تاريخ الغيبة - ج4

- السيد محمد الصدر المزيد...
668 /
5

المقدمة

- 1-

كانت الكتب الثلاثة السابقة من موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام)، متكفلة لتاريخ الامام المهدي من وجهة النظر الإمامية، مع محاولة إعطائها صيغة متكاملة و خالصة من الشوائب. ابتداء بميلاده و مرورا بغيبته، و انتهاء بظهوره و دولته، مع إعطاء السمات العامة للبشرية اللاحقة للظهور إلى قيام الساعة. و قد انتهت هذه الجنبة من التاريخ من خلال هذه الكتب الثلاثة.

و سيكون من المنطقي، طبقا لمنهجية البحث عن الفكرة المهدوية ...

الشروع بالاستدلال على صحة هذه الفكرة، و محاولة دفع ما يحتمل أن يكون مانعا عن الالتزام بوجوده و وجود دولته.

و من المنطقي أن يبدأ الاستدلال من أعم المنطلقات، لنصل إلى أخصها بالتدريج، من خلال كتب هذه الموسوعة. إن أعم المنطلقات بالنسبة إلى هذه الفكرة هو محاولة إثبات صحة الفكرة القائلة بوجود المستقبل السعيد للبشرية من زاوية مادية صرفة، بغض النظر عن أي دين ...

ليكون للحديث الديني مجال آخر جديد.

- 2-

هل يوجد للبشرية مستقبل عادل، يسود فيه الرفاه و تخيم فيه السعادة على ربوع البشرية، و ترتفع فيه المظالم و الأنانيات عن الناس، و تترك العداوات و الاعتداءات و يعم السلام الحقيقي الكامل كل الأرض المعمورة.

أو أن هذا اليوم لن يوجد، بل من المحتوم على البشرية أن تبقى في خبط و شماس و تلون و اعتراض و قلاقل و مظالم، ما دام لها وجود على البسيطة.

لأن هذه الحركة الظالمة الدائبة، من خصائص النقص البشري لا يمكن‏

6

فكاكها عن البشر.

هذا سؤال مهم و أساسي، قد يلقيه الفرد على نفسه، أو يسمعه من غيره فيهز رأسه يائسا من الجواب، لأن المستقبل مما لا يمكن الاطلاع عليه بحال من الأحوال، و المستقبل وحده هو الكفيل بإعطاء الجواب.

و لا نستطيع و نحن في الماضي- بالنسبة إلى تلك الحقبة من الدهر- أن نعطي الجواب الحاسم بحال.

و قد يهز فرد آخر رأسه من هذا السؤال مستغربا من مجرد إثارته، لأنه يرى من اليقين الذي لا شك فيه أن البشرية، سوف تبقى على هذا الحال تجتر مشاكلها و مظالمها ما دام لها وجود. فإن الأوضاع الحاضرة كلها تدل على ذلك المستقبل، بأي حال.

بل إن الطبيعة البشرية ذات الأنانية أو العامل الجنسي أو الاقتصادي أو غيرها هو السبب في هذه الحركات الظالمة، و هو مواكب للبشرية إلى نهايتها، إذن، فلا بد أن يبقى الظلم مواكبا مع البشرية إلى نهايتها، و لا يمكن أن يوجد لها أي مستقبل سعيد.

و كلتا هاتين الفكرتين لها درجة من الأهمية و الوجاهة. إلا أنه مما يؤسف له!! ... أن عددا من المفكرين في العالم على مختلف المبادئ و المشارب استطاعوا استشفاف المستقبل، و التنبوء بوجود المستقبل السعيد، و أوضحوا القرائن و الدلائل على ذلك.

إنك لو سألت الماركسية عن ذلك لأجابت بكل ثقة و اطمئنان بنعم.

و لو سألت الأديان عامة و الأديان الثلاثة الكبرى منها و خاصة الاسلام، لأجابوا بصوت واحد: نعم، بكل تأكيد.

من هذه الزاوية المشتركة سيكون منطلق البحث.

- 3-

تنبأت الماركسية بالمستقبل السعيد، من زاوية النظرية العامة التي وضعتها لتفسير التاريخ، المسماة بالمادية التاريخية، التي جعلت خاتمة مطافها ذلك المستقبل.

و تنبأت الأديان، بهذا المستقبل من زاوية البرهنة على وجود قائد معين منقذ للبشرية من المظالم و مخلص لها من المشاكل ... و قد سماه الإسلام‏

7

بالمهدي.

و النتيجة بينهما واحدة، و هو الجزم بوجود المستقبل السعيد. و هذه هي نقطة القوة الرئيسية.

و من هنا عرضنا للآراء الماركسية عرضا مفصلا، لنرى أنها بعد أن كانت مصيبة بنبوءتها هذه، فهل هي قد توصلت إليها بمقدمات برهانية صحيحة أو غير صحيحة.

و هنا لا بد من الالماع، إلى أن الحديث ليس عن نقد الماركسية ككل ... ليستلزم ذلك عرض كل شاردة و واردة في الفكر الماركسي. فإن موضوع الكتاب ليس هو ذلك. و إنما المهم النظر إلى الماركسية من زاوية هذه النبوءة ليس إلا ... مع التأكد من سلامة أو عدم سلامة المقدمات التفصيلية التي أنتجتها.

فكان هذا هو القسم الثاني من الكتاب.

و أما القسم الأول، فهو قسم مختصر، يراد به التأكيد على أن الاتجاه المادي عموما بصفته ماديا، لا يمكنه استنتاج وجود المستقبل السعيد بأي حال ... سواء من زاوية «علمية» أو من زاوية «قانونية». و إنما انفردت الماركسية من بين المذاهب المادية الحديثة بهذه النبوءة باعتبار فهمها الخاص للمجتمع و التاريخ.

- 4-

و بعد أن يتم نقد الماركسية، و يثبت عدم صمود ماديتها التاريخية تجاه النقد. ينقدح السؤال من جديد: هل فشلت النبوءة إذن؟! ...

كلا ... فإن هناك أدلة من نوع آخر يمكن إقامتها عليه؛ تلك هي أدلة الدين ... الذي يثبت وجوده بنفس الطريق الذي تثبت به الماركسية فشلها. إن الدين يمكن أن يعطى البديل الصالح للمادية التاريخية الماركسية، و يملأ كل الفجوات التاريخية و الاجتماعية التي حاولت الماركسية ملأها، و التي لم تحاول.

بل إنه يزيد عليها بكثير ... إنه يرى أنه وجود المستقبل السعيد نتيجة لتاريخ البشرية ككل، و وجود البشرية ككل نتيجة لظواهر و أهداف كونية عامة إذن فالمستقبل السعية يمت بصلة إلى الأهداف الكونية نفسها ... و سينتج‏

8

هذا المستقبل البشري نتائج كونية حاسمة. و لن ينتهي الحديث عند مجرد النبوءة بوجوده، كما انتهى حديث الماركسية.

إن البشرية ليست إلا رحلة طويلة من رحلات الكون الكبرى، و ظاهرة من ظواهره، و ليس مستقبلها السعيد بكل تفاصيله سوى محاولة لتركيز الأغراض الكونية.

أما أنه كيف يكون ذلك، و ما هي مقدماته، و ما هي صفاته و ما هي نتائجه، فهذا ما يشرحه لك «التخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية» في القسم الثالث من هذا الكتاب، بكل تفصيل.

و نحن بعد أن أعطينا في الكتابين السابقين من هذه الموسوعة، زاوية من الاستدلال على الفهم الامامي لنظرية المهدي، أمكننا أن نستعين بهذا الفهم أحيانا لملأ بعض فقرات هذا التخطيط العام.

و أعطينا من خلال هذا التخطيط تفسيرا كاملا للبشرية بماضيها و حاضرها و مستقبلها إلى حين فنائها. و حاولنا من خلال الحديث المقارنة مع النتائج الماركسية التي عرفناها في القسم الثاني. و هنا أمكننا أن نتوصل إلى مناقشات أعمق و أوضح مما سبق. إنها مناقشات جديدة تماما لأنها منطلقة من نظرية متكاملة و جديدة تماما ... هي نظرية التخطيط الالهي.

إن هذه النظرية، معروضة أيضا في الكتابين السابقين. إلا أنها عرضت في هذا الكتاب بشكل يختلف في المقدمات و التفاصيل و النتائج ...

كما هو مشار إليه في داخل هذا الكتاب، و لا يخفى- أيضا- على قارى‏ء هذه الموسوعة و من هنا حل لنا هذا المقدار من التكرار.

فهذا هو العطاء الذي يمكن أن يحصل عليه من خلال هذا الكتاب.

- 5-

إن طريق التوصل إلى النتائج الكاملة، دائما، هو تلاقح الأفكار و السعي في سبيل النقد البناء. و الحقيقة بنت البحث.

و من هنا يود المؤلف، بكل انفتاح، تلقي النقد البناء المخلص من كل ناقد من ماديين و متدينين، عسى أن يتمكن من ملأ الفراغات التي تركتها جوانب النقص البشري في بحثه ... لو كان. لعلنا نتوصل من ذلك إلى القناعة بالنتائج الرئيسية الكاملة.

9

القسم الأول المستقبل السعيد للبشرية في الفكر المادي بمعناه العام‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

يحتوي هذا القسم على ثلاث أطروحات:

الأطروحة الأولى: تصور المستقبل السعيد للبشرية من زاوية العلم التكنيكي الحديث.

الأطروحة الثانية: تصور المستقبل السعيد للبشرية من زاوية القانون الوضعي.

الأطروحة الثالثة: تصور المستقبل السعيد من زاوية (المادية التاريخية) التي تنبأت بذلك بصراحة.

أما الأطروحة الثالثة فسوف نكرس لها القسم الثاني من هذا الكتاب.

و نقتصر في هذا القسم على الأطروحتين الأوليتين، بصفتهما تمثلان الاتجاه المادي العام الحديث.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الأطروحة الأولى المستقبل السعيد بالتطور العلمي نحو الأفضل‏

تكون الفكرة الأساسية في هذه الأطروحة: ان العلم التكنيكي الصناعي الحديث هو الكفيل بإيصال المجتمع البشري إلى السعادة و الرفاه ... و بخاصة في المستقبل حين يتطور العلم أكثر مما هو عليه الآن، فيصل بمزيد من التجارب إلى مراق عليا يستطيع أن يكفل بها إيجاد المستقبل السعيد للبشرية كلها.

كيف لا؟! ... و نحن نعاصر النتائج الكبرى التي تمخض عنها العلم في هذا العصر، فلا نجد إلا ما يدعو إلى الاكبار و الاحترام ... فإننا لو تجاوزنا قمم العلم العليا التي تتمثل في عدة أمور، كتفجير الذرة و الصعود إلى الكواكب و تأسيس العقل الالكتروني ... إذا تجاوزناها، و حاولنا النزول إلى الفوائد الاجتماعية التي يمكن للعلم أن يحققها، فيضمن للبشرية مستوى عال من السعادة و الرفاه.

... إذن، لرأينا الشي‏ء الكثير ... فهناك الأجهزة التي اخترعت، و لا زالت تخترع لتذليل مصاعب الحياة المنزلية، و لعل أهمها إلى الآن ذلك الانسان الآلي الذي يقوم بالخدمات بكل رحابة صدر و بدون تعب! و يوفر للعائلة أكبر الجهود. و هو أيضا يرد على التلفون و يخبر صاحبه عن المكالمات التلفونية الحاصلة حال غيابه.

و هناك الآلات الزاخرة العظيمة المستعملة كوسائل للإعلام ... من السينما إلى الراديو، إلى التلفزيون، إلى التسلتار الذي يوزع البث التلفزيوني على رقعة كبيرة من العالم.

أما التلفون الصوتي و التلفزيوني، فحدث عنه و لا حرج ... في تقصير

14

المسافات و التقريب بين المتباعدين و الغائبين، و اختصار الجهد إلى حد بعيد و هناك الآلات الزراعية، التي تقلل الجهد و تزيد في الانتاج و توسع رقعة الأرض المزروعة إلى أكبر مدى. مضافا إلى الأساليب العلمية لتحسين الانتاج إلى درجة كبيرة بل إنتاج أنواع من الأطعمة و الفواكه ليست معهودة و لا معروفة! و قل نفس الشي‏ء في تحسين الإنتاج الحيواني، و تطويره و توسيعه ...

