تاريخ الغيبة - ج2

- السيد محمد الصدر المزيد...
544 /
5

مقدمة الناشر

من دواعي البهجة و السرور لنا تقديم هذا الكتاب القيّم للأمة الإسلامية لتتعرف على حياة قادتها الواقعيين و ما يتمثل في غضونها من معاني الجمال و ما جسّده هؤلاء القادة من نبل و شموخ.

إن التعرف على حياة هؤلاء القادة و تحليل صفاتهم و أفعالهم لأمر ضروري للأمة و ذلك لتتعرف على الإسلام العملي السائر على الأرض في هذه الشخصيات القيادية كما تعرفت عليه في جانب الفكر ثم تجعل منها نبراسا تستنير بها في ظلم الحياة. و من الضروري أيضا التمييز بين الغث و السمين من قضايا التاريخ من الأشخاص لئلا يجعل من بعضها حجة على وهن عقلية قوم أو صحة اعتقاد آخرين.

إن من عوامل عظمة الأمة و سموها أن تملك قادة عظماء في الأفكار و الأعمال و الآمال لأن هذا خير حافز للأمة أن تبعث من جديد و الذين يجدر بنا أن نسميهم قادة في الأمة الإسلامية- حقا- هم الأئمة من أهل البيت ثم العلماء الذين تغذوا على موائدهم. و الكتاب مهم جدا في موضوعه و موفق في غايته.

و هذا الكتاب هو الجزء الثاني من تاريخ الغيبة لمؤلفه الحجة السيد محمد الصدر حفظه اللّه أقوم الآن بتقديمه للقراء الكرام بعد أن قمت بنشر الجزء الأول منه. و كان الاقبال على الجزء الأول كبيرا مما دلّ على اهتمام الأمة بمثل هذه المواضيع الحساسة و شدة تعلقها بالاطلاع على تاريخه الزاهر و رجالها الأبطال.

و خاصة إذا كانت هذه المواضيع ترق من قبل كتّاب قديرين كالكاتب الفاضل و المؤلف القدير، و كان ذلك مما حدا بي و دفعني للاقدام على نشر الجزء الثاني منه بتوفيق من اللّه.

و لقد تعوّد مني القراء دائما أن أتحفهم بمثل هذه الكتابات الثمينة. و هكذا آليت على نفسي منذ افتتاح الدار أن أكون على مستوى المسئولية كإنسان مسلم عليه مسئوليته، فلا أنشر إلا ما فيه الهداية و الخير للأمة و ما فيه رضا اللّه و حبه، و ما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت و إليه أنيب.

الناشر

6

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه رب العالمين، و أفضل الصلاة على أشرف الخلق محمد و آله الطاهرين‏

بحث تمهيدي:

في انقسام الغيبة

- 1- لا شك أن للمهدي (ع) غيبتين اثنتين. و هذا من واضحات الفكر الإمامي، بل من قطعياته التي لا يمكن أن يرقى إليها الشك. و وافقهم عليه بعض علماء العامة. و قد وردت في ذلك الروايات في مصادر الفريقين.

روى السيد البرزنجي‏ (1) عن أبي عبد اللّه الحسين بن علي (عليهما السلام) أنه قال: لصاحب هذا الأمر- يعني المهدي (عليه السلام)- غيبتان. إحداهما تطول حتى يقول بعضهم مات و بعضهم ذهب. و لا يطلع على موضعه أحد من ولي و لا غيره إلا المولى الذي يلي أمره.

و أخرج النعماني‏ (2) بإسناده عن إسحاق بن عمار قال سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمد (ع) يقول: للقائم غيبتان إحداهما طويلة و الأخرى قصيرة. فالأولى يعلم بمكانه فيها خاصة من شيعته. و الأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه في دينه.

و أخرج‏ (3) عن إبراهيم بن عمر الكناسي قال سمعت أبا جعفر الباقر (ع) يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين.

____________

(1) الاشاعة لاشراط الساعة، ص 93.

(2) الغيبة، ص 89.

(3) المصدر ص 89.

7

و أخرج‏ (1) عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع) كان أبو جعفر (ع) يقول، لقائم آل محمد غيبتان إحداهما أطول من الأخرى، فقال: نعم ...

الحديث. و أخرجه الطبرسي في أعلام الورى‏ (2) أيضا ...

و أخرج النعماني أيضا (3) عن محمد بن مسلم الثقفي عن الباقر أبي جعفر (ع) أنه سمعه يقول: إن للقائم غيبتين. يقال في إحداهما: هلك، و لا يدرى في أي واد سلك.

و أخرج أيضا عن المفضل بن عمر قال سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين، في إحداهما يرجع إلى أهله، و الأخرى يقال: هلك في أي واد سلك.

و أخرج الشيخ‏ (4) عن حازم بن حبيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: يا حازم إن لصاحب هذا الأمر غيبتين، يظهر في الثانية. إن جاءك من يقول: أنه نفض يده من تراب قبره، فلا تصدقه.

إلى غير ذلك من الأخبار، و هي كثيرة و كافية للإثبات التاريخي.

- 2- و لفهم هذه الأخبار أطروحتان رئيسيتان:

الأطروحة الأولى:

و هي الموافقة للفهم غير الإمامي للمهدي (ع) القائل: بأن المهدي رجل يولد في زمانه فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.

و هي: إن الغيبتين منفصلتان يتخللهما و يفصل بينهما ظهور للناس. و يكون الظهور بعد الغيبة الثانية هو يوم الثورة الكبرى. و تكون مدة كلتا الغيبتين محددة

____________

(1) المصدر، ص 9.

(2) انظر ص 416.

(3) الغيبة، ص 90 و كذلك الذي يليه.

(4) انظر الغيبة، ص 261.

8

بسنين قليلة ... توجبهما مصالح وقتية محددة ترجع إلى شخص المهدي (ع) أو إلى مصلحة انتصاره بعد الظهور.

و هذه الأطروحة هي المتعينة لا خيار في تعديها، طبقا لهذا الفهم غير الامامي ... لوضوح عدم إمكان وجود الغيبة الطويلة، مع العمر المحدد من السنين.

و هذه الأطروحة هي التي فهمها البرزنجي‏ (1) من هذه الأخبار حين قال:

و هاتان الغيبتان- و اللّه أعلم- ما مر آنفا أنه يختفي بجبال مكة و لا يطلع عليه أحد.

قال: و يؤيده ما روي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، أنه قال: يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب، و أومأ بيده إلى ذي طوى. أقول: و لم يذكر البرزنجي الغيبة الثانية.

الأطروحة الثانية

و هي الموافقة للفهم الإمامي للمهدي (ع) القائل: بأن المهدي حي منذ ولادته في القرن الثالث الهجري إلى حين ظهوره في اليوم الموعود.

و هي الأطروحة التي فهمها العلماء الاماميون بشكل عام، و نص قدماؤهم على مضمونها بشكل خاص. و هي من ضروريات مذهبهم.

قال النعماني‏ (2) هذه الأحاديث التي يذكرونها: إن للقائم (عليه السلام) غيبتين، أحاديث قد صحت عندنا بحمد اللّه. و أوضح اللّه قول الأئمة (عليهم السلام) و أظهر برهان صدقهم فيها.

فأما الغيبة الأولى، فهي التي كانت السفراء فيها بين الامام و بين الخلق قياما منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص ... و هي الغيبة القصيرة التي انقضت أيامها و تصرمت مدتها. و الغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء و الوسائط، للأمر الذي يريده اللّه هو التدبير الذي يمضيه في الخلق بوقوع التمحيص و الامتحان ... و هذا زمان ذلك قد حضر ... الخ كلامه.

____________

(1) الاشاعة، ص 93.

(2) الغيبة، ص 90/ 91.

9

و قال المفيد في الارشاد (1): و له قبل قيامه غيبتان: إحداهما أطول من الأخرى، كما جاءت بذلك الأخبار. فأما القصرى منهما، منذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته و عدم السفراء بالوفاة، أما الطولى فهي بعد الأولى، و في آخرها يقوم بالسيف.

و قال الطبرسي‏ (2): فانظر كيف حصلت الغيبتان لصاحب الأمر على حسب ما تضمنت الأخبار السابقة. أما غيبته الصغرى منهما فهي التي كان فيها سفراؤه موجودين و أبوابه معروفين، لا تختلف الامامية القائلون بإمامة الحسن بن علي (ع) فيهم ... الخ كلامه.

و قال ابن الصباغ‏ (3)- و هو مالكي المذهب-: و له قبل قيامه غيبتان: إحداهما أطول من الأخرى. فأما الأولى فهي القصرى، فمنذ ولادته إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته. و أما الثانية، و هي الطولى، فهي التي بعد الأولى. في آخرها يقوم بالسيف. قال اللّه تعالى: لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

إلى غير ذلك من الأقوال التي يطول المقام بنقلها.

و قد سبق أن عرفنا في التاريخ السابق، و سنزيده في هذا التاريخ توضيحا ...

مقدار الفرق بين الغيبتين الكبرى و الصغرى. و تتلخص الفروق فيما يلي:

أولا: قصر مدة الغيبة الصغرى، إذ كانت حوالي السبعين عاما. بخلاف الغيبة الكبرى، فانها غير معروفة الأمد، باعتبار جهلنا بموعد ظهور المهدي (ع) ثانيا: اقتران الغيبة الصغرى بالسفارة الخاصة، القائمة بين المهدي (ع) و قواعده الشعبية، و انقطاع ذلك في الغيبة الكبرى.

ثالثا: انتهاء أمد الغيبة الصغرى بوفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري.

و أما الكبرى، فلا زالت سارية المفعول، و تنتهي بيوم الظهور الموعود.

____________

(1) انظر، ص 326.

(2) اعلام الورى، ص 416.

(3) الفصول المهمة: ص 309.

10

رابعا: إن المشاهدين للمهدي (ع) خلال غيبته الصغرى، أكثر بنسبة مهمة عنهم في غيبته الكبرى.

و يمكن أن يكون الفرق الأول، هو سبب تسمية الغيبتين بالصغرى و الكبرى ... حيث تكون الأولى قصيرة و الأخرى طويلة. كما يمكن أن يكون الفرق الأخير هو سبب التسمية، و يكون المقصود هو قلة الاحتجاب في الصغرى و كثرته في الكبرى.

و على ذلك فالغيبتان متصلتان لا يفصل بينهما ظهور.

و قد سبق في التاريخ السابق‏ (1)، أن عرفنا الحكمة الأساسية من إيجاد الغيبة الصغرى، و هو التمهيد الذهني لوجود الغيبة الكبرى في الناس. إذ لو بدأ المهدي (ع) بالغيبة المطلقة فجأة، و بدون إنذار و إرهاص، لما أمكن إثبات وجوده في التاريخ. فتنقطع حجة اللّه على عباده.

و ستعرف في هذا التاريخ تفصيلا وجه الحكمة من وجود الغيبة الكبرى، سواء ما يعود إلى المهدي نفسه أو إلى المخلصين من أصحابه أم إلى البشرية كلها من حيث ما يعود عليها من الخير في اليوم الموعود.

3 و بالمقدار الذي تكتسبه الغيبة الكبرى من أهمية و صعوبة و عمق في المدى البعيد ... يكون التركيز عليها في الأخبار.

فبينما يكون التركيز على الغيبة الصغرى قليلا. كالحديث الذي أخرجه الصدوق عن أبي عبد اللّه الصادق (ع) أنه قال:- في المهدي (ع)- يغيب عنكم شخصه و لا يحل لكم تسميته. و قد عرفنا في التاريخ السابق أن حرمة التسمية خاصة بعصر الغيبة الصغرى.

... نجد أن التركيز على الغيبة شديد في الأخبار.

____________

(1) انظر تاريخ الغيبة الصغرى، ص 630 و غيرها.

11

أخرج النعماني‏ (1) عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث، قال فيه: و اللّه ليغيبن سبتا (2) من الدهر، و ليخملن حتى يقال: مات أو هلك، بأي واد سلك.

و لتفيضن عليه أعين المؤمنين. ليكفأن كتكفى‏ء السفينة في أمواج البحر، حتى لا ينجو إلا من أخذ اللّه ميثاقه، و كتب الإيمان في قلبه و أيده بروح منه ... الخ الحديث. و ذكر له عدة أسانيد.

و هذا بالضبط هو الذي سيحدث في عصر الغيبة الكبرى. على ما سنسمع في هذا التاريخ.

و أخرج أيضا (3) عن موسى بن جعفر (عليه السلام)، أنه قال: إذا فقد الخامس من ولد السابع فاللّه اللّه في أديانكم، لا يزيلنكم عنها. فإنه لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة، حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به. إنما هي محنة من اللّه يمتحن اللّه بها خلقه ... الحديث.

