تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج7

- ابن جرير الطبري المزيد...
656 /
7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ثم دخلت‏

سنه اربع و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث)

ذكر الوقعه بين الحرشي و السغد

ففي هذه السنه كانت وقعه الحرشي باهل السغد و قتله من قتل من دهاقينها ذكر الخبر عن امره و امرهم في هذه الوقعه:

ذكر على عن اصحابه ان الحرشي غزا في سنه اربع و مائه فقطع النهر.

و عرض الناس، ثم سار فنزل قصر الريح على فرسخين من الدبوسيه، و لم يجتمع اليه جنده.

قال: فامر الناس بالرحيل، فقال له هلال بن عليم الحنظلى: يا هناه، انك وزيرا خير منك أميرا، الارض حرب شاغره برجلها، و لم يجتمع لك جندك، و قد امرت بالرحيل! قال: فكيف لي؟ قال: تامر بالنزول، ففعل.

و خرج النيلان ابن عم ملك فرغانه الى الحرشي، و هو نازل على مغون فقال له: ان اهل السغد بخجنده، و اخبره خبرهم و قال: عاجلهم قبل ان يصيروا الى الشعب، فليس لهم علينا جوار حتى يمضى الأجل فوجه الحرشي مع النيلان عبد الرحمن القشيرى و زياد بن عبد الرحمن القشيرى في جماعه، ثم ندم على ما فعل فقال: جاءني علج لا ادرى صدق أم كذب، فغررت بجند من المسلمين و ارتحل في أثرهم حتى نزل في اشروسنه، فصالحهم بشي‏ء يسير، فبينا هو يتعشى إذ قيل له: هذا عطاء الدبوسي- و كان فيمن وجهه مع القشيرى- ففزع و سقطت اللقمة من يده، و دعا

8

بعطاء، فدخل عليه، فقال: ويلك! قاتلتم أحدا؟ فقال: لا، قال:

الحمد لله، و تعشى، و اخبره بما قدم له عليه فسار جوادا مغذا، حتى لحق القشيرى بعد ثالثه، و سار فلما انتهى الى خجنده، قال للفضل بن بسام:

ما ترى؟ قال: ارى المعاجلة، قال: لا ارى ذلك، ان جرح رجل فالى اين يرجع! او قتل قتيل فالى من يحمل! و لكنى ارى النزول و التانى و الاستعداد للحرب، فنزل فرفع الابنيه و أخذ في التأهب، فلم يخرج احد من العدو، فجبن الناس الحرشي، و قالوا: كان هذا يذكر بأسه بالعراق و رايه، فلما صار بخراسان ماق قال: فحمل رجل من العرب، فضرب باب خجنده بعمود ففتح الباب، و قد كانوا حفروا في ربضهم وراء الباب الخارج خندقا، و غطوه بقصب، و علوه بالتراب مكيده، و أرادوا إذا التقوا ان انهزموا ان يكونوا قد عرفوا الطريق، و يشكل على المسلمين فيسقطوا في الخندق.

قال: فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا، و اخطئوهم الطريق، فسقطوا في الخندق فاخرجوا من الخندق اربعين رجلا، على الرجل درعان درعان، و حصرهم الحرشي، و نصب عليهم المجانيق، فأرسلوا الى ملك فرغانه: غدرت بنا، و سألوه ان ينصرهم، فقال لهم: لم اغدر و لا انصركم، فانظروا لأنفسكم، فقد أتوكم قبل انقضاء الأجل، و لستم في جواري فلما ايسوا من نصره طلبوا الصلح، و سألوا الامان و ان يردهم الى السغد، فاشترط عليهم ان يردوا من في ايديهم من نساء العرب و ذراريهم، و ان يؤدوا ما كسروا من الخراج، و لا يغتالوا أحدا، و لا يتخلف منهم بخجنده احد، فان أحدثوا حدثا حلت دماؤهم.

قال: و كان السفير فيما بينهم موسى بن مشكان مولى آل بسام،

9

فخرج اليه كارزنج، فقال له: ان لي حاجه أحب ان تشفعنى فيها، قال:

و ما هي؟ قال: أحب ان جنى منهم رجل جناية بعد الصلح الا تأخذني بما جنى، فقال الحرشي: و لي حاجه فاقضها، قال: و ما هي؟ قال: لا يلحقني في شرطى ما اكره قال: فاخرج الملوك و التجار من الجانب الشرقى، و ترك اهل خجنده الذين هم أهلها على حالهم، فقال كارزنج للحرشى: ما تصنع؟

قال: اخاف عليكم معره الجند قال: و عظماؤهم مع الحرشي في العسكر نزلوا على معارفهم من الجند، و نزل كارزنج على أيوب بن ابى حسان، فبلغ الحرشي انهم قتلوا امراه من نساء كن في ايديهم، فقال لهم: بلغنى ان ثابتا الاشتيخنى قتل امراه و دفنها تحت حائط، فجحدوا فأرسل الحرشي الى قاضى خجنده، فنظروا فإذا المرأة مقتوله قال: فدعا الحرشي بثابت، فأرسل كارزنج غلامه الى باب السرادق ليأتيه بالخبر، و سال الحرشي ثابتا و غيره عن المرأة، فجحد ثابت و تيقن الحرشي انه قتلها فقتله فرجع غلام كارزنج اليه بقتل ثابت، فجعل يقبض على لحيته و يقرضها باسنانه، و خاف كارزنج ان يستعرضهم الحرشي، فقال لأيوب بن ابى حسان: انى ضيفك و صديقك، فلا يجمل بك ان يقتل صديقك في سراويل خلق، قال: فخذ سراويلي.

قال: و هذا لا يجمل، اقتل في سراويلاتكم! فسرح غلامك الى جلنج ابن أخي يجيئونى بسراويل جديد- و كان قد قال لابن أخيه: إذا أرسلت إليك اطلب سراويل فاعلم انه القتل- فلما بعث بسراويل اخرج فرنده خضراء فقطعها عصائب، و عصبها برءوس شاكريته، ثم خرج هو و شاكريته.

فاعترض الناس فقتل ناسا، و مر بيحيى بن حضين فنفحه نفحه على رجله، فلم يزل يخمع منها و تضعضع اهل العسكر، و لقى الناس منه شرا، حتى انتهى الى ثابت بن عثمان بن مسعود في طريق ضيق، فقتله ثابت بسيف عثمان بن مسعود و كان في أيدي السغد اسراء من المسلمين فقتلوا منهم خمسين و مائه، و يقال: قتلوا منهم اربعين، قال: فافلت منهم غلام فاخبر

10

الحرشي- و يقال: بل أتاه رجل فاخبره- فسألهم فجحدوا، فأرسل اليهم من علم علمهم، فوجد الخبر حقا، فامر بقتلهم، و عزل التجار عنهم- و كان التجار أربعمائة، كان معهم مال عظيم قدموا به من الصين- قال: فامتنع اهل السغد، و لم يكن لهم سلاح، فقاتلوا بالخشب، فقتلوا عن آخرهم فلما كان الغد دعا الحراثين- و لم يعلموا ما صنع اصحابهم- فكان يختم في عنق الرجل و يخرج من حائط الى حائط فيقتل، و كانوا ثلاثة آلاف- و يقال سبعه آلاف- فأرسل جرير بن هميان و الحسن بن ابى العمرطه و يزيد بن ابى زينب فاحصوا اموال التجار- و كانوا اعتزلوا و قالوا: لا نقاتل- فاصطفى اموال السغد و ذراريهم، فاخذ منه ما اعجبه، ثم دعا مسلم بن بديل العدوى، عدى الرباب، فقال: قد وليتك المقسم، قال: بعد ما عمل فيه عمالك ليله! و له غيرى، فولاه عبيد الله بن زهير بن حيان العدوى، فاخرج الخمس، و قسم الأموال، و كتب الحرشي الى يزيد بن عبد الملك، و لم يكتب الى عمر بن هبيرة، فكان هذا مما وجد فيه عليه عمر بن هبيرة، فقال ثابت قطنه يذكر ما أصابوا من عظمائهم:

اقر العين مصرع كارزنج* * * و كشين و ما لاقى بيار

و ديواشنى و ما لاقى جلنج* * * بحصن خجند إذ دمروا فباروا

و يروى اقر العين مصرع كارزنج، و كشكيش، و يقال: ان ديواشنى دهقان اهل سمرقند، و اسمه ديواشنج فاعربوه ديواشنى.

و يقال: كان على اقباض خجنده علباء بن احمر اليشكري، فاشترى رجل منه جونه بدرهمين، فوجد فيها سبائك ذهب، فرجع و هو واضع يده على لحيته كأنه رمد، فرد الجونة، و أخذ الدرهمين، فطلب فلم يوجد

11

قال: و سرح الحرشي سليمان بن ابى السرى مولى بنى عوافه الى قلعه لا يطيف بها وادي السغد الا من وجه واحد و معه شوكر بن حميك و خوارزم شاه و عورم صاحب اخرون و شومان، فوجه سليمان بن ابى السرى على مقدمته المسيب بن بشر الرياحي، فتلقوه من القلعة على فرسخ في قريه يقال لها كوم، فهزمهم المسيب حتى ردهم الى القلعة فحصرهم سليمان، و دهقانها يقال له ديواشنى.

قال فكتب اليه الحرشي فعرض عليه ان يمده، فأرسل اليه: ملتقانا ضيق فسر الى كس، فانا في كفاية الله ان شاء الله فطلب الديواشنى ان يزل على حكم الحرشي، و ان يوجهه مع المسيب بن بشر الى الحرشي، فوفى له سليمان و وجهه الى سعيد الحرشي، فالطفه و اكرمه مكيده، فطلب اهل القلعة الصلح بعد مسيره على الا يعرض لمائه اهل بيت منهم و نسائهم و ابنائهم و يسلمون القلعة فكتب سليمان الى الحرشي ان يبعث الأمناء في قبض ما في القلعة.

قال: فبعث محمد بن عزيز الكندى و علباء بن احمر اليشكري، فباعوا ما في القلعة مزايده، فاخذ الخمس، و قسم الباقى بينهم و خرج الحرشي الى كس فصالحوه على عشره آلاف راس و يقال: صالح دهقان كس، و اسمه ويك- على سته آلاف راس، يوفيه في اربعين يوما على الا يأتيه فلما فرغ من كس خرج الى ربنجن، فقتل الديواشنى، و صلبه على ناوس، و كتب على اهل ربنجن كتابا بمائه ان فقد من موضعه، و ولى نصر بن سيار قبض صلح كس، ثم عزل سوره بن الحر و ولى نصر بن سيار، و استعمل سليمان بن ابى السرى على كس، و نسف حربها و خراجها، و بعث برأس الديواشنى الى العراق، و يده اليسرى الى سليمان بن ابى السرى الى طخارستان.

قال: و كانت خزار منيعه، فقال المجشر بن مزاحم لسعيد بن عمرو الحرشي: الا ادلك على من يفتحها لك بغير قتال؟ قال: بلى، قال:

المسربل بن الخريت بن راشد الناجى، فوجهه إليها- و كان المسربل صديقا لملكها، و اسم الملك سبقرى و كانوا يحبون المسربل- فاخبر الملك ما صنع‏

12

الحرشي باهل خجنده و خوفه، قال: فما ترى؟ قال: ارى ان تنزل بأمان، قال: فما اصنع بمن لحق بي من عوام الناس؟ قال: نصيرهم معك في امانك، فصالحهم فآمنوه و بلاده.

قال: و رجع الحرشي الى مرو و معه سبقرى، فلما نزل اسنان و قدم مهاجر بن يزيد الحرشي، و امره ان يوافيه ببرذون بن كشانيشاه قتل سبقرى و صلبه و معه امانه- و يقال: كان هذا دهقان ابن ماجر قدم على ابن هبيرة فاخذ أمانا لأهل السغد، فحبسه الحرشي في قهندز مرو، فلما قدم مرو دعا به، و قتله و صلبه في الميدان، فقال الراجز:

إذا سعيد سار في الاخماس* * * في رهج يأخذ بالانفاس‏

دارت على الترك امر الكاس* * * و طارت الترك على الأحلاس‏

ولوا فرارا عطل القياس

و في هذه السنه عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري عن المدينة و مكة، و ذلك للنصف من شهر ربيع الاول، و كان عامله على المدينة ثلاث سنين.

و فيها ولى يزيد بن عبد الملك المدينة عبد الواحد النضري.

