تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج9

- ابن جرير الطبري المزيد...
667 /
7

سنه 219

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ثم دخلت‏

سنه تسع عشره و مائتين‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث)

ذكر خلاف محمد بن القاسم العلوي‏

فمن ذلك ما كان من ظهور محمد بن القاسم بن عمر بن على بن الحسين ابن على بن ابى طالب بالطالقان من خراسان، يدعو الى الرضا من آل محمد ص، فاجتمع اليه بها ناس كثير، و كانت بينه و بين قواد عبد الله بن طاهر وقعات بناحيه الطالقان و جبالها، فهزم هو و اصحابه، فخرج هاربا يريد بعض كور خراسان، كان اهله كاتبوه، فلما صار بنسا، و بها والد لبعض من معه، مضى الرجل الذى معه من اهل نسا الى والده ليسلم عليه، فلما لقى أباه ساله عن الخبر، فاخبره بامرهم، و انهم يقصدون كوره كذا، فمضى ابو ذلك الرجل الى عامل نسا، فاخبره بأمر محمد بن القاسم، فذكر ان العامل بذل له عشره آلاف درهم على دلالته عليه فدله عليه، فجاء العامل الى محمد بن القاسم، فأخذه و استوثق منه، و بعث به الى عبد الله بن طاهر، فبعث به عبد الله بن طاهر الى المعتصم، فقدم به عليه يوم الاثنين لاربع عشره ليله خلت من شهر ربيع الآخر، فحبس- فيما ذكر- بسامرا عند مسرور الخادم الكبير في محبس ضيق، يكون قدر ثلاث اذرع في ذراعين، فمكث فيه ثلاثة ايام، ثم حول الى موضع اوسع من ذلك، و اجرى عليه طعام، و وكل به قوم يحفظونه، فلما كان ليله الفطر، و اشتغل الناس بالعيد و التهنئه احتال للخروج، ذكر انه هرب من الحبس بالليل، و انه دلى اليه حبل من كوه كانت في اعلى البيت، يدخل عليه منها الضوء، فلما أصبحوا أتوا بالطعام‏

8

للغداء افتقد، فذكر انه جعل لمن دل عليه مائه الف درهم، و صاح بذلك الصائح، فلم يعرف له خبر.

و في هذه السنه قدم إسحاق بن ابراهيم بغداد من الجبل، يوم الأحد لإحدى عشره ليله خلت من جمادى الاولى، و معه الأسرى من الخرمية و المستأمنة.

و قيل: ان إسحاق بن ابراهيم قتل منهم في محاربته إياهم نحوا من مائه الف، سوى النساء و الصبيان‏

. ذكر الخبر عن محاربه الزط

و في هذه السنه وجه المعتصم عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة منها لحرب الزط الذين كانوا قد عاثوا في طريق البصره، فقطعوا فيه الطريق، و احتملوا الغلات من البيادر بكسكر و ما يليها من البصره، و أخافوا السبيل، و رتب الخيل في كل سكه من سكك البرد تركض بالاخبار، فكان الخبر يخرج من عند عجيف، فيصل الى المعتصم من يومه، و كان الذى يتولى النفقة على عجيف من قبل المعتصم محمد بن منصور كاتب ابراهيم بن البختري، فلما صار عجيف الى واسط، ضرب عسكره بقرية اسفل واسط يقال لها الصافية في خمسه آلاف رجل، و صار عجيف الى نهر يحمل من دجلة يقال له بردودا، فلم يزل مقيما عليه حتى سده و قيل ان عجيفا انما ضرب عسكره بقرية اسفل واسط يقال لها نجيدا، و وجه هارون بن نعيم ابن الوضاح القائد الخراسانى الى موضع يقال له الصافية في خمسه آلاف رجل، و مضى عجيف في خمسه آلاف الى بردودا، فأقام عليه حتى سده و سد أنهارا اخر كانوا يدخلون منها و يخرجون، فحصرهم من كل وجه، و كان من الانهار التي سدها عجيف، نهر يقال له العروس، فلما أخذ عليهم طرقهم حاربهم، و اسر منهم خمسمائة رجل، و قتل منهم في المعركة ثلاثمائة

9

رجل، فضرب اعناق الأسرى، و بعث برءوس جميعهم الى باب المعتصم، ثم اقام عجيف بإزاء الزط خمسه عشر يوما، فظفر منهم بخلق كثير و كان رئيس الزط رجلا يقال له محمد بن عثمان، و كان صاحب امره و القائم بالحرب سملق، و مكث عجيف يقاتلهم- فيما قيل- تسعه اشهر.

و حج بالناس في هذه السنه صالح بن العباس بن محمد.

10

ثم دخلت‏

سنه عشرين و مائتين‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث)

ذكر ظفر عجيف بالزط

فمن ذلك ما كان من دخول عجيف بالزط بغداد، و قهره إياهم حتى طلبوا منه الامان فامنهم، فخرجوا اليه في ذي الحجه سنه تسع عشره و مائتين على انهم آمنون على دمائهم و أموالهم، و كانت عدتهم- فيما ذكر- سبعه و عشرين ألفا، المقاتله منهم اثنا عشر ألفا، و احصاهم عجيف سبعه و عشرين الف انسان، بين رجل و امراه و صبى، ثم جعلهم في السفن، و اقبل بهم حتى نزل الزعفرانيه، فاعطى اصحابه دينارين دينارين جائزه، و اقام بها يوما، ثم عباهم في زواريقهم على هيئتهم في الحرب، معهم البوقات، حتى دخل بهم بغداد يوم عاشوراء سنه عشرين و مائتين و المعتصم بالشماسيه في سفينه يقال لها الزو، حتى مر به الزط على تعبئتهم ينفخون بالبوقات، فكان اولهم بالقفص و آخرهم بحذاء الشماسيه، و أقاموا في سفنهم ثلاثة ايام، ثم عبر بهم الى الجانب الشرقى، فدفعوا الى بشر بن السميدع، فذهب بهم الى خانقين، ثم نقلوا الى الثغر الى عين زربه، فاغارت عليهم الروم، فاجتاحوهم فلم يفلت منهم احد، فقال شاعرهم:

يا اهل بغداد موتوا دام غيظكم* * * شوقا الى تمر برني و شهريز

نحن الذين ضربناكم مجاهره* * * قسرا و سقناكم سوق المعاجيز

لم تشكروا الله نعماه التي سلفت* * * و لم تحوطوا أياديه بتعزيز

فاستنصروا العبد من أبناء دولتكم* * * من يازمان و من بلج و من توز

و من شناس و افشين، و من فرج* * * المعلمين بديباج و ابريز

11

و اللابسى كيمخار الصين قد خرطت* * * أردانه درز برواز الدخاريز

و الحاملين الشكى نيطت علائقها* * * الى مناطق خاص غير مخروز

يفرى ببيض من الهندي هامهم* * * بنو بهله في أبناء فيروز

فوارس خيلها دهم مودعه* * * على الخراطيم منها و الفراريز

مسخرات لها في الماء اجنحه* * * كالابنوس إذا استحضرن و الشيز

متى تروموا لنا في غمر لجتنا* * * حذرا نصيدكم صيد المعافيز

او اختطافا و ازهاقا كما اختطفت* * * طير الدحال حثاثا بالمناقيز

ليس الجلاد جلاد الزط فاعترفوا* * * اكل الثريد و لا شرب القواقيز

نحن الذين سقينا الحرب درتها* * * و نقنقنا مقاساه الكواليز

لنسفعنكم سفعا يذل له* * * رب السرير و يشجى صاحب التيز

فابكوا على التمر ابكى الله اعينكم* * * في كل اضحى، و في فطر و نيروز

ذكر خبر مسير الافشين لحرب بابك‏

و في هذه السنه عقد المعتصم للافشين خيذر بن كاوس على الجبال، و وجه به لحرب بابك، و ذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة، فعسكر بمصلى بغداد، ثم صار الى برزند.

ذكر الخبر عن امر بابك و مخرجه:

ذكر ان ظهور بابك كان في سنه احدى و مائتين، و كانت قريته و مدينته البذ، و هزم من جيوش السلطان، و قتل من قواده جماعه، فلما افضى الأمر الى المعتصم، وجه أبا سعيد محمد بن يوسف الى اردبيل، و امره ان يبنى الحصون التي خربها بابك فيما بين زنجان و اردبيل، و يجعل فيها الرجال مسالح لحفظ الطريق لمن يجلب الميرة الى اردبيل، فتوجه ابو سعيد لذلك، و بنى الحصون التي خربها بابك، و وجه بابك سريه له في بعض غاراته، و صير أميرهم رجلا

12

يقال له معاويه، فخرج فاغار على بعض النواحي، و رجع منصرفا، فبلغ ذلك أبا سعيد محمد بن يوسف، فجمع الناس و خرج اليه يعترضه في بعض الطريق، فواقعه، فقتل من اصحابه جماعه، و اسر منهم جماعه، و استنقذ ما كان حواه، فهذه أول هزيمه كانت على اصحاب بابك و وجه ابو سعيد الرءوس و الأسرى الى المعتصم بالله.

ثم كانت الاخرى لمحمد بن البعيث، و ذلك ان محمد بن البعيث كان في قلعه له حصينة تسمى شاهي، كان ابن البعيث أخذها من الوجناء بن الرواد، عرضها نحو من فرسخين، و هي من كوره اذربيجان، و له حصن آخر في بلاد اذربيجان يسمى تبريز، و شاهي امنعهما، و كان ابن البعيث مصالحا لبابك، إذا توجهت سراياه نزلت به فأضافهم، و احسن اليهم حتى انسوا به، و صارت لهم عاده ثم ان بابك وجه رجلا من اصحابه يقال له عصمه من اصبهبذته في سريه، فنزل بابن البعيث، فانزل اليه ابن البعيث على العادة الجاريه الغنم و الأنزال و غير ذلك، و بعث الى عصمه ان يصعد اليه في خاصته و وجوه اصحابه، فصعد فغداهم و سقاهم حتى اسكرهم، ثم وثب على عصمه فاستوثق منه، و قتل من كان معه من اصحابه، و امره ان يسمى رجلا رجلا من اصحابه باسمه، فكان يدعى بالرجل باسمه فيصعد، ثم يأمر به فيضرب عنفه، حتى علموا بذلك، فهربوا و وجه ابن البعيث بعصمه الى المعتصم- و كان البعيث ابو محمد صعلوكا من صعاليك ابن الرواد- فسال المعتصم عصمه عن بلاد بابك، فاعلمه طرقها و وجوه القتال فيها، ثم لم يزل عصمه محبوسا الى ايام الواثق و لما صار الافشين الى برزند عسكر بها، و رم الحصون فيما بين برزند و اردبيل، و انزل محمد بن يوسف بموضع يقال له خش، فاحتفر فيه خندقا، و انزل الهيثم الغنوي القائد من اهل الجزيرة في رستاق يقال له ارشق، فرم حصنه، و حفر حوله خندقا، و انزل علويه الأعور من قواد الأبناء في حصن مما يلى اردبيل يسمى حصن النهر، فكانت السابلة

13

و القوافل تخرج من اردبيل معها من يبذرقها حتى تصل الى حصن النهر، ثم يبذرقها صاحب حصن النهر الى الهيثم الغنوي، و يخرج هيثم فيمن جاء من ناحيته حتى يسلمه الى اصحاب حصن النهر، و يبذرق من جاء من اردبيل حتى يصير الهيثم و صاحب حصن النهر في منتصف الطريق، فيسلم صاحب حصن النهر من معه الى هيثم، و يسلم هيثم من معه الى صاحب حصن النهر، فيسير هذا مع هؤلاء.

و هذا مع هؤلاء و ان سبق أحدهما صاحبه الى الموضع لم يجزه حتى يجي‏ء الآخر، فيدفع كل واحد منهما من معه الى صاحبه ليبذرقهم، هذا الى اردبيل، و هذا الى عسكر الافشين، ثم يبذرق الهيثم الغنوي من كان معه الى اصحاب ابى سعيد، و قد خرجوا فوقفوا على منتصف الطريق، معهم قوم، فيدفع ابو سعيد و اصحابه من معهم الى الهيثم، و يدفع الهيثم من معه الى اصحاب ابى سعيد، فيصير ابو سعيد و اصحابه بمن في القافلة الى خش، و ينصرف الهيثم و اصحابه بمن صار في ايديهم الى ارشق حتى يصيروا به من غد، فيدفعوهم الى علويه الأعور و اصحابه ليوصلوهم الى حيث يريدون، و يصير ابو سعيد و من معه الى خش، ثم الى عسكر الافشين، فتلقاه صاحب سياره الافشين، فيقبض منه من في القافلة، فيؤديهم الى عسكر الافشين، فلم يزل الأمر جاريا على هذا، و كلما صار الى ابى سعيد او الى احد من المسالح احد من الجواسيس وجهوا به الى الافشين، فكان الافشين لا يقتل الجواسيس و لا يضربهم، و لكن يهب لهم و يصلهم و يسألهم ما كان بابك يعطيهم، فيضعفه لهم، و يقول للجاسوس: كن جاسوسا لنا.

سنه 220

ذكر خبر وقعه الافشين مع بابك بارشق‏

و فيها كانت وقعه بين بابك و افشين بارشق، قتل فيها الافشين من‏

14

اصحاب بابك خلقا كثيرا، قيل اكثر من الف، و هرب بابك الى موقان، ثم شخص منها الى مدينته التي تدعى البذ.

ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعه بين الافشين و بابك:

ذكر ان سبب ذلك ان المعتصم وجه مع بغا الكبير بمال الى الافشين عطاء لجنده و للنفقات، فقدم بغا بذلك المال الى اردبيل، فلما نزل اردبيل بلغ بابك و اصحابه خبره، فتهيأ بابك و اصحابه ليقطعوا عليه قبل وصوله الى الافشين، فقدم صالح الجاسوس على الافشين، فاخبره ان بغا الكبير قد قدم بمال، و ان بابك و اصحابه تهيئوا ليقتطعوه قبل وصوله إليك.

