تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج10

- ابن جرير الطبري المزيد...
151 /
7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ثم دخلت‏

سنه احدى و سبعين و مائتين‏

و أولها يوم الاثنين للتاسع و العشرين من حزيران، و لخمس و تسعين و مائه و الف من عهد ذي القرنين.

ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليله:

فمن ذلك ما كان فيها من ورود الخبر في غره صفر بدخول محمد و على ابنى الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن حسين المدينة و قتلهما جماعه من أهلها و مطالبتهما أهلها بمال، و أخذهما من قوم منهم مالا و ان اهل المدينة لم يصلوا في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و سلم) اربع جمع، لا جمعه و لا جماعه، فقال ابو العباس بن الفضل العلوي:

اخربت دار هجره المصطفى البر* * * فابكى اخرابها المسلمينا

عين فابكى مقام جبريل و القبر* * * فبكى و المنبر الميمونا

و على المسجد الذى أسه التقوى* * * خلاء اضحى من العابدينا

و على طيبه التي بارك الله* * * عليها بخاتم المرسلينا

قبح الله معشرا اخربوها* * * و أطاعوا متبرئا ملعونا

و فيها ادخل على المعتمد من كان حصر بغداد من حاج خراسان، فاعلمهم انه قد عزل عمرو بن الليث عما كان قلده، و لعنه بحضرتهم، و اخبرهم انه قد قلد خراسان محمد بن طاهر، و كان ذلك لاربع بقين من شوال.

و امر أيضا بلعن عمرو بن الليث على المنابر، فلعن.

و لثمان بقين من شعبان من هذه السنه شخص صاعد بن مخلد من معسكر ابى احمد بواسط الى فارس لحرب عمرو بن الليث.

و لعشر خلون من شهر رمضان منها عقد لأحمد بن محمد الطائي على المدينة و طريق مكة

8

و فيها كانت بين ابى العباس بن الموفق و بين خمارويه بن احمد بن طولون وقعه بالطواحين، فهزم ابو العباس خمارويه، فركب خمارويه حمارا هاربا منه الى مصر، و وقع اصحاب ابى العباس في النهب و نزل ابو العباس مضرب خمارويه، و لا يرى انه بقي له طالب، فخرج عليه كمين لخمارويه كان كمنه لهم خمارويه، و فيهم سعد الاعسر و جماعه من قواده و اصحابه، و اصحاب ابى العباس قد وضعوا السلاح و نزلوا فشد كمين خمارويه عليهم فانهزموا، و تفرق القوم، و مضى ابو العباس الى طرسوس في نفر من اصحابه قليل، و ذهب كل ما كان في العسكرين، عسكر ابى العباس و عسكر خمارويه من السلاح و الكراع و الأثاث و الأموال، و انتهب ذلك كله، و كانت هذه الوقعه يوم السادس عشر من شوال من هذه السنه- فيما قيل.

و فيها وثب يوسف بن ابى الساج- و كان والى مكة- على غلام للطائى يقال له بدر، و خرج واليا على الحاج فقيده، فحارب ابن ابى الساج جماعه من الجند، و أغاثهم الحاج، حتى استنقذوا غلام الطائي، و أسروا ابن ابى الساج، فقيد و حمل الى مدينه السلام، و كانت الحرب بينهم على أبواب المسجد الحرام.

و فيها خربت العامه الدير العتيق الذى وراء نهر عيسى، و انتهبوا كل ما كان فيه من متاع، و قلعوا الأبواب و الخشب و غير ذلك، و هدموا بعض حيطانه و سقوفه، فصار اليهم الحسين بن اسماعيل صاحب شرطه بغداد من قبل محمد بن طاهر، فمنعهم من هدم ما بقي منه، و كان يتردد اليه أياما هو و العامه، حتى يكاد يكون بين اصحاب السلطان و بينهم قتال، ثم بنى ما كانت العامه هدمته بعد ايام، و كانت اعاده بنائه- فيما ذكر- بقوة عبدون بن مخلد، أخي صاعد بن مخلد.

و حج بالناس في هذه السنه هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى العباسي.

9

ثم دخلت‏

سنه اثنتين و سبعين و مائتين‏

أولها يوم الجمعه للثامن عشر من حزيران، سنه ست و تسعين و مائه و الف لذى القرنين.

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث:) فمما كان فيها من ذلك اخراج اهل طرسوس أبا العباس بن الموفق من طرسوس، لخلاف كان وقع بينه و بين يازمان، فخرج عنها يريد بغداد للنصف من المحرم من هذه السنه و فيها توفى سليمان بن وهب في حبس الموفق يوم الثلاثاء لاثنتى عشره بقيت من صفر.

و فيها تجمعت العامه، فهدموا ما كان بنى من البيعه يوم الخميس لثمان خلون من شهر ربيع الآخر.

4 و فيها حكم شار في طريق خراسان، و صار الى دسكرة الملك، فقتل و انتهب.

و فيها ورد الخبر مدينه السلام بدخول حمدان بن حمدون و هارون الشاري مدينه الموصل، و صلى الشاري بهم في مسجد الجامع.

و فيها قدم ابو العباس بن الموفق بغداد منصرفا من وقعته مع ابن طولون بالطواحين لتسع بقين من جمادى الآخرة.

و فيها نقب المطبق من داخله، و اخرج الذوائبى العلوي و نفسان معه، و كانوا قد اعدت لهم دواب توقف في كل ليله ليخرجوا فيركبوها هاربين.

فنذر بهم، و غلقت أبواب مدينه ابى جعفر المنصور، فاخذ الذوائبى و من خرج معه، و ركب محمد بن طاهر، و كتب بالخبر الى الموفق و هو مقيم بواسط، فامر ان تقطع يد الذوائبى و رجله من خلاف، فقطع في مجلس الجسر بالجانب الغربي، و محمد بن طاهر واقف على دابته، و كوى يوم الاثنين لثلاث‏

10

خلون من جمادى الآخرة.

و فيها قدم صاعد بن مخلد من فارس، و دخل واسط في رجب، فامر الموفق جميع القواد ان يستقبلوه، فاستقبلوه، و ترجلوا له، و قبلوا كفه.

و فيها قبض الموفق على صاعد بن مخلد بواسط و على أسبابه، و انتهب منازلهم يوم الاثنين لتسع خلون من رجب، و قبض على ابنيه ابى عيسى و ابى صالح ببغداد، و على أخيه عبدون و أسبابه بسامرا، و ذلك كله في يوم واحد، و هو اليوم الذى قبض فيه على صاعد، و استكتب الموفق اسماعيل بن بلبل، و اقتصر به على الكتابه دون غيرها.

و وردت الاخبار فيها ان مصر زلزلت في جمادى الآخرة زلازل اخربت الدور و المسجد الجامع، و انه احصى في يوم واحد بها الف جنازة.

و فيها غلا السعر ببغداد، و ذلك ان اهل سامرا منعوا- فيما ذكر- سفن الدقيق من الانحدار إليها، و منع الطائي ارباب الضياع من دياس الطعام و قسمه، يتربص بذلك غلاء الأسعار، فمنع اهل بغداد الزيت و الصابون و التمر و غير ذلك من حمله الى سامرا، و ذلك في النصف من شهر رمضان.

و فيها ضجت العامه بسبب غلاء السعر، و اجتمعت للوثوب بالطائى، فانصرفوا من مسجد الجامع للنصف من شوال الى داره بين باب البصره و باب الكوفه، و جاءوه من ناحيه الكرخ، فاصعد الطائي اصحابه على السطوح، فرموهم بالنشاب، و اقام رجاله على بابه و في فناء داره بالسيوف و الرماح، فقتل بعض العامه، و جرحت منهم جماعه، و لم يزالوا يقاتلونهم الى الليل، فلما كان الليل انصرفوا، و باكروه من غد، فركب محمد بن طاهر، فسكن الناس و صرفهم عنه.

و فيها توفى اسماعيل بن بريه الهاشمى، يوم الثلاثاء لإحدى عشره ليله بقيت من شوال منها.

و لثمان بقين منها توفى عبيد الله بن عبد الله الهاشمى‏

11

و فيها كانت للزنج بواسط حركه، فصاحوا: انكلاى، يا منصور! و كان انكلاى و المهلبى و سليمان بن جامع و الشعراني و الهمدانى و آخر معهم من قواد الزنج محتبسين في دار محمد بن عبد الله بن طاهر بمدينه السلام في دار البطيخ، في يد غلام من غلمان الموفق، يقال له: فتح السعيدي، فكتب الموفق الى فتح ان يوجه برءوس هؤلاء السته، فدخل اليهم، فجعل يخرج الاول فالأول منهم، فذبحهم غلام له، و قلع راس بالوعة في الدار، و طرحت اجسادهم فيها، و سد راسها، و وجه رءوسهم الى الموفق‏

3

و فيها ورد كتاب الموفق على محمد بن طاهر في جثث هؤلاء السته المقتولين، فأمره بصلبها بحضره الجسر، فاخرجوا من البالوعة، و قد انتفخوا، و تغيرت روائحهم، و تقشر بعض جلودهم، فحملوا في المحامل: المحمل بين رجلين، و صلب ثلاثة منهم في الجانب الشرقى، و ثلاثة في الجانب الغربي، و ذلك لسبع بقين من شوال من هذه السنه، و ركب محمد بن طاهر حتى صلبوا بحضرته.

و فيها صلح امر مدينه رسول الله ص، و عمرت، و تراجع الناس إليها.

و فيها غزا الصائفه يازمان.

و حج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى الهاشمى.

12

ثم دخلت‏

سنه ثلاث و سبعين و مائتين‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) ففيها كانت وقعه بين احمد بن عبد العزيز بن ابى دلف و عمرو بن الليث الصفار يوم السادس عشر من شهر ربيع الاول.

و فيها كانت أيضا وقعه بين إسحاق بن كنداج و محمد بن ابى الساج بالرقة، فانهزم إسحاق، و كان ذلك يوم الثلاثاء لتسع خلون من جمادى الاولى.

و فيها قدمت رسل يازمان من طرسوس، فذكروا ان ثلاثة بنين لطاغيه الروم وثبوا عليه، فقتلوه و ملكوا احدهم عليهم.

و فيها قيد ابو احمد لؤلؤا القادم عليه بالأمان من عند ابن طولون، و استصفى ماله، لثمان بقين من ذي القعده من هذه السنه و ذكر ان الذى أخذ من ماله كان أربعمائة الف دينار.

و ذكروا عن لؤلؤ انه قال: ما عرفت لنفسي ذنبا استوجبت به ما فعل بي الا كثره مالي.

و فيها كانت بين محمد بن ابى الساج و إسحاق بن كنداج وقعه اخرى لاربع عشره ليله خلت من ذي الحجه، و كانت الدبره فيها على بن كنداج.

و حج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى بن على بن عبد الله بن عباس.

13

ثم دخلت‏

سنه اربع و سبعين و مائتين‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمن ذلك شخوص ابى احمد الى كرمان لحرب عمرو بن الليث لاثنتى عشره بقيت من شهر ربيع الاول.

و فيها غزا يازمان، فبلغ المسكنين، فاسر و غنم، و سلم و المسلمون، و ذلك في شهر رمضان منها.

و فيها دخل صديق الفرغاني دور سامرا، فاغار على اموال التجار، و اكثر العيث في الناس، و كان صديق هذا يخفر أولا الطريق، ثم تحول لصا خاربا يقطع الطريق.

و حج بالناس فيها هارون بن محمد الهاشمى.

14

ثم دخلت‏

سنه خمس و سبعين و مائتين‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمن ذلك ما كان من توجيه الطائي جيشا الى سامرا بسبب ما احدث صديق بها و اطلاقه أخاه من السجن، و كان أسيرا عنده، و ذلك في المحرم من هذه السنه: ثم خرج الطائي الى سامرا، و ارسل صديقا و وعده و مناه و امنه، فعزم على الدخول اليه في الامان، فحذره ذلك غلام له يقال له هاشم، و كان- فيما ذكر- شجاعا، فلم يقبل منه، و دخل سامرا مع اصحابه، و صار الى الطائي، فأخذه الطائي، و من دخل معه منهم، فقطع يد صديق و رجله و يد هاشم و رجله و أيدي جماعه من اصحابه و ارجلهم و حبسهم، ثم حملهم في محامل الى مدينه السلام، و قد ابرزت ايديهم و ارجلهم المقطعه ليراها الناس، ثم حبسوا.

