تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج8

- ابن جرير الطبري المزيد...
668 /
7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ثم دخلت‏

سنه سبع و اربعين و مائه‏

(ذكر الاخبار عن الاحداث التي كانت فيها) فمما كان فيها من ذلك اغاره استر خان الخوارزمي في جمع من الترك على المسلمين بناحيه أرمينية و سبيه من المسلمين و اهل الذمة خلقا كثيرا، و دخولهم تفليس، و قتلهم حرب بن عبد الله الراوندي الذى تنسب اليه الحربية ببغداد و كان حرب هذا- فيما ذكر- مقيما بالموصل في الفين من الجند، لمكان الخوارج الذين بالجزيرة و كان ابو جعفر حين بلغه نحزب الترك فيما هناك وجه اليهم لحربهم جبرئيل بن يحيى، و كتب الى حرب يأمره بالمسير معه، فسار معه حرب، فقتل حرب و هزم جبرئيل، و اصيب من المسلمين من ذكرت.

ذكر الخبر عن مهلك عبد الله بن على بن عباس‏

و في هذه السنه كان مهلك عبد الله بن على بن عباس و اختلفوا في سبب هلاكه، فقال بعضهم ما ذكره على بن محمد النوفلي عن ابيه ان أبا جعفر حج سنه سبع و اربعين و مائه بعد تقدمته المهدى على عيسى بن موسى باشهر، و قد كان عزل عيسى بن موسى عن الكوفه و أرضها، و ولى مكانه محمد بن سليمان ابن على، و اوفده الى مدينه السلام، فدعا به، فدفع اليه عبد الله بن على سرا في جوف الليل، ثم قال له: يا عيسى، ان هذا اراد ان يزيل النعمه عنى و عنك، و أنت ولى عهدي بعد المهدى، و الخلافه صائره إليك، فخذه إليك فاضرب عنقه، و إياك ان تخور او تضعف، فتنقض على امرى الذى دبرت‏

8

ثم مضى لوجهه، و كتب اليه من طريقه ثلاث مرات يسأله: ما فعل في الأمر الذى اوعز اليه فيه؟ فكتب اليه: قد انفذت ما امرت به، فلم يشك ابو جعفر في انه قد فعل ما امره به، و انه قد قتل عبد الله بن على، و كان عيسى حين دفعه اليه ستره، و دعا كاتبه يونس بن فروه، فقال له: ان هذا الرجل دفع الى عمه، و أمرني فيه بكذا و كذا فقال له: اراد ان يقتلك و يقتله، امرك بقتله سرا، ثم يدعيه عليك علانية ثم يقيدك به قال: فما الرأي؟

قال: الرأي ان تستره في منزلك، فلا نطلع على امره أحدا، فان طلبه منك علانية دفعته اليه علانية، و لا تدفعه اليه سرا ابدا، فانه و ان كان اسره إليك، فان امره سيظهر ففعل ذلك عيسى.

و قدم المنصور و دس الى عمومته من يحركهم على مسألته هبه عبد الله بن على لهم، و يطمعهم في انه سيفعل فجاءوا اليه و كلموه و رققوه، و ذكروا له الرحم، و أظهروا له رقه، فقال: نعم، على بعيسى بن موسى، فأتاه فقال له: يا عيسى، قد علمت انى دفعت إليك عمى و عمك عبد الله بن على قبل خروجى الى الحج، و امرتك ان يكون في منزلك، قال: قد فعلت ذلك يا امير المؤمنين، قال: فقد كلمني عمومتك فيه، فرايت الصفح عنه و تخليه سبيله، فاتنا به فقال: يا امير المؤمنين، ا لم تأمرني بقتله فقتلته! قال:

ما امرتك بقتله، انما امرتك بحبسه في منزلك قال: قد أمرتني بقتله، قال له المنصور: كذبت، ما امرتك بقتله ثم قال لعمومته: ان هذا قد اقر لكم بقتل أخيكم، و ادعى انى امرته بذلك، و قد كذب، قالوا: فادفعه إلينا نقتله به، قال: شأنكم به، فاخرجوه الى الرحبه، و اجتمع الناس، و شهر الأمر، فقام احدهم فشهر سيفه، و تقدم الى عيسى ليضربه، فقال له عيسى:

ا فاعل أنت؟ قال: اى و الله، قال: لا تعجلوا، ردوني الى امير المؤمنين، فردوه اليه، فقال: انما اردت بقتله ان تقتلني، هذا عمك حي سوى، ان أمرتني بدفعه إليك دفعته قال: ائتنا به، فأتاه به، فقال له عيسى: دبرت على امرا فخشيته، فكان كما خشيت، شانك و عمك قال: يدخل حتى‏

9

ارى رأيي ثم انصرفوا ثم امر به فجعل في بيت أساسه ملح، و اجرى في أساسه الماء، فسقط عليه فمات، فكان من امره ما كان و توفى عبد الله بن على في هذه السنه و دفن في مقابر باب الشام، فكان أول من دفن فيها.

و ذكر عن ابراهيم بن عيسى بن المنصور بن بريه انه قال: كانت وفاه عبد الله بن على في الحبس سنه سبع و اربعين و مائه، و هو ابن اثنتين و خمسين سنه.

قال ابراهيم بن عيسى: لما توفى عبد الله بن على ركب المنصور يوما و معه عبد الله بن عياش، فقال له و هو يجاريه: ا تعرف ثلاثة خلفاء، اسماؤهم على العين مبدؤها، قتلوا ثلاثة خوارج مبدأ اسمائهم العين؟ قال: لا اعرف الا ما تقول العامه، ان عليا قتل عثمان- و كذبوا- و عبد الملك بن مروان قتل عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث، و عبد الله بن الزبير و عمرو بن سعيد و عبد الله بن على سقط عليه البيت، فقال له المنصور: فسقط على عبد الله بن على البيت، فانا ما ذنبي؟ قال: ما قلت ان لك ذنبا

. ذكر خبر البيعه للمهدي و خلع عيسى بن موسى‏

و في هذه السنه خلع المنصور عيسى بن موسى و بايع لابنه المهدى، و جعله ولى عهد من بعده و قال بعضهم: ثم من بعده عيسى بن موسى.

ذكر الخبر عن سبب خلعه اياه و كيف كان الأمر في ذلك:

اختلف في الذى وصل به ابو جعفر الى خلعه، فقال بعضهم: السبب الذى وصل به ابو جعفر الى ذلك هو ان أبا جعفر اقر عيسى بن موسى بعد وفاه ابى العباس على ما كان ابو العباس ولاه من ولايه الكوفه و سوادها، و كان له مكرما مجلا، و كان إذا دخل عليه اجلسه عن يمينه، و اجلس المهدى عن يساره، فكان ذلك فعله به، حتى عزم المنصور على تقديم المهدى في الخلافه عليه و كان ابو العباس جعل الأمر من بعده لأبي جعفر، ثم من بعد

10

ابى جعفر لعيسى بن موسى، فلما عزم المنصور على ذلك كلم عيسى بن موسى في تقديم ابنه عليه برفيق من الكلام، فقال عيسى: يا امير المؤمنين، فكيف بالايمان و المواثيق التي على و على المسلمين لي من العتق و الطلاق و غير ذلك من مؤكد الايمان! ليس الى ذلك سبيل يا امير المؤمنين فلما راى ابو جعفر امتناعه، تغير لونه و باعده بعض المباعده، و امر بالاذن للمهدي قبله، فكان يدخل فيجلس عن يمين المنصور في مجلس عيسى، ثم يؤذن العيسى فيدخل فيجلس دون مجلس المهدى عن يمين المنصور أيضا، و لا يجلس عن يساره في المجلس الذى كان يجلس فيه المهدى، فيغتاظ من ذلك المنصور، و يبلغ منه، فيأمر بالاذن للمهدي ثم يأمر بعده بالاذن لعيسى بن على، فيلبث هنيهة، ثم عبد الصمد بن على، ثم يلبث هنيهة، ثم عيسى بن موسى.

فإذا كان بعد ذلك قدم في الاذن للمهدي على كل حال، ثم يخلط في الآخرين، فيقدم بعض من اخر و يؤخر بعض من قدم و يوهم عيسى ابن موسى انه انما يبدأ بهم لحاجه تعرض و لمذاكرتهم بالشي‏ء من امره، ثم يؤذن لعيسى بن موسى من بعدهم، و هو في ذلك كله صامت لا يشكو منه شيئا، و لا يستعتب ثم صار الى اغلظ من ذلك، فكان يكون في المجلس معه بعض ولده، فيسمع الحفر في اصل الحائط فيخاف ان يخر عليه الحائط، و ينتثر عليه التراب، و ينظر الى الخشبة من سقف المجلس قد حفر عن احد طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته و ثيابه، فيأمر من معه من ولده بالتحويل، و يقوم هو فيصلى، ثم يأتيه الاذن فيقوم فيدخل بهيئته و التراب عليه لا ينفضه، فإذا رآه المنصور قال له: يا عيسى، ما يدخل على احد بمثل هيئتك من كثره الغبار عليك و التراب! ا فكل هذا من الشارع؟

فيقول: احسب ذلك يا امير المؤمنين، و انما يكلمه المنصور بذلك ليستطمعه ان يشكو اليه شيئا فلا يشكو، و كان المنصور قد ارسل اليه في الأمر الذى‏

11

اراد منه عيسى بن على، فكان عيسى بن موسى لا يحمد منه مدخله فيه، كأنه كان يغرى به فقيل: انه دس لعيسى بن موسى بعض ما يتلفه، فنهض من المجلس، فقال له المنصور: الى اين يا أبا موسى؟ قال: أجد غمزا يا امير المؤمنين، قال: ففي الدار إذا! قال: الذى اجده أشد مما اقيم معه في الدار، قال: فالى اين؟ قال: الى المنزل، و نهض فصار الى حراقته، و نهض المنصور في اثره الى الحراقة متفزعا له، فاستاذنه عيسى في المسير الى الكوفه، فقال: بل تقيم فتعالج هاهنا، فأبى و الح عليه، فاذن له و كان الذى جراه على ذلك طبيبه بختيشوع ابو جبرئيل، قال: انى و الله ما اجترئ على معالجتك بالحضرة، و ما آمن على نفسي فاذن له المنصور، و قال له: انا على الحج في سنتي هذه، فانا مقيم عليك بالكوفه حتى تفيق ان شاء الله.

و تقارب وقت الحج، فشخص المنصور حتى صار بظهر الكوفه في موضع يدعى الرصافه، فأقام بها أياما، فأجرى هناك الخيل، و عاد عيسى غير مره، ثم رجع الى مدينه السلام و لم يحج، و اعتل بقله الماء في الطريق.