و لا يخفى ما للعلم من جهود مشكورة في دفع الآفات و الأمراض الزراعية و الحيوانية و إعطاء أعمق الأساليب و أنجحها لاتخاذ أحسن شكل للانتاج.

و أما الطب فحدث عن انتصاراته على المرض و لا حرج ... و قد تكللت الجهود الطبية بزرع الأعضاء الجديدة في جسم الانسان بدل الأعضاء التالفة فيه. و لعل عملية زرع القلب، هي أهم ما أنجز، في هذا المجال ... بل قد تودع في الجسم الإنساني آلة صماء تقوم مقام العضو التالف لتؤدي نفس وظيفته.

و تربية الجيل الناشى‏ء قد استندت إلى العلم أيضا ... و العلم وحده!! .. فهناك النظريات التربوية التي تطبقها أحدث المعاهد في العالم، بمختلف مستوياتها ... و لا زال العلم يتقدم بهذه النظريات نحو الأفضل.

و تعال بنا إلى الهندسة العمرانية، لنرى أنها إلى أي ارتفاع و دقة وصلت في ميادين هندسة البيوت و المدارس و المستشفيات و الأسواق و السجون و المنتزهات و غيرها ... مما يوفر أحسن الرفاه و أكبر الجهود للناس.

و إذا تجاوزنا الجانب الاجتماعي للعلم، إلى الجانب الفكري أو الثقافي ككل، وجدنا بحرا لا ينزف و تفوقا لا يوصف في علوم الذرة و الفلك و الفيزياء و الكيمياء ... و تدقيقا في حوادث التاريخ و قوانينه، و عمقا في المنطق و الفلسفة و علم النفس و علم الاجتماع. لم تكن البشرية قد بلغته في أي وقت مضى من حياتها الطويلة ... كل ذلك يؤذن بالخير، و بالمستقبل الزاهر السعيد الذي يقوم على أكتاف العلم و العلماء.

و إذا كان العلم قد وصل إلى مثل هذه المراقي العظيمة إلى العصر الحاضر ... فأحر به أن يصل إلى درجات أهم و أوسع في المستقبل، تكون كافية ... و بكل جدارة لضمان الرفاه و سيادة السعادة و العدل في ربوع‏

15

البشرية.

و لعل بين أيدينا من المستقبل العلمي أفكارا مهمة و واضحة، ... و إن لم تكن منجزة. فعلا ... إلا أن العلم كفيل بإنجازها في أقرب وقت ممكن.

فمن ذلك سرعة وسائط النقل للركاب أكثر مما هو عليه الآن، و أكثر سلامة ... سواء في ذلك ما بين المدن أو في داخل المدينة ..؛ و من ذلك تحويل الطعام و الشراب إلى أقراص أو سوائل قليلة، يوفر لما الفرد عدة ساعات يقضيها عادة في إنجاز الطعام و تناوله.

و من ذلك تطوير الانسان الآلي، بحيث يمكنه أن يقوم بالخدمات المنزلية و الخارجية بشكل أوسع مما عليه الآن، و توفيره سوقيا على نطاق واسع.

و من ذلك توسيع السكنى للبشرية إلى الكواكب و النجوم المجاورة!!! عن طريق تكثير رحلات الفضاء و تسهيلها و تخفيض نفقاتها و جعلها متوفرة للركاب.

و من ذلك التسبيب إلى طول عمر الانسان بالمستوى الصحي الذي يكفله العلم ... حتى يصبح الستين و السبعين عاما، من أعوام الشباب!! ... و أما الشيخوخة فلا تبدأ أول مراحلها إلا بعد المائة.

إلى غير ذلك من النتائج الكبرى المتوقعة للعلم ... و لعمري إن المجتمع الذي يعيش تحت ظل مثل هذا التقدم العلمي الهائل، لهو مجتمع سعيد و مرفه.

إذن، فمن المستطاع القول: بأن العلم يكفل للبشرية المستقبل السعيد ... و إذ يكون العلم دائما في تطور مستمر، إذن فالبشرية صائرة- لا محالة- إلى ذلك المستقبل المجيد.

المناقشة:

إلا أنه من المؤسف!!! أن هذا الكلام بالرغم من أهميته و جمال شكله!!! لا يمكن أن يكون صحيحا في نتيجته، بأي حال من الأحوال.

16

فكل هذه التطورات العلمية صادقة ... و لعل فيما أهملناه أهمية مماثلة أو أكبر مما ذكرناه ... فإننا أعطينا نماذج من ذلك فقط ... و لعمري أن للعلم مساعدة فعالة في جلب الراحة إلى الانسان و المجتمع.

لكن ذلك لا يعني بحال، أن العلم وحده من دون ملاحظة شي‏ء آخر، يمكنه أن يضمن السعادة و العدل بين الناس. و لا ينبغي لنا أن نبالغ في أهمية العلم، مهما كان له في العالم من هيبة و هيمنة و أهمية.

فإن العلم إنما يضمن الجانب المدني و التكنيكي من حياة الانسان، و لا يتضمن العلم- بمجرده- أي جانب قانوني أو نظامي أو أخلاقي، كما هو واضح ... فإن لهذه الأمور حقولا أخرى في المعرفة الانسانية لا تمت إلى العلم بصلة، على الإطلاق.

فإذا استطعنا أن نضم النتائج الرائعة للعلم إلى نظام عادل و قانون سليم ... استطعنا أن نكفل الرفاه الحقيقي و السعادة الكبرى، إذ تكون النتائج العلمية موزعة يومئذ بين البشر بشكل متساو و متكافئ بدون إجحاف أو ظلم.

و أما إذا نظرنا إلى العلم وحده، و توقعنا منه أن يكون صانعا لسعادة المستقبل مع إسقاط النظام عن نظر الاعتبار ... فهذا يعني الوصول إلى نتائج وخيمة مروعة في غاية السوء و الاجحاف.

منها: أنه يمكن للعلم أن يكرس طاقاته الهائلة في فناء البشرية و إضرارها إلى حد كبير ... في وضع الأسلحة الفتاكة و السموم القاتلة، و وسائل التعذيب اللاإنساني للآخرين. و هذا ما هو حاصل في العصر الحاضر، و هو يتقدم و يتزايد بتقدم العلم و تزايده ... و تبذل الدول في سبيله الملايين.

و منها: أن هذا الرفاه يكون خاصا بالمتمولين، الذين يستطيعون استغلال النتائج العلمية في مصلحتهم ... أما الأعم الأغلب من الناس في العالم، و هم متوسطو الحال و ذوو الدخل المحدود و الفقراء، فلن يستطيعوا الحصول على شي‏ء مهم من نتائج العلم.

فإن قال قائل: إنه يمكن توفير الرفاه العلمي لأكبر كمية من الناس و بأرخص ثمن ممكن ... و بذلك تتسع رقعة المستفيدين من نتائج العلم‏

17

الكبرى.

قلنا: إن هذا لا يكون إلا تحت نظام خاص و في ظل نظام معين يكفل ذلك ... و لا يمكن للعلم وحده أن يكفل هذه الجهة.

و منها: ان العلم إذا لم ينضم إلى القانون الصالح، لا يمكن أن يضمن زوال الاعتداء بين البشر بأي شكل من الأشكال. و من الواضح أن التطور العلمي لا يعني تطور الجانب الانساني من الانسان، بل يمكن أن ينسجم أعلى أشكال الانتاج العلمي مع أقسى أشكال الأنانية و العدوان.

و مع كل ذلك ... و مع غير ذلك ... كيف يمكن للفرد أن يتفوه بهذا الكلام على أنه حقيقة نهائية، و هو أنه يمكن للعلم وحده أن يضمن المستقبل السعيد للعالم.

و معه، ... تكون هذه الأطروحة المادية الأولى، قد فشلت في قيادة البشرية نحو المستقبل السعيد ... فهل يمكن للأطروحة الثانية أن تضمن ذلك؟! ..

18

الأطروحة الثانية المستقبل السعيد بتطور الفكر القانوني‏

بعد أن ثبت بوضوح فشل الأطروحة العلمية لقيادة العالم، و ان المهم في الأمر هو وجود النظام الصالح و القانون العادل الذي ينسق شئون المجتمع و البشرية و يسهل حصولها على آمالها و إزالة آلامها. إذن فالقائد الرئيسي للبشرية نحو الأفضل هو القانون نفسه ... و هو الذي سيكفل للبشر مستقبلهم السعيد.

فإن البشرية كانت و لا زالت، تمر في تاريخها الطويل بتجارب و مشاكل، تكون هي الكفيل الأساسي لرقي الفكر القانوني. و ذلك بعد مرور الفكر القانوني بمرحلتين:

المرحلة الأولى: التعرف بوضوح على المشاكل العامة و الخاصة السائدة في المجتمع، و محاولة فهمها فهما عميقا كاملا و الاطلاع بها على أسبابها و نتائجها بكل دقة.

... و كلما اتسع الوعي الفكري للانسان على واقعه بما فيه من مشاكل و آلام، كلما ساعد ذلك على تربية الجانب القانوني فيه.

المرحلة الثانية: محاولة التعمق، في معرفة الحلول الممكنة لهذه المشاكل المعروضة، و الاطلاع على أساليب عامة و فعالة في إزالة المصاعب و تذليل العقبات، و من ثم إلى إيجاد الرفاه و العدالة في المجتمع.

فإذا استطاع المفكر القانوني، أن يمر بكلا المرحلتين، بشكل دقيق و شامل، استطاع- لا محالة- أن يصل إلى وضع القانون العادل الذي يكفل السعادة و الرفاه الدائم.

و قد كان و لا زال الفكر القانوني البشري، في طريق التربية و التكامل‏

19

باستمرار، من كلتا الجهتين، نتيجة لما تعطيه التجارب الاجتماعية من دقة و ثراء.

و بذلك يثرى الفهم الفقهي القانوني ... فتعطى التعاريف و التفاسير بشكل أدق و أشمل شيئا فشيئا، سواء في ذلك من ناحية القانون المدني أو العسكري أو الدولي، أو قوانين العقوبات أو الأحوال الشخصية ... أو غيرها.

و قد وصل القانون في العصر الحاضر إلى مراق عليا ... حتى أصبح من أدق العلوم الانسانية. و إذا كنا قد نجد فيه بعض النواقص و الاختلافات بين المفكرين في جملة من حقوله ... فإن التكامل التدريجي للقانون، من خلال التجارب الطويلة، كفيل بأن يزيل هذه النواقص و يزيد في إدراك الفكر القانوني لذينك المرحلتين الأساسيتين، مما يفتح أمام القانون فرصة الوصول التدريجي إلى إدراك العدل الحقيقي، و التذليل الكامل للمشاكل البشرية.

و حيث لا يكون المقصود، تعيين فترة معينة لهذا التكامل ... فإن من الممكن أن يصل القانون إلى تلك النتيجة الكبرى، في فترة مقبلة من الدهر، مهما طالت.

و إذا وصل القانون إلى درجة الفهم الكامل للعدل ... و أمكن تطبيقه في المجتمع البشري، كان هذا هو المستقبل السعيد (الموعود) الذي يعم فيه الرفاه و السعادة ربوع المجتمع البشري كله.

و بهذا يتم البرهان على صحة الأطروحة الثانية ...

المناقشة:

غير أنه يمكن المناقشة في هذه النتيجة بالرغم من أهميتها، بعدة مناقشات أساسية:

فإننا إذا تجاوزنا المناقشة الرئيسية التي تم البرهان عليها في بحوث العقائد الاسلامية، و هي عجز الفكر البشري القانوني عن إدراك مصالحه الحقيقية و إدراك العدل ... و بالتالي انه يتعذر عليه تغطية المرحلتين المشار

20

إليهما بالدقة المطلوبة و المتوقعة لا حراز العدل الكامل.

بل ينحصر تغطية ذلك عن طريق الحكمة الالهية و الوحي من وراء الطبيعة. و أما الفهم البشري المنفصل عن الوحي- كما هو مفروض هذه الأطروحة-، فيتعذر عليه ذلك بأي حال. و سيأتي في القسم الثالث من هذا الكتاب ما يلقي ضوءا كبيرا على ذلك.