و أخرج‏ (4) عن أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) قال: قال لي: يا أبا الجارود، إذا دار الفلك، و قالوا: مات أو هلك و بأي واد سلك، و قال الطالب له: أنى يكون ذلك، و قد بليت عظامه. فعند ذلك، فارتجوه. الحديث.

و عن‏ (5) أبي عبد اللّه: إن القائم إذا قام يقول الناس: أنى ذلك و قد بليت عظامه.

و عن‏ (6) أبي عبد اللّه أنه قال: إذا فقد الناس الإمام، مكثوا سبتا لا يدرون أيا من أي. ثم يظهر اللّه عز و جل لهم صاحبهم.

و عنه (ع) (7) قال: كيف أنتم إذا صرتم في حال لا يكون فيها إمام هدى و لا علما يرى ... الحديث.

____________

(1) الغيبة، ص 76.

(2) السبت يأتي لغة بمعنى الدهر و البرهة من الزمان.

(3) الغيبة، ص 78.

(4) المصدر، ص 78.

(5) المصدر و الصفحة.

(6) المصدر، ص 81.

(7) المصدر و الصفحة.

12

و أخرج الصدوق‏ (1) عن الحسين بن علي (عليه السلام) في حديث: له غيبة يرتد فيها أقوام و يثبت على الدين فيها آخرون. فيؤذن و يقال لهم: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. أما أن الصابر في غيبته على الأذى و التكذيب بمنزلة المجاهد بين يدي رسول اللّه و آله الطاهرين الأخيار.

و عن علي بن الحسين (عليه السلام) أنه قال: ... ثم تمتد الغيبة بولي اللّه الثاني عشر ... ان أهل زمان غيبته، القائلين بإمامته و المنتظرين لظهوره، أفضل من أهل كل زمان، لأن اللّه تبارك و تعالى أعطاهم من العقول و الأفهام و المعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة. و جعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول اللّه بالسيف ... الحديث.

- 4- فهذه هي الأخبار التي تدل على أهمية الغيبة في المدى البعيد. و أما الأخبار التي تدل عليها بشكل مباشر، فكثيرة:

أما الغيبة الصغرى، فيدل عليها كل أخبار السفراء الأربعة و الوكلاء و المعارضين المنحرفين و التوقيعات الصادرة عن المهدي (ع) و كل من رآه منذ ولادته إلى نهاية ذلك العصر ... إلى غير ذلك من الأخبار التي سمعناها تفصيلا في التاريخ السابق.

و أما الغيبة الكبرى، فيدل عليها ما سنذكره من أخبار المشاهدة و أخبار التمحيص و أخبار الانتظار و فضل المنتظرين. و أخبار علامات الظهور، و ما دل على فساد الزمان و انحراف أهله، و غير ذلك، فإنها جميعا مرتبطة ارتباطا عضويا بعصر الغيبة الكبرى على ما سنعرف.

و بمجموع هذه الأدلة، نستطيع أن ننفي الأطروحة الأولى التي ذكرناها في‏

____________

(1) اكمال الدين المخطوط، و كذلك الذي بعده.

13

الفقرة الثانية من هذا البحث.

و ذلك لوضوح أنها لا تنسجم مع شي‏ء من هذه الأدلة:

أما أخبار الغيبة الصغرى، فواضح، باعتبار أن الأطروحة الأولى لا تدعي وجود السفراء و الوكلاء و المعارضين و التوقيعات خلال الغيبة الأولى. بل لم يثبت عن هذه الأطروحة أنها تدعي أن الغيبة الأولى أصغر من الثانية، في المدة أو في درجة الاختفاء.

و أما أخبار الغيبة الكبرى، فلما سنعرفه من أن أي شي‏ء من التمحيص و الانتظار و علامات الظهور، لا يمكن أن يحدث إلا في دهر طويل. و كذلك لا معنى لأخبار المشاهدة و هي متواترة مضمونا، مع الاختفاء القليل الذي يمتد مثلا لخمس سنوات أو عشر.

مضافا إلى أن ما تقول به الأطروحة الأولى من ظهور المهدي بين الغيبتين ...

مما لا يفهم وجهه. إذ يبقى التساؤل عن أنه لما ذا يظهر إذا لم يكن عازما على أن يملأ الأرض قسطا و عدلا.

فإن قال قائل: أنه يظهر بعد الغيبة الأولى ليقوم بمهمته الكبرى، لأنه يتخيل وجود فرص النجاح، و حيث أنها غير موجودة في الواقع، فانه يفشل في مهمته، فيختفي مرة ثانية ليظهر بعد ذلك فيقوم بمهمته خير قيام.

نقول: إن عهدة هذا القول على مدعيه، إذ يتصور المهدي (ع) قاصر التدبير و التفكير من النواحي الاجتماعية و السياسية و العسكرية، بحيث يمكن أن يسيطر عليه خيال كاذب. أما المهدي الذي ذخره اللّه تعالى ليومه الموعود، و خطط لنجاح مهمته تخطيطا مضبوطا عميقا، على ما سنسمع، فهو قائد عالمي، من المستحيل أن يقع في مثل هذه الأوهام.

- 6- هذا، و قد نرى أئمة الهدى (عليهم السلام)، يخاطبون الناس على قدر عقولهم، كما هو المفروض في كل كلام بليغ. فهم يأخذون المستوى العقلي و الثقافي و الإيماني‏

14

لمجتمعهم بنظر الاعتبار حين يتحدثون عن المهدي (ع). فإذا كان المخاطب و السامع ذا مستوى عال، كان الجواب عميقا و مفصلا، و إذا كان ذا مستوى واطى‏ء، كان الجواب مختصرا و ناظرا إلى زاوية معينة متجنبا الخوض الكامل في الجواب ... طبقا لهذا القانون.

أخرج النعماني‏ (1) و الصدوق‏ (2) عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه قال- في كلام له-: يا بني عقولكم تضعف عن هذا و أحلامكم تضيق عن حمله.

و لكن أن تعيشوا فسوف تدركوه.

و طبقا لهذا الاتجاه نسمع الأخبار التالية:

أخرج النعماني‏ (3) عن أبي عبد اللّه (ع) أنه قال: لو قد قام القائم لأنكره الناس، لأنه يرجع إليهم شابا موفقا ... و إن من أعظم البلية أن يخرج إليهم شابا و هم يحسبونه شيخا كبيرا.

و هذا الخبر صادق تماما، لأن المهدي (ع) سوف يظهر شابا. كما أن من البلاء العظيم و الامتحان العميق أن يخرج شابا، إذا كانوا يفكرون كونه شيخا كبيرا. و لكنه لم يقل أنهم يفكرون فعلا بذلك، و من هنا يكون الاختصار في العطاء.

إن هذا الخبر يوحي بوضوح أن مدة الغيبة سوف لن تتجاوز مدة العمر الطبيعي الذي يكون به الفرد شيخا، غير أن اللّه تعالى سوف يحفظ للمهدي شبابه خلال هذه المدة. و هذا العطاء منسجم مع تلك الذهنية التي لا يمكن أن تستوعب بحال، العمر الطويل الذي يمتد مئات السنين.

و من الواضح أن الناس سوف لن يحسبوه شيخا، إذ مع تمادي العمر مئات السنين، ينتفي من الذهن مفهوم الشيخوخة تماما، و يبقى تطور شكل الإنسان بالقدرة الالهية وحدها، تلك القدرة التي حفظته هذا المقدار من السنين.

____________

(1) الغيبة، ص 78.

(2) انظر الاكمال المخطوط.

(3) الغيبة، ص 99.

15

و نحو ذلك الخبر السابق عن الإمام موسى بن جعفر (ع) الذي يقول فيه:

و لكن أن تعيشوا فسوف تدركوه. فإنه من المؤكد أنهم لو عاشوا لأدركوه، و لو استلزم عيشهم أن يبقوا في الحياة مئات السنين. و لكنه لم يقل أنهم سوف يعيشون فعلا إلى عصر الظهور.

غير أن الانطباع الأولي لأهل ذلك العصر، عن هذا الحديث، هو أن الظهور يمكن أن يحدث خلال عمر طبيعي للإنسان ... أو أنه يحدث كذلك فعلا.

و أخرج الصدوق‏ (1) عن زرارة عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: ان للقائم غيبة قبل ظهوره. قلت: و لم. قال: يخاف. و أومأ إلى بطنه. قال زرارة: يعني القتل.

و عن أبي عبد اللّه الصادق (ع) قال: للقائم غيبة قبل قيامه، قلت: و لم. قال:

يخاف على نفسه الذبح.

و هذا صحيح. إلا أنه لم يحدد مقدار الغيبة و لا انقسامها، تبعا لمستوى السامعين.

و أخرج النعماني‏ (2) عن أبي جعفر بن محمد بن علي (عليهما السلام) أنه قال:

يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب. و أومأ بيده إلى ذي طوى ... الحديث.

و قد احتج البرزنجي‏ (3) بهذا الحديث لأجل استبعاد الفهم الامامي للمهدي.

و لا بد أن يكون مراده أن الغيبة بين الشعاب لا تكون إلا خلال العمر الطبيعي للإنسان.

و هذا المضمون و إن ناقشناه في التاريخ السابق‏ (4) ... إلا أنه يمكن القول بصحته، بعد التنزل- جدلا- عن تلك المناقشة. و لا يكون الخبر منافيا مع الفهم الإمامي بحال. لوضوح أنه يمكن أن نتصور المهدي (ع) ساكنا في الشعاب‏

____________

(1) انظر الاكمال المخطوط، و كذلك الذي يليه.

(2) الغيبة، ص 95.

(3) الاشاعة، ص 93.

(4) تاريخ الغيبة الصغرى، ص 546.

16

و البراري و القفار طيلة غيبته مهما طالت. و لا يتعين كونها غيبة ذات مدة قليلة، كما هو معلوم.

و قد سمعنا في التاريخ السابق‏ (1) ما روي عن الإمام المهدي (ع) نفسه، فيما قاله لعلي بن المازيار: يا ابن المازيار، أبي أبو محمد عهد إليّ أن لا أجاور قوما غضب اللّه عليهم و لعنهم و لهم الخزي في الدنيا و الآخرة و لهم عذاب أليم. و أمرني أن لا أسكن من الجبال إلا أوعرها، و من البلاد إلا عفرها.

إذن فمن الممكن أن يكون المراد من كلا الخبرين، مضمون واحد. غير أن هذا المضمون لم يثبت تاريخيا، كما سمعنا في التاريخ السابق، و سيتضح بجلاء في القسم الأول من هذا التاريخ.

- 7- بقيت علينا بعض الاستفهامات التي قد تثار حول بعض ما سبق.

الاستفهام الأول:

إن بعض الأخبار، التي رويناها في الفقرة الأولى من هذا البحث، دلت على أن الغيبة الطويلة، تحدث قبل القصيرة. كقوله في بعضها: للقائم غيبتان إحداهما طويلة و الأخرى قصيرة. و قوله في الخبر الآخر: إحداهما أطول من الأخرى. و هذا ما دل على ما ذكرناه.

و جوابه: إن المراد من ذلك، الإخبار عن وجود الغيبتين. و أما تقديم الغيبة الطويلة بالذكر، فباعتبار أهميتها لا باعتبار سبقها الزماني على الغيبة الأخرى. و قد قال في نفس الخبر: فالأولى يعلم بمكانه الخاصة من شيعته، و الأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه في دينه. و هو نص بتقدم الغيبة الصغرى التي تتصف بقلة الاحتجاب على صاحبتها.

الاستفهام الثاني:

قوله في بعض تلك الأخبار: يظهر في الثانية. فإنه دال على أنه (ع) يظهر

____________

(1) المصدر و الصفحة.

17

خلال الغيبة الثانية. فكيف يصح ذلك؟.

و جوابه: أن هذه الفكرة التي فهمها السائل تتضمن تهافتا في التصور، لتنافي الغيبة مع الظهور، فلا معنى لأن يظهر و هو غائب. و إنما المراد أنه يظهر بعد انتهاء الغيبة الثانية. كما هو معلوم.

الاستفهام الثالث:

قوله في بعض تلك الأخبار: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين في إحداهما يرجع إلى أهله. و هو دال على أن المهدي (ع) خلال الغيبة الصغرى يرجع إلى أهله. فما معنى ذلك؟.

و جوابه: أننا سمعنا في التاريخ السابق‏ (1) أن الإمام المهدي (ع) كان ساكنا في دار أبيه في سامراء ردحا من عصر غيبته الصغرى. و هو دار أهله بطبيعة الحال، كما نطق هذا الخبر.

و يحتمل أن يكون المراد إعطاء فكرة قلة الاختفاء خلال الغيبة الصغرى، مشبها بمن يخرج من أهله و يعود. و من هنا يقول في الخبر- بالنسبة إلى الغيبة الكبرى-: و الأخرى يقال: هلك في أي واد سلك.

