عمرو بن الحجاج في الفى رجل.

فخرج عليهم من سكه الثوريين، فبعث المختار الى ابراهيم ان اطوه و لا تقم عليه فطواه ابراهيم، و دعا المختار يزيد بن انس، فأمره ان يصمد لعمرو بن الحجاج، فمضى نحوه، و ذهب المختار في اثر ابراهيم، فمضوا جميعا حتى إذا انتهى المختار الى موضع مصلى خالد بن عبد الله وقف، و امر ابراهيم ان يمضى على وجهه حتى يدخل الكوفه من قبل الكناسة، فمضى، فخرج اليه من سكه ابن محرز، و اقبل شمر بن ذي الجوشن في الفين، فسرح المختار اليه سعيد بن منقذ الهمذاني فواقعه، و بعث الى ابراهيم ان اطوه، و امض على وجهك فمضى حتى انتهى الى سكه شبث، و إذا نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمه في نحو من الفين- او قال: خمسه آلاف.

و هو الصحيح- و قد امر ابن مطيع سويد بن عبد الرحمن فنادى في الناس:

ان ألحقوا بابن مساحق قال: و استخلف شبث بن ربعي على القصر، و خرج ابن مطيع حتى وقف بالكناسة.

قال ابو مخنف: حدثنى حصيره بن عبد الله، قال: انى لانظر الى ابن الاشتر حين اقبل في اصحابه، حتى إذا دنا منهم قال لهم: انزلوا، فنزلوا، فقال:

30

قربوا خيولكم بعضها الى بعض، ثم امشوا اليهم مصلتين بالسيوف، و لا يهولنكم ان يقال: جاءكم شبث بن ربعي و آل عتيبة بن النهاس و آل الاشعث و آل فلان و آل يزيد بن الحارث قال: فسمى بيوتات من بيوتات اهل الكوفه، ثم قال: ان هؤلاء لو قد و وجدوا لهم حر السيوف قد انصفقوا عن ابن مطيع انصفاق المعزى عن الذئب، قال حصيره: فانى لانظر اليه و الى اصحابه حين قربوا خيولهم و حين أخذ ابن الاشتر اسفل قبائه فرفعه فادخله في منطقه له حمراء من حواشى البرود، و قد شد بها على القباء، و قد كفر بالقباء على الدرع، ثم قال لأصحابه: شدوا عليهم فدى لكم عمى و خالي! قال: فو الله ما لبثهم ان هزمهم، فركب بعضهم بعضا على فم السكة و ازدحموا، و انتهى ابن الاشتر الى ابن مساحق، فاخذ بلجام دابته، و رفع السيف عليه، فقال له ابن مساحق: يا بن الاشتر، أنشدك الله، ا تطلبنى بثار! هل بيني و بينك من احنه! فخلى ابن الاشتر سبيله، و قال له: اذكرها، فكان بعد ذلك ابن مساحق يذكرها لابن الاشتر، و أقبلوا يسيرون حتى دخلوا الكناسة في آثار القوم حتى دخلوا السوق و المسجد، و حصروا ابن مطيع ثلاثا.

قال ابو مخنف: و حدثنى النضر بن صالح ان ابن مطيع مكث ثلاثا، يرزق اصحابه في القصر حيث حصر الدقيق، و معه اشراف الناس، الا ما كان من عمرو بن حريث، فانه اتى داره و لم يلزم نفسه الحصار، ثم خرج حتى نزل البر و جاء المختار حتى نزل جانب السوق، و ولى حصار القصر ابراهيم بن الاشتر، و يزيد بن انس، و احمر بن شميط، فكان ابن الاشتر مما يلى المسجد و باب القصر، و يزيد بن انس مما يلى بنى حذيفة و سكه دار الروميين، و احمر بن شميط مما يلى دار عماره و دار ابى موسى.

فلما اشتد الحصار على ابن مطيع و اصحابه كلمه الاشراف، فقام اليه شبث فقال: اصلح الله الأمير انظر لنفسك و لمن معك، فو الله ما عندهم غناء عنك و لا عن انفسهم قال ابن مطيع: هاتوا، أشيروا على برأيكم،

31

قال شبث: الرأي ان تأخذ لنفسك من هذا الرجل أمانا و لنا، و تخرج و لا تهلك نفسك و من معك قال ابن مطيع: و الله انى لأكره ان آخذ منه أمانا و الأمور مستقيمه لأمير المؤمنين بالحجاز كله و بأرض البصره، قال:

فتخرج لا يشعر بك احد حتى تنزل منزلا بالكوفه عند من تستنصحه و تثق به، و لا يعلم بمكانك حتى تخرج فتلحق بصاحبك، فقال لأسماء بن خارجه و عبد الرحمن بن مخنف و عبد الرحمن بن سعيد بن قيس و اشراف اهل الكوفه:

ما ترون في هذا الرأي الذى اشار به على شبث؟ فقالوا: ما نرى الرأي الا ما اشار به عليك، قال: فرويدا حتى امسى قال ابو مخنف: فحدثني ابو المغلس الليثى، ان عبد الله بن عبد الله الليثى اشرف على اصحاب المختار من القصر من العشى يشتمهم، و ينتحى له مالك بن عمرو ابو نمران النهدي بسهم، فيمر بحلقه، فقطع جلده من حلقه فمال فوقع، قال: ثم انه قام و برا بعد، و قال النهدي حين اصابه: خذها من مالك، من فاعل كذا.

قال ابو مخنف: و حدثنى النضر بن صالح، عن حسان بن فائد بن بكير، قال: لما أمسينا في القصر في اليوم الثالث، دعانا ابن مطيع، فذكر الله بما هو اهله، و صلى على نبيه (صلى الله عليه و سلم) و قال: اما بعد، فقد علمت الذين صنعوا هذا منكم من هم، و قد علمت انما هم اراذلكم و سفهاؤكم و طغامكم و اخساؤكم، ما عدا الرجل او الرجلين، و ان اشرافكم و اهل الفضل منكم لم يزالوا سامعين مطيعين مناصحين، و انا مبلغ ذلك صاحبي، و معلمه طاعتكم و جهادكم عدوه، حتى كان الله الغالب على امره، و قد كان من رأيكم و ما أشرتم به على ما قد علمتم، و قد رايت ان اخرج الساعة فقال له شبث: جزاك الله من امير خيرا! فقد و الله عففت عن أموالنا، و اكرمت اشرافنا، و نصحت لصاحبك، و قضيت الذى عليك، و الله ما كنا لنفارقك ابدا الا و نحن منك في اذن، فقال: جزاكم الله خيرا، أخذ امرؤ حيث أحب، ثم خرج من نحو دروب الروميين حتى اتى دار ابى موسى، و خلى القصر، و فتح اصحابه‏

32

الباب، فقالوا: يا بن الاشتر، آمنون نحن؟ قال: أنتم آمنون، فخرجوا فبايعوا المختار.

قال ابو مخنف: فحدثني موسى بن عامر العدوى، من عدى جهينة- و هو ابو الأشعر- ان المختار جاء حتى دخل القصر، فبات به، و اصبح اشراف الناس في المسجد و على باب القصر، و خرج المختار فصعد المنبر، فحمد الله و اثنى عليه، فقال: الحمد لله الذى وعد وليه النصر، و عدوه الخسر، و جعله فيه الى آخر الدهر، وعدا مفعولا، و قضاء مقضيا، و قد خاب من افترى ايها الناس، انه رفعت لنا رايه، و مدت لنا غاية، فقيل لنا في الراية: ان ارفعوها و لا تضعوها، و في الغاية: ان اجروا إليها و لا تعدوها، في معنا دعوه الداعي، و مقاله الواعي، فكم من ناع و ناعيه، لقتلى في الواعية! و بعدا لمن طغى و ادبر، و عصى و كذب و تولى، الا فادخلوا ايها الناس فبايعوا بيعه هدى، فلا و الذى جعل السماء سقفا مكفوفا، و الارض فجاجا سبلا، ما بايعتم بعد بيعه على بن ابى طالب و آل على اهدى منها.

