تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج11

- ابن جرير الطبري المزيد...
687 /
11

[صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ثم دخلت‏

سنه احدى و تسعين و مائتين‏

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) (ذكر اخبار القرامطة و قتل صاحب الشامة) فيها كتب الوزير القاسم بن عبيد الله الى محمد بن سليمان الكاتب- و كان المكتفي قد ولاه حرب القرمطى صاحب الشامة، و صير اليه امر القواد و الجيوش- فأمره بمناهضه صاحب الشامة و الجد في امره و جمع القواد و الرجال على محاربته.

فسار اليه محمد بن سليمان بجميع من كان معه و اهل النواحي التي تليه من الاعراب و غيرهم حتى قربوا من حماه، و صار بينهم و بينها نحو اثنى عشر ميلا، فلقوا اصحاب القرمطى هنالك يوم الثلاثاء لست خلون من المحرم.

و كان القرمطى قد قدم بعض اصحابه في ثلاثة آلاف فارس و كثير من الرجاله في مقدمته، و تخلف هو في جماعه منهم، ردءا لهم، و جعل السواد وراءه، و كان معه مال جمعه، فالتقى رجال السلطان بمن تقدم من القرامطة لحربهم، و التحم القتال بينهم، و صبر الفريقان.

ثم انهزم اصحاب القرمطى، و اسر من رجالهم بشر كثير، و قتل منهم عدد عظيم، و تفرق الباقون في البوادى، و تبعهم اصحاب السلطان ليله الأربعاء يقتلونهم و يأسرونهم.

فلما راى القرمطى ما نزل باصحابه من الانهزام و التفرق و القتل و الاسر حمل أخا له يقال له ابو الفضل مالا، و تقدم اليه ان يلحق بالبوادي و يستتر بها، الى ان يظهر القرمطى بموضع، فيصير اليه اخوه بالمال، و ركب هو و ابن عمه المسمى بالمدثر، و صاحبه المعروف بالمطوق، و غلام له رومي و أخذ دليلا و سار يريد الكوفه عرضا في‏

12

البريه حتى انتهى الى موضع يعرف بالدالية من اعمال طريق الفرات، فنفد ما كان معهم من الزاد و العلف، فوجه بعض من كان معه ليأخذ لهم ما احتاجوا اليه فدخل الدالية لشراء حاجته، فأنكر زيه، و سئل عن امره فاستراب و ارتاب، و اعلم المتولى لمسلحه تلك الناحية بخبره، و كان على المعاون رجل يعرف بابى خليفه بن كشمرد فركب في جماعه، و سال هذا الرجل عن خبره، فاعلمه ان صاحب الشامة بالقرب منه، في ثلاثة نفر، و عرفه بمكانه.

فمضى صاحب المعاون اليهم و اخذهم و وجه بهم الى المكتفي و هو بالرقة، و رجعت الجيوش من طلب القرامطة، بعد ان أفنوا اكثرهم قتلا و اسرا و كتب محمد بن سليمان الكاتب الى الوزير القاسم بن عبيد الله بمحاربته للقرامطه، و ما فتح الله له عليهم، و قتله و اسره لاكثرهم، و انه تقدم في جمع الرءوس و هو باعث منها بعدد عظيم.

و في يوم الاثنين لاربع بقين من المحرم ادخل صاحب الشامة الى الرقة ظاهرا للناس على فالج، و عليه برنس جرير، و دراعه ديباج، و بين يديه المدثر و المطوق على جملين ثم ان المكتفي خلف عساكره مع محمد بن سليمان، و شخص هو في خاصته و غلمانه و خدمه، و شخص معه القاسم بن عبيد الله الوزير من الرقة الى بغداد، و حمل معه القرمطى و المدثر و المطوق و جماعه ممن اسر في الوقعه و ذلك في أول صفر، فلما صار الى بغداد عزم على ان يدخل القرمطى مدينه السلام مصلوبا على دقل و الدقل على ظهر فيل، فامر بهدم طاقات الأبواب التي يجتاز بها الفيل بالدقل ثم استسمج ذلك، فعمل له دميانه، غلام يا زمان كرسيا، و ركبه على ظهر الفيل، في ارتفاع ذراعين و نصف، و اقعد فيه القرمطى صاحب الشامة، و دخل المكتفي مدينه السلام، صبيحة يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول و قد قدم بين يديه الأسرى مقيدين على جمال عليهم دراريع الحرير و برانس الحرير، و المطوق وسطهم، و هو غلام ما نبتت لحيته بعد، قد جعل في فيه خشبة مخروطه و الجم بها في فمه كهيئة اللجام ثم شدت‏

13

الى قفاه، و ذلك انه لما دخل الرقة كان يشتم الناس إذا دعوا عليه، و يبزق في وجوههم، فجعل له هذا لئلا يتكلم و لا يشتم.

ثم امر المكتفي ببناء دكه في المصلى العتيق بالجانب الشرقى في ارتفاعها عشره اذرع لقتل القرامطة، و كان خلف المكتفي وراءه محمد بن سليمان الكاتب بجمله من قواد القرامطة و قضاتهم و وجوههم فقيد جميعهم، و دخلوا بغداد بين يديه يوم الخميس لاثنتى عشره ليله خلت من ربيع الاول، و قد امر القواد بتلقيه و الدخول معه فدخل في اتم ترتيب حتى إذا صار بالثريا نزل بها و خلع عليه، و طوق بطوق من ذهب، و سور بسوارين من ذهب، و خلع على جميع القواد القادمين معه و طوقوا و سوروا.

ثم صرفوا الى منازلهم و امر بالأسرى الى السجن.

و ذكر عن صاحب الشامة انه أخذ و هو في حبس المكتفي سكرجة من المائدة التي كانت تدخل عليه و كسرها و أخذ شظية منها، فقطع بها بعض عروقه و خرج منه دم كثير، حتى شدت يده، و قطع دمه، و ترك أياما حتى رجعت اليه قوته.

و لما كان يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الاول، امر المكتفي القواد و الغلمان بحضور الدكة في المصلى العتيق، و خرج من الناس خلق كثير، و حضر الواثقى و هو يلى الشرطه بمدينه السلام و محمد بن سليمان كاتب الجيش، فقعدوا على الدكة في موضع هيئ لهم، و حمل الأسرى الذين جاء بهم المكتفي، و الذين جاء بهم محمد بن سليمان و من كان في السجن من القرامطة، و قوم من اهل بغداد ذكر انهم على مذاهبهم، و قوم من سائر البلدان من غير القرامطة حبسوا لجنايات مختلفه فاحضر جميعهم الدكة و وكل بكل رجل منهم عونان، و قيل انهم كانوا في نحو ثلاثمائة و ستين.

ثم احضر صاحب الشامة و المدثر و المطوق، و اقعدوا في الدكة و قدم اربعه و ثلاثون رجلا من القرامطة فقطعت ايديهم و ارجلهم، و ضربت أعناقهم واحدا بعد واحد.

و كانت ترمى رءوسهم و جثثهم و ايديهم و ارجلهم كل ما قطع منها الى اسفل الدكة.

فلما فرغ من قتل هؤلاء قدم المدثر فقطعت يداه و رجلاه، و ضربت عنقه، ثم المطوق.

ثم قدم صاحب الشامة فقطعت يداه و رجلاه و أضرمت نار عظيمه، و ادخل فيها خشب صليب، و كانت توضع الخشبة الموقده في خواصره و بطنه، و هو يفتح‏

14

عينيه و يغمضهما، حتى خشي عليه ان يموت، فضربت عنقه و رفع راسه في خشبة و كبر من كان على الدكة و كبر سائر الناس في أسفلها، ثم ضربت اعناق باقى الأسرى و انصرف القواد و من حضر ذلك الموضع وقت العشاء فلما كان بالغد حملت الرءوس الى الجسر، و صلب بدن القرمطى في الجسر الأعلى ببغداد، و حفرت لأبدان القتلى آبار الى جانب الدكة، فطرحوا فيها ثم امر بعد ذلك بايام بهدم الدكة ففعل ذلك.

و استامن على يدي القاسم بن سيما رجل من القرامطة، يسمى اسماعيل ابن النعمان، و يكنى أبا محمد، لم يكن بقي منهم بنواحي الشام غيره و غير من انضوى اليه، و كان هذا الرجل من موالي بنى العليص، فرغب في الدخول في الطاعة، خوفا على نفسه، فأومن هو و من معه، و هم نيف و ستون رجلا، و وصلوا الى بغداد.

و اجريت لهم الأرزاق، و احسن اليهم ثم صرفوا مع القاسم بن سيما الى عمله، و أقاموا معه مده فهموا بالغدر به فوضع السيف فيهم، و اباد جميعهم.

و في آخر جمادى الاولى من هذه السنه ورد كتاب من ناحيه جبى بان سيلا أتاها من الجبل، غرق فيه نحو من ثلاثين فرسخا و ذهب فيه خلق كثير، و خربت به المنازل و القرى، و هلكت المواشى و الغلات، و اخرج من الغرقى الف و مائتان سوى من لم يوجد منهم.

و في يوم الأحد غره رجب، خلع المكتفي على محمد بن سليمان كاتب الجيش و على وجوه القواد، و امرهم بالسمع و الطاعة لمحمد بن سليمان، و برز محمد الى مضربه بباب الشماسيه و عسكر هنالك، ثم خرج بالجيوش الى جانب دمشق، لقبض الاعمال من هارون بن خمارويه إذ تبين ضعفه، و ذهب رجاله في حرب القرامطة، و رحل محمد بن سليمان في زهاء عشره آلاف، و ذلك لست خلون من رجب، و امر بالجد في المسير.

و لثلاث بقين من رجب قرئ على الناس كتاب لإسماعيل بن احمد بان الترك قصدوا المسلمين في جيش عظيم، و ان في عسكرهم سبعمائة قبة تركية لرؤساء منهم خاصه فنودي في الناس بالنفير و خرج مع صاحب العسكر خلق كثير فوافى‏

15

الترك غارين، فكبسوهم ليلا، و قتل منهم خلق كثير، و انهزم الباقون، و استبيح عسكرهم و انصرف المسلمون سالمين غانمين‏

3

. و ورد أيضا الخبر من الثغور، بان صاحب الروم وجه إليها عسكرا فيه عشره صلبان و مائه الف رجل، فأغاروا و كبسوا و احرقوا ثم ورد كتاب ابى معد بان الاخبار اتصلت من طرسوس بان غلام زرافه خرج الى مدينه انطاليه على ساحل البحر.

فافتتحها عنوه، و قتل بها خمسه آلاف رجل من الروم، و اسر نحو هذه العده منهم، و استنقذ من أسارى المسلمين اربعه آلاف انسان، و وجد للروم ستين مركبا فغرقها و أخذ ما كان فيها من الذهب و الفضه و المتاع و الانيه و ان كل رجل حضر هذه الغزاة أصاب في فيئه الف دينار، فاستبشر المسلمون بذلك.

و حج بالناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمد

16

ثم دخلت‏

سنه اثنتين و تسعين و مائتين‏

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) ففيها وجه صاحب البصره الى السلطان رجلا ذكر انه اراد الخروج عليه، و صار الى واسط مخالفا بها، فاقصد اليه من يقبض عليه و على قوم ذكروا انهم بايعوه، و وجه بهم الى بغداد، فحمل هذا الرجل على فالج، و بين يديه ابن له صبى على جمل، و معه سبعه و ثلاثون رجلا، على جمال عليهم برانس الحرير، و اكثرهم يستغيث و يبكى، و يحلف انه بري‏ء فامر المكتفي بحبسهم و في هذه السنه اغارت الروم على مرعش و نواحيها، فنفر اهل المصيصة و طرسوس، و أصيبت جماعه من المسلمين فيهم ابو الرجال بن ابى بكار.

و فيها انتهى محمد بن سليمان الكاتب الى احواز مصر لحرب هارون، و وجه اليه المكتفي في البحر دميانه، و امره بدخول النيل، و قطع المواد عمن بمصر من الجند، فمضى و قطع عن اهل مصر الميرة، و زحف اليهم محمد بن سليمان على الظهر، حتى دنا من الفسطاط، و كاتب القواد الذين بها، فخرج اليه بدر الحمامي، و كان رئيس القوم، ثم تتابع قواد مصر بالخروج اليه، و الاستئمان له، فلما راى ذلك هارون و من بقي معه خرجوا محاربين لمحمد بن سليمان، و كانت بينهم وقعات.

ثم انها وقعت بين اصحاب هارون في بعض الأيام عصبية اقتتلوا فيها، فخرج اليهم هارون ليسكنهم، فرماه بعض المغاربه بسهم فقتله و بلغ محمد بن سليمان الخبر، فدخل هو و من معه الفسطاط، و احتووا على دور آل طولون و أموالهم، و تقبض على جميعهم، و هم بضعه عشر رجلا، فقيدهم و حبسهم، و استصفى أموالهم، و كتب بالفتح الى المكتفي، و كانت هذه الوقيعه في صفر، و كتب الى محمد بن سليمان في‏

17

اشخاص آل طولون الى بغداد، و الا يبقى منهم أحدا بمصر و لا الشام، ففعل ذلك.

و لثلاث خلون من ربيع الاول، سقط الحائط من الجسر الاول على جثه القرمطى و هو مصلوب، فطحنه و لم يبق منه شي‏ء.

4 و في شهر رمضان ورد الخبر على السلطان بان قائدا من القواد المصريين يعرف بالخليجى، و يسمى بابراهيم تخلف عن محمد بن سليمان في آخر حدود مصر، مع جماعه استمالهم من الجند و غيرهم، و مضى الى مصر مخالفا للسلطان، و كان معه في طريقه جماعه أحبوا الفتنة حتى كثر جمعه، فلما صار الى مصر اراد عيسى النوشرى محاربته، فعجز عن ذلك لكثرة من كان مع ابن الخليجي، فانحاز عنه الى الإسكندرية، و اخلى مصر، فدخلها الخليجي.

و فيها ندب السلطان لمحاربه الخليجي و اصلاح امر المغرب فاتكا مولى المعتضد، و ضم اليه بدرا الحمامي، و جعله مشيرا عليه فيما يعمل به، و ندب معه جماعه من القواد و جندا كثيرا، و خلع على فاتك و على بدر الحمامي لسبع خلون من شوال،.