ذكر الخبر عن سبب عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن ابن الضحاك عن المدينة و ما كان ولاه من الاعمال‏

و كان سبب ذلك- فيما ذكر محمد بن عمر، عن عبد الله بن محمد بن ابى يحيى- قال: خطب عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري فاطمه ابنه الحسين‏

3

، فقالت: و الله ما اريد النكاح، و لقد قعدت على بنى هؤلاء،

13

و جعلت تحاجزه و تكره ان تنابذه لما تخاف منه قال: و الح عليها و قال:

و الله لئن لم تفعلي لاجلدن اكبر بنيك في الخمر- يعنى عبد الله بن الحسن- فبينا هو كذلك، و كان على ديوان المدينة ابن هرمز رجل من اهل الشام، فكتب اليه يزيد ان يرفع حسابه، و يدفع الديوان، فدخل على فاطمه بنت الحسين يودعها، فقال: هل من حاجه؟ فقالت: تخبر امير المؤمنين بما القى من ابن الضحاك، و ما يتعرض منى قال: و بعثت رسولا بكتاب الى يزيد تخبره و تذكر قرابتها و رحمها، و تذكر ما ينال ابن الضحاك منها، و ما يتوعدها به قال: فقدم ابن هرمز و الرسول معا قال: فدخل ابن هرمز على يزيد، فاستخبره عن المدينة، و قال: هل كان من مغربه خبر؟ فلم يذكر ابن هرمز من شان ابنه الحسين، فقال الحاجب: اصلح الله الأمير! بالباب رسول فاطمه بنت الحسين فقال ابن هرمز: اصلح الله الأمير! ان فاطمه بنت الحسين يوم خرجت حملتني رساله إليك، فاخبره الخبر.

قال: فنزل من اعلى فراشه، و قال: لا أم لك! ا لم اسالك هل من مغربه خبر، و هذا عندك لا تخبرنيه! قال: و جعل يضرب بخيزران في يديه و هو يقول: لقد اجترأ ابن الضحاك! هل من رجل يسمعني صوته في العذاب و انا على فراشي؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النضري.

قال: فدعا بقرطاس، فكتب بيده:

الى عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النضري و هو بالطائف: سلام عليك، اما بعد فانى قد وليتك المدينة، فإذا جاءك كتابي هذا فاهبط و اعزل عنها ابن الضحاك، و اغرمه اربعين الف دينار، و عذبه حتى اسمع صوته و انا على فراشي.

قال: و أخذ البريد الكتاب، و قدم به المدينة، و لم يدخل على ابن الضحاك‏

14

و قد اوجست نفس ابن الضحاك، فأرسل الى البريد، فكشف له عن طرف المفرش، فإذا الف دينار، فقال: هذه الف دينار لك و لك العهد و الميثاق، لئن أنت أخبرتني خبر وجهك هذا دفعتها إليك، فاخبره، فاستنظر البريد ثلاثا حتى يسير، ففعل ثم خرج ابن الضحاك، فاغذ السير حتى نزل على مسلمه بن عبد الملك، فقال: انا في جوارك، فغدا مسلمه على يزيد فرققه و ذكر حاجه جاء لها، فقال: كل حاجه تكلمت فيها هي في يدك ما لم يكن ابن الضحاك، فقال: هو و الله ابن الضحاك! فقال: و الله لا اعفيه ابدا و قد فعل ما فعل، قال: فرده الى المدينة الى النضري.

قال عبد الله بن محمد: فرايته في المدينة عليه جبه من صوف يسال الناس، و قد عذب و لقى شرا، و قدم النضري يوم السبت للنصف من شوال سنه اربع و مائه.

قال محمد بن عمر: حدثنى ابراهيم بن عبد الله بن ابى فروه، عن الزهري، قال: قلت لعبد الرحمن بن الضحاك: انك تقدم على قومك و هم ينكرون كل شي‏ء خالف فعلهم، فالزم ما اجمعوا عليه، و شاور القاسم ابن محمد و سالم بن عبد الله، فإنهما لا يألوانك رشدا قال الزهري: فلم يأخذ بشي‏ء من ذلك، و عادى الانصار طرا، و ضرب أبا بكر بن حزم ظلما و عدوانا في باطل، فما بقي منهم شاعر الا هجاه، و لا صالح الا عابه و أتاه بالقبيح، فلما ولى هشام رايته ذليلا.

و ولى المدينة عبد الواحد بن عبد الله بن بشر فأقام بالمدينة لم يقدم عليهم وال أحب عليهم منه، و كان يذهب مذاهب الخير، لا يقطع امرا الا استشار فيه القاسم و سالما.

و في هذه السنه غزا الجراح بن عبد الله الحكمي- و هو امير على أرمينية و اذربيجان- ارض الترك ففتح على يديه بلنجر، و هزم الترك و غرقهم و عامه‏

15

ذراريهم في الماء، و سبوا ما شاءوا، و فتح الحصون التي تلى بلنجر و جلا عامه أهلها.

و فيها ولد- فيما ذكر- ابو العباس عبد الله بن محمد بن على في شهر ربيع الآخر.

و فيها دخل ابو محمد الصادق و عده من اصحابه من خراسان الى محمد ابن على، و قد ولد ابو العباس قبل ذلك بخمس عشره ليله، فاخرجه اليهم في خرقه، و قال لهم: و الله ليتمن هذا الأمر حتى تدركوا ثاركم من عدوكم.

و في هذه السنه عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي عن خراسان، و ولاها مسلم بن سعيد بن اسلم بن زرعه الكلابى.

ذكر الخبر عن سبب عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي عن خراسان‏

ذكر ان سبب ذلك كان من موجده وجدها عمر على الحرشي في امر الديواشنى، و ذلك انه كان كتب اليه يأمره بتخليته و قتله، و كان يستخف بأمر ابن هبيرة، و كان البريد و الرسول إذا ورد من العراق قال له: كيف ابو المثنى؟ و يقول لكاتبه: اكتب الى ابى المثنى و لا يقول: الأمير، و يكثر ان يقول: قال ابو المثنى و فعل ابو المثنى، فبلغ ذلك ابن هبيرة فدعا جميل بن عمران، فقال له: بلغنى أشياء عن الحرشي، فاخرج الى خراسان، و اظهر انك قدمت تنظر في الدواوين، و اعلم لي علمه.

فقدم جميل، فقال له الحرشي: كيف تركت أبا المثنى؟ فجعل ينظر في الدواوين فقيل للحرشى: ما قدم جميل لينظر في الدواوين، و ما قدم الا ليعلم علمك، فسم بطيخه، و بعث بها الى جميل، فأكلها فمرض،

16

و تساقط شعره، و رجع الى ابن هبيرة، فعولج و استبل و صح، فقال لابن هبيرة: الأمر اعظم مما بلغك، ما يرى سعيد الا انك عامل من عماله فغضب عليه و عزله و عذبه، و نفح في بطنه النمل، و كان يقول حين عزله: لو سألني عمر درهما يضعه في عينه ما اعطيته، فلما عذب ادى، فقال له رجل:

ا لم تزعم انك لا تعطيه درهما! قال: لا تعنفنى، انه لما أصابني الحديد جزعت، فقال أذينة بن كليب- او كليب بن أذينة:

تصبر أبا يحيى فقد كنت- علمنا* * * - صبورا و نهاضا بثقل المغارم‏

و قال على بن محمد: انما غضب عليه ابن هبيرة انه وجه معقل بن عروه الى هراة، اما عاملا و اما في غير ذلك من أموره، فنزل قبل ان يمر على الحرشي، و اتى هراة، فلم ينفذ له ما قدم فيه، و كتب الى الحرشي، فكتب الحرشي الى عامله: ان احمل الى معقلا، فحمله، فقال له الحرشي: ما منعك من إتيانى قبل ان تأتي هراة؟ قال: انا عامل لابن هبيرة و لانى كما ولاك، فضربه مائتين و حلقه فعزله ابن هبيرة، و استعمل على خراسان مسلم بن سعيد بن اسلم بن زرعه، فكتب الى الحرشي يلخنه، فقال سعيد: بل هو ابن اللخناء و كتب الى مسلم ان احمل الى الحرشي مع معقل بن عروه، فدفعه اليه فأساء به و ضيق عليه، ثم امره يوما فعذبه، و قال: اقتله بالعذاب.

فلما امسى ابن هبيرة سمر فقال: من سيد قيس؟ قالوا: الأمير، قال:

دعوا هذا، سيد قيس الكوثر بن زفر، لو بوق بليل لوافاه عشرون ألفا، لا يقولون: لم دعوتنا و لا يسالونه، و هذا الحمار الذى في الحبس- قد امرت بقتله- فارسها، و اما خير قيس لها فعسى ان اكونه، انه لم يعرض الى امر ارى انى اقدر فيه على منفعه و خير الا جررته اليهم، فقال له اعرابى من بنى فزاره: ما أنت كما تقول، لو كنت كذلك ما امرت بقتل فارسها فأرسل الى معقل ان كف عما كنت امرتك به‏

17

قال على: قال مسلم بن المغيره: لما هرب ابن هبيرة ارسل خالد في طلبه سعيد بن عمرو الحرشي، فلحقه بموضع من الفرات يقطعه الى الجانب الآخر في سفينه، و في صدر السفينة غلام لابن هبيرة يقال له قبيض، فعرفه الحرشي فقال له: قبيض؟ قال: نعم، قال: ا في السفينة ابو المثنى؟ قال: نعم.

قال: فخرج اليه ابن هبيرة، فقال له الحرشي: أبا المثنى، ما ظنك بي؟

قال: ظني بك انك لا تدفع رجلا من قومك الى رجل من قريش، قال: هو ذاك، قال: فالنجاء.

قال على: قال ابو إسحاق بن ربيعه: لما حبس ابن هبيرة الحرشي دخل عليه معقل بن عروه القشيرى، فقال: اصلح الله الأمير! قيدت فارس قيس و فضحته، و ما انا براض عنه، غير انى لم أحب ان تبلغ منه ما بلغت، قال: أنت بيني و بينه، قدمت العراق فوليته البصره، ثم وليته خراسان، فبعث الى ببرذون حطم و استخف بأمري، و خان فعزلته، و قلت له: يا بن نسعه، فقال لي: يا بن بسره فقال معقل: و فعل ابن الفاعله! و دخل على الحرشي السجن، فقال: يا بن نسعه، أمك دخلت و اشتريت بثمانين عنزا جربا، كانت مع الرعاء ترادفها الرجال مطيه الصادر و الوارد، تجعلها ندا لبنت الحارث بن عمرو بن حرجه! و افترى عليه، فلما عزل ابن هبيرة، و قدم خالد العراق استعدى الحرشي على معقل ابن عروه، و اقام البينه انه قذفه، فقال للحرشى: اجلده، فحده، و قال:

لو لا ان ابن هبيرة وهن في عضدي لنقبت عن قلبك، فقال رجل من بنى كلاب لمعقل: اسات الى ابن عمك و قذفته، فاداله الله منك، فصرت لا شهاده لك في المسلمين، و كان معقل حين ضرب الحد قذف الحرشي أيضا، فامر خالد باعاده الحد، فقال القاضى: لا يحد قال: و أم عمر ابن هبيرة بسره بنت حسان، عدويه من عدى الرباب‏

18

ولايه مسلم بن سعيد على خراسان‏

و في هذه السنه ولى عمر بن هبيرة مسلم بن سعيد بن اسلم بن زرعه بن عمرو بن خويلد الصعق خراسان بعد ما عزل سعيد بن عمرو الحرشي عنها ذكر الخبر عن سبب توليته إياها:

ذكر على بن محمد ان أبا الذيال و على بن مجاهد و غيرهما حدثوه، قالوا: لما قتل سعيد بن اسلم ضم الحجاج ابنه مسلم بن سعيد مع ولده، فتأدب و نبل، فلما قدم عدى بن ارطاه اراد ان يوليه، فشاور كاتبه، فقال: و له ولايه خفيفه ثم ترفعه، فولاه ولايه، فقام بها و ضبطها و احسن، فلما وقعت فتنه يزيد بن المهلب حمل تلك الأموال الى الشام، فلما قدم عمر بن هبيرة اجمع على ان يوليه ولايه، فدعاه و لم يكن شاب بعد، فنظر فراى شيبه في لحيته، فكبر.