الاستفهام الرابع:

سمعنا المفيد فيما سبق يقول: فأما القصرى منهما، منذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته. و كذلك قال ابن الصباغ.

على حين سمعنا من التاريخ السابق‏ (2) ان أول الغيبة الصغرى هو يوم وفاة الإمام العسكري (ع) والد المهدي (ع). و ليس أولها ولادة المهدي نفسه ... و إن كان مختفيا فعلا خلال حياة أبيه. فأي الوجهين هو الصحيح؟.

و جوابه: إن الوجه الذي اخترناه في التاريخ السابق هو الصحيح، و هو بدء الغيبة الصغرى، بوفاة الإمام العسكري (ع)، و قد سبق أن برهنا عليه هناك.

____________

(1) انظر تاريخ الغيبة الصغرى، ص 543.

(2) المصدر السابق، ص 4.

18

و بكل ذلك، يتبرهن انقسام الغيبة إلى صغرى و كبرى، بالمفهوم الإمامي.

و إذا كان هذا من صفات المهدي (ع) و لم ينسجم إلا مع المفهوم الإمامي، يتعين الأخذ بهذا المفهوم بالخصوص.

و طبقا لذلك، كتبنا فيما سبق تاريخ الغيبة الصغرى أولا، و نكتب الآن تاريخ الغيبة الكبرى، و هو هذا الكتاب الذي بين يديك.

19

مقدمة

الغيبة الكبرى هي الزمان الذي يبدأ بانتهاء الغيبة الصغرى، بالاعلان الذي أعلنه الإمام المهدي (عليه السلام)، عام 329 للهجرة، بانتهاء السفارة و بدء الغيبة التامة و أنه لا ظهور إلا بإذن اللّه عز و جل‏ (1).

و هو الذي ينتهي بيوم الظهور الموعود الذي يبزغ فيه نور الإمام المهدي (عليه السلام)، و تسعد البشرية بلقائه ليخرجها من الظلمات إلى النور، و يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا.

و معه نكون الآن معاصرين لهذه الفترة التي نؤرخها، و سيبقى الناس معاصرين لها، حتى يأذن اللّه تعالى بالفرج.

و الإسلام و المسلمين يمرون في هذه الفترة بأصعب الظروف التي عاشوها، بل التي عاشها أهل سائر الأديان السماوية، بشكل عام. باعتبار ما تتصف به من خصائص و مميزات يجعلها من أحرج الأحوال في منطق الاسلام بالنسبة إلى ما سبقها و ما يلحقها من الدهور.

الخصيصة الأولى:

و هي الرئيسية التي تعطي هذه الفترة شكلها المعتاد. و هي: ان المسلمين منقطعون بالكلية عن قائدهم و موجههم و إمامهم، لا يجدون إلى رؤيته و التعرف عليه سبيلا، و لا إلى الاستفادة من أعماله و أقواله طريقا. و لا يجدون له وكيلا أو سفيرا خاصا، و لا يسمعون عنه بيانا و لا يرون له توقيعا، كما كان عليه الحال‏

____________

(1) انظر تاريخ الغيبة الصغرى، ص 415 و ما بعدها و ص 633 و ما بعدها.

20

خلال الغيبة الصغرى. إذ في هذه الفترة التي نؤرخها يكون كل ذلك قد انقطع بشكل عام.

و بذلك تتميز هذه الفترة عن سائر الفترات في عمر الإسلام و المسلمين. فهي تختلف عن زمان وجود النبي (ص) و زمان الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) و زمان ظهور المهدي (عليه السلام)، بوجود القائد و الموجّه خلال تلك الفترة دون هذه الفترة. و تختلف عن زمان الغيبة الصغرى بوجود السفراء للمهدي (ع) و صدور البيانات و التوقيعات عنه، خلال تلك الفترة، دون هذه الفترة التي نؤرخها.

الخصيصة الثانية:

سيادة الظلم و الجور في الأرض. بمعنى انحسار الإسلام بنظامه العادل عن المجتمعات البشرية، و ما تعانيه البشرية- نتيجة لذلك- من أنحاء التعسف و الانحراف و الظلم و الحروب.

و بذلك تتميز هذه الفترة عن زمان سيادة النظام الإسلامي الكامل، و هو ما كان في زمان وجود النبي (ص) و إقامته لدولة الحق، و ما سيكون عند ظهور الإمام المهدي (ع) و إقامته لدولة الحق أيضا.

و تشترك فترة الغيبة الكبرى، بهذه الخصيصة، مع كل أزمنة انحسار الإسلام- و لو انحسارا جزئيا- عن واقع الحياة. كأزمنة الخلفاء الأمويين و العباسيين. و إن كانت ظروفنا المتأخرة أشد و أقسى مما قبلها من حيث سيادة المبادئ المادية و قسوة الظلم و التعسف، و تهديد البشرية بالفناء بالحرب العالمية الثالثة.

الخصيصة الثالثة تأكد الامتحان الإلهي و وضوحه.

فإن كل فرد- على الاطلاق- يواجه في هذه الفترة مزالق ثلاثة، تشكل خطرا على دينه و على دنياه، و بمقدار ما يبذله من تضحية و ما يملكه من قوة في الارادة، فإنه يستطيع أن يضمن سعادته و حسن مستقبله و نجاحه في الامتحان الإلهي.

المزلق الأول:

ما يواجهه الانسان من شهوات و نوازع ذاتية طبيعية، تتطلب منه الاشباع‏

21

بإلحاح، و لا يسكن صوتها إلا بالإشباع التام. و هي تتطلبه من أي طريق كان، لا تعين لصاحبها الطريق المشروع خاصة. بل يمكن لها أن تطلق لصاحبها العنان فلا يبصر ما بين يديه من قوانين و تقاليد و أديان و حدود.

و هذا المزلق غير خاص بعصر الغيبة الكبرى، و لكنه فيها أكد و أشد تأثيرا باعتبار زيادة الاغراء و تلبيس الانحراف باللبوس المنطقي الزائف.

المزلق الثاني:

مواجهة الانسان لضروب الاضطهاد و الضغط و الصعوبات التي يواجهها في طريق الحق و الإيمان. مما يحتاج في مكافحته إلى قوة في الارادة و العزم على التضحية.

و هذا المزلق يواجهه الفرد في زمن انحسار الإسلام عن واقع الحياة. بما في ذلك زمان الغيبة الكبرى.

المزلق الثالث:

مواجهة الإنسان لضروب التشكيك في وجود الإمام القائد المهدي (عليه السلام)، كلما طال الزمان و ابتعد شخص الإمام عن واقع الحياة، و طغت على الفكر الإنساني التيارات المادية التي تستبعد عن حسابها عالم الروح، و كل ما هو غير محسوس و لا منظور.

و هذا المزلق، يواجهه الفرد في زمان غيبة الإمام (عليه السلام). و خاصة في غيبته الكبرى التي ينعدم فيها السفراء. و بالأخص بعد النهضة الأوروبية المادية و بدء عصر الاستعمار و طغيان التيار المادي العالمي الجارف.

و بمقدار ما يستطيع الفرد من تحصيل المناعة ضد هذه التيارات، و الصمود الفكري أمامها، و التركيز على مفاهيم الإسلام و براهينه، فإنه يستطيع أن يضمن سعادته عند اللّه عز و جل في الدنيا و الآخرة.

و كل هذه المزالق الثلاثة، تجتمع بإلحاح و تأكيد، في عصر الغيبة الكبرى بشكل واضح و صريح. و من هنا كان الامتحان الإلهي لصلاحية الفرد إسلاميا و قوة إرادته إيمانيا، كان شديد الوقع كبير التأثير صعب الاجتياز. و من هنا ورد في بعض النصوص عن أئمة الهدى (عليهم السلام) حين سئلوا عن موعد ظهور

22

المهدي (ع): لا و اللّه حتى تمحصوا، و لا و اللّه حتى تغربلوا، و لا و اللّه حتى يشقى من يشقى و يسعد من يسعد (1).

و هذا الامتحان الإلهي إنما شرع و أنجز «ليهلك من هلك عن بينة و يحي من حي عن بينة» (2). فإن من يشقى و ينحرف، يكون مقتنعا بصواب رأيه و عمله، فيهلك شقيا منحرفا، فيستحق اللعنة الإلهية و الخسران الأبدي. و أما من سعد بإيمانه نتيجة للامتحان، فان إيمانه يكون صلبا قويا ممحصا، بمعنى كونه ثابتا رغم الظلم و الطغيان، و نتيجة للصمود و الانتصار. و هو من أعظم و أوعى الإيمان.

فيحي كل منهما ببينة، و يهلكان عن بينة.

صيغة البحث و مصاعبه.

إن تاريخ الغيبة الكبرى، من حيث حوادثه العامة لعله من أوضح التواريخ و أسهلها تسجيلا، لأنه من التواريخ القريبة أو المعاصرة التي لا زلنا نعيشها و نمارس حوادثها.

إلا أن تاريخ هذه الفترة، فيما يخص المهدي (عليه السلام)، من أشد الغموض و التعقيد، و صعوبة الاستنتاج، لما سنشير إليه من العوامل. فان الباحث الذي يطرق هذا الباب سوف يواجه عددا ضخما من الأسئلة لا بد من الجواب عليها، ليكون البحث بحثا تاريخيا منظما واعيا إسلاميا. و أما مع إهمال بعضها أو قسم منها، فإننا سنواجه فراغات أو فجوات تاريخية مؤسفة. و من هنا تكون وظيفة الباحث تحصيل الجواب على أكثر الأسئلة- على الأقل- ليتم لنا التاريخ المنظم الكامل الواعي.

فمن الأسئلة التي نواجهها: التساؤل عن مكان الإمام المهدي (ع) في غيبته الكبرى، و طريقة حياته، و أسباب عيشه الاعتيادية، و هل يواجه الناس، و متى يواجههم، و ما ذا يقول لهم، و ما هي سياسته العامة أمام المجتمع بشكل عام، و تجاه قواعده الشعبية المؤمنة به، بشكل عام، و تجاه الذين يقابلونه بشكل خاص.

____________

(1) انظر الحديث و ايضاحات الامتحان الالهي في داخل هذا الكتاب.

(2) الانفال: 8/ 42.

23

و كيف يقضي وقته الطويل في خلال هذه السنين المترامية و القرون المتطاولة.

و هل هو متزوج و له ذرية أم لا؟ و إذا كان متزوجا فمن هي زوجته، و أين هم أولاده؟. و إذا لم يكن متزوجا، فهل يمكنه الزواج، و متى يتزوج؟.

ثم أنه هل من المستطاع تخمين وقت ظهوره إجمالا؟ و ما هي العلامات التي نعرف بها قرب وقت الظهور. و هذه العلامات الواردة في الأخبار، ما الذي يصح منها و ما الذي لا يصح. و ما هو الأسلوب الواعي الذي يمكننا أن نفهم به من هذه العلامات ... إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة المتنوعة.

و الجواب على عدد من هذه الأسئلة، و إن كان ممكنا على ضوء ما وردنا من الأخبار عن المعصومين (عليهم السلام) و من الأخبار التي تضمنت مشاهدة الإمام (عليه السلام). إلا أن عددا آخر من الأسئلة لم يرد جوابه في رواية على الاطلاق، أو ورد جوابه غامضا مجملا، أو بشكل قام الدليل العقلي أو الشرعي على فساده و بطلانه.

و من هنا نستطيع أن نلخص عوامل التعقيد و الغموض في هذا البحث في العوامل التالية:

العامل الأول:

ضآلة أو انعدام الدليل الصالح للجواب على بعض الأسئلة، كما أشرنا، كالاشارة إلى مكانه أو طريقة حياته أو تحديد سياسته العامة تجاه الآخرين ... كما سنسمع.

العامل الثاني:

إن بعض ما وردنا من الأخبار، قام الدليل على بطلانها، و اقتضت القواعد العقلية أو الشرعية بطلانها. و ذلك نتيجة لعدم الوعي، و الانحراف الذي عاشه بعض الرواة نتيجة تأثرهم بعوامل الشر السائدة في عصور الغيبة الكبرى. و من هنا كان لا بد من أخذ الأخبار بحذر، و النظر إليها بمنظار النقد.

العامل الثالث:

إن أغلب بل جميع ما وردنا من الأخبار مما يصلح تاريخيا لهذه الفترة، لا نجدها تواجه المشكلة المطروحة بصراحة أو تعطينا الجواب بوضوح. بل نراها

24

بجميع أساليبها و حقولها تحيط المهدي (ع) بهالة من القدس و الغموض، بحيث لا يمكن الكلام المباشر عنه، أو الخوض في حاله. و كأنه لا بد من إعطاء صورة واحدة من حياة و قسم صغير من واقع، لا يكاد يسمن من جوع أو يغني عن سؤال.

و من هنا يضطر الباحث إلى استشمام ما وراء الحوادث و النظر إلى الدلالات البعيدة، و محاولة إيجاد النظر الجموعي إلى الأخبار و تكوين نظرة عامة موحدة عن الجميع، قائمة على أساس صحيح من حيث قواعد الإسلام.