و قيل: كان مجي‏ء صالح الى ابى سعيد، فوجه به ابو سعيد الى الافشين و هيأ بابك كمينا في مواضع، فكتب الافشين الى ابى سعيد يأمره ان يحتال لمعرفه صحه خبر بابك، فمضى ابو سعيد متنكرا هو و جماعه من اصحابه، حتى نظروا الى النيران و الوقود في المواضع التي وصفها لهم صالح، فكتب الافشين الى بغا، ان يقيم باردبيل حتى يأتيه رايه، و كتب ابو سعيد الى الافشين بصحة خبر صالح، فوعد الافشين صالحا و احسن اليه ثم كتب الافشين الى بغا ان يظهر انه يريد الرحيل، و يشد المال على الإبل و يقطرها، و يسير متوجها من اردبيل، كأنه يريد برزند، فإذا صار الى مسلحه النهر، او سار شبيها بفرسخين، احتبس القطار حتى يجوز من صحب المال الى برزند، فإذا جازت القافلة رجع بالمال الى اردبيل ففعل ذلك بغا، و سارت القافلة حتى نزلت النهر، و انصرف جواسيس بابك اليه يعلمونه ان المال قد حمل، و عاينوه محمولا حتى صار الى النهر، و رجع بغا بالمال الى اردبيل، و ركب الافشين في اليوم الذى وعد فيه بغا عند العصر من برزند، فوافى خش مع غروب الشمس، فنزل معسكرا خارج خندق ابى سعيد، فلما اصبح ركب في سر، لم يضرب طبلا و لا نشر علما، و امر ان يلف الاعلام، و امر الناس بالسكوت، وجد في السير، و رحلت القافلة التي كانت توجهت في ذلك اليوم من النهر الى ناحيه الهيثم الغنوي، و رحل الافشين‏

15

من خش يريد ناحيه الهيثم ليصادفه في الطريق، و لم يعلم الهيثم بمن كان معه، فرحل بمن كان معه من القافلة يريد بها النهر.

و تعبا بابك في خيله و رجاله و عساكره، و صار على طريق النهر، و هو يظن ان المال موافيه، و خرج صاحب النهر ببذرق من قبله الى الهيثم، فخرجت عليه خيل بابك، و هم لا يشكون ان المال معه، فقاتلهم صاحب النهر، فقتلوه و قتلوا من كان معه من الجند و السابلة، و أخذوا جميع ما كان معهم من المتاع و غيره، و علموا ان المال قد فاتهم، و أخذوا علمه، و أخذوا لباس اهل النهر و دراريعهم و طراداتهم و خفاتينهم فلبسوها، و تنكروا ليأخذوا الهيثم الغنوي و من معه أيضا، و لا يعلمون بخروج الافشين، و جاءوا كأنهم اصحاب النهر، فلما جاءوا لم يعرفوا الموضع الذى كان يقف فيه علم صاحب النهر، فوقفوا في غير موضع صاحب النهر، و جاء الهيثم فوقف في موقفه، فأنكر ما راى، فوجه ابن عم له، فقال له: اذهب الى هذا البغيض، فقل له: لأي شي‏ء وقوفك؟ فجاء ابن عم الهيثم، فلما راى القوم انكرهم لما دنا منهم، فرجع الى الهيثم، فقال له: ان هؤلاء القوم لست اعرفهم، فقال له الهيثم: اخزاك الله! ما اجبنك! و وجه خمسه فرسان من قبله، فلما جاءوا و قربوا من بابك، خرج من الخرمية رجلان فتلقوهما و انكروهما، و اعلموهما انهم قد عرفوهما، و رجعوا الى الهيثم ركضا، فقالوا: ان الكافر قد قتل علويه و اصحابه، و أخذوا اعلامهم و لباسهم، فرحل هيثم منصرفا، فاتى القافلة التي جاء بها معه، و امرهم ان يركضوا و يرجعوا، لئلا يؤخذوا، و وقف هو في اصحابه، يسير بهم قليلا قليلا، و يقف بهم قليلا، ليشغل الخرمية عن القافلة، و صار شبيها بالحاميه لهم، حتى وصلت القافلة الى الحصن الذى يكون فيه الهيثم- و هو ارشق- و قال لأصحابه: من يذهب منكم الى الأمير و الى ابى سعيد فيعلمهما و له عشره آلاف درهم و فرس بدل فرسه ان نفق فرسه فله مثل فرسه على مكانه؟

فتوجه رجلان من اصحابه على فرسين فارهين يركضان، و دخل الهيثم الحصن، و خرج بابك فيمن معه، فنزل بالحصن، و وضع له كرسي و جلس على شرف‏

16

بحيال الحصن، و ارسل الى الهيثم: خل عن الحصن و انصرف حتى اهدمه.

فأبى الهيثم و حاربه و كان مع الهيثم في الحصن ستمائه راجل و أربعمائة فارس، و له خندق حصين فقاتله، و قعد بابك فيمن معه، و وضع الخمر بين يديه ليشربها، و الحرب مشتبكه كعادته، و لقى الفارسان الافشين على اقل من فرسخ من ارشق، فساعة نظر إليهما من بعيد قال لصاحب مقدمته: ارى فارسين يركضان ركضا شديدا، ثم قال: اضربوا الطبل، و انشروا الاعلام، و اركضوا نحو الفارسين ففعل اصحابه ذلك، و أسرعوا السير، و قال لهم:

صيحوا بهما: لبيك لبيك! فلم يزل الناس في طلق واحد متراكضين، يكسر بعضهم بعضا حتى لحقوا بابك، و هو جالس، فلم يتدارك ان يتحول و يركب حتى وافته الخيل و الناس، و اشتبكت الحرب، فلم يفلت من رجاله بابك احد، و افلت هو في نفر يسير، و دخل موقان، و قد تقطع عنه اصحابه، و اقام الافشين في ذلك الموضع، و بات ليلته، ثم رجع الى معسكره ببرزند، فأقام بابك بموقان أياما ثم انه بعث الى البذ، فجاءه في الليل عسكر فيه رجاله، فرحل بهم من موقان حتى دخل البذ، فلم يزل الافشين معسكرا ببرزند، فلما كان في بعض الأيام مرت به قافلة من خش الى برزند، و معها رجل من قبل ابى سعيد يسمى صالح آب‏كش- تفسيره السقاء- فخرج عليه اصبهبذ بابك، فاخذ القافلة، و قتل من فيها، و قتل من كان مع صالح، و افلت صالح بلا خف مع من افلت، و قتل جميع اهل القافلة، و انتهب متاعهم، فقحط عسكر الافشين من اجل تلك القافلة التي أخذت من الاب‏كش، و ذلك انها كانت تحمل الميرة، فكتب الافشين الى صاحب المراغه يأمره بحمل الميرة و تعجليها عليه، فان الناس قد قحطوا و جاعوا، فوجه اليه صاحب المراغه بقافله ضخمه، فيها قريب من الف ثور سوى الحمر و الدواب و غير ذلك، تحمل الميرة، و معها جند يبذرقونها، فخرجت عليهم أيضا سريه لبابك، كان عليها طرخان- او آذين- فاستباحوها عن آخرها بجميع ما فيها، و أصاب الناس ضيق شديد، فكتب الافشين الى صاحب السيروان‏

17

ان يحمل اليه طعاما، فحمل اليه طعاما كثيرا، و اغاث الناس في تلك السنه، و قدم بغا على الافشين بمال و رجال‏

. ذكر الخبر عن خروج المعتصم الى القاطول‏

و في هذه السنه خرج المعتصم الى القاطول، و ذلك في ذي القعده منها.

ذكر الخبر عن سبب خروجه إليها:

ذكر عن ابى الوزير احمد بن خالد، انه قال: بعثني المعتصم في سنه تسع عشره و مائتين، و قال لي: يا احمد، اشتر لي بناحيه سامرا موضعا ابنى فيه مدينه، فانى اتخوف ان يصيح هؤلاء الخرمية صيحه، فيقتلوا غلماني، حتى أكون فوقهم، فان رابنى منهم ريب أتيتهم في البر و البحر، حتى آتى عليهم و قال لي: خذ مائه الف دينار، قال: قلت: آخذ خمسه آلاف دينار، فكلما احتجت الى زياده بعثت إليك فاستزدت؟ قال:

نعم، فأتيت الموضع، فاشتريت سامرا بخمسمائة درهم من النصارى اصحاب الدير، و اشتريت موضع البستان الخاقانى بخمسه آلاف درهم، و اشتريت عده مواضع حتى احكمت ما اردت، ثم انحدرت فأتيته بالصكاك، فعزم على الخروج إليها في سنه عشرين و مائتين، فخرج حتى إذا قارب القاطول، ضربت له فيه القباب و المضارب، و ضرب الناس الاخبيه، ثم لم يزل يتقدم، و تضرب له القباب حتى وضع البناء بسامرا في سنه احدى و عشرين و مائتين.

فذكر عن ابى الحسن بن ابى عباد الكاتب، ان مسرورا الخادم الكبير، قال: سألني المعتصم: اين كان الرشيد يتنزه إذا ضجر من المقام ببغداد؟

قال: قلت له: بالقاطول، و قد كان بنى هناك مدينه آثارها و سورها قائم، و قد كان خاف من الجند ما خاف المعتصم، فلما وثب اهل الشام بالشام و عصوا، خرج الرشيد الى الرقة فأقام بها، و بقيت مدينه القاطول لم تستتم، و لما خرج المعتصم الى القاطول استخلف ببغداد ابنه هارون الواثق‏

18

و قد حدثنى جعفر بن محمد بن بوازه الفراء، ان سبب خروج المعتصم الى القاطول، كان ان غلمانه الاتراك كانوا لا يزالون يجدون الواحد بعد الواحد منهم قتيلا في ارباضها، و ذلك انهم كانوا عجما جفاه يركبون الدواب، فيتراكضون في طرق بغداد و شوارعها، فيصدمون الرجل و المرأة و يطئون الصبى، فيأخذهم الأبناء فينكسونهم عن دوابهم و يجرحون بعضهم، فربما هلك من الجراح بعضهم، فشكت الاتراك ذلك الى المعتصم، و تاذت بهم العامه، فذكر انه راى المعتصم راكبا منصرفا من المصلى في يوم عيد اضحى او فطر، فلما صار في مربعه الحرشي، نظر الى شيخ قد قام اليه، فقال له: يا أبا إسحاق، قال:

فابتدره الجند ليضربوه، فاشار اليهم المعتصم فكفهم عنه، فقال للشيخ:

مالك! قال: لا جزاك الله عن الجوار خيرا! جاورتنا و جئت بهؤلاء العلوج فاسكنتهم بين أظهرنا، فايتمت بهم صبياننا، و ارملت بهم نسواننا، و قتلت بهم رجالنا! و المعتصم يسمع ذلك كله، قال: ثم دخل داره فلم ير راكبا الى السنه القابله في مثل ذلك اليوم، فلما كان في العام المقبل في مثل ذلك اليوم خرج فصلى بالناس العيد، ثم لم يرجع الى منزله ببغداد، و لكنه صرف وجه دابته الى ناحيه القاطول، و خرج من بغداد و لم يرجع إليها

. ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الفضل بن مروان‏

و في هذه السنه غضب المعتصم على الفضل بن مروان و حبسه ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه و حبسه اياه و سبب اتصاله بالمعتصم:

ذكر ان الفضل بن مروان- و هو رجل من اهل البردان- كان متصلا برجل من العمال يكتب له، و كان حسن الخط، ثم صار مع كاتب كان للمعتصم يقال له يحيى الجرمقانى، و كان الفضل بن مروان يخط بين يديه، فلما مات الجرمقانى صار الفضل في موضعه، و كان يكتب للفضل على بن‏

19

حسان الأنباري، فلم يزل كذلك حتى بلغ المعتصم الحال التي بلغها، و الفضل كاتبه، ثم خرج معه الى معسكر المأمون، ثم خرج معه الى مصر، فاحتوى على اموال مصر، ثم قدم الفضل قبل موت المأمون بغداد، ينفذ امور المعتصم، و يكتب على لسانه بما أحب حتى قدم المعتصم خليفه، فصار الفضل صاحب الخلافه، و صارت الدواوين كلها تحت يديه و كنز الأموال، و اقبل ابو إسحاق حين دخل بغداد يأمره بإعطاء المغنى و الملهى، فلا ينفذ الفضل ذلك، فثقل على ابى إسحاق.

فحدثني ابراهيم بن جهرويه ان ابراهيم المعروف بالهفتى- و كان مضحكا- امر له المعتصم بمال، و تقدم الى الفضل بن مروان في اعطائه ذلك، فلم يعطه الفضل ما امر به المعتصم، فبينا الهفتى يوما عند المعتصم، بعد ما بنيت له داره التي ببغداد، و اتخذ له فيها بستان، قام المعتصم يتمشى في البستان ينظر اليه و الى ما فيه من انواع الرياحين و الغروس، و معه الهفتى، و كان الهفتى يصحب المعتصم قبل ان تفضى الخلافه اليه، فيقول فيما يداعبه: و الله لا تفلح ابدا! قال:

و كان الهفتى رجلا مربوعا ذا كدنه، و المعتصم رجلا معرقا خفيف اللحم، فجعل المعتصم يسبق الهفتى في المشى، فإذا تقدمه و لم ير الهفتى معه التفت اليه، فقال له: ما لك لا تمشى! يستعجله المعتصم في المشى ليلحق به، فلما كثر ذلك من امر المعتصم على الهفتى، قال له الهفتى، مداعبا له: كنت اصلحك الله، أراني اماشى خليفه، و لم أكن أراني اماشى فيجا، و الله لا افلحت! فضحك منها المعتصم، و قال: ويلك! هل بقي من الفلاح شي‏ء لم ادركه! ا بعد الخلافه تقول هذا لي! فقال له الهفتى: ا تحسب انك قد افلحت الان! انما لك من الخلافه الاسم، و الله ما يجاوز امرك أذنيك، و انما الخليفة الفضل بن مروان، الذى يأمر فينفذ امره من ساعته، فقال له المعتصم:

و اى امر لي لا ينفذ! فقال له: الهفتى: امرت لي بكذا و كذا منذ شهرين، فما اعطيت مما امرت به منذ ذاك حبه!

20

قال: فاحتجنها على الفضل المعتصم حتى اوقع به.