و بلغت العله من عيسى بن موسى كل مبلغ، حتى تمعط شعره، ثم افاق من علته تلك فقال فيه يحيى بن زياد بن ابى حزابه البرجمى ابو زياد:

افلت من شربه الطبيب كما* * * افلت ظبى الصريم من قتره‏

من قانص ينفذ الفريص إذا* * * ركب سهم الحتوف في وتره‏

دافع عنك المليك صوله ليث* * * يريد الأسد في ذرى خمره‏

حتى أتانا و فيه داخله* * * تعرف في سمعه و في بصره‏

ازعر قد طار عن مفارقه* * * وحف اثيث النبات من شعره‏

و ذكر ان عيسى بن على كان يقول للمنصور: ان عيسى بن موسى انما يمتنع من البيعه للمهدي لأنه يربص هذا الأمر لابنه موسى، فموسى‏

12

الذى يمنعه فقال المنصور لعيسى بن على: كلم موسى بن عيسى و خوفه على ابيه و على ابنه، فكلم عيسى بن على موسى في ذلك، فاياسه، فتهدده و حذره غضب المنصور فلما وجل موسى و اشفق و خاف ان يقع به المكروه، اتى العباس بن محمد، فقال: اى عم، انى مكلمك بكلام، لا و الله ما سمعه منى احد قط، و لا يسمعه احد ابدا، و انما اخرجه منى إليك موضع الثقه بك و الطمأنينة إليك، و هو امانه عندك، فإنما هي نفسي أنثلها في يدك قال: قل يا بن أخي، فلك عندي ما تحبه، قال: ارى ما يسام ابى من اخراج هذا الأمر من عنقه و تصييره للمهدي، فهو يؤذى بصنوف الأذى و المكروه، فيتهدد مره و يؤخر اذنه مره، و تهدم عليه الحيطان مره، و تدس اليه الحتوف مره فأبى لا يعطى على هذا شيئا، لا يكون ذلك ابدا، و لكن هاهنا وجها، فلعله يعطى عليه ان اعطى و الا فلا، قال: فما هو يا بن أخي؟

فإنك قد اصبت و وفقت، قال: يقبل عليه امير المؤمنين و انا شاهد فيقول له:

يا عيسى، انى اعلم انك لست تضن بهذا الأمر على المهدى لنفسك، لتعالى سنك و قرب اجلك، فإنك تعلم انه لا مده لك تطول فيه، و انما تضن به لمكان ابنك موسى، ا فتراني ادع ابنك يبقى بعدك و يبقى ابنى معه فيلي عليه! كلا و الله لا يكون ذلك ابدا، و لأثبن على ابنك و أنت تنظر حتى تياس منه، و آمن ان يلى على ابنى ا ترى ابنك آثر عندي من ابنى! ثم يأمر بي، فاما خنقت و اما شهر على سيف فان أجاب الى شي‏ء فعسى ان يفعل بهذا السبب، فاما بغيره فلا فقال العباس: جزاك الله يا بن أخي خيرا، فقد فديت اباك بنفسك، و آثرت بقاءه على حظك، نعم الرأي رايت، و نعم المسلك سلكت! ثم اتى أبا جعفر فاخبره الخبر، فجزى المنصور موسى خيرا، و قال:

قد احسن و اجمل، و سافعل ما اشار به ان شاء الله، فلما اجتمعوا و عيسى ابن على حاضر، اقبل المنصور على عيسى بن موسى، فقال: يا عيسى، انى‏

13

لا اجهل مذهبك الذى تضمره، و لا مداك الذى تجرى اليه في الأمر الذى سألتك، انما تريد هذا الأمر لابنك هذا المشئوم عليك و على نفسه، فقال عيسى بن على: يا امير المؤمنين، غمزنى البول، قال: فندعو لك بإناء تبول فيه، قال: ا في مجلسك يا امير المؤمنين! ذاك ما لا يكون، و لكن اقرب البلاليع منى ادل عليها فآتيها فامر من يدله، فانطلق فقال عيسى ابن موسى لابنه موسى: قم مع عمك، فاجمع عليه ثيابه من ورائه، و أعطه منديلا ان كان معك ينشف به، فلما جلس عيسى يبول جمع موسى عليه ثيابه من ورائه و هو لا يراه، فقال: من هذا؟ فقال: موسى بن عيسى، فقال: بابى أنت و بابى أب ولدك! و الله انى لأعلم انه لا خير في هذا الأمر بعدكما، و انكما لاحق به، و لكن المرء مغرى بما تعجل، فقال موسى في نفسه: أمكنني و الله هذا من مقاتله، و هو الذى يغرى بابى، و الله لاقتلنه بما قال لي، ثم لا أبالي ان يقتلني امير المؤمنين بعده، بل يكون في قتله عزاء لأبي و سلو عنى ان قتلت فلما رجعا الى موضعهما قال موسى: يا امير المؤمنين، اذكر لأبي امرا؟ فسره ذلك، و ظن انه يريد ان يذاكره بعض امرهم، فقال:

قم، فقام اليه، فقال: يا أبت، ان عيسى بن على قد قتلك و إياي قتلات بما يبلغ عنا، و قد أمكنني من مقاتله، قال: و كيف؟ قال:

قال لي كيت و كيت، فاخبر امير المؤمنين فيقتله، فتكون قد شفيت نفسك و قتلته قبل ان يقتلك و إياي ثم لا نبالى ما كان بعد فقال: أف لهذا رايا و مذهبا! ائتمنك عمك على مقاله اراد ان يسرك بها، فجعلتها سببا لمكروهه و تلفه! لا يسمعن هذا منك احد، وعد الى مجلسك فقام فعاد، و انتظر ابو جعفر ان يرى لقيامه الى ابيه و كلامه أثرا فلم يره، فعاد الى وعيده الاول و تهدده، فقال: اما و الله لاعجلن لك فيه ما يسوءك و يوئسك من بقائه بعدك، أيا ربيع، قم الى موسى فاخنقه بحمائله، فقام الربيع فضم حمائله عليه، فجعل يخنقه بها خنقا رويدا، و موسى يصيح: الله الله يا امير المؤمنين في و في دمى! فانى لبعيد مما تظن بي، و ما يبالى عيسى ان تقتلني و له بضعه عشر نفرا ذكرا-

14

كلهم عنده مثلي- او يتقدمني، و هو يقول: اشدد يا ربيع، ائت على نفسه، و الربيع يوهم انه يريد تلفه، و هو يراخى خناقه، و موسى يصيح، فلما راى ذاك عيسى قال: و الله يا امير المؤمنين ما ظننت ان الأمر يبلغ منك هذا كله فمر بالكف عنه، فانى لم أكن لارجع الى اهلى، و قد قتل بسبب هذا الأمر عبد من عبيدي، فكيف بابني! فها انا اشهدك ان نسائي طوالق و مماليكى احرار، و ما املك في سبيل الله، تصرف ذلك فيمن رايت يا امير المؤمنين، و هذه يدي بالبيعه للمهدي فاخذ بيعته له على ما أحب ثم قال: يا أبا موسى، انك قد قضيت حاجتي هذه كارها، و لي حاجه أحب ان تقضيها طائعا، فتغسل بها ما في نفسي من الحاجة الاولى، قال: و ما هي يا امير المؤمنين؟

قال: تجعل هذا الأمر من بعد المهدى لك، قال: ما كنت لادخل فيها بعد إذ خرجت منها فلم يدعه هو و من حضره من اهل بيته حتى قال: يا امير المؤمنين، أنت اعلم فقال بعض اهل الكوفه- و مر عليه عيسى في موكبه: هذا هذا الذى كان غدا، فصار بعد غد و هذه القصة- فيما قيل- منسوبة الى آل عيسى انهم يقولونها.

و اما الذى يحكى عن غيرهم في ذلك، فهو ان المنصور اراد البيعه للمهدي، فكلم الجند في ذلك، فكانوا إذا رأوا عيسى راكبا اسمعوه ما كره، فشكا ذلك الى المنصور، فقال للجند: لا تؤذوا ابن أخي، فانه جلده بين عيني، و لو كنت تقدمت إليكم لضربت أعناقكم، فكانوا يكفون ثم يعودون، فمكث بذلك زمانا، ثم كتب الى عيسى:

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الله المنصور امير المؤمنين الى عيسى بن موسى سلام عليك، فانى احمد إليك الله الذى لا اله الا هو.

اما بعد، فالحمد لله ذي المن القديم، و الفضل العظيم، و البلاء الحسن الجميل، الذى ابتدأ الخلق بعلمه، و انفذ القضاء بامره، فلا يبلغ مخلوق كنه حقه، و لا ينال في عظمته كنه ذكره، يدبر ما اراد من الأمور بقدرته، و يصدرها عن مشيئته، لا قاضى فيها غيره، و لا نفاذ لها الا به، يجريها على اذلالها، لا يستأمر

15

فيها وزيرا، و لا يشاور فيها معينا، و لا يلتبس عليه شي‏ء اراده، يمضى قضاؤه فيما أحب العباد و كرهوا، لا يستطيعون منه امتناعا، و لا عن انفسهم دفاعا، رب الارض و من عليها، له الخلق و الأمر تبارك الله رب العالمين.

ثم انك قد علمت الحال التي كنا عليها في ولايه الظلمه، كيف كانت قوتنا و حيلتنا، لما اجترأ عليه اهل بيت اللعنه فيما أحببنا و كرهنا، فصبرنا أنفسنا على ما دعونا اليه من تسليم الأمور الى من اسندوها اليه، و اجتمع رأيهم عليه، نسام الخسف، و نوطا بالعسف، لا ندفع ظلما، و لا نمنع ضيما، و لا نعطى حقا، و لا ننكر منكرا، و لا نستطيع لها و لا لأنفسنا نفعا، حتى إذا بلغ الكتاب اجله، و انتهى الأمر الى مدته، و اذن الله في هلاك عدوه، و ارتاح بالرحمه لأهل بيت نبيه ص، فابتعث الله لهم أنصارا يطلبون بثارهم، و يجاهدون عدوهم، و يدعون الى حبهم، و ينصرون دولتهم، من ارضين متفرقه، و اسباب مختلفه، و أهواء مؤتلفه، فجمعهم الله على طاعتنا، و الف بين قلوبهم بمودتنا على نصرتنا، و اعزهم بنصرنا، لم نلق منهم رجلا، و لم نشهر معهم الا ما قذف الله في قلوبهم، حتى ابتعثهم لنا من بلادهم، ببصائر نافذه، و طاعه خالصه، يلقون الظفر، و يعودون بالنصر، و ينصرون بالرعب، لا يلقون أحدا الا هزموه، و لا واترا الا قتلوه، حتى بلغ الله بنا بذلك اقصى مدانا و غاية منانا و منتهى آمالنا و اظهار حقنا، و اهلاك عدونا، كرامة من الله جل و عز لنا، و فضلا منه علينا، بغير حول منا و لا قوه، ثم لم نزل من ذلك في نعمه الله و فضله علينا، حتى نشا هذا الغلام، فقذف الله له في قلوب انصار الدين الذين ابتعثهم لنا مثل ابتدائه لنا أول امرنا، و اشرب قلوبهم مودته، و قسم في صدورهم محبته، فصاروا

16

لا يذكرون الا فضله، و لا ينوهون الا باسمه، و لا يعرفون الا حقه، فلما راى امير المؤمنين ما قذف الله في قلوبهم من مودته، و اجرى على السنتهم من ذكره، و معرفتهم اياه بعلاماته و اسمه، و دعاء العامه الى طاعته، ايقنت نفس امير المؤمنين ان ذلك امر تولاه الله و صنعه، لم يكن للعباد فيه امر و لا قدره، و لا مؤامره و لا مذاكره، للذي راى امير المؤمنين من اجتماع الكلمه، و تتابع العامه، حتى ظن امير المؤمنين انه لو لا معرفه المهدى بحق الأبوة، لافضت الأمور اليه و كان امير المؤمنين لا يمنع مما اجتمعت عليه العامه، و لا يجد مناصا عن خلاص ما دعوا اليه، و كان أشد الناس على امير المؤمنين في ذلك الأقرب فالأقرب من خاصته و ثقاته من حرسه و شرطه، فلم يجد امير المؤمنين بدا من استصلاحهم و متابعتهم، و كان امير المؤمنين و اهل بيته أحق من سارع الى ذلك و حرص عليه، و رغب فيه و عرف فضله، و رجا بركته، و صدق الرواية فيه، و حمد الله إذ جعل في ذريته مثل ما سالت الأنبياء قبله، إذ قال العبد الصالح: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» فوهب الله لأمير المؤمنين وليا، ثم جعله تقيا مباركا مهديا، و للنبي(ص)سميا، و سلب من انتحل هذا الاسم، و دعا الى تلك الشبهه التي تحير فيها اهل تلك النيه، و افتتن بها اهل تلك الشقوة، فانتزع ذلك منهم، و جعل دائره السوء عليهم، و اقر الحق قراره، و اعلن للمهدي مناره، و للدين انصاره، فأحب امير المؤمنين ان يعلمك الذى اجتمع عليه راى رعيته، و كنت في نفسه بمنزله ولده، يحب من سترك و رشدك و زينك ما يحب لنفسه و ولده، و يرى لك إذا بلغك من حال ابن عمك ما ترى من اجتماع الناس عليه ان يكون ابتداء ذلك من قبلك، ليعلم أنصارنا من اهل خراسان و غيرهم انك اسرع الى ما أحبوا مما عليه رأيهم في صلاحهم منهم الى ذلك من انفسهم، و ان ما كان‏

17

عليه من فضل عرفوه للمهدي، او املوه فيه، كنت احظى الناس بذلك، و اسرهم به لمكانه و قرابته، فاقبل نصح امير المؤمنين لك، تصلح و ترشد و السلام عليك و (رحمه الله).

