حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - ج3

- السيد هاشم البحراني المزيد...
460 /
5

[المنهج الثّالث‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطّاهرين.

امّا بعد فهذا المنهج الثّالث في الإمام الثّاني أبي محمّد الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) و فيه خمسة عشر بابا.

الباب الأوّل- في شأنه في الأمر الأوّل.

الباب الثاني- في ميلاده (عليه السلام).

الباب الثالث- في تسميته بالحسن، و أخيه بالحسين (عليهما السلام) من اللّه عزّ و جلّ.

الباب الرابع- في غزارة علمه (عليه السلام) في صغره.

الباب الخامس- في علمه (عليه السلام) بما سأله عنه ملك الرّوم.

الباب السادس- في علمه بغوامض العلم و جوابه السديد.

الباب السابع- في معرفته بلغات المدينتين.

الباب الثامن- في جواباته مع أبيه (عليه السلام) من طريق المخالفين.

الباب التاسع- في عبادته (عليه السلام) من طريق الخاصّة و العامّة.

الباب العاشر- في جوده (عليه السلام) من طريق الخاصّة و العامّة.

الباب الحادي عشر- في هيبته في أعين النّاس و سؤدده (عليه السلام).

الباب الثاني عشر- في أنّه و أخاه الحسين (عليهما السلام) يشبهان رسول اللّه‏

6

(صلى اللّه عليه و آله و سلّم) من طريق الخاصّة و العامّة.

الباب الثالث عشر- في محبّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) له (عليه السلام).

الباب الرابع عشر- في النصّ عليه من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) بالإمامة و الوصاية في جملة الأئمة الاثنى عشر (عليهم السلام).

الباب الخامس عشر- في النصّ عليه من أبيه بالوصاية و الإمامة.

7

الباب الأوّل في شأنه في الأمر الأوّل‏

1- السيّد الأجلّ السيّد الرضيّ في كتاب «المناقب الفاخرة في العترة الطّاهرة» قال: قال الأمين أبو عبد اللّه محمّد بن عليّ بن محمّد الجلابي المغازلي، قال: حدّثنا أبي (رحمه اللّه)، قال: أخبرنا أبو عبد اللّه الحسين‏ (1) بن عليّ، عن عليّ بن محمّد بن مخلّد، عن جعفر بن حفص، عن سواد بن محمّد، عن عبد اللّه ابن نجيح، عن محمّد بن مسلم البطائحي، عن محمّد بن يحيى الأنصاري، عن عمّه حارثة، عن زيد بن عبد اللّه بن مسعود، عن أبيه، قال: دخلت يوما على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فقلت: يا رسول اللّه أرني الحقّ حتّى أتّبعه فقال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): يا ابن مسعود لج إلى المخدع‏ (2)، فولجت فرأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) راكعا و ساجدا، و هو يقول عقيب صلاته: اللّهمّ بحرمة محمّد عبدك و رسولك اغفر للخاطئين من شيعتي.

قال ابن مسعود: فخرجت لاخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) بذلك، فوجدته راكعا و ساجدا و هو يقول: اللّهمّ بحرمة عبدك عليّ (عليه السلام)

____________

(1) في تفسير البرهان: (أخبرنا أبو عبد اللّه الحسين بن الحسن الدياس) و على أيّ حال ما وجدت ترجمة له، و لا لمن قبله، و لا لمن بعده إلّا ابن مسعود، و هو أجلى من أن يعرّف.

(2) المخدع (بتثليث الميم): بيت داخل البيت الكبير.

8

اغفر للعاصين من أمّتي، قال ابن مسعود: فأخذني الهلع‏ (1)، حتّى غشي عليّ فرفع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) رأسه‏ (2)، و قال: يا ابن مسعود أكفر بعد الإيمان‏ (3)؟ فقلت: معاذ اللّه، و لكنّي رأيت عليّا يسأل اللّه تعالى بك، و أنت تسأل اللّه تعالى به.

فقال: يا ابن مسعود إنّ اللّه تعالى خلقني، و عليّا، و الحسن، و الحسين من نور عظمته، قبل الخلق بألفي عام، حين لا تسبيح و لا تقديس، و فتق نوري فخلق منه السّماوات و الأرض، و أنا أفضل من السّماوات و الأرض، و فتق نور عليّ، فخلق منه العرش و الكرسيّ، و عليّ أفضل من العرش و الكرسيّ‏ (4).

و فتق نور الحسن، فخلق منه اللّوح، و القلم، و الحسن أجلّ من اللوح و القلم‏ (5)، و فتق نور الحسين، فخلق منه الجنان، و الحور العين، و الحسين افضل منها (6)، فأظلمت المشارق و المغارب، فشكت الملائكة إلى اللّه عزّ و جلّ الظلمة (7)، و قالت: اللّهمّ بحقّ هؤلاء الاشباح التي خلقت إلّا ما فرّجت عنّا هذه الظلمة! فخلق‏ (8) اللّه عزّ و جلّ روحا، و قرنها بأخرى، فخلق منها نورا، ثمّ أضاف النور إلى الروح، فخلق منها الزّهراء (عليها السلام) فمن ذلك سمّيت‏

____________

(1) الهلع (بفتح الهاء و العين المهملة): الجبن.

(2) الظاهر أنّ الصواب: فرفع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) رأسي.