و امرا بسرعة الخروج و تعجيل السير فخرجا لاثنتى عشره ليله خلت من شوال.

و للنصف من شوال دخل رستم مدينه طرسوس واليا عليها و على الثغور الشامية.

و فيها كان الفداء بين المسلمين و الروم لست بقين من ذي القعده، ففودى من المسلمين الف و مائتا نفس، ثم غدر الروم، و انصرفوا، و رجع المسلمون بمن في ايديهم من أسارى الروم.

و حج بالناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمد

18

ثم دخلت‏

سنه ثلاث و تسعين و مائتين‏

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) ففيها ورد الخبر بان الخليجي المتغلب على مصر واقع احمد بن كيغلغ و جماعه من القواد بالقرب من العريش، فهزمهم الخليجي، اقبح هزيمه، فندب السلطان للخروج اليه جماعه من القواد المقيمين بمدينه السلام فيهم ابراهيم بن كيغلغ و غيره و في شهر ربيع الاول من هذه السنه ورد الخبر بان أخا للحسين بن زكرويه، ظهر بالدالية من طريق الفرات في نفر من اصحابه، ثم اجتمع اليه جماعه من الاعراب و المتلصصة فسار بهم نحو دمشق، في جمادى الاولى و حارب أهلها، فندب السلطان للخروج اليه الحسين بن حمدان بن حمدون، في جمع كثير من الجند ثم ورد الخبر بان هذا القرمطى سار الى طبرية، فامتنع أهلها من ادخاله، فحاربهم حتى دخلها فقتل عامه من بها من الرجال و النساء، و نهبها و انصرف الى ناحيه البادية.

و ذكر من حضر مجلس محمد بن داود بن الجراح، و قد ادخل اليه قوم من القرامطة بعد قتل الحسين بن زكرويه المصلوب بجسر بغداد فقال الرجل: كان زكرويه ابو حسين المقتول مختفيا عندي في منزلي، و قد اعد له سرداب تحت الارض، عليه باب حديد، و كان لنا تنور، فإذا جاءنا الطلب، وضعنا التنور على باب السرداب، و قامت امراه تسخنه فمكث زكرويه كذلك اربع سنين، في ايام المعتضد، ثم انتقل من منزلي الى دار قد جعل فيها بيت وراء باب الدار، فإذا فتح الباب انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل، فلا يرى باب البيت الذى هو فيه، فلم تزل هذه حاله حتى مات المعتضد، فحينئذ انفذ الدعاه، و استهوى طوائف من اهل البادية، و صار اهل قريه صوعر يتفلونه على ايديهم، و يسجدون له و اعترف لزكرويه جميع من رسخ حب الكفر في قلبه من عربي و مولى و نبطي و غيرهم، بانه رئيسهم و كهفهم و ملاذهم، و سموه السيد و المولى، و ساروا به و هو محجوب عن اهل عسكره، و القاسم يتولى الأمور دونه، يمضيها على رايه‏

19

و ذكر محمد بن داود ان زكرويه بن مهرويه هذا اقام رجلا كان يعلم الصبيان بقرية تدعى زابوقه، من عمل الفلوجة يسمى عبد الله بن سعيد، و يكنى أبا غانم، فتسمى بنصر ليعمى امره، و يخفى خبره، فاستهوى طوائف من الاصبغيين و العليصيين و صعاليك من بطون كلب، و قصد بهم ناحيه الشام، و كان عامل السلطان على دمشق و الأردن احمد بن كيغلغ، و كان مقيما بمصر على حرب الخليجي، فاغتنم ذلك عبد الله ابن سعيد المتسمى بنصر و سار الى مدينه بصرى، فحارب أهلها، ثم آمنهم فلما استسلموا له قتل مقاتلتهم و سبى ذراريهم، و استاق أموالهم، ثم نهض الى دمشق، فخرج اليه من كان بقي بها مع صالح بن الفضل خليفه احمد بن كيغلغ فقتل صالحا، و فض عسكره و لم يطمع في مدينه دمشق إذ دافعهم أهلها عنها ثم قصد القرمطى و من معه مدينه طبرية، فقتلوا طائفه من أهلها، و سبوا النساء و الذرية بها، فحينئذ انفذ السلطان لمحاربتهم الحسين بن حمدان في جماعه من القواد و الرجال، فوردوا دمشق، و قد دخل القرامطة طبرية فلما اتصل بهم خروج القواد اليهم، عطفوا نحو السماوه، و تبعهم الحسين بن حمدان و هم ينتقلون من ماء الى ماء و يعورون ما وراءهم من المياه.

فانقطع الحسين عن اتباعهم لما عدم الماء، و عاد الى الرحبه، و قصدت القرامطة الى هيت، فصبحوها و لم يصلوا الى المدينة لحصانه سورها لسبع بقين من شعبان، مع طلوع الشمس، فنهبوا ربضها، و قتلوا من قدروا عليه من أهلها، و احرقت المنازل و انهبت السفن التي في الفرات، و قتل من اهل البلد نحو مائتي نفس، و أوقروا ثلاثة آلاف بعير بالأمتعة و الحنطة ثم رحلوا الى البادية.

ثم شخص باثرهم محمد بن كنداج اليهم، فلما كان بقربه منهم، هربوا منه و عوروا المياه بينهم و بينه، فانفذت اليه الإبل و الروايا و الزاد، و كتب الى الحسين بن حمدان بالنفوذ اليهم من جهة الرحبه، و الاجتماع مع محمد بن كنداج على الإيقاع بهم.

فلما احسن الكلبيون الذين كانوا مع عبد الله بن سعيد القرمطى المتسمى بنصر، وثبوا عليه، و قتلوه، و تقربوا برأسه الى محمد بن كنداج، و اقتتلت القرامطة حتى وقعت بينهما الدماء.

ثم انفذ زكرويه داعيه له يسمى القاسم بن احمد، الى اكره السواد، فاستهواهم‏

20

و وعدهم بان ظهوره قد حضر، و انه قد بايع له بالكوفه نحو اربعين الف رجل و في سوادها أربعمائة الف رجل، و ان يوم موعدهم الذى ذكره الله يوم الزينة وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى‏ و امرهم بالمسير الى الكوفه ليفتتحوها في غداه يوم النحر، و هو يوم الخميس فإنهم لا يمنعون منها فتوجه القاسم بن احمد باهل السواد و من يجتمع اليه من الصعاليك، حتى وافوا باب الكوفه في ثمانمائه فارس، عليهم الدروع و الجواشن و الإله الحسنه، و معهم جماعه من الرجاله على الرواحل، و قد انصرف الناس عن مصلاهم، فاوقعوا بمن لحقوه من العوام، و قتلوا منهم زهاء عشرين نفسا.

و خرج اليهم إسحاق بن عمران عامل الكوفه و من كان معه من الجند فصافوا القرامطة الحرب الى وقت العصر، و كان شعار القرامطة: يا احمد يا محمد، و هم يدعون: يا لثارات الحسين! يعنون المصلوب بجسر بغداد، و أظهروا الاعلام البيض، و ضربوا على القاسم بن احمد قبة، و قالوا: هذا ابن رسول الله، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزمت القرامطة نحو القادسية، و اصلح اهل الكوفه سورهم و خندقهم، و حرسوا مدينتهم و كتب إسحاق بن عمران الى السلطان يستمده، فندب اليه جماعه فيهم طاهر بن على بن وزير و وصيف بن صوارتكين و الفضل بن موسى بن بغا و بشر الخادم و جنى الصفواني و رائق الخزري، و ضم اليهم جماعه من غلمان الحجر، و امر القاسم بن سيما و من ضم اليه من رؤساء البوادى بديار ربيعه و طريق الفرات و غيرهم بالنهوض الى القرامطة، إذ كان اصحاب السلطان متفرقين في نواحي الشام و مصر، فنفذت الكتب بذلك اليهم.

و في يوم الجمعه لاثنتى عشره ليله خلت من رجب، قرئ على المنبر ببغداد كتاب بان اهل صنعاء و سائر اهل اليمن اجتمعوا على الخارجي و حاربوه و فلوا جموعه، فانحاز الى بعض النواحي باليمن، فخلع السلطان على مظفر بن حاج، و عقد له على اليمن و خرج إليها لخمس خلون من ذي القعده، فأقام بها حتى مات و لتسع بقين من رجب اخرجت مضارب المكتفي الى باب الشماسيه، فضربت هنالك ليخرج الى الشام، و يحاصر ابن الخليجي، فورد كتاب من قبل فاتك القائد و اصحابه، يذكرون‏

21

محاربتهم له و ظفرهم به، و انهم موجهون له الى مدينه السلام، فردت مضارب المكتفي، و صرفت خزائنه، و قد كانت جاوزت تكريت، ثم ادخل مدينه السلام للنصف من شهر رمضان ابن الخليجي واحد و عشرون رجلا معه على جمال، و عليهم برانس و دراريع حرير، فحبسوا ثم خلع المكتفي على وزيره العباس بن الحسن خلعا لحسن تدبيره في امر هذا الفتح ثم لخمس خلون من شوال، ادخل بغداد راس القرمطى المتسمى بنصر الذى انتهب مدينه هيت منصوبا في قناه و لسبع خلون من شوال ورد الخبر مدينه السلام، بان الروم أغاروا على قورس و قتلوا مقاتلتهم، و دخلوا المدينة، و اخربوا مسجدها، و سبوا من بقي فيها، و قتلوا رؤساء بنى تميم المنضوين إليها و حج بالناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

22

ثم دخلت‏

سنه اربع و تسعين و مائتين‏

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) ففيها دخل ابن كيغلغ طرسوس غازيا في أول المحرم، و خرج معه رستم، و هي غزاه رستم الثانيه، فبلغوا حصن سلندو، و افتتحوه و قتلوا من الروم مقتله عظيمه، و أسروا و سبوا نحوا من خمسه آلاف راس، و انصرفوا سالمين.

و لإحدى عشره ليله خلت من المحرم، ورد الخبر بان زكرويه القرمطى، ارتحل من نهر المثنية يريد الحاج و انه وافى موضعا بينه و بين بعض مراحلهم اربعه اميال.

و ذكر محمد بن داود انهم مضوا في جهة المشرق، حتى صاروا بماء سليم، و صار ما بينهم و بين السواد مفازة، فأقام بموضعه ينتظر قافلة الحاج حتى وافته لسبع خلون من المحرم، فانذرهم اهل المنزل بارتصاد القرامطة لهم، و ان بينهم و بين موضعهم اربعه اميال فارتحلوا و لم يقيموا، و كان في هذه القافلة ابن موسى و سيما الابراهيمى فلما امعنت القافلة في السير، صار القرمطى الى الموضع الذى انتقلت عنه القافلة.

و سال اهل القيروان عنها فاخبروه انها تنقلت و لم تقم، فاتهمهم بانذار القافلة و قتل من العلافين بها جماعه، و احرق العلف ثم ارتصد أيضا زكرويه قافلة خراسان، فاوقع بأهلها و جعل اصحابه ينخسون الجمال بالرماح، و يبعجونها بالسيوف، فنفرت و اختلطت القافلة، و أكب اصحاب زكرويه على الحاج، فقتلوهم كيف شاءوا، و سبوا النساء، و احتووا على ما في القافلة.

ثم وافى عليهم اهل القافلة الثانيه، و فيها المبارك القمي و احمد بن نصر العقيلي و احمد ابن على بن الحسين الهمذاني، و قد كان رحل القرامطة عن محلتهم، و عوروا مياهها و ملأوا بركها بجيف الإبل و الدواب التي كانت معهم، و انتقلوا الى منزل العقبه فوافاهم بها اهل القافلة الثانيه، و دارت بينهم حرب شديده، حتى اشرف اهل القافلة على الظفر بالقرامطة، و كشفوهم ثم ان الفجره تمكنوا في ساقتهم من غره، فركبوها و وضعوا

23

رماحهم في جنوب ابلهم و بطونها، فطرحتهم الإبل و تمكنوا منهم، فقتلوهم عن آخرهم الا من استفدوه، و سبوا النساء و اكتسحوا الأموال و الأمتعة، و قتل المبارك القمي و المظفر ابنه، و قتل ابو العشائر، ثم قطعت يداه و رجلاه ثم ضربت عنقه، و افلت من الجرحى قوم وقعوا بين القتلى، فتحاملوا في الليل و مضوا فمنهم من مات في الطريق، و منهم من نجا، و هم قليل و كان نساء القرامطة و صبيانهم يطرفون بين القتلى و يعرضون عليهم الماء، فمن كان فيه رمق، او طلب الماء اجهزوا عليه و قيل انه كان في القافلة من الحاج نحو عشرين الف رجل فقتل جميعهم غير نفر يسير و ذكر ان الذى أخذوا من المال و الأمتعة في هذه القافلة قيمه الفى الف دينار، و ورد الخبر على السلطان بمدينه السلام، عشيه يوم الجمعه لاربع عشر ليله بقيت من المحرم بما كان من فعل القرامطة بالحاج، فعظم ذلك عليه، و على الناس، و ندب السلطان محمد ابن داود بن الجراح الوزير للخروج الى الكوفه، و المقام بها، و انفاذ الجيوش الى القرمطى، فخرج من بغداد لإحدى عشره ليله بقيت من المحرم، و حمل معه اموالا كثيره لاعطاء الجند ثم صار زكرويه الى زبالة فهولها و بث الطلائع امامه و وراءه خوفا من اصحاب السلطان و ارتصادا لورود القافلة الاخرى التي كانت فيها الاثقال و اموال التجار و جوهر نفيس للسلطان، و بها من القواد نفيس المولدى و صالح الأسود، و معه الشمسه و الخزانه، و كان المعتضد قد جعل في الشمسه جوهرا نفيسا، و معهم أيضا ابراهيم بن ابى الاشعث، قاضى مكة و المدينة، و ميمون بن ابراهيم الكاتب و الفرات بن احمد بن الفرات و الحسن بن اسماعيل و على بن العباس النهيكى.