فإذا تجاوزنا ذلك، بقيت عدة مناقشات نذكر منها ما يلي:

المناقشة الأولى: انه من الصعب أن نتصور أن في مستطاع الفكر القانوني البشري أن يثرى و يتكامل باستمرار، حتى يصل إلى إدراك العدل المطلق.

و ذلك لأن المفكر القانوني، فردا كان أو جماعة، فإنه يحيا في المجتمع كأي إنسان آخر، له مصالحه و ارتباطاته و علاقاته و موارده الاقتصادية، و غير ذلك. و هو يود في كل ذلك- طبقا لحب الخير لنفسه- أن ينجح في كل الحقول و أن يتوفق فيها أحسن توفيق، و يتقدم على غيره من الناس، مهما أمكن.

و إذا كان المفكر القانوني، ذو اتجاه عقائدي أو سياسي معين، كان- لا محالة- متحمسا لذلك الاتجاه، يود فوزه و سيطرته على الآخرين ...

و يرى اندحاره و خيبته كابوسا مزعجا.

و على كل حال، يكون الفرد القانوني، التكوين النفسي و الاتجاه الاجتماعي المعين الذي يستحيل عليه أن يعزله عن فكره القانوني ... و عن إدراكه للمصالح و المفاسد العامة. و مهما حاول الفرد اتخاذ المسلك الموضوعي و التجرد عن الأنانية و التعصب ... و تصور مصالح الآخرين بمعزل عن مصالح نفسه ... فإنه فاشل و خاطى‏ء ... فإن اللاشعور و الضغوط و الملابسات العامة و الخاصة و التاريخ الذي عاشه، يفرض نفسه عليه من حيث يدري و لا يدري.

و من المتعذر بل المستحيل أن نجد فردا أو جماعة، في الفكر القانوني البشري، ذا تجرد كامل و حقيقي ... و لن يوجد مثل هذا الفرد على مر التاريخ. فإن لكل زمن ملابساته و لكل تاريخ تأثيره على الفرد و الجماعة.

... على حين لا يمكن للعدل الحقيقي إلا أن يوجد من زاوية الادراك‏

21

الكامل المجرد لمصالح البشر و مفاسدهم و آلامهم و آمالهم ... و هذا ما لا يحصل لأي فرد على مر التاريخ.

و معه فكيف نتوقع للقانون أن يثرى و يتكامل تدريجا، على مر التاريخ حتى يصل إلى إدراك العدل المطلق ... إن ذلك لا يحصل إلا إذا حصل الفرد المتجرد المطلق ... و هو مستحيل الحصول من الناحية المادية.

المناقشة الثانية: إن النظرية القانونية، مهما تصاعدت و تكاملت، ليست وحدها الكفيلة بسيادة السعادة و العدل ما بين الناس ... و إنما، لا بد أن تأخذ طريقها إلى التطبيق في عالم الحياة، لتستطيع أن تؤتي ثمارها ناضجة شهية.

و بالطبع ... فإن القانون العادل الشامل، يحتاج إلى أن يشعر كل الأفراد بالمسؤولية تجاه تطبيقه، و لا يكفي أن يأخذ الجهاز الحاكم بزمام المبادرة إلى ذلك، مع كون الأفراد نافرين عنه منكمشين منه ... فإنه في مثل ذلك لن يكتب له النجاح، مهما كانت النظرية صائبة و صحيحة.

و لعمري ... إنه من المتعذر جدا، أن يجد القانون البشري تجاوبا عاما من الشعب على هذا المستوى الواسع ... فلئن تنزلنا- جدلا- عن المناقشة الأولى، و فرضنا واضع القانون البشري مجردا عن الهوى بدرجة كاملة، فإننا لا يمكن أن نفرض الأفراد كلهم مجردين و موضوعيين أيضا!! و إنما لا بد أن ننظرهم من زاوية الواقع، و هو وجود الأنانية و حب المصلحة الشخصية في كل فرد منهم. فلا يطيعون القانون إلا من هذه الزاوية و بالمقدار الذي تقتضيه. و أما حين لا توجد المراقبة القانونية، كان الفرد مخلى بينه و بين مصالحه، لا يعترف بقانون و لا نظام.

و لا يستطيع أي قانون بشري أن يتابع الفرد في خلواته و زواياه، ليضمن التطبيق الكامل لفقراته و بنوده في كل وقت. و يستحيل على الدولة بكل هيمنتها و هيبتها و مؤسساتها، أن تضمن ذلك.

و لئن ضمنته حينا، فلن تستطيع ذلك دائما ... و لئن استطاعته دائما، في فرد أو جماعة معينة، فلن تستطيعه في كل الشعب. كما لن تستطيع تطبيق القانون من قناعة عامة به و عن تجاوب قلبي معه. و إنما سوف يطبق القانون بمقدار ما تقتضيه القوة من ناحية، و المصالح الشخصية للأفراد

22

من ناحية أخرى ... يدفعون به عن أنفسهم العقاب، أو ينالون به شيئا من الفوائد.

و إذا كان الناس هكذا ... و هم دوما لهم نفس الموقف تجاه القانون البشري ... إذن فلا يمكن أن نتوقع لهذا القانون في يوم من الأيام، أن يضمن لنفسه التطبيق الكامل المطلوب.

المناقشة الثالثة: إن التكامل في الفكر القانوني، كما شهدناه في عالم الأمس و اليوم أصبح ذا شعب و انشقاقات، فما هو عدل عند هؤلاء هو ظلم عند آخرين ... و ما هو مصلحة عند قوم هو مفسدة لدى آخرين ... و ما هو تجرد و موضوعية عند بعضهم، هو عين الأنانية و التعصب عند البعض الآخرين ... و هكذا.

يكفينا انشقاق القانون المدني، إلى روماني و جرماني، و هما يختلفان في المفاهيم الأولية لتفسيرها و تعريفها، فضلا عن التفاصيل. و كذلك انشقاق الاتجاه الاقتصادي إلى رأسمالية و اشتراكية، و هما يختلفان في وجهة نظر هما إلى الانتاج و التوزيع اختلافا جوهريا. و كذلك اختلاف الدول- و إن اتفقت في المبادئ- في قوانين الأحوال الشخصية و قوانين العقوبات و غيرها.

فأي هذه الانشقاقات يرجى له الكمال؟! ان النظر العقلي المجرد لا يرى أحد الشقين أو أحد الخصمين أو التفسيرين أولى من الآخر. و أما الفرد المؤمن بأحدهما فيرى قانونه هو الكامل و يتعصب له. و يبقى التكتل و الانشقاق بين البشر موجودا ... و مع تفشيه يستحيل الوصول إلى العدل العالمي المطلوب.

و من المتعذر حقا، أن نزعم أن الفكر القانوني بتكامله و مروره بالتجارب المتكثرة، سوف يتوحّد في العالم، و يرتفع الخلاف بين القانونيين ... إن هذا الافتراض مخالف لطبيعة الأشياء و طبيعة الإنسان.

و لئن وجد ذلك في جيل معين- جدلا- بقيت الآراء الأخرى السابقة لها احترامها، بطبيعة الحال، فلا يكون الفكر القانوني موحدا حقيقة ... كما أن وحدة الفكر لن تدوم طويلا، و يوجد حتما، الكثير من المناقشين و الطاعنين في صلاحية هذا القانون الواحد، لتكفل العدل و رفع الظلم.

و إذا لم توجد الوحدة في الفكر القانوني، و إذا كان من المتعذر

23

وجودها، كان من المتعذر وجود المجتمع العالمي العادل تحت ظل القانون البشري، بأي حال من الأحوال.

إذن، فالأطروحة الثانية، القائمة على الأساس المادي المنفصل عن عطاء السماء، لا يمكنها القيام بالمسؤولية الكبرى المطلوبة.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

القسم الثاني المستقبل السعيد للبشرية في الفكر الماركسي‏

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

أسس منهجة البحث‏

تتزعم الاتجاهات المادية عموما، الفكرة المسماة بالماركسية، و إن لم تكن منتسبة بكل تفاصيلها لماركس. و هي الاتجاه الوحيد من الفكر الحديث- حسب معرفتنا- الذي بشر بالمستقبل البشري السعيد.

و هي، بنظرة عامة، تتكفل ميادين ثلاثة بالبحث و التمحيص، و تحاول الربط بينها ربطا عضويا، و سوقها مساق نظرية موحدة شاملة.

الميدان الأول: إعطاء نظرية شاملة للكون المادي كله، و تفسير تسلسل الحوادث فيه، بشكل تحاول الماركسية عدم إبقاء ثغرة فيه.

... يتمثل ذلك بنظرية (الديالكتيك) القائلة بأن كل شي‏ء يحتوي في داخله و مضمونه على صراع دائم بينه و بين نقيضه ... حتى يزول المتصارعان و يتولد من الصراع شي‏ء جديد، يكون بدوره محتويا على الصراع ذاته. و هكذا تتعدد الأشياء، و هكذا تتطور ... و لا ينجو من هذا الصراع حتى القضايا الرياضية البحتة، كما أكد عليه انجلز، على ما سنسمع.

الميدان الثاني: إعطاء نظرية شاملة للتاريخ البشري و مفسرة له، و هي المسماة ب (المادية التاريخية) المبتنية بدورها على الديالكتيك العام. حيث نجدها تقول- طبقا لذلك المفهوم-: بانقسام المجتمع إلى طبقتين متصارعتين يتمخضان عن وضع اجتماعي جديد ... و يتبدل بتبدل الوضع الاجتماعي كل أحواله الفكرية و الاقتصادية و الأخلاقية و غيرها.

و تحتوي هذه النظرية على إيجاد تسلسل تقليدي لعصور التاريخ معروف لكل مثقف ... يبدأ بعصر الاشتراكية الأولى البدائية، و ينتهي بعصر الاشتراكية العلمية أو الطور الشيوعي الأعلى، الذي تنتفي فيه الدولة و يحكم المجتمع نفسه على أساس وضع اقتصادي معين.

الميدان الثالث: إعطاء فهم شامل للاقتصاد قائم على أساس تقييم‏

28

معين للنظريات الاقتصادية المعروفة، و خاصة الاقتصاد الرأسمالي العدو التقليدي العنيد للماركسية، مع بناء نظرية جديدة في الاقتصاد تكون هي البديل- في نظرها- عن جميع النظريات الأخرى.

و أهم نقطة ركزت عليها الماركسية في هذا الصدد، هو نظرية (فائض القيمة) التي تنتج النظام الرأسمالي على أساس لا إنساني ظالم؛ قائم على أساس سرقة مالك رأس المال نسبة معينة من أرباح عماله ... تلك السرقة التي تركز الصراع بين هاتين الطبقتين، و تتمخض في نهاية المطاف- بقانون الديالكتيك- عن المجتمع الاشتراكي.

و نحن إذ نكون بصدد دراسة الماركسية من زاوية تبشيرها بالمستقبل السعيد للبشرية، نكون مواجهين للميدان الثاني بشكل أساسي ... لأن هذا المستقبل هو جزء عضوي رئيسي من المادية التاريخية نفسها.

و بهذا يكون التعرض إلى الميدانين الآخرين، ثانويا إلى حد ما. و لكنه لا بد منه على كل حال. أما الميدان الأول فاللازم التعرض له من أجل تفهم الأسس الفكرية الكونية التي تقوم عليها المادية التاريخية ... و أما الميدان الثالث فنتعرض له ضمنا حين ندرس تقييمات الماركسية للمذاهب الاقتصادية الأخرى.

و من هنا سيكون تسلسل المنهج في هذا القسم من الكتاب كما يلي:

نبدأ بتمهيدات معينة تتكون من:

أولا: المضمون المشترك بين المادية التاريخية و التخطيط الالهي العام، حيث تمسّ الحاجة إليه حين يراد إعطاء البديل الأصلح للمادية التاريخية.

ثانيا: مناشئ الفكر الماركسي ... و هو دراسة الأسباب الموضوعية التي أوجدت الفكر الماركسي بين البشر.

ثالثا: مصاعب النقاش مع الماركسيين ... بصفتهم المبشرين بالمستقبل السعيد، و الحاملين للنظرية التي نتصدى لمناقشتها.