العامل الرابع:

عدم مشاركة المسلمين من إخواننا العامة في هذا الحقل. فانهم رووا في ميلاده و رووا في ظهوره، إلا أنهم لم ينبسوا ببنت شفة تجاه أخبار الغيبة الكبرى، ما عدا بعض النوادر من أخبار مشاهدتهم للمهدي خلال هذه الفترة.

و العذر لهم في ذلك واضح عقائديا، و ذلك لأنهم لا يرون وجود المهدي خلال هذه الفترة، بل يذهب أكثرهم إلى أن المهدي شخص يولد في وقته المعين عند اللّه تعالى ليملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت ظلما و جورا.

و أما نحن، فحين نقيم الدليل على حياته من حيث إمكانها و تحققها، فينفتح الكلام عن الغيبة الكبرى سخيا موفرا بما فيها من حقائق و تاريخ. أما هذا الدليل المشار إليه فهو موكول إلى أجزاء آتية من هذه الموسوعة. و أما التاريخ فهو مما يتكفله هذا الكتاب.

و يكاد الكلام أن ينحصر فيما ورد من طرق الامامية من الأخبار، فيكون عددها- و لا شك- أقل بكثير مما لو شاركت أخبار العامة بإمدادها نصا أو معنى.

إلا أن ذلك مما لا يكاد يخل بغرضنا من هذا البحث، فان الغرض الأساسي منه هو إثبات الفكرة الكاملة عن الإمام المهدي (ع) كما تعتقدها قواعده الشعبية، و كما تقتضيها قواعد العقل و الإسلام، خالية من الزوائد و الخرافات و الانحرافات.

ليرى منكروها- من أي صنف كانوا من البشر- مقدار ما في الفكرة الإمامية عن المهدي من عدالة و وعي إسلاميين.

و معه، فينبغي الاقتصار على ما ورد في طرقنا من أخبار و على ألسنة مؤرخينا من كلام، حتى تبرز الصورة المطلوبة من خلال ذلك، دون زيادة أو تحريف. مع‏

25

ضم القليل مما ورد من أخبار العامة صالحا لتاريخ هذه الفترة، فإنه يكون أيضا محطا للاستدلال و الاعتماد، عند ما نخرج بصحته بعد التمحيص.

تذليل هذه المصاعب:

يكون تذليل الصعوبات المنهجية الناتجة عن هذه العوامل، باتّخاذ منهج معين و قاعدة عامة يمكن تطبيقها و الاستفادة منها في جميع الموارد، و تحصيل الجواب الشافي عن كل سؤال على أساسها.

و ملخص المنهج الذي سنسير عليه، هو: إن السؤال المثار تاريخيا، له صورتان. إحداهما: أن يوجد في الأخبار ما يصلح أن يكون جوابا عنه. و ثانيتهما:

أن لا يوجد في الأخبار شي‏ء من ذلك. و يقع الحديث عن كل من الصورتين مستقلا:

الصورة الأولى:

ما إذا كان الجواب على السؤال التاريخي، موجودا في الأخبار. ففي مثل ذلك لا بد من النظر الفاحص الناقد الممحص، و عرضه على القواعد العامة العقلية و الشرعية. و حينئذ، فلا يخلو أمره: أما أن ينسجم معها أو لا ينسجم. و على كلا التقديرين فأما أن يوجد له معارض من الأخبار أو لا يوجد. إذن يكون للجواب عدة حالات.

الحالة الأولى:

أن يكون مضمون الخبر أو العدد من الأخبار، الصالح لتذليل المشكلة التاريخية، منسجما مع القواعد العامة العقلية و الشرعية، و لا يكون له معارض.

فنأخذ به و نسير عليه. و لا إشكال في ذلك.

و نقصد بالانسجام مع القواعد، مجرد عدم التنافي بين مضمون الخبر و بينها.

بمعنى أنه لا توجد قاعدة عامة نافية له أو دالة على بطلانه. و أما الانسجام بمعنى الاتفاق معها في المضمون، فهو غير محتمل، لأن شأن القواعد العامة عدم التعرض إلى الموارد الخاصة و الخصائص التفصيلية. فتبقى درجة إثبات الخبر لمضمونه بمقدار ما له من قوة إثبات و اعتبار و وثاقة في الراوي و ترابط في المدلول، و تعدد في النقول التاريخية و وجود الشواهد و القرائن على صحتها. و نحو ذلك.

26

و لا بد- على هذا المستوى- من جمع الأخبار، و النظر إلى موارد اتفاقها و اختلافها، و ما تستقل ببيانه بعض الأخبار دون بعض، لكي يستنتج من ذلك نظرية متكاملة تدل عليها سائر الأخبار و لا ينافيها شي‏ء منها. لكي تصلح أن تكون هذه الأطروحة أو النظرية جوابا شافيا عن السؤال التاريخي أو المشكلة المطروحة.

الحالة الثانية:

أن يكون مضمون الخبر، خاليا عن المعارض، إلا أنه معارض مع القواعد العامة العقلية أو الشرعية. و من المعلوم- في مثل ذلك- لزوم طرحه و عدم الأخذ به.

إلا أننا نود أن نشير إلى أن الساقط من الخبر يكون محددا بحدود المدلول الباطل، دون غيره. فلو احتوت رواية واحدة على مضمون باطل و مضمون صحيح، أخذنا بالصحيح و رفضنا الباطل، و لا يستدعي رفض بعضها رفض الجميع.

و على أي حال، فلو سقط مضمون الخبر، و لم يصلح لحل المشكلة، و لم يكن غيره موجودا، كان المورد- في الحقيقة- خاليا عن الإثبات التاريخي، فيندرج في الصورة الثانية الآتية:

الحالة الثالثة:

أن يكون مضمون الخبر معارضا بمثله، فكان لدينا على السؤال التاريخي جوابان متعارضان في الأخبار. فأي من الجوابين أو الخبرين نقدم؟ هذا له عدة أشكال:

الشكل الأول:

أن يكون أحد الخبرين منسجما مع القواعد العامة دون الآخر. فنأخذ بالمنسجم بطبيعة الحال، و ندع الآخر، لأن انسجام الخبر مع القواعد يكون مرجحا له في مورد التعارض.

الشكل الثاني:

أن يكون كلا الخبرين المتعارضين غير منسجمين مع القواعد العامة، فيتعين‏

27

طرحهما معا، و يبقى السؤال خاليا عن الجواب، فيندرج في الصورة الثانية الآتية.

الشكل الثالث:

أن يكون كلاهما منسجمين مع القواعد العامة، أي أنها لا تنافي أيا منهما.

ففي مثل ذلك لا بد من الرجوع إلى القرائن الخاصة للترجيح، ككثرة الأخبار في أحد الجانبين أو اعتضاده بنقول أخرى، و نحو ذلك، و إن لم توجد مثل هذه القرائن فلا بد من الالتزام بتساقط المضمونين. فيكون المورد كأنه خال عن الخبر يعجز كل منهما عن الاثبات التاريخي. فيندرج السؤال في الصورة الثانية الآتية.

و نكرر هنا أيضا، أن سقوط بعض مداليل الخبر نتيجة للتعارض، غير موجب لسقوط جميع ما دلت عليه من مضامين.

الصورة الثانية:

ما إذا كان المورد خاليا عن الجواب في الأخبار بالمرة، أو كان الخبر الدال على وجوبه ساقطا عاجزا عن الاثبات، لفساده بحسب القواعد العامة أو نتيجة للتعارض، بالنحو الذي أوضحناه في الصورة الأولى.

و في مثل ذلك يبقى المورد خاليا عن الجواب، و يمكن اعتباره فجوة تاريخية مؤسفة بالنسبة إلى الأخبار. و ينحصر تحصيل الجواب عليه من القواعد العامة و القرائن المربوطة بالمورد. ثم نصوغ للجواب (أطروحة) معينة محتملة الصدق، و نقيم من هذه القواعد و القرائن مؤيدات لها. فيتعين الأخذ بهذه الأطروحة بصفتها الحل الوحيد للمشكلة.

فكرة عن مباحث الكتاب:

إذا اتضح هذا المنهج و صح، يكون في الامكان أن ندخل في تفاصيل تاريخ الغيبة الكبرى، مقسمين البحث إلى أقسام ثلاثة:

القسم الأول:

في تاريخ شخص الإمام المهدي (ع) خلال هذه الفترة، و ما يتصف به من خصائص و صفات.

القسم الثاني:

في سرد الحوادث و الصفات التي تكون للانسانية عامة و للمجتمع المسلم‏

28

خاصة، بحسب ما ورد في الأخبار، و ما تقتضيه القواعد العامة.

القسم الثالث:

في علائم الظهور الواردة في الأخبار و محاولة فهمها فهما واعيا منظما، على ضوء المنهج السابق.

و هنا لا بد أن نشير إلى تعذر ما كنا عملناه في تاريخ الغيبة الصغرى من إعطاء فكرة عن التاريخ العام للفترة التي نعرض لها قبل التكلم من تاريخها الخاص المقصود. فان فترة الغيبة الصغرى حيث كانت محدودة أمكن ضبط تاريخها العام، في فصل معين. و أما فترة الغيبة الكبرى، فتنقسم إلى مستقبل و إلى ماض، بالنسبة إلى عصرنا الحاضر. أما المستقبل فلا يعلمه إلا اللّه عز و جل. و أما الماضي فلو اتسع المجال لضبط تاريخ طوله حوالي ألف و مائة سنة، لأمكن أن نتصدى لذلك إلا أن ذلك خارج عن طوق البحث الفردي، مهما زاد و اتسع. فضلا عن المبني على اختصار.

على أن للفرد المثقف الاعتيادي فكرة كافية عن التاريخ الحديث في الألف سنة المعاصرة. و هي و إن كانت فكرة مختصرة إلا أنها كافية في التقديم لهذا البحث، و لا تحتاج إلى أكثر من ذلك لندرة ارتباط التاريخ الخاص بالمهدي (ع) خلال هذه الفترة بالحوادث العامة. بخلاف ما كان عليه الحال في زمن الأئمة المعصومين (ع) و الغيبة الصغرى من زيادة الارتباط.

29

القسم الأول تاريخ شخص الامام المهدي‏

من حيث مكانه و معيشته و تكليفه الشرعي بحفظ الشريعة الإسلامية، و لقائه مع الناس و قضائه لحوائجهم، و الكلام عن ذريته، و غير ذلك.

و الكلام حول ذلك يقع ضمن فصول متعددة:

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الفصل الأول في السر الأساسي لغيبة المهدي (ع)

و نريد به الأسلوب الأساسي الذي يتبعه (عليه السلام) في احتجابه عن الناس و نجاته من براثن الظلم. و بمعرفتنا لهذا الأسلوب، سيسهل علينا الجواب على عدد كثير من الأسئلة التي تثار في الفصول الآتية، إن شاء اللّه تعالى.

و نواجه في بادئ الأمر، في أسلوب احتجاجه أطروحتين أساسيتين:

الأطروحة الأولى: أطروحة خفاء الشخص:

و هي الأطروحة التقليدية المتعارفة المركوزة في ذهن عدد من الناس، و تدل عليه ظواهر بعض الأدلة على ما سنسمع. و هي أن المهدي (ع) يختفى جسمه عن الأنظار، فهو يرى الناس و لا يرونه، و بالرغم من أنه قد يكون موجودا في مكان إلا أنه يرى المكان خاليا منه.

أخرج الصدوق في اكمال الدين‏ (1) بإسناده عن الريان بن الصلت، قال:

سمعته يقول: سئل أبو الحسن الرضا (ع) عن القائم (ع)، فقال: لا يرى جسمه و لا يسمى باسمه.

و أخرج بإسناده عن الصادق جعفر بن محمد (ع) في حديث: قال: الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه و لا يحل لكم تسميته.

____________

(1) انظر الاخبار الثلاثة في المصدر المخطوط.

32

و أخرج أيضا بإسناده عن عبيد بن زرارة قال سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول:

يفقد الناس امامهم فيشهد الموسم فيراهم و لا يرونه.

و هذه الأطروحة هي أسهل افتراض عملي لاحتجاب الإمام المهدي (ع) عن الناس و نجاته من ظلم الظالمين. فانه في اختفائه هذا يكون في مأمن قطعي حقيقي من أي مطاردة أو تنكيل، حيثما كان على وجه البسيطة.

و هذا الاختفاء يتم عن طريق الاعجاز الإلهي، كما تم طول عمره لمدى السنين المتطاولة بالاعجاز أيضا. و كان كلا الأمرين لأجل حفظ الإمام المهدي (ع) عن الموت و الأخطار، لكي يقوم بالمسؤولية الإسلامية الكبرى في اليوم الموعود.