فلما صارت هذه القافلة بفيد، بلغهم خبر القرامطة فأقاموا أياما ينتظرون القوه من قبل السلطان، و اقبل القرامطة الى موضع يعرف بالخليج، فلقوا القافلة، و حاربوا أهلها ثلاثة ايام ثم عطش اهل القافلة و كانوا على غير ماء، فلم يتمكنوا منها، فاستسلموا، فوضع القرامطة فيهم السيف، و لم يفلت منهم الا اليسير، و أخذ القرامطة جميع ما في القافلة، و سبوا النساء، و اكتسحوا الأموال ثم توجه زكرويه بمن معه الى فيد، و بها عامل السلطان فتحصن منه، و جعل زكرويه يراسل اهل فيد بان يسلموا اليه عاملهم فلم يجيبوه الى ذلك ثم تنقل الى النباج ثم الى حفير ابى موسى الأشعري‏

24

و في أول شهر ربيع الاول انهض المكتفي و صيف بن سوارتكين و معه جماعه من القواد الى القرامطة فنفذوا من القادسية على طريق خفان، و التقى وصيف بالقرامطة، يوم السبت لثمان بقين من ربيع الاول، فاقتتلوا يومهم ذلك، حتى حجز بينهم المساء، ثم عاودهم الحرب في اليوم الثانى، فظفر جيش السلطان بالقرامطة، و قتلوا منهم مقتله عظيمه، و خلصوا الى زكرويه، فضربه بعض الجند ضربه بالسيف، اتصلت بدماغه، و أخذ أسيرا، و أخذ معه ابنه و زوجته و كاتبه و جماعه من خاصته و قرابته و احتوى الجند على جميع ما في عسكره، و عاش زكرويه خمسه ايام ثم مات فشق بطنه، و حمل كذلك و انطلق من كان بقي في يديه من اسرى الحاج و فيها غزا ابن كيغلغ من طرسوس، فأصاب من العدو اربعه آلاف راس سبى، و دواب و مواشى كثيره و متاعا، و اسلم على يده بطريق من البطارقه.

و فيها كتب أندرونقس البطريق، و كان على حرب اهل الثغور من قبل صاحب الروم الى السلطان يطلب الامان، فأجيب الى ذلك، و خرج بنحو مائتي نفس من المسلمين كانوا عنده اسرى، و اخرج ماله و متاعه الى طرسوس و في جمادى الآخرة ظفر الحسين بن حمدان بجماعه من اصحاب زكرويه كانوا هربوا من الوقعه، فقتل اكثرهم و اسر نساءهم و صبيانهم.

و فيها وافى رسل ملك الروم باب الشماسيه بكتاب الى المكتفي يسأله الفداء بمن معهم من المسلمين لمن في أيدي الاسلام من الروم، فدخلوا بغداد و معهم هديه كبيره و عشره من أسارى المسلمين.

و فيها أخذ قوم من اصحاب زكرويه أيضا و وجهوا الى باب السلطان.

و فيها كانت وقعه بين الحسين بن حمدان و اعراب كلب و النمر و اسد و غيرهم كانوا خرجوا عليه فهزموه حتى بلغوا به باب حلب.

و فيها هزم وصيف بن سوارتكين الاعراب بفيد ثم رحل سالما بمن معه من الحاج.

و حج بالناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك.

25

ثم دخلت‏

سنه خمس و تسعين و مائتين‏

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)

[أخبار متفرقة]

فمن ذلك ما كان من خروج عبد الله بن ابراهيم المسعى عن مدينه أصبهان الى قريه من قراها على فراسخ منها، و انضمام نحو من عشره آلاف كردى اليه، مظهرا الخلاف على السلطان، فامر المكتفي بدرا الحمامي بالشخوص اليه، و ضم اليه جماعه من القواد في نحو من خمسه آلاف من الجند خ.

و فيها كانت وقعه للحر بن موسى على اعراب طيّئ، فواقعهم على غره منهم، فقتل من رجالهم سبعين، و اسر من فرسانهم جماعه و فيها توفى اسماعيل بن احمد في صفر، لاربع عشره ليله خلت منه، و قام ابنه احمد ابن اسماعيل في عمل ابيه مقامه و ذكر ان المكتفي قعد له و عقد بيده لواءه، و دفعه الى طاهر بن على، و خلع عليه، و امره بالخروج اليه باللواء.

و فيها وجه منصور بن عبد الله بن منصور الكاتب الى عبد الله بن ابراهيم المسمعي و كتب اليه يخوفه عاقبه الخلاف، فتوجه اليه فلما صار اليه ناظره، فرجع الى طاعه السلطان، و شخص في نفر من غلمانه، و استخلف بأصبهان خليفه له و معه منصور بن عبد الله حتى صار الى باب السلطان، فرضى عنه المكتفي و وصله و خلع عليه و على ابنه.

و فيها اوقع الحر بن موسى بالكردى المتغلب على تلك الناحية، فتعلق بالجبال فلم يدرك.

و فيها فتح المظفر بن حاج ما كان تغلب عليه بعض الخوارج باليمن، و أخذ رئيسا من رؤسائهم يعرف بالحكيمى.

و فيها لثلاث عشره ليله بقيت من جمادى الآخرة امر خاقان المفلحى بالخروج الى اذربيجان لحرب يوسف بن ابى الساج، و ضم اليه نحو اربعه آلاف رجل من الجند.

و لثلاث عشره ليله بقيت من شهر رمضان دخل بغداد رسول ابى مضر بن الاغلب، و معه فتح الانجحى و هدايا وجه بها معه الى المكتفي‏

26

و فيها كان الفداء بين المسلمين و الروم في ذي القعده ففدى ممن كان عندهم من الرجال ثلاثة آلاف نفس.

ذكر عله المكتفي بالله و ما كان من امره الى وقت وفاته‏

و كان المكتفي على بن احمد يشكو عله في جوفه، و فسادا في احشائه، فاشتدت العله به في شعبان من هذا العام، و اخذه ذرب شديد افرط عليه، و أزال عقله، حتى أخذ صافى الحرمي خاتمه من يده، و انفذه الى وزيره العباس بن الحسن و هو لا يعقل شيئا من ذلك، و كان العباس يكره ان يلى الأمر عبد الله بن المعتز، و يخافه خوفا شديدا، فعمل في تصيير الخلافه الى ابى عبد الله محمد بن المعتمد على الله، فاحضره داره ليلا، و احضر القاضى محمد بن يوسف وحده، و كلمه بحضرته، و قال له:

ما لي عندك ان سقت هذا الأمر إليك؟ فقال له محمد بن المعتمد: لك عندي ما تستحقه من الجزاء و الايثار و قرب المنزله، فقال له العباس: اريد ان تحلف لي الا تخليني من احدى حالتين، اما ان تريد خدمتي فانصح لك و ابلغ جهدي في طاعتك و جمع المال لك، كما فعلته بغيرك، و اما ان تؤثر غيرى فتوقرنى و تحفظني، و لا تبسط على يدا في نفسي و مالي، و لا على احد بسببي، فقال له محمد بن المعتمد- و كان حسن العقل، جميل المذهب: لو لم تسق هذا الى ما كان لي معدل عنك في كفايتك و حسن اثرك فكيف إذا كنت السبب له، و السبيل اليه! فقال له العباس:

اريد ان تحلف لي على ذلك فقال: ان لم اوف لك بغير يمين لم اوف لك بيمين، فقال القاضى محمد بن يوسف للعباس: ارض منه بهذا، فانه اصلح من اليمين.

قال العباس: قد قنعت و رضيت ثم قال له العباس: مد يدك حتى ابايعك.

فقال له محمد: و ما فعل المكتفي؟ قال: هو في آخر امره، و اظنه، قد تلف فقال محمد: ما كان الله ليراني أمد يدي لبيعه و روح المكتفي في جسده، و لكن ان مات فعلت ذلك فقال محمد بن يوسف: الصواب ما قال، و انصرفوا على هذه الحال‏

27

ثم ان المكتفي افاق و عقل امره، فقال له صافى الحرمي: لو راى امير المؤمنين ان يوجه الى عبد الله بن المعتز و محمد بن المعتمد، فيوكل بهما في داره و يحبسهما فيها، فان الناس ذكروهما لهذا الأمر، و ارجفوا بهما، فقال له المكتفي: هل بلغك ان أحدهما احدث بيعه علينا؟ فقال له صافى: لا، قال له: فما ارى لهما في ارجاف الناس ذنبا فلا تعرض لهما، و وقع الكلام بنفسه، و خاف ان يزول الأمر عن ولد ابيه، فكان إذا عرض له بشي‏ء من هذا الأمر استجر فيه الحديث و تابع المعنى و اهتبل به جدا.

و عرض لمحمد بن المعتمد في شهر رمضان فالج في مجلس العباس بن الحسن الوزير من غيظ اصابه في مناظره كانت بينه و بين ابن عمرويه صاحب الشرطه، فامر العباس ان يحمل في قبة من قبابه على افره بغاله، فحمل الى منزله في تلك الصورة، و انصرفت نفسه الى تأميل غيره.

ثم اشتدت العله بالمكتفى في أول ذي القعده، فسال عن أخيه ابى الفضل جعفر فصح عنده انه بالغ، فاحضر القضاه و اشهدهم بانه قد جعل العهد اليه من بعده.

ذكر وفاه المكتفي‏

و مات المكتفي بالله على بن احمد ليله الأحد لثلاث عشره ليله خلت من ذي القعده سنه خمس و تسعين و مائتين، و دفن يوم الاثنين في دار محمد بن عبد الله بن طاهر.

و كانت خلافته ست سنين و تسعه عشر يوما، و كان يوم توفى ابن اثنتين و ثلاثين سنه.

و كان ولد سنه اربع و ستين و مائتين و كنيته ابو محمد، و أمه أم ولد تركية، و كان جميلا رقيق اللون حسن الشعر، وافر اللحية.

و ولد أبا القاسم عبد الله المستكفى، و محمدا أبا احمد، و العباس، و عبد الملك، و عيسى، و عبد الصمد، و الفضل، و جعفرا، و موسى، و أم محمد، و أم الفضل، و أم سلمه، و أم العباس، و أم العزيز، و أسماء، و ساره و أمه الواحد.

قال: و كان جعفر بن المعتضد بدار ابن طاهر التي هي مستقر اولاد الخلفاء فتوجه فيه صافى الحرمي لساعتين بقيتا من ليله الأحد و احضره القصر و قد كان العباس‏

28

ابن الحسن فارق صافيا على ان يجي‏ء بالمقتدر الى داره التي كان يسكنها على دجلة، لينحدر به معه الى القصر، فعرج به صافى عن دار العباس إذ خاف حيله تستعمل عليه، و عد ذلك من حزم صافى و عقله.

ذكر خلافه المقتدر

و فيها بويع جعفر بن احمد المقتدر يوم الأحد لثلاث عشره ليله خلت من ذي القعده سنه خمس و تسعين و مائتين و هو يومئذ ابن ثلاث عشره سنه واحد و عشرين يوما، و كان مولده يوم الجمعه لثمان بقين من شهر رمضان من سنه اثنتين و ثمانين و مائتين، و كنيته ابو الفضل و أمه أم ولد يقال لها شغب و كانت البيعه للمقتدر في القصر المعروف بالحسنى، فلما دخله و راى السرير منصوبا امر بحصير صلاه فبسط له، و صلى اربع ركعات و ما زال يرفع صوته بالاستخارة ثم جلس على السرير، و بايعه الناس و دارت البيعه على يدي صافى الحرمي و فاتك المعتضدي، و حضر العباس بن الحسن الوزير و ابنه احمد حتى تمت البيعه ثم غسل المكتفي، و دفن في موضع من دار محمد بن عبد الله بن طاهر.

و ذكر الطبرى انه كان في بيت المال يوم بويع المقتدر خمسه عشر الف الف دينار، و ذكر ذلك الصولي، و حكى انه كان في بيت مال العامه ستمائه الف دينار، و خلع المقتدر يوم الاثنين الثانى من بيعته على الوزير ابى احمد العباس بن الحسن خلعا مشهوره الحسن، و قلده كتابته و امر بتكنيته، و ان تجرى الأمور مجراها على يده.

و قلد ابنه احمد بن العباس العرض عليه، و كتابه السيده أمه و كتابه هارون و محمد اخويه، و كتب العباس الى الكور و الاطراف بالبيعه كتابا على نسخه واحده و اعطى الجند مال البيعه، للفرسان ثلاثة اشهر، و للرجاله سته اشهر، و امر اصحاب الدواوين على ما كانوا عليه، و خلع المقتدر على سوسن مولى المكتفي الذى كان حاجبه، و اقره على حجابته، و خلع على فاتك المعتضدي، و مؤنس الخازن و يمن غلام المكتفي، و ابن عمرويه، صاحب الشرطه ببغداد، و على احمد بن كيغلغ، و كان قد قدم‏

29

مبايعه المقتدر بقوم حاولوا فتق سجن دمشق، و اقامه فتنه بها، فحملوا على جمال، و طوفوا، و خلع على كثير من الخدم، فمن كان اليه منهم عمل جعلت الخلعه عليه لإقراره على عمله، و من لم يكن اليه عمل كانت الخلعه تشريفا له، و رد المقتدر رسوم الخلافه الى ما كانت عليه من التوسع في الطعام و الشراب، و اجراء الوظائف، و فرق في بنى هاشم خمسه عشر الف دينار و زادهم في الأرزاق، و اعاد الرسوم، في تفريق الاضاحى على القواد و العمال و اصحاب الدواوين و القضاه و الجلساء، ففرق عليهم يوم الترويه و يوم عرفه من البقر و الغنم ثلاثون الف راس، و من الإبل الف راس، و امر باطلاق من كان في السجون ممن لا خصم له و لا حق لله عز و جل عليه، و بعد ان امتحن محمد بن يوسف القاضى أمورهم.

و رفع اليه ان الحوانيت و المستغلات التي بناها المكتفي في رحبه باب الطاق اضرت بالضعفاء، إذ كانوا يقعدون فيها لتجاراتهم بلا اجره لأنها افنيه واسعه، فسال عن غلتها فقيل: له تغل الف دينار في كل شهر، فقال: و ما مقدار هذا في صلاح المسلمين و استجلاب حسن دعائهم! فامر بهدمها و إعادتها الى ما كانت عليه.