و حين تنتهي هذه التمهيدات، و نريد الحديث عن المادية التاريخية، لا بد لنا- كما أشرنا- أن نقدم لها قسمين من المقدمات:

القسم الأول: الأسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية ... من حيث كونها قائمة على أساس الديالكتيك.

29

القسم الثاني: الأسس الاقتصادية و الاجتماعية للمادية التاريخية، و نعني بها ربط الحوادث التاريخية بقوى الانتاج و علاقاته.

و حين يتم هذان القسمان ندخل في: الهيكل الأساسي للمادية التاريخية و هو الفهم الخاص للمجتمع و التاريخ المتكون من فقراته و عهوده المعينة.

و سنلتزم- هناك- بالتزامين معينين، لأجل زيادة الاطمئنان و الايضاح:

الالتزام الأول: نقل أي نظرية أو فكرة من مصدر ماركسي بألفاظ ذلك الكتاب ... و لا نحاول النقل بالمعنى مهما أمكن ... لنكون مع القارئ على بينة من الأمر تجاه الفكرة الماركسية.

الالتزام الثاني: إننا سنعطي- هناك- لكل فقرة ماركسية، رقما معينا ... لكي نستفيد من ذلك في ضبط التسلسل الفكري أولا، و سهولة الاستنتاج ثانيا ... و يفيدنا أيضا عند النقاش، حيث سنناقش الفقرات في نهاية كل فصل من دون أن نضطر إلى نقل مضمونها من جديد ... بشكل مستلزم للتكرار.

و هكذا سيبدأ الحديث عن المادية التاريخية، و ينتهي ...

30

التمهيد الأول المضمون المشترك بين المادية التاريخية و التخطيط الالهي العام‏

من الملاحظ بجلاء، أن اتجاه المادية التاريخية، و اتجاه التخطيط العام الإلهي لتكامل البشرية، و هما معا يبشران بالمستقبل السعيد ... من الملاحظ أنهما بالرغم من كونهما قطبين متعارضين ... إلا أنهما بنظرهما الشامل إلى البشرية، استطاعا أن يبينا نقاطا معينة اشتركا فيها و تصادقا عليها.

و هذه النقاط بالرغم من كونها عناوين عامة، فارغة من التفاصيل، إلا أنها ليست بالقليلة إلى الحد المتصور، و إنما هي ذات طابع مهم إلى حد كبير. و إنما يبدأ الخلاف بين الاتجاهين- بعد تجاوز أسسها العامة-: عند الدخول في التفاصيل، و محاولة مل‏ء هذه العناوين الفارغة بما ينبغي أن تملأ به.

و سنحاول الآن أن نلخص المضمون المشترك بين الاتجاهين ...

بشكل يكون مرضيا- في الأغلب- لهما معا:

إن البشرية، بصفتها جزءا من الكون، تكون محكومة بطبيعة الحال، للقوانين الكونية، التي تقوم بتطويرها بشكل موضوعي مستقل عن إرادة البشر. و إنما يملك الأفراد حرية التصرف من خلال ما تعطيه تلك القوانين من فرص.

و التاريخ البشري، صاعد باستمرار نحو التكامل و التطوير نحو الأفضل، حتى يصل في يوم من الأيام إلى مستقبل سعيد يسود فيه الرفاه ربوع البشرية كلها.

فقد وجدت البشرية في أول أمرها ساذجة و بسيطة ... و بقيت كذلك، ردحا من الزمن، حتى استطاعت بالتدريج البطي‏ء أن تسير نحو الأفضل ... و قد لاقت خلال سيرها هذا كثيرا من المشاكل و الويلات.

31

و قد مرت البشرية خلال ذلك بعدة مراحل، كانت كل مرحلة منها أفضل من سابقتها، تدفع بعض ما فيها من نواقص، و تضفي عليها ما تستطيعه من تطورات.

و هي مراحل عديدة، سارت فيها طبقا للقوانين الكونية من ناحية، و لقوانين خاصة بها، من ناحية أخرى ... و يمكن القول- إلى حد ما- ان البشرية تعيش خلال الزمن المعاصر، المرحلة ما قبل الأخيرة من تاريخها الطويل ... و لم يبق أمامها إلا تلك المرحلة التي يتحقق فيها الأمل الوردي الذي يتساوى فيه الناس و يعيشون من رفاه و سعادة ... و ستبدأ البشرية يومئذ تاريخا طويلا و مجيدا.

و هذا اليوم هو اليوم النهائي من تطور البشرية ... الذي لا يخلفه يوم آخر سيئ. بعد أن يتطور فيه الانسان تطورا ضخما، و يكتسب وعيا جديدا، يستطيع به أن يخط تاريخه الطويل الجديد بحروف رشيدة و خطوات رصينة و ان التاريخ الأساسي للبشرية هو الذي يبدأ منذ ذلك الحين ... و إنما نعيش الآن عصور ما قبل التاريخ!!! ... تماما كما يعيش أجدادنا عصور ما قبل التاريخ بالنسبة إلينا! ...

و نحن الآن إذ نعيش في العصر السابق على المستقبل الموعود ... و إن كنا نستطيع أن نعطي اللمحات المهمة عن صفات ذلك العهد الأغر ... إلا أن عدم معاصرتنا له، و عدم مشاهدتنا لمقدار عمقه و حقيقة وعيه ... إلى جانب ارتباط أفكارنا بواقعنا و وعينا المعاصر ... كل ذلك يوجب عجزنا عن أن نصف العمق الحقيقي الكامل لذلك المستقبل الموعود، و النظام التفصيلي الذي يسوده. و إنما المهم الآن أن نعرف باليقين أنه يوم آت لا محالة، و به تتحقق الراحة الكاملة للبشر أجمعين. و لعلنا نستطيع- إلى جانب ذلك- أن نلم بقليل من صفات ذلك المجتمع الموعود.

هذا هو المنطق المشترك الذي يتفق فيه هذان الاتجاهان المستقطبان.

و لكننا إذا تقدمنا نحو التفاصيل خطوة أو خطوات، نجد الاختلافات الأساسية بوضوح في عدة جهات:

أولا: في تشخيص ماهية القوانين الكونية الشاملة للبشرية.

ثانيا: في تشخيص القوانين التي نختص بالتاريخ البشري و تطويره.

32

ثالثا: في تشخيص السبب الأساسي لنقص البشرية و الباعث على ما يسودها من مصاعب و ويلات.

رابعا: في تشخيص المراحل التي مرت بها البشرية خلال تاريخها الطويل. فإن للمادية التاريخية اتجاها معروفا في تفصيل هذه المراحل لا يوافقها عليه الاتجاه الآخر، الذي يقوم بدوره شكلا آخر من المراحل.

خامسا: في تشخيص ما يستطيع فهمه من تفاصيل و أنظمة للمستقبل الموعود، و ما هو سبب السعادة و الرفاه فيه.

سادسا: في انه هل هناك بعد تحقق ذلك المستقبل، و وجوده في عالم الحياة ... هل هناك تسلسلا تطويريا آخر يصل بالبشرية إلى مستقبل جديد ... أو لا؟ و هذا ما لم تستطع الماركسية أن تفصح عنه. على ما سنرى ... و قد أفصح عنه التخطيط الإلهي العام الذي استطاع أن يواكب البشرية إلى يوم فنائها ... على ما سنسمع.

و بهذه النقاط، و نقاط أخرى، اتسعت الهوة بين هذين الاتجاهين، و اكتسبا الاستقطاب و التنافي بينهما ... إلى حد لا يكاد يشعر الفرد الباحث بما بينهما من نقاط الاتفاق، بعد أن يستحوذ على شعوره وجود الخلاف في التفاصيل.

و نقاط الالتقاء هذه هي التي حدتنا إلى أن نتحدث عن المادية التاريخية بصفتها إحدى الاتجاهات التي أصابت النظر في التبشير باليوم الموعود السعيد ... و إن أخطأت في التمهيدات و التفاصيل كما سنرى.

33

التمهيد الثاني مناشئ الفكر الماركسي‏

يمكن للباحث أن يقدم عدة أطروحات في الجواب على السؤال الآتي:

كيف و لما ذا وجد الفكر الماركسي في تاريخ الفكر البشري العام. و لما ذا مال بعض المفكرين إلى اتخاذ هذه النظرية كتفسير لمختلف ميادين الحياة.

يمكن أن نقدم بهذا الصدد، ثلاث أطروحات مفهومة تقوم أولاها على قواعد الفكر الماركسي نفسه، و تقوم الأخيرة على أساس التخطيط الإلهي لليوم الموعود. و تحاول الوسطى بيان الخاصة المتعددة التي أنتجت هذه النتائج.

الأطروحة الأولى: القائمة على الفكر الماركسي نفسه:

إن تصريحات الماركسيين أنفسهم تقتضي أن كل شكل من أشكال الفكر، ناتج- بالضرورة- من الطبقة التي ينتمي إليها المفكر. و يستحيل على أي إنسان أن يفكر تفكيرا مطلقا حرا عن حدود طبقته التي ينتمي إليها.

و قد رتبوا على ذلك عدة نتائج: من أهمها: ضرورة اختلاف الفكر باختلاف الطبقة التي ينتمي إليها المفكر. و ضرورة وجود الصراع بين أفكار الطبقات ... و إن أفكار أفرادها ان هي إلا انعكاس لواقع الصراع المحتدم بينهم.

و بهذا استطاعوا أن ينفوا صدق أو صحة أي تفكير آخر غير تفكيرهم، بصفته فكرا طبقيا، بما فيه الفكر الديني على ما سنرى و نسمع.

بل حتى الحقائق الرياضية الواضحة ... بعد أن صرحوا أنها تنطبق على قانون الديالكتيك، تكون فكرا طبقيا أيضا، و قابلا للتغيير بتغير الوجود الطبقي أيضا.

و طبقا لذلك ... لا يكون الفكر الماركسي نفسه، بدعا من الأفكار، بل يكون فكرا طبقيا أيضا، و إدراكا محدودا للكون، قابلا للتغير تبعا لتغير

34

الطبقة، كأي فكر آخر. إذ لا يمكن القول باستثناء الفكر الماركسي من قواعد المادية التاريخية الضرورية الانتاج ماركسيا ... بأن نزعم- مثلا-:

أن مفكري الماركسية كماركس و انجلز و لينين ... ذوي أفكار مطلقة لا طبقية و لا حزبية. فإننا بذلك نكون قد نفينا الضرورة عن المادية التاريخية. فإنه إذا أمكن استثناء هؤلاء المفكرين منها أمكن استثناء آخرين أيضا. بل يعني ذلك نفي هذه الضرورة بالمرة، لا كما تريد الماركسية ...

و من ثم يتضح من هذه الأطروحة الأولى التي نعرضها ... إن وجود الفكر الماركسي مستند إلى الضرورة التاريخية الطبقية التي تؤمن بها الماركسية نفسها. و إذا كان كذلك، لم يمكن صدقها صدقا تاما و إنما تكون قابلة للتغير و التبديل، طبقا للضرورة التاريخية نفسها.

و قد التفت الكتاب المتأخرون من الماركسيين إلى ذلك ... و من الطريف أنهم اعترفوا بهذه النتيجة، طبقا لقواعدهم الماركسية، فقد جردوا من الفكر الماركسي قواعد مطلقة جعلوا الفكر الماركسي نفسه تطبيقا من تطبيقاته، و سواء صح منهم ذلك أم لا. فإنهم اعتبروا الفكر الماركسي فكرا طبقيا حزبيا ... اقتضت الضرورة التاريخية وجوده من أجل الانتقال من المرحلة الرأسمالية إلى ما بعدها، حتى الوصول إلى المجتمع الاشتراكي العلمي الأخير.

و قد واجهوا في هذا الصدد بعض المصاعب من أهمها: أن ماركس و انجلز نفسيهما من أبناء الطبقات المتقدمة تاريخيا كالإقطاع أو الرأسمالية ...

فكيف أنتج ذهنهما فكرا اشتراكيا يتقدم بالبشرية إلى نهاية الشوط.