ثم نزل فدخل، و دخلنا عليه و اشراف الناس، فبسط يده، و ابتدره الناس فبايعوه، و جعل يقول: تبايعوني على كتاب الله و سنه نبيه، و الطلب بدماء اهل البيت، و جهاد المحلين، و الدفع عن الضعفاء، و قتال من قاتلنا، و سلم من سالمنا، و الوفاء ببيعتنا، لا نقيلكم و لا نستقيلكم، فإذا قال الرجل:

نعم بايعه قال: فكأني و الله انظر الى المنذر بن حسان بن ضرار الضبي إذ أتاه حتى سلم عليه بالإمرة، ثم بايعه و انصرف عنه، فلما خرج من القصر استقبل سعيد بن منقذ الثوري في عصابه من الشيعة واقفا عند المصطبة، فلما راوه و معه ابنه حيان بن المنذر، قال رجل من سفهائهم: هذا و الله من رءوس الجبارين، فشدوا عليه و على ابنه، فقتلوهما، فصاح بهم سعيد بن منقذ: لا تعجلوا، لا تعجلوا حتى ننظر ما راى اميركم فيه قال: و بلغ المختار ذلك، فكرهه حتى رئى ذلك في وجهه، و اقبل المختار يمنى الناس، و يستجر مودتهم و موده الاشراف، و يحسن السيرة جهده‏

33

قال: و جاءه ابن كامل فقال للمختار، اعلمت ان ابن مطيع في دار ابى موسى؟ فلم يجبه بشي‏ء، فأعادها عليه ثلاث مرات فلم يجبه، ثم أعادها فلم يجبه، فظن ابن كامل ان ذلك لا يوافقه، و كان ابن مطيع قبل للمختار صديقا، فلما امسى بعث الى ابن مطيع بمائه الف درهم، فقال له: تجهز بهذه و اخرج، فانى قد شعرت بمكانك، و قد ظننت انه لم يمنعك من الخروج الا انه ليس في يديك ما يقويك على الخروج و أصاب 2 المختار تسعه آلاف الف في بيت مال الكوفه، فاعطى اصحابه الذين قاتل بهم حين حصر ابن مطيع في القصر- و هم ثلاثة آلاف و ثمانمائه رجل- كل رجل خمسمائة درهم خمسمائة درهم، و اعطى سته آلاف من اصحابه اتوه بعد ما احاط بالقصر، فأقاموا معه تلك الليلة و تلك الثلاثة الأيام حتى دخل القصر مائتين مائتين، و استقبل الناس بخير، و مناهم العدل و حسن السيرة، و ادنى الاشراف، فكانوا جلساءه و حداثة، و استعمل على شرطته عبد الله بن كامل الشاكري، و على حرسه كيسان أبا عمره مولى عرينه، فقام ذات يوم على راسه، فراى الاشراف يحدثونه، و رآه قد اقبل بوجهه و حديثه عليهم، فقال لأبي عمره بعض اصحابه من الموالي: ا ما ترى أبا إسحاق قد اقبل على العرب ما ينظر إلينا! فدعاه المختار فقال له: ما يقول لك أولئك الذين رايتهم يكلمونك؟ فقال له- و اسر اليه: شق عليهم اصلحك الله صرفك وجهك عنهم الى العرب، فقال له: قل لهم: لا يشقن ذلك عليكم، فأنتم منى و انا منكم ثم سكت طويلا، ثم قرأ:

«إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ‏» قال: فحدثني ابو الأشعر موسى بن عامر قال: ما هو الا ان سمعها الموالي منه، فقال بعضهم لبعض: أبشروا، كأنكم و الله به قد قتلهم.

قال ابو مخنف: حدثنى حصيره بن عبد الله الأزدي و فضيل بن خديج الكندى و النضر بن صالح العبسى، قالوا: أول رجل عقد له المختار

34

رايه عبد الله بن الحارث أخو الاشتر، عقد له على أرمينية، و بعث محمد ابن عمير بن عطارد على آذربيجان، و بعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل، و بعث إسحاق بن مسعود على المدائن و ارض جوخى، و بعث قدامه بن ابى عيسى بن ربيعه النصرى، و هو حليف لثقيف على بهقباذ الأعلى، و بعث محمد بن كعب بن قرظه على بهقباذ الأوسط، و بعث حبيب بن منقذ الثوري على بهقباذ الأسفل، و بعث سعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان، و كان مع سعد بن حذيفة ألفا فارس بحلوان قال:

و رزقه الف درهم في كل شهر، و امره بقتال الأكراد، و باقامه الطرق، و كتب الى عماله على الجبال يأمرهم ان يحملوا اموال كورهم الى سعد بن حذيفة بحلوان، و كان عبد الله بن الزبير قد بعث محمد بن الاشعث بن قيس على الموصل، و امره بمكاتبه ابن مطيع و بالسمع له و الطاعة، غير ان ابن مطيع لا يقدر على عزله الا بأمر ابن الزبير، و كان قبل ذلك في اماره عبد الله بن يزيد، و ابراهيم بن محمد منقطعا باماره الموصل، لا يكاتب أحدا دون ابن الزبير.

فلما قدم عليه عبد الرحمن بن سعيد بن قيس من قبل المختار أميرا تنحى له عن الموصل، و اقبل حتى نزل تكريت، و اقام بها مع اناس من اشراف قومه و غيرهم، و هو معتزل ينظر ما يصنع الناس، و الى ما يصير امرهم، ثم شخص الى المختار فبايع له، و دخل فيما دخل فيه اهل بلده.

قال ابو مخنف: و حدثنى صله بن زهير النهدي، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: لما ظهر المختار و استمكن، و نفى ابن مطيع و بعث عماله، اقبل يجلس للناس غدوه و عشيه، فيقضى بين الخصمين، ثم قال:

و الله ان لي فيما ازاول و احاول لشغلا عن القضاء بين الناس، قال: فاجلس للناس شريحا، و قضى بين الناس، ثم انه خافهم فمارض، و كانوا يقولون:

انه عثمانى، و انه ممن شهد على حجر بن عدى، و انه لم يبلغ عن هانئ ابن عروه ما ارسله به- و قد كان على بن ابى طالب عزله عن القضاء- فلما

35

ان سمع بذلك و رآهم يذمونه و يسندون اليه مثل هذا القول تمارض، و جعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود ثم ان عبد الله مرض، فجعل مكانه عبد الله بن مالك الطائي قاضيا.

قال مسلم بن عبد الله: و كان عبد الله بن همام سمع أبا عمره يذكر الشيعة و ينال من عثمان بن عفان، فقنعه بالسوط، فلما ظهر المختار كان معتزلا حتى استامن له عبد الله بن شداد، فجاء الى المختار ذات يوم فقال:

ا لا انتسأت بالود عنك و ادبرت* * * معالنه بالهجر أم سريع‏

و حملها واش سعى غير مؤتل* * * فابت بهم في الفؤاد جميع‏

فخفض عليك الشان لا يردك الهوى* * * فليس انتقال خله ببديع‏

و في ليله المختار ما يذهل الفتى* * * و يلهيه عن رؤد الشباب شموع‏

دعا يا لثارات الحسين فاقبلت* * * كتائب من همدان بعد هزيع‏

و من مذحج جاء الرئيس ابن مالك* * * يقود جموعا عبيت بجموع‏

و من اسد وافى يزيد لنصره* * * بكل فتى حامى الذمار منيع‏

و جاء نعيم خير شيبان كلها* * * بأمر لدى الهيجا احد جميع‏

و ما ابن شميط إذ يحرض قومه* * * هناك بمخذول و لا بمضيع‏

و لا قيس نهد لا و لا ابن هوازن* * * و كل أخو إخباته و خشوع‏

و سار ابو النعمان لله سعيه* * * الى ابن اياس مصحرا لوقوع‏

بخيل عليها يوم هيجا دروعها* * * و اخرى حسورا غير ذات دروع‏

فكر الخيول كره ثقفتهم* * * و شد باولاها على ابن مطيع‏

فولى بضرب يشدخ الهام وقعه* * * و طعن غداه السكتين وجيع‏

فحوصر في دار الإمارة بائيا* * * بذل و ارغام له و خضوع‏

فمن وزير ابن الوصي عليهم* * * و كان لهم في الناس خير شفيع‏

36

و آب الهدى حقا الى مستقره* * * خير إياب آبه و رجوع‏

الى الهاشمى المهتدى المهتدى به* * * فنحن له من سامع و مطيع‏

قال: فلما أنشدها المختار قال المختار لأصحابه: قد اثنى عليكم كما تسمعون، و قد احسن الثناء عليكم، فأحسنوا له الجزاء ثم قام المختار، فدخل و قال لأصحابه: لا تبرحوا حتى اخرج إليكم، قال: و قال عبد الله ابن شداد الجشمى: يا بن همام: ان لك عندي فرسا و مطرفا، و قال قيس بن طهفة النهدي- و كانت عنده الرباب بنت الاشعث: فان لك عندي‏