قال: ثم سمر ليله و مسلم في سمره، فتخلف مسلم بعد السمار، و في يد ابن هبيرة سفرجله، فرمى بها، و قال: ا يسرك ان اوليك خراسان؟

قال: نعم، قال: غدوه ان شاء الله قال: فلما اصبح جلس، و دخل الناس، فعقد لمسلم على خراسان و كتب عهده، و امره بالسير، و كتب الى عمال الخراج ان يكاتبوا مسلم بن سعيد، و دعا بجبله بن عبد الرحمن مولى باهله فولاه كرمان، فقال جبله: ما صنعت بي المولويه! كان مسلم يطمع ان الى ولايه عظيمه فاوليه كوره، فعقد له على خراسان و عقد لي على كرمان! قال: فسار مسلم فقدم خراسان في آخر سنه اربع و مائه- او ثلاث و مائه- نصف النهار، فوافق باب دار الإمارة مغلقا، فاتى دار الدواب فوجد الباب مغلقا فدخل المسجد، فوجد باب المقصورة مغلقا، فصلى و خرج وصيف من باب المقصورة فقيل له: الأمير، فمشى بين يديه حتى ادخله مجلس الوالي في دار الإمارة، و اعلم الحرشي، و قيل له: قدم مسلم بن سعيد ابن اسلم، فأرسل اليه: اقدمت أميرا او وزيرا او زائرا؟ فأرسل اليه: مثلي لا يقدم خراسان زائرا و لا وزيرا، فأتاه الحرشي فشتمه و امر بحبسه، فقيل له: ان اخرجته نهارا قتل، فامر بحبسه عنده حتى امسى، ثم حبسه ليلا

19

و قيده، ثم امر صاحب السجن ان يزيده قيدا فأتاه حزينا، فقال:

مالك؟ فقال: امرت ان ازيدك قيدا، فقال لكاتبه: اكتب اليه: ان صاحب سجنك ذكر انك امرته ان يزيدني قيدا، فان كان امرا ممن فوقك فسمعا و طاعه، و ان كان رايا رايته فسيرك الحقحقه، و تمثل:

هم ان يثقفونى يقتلوني* * * و من اثقف فليس الى خلود

و يروى:

فاما تثقفونى فاقتلوني* * * فمن اثقف فليس الى خلود

هم الأعداء ان شهدوا و غابوا* * * أولو الأحقاد و الأكباد سود

اريغونى اراغتكم فانى* * * و حذفه كالشجا تحت الوريد

و يروى: اريدونى ارادتكم.

. قال: و بعث مسلم على كوره رجلا من قبله على حربها قال: و كان ابن هبيرة حريصا، أخذ قهرمانا ليزيد بن المهلب، له علم بخراسان و باشرافهم، فحبسه فلم يدع منهم شريفا الا قرفه، فبعث أبا عبيده العنبري و رجلا يقال له خالد، و كتب الى الحرشي و امره ان يدفع الذين سماهم اليه يستاديهم فلم يفعل، فرد رسول ابن هبيرة، فلما استعمل ابن هبيرة مسلم بن سعيد امره بجباية تلك الأموال، فلما قدم مسلم اراد أخذ الناس بتلك الأموال التي فرفت عليهم، فقيل له: ان فعلت هذا بهؤلاء لم يكن لك بخراسان قرار، و ان لم تعمل في هذا حتى توضع عنهم فسدت عليك و عليهم خراسان، لان هؤلاء الذين تريد ان تأخذهم بهذه الأموال اعيان البلد قرفوا بالباطل، انما كان على مهزم بن جابر ثلاثمائة الف فزادوا مائه الف فصارت أربعمائة الف، و عامه من سموا لك ممن كثر عليه بمنزله‏

20

فكتب مسلم بذلك الى ابن هبيرة، و اوفد وفدا فيهم مهزم بن جابر، فقال له مهزم بن جابر: ايها الأمير، ان الذى رفع إليك الظلم و الباطل، ما علينا من هذا كله لو صدق الا القليل الذى لو أخذنا به أديناه، فقال ابن هبيرة: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها»، فقال: اقرا ما بعدها:

«وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ‏» فقال ابن هبيرة:

لا بد من هذا المال، قال: اما و الله لئن أخذته لتاخذنه من قوم شديده شوكتهم و نكايتهم في عدوك، و ليضرن ذلك باهل خراسان في عدتهم و كراعهم و حلقتهم، و نحن في ثغر نكابد فيه عدوا لا ينقضي حربهم، ان أحدنا ليلبس الحديد حتى يخلص صدؤه الى جلده، حتى ان الخادم التي تخدم الرجل لتصرف وجهها عن مولاها و عن الرجل الذى تخدمه لريح الحديد، و أنتم في بلادكم متفضلون في الرقاق و في المعصفرة، و الذين قرفوا بهذا المال وجوه اهل خراسان و اهل الولايات و الكلف العظام في المغازى.

و قبلنا قوم قدموا علينا من كل فج عميق، فجاءوا على الحمرات، فولوا الولايات، فاقتطعوا الأموال، فهى عندهم موقره جمه.

فكتب ابن هبيرة الى مسلم بن سعيد بما قال الوفد، و كتب اليه ان استخرج هذه الأموال ممن ذكر الوفد انها عندهم فلما اتى مسلما كتاب ابن هبيرة أخذ اهل العهد بتلك الأموال، و امر حاجب بن عمرو الحارثى ان يعذبهم، ففعل و أخذ منهم ما فرق عليهم.

و حج بالناس في هذه السنه عبد الواحد بن عبد الله النضري، كذلك حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر و كذلك قال الوافدى.

و كان العامل على مكة و المدينة و الطائف في هذه السنه عبد الواحد بن عبد الله النضري، و على العراق و المشرق عمر بن هبيرة، و على قضاء الكوفه حسين بن الحسن الكندى، و على قضاء البصره عبد الملك بن يعلى.

21

ثم دخلت‏

سنه خمس و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمما كان فيها من ذلك غزوه الجراح بن عبد الله الحكمي اللان، حتى جاز ذلك الى مدائن و حصون من وراء بلنجر، ففتح بعض ذلك، و جلى عنه بعض اهله، و أصاب غنائم كثيره.

و فيها كانت غزوه سعيد بن عبد الملك ارض الروم، فبعث سريه في نحو من الف مقاتل، فأصيبوا- فيما ذكر- جميعا.

و فيها غزا مسلم بن سعيد الترك، فلم يفتح شيئا، فقفل ثم غزا افشينه مدينه من مدائن السغد بعد في هذه السنه، فصالح ملكها و أهلها.

ذكر الخبر عن ذلك:

ذكر على بن محمد عن اصحابه، ان مسلم بن سعيد مرزب بهرام سيس فجعله المرزبان و ان مسلما غزا في آخر الصيف من سنه خمس و مائه، فلم يفتح شيئا و قفل، فاتبعه الترك فلحقوه، و الناس يعبرون نهر بلخ و تميم على الساقه، و عبيد الله بن زهير بن حيان على خيل تميم، فحاموا عن الناس حتى عبروا و مات يزيد بن عبد الملك، و قام هشام، و غزا مسلم افشين فصالح ملكها على سته آلاف راس، و دفع اليه القلعة، فانصرف لتمام سنه خمس و مائه.

ذكر موت يزيد بن عبد الملك‏

و في هذه السنه مات الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان، لخمس ليال بقين من شعبان منها، حدثنى بذلك احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق ابن عيسى، عن ابى معشر، و كذلك قال الواقدى‏

22

و قال الواقدى: كانت وفاته ببلقاء من ارض دمشق، و هو يوم مات ابن ثمان و ثلاثين سنه.

و قال بعضهم: كان ابن اربعين سنه.

و قال بعضهم: ابن ست و ثلاثين سنه، فكانت خلافته في قول ابى معشر و هشام بن محمد و على بن محمد اربع سنين و شهرا، و في قول الواقدى اربع سنين.

و كان يزيد بن عبد الملك يكنى أبا خالد، كذلك قال ابو معشر و هشام ابن محمد و الواقدى و غيرهم.

و قال على بن محمد: توفى يزيد بن عبد الملك و هو ابن خمس و ثلاثين سنه او اربع و ثلاثين سنه في شعبان يوم الجمعه لخمس بقين منه سنه خمس و مائه.

و قال: و مات باربد من ارض البلقاء، و صلى عليه ابنه الوليد و هو ابن خمس عشره سنه، و هشام بن عبد الملك يومئذ بحمص، حدثنى بذلك عمر ابن شبه، عن على.

و قال هشام بن محمد: توفى يزيد بن عبد الملك، و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنه.

قال على: قال ابو ماويه او غيره من اليهود ليزيد بن عبد الملك: انك تملك اربعين سنه، فقال رجل من اليهود: كذب لعنه الله، انما راى انه يملك اربعين قصبه، و القصبة شهر، فجعل الشهر سنه.

ذكر بعض سيره و أموره‏

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا على، قال: كان يزيد بن عاتكه من فتيانهم، فقال يوما و قد طرب، و عنده حبابه و سلامه: دعوني اطير، فقالت حبابه: الى من تدع الامه! فلما مات قالت سلامه القس:

23

لا تلمنا ان خشعنا* * * او هممنا بالخشوع‏

قد لعمري بت ليلى* * * كاخى الداء الوجيع‏

ثم بات الهم منى* * * دون من لي من ضجيع‏

للذي حل بنا اليوم* * * من الأمر الفظيع‏

كلما ابصرت ربعا* * * خاليا فاضت دموعي‏

قد خلا من سيد كان* * * لنا غير مضيع‏

ثم نادت: وا امير المؤمنيناه! و الشعر لبعض الانصار.

قال على: حج يزيد بن عبد الملك في خلافه سليمان بن عبد الملك فاشترى حبابه- و كان اسمها العاليه- باربعه آلاف دينار من عثمان بن سهل ابن حنيف، فقال سليمان: هممت ان احجر على يزيد، فرد يزيد حبابه فاشتراها رجل من اهل مصر، فقالت سعده ليزيد: يا امير المؤمنين، هل بقي من الدنيا شي‏ء تتمناه بعد؟ قال: نعم حبابه، فأرسلت سعده رجلا فاشتراها باربعه آلاف دينار، و صنعتها حتى ذهب عنها كلال السفر، فاتت بها يزيد، فاجلستها من وراء الستر، فقالت: يا امير المؤمنين، ابقى شي‏ء من الدنيا تتمناه؟ قال: ا لم تسأليني عن هذا مره فاعلمتك! فرفعت الستر و قالت: هذه حبابه، و قامت و خلتها عنده، فحظيت سعده عند يزيد و أكرمها و حباها و سعده امراه يزيد، و هي من آل عثمان ابن عفان.

قال على عن يونس بن حبيب: ان حبابه جاريه يزيد بن عبد الملك غنت يوما:

بين التراقى و اللهاة حراره* * * ما تطمئن و ما تسوغ فتبرد

24

فاهوى ليطير فقالت: يا امير المؤمنين، ان لنا فيك حاجه، فمرضت و ثقلت، فقال: كيف أنت يا حبابه؟ فلم تجبه، فبكى و قال:

لئن تسل عنك النفس او تذهل الهوى* * * فبالياس يسلو القلب لا بالتجلد

و سمع جاريه لها تتمثل:

كفى حزنا بالهائم الصب ان يرى* * * منازل من يهوى معطلة قفرا

فكان يتمثل بهذا.

قال عمر: قال على: مكث يزيد بن عبد الملك بعد موت حبابه سبعه ايام لا يخرج الى الناس، اشار عليه بذلك مسلمه، و خاف ان يظهر منه شي‏ء يسفهه عند الناس.

25

خلافه هشام بن عبد الملك‏

و في هذه السنه استخلف هشام بن عبد الملك لليال بقين من شعبان منها، و هو يوم استخلف ابن اربع و ثلاثين سنه و اشهر.

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنى على، قال: حدثنا ابو محمد القرشي و ابو محمد الزيادى و المنهال بن عبد الملك و سحيم بن حفص العجيفى، قالوا: ولد هشام بن عبد الملك عام قتل مصعب بن الزبير سنه اثنتين و سبعين.

و أمه عائشة بنت هشام بن اسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيره بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، و كانت حمقاء، امرها أهلها الا تكلم عبد الملك حتى تلد، و كانت تثنى الوسائد و تركب الوساده و تزجرها كأنها دابه، و تشترى الكندر فتمضغه و تعمل منه تماثيل، و تصنع التماثيل على الوسائد، و قد سمت كل تمثال باسم جاريه، و تنادى: يا فلانة و يا فلانة، فطلقها عبد الملك لحمقها و سار عبد الملك الى مصعب فقتله، فلما قتله بلغه مولد هشام، فسماه منصورا، يتفاءل بذلك، و سمته أمه باسم أبيها هشام، فلم ينكر ذلك عبد الملك، و كان هشام يكنى أبا الوليد.

و ذكر محمد بن عمر عمن حدثه ان الخلافه أتت هشاما و هو بالزيتونه في منزله في دويرة له هناك.

قال محمد بن عمر: و قد رايتها صغيره، فجاءه البريد بالعصا و الخاتم، و سلم عليه بالخلافة، فركب هشام من الرصافه حتى اتى دمشق.