و لم يل الخلافه من بنى العباس اصغر سنا من المقتدر، فاستقل بالأمور، و نهض بها، و استصلح الى الخاصة و العامه و تحبب إليها، و لو لا التحكم عليه في كثير من الأمور لكان الناس معه في عيش رغد، و لكن أمه و غيرها من حاشيته كانوا يفسدون كثيرا من امره.

و في هذه السنه، كانت وقعه عج بن حاج مع الجند بمنى في اليوم الثانى من ايام منى، و قتل بينهم جماعه، و هرب الناس الذين كانوا بمنى الى بستان ابن عامر، و انتهب الجند مضرب ابى عدنان، و أصاب المنصرفين من الحاج في منصرفهم ببعض الطريق عطش، حتى مات منهم جماعه قال الطبرى: سمعت بعض من يحكى ان الرجل كان يبول في كفه ثم يشربه.

و حج بالناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك.

30

ثم دخلت‏

سنه ست و تسعين و مائتين‏

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)

[أخبار متفرقة]

فمن ذلك ما كان من اجتماع جماعه من القواد و الكتاب و القضاه على خلع جعفر المقتدر، و كانوا قد تناظروا و تأمروا عند موت المكتفي على من يقدمونه للخلافة، و اجمع رأيهم على عبد الله بن المعتز، فاحضروه و ناظروه في تقلدها، فأجابهم الى تولى الأمر، على الا يكون في ذلك سفك دماء و لا حرب، فاخبروه ان الأمر يسلم اليه عفوا، و ان من وراءهم من الجند و القواد و الكتاب قد رضوا به، فبايعهم على ذلك سرا، و كان الراس في هذا الأمر العباس بن الحسن الوزير، و محمد بن داود ابن الجراح، و ابو المثنى احمد بن يعقوب القاضى و غيرهم، فخالفهم على ذلك العباس، و نقض ما كان عقده معهم في امر ابن المعتز، و أحب ان يختبر امر المقتدر، و ان كان فيه محمل للقيام بالخلافة مع حداثة سنه، و كيف يكون حاله معه، و علم ان تحكمه عليه سيكون فوق تحكمه على غيره، فصدهم عن ابن المعتز، و انفذ عقد البيعه للمقتدر على ما تقدم ذكره.

ثم ان المقتدر اجرى الأمور مجراها في حياه المكتفي، و قلد العباس جميعها، و زاده في المنزله و الحظوة و صير اليه الأمر و النهى، فتغير العباس على القواد، و استخف بهم و اشتد كبره على الناس و احتجابه عنهم و استخفافه بكل صنف منهم، و كان قبل ذلك صافى النيه لعامه القواد و الخدم منصفا لهم في اذنه لهم و لقائه ثم تجبر عليهم، و كانوا يمشون بين يديه فلا يأمرهم بالركوب، و ترك الوقوف على المتظلمين، و السماع منهم، فاستثقله الخاصة و العامه، و كثر الطعن عليه، و الانكار لفعله و الهجاء له، فقال بعض شعراء بغداد فيه:

يا أبا احمد لا تحسن بأيامك ظنا* * * و احذر الدهر فكم اهلك املاكا و افنى‏

كم رأينا من وزير صار في الأجداث رهنا

31

اين من كنت تراهم درجوا قرنا فقرنا* * * فتجنب مركب الكبر و قل للناس حسنا

ربما امسى بعزل من باصباح يهنأ* * * و قبيح بمطاع الأمر الا يتأنى‏

اترك الناس و أيامك فيهم تتمنى

و كان مما يشنع به الحسين بن حمدان على العباس، انه شرب يوما عنده، فلما سكر الحسين، استخرج العباس خاتمه من اصبعه، و انفذه الى جاريته مع فتى له، و قال لها: يقول لك مولاك: اشتهى الوزير سماع غنائك، فاحضرى الساعة و لا تتاخرى، فهذا خاتمي علامه إليك قال الحسين: و قد كنت خفت منه شيئا من هذا لبلاغات بلغتني عنه، و كتب رايت له إليها بخطه، فحفظت الجاريه و حذرتها، فلم تصغ الى قول الفتى و لا اجابته.

و كان الحسين يحلف مجتهدا انه سمعه يكفر و يستخف بحق الرسول (صلى الله عليه و سلم)، و انه قال في بعض ما جرى من القول: قد كان أجيرا لخديجة، ثم جاء منه ما رايت قال: فاعتقدت قتله من ذلك الوقت، و اعتقد غيره من القواد فيه مثل ذلك، و اجتمعت القلوب على بغضته، فحينئذ وثب به القوم فقتلوه، و كان الذى تولى قتله بدر الأعجمي و الحسين بن حمدان و وصيف بن سوارتكين و ذلك يوم السبت لإحدى عشره ليله بقيت من ربيع الاول من العام المؤرخ.

ذكر البيعه لابن المعتز

و في غد هذا اليوم خلع المقتدر، خلعه القواد و الكتاب و قضاه بغداد، ثم وجهوا في عبد الله بن المعتز، و ادخل دار ابراهيم بن احمد الماذرائى التي على دجلة و الصراة ثم حمل منها الى دار المكتفي بظهر المخرم، و احضر القضاه، و بايعوا عبد الله بن المعتز فحضرهم و لقبوه المنتصف بالله، و هو لقب اختاره لنفسه.

و استوزر محمد بن داود بن الجراح، و استحلفه على الجيش، و كان الناس‏

32

يحلفون بحضره القضاه، و كان الذى يأخذ البيعه على الناس و على القواد و يتولى استحلافهم و الدعاء باسمائهم محمد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش، و احضر عبد الله بن على بن ابى الشوارب القاضى و طولب بالبيعه لابن المعتز فلجلج، و قال:

ما فعل جعفر المقتدر! فدفع في صدره و قتل ابو المثنى لما توقف عن البيعه، و لم يشك الناس ان الأمر تام له إذ اجتمع اهل الدولة عليه، و كان اجل من تخلف عن سوسن الحاجب، فانه بقي بدار المقتدر مثبتا لأمره و حاميا له.

و في هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان و بين غلمان الدار التي كان بها المقتدر حرب شديده من غدوه الى انتصاف النهار، و ثبت سوسن الحاجب به و حامى عنه، و احضر الغلمان و وعدهم الزيادة، و قوى نفس صافى و نفس مؤنس الخادم و مؤنس الخازن، فكلهم حماه و دافع عنه، حتى انفضت الجموع التي كان محمد بن داود جمعها لبيعه ابن المعتز، و ذلك ان مؤنسا الخادم حمل غلمانا من غلمان الدار الى الشذوات، فصاعد بها في دجلة فلما جازوا الدار التي كان فيها ابن المعتز و محمد ابن داود صاحوا بهم، و رشقوهم بالنشاب، فتفرقوا و هرب من كان في الدار من الجند و القواد و الكتاب، و هرب ابن المعتز و من كان معه، و لحق بعض الذين كانوا بايعوا ابن المعتز بالمقتدر، فاعتذروا اليه بأنهم منعوا من المصير نحوه، و اختفى بعضهم، فأخذوا و قتلوا و انتهبت العامه دور محمد بن داود و العباس بن الحسن، و أخذ ابن المعتز فقتل و قتل معه جماعه، منهم احمد بن يعقوب القاضى، ذبح ذبحا، و قالوا له:

تبايع للمقتدر! فقال: هو صبى و لا يجوز المبايعة له.

و قال الطبرى، و لم ير الناس اعجب من امر ابن المعتز و المقتدر، فان الخاصة و العامه اجتمعت على الرضا بابن المعتز و تقديمه، و خلع المقتدر لصغر سنه، فكان امر الله قدرا مقدورا، و لقد تحير الناس في امر دوله المقتدر و طول أيامها على و هي أصلها و ضعف ابتنائها ثم لم ير الناس و لم يسمعوا بمثل سيرته و ايامه و طول خلافته.

و قال محمد بن يحيى الصولي: و في يوم الاثنين لتسع ليال بقين من ربيع الاول خلع المقتدر على على بن محمد بن الفرات للوزارة، و ركب الناس معه الى داره بسوق العطش، و تكلم في اطلاق جماعه ممن كان بايع ابن المعتز، فاذن له المقتدر في ذلك،

33

فخلى سبيل طاهر بن على و نزار بن محمد و ابراهيم بن احمد الماذرائى و الحسين بن عبد الله الجوهري المعروف بابن الجصاص، و وضع العطاء للغلمان و الأولياء الذين بقوا مع المقتدر صله ثانيه للفرسان ثلاثة اشهر و للرجاله ست نوائب، و ولى مؤنسا الخادم شرطه جانبي بغداد و ما يليها، و تقدم اليه بالنداء على محمد بن داود و يمن و محمد الرقاص، و ان يبذل لمن جاء بمحمد بن داود عشره آلاف دينار، و خلع على عبد الله بن على بن محمد بن ابى الشوارب لقضاء جانبي بغداد، و قلد الوزير على بن محمد أخاه جعفر بن محمد ديوان المشرق و المغرب، و اشاع انه يخلفه عليهم و قلد نزارا الكوفه و طساسيجها، و عزل عنها المسمعي، ثم عزل نزارا و ولى الكوفه نجحا الطولونى، و خلع على ابى الأغر خليفه بن المبارك السلمى لغزاه الصائفه و عظم امر سوسن الحاجب و تجبر و طغى، فاتهمه المقتدر و لم يأمنه، و ادار الرأي في امره مع ابن الفرات، فاوصى اليه المقتدر: خذ من الرجال من شئت و من المال و السلاح ما شئت، و تول من الاعمال ما احببت، و خل عن الدار أولها من اريد فأبى عليه، و قال:

امر أخذته بالسيف لا اتركه الا بالسيف فاحكم المقتدر الرأي مع ابن الفرات في قتله فلما دخل معه الميدان في بعض الأيام اظهر صافى الحرمي العله، و جلس في بعض طرق الميدان متعاللا فنزل سوسن ليعوده، فوثب اليه جماعه فيهم تكين الخاصة و غيره من القواد، فأخذوا سيفه، و ادخلوه بيتا، فلما سمع من كان معه بذلك من غلمانه و اصحابه تفرقوا، و مات سوسن بعد ايام في الحبس.

و قلد الحجابه نصرا الحاجب المعروف بالقشورى، و كان موصوفا بعقل و فضل.

و كان النصارى في آخر ايام العباس بن الحسن قد علا امرهم، و غلب عليهم الكتاب منهم، فرفع في امرهم الى المقتدر، فعهد فيهم بنحو ما كان عهد به المتوكل من رفضهم و اطراحهم و اسقاطهم عن الخدمه، ثم لم يدم ذلك فيهم.

و في يوم السبت لاربع بقين من ربيع الاول سقط ببغداد الثلج من غدوه الى العصر، حتى صار في السطوح و الدور منه نحو من اربعه أصابع، و ذلك امر لم ير مثله ببغداد.

و في يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الاول سلم محمد بن يوسف القاضى و محمد

34

ابن عمرويه و ابن الجصاص و الأزرق كاتب الجيش في جماعه غيرهم الى مؤنس الخازن، فقتل بعضهم، و شفع في بعض فاطلق.

و فيها وجه القاسم بن سما في جماعه من القواد و الجند في طلب الحسين بن حمدان، فشخص لذلك حتى صار الى قرقيسيا و الرحبه، و كتب الى ابى الهيجاء عبد الله بن حمدان بان يطلب أخاه و يتبعه، فخرج في اثره، و التقى بأخيه بين تكريت و السودقانيه، بموضع يعرف بالأعمى، فانهزم عبد الله عن أخيه الحسين ثم بعث الحسين الى السلطان يطلب الامان لنفسه فاعطى ذلك.

و لسبع بقين من جمادى الآخرة خلع على ابن دليل النصراني كاتب ابن ابى الساج و رسوله، و عقد ليوسف على اذربيجان و المراغه و حملت اليه الخلع، و امر بالشخوص الى عمله و للنصف من شعبان خلع على مؤنس الخادم، و امر بالشخوص الى طرسوس لغزو الروم، فخرج في عسكر كثيف و جماعه من القواد و كان مؤنس قد ثقل على صافى الحرمي، و أحب الا يجاوره ببغداد، فيسعى مع الوزير ابن الفرات في ابعاده، فاغزى في الصائفه، و ضم اليه ابو الأغر خليفه بن المبارك فلم يرضه مؤنس، و كتب الى المقتدر يذمه، فكتب اليه في الانصراف فانصرف، و حبس و اجتمع قول الناس بلا اختلاف بينهم، انه لم يكن في زمن ابى الأغر فارس للعرب و لا للعجم اشجع منه و لا اعظم ايدا و جلدا.

و حج بالناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك.

35

ثم دخلت‏

سنه سبع و تسعين و مائتين‏

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) في المحرم من هذا العام، ولد للمقتدر ابن فامر ان يكتب اسمه على الاعلام و التراس و الدنانير و الدراهم و السمات و لم يعش ذلك المولود.

و فيها ورد كتاب مؤنس الخادم على السلطان لست خلون من المحرم بانه ظهر على الروم في غزاته اليهم التي تقدم ذكرها في سنه ست و تسعين، و هزمهم و قتل منهم مقتله عظيمه و اسر لهم اعلاجا كثيره، و قرئ كتابه بذلك على العامه ببغداد، ثم قفل مؤنس منصرفا.

و في صفر من هذه السنه اخر طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث الصفار ايراد ما كان يلزمه من المال الموظف عليه من اموال فارس، و دافع به، فكتب سبكرى، غلام عمرو بن الليث، يتضمن حمل المال و ايراده، و استاذن في توجيه طاهر و اخويه اسرى الى باب السلطان، فأجيب الى ذلك، فاجتمع سبكرى و من والاه عليهم، و دارت بينهم حرب شديده، حتى استولى سبكرى على فارس و كرمان، و بعث بطاهر و اخويه الى السلطان فادخلوا في عماريات مكشوفة، و خلع على رسول سبكرى.