فكتب اليه عيسى بن موسى جوابها:

بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله عبد الله امير المؤمنين من عيسى بن موسى سلام عليك يا امير المؤمنين و (رحمه الله)، فانى احمد إليك الله الذى لا اله الا هو، اما بعد فقد بلغنى كتابك تذكر فيه ما اجمعت عليه من خلاف الحق و ركوب الإثم في قطيعه الرحم، و نقض ما أخذ الله عليه من الميثاق من العامه بالوفاء للخلافة و العهد لي من بعدك، لتقطع بذلك ما وصل الله من حبله، و تفرق بين ما الف الله جمعه، و تجمع بين ما فرق الله امره، مكابرة لله في سمائه، و حولا على الله في قضائه، و متابعه للشيطان في هواه، و من كابر الله صرعه، و من نازعه قمعه، و من ما كره عن شي‏ء خدعه، و من توكل على الله منعه، و من تواضع لله رفعه ان الذى اسس عليه البناء، و خط عليه الحذاء من الخليفة الماضى عهد لي من الله، و امر نحن فيه سواء، ليس لأحد من المسلمين فيه رخصه دون احد، فان وجب وفاء فيه فما الاول بأحق به من الآخر، و ان حل من الآخر شي‏ء فما حرم ذلك من الاول، بل الاول الذى تلا خبره و عرف اثره، و كشف عما ظن به و امل فيه اسرع، و كان الحق اولى بالذي اراد ان يصنع أولا، فلا يدعوك الى الأمن من البلاء اغترار بالله، و ترخيص للناس في ترك الوفاء، فان من أجابك الى ترك شي‏ء وجب لي و استحل ذلك منى، لم يحرج إذا امكنته الفرصة و افتنته الرخصه ان يكون الى مثل ذاك منك اسرع، و يكون بالذي اسست من ذلك ابخع.

فاقبل العاقبه و ارض من الله بما صنع، و خذ ما أوتيت بقوة، و كن من الشاكرين.

فان الله جل و عز زائد من شكره، وعدا منه حقا لا خلف فيه، فمن راقب الله حفظه، و من اضمر خلافه خذله، و الله‏ يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما

18

تُخْفِي الصُّدُورُ و لسنا مع ذلك نامن من حوادث الأمور و بغتات الموت قبل ما ابتدأت به من قطيعتي، فان تعجل بي امر كنت قد كفيت مئونة ما اغتممت له، و سترت قبح ما اردت اظهاره، و ان بقيت بعدك لم تكن اوغرت صدري، و قطعت رحمي، و لا اظهرت أعدائي في اتباع اثرك، و قبول ادبك، و عمل بمثالك.

و ذكرت ان الأمور كلها بيد الله، هو مدبرها و مقدرها و مصدرها عن مشيئته، فقد صدقت، ان الأمور بيد الله، و قد حق على من عرف ذلك و وصفه العمل به و الانتهاء اليه و اعلم انا لسنا جررنا الى أنفسنا نفعا، و لا دفعنا عنها ضرا، و لا نلنا الذى عرفته بحولنا و لا قوتنا، و لو وكلنا في ذلك الى أنفسنا و اهوائنا لضعفت قوتنا، و عجزت قدرتنا في طلب ما بلغ الله بنا، و لكن الله إذا اراد عزما لانفاذ امره، و انجاز وعده، و اتمام عهده، و تاكيد عقده، احكم ابرامه، و ابرم احكامه، و نور اعلانه، و ثبت أركانه، حين اسس بنيانه، فلا يستطيع العباد تاخير ما عجل، و لا تعجيل ما اخر، غير ان الشيطان عدو مضل مبين، قد حذر الله طاعته، و بين عداوته، ينزع بين ولاه الحق و اهل طاعته، ليفرق جمعهم، و يشتت شملهم، و يوقع العداوة و البغضاء بينهم، و يتبرأ منهم عند حقائق الأمور، و مضايق البلايا، و قد قال الله عز و جل في كتابه: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏» و وصف الذين اتقوا فقال: «إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ‏»، فاعيذ امير المؤمنين بالله من ان يكون نيته و ضمير سريرته‏

19

خلاف ما زين الله به جل و عز من كان قبله، فانه قد سألتهم ابناؤهم، و نازعتهم اهواؤهم، الى مثل الذى هم به امير المؤمنين، فآثروا الحق على ما سواه، و عرفوا ان الله لا غالب لقضائه، و لا مانع لعطائه، و لم يأمنوا مع ذلك تغيير النعم و تعجيل النقم، فآثروا الآجلة، و قبلوا العاقبه، و كرهوا التغيير، و خافوا التبديل، فأظهروا الجميل، فتمم الله لهم أمورهم، و كفاهم ما أهمهم، و منع سلطانهم، و أعز أنصارهم، و كرم أعوانهم، و شرف بنيانهم، فتمت النعم، و تظاهرت المنن، فاستوجبوا الشكر، فتم امر الله و هم كارهون.

و السلام على امير المؤمنين و (رحمه الله).

فلما بلغ أبا جعفر المنصور كتابه امسك عنه، و غضب غضبا شديدا، و عاد الجند لأشد ما كانوا يصنعون، منهم اسد بن المرزبان و عقبه بن سلم و نصر بن حرب بن عبد الله، في جماعه، فكانوا يأتون باب عيسى، فيمنعون من يدخل اليه، فإذا ركب مشوا خلفه و قالوا: أنت البقره التي قال الله:

«فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ‏»، فعاد فشكاهم، فقال له المنصور:

يا بن أخي، انا و الله اخافهم عليك و على نفسي، قد اشربوا حب هذا الفتى، فلو قدمته بين يديك فيكون بيني و بينك لكفوا فأجاب عيسى الى ان يفعل.

و ذكر عن إسحاق الموصلى، عن الربيع، ان المنصور لما رجع اليه من عند عيسى جواب كتابه الذى ذكرنا، وقع في كتابه: اسل عنها تنل منها عوضا في الدنيا، و تامن تبعتها في الآخرة.

و قد ذكر في وجه خلع المنصور عيسى بن موسى قول غير هذين القولين، و ذلك ما ذكره ابو محمد المعروف بالاسوارى بن عيسى الكاتب، قال: اراد ابو جعفر ان يخلع عيسى بن موسى من ولايه العهد، و يقدم المهدى عليه، فأبى ان يجيبه الى ذلك، و أعيا الأمر أبا جعفر فيه، فبعث الى خالد بن برمك، فقال له: كلمه يا خالد، فقد ترى امتناعه من البيعه‏

20

للمهدي، و ما قد تقدمنا به في امره، فهل عندك حيله فيه، فقد أعيتنا وجوه الحيل، و ضل عنا الرأي! فقال: نعم يا امير المؤمنين، تضم الى ثلاثين رجلا من كبار الشيعة، ممن تختاره قال: فركب خالد بن برمك، و ركبوا معه، فساروا الى عيسى بن موسى، فابلغوه رساله ابى جعفر المنصور، فقال:

ما كنت لاخلع نفسي و قد جعل الله عز و جل الأمر لي، فاداره خالد بكل وجه من وجوه الحذر و الطمع، فأبى عليه، فخرج خالد عنه و خرجت الشيعة بعده، فقال لهم خالد: ما عندكم في امره؟ قالوا: نبلغ امير المؤمنين رسالته و نخبره بما كان منا و منه، قال: لا، و لكنا نخبر امير المؤمنين انه قد أجاب، و نشهد عليه ان انكره، قالوا له: افعل، فانا نفعل، فقال لهم: هذا هو الصواب، و ابلغ امير المؤمنين فيما حاول و اراد.

قال: فساروا الى ابى جعفر و خالد معهم، فاعلموه انه قد أجاب، فاخرج التوقيع بالبيعه للمهدي، و كتب بذلك الى الافاق، قال: و اتى عيسى ابن موسى لما بلغه الخبر أبا جعفر منكرا لما ادعى عليه من الإجابة الى تقديم المهدى على نفسه، و ذكره الله فيما قد هم به فدعاهم ابو جعفر، فسألهم فقالوا: نشهد عليه انه قد أجاب، و ليس له ان يرجع، فامضى ابو جعفر الأمر، و شكر لخالد ما كان منه، و كان المهدى يعرف ذلك له، و يصف جزاله الرأي منه فيه.

و ذكر عن على بن محمد بن سليمان، قال: حدثنى ابى، عن عبد الله بن ابى سليم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: انى لاسير مع سليمان بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، و قد عزم ابو جعفر على ان يقدم المهدى على عيسى بن موسى في البيعه، فإذا نحن بابى نخيله الشاعر، و معه ابناه و عبداه، و كل واحد منهما يحمل شيئا من متاع، فوقف عليهم سليمان بن عبد الله، فقال: أبا نخيله، ما هذا الذى ارى؟ و ما هذه الحال التي أنت فيها؟

قال: كنت نازلا على القعقاع- و هو رجل من آل زراره، و كان يتولى‏

21

لعيسى بن موسى الشرطه- فقال لي: اخرج عنى، فان هذا الرجل قد اصطنعنى، و قد بلغنى انك قلت شعرا في هذه البيعه للمهدي، فأخاف ان يبلغه ذلك ان يلزمني لائمه لنزولك على، فازعجنى حتى خرجت قال: فقال لي: يا عبد الله، انطلق بابى نخيله فبوئه في منزلي موضعا صالحا، و استوص به و بمن معه خيرا ثم خبر سليمان بن عبد الله أبا جعفر بشعر ابى نخيله الذى يقول فيه:

عيسى فزحلفها الى محمد* * * حتى تؤدى من يد الى يد

فيكم و تغنى و هي في تزيد* * * فقد رضينا بالغلام الأمرد

قال: فلما كان في اليوم الذى بايع فيه ابو جعفر لابنه المهدى و قدمه على عيسى، دعا بابى نخيله، فأمره فانشد الشعر، فكلمه سليمان بن عبد الله، و اشار عليه في كلامه ان يجزل له العطية، و قال: انه شي‏ء يبقى لك في الكتب، و يتحدث الناس به على الدهر، و يخلد على الأيام، و لم يزل به حتى امر له بعشره آلاف درهم و ذكر عن حيان بن عبد الله بن حبران الحماني، قال: حدثنى ابو نخيله، قال: قدمت على ابى جعفر، فاقمت ببابه شهرا لا اصل اليه، حتى قال لي ذات يوم عبد الله بن الربيع الحارثى: يا أبا نخيله، ان امير المؤمنين يرشح ابنه للخلافة و العهد، و هو على تقدمته بين يدي عيسى بن موسى، فلو قلت شيئا تحثه على ذلك، و تذكر فضل المهدى، كنت بالحرى ان تصيب منه خيرا و من ابنه، فقلت:

22

دونك عبد الله اهل ذاكا* * * خلافه الله التي أعطاكا

اصفاك اصفاك بها اصفاكا* * * فقد نظرنا زمنا اباكا

ثم نظرناك لها إياكا* * * و نحن فيهم و الهوى هواكا

نعم، فنستذرى الى ذراكا* * * اسند الى محمد عصاكا

فابنك ما استرعيته كفاكا* * * فاحفظ الناس لها ادناكا

فقد جفلت الرجل و الاوراكا* * * و حكت حتى لم أجد محاكا

و درت في هذا و ذا و ذاكا* * * و كل قول قلت في سواكا

زور و قد كفر هذا ذاكا

و قلت أيضا كلمتي التي اقول فيها:

الى امير المؤمنين فاعمدى* * * سيرى الى بحر البحور المزبد

أنت الذى يا بن سمى احمد* * * و يا بن بيت العرب المشيد

بل يا أمين الواحد المؤبد* * * ان الذى ولاك رب المسجد

امسى ولى عهدها بالاسعد* * * عيسى فزحلفها الى محمد

من قبل عيسى معهدا عن معهد* * * حتى تؤدى من يد الى يد

فيكم و تغنى و هي في تزيد* * * فقد رضينا بالغلام الأمرد

بل قد فرغنا غير ان لم نشهد* * * و غير ان العقد لم يؤكد

فلو سمعنا قولك امدد امدد* * * كانت لنا كدعقه الورد الصدى‏

23

فبادر البيعه ورد الحشد* * * تبين من يومك هذا او غد

فهو الذى تم فما من عند* * * و زاد ما شئت فزده يزدد

و رده منك رداء يرتد* * * فهو رداء السابق المقلد

قد كان يروى انها كان قد* * * عادت و لو قد فعلت لم تردد

فهى ترامى فدفدا عن فدفد* * * حينا، فلو قد حان ورد الورد

و حان تحويل الغوى المفسد* * * قال لها الله هلمي و ارشدى‏

فأصبحت نازله بالمعهد* * * و المحتد المحتد خير المحتد

لم يرم تذمار النفوس الحسد* * * بمثل قرم ثابت مؤيد

لما انتحوا قدحا بزند مصلد* * * بلوا بمشزور القوى المستحصد

يزداد ايقاظا على التهدد* * * فداولوا باللين و التعبد

صمصامه تاكل كل مبرد

قال: فرويت و صارت في افواه الخدم، و بلغت أبا جعفر، فسال عن قائلها، فاخبر انها لرجل من بنى سعد بن زيد مناه، فاعجبه، فدعاني فادخلت عليه، و ان عيسى بن موسى لعن يمينه، و الناس عنده، و رءوس القواد و الجند، فلما كنت بحيث يراني، ناديت: يا امير المؤمنين، أدنني منك حتى افهمك و تسمع مقالتي فأومأ بيده، فأدنيت حتى كنت قريبا منه، فلما صرت بين يديه قلت- و رفعت صوتي- انشده من هذا الموضع، ثم رجعت الى أول‏

24

الأرجوزه، فأنشدتها من أولها الى هذا الموضع أيضا، فأعدت عليه حتى اتيت على آخرها، و الناس منصتون، و هو يتسار بما انشده، مستمعا له، فلما خرجنا من عنده إذا رجل واضع يده على منكبى، فالتفت فإذا عقال بن شبه يقول: اما أنت فقد سررت امير المؤمنين، فان التام الأمر على ما تحب و قلت، فلعمرى لتصيبن منه خيرا و ان يك غير ذلك، فابتغ‏ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ قال: فكتب له المنصور بصله الى الري، فوجه عيسى في طلبه، فلحق في طريقه، فذبح و سلخ وجهه.

و قيل: قتل بعد ما انصرف من الري، و قد أخذ الجائزة.

و ذكر عن الوليد بن محمد العنبري ان سبب اجابه عيسى أبا جعفر الى تقديم المهدى عليه كان ان سلم بن قتيبة قال له: ايها الرجل بايع، و قدمه على نفسك، فإنك لن تخرج من الأمر، قد جعل لك الأمر من بعده و ترضى امير المؤمنين قال: او ترى ذلك؟ قال: نعم، قال: فانى افعل، فاتى سلم المنصور فاعلمه اجابه عيسى، فسر بذلك و عظم قدر سلم عنده.

و بايع الناس للمهدي و لعيسى بن موسى من بعده و خطب المنصور خطبته التي كان فيها تقديم المهدى على عيسى، و خطب عيسى بعد ذلك فقدم المهدى على نفسه، و وفى له المنصور بما كان ضمن له.

و قد ذكر عن بعض صحابه ابى جعفر انه قال: تذاكرنا امر ابى جعفر المنصور و امر عيسى بن موسى في البيعه و خلعه إياها من عنقه و تقديمه المهدى، فقال لي رجل من القواد سماه: و الله الذى لا اله غيره، ما كان خلعه إياها منه الا برضا من عيسى و ركون منه الى الدراهم، و قله علمه بقدر الخلافه، و طلبا للخروج منها، اتى يوم خرج للخلع فخلع نفسه، و انى لفي مقصوره مدينه السلام، إذ خرج علينا ابو عبيد الله كاتب المهدى، في جماعه من اهل خراسان، فتكلم عيسى، فقال: انى قد سلمت ولايه العهد

25

لمحمد بن امير المؤمنين، و قدمته على نفسي، فقال ابو عبيد الله: ليس هكذا أعز الله الأمير، و لكن قل ذلك بحقه و صدقه، و اخبر بما رغبت فيه، فأعطيت، قال: نعم، قد بعت نصيبي من تقدمه ولايه العهد من عبد الله امير المؤمنين لابنه محمد المهدى بعشره آلاف الف درهم و ثلاثمائه الف بين ولدى فلان و فلان و فلان- سماهم- و سبعمائة الف لفلانة امراه من نسائه- سماها- بطيب نفس منى و حب، لتصييرها اليه، لأنه اولى بها و أحق، و اقوى عليها و على القيام بها، و ليس لي فيها حق لتقدمته، قليل و لا كثير، فما ادعيته بعد يومى هذا فانا فيه مبطل لا حق لي فيه و لا دعوى و لا طلبه قال: و الله و هو في ذلك، ربما نسى الشي‏ء بعد الشي‏ء فيوقفه عليه ابو عبيد الله، حتى فرغ، حبا للاستيثاق منه و ختم الكتاب و شهد عليه الشهود و انا حاضر، حتى وضع عليه عيسى خطه و خاتمه، و القوم جميعا، ثم دخلوا من باب المقصورة الى القصر.

قال: و كسا امير المؤمنين عيسى و ابنه موسى و غيره من ولده كسوه بقيمة الف الف درهم و نيف و مائتي الف درهم و كانت ولايه عيسى بن موسى الكوفه و سوادها و ما حولها ثلاث عشره سنه، حتى عزله المنصور، و استعمل محمد بن سليمان بن على حين امتنع من تقديم المهدى على نفسه.

و قيل: ان المنصور انما ولى محمد بن سليمان الكوفه حين ولاه إياها ليستخف بعيسى، فلم يفعل ذلك محمد، و لم يزل معظما له مبجلا.

و في هذه السنه ولى ابو جعفر محمد بن ابى العباس- ابن أخيه- البصره فاستعفى منها فأعفاه، فانصرف عنها الى مدينه السلام، فمات بها، فصرخت امراته البغوم بنت على بن الربيع: وا قتيلاه! فضربها رجل من الحرس بجلويز على عجيزتها، فتعاوره خدم لمحمد بن ابى العباس فقتلوه، فطل دمه.

و كان محمد بن ابى العباس حين شخص عن البصره استخلف بها عقبه‏

26

ابن سلم، فاقره عليها ابو جعفر الى سنه احدى و خمسين و مائه.

و حج بالناس في هذه السنه المنصور.

و كان عامله فيها على مكة و الطائف عمه عبد الصمد بن على و على المدينة جعفر بن سليمان و على الكوفه و أرضها محمد بن سليمان و على البصره عقبه ابن سلم و على قضائها سوار بن عبد الله و على مصر يزيد بن حاتم‏

27

ثم دخلت‏

سنه ثمان و اربعين و مائه‏

ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمما كان فيها من ذلك توجيه المنصور حميد بن قحطبه الى أرمينية لحرب الترك الذين قتلوا حرب بن عبد الله، و عاثوا بتفليس، فسار حميد الى أرمينية، فوجدهم قد ارتحلوا، فانصرف و لم يلق منهم أحدا.

و في هذه السنه عسكر صالح بن على بدابق- فيما ذكر- و لم يغز.

و حج بالناس فيها جعفر بن ابى جعفر المنصور.

و كانت ولاه الأمصار في هذه السنه ولاتها في السنه التي قبلها

28

ثم دخلت‏

سنه تسع و اربعين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمما كان فيها من ذلك غزوه العباس بن محمد الصائفه ارض الروم، و معه الحسن بن قحطبه و محمد بن الاشعث، فهلك محمد بن الاشعث في الطريق.

و في هذه السنه استتم المنصور بناء سور مدينه بغداد، و فرغ من خندقها و جميع أمورها.

و فيها شخص الى حديثه الموصل، ثم انصرف الى مدينه السلام.

و حج في هذه السنه بالناس محمد بن ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس.

و في هذه السنه عزل عبد الصمد بن على عن مكة، و وليها محمد بن ابراهيم.

و كانت عمال الأمصار في هذه السنه العمال الذين كانوا عمالها في سنه سبع و اربعين و مائه و سنه ثمان و اربعين و مائه، غير مكة و الطائف، فان واليهما كان في هذه السنه محمد بن ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس‏

29

ثم دخلت‏

سنه خمسين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث)

ذكر خروج استاذسيس‏

4 فمما كان فيها من ذلك خروج استاذسيس في اهل هراة و باذغيس و سجستان و غيرها من عامه خراسان، و ساروا حتى التقوا هم و اهل مرو الروذ، فخرج اليهم الاجثم المروروذى في اهل مرو الروذ، فقاتلوه قتالا شديدا حتى قتل الاجثم، و كثر القتل في اهل مرو الروذ، و هزم عده من القواد، منهم معاذ بن مسلم بن معاذ و جبرئيل بن يحيى و حماد بن عمرو و ابو النجم السجستانى و داود بن كراز، فوجه المنصور و هو بالبردان خازم ابن خزيمة الى المهدى، فولاه المهدى محاربه استاذسيس، و ضم القواد اليه.

فذكر ان معاويه بن عبيد الله وزير المهدى كان يوهن امر خازم، و المهدى يومئذ بنيسابور، و كان معاويه يخرج الكتب الى خازم بن خزيمة و الى غيره من القواد بالأمر و النهى، فاعتل خازم و هو في عسكره، فشرب الدواء ثم ركب البريد، حتى قدم على المهدى بنيسابور، فسلم عليه و استخلاه- و بحضرته ابو عبيد الله- فقال المهدى: لا عيق عليك من ابى عبيد الله، فقل ما بدا لك، فأبى خازم ان يخبره او يكلمه، حتى قام ابو عبيد الله، فلما خلا به شكا اليه امر معاويه بن عبيد الله، و اخبره بعصبيته و تحامله، و ما كان يرد من كتبه عليه و على من قبله من القواد، و ما صاروا اليه بذلك من الفساد و التامر في انفسهم، و الاستبداد بآرائهم، و قله السمع و الطاعة و ان امر الحرب لا يستقيم الا برأس، و الا يكون في عسكره لواء يخفق على راس احد الا لواؤه او لواء هو عقده، و اعلمه انه غير راجع الى قتال استاذسيس و من معه الا بتفويض الأمر اليه و اعفائه من معاويه بن عبيد الله، و ان يأذن‏

30

له في حل الويه القواد الذين معه، و ان يكتب اليهم بالسمع له و الطاعة.

فأجابه المهدى الى كل ما سال.

فانصرف خازم الى عسكره، فعمل برايه، و حل لواء من راى حل لوائه من القواد، و عقد لواء لمن اراد، و ضم اليه من كان انهزم من الجنود، فجعلهم حشوا يكثر بهم من معه في أخريات الناس، و لم يقدمهم لما في قلوب المغلوبين من روعه الهزيمة، و كان من ضم اليه من هذه الطبقة اثنين و عشرين ألفا، ثم انتخب سته آلاف رجل من الجند، فضمهم الى اثنى عشر ألفا كانوا معه متخيرين، و كان بكار بن مسلم العقيلي فيمن انتخب، ثم تعبا للقتال و خندق و استعمل الهيثم بن شعبه بن ظهير على ميمنته، و نهار بن حصين السعدي على ميسرته، و كان بكار بن مسلم العقيلي على مقدمته و ترار خدا على ساقته، و كان من أبناء ملوك اعاجم خراسان، و كان لواؤه مع الزبرقان و علمه مع مولاه بسام، فمكر بهم و راوغهم في تنقله من موضع الى موضع و خندق الى خندق حتى قطعهم، و كان اكثرهم رجاله، ثم سار خازم الى موضع فنزله، و خندق عليه، و ادخل خندقه جميع ما اراد، و ادخل فيها جميع اصحابه، و جعل له اربعه أبواب، و جعل على كل باب منها من اصحابه الذين انتخب، و هم اربعه آلاف، و جعل مع بكار صاحب مقدمته الفين، تكمله الثمانية عشر ألفا و اقبل الآخرون و معهم المروز و الفؤوس و الزبل، يريدون دفن الخندق و دخوله، فاتوا الخندق من الباب الذى كان عليه بكار بن مسلم، فشدوا عليه شده لم يكن لأصحاب بكار نهاية دون ان انهزموا حتى دخلوا عليهم الخندق.