(3) في البرهان: أ كفرا بعد إيمان، و في البحار: أكفر بعد إيمان.

(4) في تفسير البرهان: و عليّ أجلّ من العرش و الكرسي، و في البحار: و علي بن أبي طالب و اللّه أفضل من العرش و الكرسي.

(5) في البحار: و الحسن و اللّه افضل من اللوح و القلم.

(6) في البحار: و الحسين و اللّه أفضل من الحور العين.

(7) في البحار: فشكت الملائكة إلى اللّه تعالى أن يكشف عنهم تلك الظلمة.

(8) في البحار: فتكلّم اللّه جلّ جلاله كلمة فخلق منها روحا، ثمّ تكلّم بكلمة فخلق من تلك الكلمة نورا، فاضاف النور الى تلك الروح و أقامها مقام العرش فزهرت المشارق و المغارب فهي فاطمة الزهراء، و لذلك سمّيت الزهراء لأنّ نورها زهرت به السماوات.

9

الزهراء، فأضاء منها المشرق و المغرب.

يا ابن مسعود إذا كان يوم القيامة يقول اللّه عزّ و جلّ لي و لعليّ: أدخلا الجنّة من شئتما، و أدخلا النار من شئتما، و ذلك قول اللّه تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (1) و الكفّار من جحد نبوّتي، و العنيد من عاند عليّا (عليه السلام)، و أهل بيته، و شيعته‏ (2).

2- الشّيخ الطّوسي في كتاب «المصباح»، عن أنس بن مالك، قال:

صلّى بنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) في بعض الأيّام، صلاة الفجر.

و ذكر حديثا يدخل في هذا السلك مثله، يأتي إن شاء اللّه تعالى عند ذكر الإمام أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام)(3).

3- أبو جعفر محمّد بن جرير الطّبري في كتابه، قال: حدّثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريّا بن حميد بن داود الجريري، قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن أبي الثلج، قال: حدّثنا عيسى بن مهران‏ (4)، قال: حدّثنا منذر السرّاج، قال: حدّثنا إسماعيل بن عليّة قال: أخبرني أسلم بن ميسرة العجلاني، عن سعيد، عن أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل‏ (5) أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ خلقني، و عليّا، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، قبل أن يخلق الدّنيا بسبعة آلاف عام.

____________

(1) سورة ق: 24.

(2) تفسير البرهان ج 4/ 226، مدينة المعاجز: 201 كلاهما للمؤلف.

و اخرج نحوه في البحار ج 40/ 43 ح 81 عن الفضائل لشاذان: 128.

و الروضة له: 18 و في البحار أيضا ج 36/ 73 ح 24 عن تأويل الآيات ج 2/ 610 ح 7.

(3) مصباح الأنوار: 69 (مخطوط).

يأتي في المنهج الثالث الباب الأوّل الحديث الأوّل، و له تخريجات نذكرها هناك إن شاء اللّه.

(4) عيسى بن مهران: أبو موسى المستعطف البغدادي، ترجمه النجاشي في الرّجال ج 2/ 150، و ابن حجر في لسان الميزان ج 4/ 406 رقم 1241.

(5) معاذ بن جبل الصحابي الأنصاري الخزرجي المتوفّى بالطاعون سنة (18 ه).

10

قلت: فأين كنتم يا رسول اللّه؟ قال: قدّام العرش، نسبّح اللّه، و نحمده، و نقدّسه، و نمجّده، قال: قلت: على أيّ مثال؟ قال: أشباح نور حتى إذا أراد اللّه عزّ و جلّ أن يخلق صورنا، صيّرنا عمود نور، ثمّ قذفنا في صلب آدم، ثمّ أخرجنا إلى أصلاب الآباء، و أرحام الأمّهات، و لا يصيبنا نجس الشّرك، و لا سفاح الكفر، يسعد بنا قوم و يشقى بنا آخرون، فلمّا صيّرنا في صلب عبد المطّلب، أخرج ذلك النور، فشقّه نصفين، فجعل نصفه في عبد اللّه و نصفه في أبي طالب، ثمّ أخرج النّصف الذي لي إلى آمنة، و النصف الآخر إلى فاطمة بنت أسد، فأخرجتني آمنة، و أخرجت فاطمة عليّا (عليه السلام).

ثمّ أعاد اللّه عزّ و جلّ العمود إليّ فخرجت مني فاطمة، ثم أعاد اللّه عزّ و جلّ العمود إليه‏ (1) فخرج منه الحسن و الحسين، يعني النصفين جميعا، فما كان من نور عليّ فصار في ولد الحسن، و ما كان من نوري صار في ولد الحسين، فهو ينتقل في الأئمّة من ولده إلى يوم القيامة (2).

4- و رواه ابن بابويه في «العلل» قال: حدثنا إبراهيم بن هارون الهيتي قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن أبي الثلج، قال: حدّثنا عيسى بن مهران، قال: حدّثنا منذر الشراك، قال: حدّثنا إسماعيل بن عليّة، قال: أخبرني أسلم ابن ميسرة العجلي، عن أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل، أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ خلقني و عليّا و فاطمة، و الحسن، و الحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام، قلت: فأين كنتم يا رسول اللّه؟

قال: قدّام العرش، نسبّح اللّه عزّ و جلّ، و نحمده، و نقدّسه، و نمجّده.