3

6 فرسا و مطرفا، و استحيا ان يعطيه صاحبه شيئا لا يعطى مثله، فقال ليزيد بن انس: فما تعطيه؟ فقال يزيد: ان كان ثواب الله اراد بقوله فما عند الله خير له، و ان كان انما اعترى بهذا القول أموالنا، فو الله ما في أموالنا ما يسعه، قد كانت بقيت من عطائى بقية فقويت بها إخواني، فقال احمر بن شميط مبادرا لهم قبل ان يكلموه: يا بن همام، ان كنت اردت بهذا القول وجه الله فاطلب ثوابك من الله، و ان كنت انما اعتريت به رضا الناس و طلب أموالهم، فاكدم الجندل، فو الله ما من قال قولا لغير الله و في غير ذات الله باهل ان ينحل، و لا يوصل، فقال له: عضضت بإير ابيك! فرفع يزيد بن انس السوط و قال لابن همام: تقول هذا القول يا فاسق! و قال لابن شميط: اضربه بالسيف، فرفع ابن شميط عليه السيف و وثب و وثب أصحابهما يتفلتون على ابن همام و أخذ بيده ابراهيم بن الاشتر فالقاه وراءه، و قال: انا له جار، لم تاتون اليه ما ارى! فو الله انه لواصل الولاية، راض بما نحن عليه، حسن الثناء، فان أنتم لم تكافئوه بحسن ثنائه، فلا تشتموا عرضه، و لا تسفكوا دمه و وثبت مذحج فحالت دونه، و قالوا:

اجاره ابن الاشتر، لا و الله لا يوصل اليه قال: و سمع لغطهم المختار، فخرج اليهم، و أومأ بيده اليهم، ان اجلسوا، فجلسوا، فقال لهم:

إذا قيل لكم خير فاقبلوه، و ان قدرتم على مكافاه فافعلوا، و ان لم تقدروا

37

على مكافاه فتنصلوا، و اتقوا لسان الشاعر، فان شره حاضر، و قوله فاجر، و سعيه بائر، و هو بكم غدا غادر فقالوا: ا فلا نقتله؟ قال: انا قد آمناه و أجرناه، و قد اجاره أخوكم ابراهيم بن الاشتر، فجلس مع الناس قال: ثم ان ابراهيم قام فانصرف الى منزله فاعطاه ألفا و فرسا و مطرفا فرجع بها و قال: لا و الله، لا جاورت هؤلاء ابدا و اقبلت هوازن و غضبت و اجتمعت في المسجد غضبا لابن همام، فبعث اليهم المختار فسألهم ان يصفحوا عما اجتمعوا له، ففعلوا، و قال ابن همام لابن الاشتر يمدحه:

أطفأ عنى نار كلبين البا* * * على الكلاب ذو الفعال ابن مالك‏

فتى حين يلقى الخيل يفرق بينها* * * بطعن دراك او بضرب مواشك‏

و قد غضبت لي من هوازن عصبه* * * طوال الذرا فيها عراض المبارك‏

إذا ابن شميط او يزيد تعرضا* * * لها وقعا في مستحار المهالك‏

وثبتم علينا يا موالي طيّئ* * * مع ابن شميط شر ماش و راتك‏

و اعظم ديار على الله فريه* * * و ما مفتر طاغ كاخر ناسك‏

فيا عجبا من احمس ابنه احمس* * * توثب حولي بالقنا و النيازك‏

كأنكم في العز قيس و خثعم* * * و هل أنتم الا لئام عوارك‏

و اقبل عبد الله بن شداد من الغد فجلس في المسجد يقول: علينا توثب بنو اسد و احمس! و الله لا نرضى بهذا ابدا فبلغ ذلك المختار، فبعث اليه فدعاه، و دعا بيزيد بن انس و بابن شميط، فحمد الله و اثنى عليه و قال: يا بن شداد، ان الذى فعلت نزغه من نزغات الشيطان، فتب الى الله، قال: قد تبت، و قال: ان هذين اخواك، فاقبل إليهما، و اقبل منهما، وهب لي هذا الأمر، قال: فهو لك، و كان ابن همام قد قال قصيده‏

38

اخرى في امر المختار، فقال:

اضحت سليمى بعد طول عتاب* * * و تجرم و نفاد غرب شباب‏

قد ازمعت بصريمتى و تجنبى* * * و تهوك مذ ذاك في اعتاب‏

لما رايت القصر اغلق بابه* * * و توكلت همدان بالأسباب‏

و رايت اصحاب الدقيق كأنهم* * * حول البيوت ثعالب الأسراب‏

و رايت أبواب الأزقة حولنا* * * دربت بكل هراوة و ذباب‏

ايقنت ان خيول شيعه راشد* * * لم يبق منها فيش اير ذباب‏

ذكر الخبر عن امر المختار مع قتله الحسين بالكوفه‏

قال ابو جعفر: و في هذه السنه وثب المختار بمن كان بالكوفه من قتله الحسين و المشايعين على قتله، فقتل من قدر عليه منهم، و هرب من الكوفه بعضهم، فلم يقدر عليه.

ذكر الخبر عن سبب و ثوبه بهم و تسميه من قتل منهم و من هرب فلم يقدر عليه منهم:

و كان سبب ذلك- فيما ذكره هشام بن محمد، عن عوانه بن الحكم- ان مروان بن الحكم لما استوسقت له الشام بالطاعة، بعث جيشين أحدهما الى الحجاز عليه حبيش بن دلجه القينى- و قد ذكرنا امره و خبر مهلكه قبل- و الآخر منهما الى العراق عليهم عبيد الله بن زياد- و قد ذكرنا ما كان من امره و امر التوابين من الشيعة بعين الورده- و كان مروان جعل لعبيد الله بن زياد إذ وجهه الى العراق ما غلب عليه، و امره ان ينهب الكوفه إذا هو ظفر بأهلها ثلاثا.

قال عوانه: فمر بأرض الجزيرة فاحتبس بها و بها قيس عيلان على‏

39

طاعه ابن الزبير، و قد كان مروان أصاب قيسا يوم مرج راهط و هم مع الضحاك بن قيس مخالفين على مروان، و على ابنه عبد الملك من بعده، فلم يزل عبيد الله مشتغلا بهم عن العراق نحوا من سنه ثم انه اقبل الى الموصل، فكتب عبد الرحمن بن سعيد بن قيس عامل المختار على الموصل الى المختار: اما بعد، فانى اخبرك ايها الأمير ان عبيد الله بن زياد قد دخل ارض الموصل، و قد وجه قبلي خيله و رجاله، و انى انحزت الى تكريت حتى يأتيني رأيك و امرك، و السلام عليك.

فكتب اليه المختار: اما بعد، فقد بلغنى كتابك، و فهمت كل ما ذكرت فيه، فقد اصبت بانحيازك الى تكريت، فلا تبرحن مكانك الذى أنت به حتى يأتيك امرى ان شاء الله، و السلام عليك.

قال هشام، عن ابى مخنف: حدثنى موسى بن عامر، ان كتاب عبد الرحمن بن سعيد لما ورد على المختار بعث الى يزيد بن انس فدعاه، فقال له: يا يزيد بن انس، ان العالم ليس كالجاهل، و ان الحق ليس كالباطل، و انى اخبرك خبر من لم يكذب و لم يكذب، و لم يخالف و لم يرتب، و انا المؤمنون الميامين، الغالبون المساليم، و انك صاحب الخيل التي تجر جعابها، و تضفر أذنابها، حتى توردها منابت الزيتون، غائره عيونها، لاحقه بطونها اخرج الى الموصل حتى تنزل أدانيها، فانى ممدك بالرجال بعد الرجال فقال له يزيد بن انس: سرح معى ثلاثة آلاف فارس 2 انتخبهم، و خلنى و الفرج الذى توجهنا اليه، فان احتجت الى الرجال فساكتب إليك، قال له المختار: فاخرج فانتخب على اسم الله من احببت.