ثم ان الليث بن على بن الليث لما بلغه فعل سبكرى بطاهر و يعقوب ابنى محمد، غضب لذلك، و سار يريد فارس، فتلقاه سبكرى، و اقتتلا قتالا شديدا، فانهزم سبكرى، و قدم على السلطان يستمده، فندب مؤنس الخادم الى فارس، و ضم اليه زهاء خمسه آلاف من الأولياء و الغلمان، و كتب الى اصحاب المعاون بأصبهان و الاهواز و الجبل في معاونه مؤنس على محاربه الليث بن على، و اشخص معه الوزير ابن الفرات محمد بن جعفر العبرتاى، و ولاه الخراج و الضياع بفارس، فاحتاج الجند الى أرزاقهم، فوعدهم بها محمد بن جعفر فلم يرضوا وعده، و وثبوا عليه و نهبوا عسكره، و اصابته ضربه، و زعم بعض اصحاب مؤنس انه أخذ له مائه الف دينار

36

و في ليله الأربعاء لخمس خلون من شهر ربيع الآخر سنه سبع و تسعين ولد للمقتدر ابو العباس محمد الراضي بالله بدير حنيناء قبل طلوع الفجر.

و في ذي الحجه من هذا العام كانت بين مؤنس الخادم و بين الليث بن على حرب بناحيه النوبندجان، فهزم الليث و اصحابه، و اسر مؤنس الليث و أخاه اسماعيل و على بن حسين بن درهم و الفضل بن عنبر، و صاروا في قبضته، فحملهم بين يديه الى بغداد، و ادخل الليث على فيل، و من كان معه على جمال مشهورين، قد البسوا البرانس ثم حبسوا.

و فيها وجه المقتدر القاسم بن سيما غازيا في الصائفه الى الروم في جمع كثيف من الجند في شوال فغنم و سبى.

و فيها ولى ورقاء بن محمد الشيبانى امر السواد بطريق مكة فرفع المؤن عن الناس، و حسم عنها ضر الاعراب و ما كانوا يفعلونه في الطريق من السلب و القتل، و حسن اثر ورقاء هنالك، و لم يزل مقيما بتلك الناحية الى ان رجع الحاج مسلمين شاكرين لفعله فيهم.

و لجمادى الاولى من هذا العام ورد الخبر بان اركان البيت الأربعة غرقت في سيول كانت بمكة و غرق الطواف و فاضت بئر زمزم، و انه كان سيلا لم ير مثله في قديم الأيام و حديثها.

و في شوال منها توفى محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر المعروف بالصناديقى، و دفن في مقابر قريش، و صلى عليه القاضى احمد بن إسحاق بن البهلول.

و في شهر رمضان منها توفى يوسف بن يعقوب القاضى و محمد بن داود الاصبهانى الفقيه.

و ورد الخبر بوفاه عيسى النوشرى عامل مصر، فولى السلطان مكانه تكين الخاصة، و توجه من بغداد الى مصر.

و في شوال من هذه السنه توفى جعفر بن محمد بن الفرات أخو الوزير، و كان يلى ديوان المشرق و المغرب، فولى الوزير ابنه المحسن ديوان المغرب و ولى ابنه الفضل ديوان المشرق.

و في هذا العام توفى القاسم بن زرزور المغنى، و كان من الحذاق المجيدين، و اسن حتى قارب تسعين سنه.

و حج بالناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

37

ثم دخلت‏

سنه ثمان و تسعين و مائتين‏

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها قدم القاسم بن سيما من غزاه الصائفه الى الروم، و معه خلق كثير من الأسرى، و خمسون علجا قد حملوا على الجمال مشهورين، بأيدي جماعه منهم اعلام الروم، عليها صلبان الذهب و الفضه، و ذلك يوم الخميس لاربع عشر ليله بقيت من شهر ربيع الاول.

و فيها خالف سبكرى و التوى بما عليه، فندب لمحاربته وصيف كامه غلام الموفق، و شخص معه وجوه القواد، و فيهم الحسين بن حمدان و بدر غلام النوشرى و بدر الكبير المعروف بالحمامى، فواقعوا سبكرى في باب شيراز و هزموه، و أسروا القتال صاحبه و هرب بعض قواده عنه و فتق عسكره بماله و اثقاله الى ناحيه كرمان، و ورد الخبر بان سبكرى اسر، و كان الذى اسره سيمجور غلام احمد بن اسماعيل، ثم قدم وصيف كامه بالقتال صاحب سبكرى، فادخل على فيل و عليه برنس طويل، و بين يديه ثلاثة عشر أسيرا على الجمال، و عليهم دراريع و برانس من ديباج، فخلع على وصيف و سور و طوق بطوق ذهب منظوم بجوهر، ثم دخل سبكرى و حضر دخوله الوزير ابن الفرات و سائر القواد يوم الاثنين لإحدى عشر ليله بقيت من شوال، و كان قد حمل على فيل و شهر ببرنس طويل، و بين يديه الكرك و من يضرب بالصنوج، و خلفه الليث بن على على فيل آخر، فخلع على ابن الفرات و حمل و كان يوما مشهودا.

و حدث محمد بن يحيى الصولي انه شهد هذا اليوم قال: فتذكرت فيه حديثا كان حدثناه صافى الحرمي يوم بويع فيه المقتدر بالله، قال صافى: رايت الخليفة المقتدر بالله و هو صبى في حجر المعتضد، و المعتضد ينظر في دفتر كان كثيرا ما ينظر فيه، و هو يضرب على كتف المقتدر، و يقول له: كأني بملوك فارس قد ادخلوا إليك على الفيله و الجمال، عليهم البرانس، و كان صافى يوم بيعه المقتدر يحدث بهذا، و يدعو الى الله ان يحقق هذا القول‏

38

و فيها وردت على المقتدر هدايا من خراسان أنفذها اليه احمد بن اسماعيل بن احمد، فيها غلمان على دوابهم و خيولهم و ثياب و مسك كثير و بزاه و سمور و طرائف، لم يعهد بمثلها فيما اهدى من قبل.

و فيها جلس ابن الفرات الوزير لكتاب العطاء، فحاسبهم و اشرف لهم على خيانة نحو مائه الف دينار، فورى عن الأمر قليلا إذ كان كتابه منهم، و استخرج ما وجد من المال في رفق و ستر.

و في جمادى الآخرة من هذا العام فلج عبد الله بن على بن ابى الشوارب القاضى، فامر المقتدر ابنه محمد بن عبد الله بتولى امور الناس خليفه لأبيه، حتى يظهر حاله و ما يكون من علته فنظر كما كان ينظر أبوه، و انفذ الأمور مثل تنفيذه‏

39

ثم دخلت‏

سنه تسع و تسعين و مائتين‏

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)

[أخبار متفرقة]

فمن ذلك غزوه رستم الصائفه من ناحيه طرسوس، و هو والى الثغور، فحاصر حصن مليح الأرميني، ثم دخل عليه و احرق ارباض ذي الكلاع.

و فيها ورد رسول احمد بن اسماعيل بكتاب منه الى السلطان بانه فتح سجستان، و ان اصحابه دخلوها و اخرجوا من كان فيها من اصحاب الصفار، و ان المعدل بن على ابن الليث صار اليه بمن معه من اصحابه في الامان، و كان المعدل يومئذ مقيما معهم بزرنج، و صار الى احمد بن اسماعيل و هو مقيم ببست و الرخج، فوجه به احمد و بعياله و من معه الى هراة، و وردت الخريطة بذلك على السلطان يوم الاثنين لعشر خلون من صفر.

و فيها وافى بغداد العطير صاحب زكرويه و معه الأغر، و هو احد قواد زكرويه مستأمنا

. ذكر القبض على ابن الفرات‏

و في ذي الحجه غضب المقتدر على وزيره على بن محمد بن الفرات لاربع خلون منه، و حبس و وكل بدوره، و أخذ كل ما وجد له و لأهله، و انتهبت دوره اقبح نهب، و فجر الشرط بنسائه و نساء اهله، و كان ادعى عليه انه كتب الى الاعراب بان يكبسوا بغداد في خبر طويل.

و استوزر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان فكانت وزارة ابن الفرات ثلاث سنين و ثمانية اشهر و اثنى عشر يوما، و طولب ابن الفرات بأمواله و ذخائره، فاجتمع منها مع ودائع كانت له سبعه آلاف الف دينار- فيما حكى عن الصولي- و كان مشاهدا و مشرفا على اخبارهم‏

40

قال: و ما سمعنا بوزير جلس في الوزارة و هو يملك من العين و الورق و الضياع و الأثاث ما يحيط بعشره آلاف الف غير ابن الفرات.

قال: و كانت له اياد جليله و فضائل كثيره قد ذكرتها في كتاب الوزراء قال و لم ير وزير اودع وجوه الناس من الأموال ما اودع ابن الفرات من قبل ولايته الوزارة، و كانت غلته تبلغ الف الف دينار و لم يمسك الناس ببغداد عن انتقاص ابن الفرات و هجوه مع حسن آثاره، و احضر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان دار المقتدر في الوقت الذى ضم فيه على ابن الفرات، فقلد الوزارة، و انصرف الى منزله بباب الشماسيه في طيار، و ركب يوم الخميس بعده، فخلع عليه و حمل و قلد سيفا.

و قيل ان السبب في ولايته كان بعناية أم ولد المعتضد بامره على ان ضمن لها مائه الف دينار، و قوى امره عندها رياء كان يظهره و كان الخدم من الدار يأتونه بالكتب، فلا يكلم الواحد منهم الا بعد مائه ركعة يصليها، فكانوا ينصرفون بوصفه و ما رأوا منه، و خلع على ابنه عبد الله بن محمد لخلافه ابيه، و استبدل بالعمال، و عزل كل من كان خطوطه الى على بن الفرات و آله.

و في هذه السنه مات وصيف موشجير يوم الخميس لاربع عشره ليله بقيت من شهر رمضان.

و فيها مات الخرقى المحدث.

و حج بالناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك.

41

ثم دخلت‏

سنه ثلاثمائة

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها امر جعفر المقتدر برفع مطالبه المواريث عن الناس، و ان يورث ذوو الارحام، و لا يعرض لأحد في ميراث الا لمن صح انه غير وارث و كان الناس من قبل ذلك في بلاء و تعلل متصل من المستخرجين و العاملين.

و فيها اخرج محمد بن إسحاق بن كنداجيق بعض اصحابه لمحاربه قوم من القرامطة جاءوا الى سوق البصره، فعاثوا بها، و بسطوا ايديهم و أسيافهم على الناس فيها، فلما واقفهم اصحاب ابن كنداجيق، صدمهم القرامطة صدمه شديده حتى هزموهم، و قتل من اصحاب ابن كنداجيق جماعه، و كان محمد بن إسحاق قد خرج كالممد لهم، فلما بلغه امرهم و شده شوكتهم انصرف مبادرا الى المدينة، فانهض السلطان محمد بن عبد الله الفارقى في رجل كثير معونه لابن كنداجيق و مددا له فأقاما بالبصرة و لم يتعرضا لمحاربه.

و في شعبان من هذه السنه قبض على ابراهيم بن احمد الماذرائى، و على ابن أخيه محمد بن على بن احمد، فطالبهم ابو الهيثم بن ثوابه بخمسمائة الف، فجملوا منها خمسين ألفا الى بيت المال، و صانعوا الوزير ابن خاقان و ابنه و ابن ثوابه بمال كثير، و صادر ابن ثوابه جماعه على مائه الف دينار، فحمل منها ابن الجصاص عشرين ألفا، و فرضت البقية على جماعه، منهم ابن ابى الشوارب القاضى و غيره.

و ظهر في هذا العام ضعف امر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان الوزير، و تغلب ابنه عبد الله عليه و تحكمه في الأمور دونه، و كثر التخليط من محمد في رايه و جميع امره، فكان يولى العمل الواحد جماعه في اسبوع من الأيام، و تقدم بالمصانعات حتى قلد عماله بادوريا في احد عشر شهرا احد عشر عاملا، و كان يدخل الرجل الذى قد عرفه دهرا طويلا فيسلم عليه فلا يعرفه، حتى يقول له: انا فلان ابن فلان، ثم يلقاه بعد ساعه فلا يعرفه‏

42

و فيها ورد الخبر بانخساف جبل بالدينور، يعرف بالتل و خروج ماء كثير من تحته غرقت فيه عده من القرى، و ورد الخبر أيضا بانخساف قطعه عظيمه من جبل لبنان و سقوطها الى البحر، و كان ذلك حدثا لم ير مثله.

و فيها ورد كتاب صاحب البريد بالدينور، يذكر ان بغله هناك وضعت فلوه و نسخه كتابه:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الموقظ بعبره قلوب الغافلين، و المرشد بآياته الباب العارفين، الخالق ما يشاء بلا مثال، ذلك الله البارئ المصور في الارحام ما يشاء و ان الموكل بخبر التطواف بقرماسين رفع يذكر ان بغله لرجل يعرف بابى برده من اصحاب احمد بن على المري وضعت فلوه، و يصف اجتماع الناس لذلك، و تعجبهم لما عاينوا منه، فوجهت من أحضرني البغله و الفلوه فوجدت البغله كمتاء خلوقيه و الفلوه سويه الخلق تامه الأعضاء منسدله الذنب سبحان الملك القدوس لا معقب لحكمه و هو سريع الحساب.

و كان المقتدر لما راى عجز محمد بن عبيد الله الوزير و تبلده قد انفذ احمد بن العباس أخا أم موسى الهاشمية الى الاهواز، ليقدم باحمد بن يحيى المعروف بابن ابى البغل ليوليه الوزارة، فخرج اليه، و اقبل به حتى صار بواسط، فلما قرب من دار السلطان سلم احمد بن العباس على احمد بن محمد بالوزارة، و حمل اليه ثلاثة آلاف دينار، فاتصل الخبر بمحمد بن عبيد الله الوزير من قبل حاشيته و عيونه، فركب الى الدار، و صانع جماعه من الخدم و الحرم، و ضمن لام ولد المعتضد التي كانت عنيت بولايته في أول امره خمسين الف دينار، فنقضت امر ابن ابى البغل، و رد واليا على فارس.