قلت: على أيّ مثال؟ قال: أشباح نور، حتّى إذا أراد اللّه عزّ و جلّ أن‏

____________

(1) أي إلى عليّ (عليه السلام).

(2) دلائل الإمامة: 59.

و أورده المؤلّف (قدّس سرّه) أيضا في مدينة المعاجز: 203.

11

يخلق صيّرنا عمود نور، ثمّ قذفنا في صلب آدم، ثم أخرجنا إلى أصلاب الآباء و أرحام الأمّهات، و لا يصيبنا نجس الشّرك و لا سفاح الكفر، يسعد بنا قوم، و يشقى بنا آخرون.

فلمّا صيّرنا إلى صلب عبد المطّلب أخرج ذلك النور فشقّه نصفين، فجعل نصفه في عبد اللّه، و نصفه في أبي طالب، ثمّ أخرج الذي‏ (1) لي إلى آمنة، و النصف الذي لعلي إلى فاطمة بنت أسد، فأخرجتني آمنة، و أخرجت فاطمة عليّا، ثمّ أعاد اللّه عزّ و جلّ العمود إليّ فخرجت منّي فاطمة، ثمّ أعاد اللّه عزّ و جلّ العمود إلى عليّ (عليه السلام) فخرج منه الحسن و الحسين «يعني من النّصفين جميعا» فما كان من نور عليّ صار في ولد الحسن، و ما كان من نوري صار في ولد الحسين، فهو ينتقل في الأئمّة من ولده إلى يوم القيامة (2).

5- الشيخ أبو جعفر الطوسي، عن رجاله، عن الفضل بن شاذان، ذكره في كتاب «مسائل البلدان» يرفعه إلى سلمان الفارسي رضي اللّه عنه، قال دخلت على فاطمة (عليها السلام) و الحسن و الحسين يلعبان بين يديها، ففرحت بهما فرحا شديدا، فلم ألبث حتّى دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقلت: يا رسول اللّه أخبرني بفضيلة هؤلاء لأزداد لهم حبّا فقال: يا سلمان ليلة أسري بي إلى السّماء، و أدارني جبرائيل في سماواته و جنانه، فبينما أنا أدور في قصورها، و بساتينها، و مقاصيرها إذ شممت رائحة طيّبة فأعجبتني تلك الرّائحة فقلت: يا حبيبي ما هذه الرائحة التي غلبت على رائحة (3) الجنّة كلها؟ فقال:

يا محمّد تفّاحة خلقها اللّه تبارك و تعالى بيده، منذ ثلاثمائة الف عام، ما ندري ما يريد بها.

____________

(1) في المصدر: ثمّ أخرج النصف الذي لي ...

(2) علل الشرائع: 208 ح 11، و عنه البحار ج 15/ 7 ح 7- و ج 35/ 34 ح 32- و أورده المؤلّف أيضا في مدينة المعاجز: 203 ذيل ح 5.

(3) في المصدر و البحار: غلبت على روائح الجنة كلّها.

12

فبينما أنا كذلك إذ رأيت ملائكة، و معهم تلك التّفاحة، فقالوا: يا محمّد ربّنا السّلام يقرأ عليك السّلام، و قد أتحفك بهذه التّفاحة، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): فأخذت تلك التّفاحة، فوضعتها تحت جناح جبرئيل (عليه السلام)، فلمّا هبط بي إلى الأرض أكلت تلك التّفاحة، فجمع اللّه ماءها في ظهري، فغشيت خديجة بنت خويلد، فحملت بفاطمة (عليها السلام) من ماء التّفاحة، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليّ أن قد ولد لك حوراء إنسيّة، فزوّج النّور من النّور، فاطمة من عليّ، فإني قد زوّجتهما في الجنة (1)، و جعلت خمس الأرض مهرها، و ستخرج فيما بينهما ذريّة طيّبة، و هما (2) سراجا أهل الجنّة الحسن و الحسين‏ (3)، و أئمة يقتلون، و يخذلون، فالويل لقاتلهم، و خاذلهم‏ (4).

و قد تقدّم من ذلك في أول المنهج الأوّل و الثاني، و يأتي من ذلك في أوّل المنهج الرابع، عند ذكر أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام).

____________

(1) في البحار و المصدر: قد زوّجتها في السماء.

(2) هكذا في المصدر و البحار: و لكن الظاهر كما استظهره في ذيل تأويل الآيات: الحسن و الحسين و هما سراجا الجنّة.

(3) في المصدر و البحار: و يخرج من صلب الحسين (عليه السلام) أئمّة.

(4) تأويل الآيات ج 1/ 236 ح 16- و البحار ج 36/ 361 ح 232 عن الكنز و أورده المؤلّف أيضا في مدينة المعاجز: 202 و 233 عن تأويل الآيات.

13

الباب الثاني في ميلاده (عليه السلام)

1- السيّد المرتضى في «عيون المعجزات» قال: قام المولى أبو محمّد (صلوات اللّه عليه) بأمر اللّه و اتّبعه المؤمنون، و كان مولده بعد مبعث رسول اللّه بخمس عشرة سنة و أشهر، و ولدت فاطمة (عليها السلام) أبا محمّد (عليه السلام) و لها أحد عشر سنة كاملة، و كانت ولادته مثل ولادة جدّه و أبيه صلّى اللّه عليهما و آلهما، و كان طاهرا مطهّرا، يسبّح و يهلّل في حال ولادته، و يقرأ القرآن، على ما رواه أصحاب الحديث عن رسول اللّه أنّ جبرائيل ناغاه‏ (1).