و في هذه السنه قدم بكير بن ماهان من السغد- و كان بها مع الجنيد بن عبد الرحمن ترجمانا له- فلما عزل الجنيد بن عبد الرحمن، قدم الكوفه و معه اربع لبنات من فضه و لبنه من ذهب، فلقى أبا عكرمه الصادق و ميسره و محمد بن خنيس و سالما الاعين و أبا يحيى مولى بنى سلمه، فذكروا له امر

26

دعوه بنى هاشم، فقبل ذلك و رضيه، و انفق ما معه عليهم، و دخل الى محمد ابن على و مات ميسره فوجه محمد بن على بكير بن ماهان الى العراق مكان ميسره، فأقامه مقامه.

و حج بالناس في هذه السنه ابراهيم بن هشام بن اسماعيل، و النضري على المدينة.

قال الواقدى: حدثنى ابراهيم بن محمد بن شرحبيل، عن ابيه، قال:

كان ابراهيم بن هشام بن اسماعيل حج، فأرسل الى عطاء بن ابى رباح:

متى اخطب بمكة؟ قال: بعد الظهر، قبل الترويه بيوم، فخطب قبل الظهر، و قال: أمرني رسولي بهذا عن عطاء، فقال عطاء: ما امرته الا بعد الظهر، قال: فاستحيا ابراهيم بن هشام يومئذ، و عدوه منه جهلا

. ذكر ولايه خالد القسرى على العراق‏

و في هذه السنه عزل هشام بن عبد الملك عمر بن هبيرة عن العراق و ما كان اليه من عمل المشرق، و ولى ذلك كله خالد بن عبد الله القسرى في شوال.

ذكر محمد بن سلام الجمحى، عن عبد القاهر بن السرى، عن عمر بن يزيد بن عمير الأسيدي قال: دخلت على هشام بن عبد الملك، و عنده خالد بن عبد الله القسرى، و هو يذكر طاعه اهل اليمن، قال: فصفقت تصفيقه بيدي دق الهواء منها، فقلت: تالله ما رايت هكذا خطا و لا مثله خطلا! و الله ما فتحت فتنه في الاسلام الا باهل اليمن، هم قتلوا امير المؤمنين عثمان، و هم خلعوا امير المؤمنين عبد الملك، و ان سيوفنا لتقطر من دماء آل المهلب قال: فلما قمت تبعني رجل من آل مروان كان حاضرا، فقال: يا أخا بنى تميم، ورت بك زنادي، قد سمعت مقالتك، و امير المؤمنين مول خالدا العراق، و ليست لك بدار

27

ذكر عبد الرزاق ان حماد بن سعيد الصنعانى اخبره قال: أخبرني زياد ابن عبيد الله، قال: اتيت الشام، فاقترضت، فبينا انا يوما على الباب باب هشام، إذ خرج على رجل من عند هشام، فقال لي: ممن أنت يا فتى؟

قلت: يمان، قال: فمن أنت؟ قلت: زياد بن عبيد الله بن عبد المدان، قال: فتبسم، و قال: قم الى ناحيه العسكر فقل لأصحابي: ارتحلوا فان امير المؤمنين قد رضى عنى، و أمرني بالمسير، و وكل بي من يخرجني قال: قلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: خالد بن عبد الله القسرى، قال:

و مرهم يا فتى ان يعطوك منديل ثيابي و برذوني الأصفر فلما جزت قليلا ناداني، فقال: يا فتى، و ان سمعت بي قد وليت العراق يوما فالحق بي، قال: فذهبت اليهم، فقلت: ان الأمير قد أرسلني إليكم بان امير المؤمنين قد رضى عنه، و امره بالمسير فجعل هذا يحتضننى و هذا يقبل راسى، فلما رايت ذلك منهم، قلت: و قد أمرني ان تعطونى منديل ثيابه و برذونه الأصفر، قالوا: اى و الله و كرامة، قال: فأعطوني منديل ثيابه و برذونه الأصفر، فما امسى بالعسكر احد اجود ثيابا منى، و لا اجود مركبا منى، فلم البث الا يسيرا حتى قيل: قد ولى خالد العراق، فركبنى من ذلك هم، فقال لي عريف لنا: ما لي أراك مهموما! قلت: اجل قد ولى خالد كذا و كذا، و قد اصبت هاهنا رزيقا عشت به، و أخشى ان اذهب اليه فيتغير على فيفوتني هاهنا و هاهنا، فلست ادرى كيف اصنع! فقال لي:

هل لك في خصله؟ قلت: و ما هي؟ قال: توكلنى بارزاقك و تخرج، فان اصبت ما تحب فلي ارزاقك، و الا رجعت فدفعتها إليك، فقلت نعم.

و خرجت، فلما قدمت الكوفه لبست من صالح ثيابي و اذن للناس، فتركتهم حتى أخذوا مجالسهم، ثم دخلت فقمت بالباب، فسلمت و دعوت و اثنيت، فرفع راسه، فقال: احسنت بالرحب و السعه، فما رجعت الى منزلي حتى اصبت ستمائه دينار بين نقد و عرض.

ثم كنت اختلف اليه، فقال لي يوما: هل تكتب يا زياد؟ فقلت:

28

اقرا و لا اكتب، اصلح الله الأمير! فضرب بيده على جبينه، و قال: انا لله و انا اليه راجعون! سقط منك تسعه اعشار ما كنت أريده منك، و بقي لك واحده فيها غنى الدهر قال: قلت: ايها الأمير، هل في تلك الواحدة ثمن غلام؟ قال: و ما ذا حينئذ! قلت: تشترى غلاما كاتبا تبعث به الى فيعلمني، قال: هيهات! كبرت عن ذلك، قال: قلت: كلا، فاشترى غلاما كاتبا حاسبا بستين دينارا، فبعث به الى، فاكببت على الكتاب، و جعلت لا آتيه الا ليلا، فما مضت الا خمس عشره ليله حتى كتبت ما شئت و قرات ما شئت قال: فانى عنده ليله، إذ قال: ما ادرى هل انجحت من ذلك الأمر شيئا؟ قلت: نعم، اكتب ما شئت، و اقرا ما شئت، قال:

انى أراك ظفرت منه بشي‏ء يسير فأعجبك، قلت: كلا، فرفع شاذ كونه، فإذا طومار، فقال: اقرا هذا الطومار، فقرات ما بين طرفيه، فإذا هو من عامله على الري، فقال: اخرج فقد وليتك عمله، فخرجت حتى قدمت الري، فأخذت عامل الخراج، فأرسل الى: ان هذا اعرابى مجنون، فان الأمير لم يول على الخراج عربيا قط، و انما هو عامل المعونة، فقل له:

فليقرنى على عملي و له ثلاثمائة الف، قال: فنظرت في عهدي، فإذا انا على المعونة، فقلت: و الله لا انكسرت، ثم كتبت الى خالد: انك بعثتني على الري، فظننت انك جمعتها لي فأرسل الى صاحب الخراج ان اقره على عمله و يعطيني ثلاثمائة الف درهم فكتب الى ان اقبل ما أعطاك، و اعلم انك مغبون فاقمت بها ما اقمت، ثم كتبت: انى قد اشتقت إليك فارفعني إليك، ففعل، فلما قدمت عليه ولانى الشرطه.

و كان العامل في هذه السنه على المدينة و مكة و الطائف عبد الواحد بن عبد الله النضري و على قضاء الكوفه حسين بن حسن الكندى، و على قضاء البصره موسى بن انس و قد قيل ان هشاما انما استعمل خالد بن عبد الله القسرى على العراق و خراسان في سنه ست و مائه، و ان عامله على العراق و خراسان في سنه خمس و مائه كان عمر بن هبيرة.

29

ثم دخلت‏

سنه ست و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) ففي هذه السنه عزل هشام بن عبد الملك عن المدينة عبد الواحد بن عبد الله النضري و عن مكة و الطائف، و ولى ذلك كله خاله ابراهيم بن هشام بن اسماعيل المخزومي، فقدم المدينة يوم الجمعه لسبع عشره مضت من جمادى الآخرة سنه ست و مائه، فكانت ولايه النضري على المدينة سنه و ثمانية اشهر.

و فيها غزا سعيد بن عبد الملك الصائفه و فيها غزا الحجاج بن عبد الملك اللان، فصالح أهلها، و أدوا الجزية و فيها ولد عبد الصمد بن على في رجب.

و فيها مات الامام طاوس مولى بحير بن ريسان الحميرى بمكة و سالم ابن عبد الله بن عمر، فصلى عليهما هشام و كان موت طاوس بمكة و موت سالم بالمدينة.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى عبد الحكيم بن عبد الله بن ابى فروه، قال: مات سالم بن عبد الله سنه خمس و مائه في عقب ذي الحجه، فصلى عليه هشام بن عبد الملك بالبقيع، فرايت القاسم بن محمد بن ابى بكر جالسا عند القبر و قد اقبل هشام ما عليه الا دراعه، فوقف على القاسم فسلم عليه، فقام اليه القاسم فسأله هشام: كيف أنت يا أبا محمد؟ كيف حالك؟ قال: بخير، قال: انى أحب و الله ان يجعلكم بخير و راى في الناس كثره، فضرب عليهم بعث اربعه آلاف، فسمى عام الأربعة آلاف و فيها استقضى ابراهيم بن هشام محمد بن صفوان الجمحى ثم عزله، و استقضى الصلت الكندى‏

30

ذكر الخبر عن الحرب بين اليمانيه و المضرية و ربيعه‏

و في هذه السنه كانت الوقعه التي كانت بين المضرية و اليمانيه و ربيعه بالبروقان من ارض بلخ.

(ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعه:) و كان سبب ذلك- فيما قيل- ان مسلم بن سعيد غزا، فقطع النهر، و تباطا الناس عنه، و كان ممن تباطا عنه البختري بن درهم، فلما اتى النهر رد نصر بن سيار و سليم بن سليمان بن عبد الله بن خازم و بلعاء بن مجاهد بن بلعاء العنبري و أبا حفص بن وائل الحنظلى و عقبه بن شهاب المازنى و سالم بن ذؤابه الى بلخ، و عليهم جميعا نصر بن سيار، و امرهم ان يخرجوا الناس اليه فاحرق نصر باب البختري و زياد بن طريف الباهلى، فمنعهم عمرو بن مسلم من دخول بلخ- و كان عليها- و قطع مسلم بن سعيد النهر فنزل نصر البروقان، فأتاه اهل صغانيان، و أتاه مسلمه العقفانى من بنى تميم، و حسان بن خالد الأسدي، كل واحد منهما في خمسمائة، و أتاه سنان الأعرابي و زرعه بن علقمه و سلمه بن أوس و الحجاج بن هارون النميرى في اهل بيته، و تجمعت بكر و الأزد بالبروقان، راسهم البختري، و عسكر بالبروقان على نصف فرسخ منهم، فأرسل نصر الى اهل بلخ: قد أخذتم اعطياتكم فألحقوا باميركم، فقد قطع النهر فخرجت مضر الى نصر، و خرجت ربيعه و الأزد الى عمرو ابن مسلم، و قال قوم من ربيعه: ان مسلم بن سعيد يريد ان يخلع، فهو يكرهنا على الخروج فأرسلت تغلب الى عمرو بن مسلم: انك منا، و انشدوه شعرا قاله رجل عزا باهله الى تغلب- و كان بنو قتيبة من باهله- فقالوا:

انا من تغلب، فكرهت بكر ان يكونوا في تغلب فتكثر تغلب، فقال رجل منهم:

زعمت قتيبة انها من وائل* * * نسب بعيد يا قتيبة فاصعدى‏

و ذكر ان بنى معن من الأزد يدعون باهله، و ذكر عن شريك بن‏

31

ابى قيله المعنى ان عمرو بن مسلم كان يقف على مجالس بنى معن، فيقول: لئن لم نكن منكم ما نحن بعرب، و قال عمرو بن مسلم حين عزاه التغلبى الى بنى تغلب: اما القرابة فلا اعرفها، و اما المنع فانى سامنعكم، فسفر الضحاك بن مزاحم و يزيد بن المفضل الحدانى، و كلما نصرا و ناشداه فانصرف فحمل اصحاب عمرو بن مسلم و البختري على نصر، و نادوا: يال بكر! و جالوا، و كر نصر عليهم، فكان أول قتيل رجل من باهله، و مع عمرو بن مسلم البختري و زياد بن طريف الباهلى، فقتل من اصحاب عمرو بن مسلم في المعركة ثمانية عشر رجلا، و قتل كردان أخو الفرافصه و مسعده و رجل من بكر بن وائل يقال له إسحاق، سوى من قتل في السكك، و انهزم عمرو بن مسلم الى القصر و ارسل الى نصر: ابعث الى بلعاء بن مجاهد، فأتاه بلعاء، فقال:

خذ لي أمانا منه، فآمنه نصر، و قال: لو لا انى اشمت بك بكر بن وائل لقتلتك و قيل: أصابوا عمرو بن مسلم في طاحونه، فاتوا به نصرا في عنقه حبل، فآمنه نصر، و قال له و لزياد بن طريف و البختري بن درهم: ألحقوا باميركم و قيل: بل التقى نصر و عمرو بالبروقان، فقتل من بكر بن وائل و اليمن ثلاثون، فقالت بكر: علا م نقاتل إخواننا و أميرنا، و قد تقربنا الى هذا الرجل فأنكر قرابتنا! فاعتزلوا و قاتلت الأزد، ثم انهزموا و دخلوا حصنا فحصرهم نصر، ثم أخذ عمرو بن مسلم و البختري احد بنى عباد و زياد بن طريف الباهلى، فضربهم نصر مائه مائه، و حلق رءوسهم و لحاهم، و البسهم المسوح و قيل:

أخذ البختري في غيضه كان دخلها، فقال نصر في يوم البروقان:

ارى العين لجت في ابتدار و ما الذى* * * يرد عليها بالدموع ابتدارها!