و فيها غزا يازمان في البحر، فاخذ للروم اربعه مراكب.

و فيها تصعلك فارس العبدى، فعاث بناحيه سامرا، و صار الى كوخها، فانتهب دور آل حسنج، فشخص الطائي اليه، فلحقه بالحديثه، فاقتتلا، فهزمه الطائي و أخذ سواده، و صار الطائي الى دجلة، فدخل طيارة ليعبرها، فادركه اصحاب العبدى فتعلقوا بكوثل الطيار، فرمى الطائي بنفسه في دجلة، فعبرها سباحه، فلما خرج منها نفض لحيته من الماء، و قال: ايش ظن العبدى؟ ا ليس انا اسبح من سمكه! ثم نزل الطائي الجانب الشرقى و العبدى بازائه في الجانب الغربي و في انصراف الطائي قال على بن محمد بن منصور بن نصر بن بسام:

قد اقبل الطائي، لا اقبلا* * * قبح في الافعال ما اجملا

كأنه من لين ألفاظه* * * صبيه تمضغ جهد البلا

15

و فيها امر ابو احمد بتقييد الطائي و حبسه، ففعل ذلك لاربع عشره خلت من شهر رمضان، و ختم على كل شي‏ء له، و كان يلى الكوفه و سوادها و طريق خراسان و سامرا و الشرطه ببغداد، و خراج بادوريا و قطربل و مسكن و شيئا من ضياع الخاصة.

و فيها حبس ابو احمد ابنه أبا العباس، فشغب اصحابه، و حملوا السلاح، و ركب غلمانه، و اضطربت بغداد لذلك، فركب ابو احمد لذلك حتى بلغ باب الرصافه، و قال لأصحاب ابى العباس و غلمانه فيما ذكر: ما شأنكم؟

ا ترونكم اشفق على ابنى منى! هو ولدى، و احتجت الى تقويمه، فانصرف الناس، و وضعوا السلاح، و ذلك يوم الثلاثاء لست خلون من شوال من هذه السنه.

و حج بالناس فيها هارون بن محمد الهاشمى.

16

ثم دخلت‏

سنه ست و سبعين و مائتين‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمن ذلك ضم الشرطه بمدينه السلام الى عمرو بن الليث، و كتب فيها على الاعلام و المطارد و الترسه- التي تكون في مجلس الجسر- اسمه، و ذلك في المحرم.

و لاربع عشره خلت من شهر ربيع الاول من هذه السنه شخص ابو احمد من مدينه السلام الى الجبل، و كان سبب شخوصه إليها- فيما ذكر- ان الماذرائى كاتب اذكوتكين، اخبره ان له هنالك مالا عظيما، و انه ان شخص صار ذلك اليه، فشخص اليه فلم يجد من المال الذى اخبره به شيئا، فلما لم يجد ذلك شخص الى الكرج، ثم الى أصبهان يريد احمد بن عبد العزيز بن ابى دلف، فتنحى له احمد بن عبد العزيز عن البلد بجيشه و عياله، و ترك داره بفرشها لينزلها ابو احمد إذا قدم.

و قدم محمد بن ابى الساج على ابى احمد قبل شخوصه من مضربه بباب خراسان هاربا من ابن طولون، بعد وقعات كانت بينهما، ضعف في آخر ذلك ابن ابى الساج عن مقاومته، لقله من معه و كثره من مع ابن طولون من الرجال، فلحق بابى احمد، فانضم اليه، فخلع ابو احمد عليه، و اخرجه معه الى الجبل.

و فيها ولى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر شرطه بغداد، من قبل عمرو بن الليث في شهر ربيع الآخر.

و فيها ورد الخبر بانفراج تل بنهر الصلة- و يعرف بتل بنى شقيق- عن سبعه اقبر فيها سبعه ابدان صحيحه، عليها اكفان جدد لينه، لها اهداب، تفوح منها رائحه المسك، احدهم شاب له جمه، و جبهته و أذناه و خداه و انفه و شفتاه و ذقنه و اشفار عينيه صحيحه، و على شفتيه بلل، كأنه قد شرب ماء، و كأنه قد كحل، و به ضربه في خاصرته، فردت عليه أكفانه‏

17

و حدثنى بعض أصحابنا انه جذب من شعر بعضهم، فوجده قوى الأصل نحو قوه شعر الحى، و ذكر ان التل انفرج عن هذه القبور عن شبه الحوض من حجر في لون المسن، عليه كتاب لا يدرى ما هو! و فيها امر بطرح المطارد و الاعلام و الترسه التي كانت في مجالس الشرطه التي عليها اسم عمرو بن الليث، و اسقاط ذكره، و ذلك لإحدى عشره خلت من شوال.

و حج بالناس في هذه السنه هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمى، و كان واليا على مكة و المدينة و الطائف.

18

ثم دخلت‏

سنه سبع و سبعين و مائتين‏

(ذكر الخبر عن الاحداث التي كانت فيها) فمن ذلك دعاء يازمان بطرسوس لخمارويه بن احمد بن طولون، و كان سبب ذلك- فيما ذكر- ان خمارويه وجه اليه بثلاثين الف دينار و خمسمائة ثوب و خمسين و مائه دابه و خمسين و مائه ممطر و سلاح، فلما وصل ذلك اليه دعا له، ثم وجه اليه بخمسين الف دينار.

و في أول شهر ربيع الآخر كان بين وصيف خادم ابن ابى الساج و البرابره اصحاب ابى الصقر شر، فاقتتلوا، فقتل من غلمان الخادم اربعه غلمان و من البرابره سبعه، فكانت الحرب بينهم بباب الشام الى شارع باب الكوفه، فركب اليهم ابو الصقر، فكلمهم فتفرقوا، ثم عادوا للشر بعد يومين، فركب اليهم ابو الصقر فسكنهم.

و فيها ولى يوسف بن يعقوب المظالم، فامر ان ينادى: من كانت له مظلمه قبل الأمير الناصر لدين الله او احد من الناس فليحضر و تقدم الى صاحب الشرطه الا يطلق أحدا من المحبسين الا من راى اطلاقه يوسف، بعد ان يعرض عليه قصصهم.

و في أول يوم من شعبان قدم قائد من قواد ابن طولون في جيش عظيم من الفرسان و الرجاله بغداد و حج بالناس في هذه السنه هارون بن محمد الهاشمى.

19

ثم دخلت‏

سنه ثمان و سبعين و مائتين‏

ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث‏

فمن ذلك الحرب التي كانت بين اصحاب وصيف الخادم و البربر و اصحاب موسى، ابن اخت مفلح اربعه ايام تباعا، ثم اصطلحوا، و قد قتل بينهم بضعه عشر رجلا، و ذلك في أول المحرم، ثم وقع في الجانب الشرقى حرب بين النصريين و اصحاب يونس، قتل فيها رجل، ثم افترقوا.

و فيها انحدر وصيف خادم ابن ابى الساج الى واسط بأمر ابى الصقر لتكون عده له- فيما ذكر- و ذلك انه اصطنعه و اصحابه، و اجازه بجوائز كبيره، و ادر على اصحابه أرزاقهم، و كان قد بلغه قدوم ابى احمد، فخافه على نفسه لما كان من اتلافه ما كان في بيوت اموال ابى احمد، حتى لم يبق فيها شي‏ء بالهبه التي كان يهب، و الجوائز التي كان يجيز، و الخلع التي كان يخلع على القواد، و انفاقه على القواد، فلما نفد ما في بيت المال، طالب ارباب الضياع بخراج سنه مبهمه عن ارضيهم، و حبس منهم بذلك جماعه، و كان الذى يتولى له القيام بذلك الزغل، فعسف على الناس في ذلك و قدم ابو احمد قبل ان يستوظف أداء ذلك منهم، فشغل عن مطالبه الناس بما كان يطالبهم به و كان انحدار وصيف في يوم الجمعه لثلاث عشره بقيت من المحرم.

و لليلتين بقيتا من المحرم منها، طلع كوكب ذو جمه، ثم صارت ألجمه ذؤابه.

20

ذكر الخبر عن مرض ابى احمد الموفق ثم موته‏

و فيها انصرف ابو احمد من الجبل الى العراق، و قد اشتد به وجع النقرس حتى لم يقدر على الركوب، فاتخذ له سرير عليه قبة، فكان يقعد عليه، و معه خادم يبرد رجله بالأشياء البارده، حتى بلغ من امره انه كان يضع عليها الثلج، ثم صارت عله رجله داء الفيل، و كان يحمل سريره اربعون حمالا يتناوب عليه عشرون عشرون، و ربما اشتد به أحيانا، فيأمرهم ان يضعوه.

فذكر انه قال يوما للذين يحملونه: قد ضجرتم بحملي، بودى انى أكون كواحد منكم احمل على راسى و اكل و انى في عافيه و انه قال في مرضه هذا: اطبق دفترى على مائه الف مرتزق، ما اصبح فيهم اسوا حالا منى.

و في يوم الاثنين لثلاث بقين من المحرم منها وافى ابو احمد النهروان، فتلقاه اكثر الناس، فركب الماء، فسار في النهروان، ثم في نهر ديالى، ثم في دجلة الى الزعفرانيه، و صار ليله الجمعه الى الفرك، و دخل داره يوم الجمعه لليلتين خلتا من صفر.

و لما كان في يوم الخميس لثمان خلون من صفر، شاع موته بعد انصراف ابى الصقر من داره، و قد كان تقدم في حفظ ابى العباس، فغلقت عليه أبواب دون أبواب، و أخذ ابو الصقر ابن الفياض معه الى داره، و كان يبقى بناحيته و اقام ابو الصقر في داره يومه ذلك، و ازداد الارجاف بموت ابى احمد، و كانت اعترته غشيه، فوجه ابو الصقر يوم الجمعه الى المدائن، فحمل منها المعتمد و ولده، فجي‏ء بهم الى داره، و اقام ابو الصقر في داره و لم يصر الى دار ابى احمد، فلما راى غلمان ابى احمد المائلون الى ابى العباس و الرؤساء من غلمان ابى العباس الذين كانوا حضورا ما قد نزل بابى احمد، كسروا أقفال الأبواب المغلقة على ابى العباس.

فذكر عن الغلام الذى كان مع ابى العباس في الحجرة انه قال لما سمع‏

21

ابو العباس صوت الأقفال تكسر قال: ليس يريد هؤلاء الا نفسي.

و أخذ سيفا كان عنده، فاستله، و قعد مستوفزا و السيف في حجره، و قال لي: تنح أنت، و الله لا وصلوا الى و في شي‏ء من الروح قال: فلما فتح الباب كان أول من دخل عليه وصيف موشكير- و هو غلام ابى العباس- فلما رآه رمى السيف من يده، و علم انهم لم يقصدوا الا الخير، فاخرجوه حتى أقعدوه عند ابيه، و هو بعقب غشيته فلما فتح ابو احمد عينيه، و افاق رآه، فأدناه و قربه و وافى المعتمد- ذلك اليوم الذى وجه اليه في حمله، و هو يوم الجمعه نصف النهار قبل صلاه الجمعه- مدينه السلام، لتسع خلون من صفر، و معه ابنه جعفر المفوض الى الله ولى العهد و عبد العزيز و محمد و إسحاق بنوه، فنزل على ابى الصقر ثم بلغ أبا الصقر ان أبا احمد لم يمت، فوجه اسماعيل بن إسحاق يتعرف له الخبر، و ذلك يوم السبت و جمع ابو الصقر القواد و الجند، و شحن داره و ما حولها بالرجال و السلاح، و من داره الى الجسر كذلك، و قطع الجسرين، و وقف قوم على الجسر في الجانب الشرقى يحاربون اصحاب ابى الصقر، فقتل بينهم قتلى، و كانت بينهم جراحات.

و كان ابو طلحه أخو شركب مع اصحابه مقيمين بباب البستان، فرجع اسماعيل، فاعلم أبا الصقر ان أبا احمد حي، فكان أول من مضى اليه من القواد محمد بن ابى الساج، عبر من نهر عيسى، ثم جعل الناس يتسللون، منهم من يعبر الى باب ابى احمد، و منهم من يرجع الى منزله، و منهم من يخرج من بغداد، فلما راى ابو الصقر ذلك، و صحت عنده حياه ابى احمد، انحدر هو و ابناه الى دار ابى احمد، فما ذاكره ابو احمد شيئا مما جرى، و لا ساء له عنه و اقام في دار ابى احمد.