فخرج فانتخب ثلاثة آلاف فارس، فجعل على ربع المدينة النعمان بن عوف بن ابى جابر الأزدي، و على ربع تميم و همدان عاصم بن قيس بن حبيب الهمدانى، و على مذحج و اسد ورقاء بن عازب الأسدي، و على ربع ربيعه و كنده سعر بن ابى سعر الحنفي.

ثم انه فصل من الكوفه، فخرج و خرج معه المختار و الناس يشيعونه، فلما

40

بلغ دير ابى موسى ودعه المختار و انصرف، ثم قال له: إذا لقيت عدوك فلا تناظرهم، و إذا امكنتك الفرصة فلا تؤخرها، و ليكن خبرك في كل يوم عندي، و ان احتجت الى مدد فاكتب الى، مع انى ممدك و لو لم تستمدد، فانه أشد لعضدك، و أعز لجندك، و ارعب لعدوك فقال له يزيد بن انس: لا تمدني الا بدعائك، فكفى به مددا و قال له الناس:

صحبك الله و اداك و ايدك، و ودعوه: فقال لهم يزيد: سلوا الله لي الشهاده، و ايم الله لئن لقيتهم ففاتنى النصر لا تفتني الشهاده ان شاء الله فكتب المختار الى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس: اما بعد، فخل بين يزيد و بين البلاد ان شاء الله، و السلام عليك فخرج يزيد بن انس بالناس حتى بات بسورا، ثم غدا بهم سائرا حتى بات بهم بالمدائن، فشكا الناس اليه ما دخلهم من شده السير عليهم، فأقام بها يوما و ليله ثم انه اعترض بهم ارض جوخى حتى خرج بهم في الراذانات، حتى قطع بهم الى ارض الموصل، فنزلت ببنات تلى، و بلغ مكانه و منزله الذى نزل به عبيد الله بن زياد، فسال عن عدتهم، فاخبرته عيونه انه خرج معه من الكوفه ثلاثة آلاف فارس، فقال عبيد الله: فانا ابعث الى كل الف الفين و دعا ربيعه بن المخارق الغنوي و عبد الله بن حمله الخثعمى، فبعثهما في ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، و بعث ربيعه بن المخارق أولا، ثم مكث يوما، ثم بعث خلفه عبد الله بن حمله، ثم كتب إليهما: أيكما سبق فهو امير على صاحبه، و ان انتهيتما جميعا فاكبر كما سنا امير على صاحبه و الجماعه قال: فسبق ربيعه بن المخارق فنزل بيزيد بن انس و هو ببنات تلى، فخرج اليه يزيد بن انس و هو مريض مضنى.

قال ابو مخنف: فحدثني ابو الصلت، عن ابى سعيد الصيقل، قال:

خرج علينا يزيد بن انس و هو مريض على حمار يمشى معه الرجال يمسكونه عن يمينه و عن شماله، بفخذيه و عضديه و جنبيه، فجعل يقف على الارباع:

41

ربع ربع و يقول: يا شرطه الله، اصبروا تؤجروا، و صابروا عدوكم تظفروا، و قاتلوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً، ان هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فان هلك فأميركم عبد الله بن ضمره العذرى، فان هلك فأميركم سعر بن ابى سعر الحنفي قال: و انا و الله فيمن يمشى معه و يمسك بعضده و يده، و انى لاعرف في وجهه ان الموت قد نزل به قال: فجعل يزيد بن انس عبد الله بن ضمره العذرى على ميمنته، و سعر بن ابى سعر على ميسرته، و جعل ورقاء بن عازب الأسدي على الخيل، و نزل هو فوضع بين الرجال على السرير، ثم قال لهم:

ابرزوا لهم بالعراء، و قدمونى في الرجال، ثم ان شئتم فقاتلوا عن اميركم، و ان شئتم ففروا عنه قال: فاخرجناه في ذي الحجه يوم عرفه سنه ست و ستين، فأخذنا نمسك أحيانا بظهره فيقول: اصنعوا كذا، اصنعوا كذا، و افعلوا كذا، فيأمر بامره، ثم لا يكون باسرع من ان يغلبه الوجع فيوضع هنيهة و يقتتل الناس، و ذلك عند شفق الصبح قبل شروق الشمس قال: فحملت ميسرتهم على ميمنتنا، فاشتد قتالهم، و تحمل ميسرتنا على ميمنتهم فتهزمها، و يحمل ورقاء بن عازب الأسدي في الخيل فهزمهم، فلم يرتفع الضحى حتى هزمناهم، و حوينا عسكرهم.

قال ابو مخنف: و حدثنى موسى بن عامر العدوى، قال: انتهينا الى ربيعه ابن المخارق صاحبهم، و قد انهزم عنه اصحابه و هو نازل ينادى: يا أولياء الحق، و يا اهل السمع و الطاعة، الى انا ابن المخارق، قال موسى: فاما انا فكنت غلاما حدثا، فهبته و وقفت، و يحمل عليه عبد الله بن ورقاء الأسدي و عبد الله بن ضمره العذرى، فقتلاه.

قال ابو مخنف: و حدثنى عمرو بن مالك ابو كبشه القينى، قال:

كنت غلاما حين راهقت مع احد عمومتي في ذلك العسكر، فلما نزلنا بعسكر الكوفيين عبانا ربيعه بن المخارق فاحسن التعبئه، و جعل على ميمنته ابن‏

42

أخيه، و على ميسرته عبد ربه السلمى، و خرج هو في الخيل و الرجال و قال:

يا اهل الشام، انكم انما تقاتلون العبيد الإباق، و قوما قد تركوا الاسلام و خرجوا منه، ليست لهم تقيه، و لا ينطقون بالعربية، قال: فو الله ان كنت لاحسب ان ذلك كذلك حتى قاتلناهم، قال: فو الله ما هو الا ان اقتتل الناس إذا رجل من اهل العراق يعترض الناس بسيفه و هو يقول:

برئت من دين المحكمينا* * * و ذاك فينا شر دين دينا

ثم ان قتالنا و قتالهم اشتد ساعه من النهار، ثم انهم هزمونا حين ارتفع الضحى فقتلوا صاحبنا، و حووا عسكرنا، فخرجنا منهزمين حتى تلقانا عبد الله بن حمله على مسيره ساعه من تلك القرية التي يقال لها بنات تلى، فردنا، فأقبلنا معه حتى نزل بيزيد بن انس، فبتنا متحارسين حتى أصبحنا فصلينا الغداة، ثم خرجنا على تعبئه حسنه، فجعل على ميمنته الزبير بن خزيمة، من خثعم، و على ميسرته ابن اقيصر القحافى من خثعم، و تقدم في الخيل و الرجال، و ذلك يوم الاضحى، فاقتتلنا قتالا شديدا، ثم انهم هزمونا هزيمه قبيحه، و قتلونا قتالا ذريعا، و حووا عسكرنا، و أقبلنا حتى انهينا الى عبيد الله بن زياد فحدثناه بما لقينا.

قال ابو مخنف: و حدثنى موسى بن عامر، قال: اقبل إلينا عبد الله بن حمله الخثعمى، فاستقبل فل ربيعه بن المخارق الغنوي فردهم، ثم جاء حتى نزل ببنات تلى، فلما اصبح غادوا و غادينا، فتطاردت الخيلان من أول النهار، ثم انصرفوا و انصرفنا، حتى إذا صلينا الظهر خرجنا فاقتتلنا، ثم هزمناهم.

قال: و نزل عبد الله بن حمله فاخذ ينادى اصحابه: الكره بعد الفره، يا اهل السمع و الطاعة، فحمل عليه عبد الله بن قراد الخثعمى فقتله، و حوينا عسكرهم و ما فيه، و اتى يزيد بن انس بثلاثمائة اسير و هو في السوق، فاخذ يومى‏ء بيده ان اضربوا أعناقهم، فقتلوا من عند آخرهم.