فلما راى ذلك بكار رمى بنفسه، فترجل على باب الخندق ثم نادى اصحابه: يا بنى الفواجر، من قبلي يؤتى المسلمون! فترجل من معه من عشيرته و اهله نحو من خمسين رجلا، فمنعوا بابهم حتى اجلوا القوم عنه، و اقبل الى الباب الذى كان عليه خازم رجل كان مع استاذسيس من اهل سجستان، يقال له الحريش، و هو الذى كان يدبر امرهم، فلما رآه خازم‏

31

مقبلا بعث الى الهيثم بن شعبه، و كان في الميمنه- ان اخرج من بابك الذى أنت عليه، فخذ غير الطريق الذى يوصلك الى الباب الذى عليه بكار، فان القوم قد شغلوا بالقتال و بالاقبال إلينا، فإذا علوت فجزت مبلغ أبصارهم فاتهم من خلفهم و قد كانوا في تلك الأيام يتوقعون قدوم ابى عون و عمرو بن سلم ابن قتيبة من طخارستان و بعث خازم الى بكار بن مسلم: إذا رايت رايات الهيثم بن شعبه قد جاءتك من خلفك، فكبروا و قولوا: قد جاء اهل طخارستان.

ففعل ذلك اهل الهيثم، و خرج خازم في القلب على الحريش السجستانى، فاجتلدوا بالسيوف جلادا شديدا، و صبر بعضهم لبعض، فبينا هم على تلك الحال إذ نظروا الى اعلام الهيثم و اصحابه، فتنادوا فيما بينهم، و جاء اهل طخارستان، فلما نظر اصحاب الحريش الى تلك الاعلام، و نظر من كان بإزاء بكار بن مسلم إليها، شد عليهم اصحاب خازم فكشفوهم، و لقيهم اصحاب الهيثم، فطعنوهم بالرماح، و رموهم بالنشاب، و خرج عليهم نهار بن حصين و اصحابه من ناحيه الميسره، و بكار بن مسلم و اصحابه من ناحيتهم، فهزموهم و وضعوا فيهم السيوف، فقتلهم المسلمون و أكثروا، فكان من قتل منهم في تلك المعركة نحوا من سبعين ألفا، و أسروا اربعه عشر ألفا، و لجأ استاذسيس الى جبل في عده من اصحابه يسيره، فقدم خازم الأربعة عشر الف اسير، فضرب أعناقهم، و سار حتى نزل باستاذسيس في الجبل الذى كان لجأ اليه، و وافى خازما بذلك المكان ابو عون و عمرو بن سلم بن قتيبة في أصحابهما، فانزلهم خازم ناحيه، و قال: كونوا مكانكم حتى نحتاج إليكم فحصر خازم استاذسيس و اصحابه حتى نزلوا على حكم ابى عون، و لم يرضوا الا بذلك، فرضى بذلك خازم، فامر أبا عون باعطائهم ان ينزلوا على حكمه، ففعل، فلما نزلوا على حكم ابى عون حكم فيهم ان يوثق استاذسيس و بنوه و اهل بيته بالحديد، و ان يعتق الباقون و هم ثلاثون ألفا، فانفذ ذلك خازم من حكم ابى عون، و كسا كل رجل منهم ثوبين، و كتب‏

32

خازم بما فتح الله عليه، و اهلك عدوه الى المهدى، فكتب بذلك المهدى الى امير المؤمنين المنصور.

و اما محمد بن عمر، فانه ذكر ان خروج استاذسيس و الحريش كان في سنه خمسين و مائه، و ان استاذسيس هزم في سنه احدى و خمسين و مائه.

و في هذه السنه عزل المنصور جعفر بن سليمان عن المدينة، و ولاها الحسن ابن يزيد بن حسن بن حسن بن على بن ابى طالب ص.

و فيها توفى جعفر بن ابى جعفر المنصور، الاكبر بمدينه السلام، و صلى عليه أبوه المنصور، و دفن ليلا في مقابر قريش، و لم تكن للناس في هذه السنه صائفه، قيل ان أبا جعفر كان ولى الصائفه في هذه السنه أسيدا، فلم يدخل بالناس ارض العدو، و نزل مرج دابق.

و حج بالناس في هذه السنه عبد الصمد بن على بن عبد الله بن عباس.

و كان العامل على مكة و الطائف في هذه السنه عبد الصمد بن على بن عبد الله بن عباس- و قيل كان العامل على مكة و الطائف في هذه السنه محمد ابن ابراهيم بن محمد- و على المدينة الحسن بن زيد العلوي، و على الكوفه محمد ابن سليمان بن على، و على البصره عقبه بن سلم، و على قضائها سوار، و على مصر يزيد بن حاتم.

33

ثم دخلت‏

سنه احدى و خمسين و مائه‏

(ذكر الخبر عن الاحداث التي كانت فيها) فمن ذلك ما كان من اغاره الكرك فيها في البحر على جده، ذكر ذلك محمد بن عمر.

و فيها ولى عمر بن حفص بن عثمان بن ابى صفره إفريقية، و عزل عن السند و ولى موضعه هشام بن عمرو التغلبى.

ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور عمر بن حفص عن السند و توليته اياه إفريقية و استعماله على السند هشام بن عمرو

و كان سبب ذلك- فيما ذكر على بن محمد بن سليمان بن على العباسي عن ابيه- ان المنصور ولى عمر بن حفص الصفرى الذى يقال له هزار مرد السند- فأقام بها حتى خرج محمد بن عبد الله بالمدينة و ابراهيم بالبصرة، فوجه محمد بن عبد الله اليه ابنه عبد الله بن محمد الذى يقال له الاشتر، في نفر من الزيدية الى البصره، و امرهم ان يشتروا مهاره- خيل عتاق بها- و يمضوا بها معهم الى السند، ليكون سببا له الى الوصول الى عمر بن حفص، و انما فعل ذلك به لأنه كان فيمن بايعه من قواد ابى جعفر، و كان له ميل الى آل ابى طالب، فقدموا البصره على ابراهيم بن عبد الله، فاشتروا منها مهاره- و ليس في بلاد السند و الهند شي‏ء انفق من الخيل العتاق- و مضوا في البحر حتى صاروا الى السند، ثم صاروا الى عمر بن حفص، فقالوا: نحن قوم نخاسون، و معنا خيل عتاق، فأمرهم ان يعرضوا خيلهم، فعرضوها عليه، فلما صاروا اليه، قال له بعضهم: أدنني منك اذكر لك شيئا، فأدناه منه، و قال له: انا جئناك بما هو خير لك من الخيل، و ما لك فيه‏

34

خير الدنيا و الآخرة، فأعطنا الامان على خلتين: اما انك قبلت ما أتيناك به، و اما سترت و امسكت عن اذانا حتى نخرج من بلادك راجعين.

فأعطاهم الامان، فقالوا: ما للخيل أتيناك، و لكن هذا ابن رسول الله(ص)عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن، ارسله أبوه إليك، و قد خرج بالمدينة، و دعا لنفسه بالخلافة، و خرج اخوه ابراهيم بالبصرة و غلب عليها، فقال: بالرحب و السعه، ثم بايعهم له، و امر به فتوارى عنده، و دعا اهل بيته و قواده و كبراء اهل البلد للبيعه، فأجابوه، فقطع الاعلام البيض و الأقبية البيض و القلانس البيض، و هيأ لبسته من البياض يصعد فيها الى المنبر، و تهيأ لذلك يوم خميس، فلما كان يوم الأربعاء إذا حراقه قد وافت من البصره، فيها رسول لخليده بنت المعارك- امراه عمر بن حفص- بكتاب اليه تخبره بقتل محمد بن عبد الله، فدخل على عبد الله فاخبره الخبر، و عزاه، ثم قال له: انى كنت بايعت لأبيك، و قد جاء من الأمر ما ترى.

فقال له: ان امرى قد شهر، و مكاني قد عرف، و دمى في عنقك، فانظر لنفسك اودع قال: قد رايت رايا، هاهنا ملك من ملوك السند، عظيم المملكة، كثير التبع، و هو على شركه أشد الناس تعظيما لرسول الله ص، و هو رجل وفى، فأرسل اليه، فاعقد بينك و بينه عقدا، و اوجهك اليه تكون عنده، فلست ترام معه قال: افعل ما شئت، ففعل ذلك، فصار اليه، فأظهر إكرامه و بره برا كثيرا، و تسللت اليه الزيدية حتى صار اليه منهم أربعمائة انسان من اهل البصائر، فكان يركب فيهم فيصيد و يتنزه في هيئة الملوك و آلاتهم، فلما قتل محمد و ابراهيم انتهى خبر عبد الله الاشتر الى المنصور، فبلغ ذلك منه، فكتب الى عمر بن حفص يخبره بما بلغه، فجمع عمر بن حفص قرابته، فقرا عليهم كتاب المنصور يخبرهم انه ان اقر بالقصة لم ينظره المنصور ان يعزله، و ان صار اليه قتله، و ان امتنع حاربه فقال له رجل من اهل بيته: الق الذنب على، و اكتب‏

35

اليه بخبري، و خذنى الساعة فقيدني و احبسنى، فانه سيكتب: احمله الى، فاحملني اليه، فلم يكن ليقدم على لموضعك في السند، و حال اهل بيتك بالبصرة قال: انى اخاف عليك خلاف ما تظن، قال: ان قتلت انا فنفسي فداؤك فانى سخى بها فداء لنفسك، فان حييت فمن الله فامر به فقيد و حبس، و كتب الى المنصور يخبره بذلك، فكتب اليه المنصور يأمره بحمله اليه، فلما صار اليه قدمه فضرب عنقه، ثم مكث يروى من يولى السند! فاقبل يقول: فلان فلان، ثم يعرض عنه، فبينا هو يوما يسير و معه هشام بن عمرو التغلبى، و المنصور ينظر اليه في موكبه، إذ انصرف الى منزله، فلما القى ثوبه دخل الربيع فاذنه بهشام فقال: او لم يكن معى آنفا! قال: ذكر ان له حاجه عرضت مهمه فدعا بكرسي فقعد عليه، ثم اذن له، فلما مثل بين يديه قال: يا امير المؤمنين، انى انصرفت الى منزلي من الموكب، فلقيتني أختي فلانة بنت عمرو، فرايت من جمالها و عقلها و دينها ما رضيتها لأمير المؤمنين، فجئت لاعرضها عليه، فاطرق المنصور، و جعل ينكت الارض بخيزرانه في يده، و قال: اخرج يأتك امرى، فلما ولى قال: يا ربيع، لو لا بيت قاله جرير في بنى تغلب لتزوجت اخته و هو قوله:

لا تطلبن خئوله في تغلب* * * فالزنج اكرم منهم أخوالا

فأخاف ان تلد لي ولدا، فيعير بهذا البيت، و لكن اخرج اليه، فقل له: يقول لك امير المؤمنين: لو كانت لك لله حاجه الى لم اعدل عنها غير التزويج، و لو كانت لي حاجه الى التزويج لقبلت ما أتيتني به، فجزاك الله عما عمدت له خيرا، و قد عوضتك من ذلك ولايه السند و امره ان يكاتب ذلك الملك، فان أطاعه و سلم اليه عبد الله بن محمد، و الا حاربه و كتب الى عمر بن حفص بولايته إفريقية فخرج هشام بن عمرو التغلبى الى السند

36

فوليها، و اقبل عمر بن حفص يخوض البلاد حتى صار الى إفريقية، فلما صار هشام بن عمرو الى السند كره أخذ عبد الله، و اقبل يرى الناس انه يكاتب الملك و يرفق به، فاتصلت الاخبار بابى جعفر بذلك، فجعل يكتب اليه يستحثه، فبينا هو كذلك إذ خرجت خارجه ببعض بلاد السند، فوجه اليهم أخاه سفنجا، فخرج يجر الجيش و طريقه بجنبات ذلك الملك، فبينا هو يسير إذا هو برهج قد ارتفع من موكب، فظن انه مقدمه للعدو الذى يقصد، فوجه طلائعه فرجعت، فقالت: ليس هذا عدوك الذى تريد، و لكن هذا عبد الله بن محمد الاشتر العلوي ركب متنزها، يسير على شاطئ مهران، فمضى يريده، فقال له نصاحة: هذا ابن رسول الله ص، و قد علمت ان اخاك تركه متعمدا، مخافه ان يبوء بدمه، و لم يقصدك، انما خرج متنزها، و خرجت تريد غيره فاعرض عنه، و قال: ما كنت لادع أحدا يحوزه، و لا ادع أحدا يحظى بالتقرب الى المنصور بأخذه و قتله.