فقيل: ان أول ما احدثه في امره حين تغير له ان صير احمد بن عمار الخراسانى زماما عليه في نفقات الخاصة، و نصر بن منصور بن بسام زماما عليه في الخراج و جميع الاعمال، فلم يزل كذلك، و كان محمد بن عبد الملك الزيات يتولى ما كان أبوه يتولاه للمأمون من عمل المشمس و الفساطيط و آله الجمازات و يكتب على ذلك مما جرى على يدي محمد بن عبد الملك، و كان يلبس إذا حضر الدار دراعه سوداء و سيفا بحمائل، فقال له الفضل بن مروان: انما أنت تاجر، فما لك و للسواد و السيف! فترك ذلك محمد، فلما تركه اخذه الفضل برفع حسابه الى دليل بن يعقوب النصراني، فرفعه، فاحسن دليل في امره، و لم يرزاه شيئا، و عرض عليه محمد هدايا، فأبى دليل ان يقبل منها شيئا، فلما كانت سنه تسع عشره و مائتين- و قيل سنه عشرين، و ذلك عندي خطا- خرج المعتصم يريد القاطول، و يريد البناء بسامرا، فصرفه كثره زياده دجلة، فلم يقدر على الحركة، فانصرف الى بغداد الى الشماسيه، ثم خرج بعد ذلك، فلما صار بالقاطول غضب على الفضل بن مروان و اهل بيته في صفر، و امرهم برفع ما جرى على ايديهم، و أخذ الفضل و هو مغضوب عليه في عمل حسابه، فلما فرغ من الحساب لم يناظر فيه، و امر بحبسه، و ان يحمل الى منزله ببغداد في شارع الميدان، و حبس اصحابه، و صير مكانه محمد بن عبد الملك الزيات، فحبس دليلا، و نفى الفضل الى قريه في طريق الموصل يقال لها السن، فلم يزل بها مقيما، فصار محمد بن عبد الملك وزيرا كاتبا، و جرى على يديه عامه ما بنى المعتصم بسامرا من الجانبين الشرقى و الغربي، و لم يزل في مرتبته حتى استخلف المتوكل، فقتل محمد بن عبد الملك.

و ذكر ان المعتصم لما استوزر الفضل بن مروان حل من قبله المحل الذى لم يكن احد يطمع في ملاحظته، فضلا عن منازعته و لا في الاعتراض في امره‏

21

و نهيه، و ارادته و حكمه، فكانت هذه صفته و مقداره، حتى حملته الدالة، و حركته الحرمه على خلافه في بعض ما كان يأمره به، و منعه ما كان يحتاج اليه من الأموال في مهم أموره، فذكر عن ابن ابى داود انه قال: كنت احضر مجلس المعتصم، فكثيرا ما كنت اسمعه يقول للفضل بن مروان: احمل الى كذا و كذا من المال، فيقول: ما عندي، فيقول: فاحتلها من وجه من الوجوه، فيقول: و من اين احتالها! و من يعطيني هذا القدر من المال؟ و عند من اجده؟ فكان ذلك يسوءه و اعرفه في وجهه، فلما كثر هذا من فعله ركبت اليه يوما فقلت له مستخليا به: يا أبا العباس، ان الناس يدخلون بيني و بينك بما اكره و تكره، و أنت امرؤ قد عرفت اخلاقك، و قد عرفها الداخلون بيننا، فإذا حركت فيك بحق فاجعله باطلا، و على ذلك فما ادع نصيحتك و أداء ما يجب على في الحق لك، و قد أراك كثيرا ما ترد على امير المؤمنين اجوبه غليظه ترمضه، و تقدح في قلبه، و السلطان لا يحتمل هذا لابنه، لا سيما إذا كثر ذلك و غلظ قال: و ما ذاك يا أبا عبد الله؟ قلت: اسمعه كثيرا ما يقول لك: نحتاج الى كذا من المال لنصرفه في وجه كذا، فتقول: و من يعطيني هذا! و هذا ما لا يحتمله الخلفاء، قال: فما اصنع إذا طلب منى ما ليس عندي؟ قلت:

تصنع ان تقول: يا امير المؤمنين، نحتال في ذاك بحيله، فتدفع عنك أياما الى ان يتهيأ، و تحمل اليه بعض ما يطلب و تسوفه بالباقي، قال: نعم افعل و اصير الى ما اشرت به قال: فو الله لكأني كنت اغريه بالمنع، فكان إذا عاوده بمثل ذلك من القول، عاد الى مثل ما يكره من الجواب قال: فلما كثر ذلك عليه، دخل يوما اليه و بين يديه حزمه نرجس غض، فأخذها المعتصم فهزها، ثم قال: حياك الله يا أبا العباس! فأخذها الفضل بيمينه، و سل‏

22

المعتصم خاتمه من اصبعه بيساره، و قال له بكلام خفى: أعطني خاتمي، فانتزعه من يده، و وضعه في يد ابن عبد الملك.

و حج بالناس في هذه السنه صالح بن العباس بن محمد.

23

ثم دخلت‏

سنه احدى و عشرين و مائتين‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمن ذلك الوقعه التي كانت بين بابك و بغا الكبير من ناحيه هشتاد سر، فهزم بغا و استبيح عسكره.

ذكر الخبر عن وقعه الافشين مع بابك في هذه السنه‏

و فيها واقع الافشين بابك و هزمه.

ذكر الخبر عن هذه الوقعه و كيف كان السبب فيها:

ذكر ان بغا الكبير قدم بالمال الذى قد مضى ذكره، و ان المعتصم وجهه معه الى الافشين عطاء للجند الذى كان معه و لنفقات الافشين، على الافشين، و بالرجال الذين توجهوا معه اليه، فاعطى الافشين اصحابه، و تجهز بعد النيروز، و وجه بغا في عسكر ليدور حول هشتاد سر، و ينزل في خندق محمد بن حميد و يحفره و يحكمه و ينزله فتوجه بغا الى خندق محمد بن حميد، و صار اليه، و رحل الافشين من برزند، و رحل ابو سعيد من خش يريد بابك، فتوافوا بموضع يقال له دروذ، فاحتفر الافشين بها خندقا، و بنى حوله سورا، و نزل هو و ابو سعيد في الخندق مع من كان صار اليه من المطوعة، فكان بينه و بين البذ سته اميال ثم ان بغا تجهز، و حمل معه الزاد من غير ان يكون الافشين كتب اليه و لا امره بذلك، فدار حول هشتاد سر حتى دخل الى قريه البذ، فنزل في وسطها، و اقام بها يوما واحدا، ثم وجه الف رجل في علافه له، فخرج عسكر من عساكر بابك، فاستباح العلافة، و قتل جميع من قاتله منهم، و اسر من قدر عليه، و أخذ بعض الأسرى، فأرسل‏

24

منهم رجلين مما يلى الافشين، و قال لهما: اذهبا الى الافشين، و اعلماه ما نزل بأصحابكم فأشرف الرجلان، فنظر إليهما صاحب الكوهبانية، فحرك العلم، فصاح اهل العسكر: السلاح السلاح! و ركبوا يريدون البذ، فتلقاهم الرجلان عريانين، فأخذهما صاحب المقدمه، فمضى بهما الى الافشين، فأخبراه بقضيتهما، فقال: فعل شيئا من غير ان نأمره و رجع بغا الى خندق محمد بن حميد شبيها بالمنهزم، و كتب الى الافشين يعلمه ذلك، و يسأله المدد، و يعلمه ان العسكر مفلول، فوجه اليه الافشين أخاه الفضل بن كاوس و احمد بن الخليل بن هشام و ابن جوشن و جناحا الأعور السكرى و صاحب شرطه الحسن بن سهل- و احد الأخوين قرابه الفضل بن سهل- فداروا حول هشتاد سر، فسر اهل عسكره بهم، ثم كتب الافشين الى بغا يعلمه انه يغزو بابك في يوم سماه له، و يأمره ان يغزوه في ذلك اليوم بعينه، ليحاربه من كلا الوجهين، فخرج الافشين في ذلك اليوم من دروذ يريد بابك، و خرج بغا من خندق محمد بن حميد، فصعد الى هشتاد سر، فعسكر على دعوه بجنب قبر محمد بن حميد، فهاجت ريح بارده و مطر شديد، فلم يكن للناس عليها صبر لشدة البرد و شده الريح، فانصرف بغا الى عسكره، و واقعهم الافشين من الغد، و قد رجع بغا الى عسكره، فهزمه الافشين، و أخذ عسكره و خيمته و امراه كانت معه في العسكر و نزل الافشين في معسكر بابك.

ثم تجهز بغا من الغد، و صعد هشتاد سر، فأصاب العسكر الذى كان مقيما بازائه بهشتادسر، قد انصرف الى بابك، و رحل بغا الى موضعه، فأصاب خرثيا و قماشا، و انحدر من هشتاد سر يريد البذ، فأصاب رجلا و غلاما نائمين فأخذهما داود سياه- و كان على مقدمته- فساءلهما، فذكرا ان رسول بابك أتاهم في الليلة التي انهزم فيها بابك، فأمرهم ان يوافوه بالبذ، فكان الرجل و الغلام سكرانين، فذهب بهما النوم، فلا يعرفان من الخبر غير

25

هذا، و كان ذلك قبل صلاه العصر فبعث بغا الى داود سياه: قد توسطنا الموضع الذى نعرفه- يعنى الذى كنا فيه في المره الاولى- و هذا وقت المساء، و قد تعب الرجاله، فانظر جبلا حصينا يسع عسكرنا حتى نعسكر فيه ليلتنا هذه فالتمس داود سياه ذلك، فصعد الى بعض الجبال، فالتمس اعلاه فأشرف، فراى اعلام الافشين و معسكره شبه الخيال فقال: هذا موضعنا الى غدوه، و ننحدر من الغد الى الكافر ان شاء الله فجاءهم في تلك الليلة سحاب و برد و مطر و ثلج كثير، فلم يقدر احد حين أصبحوا ان ينزل من الجبل يأخذ ماء، و لا يسقى دابته من شده البرد و كثره الثلج، و كأنهم كانوا في ليل من شده الظلمه و الضباب فلما كان اليوم الثالث قال الناس لبغا:

قد فنى ما معنا من الزاد، و قد اضربنا البرد، فانزل على اى حاله كانت، اما راجعين و اما الى الكافر و كان في ايام الضباب فبيت بابك الافشين و نقض عسكره، و انصرف الافشين عنه الى معسكره، فضرب بغا بالطبل، و انحدر يريد البذ حتى صار الى البطن، فنظر الى السماء منجليه، و الدنيا طيبه، غير راس الجبل الذى كان عليه بغا، فعبى بغا اصحابه ميمنه و ميسره و مقدمه، و تقدم يريد البذ، و هو لا يشك ان الافشين في موضع معسكره، فمضى حتى صار بلزق جبل البذ، و لم يبق بينه و بين ان يشرف على ابيات البذ الا صعود قدر نصف ميل، و كان على مقدمته جماعه فيهم غلام لابن البعيث، له قرابه بالبذ، فلقيتهم طلائع لبابك، فعرف بعضهم الغلام، فقال له: فلان، فقال: من هذا هاهنا؟ فسمى له من كان معه من اهل بيته، فقال: ادن حتى اكلمك، فدنا الغلام منه، فقال له: ارجع و قل لمن تعنى به يتنحى، فانا قد بيتنا الافشين، و انهزم الى خندقه و قد هيأنا لكم عسكرين، فعجل الانصراف لعلك ان تفلت فرجع الغلام فاخبر ابن البعيث بذلك، و سمى له الرجل، فعرفه ابن البعيث، فاخبر ابن البعيث بغا بذلك، فوقف بغا شاور اصحابه، فقال بعضهم: هذا باطل، هذه‏

26

خدعه ليس من هذا شي‏ء، فقال بعض الكوهبانيين: ان هذا راس جبل اعرفه، من صعد الى راسه نظر الى عسكر الافشين فصعد بغا و الفضل بن كاوس و جماعه منهم ممن نشط، فاشرفوا على الموضع، فلم يروا فيه عسكر الافشين فتيقنوا انه قد مضى، و تشاوروا، فرأوا ان ينصرف الناس راجعين في صدر النهار قبل ان يجنهم الليل، فامر بغا داود سياه بالانصراف، فتقدم داود و جد في السير، و لم يقصد الطريق الذى كان دخل منه الى هشتاد سر مخافه المضايق و العقاب، و أخذ الطريق الذى كان دخل منه في المره الاولى، يدور حول هشتاد سر، و ليس فيه مضيق الا في موضع واحد فسار بالناس، و بعث بالرجاله، فطرحوا رماحهم و أسلحتهم في الطريق، و دخلتهم وحشه شديده و رعب، و صار بغا و الفضل بن كاوس و جماعه القواد في الساقه، و ظهرت طلائع بابك، فكلما نزل هؤلاء جبلا صعدته طلائع بابك، يتراءون لهم مره و يغيبون عنهم مره، و هم في ذلك يقفون آثارهم، و هم قدر عشره فرسان، حتى كان بين الصلاتين: الظهر و العصر، فنزل بغا ليتوضأ و يصلى، فتدانت منهم طلائع بابك، فبرزوا لهم، و صلى بغا، و وقف في وجوههم، فوقفوا حين راوه، فتخوف بغا على عسكره ان يواقعه الطلائع من ناحيه، و يدور عليهم في بعض الجبال و المضايق.

قوم آخرون، فشاور من حضره و قال: لست آمن ان يكونوا جعلوا هؤلاء مشغله، يحبسوننا عن المسير، و يقدمون اصحابهم ليأخذوا على أصحابنا المضايق فقال له الفضل بن كاوس: ليس هؤلاء اصحاب نهار، و انما هم اصحاب ليل، و انما يتخوف على أصحابنا من الليل، فوجه الى داود سياه ليسرع السير و لا ينزل، و لو صار الى نصف الليل حتى يجاوز المضيق، و نقف نحن هاهنا، فان هؤلاء ما داموا يروننا في وجوههم لا يسيرون، فنماطلهم و ندافعهم قليلا قليلا حتى تجي‏ء الظلمه، فإذا جاءت الظلمه لم يعرفوا لنا موضعا، و أصحابنا يسيرون فينفذون أولا فأولا، فان أخذ علينا نحن المضيق تخلصنا من طريق هشتاد سر او من طريق آخر

27

و اشار غيره على بغا فقال: ان العسكر قد تقطع، و ليس يدرك اوله آخره، و الناس قد رموا بسلاحهم، و قد بقي المال و السلاح على البغال، و ليس معه احد، و لا نامن ان يخرج عليه من يأخذ المال و الأسير- و كان ابن جويدان معهم أسيرا أرادوا ان يفادوا به كاتبا لعبد الرحمن بن حبيب، اسره بابك- فعزم بغا على ان يعسكر بالناس حين ذكر له المال و السلاح و الأسير، فوجه الى داود سياه: حيثما رايت جبلا حصينا، فعسكر عليه.