2- ثم قال السيّد: و روي أنّ فاطمة (عليها السلام) ولدت الحسن و الحسين من فخذها الأيسر.

قال: و روي أنّ مريم (عليها السلام) ولدت المسيح (عليه السلام) من فخذها الأيمن، قال: و حديث هذه الحكاية في كتاب «الأنوار» و في كتب كثيرة (2).

____________

(1) عيون المعجزات: 59.

(2) بحار الأنوار ج 43/ 256 ح 34- و عوالم العلوم ج 16/ 19 ح 6 كلاهما عن عيون المعجزات.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

الباب الثالث في أنّ تسميته بالحسن (عليه السلام) و أخاه بالحسين (عليه السلام) من اللّه عزّ و جلّ‏

1- ابن بابويه، قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشميّ الكوفي قال: حدّثنا فرات بن إبراهيم الكوفي، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ الزعفراني‏ (1)، قال: حدّثنا سهل بن بشّار (2)، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن عليّ الطائفي‏ (3)، قال: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه، مولى بني هاشم، عن محمّد ابن إسحاق، عن الواقدي، عن الهذيل‏ (4)، عن مكحول‏ (5)، عن طاوس‏ (6) عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام): لمّا خلق اللّه عزّ ذكره آدم (عليه السلام)، و نفخ فيه من روحه،

____________

(1) في المصدر: فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا الحسن بن علي بن الحسين بن محمد، قال:

حدّثنا إبراهيم بن الفضل بن جعفر بن علي بن إبراهيم بن سليمان بن عبد اللّه بن العبّاس، قال:

حدثنا الحسن بن علي الزعفراني ....

(2) في بعض النسخ: سهل بن يسار.

(3) في المصدر: الطالقاني.

(4) في بعض النسخ: الهذيلي، و الهذلي.

(5) مكحول: بن أبي مسلم شهراب بن شاذل الهذلي بالولاء كان فقيه الشام في عصره توفي بدمشق سنة (112 ه).

(6) طاوس: بن كيسان الخولاني التابعي المتوفّى سنة (106 ه).

16

و أسجد له ملائكته و أسكنه جنّته و زوّجه حواء أمته، فرفع طرفه نحو العرش، فإذا هو بخمسة سطور مكتوبات.

قال آدم (عليه السلام): يا ربّ بحقّ قدرهم عندك ما اسمهم؟ فقال عزّ و جلّ:

أمّا الأوّل فأنا المحمود، و هو محمّد.

و أما الثّاني فأنا العالي، و هذا عليّ.

و أما الثّالث فأنا فاطر السماوات، و هذه فاطمة.

و أمّا الرابع فأنا المحسن، و هذا حسن.

و أمّا الخامس فإنّي ذو الإحسان، و هذا الحسين، كلّ يحمد اللّه عزّ و جلّ‏ (1).

2- و عنه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا أبو سعيد الحسن بن عليّ بن الحسين السكري‏ (2)، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه محمّد بن زكريّا ابن دينار الغلابي، قال: حدّثنا عليّ بن حكيم، قال: حدّثنا الربيع بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن الحسن، عن محمّد بن عليّ، عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري.

قال الغلّابي: و حدّثني شعيب بن واقد، قال: حدّثني إسحاق بن جعفر ابن محمّد بن عيسى‏ (3)، عن الحسين بن زيد عن زيد بن عليّ، عن أبيه عليّ (عليه السلام)، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري.

____________

(1) معاني الأخبار: 56 ح 5 و عنه البحار 15/ 14 ح 18 و يأتي في الباب الرابع من المنهج الثالث.

(2) الصواب: أبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبيد اللّه السكري، كان من اللغويّين و النّحاة في القرن الثالث، و انتشر عنه من كتب الأدب ما لم ينتشر عن أحد من نظائره، توفّي سنة (275) أو سنة (295)- بغية الوعاة: 218-.

(3) إسحاق بن جعفر بن محمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين (عليهما السلام).

17

قال الغلابي: حدّثنا العبّاس بن بكّار، قال: حدّثنا حرب بن ميمون‏ (1) عن أبي حمزة الثمالي، عن زيد بن عليّ، عن أبيه (عليه السلام)، قال: لمّا ولدت فاطمة الحسن (عليه السلام) قالت لعلي: سمّه، قال: ما كنت لأسبق باسمه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فاخرج إليه في خرقة صفراء، فقال: أ لم أنهكم أن تلفّوه في صفراء، ثم رمى بها و أخذ خرقة بيضاء فلفّه فيها.

ثم قال لعليّ (عليه السلام): هل سمّيته؟ فقال (عليه السلام): ما كنت لأسبقك باسمه، فقال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): و ما كنت لأسبق باسمه ربّي عزّ و جلّ فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى جبرائيل: أنّه ولد لمحمّد ابن فاهبط فأقرأه السلام و هنّئه، و قل له: إنّ عليّا منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون، فهبط جبرئيل فهنّأه من اللّه تعالى، ثمّ قال: إنّ اللّه جلّ جلاله يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون، قال: و ما كان اسمه؟ قال: شبّر (2) قال: لساني عربيّ قال: سمّه الحسن، فسمّاه الحسن.