و قد أجابوا على ذلك: انه يمكن للفرد أن يخرج من طبقته و يندرج في طبقة أخرى، يختارها لنفسه، لأنهم أكدوا إلى جنب الضرورة التاريخية وجود عنصر الاختيار الفردي و حرية التصرف، كما سنسمع. و من هنا يمكن القول بأن هذين المفكرين خرجا من طبقتهما الاقطاعية أو الرأسمالية، و انتميا إلى الطبقة الجديدة التي تمثل الفكر الاشتراكي ... و بذلك فسروا انقداح الفكر الاشتراكي في ذهن هذين المفكرين الماركسيين الرئيسيين.

إلّا أن هذا الجواب ليس صحيحا، لوضوح أن ماركس و انجلز إنما صبحا من قادة العمال و موجهيهم بعد وضع نظرياتهم العامة في التاريخ، لا

35

انهم أنتجوا هذه النظريات بعد انتمائهم إلى العمال.

و من هنا سوف نضطر إلى القول: بأن الفكر الاشتراكي الماركسي نتج لأول وهلة من الطبقات السابقة على الاشتراكية، التي كان ينتمي إليها ماركس و انجلز. و بذلك يصبح الفكر الماركسي نفسه تطبيقا مخالفا للقواعد التاريخية الماركسية.

و لو تنزلنا عن هذا الجواب، و فرضنا الفكر الماركسي ناتجا عن الطبقة الاشتراكية، فهو- على أي حال- لا يخرج عن كونه فكرا طبقيا حزبيا.

و معنى ذلك عدم إمكان كونه فكرا مطلقا، بل يكون فكرا محدودا، و قابلا للتغيير، بل ضروري التغيير بتغير الطبقة و علاقات الانتاج.

و لا يعني خروج المفكرين الماركسيين عن طبقتهم، ان أفكارهم أصبحت مطلقة ... و إنما يعني أنها أصبحت نتيجة لطبقة أخرى غير الطبقة التي كان ينبغي أن تنتج عنها. فإنها سواء نتجت عن هذه الطبقة أو تلك، فإنها على أي حال، فكر طبقي محدود.

و من الطريف ان الكتاب الماركسيين، جعلوا الفكر الماركسي مواكبا لعدة عصور من المادية التاريخية. فإنه بدأ بوجود العصر الرأسمالي الأول (التراكم الأولي لرأس المال) و سيبقى إلى الطور الشيوعي الأعلى ... فإذا علمنا ان مجموع هذا الزمن ينقسم إلى ستة عصور تاريخية، على ما سوف نسمع ... إذن فقد كان للماركسية توفيق استثنائي بالبقاء خلال كل هذه العصور ... فإنه بالرغم من ان تطور وسائل الانتاج و تبدل علاقاته، قد أوجبت تطور البشرية و تبدل النظام الحاكم و كل الايديولوجيات الاجتماعية عدة مرات ... لم تستطع التأثير بتطور الفكر الماركسي، بل بقيت حقائقه هي الحقائق المطلقة القائدة للبشرية و الرائدة للمستقبل الأفضل.

و بهذا يصبح الفكر الماركسي، بدوره، خارجا عن قواعده و ضروراته التاريخية، مرة أخرى.

و قد يخطر في الذهن: ان التطويرات المتأخرة للمفكرين الماركسيين المتأخرين، تمثل هذا التطوير الذي تقتضيه الضرورة التاريخية.

إلّا أن هذا السؤال منطلق من زاوية فكرية ضيقة ماركسيا:

أولا: باعتبار ما عرفناه من أن العهود التي مرت بها الماركسية و تمر

36

بها، تصل إلى ستة عهود ... و ليست التطويرات تصل بالضبط إلى هذا العدد، و لا هي مواكبة من انتقال العهود، عهدا عهدا.

ثانيا: إن أفكار المحدثين ... هل هي أفكار ماركسية أم لا ... فإن لم تكن ماركسية لم يكن لنا معها الآن حديث. و إن كانت ماركسية، فمعنى ذلك وجود الفكر الماركسي باستمرار من عصر ماركس إلى الآن، مع أن مقتضى قانون النفي و الاثبات و قانون التغير النوعي الماركسيّين اللذين سوف نسمعهما ... هو أن يتبدل في كل عهد، الفكر إلى نقيضه، فيصبح الفكر الماركسي غير ماركسي ... مع أنه لم يصبح كذلك في أي عهد من العهود.

إذن صح كون الفكر الماركسي خارجا عن ضروراته التاريخية التي أسسها بنفسه ... أي انه متغير و زائل عن المجتمع طبقا لضروراته نفسها.

الأطروحة الثانية: ان نحسب حساب الوضع العام الذي ولدت فيه الماركسية، بغض النظر عن اتجاه فكري معين.

و بهذا الصدد يمكن أن نضع أيدينا على عدة نقاط رئيسية، تكوّن بمجموعها البيئة الرئيسية التي ولدت فيها الماركسية، و ساعدت على نموها ...

النقطة الأولى: إن أوربا كانت منذ أول عهد نهضتها، في حالة صراع دائم و دائب بين مختلف عناصرها و اتجاهاتها من النواحي الفكرية و الاقتصادية و الاجتماعية، لا يقر لها قرار و لا يهدأ لها بال. فالصراع بين القديم و الحديث قائم على قدم و ساق ... ذلك القديم الذي يمثله الاقطاع و الكنيسة و مجموعة التقاليد و العادات الأولى، و الحديث الذي يمثله قادة النهضة الفكرية عموما. و الصراع بين الاتجاهات الحديثة أيضا قائم. فقد عاشت أوروبا انشقاقات و تباينات عميقة و جذرية بين الفئات من الناحية السياسية إلى جنب النواحي العقائدية و العلمية و الفلسفية و غيرها.

و لسنا الآن بصدد إعطاء أرقام محددة عن هذه الصراعات المتمادية ... إذ يكفينا هذا الوجدان البسيط الذي يحمله المثقف الاعتيادي عن حالة أوروبا خلال الثلاثة أو الأربعة قرون المتأخرة من تاريخها ... و قد تكون الدقة في العرض عن الغريب العجيب، بهذا الصدد.

37

و لم يكن حال أوروبا في عصرها القديم بأحسن حالا من عصرها الحديث ... ابتداء من عصر الاغريق إلى عصر الرومان إلى عصر ما قبل النهضة ... الذي كانت الأسر المالكة قد تقاسمت أروبا في فرنسا و ألمانيا و انكلترا و إيطاليا و غيرها. و ليست الحروب الواقعة بين هذه الدول كحرب السبع سنوات و حرب المائة عام ... أو الحروب الواقعة بينها و بين الدول الأخرى كروسيا القيصرية و تركيا العثمانية ... ليست ببعيدة عن الذاكرة.

كما لا يمكن أن تكون الخلافات و الحروب الداخلية بين الأحزاب أو الفئات الدينية أو غيرها ... بعيدة عن الذاكرة أيضا.

كما ان عصر الأطماع الاستعمارية، و انفتاح أروبا على العالم الخارجي، و تفكيرها في استغلال موارده و ثرواته ... ابتداء بالحروب الصليبية السابقة على النهضة و انتهاء بالاستعمار الصحيح اللاحق لها ...

غير بعيد عن الذاكرة أيضا.

كان هذا العصر في أوجه و إبّان اندفاعه ... حين وجد ماركس و انجلز.

و قد تكلّلت كل هذه القلاقل الأروبية، بأشدها رسوخا و أوضحها تأثيرا، أعني الثورة الفرنسية بما استتبعته من انشقاقات و خلافات و مجازر أتت على آلاف الفرنسيين.

و باختصار ... إننا إذا نظرنا إلى الألف سنة الأخيرة، بل الألفين الأخيرة، وجدنا أروبا مليئة بالقلاقل و الدماء و الخلافات ... و ليست العهود السابقة عليها بأحسن حالا من هذه الفترة، إن لم تكن أشد و أنكى، باعتبار ضعف المستوى الثقافي و العقلي للبشرية في تلك العصور ... كل ما في الأمر، اننا نستطيع أن نباشر النظر إليها باعتبار بعدها التاريخي نسبيا.

و هذا يعطي الانطباع الواضح لدى الذهن البشري الذي يعيش في خضم هذه القلاقل و يكتوي بلهيبها ... إن التاريخ البشري كله قائم على الخلاف و الصراع، و تنازع الطبقات و التحاقد بين الفئات.

فهذا الانطباع هو الذي حدا بالماركسية أن تقول في التاريخ نفس هذا المضمون، و تضيف: ان التحاقد و الصراع لا يمكن أن يزول ما دامت الطبقات ذات وجود في المجتمع.

38

كما انعكس هذا الانطباع في ذهن داروين و آخرين، على شكل تعميم آخر، و ان عالم الحيوان كله قائم على الصراع، و ان البقاء يكون للأقوى أو الأصلح ...

بل زاد الانطباع على ذلك في ذهن الماركسيين ... فاعتبروا الكون كله قائما على الصراع أيضا، ليس بين الأشياء المتعددة فحسب، بل حتى بين الشي‏ء و ذاته أيضا. فكل شي‏ء يحتوي على عناصر هدمه و فنائه، و هو في صراع دائم معها. حتى يكون لتلك العناصر النجاح في إفناء الشي‏ء ...

لكي يوجد في نهاية المطاف شي‏ء جديد ... ليبدأ الصراع الجوهري في ذاته من جديد.

و اعتبرت الصراع بين النقائض قانونا كونيا عاما، لا يمكن أن يتخلف ... و أنه هو السبب الرئيسي لوجود أي ظاهرة أو حركة في الكون أو على صعيد المجتمع الانساني.

فهذا التعميم الذي قالته الماركسية ... ان هو إلا انطباع نفسي يمثل ما كان يعيشه المفكرون الماركسيون من صراع و خلافات اجتماعية، و ما كانت تحدثه هذه الصراعات من ردود فعل اقتصادية و سياسية و نفسية مؤثرة في وضعهم الشخصي و مصالحهم الخاصة. فحين اكتووا بنار الخلافات العامة و تضرروا من نتائجها ... لم يستطيعوا أن يتحرروا من ضغط مفعولها الذهني ... لكي يتصوروا الكون و المجتمع منسجما خاليا من الصراع و النزاع.

النقطة الثانية: إن أوروبا عاشت في عصر النهضة و ما قبلها: عصري الاقطاع و الرأسمالية، بشكل مركّز و واضح ... كما هو الحال في إنكلترا و فرنسا على الخصوص، و ألمانيا و إيطاليا و بعض أوروبا الوسطى على العموم.

و حيث كانت أوروبا دون كل مناطق العالم الأخرى، تستقطب اهتمام الفرد الأوروبي عادة- بما فيهم ماركس و انجلز نفسيهما-، من النواحي الاقتصادية و الاجتماعية و النفسية ... فقد أصبح هذا الوضع الأوروبي هو المثال الأفضل لأهم مراحل نظرية المادية التاريخية التي وضعها ماركس و انجلز ... و الميدان الرئيسي للتركيز عليه كوضع ظالم و مجحف، و التبشير

39

بإمكان- بل بضرورة- تحوله إلى وضع مريح و سعيد ... و العمل الجاد في سبيل ذلك بتنظيم الأمميات و الأحزاب الاشتراكية، من أجل نقل المجتمع الأوروبي من وضعه المجحف إلى الوضع الأفضل الذي بشرت به المادية التاريخية.

... بل أصبح التعميم من الوضع الأوروبي، و صفات المجتمع الأوروبي إلى كل البشرية و التاريخ البشري، ممكنا في نظر الماركسيين ...

لأن أوروبا هي المثال الأفضل الذي يتركز به الوجود البشري و التاريخ البشري كله!!!.

و من هنا أيضا لا نرى أي اهتمام حقيقي في كلام الماركسيين بسائر مناطق العالم، حتى روسيا القيصرية، قبل أن ينبثق فيها الأمل بتحولها إلى الاشتراكية. فضلا عن بلدان آسيا و افريقيا و أمريكا بوضعها الموجود خلال القرن التاسع عشر الميلادي.

و لو وزعت الماركسية نظراتها بانتظام، على مناطق العالم، في توزيع مراحل المادية التاريخية ... لوجدت في ذلك صعوبات جمة، لمدى الاختلاف التاريخي الكبير الذي عاشته أوروبا عن سائر مناطق العالم ... بما فيه روسيا القيصرية نفسها، كما اتضح بعد ذلك العصر بقليل.