فعدل داود الى جبل مؤرب، لم يكن للناس موضع يقعدون فيه من شده هبوطه، فعسكر عليه، فضرب مضربا لبغا على طرف الجبل في موضع شبيه بالحائط، ليس فيه مسلك، و جاء بغا فنزل، و انزل الناس و قد تعبوا و كلوا، و فنيت ازوادهم، فباتوا على تعبئه و تحارس من ناحيه المصعد، فجاءهم العدو من الناحية الاخرى، فتعلقوا بالجبل حتى صاروا الى مضرب بغا، فكبسوا المضرب، و بيتوا العسكر، و خرج بغا راجلا حتى نجا، و جرح الفضل بن كاوس، و قتل جناح السكرى، و قتل ابن جوشن، و قتل احد الأخوين قرابه الفضل ابن سهل، و خرج بغا من العسكر راجلا، فوجد دابه فركبها، و مر بابن البعيث فاصعده على هشتاد سر، حتى انحدر به على عسكر محمد بن حميد، فوافاه في جوف الليل، و أخذ الخرمية المال و السلاح و الأسير ابن جويدان، و لم يتبعوا الناس، و مر الناس منهزمين منقطعين حتى وافوا بغا، و هو في خندق محمد بن حميد، فأقام بغا في خندق محمد بن حميد خمسه عشر يوما، فأتاه كتاب الافشين يأمره بالرجوع الى المراغه، و ان يرد اليه المدد الذى كان امده به، فمضى بغا الى المراغه، و انصرف الفضل بن كاوس و جميع من كان جاء معه من معسكر الافشين الى الافشين، و فرق الافشين الناس في مشاتيهم تلك السنه، حتى جاء الربيع من السنه المقبلة.

28

خبر مقتل طرخان قائد بابك‏

و في هذه السنه قتل قائد لبابك كان يقال له طرخان.

ذكر سبب قتله:

ذكر ان طرخان هذا كان عظيم المنزله عند بابك، و كان احد قواده، فلما دخل الشتاء من هذه السنه، استاذن بابك في الاذن له ان يشتو في قريه له بناحيه المراغه- و كان الافشين يرصده، و يحب الظفر به، لمكانه من بابك- فاذن له بابك، فصار الى قريته ليشتو بها بناحيه هشتاد سر، فكتب الافشين الى ترك مولى إسحاق بن ابراهيم بن مصعب و هو بالمراغة، ان يسرى الى تلك القرية- و وصفها له- حتى يقتل طرخان، او يبعث به اليه أسيرا فاسرى ترك الى طرخان، فصار اليه في جوف الليل، فقتل طرخان و بعث برأسه الى الافشين و في هذه السنه قدم صول ارتكين و اهل بلاده في قيود فنزعت قيودهم، و حمل على الدواب منهم نحو من مائتي رجل.

و فيها غضب الافشين على رجاء الحضارى و بعث به مقيدا.

و حج بالناس في هذه السنه محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، و هو والى مكة

29

ثم دخلت‏

سنه اثنتين و عشرين و مائتين‏

ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث‏

فمن ذلك ما كان من توجيه المعتصم جعفر بن دينار الخياط الى الافشين مددا له، ثم اتباعه بعد ذلك بايتاخ و توجيهه معه ثلاثين الف الف درهم عطاء للجند و للنفقات‏

. ذكر خبر الوقعه بين اصحاب الافشين و آذين قائد بابك‏

و فيها كانت وقعه بين اصحاب الافشين و قائد لبابك يقال له آذين.

ذكر الخبر عن هذه الوقعه و ما كان سببها:

ذكر ان الشتاء لما انقضى من سنه احدى و عشرين و مائتين و جاء الربيع، و دخلت سنه اثنتين و عشرين و مائتين، و وجه المعتصم الى الافشين ما وجهه اليه من المدد و المال، فوافاه ذلك كله و هو ببرزند، سلم ايتاخ الى الافشين المال و الرجال الذين كانوا معه و انصرف، و اقام جعفر الخياط مع الافشين مده، ثم رحل الافشين عند امكان الزمان، فصار الى موضع يقال له كلان روذ، فاحتفر فيه خندقا، و كتب الى ابى سعيد، فرحل من برزند الى ازائه على طرف رستاق كلان روذ، و تفسيره: نهر كبير، بينهما قدر ثلاثة اميال، فأقام معسكرا في خندق، فأقام بكلان‏روذ خمسه ايام، فأتاه من اخبره ان قائدا من قواد بابك يدعى آذين، قد عسكر بإزاء الافشين، و انه قد صير عياله في جبل يشرف على روذ الروذ، و قال: لا اتحصن من اليهود- يعنى المسلمين- و لا ادخل عيالي حصنا، و ذلك ان بابك قال له: ادخل عيالك الحصن، قال: انا اتحصن من اليهود! و الله لا ادخلتهم حصنا ابدا، فنقلهم الى هذا الجبل، فوجه الافشين ظفر بن العلاء السعدي و الحسين بن خالد المدائني من قواد ابى سعيد في جماعه من الفرسان و الكوهبانية،

30

فساروا ليلتهم من كلان روذ، حتى انحدرا في مضيق لا يمر فيه راكب واحد الا بجهد، فاكثر الناس قادوا دوابهم، و انسلوا رجلا خلف رجل، فأمرهم ان يصيروا قبل طلوع الفجر على روذ الروذ، فيعبر الكوهبانية رجاله، لأنه لا يمكن الفارس ان يتحرك هناك، و يتسلقوا الجبل، فصاروا على روذ الروذ قبل السحر، ثم امر من اطاق من الفرسان ان يترجل و ينزع ثيابه، فترجل عامه الفرسان، و عبروا و عبر معهم الكوهبانية جميعا، و صعدوا الجبل، فأخذوا عيال آذين و بعض ولده، و عبروا بهم، و بلغ آذين الخبر بأخذ عياله، و كان الافشين عند توجه هؤلاء الرجاله و دخولهم المضيق يخاف ان يؤخذ عليهم المضيق، فامر الكوهبانية ان يكون معهم اعلام، و ان يكونوا على رءوس الجبال الشواهق في المواضع التي يشرفون منها على ظفر بن العلاء و اصحابه، فان رأوا أحدا يخافونه حركوا الاعلام، فبات الكوهبانية على رءوس الجبال، فلما رجع ابن العلاء و الحسين بن خالد بمن أخذوا من عيال آذين، و صاروا في بعض الطريق قبل ان يصيروا الى المضيق، انحدر عليهم رجاله آذين فحاربوهم قبل ان يدخلوا المضيق، فوقع بينهم قتلى، و استنقذوا بعض النساء و نظر اليهم الكوهبانية الذين رتبهم الافشين، و كان آذين قد وجه عسكرين، عسكرا يقاتلهم، و عسكرا يأخذ عليهم المضيق، فلما حركوا الاعلام وجه الافشين مظفر بن كيدر في كردوس من اصحابه، فاسرع الركض.

و وجه أبا سعيد خلف المظفر، و اتبعهما ببخاراخذاه، فوافوا، فلما نظر اليهم رجاله آذين الذين كانوا على المضيق انحدروا عن المضيق، و انضموا الى اصحابهم، و نجا ظفر بن العلاء و الحسين بن خالد و من معهما من أصحابهما، و لم يقتل منهم الا من قتل في الوقعه الاولى، و جاءوا جميعا الى عسكر الافشين، و معهم النساء اللواتي اخذوهن.

31

ذكر خبر فتح البذ مدينه بابك‏

و في هذه السنه فتحت البذ مدينه بابك، و دخلها المسلمون، و استباحوها، و ذلك في يوم الجمعه لعشر بقين من شهر رمضان في هذه السنه.

ذكر الخبر عن امرها و كيف فتحت و السبب في ذلك:

ذكر ان الافشين لما عزم على الدنو من البذ و الارتحال من كلان روذ جعل يزحلف قليلا قليلا- على خلاف زحفه قبل ذلك- الى المنازل التي كان ينزلها، فكان يتقدم الأميال الأربعة، فيعسكر في موضع على طريق المضيق الذى ينحدر الى روذ الروذ، و لا يحفر خندقا، و لكنه يقيم معسكرا في الحسك، و كتب اليه المعتصم يأمره ان يجعل الناس نوائب كراديس تقف على ظهور الخيل، كما يدور العسكر بالليل، فبعض القوم معسكرون و بعض وقوف على ظهور دوابهم على ميل كما يدور العسكر بالليل و النهار مخافه البيات، كي ان دهمهم امر يكون الناس على تعبئة و الرجاله في العسكر، فضج الناس من التعب، و قالوا: كم نقعدها هنا في المضيق و نحن قعود في الصحراء، و بيننا و بين العدو اربعه فراسخ، و نحن نفعل فعلا، كان العدو بازائنا! قد استحينا من الناس و الجواسيس الذين يمرون بيننا و بين العدو اربعه فراسخ، و نحن قد متنا من الفزع، اقدم بنا، فاما لنا و اما علينا، فقال: انا و الله اعلم ان ما تقولون حق، و لكن امير المؤمنين أمرني بهذا و لا أجد منه بدا.

فلم يلبث ان جاءه كتاب المعتصم يأمره ان يتحرى بدراجه الليل على حسب ما كان، فلم يزل كذلك أياما، ثم انحدر في خاصته حتى نزل الى روذ الروذ، و تقدم حتى شارف الموضع الذى به الركوة التي واقعه عليها بابك في العام الماضى، فنظر إليها، و وجد عليها كردوسا من الخرمية، فلم يحاربوه و لم يحاربهم، فقال بعض العلوج: ما لكم تجيئون و تفرون! ا ما تستحيون! فامر الافشين الا يجيئوهم و لا يبرز اليهم احد، فلم يزل مواقفهم الى قريب‏

32

من الظهر، ثم رجع الى عسكره، فمكث فيه يومين، ثم انحدر أيضا في اكثر مما كان انحدر في المره الاولى، فامر أبا سعيد ان يذهب فيواقفهم على حسب ما كان واقفهم في المره الاولى، و لا يحركهم و لا يهجم عليهم.

و قام الافشين بروذ الروذ، و امر الكوهبانية ان يصعدوا الى رءوس الجبال التي يظنون انها حصينة، فيتراءوا له فيها، و يختاروا له في رءوس الجبال مواضع يتحصن فيها الرجاله، فاختاروا له ثلاثة اجبل، قد كانت عليها حصون فيما مضى، فخربت فعرفها، ثم بعث الى ابى سعيد، فصرفه يومه ذلك، فلما كان بعد يومين انحدر من معسكره الى روذ الروذ، و أخذ معه الكلغرية- و هم الفعله- و حملوا معهم شكاء الماء و الكعك، فلما صاروا الى روذ الروذ وجه أبا سعيد، و امره ان يواقفهم أيضا على حسب ما كان امره به في اليوم الاول، و امر الفعله بنقل الحجاره و تحصين الطرق التي تسلك الى تلك الثلاثة الاجبل، حتى صارت شبه الحصون، و امر فاحتفر على كل طريق وراء تلك الحجاره الى المصعد خندقا، فلم يترك مسلكا الى جبل منها الا مسلكا واحدا ثم امر أبا سعيد بالانصراف، فانصرف، و رجع الافشين الى معسكره قال: فلما كان في اليوم الثامن من الشهر، و استحكم الحصر، دفع الى الرجاله كعكا و سويقا، و دفع الى الفرسان الزاد و الشعير، و وكل بمعسكره ذلك من يحفظه و انحدروا، و امر الرجاله ان يصعدوا الى رءوس تلك الجبال، و ان يصعدوا معهم بالماء، و بجميع ما يحتاجون اليه، ففعلوا ذلك، و عسكر ناحيه، و وجه أبا سعيد ليواقف القوم على حسب ما كان يواقفهم، و امر الناس بالنزول في سلاحهم، و الا يأخذ الفرسان سروج دوابهم ثم خط الخندق، و امر الفعله بالعمل فيه، و وكل بهم من يستحثهم، و نزل هو و الفرسان، فوقفوا تحت الشجر في ظل يرعون دوابهم، فلما صلى العصر، امر الفعله بالصعود الى رءوس الجبال التي حصنها مع الرجاله، و امر الرجاله ان‏

33

يتحارسوا و لا يناموا، و يدعوا الفعله فوق الجبال ينامون، و امر الفرسان بالركوب عند اصفرار الشمس، فصيرهم كراديس وقفها حيالهم، بين كل كردوس و كردوس قدر رميه سهم، و تقدم الى جميع الكراديس الا يلتفتن كل واحد منكم الى الآخر، ليحفظ كل واحد منكم ما يليه، فان سمعتم هده فلا يلتفتن احد منكم الى احد، و كل كردوس منكم قائم بما يليه، فانه لا بهده يأخذ فلم يزل الكراديس وقوفا على ظهور دوابهم الى الصباح، و الرجاله فوق رءوس الجبال يتحارسون و تقدم الى الرجاله: متى ما أحسوا في الليل بأحد فلا يكترثوا، و ليلزم كل قوم منهم المواضع التي لهم، و ليحفظوا جبلهم و خندقهم فلا يلتفتن احد الى احد فلم يزالوا كذلك الى الصباح، ثم امر من يتعاهد الفرسان و الرجاله بالليل، فينظر الى حالتهم، فلبثوا في حفر الخندق عشره ايام، و دخله اليوم العاشر فقسمه بين الناس، و امر القواد ان يبعثوا الى اثقالهم و اثقال اصحابهم على الرفق، و أتاه رسول بابك و معه قثاء و بطيخ و خيار، يعلمه انه في ايامه هذه في جفاء، انما يأكل الكعك و السويق هو و اصحابه، و انه أحب ان يلطفه بذلك فقال الافشين للرسول: قد عرفت اى شي‏ء اراد أخي بهذا، انما اراد ان ينظر الى العسكر، و انا أحق من قبل بره، و اعطاه شهوته، فقد صدق، انا في جفاء و قال للرسول: اما أنت فلا بد لك ان تصعد حتى ترى معسكرنا، فقد رايت ما هاهنا، و ترى ما وراءنا أيضا، فامر بحمله على دابه، و ان يصعد به حتى يرى الخندق، و يرى خندق كلان روذ و خندق برزند، و لينظر الى الخنادق الثلاثة و يتأملها، و لا يخفى عليه منها شي‏ء ليخبر به صاحبه ففعل به ذلك، حتى صار الى برزند، ثم رده اليه، فاطلقه و قال له: اذهب، فاقرئه منى السلام- و كان من الخرمية الذين يتعرضون لمن يجلب الميرة الى العسكر- ففعل ذلك مره او مرتين، ثم جاءت الخرمية بعد ذلك في ثلاثة كراديس، حتى صاروا قريبا من سور خندق الافشين يصيحون، فامر الافشين الناس الا ينطق احد منهم، ففعلوا

34

ذلك ليلتين او ثلاث ليال، و جعلوا يركضون دوابهم خلف السور، ففعلوا ذلك غير مره، فلما انسوا هيأ لهم الافشين اربعه كراديس من الفرسان و الرجاله، فكانت الرجاله ناشبه، فكمنوا لهم في الأودية، و وضع عليهم العيون، فلما انحدروا في وقتهم الذى كانوا ينحدرون فيه في كل مره، و صاحوا و جلبوا كعادتهم شدت عليهم الخيل و الرجاله الذين رتبوا، فأخذوا عليهم طريقهم.