فلما ولد الحسين (عليه السلام) أوحى اللّه جلّ ذكره إلى جبرائيل أنّه ولد لمحمّد ابن فاهبط إليه و هنّئه و قل له: إنّ عليا منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون فهبط جبرائيل (عليه السلام) فهنّأه من اللّه تعالى، ثمّ قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون فقال: و ما كان اسمه؟ قال:

شبير، قال: لساني عربيّ، قال: سمّه الحسين (عليه السلام)(3).

____________

(1) حرب بن ميمون: مشترك بين اثنين كلاهما من رجال العامّة، أحدهما: أبو الخطّاب الأنصاري البصريّ مولى النضر بن أنس بن مالك، و الثاني: أبو عبد الرحمن العبدي العابد البصري المعروف بصاحب الأغمية، المتوفّى سنة بضع و ثمانين و مائة، و الظاهر أنّه المراد في هذا السند.

(2) قال في البحار في ذيل الحديث: بيان: قال الفيروزآبادي: شبّر كبقّم و شبّير كقمّير و مشبّر كمحدّث أبناء هارون (عليه السلام)، و بأسمائهم سمّى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) الحسن و الحسين و المحسّن.

(3) علل الشرائع: 137 ح 5، أمالي الصدوق: 116 ح 3 و عنهما البحار ج 43/ 238 ح 3-

18

3- و بهذا الاسناد عن الغلابي، قال: حدّثنا العبّاس بن بكّار، قال:

حدّثنا حرب بن ميمون، عن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس‏ (1)، عن أبيه عن جدّه عبد اللّه بن عبّاس قال: قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): يا فاطمة اسم الحسن و الحسين في ابني هارون: شبر و شبير لكرامتهما على اللّه عزّ و جلّ‏ (2).

4- و عنه بهذا الإسناد، عن العبّاس بن بكّار، قال: حدّثنا عبّاد بن كثير (3)، و أبو بكر الهذلي‏ (4)، عن ابن الزّبير، عن جابر قال: لمّا حملت فاطمة (عليها السلام) بالحسن فولدت، و قد كان النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أمرهم أن يلفّوه في خرقة بيضاء، فلفّوه في صفراء، و قالت فاطمة: يا عليّ سمّه فقال:

ما كنت لأسبق باسمه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فجاء النبيّ فأخذه، و قبّله، و أدخل لسانه في فيه، فجعل الحسن (عليه السلام) يمصّه.

ثم قال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أ لم أتقدّم إليكم أن لا تلفّوه في خرقة صفراء فدعا بخرقة بيضاء فلفّه فيها، و رمى بالصفراء، و أذّن في أذنه اليمنى، و أقام في اليسرى، ثمّ قال لعليّ (عليه السلام): ما سميته؟ قال: ما كنت لأسبقك باسمه، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى جبرائيل (عليه السلام) أنّه قد ولد لمحمّد ابن فاهبط إليه و اقرأه السلام، و هنّئه منيّ و منك، و قل له: إنّ عليّا منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون، فهبط جبرئيل فهنّأه من اللّه تعالى، ثمّ قال: إنّ اللّه جلّ جلاله يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون، قال:

____________

و الموجود في البحار، و الأمالي هو السند المنتهي إلى الثمالي فقط.

(1) محمد بن علي بن عبد اللّه بن عبّاس بن عبد المطلب المتوفّى سنة (125 ه)، هو أول من قام بالدعوة العبّاسية، كان والد السفّاح و المنصور.

(2) علل الشرائع: 138 ح 6 و عنه البحار ج 43/ 241 ح 10.

(3) عبّاد بن كثير: الكاهلي الثقفي روى عن الصادق (عليه السلام) له ترجمة في جامع الرواة ج 1/ 430.

(4) أبو بكر الهذلي: سلمى بن عبد اللّه بن سلمى البصري- له ترجمة في ميزان الاعتدال ج 4/ 497.

19

ما كان اسمه؟ قال: شبّر، قال: لساني عربيّ، قال: سمّه الحسن، فسمّاه الحسن.

فلمّا ولد الحسين (عليه السلام) جاء إليهم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) ففعل به كما فعل بالحسن (عليه السلام) و هبط جبرائيل على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ يقرئك السلام، و يقول لك: إنّ عليّا منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون، قال: و ما كان اسمه؟ قال شبيرا قال: لساني عربيّ، قال: فسمّه الحسين، فسمّاه الحسين‏ (1).

5- و عنه، بهذا الإسناد عن الغلابي، قال: حدّثنا الحكم بن أسلم‏ (2)، قال: حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن سالم، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّي سمّيت ابنيّ هذين باسم ابني هارون: شبّر، و شبير (3).

6- و عنه، قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن يحيى العلوي‏ (4) (رحمه اللّه)، قال: حدّثني جدّي، قال: حدّثني أحمد بن صالح التميمي‏ (5)، قال: حدّثنا عبد اللّه بن عيسى‏ (6)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السلام)، قال:

أهدى جبرئيل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) اسم الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، و خرقة حرير من ثياب الجنّة و اشتقّ اسم الحسين من اسم الحسن عليهما

____________

(1) علل الشرائع: 138 ح 7 و معاني الأخبار: 57 ح 6 و عنهما البحار ج 43/ 240 ح 8.