و قال يزيد بن انس: ان هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فما امسى حتى مات، فصلى عليه ورقاء بن عازب و دفنه، فلما راى ذلك اصحابه اسقط في ايديهم، و كسر موته قلوب اصحابه، و أخذوا في دفنه،

43

فقال لهم ورقاء: يا قوم، ما ذا ترون؟ انه قد بلغنى ان عبيد الله بن زياد قد اقبل إلينا في ثمانين ألفا من اهل الشام، فأخذوا يتسللون و يرجعون ثم ان ورقاء دعا رءوس الارباع و فرسان اصحابه فقال لهم: يا هؤلاء، ما ذا ترون فيما أخبرتكم؟ انما انا رجل منكم، و لست بافضلكم رايا، فأشيروا على، فان ابن زياد قد جاءكم في جند اهل الشام الأعظم، و بجلتهم و فرسانهم و اشرافهم، و لا ارى لنا و لكم بهم طاقه على هذه الحال، و قد هلك يزيد بن انس أميرنا، و تفرقت عنا طائفه منا، فلو انصرفنا اليوم من تلقاء أنفسنا قبل ان نلقاهم و قبل ان نبلغهم، فيعلموا انا انما ردنا عنهم هلاك صاحبنا، فلا يزالوا لنا هائبين لقتلنا منهم أميرهم! ولانا انما نعتل لانصرافنا بموت صاحبنا و انا ان لقيناهم اليوم كنا مخاطرين، فان هزمنا اليوم لم تنفعنا هزيمتنا إياهم من قبل اليوم قالوا: فإنك نعما رايت، انصرف رحمك الله فانصرف، فبلغ منصرفهم ذلك المختار و اهل الكوفه، فارجف الناس، و لم يعلموا كيف كان الأمر ان يزيد بن انس هلك، و ان الناس هزموا، فبعث الى المختار عامله على المدائن عينا له من انباط السواد فاخبره الخبر، فدعا المختار ابراهيم بن الاشتر فعقد له على سبعه آلاف رجل، ثم قال له: سر حتى إذا أنت لقيت جيش ابن انس فارددهم معك، ثم سر حتى تلقى عدوك فتناجزهم فخرج ابراهيم فوضع عسكره بحمام اعين قال ابو مخنف: فحدثني ابو زهير النضر بن صالح، قال: لما مات يزيد انس التقى اشراف الناس بالكوفه فارجفوا بالمختار و قالوا: قتل يزيد بن انس، و لم يصدقوا انه مات، و أخذوا يقولون: و الله لقد تامر علينا هذا الرجل بغير رضا منا، و لقد ادنى موالينا، فحملهم على الدواب، و اعطاهم و اطعمهم فيئنا، و لقد عصتنا عبيدنا، فحرب بذلك أيتامنا و أراملنا فاتعدوا منزل شبث بن ربعي و قالوا: نجتمع في منزل شيخنا- و كان شبث جاهليا اسلاميا- فاجتمعوا فاتوا منزله، فصلى باصحابه، ثم تذاكروا هذا النحو من الحديث قال: و لم يكن فيما احدث المختار عليهم شي‏ء هو اعظم من ان جعل للموالي‏

44

الفي‏ء نصيبا- فقال لهم شبث: دعوني حتى القاه، فذهب فلقيه، فلم يدع شيئا مما انكره اصحابه الا و قد ذاكره اياه، فاخذ لا يذكر خصله الا قال له المختار: ارضيهم في هذه الخصلة، و آتى كل شي‏ء أحبوا، قال:

فذكر المماليك، قال: فانا ارد عليهم عبيدهم، فذكر له الموالي، فقال:

عمدت الى موالينا، و هم في‏ء افاءه الله علينا و هذه البلاد جميعا فأعتقنا رقابهم، نامل الاجر في ذلك و الثواب و الشكر، فلم ترض لهم بذلك حتى جعلتهم شركاءنا في فيئنا، فقال لهم المختار: ان انا تركت لكم مواليكم، و جعلت فيئكم فيكم، ا تقاتلون معى بنى اميه و ابن الزبير، و تعطون على الوفاء بذلك عهد الله و ميثاقه، و ما اطمئن اليه من الايمان؟ فقال شبث ما ادرى حتى اخرج الى اصحابى فاذاكرهم ذلك، فخرج فلم يرجع الى المختار.

قال: و اجمع راى اشراف اهل الكوفه على قتال المختار.

قال ابو مخنف: فحدثني قدامه بن حوشب، قال: جاء شبث ابن ربعي و شمر بن ذي الجوشن و محمد بن الاشعث و عبد الرحمن بن سعيد بن قيس حتى دخلوا على كعب بن ابى كعب الخثعمى، فتكلم شبث، فحمد الله و اثنى عليه، ثم اخبره باجتماع رأيهم على قتال المختار، و ساله ان يجيبهم الى ذلك، و قال فيما يعيب به المختار: انه تامر علينا بغير رضا منا، و زعم ان ابن الحنفيه بعثه إلينا، و قد علمنا ان ابن الحنفيه لم يفعل، و اطعم موالينا فيئنا، و أخذ عبيدنا، فحرب بهم يتامانا و أراملنا، و اظهر هو و سبئيته البراءة من أسلافنا الصالحين قال: فرحب بهم كعب بن ابى كعب، و أجابهم الى ما دعوه اليه.

قال ابو مخنف: حدثنى ابى يحيى بن سعيد ان اشراف اهل الكوفه قد كانوا دخلوا على عبد الرحمن بن مخنف، فدعوه الى ان يجيبهم الى قتال المختار، فقال لهم: يا هؤلاء، انكم ان ابيتم الا ان تخرجوا لم أخذ لكم، و ان أنتم أطعتموني لم تخرجوا فقالوا: لم؟ قال: لانى اخاف ان تتفرقوا و تختلفوا و تتخاذلوا، و مع الرجل و الله شجعاؤكم و فرسانكم من انفسكم، ا ليس‏

45

معه فلان و فلان! ثم معه عبيد كم و مواليكم، و كلمه هؤلاء واحده، و عبيدكم و مواليكم أشد حنقا عليكم من عدوكم، فهو مقاتلكم بشجاعه العرب، و عداوة العجم، و ان انتظرتموه قليلا كفيتموه بقدوم اهل الشام او بمجي‏ء، اهل البصره، فتكونوا قد كفيتموه بغيركم، و لم تجعلوا بأسكم بينكم، قالوا:

ننشدك الله ان تخالفنا، و ان تفسد علينا رأينا و ما قد اجتمعت عليه جماعتنا قال: فانا رجل منكم، فإذا شئتم فاخرجوا، فسار بعضهم الى بعض و قالوا: انتظروا حتى يذهب عنه ابراهيم بن الاشتر، قال: فامهلوا حتى إذا بلغ ابن الاشتر ساباط، و ثبوا بالمختار قال: فخرج عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس الهمدانى في همدان في جبانه السبيع، و خرج زحر بن قيس الجعفى و إسحاق بن محمد بن الاشعث في جبانه كنده.

قال هشام: فحدثني سليمان بن محمد الحضرمى، قال: خرج إليهما جبير الحضرمى فقال لهما: اخرجا عن جبانتنا، فانا نكره ان نعرى بشر، فقال له إسحاق بن محمد: و جبانتكم هي؟ قال: نعم، فانصرفوا عنه، و خرج كعب بن ابى كعب الخثعمى في جبانه بشر، و سار بشير بن جرير بن عبد الله اليهم في بجيله، و خرج عبد الرحمن بن مخنف في جبانه مخنف، و سار إسحاق بن محمد و زحر بن قيس الى عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس بجبانه السبيع، و سارت بجيله و خثعم الى عبد الرحمن ابن مخنف و هو بالازد و بلغ الذين في جبانه السبيع ان المختار قد عبا لهم خيلا ليسير اليهم فبعثوا الرسل يتلو بعضها بعضا الى الأزد و بجيله و خثعم، يسالونهم بالله و الرحم لما عجلوا اليهم فساروا اليهم و اجتمعوا جميعا في جبانه السبيع، و لما ان بلغ ذلك المختار سره اجتماعهم في مكان واحد، و خرج شمر بن ذي الجوشن حتى نزل بجبانه بنى سلول في قيس، و نزل شبث بن ربعي و حسان بن فائد العبسى و ربيعه بن ثروان الضبي في مضر بالكناسة، و نزل حجار بن ابحر و يزيد بن الحارث بن رؤيم في ربيعه فيما بين التمارين و السبخة، و نزل عمرو بن الحجاج الزبيدى في جبانه مراد بمن تبعه من مذحج، فبعث اليه اهل اليمن ان ائتنا، فأبى ان يأتيهم‏

46

و قال لهم: وجدوا، فكأني قد اتيتكم قال: و بعث المختار رسولا من يومه يقال له عمرو بن توبه بالركض الى ابراهيم بن الاشتر و هو بساباط الا تضع كتابي من يدك حتى تقبل بجميع من معك الى قال: و بعث اليهم المختار في ذلك اليوم: أخبروني ما تريدون؟ فانى صانع كل ما احببتم، فقالوا:

فانا نريد ان تعتزلنا، فإنك زعمت ان ابن الحنفيه بعثك و لم يبعثك.