فلما راى المعتمد انه قد بقي في الدار وحده، نزل هو و بنوه و بكتمر، فركبوا زورقا، ثم لقيهم طيار ابى ليلى بن عبد العزيز بن ابى دلف، فحملهم في طيارة، و مضى بهم الى داره، و هي دار على بن جهشيار برأس‏

22

الجسر، فقال له المعتمد: اريد ان امضى الى أخي فاحدره و من معه من بيته الى دار ابى احمد و انتهبت دار ابى الصقر و كل ما حوته حتى خرج حرمه حفاه بغير إزار، و انتهبت دار محمد بن سليمان كاتبه، و دار ابن الواثقى انتهبت و احرقت، و انتهبت دور أسبابه، و كسرت أبواب السجون، و نقبت الحيطان، و خرج كل من كان فيها، و خرج كل من كان في المطبق، و انتهب مجلسا الجسر، و أخذ كل ما كان فيهما، و انتهبت المنازل التي تقرب من دار ابى الصقر و خلع ابو احمد على ابنه ابى العباس و على ابى الصقر، فركبا جميعا، و الخلع عليهما من سوق الثلاثاء الى باب الطاق، و مضى ابو الصقر مع ابى العباس الى داره، دار صاعد ثم انحدر ابو الصقر في الماء الى منزله و هو منتهب، فاتوه من دار الشاه بحصير فقعد عليه، فولى ابو العباس غلامه بدار الشرطه، و استخلف محمد بن غانم بن الشاه على الجانب الشرقى، و عيسى النوشرى على الجانب الغربي، و ذلك لاربع عشره خلت من صفر منها.

و فيها في يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر، كانت وفاه ابى احمد الموفق و دفن ليله الخميس في الرصافه عند قبر والدته، و جلس ابو العباس يوم الخميس للناس للتعزية

. ذكر خبر البيعه للمعتضد بولاية العهد

و فيها بايع القواد و الغلمان لأبي العباس بولاية العهد بعد المفوض، و لقب بالمعتضد بالله، في يوم الخميس، و اخرج للجند العطاء، و خطب يوم الجمعه للمعتمد، ثم للمفوض، ثم لأبي العباس المعتضد، و ذلك لسبع ليال بقين من صفر.

و فيها في يوم الاثنين لاربع بقين من صفر قبض على ابى الصقر و أسبابه و انتهبت منازلهم، و طلب بنو الفرات- و كان اليهم ديوان السواد- فاختفوا، و خلع على عبيد الله بن سليمان بن وهب يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر منها، و ولى الوزارة.

و فيها بعث محمد بن ابى الساج الى واسط ليرد غلامه وصيفا الى مدينه‏

23

السلام، فمضى وصيف الى الاهواز، و ابى الانصراف الى بغداد، و انهب الطيب، و عاث بالسوس.

و فيها ظفر بابى احمد بن محمد بن الفرات، فحبس و طولب باموال، و ظفر معه بالزغل، فحبس، و ظفر معه بمال.

و فيها وردت الاخبار بقتل على بن الليث، أخي الصفار، قتله رافع بن هرثمة، كان لحق به، و ترك أخاه.

و وردت الاخبار فيها عن مصر ان النيل غار ماؤه و غلت الأسعار عندهم‏

. ذكر ابتداء امر القرامطة

و فيها وردت الاخبار بحركة قوم يعرفون بالقرامطة بسواد الكوفه، فكان ابتداء امرهم قدوم رجل من ناحيه خوزستان الى سواد الكوفه و مقامه بموضع منه يقال له النهرين، يظهر الزهد و التقشف، و يسف الخوص، و يأكل من كسبه، و يكثر الصلاة، فأقام على ذلك مده، فكان إذا قعد اليه انسان ذاكره امر الدين، و زهده في الدنيا، و اعلمه ان الصلاة المفترضه على الناس خمسون صلاه في كل يوم و ليله، حتى فشا ذلك عنه بموضعه، ثم اعلمهم انه يدعو الى امام من اهل بيت الرسول، فلم يزل على ذلك يقعد اليه الجماعه فيخبرهم من ذلك بما تعلق قلوبهم، و كان يقعد الى بقال في القرية، و كان بالقرب من البقال نخل اشتراه قوم من التجار، و اتخذوا حظيرة جمعوا فيها ما صرموا من حمل النخل، و جاءوا الى البقال فسألوه ان يطلب لهم رجلا يحفظ عليهم ما صرموا من النخل، فاومى لهم الى هذا الرجل، و قال: ان أجابكم الى حفظ ثمرتكم فانه بحيث تحبون، فناظروه على ذلك، فأجابهم الى حفظه بدراهم معلومه، فكان يحفظ لهم، و يصلى اكثر نهاره و يصوم، و يأخذ عند إفطاره من البقال رطل تمر، فيفطر عليه، و يجمع نوى ذلك التمر.

فلما حمل التجار ما لهم من التمر، صاروا الى البقال، فحاسبوا اجيرهم هذا على اجرته، فدفعوها اليه، فحاسب الأجير البقال على ما أخذ منه من التمر، و حط من ذلك ثمن النوى الذى كان دفعه الى البقال، فسمع التجار

24

ما جرى بينه و بين البقال في حق النوى، فوثبوا عليه فضربوه، و قالوا: ا لم ترض ان اكلت تمرنا حتى بعت النوى! فقال لهم البقال: لا تفعلوا، فانه لم يمس تمركم، و قص عليهم قصته، فندموا على ضربهم اياه، و سألوه ان يجعلهم في حل، ففعل و ازداد بذلك نبلا عند اهل القرية لما وقفوا عليه من زهده.

ثم مرض، فمكث مطروحا على الطريق، و كان في القرية رجل يحمل على اثوار له، احمر العينين شديده حمرتهما، و كان اهل القرية يسمونه كرميته لحمره عينيه، و هو بالنبطية احمر العينين، فكلم البقال كرميته هذا، في ان يحمل هذا العليل الى منزله، و يوصى اهله بالإشراف عليه و العنايه به، ففعل و اقام عنده حتى برا، ثم كان يأوي الى منزله، و دعا اهل القرية الى امره، و وصف لهم مذهبه، فأجابه اهل تلك الناحية، و كان يأخذ من الرجل إذا دخل في دينه دينارا، و يزعم انه يأخذ ذلك للإمام، فمكث بذلك يدعو اهل تلك القرى فيجيبونه و اتخذ منهم اثنى عشر نقيبا، امرهم ان يدعو الناس الى دينهم، و قال لهم: أنتم كحواريى عيسى بن مريم، فاشتغل اكره تلك الناحية عن اعمالهم بما رسم لهم من الخمسين الصلاة التي ذكر انها مفترضه عليهم.

و كان للهيصم في تلك الناحية ضياع، فوقف على تقصير اكرته في العمارة، فسال عن ذلك، فاخبر ان إنسانا طرا عليهم، فأظهر لهم مذهبا من الدين، و اعلمهم ان الذى افترضه الله عليهم خمسون صلاه في اليوم و الليلة، فقد شغلوا بها عن اعمالهم، فوجه في طلبه، فاخذ و جي‏ء به اليه، فسأله عن امره، فاخبره بقصته، فحلف انه يقتله.

فامر به فحبس في بيت، و اقفل عليه الباب، و وضع المفتاح تحت وسادته، و تشاغل بالشرب، و سمع بعض من في داره من الجوارى بقصته، فرقت له.

فلما نام الهيصم أخذت المفتاح من تحت وسادته، و فتحت الباب و اخرجته، و اقفلت الباب، و ردت المفتاح الى موضعه فلما اصبح الهيصم دعا بالمفتاح ففتح الباب فلم يجده، و شاع بذلك الخبر، ففتن به اهل تلك الناحية، و قالوا:

رفع ثم ظهر في موضع آخر و لقى جماعه من اصحابه و غيرهم فسألوه عن قصته، فقال: ليس يمكن أحدا ان يبدأني بسوء، و لا يقدر على ذلك منى،

25

فعظم في اعينهم، ثم خاف على نفسه، فخرج الى ناحيه الشام، فلم يعرف له خبر، و سمى باسم الرجل الذى كان في منزله صاحب الاثوار كرميته، ثم خفف فقالوا: قرمط ذكر هذه القصة بعض أصحابنا عمن حدثه، انه حضر محمد بن داود بن الجراح، و قد دعا بقوم من القرامطة من الحبس، فسألهم عن زكرويه، و ذلك بعد ما قتله، و عن قرمط و قصته، و انهم اوموا له الى شيخ منهم، و قالوا له:

هذا سلف زكرويه، و هو اخبر الناس بقصته، فسله عما تريد، فسأله فاخبره بهذه القصة.

و ذكر عن محمد بن داود انه قال: قرمط رجل من سواد الكوفه، كان يحمل غلات السواد على اثوار له، يسمى حمدان و يلقب بقرمط ثم فشا امر القرامطة و مذهبهم، و كثروا بسواد الكوفه، و وقف الطائي احمد بن محمد على امرهم، فوظف على كل رجل منهم في كل سنه دينارا، و كان يجبى من ذلك مالا جليلا، فقدم قوم من الكوفه فرفعوا الى السلطان امر القرامطة، و انهم قد أحدثوا دينا غير الاسلام، و انهم يرون السيف على أمه محمد الا من بايعهم على دينهم، و ان الطائي يخفى امرهم على السلطان فلم يلتفت اليهم، و لم يسمع منهم، فانصرفوا، و اقام رجل منهم مده طويله بمدينه السلام، يرفع و يزعم انه لا يمكنه الرجوع الى بلده خوفا من الطائي و كان فيما حكوا عن هؤلاء القرامطة من مذهبهم ان جاءوا بكتاب فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم يقول الفرج بن عثمان، و هو من قريه يقال لها نصرانه، داعيه الى المسيح، و هو عيسى، و هو الكلمه، و هو المهدى، و هو احمد بن محمد بن الحنفيه، و هو جبريل و ذكر ان المسيح تصور له في جسم انسان، و قال له: انك الداعيه، و انك الحجه، و انك الناقه، و انك الدابة، و انك روح القدس، و انك يحيى بن زكرياء و عرفه ان الصلاة اربع ركعات:

26

ركعتان قبل طلوع الشمس، و ركعتان قبل غروبها، و ان الاذان في كل صلاه ان يقول:

الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر، اشهد ان لا اله الا الله، مرتين اشهد ان آدم رسول الله، اشهد ان نوحا رسول الله، اشهد ان ابراهيم رسول الله، اشهد ان موسى رسول الله، و اشهد ان عيسى رسول الله، و اشهد ان محمدا رسول الله، و اشهد ان احمد بن محمد بن الحنفيه رسول الله، و ان يقرا في كل ركعة الاستفتاح، و هي من المنزل على احمد بن محمد بن الحنفيه.

و القبله الى بيت المقدس، و الحج الى بيت المقدس، و يوم الجمعه يوم الاثنين لا يعمل فيه شي‏ء، و السورة الحمد لله بكلمته، و تعالى باسمه، المتخذ لأوليائه باوليائه قل ان الأهلة مواقيت للناس، ظاهرها ليعلم عدد السنين و الحساب و الشهور و الأيام، و باطنها أوليائي الذين عرفوا عبادى سبيلى اتقون يا اولى الألباب، و انا الذى لا اسال عما افعل، و انا العليم الحكيم، و انا الذى ابلوا عبادى، و امتحن خلقى، فمن صبر على بلائي و محنتي و اختبارى القيته في جنتي، و اخلدته في نعمتي، و من زال عن امرى، و كذب رسلي، اخلدته مهانا في عذابى، و اتممت اجلى، و اظهرت امرى، على السنه رسلي، و انا الذى لم يعل على جبار الا وضعته، و لا عزيز الا اذللته، و ليس الذى أصر على امره و دوام على جهالته، و قالوا: لن نبرح عليه عاكفين، و به مؤمنين:

أولئك هم الكافرون.