فإنه بالرغم من أن أمل ماركس و انجلز، كان منعقدا على تحوّل فرنسا و انكلترا إلى الاشتراكية بعد أن مرت بالفترة الرأسمالية ... و عدم تحول الاقطاع الروسي القيصري إلى الاشتراكية، لضرورة مروره بالفترة الرأسمالية طبقا لمفاهيم المادية التاريخية. بالرغم من ذلك وجدنا روسيا تنقلب إلى الاشتراكية بعد الاقطاع مباشرة، و ان الرأسمالية تبقى إلى أمد غير محدود في فرنسا و إنكلترا و اضرابهما ... على خلاف نبوءة الماركسيين و قواعد المادية التاريخية!!!.

و من الطريف أن الجيش البلشفي (الماركسي) نفسه بقيادة (لينين) هو الذي استطاع خرق هذه الضرورة التاريخية، و الاستغناء عن الوضع الرأسمالي في روسيا و الطفرة بها من الاقطاع إلى الاشتراكية ... و لعل قيامه بهذه المعجزة مستند إلى إيمانه العميق بهذه النظرية المقدسة!!! ...

و سيأتي في داخل الكتاب بحث كل هذه الأمور مفصلا ...

40

النقطة الثالثة: ان ماركس استطاع أن يشخص في نفسه و غيره، حقيقتين مقترنتين:

الحقيقة الأولى: اتصافه بالذكاء الكافي و العبقرية التي تؤهله لوضع النظريات الدقيقة، و قيادة الناس على أساسها.

و هذه العبقرية واضحة الثبوت له، بعد أن استطاع أن يستعملها أوسع استعمال. فوضع من الناحية النظرية أطروحة فكرية متناسقة تفسر الكون و الحياة على حد سواء. و استطاع أن يشارك من الناحية العملية في تطبيق هذه النظرية و قيادة الناس على أساسها، بمقدار إمكانياته و ظروفه.

الحقيقة الثانية: فهم ماركس بعبقريته أن قيادة الناس و استقطاب عواطفهم و استغلالها، يكون يسيرا للغاية لو أوجدت لهم نظرية مشتملة على عنصرين أساسيين:

العنصر الأول: كونها مستوعبة استيعابا كافيا للكون و الحياة، و تعطي فهما متكاملا عن ذلك. فإن هذا العنصر مما يجلب الاهتمام و الاحترام لأي نظرية تحتوي عليه.

العنصر الثاني: كونها مبشرة بمستقبل سعيد تزول فيه الآلام و تتحقق فيه الآمال ... يكون هو نتيجة الأعمال و الجهود البشرية ... و خاصة الواعية و الهادفة منها.

فإذا استطاعت النظرية أن: تقول أن: هذا المستقبل ضروري الوجود و ليس محتملا فقط. و استطاعت أن تبرهن على ذلك من نفس تسلسلها الفكري المتناسق ... استطاعت استقطاب أكبر قدر ممكن من العواطف و المؤيدين.

و قد استطاع ماركس أن يجمع بين هاتين الحقيقتين حين رأى من نفسه قابلية القيادة و لذتها، فوضع نظريته المنسجمة عن الكون و الحياة، و استطاع أن يمزجها بالتنبؤ بالمستقبل السعيد، لكي يستقطب أكبر مقدار من العواطف و يجعل لأتباعه و مؤيديه هدفا يسعون إليه و يعملون من أجله.

و لا زال العنصران الأساسيان في الحقيقة الثانية هما مثار الاحترام للنظرية الماركسية عند كثير من الناس، بل القناعة و الاندفاع عند عدد لا يستهان به منهم. و لا شك أنهما يدلان- على أي حال- على عبقرية واسعة، لو لا الفجوات التي يمكن أن نجدها في النظرية و في التطبيق معا،

41

كما سوف نسمع مفصلا.

و هذا هو الفرق بين قيادة ماركس و اتباعه للناس، و بين قيادة غيرهم كنابليون- مثلا- حيث احتوى الآخرون على الذكاء القيادي دون الذكاء النظري، فأصبحوا قادة فكريين، لا يملكون أي فهم محدد للحياة فضلا عن الكون. و أما قيادة ماركس و أتباعه، فقد أصبحت قيادة عملية و نظرية معا ... مما يسر له قيادة الناس إلى حد كبير.

النقطة الرابعة: ان ماركس شعر أن الخط المادي الالحادي خط مشروع في الرأي الأوروبي العام غير مستغرب ... إذ لو لم يكن كذلك، لما استطاع ماركس أن يمارس القيادة على أساسه.

بل هو الاتجاه المفضل، لكل من يرى نفسه أفضل من الآخرين، و يرى لنفسه حرية العمل و الرأي، و أفضلية التمسك بكل جديد نتيجة الأجيال، و إن منعت عنه الأديان. هكذا كان اتجاه الفكر الأوروبي العام، يؤيده الاتجاه العلمي الذي يعتقد منافاته مع الاتجاهات الدينية المتمثلة بالكنيسة هناك.

إذن، فلم يذهب عن ماركس، نتيجة لذلك، ان القيادة الناجحة و المرغوبة اجتماعيا في أوروبا هي القيادة التي تنطلق من الالحاد و تقوم على نقد الواقع الديني نقدا مرا ... و من ثم اتخذ هذا المسلك و مشى على هذا الطريق، كما سنسمع مفصلا.

النقطة الخامسة: التمهيد للنظرية الماركسية بنظريات فلسفية سابقة عليها تتبنى المادية الديالكتيكية ... و قد تتوجت قبل ماركس بقليل بفلسفة هيجل، الذي اعترف المفكرون الماركسيون: أنه الرائد الأول لوضع الديالكتيك و الممهد للنظرية الماركسية (1).

النقطة السادسة: يتصف المجتمع الأوروبي الذي وجد فيه ماركس، بنقص أساسي، انطبع على ماركس و غيره ... و كان له الأثر البليغ في تهيئة الأرضية العامة لنمو النظرية الماركسية.

فإن المجتمع الأوروبي ككل، بجانبيه المتدين و الملحد معا، كان يرى‏

____________

(1) انظر: أسس الفلسفة الماركسية، افاناسييف ص 20 و ما بعدها. و المادية الديالكتيكية لجماعة من الكتاب السوفييت ص 44.

42

الدين منحصرا بتعاليم الكنيسة بما فيها من تعصب و ظلم و مشاكل عقائدية و اجتماعية. فالمتدين كان يضطر إلى الرضوخ للكنيسة و الرضاء بواقعها مهما كان. و المتمرد كان يرى ببطلان الكنيسة بطلان الدين كله، و بظلمها و مشاكلها ابتناء الدين كله على المظالم و المشاكل ... باعتبار كون الكنيسة هي الفرد الأمثل للدين، في نظره ...

مع أنه لو كان للشعب الأوروبي درجة كافية من الموضوعية و التجربة في النظر و الفكر، و كان في البلاد الاسلامية الإمكانية الكافية على إبلاغ أفكار الاسلام و مفاهيمه إلى أوروبا كاملة غير منقوصة و صحيحة غير مشوبة ...

لاستطاعت أوروبا منذ أول عهد نضتها أن تقرن تمددها على الكنيسة بالرجوع إلى حقائق الاسلام، و أن تعرف: أن الكنيسة لا تمثل كل الدين، بل و لا شيئا من الدين بالمرة ... و إنما تمثل الجبروت و الظلم و الإثراء غير المشروع باسم الدين و باسم الدعوة الالهية المقدسة. و ليس شي‏ء من ذلك في الاسلام موجودا، مما ييسر لأوروبا الحصول على البديل الصالح عن الكنيسة في الاسلام، لا أن ترتمي في أحضان الالحاد دون وعي.

إذن، فالنقص الأساسي الموجود في المجتمع الأوروبي، هو عدم محاولة استيعاب النظريات المعروفة في العالم بالبحث و التحليل، لعلها تجد في إحداها الحق المفقود و العدل الضائع ... بل و عدم النظرة الموضوعية تجاه أي فكر سوى ما خلقته أوروبا لنفسها من نظريات في تفسير الكون و الحياة.

و حين انعدمت محاولة الاستيعاب، كان من الواضح و الطبيعي، أن لا تصل أوروبا إلى الاسلام، و أن لا تتعرف على مفاهيمه، و أن لا تطلع على مصادره و منابعه ... فتضطر إلى أن تتمسك بأي بديل آخر للكنيسة لمجرد أنه يحتوي على درجة من السعة و الأهمية.

و من ثم لم يكن لماركس و لا لغير ماركس، في ذلك المجتمع أن يحاول استيعاب المصادر البشرية بالبحث و النظر ... و ليس له إلا أن يعيش جو الأنانية الفكرية في تقديس المعطى الأوروبي و رفض غيره من ناحية عاطفية ... من دون أن يكون مستعدا لسماع الدليل و البرهان.

إذن، فمن المحتمل- على أقل تقدير- لو كانت النظرة الموضوعية المستوعبة موجودة في المجتمع الأوروبي ... أن لا توجد النظريات‏

43

الماركسية، و لا غيرها، بعد أن يطلع ماركس على البديل الصالح. أو- لا أقل- من أن ماركس حين يضع نظريته، سوف لن يجد التجاوب الكافي في المجتمع، بعد أن كان الفرد الأوروبي الاعتيادي قد اطمئن إلى البديل الصالح الذي يستغني به عن الماركسية و عن نظرتها العامة للكون و الحياة.

و من هنا نعرف، مقدار التأثير العميق لهذا النقص لدى ماركس خاصة، و المجتمع الأوروبي عامة، من تأثير في وجود النظرية الماركسية و تهيئة البيئة الذهنية العامة لتلقيها و استقبالها استقبالا حسنا. بالرغم من أن هذا النقص قد يغفل عنه الكثيرون، و خاصة الفرد الأوروبي باعتبار اعتزازه بنفسه و مجتمعه، و نظره المتطرف إلى الاسلام و بلاد الاسلام.

بل ان أوروبا لم تستطع نشر نظرياتها في الشرق الاسلامي، ماركسية و غيرها، إلا بعد أن استطاعت تزريق نقصها بنفسه هناك ففصلت بين الشعب و دينه، و أفرغت ذهنه منه، و ملأت الفراغ باعتراضات على التكوين الديني و بالنظريات المبتدعة في المجتمع الأوروبي نفسه ... و تقبل الناس في الشرق الاسلامي، هذا التخطيط الهدام، بكل صفاقة و إهمال.

الأطروحة الثالثة: لتفسير ولادة الفكر الماركسي:

و هي الأطروحة المبتنية على أساس التخطيط العام لليوم الموعود، الذي سبق أن عرضناه في الكتابين السابقين من هذه الموسوعة، و سيأتي في القسم الثالث من هذا الكتاب عرضه من زاوية أعمق و أوضح.

و من مهم تطبيقاته هو التعرض إلى تفسير وجود المادية عموما و الماركسية خصوصا في المجتمع البشري. و ستأتي تفاصيل ذلك ... و إنما ينبغي في المقام أن نعطي صورة موجزة عنه، بالمقدار الذي ينسجم مع الترتيب المنهجي لهذا الفصل.

و ذلك: أنه ثبت بالدليل الدال على التخطيط الالهي العام، أن الهدف الذي استهدفه اللّه تعالى من إيجاد البشرية، و هو تطبيق العدل الكامل في ربوعها ... يتوقف على مرور البشرية بظروف الاختبار و التمحيص، و هي الظروف التي يكون فيها الايمان صعبا و محتاجا إلى تضحية و قوة إرادة،

44

و هي ظروف الظلم و الانحراف، حيث يكون الاتجاه العام للعالم هو ذلك، و يكون الايمان استثناء و شذوذا، فيحتاج الالتزام به و السير على طبقه في الحياة إلى المرور بمصاعب و تضحيات، قد تكبر و قد تصغر تبعا لظروف الفرد المؤمن و حاجاته العامة و الخاصة. بينما لا يحتاج الظلم و الانحراف، إلى أية كلفة، لأنه موافق للاتجاه العام و المصلحة الخاصة، في كثير من الأحيان.