و كان في عشره، فقصد قصده، و ذمر اصحابه، فحمل عليه، فقاتله عبد الله و قاتل اصحابه بين يديه حتى قتل و قتلوا جميعا، فلم يفلت منهم مخبر، و سقط بين القتلى، فلم يشعر به و قيل: ان اصحابه قذفوه في مهران لما قتل، لئلا يؤخذ راسه، فكتب هشام بن عمرو بذلك كتاب فتح الى المنصور، يخبره انه قصده قصدا فكتب اليه المنصور يحمد امره، و يأمره بمحاربه الملك الذى آواه، و ذلك ان عبد الله كان اتخذ جواري، و هو بحضره ذلك الملك، فاولد منهن واحده محمد بن عبد الله- و هو ابو الحسن محمد العلوي الذى يقال له ابن الاشتر- فحاربه حتى ظفر به، و غلب على مملكته و قتله، و وجه بام ولد عبد الله و ابنه الى المنصور، فكتب المنصور الى و اليه بالمدينة، يخبره بصحة نسب الغلام، و بعث به اليه، و امره ان يجمع آل ابى طالب، و ان يقرا عليهم كتابه بصحة نسب الغلام، و يسلمه الى اقربائه.

و في هذه السنه قدم على المنصور ابنه المهدى من خراسان، و ذلك في‏

37

شوال منها- فوفد اليه للقائه و تهنئه المنصور بمقدمه عامه اهل بيته، من كان منهم بالشام و الكوفه و البصره و غيرها، فاجازهم و كساهم و حملهم، و فعل مثل ذلك بهم المنصور، و جعل لابنه المهدى صحابه منهم، و اجرى لكل رجل منهم خمسمائة درهم‏

. ذكر خبر بناء المنصور الرصافه‏

و في هذه السنه ابتدأ المنصور ببناء الرصافه في الجانب الشرقى من مدينه السلام لابنه محمد المهدى.

ذكر الخبر عن سبب بنائه ذلك له:

ذكر عن احمد بن محمد الشروى، عن ابيه، ان المهدى لما قدم من خراسان امره المنصور بالمقام بالجانب الشرقى، و بنى له الرصافه، و عمل لها سورا و خندقا و ميدانا و بستانا، و اجرى له الماء، فكان يجرى الماء من نهر المهدى الى الرصافه.

و اما خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن خازم، فانه ذكر ان محمد ابن موسى بن محمد بن ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس حدثه، ان أباه حدثه، ان الراونديه لما شغبوا على ابى جعفر و حاربوه على باب الذهب، دخل عليه قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس- و هو يومئذ شيخ كبير مقدم عند القوم- فقال له ابو جعفر: أ ما ترى ما نحن فيه من التياث الجند علينا! قد خفت ان تجتمع كلمتهم فيخرج هذا الأمر من أيدينا، فما ترى؟ قال: يا امير المؤمنين، عندي في هذا راى ان انا اظهرته لك فسد، و ان تركتني امضيته، صلحت لك خلافتك، و هايك جندك.

فقال له: ا فتمضى في خلافتي امرا لا تعلمني ما هو! فقال له: ان كنت عندك متهما على دولتك فلا تشاورنى، و ان كنت مأمونا عليها فدعني امضى رأيي فقال له: فامضه قال: فانصرف قثم الى منزله، فدعا غلاما له فقال له:

38

إذا كان غدا فتقدمني، فاجلس في دار امير المؤمنين، فإذا رأيتني قد دخلت و توسطت اصحاب المراتب، فخذ بعنان بغلتي، فاستوقفني و استحلفني بحق رسول الله، و حق العباس و حق امير المؤمنين لما وقفت لك، و سمعت مسألتك و اجبتك عنها، فانى سانتهرك، و اغلظ لك القول، فلا يهولنك ذلك منى، و عاودني بالمسألة فانى ساشتمك، فلا يروعنك ذلك، و عاودني بالقول و المسألة، فانى ساضربك بسوطي، فلا يشق ذلك عليك، فقل لي:

اى الحيين اشرف؟ اليمن أم مضر؟ فإذا اجبتك فخل عنان بغلتي و أنت حر.

قال: فغدا الغلام، فجلس حيث امره من دار الخليفة، فلما جاء الشيخ فعل الغلام ما امره به مولاه، و فعل المولى ما كان قاله له، ثم قال له:

قل، فقال: اى الحيين اشرف؟ اليمن أم مضر؟ قال: فقال قثم:

مضر كان منها رسول الله ص، و فيها كتاب الله عز و جل، و فيها بيت الله، و منها خليفه الله قال: فامتعضت اليمن إذ لم يذكر لها شي‏ء من شرفها، فقال له قائد من قواد اليمن: ليس الأمر كذلك مطلقا بغير شرفه و لا فضيله لليمن، ثم قال لغلامه: قم فخذ بعنان بغله الشيخ، فاكبحها كبحا عنيفا تطامن به منه، قال: ففعل الغلام ما امره به مولاه حتى كاد ان يقعيها على عراقيبها، فامتعضت من ذلك مضر، فقالت:

ا يفعل هذا بشيخنا! فامر رجل منهم غلامه، فقال: اقطع يد العبد، فقام الى غلام اليماني فقطع يده، فنفر الحيان، و صرف قثم بغلته، فدخل على ابى جعفر، و افترق الجند، فصارت مضر فرقه، و اليمن فرقه، و الخراسانيه فرقه، و ربيعه فرقه، فقال قثم لأبي جعفر: قد فرقت بين جندك، و جعلتهم أحزابا كل حزب منهم يخاف ان يحدث عليك حدثا، فتضربه بالحزب الآخر، و قد بقي عليك في التدبير بقية، قال: ما هي؟ قال: اعبر بابنك فانزله في ذلك الجانب قصرا، و حوله و حول معك من جيشك معه قوما

39

فيصير ذلك بلدا، و هذا بلدا، فان فسد عليك اهل هذا الجانب ضربتهم باهل ذلك الجانب، و ان فسد عليك اهل ذلك الجانب ضربتهم باهل هذا الجانب، و ان فسدت عليك مضر ضربتها باليمن و ربيعه و الخراسانيه، و ان فسدت عليك اليمن ضربتها بمن أطاعك من مضر و غيرها.

قال: فقبل امره و رايه، فاستوى له ملكه، و كان ذلك سبب البناء في الجانب الشرقى و في الرصافه و اقطاع القواد هناك.

قال: و تولى صالح صاحب المصلى القطائع في الجانب الشرقى، ففعل كفعل ابى العباس الطوسى في فضول القطائع في الجانب الغربي، فله بباب الجسر و سوق يحيى و مسجد خضير و في الرصافه و طريق الزواريق على دجلة مواضع بناء، بما استوهب من فضل الاقطاع عن اهله، و صالح رجل من اهل خراسان.

و في هذه السنه جدد المنصور البيعه لنفسه و لابنه محمد المهدى من بعده، و لعيسى بن موسى من بعد المهدى على اهل بيته في مجلسه في يوم جمعه، و قد عمهم بالاذن فيه، فكان كل من بايعه منهم يقبل يده و يد المهدى، ثم يمسح على يد عيسى بن موسى و لا يقبل يده.

و غزا الصائفه في هذه السنه عبد الوهاب بن ابراهيم بن محمد

. امر عقبه بن سلم‏

و فيها شخص عقبه بن سلم من البصره و استخلف عليها ابنه نافع بن عقبه الى البحرين، فقتل سليمان بن حكيم العبدى و سبى اهل البحرين، و بعث ببعض من سبى منهم و أسارى منهم الى ابى جعفر، فقتل منهم عده و وهب بقيتهم للمهدي، فمن عليهم و اعتقهم، و كسا كل انسان منهم ثوبين من ثياب مرو

40

ثم عزل عقبه بن سلم عن البصره، فذكر عن افريك- جاريه اسد بن المرزبان- انها قالت: بعث المنصور اسد بن المرزبان الى عقبه بن سلم الى البحرين حين قتل منهم من قتل، ينظر في امره، فمايله و لم يستقص عليه، و ورى عنه، فبلغ ذلك أبا جعفر، و بلغه انه أخذ منه مالا، فبعث اليه أبا سويد الخراسانى- و كان صديق اسد- و أخاه، فلما رآه مقبلا على البريد فرح، و كان ناحيه من عسكر عقبه، فتطاول له، و قال: صديقي فوقف عليه فوثب ليقوم اليه، فقال له ابو سويد بنشين بنشين، فجلس فقال له:

أنت سامع مطيع؟ قال: نعم، قال: مد يدك، فمد يده فضربها فأطنها، ثم مد رجله، ثم مد يده ثم رجله حتى قطع الأربع، ثم قال: مد عنقك فمد فضرب عنقه قالت افريك: فأخذت راسه فوضعته في حجري، فأخذه منى فحمله الى المنصور فما اكلت افريك لحما حتى ماتت.

و زعم الواقدى ان أبا جعفر ولى معن بن زائده في هذه السنه سجستان.

و حج بالناس في هذه السنه محمد بن ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس.

و كان العامل على مكة و الطائف محمد بن ابراهيم، و على المدينة الحسن ابن زيد، و على الكوفه محمد بن سليمان بن على، و على البصره جابر بن توبه الكلابى، و على قضائها سوار بن عبد الله، و على مصر يزيد بن حاتم.

41

ثم دخلت‏

سنه اثنتين و خمسين و مائه‏

(ذكر الخبر عن الاحداث التي كانت فيها) فمن ذلك ما كان من قتل الخوارج فيها معن بن زائده الشيبانى ببست سجستان.

و فيها غزا حميد بن قحطبه كابل، و كان المنصور ولاه خراسان في سنه ثنتين و خمسين و مائه و غزا- فيما ذكر- الصائفه عبد الوهاب بن ابراهيم و لم يدرب.

و قيل ان الذى غزا الصائفه في هذه السنه محمد بن ابراهيم.

و فيها عزل المنصور جابر بن توبه عن البصره، و ولاها يزيد بن منصور.

و فيها قتل ابو جعفر هاشم بن الاشتاخنج، و كان عصى و خالف في إفريقية، فحمل اليه هو و ابن خالد المروروذى، فقتل ابن الاشتاخنج بالقادسية، و هو متوجه الى مكة.

و حج بالناس في هذه السنه المنصور، فذكر انه شخص من مدينه السلام في شهر رمضان، و لا يعلم بشخوصه محمد بن سليمان، و هو عامله على الكوفه يومئذ، و لا عيسى بن موسى و لا غيرهما من اهل الكوفه حتى قرب منها.

و فيها عزل يزيد بن حاتم عن مصر و وليها محمد بن سعيد.

و كان عمال الأمصار في هذه السنه هم العمال في السنه الخالية الا البصره فان عاملها في هذه السنه كان يزيد بن منصور، و الا مصر فان عاملها كان في هذه السنه محمد بن سعيد

42

ثم دخلت‏

سنه ثلاث و خمسين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمن ذلك تجهيز المنصور جيشا في البحر لحرب الكرك، بعد مقدمه البصره، منصرفا من مكة إليها بعد فراغه من حجه، و كانت الكرك اغارت على جده، فلما قدم المنصور البصره في هذه السنه جهز منها جيشا لحربهم، فنزل الجسر الاكبر حين قدمها- فيما ذكر و قدمته هذه البصره القدمه الآخرة.