ثم يركع و يقول في ركوعه: سبحان ربى رب العزه و تعالى عما يصف الظالمون! يقولها مرتين، فإذا سجد قال: الله اعلى، الله اعلى، الله اعظم.

الله اعظم و من شرائعه ان الصوم يومان في السنه، و هما المهرجان و النوروز، و ان النبيذ حرام و الخمر حلال، و لا غسل من جنابه الا الوضوء كوضوء الصلاة، و ان من حاربه وجب قتله، و من لم يحاربه ممن خالفه أخذت منه الجزية و لا يؤكل كل ذي ناب، و لا كل ذي مخلب‏

27

و كان مصير قرمط الى سواد الكوفه قبل قتل صاحب الزنج، و ذلك ان بعض أصحابنا ذكر عن سلف زكرويه انه قال: قال لي قرمط:

صرت الى صاحب الزنج، و وصلت اليه، و قلت له: انى على مذهب، و ورائي مائه الف سيف، فناظرنى، فان اتفقنا على المذهب ملت بمن معى إليك، و ان تكن الاخرى انصرفت عنك و قلت له: تعطيني الامان؟ ففعل.

قال: فناظرته الى الظهر، فتبين لي في آخر مناظرتي اياه انه على خلاف امرى، و قام الى الصلاة، فانسللت، فمضيت خارجا من مدينته، و صرت الى سواد الكوفه‏

. ذكر خبر غزو الروم و وفاه يازمان في هذه الغزوة

و لخمس بقين من جمادى الآخرة من هذه السنه، دخل احمد العجيفى مدينه طرسوس، و غزا مع يازمان غزاه الصائفه، فبلغ سلندو و في هذه الغزاة مات يازمان، و كان سبب موته ان شظية من حجر منجنيق أصاب أضلاعه و هو مقيم على حصن سلندو، فارتحل العسكر، و قد كانوا أشرفوا على فتحه، فتوفى في الطريق من غده يوم الجمعه، لاربع عشره ليله خلت من رجب، و حمل الى طرسوس على اكتاف الرجال فدفن هناك.

و حج بالناس في هذه السنه هارون بن محمد الهاشمى.

28

ثم دخلت‏

سنه تسع و سبعين و مائتين‏

ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث‏

فمن ذلك ما كان من امر السلطان بالنداء بمدينه السلام، الا يقعد على الطريق و لا في مسجد الجامع قاص و لا صاحب نجوم و لا زاجر، و حلف الوراقون الا يبيعوا كتب الكلام و الجدل و الفلسفه.

و فيها خلع جعفر المفوض من العهد لثمان بقين من المحرم.

و في ذلك اليوم بويع للمعتضد بانه ولى العهد من بعد المعتمد، و انشئت الكتب بخلع جعفر و توليه المعتضد، و نفذت الى البلدان، و خطب يوم الجمعه للمعتضد بولاية العهد، و انشئت عن المعتضد كتب الى العمال و الولاه، بان امير المؤمنين قد ولاه العهد، و جعل اليه ما كان الموفق يليه من الأمر و النهى و الولاية و العزل و فيها قبض على جراده، كاتب ابى الصقر لخمس خلون من شهر ربيع الاول، و كان الموفق وجهه الى رافع بن هرثمة، فقدم مدينه السلام قبل ان يقبض عليه بايام.

و فيها انصرف ابو طلحه منصور بن مسلم من شهرزور لست بقين من جمادى الاولى- و كانت ضمت اليه- فقبض عليه و على كاتبه عقامه، و أودعا السجن، و ذلك لاربع بقين من جمادى الاولى.

ذكر خبر الفتنة بطرسوس‏

و فيها كانت الملحمه بطرسوس بين محمد بن موسى و مكنون غلام راغب مولى الموفق، في يوم السبت لتسع بقين من جمادى الاولى، و كان سبب ذلك- فيما ذكر- ان طغج بن جف، لقى راغبا بحلب، فاعلمه ان‏

29

خمارويه بن احمد يحب لقاءه، و وعده عنه بما يحب، فخرج راغب من حلب ماضيا الى مصر في خمسه غلمان له، و انفذ خادمه مكنونا مع الجيش الذى كان معه و أمواله و سلاحه الى طرسوس فكتب طغج الى محمد بن موسى الاعرج يعلمه انه قد انفذ راغبا، و ان كل ما معه من مال و سلاح و غلمان مع غلامه مكنون، و قد صار الى طرسوس، و انه ينبغى له ان يقبض عليه ساعه يدخل و على ما معه فلما دخل مكنون طرسوس وثب به الاعرج، فقبض عليه و وكل بما معه، فوثب اهل طرسوس على الاعرج، فحالوا بينه و بين مكنون، و قبضوا على الاعرج فحبسوه في يد مكنون، و علموا ان الحيله قد وقعت براغب، فكتبوا الى خمارويه بن احمد يعلمونه بما فعل الاعرج، و انهم قد وكلوا به، و قالوا: اطلق راغبا لينفذ إلينا حتى نطلق الاعرج، فاطلق خمارويه راغبا، و انفذه الى طرسوس، و انفذ معه احمد بن طغان واليا على الثغور، و عزل عنهم الاعرج، فلما وصل راغب الى طرسوس اطلق محمد بن موسى الاعرج، و دخل طرسوس احمد بن طغان واليا عليها و على الثغور و معه راغب، يوم الثلاثاء لثلاث عشره خلت من شعبان.

خبر وفاه المعتمد

و فيها توفى المعتمد ليله الاثنين لإحدى عشره ليله بقيت من رجب، و كان شرب على الشط في الحسنى يوم الأحد شرابا كثيرا، و تعشى فاكثر، فمات ليلا، فكانت خلافته ثلاثا و عشرين سنه و سته ايام- فيما ذكر.

30

خلافه المعتضد

و في صبيحة هذه الليلة بويع لأبي العباس المعتضد بالله بالخلافة، فولى غلامه بدرا الشرطه و عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة و محمد بن الشاد بن ميكال الحرس، و حجبه الخاصة و العامه صالحا المعروف بالأمين، فاستخلف صالح خفيفا السمرقندي.

و لليلتين خلتا من شعبان فيها قدم على المعتضد رسول عمرو بن الليث الصفار بهدايا، و سال ولايه خراسان، فوجه المعتضد عيسى النوشرى مع الرسول، و معه خلع و لواء عقده له على خراسان، فوصلوا اليه في شهر رمضان من هذه السنه، و خلع عليه، و نصب اللواء في صحن داره ثلاثة ايام.

[أخبار متفرقة]

و فيها ورد الخبر بموت نصر بن احمد، و قام بما كان اليه من العمل وراء نهر بلخ اخوه اسماعيل بن احمد.

و فيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص من مصر رسولا لخمارويه بن احمد بن طولون، و معه هدايا من العين، عشرون حملا على بغال و عشره من الخدم و صندوقان فيهما طراز و عشرون رجلا على عشرين نجيبا، بسروج محلاه بحليه فضه كثيره، و معهم حراب فضه، و عليهم أقبية الديباج و المناطق المحلاه و سبع عشره دابه، بسروج و لجم، منها خمسه بذهب و الباقى بفضة، و سبع و ثلاثون دابه بجلال مشهره، و خمسه ابغل بسروج و لجم و زرافه، يوم الاثنين لثلاث خلون من شوال، فوصل الى المعتضد، فخلع عليه و على سبعه نفر معه و سفر ابن الجصاص في تزويج ابنه خمارويه من على بن المعتضد، فقال المعتضد: انا أتزوجها، فتزوجها

31

و فيها ورد الخبر بأخذ احمد بن عيسى بن الشيخ قلعه ماردين من محمد بن إسحاق بن كنداج.

و فيها مات ابراهيم بن محمد بن المدبر، و كان يلى ديوان الضياع، فولى مكانه محمد بن عبد الحميد، و كان موته يوم الأربعاء لثلاث او اربع عشره بقيت من شوال.

و فيها عقد لراشد مولى الموفق على الدينور، و خلع عليه يوم السبت لسبع بقين من شوال، ثم خرج راشد الى عمله يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعده.

و في يوم النحر منها ركب المعتضد الى المصلى الذى اتخذه بالقرب من الحسنى، و ركب معه القواد و الجيش فصلى بالناس، فذكر عنه انه كبر في الركعة الاولى ست تكبيرات، و في الركعة الثانيه تكبيره واحده، ثم صعد المنبر، فلم تسمع خطبته، و عطل المصلى العتيق فلم يصل فيه.

و فيها كتب الى احمد بن عبد العزيز بن ابى دلف بمحاربه رافع بن هرثمة و رافع بالري، فزحف اليه احمد، فالتقوا يوم الخميس لسبع بقين من ذي القعده، فانهزم رافع بن هرثمة، و خرج عن الري، و دخلها ابن عبد العزيز.

و حج بالناس في هذه السنه هارون بن محمد الهاشمى، و هي آخر حجه حجها، و حج بالناس ست عشره سنه، من سنه اربع و ستين الى هذه السنه.

32

ثم دخلت‏

سنه ثمانين و مائتين‏

ذكر الخبر عن الاحداث التي كانت فيها

فمن ذلك ما كان من أخذ المعتضد عبد الله بن المهتدى و محمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيلمه- و كان شيلمه هذا مع صاحب الزنج الى آخر ايامه، ثم لحق بالموفق في الامان فآمنه- و كان سبب اخذه إياهما ان بعض المستأمنة سعى به الى المعتضد، و اعلمه انه يدعو الى رجل لم يوقف على اسمه، و انه قد استفسد جماعه من الجند و غيرهم، و أخذ معه رجل صيدنانى و ابن أخ له من المدينة، فقرره المعتضد فلم يقر بشي‏ء، و ساله عن الرجل الذى يدعو اليه، فلم يقر بشي‏ء، و قال: لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، و لو عملتنى كردناك لما اخبرتك به، فامر بنار فاوقدت، ثم شد على خشبة من خشب الخيم، و ادير على النار حتى تقطع جلده، ثم ضربت عنقه، و صلب عند الجسر الأسفل في الجانب الغربي.

و حبس ابن المهتدى الى ان وقف على براءته، فاطلق، و كان صلبه لسبع خلون من المحرم.

فذكر ان المعتضد قال لشيلمه: قد بلغنى انك تدعو الى ابن المهتدى، فقال: الماثور عنى غير هذا، و انى اتولى آل ابن ابى طالب- و قد كان قرر ابن أخيه فاقر- فقال له: قد اقر ابن أخيك، فقال له: هذا غلام حدث تكلم بهذا خوفا من القتل، و لا يقبل قوله ثم اطلق ابن أخيه و الصيدناني بعد مده طويله‏

. ذكر خبر قصد المعتضد بنى شيبان و صلحه معهم‏

و لليلة خلت من صفر يوم الأحد شخص المعتضد من بغداد يريد بنى شيبان، فنزل بستان بشر بن هارون، ثم سار يوم الأربعاء منه، و استخلف على داره‏

33

و بغداد صالحا الامين حاجبه، فقصد الموضع الذى كانت شيبان تتخذه معقلا من ارض الجزيرة، فلما بلغهم قصده إياهم، ضموا اليهم أموالهم و عيالاتهم.

ثم ورد كتاب المعتضد انه اسرى الى الاعراب من السن، فاوقع بهم، فقتل منهم مقتله عظيمه، و غرق منهم خلق كثير في الزابين، و أخذ النساء و الذراري، و غنم اهل العسكر من أموالهم ما اعجزهم حمله، و أخذ من غنمهم و ابلهم ما كثر في أيدي الناس حتى بيعت الشاه بدرهم و الجمل بخمسه دراهم، و امر بالنساء و الذراري ان يحفظوا حتى يحدروا الى بغداد ثم مضى المعتضد الى الموصل، ثم الى بلد، ثم رجع الى بغداد، فلقيه بنو شيبان يسالونه الصفح عنهم، و بذلوا له الرهائن، فاخذ منهم خمسمائة رجل- فيما قيل و رجع المعتضد يريد مدينه السلام، فوافاه احمد بن ابى الأصبغ بما فارق عليه احمد ابن عيسى بن الشيخ من المال الذى اخذه من مال إسحاق بن كنداج، و بهدايا و دواب و بغال في يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الاول.