و إذ يكون الأفراد العاديون من البشر، و هم كثرتهم الكاثرة، لا يملكون قوة في الارادة و استعدادا للتضحية في سبيل الايمان و العدل، فسوف يكون سلوكهم مطابقا للاتجاه الأسهل لهم، و هو اتجاه الظلم و الانحراف. و يوجد إلى جنب هذه الكثرة خلاصة بشرية قليلة في العدد كبيرة في الارادة و الاخلاص و الاستعداد للتضحية، تجاه الحق و العدل ...

فهؤلاء هم الذين يكون التمحيص سببا في زيادة تمسكهم بالايمان و اندفاعهم في طريقه.

... و هؤلاء هم النخبة الصالحة التي يكون على عاتقها شرف القيادة لايجاد اليوم الموعود السعيد للبشرية. ذلك اليوم الذي وجدت البشرية وضحت الأجيال و كرست الجهود من أجله على طول الخط التاريخي الطويل.

و قد برهنا أن البشرية ما لم تمر بظروف من الظلم و التمحيص هذه، و ما لم تحصل نخبة ممحصة الايمان قوية الإرادة من البشر، لم يكن بالامكان أن يحصل لها اليوم الموعود مهما طال الزمن. و حيث أن هذا اليوم الموعود السعيد قطعي الحدوث، لكونه الهدف الأعلى من وجود البشرية، إذن تكون أسبابه و مقدماته قطعية الحدوث أيضا. و حيث أحرزنا بالبرهان أيضا أن ظروف الظلم و التمحيص من مقدماته أيضا، كانت هذه الظروف قطعية الحدوث أيضا.

حتى ما إذا تمخض التمحيص عن درجة عليا معينة من الايمان، و الاخلاص و قوة الارادة في نفوس عدد كاف من المؤمنين لفتح العالم بالعدل ... استحقت البشرية يومئذ أن تحظى بشرف تطبيق العدل المطلق على وجه الأرض.

فهذا ملخص مما ينبغي أن نعرفه الآن ... و سيأتي تفصيل ذلك في القسم الثالث من هذا الكتاب.

45

فإذا تم لدينا كل ذلك، أمكننا أن نضع أيدينا على رءوس الخيوط الرئيسية لموقف الماركسية من التخطيط الالهي ... و بتعبير أحسن: موقف التخطيط الالهي من الماركسية خاصة و المادية كلها عامة ... كمن النقاط التالية:

النقطة الأولى: ان ظروف الظلم و التمحيص السابقة على وجود الماركسية.

... بما تضمنته من أكثرية بشرية جاهلة ... و انحسار الحقائق العادلة عن الأذهان، و عدم وصولها إلى الكثير من المفكرين في العالم، كما سمعنا في الأطروحة الثانية.

... و بما تضمنته هذه الظروف من انسياق البشر عادة وراء شهواتهم و مصالحهم، بغض النظر عن الأخلاق و العدالة.

... و بما في ذلك حب القيادة و الزعامة التي حدث بكثير من ذوي القابليات، إلى استغلال هذه الظروف و الاستعلاء على الناس و إيجاد المظالم و المشاكل فيهم.

... و بما تضمنته هذه الظروف أيضا، من خواء عقائدي لدى الكثرة الكاثرة من البشر، و الشعور بالحاجة إلى تكوين نظري كامل يلم شعثهم و يحل مشاكلهم ... مما يسّر لنظرية عامة كالماركسية أن تحظى بالاعجاب و الاحترام و أصبحت محط الآمال لفترة من الزمن.

... في هذه الظروف، ولدت الماركسية. لتقوم بالزعامة النظرية الاجتماعية للبشر الخاوين المتلهفين للمستقبل الأفضل.

النقطة الثانية: إن الماركسية، بصفتها تتضمن مادية مفلسفة و معمقة، تندرج في الفكرة التي قلناها من تصاعد التمحيص و تعمقه باستمرار ... فتكون مشاركة في مستوى عال جدا من التمحيص الالهي ... من دون أن تعلم.

و ذلك: اننا إذا سبرنا تاريخ البشرية خلال الألف سنة الأخيرة، نجد انطباق هذه الفكرة بكل وضوح ... فانه منذ أن وجدت الأطروحة العادلة الكاملة، يحسب التخطيط العام، وجدت إلى جنبها المادية متدرجة في التعقيد، و موازية- إلى حد كبير- مع الزيادة التدريجية في الدقة و العمق‏

46

لفهم الأطروحة العادلة الكاملة.

فإن هذه الأطروحة، المتمثلة بالاسلام، كما سبق أن برهنا في تاريخ الغيبة الكبرى‏ (1)، لاقت منذ أول عهدها المادية متمثلة بعبادة الأصنام ...

تلك المادية الضحلة التي لم تكن تستند إلى دليل إلّا مجرد التقالية و العادات.

ثم ابتليت إبان العهدين الأموي و العباسي بالزنادقة و الشكاكين و اتجاهات متطرفة من الفلسفة اليونانية و الوسيطة. و هي اتجاهات مادية كانت تحاول أن تلبس لبوس الدليل و العاطفة. و لكنها على أي حال، كانت استثناءات من القاعدة الرئيسية التي كانت للمجتمع المسلم و هو التدين بالاسلام، و كانت مغطاة بالوضع العام، لا تبدو على السطح الواضح بصراحة.

و لم تكد تنتهي هذه العهود، إلّا و كانت أوروبا قد بدأت نهضتها الفكرية، و هي مادية الاتجاه عموما تدعو إلى تجاهل وجود اللّه- على أقل تقدير- و فصل الدين عن اندولة و القانون.

و بالتدريج حاول الأوروبيون أن يدققوا ماديتهم هذه و يتعمقوا فيها، و استطاعوا بذلك أن يجعلوا الاتجاه العام نحو المادية بشكل يكون معه الالتزام بالعقيدة الالهية هي الاستثناء ... بخلاف ما كان عليه العصر السابق، حتى في أروبا نفسها.

كما استطاعت أروبا أن تضفي على ماديتها نوعا من الأدلة العقلية و العاطفية لم يكن يستطيعها مادّيّو العصر السابق بحال ... و بذلك تعمق التمحيص الالهي.

و لئن كانت المادية الأولى لعصر النهضة، تقتصر على التشكيك بوجود كل ما هو غير محسوس، و بالتالي غض النظر عن العقيدة الالهية و العدل الإلهي، ان تلك هي مادية الرأسمالية عموما ... فإن المادية المتأخرة المتمثلة بالماركسية أصبحت أوسع من ذلك و أعمق، لأنها مادية مقترنة بفهم عام و مفلسف للكون و الحياة.

... و بذلك تعمق التمحيص الالهي، و أصبح الحصول على الايمان بالرغم من هذه المصاعب العقائدية، غاية في الصعوبة، بالنسبة إلى الفرد

____________

(1) انظر ص 261.

47

الاعتيادي. و لم يبق بإزاء ذلك، إلّا ما سنذكره في النقطة التالية.

النقطة الثالثة: إن الماركسية أوجبت و توجب تعميق الفكر الاسلامي بالتدريج، من حيث لا تعلم؛ و ذلك بعد الالتفات إلى أمرين:

الأمر الأول: ان النقاش الفكري و الجدل العقائدي، موجب بطبيعة الحال، لعمق الفكرة و تدقيق المستوى الثقافي، باعتباره موجبا لا عادة النظر فيما كان يملكه الانسان من فكر و رأي و محاولة صياغته من جديد بشكل يتلاءم و حياته المتطورة، من ناحية، و يدفع عنه إيرادات الآخرين، من ناحية أخرى.

و هذا النقاش النظري، بطبعه، ممحص للأفكار و العقائد، فكثير ما يوجب موت الفكرة و فشلها بالمرة. فيما إذا كانت ضحلة و بسيطة و غير قابلة للصمود الفكري و الاجتماعي. و لا تبقى بعد المرحلة المعمقة من هذا التمحيص، إلّا الأفكار الكبرى، التي تملك القوة الكافية للصمود الفكري و الاجتماعي، تجاه إيرادات الآخرين و التكثيف لمتطلبات الحياة.

و إذا بلغ النقاش أقصاه، و هذا التمحيص غايته، لم يكن في إمكان أي عقيدة أو فكرة للبقاء و الاستمرار، ما لم تكن مطابقة للواقع، و مقدمة للتفسير الحقيقي للكون و الحياة.

الأمر الثاني: إن الأطروحة العادلة الكاملة السائرة نحو التطبيق الكامل على وجه الأرض، بحسب التخطيط الالهي، محتاجة إلى التعميق الكبير في أذهان البشرية، لكي تكون البشرية على مستوى فكري و عاطفي، تكون معه قابلة لفهم و تطبيق القوانين و المفاهيم العميقة التفصيلية التي تعلن في الدولة العالمية يومئذ، كما سمعنا في (تاريخ ما بعد الظهور) و نسمع نموذجا آخر منه في القسم الثالث من هذا الكتاب.

فبضم هذين الأمرين، نستطيع أن نفهم مدى الأثر الضخم الذي تخلفه المادية عامة و الماركسية خاصة في تدقيق الفكر الاسلامي، و تعميق مستواه في أذهان المسلمين. و ذلك على عدة مستويات:

المستوى الأول: محاولة الجواب على الايرادات التي توردها المادية على الدين عموما و الاسلام خصوصا ... و بذل جهد فكري في ذلك ... قد يستبطن الالتفات إلى أفكار و نظريات لم تكن موجودة في أذهان المسلمين.

48

سواء في ذلك الصعيد العقائدي أو الفقهي أو التاريخي أو الاجتماعي أو غير ذلك.

المستوى الثاني: محاولة نقد النظريات المادية و كشف ما فيها من نقاط ضعف.

المستوى الثالث: محاولة إيجاد البديل الأصلح عن التفسيرات المادية للكون و الحياة، و محاولة فهم ذلك من المصادر الأساسية في الاسلام. و هو مستوى عال يتضمن بطبيعته الالتفات إلى أفكار أساسية و جديدة.

المستوى الرابع: محاولة اتخاذ أساليب جديدة مناسبة للعصر، لنشر الفكر الاسلامي على الصعيد العالمي، بإزاء ما تقوم به المبادئ الأخرى مادية و غيرها من أساليب للنشر و الاعلان و كسب الأفكار و الأنصار.

النقطة الرابعة: إن من أهم فقرات التخطيط العام، ان النظم البشرية، و النظريات التي تدعي حل مشاكل البشرية، سوف تواجه التمحيص، كما يواجهه الأفراد، و ذلك من خلال تطبيقها في عالم الحياة.

و سوف يبدو بالتدريج البطي‏ء زيفها واحدة واحدة. حتى تيأس البشرية من كل هذه النظم السائدة و تشعر بعمق بالضرورة إلى وجود نظام منقذ يخرجها من وهدتها و ينتشلها من ورطتها. و هذا هو الشعور الذي سيساعد على تقبل البشرية للفكرة الاسلامية بمجرد عرضها كبديل عالمي صالح، عن جميع التجارب السابقة عليه، لكي يقوم بالاصلاح الكامل في اليوم الموعود.

و من هنا نستطيع أن نلاحظ مقدار مشاركة الماركسية في هذا المضمار فكرة و نظاما، فانها لا زالت تعيش تجربتها التطبيقية في العالم، و تواجه التجربة و التمحيص باستمرار ... و لا زال ينكشف للرأي العام العالمي بالتدريج نقاط ضعفها، سواء من الناحية النظرية أو التطبيقية ... حتى ان الماركسيين أنفسهم أصبحوا اليوم يناقشون نظريات ماركس نفسه و يطعنون بواضحات أفكاره، على ما سنسمع ... فضلا عن غير الماركسيين.

و وضوح فشل النظام الماركسي في حل مشكلات الانسان، يعني أمرين رئيسيين في التخطيط الالهي:

الأمر الأول: إن فشلها يعني فشل إحدى الأنظمة الرئيسية التي تدعي حل مشكلات العالم. و بذلك تسير البشرية خطوة مهمة نحو اليأس من‏

49

الأنظمة المعلنة، و الاتجاه في الأمل نحو نظام عالمي عادل جديد.

الأمر الثاني: ان الماركسية بصفتها إحدى النظريات المادية الدقيقة التي وضعت فهما كاملا للكون و الحياة، يكون فشلها معبرا بطريق أولى عن فشل أي تجربة أخرى تكون دونها أو مثلها في المستوى الفكري و التطبيقي.