و في شوال من هذا العام توفى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، و كان اكثر الناس أدبا و جلاله و فهما و مروءة، و هو ابن احدى و ثمانين سنه، و صلى عليه احمد بن عبد الصمد الهاشمى، و دفن في مقابر قريش و فيها مات ابو الفضل عبد الواحد بن الفضل بن عبد الوارث يوم السبت لسبع بقين من ذي الحجه.

و اقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك بن عبد الله الهاشمى.

43

ثم دخلت‏

سنه احدى و ثلاثمائة

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) ففيها وافى بغداد على بن عيسى بن داود بن الجراح مقدمه من مكة، و ذلك يوم الاثنين لعشر خلون من المحرم، فمضى به من فوره الى دار المقتدر، فقلد الوزارة و خلع عليه لولايتها، و قلد سيفا، و قبض على محمد بن عبيد الله و ابنيه عبد الله و عبد الواحد فحبسوا و كانوا قد ركبوا في ذلك النهار الى الدار، و وعدوا بان يخلع عليهم و يسلم على بن عيسى اليهم، فسلموا اليه، و وقع الأمر بضد ما ظنوه، و قعد على ابن عيسى لمحمد بن عبيد الله و ناظره فقال له: اخربت الملك، و ضيعت الأموال، و وليت بالعناية، و صانعت على الولايات بالرشوة، و زدت على السلطان اكثر من الف الف دينار في السنه، فقال: ما كنت افعل الا ما أراه صوابا و كان محمد بن عبيد الله فيما ذكر من تسناه يأخذ المصانعات على يدي ابى الهيثم بن ثوابه، و لا يفى بعهد لكل من صانعه برشوه، حتى قيلت فيه اشعار كثيره منها:

وزير ما يفيق من الرقاعه* * * يولى ثم يعزل بعد ساعه‏

إذا اهل الرشا صاروا اليه* * * فاحظى القوم أوفرهم بضاعة

و ليس بمنكر ذا الفعل منه* * * لان الشيخ افلت من مجاعه‏

و كان محمد بن عبيد الله قبل ان يستحيل به الحال فيما ذكر اهل الخبر.

و حسن الرأي فيه ذا دهاء و عقل، و كان ابنه عبد الله كاتبا بليغا حسن الكلام مليح اللفظ حسن الخط، جوادا يعطى العطايا الجزيله، و يقدم الأيادي الجليله، وصل عبد الله بن حمدون من ماله في مده ولايته بتسعين الف دينار الى ما وصل به غيره، و اعطاه كثيرا ممن كان امله.

و في هذه السنه رضى عن القاضى محمد بن يوسف، و قلد الشرقيه، و عسكر المهدى و خلع عليه دراعه و طيلسان و عمامة سوداء، و ركب من دار الخليفة الى مسجد الرصافه، فصلى ركعتين، ثم قرئ عليه عهده بالولاية

44

و فيها ورد الخبر بوثوب ابى الهيجاء عبد الله بن حمدان بالموصل و معه جماعه من الأكراد، و كانوا أخواله لان أمه كرديه، و اغاث الجند اهل الموصل، فقتلت بينهم مقتله عظيمه، و صار ابو الهيجاء الى الأكراد، و تامر عليهم كالخالع للطاعة.

و تظلم اهل البصره من عاملهم محمد بن إسحاق بن كنداج، و شكوا به الى على ابن عيسى الوزير، فعزله عنهم بعد ان استامر فيه المقتدر لئلا يستبد بالرأي دونه، و ولى البصره نجحا الطولونى، ثم ولى محمد بن إسحاق بن كنداج الدينور، و ولى سليمان بن مخلد ديوان الدار، و كتابه غريب خال المقتدر، و ولى على بن عيسى ابراهيم أخاه ديوان الجيش، و استخلف عليه سعيد بن عثمان و الحسين بن على.

و في شهر ربيع الآخر من هذه السنه دخل مؤنس الخادم مدينه السلام، و معه ابو الهيجاء قد اعطاه أمانا فخلع على مؤنس و عليه.

و قلد نصر القشورى مع الحجابه التي كان يتولاها ولايه السوس و جندى‏سابور و مناذر الكبرى و مناذر الصغرى، فاستخلف على جميع ذلك يمنا الهلالي الخادم.

و في هذه السنه اغارت الاتراك على المسلمين بخراسان، فسبت منهم نحو عشرين ألفا، الى ما ذهبت به من الأموال و قتلت من الرجال، فخرج اليهم احمد بن اسماعيل، و كان واليها في جيوش كثيره، و اتبعهم فقتل منهم خلقا كثيرا و استنقذ بعض الأسرى، و اوفد الى السلطان رجلا شيخا يعرف بالحمادى يستحمد اليه بفعله بالاتراك، و يخطب اليه شرطه مدينه السلام و اعمال فارس و كرمان فأجيب الى كرمان وحدها و كتب له بها كتاب عهد.

و في جمادى الآخرة من هذه السنه اطلق محمد بن عبيد الله الذى كان وزيرا و ابنه عبد الله و امرا بلزوم منازلهما.

و فيها خلع على القاسم بن الحر و ولى سيراف، و خلع على على بن خالد الكردى، و ولى حلوان.

و في هذه السنه ركب ابو العباس محمد بن المقتدر من القصر المعروف بالحسنى، و بين يديه لواء عقده له أبوه المقتدر على المغرب، و معه القواد كلهم، و الغلمان الحجريه و جماعه الخدم حول ركابه، و على بن عيسى عن يمينه و مؤنس الخادم عن يساره و نصر الحاجب بين يديه، فسار في الشارع الأعظم، و رجع في الماء و الناس معه،

45

فاعترضه رجل بمربعه الحرشي، فنثر عليه دراهم مسيفه، و قال له: بحق امير المؤمنين الا أذنت لي في طلى الفرس بالغالية، فوقف له و جعل الرجل يطلى وجه الفرس، فنفر منه، و قيل له: دع وجهه، و اطل سائر بدنه، فاقبل يطلى عرف الفرس و قوائمه بالغالية، فقال محمد بن المقتدر لمن حوله: اعرفوا لنا هذا الرجل.

و في هذه السنه قلد ابو بكر محمد بن على الماذرائى اعمال مصر و الاشراف على اعمال الشام و تدبير الجيوش، و خلع عليه، و ذلك يوم الخميس للنصف من شهر رمضان و خلع في هذا النهار أيضا على القاسم بن سيما، و عقد له على الإسكندرية و اعمال برقه.

و في هذه السنه في جمادى الآخرة، ورد الخبر بوفاه على بن احمد الراسبى، و كان يتقلد جندى‏سابور و السوس و ماذرايا الى آخر حدودها، و كان يورد من ذلك الف الف دينار و أربعمائة الف دينار في كل سنه، و لم يكن معه احد يشركه في هذه الاعمال من اصحاب السلطان لأنه تضمن الحرب و الخراج و الضياع و الشحنه و سائر ما في عمله، فتخلف- فيما وردت به الاخبار- من العين الف الف دينار و من آنيه الذهب و الفضه قيمه مائه الف دينار و من الخيل و البغال و الجمال الف راس، و من الخز الرفيع الطاقي ازيد من الف ثوب، و كان مع ذلك واسع الضيعه كثير الغلة و كان له ثمانون طرازا ينسج له فيها الثياب من الخز و غيره فلما ورد الخبر بوفاه الراسبى، انفذ المقتدر عبد الواحد بن الفضل بن وارث في جماعه من الفرسان و الرجاله لحفظ ماله الى ان يوجه من ينظر فيه، ثم وجه مؤنس الخادم للنظر في ذلك، فيقال: انه صار اليه منه مال جليل، و خلع على ابراهيم بن عبد الله المسمعي، و ولى النظر في دور الراسبى.

و توفى مؤنس الخازن يوم الأحد لثمان بقين من شهر رمضان، و لم يتخلف احد عن جنازته من الرؤساء، و صلى عليه القاضى محمد بن يوسف، و دفن بطرف الرصافه، و كان جليل القدر عند السلطان، فلما مات قلد ابنه الحسن ما كان يتولاه من عرض الجيوش، فجلس و نظر، و عاقب و اطلق، و فرق سائر الاعمال التي كانت الى مؤنس‏

46

على جماعه من القواد الذين كانوا في رسمه، و ضم اصحابه الى ملازمه ابى العباس بن المقتدر، و لم يخلع على الحسن بن مؤنس للولاية مكان ابيه، فعلم ان ولايته لا تتم و عزل بعد شهرين، و عزل محمد بن عبيد الله بن طاهر و كان خليفته على الجانب الشرقى، و قدم مكانه بدر الشرابي، و عزل خزرى بن موسى خليفه مؤنس على الجانب الغربي و ولى مكانه إسحاق الاشروسنى، و ولى شفيع اللؤلؤى البريد و سمى شفيعا الاكبر.

و ورد الخبر في شعبان بان احمد بن اسماعيل بن احمد صاحب خراسان قتله غلمانه غيله على فراشه، و كان قد اخاف بعضهم فتواطئوا على قتله ثم اجتمع سائر غلمانه فضبطوا الأمر و بايعوا لابنه نصر بن احمد و ورد كتابه على المقتدر يسأله تجديد العهد له، و وردت كتب عمومته و بنى عمه يسال كل واحد منهم ناحيه من نواحي خراسان، فافرد الخليفة بالولاية ابنه و تم له الأمر.

قال الصولي: شهدت في هذا العام بين يدي محمد بن عبيد الله الوزير مناظره كانت بين ابن الجصاص و ابراهيم بن احمد الماذرائى، فقال ابراهيم بن احمد الماذرائى في بعض كلامه: لابن الجصاص مائه الف دينار من مالي صدقه، لقد ابطلت في الذى حكيته و كذبت! فقال له ابن الجصاص: قفيز دنانير من مالي صدقه، لقد صدقت انا و ابطلت أنت، فقال له ابن الماذرائى: من جهلك انك لا تعلم ان مائه الف دينار اكثر من قفيز دنانير، فعجب الناس من كلامهما قال الصولي: و انصرفت الى ابى بكر بن حامد فخبرته الخبر، فقال: نعتبر هذا بمحنه، فاحضر كيلجه و ملاها دنانير ثم وزنها فوجد فيها اربعه آلاف دينار، فنظرنا فإذا القفيز سته و تسعون الف دينار كما قال الماذرائى.

و في هذه السنه مات ابو بكر جعفر بن محمد المعروف بالفاريابى المحدث، لاربع بقين من المحرم و صلى عليه ابنه و دفن في مقابر الشونيزيه و فيها توفى عبد الله بن محمد بن ناجيه المحدث و كان مولده سنه عشر و مائتين.

و فيها مات الحسن بن الحسن بن رجاء، و كان يتقلد اعمال الخراج و الضياع بحلب، مات فجاءه، و حمل تابوته الى مدينه السلام، و وصل يوم السبت لخمس‏

47

بقين من شهر ربيع الاول.

و فيها مات محمد بن عبد الله بن على بن ابى الشوارب القاضى المعروف بالأحنف، و كان خليفه ابيه على قضاء عسكر المهدى و الشرقيه و النهروانات و الزوابي و التل و قصر ابن هبيرة و البصره و كور دجلة و واسط و الاهواز، و دفن يوم الأحد لتسع ليال خلون من جمادى الاولى في حجره بمقام باب الشام و له ثمان و ثلاثون سنه و في هذه السنه بعد قتل احمد بن اسماعيل ورد الخبر بان رجلا طالبيا حسينيا خرج بطبرستان يدعو الى نفسه يعرف بالأطروش.

و في آخر هذه السنه توفى احمد بن عبد الصمد بن طومار الهاشمى، و كان من قبل نقيب بنى هاشم العباسيين و الطالبيين، فقلد ما كان يتقلده أخو أم موسى، فضج الهاشميون من ذلك، و سألوا رد ما كان يتولاه ابن طومار الى ابنه محمد بن احمد، فأجيبوا الى ذلك، و كان لأحمد بن عبد الصمد يوم توفى اثنتان و ثمانون سنه.

و اقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

48

ثم دخلت‏

سنه اثنتين و ثلاثمائة

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها ركب شفيع الخادم المعروف بالمقتدرى في جماعه من الجند و الفرسان و الرجال الى دار الحسين بن احمد المعروف بابن الجصاص، التي في سوق يحيى، و لحقه صاحب الشرطه بدر الشرابي، فوكل شفيع بالأبواب و قبض على جميع ما تحويه داره من مال و جوهر و فرش و اثاث و رقيق و دواب، و حمل في وقته ذلك صناديق مختومه، ذكر ان فيها جوهر و آنيه ذهب، و وجد في داره فرشا سلطانيا من فرش أرمينية و طبرستان جليلا لا يعرف قدره، و وجد فيها من مرتفع ثياب مصر خمسمائة سفط و حفرت داره فوجدت له في بستانه اموال جليله مدفونة في جرار خضر و قماقم مرصصه الرءوس، فحملت كهيئتها الى دار المقتدر، و أخذ هو فقيد بخمسين رطلا من حديد و غل، و تسمع الناس ما جرى عليه، فصودر على مائه الف دينار بعد هذا كله، و اطلق الى منزله.

و قال ابو الحسن بن عبد الحميد كاتب السيده: ان الذى صح مما قبض من مال الحسين بن احمد بن الجصاص الجوهري من العين و الورق و الانيه و الثياب و الفرش و الكراع و الخدم- لا ثمن ضيعه في ذلك و لا ثمن بستان- ما قيمته سته آلاف الف دينار.

و في هذه السنه في رجب ورد كتاب محمد بن على الماذرائى الى السلطان من مصر يزعم ان وقعه كانت بين اصحاب السلطان و بين جيش القيروان فقتل من اصحاب الشيعى سبعه آلاف و اسر نحوهم، و انهزم من بقي منهم، و مضوا على وجوههم، فمات اكثرهم قبل وصولهم الى برقه، و وردت كتب التجار بدخول الشيعة برقه، و عظم ما أحدثوا في تلك الناحية، و ان الغلبه انما كانت لهم‏

49

قال الصولي: و فيها جلس على بن عيسى للمظالم في كل يوم ثلاثاء، فحضرته يوما، و قد جي‏ء برجل يزعم انه نبى، فناظره فقال: انا احمد النبي، و علامتي ان خاتم النبوه في ظهري، ثم كشف عن ظهره فإذا سلعه صغيره، فقال له: هذه سلعه الحماقة، و ليست بخاتم النبوه، ثم امر بصفعه و تقييده و حبسه في المطبق.