و اخرج الافشين اليهم كردوسين من الرجاله في جوف الليل، فأحسوا ان قد أخذت عليهم العقبه، فتفرقوا في عده طرق، حتى أقبلوا يتسلقون الجبال، فمروا فلم يعودوا الى ما كانوا يفعلون، و رجع الناس من الطلب مع صلاه الغداة الى الخندق بروذ الروذ، و لم يلحقوا من الخرمية أحدا.

ثم ان الافشين كان في كل اسبوع يضرب بالطبول نصف الليل، و يخرج بالشمع و النفاطات الى باب الخندق، و قد عرف كل انسان منهم كردوسه، من كان في الميمنه و من كان في الميسره، فيخرج الناس فيقفون في مواقفهم و مواضعهم و كان الافشين يحمل اعلاما سودا كبارا، اثنى عشر علما يحملها على البغال، و لم يكن يحملها على الخيل لئلا تزعزع، يحملها على اثنى عشر بغلا، و كانت طبوله الكبار واحدا و عشرين طبلا، و كانت الاعلام الصغار نحوا من خمسمائة علم، فيقف اصحابه كل فرق على مرتبتهم من ربع الليل، حتى إذا طلع الفجر ركب الافشين من مضربه، فيؤذن المؤذن بين يديه و يصلى، ثم يصلى الناس بغلس، ثم يأمر بضرب الطبول، و يسير زحفا و كانت علامته في المسير و الوقوف تحريك الطبول و سكونها، لكثرة الناس و مسيرهم في الجبال و الأزقة على مصافهم، كلما استقبلوا جبلا صعدوه، و إذا هبطوا الى واد مضوا فيه، الا ان يكون جبلا منيعا لا يمكنهم صعوده و هبوطه، فإنهم كانوا ينضمون الى العساكر، و يرجعون إذا جاءوا الى الجبل الى مصافهم و مواضعهم، و كانت علامه المسير ضرب الطبول، فان اراد ان يقف امسك عن ضرب الطبول، فيقف الناس جميعا من كل ناحيه على جبل، او في واد او في مكانهم، و كان يسير قليلا قليلا، كلما جاءه كوهبانى بخبر وقف‏

35

قليلا، و كان يسير هذه السته الأميال التي بين روذ الروذ، و بين البذ، ما بين طلوع الفجر الى الضحى الاكبر، فإذا اراد ان يصعد الى الركوة التي كانت الحرب تكون عليها في العام الماضى، خلف بخاراخذاه على راس العقبه مع الف فارس و ستمائه راجل، يحفظون عليه الطريق، لا يخرج احد من الخرمية، فيأخذ عليه الطريق و كان بابك إذا احس بالعسكر انه وارد عليه وجه عسكرا له فيه رجاله الى واد تحت تلك العقبه التي كان عليها بخاراخذاه، و يكمنون لمن يريد ان يأخذ عليه الطريق سنه 222 و كان الافشين يقف بخارا خذاه يحفظ هذه العقبه التي وجه بابك عسكره إليها ليأخذها على الافشين، و كان بخاراخذاه يقف بها ابدا، ما دام الافشين داخل البذ على الركوة، و كان الافشين يتقدم الى بخاراخذاه ان يقف على واد فيما بينه و بين البذ شبه الخندق.

و كان يأمر أبا سعيد محمد بن يوسف ان يعبر ذلك الوادى في كردوس من اصحابه، و يأمر جعفرا الخياط ان يقف أيضا في كردوس من اصحابه، و يأمر احمد بن الخليل فيقف في كردوس آخر، فيصير في جانب ذلك الوادى ثلاثة كراديس في طرف ابياتهم، و كان بابك يخرج عسكرا مع آذين، فيقف على تل بإزاء هؤلاء الثلاثة الكراديس خارجا من البذ لئلا يتقدم احد من عساكر الافشين الى باب البذ و كان الافشين يقصد الى باب البذ، و يأمرهم إذا عبروا بالوقوف فقط، و ترك المحاربة، و كان بابك إذا احس بعساكر الافشين انها قد تحركت من الخندق تريده فرق اصحابه كمناء، و لم يبق معه الا نفير يسير، و بلغ ذلك الافشين، و لم يكن يعرف الواضع التي يكمنون فيها ثم أتاه الخبر بان الخرمية قد خرجوا جميعا، و لم يبق مع بابك الا شرذمه من اصحابه و كان الافشين إذا صعد الى ذلك الموضع بسط له نطع، و وضع له كرسي، و جلس على تل مشرف يشرف على باب قصر بابك، و الناس كراديس وقوف، من كان معه من جانب الوادى هذا امره بالنزول‏

36

عن دابته، و من كان من ذاك الجانب مع ابى سعيد و جعفر الخياط و اصحابه و احمد بن الخليل لم ينزل لقربه من العدو، فهم وقوف على ظهور دوابهم، و يفرق رجالته الكوهبانية ليفتشوا الأودية، طمع ان يقع على مواضع الكمناء فيعرفها، فكانت هذه حالته في التفتيش الى بعد الظهر، و الخرمية بين يدي بابك يشربون النبيذ، و يزمرون بالسرنيايات، و يضربون بالطبول، حتى إذا صلى الافشين الظهر، تقدم فانحدر الى خندقه بروذ الروذ، فكان أول من ينحدر ابو سعيد ثم احمد بن الخليل ثم جعفر بن دينار، ثم ينصرف الافشين، و كان مجيئه ذلك مما يغيظ بابك، و انصرافه فإذا دنا الانصراف، ضربوا بصنوجهم، و نفخوا بوقاتهم استهزاء، و لا يبرح بخاراخذاه من العقبه التي هو عليها، حتى تجوزه الناس جميعا، ثم ينصرف في آثارهم، فلما كان في بعض ايامهم ضجرت الخرمية من المعادلة و التفتيش الذى كان يفتش عليهم، فانصرف الافشين كعادته، و انصرفت الكراديس أولا فأولا، و عبر ابو سعيد الوادى، و عبر احمد بن الخليل، و عبر بعض اصحاب جعفر الخياط، و فتح الخرمية باب خندقهم، و خرج منهم عشره فوارس، و حملوا على من بقي من اصحاب جعفر الخياط في ذلك الموضع، و ارتفعت الضجة في العسكر، فرجع جعفر مع كردوس من اصحابه بنفسه، فحمل على أولئك الفرسان حتى ردهم الى باب البذ، ثم وقعت الضجة في العسكر، فرجع الافشين و جعفر و اصحابه من ذلك الجانب يقاتلون، و قد خرج من اصحاب جعفر عده، و خرج بابك بعده فرسان لم يكن معهم رجاله، لا من اصحاب الافشين، و لا من اصحاب بابك، كان هؤلاء يحملون، و هؤلاء يحملون، فوقعت بينهم جراحات، و رجع الافشين حتى طرح له النطع و الكرسي، فجلس في موضعه الذى كان يجلس فيه، و هو يتلظى على جعفر، و يقول: قد افسد على تعبيتى و ما اريد

37

و ارتفعت الضجة، و كان مع ابى دلف في كردوس قوم من المطوعة من اهل البصره و غيرهم، فلما نظروا الى جعفر يحارب، انحدر أولئك المطوعة بغير امر الافشين، و عبروا الى ذلك جانب الوادى، حتى صاروا الى جانب البذ، فتعلقوا به، و اثروا فيه آثارا، و كادوا يصعدونه فيدخلون البذ، و وجه جعفر الى الافشين: ان امدنى بخمسمائة راجل من الناشبة، فانى أرجو ان ادخل البذ ان شاء الله، و لست ارى في وجهى كثير احد الا هذا الكردوس الذى تراه أنت فقط- يعنى كردوس آذين- فبعث اليه الافشين ان قد افسدت على امرى، فتخلص قليلا قليلا، و خلص أصحابك و انصرف و ارتفعت الضجة من المطوعة حين تعلقوا بالبذ، و ظن الكمناء الذين اخرجهم بابك انها حرب قد اشتبكت، فنعروا و وثبوا من تحت عسكر بخاراخذاه، و وثب كمين آخر من وراء الركوة التي كان الافشين يقعد عليها، فتحركت الخرمية، و الناس وقوف على رءوسهم لم يزل منهم احد، فقال الافشين: الحمد لله الذى بين لنا مواضع هؤلاء.

ثم انصرف جعفر و اصحابه و المطوعة، فجاء جعفر الى الافشين، فقال له: انما وجهني سيدي امير المؤمنين للحرب التي ترى، و لم يوجهني للقعود هاهنا، و قد قطعت بي في موضع حاجتي ما كان يكفيني الا خمسمائة راجل حتى ادخل البذ او جوف داره، لانى قد رايت من بين يدي فقال له الافشين: لا تنظر الى ما بين يديك، و لكن انظر الى ما خلفك و ما قد وثبوا ببخار اخذاه و اصحابه فقال الفضل بن كاوس لجعفر الخياط: لو كان الأمر إليك ما كنت تقدر ان تصعد الى هذا الموضع الذى أنت عليه واقف، حتى تقول: كنت و كنت فقال له جعفر: هذه الحرب، و ها انا واقف لمن جاء فقال له الفضل: لو لا مجلس الأمير لعرفتك نفسك الساعة، فصاح بهما الافشين، فامسكا، و امر أبا دلف ان يرد المطوعة عن السور، فقال ابو دلف للمطوعه: انصرفوا فجاء رجل منهم و معه صخره، فقال: ا تردنا

38

و هذا الحجر أخذته من السور! فقال له: الساعة، إذا انصرفت تدرى من على طريقك جالس- يعنى العسكر الذى وثب على بخاراخذاه من وراء الناس.

ثم قال الافشين لأبي سعيد في وجه جعفر: احسن الله جزاءك عن نفسك و عن امير المؤمنين، فانى ما علمتك عالما بأمر هذه العساكر و سياستها، ليس كل من حف راسه يقول: ان الوقوف في الموضع الذى يحتاج اليه خير.

من المحاربة في الموضع الذى لا يحتاج اليه، لو وثب هؤلاء الذين تحتك- و اشار الى الكمين الذى تحت الجبل- كيف كنت ترى هؤلاء المطوعة الذين هم في القمص؟ اى شي‏ء كان يكون حالهم، و من كان يجمعهم؟ الحمد لله الذى سلمهم، فقف هاهنا فلا تبرح حتى لا يبقى هاهنا احد و انصرف الافشين، و كان من سنته إذا بدا بالانصراف ينحدر علم الكراديس و فرسانه و رجالته، و الكردوس الآخر واقف بينه و بينه قدر رميه سهم، لا يدنو من العقبه، و لا من المضيق، حتى يرى انه قد عبر كل من في الكردوس الذى بين يديه و خلا به الطريق، ثم يدنو بعد ذلك فينحدر في الكردوس الآخر بفرسانه و رجالته، و لا يزال كذلك، و قد عرف كل كردوس من خلف من ينصرف، فلم يكن يتقدم احد منهم بين يدي صاحبه، و لا يتأخر هكذا، حتى إذا نفذت الكراديس كلها و لم يبق احد غير بخاراخذاه، انحدر بخاراخذاه و خلى العقبه.

فانصرف ذلك اليوم على هذه الهيئة، و كان ابو سعيد آخر من انصرف، و كلما مر العسكر بموضع بخاراخذاه، و نظروا الى الموضع الذى كان فيه الكمين، علموا ما كان وطي‏ء لهم، و تفرق أولئك الاعلاج الذين أرادوا أخذ الموضع الذى كان بخاراخذاه يحفظه، و رجعوا الى مواضعهم، فأقام الافشين في خندقه بروذ الروذ أياما، فشكا اليه المطوعة الضيق في العلوفه و الازواد و النفقات، فقال لهم: من صبر منكم فليصبر، و من لم يصبر فالطريق واسع فلينصرف بسلام، معى جند امير المؤمنين، و من هو في ارزاقه يقيمون معى في الحر و البرد، و لست ابرح من هاهنا حتى يسقط الثلج فانصرف المطوعة و هم يقولون: لو ترك الافشين جعفرا و تركنا لأخذنا البذ، هذا لا يشتهى‏

39

الا المماطله، فبلغه ذلك و ما كثر المطوعة فيه، و يتناولونه بالسنتهم و انه لا يحب المناجزة، و انما يريد التطويل، حتى قال بعضهم انه راى في المنام، ان رسول الله(ص)قال له: قل للافشين: ان أنت حاربت هذا الرجل و جددت في امره و الا امرت الجبال ان ترجمك بالحجارة، فتحدث الناس بذلك في العسكر علانية، كأنه مستور، فبعث الافشين الى رؤساء المطوعة، فاحضرهم و قال لهم: أحب ان تروني هذا الرجل، فان الناس يرون في المنام أبوابا، فاتوه بالرجل في جماعه من الناس، فسلم عليه، فقربه و ادناه، و قال له:

قص على رؤياك، لا تحتشم و لا تستحي، فإنما تؤدى قال: رايت كذا و رايت كذا، فقال: الله يعلم كل شي‏ء قبل كل احد، و ما اريد بهذا الخلق ان الله تبارك و تعالى لو اراد ان يأمر الجبال ان ترجم أحدا لرجم الكافر، و كفانا مؤنته، كيف يرجمنى حتى اكفيه مؤنه الكافر كان يرجمه، و لا يحتاج ان اقاتله انا، و انا اعلم ان الله عز و جل لا يخفى عليه خافية، فهو مطلع على قلبي، و ما اريد بكم يا مساكين! فقال رجل من المطوعة من اهل الدين:

يايها الأمير، لا تحرمنا شهاده ان كانت قد حضرت، و انما قصدنا و طلبنا ثواب الله و وجهه، فدعنا وحدنا حتى نتقدم بعد ان يكون باذنك، فلعل الله ان يفتح علينا فقال الافشين: انى ارى نياتكم حاضره، و احسب هذا الأمر يريده الله، و هو خير ان شاء الله، و قد نشطتم و نشط الناس، و الله اعلم ما كان هذا رأيي، و قد حدث الساعة لما سمعت من كلامكم، و أرجو ان يكون اراد هذا الأمر و هو خير، اعزموا على بركة الله اى يوم احببتم حتى نناهضهم، و لا حول و لا قوه الا بالله! فخرج القوم مستبشرين فبشروا اصحابهم، فمن كان اراد ان ينصرف اقام، و من كان في القرب و قد خرج مسيره ايام فسمع بذلك رجع، و وعد الناس ليوم، و امر الجند و الفرسان و الرجاله و جميع الناس بالاهبه، و اظهر انه يريد الحرب لا محاله و خرج الافشين و حمل المال و الزاد، و لم يبق في العسكر بغل الا وضع عليه محمل للجرحى، و اخرج معه المتطببين، و حمل الكعك و السويق و غير ذلك، و جميع ما يحتاج اليه، و زحف‏

40

الناس حتى صعد الى البذ، و خلف بخاراخذاه في موضعه الذى كان يخلفه عليه على العقبه، ثم طرح النطع و وضع له الكرسي، و جلس عليه كما كان يفعل، و قال لأبي دلف: قل للمطوعه: اى ناحيه هي اسهل عليكم، فاقتصروا عليها و قال لجعفر: العسكر كله بين يديك، و الناشبة و النفاطون، فان اردت رجالا دفعتهم إليك، فخذ حاجتك و ما تريد، و اعزم على بركة الله، فاذن من اى موضع تريد قال: اريد ان اقصد الموضع الذى كنت عليه، قال:

امض اليه و دعا أبا سعيد، فقال له: قف بين يدي، أنت و جميع أصحابك، و لا يبرحن منكم احد و دعا احمد بن الخليل فقال له: قف أنت و أصحابك هاهنا، و دع جعفرا يعبر و جميع من معه من الرجال، فان اراد رجالا او فرسانا أمددناه، و وجهنا بهم اليه، و وجه أبا دلف و اصحابه من المطوعة، فانحدروا الى الوادى، و صعدوا الى حائط البذ من الموضع الذى كانوا صعدوا عليه تلك المره، و علقوا بالحائط على حسب ما كانوا فعلوا ذلك اليوم، و حمل جعفر حمله حتى ضرب باب البذ، على حسب ما كان فعل تلك المره الاولى، و وقف على الباب، و واقفه الكفره ساعه صالحه، فوجه الافشين برجل معه بدره دنانير، و قال له: اذهب الى اصحاب جعفر، فقل: من تقدم، فاحث له مل‏ء كفك، و دفع بدره اخرى الى رجل من اصحابه، و قال له:

اذهب الى المطوعة و معك هذا المال و اطواق و اسوره، و قل لأبي دلف: كل من رايته محسنا من المطوعة و غيرهم فأعطه و نادى صاحب الشراب، فقال له: اذهب فتوسط الحرب معهم حتى أراك بعيني معك السويق و الماء، لئلا يعطش القوم فيحتاجوا الى الرجوع، و كذلك فعل باصحاب جعفر في الماء و السويق، و دعا صاحب الكلغرية، فقال له: من رايته في وسط الحرب من المطوعة في يده فاس فله عندي خمسون درهما، و دفع اليه بدره دراهم، و فعل مثل ذلك باصحاب جعفر، و وجه اليهم الكلغرية بايديهم الفئوس، و وجه الى جعفر بصندوق فيه اطواق و اسوره، فقال له: ادفع الى من اردت من‏

41

أصحابك هذا سوى ما لهم عندي، و ما تضمن لهم على من الزيادة في أرزاقهم و الكتاب الى امير المؤمنين باسمائهم فاشتبكت الحرب على الباب طويلا، ثم فتح الخرمية لباب، و خرجوا على اصحاب جعفر، فنحوهم عن الباب، و شدوا على المطوعة من الناحية الاخرى، فأخذوا منهم علمين طرحوهم عن السور، و جرحوهم بالصخر حتى اثروا فيهم، فرقوا عن الحرب، و وقفوا، و صاح جعفر باصحابه، فبدر منهم نحو من مائه رجل، فبركوا خلف تراسهم التي كانت معهم، و واقفوهم متحاجزين، لا هؤلاء يقدمون على هؤلاء، و لا هؤلاء يقدمون على هؤلاء، فلم يزالوا كذلك حتى صلى الناس الظهر، و كان الافشين قد حمل عرادات، فنصب عراده منها مما يلى جعفرا على الباب، و عراده اخرى من طرف الوادى من ناحيه المطوعة، فاما العرادة التي من ناحيه جعفر، فدافع عنها جعفر حتى صارت العرادة فيما بينهم و بين الخرمية ساعه طويله، ثم تخلصها اصحاب جعفر بعد جهد، فقلعوها و ردوها الى العسكر، فلم يزل الناس متواقفين متحاجزين، يختلف بينهم النشاب و الحجاره أولئك على سورهم و الباب، و هؤلاء قعود تحت اتراسهم، ثم تناجزوا بعد ذلك، فلما نظر الافشين الى ذلك كره ان يطمع العدو في الناس، فوجه الرجاله الذين كان اعدهم قبله، حتى وقفوا في موضع المطوعة، و بعث الى جعفر بكردوس فيه رجاله، فقال جعفر: لست اوتى من قله الرجاله معى رجال فره و لكنى لست ارى للحرب موضعا يتقدمون، انما هاهنا موضع مجال رجل او رجلين قد وقفوا عليه، و انقطعت الحرب، فبعث اليه: انصرف على بركة الله، فانصرف جعفر، و بعث الافشين بالبغال التي كان جاء بها معه، عليها المحامل، فجعلت فيها الجرحى و من كان به و هن من الحجاره و لا يقدر على المشى، و امر الناس بالانصراف، فانصرفوا الى خندقهم بروذ الروذ، و ايس الناس من الفتح في تلك السنه، و انصرف اكثر المطوعة سنه 222 ثم ان الافشين تجهز بعد جمعتين، فلما كان في جوف الليل، بعث الرجاله الناشبة، و هم مقدار الف رجل، فدفع الى كل واحد منهم شكوه‏

42

و كعكا، و دفع الى بعضهم اعلاما سودا و غير ذلك، و ارسلهم عند مغيب الشمس، و بعث معهم ادلاء، فساروا ليلتهم في جبال منكره صعبه على غير الطريق، حتى داروا، فصاروا خلف التل الذى يقف آذين عليه- و هو جبل شاهق- و امرهم الا يعلم بهم احد، حتى إذا رأوا اعلام الافشين و صلوا الغداة و رأوا الوقعه، ركبوا تلك الاعلام في الرماح، و ضربوا الطبول، و انحدروا من فوق الجبل، و رموا بالنشاب و الصخر على الخرمية، و ان هم لم يروا الاعلام لم يتحركوا حتى يأتيهم خبره، ففعلوا ذلك فوافوا راس الجبل عند السحر، و جعلوا في تلك الشكاء الماء من الوادى، و صاروا فوق الجبل، فلما كان في بعض الليل وجه الافشين الى القواد ان يتهيئوا في السلاح، فانه يركب في السحر، فلما كان في بعض الليل، وجه بشيرا التركى و قوادا من الفراغنه كانوا معه، فأمرهم ان يسيروا حتى يصيروا تحت التل مع اسفل الوادى الذى حملوا منه الماء، و هو تحت الجبل الذى كان عليه آذين، و قد كان الافشين علم ان الكافر يكمن تحت ذلك الجبل كلما جاءه العسكر، فقصد بشير و الفراغنه الى ذلك الموضع الذى علم ان للخرميه فيه عسكرا كامنين، فساروا في بعض الليل، و لا يعلم بهم اكثر اهل العسكر ثم بعث للقواد:

تأهبوا للركوب في السلاح، فان الأمير يغدو في السحر، فلما كان السحر خرج و اخرج الناس، و اخرج النفاطين و النفاطات و الشمع على حسب ما كان يخرج، فصلى الغداة، و ضرب الطبل، و ركب حتى وافى الموضع الذى كان يقف فيه في كل مره، و بسط له النطع، و وضع له الكرسي كعادته.

و كان بخاراخذاه يقف على العقبه التي كان يقف عليها في كل يوم، فلما كان ذلك اليوم صير بخاراخذاه في المقدمه مع ابى سعيد و جعفر الخياط و احمد بن الخليل، فأنكر الناس هذه التعبئة في ذلك الوقت، و امرهم ان يدنوا من التل الذى عليه آذين، فيحدقوا به، و قد كان ينهاهم عن هذا قبل ذلك اليوم، فمضى الناس مع هؤلاء القواد الأربعة الذين سمينا، حتى صاروا حول التل و كان جعفر الخياط مما يلى باب البذ، و كان ابو سعيد مما يليه، و بخاراخذاه مما يلى أبا سعيد، و احمد بن الخليل بن هشام مما يلى بخاراخذاه،

43

فصاروا جميعا حلقه حول التل، و ارتفعت الضجة من اسفل الوادى، و إذا الكمين الذى تحت التل الذى كان يقف عليه آذين قد وثب ببشير التركى و الفراغنه، فحاربوهم و اشتبكت الحرب بينهم ساعه.

و سمع اهل العسكر ضجتهم، فتحرك الناس، فامر الافشين ان ينادوا:

ايها الناس، هذا بشير التركى و الفراغنه قد وجهتهم، فاثاروا كمينا فلا تتحركوا فلما سمع الرجاله الناشبة الذين كانوا تقدموا، و صاروا فوق الجبل ركبوا الاعلام كما امرهم الافشين، فنظر الناس الى اعلام تجي‏ء من جبل شاهق، اعلام سود، و بين العسكر و بين الجبل نحو فرسخ، و هم ينحدرون على جبل آذين من فوقهم، قد ركبوا الاعلام، و جعلوا ينحدرون يريدون آذين، فلما نظر اليهم اهل عسكر آذين وجه آذين اليهم بعض رجالته الذين معه من الخرمية و لما نظر الناس اليهم راعوهم، فبعث اليهم الافشين: أولئك رجالنا انجدتنا على آذين، فحمل جعفر الخياط و اصحابه على آذين و اصحابه، حتى صعدوا اليهم، فحملوا عليهم حمله شديده، قلبوه و اصحابه في الوادى، و حمل عليهم رجل ممن في ناحيه ابى سعيد من اصحاب ابى سعيد، يقال له معاذ بن محمد- او محمد بن معاذ- في عده معه، فإذا تحت حوافر دوابهم آبار محفوره تدخل أيدي الدواب فيها، فتساقطت فرسان ابى سعيد فيها، فوجه الافشين الكلغرية يقلعون حيطان منازلهم، و يطمون بها تلك الابار، ففعلوا ذلك، فحمل الناس عليهم حمله واحده، و كان آذين قد هيأ فوق الجبل عجلا عليها صخر، فلما حمل الناس عليه، دفع العجل على الناس فأفرجوا عنها، فقد حرجت، ثم حمل الناس من كل وجه.

فلما نظر بابك الى اصحابه قد احدق بهم، خرج من طرف البذ، من باب مما يلى الافشين، يكون بين هذا الباب و بين التل الذى عليه الافشين قدر ميل فاقبل بابك في جماعه معه يسألون عن الافشين، فقال لهم اصحاب ابى دلف: من هذا؟ فقالوا: هذا بابك يريد الافشين، فأرسل ابو دلف‏

44

الى الافشين يعلمه ذلك، فأرسل الافشين رجلا يعرف بابك، فنظر اليه، ثم عاد الى الافشين، فقال: نعم هو بابك، فركب اليه الافشين، فدنا منه حتى صار في موضع يسمع كلامه و كلام اصحابه، و الحرب مشتبكه في ناحيه آذين، فقال له: اريد الامان من امير المؤمنين، فقال له الافشين: قد عرضت عليك هذا، و هو لك مبذول متى شئت، فقال: قد شئت الان، على ان تؤجلنى أجلا احمل فيه عيالي، و اتجهز فقال له الافشين: قد و الله نصحتك غير مره فلم تقبل نصيحتي، و انا انصحك الساعة، خروجك اليوم في الامان خير من غد قال: قد قبلت ايها الأمير، و انا على ذلك، فقال له الافشين: فابعث بالرهائن الذين كنت سألتك قال: نعم، اما فلان و فلان فهم على ذلك التل، فمر أصحابك بالتوقف.

قال: فجاء رسول الافشين ليرد الناس، فقيل له: ان اعلام الفراغنه قد دخلت البذ و صعدوا بها القصور فركب و صاح بالناس، فدخل و دخلوا، و صعد الناس بالاعلام فوق قصور بابك، و كان قد كمن في قصوره- و هي اربعه- ستمائه رجل، فوافاهم الناس، فصعدوا بالاعلام فوق القصور، و امتلأت شوارع البذ و ميدانها من الناس، و فتح أولئك الكمناء أبواب القصور، و خرجوا رجاله يقاتلون الناس و مر بابك حتى دخل الوادى الذى يلى هشتاد سر، و اشتغل الافشين و جميع قواده بالحرب على أبواب القصور، فقاتل الخرمية قتالا شديدا، و احضر النفاطين، فجعلوا يصبون عليهم النفط و النار، و الناس يهدمون القصور، حتى قتلوا عن آخرهم و أخذ الافشين اولاد بابك و من كان معهم في البذ من عيالاتهم، حتى ادركهم المساء، فامر الافشين بالانصراف فانصرفوا، و كان عامه الخرمية في البيوت، فرجع الافشين الى الخندق بروذ الروذ.