و نحن نعلم بالدليل القطعي في الإسلام أهمية هذا اليوم الموعود عند اللّه عز و جل و عند رسوله، فانه اليوم الذي يتحقق به الغرض الأساسي من خلق البشرية، على ما سنعرف، و تتنفذ به آمال الأنبياء و المرسلين، و تتكلل جهودهم بالنجاح، بوجود المجتمع العادل و إنجاز دولة الحق. كما أننا نبرهن‏ (1) على أن الأهداف الالهية المهمة، إذا توقف وجودها على المعجزة، فان اللّه تعالى يوجدها لا محالة، من أجل تحقيق ذلك الهدف المهم.

و إذا نعتقد- كما هو المفروض في هذا التاريخ- بولادة الإمام المهدي (ع) المذخور لليوم الموعود، يتبرهن لدينا بوضوح كيف و لما ذا تعلق الغرض الالهي بحفظه و صيانته، كما تعلق بطول عمره. فإذا كانت صيانته منحصرة باختفاء شخصه، لزم على اللّه عز و جل تنفيذ هذه المعجزة وفاء بغرضه الكبير.

و تضيف هذه الأطروحة الأولى، قائلة: بأن هذا الاحتجاب قد يزول أحيانا، عند ما توجد مصلحة في زواله: كما لو أراد المهدي (ع) أن يقابل شخصا من البشر لأجل أن يقضي له حاجة أو يوجه له توجيها أو ينذره إنذارا. فان المقابلة تتوقف على رؤيته، و لا تتم مع الاختفاء.

و يكون مقدار ظهوره للناس محدودا بحدود المصلحة، فان اقتضت أن يظهر للناس ظهورا تاما لكل رائي تحقق ذلك، و استمرت الرؤية بمقدار أداء غرضه من‏

____________

(1) انظر المعجزة في المفهوم الاسلامي، مخطوط للمؤلف.

33

المقابلة. ثم يحتجب فجأة فلا يراه أحد، بالرغم من أنه لم يغادر المكان الذي كان فيه. و إذا اقتضت ظهوره لشخص دون شخص تعين ذلك أيضا، إذ قد يكون انكشافه للآخرين خطرا عليه.

و على ذلك تحمل كل أخبار مشاهدة المهدي (ع) خلال غيبته، حتى ما كان خلال الغيبة الصغرى، و خاصة فيما سمعناه في تاريخ الغيبة الصغرى‏ (1) بأن المهدي (ع) ظهر لعمه جعفر الكذاب مرتين؛ ثم اختفى من دون أن يعلم أين ذهب. فإنه يعطي أن الاختفاء كان على شكل هذه الأطروحة.

و أما أخبار المشاهدة خلال الغيبة الكبرى، فبعضها ظاهر في الدلالة على ذلك، بل منها ما هو صريح به. بل أن بعض هذه الأخبار تتوسع، فتنسب الاختفاء إلى فرسه الذي يركبه و خادمه الذي يخدمه، بل حتى الصراف الذي يحوّل عليه شخصا لأخذ المال‏ (2).

و أود أن أشير في هذا الصدد إلى أن هذه الأطروحة في غنى عما نبزه بعض مؤرخي العامة على المعتقدين بغيبة المهدي (ع). من أنه نزل إلى السرداب و اختفى فيه و لم يظهر. كما سبق أن ناقشنا ذلك في تاريخ الغيبة الصغرى‏ (3). و أن أخبار مشاهدة المهدي (ع) في كل من غيبته الصغرى و الكبرى مجمعة على مشاهدته في أماكن أخرى. و على أي حال، فهذه الأطروحة في غنى عن ذلك، لوضوح إمكان اختفاء المهدي (ع) بشخصه في أي مكان، و لا ينحصر ذلك في السرداب بطبيعة الحال.

و سيأتي في الفصول الآتية، ما يصلح أن يكون تكملة للتصور المترابط للمهدي (ع) بحسب هذه الأطروحة.

الأطروحة الثانية: أطروحة خفاء العنوان:

و نريد به أن الناس يرون الإمام المهدي (ع) بشخصه بدون أن يكونوا عارفين‏

____________

(1) انظر ص 314.

(2) انظر النجم الثاقب، ص 351.

(3) المصدر، ص 563.

34

أو ملتفتين إلى حقيقته.

فاننا سبق أن عرفنا من تاريخ الغيبة الصغرى، أن المهدي (ع) رباه أبوه محتجبا عن الناس، إلا القليل من الخاصة الذين أراد أن يطلعهم على وجوده و يثبت لهم إمامته بعده. ثم ازداد المهدي (ع) احتجابا بعد وفاة أبيه و أصبح لا يكاد يتصل بالناس إلا عن طريق سفرائه الأربعة. غير عدد من الخاصة المأمونين الذين كانوا باحثين عن الخلف بعد الإمام العسكري (عليه السلام)، كعلي بن مهزيار الأهوازي و غيره. و كان المهدي (ع) يؤكد عليهم في كل مرة الأمر بالكتمان و الحذر.

و كلما تقدمت السنين في الغيبة الصغرى، و تقدمت الأجيال، قلّ الذين عاصروا الإمام العسكري (عليه السلام) و شاهدوا ابنه المهدي (ع)، حتى انقرضوا.

و وجدت أجيال جديدة لا تعلم من أسلوب اتصالها بالإمام (ع) إلا الاتصال بسفيره، على أفضل التقادير. و كان هذا الجيل- بشكل عام- جاهلا بالكلية بسحنة و شكل إمامه المهدي (ع)، بحيث لو واجهوه لما عرفوه البتة إلا بإقامته دلالة قطعية على شخصيته.

و من هنا تيسر له- كما علمنا في ذلك التاريخ- فرصة السفر إلى مختلف أنحاء البلاد كمكة و مصر، من دون أن يكون ملفتا لنظر أحد.

و هذا ما نعنيه من خفاء العنوان. فان أي شخص يراه يكون غافلا بالمرة عن كونه هو الإمام المهدي (ع). و إنما يرى فيه شخصا عاديا كسائر الناس لا يلفت النظر على الاطلاق.

و يمكن للمهدي (ع) أن يعيش في أي مكان يختاره و في أي بلد يفضله سنين متطاولة، من دون أن يلفت إلى حقيقته نظر أحد. و تكون حياته في تلك الفترة كحياة أي شخص آخر يكتسب عيشه من بعض الأعمال الحرة كالتجارة أو الزراعة أو غيرها. و يبقى على حاله هذه في مدينة واحدة أو عدة مدن، حتى يأذن اللّه تعالى له بالفرج.

و يمكن الاستدلال على هذه الأطروحة، انطلاقا من زاويتين:

35

الزاوية الأولى:

الأخبار الواردة بهذا الصدد منها: ما أخرجه الشيخ الطوسي في الغيبة (1) عن السفير الثاني الشيخ محمد بن عثمان العمري أنه قال: و اللّه إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة يرى الناس و يعرفهم و يرونه و لا يعرفونه.

و المقصود بصاحب هذا الأمر: الإمام المهدي (ع)، و المراد بالموسم موسم الحج. و الرواية واضحة الدلالة على عدم اختفاء الشخص و مقترنة بالقسم باللّه تعالى تأكيدا. و صادرة من سفير المهدي (ع) و هو أكثر الناس اطلاعا على حاله.

و منها: ما ورد عن السفير من قوله حول السؤال عن اسم الامام المهدي (ع):

و إذا وقع الاسم وقع الطلب‏ (2).

فانه ليس في طلب الحكام للمهدي (ع) و مطاردتهم له، أي خطر و لا أي تأثير، لو كانت الأطروحة الأولى صادقة و كان جسم المهدي (ع) مختفيا، إذ يستحيل عليهم الوصول إليه. و إنما يبدأ الخطر و النهي عن الاسم تجنبا للمطاردة طبقا للأطروحة الثانية. فإنه ما دام عنوان المهدي (ع) و اسمه مجهولين، يكون في مأمن عن المطاردة، و أما إذا «وقع الاسم» و عرف العنوان، لا يكون هذا الأمن متحققا و يكون احتمال المطاردة قويا.

و منها: ما ورد من التوقيع الذي خرج من المهدي (ع) إلى سفيره محمد بن عثمان رضي اللّه عنه يقول فيه: فانهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه، و إن وقفوا على المكان دلّوا عليه‏ (3).

فانه لو صدقت الأطروحة الأولى لم يكن رؤية المهدي (ع) في أي مكان على الإطلاق، و لم يكن في الدلالة على أي مكان خطر أصلا. و إنما يكون الخطر موجودا طبقا للأطروحة الثانية.

و منها: ما قاله أبو سهل النوبختي حين سئل فقيل له: كيف صار هذا الأمر

____________

(1) انظر المصدر ص 221.

(2) نفس المصدر، ص 219.

(3) المصدر، ص 222.

36

إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك، فقال: هم أعلم و ما اختاروه.

و لكن أنا رجل ألقى الخصوم و أناظرهم. و لو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم و ضغطتني الحجة على مكانه لعليّ كنت أدل على مكانه. و أبو القاسم فلو كانت الحجة تحت ذيله و قرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه‏ (1).

و من الواضح أنه لا معنى لكل هذه الاحتياطات و التحفظات مع صحة الأطروحة الأولى أي اختفاء شخص المهدي (عليه السلام). و إنما لا بد من ذلك مع صحة الأطروحة الثانية، فإن الدلالة على المكان مستلزم لانكشاف العنوان.

و القائل لهذا الكلام هو أبو سهل النوبختي الذي كان من جلالة القدر و الوثاقة بحيث كان من المحتمل أن يكون هو السفير عن الإمام (ع) ... و من هنا سئل في هذه الرواية عن غض النظر عنه و إبداله بالشيخ ابن روح.

فهذه جملة من الأخبار الدالة على صحة الأطروحة الثانية، و بطلان الأولى.

إلى أخبار غيرها لا نطيل الحديث بسردها.

الزاوية الثانية:

قانون المعجزات الذي يقول: إن المعجزة إنما تحدث عند توقف إقامة الحق عليها، و اما مع عدم هذا التوقف، و إمكان إنجاز الأمر بدون المعجزة فانها لا تحدث بحال. كما برهنا عليه في محله‏ (2).

و لا شك أن حفظ الإمام المهدي (ع) و بقاءه مما يتوقف عليه إقامة الحق بعد ظهوره. فلو توقف حفظه على إقامة المعجزة بإخفائه شخصيا لزم ذلك. إلا أن هذا غير لازم لما عرفناه من كفاية خفاء العنوان في إنجاز الغرض المطلوب و هو حفظه من كيد الأعداء. و سنذكر فيما يلي بعض الايضاحات لذلك. و من هنا تكون معجزة اختفائه بلا موضوع، و يتعين الأخذ بالأطروحة الثانية.

و من أجل تنظيم هذه الأطروحة فكريا و برهانيا، لا بد من الجواب عليها.

____________

(1) المصدر، ص 240.

(2) انظر المعجزة في المفهوم الاسلامي، المخطوط.

37

السؤال الأول:

إذا كان المهدي (ع) ظاهرا بشخصه للناس، و هم لا يعرفونه، فكيف لا يلتفتون إليه طوال السنين، و هم يرونه باقيا لا يموت، على حين يموت غيره من الناس.

و في هذا السؤال غفلة عن الأسلوب الذي يمكن للمهدي (ع) أن يتخذه تلافيا لهذا المحذور. فانه لو عاش في مدينة واحدة حقبة طويلة من الزمن لانكشف أمره لا محالة. و لكنه- بطبيعة الحال- لا يعمل ذلك، بل يقضي في كل مدينة أو منطقة، عددا من السنين تكون كافية لبقاء غفلة الناس عن حقيقته.

فلو كان يقضي في كل مدينة من العالم الاسلامي خمسين عاما، لكان الآن قد أكمل سكنى اثنتين و عشرين مدينة. و توجد في العالم الإسلامي أضعاف ذلك من المدن التي يمكن للمهدي (ع) أن يسكنها تباعا. كما يمكن أن يعود إلى نفس المدينة التي سكن بها، بعد مضي جيلين أو أكثر و انقراض من كان يعرف شخصه من الناس.

و من البسيط جدا ألا ينتبه الناس إلى عمره خلال السنوات التي يقضيها في بلدتهم. فان هناك نوعا من الناس، نصادف منهم العدد غير القليل، تكون سحنتهم ثابتة التقاطيع على مر السنين. فلو فرضنا- في الأطروحة- كون المهدي (ع) على هذا الغرار، لم يكن ليثير العجب بين الناس، بعد أن يكونوا قد شاهدوا عددا غير قليل من هذا القبيل.

ثم حين يمر الزمان الطويل، الذي يكون وجود المهدي (ع) فيه ملفتا للنظر و مثيرا للانتباه، يكون المهدي (ع) قد غادر هذه المدينة بطريق اعتيادي جدا إلى مدينة أخرى ليسكن فيها حقبة من السنين. و هكذا.