[أخبار متفرقة]

و في شهر ربيع الاول ورد الخبر بان محمد بن ابى الساج افتتح المراغه بعد حصار شديد و حرب غليظه كانت بينهم، و انه أخذ عبد الله بن الحسين بعد ان آمنه و اصحابه، فقيده و حبسه، و قرره بجميع أمواله، ثم قتله بعد و في شهر ربيع الآخر ورد الخبر بوفاه احمد بن عبد العزيز بن ابى دلف.

و كانت وفاته في آخر شهر ربيع الاول، فطلب الجند أرزاقهم، و انتهبوا منزل اسماعيل بن محمد المنشئ، و تنازع الرئاسة عمر و بكر ابنا عبد العزيز، ثم قام بالأمر عمر، و لم يكتب اليه المعتضد بالولاية.

و فيها افتتح محمد بن ثور عمان، و بعث برءوس جماعه من أهلها.

و ذكر ان جعفر بن المعتمد توفى في يوم الأحد لاثنتى عشره خلت من شهر ربيع الآخر منها، و انه كان مقامه في دار المعتضد لا يخرج و لا يظهر، و قد كان المعتضد نادمه مرارا

34

و فيها انصرف المعتضد الى بغداد من خرجته الى الاعراب.

و فيها، في جمادى الآخرة ورد الخبر بدخول عمرو بن الليث نيسابور، في جمادى الاولى منها.

و فيها وجه يوسف بن ابى الساج اثنين و ثلاثين نفسا من الخوارج، من طريق الموصل، فضربت اعناق خمسه و عشرين رجلا منهم، و صلبوا، و حبس سبعه منهم في الحبس الجديد.

و فيها دخل احمد بن أبا طرسوس لغزاه الصائفه، لخمس خلون من رجب من قبل خمارويه، و دخل بعده بدر الحمامي، فغزوا جميعا مع العجيفى امير طرسوس حتى بلغوا البلقسور و فيها ورد الخبر بغزو اسماعيل بن احمد بلاد الترك و افتتاحه- فيما ذكر- مدينه ملكهم، و اسره اياه و امراته خاتون و نحوا من عشره آلاف، و قتل منهم خلقا كثيرا، و غنم من الدواب دواب كثيره لا يوقف على عددها، و انه أصاب الفارس من المسلمين من الغنيمه في المقسم الف درهم و لليلتين بقيتا من شهر رمضان منها، توفى راشد مولى الموفق بالدينور، و حمل في تابوت الى بغداد.

و لثلاث عشره خلت من شوال منها مات مسرور البلخى و فيها- فيما ذكر- في ذي الحجه ورد كتاب من دبيل بانكساف القمر في شوال لاربع عشره خلت منها، ثم تجلى في آخر الليل، فأصبحوا صبيحة تلك الليلة و الدنيا مظلمه، و دامت الظلمه عليهم، فلما كان عند العصر هبت ريح سوداء شديده، فدامت الى ثلث الليل، فلما كان ثلث الليل زلزلوا، فأصبحوا و قد ذهبت المدينة فلم ينج من منازلها الا اليسير، قدر مائه دار، و انهم دفنوا الى حين كتب الكتاب ثلاثين الف نفس يخرجون من تحت الهدم،

35

و يدفنون، و انهم زلزلوا بعد الهدم خمس مرات.

و ذكر عن بعضهم ان جمله من اخرج من تحت الهدم خمسون و مائه الف ميت.

و حج بالناس في هذه السنه ابو بكر محمد بن هارون المعروف بابن ترنجه.

36

ثم دخلت‏

سنه احدى و ثمانين و مائتين‏

ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث‏

فمن ذلك ما كان من موافاه ترك بن العباس عامل السلطان على ديار مضر مدينه السلام لتسع خلون من المحرم بنيف و اربعين نفسا من اصحاب ابى الأغر صاحب سميساط، على جمال، عليهم برانس و دراريع حرير.

فمضى بهم الى دار المعتضد، ثم ردوا الى الحبس الجديد فحبسوا به، و خلع على ترك، و انصرف الى منزله.

و فيها ورد الخبر بوقعه كانت لوصيف خادم ابن ابى الساج بعمر بن عبد العزيز بن ابى دلف و هزيمته اياه، ثم صار وصيف الى مولاه محمد ابن ابى الساج، في شهر ربيع الآخر منها.

و فيها دخل طغج بن جف طرسوس لغزاه الصائفه من قبل خمارويه يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة- فيما قيل- و غزا، فبلغ طرايون، و فتح ملوريه.

و لخمس ليال بقين من جمادى الآخرة مات احمد بن محمد الطائي بالكوفه، و دفن بها في موضع يقال له مسجد السهله.

و فيها غارت المياه بالري و طبرستان.

و لليلتين خلتا من رجب منها شخص المعتضد الى الجبل، فقصد ناحيه الدينور، و قلد أبا محمد على بن المعتضد الري و قزوين و زنجان و ابهر و قم و همذان و الدينور، و قلد كتبته احمد بن ابى الأصبغ، و نفقات عسكره و الضياع بالري الحسين بن عمرو النصراني، و قلد عمر بن عبد العزيز بن ابى دلف أصبهان و نهاوند و الكرج، و تعجل للانصراف من اجل غلاء السعر

37

و قله الميرة، فوافى بغداد يوم الأربعاء لثلاث خلون من شهر رمضان.

و فيها استامن الحسن بن على كوره عامل رافع على الري الى على بن المعتضد في زهاء الف رجل، فوجهه الى ابيه المعتضد.

و فيها دخل الاعراب سامرا فأسروا ابن سيما انف في ذي القعده منها و انتهبوا.

ذكر خبر الوقعه بين الأكراد و الاعراب‏

و لست ليال بقين من ذي القعده خرج المعتضد الخرجه الثانيه الى الموصل عامدا لحمدان بن حمدون، و ذلك انه بلغه انه مايل هارون الشاري الوازقى، و دعا له فورد كتاب المعتضد من كرخ جدان على نجاح الحرمي الخادم بالوقعه بينه و بين الاعراب و الأكراد، و كانت يوم الجمعه سلخ ذي القعده:

بسم الله الرحمن الرحيم كتابي هذا وقت العتمه ليله الجمعه، و قد نصر الله- و له الحمد- على الأكراد و الاعراب، و اظفرنا بعالم منهم و بعيالاتهم، و لقد رايتنا و نحن نسوق البقر و الغنم كما كنا نسوقها عاما أولا، و لم تزل الأسنة و السيوف تأخذهم، و حال بيننا و بينهم الليل، و اوقدت النيران على رءوس الجبال، و من غد يومنا، فيقع الاستقصاء، و عسكرى يتبعني الى الكرخ و كان وقاعنا بهم و قتلنا إياهم خمسين ميلا، فلم يبق منهم مخبر و الحمد لله كثيرا، فقد وجب الشكر لله علينا و الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد نبيه و آله و سلم كثيرا.

و كانت الاعراب و الأكراد لما بلغهم خروج المعتضد، تحالفوا انهم يقتلون على دم واحد، و اجتمعوا، و عبوا عسكرهم ثلاثة كراديس، كردوسا دون كردوس، و جعلوا عيالاتهم و أولادهم في آخر كردوس، و تقدم المعتضد عسكره في خيل جريدة، فاوقع بهم، و قتل منهم، و غرق في الزاب منهم‏

38

خلق كثير، ثم خرج الى الموصل عامدا لقلعه ماردين، و كانت في يد حمدان ابن حمدون، فلما بلغه مجي‏ء المعتضد هرب و خلف ابنه بها، فنزل عسكر المعتضد على القلعة، فحاربهم من كان فيها يومهم ذلك، فلما كان من الغد ركب المعتضد، فصعد القلعة حتى وصل الى الباب، ثم صاح: يا بن حمدون، فأجابه: لبيك! فقال له: افتح الباب، ويلك! ففتحه، فقعد المعتضد في الباب، و امر من دخل فنقل ما في القلعة من المال و الأثاث، ثم امر بهدمها فهدمت، ثم وجه خلف حمدان بن حمدون، فطلب أشد الطلب، و أخذت اموال كانت له مودعه، و جي‏ء بالمال الى المعتضد، ثم ظفر به ثم مضى المعتضد الى مدينه يقال لها الحسنيه، و فيها رجل يقال له شداد، في جيش كثيف، ذكر انهم عشره آلاف رجل، و كان له قلعه في المدينة فظفر به المعتضد، فأخذه فهدم قلعته.

و فيها ورد الخبر من طريق مكة انه أصاب الناس في المصعد برد شديد و مطر جود و برد اصيب فيه اكثر من خمسمائة انسان و في شوال منها غزا المسلمون الروم، فكانت بينهم الحرب اثنى عشر يوما، فظفر المسلمون و غنموا غنيمه كثيره و انصرفوا.

39

ثم دخلت‏

سنه اثنتين و ثمانين و مائتين‏

(ذكر الاحداث التي كانت فيها)

ذكر امر النيروز المعتضدي‏

فمن ذلك ما كان من امر المعتضد في المحرم منها بإنشاء الكتب الى جميع العمال في النواحي و الأمصار بترك افتتاح الخراج في النيروز الذى هو نيروز العجم، و تاخير ذلك الى اليوم الحادي عشر من حزيران، و سمى ذلك النيروز المعتضدي، فانشئت الكتب بذلك من الموصل و المعتضد بها، و ورد كتابه بذلك على يوسف بن يعقوب يعلمه انه اراد بذلك الترفيه على الناس، و الرفق بهم، و امر ان يقرا كتابه على الناس، ففعل.

و فيها قدم ابن الجصاص من مصر بابنه ابى الجيش خمارويه بن احمد بن طولون التي تزوجها المعتضد، و معها احد عمومتها، فكان دخولهم بغداد يوم الأحد لليلتين خلتا من المحرم، و ادخلت للحرم ليله الأحد، و نزلت في دار صاعد ابن مخلد، و كان المعتضد غائبا بالموصل.

و فيها منع الناس من عمل ما كانوا يعملون في نيروز العجم من صب الماء و رفع النيران و غير ذلك.

ذكر امر المعتضد مع حمدان بن حمدون‏

و فيها كتب المعتضد من الموصل الى إسحاق بن أيوب و حمدان بن حمدون بالمصير اليه، فاما إسحاق بن أيوب فسارع الى ذلك، و اما حمدان بن حمدون فتحصن في قلاعه، و غيب أمواله و حرمه فوجه اليه المعتضد الجيوش مع وصيف موشكير و نصر القشورى و غيرهما، فصادفوا الحسن بن على كوره و اصحابه منيخين على قلعه لحمدان، بموضع يعرف بدير الزعفران من ارض الموصل، و فيها الحسين بن حمدان، فلما راى الحسين اوائل العسكر مقبلين طلب الامان فأومن و صار الحسين الى المعتضد، و سلم القلعة، فامر بهدمها،

40

و اغذ وصيف موشكير السير في طلب حمدان، و كان قد صار بموضع يعرف بباسورين بين دجلة و نهر عظيم، و كان الماء زائدا، فعبر اصحاب وصيف اليه و نذر بهم، فركب و اصحابه و دافعوا عن انفسهم، حتى قتل اكثرهم، فالقى حمدان نفسه في زورق كان معدا له في دجلة، و معه كاتب له نصرانى يسمى زكرياء بن يحيى، و حمل معه مالا، و عبر الى الجانب الغربي من دجلة من ارض ديار ربيعه، و قدر اللحاق بالاعراب لما حيل بينه و بين اكراده الذين في الجانب الشرقى، و عبر في اثره نفر يسير من الجند فاقتصوا اثره، حتى أشرفوا على دير كان قد نزله، فلما بصر بهم خرج من الدير هاربا و معه كاتبه، فألقيا أنفسهما في زورق، و خلفا المال في الدير، فحمل الى المعتضد، و انحدر اصحاب السلطان في طلبه على الظهر و في الماء، فلحقوه، فخرج عن الزورق خاسرا الى ضيعه له بشرقى دجلة، فركب دابه لوكيله، و سار ليله اجمع الى ان وافى مضرب إسحاق بن أيوب في عسكر المعتضد، مستجيرا به، فاحضره إسحاق مضرب المعتضد، و امر بالاحتفاظ به، و بث الخيل في طلب أسبابه، فظفر بكاتبه و عده من قراباته و غلمانه، و تتابع رؤساء الأكراد و غيرهم في الدخول في الامان، و ذلك في آخر المحرم من هذه السنه.