(2) الحكم بن أسلم: بن سليمان الحجبي أبو معاذ القرشي البصري له ترجمة في «الجرح و التعديل» للرازي ج 3/ 114.

(3) علل الشرائع: 138 ح 8 و عنه البحار ج 43/ 241 ح 9.

(4) العلوي: الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد اللّه بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، توفّي سنة (358 ه)، و كان معروفا ب (ابن أخي طاهر)- رجال النجاشي ج 1/ 182-.

(5) أحمد بن صالح التميمي: ذكره الصدوق في المشيخة في طريقه إلى ما كان فيه عن حماد بن عمر و أنس بن محمد أبي مالك- معجم رجال الحديث ج 2/ 126-.

(6) عبد اللّه بن عيسى: الخثعمي الكوفي كان من أصحاب الصادق كما في رجال الشيخ (50).

20

السلام‏ (1).

7- و عنه، قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن يحيى العلوي (رحمه اللّه)، قال حدّثنا جدّي، قال: حدّثنا داود بن القاسم‏ (2)، قال: أخبرنا عيسى، قال:

أخبرنا يوسف بن يعقوب، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار (3)، عن عكرمة، قال: لمّا ولدت فاطمة (عليها السلام) الحسن جاءت به إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فسمّاه حسنا فلمّا ولدت الحسين (عليه السلام) جاءت به إليه فقالت: يا رسول اللّه هذا أحسن من هذا فسمّاه حسينا (4).

8- و من طريق المخالفين ما رواه أبو الحسن محمّد بن أحمد بن شاذان، يرفعه إلى جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): سمّي الحسن حسنا لأنّ بإحسان اللّه قامت السّماوات و الأرض، و الحسن مشتقّ من الإحسان، و عليّ و الحسن اسمان من أسماء اللّه تعالى، و الحسين تصغير الحسن‏ (5).

____________

(1) علل الشرائع: 139 ح 9- معاني الأخبار: 58 ح 8- و عنهما البحار ج 43/ 241 ح 11.

(2) داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) أبو هاشم الجعفري (رحمه اللّه)، كان عظيم المنزلة عند الأئمة (عليهم السلام)، و قد شاهد الرضا و الجواد و الهادي و العسكري و صاحب الأمر (عليهم السلام)، ذكره الخطيب في تاريخه ج 8 رقم 4471، لاحظ تفصيل ترجمته في «تنقيح المقال» ج 1/ 412.

(3) عمرو بن دينار: أبو محمد المكي المقري مولى باذام، روى القراءة عن ابن عبّاس، توفّي سنة:

(126 ه)- غاية النهاية ج 1/ 600-.

(4) علل الشرائع: 139 ح 10- معاني الاخبار: 57 ح 7 و عنهما البحار ج 43/ 242 ح 12.

(5) مائة منقبة: 21 ح 3 و أورده المصنّف أيضا في مدينة المعاجز: 202 ح 4 و ص 237 ح 8 و أخرجه في البحار ج 43/ 252 ذيل ح 30 و العوالم في حياة الامام الحسن (عليه السلام): 25 ذيل ح 5 عن مناقب ابن شهر اشوب ج 3/ 398.

21

الباب الرابع في غزارة علمه في صغره (عليه السلام)

1- كتاب «ثاقب المناقب» عن الباقر (عليه السلام) عن آبائه (صلوات اللّه عليهم)، عن حذيفة، قال: بينا رسول (صلى اللّه عليه و آله) على جبل احد في جماعة من المهاجرين و الأنصار إذ أقبل الحسن بن عليّ (عليه السلام) يمشي على هدوء و وقار فنظر إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فرمقه‏ (1) من كان معه، فقال له بلال: يا رسول اللّه أ ما ترى أخذه؟ فقال (صلوات اللّه عليه و آله): إنّ جبرئيل يهديه، و ميكائيل يسدّده، و هو ولدي، و الطاهر من نفسي، و ضلع من أضلاعي و هذا سبطي، و قرّة عيني، بأبي هو، و قام و قمنا معه، و هو يقول: أنت تفّاحتي و أنت حبيبي، و مهجة قلبي، و أخذ بيده، و نحن نمشي حتّى جلس و جلسنا حوله، فنظرنا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو لا يرفع بصره عنه.

ثم قال: إنّه سيكون بعدي هاديا مهديا هذا هديّة من ربّ العالمين لي ينبئ عنّي، و يعرّف الناس آثاري، و يحيي سنّتي، و يتولّى أموري في فعله، ينظر اللّه إليه و يرحمه، رحم اللّه من عرف ذلك، و برّني و أكرمني فيه.

فما قطع كلامه (صلوات اللّه عليه و آله) حتّى أقبل علينا أعرابيّ يجرّ هراوة (2) له‏

____________

(1) رمقه: أطال النظر إليه.

(2) الهراوة (بكسر الهاء): العصا الضخمة.

22

فلمّا نظر إليه (صلوات اللّه عليه و آله) قال: قد جاءكم رجل يتكلّم بكلام غليظ تقشعرّ منه جلودكم، و إنّه ليسألكم عن امور إلّا أنّ لكلامه جفوة، فجاء الأعرابي فلم يسلّم، فقال: أيّكم محمّد؟ قلنا: و ما تريد؟ فقال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم):

مهلا، فقال: يا محمّد لقد كنت ابغضك و لم ارك، و الآن قد ازددت بغضا.