... فهذه هي النقاط الأربعة التي تمثل الجوانب المهمة من موقف التخطيط الالهي من المادية عموما و الماركسية خصوصا. و سيأتي من خلال القسم الثالث ما يسند و يوضح هذه الجوانب أيضا.

50

التمهيد الثالث مصاعب النقاش مع الماركسيين‏

لا بد لنا و نحن بصدد عرض الآراء الماركسية و مناقشتها، أن نعرض السؤال التالي و نحاول الجواب عليه. و هو انه هل يكون النقاش مع الماركسيين ممكنا و مجديا أم لا؟.

و في جواب هذا السؤال، لا بد لنا من أن نمر بعدة نقاط:

النقطة الأولى: ان النقاش ليس عارا على أية نظرية أو فكرة، بل ان الحقيقة دائما بنت البحث، و أحر بالفكرة الصائبة أن تثبت جدارتها و عمقها عن طريق النقاش.

إلّا أن النظريات إنما تكون ممكنة المناقشة مع حصولها على عدة خصائص معينة، و بدونها تكون المناقشة معها على درجة من التعقيد.

الخصيصة الأولى: أن تكون الفكرة أو مجموعة الأفكار محددة مفهومة، بحيث يمكن أن تبيّن و تتعقّل بأسبابها و صيغتها و نتائجها، لكي يمكن أن تسدد إليها سهام النقد و المناقشة.

أما إذا كانت الفكرة، أو التكوين الفكري، مشوشا غير محدد و لا مفهوم، بحيث يحار المفكر في بيان حدوده و ترتيبه ... فبالطبع يكون هذا التكوين غير قابل للمناقشة. و يسري الاختلاط الموجود في أصل الفكرة إلى الاختلاط في النقاش أيضا.

الخصيصة الثانية: ان تكون هناك نقاط مشتركة بين المتناقشين، يمكن أن يبدأ منها النقاش أو أن ترسو عندها النتائج، و هي الأصول المسلمة في الجدل عادة.

و أما إذا لم تكن هناك أسس مشتركة بالمرة، إما باعتبار بعد الشقة النظرية بينهما، بحيث لا توجد أية حقيقة مشتركة يؤمنان بها معا ... أو باعتبار ان الطرف الآخر يسهل عليه إنكار الحقائق التي تكون ضد مصلحة

51

تكوينه الفكري ... ففي مثل ذلك يكاد يكون النقاش غير ممكن أو غير مجد.

الخصيصة الثالثة: أن تكون لدى أصحاب التكوين الفكري و المدافعين عنه، الروح الموضوعية العلمية الكافية، و أن يكون رائدهم النهائي هو الحقيقة، بحيث يكونون على استعداد بالتسليم بكل مناقشة يثبت صدقها، و إعادة النظر بكل فكرة يثبت زيفها، من دون لف و دوران.

و بدون ذلك يكون النقاش أيضا، غير ذي جدوى.

و سنرى في النقاط التالية: ان كل هذه الخصائص الثلاث غير واضحة التوفر في الفكر الماركسي ... بل بعضها واضح الزيف في نظرهم، على ما سنرى.

النقطة الثانية: ما هو الفكر الماركسي، و كيف يصح نسبة الفكرة المعينة إلى الماركسية، و هل للماركسية كيان محدد يمكن أن يعرض و يشار إليه أم لا.

... إننا إن أجبنا بنعم، فمعناه توفر الخصيصة الأولى فيه، و إلّا فانها غير متوفرة بطبيعة الحال.

إن أفكار كارل ماركس نفسه ... هي أفكار ماركسية بطبيعة الحال، بمقتضى الاضافة اللفظية، كما هو واضح ... إلا أن تاريخ الفكر الماركسي، سار في طريق أوسع من هذا بكثير.

فإن التكوين النظري الذي اعترف به ماركس و استند إليه نظريا، لم يكن له وحده، بل كان- في الواقع- نتيجة لمساندة انجلز له و معاونته إياه في الفكر و العمل. و لكن اعترف انجلز ان التكوين الرئيسي للفكرة هو من صنع ماركس نفسه، و بذلك يستحق نسبتها إليه، و ان كان انجلز قد شارك في صنع العديد من جوانبها (1)- و لكن يبدو انها بمجموعها مرضية تماما لكلا الشخصين. و قد غلب على ماركس الجانب الاقتصادي في كتابه (راس المال) و غلب على انجلز التركيز على المادية الديالكتيكية في كتابه (ديالكتيك الطبيعة) و المادية التاريخية في كتابه (أصل العائلة) و غيره.

إذن، فالتكوين النظري الأصلي للماركسية هو ما استند إلى هذين‏

____________

(1) انظر: لودفيج فورباخ لانجلز. هامش صفحة 46.

52

الشخصين بالذات، خلال وجودهما في العصر التاسع عشر.

ثم توالت التجارب ... تترى ... و كان بعضها خلال حياة هذين المفكرين، و لعل أهمها ثورة باريس المسماة بكومونة باريس، التي أظهرت نقاط الضعف لهذين الشخصين في نظريتهما حتى صرحا في البيان الشيوعي:

ان بعض نقاط هذا البرنامج قد شاخت‏ (1) و انه لا بد من إجراء التعديل على بعض الفقرات‏ (2).

و أباح ماركس و انجلز لأنفسهما أن يغيرا من النظرية بمقدار ما ظهر لهما زيفه ... و كيف لا، و إن الأفكار أفكارهما فلهما أن يتصرفا فيها كيف شاءا ... و إن كان هذا التغيير لو قام به غيرهما لاعتبراه خارجا على تعاليمهما.

و فارق هذان المفكران الحياة، و التجارب لا زالت تترى، و لا يمكن أن تتوقف. و التجارب لا تحترم أحدا و لا ترحم رأيا و لا تغتر بالظواهر.

... و استطاعت الماركسية، ردحا من الزمن، أن تكسب احترام عدد من الناس نتيجة للظلم المعاش في روسيا و أروبا عموما، إلى جانب الدعاية الشيوعية الواسعة النطاق في تلك البلدان، و التركيز على أنه لا يمكن الهرب من الاقطاع أو الرأسمالية إلا إلى الماركسية، لأنها هي الحل الوحيد للمشاكل الانسانية.

و اصطدمت التعاليم و المفاهيم الماركسية بالواقع، و تحير الناس في التوفيق بينها و بين الواقع، و حدثت مئات الأسئلة في الأذهان ... فكان من الطبيعي أن يستعمل العديدون من مفكري هذه العقيدة، قابلياتهم الذهنية للتصدي لتذليل هذه العقبات سواء من الناحية الفلسفية أو الاجتماعية ...

فوجدت، نتيجة لذلك، عدة أطروحات لفهم الماركسية في روسيا و أروبا مثل آراء بليخانوف و لينين و كاوتسكي و تروتسكي و هيلغر دينغ، و غيرهم.

و لم يكن الفكر الماركسي الأصلي- في الواقع- أقرب إلى أحدهم، من الآخر، لأن كل واحد منهم يقول: بأن ماركس أراد أن يقول هكذا، لا غيره. و من الصعب جدا من الناحية الموضوعية، أن نتصور أن أشخاصا

____________

(1) انظر: البيان الشيوعي ص 6.

(2) المصدر نفسه ص 19.

53

بأعيانهم أقرب إلى مجموع النظرية من الآخرين. بل لربما أن هذا فهم هذه الجهة من كلام ماركس بشكل أصوب، و ذاك فهم تلك الجهة بشكل أصوب، و هكذا، تبعا لاختلاف اختصاصات الأفراد و تجاربهم الحياتية و العلمية و غيرها، و بالتالي لا يتعين للأجيال المتأخرة، من هو الأقرب و من هو الأبعد بشكل مطلق.

إلا أن ظروف ثورة أكتوبر من ناحية، و ظروف الحرب العالمية الثانية من ناحية أخرى ... جعلت من بعض هؤلاء المفكرين حكاما و قادة و مسيطرين. فأصبحت القوة إلى جانب تفسير معين للماركسية، هو التفسير الذي يتبناه هؤلاء القادة، و أصبح هو التفسير الرسمي الصحيح، و غيره هو الباطل الذي يمثل الانحراف و (المثالية) و قصر النظر. و أصبح ذووه مستحقين للقتل و التشريد.

و أصبحت السيطرة الحقيقية فكريا و اجتماعيا للقائد الأعظم (لينين) و أصبح تفسيره للماركسية هو الصائب. و كان من وافقه كبليخانوف على صواب و كان من خالفه كتروتسكي و غيره على خطإ.

و بقي الحال على ذلك، و بقي الحق إلى جانب القوة، متمثلا في ستالين، ثم خروشوف ثم الحكام السوفياتيين المعاصرين. و بقيت الدراسة الرسمية في جامعات البلدان الاشتراكية منطلقة من ذلك على الدوام.

و كانت هذه البلدان هي الطليعة الأولى في القرن العشرين لسحق المعارضة و كم الأفواه.

و كان لذلك استثناءان:

الاستثناء الأول: الايديولوجية الصينية (الماوية) لفهم الماركسية ...

حيث استطاع ماوتسي تونغ أن يستقل عن الفهم السوفييتي الرسمي للماركسية، و يتخذ لنفسه فهما جديدا بقوة كاملة، تجعله بدوره رسميا و صحيحا!!! ...

الاستثناء الثاني: ان ظروفا معينة أوجبت ايجاد أفكار ماركسية جديدة خلال الأعوام القليلة المتأخرة (العقد الثامن من القرن العشرين). و كان أهم هذه الظروف عاملان:

العامل الأول: ظروف الحرية النسبية التي تبنتها الحكومة السوفييتية

54

كرد فعل للتقييد الذي عاشوه خلال عصر (ستالين)؛ تلك الحركة التي فسحت فرصة جديدة للماركسيين في أن يوضحوا و يفسروا الماركسية من جديد.

العامل الثاني: ظروف النقد اللاذع و الايرادات الفلسفية و التاريخية و الاجتماعية التي أوردت على الفكر الرسمي، الماركسي- اللينيني، من قبل المفكرين الاسلاميين و الأوروبيين الرأسماليين ... بحيث اتضح للرأي العام بكل جلاء زيف هذا التكوين النظري، و ثبت للشيوعيين استحالة بقاء هذا التكوين على أهميته و هيبته في الأذهان من دون إصلاح ورتوش.

و من هنا تحركت عدد من الأقلام لعرض الماركسية من جديد، بشكل يدعم ورود تلك الانتقادات عليه.

و سمح هؤلاء المفكرون لأنفسهم الطعن بماركس و انجلز بصفتهما برجوازيين!!! ... و بصفتهما ذوي تجارب قديمة!! و بصفتهما ذوي تنبؤات فاشلة (بحدوث الثورة الاشتراكية في فرنسا و انكلترا)! .. و بصفتهما قابلين للخطأ و النقاش على أي حال.

كما سمح هؤلاء المفكرون أن يناقشوا الأفكار الأساسية للماركسية، فضلا عن التفاصيل ... ففي الديالكتيك: لا يتضمن الشي‏ء لنقيضه، و إنما توجد له ذاتيا عوامل الفناء. و في المادية التاريخية أكدوا على انقسام المجتمع إلى أكثر من طبقتين ... و انه لا ضرورة على مرور البلد بجميع مراحل هذه النظرية ... و في جانب الضرورة التاريخية: أكدوا على وجود حرية التصرف للفرد إلى حد كبير، و ان الحرية لا تنافي الضرورة.

و في جانب الاقتصاد، قالوا: إن الرأسمالية التي عرفها ماركس، هي الرأسمالية البدائية ... و هناك رأسماليات لم يلتفت لها ماركس!! يكون آخرها مرحلة (الامبريالية) ... إلى غير ذلك مما قالوه ... و سنسمع الكثير من ذلك خلال مناقشاتنا الآتية.

بعد هذه الجولة التاريخية السريعة في الفكر الماركسي، يتضح ما نريد أن نقوله في هذه النقطة الثانية ... فإن هذه الخلافات بين المفكرين الماركسيين تعطي نتيجة واضحة، و هي وجود درجة من الغموض و التشويش في تحديد (الفكر الماركسي) ... بحيث لو عرضت الماركسية على شكل‏