السؤال الثاني:

أنه كيف تتم المقابلة مع الإمام (ع)، على الشكل الوارد في أخبار المقابلة؟

و كيف يختفي الإمام بعدها؟.

أما حدوث المقابلة، ففي غاية البساطة، فإنه (عليه السلام) إذ يرى المصلحة في مقابلة شخص، فإنه يكشف له عن حقيقته أما بالصراحة، أو بالدلائل التي تدل‏

38

عليه في النتيجة، لكي يعرف الفرد أن الذي رآه هو المهدي (ع) و لو بعد حين.

و المهدي (ع) يحتاج في إثبات حقيقته لأي فرد إلى دليل، لجهل الناس جهلا مطلقا بذلك. و هو يعبّر عن معجزة يقيمها الإمام (ع) في سبيل ذلك، و هذه المعجزة تقوم في طريق إثبات الحجة على المكلفين، فتكون ممكنة و صحيحة، و هي طريق منحصر لاثبات ذلك، كما هو واضح، إذ بدونها يحتمل أن لا يكون هو المهدي (ع) على أي حال.

و الغالب في أخبار المشاهدة أن الفرد لا ينتبه إلى حقيقة المهدي (ع) إلا بعد فراقه، و مضي شي‏ء من الزمان. لأن الفرد لا يستطيع أن يشخّص أن ما قام به المهدي (ع) أو ما قاله هو من المعجزات الخاصة به، إلا بعد مفارقته بمدة. و بذلك يضمن المهدي (ع) خلاصه من الاطلاع الصريح المباشر على حقيقته في أثناء المقابلة، فتندفع عنه عدة مضاعفات محتملة.

و أما أنه كيف يختفي المهدي (ع) بعد انتهاء المقابلة، فلذلك أطروحتان، من الممكن له تطبيق أي منهما.

الأولى: الاختفاء الشخصي الاعجازي. فيما إذا انحصر طريق التخلص به، فيكون مطابقا مع قانون المعجزات.

الثانية: و هي المتحققة على الأغلب في ظروف اللقاء المنقولة لنا في أخبار المشاهدة، سواء ما وقع منها في عصر الغيبة الصغرى أو ما يقع في الغيبة الكبرى.

و هو الاختفاء بطريق طبيعي، لعدم انحصار التخلص بالمعجزة. بل كان المهدي (ع) يزجي هذا الأمر بنحو عادي جدا غير ملفت للنظر. كما لو أصبح رفيقا في السفر مع بعض الأشخاص ثم يفارقه‏ (1) أو يبقى المهدي (ع) في مكانه و يسافر عنه الشخص الآخر (2). أو أن المهدي يوصل شخصا إلى مأمنه من متاهة وقع فيها ثم يرجع. و لا يلتفت ذلك الشخص إلى حقيقة منقذه إلا بعد ذهابه‏ (3). و يكون‏

____________

(1) انظر الغيبة للشيخ الطوسي، ص 181.

(2) انظر النجم الثاقب، ص 306.

(3) انظر المصدر، ص 341 و غيرها.

39

لغفلته هذه الأثر الكبير في سهولة و سرعة اختفاء المهدي عنه. و مع إمكان الاختفاء الطبيعي، يكون الاختفاء الاعجازي بلا موضوع.

و يستطيع المهدي (ع) أن يخطط بمقابلته نحوا من الأسلوب، ينتج غفلة الرائي عن كونه هو المهدي (ع) في أثناء المقابلة. و إنما يتوصل إلى الالتفات إلى ذلك بعدها. و يقيم دلائله بحيث لا تكون ملفتة للنظر أثناء وقوعها، و إنما يحتاج الالتفات إليها إلى شي‏ء من الحساب و التفكير، لا يتوفر- عادة- إلا بعد اختفاء المهدي. و هذا هو الديدن الذي يطبقه الإمام (ع) في أغلب المقابلات.

و هذا التخطيط المسبق الذي يقوم به المهدي (ع) يغنيه عن التفكير في طريقة الاختفاء عند المقابلة. و إن كان لا يعدم- بغض النظر عن الاختفاء الاعجازي- مثل هذه الطريقة. و لئن كنا نرى في كل زمان أشخاصا عارفين بطرق الاختفاء السريع، لمختلف الأغراض، كالبحث عن المجرمين أو الهرب من العقاب. أو عن مقابلة الدائن، أو غير ذلك ... فكيف بالإمام المهدي (ع) صاحب القابليات غير المحدودة الذي يستطيع بها أن يحكم العالم كله، و المعد لذلك من اللّه تعالى إعدادا خاصا.

السؤال الثالث:

إن من يرى المهدي (ع)، فسوف يعرفه بشخصه، و سيعرفه كلما رآه. و هو ما يؤدي بالمهدي (ع) تدريجا إلى انكشاف أمره و انتفاء غيبته المتمثلة بخفاء عنوانه و الجهل بحقيقته. إذ من المحتمل للرائي أن يخبر الآخرين بذلك، فيعرفون حقيقته و ينكشف أمره.

و يمكن الانطلاق إلى الجواب على مستويات ثلاثة:

المستوى الأول:

إن الفرد الذي يحظى بمقابلة المهدي (ع) لن يكون إلا من خاصة المؤمنين المتكاملين في الاخلاص- على الأغلب- و مثل هذا الفرد يكون مأمونا على إمامه (ع) من النقل إلى الآخرين. فان الناس لا يعلمون من هذا الشخص أنه رأى المهدي و عرفه، و له الحرية في أن يقول ذلك أو أن يستره، أو أن يبدي بعض الحادث و يخفي البعض الآخر، بالمقدار الذي يحقق به مصلحة الغيبة و الستر على‏

40

الإمام الغائب (عليه السلام).

المستوى الثاني:

إذا لم يكن الرائي مأمونا، فيما إذا اقتضت المصلحة مقابلته، فقد يكون بعيد المزار جدا، و يكون المهدي (ع) عالما سلفا بأنه لن يصادفه في مدينته أو في الأماكن التي يطرقها طيلة حياته. و معه فيكون الخطر المشار إليه في السؤال غير ذي موضوع.

المستوى الثالث:

إذا كان الرائي قريبا في مكانه من المنطقة التي يسكنها المهدي (ع) و لم يكن مأمونا، فإنه يحتاج المهدي إلى تخطيط معين لتفادي الخطر المذكور.

و لعل أوضح تخطيط و أقربه إلى الأذهان هو أن يغير زيه الذي يعيش به عادة بين الناس ليقابل الفرد المطلوب بزي جديد. و من هنا نرى الامام المهدي (ع)- على ما دلت عليه الروايات- يقابل الناس بأزياء مختلفة. ففي عدد من المرات يكون مرتديا عقالا و راكبا جملا أو فرسا. و في مرة على شكل فلاح يحمل المنجل، و أخرى على شكل رجل من رجال الدين العلويين‏ (1). و هذا أحسن ضمان لعدم التفات الناس إلى شخصيته المتمثلة بزيه العادي.

على أن المقابلات تقترن في جملة من الأحيان، بأشكال من الضرورة و الحرج عند الفرد، و هي الضرورة التي يريد المهدي (ع) إزالتها، على ما سنسمع، و مثل هذا الفرد يصعب عليه، و هو في حالته تلك تمييز سحنة الإمام (ع) بشكل يستطيع أن يشخصه بعد ذلك، خاصة و هو في زيه التنكري.

و هناك أساليب أخرى، يمكن اتخاذها في هذا الصدد، لا ينبغي أن نطيل بها الحديث.

و لو فرض أنه احتاج الأمر و انحصر حفظ الإمام (عليه السلام) بالاعجاز بطريق الاختفاء الشخصي، لو قابله الفرد الرائي مرة ثانية، لكان ذلك ضروريا و متعينا.

أو تكون المعجزة على شكل نسيان الرائي لسحنة الإمام (ع) بعد المقابلة.

____________

(1) راجع ذلك في النجم الثاقب في عدد من مواضيع الكتاب.

41

فهذه ثلاثة أسئلة مع أجوبتها تضع الملامح الرئيسية على أطروحة خفاء العنوان. و سيأتي لما العديد من الايضاحات و التطبيقات في الفصول الآتية.

و عرفنا أيضا كيف تتبرهن هذه الأطروحة في مقابل الأطروحة الأولى، من حيث أن باستطاعة الامام المهدي (ع) أن يحتجب عن الناس بشكل طبيعي لا إعجاز فيه، ما لم يتوقف احتجابه على الإعجاز، طبقا لقانون المعجزات. و إذا تمّ ذلك يكون الالتزام باختفائه الشخصي الدائم، بالمعجزة، منفيا بهذا القانون، و ينبغي تأويل أو نفي كل خبر دال عليه.

كما أن هذه الأطروحة الثانية، هي التي تنسجم مع التصورات العامة التي اتخذناها في فهم الأسلوب العام لحياة الامام المهدي (ع) في غيبته الصغرى.

خاتمه‏

و نود أن نشير في خاتمة هذه الأطروحة إلى نقاط ثلاث:

النقطة الأولى:

أننا إذ نعرف أن المهدي (ع) متى استطاع الاحتجاب بشكل طبيعي، فان المعجزة لا تساهم في احتجابه ... لا نستطيع- على البعد- مقتضيات الظروف و الأحوال التي يمر بها المهدي (ع) في كل مقابلة. و هل كان بإمكانه أن يختفي بشكل طبيعي، أو يتعين عليه الاختفاء الاعجازي.

فمثلا: ان لاختفائه بعد مقابلته لجعفر الكذاب مرتين، احتمالين، هما اختفاؤه الشخصي أو اختفاؤه الطبيعي، بحسب الظروف التي كان يعيشها المهدي (ع) يومئذ. و أما بدء هذه المقابلة فلا حاجة إلى افتراض كونه إعجازيا، بأي حال، كما ذهب إليه رونلدسن‏ (1)، بل يمكن أن يكون طبيعيا اعتياديا.

و على أي حال، فبعض الروايات، يمكنها أن تعطينا الظرف الذي تنتهي به المقابلة. حيث يتضح من بعضها إمكان الاحتجاب الطبيعي، كما سبق أن مثلنا.

____________

(1) انظر عقيدة الشيعة، ص 237.

42

بينما يتضح من بعضها تعيّن الاحتجاب الاعجازي أحيانا. كما ستسمع في مستقبل هذا التاريخ.

النقطة الثانية:

في الالماع إلى الأنحاء المتصور لما يحصل بالمعجزة من أثر يوجب اختفاء الجسم على الناظر، بالرغم من اقتضاء القوانين الكونية لحصول الرؤية.

فنقول: إن المعجزة أما أن تتصرف في الرائي أو في المرئي. فتصرفها في الرائي هو جعله بنحو يعجز عن إدراك الواقع الذي أمامه. فيرى المكان خاليا عن الإمام المهدي (ع) مع أنه موجود فيه بالفعل. فلو تعين بحسب المصلحة الملزمة و الغرض الإلهي، أن يراه شخص دون شخص، كان نظر من يراه اعتياديا، و نظر من لا يراه محجوبا بالمعجزة. و كذلك أيضا التصرف في الحواس الأخرى كالسمع و اللمس و غيرها، و قد تحتجب بعض حواس الفرد دون بعض، فيسمع صوت المهدي (ع) من دون أن يراه‏ (1).

و فرق الأطروحتين الرئيسيتين بالنسبة إلى الاعجاز الالهي هو: أن الأطروحة الأولى ترى أن هذا الاعجاز هو الأمر الاعتيادي الدائم و الثابت لكل الناس، بالنسبة إلى حياة المهدي (ع) حال غيبته الكبرى. و إنما تحتاج مقابلته إلى استثناء عن هذا الدوام. على حين ترى الأطروحة الثانية أن الأمر الاعتيادي الدائم هو انكشاف جسم المهدي (ع) للناس و إمكان معاشرته معهم. و يحتاج اختفاء شخصه إلى استثناء لا يحدث إلا عند توقف حفظ الامام المهدي (ع) عليه.

و أما تصرف المعجزة في المرئي أي الواقع الموضوعي القابل للرؤية. فأوضح طريق لذلك هو أن تحول المعجزة دون وصول الصورة النورية الصادرة عن جسم المهدي (ع) أو ذبذباته الصوتية، و غير ذلك مما تتقبله الحواس الخمس ... تحول دون وصولها إلى الرائي أو السامع. و معه يكون الفرد عاجزا أيضا عن الإحساس بالواقع الموضوعي الذي أمامه.

و هناك أكثر من نحو واحد، متصور للمعجزة في محل الكلام، و هي تحتاج إلى‏

____________

(1) البحار، ج 3، ص 146.

43

بحث فلسفي و فيزياوي مطول، فيكون الأحجى أن نضرب عنه صفحا تحاشيا للتطويل.