فتبسّم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و غضبنا لذلك، فأردنا الأعرابيّ إرادة، فأومى إلينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أن أمسكوا (1) فقال الأعرابي إنّك تزعم أنّك نبيّ و أنّك قد كذبت على الأنبياء، و ما معك من دلالتهم شي‏ء (2) قال له: يا أعرابي و ما يدريك؟ قال: فخبّرني ببراهينك.

قال: إن أحببت اخبرك كيف خرجت، و كيف كنت في نادي قومك؟

و إن أردت أخبرك عضو منّي فيكون ذلك أوكد لبرهاني؟ قال: أو يتكلّم العضو قال: نعم، يا حسن قم، فازدرى الأعرابي نفسه‏ (3) و قال: يأتي و هو صبيّ يكلّمني‏ (4)؟! قال: إنّك ستجده عالما بما تريد، فابتدره الحسن (عليه السلام) و قال مهلا يا أعرابيّ.

ما غبيّا سألت و ابن غبيّ* * * بل فقيها إذن و أنت الجهول‏

فإن تك قد جهلت فإنّ عندي* * * شفاء الجهل ما سأل السئول‏

و بحرا لا تقسّمه الدوالي* * * تراثا كان أورثه الرسول‏

لقد بسطت لسانك، و عدوت طورك، و خادعك نفسك، غير أنّك لا تبرح حتى تؤمن إن شاء اللّه تعالى، فتبسّم الأعرابي، و قال: هيه‏ (5).

____________

(1) في البحار: أن أسكتوا.

(2) في البحار: و ما معك من برهانك شي‏ء.

(3) أي احتقره الأعرابي لصغر سنّه.

(4) في البحار: و قال: هو ما يأتي و يقيم صبيّا ليكلّمني.

(5) هيه: كلمة تقال لشي‏ء يطرد، و هي أيضا كلمة استزادة.

23

فقال الحسن (صلوات اللّه عليه): نعم قد اجتمعتم في نادي قومك، و تذاكرتم ما جرى بينكم على جهل و خرق منكم، و زعمتم أنّ محمّدا صنبور (1)، و العرب قاطبة تبغضه، و لا طالب له بثاره، و زعمت أنّك قاتله، و كاف قومك مئونته‏ (2) فحملت نفسك على ذلك، و قد أخذت قناتك بيدك و ترومه‏ (3) و تريد قتله فعسر عليك مسلكك، و عمي عليك بصرك، و أتيت إلى ذلك‏ (4) و أتيتنا خوفا من أن نستهزئ بك‏ (5).

و إنّما جئت لخير يراد بك، انبئك عن سفرك، خرجت في ليلة صحياء إذ عصفت ريح شديدة اشتدّ منها ظلماؤها، و أطبقت سماؤها، و أعصر سحابها، و بقيت متجرما (6) كالأشقر (7) إن تقدّم نحر، و إن تأخّر عقر، لا يسمع لواطئ حسّا، و لا لنافخ نار خرسا، تداكّت‏ (8) عليك غيومها، و توارت عنك نجومها، فلا تهتدي بنجم طالع، و لا بعلم لامع، تقطع محجة، و تهبط لجّة بعد لجّة في ديمومة قفر، بعيدة القعر، مجحفة بالسفر، إذا علوت مصعدا ازددت بعدا، الريح تخطفك، و الشوك تخبطك، في ريح عاصف، و برق خاطف، قد أوحشتك قفارها (9) و قطعك سلامها، فانصرفت‏ (10) فإذا أنت عندنا، فقرّت عينك و ظهرت زينتك، و ذهب أنينك.

____________

(1) أي أبتر لا عقب له.

(2) في البحار: و كان في قومك مئونته.

(3) في البحار: تؤمّه.

(4) في البحار: و أبيت إلّا ذلك.

(5) في البحار: فأتيتنا خوفا من أن يشتهر.

(6) في البحار: فبقيت محرنجما، (أي منصرفا عمّا أردته).

(7) الأشقر: الأحمر من الإبل.

(8) في البحار: تراكمت.

(9) في البحار: قد اوحشتك آكامها.

(10) في البحار: فابصرت.

24

قال: من أين قلت يا غلام هذا؟ كأنّك قد كشفت عن سويداء قلبي، و كأنّك كنت شاهدي و ما خفي عليك شي‏ء من أمري، و كأنّك عالم الغيب، يا غلام لقّني الإسلام، فقال الحسن (صلوات اللّه عليه): اللّه أكبر، قل: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله، فأسلم و حسن إسلامه و سرّ رسول اللّه، و سرّ المسلمون، و علّمه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) شيئا من القرآن، فقال: يا رسول اللّه أرجع إلى قومي و اعرّفهم ذلك؟ فأذن له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فانصرف، ثم رجع و معه جماعة من قومه، فدخلوا في الإسلام، و كان الحسن (صلوات اللّه عليه) إذا نظر إليه الناس قالوا:

لقد أعطي هذا ما لم يعط أحدا من العالمين‏ (1).