فأرسل اليهم المختار ان ابعثوا اليه من قبلكم وفدا، و ابعث اليه من قبلي وفدا، ثم انظروا في ذلك حتى تتبينوه، و هو يريد ان يريثهم بهذه المقاله ليقدم عليه ابراهيم بن الاشتر، و قد امر اصحابه فكفوا ايديهم، و قد أخذ اهل الكوفه عليهم بأفواه السكك، فليس شي‏ء يصل الى المختار و لا الى اصحابه من الماء الا القليل الوتح، يجيئهم إذا غفلوا عنه قال: و خرج عبد الله بن سبيع في الميدان، فقاتله شاكر قتالا شديدا، فجاءه عقبه بن طارق الجشمى فقاتل معه ساعه حتى رد عاديتهم عنه، ثم اقبلا على حاميتهما يسيران حتى نزل عقبه بن طارق مع قيس في جبانه بنى سلول، و جاء عبد الله بن سبيع حتى نزل مع اهل اليمن في جبانه السبيع.

قال ابو مخنف: حدثنى يونس بن ابى إسحاق، ان شمر بن ذي الجوشن اتى اهل اليمن فقال لهم: ان اجتمعتم في مكان نجعل فيه مجنبتين و نقاتل من وجه واحد فانا صاحبكم، و الا فلا، و الله لا اقاتل في مثل هذا المكان في سكك ضيقه، و نقاتل من غير وجه فانصرف الى جماعه قومه في جبانه بنى سلول قال: و لما خرج رسول المختار الى ابن الاشتر بلغه من يومه عشيه، فنادى في الناس: ان ارجعوا الى الكوفه، فسار بقية عشيته تلك، ثم نزل حين امسى، فتعشى اصحابه، و اراحوا الدواب شيئا كلا شي‏ء، ثم نادى في الناس، فسار ليلته كلها، ثم صلى الغداة بسورا، ثم سار من يومه فصلى العصر على باب الجسر من الغد، ثم انه جاء حتى بات ليلته في المسجد و معه من اصحابه اهل القوه و الجلد، حتى إذا كان صبيحة اليوم الثالث من مخرجهم على المختار، خرج المختار الى‏

47

المنبر فصعده.

قال ابو مخنف: فحدثني ابو جناب الكلبى ان شبث بن ربعي بعث اليه ابنه عبد المؤمن فقال: انما نحن عشيرتك، و كف يمينك، لا و الله لا نقاتلك، فثق بذلك منا، و كان رايه قتاله، و لكنه كاده و لما ان اجتمع اهل اليمن بجبانه السبيع حضرت الصلاة، فكره كل راس من رءوس اهل اليمن ان يتقدمه صاحبه، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: هذا أول الاختلاف، قدموا الرضا فيكم، فان في عشيرتكم سيد قراء اهل المصر، فليصل بكم رفاعة بن شداد الفتيانى من بجيله، ففعلوا، فلم يزل يصلى بهم حتى كانت الوقعه قال ابو مخنف: و حدثنى وازع بن السرى ان انس بن عمرو الأزدي انطلق فدخل في اهل اليمن، و سمعهم و هم يقولون: ان سار المختار الى إخواننا من مضر سرنا اليهم، و ان سار إلينا ساروا إلينا، فسمعها منهم رجل، و اقبل جوادا حتى صعد الى المختار على المنبر، فاخبره بمقالتهم، فقال: اما هم فخلقاء لو سرت الى مضر ان يسيروا اليهم، و اما اهل اليمن فاشهد لئن سرت اليهم لا تسير اليهم مضر، فكان بعد ذلك يدعو ذلك الرجل و يكرمه ثم ان المختار نزل فعبا اصحابه في السوق- و السوق إذ ذاك ليس فيها هذا البناء- فقال لإبراهيم بن الاشتر: الى اى الفريقين أحب إليك ان تسير؟ فقال: الى اى الفريقين احببت، فنظر المختار- و كان ذا راى، فكره ان يسير الى قومه فلا يبالغ في قتالهم- فقال: سر الى مضر بالكناسة و عليهم شبث بن ربعي و محمد بن عمير بن عطارد، و انا اسير الى اهل اليمن.

قال: و لم يزل المختار يعرف بشده النفس، و قله البقيا على اهل اليمن و غيرهم إذا ظفر، فسار ابراهيم بن الاشتر الى الكناسة، و سار المختار الى جبانه السبيع، فوقف المختار عند دار عمر بن سعد بن ابى وقاص، و سرح بين ايديه احمر بن شميط البجلي ثم الأحمسي، و سرح عبد الله بن كامل الشاكري، و قال لابن شميط: الزم هذه السكة حتى تخرج الى اهل‏

48

جبانه السبيع من بين دور قومك و قال لعبد الله بن كامل: الزم هذه السكة حتى تخرج على جبانه السبيع من دار آل الاخنس بن شريق، و دعاهما فاسر إليهما ان شباما قد بعثت تخبرني انهم قد أتوا القوم من ورائهم، فمضيا فسلكا الطريقين اللذين امرهما بهما، و بلغ اهل اليمن مسير هذين الرجلين اليهم، فاقتسموا تينك السكتين، فاما السكة التي في دبر مسجد احمس فانه وقف فيها عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمدانى و إسحاق بن الاشعث و زحر بن قيس، و اما السكة التي تلى الفرات فانه وقف فيها عبد الرحمن بن مخنف، و بشير بن جرير بن عبد الله، و كعب بن ابى كعب ثم ان القوم اقتتلوا كأشد قتال اقتتله قوم ثم ان اصحاب احمر بن شميط انكشفوا و اصحاب عبد الله بن كامل أيضا، فلم يرع المختار الا و قد جاءه الفل قد اقبل، فقال: ما وراءكم؟ قالوا: هزمنا، قال: فما فعل احمر بن شميط؟ قالوا: تركناه قد نزل عند مسجد القصاص- يعنون مسجد ابى داود في وادعه، و كان يعتاده رجال اهل ذلك الزمان يقصون فيه، و قد نزل معه اناس من اصحابه- و قال اصحاب عبد الله: ما ندري ما فعل ابن كامل! فصاح بهم: ان انصرفوا ثم اقبل بهم حتى انتهى الى دار ابى عبد الله الجدلى، و بعث عبد الله بن قراد الخثعمى- و كان على أربعمائة رجل من اصحابه- فقال: سر في أصحابك الى ابن كامل، فان يك هلك فأنت مكانه، فقاتل القوم باصحابك و اصحابه، و ان تجده حيا صالحا فسر في مائه من أصحابك كلهم فارس، و ادفع اليه بقية أصحابك، و مر بالجد معه و المناصحة له، فإنهم انما يناصحوننى، و من ناصحنى فليبشر، ثم امض في المائه حتى تأتي اهل جبانه السبيع مما يلى حمام قطن ابن عبد الله فمضى فوجد ابن كامل واقفا عند حمام عمرو بن حريث‏

49

معه اناس من اصحابه قد صبروا، و هو يقاتل القوم، فدفع اليه ثلاثمائة من اصحابه ثم مضى حتى نزل الى جبانه السبيع.