فذكر ان بابك و اصحابه الذين نزلوا معه الوادى حين علموا ان الافشين قد رجع الى خندقه، رجعوا الى البذ، فحملوا من الزاد ما امكنهم حمله، و حملوا أموالهم، ثم دخلوا الوادى الذى يلى هشتاد سر فلما كان في الغد خرج‏

45

الافشين حتى دخل البذ، فوقف في القرية، و امر بهدم القصور، و وجه الرجاله يطوفون في اطراف القرية، فلم يجدوا فيها أحدا من العلوج، فاصعد الكلغرية، فهدموا القصور و أحرقوها، فعل ذلك ثلاثة ايام حتى احرق خزائنه و قصوره، و لم يدع فيها بيتا و لا قصرا الا احرقه و هدمه، ثم رجع و علم ان بابك قد افلت في بعض اصحابه، فكتب الافشين الى ملوك أرمينية و بطارقتها يعلمهم ان بابك قد هرب و عده معه، و صار الى واد، و خرج منه الى ناحيه أرمينية، و هو مار بكم، و امرهم ان يحفظ كل واحد منهم ناحيته، و لا يسلكها احد الا اخذوه حتى يعرفوه فجاء الجواسيس الى الافشين، فاخبروه بموضعه في الوادى، و كان واديا كثير العشب و الشجر، طرفه بإرمينية و طرفه الآخر باذربيجان، و لم يمكن الخيل ان تنزل اليه، و لا يرى من يستخفى فيه لكثرة شجره و مياهه، انما كانت غيضه.

واحده، و يسمى هذا الوادى غيضه فوجه الافشين الى كل موضع يعلم ان منه طريقا ينحدر منه الى تلك الغيضة، او يمكن بابك ان يخرج من ذلك الطريق، فصير على كل طريق و موضع من هذه المواضع عسكرا فيه ما بين أربعمائة الى خمسمائة مقاتل، و وجه معهم الكوهبانية ليقفوهم على الطريق، و امرهم بحراسة الطريق في الليل لئلا يخرج منه احد.

و كان يوجه الى كل عسكر من هذه العساكر الميرة من عسكره، و كانت هذه العساكر خمسه عشر عسكرا، فكانوا كذلك حتى ورد كتاب امير المؤمنين المعتصم بالذهب مختوما، فيه أمان لبابك فدعا الافشين من كان استامن اليه من اصحاب بابك، و فيهم ابن له كبير، اكبر ولده، فقال له و للاسرى: هذا ما لم أكن ارجوه من امير المؤمنين، و لا اطمع له فيه ان يكتب اليه و هو في هذه الحال بأمان، فمن يأخذه منكم و يذهب به اليه؟ فلم يجسر على ذلك احد منهم، فقال بعضهم: ايها الأمير، ما فينا احد يجترئ ان يلقاه بهذا، فقال له الافشين: ويحك! انه يفرح بهذا، قالوا: اصلح الله الأمير! نحن اعرف بهذا منك، قال: فلا بد لكم من ان تهبوا لي انفسكم، و توصلوا

46

هذا الكتاب اليه فقام رجلان منهم، فقالا له: اضمن لنا انك تجرى على عيالاتنا، فضمن لهما الافشين ذلك، و أخذا الكتاب و توجها فلم يزالا يدوران في الغيضة حتى اصاباه، و كتب معهما ابن بابك بكتاب يعلمه الخبر، و يسأله ان يصير الى الامان، فهو اسلم له و خير فدفعا اليه كتاب ابنه، فقراه، و قال: اى شي‏ء كنتم تصنعون؟ قالا: اسر عيالاتنا في تلك الليلة و صبياننا، و لم نعرف موضعك فنأتيك، و كنا في موضع تخوفنا ان يأخذونا، فطلبنا الامان فقال للذي كان الكتاب معه: هذا لا اعرفه، و لكن أنت يا بن الفاعله، كيف اجترأت على هذا ان تجيئني من عند ذاك ابن الفاعله! فأخذه و ضرب عنقه، و شد الكتاب على صدره مختوما لم يفضه، ثم قال للآخر: اذهب و قل لذاك ابن الفاعله- يعنى ابنه- حيث يكتب الى، و كتب اليه: لو انك لحقت بي و اتبعت دعوتك حتى يجيئك الأمر يوما كنت ابنى، و قد صح عندي الساعة فساد أمك الفاعله يا بن الفاعله، عسى ان اعيش بعد اليوم! قد كنت باسم هذه الرياسة و حيثما كنت او ذكرت كنت ملكا، و لكنك من جنس لا خير فيه، و انا اشهد انك لست يا بنى، تعيش يوما واحدا و أنت رئيس خير، او تعيش اربعين سنه و أنت عبد ذليل! و رحل من موضعه، و وجه مع الرجل ثلاثة نفر حتى اصعدوه من موضع من المواضع، ثم لحقوا ببابك، فلم يزل في تلك الغيضة حتى فنى زاده، و خرج مما يلى طريقا كان عليه بعض العساكر، و كان موضع الطريق جبلا ليس فيه ماء، فلم يقدر العسكر ان يقيم على الطريق لبعده عن الماء، فتنحى العسكر عن الطريق الى قرب الماء، و صيروا كوهبانيين و فارسين على طرف الطريق يحرسونه، و العسكر بينه و بين الطريق نحو من ميل و نصف، كان ينوب على الطريق كل يوم فارسان و كوهبانيان، فبينا هم ذات يوم نصف النهار، إذ خرج بابك و اصحابه، فلم يروا أحدا، و لم يروا الفارسين و الكوهبانيين، و ظنوا ان ليس هناك عسكر، فخرج هو و اخواه: عبد الله و معاويه، و أمه و امراه له‏

47

يقال لها ابنه الكلندانية فخرجوا من الطريق، و ساروا يريدون أرمينية، و نظر اليهم الفارسان و الكوهبانيان، فوجهوا الى العسكر، و عليه ابو الساج: انا قد رأينا فرسانا يمرون و لا ندري من هم فركب الناس، و ساروا، فنظروا اليهم من بعد و قد نزلوا على عين ماء يتغدون عليها، فلما نظروا الى الناس بادر الكافر فركب و ركب من كان معه، فافلت و أخذ معاويه و أم بابك و المرأة التي كانت معه، و مع بابك غلام له، فوجه ابو الساج بمعاويه و المرأتين الى العسكر، و مر بابك متوجها حتى دخل جبال أرمينية يسير في الجبال متكمنا، فاحتاج الى طعام، و كان جميع بطارقه أرمينية قد تحفظوا بنواحيهم و اطرافهم، و أوصوا مسالحهم الا يجتاز عليهم احد الا اخذوه حتى يعرفوه، فكان اصحاب المسالح كلهم متحفظين، و أصاب بابك الجوع، فأشرف فإذا هو بحراث يحرث على فدان له في بعض الأودية، فقال لغلامه: انزل الى هذا الحراث، و خذ معك دنانير و دراهم، فان كان معه خبز فخذه و أعطه، و كان للحراث شريك ذهب لحاجته، فنزل الغلام الى الحراث، فنظر اليه شريكه من بعيد، فوقف بالبعد يفرق من ان يجي‏ء الى شريكه و هو ينظر ما يصنع شريكه، فدفع الغلام الى الحراث شيئا، فجاء الحراث فاخذ الخبز، فدفعه الى الغلام و شريكه قائم ينظر اليه، و يظن انما اغتصبه خبزه، و لم يظن انه اعطاه شيئا، فعدا الى المسلحة، فاعلمهم ان رجلا جاءهم عليه سيف و سلاح، و انه أخذ خبز شريكه من الوادى، فركب صاحب المسلحة- و كان في جبال ابن سنباط- و وجه الى سهل بن سنباط بالخبر، فركب ابن سنباط و جماعه معه حتى جاءه مسرعا، فوافى الحراث و الغلام عنده، فقال له: ما هذا؟ قال له الحراث: هذا رجل مر بي، فطلب منى خبزا فاعطيته، فقال للغلام: و اين مولاك؟ قال: هاهنا- و أومى اليه- فاتبعه فادركه و هو نازل، فلما راى وجهه عرفه، فترجل له ابن سنباط عن دابته، و دنا منه فقبل يده، ثم قال له: يا سيداه، الى اين؟ قال:

اريد بلاد الروم- او موضعا سماه- فقال له: لا تجد موضعا و لا أحدا اعرف بحقك، و لا أحق ان تكون عنده منى، تعرف موضعي، ليس بيني و بين‏

48

السلطان عمل، و لا تدخل على احد من اصحاب السلطان و أنت عارف بقضيتى و بلدي، و كل من هاهنا من البطارقه انما هم اهل بيتك، قد صار لك منهم اولاد، و ذلك ان بابك كان إذا علم ان عند بعض البطارقه ابنه او أختا جميله وجه إليها يطلبها، فان بعث بها اليه و الا بيته و أخذها، و أخذ جميع ماله من متاع و غير ذلك، و صار به الى بلده غصبا سنه 222 ثم قال ابن سنباط له: صر عندي في حصني، فإنما هو منزلك، و انا عبدك، كن فيه شتوتك هذه ثم ترى رأيك و كان بابك قد اصابه الضر و الجهد، فركن الى كلام سهل بن سنباط، و قال له: ليس يستقيم ان أكون انا و أخي في موضع واحد، فلعله ان يعثر بأحدنا فيبقى الآخر، و لكن اقيم عندك انا، و يتوجه عبد الله أخي الى ابن اصطفانوس، لا ندري ما يكون، و ليس لنا خلف يقوم بدعوتنا فقال له ابن سنباط: ولدك كثير، قال:

ليس فيهم خير و عزم على ان يصير أخاه في حصن ابن اصطفانوس- و كان يثق به- فصار هو مع ابن سنباط في حصنه، فلما اصبح عبد الله مضى الى حصن ابن اصطفانوس، و اقام بابك عند ابن سنباط، و كتب ابن سنباط الى الافشين يعلمه ان بابك عنده في حصنه فكتب اليه: ان كان هذا صحيحا فلك عندي و عند امير المؤمنين- ايده الله- الذى تحب، و كتب يجزيه خيرا، و وصف الافشين صفه بابك لرجل من خاصته، ممن يثق به، و وجه به الى ابن سنباط و كتب اليه يعلمه انه قد وجه اليه برجل من خاصته، يحب ان يرى بابك ليحكى للافشين ذلك فكره ابن سنباط ان يوحش بابك، فقال للرجل: ليس يمكن ان تراه الا في الوقت الذى يكون منكبا على طعامه يتغدى، فإذا رايتنا قد دعونا بالغداء فالبس ثياب الطباخين الذين معنا على هيئة علوجنا و تعال كأنك تقدم الطعام، او تناول شيئا، فانه يكون منكبا على الطعام، فتفقد منه ما تريد، فاذهب فاحكه لصاحبك.

ففعل ذلك في وقت الطعام، فرفع بابك راسه فنظر اليه فانكره، فقال:

من هذا الرجل؟ فقال له ابن سنباط: هذا رجل من اهل خراسان، منقطع‏

49

إلينا منذ زمان، نصرانى فلقن ابن سنباط الاشروسنى ذلك، فقال له بابك:

منذ كم أنت هاهنا؟ قال: منذ كذا و كذا سنه، قال: و كيف اقمت هاهنا؟

قال: تزوجت هاهنا، قال: صدقت إذا قيل للرجل: من اين أنت؟ قال:

من حيث امراتى.

ثم رجع الى الافشين فاخبره، و وصف له جميع ما راى ثم من بابك.

و وجه الافشين أبا سعيد و بوزباره الى ابن سنباط، و كتب اليه معهما، و امرهما إذا صارا الى بعض الطريق قد ما كتابه الى ابن سنباط مع علج من الاعلاج، و امرهما الا يخالفا ابن سنباط فيما يشير به عليهما ففعلا ذلك، فكتب إليهما ابن سنباط في المقام بموضع- قد سماه و وصفه لهما- الى ان يأتيهما رسوله فلم يزالا مقيمين بالموضع الذى وصفه لهما، و وجه إليهما ابن سنباط بالميرة و الزاد، حتى تحرك بابك للخروج الى الصيد، فقال له: هاهنا واد طيب، و أنت مغموم في جوف هذا الحصن! فلو خرجنا و معنا بازى و باشق و ما يحتاج اليه، فنتفرج الى وقت الغداء بالصيد! فقال له بابك: إذا شئت فانفذ ليركبا بالغداة، و كتب ابن سنباط الى ابى سعيد و بو زباره يعلمهما ما قد عزم عليه، و يأمرهما ان يوافياه، واحد من هذا الجانب من الجبل و الآخر من الجانب الآخر في عسكرهما و ان يسيرا متكمنين مع صلاه الصبح، فإذا جاءهما رسوله اشرفا على الوادى، فانحدروا عليه إذا رأوهم و اخذوهم.

فلما ركب ابن سنباط و بابك بالغداة وجه ابن سنباط رسولا الى ابى سعيد و رسولا الى بو زباره، و قال لكل رسول: جي‏ء بهذا الى موضع كذا، و جي‏ء بهذا الى موضع كذا، فاشرفا علينا، فإذا رأيتمونا فقولوا: هم هؤلاء خذوهم، و اراد ان يشبه على بابك، فيقول: هذه خيل جاءتنا، فاخذتنا، و لم يحب ان يدفعه إليهما من منزله، فصار الرسولان الى ابى سعيد و بو زباره، فمضيا بهما حتى اشرفا على الوادى، فإذا هما ببابك و ابن سنباط، فنظرا اليه و انحدرا و أصحابهما عليه، هذا من هاهنا، و هذا من هاهنا، و اخذاهما و معهما البواشيق، و على بابك دراعه بيضاء و عمامة بيضاء، و خف قصير و يقال كان بيده باشق، فلما نظر الى‏

50

العساكر قد احدقت به وقف، فنظر إليهما، فقالا له: انزل، فقال: و من أنتما؟ فقال أحدهما: انا ابو سعيد، و الآخر: انا بوزباره، فقال: نعم، و ثنى رجله، فنزل، و كان ابن سنباط ينظر اليه، فرفع راسه الى ابن سنباط فشتمه، و قال: انما بعتني لليهود بالشي‏ء اليسير، لو اردت المال و طلبته لأعطيتك اكثر مما يعطيك هؤلاء، فقال له ابو سعيد: قم فاركب، قال: نعم.

فحملوه و جاءوا به الى الافشين، فلما قرب من العسكر صعد الافشين برزند، فضربت له خيمه على برزند، و امر الناس فاصطفوا صفين، و جلس الافشين في فازه، و جاءوا به، و امر الافشين الا يتركوا عربيا يدخل بين الصفين فرقا ان يقتله انسان او يجرحه ممن قتل أولياءه، او صنع به داهيه.