[أخبار متفرقة]

و في شهر ربيع الاول منها قبض على بكتمر بن طاشتمر، و قيد و حبس، و قبض ماله و ضياعه و دوره.

و فيها نقلت ابنه خمارويه بن احمد الى المعتضد لاربع خلون من شهر ربيع الآخر، و نودى في جانبي بغداد الا يعبر احد في دجلة يوم الأحد، و غلقت أبواب الدروب التي تلى الشط، و مد على الشوارع النافذة الى دجلة شراع، و وكل بحافتى دجلة من يمنع ان يظهروا في دورهم على الشط.

فلما صليت العتمه وافت الشذا من دار المعتضد، و فيها خدم معهم الشمع، فوقفوا بإزاء دار صاعد، و كانت اعدت اربع حراقات شدت مع دار صاعد، فلما جاءت الشذا احدرت الحراقات، و صارت الشذا بين ايديهم، و اقامت الحره يوم الاثنين في دار المعتضد، و جليت عليه يوم الثلاثاء لخمس خلون‏

41

من شهر ربيع الاول.

و فيها شخص المعتضد الى الجبل، فبلغ الكرج، و أخذ اموالا لابن ابى دلف و كتب الى عمر بن عبد العزيز بن ابى دلف يطلب منه جوهرا كان عنده، فوجه به اليه، و تنحى من بين يديه.

و فيها اطلق لؤلؤ غلام ابن طولون بعد خروج المعتضد، و حمل على دواب و بغال.

و فيها وجه يوسف بن ابى الساج الى الصيمرة مددا لفتح القلانسي، فهرب يوسف بن ابى الساج بمن أطاعه الى أخيه محمد بالمراغة، و لقى مالا للسلطان طريقه فأخذه، فقال في ذلك عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:

امام الهدى انصاركم آل طاهر* * * بلا سبب يجفون و الدهر يذهب‏

و قد خلطوا صبرا بشكر و رابطوا* * * و غيرهم يعطى و يحبى و يهرب‏

و فيها وجه المعتضد الوزير عبيد الله بن سليمان الى الري الى ابى محمد ابنه.

و فيها وجه محمد بن زيد العلوي من طبرستان الى محمد بن ورد العطار باثنين و ثلاثين الف دينار، ليفرقها على اهله ببغداد و الكوفه، و مكة و المدينة، فسعى به، فاحضر دار بدر، و سئل عن ذلك، فذكر ان يوجه اليه في كل بمثل هذا المال، فيفرقه على من يأمره بالتفرقه عليه من اهله فاعلم بدر المعتضد ذلك، و اعلمه ان الرجل في يديه و المال، و استطلع رايه و ما يأمر به.

فذكر عن ابى عبد الله الحسنى ان المعتضد قال لبدر: يا بدر، اما تذكر الرؤيا التي خبرتك بها؟ فقال: لا يا امير المؤمنين، فقال: الا تذكر انى حدثتك ان الناصر دعانى، فقال لي: اعلم ان هذا الأمر سيصير إليك، فانظر كيف تكون مع آل على بن ابى طالب! ثم قال: رايت في النوم كأني خارج من بغداد اريد ناحيه النهروان في جيشي، و قد تشوف الناس الى، إذ مررت برجل واقف على تل يصلى، لا يلتفت الى، فعجبت منه و من قله اكتراثه بعسكرى، مع تشوف الناس الى العسكر، فاقبلت اليه حتى‏

42

وقفت بين يديه، فلما فرغ من صلاته قال لي: اقبل، فاقبلت اليه، فقال:

ا تعرفنى؟ قلت: لا، قال: انا على بن ابى طالب، خذ هذه المسحاة، فاضرب بها الارض- لمسحاه بين يديه- فأخذتها فضربت بها ضربات، فقال لي: انه سيلي من ولدك هذا الأمر بقدر ما ضربت بها، فاوصهم بولدي خيرا قال بدر: فقلت: بلى يا امير المؤمنين، قد ذكرت قال: فاطلق المال، و اطلق الرجل و تقدم اليه ان يكتب الى صاحبه بطبرستان ان يوجه ما يوجه به اليه ظاهرا، و ان يفرق محمد بن ورد ما يفرقه ظاهرا، و تقدم بمعونة محمد على ما يريد من ذلك.

و في شعبان لإحدى عشره بقيت منها، توفى ابو طلحه منصور بن مسلم في حبس المعتضد و فيها لثمان خلون من شهر رمضان منها، وافى عبيد الله بن سليمان الوزير بغداد قادما من الري، فخلع عليه المعتضد.

و لثمان بقين من شهر رمضان منها، ولدت ناعم جاريه أم القاسم بنت محمد ابن عبد الله للمعتضد ابنا سماه جعفرا، فسمى المعتضد هذه الجاريه شغب.

و فيها قدم ابراهيم ابن احمد الماذرائى لاثنتى عشره بقيت من ذي الحجه من دمشق على طريق البر، فوافى بغداد في احد عشر يوما، فاخبر المعتضد ان خمارويه بن احمد ذبح على فراشه، ذبحه بعض خدمه من لخاصة، و قيل:

ان قتله كان لثلاث خلون من ذي الحجه و قيل ان ابراهيم وافى بغداد من دمشق في سبعه ايام، و قتل من خدمه الذين اتهموا بقتله نيف و عشرون خادما.

و كان المعتضد بعث مع ابن الجصاص الى خمارويه بهدايا، و اودعه اليه رساله، فشخص ابن الجصاص لما وجه له، فلما بلغ سامرا بلغ المعتضد مهلك خمارويه، فكتب اليه يأمره بالرجوع اليه فرجع، و دخل بغداد لسبع بقين من ذي الحجه.

43

ثم دخلت‏

سنه ثلاث و ثمانين و مائتين‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث)

خبر هارون الشاري و الظفر به‏

فمن ذلك ما كان من شخوص المعتضد لثلاث عشره بقيت من المحرم منها- بسبب الشاري هارون- الى ناحيه الموصل، فظفر به، و ورد كتاب المعتضد بظفره به الى مدينه السلام يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الاول و كان سبب ظفره به انه وجه الحسين بن حمدان بن حمدون في جماعه من الفرسان و الرجاله من اهل بيته و غيرهم من اصحابه اليه، و ذكر ان الحسين بن حمدان قال للمعتضد: ان انا جئت به الى امير المؤمنين فلي ثلاث حوائج الى امير المؤمنين، فقال: اذكرها، قال: أولها اطلاق ابى، و حاجتان اساله إياهما بعد مجيئي به اليه فقال له المعتضد: لك ذلك فامض، فقال الحسين: احتاج الى ثلاثمائه فارس انتخبهم، فوجه المعتضد معه ثلاثمائه فارس مع موشكير، فقال: اريد ان يأمره امير المؤمنين الا يخالفني فيما آمره به، فامر المعتضد موشكير بذلك.

فمضى الحسين حتى انتهى الى مخاضه دجلة، فتقدم الى وصيف و من معه بالوقوف على المخاضة، و قال له: ليس لهارون طريق ان هرب غير هذا، فلا تبرحن من هذا الموضع حتى يمر بك هارون، فتمنعه العبور، و أجيئك انا، او يبلغك انى قد قتلت و مضى حسين في طلب هارون فلقيه و واقعه، و كانت بينهما قتلى، و انهزم الشاري هارون، و اقام وصيف على المخاضة ثلاثة ايام، فقال له اصحابه: قد طال مقامنا بهذا المكان القفر، و قد أضر ذلك بنا، و لسنا نامن ان يأخذ حسين الشاري فيكون الفتح له دوننا، و الصواب ان نمضي في آثارهم، فاطاعهم و مضى و جاء هارون الشاري منهزما الى موضع المخاضة، فعبر، و جاء حسين في اثره، فلم ير وصيفا و اصحابه بالموضع الذى تركهم فيه، و لا عرف لهارون خبرا، و لا راى له أثرا، و جعل يسال عن‏

44

خبر هارون حتى وقف على عبوره، فعبر في اثره، و جاء الى حي من احياء العرب، فسألهم عنه فكتموه امره، فاراد ان يوقع بهم، و اعلمهم ان المعتضد في اثره، فاعلموه انه اجتاز بهم، فاخذ بعض دوابهم، و ترك دوابه عندهم- و كانت قد كلت و اعيت- و اتبع اثره، فلحقه بعد ايام و الشاري في نحو من مائه، فناشده الشاري، و توعده، فأبى الا محاربته، فحاربه، فذكر ان حسين ابن حمدان رمى بنفسه عليه، فابتدره اصحاب حسين فاخذوه، و جاء به الى المعتضد سلما بغير عقد و لا عهد، فامر المعتضد بحل قيود حمدان بن حمدون، و التوسعه عليه و الاحسان اليه ان يقدم فيطلقه و يخلع عليه، فلما اسر الشاري، و صار في يد المعتضد، انصرف راجعا الى مدينه السلام، فوافاها لثمان بقين من شهر ربيع الاول، فنزل باب الشماسيه، و عبا الجيش هنالك، و خلع المعتضد على الحسين بن حمدان، و طوقه بطوق من ذهب، و خلع على جماعه من رؤساء اهله، و زين الفيل بثياب الديباج، و اتخذ للشارى على الفيل كالمحفة، و اقعد فيها، و البس دراعه ديباج، و جعل على راسه برنس حرير طويل.

و لعشر بقين من جمادى الاولى منها، امر المعتضد بالكتاب الى جميع النواحي برد الفاضل من سهام المواريث على ذوى الارحام، و ابطال ديوان المواريث، و صرف عمالها، فنفذت الكتب بذلك، و قرئت على المنابر و فيها خرج عمرو بن الليث الصفار من نيسابور، فخالفه رافع بن هرثمة إليها، فدخلها و خطب بها لمحمد بن زيد الطالبي و ابيه، فقال: اللهم اصلح الداعي الى الحق، فرجع عمرو الى نيسابور، فعسكر خارج المدينة، و خندق على عسكره لعشر خلون من شهر ربيع الآخر، فأقام محاصرا اهل نيسابور.

و في يوم الاثنين لاربع خلون من جمادى الآخرة منها، وافى بغداد محمد ابن إسحاق بن كنداجيق و خاقان المفلحى و محمد بن كمشجور المعروف ببندقه و بدر بن جف أخو طغج و ابن حسنج في جماعه من القواد من مصر في الامان.

و ذكر ان سبب مجيئهم الى المعتضد في الامان كان انهم أرادوا ان يفتكوا

45

بجيش بن خمارويه بن احمد بن طولون، فسعى بهم اليه، و كان راكبا، و كانوا في موكبه، و علموا انه قد وقف على امرهم، فخرجوا من يومهم و سلكوا البريه، و تركوا أموالهم و أهاليهم، فتاهوا أياما، و مات منهم جماعه من العطش، و خرجوا على طريق مكة فوق الكوفه بمرحلتين او ثلاثة و وجه السلطان محمد بن سليمان صاحب الجيش الى الكوفه حتى كتب اسماءهم، و أقيمت لهم الوظائف من الكوفه، فلما قربوا من بغداد، خرجت اليهم الوظائف و الخيم و الطعام، و وصلوا الى المعتضد يوم دخلوا، فخلع عليهم، و حمل كل قائد منهم على دابه بسرجه و لجامه، و خلع على الباقين، و كان عددهم ستين رجلا.

و في يوم السبت لاربع عشره بقيت منها شخص الوزير عبيد الله بن سليمان الى الجبل لحرب ابن ابى دلف بأصبهان.

خبر حصر الصقالبه القسطنطينية

و فيها- فيما ذكر- ورد كتاب من طرسوس ان الصقالبه غزت الروم في خلق كثير، فقتلوا منهم و خربوا لهم قرى كثيره حتى وصلوا الى قسطنطينيه و الجئوا الروم إليها، و اغلقت أبواب مدينتهم، ثم وجه طاغيه الروم الى ملك الصقالبه ان ديننا و دينكم واحد، فعلام نقتل الرجال بيننا! فأجابه ملك الصقالبه ان هذا ملك آبائى، و لست منصرفا عنك الا بغلبه أحدنا صاحبه، فلما لم بحد ملك الروم خلاصا من صاحب الصقالبه، جمع من عنده من المسلمين، فأعطاهم السلاح، و سألهم معونته على الصقالبه، ففعلوا، و كشفوا الصقالبه، فلما راى ذلك ملك الروم خافهم على نفسه، فبعث اليهم فردهم، و أخذ منهم السلاح، و فرقهم في البلدان، حذرا من ان يجنوا عليه.