فما انا بالوانى إذا الحرب شمرت* * * تحرق في شطر الخميسين نارها

و لكنني ادعو لها خندف التي* * * تطلع بالعب‏ء الثقيل فقارها

32

و ما حفظت بكر هنالك حلفها* * * فصار عليها عار قيس و عارها

فان تك بكر بالعراق تنزرت* * * ففي ارض مرو علها و ازورارها

و قد جربت يوم البروقان وقعه* * * لخندف إذ حانت و آن بوارها

أتتني لقيس في بجيله وقعه* * * و قد كان قبل اليوم طال انتظارها

يعنى حين أخذ يوسف بن عمر خالدا و عياله و ذكر على بن محمد ان الوليد بن مسلم قال: قاتل عمرو بن مسلم نصر بن سيار فهزمه عمرو، فقال لرجل من بنى تميم كان معه: كيف ترى استاه قومك يا أخا بنى تميم؟ يعيره بهزيمتهم، ثم كرت تميم فهزموا اصحاب عمرو، فانجلى الرهج و بلعاء بن مجاهد في جمع من بنى تميم يشلهم، فقال التميمى لعمرو: هذه استاه قومى قال: و انهزم عمرو، فقال بلعاء لأصحابه: لا تقتلوا الأسرى و لكن جردوهم، و جوبوا سراويلاتهم عن ادبارهم، ففعلوا، فقال بيان العنبري يذكر حربهم بالبروقان:

أتاني و رحلي بالمدينة وقعه* * * لال تميم ارجفت كل مرجف‏

تظل عيون البرش بكر بن وائل* * * إذا ذكرت قتلى البروقان تذرف‏

هم أسلموا للموت عمرو بن مسلم* * * و ولوا شلالا و الأسنة ترعف‏

و كانت من الفتيان في الحرب عاده* * * و لم يصبروا عند القنا المتقصف‏

خبر غزو مسلم بن سعيد الترك‏

و في هذه السنه غزا مسلم بن سعيد الترك، فورد عليه عزله من خراسان من خالد بن عبد الله، و قد قطع النهر لحربهم و ولايه اسد بن عبد الله عليها ذكر الخبر عن غزوه مسلم بن سعيد هذه الغزوة: ذكر على بن محمد عن أشياخه ان مسلما غزا في هذه السنه، فخطب الناس في ميدان يزيد، و قال: ما اخلف بعدي شيئا أهم عندي من قوم‏

33

يتخلفون بعدي مخلقى الرقاب، يتواثبون الجدران على نساء المجاهدين، اللهم افعل بهم و افعل! و قد امرت نصرا الا يجد متخلفا الا قتله، و ما ارثى لهم من عذاب ينزله الله بهم- يعنى عمرو بن مسلم و اصحابه- فلما صار ببخارى أتاه كتاب من خالد بن عبد الله القسرى بولايته على العراق، و كتب اليه: اتمم غزاتك فسار الى فرغانه، فقال ابو الضحاك الرواحي- احد بنى رواحه من بنى عبس، و عداده في الأزد، و كان ينظر في الحساب: ليس على متخلف العام معصية، فتخلف اربعه آلاف.

و سار مسلم بن سعيد، فلما صار بفرغانه بلغه ان خاقان قد اقبل اليه، و أتاه شميل- او شبيل- بن عبد الرحمن المازنى، فقال: عاينت عسكر خاقان في موضع كذا و كذا، فأرسل الى عبد الله بن ابى عبد الله الكرماني مولى بنى سليم، فأمره بالاستعداد للمسير، فلما اصبح ارتحل بالعسكر، فسار ثلاث مراحل في يوم، ثم سار من غد حتى قطع وادي السبوح فاقبل اليهم خاقان، و توافت اليه الخيل، فانزل عبد الله بن ابى عبد الله قوما من العرفاء و الموالي، فاغار الترك على الذين انزلهم عبد الله ذلك الموضع فقتلوهم، و أصابوا دواب لمسلم و قتل المسيب بن بشر الرياحي، و قتل البراء- و كان من فرسان المهلب- و قتل أخو غوزك و ثار الناس في وجوههم، فاخرجوهم من العسكر، و دفع مسلم لواءه الى عامر بن مالك الحماني، و رحل بالناس فساروا ثمانية ايام، و هم مطيفون بهم، فلما كانت الليلة التاسعه اراد النزول، فشاور الناس فأشاروا عليه بالنزول، و قالوا: إذا أصبحنا وردنا الماء، و الماء منا غير بعيد، و انك ان نزلت المرج تفرق الناس في الثمار، و انتهب عسكرك، فقال لسوره بن الحر: يا أبا العلاء، ما ترى؟ قال: ارى ما راى الناس و نزلوا قال: و لم يرفع بناء في العسكر، و احرق الناس ما ثقل من الانيه و الأمتعة، فحرقوا قيمه الف الف و اصبح الناس فساروا، فوردوا الماء فإذا دون النهر اهل فرغانه و الشاش، فقال مسلم بن سعيد: اعزم على كل رجل الا اخترط سيفه، ففعلوا فصارت الدنيا كلها سيوفا، فتركوا الماء و عبروا، فأقام يوما،

34

ثم قطع من غد، و اتبعهم ابن الخاقان قال: فأرسل حميد بن عبد الله و هو على الساقه الى مسلم: قف ساعه فان خلفي مائتي رجل من الترك حتى اقاتلهم- و هو مثقل جراحه- فوقف الناس، فعطف على الترك، فاسر اهل السغد و قائدهم و قائد الترك في سبعه، و انصرف البقية، و مضى حميد و رمى بنشابه في ركبته، فمات.

و عطش الناس، و قد كان عبد الرحمن بن نعيم الغامدي حمل عشرين قربه على ابله، فلما راى جهد الناس أخرجها، فشربوا جرعا، و استسقى يوم العطش مسلم بن سعيد فاتوه بإناء، فأخذه جابر- او حارثة- بن كثير أخو سليمان بن كثير من فيه، فقال مسلم: دعوه، فما نازعنى شربتى الا من حر دخله، فاتوا خجنده، و قد أصابتهم مجاعه و جهد، فانتشر الناس فإذا فارسان يسألان عن عبد الرحمن بن نعيم، فاتياه بعهده على خراسان من اسد بن عبد الله، فاقراه عبد الرحمن مسلما، فقال: سمعا و طاعه، قال:

و كان عبد الرحمن أول من اتخذ الخيام في مفازة آمل.

قال: و كان اعظم الناس غنى يوم العطش إسحاق بن محمد الغدانى، فقال حاجب الفيل لثابت قطنه، و هو ثابت بن كعب:

نقضي الأمور و بكر غير شاهدها* * * بين المجاذيف و السكان مشغول‏

ما يعرف الناس منه غير قطنته* * * و ما سواها من الآباء مجهول‏

و كان لعبد الرحمن بن نعيم من الولد نعيم و شديد و عبد السلام و ابراهيم و المقداد، و كان اشدهم نعيم و شديد، فلما عزل مسلم بن سعيد، قال الخزرج التغلبى: قاتلنا الترك، فأحاطوا بالمسلمين حتى أيقنوا بالهلاك، فنظرت اليهم و قد اصفرت وجوههم، فحمل حوثره بن يزيد بن الحر بن الحنيف بن نصر بن يزيد بن جعونه على الترك في اربعه آلاف، فقاتلهم ساعه ثم رجع، و اقبل نصر بن سيار في ثلاثين فارسا، فقاتلهم حتى ازالهم عن مواضعهم، و حمل الناس عليهم، فانهزم الترك.

قال: و حوثره هذا هو ابن أخي رقبه بن الحر قال: و كان عمر بن‏

35

هبيرة قال لمسلم بن سعيد حين ولاه خراسان: ليكن حاجبك من صالح مواليك، فانه لسانك و المعبر عنك، و حث صاحب شرطتك على الأمانة، و عليك بعمال العذر قال: و ما عمال العذر؟ قال: مر اهل كل بلد ان يختاروا لأنفسهم، فإذا اختاروا رجلا فوله، فان كان خيرا كان لك، و ان كان شرا كان لهم دونك، و كنت معذورا.

قال: و كان مسلم بن سعيد كتب الى ابن هبيرة ان يوجه اليه توبه بن ابى اسيد مولى بنى العنبر، فكتب ابن هبيرة الى عامله بالبصرة: احمل الى توبه بن ابى اسيد، فحمله فقدم- و كان رجلا جميلا جهيرا له سمت- فلما دخل على ابن هبيرة، قال ابن هبيرة: مثل هذا فليول، و وجه به الى مسلم، فقال له مسلم: هذا خاتمي فاعمل برأيك، فلم يزل معه حتى قدم اسد بن عبد الله، فاراد توبه ان يشخص مع مسلم، فقال له اسد: أقم معى فانا احوج إليك من مسلم فأقام معه، فاحسن الى الناس و الان جانبه، و احسن الى الجند و اعطاهم أرزاقهم، فقال له اسد: حلفهم بالطلاق فلا يتخلف احد عن مغزاه، و لا يدخل بديلا، فأبى ذلك توبه فلم يحلفهم بالطلاق.

قال: و كان الناس بعد توبه يحلفون الجند بتلك الايمان، فلما قدم عاصم ابن عبد الله اراد ان يحلف الناس بالطلاق فأبوا، و قالوا: نحلف بايمان توبه، قال: فهم يعرفون ذلك، يقولون: ايمان توبه‏

. حج هشام بن عبد الملك‏

و حج بالناس في هذه السنه هشام بن عبد الملك، حدثنى بذلك احمد ابن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، و كذلك قال الواقدى و غيره، لا خلاف بينهم في ذلك.

قال الواقدى: حدثنى ابن ابى الزناد، عن ابيه، قال: كتب الى‏

36

هشام بن عبد الملك قبل ان يدخل المدينة ان اكتب لي سنن الحج، فكتبتها له، و تلقاه ابو الزناد قال ابو الزناد: فانى يومئذ في الموكب خلفه، و قد لقيه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، و هشام يسير، فنزل له، فسلم عليه، ثم سار الى جنبه، فصاح هشام: ابو الزناد! فتقدمت، فسرت الى جنبه الآخر، فاسمع سعيدا يقول: يا امير المؤمنين، ان الله لم يزل ينعم على اهل بيت امير المؤمنين، و ينصر خليفته المظلوم، و لم يزالوا يلعنون في هذه المواطن الصالحه أبا تراب، فأمير المؤمنين ينبغى له ان يلعنه في هذه المواطن الصالحه، قال: فشق على هشام، و ثقل عليه كلامه، ثم قال:

ما قدمنا لشتم احد و لا للعنه، قدمنا حجاجا ثم قطع كلامه و اقبل على فقال: يا عبد الله بن ذكوان، فرغت مما كتبت إليك؟ فقلت: نعم، فقال ابو الزناد: و ثقل على سعيد ما حضرته يتكلم به عند هشام، فرايته منكسرا كلما رآنى.

و في هذه السنه كلم ابراهيم بن محمد بن طلحه هشام بن عبد الملك- و هشام واقف قد صلى في الحجر- فقال له: اسالك بالله و بحرمه هذا البيت و البلد الذى خرجت معظما لحقه، الا رددت على ظلامتى! قال:

اى ظلامه؟ قال: دارى، قال: فأين كنت عن امير المؤمنين عبد الملك؟

قال: ظلمني و الله، قال: فعن الوليد بن عبد الملك؟ قال: ظلمني و الله، قال: فعن سليمان؟ قال: ظلمني، قال: فعن عمر بن عبد العزيز؟ قال:

ي(رحمه الله)، ردها و الله على، قال: فعن يزيد بن عبد الملك؟ قال: ظلمني و الله، هو قبضها منى بعد قبضي لها، و هي في يديك قال هشام: اما و الله لو كان فيك ضرب لضربتك، فقال ابراهيم: في و الله ضرب بالسيف و السوط.