ثم أخذ في تلك السكك حتى انتهى الى مسجد عبد القيس، فوقف عنده، و قال لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: امرنا لأمرك تبع و كل من كان معه من حاشد من قومه و هم مائه، فقال لهم: و الله انى لاحب ان يظهر المختار، و و الله انى لكاره ان يهلك اشراف عشيرتي اليوم، و و الله لان اموت أحب الى من ان يحل بهم الهلاك على يدي، و لكن قفوا قليلا فانى قد سمعت شباما يزعمون انهم سياتونهم من ورائهم، فلعل شباما تكون هي تفعل ذلك، و نعافى نحن منه قال له اصحابه: فرأيك فثبت كما هو عند مسجد عبد القيس و بعث المختار مالك بن عمرو النهدي في مائتي رجل- و كان من أشد الناس بأسا- و بعث عبد الله بن شريك النهدي في مائتي فارس الى احمر بن شميط، و ثبت مكانه، فانتهوا اليه و قد علاه القوم و كثروه، فاقتتلوا عند ذلك كأشد القتال، و مضى ابن الاشتر حتى لقى شبث بن ربعي و انا سامعه من مضر كثيرا، و فيهم حسان بن فائد العبسى، فقال لهم ابراهيم:

و يحكم! انصرفوا، فو الله ما أحب ان يصاب احد من مضر على يدي، فلا تهلكوا انفسكم، فأبوا، فقاتلوه فهزمهم، و احتمل حسان بن فائد الى اهله، فمات حين ادخل اليهم، و قد كان و هو على فراشه قبل موته افاق افاقه فقال: اما و الله ما كنت أحب ان اعيش من جراحتى هذه، و ما كنت أحب ان تكون منيتي الا بطعنه رمح، او بضربه بالسيف، فلم يتكلم بعدها كلمه حتى مات و جاءت البشرى الى المختار من قبل ابراهيم بهزيمه مضر، فبعث المختار البشرى من قبله الى احمر بن شميط و الى ابن كامل، فالناس على أحوالهم كل اهل سكه منهم قد اغنت ما يليها.

قال: فاجتمعت شبام و قد راسوا عليهم أبا القلوص، و قد اجمعوا

50

و اجتمعوا بان يأتوا اهل اليمن من ورائهم، فقال بعضهم لبعض: اما و الله لو جعلتم جدكم هذا على من خالفكم من غيركم لكان اصوب، فسيروا الى مضر او الى ربيعه فقاتلوهم- و شيخهم ابو القلوص ساكت لا يتكلم- فقالوا: يا أبا القلوص، ما رأيك؟ فقال: قال الله جل ثناؤه:

«قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً» قوموا، فقاموا، فمشى بهم قيس رمحين او ثلاثة ثم قال لهم: اجلسوا فجلسوا، ثم مشى بهم انفس من ذلك شيئا، ثم قعد بهم، ثم قال لهم: قوموا، ثم مشى بهم الثالثه انفس من ذلك شيئا، ثم قعد بهم، فقالوا له: يا أبا القلوص، و الله انك عندنا لاشجع العرب، فما يحملك على الذى تصنع! قال: ان المجرب ليس كمن لم يجرب، انى اردت ان ترجع إليكم أفئدتكم، و ان توطنوا على القتال انفسكم، و كرهت ان اقحمكم على القتال و أنتم على حال دهش، قالوا: أنت ابصر بما صنعت فلما خرجوا الى جبانه السبيع استقبلهم على فم السكة الاعسر الشاكري، فحمل عليه الجندعى و ابو الزبير بن كريب فصرعاه، و دخلا الجبانة، و دخل الناس الجبانة في آثارهم، و هم ينادون: يا لثارات الحسين! فأجابهم اصحاب ابن شميط يا لثارات الحسين! فسمعها يزيد بن عمير بن ذي مران من همدان فقال: يا لثارات عثمان! فقال لهم رفاعة بن شداد: ما لنا و لعثمان! لا اقاتل مع قوم يبغون دم عثمان، فقال له اناس من قومه: جئت بنا و أطعناك، حتى إذا رأينا قومنا تأخذهم السيوف قلت: انصرفوا و دعوهم! فعطف عليهم و هو يقول:

انا ابن شداد على دين على* * * لست لعثمان بن اروى بولي‏

لاصلين اليوم فيمن يصطلى* * * بحر نار الحرب غير مؤتل‏

فقاتل حتى قتل، و قتل يزيد بن عمير بن ذي مران، و قتل النعمان ابن صهبان الجرمي ثم الراسبى- و كان ناسكا- و رفاعة بن شداد بن عوسجة

51

الفتيانى عند حمام المهبذان الذى بالسبخه- و كان ناسكا- و قتل الفرات ابن زحر بن قيس الجعفى، و ارتث زحر بن قيس، و قتل عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس، و قتل عمر بن مخنف، و قاتل عبد الرحمن بن مخنف حتى ارتث، و حملته الرجال على أيديها و ما يشعر، و قاتل حوله رجال من الأزد، فقال حميد بن مسلم:

لاضربن عن ابى حكيم* * * مفارق الأعبد و الصميم‏

و قال سراقه بن مرداس البارقى:

يا نفس الا تصبرى تليمى* * * لا تتولى عن ابى حكيم‏

و استخرج من دور الوادعيين خمسمائة اسير، فاتى بهم المختار مكتفين، فاخذ رجل من بنى نهد و هو من رؤساء اصحاب المختار يقال له: عبد الله ابن شريك، لا يخلو بعربي الا خلى سبيله، فرفع ذلك الى المختار درهم مولى لبنى نهد، فقال له المختار: اعرضوهم على، و انظروا كل من شهد منهم قتل الحسين فأعلموني به، فأخذوا لا يمر عليه برجل قد شهد قتل الحسين الا قيل له: هذا ممن شهد قتله، فيقدمه فيضرب عنقه، حتى قتل منهم قبل ان يخرج مائتين و ثمانية و اربعين قتيلا، و أخذ اصحابه كلما رأوا رجلا قد كان يؤذيهم او يماريهم او يضربهم خلوا به فقتلوه حتى قتل ناس كثير منهم و ما يشعر بهم المختار، فاخبر بذلك المختار بعد، فدعا بمن بقي من الأسارى فاعتقهم، و أخذ عليهم المواثيق الا يجامعوا عليه عدوا، و لا يبغوه و لا اصحابه غائله، الا سراقه بن مرداس البارقى، فانه امر به ان يساق معه الى المسجد قال: و نادى منادى المختار: انه من اغلق بابه فهو آمن، الا رجلا شرك في دم آل محمد ص‏

52

قال ابو مخنف: حدثنى المجالد بن سعيد، عن عامر الشعبى، ان يزيد ابن الحارث بن يزيد بن رؤيم و حجار بن ابجر بعثا رسلا لهما، فقالا لهم:

كونوا من اهل اليمن قريبا، فان رأيتموهم قد ظهروا فأيكم سبق إلينا فليقل صرفان، و ان كانوا هزموا فليقل جمزان، فلما هزم اهل اليمن اتتهم رسلهم، فقال لهم أول من انتهى اليهم: جمزان، فقام الرجلان فقالا لقومهما:

انصرفوا الى بيوتكم، فانصرفوا، و خرج عمرو بن الحجاج الزبيدى- و كان ممن شهد قتل الحسين- فركب راحلته، ثم ذهب عليها، فاخذ طريق شراف و واقصه، فلم ير حتى الساعة، و لا يدرى ارض بخسته، أم سماء حصبته! و اما فرات بن زحر بن قيس فانه لما قتل بعثت عائشة بنت خليفه بن عبد الله الجعفية- و كانت امراه الحسين بن على- الى المختار تسأله ان يأذن لها ان توارى جسده، ففعل، فدفنته.

و بعث المختار غلاما له يدعى زربيا في طلب شمر بن ذي الجوشن.

قال ابو مخنف: فحدثني يونس بن ابى إسحاق، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: تبعنا زربى غلام المختار، فلحقنا و قد خرجنا من الكوفه على خيول لنا ضمر، فاقبل يتمطر به فرسه، فلما دنا منا قال لنا شمر: اركضوا و تباعدوا عنى لعل العبد يطمع في، قال: فركضنا، فأمعنا، و طمع العبد في شمر، و أخذ شمر ما يستطرد له، حتى إذا انقطع من اصحابه حمل عليه شمر فدق ظهره، و اتى المختار فاخبر بذلك، فقال: بؤسا لزربى، اما لو يستشيرنى ما امرته ان يخرج لأبي السابغة.