النقطة الثالثة:

أنه ساعد الإمام المهدي (ع) في غيبته عوامل نفسية أربعة متحققة لدى الناس على اختلاف نحلهم و اتجاهاتهم، مما جعل عليهم من الممتنع التصدي للبحث عنه لأجل الاستفادة منه أو التنكيل به.

العامل الأول:

الجهل بشكله و هيئة جسمه جهلا تاما. و هو عامل مشترك بين أعدائه و محبيه.

العامل الثاني:

إنكاره من قبل غير قواعده الشعبية بما فيهم سائر الحكام الظالمين الذين يمثل المهدي رمز الثورة عليهم و إزالة نظمهم من الوجود. فهم في انكارهم له مرتاحين عن مطاردته، و هو مرتاح من مطاردتهم.

العامل الثالث:

ارتكاز صحة الأطروحة الأولى عند عدد من قواعده الشعبية، أخذا بظواهر الأخبار التي سمعناها. إذ مع صحتها لا يكون هناك سبيل إلى معرفته بل يستحيل الاحساس بوجوده، إلا عن طريق المعجزة، و هي لا تتحقق إلا للأوحدي من الناس.

العامل الرابع:

الإيمان بعناية اللّه تعالى له و حفظه ليومه الموعود. فمتى تعلّقت المصلحة بالمقابلة مع المهدي (ع) كان هو الذي يريدها. و متى لم تتعلق بها المصلحة، فالأصلح للإسلام و المسلمين ألا تتم المقابلة و إن تحرّق الفرد المؤمن إليها شوقا.

و من هنا يكون الفرد الاعتيادي في حالة يأس من مقابلته و التعرف إليه.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الفصل الثاني التكليف الاسلامي للإمام المهدي (ع) في غيبته الكبرى. و ما يقوم بتنفيذه تجاه الإسلام و المسلمين من أعمال نافعة و مصالح كبرى‏

ينقسم تكليف الإمام عموما في الإسلام عند ظهوره و عدم وجود المانع عن عمله، إلى عدة أقسام:

القسم الأول:

وجوب توليه رئاسة الدولة و قيادة الأمة، بمعنى تطبيق الأطروحة الكاملة للعدل الاسلامي على وجه الأرض. و الأخذ بالأزمة العليا للمجتمع لأجل ضمان هذا التطبيق.

القسم الثاني:

وجوب الدعوة الإسلامية، بمعنى إدخال المجتمع الكافر في بلاد الإسلام، أما بالحرب أو بالصلح أو بغيرهما.

القسم الثالث:

وجوب الحفاظ على المجتمع المسلم ضد الغزو الخارجي، و الدفاع عن بيضة الإسلام بالنفس و النفيس.

القسم الرابع:

وجوب الحفاظ على المجتمع المسلم ضد الانحراف و شيوع الفساد في العقيدة أو السلوك بالتوجيه الصالح و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و تبليغ تعاليم الإسلام.

46

و هذه الاقسام الأربعة، تجب وجوبا مطلقا في أي مكان و زمان، يجب أن يبذل الإمام و الأمة في سبيلها أقصى ما يستطيع و تستطيع.

القسم الخامس:

و هو خاص بصورة عجز الإمام عن جملة من الأعمال السابقة، لكونه يعيش في مجتمع منحرف يطارده و يراقبه و يعزله عن الأعمال الاجتماعية و السياسية، كما كان عليه حال أئمتنا (عليهم السلام)- بشكل عام-. و قد حملنا عن بعض جوانب ذلك صورة واضحة في تاريخ الغيبة الصغرى.

ففي مثل ذلك يكون عمل الإمام- كما رأينا في ذلك التاريخ- مكرسا- في الأغلب- على الحفاظ على قواعده الشعبية و مواليه، و على حسن علاقتهم بالآخرين و حسن تلقيهم تعاليم الدين و تطبيقهم أحكام الإسلام.

نعم، إن وجد الإمام طريقا أحيانا إلى القيام ببعض الأعمال الإسلامية على نطاق واسع. و كان المانع مرتفعا عنه في ذلك العمل، وجب عليه انجازه، و كان ذلك العمل أوسع من قواعده الشعبية و شاملا خيره لكل بلاد الإسلام.

القسم السادس:

وجوب إغاثة الملهوف و إعانة المضطر. و هو تكليف عام لا يختص بالإمام (عليه السلام)، بل يعم كل مسلم. نعم، قد يحول العجز عن الاغاثة أو وجود عمل أو هدف إسلامي أهم، فيسقط وجوبها، كما قرر في محله بحسب القواعد الإسلامية.

إذا علمنا هذه الأقسام، و علمنا أن الإمام المهدي (ع)، يجب عليه بالنظر الأولي كل هذه الأمور جملة و تفصيلا، يجب أن يؤدي منها ما يستطيع إليه سبيلا.

شأنه في ذلك شأن أي إمام آخر. و قد أدى الأئمة من آبائه (عليهم السلام)، ما استطاعوا من هذه التكاليف، و تركوا ما عجزوا عنه، أو اقتضت المصالح الإسلامية العليا تركه.

أما الإمام المهدي (ع) نفسه، فهو مذخور للقيام بدولة الحق في اليوم الموعود، و هو من أعظم الأهداف الإلهية، يرتبط بأصل خلقه البشرية و وجودها على ما سنبرهن عليه في مستقبل هذا التاريخ. و قد علمنا من القواعد العامة بما فيها قانون المعجزات بأن الأهداف الالهية العليا تتقدم على أي شي‏ء آخر، فكل ما تتوقف‏

47

على حدوثه فانه يحدث لا محالة و كل ما تتوقف على انتقائه و انعدامه فانه ينتفي لا محالة، سواء كان ذلك من أمور الكون أو من أحكام الشريعة.

فإذا نظرنا إلى هذا الهدف المهم، الذي ذخر المهدي (ع) له، وجدنا أن أمورا عديدة يتوقف على حدوثها كوجود المهدي (ع) و غيبته، و المعجزة التي تتكفل طول بقائه، و المعجزة التي تتكفل اختفاءه الشخصي أحيانا لصيانته من الأخطار. كما نجد أن أمورا يتوقف اليوم الموعود على انتفائها. فمن ذلك في جانب الأحكام: ان كل حكم شرعي يكون تطبيقه منافيا مع حفظ الإمام المهدي أو غيبته و بالتالي يكون منافيا مع وجود اليوم الموعود نفسه، فان هذا التطبيق يكون ساقطا شرعا عن الإمام، و لا يجب عليه امتثال الحكم و تنفيذه. و أما الأحكام الشرعية الإسلامية غير المنافية مع هذه الأمور، سواء الأحكام الشخصية كوجوب الصلاة و الصوم، أو العامة كوجوب الأمر بالمعروف- مثلا- على ما سنسمع، فلا موجب للالتزام بسقوطها، بل تكون شاملة له و يجب عليه تنفيذها لفرض استطاعته ذلك، باعتبار عدم منافاتها مع غيبته و هدفه.

إذا علمنا ذلك، استطعنا أن نحكم بوضوح بسقوط التكليف بأي واحد من الأقسام السابقة، إذا كان مستلزما لانكشاف أمره و زوال غيبته. و هذا واضح إلى حد كبير في الأقسام الثلاثة الأولى، فانه مستلزم لذلك عادة، إلا أن يفترض كونه قائدا أو موجها بشخصية ثانوية يعرف بها غير صفة الحقيقة على ما سيأتي.

و بغض النظر عن ذلك، تكون الأطروحتان الرئيسيتان للغيبة، مختلفتين في المدلول:

أما بناء على صحة أطروحة خفاء الشخص، فكل الأقسام يمتنع عليه القيام بها، إلا ما كان خلال الأحوال الاستثنائية التي تتم فيها المقابلة مع الآخرين.

لوضوح أنه حال اختفائه لا يمكنه القيام بأي عمل.

و قد يخطر في الذهن، أنه يمكن للمهدي (ع) الظهور التام، و القيام بسائر الأعمال و تطبيق كل الأحكام.

و الجواب: ان هذا قبل أوانه لا يكون ممكنا. أولا: لأنه منوط باذن اللّه تعالى لا بإذن المهدي (عليه السلام). و ثانيا: لأن لانتصاره في يوم ظهوره شرائط معينة على‏

48

ما سنعرف و بدون تحقق هذه الشرائط لا يمكن الانتصار و بالتالي لا يتحقق الهدف الأسمى المطلوب. إذن فلا بد من تأجيل الظهور الكامل إلى حين تحقق تلك الشروط، و لا تجوز المبادرة إليه في الظروف غير المدروسة و تحت المناسبات الطارئة.

نعم، يبقى احتمال واحد، على تقدير صحة الأطروحة الأولى، و هو إمكان الاكثار من المقابلات و الظهورات المتقطعة. و هي و إن كانت استثناء من الحال الاعتيادي للمهدي (ع) إلا أنها تتضمن- على أي حال- تطبيقا للحكم الإسلامي و إنقاذا لبلاد الإسلام من عدد من المظالم التي تقع فيها. فلما ذا لم يحدث ذلك و اقتصرت المقابلات على قليل من الموارد نسبيا و هذا السؤال لا نجد له جوابا بناء على صحة الأطروحة الأولى، لعدم تعرض الامام المهدي (ع) لأي خطر، باعتبار إمكان اختفائه في اللحظة التي يشاء. و معه يكون تطبيق الحكم الشرعي ممكنا بالنسبة إليه، فيكون واجبا عليه. على حين لم يحدث ذلك بالكثرة المطلوبة جزما، و إلا لاشتهر أمره و شاع. و هذا بنفسه يدل على بطلان هذه الأطروحة، إذ عدم قيام الإمام المهدي (ع) بذلك يدل على عدم وجوبه عليه، و حيث أننا برهنا بوجود التكليف عليه على تقدير صحة الأطروحة، إذن فالقول بصحتها مستلزم للقول بتقصير الإمام المهدي (ع) في تطبيق أحكامه.

و هو واضح البطلان، إذن فهذه الأطروحة باطلة.

و هناك مناقشات و جدل، يعود إلى هذا الأمر يحسن عدم الاطالة في ذكره.

و أما بناء على صحة الأطروحة الثانية، كما هو الصحيح ... فهذا الاحتمال الذي كنا نناقشه، و هو إمكان الاكثار من الظهورات و المقابلات يكون واضح الفساد، بل هو منتف موضوعا. لأن تعدد الظهور بكثرة يؤدي إلى تعرف الكثيرين على حقيقته و انكشاف أمره، و من ثم يكون منافيا مع غيبته و قد عرفنا أن كل أمر مناف للغيبة لا يمكن حدوثه، قبل تحقق شرائط اليوم الموعود.

و قد يخطر في الذهن: بأن تخطيطا دقيقا يمكن أن يقوم به المهدي (ع) في كل مقابلة، كفيل بعدم انكشاف أمره، و جوابه: بأن كثرة الظلم و تعدد حاجات الناس و ضروراتهم، يوجب كثرة الظهور و كثرته تكون موجبة لإلفات النظر إليه بنحو لا

49

يفيد معه تخطيط دقيق.

كما قد يخطر في الذهن: بأن المهدي يمكنه إخفاء شخصه بالمعجزة في أوقات الخطر. إذن فليظهر للعمل موقتا، ثم فليختف متى استلزمت المصلحة ضرورة الاختفاء.

و هذه الفكرة لها عدة أجوبة أهمها أمران:

الأمر الأول:

إن معنى ذلك توقف تنفيذ الأحكام الشرعية على المعجزة. لأن تنفيذه من قبل المهدي (ع) مستلزم عادة لوقوعه في الخطر، نتيجة لانحراف المجتمع، فيكون مستلزما لاختفائه الاعجازي. و نحن نعلم، بحسب القواعد الاسلامية، إن كل حكم شرعي إذا توقف على المعجزة لم يكن تنفيذه واجبا، إلا ما يمت إلى أصل الإسلام بصلة، كإثبات النبوة أو الإمامة أو إقامة دولة الحق. و من الواضح أن الحكم الشرعي بوجوب إغاثة المضطر- مثلا- لا يمت إلى أهل الإسلام بصلة، فلا يكون واجبا.

الأمر الثاني:

أنه لو تعددت ظهورات المهدي (ع) فسوف يعرفه الكثيرون بمجرد رؤيته، فيلزمه الاختفاء قبل أن تسنح له فرصة العمل. و هذا معناه أن كثرة الظهور في أي زمان تمنع عن مواصلة أي شكل من أشكال العمل.

و على أي حال، فالعمل المتصور للإمام المهدي (ع) بناء على ما هو الصحيح من صحة الأطروحة الثانية ... على قسمين: عمل يقوم به بصفته الحقيقية، بحيث يمكن للفرد نسبته إليه و لو بعد انتهاء العمل. و عمل يقوم به حال كونه مجهول الحقيقة، يعيش في المجتمع كفرد عادي، بشخصية ثانوية، في اسم آخر و حرفة و مكان غير ملفت لأي نظر.