فانصرف هشام و الابرش خلفه فقال: أبا مجاشع، كيف سمعت هذا اللسان؟

قال: ما اجود هذا اللسان! قال: هذه قريش و ألسنتها، و لا يزال في الناس بقايا ما رايت مثل هذا.

37

و في هذه السنه قدم خالد بن عبد الله القسرى أميرا على العراق.

ولايه اسد بن عبد الله القسرى على خراسان‏

و فيها استعمل خالد أخاه اسد بن عبد الله أميرا على خراسان، فقدمها و مسلم بن سعيد غاز بفرغانه، فذكر عن اسد انه لما اتى النهر ليقطع، منعه الاشهب بن عبيد التميمى احد بنى غالب، و كان على السفن بامل، فقال له اسد: أقطعني، فقال: لا سبيل الى اقطاعك، لانى نهيت عن ذلك، قال: لاطفوه و أطعموه، فأبى، قال: فانى الأمير، ففعل، فقال اسد:

اعرفوا هذا حتى نشركه في أمانتنا، فقطع النهر، فاتى السغد، فنزل مرجها، و على خراج سمرقند هانئ بن هانئ، فخرج في الناس يتلقى أسدا، فاتوه بالمرج، و هو جالس على حجر، فتفاءل الناس، فقالوا: اسد على حجر! ما عند هذا خير فقال له هانئ: اقدمت أميرا فنفعل بك ما نفعل بالامراء؟

قال: نعم، قدمت أميرا ثم دعا بالغداء فتغدى بالمرج، و قال: من ينشط بالمسير و له اربعه عشر درهما- و يقال: قال ثلاثة عشر درهما- و ها هي في كمى؟ و انه ليبكى و يقول: انما انا رجل مثلكم و ركب فدخل سمرقند و بعث رجلين معهما عهد عبد الرحمن بن نعيم على الجند، فقدم الرجلان على عبد الرحمن بن نعيم، و هو في وادي افشين على الساقه- و كانت الساقه على اهل سمرقند الموالي و اهل الكوفه- فسألا عن عبد الرحمن فقالوا: هو في الساقه، فاتياه بعهد و كتاب بالقفل و الاذن لهم فيه، فقرا الكتاب ثم اتى به مسلما و بعهده، فقال مسلم: سمعا و طاعه، فقام عمرو ابن هلال السدوسي- و يقال التيمى- فقنعه سوطين لما كان منه بالبروقان الى بكر بن وائل، و شتمه حسين بن عثمان بن بشر بن المحتفز، فغضب‏

38

عبد الرحمن بن نعيم، فزجرهما ثم اغلظ لهما، و امر بهما فدفعا، و قفل بالناس و شخص معه مسلم.

فذكر على بن محمد عن اصحابه، انهم قدموا على اسد، و هو بسمرقند، فشخص اسد الى مرو، و عزل هانئا، و استعمل على سمرقند الحسن بن ابى العمرطه الكندى من ولد آكل المرار قال: فقدمت على الحسن امراته الجنوب ابنه القعقاع بن الأعلم راس الأزد، و يعقوب بن القعقاع قاضى خراسان، فخرج يتلقاها، و غزاهم الترك، فقيل له: هؤلاء الترك قد أتوك- و كانوا سبعه آلاف- فقال: ما أتونا بل أتيناهم و غلبناهم على بلادهم و استعبدناهم، و ايم الله مع هذا لادنينكم منهم، و لاقرنن نواصي خيلكم بنواصي خيلهم.

قال: ثم خرج فتباطا حتى أغاروا و انصرفوا، فقال الناس: خرج الى امراته يتلقاها مسرعا، و خرج الى العدو متباطئا فبلغه فخطبهم، فقال:

تقولون و تعيبون! اللهم اقطع آثارهم و عجل اقدارهم، و انزل بهم الضراء و ارفع عنهم السراء! فشتمه الناس في انفسهم.

و كان خليفته حين خرج الى الترك ثابت قطنه، فخطب الناس فحصر فقال: من يطع الله و رسوله فقد ضل، و ارتج عليه، فلم ينطق بكلمة، فلما نزل عن المنبر قال:

ان لم أكن فيكم خطيبا فاننى* * * بسيفي إذا جد الوغى لخطيب‏

فقيل له: لو قلت هذا على المنبر، لكنت خطيبا، فقال حاجب الفيل اليشكري يعيره حصره:

أبا العلاء لقد لاقيت معضله* * * يوم العروبة من كرب و تخنيق‏

تلوى اللسان إذا رمت الكلام به* * * كما هوى زلق من شاهق النيق‏

39

لما رمتك عيون الناس ضاحيه* * * انشات تجرض لما قمت بالريق‏

اما القران فلا تهدى لمحكمه* * * من القران و لا تهدى لتوفيق‏

و في هذه السنه ولد عبد الصمد بن على في رجب.

و كان العامل على المدينة و مكة و الطائف في هذه السنه ابراهيم بن هشام المخزومي و على العراق و خراسان خالد بن عبد الله القسرى، و عامل خالد على صلاه البصره عقبه بن عبد الأعلى، و على شرطتها مالك بن المنذر بن الجارود، و على قضائها ثمامة بن عبد الله بن انس، و على خراسان اسد بن عبد الله.

40

ثم دخلت‏

سنه سبع و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمن ذلك ما كان من خروج عباد الرعيني باليمن محكما، فقتله يوسف ابن عمر، و قتل معه اصحابه كلهم و كانوا ثلاثمائه.

و فيها غزا الصائفه معاويه بن هشام، و على جيش الشام ميمون بن مهران، فقطع البحر حتى عبر الى قبرس، و خرج معهم البعث الذى هشام كان امر به في حجته سنه ست، فقدموا في سنه سبع على الجعائل، غزا منهم نصفهم و قام النصف و غزا البر مسلمه بن عبد الملك و فيها وقع بالشام طاعون شديد.

و فيها وجه بكير بن ماهان أبا عكرمه و أبا محمد الصادق و محمد بن خنيس و عمار العبادي في عده من شيعتهم، معهم زياد خال الوليد الأزرق دعاه الى خراسان، فجاء رجل من كنده الى اسد بن عبد الله، فوشى بهم اليه، فاتى بابى عكرمه و محمد بن خنيس و عامه اصحابه، و نجا عمار، فقطع اسد أيدي من ظفر به منهم و ارجلهم، و صلبهم فاقبل عمار الى بكير بن ماهان، فاخبره الخبر، فكتب به الى محمد بن على، فأجابه: الحمد لله الذى صدق مقالتكم و دعوتكم، و قد بقيت منكم قتلى ستقتل.

و في هذه السنه حمل مسلم بن سعيد الى خالد بن عبد الله، و كان اسد ابن عبد الله له مكرما بخراسان لم يعرض له و لم يحبسه، فقدم مسلم و ابن هبيرة مجمع على الهرب، فنهاه عن ذلك مسلم، و قال له: ان القوم فينا احسن رايا منكم فيهم و في هذه السنه غزا اسد جبال نمرون ملك الغرشستان مما يلى جبال الطالقان، فصالحه نمرون و اسلم على يديه، فهم اليوم يتولون اليمن.

غزو الغور

و فيها غزا اسد الغور و هي جبال هراة

41

ذكر الخبر عن غزوه اسد هذه الغزوة:

ذكر على بن محمد عن أشياخه، ان أسدا غزا الغور، فعمد أهلها الى اثقالهم فصيروها في كهف ليس اليه طريق، فامر اسد باتخاذ توابيت و وضع فيها الرجال، و دلاها بالسلاسل، فاستخرجوا ما قدروا عليه، فقال ثابت قطنه:

ارى أسدا تضمن مفظعات* * * تهيبها الملوك ذوو الحجاب‏

سما بالخيل في اكناف مرو* * * و توفزهن بين هلا و هاب‏

الى غورين حيث حوى أزب* * * و صك بالسيوف و بالحراب‏

هدانا الله بالقتلى تراها* * * مصلبه بأفواه الشعاب‏

ملاحم لم تدع لسراة كلب* * * مهاتره و لا لبنى كلاب‏

فاوردها النهاب و آب منها* * * بافضل ما يصاب من النهاب‏

و كان إذا اناخ بدار قوم* * * أراها المخزيات من العذاب‏

ا لم يزر الجبال جبال ملع* * * ترى من دونها قطع السحاب‏

بارعن لم يدع لهم شريدا* * * و عاقبها الممض من العقاب‏

و ملع من جبال خوط فيها تعمل الحزم الملعية.

[أخبار متفرقة]

و في هذه السنه نقل اسد من كان بالبروقان من الجند الى بلخ، فاقطع كل من كان له بالبروقان مسكن مسكنا بقدر مسكنه، و من لم يكن له مسكن اقطعه مسكنا، و اراد ان ينزلهم على الاخماس، فقيل له: انهم يتعصبون، فخلط بينهم، و كان قسم لعماره مدينه بلخ الفعله على كل كوره على قدر خراجها، و ولى بناء مدينه بلخ برمك أبا خالد بن برمك،- و كان البروقان منزل الأمراء و بين البروقان و بين بلخ فرسخان و بين المدينة و النوبهار قدر غلوتين- فقال ابو البريد في بنيان اسد مدينه بلخ:

شعفت فؤادك فالهوى لك شاعف* * * رئم على طفل بحومل عاطف‏

42

ترعى البرير بجانبي متهدل* * * ريان لا يعشو اليه آلف‏

بمحاضر من منحني عطفت له* * * بقر ترجح زانهن روادف‏

ان المباركه التي احصنتها* * * عصم الذليل بها وقر الخائف‏

فأراك فيها ما راى من صالح* * * فتحا و أبواب السماء رواعف‏

فمضى لك الاسم الذى يرضى به* * * عنك البصير بما نويت اللاطف‏

يا خير ملك ساس امر رعيه* * * انى على صدق اليمين لحالف‏

الله آمنها بصنعك بعد ما* * * كانت قلوب خوفهن رواجف‏

و حج بالناس في هذه السنه ابراهيم بن هشام، حدثنى بذلك احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر و كذلك قال الواقدى و هشام و غيرهما.

و كانت عمال الأمصار في هذه السنه عمالها الذين ذكرناهم قبل في سنه ست و مائه‏

43

ثم دخلت‏

سنه ثمان و مائه‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث) ففيها كانت غزوه مسلمه بن عبد الملك حتى بلغ قيساريه، مدينه الروم مما يلى الجزيرة، ففتحها الله على يديه.

و فيها أيضا غزا ابراهيم بن هشام ففتح أيضا حصنا من حصون الروم.

و فيها وجه بكير بن ماهان الى خراسان عده، فيهم عمار العبادي، فوشى بهم رجل الى اسد بن عبد الله، فاخذ عمارا فقطع يديه و رجليه و نجا اصحابه، فقدموا على بكير بن ماهان فاخبروه الخبر، فكتب بذلك الى محمد بن على، فكتب اليه في جواب الكتاب: الحمد لله الذى صدق دعوتكم و نجى شيعتكم.

و فيها كان الحريق بدابق، فذكر محمد بن عمر ان عبد الله بن نافع حدثه عن ابيه، قال: احترق المرعى حتى احترق الدواب و الرجال.

غزو الختل‏

و فيها غزا اسد بن عبد الله الختل، فذكر عن على بن محمد ان خاقان اتى أسدا و قد انصرف الى القواديان، و قطع النهر، و لم يكن بينهم قتال في تلك الغزاة و ذكر عن ابى عبيده، انه قال: بل هزموا أسدا و فضحوه، فتغنى عليه الصبيان:

از ختلان آمذى* * * برو تباه آمذى‏

قال: و كان السبل محاربا له، فاستجلب خاقان، و كان اسد قد اظهر انه يشتو بسرخ دره، فامر اسد الناس فارتحلوا، و وجه راياته، و سار في ليله مظلمه الى سرخ دره، فكبر الناس، فقال اسد: ما للناس؟ قالوا:

44

هذه علامتهم إذا ففلوا، فقال لعروه المنادى: ناد ان الأمير يريد غورين، و مضى و اقبل خاقان حين انصرفوا الى غورين النهر فقطع النهر، فلم يلتق هو و لا هم، و رجع الى بلخ، فقال الشاعر في ذلك يمدح اسد بن عبد الله:

ندبت لي من كل خمس الفين* * * من كل لحاف عريض الدفين‏

قال: و مضى المسلمون الى الغوريان فقاتلوهم يوما، و صبروا لهم، و برز رجل من المشركين، فوقف امام اصحابه و ركز رمحه، و قد اعلم بعصابة خضراء- و سلم بن احوز واقف مع نصر بن سيار- فقال سلم لنصر: قد عرفت راى اسد، و انا حامل على هذا العلج، فلعلى ان اقتله فيرضى.