خلاف جند جيش بن خمارويه عليه‏

و للنصف من رجب من هذه السنه ورد الخبر من مصر ان الجند من المغاربه و البربر وثبوا على جيش بن خمارويه، و قالوا: لا نرضى بك أميرا علنيا فتنح عنا حتى نولي عمك، فكلمهم كاتبه على بن احمد الماذرائى، و سألهم ان ينصرفوا عنه يومهم ذلك، فانصرفوا و عادوا من غد، فعدا جيش على عمه الذى ذكروا انهم يؤمرونه، فضرب عنقه و عنق عم له آخر، و رمى بارؤسهما

46

اليهم، فهجم الجند على جيش بن خمارويه، فقتلوه و قتلوا أمه و انتهبوا داره، و انتهبوا مصر و أحرقوها، و اقعدوا هارون بن خمارويه مكان أخيه.

و في رجب منها امر المعتضد بكرى دجيل و الاستقصاء عليه، و قلع صخر في فوهته كان يمنع الماء، فجبى لذلك من ارباب الضياع و الاقطاعات اربعه آلاف دينار، و كسر- فيما ذكر- و انفق عليه، و ولى ذلك كاتب زيرك و خادم من خدم المعتضد.

ذكر الفداء بين المسلمين و الروم‏

و في شعبان منها، كان الفداء بين المسلمين و الروم على يدي احمد بن طغان، و ذكر ان الكتاب الوارد بذلك من طرسوس كان فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم:

اعلمك ان احمد بن طغان نادى في الناس يحضرون الفداء يوم الخميس لاربع خلون من شعبان سنه ثلاث و ثمانين و مائتين، و انه قد خرج الى لامس- و هو معسكر المسلمين- يوم الجمعه لخمس خلون من شعبان، و امر الناس بالخروج معه في هذا اليوم، فصلى الجمعه، و ركب من مسجد الجامع و معه راغب و مواليه، و خرج معه وجوه البلد و الموالي و القواد و المطوعة باحسن زي، فلم يزل الناس خارجين الى لامس الى يوم الاثنين لثمان خلون من شعبان، فجرى الفداء بين الفريقين اثنى عشر يوما، و كانت جمله من فودى به من المسلمين من الرجال و النساء و الصبيان الفين و خمسمائة و اربعه انفس، و اطلق المسلمون يوم الثلاثاء لسبع بقين من شعبان سميون رسول ملك الروم، و اطلق الروم فيه يحيى بن عبد الباقى رسول المسلمين المتوجه في الفداء، و انصرف الأمير و من معه.

و خرج- فيما ذكر- احمد بن طغان بعد انصرافه من هذا الفداء في هذا الشهر في البحر، او خلف دميانه على عمله على طرسوس، ثم وجه بعده يوسف ابن الباغمردى على طرسوس و لم يرجع هو إليها

. ذكر امر المعتضد مع عمر بن عبد العزيز بن ابى دلف و أخيه بكر

3

و في يوم الجمعه لعشر خلون من شهر رمضان من هذه السنه قرئ كتاب‏

47

على المنبر بمدينه السلام في مسجد جامعها، بان عمر بن عبد العزيز بن ابى دلف صار الى بدر و عبيد الله بن سليمان في الامان يوم السبت لثلاث بقين من شعبان سامعا مطيعا منقادا لأمير المؤمنين، مذعنا بالطاعة و المصير معهما الى بابه، و ان عبيد الله بن سليمان خرج اليه فتلقاه، و صار به الى مضرب بدر، فاخذ عليه و على اهل بيته و اصحابه البيعه لأمير المؤمنين، و خلع عليه بدر و على الرؤساء من اهل بيته، و انصرفوا الى مضرب قد اعد لهم، و كان قبل ذلك قد دخل بكر بن عبد العزيز في الامان على بدر و عبيد الله بن سليمان، فولياه عمل أخيه عمر، على ان يخرج اليه و يحاربه، فلما دخل عمر في الامان قالا لبكر: ان اخاك قد دخل في طاعه السلطان، و انما كنا وليناك عمله على انه عاص، و الان فأمير المؤمنين اعلى عينا فيما يرى من أمركما، فامضيا الى بابه.

و ولى عيسى النوشرى أصبهان، و اظهر انه من قبل عمر بن عبد العزيز، فهرب بكر بن عبد العزيز في اصحابه، فكتب بذلك الى المعتضد، فكتب الى بدر يأمره بالمقام بموضعه الى ان يعرف خبر بكر و ما اليه يصير امره، فأقام و خرج الوزير عبيد الله بن سليمان الى ابى محمد على بن المعتضد بالري، و لحق بكر بن عبد العزيز بن ابى دلف بالاهواز، فوجه المعتضد في طلبه وصيفا موشكير، فخرج من بغداد في طلبه حتى بلغ حدود فارس، و قد كان لحقه- فيما ذكر- و لم يواقعه، و باتا، كل واحد منهما قريب من صاحبه، فارتحل بكر بالليل فلم يتبعه وصيف، و مضى بكر الى أصبهان، و رجع وصيف الى بغداد، فكتب المعتضد الى بدر يأمره بطلب بكر و عربه، فتقدم بدر الى عيسى النوشرى بذلك، فقال بكر بن عبد العزيز:

عنى ملامك ليس حين ملام* * * هيهات احدث زائدا للوام‏

طارت غيايات الصبا عن مفرفى* * * و مضى أوان شراستى و عرامى‏

48

القى الأحبة بالعراق عصيهم* * * و بقيت نصب حوادث الأيام‏

و تقاذفت بأخي النوى و رمت به* * * مرمى البعيد قطيعه الارحام‏

و تشعب العرب الذين تصدعوا* * * فذببت عن احسابهم بحسامى‏

فيه تماسك ما وهى من امرهم* * * و السمر عند تصادم الأقوام‏

فلاقرعن صفاه دهر نابهم* * * قرعا يهد رواسى الاعلام‏

و لاضربن الهام دون حريمهم* * * ضرب القدار نقيعه القدام‏

و لاتركن الواردين حياضهم* * * بقراره لمواطئ الاقدام‏

يا بدر انك لو شهدت مواقفى* * * و الموت يلحظ و الصفاح دوامي‏

لذممت رأيك في اضاعه حرمتي* * * و لضاق ذرعك في اطراح ذمامي‏

حركتنى بعد السكون و انما* * * حركت من حصني جبال تهام‏

و عجمتنى فعجمت منى مرجما* * * خشن المناكب كل يوم زحام‏

قل للأمير ابى محمد الذى* * * يجلو بغرته دجى الاظلام‏

اسكنتنى ظل العلا فسكنته* * * في عيشه رغد و عز نامى‏

حتى إذا حلئت عنه نابني* * * ما نابني و تنكرت ايامى‏

فلأشكرن جميل ما أوليتني* * * ما غردت في الأيك ورق حمام‏

هذا ابو حفص يدي و ذخيرتي* * * للنائبات و عدتى و سنامى‏

ناديته فأجابني، و هززته* * * فهززت حد الصارم الصمصام‏

من رام ان يغضى الجفون على القذى* * * او يستكين يروم غير مرام‏

و يخيم حين يرى الأسنة شرعا* * * و البيض مصلته لضرب الهام‏

و قال بكر بن عبد العزيز يذكر هرب النوشرى من بين يديه و يعير وصيفا

49

بالاحجام عنه و يتهدد بدرا:

قالت البيض قد تغير بكر* * * و بدا بعد وصله منه هجر

ليس كالسيف مونس حين يعرو* * * حادث معضل و يفدح امر

أوقدوا الحرب بيننا فاصطلوها* * * ثم حاصوا، فأين منها المفر!

و بغوا شرنا فهذا أوان* * * قد بدا شره و يتلوه شر

قد راى النوشرى لما التقينا* * * من إذا اشرع الرماح يفر

جاء في قسطل لهام فصلنا* * * صوله دونها الكماة تهر

و لواء الموشجير افضى إلينا* * * رويت عند ذاك بيض و سمر

غر بدرا حلمي و فضل اناتى* * * و احتمالي، و ذاك مما يغر

سوف يأتينه شواذب قب* * * لاحقات البطون جون و شقر

يتبارين كالسعالى عليها* * * من بنى وائل اسود تكر

لست بكرا ان لم ادعهم حديثا* * * ما سرى كوكب و ماكر دهر.

[أخبار متفرقة]

و في يوم الجمعه لسبع خلون من شوال من هذه السنه مات على بن محمد ابن ابى الشوارب، فحمل الى سامرا من يومه في تابوت، و كانت ولايته للقضاء على مدينه ابى جعفر سته اشهر.

و في يوم الاثنين لاربع بقين من شوال منها دخل بغداد عمر بن عبد العزيز بن ابى دلف قادما من أصبهان، فامر المعتضد- فيما ذكر- القواد باستقباله، فاستقبله القاسم بن عبيد الله و القواد، و قعد له المعتضد، فوصل اليه، و خلع عليه، و حمله على دابه بسرج و لجام محلى بذهب، و خلع معه على ابنين له و على ابن أخيه احمد بن عبد العزيز و على نفسين من قواده، و انزل في الدار التي كانت لعبيد الله بن عبد الله عند راس الجسر، و كانت قد فرشت له.

و في هذه السنه قرئ على القواد في دار المعتضد كتاب ورد من عمرو بن‏

50

الليث الصفار، بانه واقع رافع بن هرثمة و هزمه، و انه مر هاربا، و انه على ان يتبعه.

و كانت الوقعه لخمس بقين من شهر رمضان، و قرئ الكتاب يوم الثلاثاء لاثنتى عشره خلت من ذي القعده.

و في يوم الأحد لثلاث عشره بقيت من ذي القعده، وردت خريطة- فيما ذكر- من عمرو بن الليث على المعتضد، و هو في الحلبه، فانصرف الى دار العامه، و قرئ الكتاب على القواد من عمرو بن الليث يخبر فيه انه وجه في اثر رافع بعد الهزيمة محمد بن عمرو البلخى مع قائد آخر من قواده، و قد كان رافع صار الى طوس فواقعوه، فانهزم و اتبعوا اثره، فلحق بخوارزم، فقتل بخوارزم فأرسل بخاتمه مع الكتاب، و ذكر انه قد حمل الرسول في امر الراس ما يخبر به السلطان.

و في يوم الجمعه لثمان بقين من ذي القعده منها قرئت الكتب على المنابر بقتل رافع بن هرثمة.

51

ثم دخلت‏

سنه اربع و ثمانين و مائتين‏

ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليله‏

فمن ذلك ما كان من قدوم رسول عمرو بن الليث الصفار برأس رافع بن هرثمة في يوم الخميس لاربع خلون من المحرم على المعتضد، فامر بنصبه في المجلس بالجانب الشرقى الى الظهر، ثم تحويله الى الجانب الغربي، و نصبه هنالك الى الليل، ثم رده الى دار السلطان و خلع على الرسول وقت وصوله الى المعتضد بالراس.

و في يوم الخميس لسبع خلون من صفر كانت ملحمه بين راغب و دميانه بطرسوس، و كان سبب ذلك- فيما ذكر- ان راغبا مولى الموفق ترك الدعاء لخمارويه بن احمد، و دعا لبدر مولى المعتضد، فوقع بينه و بين احمد بن طغان الخلاف، فلما انصرف ابن طغان من الفداء الذى كان في سنه ثلاث و ثمانين و مائتين ركب البحر و لم يدخل طرسوس، و مضى و خلف دميانه للقيام بأمر طرسوس، فلما كان في صفر من هذه السنه، وجه يوسف بن الباغمردى ليخلفه على طرسوس، فلما دخلها و قوى به دميانه، كرهوا ما يفعله راغب من الدعاء لبدر، فوقعت بينهم الفتنة، و ظفر بهم راغب، فحمل دميانه و ابن الباغمردى و ابن اليتيم مقيدين الى المعتضد.