و كان قد صار الى الافشين نساء كثير و صبيان، ذكروا ان بابك كان اسرهم، و انهم احرار من العرب و الدهاقين، فامر الافشين فجعلت لهم حظيرة كبيره، و اسكنهم فيها، و اجرى لهم الخبز، و امرهم ان يكتبوا الى أوليائهم حيث كانوا، فكان كل من جاء فعرف امراه او صبيا او جاريه، و اقام شاهدين انه يعرفها و انها حرمه له او قرابه دفعها اليه، فجاء الناس، فأخذوا منهم خلقا كثيرا، و بقي منهم ناس كثير ينتظرون ان يجي‏ء أولياؤهم.

و لما كان ذلك اليوم الذى امر الافشين الناس ان يصطفوا، فصار بين بابك و بينه قدر نصف ميل، انزل بابك يمشى بين الصفين في دراعته و عمامته و خفيه، حتى جاء فوقف بين يدي الافشين فنظر اليه الافشين، ثم قال: انزلوا به الى العسكر، فنزلوا به راكبا، فلما نظر النساء و الصبيان الذين في الحظيرة اليه لطموا على وجوههم، و صاحوا و بكوا حتى ارتفعت أصواتهم، فقال لهم الافشين: أنتم بالأمس، تقولون أسرنا، و أنتم اليوم تبكون عليه! عليكم لعنه الله قالوا: كان يحسن إلينا فامر به الافشين فادخل بيتا، و وكل به رجالا من اصحابه.

و كان عبد الله أخو بابك لما اقام بابك عند ابن سنباط، صار الى عيسى‏

51

ابن يوسف بن اصطفانوس، فلما أخذ الافشين بابك، و صيره معه في عسكره و وكل به، اعلم بمكان عبد الله انه عند ابن اصطفانوس، فكتب الافشين الى ابن اصطفانوس ان يوجه اليه بعبد الله، فوجه به ابن اصطفانوس الى الافشين، فلما صار في يد الافشين حبسه مع أخيه في بيت واحد، و وكل بهما قوما يحفظونهما.

و كتب الافشين الى المعتصم بأخذه بابك و أخاه، فكتب المعتصم اليه يأمره بالقدوم بهما عليه، فلما اراد ان يسير الى العراق وجه الى بابك فقال: انى اريد ان اسافر بك، فانظر ما تشتهى من بلاد اذربيجان، فقال: اشتهى ان انظر الى مدينتي فوجه معه الافشين قوما في ليله مقمره الى البذ حتى دار فيه، و نظر الى القتلى و البيوت الى وقت الصبح، ثم رده الى الافشين، و كان الافشين قد وكل به رجلا من اصحابه فاستعفاه منه بابك، فقال له الافشين: لم استعفيت منه؟ قال: يجي‏ء و يده ملاى غمرا، حتى ينام عند راسى فيؤذينى ريحها فأعفاه منه و كان وصول بابك الى الافشين ببرزند لعشر خلون من شوال بين بوزباره و ديوداذ.

و حج بالناس في هذه السنه محمد بن داود.

52

ثم دخلت‏

سنه ثلاث و عشرين و مائتين‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث)

ذكر خبر قدوم الافشين ببابك على المعتصم‏

فمن ذلك قدوم الافشين على المعتصم ببابك و أخيه، ذكر ان قدومه عليه به كان ليله الخميس لثلاث خلون من صفر بسامرا، و ان المعتصم كان يوجه الى الافشين كل يوم من حين فصل من برزند الى ان وافى سامرا فرسا و خلعه، و ان المعتصم لعنايته بأمر بابك و اخباره و لفساد الطريق بالثلج و غيره، جعل من سامرا الى عقبه حلوان خيلا مضمره، على راس كل فرسخ فرسا معه مجر مرتب، فكان يركض بالخبر ركضا حتى يؤديه من واحد الى واحد، يدا بيد، و كان ما خلف حلوان الى اذربيجان قد رتبوا فيه المرج، فكان يركض بها يوما او يومين ثم تبدل و يصير غيرها، و يحمل عليها غلمان من اصحاب المرج كل دابه على راس فرسخ، و جعل لهم ديادبه على رءوس الجبال بالليل و النهار، و امرهم ان ينعروا إذا جاءهم الخبر، فإذا سمع الذى يليه النعير تهيأ فلا يبلغ اليه صاحبه الذى نعر حتى يقف له على الطريق، فيأخذ الخريطة منه، فكانت الخريطة تصل من عسكر الافشين الى سامرا في اربعه ايام و اقل، فلما صار الافشين بقناطر حذيفة تلقاه هارون بن المعتصم و اهل بيت المعتصم، فلما صار الافشين ببابك الى سامرا انزله الافشين في قصره بالمطيره، فلما كان في جوف الليل ذهب احمد بن ابى دواد متنكرا، فرآه و كلمه، ثم رجع الى المعتصم، فوصفه له، فلم يصبر المعتصم حتى ركب اليه بين الحائطين في الحير، فدخل اليه متنكرا، و نظر اليه و تأمله، و بابك لا يعرفه، فلما كان من غد قعد له المعتصم يوم اثنين او خميس، و اصطف الناس من باب العامه الى المطيره، و اراد المعتصم ان يشهره و يريه الناس، فقال: على اى‏

53

شي‏ء يحمل هذا؟ و كيف يشهر! فقال حزام: يا امير المؤمنين، لا شي‏ء اشهر من الفيل، فقال: صدقت، فامر بتهيئه الفيل، و امر به فجعل في قباء ديباج و قلنسوة سمور مدوره، و هو وحده، فقال محمد بن عبد الملك الزيات:

قد خضب الفيل كعاداته* * * يحمل شيطان خراسان‏

و الفيل لا تخضب أعضاؤه* * * الا لذى شان من الشان‏

فاستشرفه الناس من المطيره الى باب العامه، فادخل دار العامه الى امير المؤمنين، و احضر جزارا ليقطع يديه و رجليه، ثم امر ان يحضر سيافه، فخرج الحاجب من باب العامه، و هو ينادى: نودنود- و هو اسم سياف بابك- فارتفعت الصيحة بنودنود حتى حضر، فدخل دار العامه، فأمره امير المؤمنين ان يقطع يديه و رجليه، فقطعهما فسقط، و امر امير المؤمنين بذبحه و شق بطن أحدهما، و وجه برأسه الى خراسان، و صلب بدنه بسامرا عند العقبه، فموضع خشبته مشهور، و امر بحمل أخيه عبد الله مع ابن شروين الطبرى الى إسحاق بن ابراهيم خليفته بمدينه السلام، و امره بضرب عنقه، و ان يفعل به مثل ما فعل بأخيه، و صلبه، فلما صار به الطبرى الى البردان، نزل به ابن شروين في قصر البردان، فقال عبد الله أخو بابك لابن شروين: من أنت؟

فقال: ابن شروين ملك طبرستان، فقال: الحمد لله الذى وفق لي رجلا من الدهاقين يتولى قتلى قال: انما يتولى قتلك هذا- و كان عنده نودنود، و هو الذى قتل بابك- فقال له: أنت صاحبي، و انما هذا علج، فأخبرني، ا امرت ان تطعمني شيئا أم لا؟ قال: قل ما شئت، قال: اضرب لي فالوذجة، قال: فامر فضربت له فالوذجة في جوف الليل، فأكل منها حتى تملا، ثم قال: يا أبا فلان، ستعلم غدا انى دهقان ان شاء الله ثم قال: تقدر ان تسقيني نبيذا؟ قال: نعم، و لا تكثر، قال: فانى لا اكثر، قال: فاحضر اربعه أرطال خمر، فقعد فشربها على مهل الى قريب من الصبح، ثم رحل‏

54

في السحر، فوافى به مدينه السلام، و وافى به راس الجسر، و امر إسحاق ابن ابراهيم بقطع يديه و رجليه، فلم ينطق و لم يتكلم، و امر بصلبه فصلب في الجانب الشرقى بين الجسرين بمدينه السلام و ذكر عن طوق بن احمد، ان بابك لما هرب صار الى سهل بن سنباط فوجه الافشين أبا سعيد و بو زباره، فأخذاه منه، فبعث سهل مع بابك بمعاويه ابنه الى الافشين، فامر لمعاوية بمائه الف درهم، و امر لسهل بألف الف درهم استخرجها له من امير المؤمنين، و منطقه مغرقه بالجوهر و تاج البطرقه، فبطرق سهل بهذا السبب، و الذى كان عنده عبد الله أخو بابك عيسى بن يوسف المعروف بابن اخت اصطفانوس ملك البيلقان.

و ذكر عن محمد بن عمران كاتب على بن مر، قال: حدثنى على بن مر، عن رجل من الصعاليك يقال له مطر، قال: كان و الله يا أبا الحسن بابك ابنى، قلت: و كيف؟ قال: كنا مع ابن الرواد، و كانت أمه ترتوميذ العوراء من علوج ابن الرواد، فكنت انزل عليها، و كانت مصكه، فكانت تخدمنى و تغسل ثيابي، فنظرت إليها يوما، فواثبتها بشبق السفر و طول الغربه، فاقررته في رحمها ثم قال: غبنا غيبه بعد ذلك، ثم قدمنا فإذا هي تطلبنى، فنزلت في منزل آخر، فصارت الى يوما، فقالت: حين ملات بطنى تنزل هاهنا و تتركني! فاذاعت انه منى، فقلت: و الله لئن ذكرتني لأقتلنك، فامسكت عنى، فهو و الله ابنى.

و كان يجزى الافشين في مقامه بإزاء بابك سوى الأرزاق، و الأنزال و المعاون في كل يوم يركب فيه عشره آلاف درهم.

و في كل يوم لا يركب فيه خمسه آلاف درهم و كان جميع من قتل بابك في عشرين سنه مائتي الف و خمسه و خمسين‏

55

ألفا و خمسمائة انسان و غلب يحيى بن معاذ و عيسى بن محمد بن ابى خالد و احمد بن الجنيد، و اسره و زريق بن على بن صدقه و محمد بن حميد الطوسى و ابراهيم بن الليث، و اسر مع بابك ثلاثة آلاف و ثلاثمائة و تسعه اناسى، و استنقذ ممن كان في يده من المسلمات و أولادهم سبعه آلاف و ستمائه انسان، و عده من صار في يد الافشين من بنى بابك سبعه عشر رجلا و من البنات و الكنات ثلاث و عشرون امراه، فتوج المعتصم الافشين و البسه و شاحين بالجوهر، و وصله بعشرين الف الف درهم، منها عشره آلاف الف صله و عشره آلاف الف درهم يفرقها في اهل عسكره، و عقد له على السند و ادخل عليه الشعراء يمدحونه، و امر للشعراء بصلات، و ذلك يوم الخميس لثلاث عشره ليله خلت من شهر ربيع الآخر، و كان مما قيل فيه قول ابى تمام الطائي:

بذ الجلاد البذ فهو دفين* * * ما ان به الا الوحوش قطين‏

لم يقر هذا السيف هذا الصبر في* * * هيجاء الا عز هذا الدين‏

قد كان عذره سودد فافتضها* * * بالسيف فحل المشرق الافشين‏

فأعادها تعوى الثعالب وسطها* * * و لقد ترى بالأمس و هي عرين‏

هطلت عليها من جماجم أهلها* * * ديم امارتها طلى و شئون‏

كانت من المهجات قبل مفازة* * * عسرا، فاضحت و هي منه معين.

ذكر خبر إيقاع الروم باهل زبطره‏

و في هذه السنه اوقع توفيل بن ميخائيل صاحب الروم باهل زبطره، فأسرهم و خرب بلدهم، و مضى من فوره الى ملطيه فاغار على أهلها و على اهل حصون من حصون المسلمين، الى غير ذلك، و سبا من المسلمات- فيما قيل- اكثر من الف امراه، و مثل بمن صار في يده من المسلمين، و سمل اعينهم، و قطع آذانهم و آنافهم.

56

ذكر الخبر عن سبب فعل صاحب الروم بالمسلمين ما فعل من ذلك:

ذكر ان السبب في ذلك كان ما لحق بابك من تضييق الافشين عليه و اشرافه على الهلاك، و قهر الافشين اياه، فلما اشرف على الهلاك، و ايقن بالضعف من نفسه عن حربه، كتب الى ملك الروم توفيل بن ميخائيل بن جورجس، يعلمه ان ملك العرب قد وجه عساكره و مقاتلته اليه حتى وجه خياطه- يعنى جعفر بن دينار- و طباخه- يعنى ايتاخ- و لم يبق على بابه احد، فان اردت الخروج اليه فاعلم انه ليس في وجهك احد يمنعك، طمعا منه بكتابه ذلك اليه في ان ملك الروم ان تحرك انكشف عنه بعض ما هو فيه بصرف المعتصم بعض من بازائه من جيوشه الى ملك الروم، و اشتغاله به عنه.

فذكر ان توفيل خرج في مائه الف- و قيل اكثر- فيهم من الجند نيف و سبعون ألفا، و بقيتهم اتباع حتى صار الى زبطره، و معه من المحمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن ابراهيم بن مصعب جماعه رئيسهم بارسيس و كان ملك الروم قد فرض لهم، و زوجهم و صيرهم مقاتله يستعين بهم في أهم أموره اليه، فلما دخل ملك الروم زبطره و قتل الرجال الذين فيها، و سبى الذراري و النساء التي فيها و أحرقها، بلغ النفير- فيما ذكر- الى سامرا، و خرج اهل ثغور الشام و الجزيرة و اهل الجزيرة الا من لم يكن عنده دابه و لا سلاح، و استعظم المعتصم ذلك.

فذكر انه لما انتهى اليه الخبر بذلك صاح في قصره النفير، ثم ركب دابته و سمط خلفه شكالا و سكه حديد و حقيبه، فلم يستقم له ان يخرج الا بعد التعبئة، فجلس- فيما ذكر- في دار العامه، و قد احضر من اهل مدينه السلام قاضيها عبد الرحمن بن إسحاق و شعيب بن سهل، و معهما ثلاثمائة و ثمانية و عشرون رجلا من اهل العدالة، فاشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثا لولده، و ثلثا لله، و ثلثا لمواليه ثم عسكر بغربي دجلة، و ذلك يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الاولى‏