فقال: شانك، فحمل عليه، فما اختلج رمحه حتى غشيه سلم فطعنه فإذا هو بين يدي فرسه، ففحص برجله، فرجع سلم فوقف، فقال لنصر: انا حامل حمله اخرى، فحمل حتى إذا دنا منهم اعترضه رجل من العدو، فاختلفا ضربتين، فقتله سلم، فرجع سلم جريحا، فقال نصر لسلم: قف لي حتى احمل عليهم، فحمل حتى خالط العدو، فصرع رجلين و رجع جريحا، فوقف فقال: ا ترى ما صنعنا يرضيه؟ لا ارضاه الله! فقال: لا و الله فيما أظن و أتاهما رسول اسد فقال: يقول لكما الأمير: قد رايت موقفكما منذ اليوم و قله غنائكما عن المسلمين، لعنكما الله! فقالا: آمين ان عدنا لمثل هذا و تحاجزوا يومئذ، ثم عادوا من الغد فلم يلبث المشركون ان انهزموا، و حوى المسلمون عسكرهم، و ظهروا على البلاد فأسروا و سبوا و غنموا، و قال بعضهم رجع اسد في سنه ثمان و مائه مفلولا من الختل، فقال اهل خراسان:

از ختلان آمذى* * * برو تباه آمذى‏

بيدل فراز آمذى

قال: و كان أصاب الجند في غزاه الختل جوع شديد، فبعث اسد

45

بكبشين مع غلام له، و قال: لا تبعهما باقل من خمسمائة، فلما مضى الغلام، قال اسد: لا يشتريهما الا ابن الشخير، و كان في المسلحة، فدخل ابن الشخير حين امسى، فوجد الشاتين في السوق، فاشتراهما بخمسمائة، فذبح إحداهما و بعث بالأخرى الى بعض اخوانه، فلما رجع الغلام الى اسد اخبره بالقصة، فبعث اليه اسد بألف درهم.

قال: و ابن الشخير هو عثمان بن عبد الله بن الشخير، أخو مطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي و حج بالناس في هذه السنه ابراهيم بن هشام و هو على المدينة و مكة و الطائف.

حدثنى بذلك احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، و كذلك قال محمد بن عمر الواقدى و كان العمال في هذه السنه على الأمصار في الصلاة و الحروب و القضاء هم العمال الذين كانوا في السنه التي قبلها، و قد ذكرناهم قبل.

46

ثم دخلت‏

سنه تسع و مائه‏

(ذكر الاحداث التي كانت فيها) فمما كان فيها من ذلك غزوه عبد الله بن عقبه بن نافع الفهري على جيش في البحر و غزوه معاويه بن هشام ارض الروم، ففتح حصنا بها يقال له طيبه، و اصيب معه قوم من اهل أنطاكية

خبر مقتل عمر بن يزيد الأسيدي‏

و فيها قتل عمر بن يزيد الأسيدي، قتله مالك بن المنذر بن الجارود ذكر الخبر عن ذلك:

و كان سبب ذلك- فيما ذكر- ان خالد بن عبد الله شهد عمر بن يزيد ايام حرب يزيد بن المهلب، فاعجب به يزيد بن عبد الملك، و قال: هذا رجل العراق، فغاظ ذلك خالدا، فامر مالك بن المنذر و هو على شرطه البصره ان يعظم عمر بن يزيد، و لا يعصى له امرا حتى يعرفه الناس، ثم اقبل يعتل عليه حتى يقتله، ففعل ذلك، فذكر يوما عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، فافترى عليه مالك، فقال له عمر بن يزيد: تفترى على مثل عبد الأعلى! فاغلظ له مالك، فضربه بالسياط حتى قتله‏

. غزو غورين‏

و فيها غزا اسد بن عبد الله غورين، و قال ثابت قطنه:

ارى أسدا في الحرب إذ نزلت به* * * و قارع اهل الحرب فاز و أوجبا

تناول ارض السبل، خاقان ردؤه* * * فحرق ما استعصى عليه و خربا

اتتك وفود الترك ما بين كابل* * * و غورين إذ لم يهربوا منك مهربا

فما يغمر الأعداء من ليث غابه* * * ابى ضاريات حرشوه فعقبا

47

أزب كان الورس فوق ذراعه* * * كريه المحيا قد اسن و جربا

ا لم يك في الحصن المبارك عصمه* * * لجندك إذ هاب الجبان و ارهبا!

بنى لك عبد الله حصنا ورثته* * * قديما إذا عد القديم و انجبا.

و في هذه السنه عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله عن خراسان و صرف أخاه أسدا عنها

. ذكر الخبر عن عزل هشام خالدا و أخاه عن خراسان‏

3

و كان سبب ذلك ان أسدا أخا خالد تعصب حتى افسد الناس، فقال ابو البريد- فيما ذكر على بن محمد لبعض الأزد: ادخلنى على ابن عمك عبد الرحمن ابن صبح، و أوصه بي، و اخبره عنى، فادخله عليه- و هو عامل لاسد على بلخ- فقال: اصلح الله الأمير! هذا ابو البريد البكرى أخونا و ناصرنا، و هو شاعر اهل المشرق، و هو الذى يقول:

ان تنقض الأزد حلفا كان اكده* * * في سالف الدهر عباد و مسعود

و مالك و سويد اكداه معا* * * لما تجرد فيها اى تجريد

حتى تنادوا أتاك الله ضاحيه* * * و في الجلود من الإيقاع تقصيد

قال: فجذب ابو البريد يده، و قال: لعنك الله من شفيع كذب! اصلحك الله! و لكنى الذى اقول:

الأزد إخوتنا و هم حلفاؤنا* * * ما بيننا نكث و لا تبديل‏

قال: صدقت، و ضحك و ابو البريد من بنى علباء بن شيبان بن ذهل ابن ثعلبه.

قال: و تعصب على نصر بن سيار و نفر معه من مضر، فضربهم بالسياط، و خطب في يوم جمعه فقال في خطبته: قبح الله هذه الوجوه! وجوه اهل الشقاق و النفاق، و الشغب و الفساد اللهم فرق بيني و بينهم، و أخرجني الى مهاجرى و وطنى، و قل من يروم ما قبلي او يترمرم، و امير المؤمنين خالي، و خالد بن عبد الله أخي، و معى اثنا عشر الف سيف يمان‏

48

ثم نزل عن منبره، فلما صلى و دخل عليه الناس، و أخذوا مجالسهم، اخرج كتابا من تحت فراشه، فقراه على الناس، فيه ذكر نصر بن سيار و عبد الرحمن بن نعيم الغامدي و سوره بن الحر الأباني- ابان بن دارم- و البختري بن ابى درهم من بنى الحارث بن عباد، فدعاهم فأنبهم، فازم القوم، فلم يتكلم منهم احد، فتكلم سوره، فذكر حاله و طاعته و مناصحته، و انه ليس ينبغى له ان يقبل قول عدو مبطل، و ان يجمع بينهم و بين من قرفهم بالباطل فلم يقبل قوله، و امر بهم فجردوا، فضرب عبد الرحمن بن نعيم، فإذا رجل عظم البطن، ارسح، فلما ضرب التوى، و جعل سراويله يزل عن موضعه، فقام رجل من اهل بيته، فاخذ رداء له هرويا، و قام مادا ثوبه بيده، و هو ينظر الى اسد، يريد ان يأذن له فيؤزره فاومى اليه ان افعل، فدنا منه فآزره- و يقال بل ازره ابو نميله- و قال له: ا تزر أبا زهير، فان الأمير وال مؤدب و يقال: بل ضربهم في نواحي مجلسه.

فلما فرغ قال: اين تيس بنى حمان؟- و هو يريد ضربه، و قد كان ضربه قبل- فقال: هذا تيس بنى حمان، و هو قريب العهد بعقوبة الأمير، و هو عامر بن مالك بن مسلمه بن يزيد بن حجر بن خيسق بن حمان بن كعب بن سعد و قيل انه حلقهم بعد الضرب، و دفعهم الى عبد ربه بن ابى صالح مولى بنى سليم- و كان من الحرس- و عيسى بن ابى بريق، و وجههم الى خالد، و كتب اليه: انهم أرادوا الوثوب عليه، فكان ابن ابى بريق كلما نبت شعر احدهم حلقه، و كان البختري بن ابى درهم، يقول: لوددت انه ضربني و هذا شهرا- يعنى نصر بن سيار لما كان بينهما بالبروقان- فأرسل بنو تميم الى نصر: ان شئتم انتزعناكم من ايديهم، فكفهم نصر، فلما قدم بهم على خالد لام أسدا و عنفه، و قال: الا بعثت برءوسهم! فقال عرفجة التميمى:

فكيف و انصار الخليفة كلهم* * * عناه و أعداء الخليفة تطلق‏

49

بكيت و لم املك دموعي و حق لي* * * و نصر شهاب الحرب في الغل موثق‏

و قال نصر:

بعثت بالعتاب في غير ذنب* * * في كتاب تلوم أم تميم‏

ان أكن موثقا أسيرا لديهم* * * في هموم و كربه و سهوم‏

رهن قسر فما وجدت بلاء* * * كاسار الكرام عند اللئيم‏

ابلغ المدعين قسرا و قسر* * * اهل عود القناه ذات الوصوم‏

هل فطمتم عن الخيانة و الغدر* * * أم أنتم كالحاكر المستديم،

و قال الفرزدق:

ا خالد لو لا الله لم تعط طاعه* * * و لو لا بنو مروان لم توثقوا نصرا

إذا للقيتم دون شد وثاقه* * * بنى الحرب لا كشف اللقاء و لا ضجرا

و خطب اسد بن عبد الله على منبر بلخ، فقال في خطبته: يا اهل بلخ، لقبتمونى الزاغ و الله لازيغن قلوبكم.

فلما تعصب اسد و افسد الناس بالعصبية، كتب هشام الى خالد بن عبد الله: اعزل اخاك، فعزله فاستأذن له في الحج، فقفل اسد الى العراق و معه دهاقين خراسان، في شهر رمضان سنه تسع و مائه، و استخلف اسد على خراسان الحكم بن عوانه الكلبى، فأقام الحكم صيفيه، فلم يغز.

ذكر الخبر عن دعاه بنى العباس‏

و ذكر على بن محمد ان أول من قدم خراسان من دعاه بنى العباس زياد ابو محمد مولى همدان في ولايه اسد بن عبد الله الاولى، بعثه محمد بن على ابن عبد الله بن العباس، و قال له: ادع الناس إلينا و انزل في اليمن، و الطف بمضر و نهاه عن رجل من ابرشهر، يقال له غالب، لأنه كان مفرطا في حب بنى فاطمه‏

50

و يقال: أول من جاء اهل خراسان بكتاب محمد بن على حرب بن عثمان، مولى بنى قيس بن ثعلبه من اهل بلخ.

قال: فلما قدم زياد ابو محمد، و دعا الى بنى العباس، و ذكر سيره بنى مروان و ظلمهم، و جعل يطعم الناس الطعام، فقدم عليه غالب من ابرشهر، فكانت بينهم منازعه، غالب يفضل آل ابى طالب و زياد يفضل بنى العباس.

ففارقه غالب، و اقام زياد بمرو شتوه، و كان يختلف اليه من اهل مرو يحيى بن عقيل الخزاعي و ابراهيم بن الخطاب العدوى.

قال: و كان ينزل برزن سويد الكاتب في دور آل الرقاد، و كان على خراج مرو الحسن بن شيخ، فبلغه امره، فاخبر به اسد بن عبد الله، فدعا به- و كان معه رجل يكنى أبا موسى- فلما نظر اليه اسد، قال له:

اعرفك؟ قال: نعم، قال له اسد: رايتك في حانوت بدمشق، قال: نعم، قال لزياد: فما هذا الذى بلغنى عنك؟ قال: رفع إليك الباطل، انما قدمت خراسان في تجاره، و قد فرقت مالي على الناس، فإذا صار الى خرجت.

قال له اسد: اخرج عن بلادي، فانصرف، فعاد الى امره، فعاود الحسن أسدا، و عظم عليه امره، فأرسل اليه، فلما نظر اليه، قال: ا لم انهك عن المقام بخراسان! قال: ليس عليك ايها الأمير منى باس، فاحفظه و امر بقتلهم، فقال له ابو موسى: فاقض ما أنت قاض فازداد غضبا، و قال له: أنزلتني منزله فرعون! فقال له: ما انزلتك و لكن الله انزلك.