أما العمل بصفته الحقيقية، في تنفيذ ما يمكنه تنفيذه من الأقسام السابقة للتكاليف الإسلامية، فحاله هو ما سبق أن قلناه قبل أسطر. و قد رأينا أنه من غير

50

المحتمل أن يكون المهدي (ع) شرعا مكلفا بذلك، لتعذر العمل عليه بهذه الصفة، طبقا لكلتا الأطروحتين.

لا يبقى- بعدها- إلا الأعمال التي أعربت عنها أخبار المشاهدة في الغيبة الكبرى، مما يمت إلى القسمين الأخيرين من التكاليف بصلة، على ما سنوضح عند دراسة المقابلات في مستقبل هذا التاريخ. فان هذا العدد من المقابلات لا ينافي غرضه و لا يخل بغيبته.

و أما عمله بصفته فردا اعتياديا في المجتمع، فهذا ما لا دليل على نفيه بحال، بل استطعنا الاستدلال عليه، كما سبق، حسبنا من ذلك إمكان العمل بالنسبة إليه، و عدم منافاته مع غيبته و خفاء عنوانه بحال، فيكون واجبا عليه، كأي فرد آخر من المسلمين يجب عليه أن يؤدي أي عمل ممكن في مصلحة الإسلام. و هو أعلى و أولى من يلتزم بإطاعة أحكام الإسلام.

و من هنا لا يمكننا أن نتصوره (عليه السلام) إلا قائما بواجبه في أي قسم من الأقسام السابقة اقتضت المصلحة في تنفيذه. كهداية شخص أو جماعة من الكفر إلى الإسلام أو من الانحراف إلى الوعي أو من الظلم إلى الاعتدال، أو جعل الموانع ضد الظلم القائم في المجتمع، في تأثيره على الإسلام و المسلمين عامة و ضد قواعده الشعبية خاصة. إلى غير ذلك، و ما أدرانا كيف سيصبح حال المجتمع المسلم لو سحب الإمام (ع) لطفه و كف أعماله. و إلى أي درجة من الضلال و الظلم يمكن أن يبلغ.

على أننا نحتمل في كل عمل خيري عام أو سنة اجتماعية حسنة أو فكرة إسلامية جديدة، أو نحو ذلك من الأمور ... نحتمل أن يكون وراءها أصبع مخلص متحرك من قبل الإمام المهدي (ع). و أنه هو الذي زرع بذرته الأولى في صدر أو عمل أحد الأشخاص أو الجماعات ... بحيث أنتجت أكلها في كل حين بإذن ربها. و هذا الاحتمال لا نافي له، بتقدير صدق أطروحة خفاء العنوان. و مجرد الاحتمال يكفينا بهذا الصدد، بصفته أطروحة محتملة تنسجم مع الأدلة العامة و الخاصة، كما ذكرنا في المقدمة.

و هذا هو المراد الحقيقي الواعي من النصوص الواردة عن المهدي (ع) نفسه، و التي تثبت قيامه بالعمل النافع بوضوح.

51

فمن ذلك قوله المشهور: و أما وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب‏ (1). و أضاف (عليه السلام): و أني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء.

فالسحاب كناية عن خفاء العنوان. و الشمس كناية عن التأثير النافع المنتج في المجتمع. بعد وضوح أن العمل الذي يمكن للمهدي (ع) تنفيذه مع جهل الناس بحقيقته و عنوانه- أي في غيبته-، أقل بكثير مما يستطيع القيام به حال ظهوره و إعلان أمره.

و هذا الفهم هو المعين لهذا الحديث الشريف، بناء على أطروحة خفاء العنوان. لا ما ذكروه‏ (2) من التفسيرات التي يرجع بعضها إلى وجود تشريفي فلسفي للإمام (ع)، و بعضها إلى أنحاء تقديرية من النفع. و إنما ذكر علماؤنا الأسبقون إنما من باب «ضيق الخناق» و عدم الالتفات إلى هذا الفهم الواعي.

نعم، يتعين المصير إلى تلك التفسيرات بناء على أطروحة خفاء الشخص.

حيث يتعذر العمل على المهدي (ع) إلا بالمقدار القليل الذي تدل عليه أخبار المشاهدة- كما عرفنا-، مما لا يكاد يكفي أن يكون نفعا عاما مشابها لنفع الشمس و إن غيبها السحاب. فلا بد- و الحال هذه- من الأخذ في فهم النص بتلك التفسيرات. و لكننا حيث قلنا ببطلان هذه الأطروحة، يتعين أن نأخذ بفهمنا الواعي لهذا الحديث.

و من ذلك: ما روي عن المهدي (ع) مخاطبا لقواعده الشعبية: أنّا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم. و لو لا ذلك لنزل بكم اللأواء و اصطلمكم الأعداء.

فاتقوا اللّه جل جلاله. و ظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم، يهلك فيها من هم أجله، و يحمى عنها من أدرك أمله‏ (3).

و نحن نعلم أن وقوفه (ع) ضد الأعداء و نزول اللأواء- و هي الشدائد-، لا

____________

(1) الاحتجاج، ج 2، ص 284 و غيرها.

(2) انظرها في بيان مفصل لصاحب البحار في ج 13، ص 129.

(3) الاحتجاج، ج 2، ص 323.

52

يكون إلا بالعمل المثمر و الجهاد الحقيقي على الصعيدين العام و الخاص. و خاصة، و هو يأمرنا بمظاهرته أي معاونته و موافقته على إخراجنا من الفتنة و النجاة من الهلكة. فان على كل فرد مسئولية تامة في ذلك، و لا تنحصر المسئولية بالقائد، كما هو واضح، بل أن شعوره بالمسؤولية لا يكاد يكون مثمرا من دون شعور شعبه و رعيته بمسئوليتهم تجاه قائدهم و مبدئهم أيضا.

إذن، فهو (عليه السلام) يحمل هم شعبه و مواليه، يتذكرهم دائما و يعمل على حفظهم و درء المخاطر عنهم باستمرار، بمقدار ما يمكنه أن يؤديه من عمل، تماما كما عرفنا عن آبائه (عليهم السلام)، و كما عرفناه في خلال غيبته الصغرى. غاية الفرق أن تلك الأعمال كانت منه و من آبائه (ع) بالصفة الحقيقية لهم. و أما عمله خلال هذه الفترة، فليست بهذه الصفة، و إنما بصفته فردا اعتياديا في المجتمع.

و لكن الإمام المهدي (ع) يتوخى في موارد عمله وجود شرطين أساسيين، إن اجتمعا كان في إمكانه أن يتصدى للعمل، و إن تخلف أحدهما ترك العمل لا محالة، و أبقى الواقع على واقعه.

الشرط الأول:

أن لا يؤدي به عمله إلى انكشاف أمره و انتفاء غيبته. إذ من الواضح أن المهدي (ع) حين يقوم بالأعمال العامة الاسلامية، بصفته فردا عاديا في المجتمع، يمكنه أن يستمر بها إلى حد معين ليس بالقليل. و لكنه لو لمع اسمه و اشتهر صيته، ب «شخصيته الثانوية» لكان هناك احتمال كبير في انكشاف حقيقته و افتضاح سره.

لا أقل من أن ينتبه الناس إلى غموض نسبه و جهالة أصله، فيوصلوا بالفحص و السؤال إلى حقيقته، أو يحتملوا ذلك على الأقل، و هو ما لا يريده اللّه تعالى أن يكون.

إذن فعمل المهدي (ع) لا بد أن يقتصر على الحدود التي لا تؤدي إلى انكشاف أمره، فيدقق في ذلك و يخطط له، و هو الخبير الالمعي و يحسب لكل عمل حسابه.

و أي عمل علم أن التدخل فيه يوجب الانكشاف انسحب عنه، مهما ترتبت عليه من نتائج، لأن انحفاظ سره و ذخره لليوم الموعود، أهم من جميع ما يتركه من أعمال.

53

و لكن هذا لا ينافي تأثيره في الأعمال الإسلامية الخيرة التي نراها سائدة في المجتمع. و ذلك لإمكان أن يكون هو المؤثر في تأسيسها حال صغرها و ضآلة شأنها، و قد أودعها إلى المخلصين الذين يأخذون بها و يذكون أوارها، بدون أن يلتفتوا أو يلتفت إلى حقيقة عمله، بقليل و لا بكثير.

الشرط الثاني:

أن لا يؤدي عمله إلى التخلف و القصور في تربية الأمة، أو اختلال شرائط يوم الظهور الموعود.

بيان ذلك: أننا أشرنا أن ليوم الظهور الموعود شرائط سوف نتعرض لها تفصيلا في مستقبل هذا التاريخ. و لكل شرط من تلك الشروط أسبابه و علله.

تلك الأسباب التي تتولد و تنشأ في عصر ما قبل الظهور. حتى ما إذا آتت أكلها و أثرت تأثيرها بتحقيق تلك الشروط و إنجازها، كان يوم الظهور قد آن أوانه و تحققت أركانه.

و المهدي (عليه السلام)، حيث يعلم الشرائط و الأسباب، مكلف- على الأقل- بحماية تلك الأسباب عن التخلف أو الانحراف، لئلا يتأخر تأثيرها أو ينخفض عما هو المطلوب انتاجها. إن لم يكن مكلفا باذكاء أوارها و السير الحثيث في تقدم تأثيرها.

و من أهم شرائط اليوم الموعود: أن تكون الأمة ساعة الظهور على مستوى عال من الشعور بالمسؤولية الإسلامية، و الاستعداد للتضحية في سبيل اللّه عز و جل. أو على الأقل، أن يكون فيها العدد الكافي ممن يحمل هذا الشعور ليكون هو الجندي الصالح الذي يضرب بين يدي المهدي (ع) ضد الكفر و الانحراف، و يبني بساعده المفتول الغد الإسلامي المشرق. و يكون الجيش المكون من مثل هذا الشخص هو الجيش الرائد الواعي الذي يملأ الأرض بقيادة المهدي (ع) قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا.

و إذا كان ذلك من الشرائط، فلا بد من توفر أسبابه في زمن ما قبل الظهور، في عصر الغيبة الكبرى، و المحافظة على هذه الأسباب.

و إن السبب الرئيسي الكبير لتولد الوعي و الشعور بالمسؤولية الاسلامية

54

و الاقدام على التضحية لدى الأمة، هو مرورها بعدد مهم من التجارب القاسية و الظروف الصعبة و إحساسها بالظلم و التعسف ردحا كبيرا من الزمن ... حتى تستطيع أن تفهم نفسها و أن تشخص واقعها و تشعر بمسئوليتها. فان هذه الصعوبات كالمبرد الذي يجلو الذهب و يجعل السكين نافذا. فان الأمة- في مثل ذلك- لا تخلد إلى الهدوء و السكون، بل تضطر إلى التفكير بأمرها و بلورة فكرتها و تشخيص آلامها و آمالها و تشعر بنحو وجداني عميق بسهولة التضحية في سبيل الأهداف الكبيرة و وجوبها إذا لزم الأمر و نادى منادي الجهاد.

و تلك الأمة الواعية هي التي تستطيع أن تضرب قدما بين يدي الامام المهدي (ع) و أن تؤسس العدل المنتظر في اليوم الموعود. دون الأمة المنحرفة المتداعية، أو الأمة المنعزلة المتحنثة. و سيأتي لذلك ايضاحات عديدة و سنسمع له شواهد كثيرة من الكتاب و السنة.

فإذا كان مرور الأمة بظروف الظلم و التعسف ضروريا لتحقيق شرط اليوم الموعود، و مثل هذا الشرط يجب رعايته و المحافظة عليه ... إذن فالمهدي (ع) بالرغم من أنه يحس بالأسى لمرور شعبه و قواعده بمثل هذه الظروف القاسية، إلا أنه لا يتصدى لازالتها و لا يعمل على تغييرها، تقديما لمصلحة اليوم الموعود على أهل هذا اليوم الموجود.

و أما ما لا يكون من الظلم دخيلا في تحقيق ذلك الشرط، و كان الشرط الأول لعمل المهدي (ع) متوفرا فيه أيضا، فان الإمام المهدي (ع) يتدخل لإزالته و يعمل على رفعه، بموجب التكليف الشرعي الإسلامي المتوجه إليه.

و نحن- الذين لا نعيش نظر المهدي (ع) و أهدافه- نكاد نكون في جهل مطبق، من حيث تشخيص أن هذا الظلم هل له دخل في تحقيق شرط الظهور أو لا. ما عدا بعض موارد التخمين. فانه يحتاج إلى نظر بعيد يمتد خلال السنين إلى يوم الظهور. و هذا النظر منعدم لدى أي فرد في العالم ما عدا المهدي (ع) نفسه.

فيعود تشخيص ذلك إليه، بما وهبه اللّه تعالى من ملكات و قابليات على تشخيص الداء و القيادة نحو الدواء.