و في شهر رمضان من هذه السنه وافى باب الشماسيه قائد من قواد صاحب القيروان يقال له ابو جده، و معه من اصحابه مائتا فارس، نازعين الى الخليفة فاحضر القائد دار السلطان، و خلع عليه، و اخرج هو و اصحابه الى البصره ليكونوا مع محمد بن إسحاق بن كنداج.

و فيها اطلق المقتدر من سجنه الصفاري المعروف بالقتال، خلع عليه، و اقطعه دارا ينزلها و اجرى عليه الرزق، و امره بحضور الدار في يومى الموكب مع الأولياء، و اطلق أيضا محمد بن الليث الكردى و خلع عليه، و هو ممن ادخل مع الليث، و طوف على جمل.

و فيها جاء رجل حسن البزة طيب الرائحة الى باب غريب خال المقتدر، و عليه دراعه و خف احمر و سيف جديد بحمائل، و هو راكب فرسا و معه غلام، فاستأذن للدخول، فمنعه البواب، فانتهره و اغلظ عليه، و نزل فدخل، ثم قعد الى جانب الخال، و سلم عليه بغير الإمرة، فقال له غريب و قد استبشع امره: ما تقول اعزك الله؟ قال: انا رجل من ولد على بن ابى طالب، و عندي نصيحه للخليفة لا يسعني ان يسمعها غيره، و هي من المهم الذى ان تأخر وصولي اليه حدث امر عظيم.

فدخل الخال الى المقتدر و الى السيده، و اعلمهما بامره، فبعث في الوزير على بن عيسى و احضر الخال الرجل، فاجتهد الوزير و الحاجب نصر و الخال ان يعلمهم النصيحه ما هي، فأبى حتى ادخل الى الخليفة، و أخذ سيفه، و ادنى منه، و تنحى الغلمان و الخدم، فاخبر المقتدر بشي‏ء لم يقف عليه احد، ثم امره بالانصراف الى منزل اقيم له و خلع عليه ما يلبسه، و وكل به خدم يخدمونه، و امر المقتدر ان يحضر ابن طومار نقيب الطالبيين و مشايخ آل ابى طالب، فيسمعون منه و يفهمون امره، فدخلوا عليه و هو

50

على برذعه طبرية مرتفعه، فما قام الى واحد منهم، فسأله ابن طومار عن نسبته فزعم انه محمد بن الحسن بن على بن موسى بن جعفر الرضا و انه قدم من البادية، فقال له ابن طومار: لم يعقب الحسن- و كان قوم يقولون انه اعقب، و قوم قالوا لم يعقب- فبقى الناس في حيره من امره، حتى قال ابن طومار: هذا يزعم انه قدم من البادية و سيفه جديد الحلية و الصنعه، فابعثوا بالسيف الى دار الطاق، و سلوا عن صانعه و عن نصله، فبعث به الى اصحاب السيوف بباب الطاق، فعرفوه و احضروا رجلا ابتاعه من صيقل هناك، فقيل له: لمن ابتعت هذا السيف؟ فقال:

لرجل يعرف بابن الضبعى، كان أبوه من اصحاب ابن الفرات، و تقلد له المظالم بحلب، فاحضر الضبعى الشيخ، و جمع بينه و بين هذا المدعى الى بنى ابى طالب فاقر بانه ابنه، فاضطرب الدعي و تلجج في قوله، فبكى الشيخ بين يدي الوزير حتى رحمه و وعده بان يستوهب عقوبته و يحبسه او ينفيه، فضج بنو هاشم، و قالوا: يجب ان يشهر هذا بين الناس، و يعاقب أشد عقوبة، ثم حبس الدعي، و حمل بعد ذلك على جمل، و شهر في الجانبين يوم الترويه و يوم عرفه، ثم حبس في حبس المصريين بالجانب الغربي.

و في هذه السنه اضطرب امر خراسان لما قتل احمد بن اسماعيل، و اشتغل نصر بن احمد والده بمحاربه عمه، و دارت بينهما فتوق، فكتب احمد بن على المعروف بصعلوك، و كان يلى الري من قبل احمد بن اسماعيل ايام حياته الى المقتدر، و وجه اليه رسولا يخطب اليه اعمال الري و قزوين و جرجان و طبرستان، و ما يستضيف الى هذه الاعمال، و يضمن في ذلك مالا كثيرا، و عنى به نصر الحاجب، حتى انفذ اليه الكتب بالولاية، و وصله المقتدر من المال الذى ضمن بمائه الف درهم، و امر بمائده تقام له في كل شهر من شهور الأهلة بخمسه آلاف درهم، و اقطعه من ضياع السلطان بالري ما يقوم في كل سنه بمائه الف درهم.

و في هذه السنه ركب المقتدر الى الميدان، و ركب باثره على بن عيسى الوزير ليلحقه، فنفرت دابته و سقط سقطه مؤلمه، و امر الخليفة اصحاب الركاب باقامته،

51

و حمله على دابته، فانهضوه و حملوه، و قيلت فيه اشعار منها:

سقوطك يا على لكسف بال* * * و خزى عاجل و سقوط حال‏

فما قلنا لعا لك بل سررنا* * * و كان لما رجونا خير فال‏

أضعت المال في شرق و غرب* * * فلم يحظ الامام بجمع مال‏

قال: و كان على بن عيسى بخيلا، فابغضه الناس لذلك.

و وردت الاخبار بدخول صاحب إفريقية الإسكندرية و تغلبه على برقه و غيرها، و كتب تكين الخاصة والى مصر يطلب المدد، و يستصرخ السلطان، فعظم ذلك على المقتدر و رجاله و كانوا من قبل مستخفين بأمر عبيد الله الشيعى و بابى عبد الله القائم بدعوته، و كانوا قد فحصوا عن نسبه و مكانه، و باطن امره.

قال محمد بن يحيى الصولي: حدثنا ابو الحسن على بن سراج المصرى، و كان حافظا لاخبار الشيعة ان عبيد الله هذا القائم بإفريقية هو عبيد الله بن عبد الله بن سالم من اهل عسكر مكرم بن سندان الباهلى صاحب شرطه زياد، و من مواليه و سالم جده، قتله المهدى على الزندقة.

قال: و أخبرني غير ابن سراج ان جده كان ينزل بنى سهم من باهله بالبصرة، و كان يدعى انه يعرف مكان الامام القائم و له دعاه في النواحي، يجمعون له المال بسببه، فوجه الى ناحيه المغرب رجلا يعرف بابى عبد الله الصوفى المحتسب، فأرى الناس نسكا، و دعاهم سرا الى طاعه الامام، فافسد على زياده الله بن الاغلب القيروان، و كان عبيد الله هذا مقيما بسلميه مده، ثم خرج الى مصر فطلب بها، و ظفر به محمد ابن سليمان، فاخذ منه مالا، و اطلقه، ثم ثار المحتسب على ابن الاغلب و طرده عن القيروان، و قدم عليه عبيد الله، فقال المحتسب للناس: الى هذا كنت ادعو، و كان عبيد الله يعرف أول دخوله القيروان بابن البصرى، فأظهر شرب الخمر و الغناء، فقال المحتسب: ما على هذا خرجنا، و انكر فعله، فدس عليه عبيد الله رجلا من المغاربه يعرف بابن خنزير، فقتله، و ملك عبيد الله البلاد، و حاصر اهل طرابلس حتى فتحها، و أخذ اموالا عظيمه ثم ملك برقه و اقبل جيشه يريد مصر، و قدم ولد

52

عبيد الله الإسكندرية، و خطب فيها خطبا كثيره محفوظه، لو لا كفر فيها لاجتلبت بعضها.

و لما وردت الاخبار باستطاله صاحب القيروان بجهة مصر، انهض المقتدر مؤنسا الخادم و ندب معه العساكر، و كتب الى عمال اجناد الشام بالمصير الى مصر.

و كتب الى ابنى كيغلغ و ذكا الأعور، و ابى قابوس الخراسانى باللحاق بتكين لمحاربته.

و خلع على مؤنس في شهر ربيع الاول سنه ثنتين و ثلاثمائة و خرج متوجها الى مصر، و تقدم على بن عيسى الوزير بترتيب الجمازات من مصر الى بغداد ليروح عليه الاخبار في كل يوم، فورد الخبر بان جيش عبيد الله الخارج مع ابنه، و مع قائده حباسه انهزموا و بشر على بن عيسى بذلك المقتدر، فتصدق في يومه بمائه الف درهم، و وصل على ابن عيسى بمال عظيم، فلم يقبله ثم رجع على و قد باع له ابن ما شاء الله ضيعه باربعه آلاف دينار، و فرقها كلها شكرا لله عز و جل، و دخل مؤنس الخادم بالجيوش مصر في جمادى الآخرة، و قد انصرف كثير من اهل المغرب عن الإسكندرية و نواحيها، و انصرف ولد عبيد الله قافلا الى القيروان و كتب محمد بن على الماذرائى يذكر ضيق الحال بمصر و كثره الجيوش بها و ما يحتاج اليه من الأموال لها، فانفذ اليه المقتدر مائتي بدره دراهم على مائتي جمازه مع جابر بن اسلم صاحب شرطه الجانب الشرقى ببغداد.

و ورد الخبر من مصر في ذي القعده بان الاخبار تواترت عليهم بموت عبيد الله الشيعى فانصرف مؤنس يريد بغداد، و عزل المقتدر تكين عن مصر، و ولاه دمشق و نقل ذكا الأعور من حلب الى مصر.

و في هذه السنه صرف ابو ابراهيم بن بشر بن زيد أبا بكر الكريزى العامل عن اعمال قصر ابن هبيرة و نواحيه، فطالبه و ضربه بالمقارع حتى مات، و حمل الى مدينه السلام في تابوت.

و فيها مات القاسم بن الحسن بن الاشيب، و يكنى أبا محمد، و كان قد حدث و حمل عنه الناس توفى لليلتين بقيتا من جمادى الاولى، و لم يتخلف عن جنازته قاض و لا فقيه و لا عدل.

و فيها ماتت بدعه جاريه عريب مولاه المأمون لست خلون من ذي الحجه‏

53

و صلى عليها ابو بكر بن المهتدى، و خلفت مالا كثيرا و جوهرا و ضياعا و عقارات، فامر المقتدر بالله بقبض ذلك كله، و توفيت و لها ستون سنه ما ملكها رجل قط.

و قطع في هذه السنه بطريق مكة على حاتم الخراسانى و على خلق عظيم معه، خرج عليهم رجل من الحسينية مع بنى صالح بن مدرك الطائي، فأخذوا الأموال و استباحوا الحرم و مات من سلم عطشا، و سلمت القوافل غير قافلة حاتم.

و اقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

54

ثم دخلت‏

سنه ثلاث و ثلاثمائة

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها ورد الخبر بان رجلا من الطالبيين ثار بجهة واسط و انضم اليه جماعه من الاعراب و السواد، و كان للأعراب رئيس يقال له محرز بن رباح، و ذلك انه بلغهم بان صاحب فارس و الاهواز و البصره بعث الى حضره السلطان من المال المجتمع قبله ثلاثمائة الف دينار، حملت في ثلاث شذوات، فطمعوا في انتهابها و أخذها، و كمنوا للرسل في بعض الطريق، ففطن بهم اهل الشذوات، فافلتت منها واحده، و صاعدت، و رجعت الاثنتان الى البصره، و لم يظفر الخارجون بشي‏ء فصاروا الى عقر واسط، و أوقعوا بأهلها، و احرقوا مسجدها، و استباحوا الحرم و بلغ حامد بن العباس خبرهم، و كان يتقلد اعمال الخراج و الضياع بكسكر و كور دجلة و ما اتصل بذلك، فوجه من قبله محمد بن يوسف المعروف بخزرى، و كان يتقلد له معونه واسط، و ضم اليه غلمانه و قوما فرض لهم فرضا، و كتب الى السلطان بالخبر، فامده بلؤلؤ الطولونى، فلم يبلغ اليه لؤلؤ حتى قتل الطالبي و محرز بن رباح و اكثر الاعراب الخارجين معهما، و اسر منهم نحو مائه اعرابى، و كتب حامد بالفتح الى المقتدر، و بعث بالأسرى، فادخلوا مدينه السلام في جمادى الاولى و قد البسوا البرانس، و حملوا على الجمال، فضجوا و عجوا و زعم قوم منهم انهم براء، فامر المقتدر بردهم الى حامد ليطلق البري‏ء، و يقتل النطف، فقتلهم اجمعين على جسر واسط، و صلبهم.

و في هذه السنه في جمادى الاولى ورد الخبر بان الروم حشدوا و خرجوا على المسلمين، فظفروا بقوم غزاه من اهل طرسوس، و ظفرت طائفه منهم اخرى بخلق كثير من اهل مرعش و شمشاط، فسبوا من المسلمين نحوا من خمسين ألفا، و عظم الأمر في ذلك، و عم حتى وجه السلطان بمال و رجال الى ذلك الثغر، فدارت على الروم بعد ذلك وقعات كثيره‏

55

و فيها كانت لهارون بن غريب الخال جناية و هو سكران بمدينه السلام، على رجل من الخزر يعرف بجوامرد، و لقيه ليلا فضرب راسه بطبرزين كان في يده، فقتله بلا سبب، فشغب رفقاؤه الذين كان في جملتهم، و طلبوا هارون ليقتلوه، فمنع منهم و كانوا نحو المائه، فشكوا امره، و ترددوا طالبين لاخذ الحق منه، فلم ينظر لهم فلما أعوزهم ذلك، خرجوا باجمعهم الى عسكر ابن ابى الساج، و كان قد تحرك على السلطان، و انفذ اليه المقتدر رشيقا الحرمي ختن نصر الحاجب رسولا ليصرفه عن مذهبه، فحبسه ابن ابى الساج عند نفسه، و منعه ان يكتب كتابا الى المقتدر ثم انه اطلقه بعد ذلك، و بعث بهدايا و مال فرضى عنه.