فقتلوا، و كانوا عشره من اهل بيت الكوفه، فلم ينج منهم يومئذ الا غلامان استصغرهما، و امر بالباقين فقتلوا بكشانشاه.

و قال قوم: امر اسد بزياد ان يخط وسطه، فمد بين اثنين، فضرب فنبا السيف عنه، فكبر اهل السوق، فقال اسد: ما هذا؟ فقيل له، لم يحك السيف فيه فاعطى أبا يعقوب سيفا، فخرج في سراويل و الناس قد اجتمعوا عليه، فضربه، فنبا السيف، فضربه ضربه اخرى، فقطعه باثنتين‏

51

و قال آخرون: عرض عليهم البراءة، فمن تبرا منهم مما رفع عليه خلى سبيله، فأبى البراءة ثمانية منهم، و تبرا اثنان.

فلما كان الغد اقبل أحدهما و اسد في مجلسه المشرف على السوق بالمدينة العتيقة، فقال: ا ليس هذا اسيرنا بالأمس! فأتاه، فقال له: اسالك ان تلحقني باصحابى، فاشرفوا به على السوق، و هو يقول: رضينا بالله ربا، و بالإسلام دينا و بمحمد(ص)نبيا، فدعا اسد بسيف بخاراخذاه، فضرب عنقه بيده قبل الاضحى باربعه ايام، ثم قدم بعدهم رجل من اهل الكوفه يسمى كثيرا، فنزل على ابى النجم، فكان يأتيه الذين لقوا زيادا فيحدثهم و يدعوهم، فكان على ذلك سنه او سنتين، و كان كثير اميا، فقدم عليه خداش، و هو في قريه تدعى مرعم، فغلب كثيرا على امره، و يقال: كان اسمه عماره فسمى خداشا، لأنه خدش الدين.

و كان اسد استعمل عيسى بن شداد البرجمى امرته الاولى في وجه وجهه على ثابت قطنه، فغضب، فهجا أسدا، فقال:

ارى كل قوم يعرفون أباهم* * * و ابو بجيله بينهم يتذبذب‏

انى وجدت ابى اباك فلا تكن* * * البا على مع العدو تجلب‏

ارمى بسهمى من رماك بسهمه* * * و عدو من عاديت غير مكذب‏

اسد بن عبد الله جلل عفوه* * * اهل الذنوب فكيف من لم يذنب!

ا جعلتني للبرجمى حقيبه* * * و البرجمى هو اللئيم المحقب‏

عبد إذا استبق الكرام رايته* * * ياتى سكينا حاملا في الموكب‏

انى اعوذ بقبر كرز ان ارى* * * تبعا لعبد من تميم محقب.

ولايه اشرس بن عبد الله على خراسان‏

و في هذه السنه استعمل هشام بن عبد الملك على خراسان اشرس‏

52

ابن عبد الله السلمى، فذكر على بن محمد، عن ابى الذيال العدوى و محمد بن حمزه، عن طرخان و محمد بن الصلت الثقفى ان هشام بن عبد الملك عزل اسد ابن عبد الله عن خراسان، و استعمل اشرس بن عبد الله السلمى عليها، و امره ان يكاتب خالد بن عبد الله القسرى- و كان اشرس فاضلا خيرا، و كانوا يسمونه الكامل لفضله عندهم- فسار الى خراسان، فلما قدمها فرحوا بقدومه، فاستعمل على شرطته عميرة أبا اميه اليشكري ثم عزله و ولى السمط، و استقضى على مرو أبا المبارك الكندى، فلم يكن له علم بالقضاء، فاستشار مقاتل بن حيان، فاشار عليه مقاتل بمحمد بن زيد فاستقضاه، فلم يزل قاضيا حتى عزل اشرس.

و كان أول من اتخذ الرابطة بخراسان و استعمل على الرابطة عبد الملك بن دثار الباهلى، و تولى اشرس صغير الأمور و كبيرها بنفسه.

قال: و كان اشرس لما قدم خراسان كبر الناس فرحا به، فقال رجل:

لقد سمع الرحمن تكبير أمه* * * غداه أتاها من سليم امامها

امام هدى قوى لهم امرهم به* * * و كانت عجافا ما تمخ عظامها

و ركب حين قدم حمارا، فقال له حيان النبطي: ايها الأمير، ان كنت تريد ان تكون والى خراسان فاركب الخيل، و شد حزام فرسك، و الزم السوط خاصرته حتى تقدم النار، و الا فارجع قال: ارجع اذن، و لا اقتحم النار يا حيان ثم اقام و ركب الخيل.

قال على: و قال يحيى بن حضين: رايت في المنام قبل قدوم اشرس قائلا يقول: أتاكم الوعر الصدر، الضعيف الناهضه، المشئوم الطائر، فانتبهت فزعا و رايت في الليلة الثانيه: أتاكم الوعر الصدر، الضعيف الناهضه، المشئوم الطائر، الخائن قومه، جغر، ثم قال:

لقد ضاع جيش كان جغر أميرهم* * * فهل من تلاف قبل دوس القبائل‏

53

فان صرفت عنهم به فلعله* * * و الا يكونوا من احاديث قائل‏

و كان اشرس يلقب جغرا بخراسان‏

. [أخبار متفرقة]

و حج بالناس في هذه السنه ابراهيم بن هشام، كذلك حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر و كذلك قال الواقدى و غيره.

و قال الواقدى: خطب الناس ابراهيم بن هشام بمنى في هذه السنه الغد من يوم النحر بعد الظهر فقال سلوني، فانا ابن الوحيد، لا تسألون أحدا اعلم منى فقام اليه رجل من اهل العراق فسأله عن الأضحية، ا واجبه هي أم لا؟ فما درى اى شي‏ء يقول له! فنزل.

و كان العامل في هذه السنه على المدينة و مكة و الطائف ابراهيم بن هشام، و على البصره و الكوفه خالد بن عبد الله، و على الصلاة بالبصرة ابان بن ضباره اليزني، و على شرطتها بلال بن ابى برده، و على قضائها ثمامة بن عبد الله الأنصاري، من قبل خالد بن عبد الله، و على خراسان اشرس بن عبد الله.

54

ثم دخلت‏

سنه عشر و مائه‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث) فمما كان فيها من ذلك غزوه مسلمه بن عبد الملك الترك، سار اليهم نحو باب اللان حتى لقى خاقان في جموعه، فاقتتلوا قريبا من شهر، و أصابهم مطر شديد، فهزم الله خاقان، فانصرف، فرجع مسلمه فسلك على مسجد ذي القرنين و فيها غزا- فيما ذكر- معاويه بن هشام ارض الروم، ففتح صماله و فيها غزا الصائفه عبد الله بن عقبه الفهري و كان على جيش البحر* * * فيما ذكر الواقدى- عبد الرحمن بن معاويه بن حديج.

و في هذه السنه دعا الاشرس اهل الذمة من اهل سمرقند و من وراء النهر الى الاسلام، على ان توضع عنهم الجزية، فأجابوا الى ذلك، فلما أسلموا وضع عليهم الجزية، و طالبهم بها، فنصبوا له الحرب.

ذكر الخبر عما كان من امر اشرس و امر اهل سمرقند و من وليهم في ذلك.

ذكر ان اشرس قال في عمله بخراسان: ابغوني رجلا له ورع و فضل اوجهه الى من وراء النهر، فيدعوهم الى الاسلام فأشاروا عليه بابى الصيداء صالح بن طريف، مولى بنى ضبة، فقال: لست بالماهر بالفارسيه، فضموا معه الربيع بن عمران التميمى، فقال ابو الصيداء: اخرج على شريطه ان من اسلم لم يؤخذ منه الجزية، فإنما خراج خراسان على رءوس الرجال، قال اشرس: نعم، قال ابو الصيداء لأصحابه: فانى اخرج فان لم يف العمال اعنتمونى عليهم، قالوا: نعم‏

55

فشخص الى سمرقند، و عليها الحسن بن ابى العمر طه الكندى على حربها و خراجها، فدعا ابو الصيداء اهل سمرقند و من حولها الى الاسلام، على ان توضع عنهم الجزية، فسارع الناس، فكتب غوزك الى اشرس:

ان الخراج قد انكسر، فكتب اشرس الى ابن ابى العمرطه: ان في الخراج قوه للمسلمين، و قد بلغنى ان اهل السغد و أشباههم لم يسلموا رغبه، و انما دخلوا في الاسلام تعوذا من الجزية، فانظر من اختتن و اقام الفرائض و حسن اسلامه، و قرأ سوره من القرآن، فارفع عنه خراجه ثم عزل اشرس ابن ابى العمرطه عن الخراج، و صيره الى هانئ بن هانئ، و ضم اليه الاشحيذ، فقال ابن ابى العمرطه لأبي الصيداء: لست من الخراج الان في شي‏ء، فدونك هانئا و الاشحيذ، فقام ابو الصيداء يمنعهم من أخذ الجزية ممن اسلم، فكتب هانئ: ان الناس قد أسلموا و بنوا المساجد فجاء دهاقين بخارى الى اشرس فقالوا: ممن تأخذ الخراج، و قد صار الناس كلهم عربا؟ فكتب اشرس الى هانئ و الى العمال: خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه منه، فأعادوا الجزية على من اسلم، فامتنعوا، و اعتزل من اهل السغد سبعه آلاف، فنزلوا على سبعه فراسخ من سمرقند، و خرج اليهم ابو الصيداء و ربيع بن عمران التميمى و القاسم الشيبانى و ابو فاطمه الأزدي و بشر بن جرموز الضبي و خالد بن عبد الله النحوي و بشر بن زنبور الأزدي و عامر بن قشير- او بشير، الخجندي، و بيان العنبري و اسماعيل بن عقبه، لينصروهم.

قال: فعزل اشرس ابن ابى العمرطه عن الحرب، و استعمل مكانه المجشر بن مزاحم السلمى، و ضم اليه عميرة بن سعد الشيبانى.

قال: فلما قدم المجشر كتب الى ابى الصيداء يسأله ان يقدم عليه هو و اصحابه، فقدم ابو الصيداء و ثابت قطنه، فحبسهما، فقال ابو الصيداء: غدرتم و رجعتم عما قلتم! فقال له هانئ: ليس بغدر

56

ما كان فيه حقن الدماء و حمل أبا الصيداء الى الاشرس، و حبس ثابت قطنه عنده، فلما حمل ابو الصيداء اجتمع اصحابه و ولوا امرهم أبا فاطمه، ليقاتلوا هانئا، فقال لهم: كفوا حتى اكتب الى اشرس فيأتينا رايه فنعمل بامره فكتبوا الى اشرس، فكتب اشرس: ضعوا عليهم الخراج، فرجع اصحاب ابى الصيداء، فضعف امرهم، فتتبع الرؤساء منهم فأخذوا، و حملوا الى مرو، و بقي ثابت محبوسا، و اشرك اشرس مع هانئ بن هانئ سليمان بن ابى السرى مولى بنى عوافه في الخراج، فالح هانئ و العمال في جبايه الخراج، و استخفوا بعظماء العجم، و سلط المجشر عميرة بن سعد على الدهاقين، فأقيموا و خرقت ثيابهم، و القيت مناطقهم في أعناقهم، و أخذوا الجزية ممن اسلم من الضعفاء، فكفرت السغد و بخارى، و استجاشوا الترك، فلم يزل ثابت قطنه في حبس المجشر، حتى قدم نصر بن سيار واليا على المجشر، فحمل ثابتا الى اشرس مع ابراهيم بن عبد الله الليثى فحبسه و كان نصر بن سيار الطفه، و احسن اليه، فمدحه ثابت قطنه، و هو محبوس عند اشرس فقال:

ما هاج شوقك من نوى و احجار* * * و من رسوم عفاها صوب امطار!

لم يبق منها و من اعلام عرصتها* * * الا شجيج و الا موقد النار

و مائل في ديار الحى بعدهم* * * مثل الربيئة في اهدامه العاري‏

ديار ليلى قفار لا انيس بها* * * دون الحجون و اين الحجن من دارى!

بدلت منها و قد شط المزار بها* * * وادي المخافة لا يسرى بها السارى‏

بين السماوه في حزم مشرقه* * * و معنق دوننا آذيه جار

نقارع الترك ما تنفك نائحه* * * منا و منهم على ذي نجده شار

ان كان ظني بنصر صادقا ابدا* * * فيما ادبر من نقضي و امرارى‏

يصرف الجند حتى يستفي بهم* * * نهبا عظيما و يحوى ملك جبار