قال ابو مخنف: حدثنى ابو محمد الهمدانى، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: لما خرج شمر بن ذي الجوشن و انا معه حين هزمنا المختار، و قتل اهل اليمن بجبانه السبيع، و وجه غلامه زربيا في طلب شمر، و كان من قتل شمر اياه ما كان، مضى شمر حتى ينزل ساتيدما، ثم مضى حتى ينزل الى جانب قريه يقال لها الكلتانية على شاطئ نهر، الى جانب تل،

53

ثم ارسل الى تلك القرية فاخذ منها علجا فضربه، ثم قال: النجاء بكتابي هذا الى المصعب بن الزبير و كتب عنوانه: للأمير المصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن قال: فمضى العلج حتى يدخل قريه فيها بيوت، و فيها ابو عمره، و قد كان المختار بعثه في تلك الأيام الى تلك القرية لتكون مسلحه فيما بينه و بين اهل البصره، فلقى ذلك العلج علجا من تلك القرية، فاقبل يشكو اليه ما لقى من شمر، فانه لقائم معه يكلمه إذ مر به رجل من اصحاب ابى عمره، فراى الكتاب مع العلج، و عنوانه: لمصعب من شمر، فسألوا العلج عن مكانه الذى هو به، فاخبرهم، فإذا ليس بينهم و بينه الا ثلاثة فراسخ قال: فاقبلوا يسيرون اليه.

قال ابو مخنف: فحدثني مسلم بن عبد الله، قال: و انا و الله مع شمر تلك الليلة، فقلنا: لو انك ارتحلت بنا من هذا المكان فانا نتخوف به! فقال: او كل هذا فرقا من الكذاب! و الله لا اتحول منه ثلاثة ايام، ملا الله قلوبكم رعبا! قال: و كان بذلك المكان الذى كنا فيه دبى كثير، فو الله انى لبين اليقظان و النائم، إذ سمعت وقع حوافر الخيل، فقلت في نفسي: هذا صوت الدبى، ثم انى سمعته أشد من ذلك، فانتبهت و مسحت عيني، و قلت: لا و الله، ما هذا بالدبى قال: و ذهبت لأقوم، فإذا انا بهم قد أشرفوا علينا من التل، فكبروا، ثم أحاطوا بابياتنا، و خرجنا نشتد على أرجلنا، و تركنا خيلنا قال: فامر على شمر، و انه لمتزر ببرد محقق- و كان ابرص- فكأني انظر الى بياض كشحيه من فوق البرد، فانه ليطاعنهم بالرمح، قد اعجلوه ان يلبس سلاحه و ثيابه، فمضينا و تركناه قال: فما هو الا ان امعنت ساعه، إذ سمعت: الله اكبر، قتل الله الخبيث! قال ابو مخنف: حدثنى المشرقي، عن عبد الرحمن بن عبيد ابى الكنود، قال: انا و الله صاحب الكتاب الذى رايته مع العلج، و اتيت به أبا عمره و انا قتلت شمرا، قال: قلت: هل سمعته يقول شيئا ليلتئذ؟ قال: نعم،

54

خرج علينا فطاعننا برمحه ساعه، ثم القى رمحه، ثم دخل بيته فاخذ سيفه، ثم خرج علينا و هو يقول:

نبهتم ليث عرين* * * جهما محياه يدق الكاهلا

لم ير يوما عن عدو ناكلا* * * الا كذا مقاتلا او قاتلا

يبرحهم ضربا و يروى العاملا

قال ابو مخنف، عن يونس بن ابى إسحاق: و لما خرج المختار من جبانه السبيع، و اقبل الى القصر، أخذ سراقه بن مرداس يناديه باعلى صوته:

امنن على اليوم يا خير معد* * * و خير من حل بشحر و الجند

و خير من حيا و لبى و سجد

فبعث به المختار الى السجن، فحبسه ليله، ثم ارسل اليه من الغد فاخرجه، فدعا سراقه، فاقبل الى المختار و هو يقول:

الا ابلغ أبا إسحاق انا* * * نزونا نزوه كانت علينا

خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا* * * و كان خروجنا بطرا و حينا

نراهم في مصافهم قليلا* * * هم مثل الدبى حين التقينا

برزنا إذ رأيناهم فلما* * * رأينا القوم قد برزوا إلينا

لقينا منهم ضربا طلحفا* * * و طعنا صائبا حتى انثنينا

نصرت على عدوك كل يوم* * * بكل كتيبه تنعى حسينا

كنصر محمد في يوم بدر* * * و يوم الشعب إذ لاقى حنينا

فاسجح إذ ملكت فلو ملكنا* * * لجرنا في الحكومة و اعتدينا

تقبل توبه منى فانى* * * ساشكر ان جعلت النقد دينا

55

قال: فلما انتهى الى المختار، قال له: اصلحك الله ايها الأمير! سراقه ابن مرداس يحلف بالله الذى لا اله الا هو لقد راى الملائكة تقاتل على الخيول البلق بين السماء و الارض، فقال له المختار: فاصعد المنبر فاعلم ذلك المسلمين، فصعد فاخبرهم بذلك ثم نزل، فخلا به المختار، فقال:

انى قد علمت انك لم تر الملائكة، و انما اردت ما قد عرفت الا اقتلك، 2 فاذهب عنى حيث احببت، لا تفسد على اصحابى.

قال ابو مخنف: فحدثني الحجاج بن على البارقى عن سراقه بن مرداس، قال: ما كنت في ايمان حلفت بها قط أشد اجتهادا و لا مبالغه في الكذب منى في ايمانى هذه التي حلفت لهم بها انى قد رايت الملائكة معهم تقاتل فخلوا سبيله فهرب، فلحق بعبد الرحمن بن مخنف عند المصعب بن الزبير بالبصرة، و خرج اشراف اهل الكوفه و الوجوه فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة، و خرج سراقه بن مرداس من الكوفه و هو يقول:

الا ابلغ أبا إسحاق انى* * * رايت البلق دهما مصمتات‏

كفرت بوحيكم و جعلت نذرا* * * على قتالكم حتى الممات‏

ارى عيني ما لم تبصراه* * * كلانا عالم بالترهات‏

إذا قالوا اقول لهم كذبتم* * * و ان خرجوا لبست لهم اداتى‏

حدثنى ابو السائب سلم بن جناده، قال: حدثنا محمد بن براد، من ولد ابى موسى الأشعري، عن شيخ، قال: لما اسر سراقه البارقى، قال:

و أنتم اسرتمونى! ما أسرني الا قوم على دواب بلق، عليهم ثياب بيض قال:

فقال المختار: أولئك الملائكة، فاطلقه، فقال:

الا ابلغ أبا إسحاق انى* * * رايت البلق دهما مصمتات‏

ارى عيني ما لم تراياه* * * كلانا عالم بالترهات‏

56

قال ابو مخنف: حدثنى عمير بن زياد ان عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمدانى قال يوم جبانه السبيع: و يحكم! من هؤلاء الذين أتونا من ورائنا؟ قيل له: شبام، فقال: يا عجبا! يقاتلني بقومي من لا قوم له.

قال ابو مخنف: و حدثنى ابو روق ان شرحبيل بن ذي بقلان من الناعطيين قتل يومئذ، و كان من بيوتات همدان، فقال يومئذ قبل ان يقتل: يا لها قتله، ما أضل مقتولها! قتال مع غير امام، و قتال على غير نيه، و تعجيل فراق الأحبة، و لو قتلناهم إذا لم نسلم منهم، إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! اما و الله ما خرجت الا مواسيا لقومى بنفسي مخافه ان يضطهدوا، و ايم الله ما نجوت من ذلك و لا انجوا، و لا اغنيت عنهم و لا أغنوا قال: و يرميه رجل من الفائشيين من همدان يقال له احمر بن هديج بسهم فيقتله.

قال: و اختصم في عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمدانى نفر ثلاثة: سعر ابن ابى سعر الحنفي، و ابو الزبير الشبامي: و رجل آخر، فقال سعر: طعنته طعنه، و قال ابو الزبير: لكن ضربته انا عشر ضربات او اكثر، و قال لي ابنه: يا أبا الزبير، ا تقتل عبد الرحمن بن سعيد سيد قومك! فقلت:

«لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ.» فقال المختار: كلكم محسن و انجلت الوقعه عن سبعمائة و ثمانين قتيلا من قومه.

قال ابو مخنف: حدثنى النضر بن صالح ان القتل إذ ذاك كان استحر في اهل اليمن، و ان مضر اصيب منهم بالكناسة بضعه عشر رجلا، ثم مضوا حتى مروا بربيعه، فرجع حجار بن ابجر، و يزيد بن الحارث بن رؤيم و شداد بن المنذر- أخو حضين- و عكرمه بن ربعي، فانصرف جميع هؤلاء الى رحالهم، و عطف عليهم عكرمه فقاتلهم قتالا شديدا، ثم انصرف عنهم و قد خرج، فجاء حتى دخل منزله، فقيل له: قد مرت خيل في‏