و لعشر بقين من صفر في يوم الاثنين من هذه السنه وردت خريطة من الجبل، بان عيسى النوشرى اوقع ببكر بن عبد العزيز بن ابى دلف في حدود أصبهان، فقتل رجاله، و استباح عسكره، و افلت في نفر يسير.

و في يوم الخميس لاربع عشره خلت من شهر ربيع الاول منها، خلع على ابى عمر يوسف بن يعقوب، و قلد قضاء مدينه ابى جعفر المنصور مكان على ابن محمد بن ابى الشوارب، و قضاء قطر بل و مسكن و بزرجسابور

52

و الرذانين و قعد للخصوم في هذا اليوم في المسجد الجامع، و مكثت مدينه ابى جعفر من لدن مات ابن ابى الشوارب الى ان وليها ابو عمر بغير قاض، و ذلك خمسه اشهر و اربعه ايام.

و في يوم الأربعاء لثلاث عشره خلت منه في هذه السنه، أخذ خادم نصرانى لغالب النصراني متطبب السلطان يقال له وصيف، فرفع الى الحبس، و شهد عليه انه شتم النبي(ص)فحبس، ثم اجتمع من غد هذا اليوم ناس من العامه بسبب هذا الخادم، فصاحوا بالقاسم بن عبيد الله، و طالبوه باقامه الحد عليه بسبب ما شهد عليه، فلما كان يوم الأحد لثلاث عشره بقيت منه اجتمع اهل باب الطاق الى قنطره البردان و ما يليها من الاسواق، و تداعوا، و مضوا الى باب السلطان، فلقيهم ابو الحسين ابن الوزير، فصاحوا به، فاعلمهم انه قد انهى خبره الى المعتضد، فكذبوه و اسمعوه ما كره، و وثبوا باعوانه و رجاله حتى هربوا منهم، و مضوا الى دار المعتضد بالثريا، فدخلوا من الباب الاول و الثانى فمنعوا من الدخول، فوثبوا على من منعهم، فخرج اليهم من سألهم عن خبرهم، فاخبروه فكتب به الى المعتضد، فادخل اليه منهم جماعه، و سألهم عن الخبر فذكروه له، فأرسل معهم خفيفا السمرقندي الى يوسف القاضى، و تقدم الى خفيف ان يأمر يوسف بالنظر في امر الخادم، و ان ينهى اليه ما يقف عليه من امره، فمضى معهم خفيف الى يوسف، فكادوا يقتلونه و يقتلون يوسف لما دخلوا عليه مما ازدحموا، حتى افلت يوسف منهم، و دخل بابا و اغلقه دونهم، و لم يكن بعد ذلك للخادم ذكر، و لا كان للعامه في امره اجتماع.

[أخبار متفرقة]

و في هذا الشهر من هذه السنه قدم- فيما ذكر- قوم من اهل طرسوس على السلطان يسالونه ان يولى عليهم وال، و يذكرون ان بلدهم بغير وال، و كانت طرسوس قبل في يدي ابن طولون، فأساء اليهم، فاخرجوا عامله عن البلد، و راسلهم في ذلك، و وعدهم الاحسان، فأبوا ان يتركوا له‏

53

غلاما يدخل بلدهم، و قالوا: من جاءنا من قبلك حاربناه، فكف عنهم.

و في يوم الخميس لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنه- فيما ذكر- ظهرت ظلمه بمصر، و حمره في السماء شديده، حتى كان الرجل ينظر الى وجه الآخر، فيراه احمر، و كذلك الحيطان و غير ذلك، و مكثوا كذلك من العصر الى العشاء الآخرة، و خرج الناس من منازلهم يدعون الله و يتضرعون اليه.

و في يوم الأربعاء لثلاث خلون من جمادى الاولى، و لإحدى عشره ليله خلت من حزيران، نودى في الارباع و الاسواق ببغداد بالنهى عن وقود النيران ليله النيروز، و عن صب الماء في يومه، و نودى بمثل ذلك في يوم الخميس، فلما كان عشيه يوم الجمعه نودى على باب سعيد بن يكسين صاحب الشرطه بالجانب الشرقى من مدينه السلام، بان امير المؤمنين قد اطلق للناس في وقود النيران و صب الماء، ففعلت العامه من ذلك ما جاوز الحد، حتى صبوا الماء على اصحاب الشرطه في مجلس الجسر- فيما ذكر.

و فيها اغريت العامه بالصياح بمن رأوا من الخدم السود: يا عقيق، فكانوا يغضبون من ذلك، فوجه المعتضد خادما اسود عشيه الجمعه برقعة الى ابن حمدون النديم، فلما بلغ الخادم راس الجسر من الجانب الشرقى صاح به صائح من العامه: يا عقيق! فشتم الخادم الصائح، و قنعه، فاجتمعت جماعه من العامه على الخادم فنكسوه و ضربوه، و ضاعت الرقعة التي كانت معه فرجع الى السلطان فاخبره بما صنع به، فامر المعتضد طريفا المخلدي الخادم بالركوب و القبض على كل من تولع بالخدم و ضربه بالسياط فركب طريف يوم السبت لثلاث عشره خلت من جمادى الاولى في جماعه من الفرسان و الرجاله، و قدم بين يديه خادما اسود، فصار الى باب الطاق لما امر به من القبض على من صاح بالخادم: يا عقيق، فقبض فيما ذكر بباب الطابق على سبعه انفس، ذكر ان بعضهم كان بزيا، فضربوا بالسياط في مجلس الشرطه‏

54

بالجانب الشرقى و عبر طريف فمضى الى الكرخ، ففعل مثل ذلك، و أخذ خمسه انفس فضربهم في مجلس الشرطه بالشرقيه، و حمل الجميع على جمال، و نودى عليهم: هذا جزاء من اولع بخدم السلطان، و صاح بهم: يا عقيق، و حبسوا يومهم، و أطلقوا بالليل.

و في هذه السنه عزم المعتضد بالله على لعن معاويه بن ابى سفيان على المنابر، و امر بإنشاء كتاب بذلك يقرا على الناس، فخوفه عبيد الله بن سليمان بن وهب اضطراب العامه، و انه لا يامن ان تكون فتنه، فلم يلتفت الى ذلك من قوله.

و ذكر ان أول شي‏ء بدا به المعتضد حين اراد ذلك الأمر بالتقدم الى العامه بلزوم اعمالهم، و ترك الاجتماع و القضية و الشهادات عند السلطان، الا ان يسألوا عن شهاده ان كانت عندهم، و بمنع القصاص من القعود على الطرقات، و عملت بذلك نسخ قرئت بالجانبين بمدينه السلام في الارباع و المحال و الاسواق، فقرئت يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الاولى من هذه السنه، ثم منع يوم الجمعه لاربع بقين منها القصاص من القعود في الجامعين، و منع اهل الحلق في الفتيا او غيرهم من القعود في المسجدين، و منع الباعه من القعود في رحابهما.

و في جمادى الآخرة نودى في المسجد الجامع بنهي الناس عن الاجتماع على قاص او غيره، و منع القصاص و اهل الحلق من القعود.

و في يوم الحادي عشر- و ذلك يوم الجمعه- نودى في الجامعين بان الذمة بريه ممن اجتمع من الناس على مناظره او جدل، و ان من فعل ذلك أحل بنفسه الضرب، و تقدم الى الشراب و الذين يسقون الماء في الجامعين الا يترحموا على معاويه، و لا يذكروه بخير.

ذكر كتاب المعتضد في شان بنى اميه‏

و تحدث الناس ان الكتاب الذى امر المعتضد بانشائه بلعن معاويه يقرا بعد صلاه الجمعه على المنبر، فلما صلى الناس الجمعه بادروا الى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب فلم يقرا.

فذكر ان المعتضد امر باخراج الكتاب الذى كان المأمون امر بانشائه بلعن‏

55

معاويه، فاخرج له من الديوان، فاخذ من جوامعه نسخه هذا الكتاب، و ذكر انها نسخه الكتاب الذى أنشئ للمعتضد بالله:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العلى العظيم، الحليم الحكيم، العزيز الرحيم، المنفرد بالوحدانية، الباهر بقدرته، الخالق بمشيئته و حكمته، الذى يعلم سوابق الصدور، و ضمائر القلوب، لا يخفى عليه خافية، و لا يغرب عنه مثقال ذره في السموات العلا، و لا في الارضين السفلى، قد احاط بكل شي‏ء علما، و احصى كل شي‏ء عددا، و ضرب لكل شي‏ء أمدا، و هو العليم الخبير و الحمد لله الذى برا خلقه لعبادته، و خلق عباده لمعرفته، على سابق علمه في طاعه مطيعهم، و ماضى امره في عصيان عاصيهم، فبين لهم ما يأتون و ما يتقون، و نهج لهم سبل النجاة، و حذرهم مسالك الهلكة، و ظاهر عليهم الحجه، و قدم اليهم المعذرة، و اختار لهم دينه الذى ارتضى لهم، و اكرمهم به، و جعل المعتصمين بحبله و المتمسكين بعروته أولياءه و اهل طاعته، و العاندين عنه و المخالفين له اعداءه و اهل معصيته، ليهلك من هلك عن بينه، و يحيا من حي عن بينه، و ان الله لسميع عليم و الحمد لله الذى اصطفى محمدا رسوله من جميع بريته، و اختاره لرسالته، و ابتعثه بالهدى و الدين المرتضى الى عباده اجمعين، و انزل عليه الكتاب المبين المستبين، و تاذن له بالنصر و التمكين، و ايده بالعز و البرهان المتين، فاهتدى به من اهتدى، و استنقذ به من استجاب له من العمى، و أضل من ادبر و تولى، حتى اظهر الله امره، و أعز نصره، و قهر من خالفه، و انجز له وعده، و ختم به رسله، و قبضه مؤديا لأمره، مبلغا لرسالته، ناصحا لامته، مرضيا مهتديا الى اكرم مآب المنقلبين، و اعلى منازل انبيائه المرسلين، و عباده الفائزين، فصلى الله عليه افضل صلاه و أتمها، و أجلها و أعظمها، و أزكاها و أطهرها، و على آله الطيبين.

و الحمد لله الذى جعل امير المؤمنين و سلفه الراشدين المهتدين ورثه‏

56

خاتم النبيين و سيد المرسلين و القائمين بالدين، و المقومين لعباده المؤمنين، و المستحفظين ودائع الحكمه، و مواريث النبوه، و المستخلفين في الامه، و المنصورين بالعز و المنعه، و التأييد و الغلبه، حتى «يظهر الله دينه‏ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.»*

و قد انتهى الى امير المؤمنين ما عليه جماعه من العامه من شبهه قد دخلتهم في اديانهم، و فساد قد لحقهم في معتقدهم، و عصبية قد غلبت عليها اهواؤهم، و نطقت بها السنتهم، على غير معرفه و لا رويه، و قلدوا فيها قاده الضلالة بلا بينه و لا بصيره، و خالفوا السنن المتبعه، الى الأهواء المبتدعه، قال قال الله عز و جل: «وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏»، خروجا عن الجماعه، و مسارعه الى الفتنة و إيثارا للفرقة، و تشتيتا للكلمة و إظهارا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة، و بتر منه العصمة، و اخرجه من الملة، و اوجب عليه اللعنه، و تعظيما لمن صغر الله حقه، و اوهن امره، و اضعف ركنه، من بنى اميه الشجرة الملعونه، و مخالفه لمن استنقذهم الله به من الهلكة، و اسبغ عليهم به النعمه، من اهل بيت البركه و الرحمه، قال الله عز و جل: «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ*» فأعظم امير المؤمنين ما انتهى اليه من ذلك، و راى في ترك إنكاره حرجا عليه في الدين، و فسادا لمن قلده الله امره من المسلمين، و إهمالا لما أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين و تبصير الجاهلين، و اقامه الحجه على الشاكين، و بسط اليد على العاندين.

و امير المؤمنين يرجع إليكم معشر الناس بان الله عز و جل لما ابتعث محمدا بدينه، و امره ان يصدع بامره، بدا باهله و عشيرته، فدعاهم الى ربه، و انذرهم و بشرهم، و نصح لهم و ارشدهم، فكان من استجاب له و صدق قوله و اتبع امره نفر يسير من بنى ابيه، من بين مؤمن بما اتى به من ربه، و بين ناصر له و ان لم يتبع دينه، إعزازا له، و إشفاقا عليه، لماضى علم الله‏