و فيها عظم امر الحسين بن حمدان بنواحي الموصل، فانفذ اليه السلطان أبا مسلم رائقا الكبير، و كان اسن الغلمان المعتضديه و اعلاهم رتبه، و كان فيه تصاون و تدين و حسن عقل، فشخص و معه وجوه القواد و الغلمان، فحارب الحسين بن حمدان، و هو في نحو خمسه عشر ألفا، فقتل رائق من قواد ابن حمدان جماعه منهم الحسن بن محمد ابن أبا التركى، و كان فارسا شجاعا مقداما و ابو شيخ ختن ابن ابى مسعر الأرميني و وجه الحسين بن حمدان الى رائق جماعه يسأله ان يأخذ له الامان، و انما اراد ان يشغله بهذا عن محاربته، و مضى الحسين مصعدا و معه الأكراد و الاعراب و عشر عماريات، فيها حرمه و كان مؤنس الخادم قد انصرف من الغزاة و صار الى آمد، فوجه القواد و الغلمان في اثر الحسين، فلحقوه و قد عبر باصحابه و اثقاله واديا، و هو واقف يريد العبور في خمسين فارسا، و معه العماريات، فكابرهم حتى اخذوه أسيرا، و سلم عياله و أخذ ابنه ابو الصقر أسيرا فلما راى الأكراد هذا عطفوا على العسكر فنهبوه و هرب ابنه حمزه و ابن أخيه ابو الغطريف، و معهما مال، ففطن بهما عامل آمد، و كان العامل سيما غلام نصر الحاجب، فاخذ ما معهما من المال و حبسهما.

ثم ذكر ان أبا الغطريف مات في الحبس، فاخذ راسه، و كان الظفر بحسين بن حمدان يوم الخميس للنصف من شعبان، و رحل مؤنس يريد بغداد، و معه الحسين ابن حمدان و اخوته على مثل سبيله، و اكثر اهله، فصير الحسين على جمل مصلوبا على‏

56

نقنق، و تحته كرسي، و يدير النقنق رجل، فيدور الحسين من موقفه يمينا و شمالا، و عليه دراعه ديباج سابغه قد غطت الرجل الذى يدير النقنق، ما يراه احد، و ابنه الذى كان هرب من مدينه السلام ابو الصقر قد حمل بين يديه على جمل، و عليه قباء ديباج و برنس، و كان قد امتنع من وضع البرنس على راسه، فقال له الحسين: البسه يا بنى فان اباك البس البرانس اكثر هؤلاء الذين تراهم- و أومأ الى القتال و جماعه من الصفاريه- و نصبت القباب بباب الطاق، و ركب ابو العباس محمد بن المقتدر بالله و بين يديه نصر الحاجب، و معه الحربه و خلفه مؤنس و على بن عيسى و اخوه الحسين خلف جمله عظيمه، عليهم السواد في جمله الجيش.

و لما صار الحسين بسوق يحيى قال له رجل من الهاشميين: الحمد لله الذى امكن منك، فقال له الحسين: و الله لقد امتلأت صناديقى من الخلع و الالويه، و افنيت أعداء الدولة، و انما اصارنى الى هذا الخوف على نفسي، و ما الذى نزل بي الا دون ما سينزل بالسلطان إذا فقد من اوليائه مثلي و بلغ الدار و وقف بين يدي المقتدر بالله، ثم سلم الى نذير الحرمي فحبسه في حجره من الدار، و شغب الغلمان و الرجاله يطلبون الزيادة، و منعوا من الدخول على مؤنس او على احد من القواد، و مضوا الى دار على بن عيسى الوزير، فاحرقوا بابه، و ذبحوا في اصطبله دوابه و عسكروا بالمصلى ثم سفر بالأمر بينهم، فدخلوا و اعترفوا بخطئهم و كان الغلمان سبعمائة، و كان الرجاله خلقا كثيرا، فوعدهم مؤنس الزيادة، فزيدوا شيئا يسيرا، فرضوا.

و في آخر شهر رمضان ادخل خمسه نفر أسارى من اصحاب الحسين، فيهم حمزه ابنه و رجل يقال له على بن الناجى لثلاث بقين من هذا الشهر، ثم قبض على عبيد الله و ابراهيم ابنى حمدان، و حبسا في دار غريب الخال ثم أطلقا.

و في هذه السنه في صفر قلد ورقاء بن محمد الشيبانى معونه الكوفه و طريق مكة، و عزل عن الكوفه إسحاق بن عمران، و كان عقده على طريق مكة و قصبه الكوفه و اربعه من طساسيجها: طسوج السيلحين، و طسوج فرات بادقلا، و طسوج بابل و خطرنيه و الخرب، و طسوج سورا، و خلع عليه و عقد له لواء

57

و في هذه السنه اغلظ على بن عيسى لأحمد بن العباس أخي أم موسى، و قال له:

قد افنيت مال السلطان ترتزق في كل شهر من شهور الأهلة سبعه آلاف دينار، و كتب رقعه بتفصيلها، فلم تزل أم موسى ترفق لعلى بن عيسى الى ان امسك عنه.

و في هذه السنه نظر على بن عيسى بعين رايه الى امر القرامطة فخافهم على الحاج و غيرهم، فشغلهم بالمكاتبة و المراسله و الدخول في الطاعة، و هاداهم و اطلق لهم التسوق بسيراف، فردهم بذلك و كفهم، فخطاه الناس فلما عاينوا بعد ذلك ما فعله القرامطة حين احرجوا، علموا ان الذى فعله على صواب كله و شنع على على بن عيسى بهذا السبب انه قرمطى، و وجد حساده السبيل الى مطالبته بذلك، و كان الرجل ارجح عقلا، و احسن مذهبا من الدخول فيما نسب اليه.

و في هذه السنه مات ابو الهيثم بن ثوابه الاكبر بالكوفه في الحبس بعد ان أخذ منه إسحاق بن عمران مالا جليلا للسلطان و لنفسه و قيل انه احتال في قتله خوف ان يقر عليه يوما بما أخذ منه لنفسه.

و فيها مات الفضل بن يحيى بن فرخان شاه الديراني النصراني من ديرقنا فقبض السلطان على جميع املاكه، و كانت له عند رجل مائه و خمسون الف دينار، فأخذت من الرجل، و وجه شفيع المقتدرى و معه غلمان و خدم الى قنا فاحصوا تركته و ضياعه.

و فيها مات ادريس بن ادريس العدل في القادسية و هو حاج الى مكة، و كان امره قد علا في التجارة و المكانه عند السلطان، و كان يحج في كل سنه، و يحمل معه مالا ينفقه على من احتاج الى النفقة قال محمد بن يحيى الصولي: انا سمعته يوما يقول: يلزمني كل سنه في الحج نفقه غير ما اصرفه في أبواب البر خمسه آلاف دينار.

و فيها مات ابو الأغر السلمى فجاءه لسبع خلون من ذي الحجه قال نصف النهار بعد ان تغدى ثم حرك للصلاة فوجد ميتا.

و اقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

58

ثم دخلت‏

سنه اربع و ثلاثمائة

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)

[مخالفة خالد ابن محمد الشعراني المعروف بابى يزيد على السلطان‏]

و في المحرم من هذه السنه ورد كتاب صاحب البريد بكرمان يذكر ان خالد ابن محمد الشعراني المعروف بابى يزيد- و كان على بن عيسى الوزير ولاه الخراج بكرمان و سجستان- خالف على السلطان، و دعى أميرا، و جمع الناس الى نفسه، و ضمن لهم الأموال على ان ينهضوا معه لمحاربه بدر الحمامي صاحب فارس، و ضمن القواد كانوا معه مالا عظيما، و عجل لهم منه بعضه حتى اجتمع له نحو عشره آلاف فارس و راجل، و كان ضعيف الرأي ناقص القريحه، فكتب المقتدر الى بدر الحمامي في انفاذ جيش اليه و معاجلته، فوجه اليه بدر قائدا من قواده يعرف بدرك و ضم اليه من جنده و رجال فارس عسكرا كثيرا، و كتب بدر قبل انفاذ الجيش الى ابى يزيد الشعراني يرغبه في الطاعة، و يتضمن له العافيه، مع الانهاض في المنزله، و خوفه و بال المعصية، فجاوبه ابو يزيد: و الله ما اخافك لانى فتحت المصحف فبدر الى منه قول الله عز و جل: لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى‏ و مع ذلك ففي طالعى كوكب بيبانى لا بد ان يبلغني غاية ما اريد، فانفذ بدر الجيش اليه، و حوصر حتى أخذ أسيرا فقيلت فيه اشعار منها:

يا با يزيد قائل البهتان* * * لا تغترر بالكوكب البيبانى‏

و اعلم بان القتل غاية جاهل* * * باع الهدى بالغى و العصيان‏

قد كنت بالسلطان عالى رتبه* * * من ذا الذى أغراك بالسلطان‏

ثم اتى الخبر بان أبا يزيد هذا مات في طريقه، فحمل راسه الى مدينه السلام و نصب على سور السجن الجديد، و عزل يمن الطولونى عن اماره البصره، و وليها الحسن بن خليل بن ريمال، على يدي شفيع المقتدرى، إذ كانت امارتها اليه.

59

ذكر التقبض على على بن عيسى الوزير و ولايه على بن الفرات ثانيه‏

و قبض في هذه السنه على الوزير على بن عيسى يوم الاثنين، لثمان ليال خلون من ذي الحجه، و نهبت منازل اخوته و منازل حاشيته و ذويه، و حبس في دار المقتدر، و قلد الوزارة في هذا اليوم على بن محمد بن موسى بن الفرات، و خلع عليه سبع خلع، و حمل على دابه بسرجه و لجامه، فجلس في داره بالمخرم المعروفه بدار سليمان بن وهب، و ردت عليه اكثر ضياعه التي كانت قبضت منه عند التسخط عليه، و ظهر من كان استتر بسببه من صنائعه و مواليه.

و ذكر عنه انه لما ولى ابن الفرات الوزارة و خلع عليه بالغداة، زاد ثمن الشمع في كل من منه قيراط ذهب، لكثرة ما كان ينفقه منه في وقيده، و ينفق بسببه و زاد في ثمن القراطيس لكثرة استعماله إياها فعد الناس ذلك من فضائله، و كان اليوم الذى خلع عليه فيه يوما شديد الحر.

فحدثني ابن الفضل بن وارث انه سقى في داره في ذلك اليوم، و تلك الليلة اربعون الف رطل من الثلج، و ركب على بن محمد الى المسجد الجامع و معه موسى بن خلف صاحبه فصيح به الهاشميون: قد أسلمنا، و ضجوا في امر أرزاقهم، فامر ابن الفرات من كان معه الا يكلمهم في شي‏ء، فافرطوا في القول، فأنكر ذلك المقتدر و امر بان يحجب اصحاب المراتب عن الدار، فصار مشايخهم الى ابن الفرات و اعتذروا اليه، و قالوا له: هذا فعل جهالنا، فكلم الخليفة فيهم حتى رضى عنهم، و ضم الى ابن الفرات جماعه من الغلمان الحجريه، ليركبوا بركوبه و يكونوا معه في كل موضع يكون فيه.

و فيها ورد الكتاب من خراسان يذكر فيه انه وجد بالقندهار في ابراج سورها برج متصل بها فيه خمسه آلاف راس، في سلال من حشيش، و من هذه الرءوس تسعه و عشرون راسا، في اذن كل راس منها رقعه مشدودة بخيط ابريسم، باسم كل رجل منهم‏

60

و الأسماء: شريح بن حيان، خباب بن الزبير، الخليل بن موسى التميمى، الحارث ابن عبد الله، طلق بن معاذ السلمى، حاتم بن حسنه، هانئ بن عروه، عمر بن علان، جرير بن عباد المدني، جابر بن خبيب بن الزبير، فرقد بن الزبير السعدي، عبد الله ابن سليمان بن عماره، سليمان بن عماره، مالك بن طرخان صاحب لواء عقيل ابن السهيل بن عمرو، عمرو بن حيان، سعيد بن عتاب الكندى، حبيب بن انس، هارون بن عروه، غيلان بن العلاء، جبريل بن عباده، عبد الله البجلي، مطرف ابن صبح ختن عثمان بن عفان رضى الله عنه، وجدوا على حالهم الا انهم قد جفت جلودهم و الشعر عليها بحالته لم يتغير، و في الرقاع من سنه سبعين من الهجره‏

. [أخبار متفرقة]

و في هذه السنه عزل يمن الطولونى عن شرطه بغداد، و وليها نزار بن محمد الضبي.

و في المحرم من هذه السنه توفى عبد العزيز بن طاهر بن عبد الله بن طاهر أخو محمد بن طاهر، و كان عبدا صالحا حسن المذهب، كثير الخير، و دفن في مقابر قريش، و صلى عليه مطهر بن طاهر.

و فيها مات محدث عدل يعرف بابى نصر الخراسانى في جمادى الاولى.

و فيها مات ابو الحسن احمد بن العباس بن الحسن الوزير في شعبان، و كان قد عنى بالأدب و رشح نفسه للوزارة، و اهله قوم لها.

و فيها مات لؤلؤ غلام ابن طولون‏

3

. و فيها مات ابو سليمان داود بن عيسى بن داود بن الجراح قبل القبض على أخيه على بن عيسى بشهرين، فلم يتخلف احد عن جنازته من الاجلاء.

و في هذه السنه قدم طرخان بن محمد بن إسحاق بن كنداجيق من الدينور حاجا في شهر رمضان، فركب الى الوزير على بن عيسى يوم الاثنين لإحدى عشره ليله بقيت من شوال، و ليس عنده خبر، فعزاه الوزير عن ابيه، فجزع عليه جزعا شديدا و خلع عليه في يوم الخميس بعد ثلاثة ايام و عقد له لواء على اعمال ابيه، فكتب‏