و قيل انه انما قدمها القدمه الآخرة في سنه خمس و خمسين و مائه، و كانت قدمته الاولى في سنه خمس و اربعين و مائه، و اقام بها اربعين يوما، و بنى بها قصرا ثم انصرف منها الى مدينه السلام.

و فيها غضب المنصور على ابى أيوب الموريانى، فحبسه و أخاه و بنى أخيه:

سعيدا و مسعودا و مخلدا و محمدا، و طالبهم و كانت منازلهم المناذر، و كان سبب غضبه عليه- فيما قيل- سعى ابان بن صدقه كاتب ابى أيوب اليه.

و في هذه السنه قتل عمر بن حفص بن عثمان بن ابى صفره بإفريقية، قتله ابو حاتم الأباضي و ابو عاد و من كان معهما من البربر، و كانوا- فيما ذكر- ثلاثمائة الف و خمسين ألفا، الخيل منها خمسه و ثلاثون ألفا، و معهم ابو قره الصفرى في اربعين ألفا، و كان يسلم عليه قبل ذلك بالخلافة اربعين يوما.

و فيها حمل عباد مولى المنصور و هرثمة بن اعين و يوسف بن علوان من خراسان في سلاسل، لتعصبهم لعيسى بن موسى.

و فيها أخذ المنصور الناس بلبس القلانس الطوال المفرطه الطول، و كانوا- فيما ذكر- يحتالون لها بالقصب من داخل، فقال ابو دلامه:

43

و كنا نرجى من امام زياده* * * فزاد الامام المصطفى في القلانس‏

تراها على هام الرجال كأنها* * * دنان يهود جللت بالبرانس‏

و فيها توفى عبيد بن بنت ابى ليلى قاضى الكوفه، فاستقضى مكانه شريك ابن عبد الله النخعى.

و فيها غزا الصائفه معيوف بن يحيى الحجورى، فصار الى حصن من حصون الروم ليلا، و اهله نيام، فسبى و اسر من كان فيه من المقاتله، ثم صار الى اللاذقيه المحترقة، ففتحها و اخرج منها سته آلاف راس من السبى سوى الرجال البالغين.

و فيها ولى المنصور بكار بن مسلم العقيلي على أرمينية.

و حج بالناس في هذه السنه محمد بن ابى جعفر المهدى.

و كان على مكة و الطائف يومئذ محمد بن ابراهيم، و على المدينة الحسن بن زيد بن الحسن، و على الكوفه محمد بن سليمان، و على البصره يزيد بن منصور، و على قضائها سوار، و على مصر محمد بن سعيد.

و ذكر الواقدى ان يزيد بن منصور كان في هذه السنه و الى اليمن من قبل ابى جعفر المنصور

44

ثم دخلت‏

سنه اربع و خمسين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمن ذلك خروج المنصور الى الشام و مسيره الى بيت المقدس وتوجيهه يزيد بن حاتم الى إفريقية في خمسين ألفا- فيما ذكر- لحرب الخوارج الذين كانوا بها، الذين قتلوا عامله عمر بن حفص و ذكر انه انفق على ذلك الجيش ثلاثة و ستين الف الف درهم.

و في هذه السنه عزم المنصور- فيما ذكر- على بناء مدينه الرافقه، فذكر عن محمد بن جابر، عن ابيه ان أبا جعفر لما اراد بناءها، امتنع اهل الرقة، و أرادوا محاربته، و قالوا: تعطل علينا أسواقنا و تذهب بمعايشنا، و تضيق منازلنا، فهم بمحاربتهم، و بعث الى راهب في الصومعة هنالك، فقال له:

هل لك علم بان إنسانا يبنى هاهنا مدينه؟ فقال: بلغنى ان رجلا يقال له مقلاص يبنيها، فقال: انا و الله مقلاص.

و ذكر محمد بن عمر ان صاعقه سقطت في هذه السنه في المسجد الحرام فقتلت خمسه نفر.

و فيها هلك ابو أيوب الموريانى و اخوه خالد، و امر المنصور موسى بن دينار حاجب ابى العباس الطوسى بقطع أيدي بنى أخي ابى أيوب و ارجلهم و ضرب أعناقهم، و كتب بذلك الى المهدى، ففعل ذلك موسى و انفذ فيهم ما امره به.

و فيها ولى عبد الملك بن ظبيان النميرى على البصره.

و غزا الصائفه في هذه السنه زفر بن عاصم الهلالي فبلغ الفرات.

و حج بالناس في هذه السنه محمد بن ابراهيم، و هو عامل ابى جعفر على مكة و الطائف‏

45

و كان على المدينة الحسن بن زيد، و على الكوفه محمد بن سليمان، و على البصره عبد الملك بن أيوب بن ظبيان و على قضائها سوار بن عبد الله و على السند هشام بن عمرو، و على إفريقية يزيد بن حاتم، و على مصر محمد ابن سعيد

46

ثم دخلت‏

سنه خمس و خمسين و مائه‏

(ذكر الخبر عن الاحداث التي كانت فيها) فمن ذلك افتتاح يزيد بن حاتم إفريقية و قتله أبا عاد و أبا حاتم و من كان معهما، و استقامت بلاد المغرب، و دخل يزيد بن حاتم القيروان.

و فيها وجه المنصور ابنه المهدى لبناء مدينه الرافقه، فشخص إليها، فبناها على بناء مدينته ببغداد في أبوابها و فصولها و رحابها و شوارعها و سور سورها و خندقها، ثم انصرف الى مدينته.

و فيها- فيما ذكر محمد بن عمر- خندق ابو جعفر على الكوفه و البصره، و ضرب عليهما سورا، و جعل ما انفق على سور ذلك و خندقه من اموال اهله.

و عزل فيها المنصور عبد الملك بن أيوب بن ظبيان عن البصره، و استعمل عليها الهيثم بن معاويه العتكي، و ضم اليه سعيد بن دعلج، و امره ببناء سور لها يطيف بها، و خندق عليها من دون السور من اموال أهلها، ففعل ذلك.

و ذكر ان المنصور لما اراد الأمر ببناء سور الكوفه و بحفر خندق لها، امر بقسمه خمسه دراهم، على اهل الكوفه، و اراد بذلك علم عددهم، فلما عرف عددهم امر بجبايتهم اربعين درهما من كل انسان، فجبوا، ثم امر بانفاق ذلك على سور الكوفه و حفر الخنادق لها، فقال شاعرهم:

يا لقومى ما لقينا* * * من امير المؤمنينا

قسم الخمسة فينا* * * و جبانا الاربعينا

و فيها طلب صاحب الروم الصلح الى المنصور، على ان يؤدى اليه الجزية.

و غزا الصائفه في هذه السنه يزيد بن اسيد السلمى.

و فيها عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة، و غرمه مالا،

47

و غضب عليه و حبسه، فذكر عن بعض بنى هاشم، انه قال: كان المنصور ولى العباس بن محمد الجزيرة بعد يزيد بن اسيد، ثم غضب عليه فلم يزل ساخطا عليه حتى غضب على بعض عمومته من ولد على بن عبد الله بن عباس اما اسماعيل بن على او غيره فاعتوره اهله و عمومته و نساؤهم يكلمونه فيه، و ضيقوا عليه فرضى عنه، فقال عيسى بن موسى: يا امير المؤمنين، ان آل على بن عبد الله- و ان كانت نعمك عليهم سابغه- فإنهم يرجعون الى الحسد لنا، فمن ذلك انك غضبت على اسماعيل بن على منذ ايام، فضيقوا عليك و أنت غضبان على العباس بن محمد، منذ كذا و كذا، فما رايت أحدا منهم كلمك فيه قال: فدعا العباس فرضى عنه.

قال: و قد كان يزيد بن اسيد عند عزل العباس اياه عن الجزيرة، شكا الى ابى جعفر العباس، و قال: يا امير المؤمنين، ان اخاك أساء عزلى، و شتم عرضي، فقال له المنصور: اجمع بين إحساني إليك و اساءه أخي يعتدلا، فقال يزيد بن اسيد: يا امير المؤمنين، إذا كان إحسانكم جزاء باساءتكم، كانت طاعتنا تفضلا منا عليكم.

و فيها استعمل المنصور على حرب الجزيرة و خراجها موسى بن كعب.

و في هذه السنه عزل المنصور عن الكوفه محمد بن سليمان بن على، في قول بعضهم، و استعمل مكانه عمرو بن زهير أخا المسيب بن زهير.

و اما عمر بن شبه فانه زعم انه عزل محمد بن سليمان عن الكوفه في سنه ثلاث و خمسين و مائه، و ولاها عمرو بن زهير الضبي أخا المسيب بن زهير في هذه السنه قال: و هو حفر الخندق بالكوفه.

ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور محمد بن سليمان بن على ذكر ان محمد بن سليمان اتى في عمله على الكوفه بعبد الكريم بن ابى العوجاء

48

- و كان خال معن بن زائده- فامر بحبسه قال ابو زيد: فحدثني قثم بن جعفر و الحسين بن أيوب و غيرهما ان شفعاءه كثروا بمدينه السلام، ثم ألحوا على ابى جعفر، فلم يتكلم فيه الا ظنين، فامر بالكتاب الى محمد بالكف عنه الى ان يأتيه رايه، فكلم ابن ابى العوجاء أبا الجبار- و كان منقطعا الى ابى جعفر و محمد ثم الى ابنائهما بعدهما- فقال له: ان أخرني الأمير ثلاثة ايام فله مائه الف، و لك أنت كذا و كذا، فاعلم ابو الجبار محمدا، فقال:

اذكرتنيه و الله و قد كنت نسيته، فإذا انصرفت من الجمعه فاذكرنيه فلما انصرف اذكره، فدعا به و امر بضرب عنقه، فلما ايقن انه مقتول، قال:

اما و الله لئن قتلتموني لقد وضعت اربعه آلاف حديث احرم فيها الحلال، و أحل فيها الحرام، و الله لقد فطرتكم في يوم صومكم، و صومتكم في يوم فطركم، فضربت عنقه.

و ورد على محمد رسول ابى جعفر بكتابه: إياك ان تحدث في امر ابن ابى العوجاء شيئا، فإنك ان فعلت فعلت بك و فعلت يتهدده فقال محمد للرسول:

هذا راس ابن ابى العوجاء و هذا بدنه مصلوبا بالكناسة، فاخبر امير المؤمنين بما اعلمتك، فلما بلغ الرسول أبا جعفر رسالته، تغيظ عليه و امر بالكتاب بعزله و قال: و الله لهممت ان اقيده به، ثم ارسل الى عيسى بن على فأتاه، فقال: هذا عملك أنت! اشرت بتوليه هذا الغلام، فوليته غلاما جاهلا لا علم له بما ياتى، يقدم على رجل يقتله من غير ان يطلع رأيي فيه، و لا ينتظر امرى:

و قد كتبت بعزله، و بالله لافعلن به و لافعلن يتهدده، فسكت عنه عيسى حتى سكن غضبه، ثم قال: يا امير المؤمنين، ان محمدا انما قتل هذا الرجل على الزندقة، فان كان قتله صوابا فهو لك، و ان كان خطا فهو على محمد، و الله يا امير المؤمنين لئن عزلته على تفيه ما صنع ليذهبن بالثناء و الذكر، و لترجعن القاله من العامه عليك فامر بالكتب فمزقت و اقر على عمله و قال بعضهم: انما عزل المنصور محمد بن سليمان عن الكوفه لأمور قبيحه‏

49

بلغته عنه، اتهمه فيها، و كان الذى انهى ذلك اليه المساور بن سوار الجرمي صاحب شرطه، و في مساور يقول حماد.

لحسبك من عجيب الدهر انى* * * اخاف و اتقى سلطان جرم‏

و في هذه السنه أيضا عزل المنصور الحسن بن زيد عن المدينة، و استعمل عليها عبد الصمد بن على، و جعل معه فليح بن سليمان مشرفا عليه.

و كان على مكة و الطائف محمد بن ابراهيم بن محمد، و على الكوفه عمرو بن زهير، و على البصره الهيثم بن معاويه، و على إفريقية يزيد بن حاتم، و على مصر محمد بن سعيد

50

ثم دخلت‏

سنه ست و خمسين و مائه‏

(ذكر الخبر عن الاحداث التي كانت فيها)

ذكر الخبر عن مقتل عمرو بن شداد

فمن ذلك ما كان من ظفر الهيثم بن معاويه عامل ابى جعفر على البصره بعمرو بن شداد عامل ابراهيم بن عبد الله على فارس، فقتل بالبصرة و صلب.

ذكر الخبر عن سبب الظفر به:

ذكر عمر ان محمد بن معروف حدثه، قال: أخبرني ابى، قال:

ضرب عمرو بن شداد خادما له، فاتى عامل البصره- اما ابن دعلج، و اما الهيثم ابن معاويه- فدله عليه، فأخذه فقتله و صلبه في المربد في موضع دار إسحاق ابن سليمان و كان عمرو مولى لبنى جمح، فقال بعضهم: ظفر به الهيثم ابن معاويه و خرج يريد مدينه السلام، فنزل بقصر له على شاطئ نهر يعرف بنهر معقل، فاقبل بريد من عند ابى جعفر، و معه كتاب الى الهيثم بن معاويه بدفع عمرو بن شداد اليه، فدفعه الهيثم اليه، فاقدمه البصره، ثم اتى به ناحيه الرحبه، فخلا به يسائله، فلم يظفر منه بشي‏ء يحب علمه، فقطع يديه و رجليه، و ضرب عنقه و صلبه في مربد البصره.

و في هذه السنه عزل المنصور الهيثم بن معاويه عن البصره و أعمالها، و استعمل سوار بن عبد الله القاضى على الصلاة، و جمع له القضاء و الصلاة و ولى المنصور سعيد بن دعلج شرط البصره و احداثها.

و فيها توفى الهيثم بن معاويه بعد ما عزل عن البصره فجاه بمدينه السلام، و هو على بطن جاريه له، فصلى عليه المنصور، و دفن في مقابر بنى هاشم.

و في هذه السنه غزا الصائفه زفر بن عاصم الهلالي‏

51

و حج بالناس في هذه السنه العباس بن محمد بن على.

و كان العامل على مكة محمد بن ابراهيم، و كان مقيما بمدينه السلام، و ابنه ابراهيم بن محمد خليفته بمكة، و كان اليه مع مكة الطائف و على الكوفه عمرو بن زهير، و على الاحداث و الجوالى و الشرط و صدقات ارض العرب بالبصرة سعيد بن دعلج، و على الصلاة بها و القضاء سوار بن عبد الله، و على كور دجلة و الاهواز و فارس عماره بن حمزه، و على كرمان و السند هشام بن عمرو، و على إفريقية يزيد بن حاتم، و على مصر محمد بن سعيد

52

ثم دخلت‏

سنه سبع و خمسين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمما كان فيها من ذلك ابتناء المنصور قصره الذى على شاطئ دجلة، الذى يدعى الخلد، و قسم بناءه على مولاه الربيع و ابان بن صدقه.

و فيها قتل يحيى ابو زكرياء المحتسب، و قد ذكرنا قبل سبب قتله اياه.

و فيها حول المنصور الاسواق من مدينه السلام الى باب الكرخ و غيره من المواضع، و قد مضى أيضا ذكرنا سبب ذلك قبل.

و فيها ولى المنصور جعفر بن سليمان على البحرين، فلم يتم ولايته، و وجه مكانه أميرا عليها سعيد بن دعلج، فبعث سعيد ابنه تميما عليها.

و فيها عرض المنصور جنده في السلاح و الخيل على عينه في مجلس اتخذه على شط دجلة دون قطربل، و امر اهل بيته و قرابته و صحابته يومئذ بلبس السلاح، و خرج و هو لابس درعا و قلنسوة تحت البيضه سوداء لاطئة مضربه.

و فيها توفى عامر بن اسماعيل المسلى، بمدينه السلام، فصلى عليه المنصور، و دفن في مقابر بنى هاشم.

و فيها توفى سوار بن عبد الله و صلى عليه ابن دعلج، و استعمل المنصور مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري.

و فيها عقد المنصور الجسر عند باب الشعير، و جرى ذلك على يد حميد القاسم الصيرفى، بأمر الربيع الحاجب.

و فيها عزل محمد بن سعيد الكاتب عن مصر، و استعمل عليها مطر مولى ابى جعفر المنصور

53

و فيها ولى معبد بن الخليل السند، و عزل عنها هشام بن عمرو، و معبد يومئذ بخراسان، كتب اليه بولايته.

و غزا الصائفه فيها يزيد بن اسيد السلمى، و وجه سنانا مولى البطال الى بعض الحصون، فسبى و غنم.

و قال محمد بن عمر: الذى غزا الصائفه في هذه السنه زفر بن عاصم.

و حج بالناس في هذه السنه ابراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس.

قال محمد بن عمر: كان على المدينة- يعنى ابراهيم هذا.

و قال غيره: كان على المدينة في هذه السنه عبد الصمد بن على، و كان على مكة و الطائف محمد بن ابراهيم، و على الاهواز و فارس عماره بن حمزه، و على كرمان و السند معبد بن الخليل، و على مصر مطر مولى المنصور.

54

ثم دخلت‏

سنه ثمان و خمسين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث)

ذكر الخبر عن توليه خالد بن برمك الموصل‏

فمما كان فيها من ذلك توجيه المنصور ابنه المهدى الى الرقة و امره اياه بعزل موسى بن كعب عن الموصل و توليه يحيى بن خالد بن برمك عليها.

و كان سبب ذلك- فيما ذكر الحسن بن وهب بن سعيد عن صالح بن عطية- قال: كان المنصور قد الزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف الف، و نذر دمه فيها، و اجله ثلاثة ايام بها، فقال خالد لابنه يحيى: يا بنى، انى قد اوذيت و طولبت بما ليس عندي، و انما يراد بذلك دمى، فانصرف الى حرمتك و اهلك، فما كنت فاعلا بهم بعد موتى فافعله ثم قال له: يا بنى، لا يمنعنك ذلك من ان تلقى إخواننا، و ان تمر بعماره بن حمزه و صالح صاحب المصلى و مبارك التركى فتعلمهم حالنا.

قال: فذكر صالح بن عطية ان يحيى حدثه، قال: أتيتهم فمنهم من تجهمنى و بعث بالمال سرا الى، و منهم من لم يأذن لي، و بعث بالمال في اثرى قال: و استأذنت على عماره بن حمزه، فدخلت عليه و هو في صحن داره، مقابل بوجهه الحائط، فما انصرف الى بوجهه، فسلمت عليه، فرد على ردا ضعيفا، و قال: يا بنى، كيف ابوك؟ قلت: بخير، يقرا عليك السلام و يعلمك ما قد لزمه من هذا الغرم، و يستسلفك مائه الف درهم.

قال: فما رد على قليلا و لا كثيرا، قال: فضاق بي موضعي، و مادت بي الارض قال: ثم كلمته فيما أتيته له قال: فقال: ان أمكنني شي‏ء فسيأتيك، قال يحيى: فانصرفت و انا اقول في نفسي: لعن الله كل شي‏ء ياتى‏

55

من تيهك و عجبك و كبرك! و صرت الى ابى، فاخبرته الخبر، ثم قلت له: و أراك تثق من عماره بن حمزه بما لا يوثق به! قال: فو الله انى لكذلك، إذ طلع رسول عماره بن حمزه بالمائة الف قال: فجمعنا في يومين الفى الف و سبعمائة الف، و بقيت ثلاثمائة الف بوجودها يتم ما سعينا له، و بتعذرها يبطل قال: فو الله انى لعلى الجسر ببغداد مارا مهموما مغموما، إذ وثب الى زاجر، فقال: فرخ الطائر اخبرك! قال: فطويته مشغول القلب عنه، فلحقني و تعلق بلجامى، و قال لي: أنت و الله مهموم، و و الله ليفرجن الله همك، و لتمرن غدا في هذا الموضع و اللواء بين يديك قال: فاقبلت اعجب من قوله قال: فقال لي: ان كان ذلك فلي عليك خمسه آلاف درهم؟

قلت: نعم- و لو قال خمسون ألفا لقلت نعم، لبعد ذلك عندي من ان يكون- قال: و مضيت و ورد على المنصور انتقاض الموصل و انتشار الأكراد بها، فقال: من لها؟ فقال له المسيب بن زهير- و كان صديقا لخالد بن برمك:

عندي يا امير المؤمنين راى، ارى انك لا تنتصحه، و انك ستلقاني بالرد، و لكنى لا ادع نصحك فيه و المشورة عليك به، قال: قل، فلا استغشك، قلت: يا امير المؤمنين ما رميتها بمثل خالد، قال: ويحك! فيصلح لنا بعد ما أتينا اليه! قال: نعم يا امير المؤمنين، انما قومته بذلك و انا الضامن عليه، قال: فهو لها و الله، فليحضرنى غدا فاحضر، فصفح له عن الثلثمائه الف الباقيه، و عقد له.

قال يحيى: ثم مررت بالزاجر، فلما رآنى قال: انا هاهنا انتظرك منذ غدوه، قلت: امض معى، فمضى معى، فدفعت اليه الخمسة الآلاف.

قال: و قال لي ابى: اى بنى، ان عماره تلزمه حقوق، و تنوبه نوائب فاته، فاقرئه السلام، و قل له: ان الله قد وهب لنا راى امير المؤمنين، و صفح لنا عما بقي علينا، و ولانى الموصل، و قد امر برد ما استسلفت منك قال: فأتيته فوجدته على مثل الحال التي لقيته عليه، فسلمت فما رد

56

السلام على، و لا زادني على ان قال: كيف ابوك؟ قلت: بخير، يقول كذا و كذا، قال: فاستوى جالسا، ثم قال لي: ما كنت الا قسطارا لأبيك، يأخذ منى إذا شاء، و يرد إذا شاء! قم عنى لا قمت! قال: فرجعت الى ابى فاعلمته، فقال لي ابى: يا بنى، هو عماره و من لا يعترض عليه! قال: فلم يزل خالد على الموصل الى ان توفى المنصور و يحيى على اذربيجان، فذكر عن احمد بن محمد بن سوار الموصلى انه قال: ما هبنا قط أميرا هيبتنا خالد بن برمك من غير ان تشتد عقوبته، و لا نرى منه جبريه، و لكن هيبة كانت له في صدورنا.

و ذكر احمد بن معاويه بن بكر الباهلى، عن ابيه، قال: كان ابو جعفر غضب على موسى بن كعب- و كان عامله على الجزيرة و الموصل- فوجه المهدى الى الرقة لبناء الرافقه، و اظهر انه يريد بيت المقدس، و امره بالمرور و المضى على الموصل، فإذا صار بالبلد أخذ موسى بن كعب فقيده، و ولى خالد بن برمك الموصل مكانه، ففعل المهدى ذلك، و خلف خالدا على الموصل، و شخص معه أخو خالد: الحسن و سليمان ابنا برمك، و قد كان المنصور دعا قبل ذلك يحيى بن خالد، فقال له: قد أردتك لامر مهم من الأمور، و اخترتك لثغر من الثغور، فكن على اهبه، و لا يعلم بذلك احد حتى ادعو بك فكتم أباه الخبر، و حضر الباب فيمن حضر، فخرج الربيع، فقال:

يحيى بن خالد! فقام فاخذ بيده، فادخله على المنصور، فخرج على الناس و أبوه حاضر و اللواء بين يديه على اذربيجان، فامر الناس بالمضي معه، فمضوا في موكبه، و هنئوه و هنئوا أباه خالدا بولايته، فاتصل عملهما.

و قال احمد بن معاويه: كان المنصور معجبا بيحيى، و كان يقول:

ولد الناس ابنا و ولد خالد أبا.

[أخبار متفرقة]

و في هذه السنه نزل المنصور قصره الذى يعرف بالخلد.

و فيها سخط المنصور على المسيب بن زهير و عزله عن الشرطه، و امر