2- الطّبرسي في «الاحتجاج» قال: روى محمّد بن قيس، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرحبة، و الناس عليه متراكمون، فمن بين مستفت، و من بين مستعدّ، إذ قام إليه رجل فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، فقال: و عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته من أنت؟ فقال: أنا رجل من رعيّتك و أهل بلادك، فقال ما أنت من رعيّتي و أهل بلادي، و لو سلّمت عليّ يوما واحدا ما خفيت عليّ، فقال الأمان يا أمير المؤمنين، فقال: هل أحدثت منذ دخلت مصري هذا؟ قال:

لا، قال: فلعلك من رجال الحرب؟ قال: نعم قال: إذا وضعت الحرب أوزارها فلا بأس، فقال: أنا رجل بعثني إليك معاوية متغفّلا لك، أسألك عن شي‏ء بعث به ابن الأصفر إليه، فقال له: إن كنت أحقّ بهذا الأمر و الخليفة بعد محمّد فأجبني عمّا أسألك، فإنّك إذا فعلت ذلك اتّبعتك، و بعثت إليك بالجائزة فلم يكن عنده جواب، و قد أقلقه ذلك، و بعثني إليك لأسألك عنها.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): قاتل اللّه ابن آكلة الأكباد ما أضلّه و أعماه‏

____________

(1) ثاقب المناقب: 316 و أخرج نحوه في البحار ج 43/ 333 ح 5 عن العدد القويّة: 42 ح 60.

25

و من معه، حكم اللّه بيني و بين هذه الأمّة، قطعوا رحمي، و أضاعوا أيّامي، و دفعوا حقّي، و صغّروا عظيم منزلتي، و أجمعوا على منازعتي، يا قنبر عليّ بالحسن و الحسين و محمّد، فأحضروا، فقال: يا شامي هذان ابنا رسول اللّه، و هذا ابني فسل أيّهم أحببت، فقال: أسأل ذا الوفرة، يعني الحسن بن عليّ (عليه السلام).

فقال له الحسن (عليه السلام): سلني عمّا بدا لك، فقال الشامي: كم بين الحقّ و الباطل؟ و كم بين السماء و الأرض، و كم بين المشرق و المغرب؟ و ما قوس قزح؟ و ما العين الّتي تأوي إليها أرواح المشركين؟ و ما العين الّتي تأوي إليها أرواح المؤمنين؟ و ما المؤنث؟ و ما عشرة أشياء بعضها أشدّ من بعض؟

فقال الحسن (عليه السلام): بين الحقّ و الباطل أربع أصابع، فما رأيته بعينك فهو الحقّ، و قد تسمع بأذنيك باطلا كثيرا، فقال الشامي: صدقت.

و قال: بين السماء و الأرض دعوة المظلوم و مدّ البصر، فمن قال لك: غير هذا فكذّبه، قال: صدقت يا ابن رسول اللّه.

و قال: و بين المشرق و المغرب مسيرة يوم للشّمس، تنظر إليها حين تطلع من مشرقها، و تنظر إليها حين تغيب من مغربها (1).

قال الشامي: صدقت فما قوس قزح؟ قال: و يحك لا تقل: قوس قزح فإن قزح اسم الشيطان، و هو قوس اللّه، و هذه علامة الخصب، و أمان لأهل الأرض من الغرق.

و امّا العين التي تأوي إليها أرواح المشركين، فهي عين يقال لها: برهوت.

و أمّا العين التي تأوي إليها أرواح المؤمنين، فهي عين يقال لها: سلمى.

و أمّا المؤنّث فهو الذي لا يدرى أذكر أم انثى، فإنّه ينتظر به فإن كان ذكرا احتلم، و إن كان أنثى حاضت و بدا ثديها، و إلّا قيل له: بل على الحائط، فإن أصاب بوله الحائط فهو ذكر، و إن انتكص بوله كما ينتكص بول البعير فهي امرأة.

____________

(1) في الاحتجاج: في مغربها.

26

و أمّا عشرة أشياء بعضها أشدّ من بعض، فأشدّ شي‏ء خلقه اللّه الحجر، و أشدّ من الحجر الحديد يقطع به الحجر، و أشدّ من الحديد النّار تذيب الحديد، و أشدّ من النّار الماء يطفئ النّار، و أشدّ من الماء السحاب يحمل الماء، و أشد من السّحاب الرّيح تحمل السحاب، و أشدّ من الرّيح الملك الذي يرسلها، و أشدّ من الملك ملك الموت الذي يميت الملك، و أشدّ من ملك الموت الموت الذي يميت ملك الموت، و أشد من الموت أمر اللّه الذي يميت الموت.

فقال الشامي: أشهد أنّك ابن رسول اللّه حقّا، و أنّ عليّا أولى بالأمر من معاوية، ثمّ كتب هذه الجوابات، و ذهب بها إلى معاوية، فبعثها معاوية إلى ابن الأصفر.

فكتب إليه ابن الأصفر: يا معاوية تكلّمني بغير كلامك، و تجيبني بغير جوابك؟ اقسم بالمسيح ما هذا جوابك! و ما هو إلّا من معدن النّبوة، و موضع الرسالة، و أمّا أنت فلو سألتني درهما ما أعطيتك‏ (1).

____________

(1) الاحتجاج 1/ 267 و عنه البحار ج 10/ 129 ح 1 و عن الخصال: 440 ح 33 و روضة الواعظين 45- 46 و أخرجه في البحار أيضا ج 43/ 325 ح 5 عن الخرائج مختصرا ج 2/ 572 ح 2.

27

الباب الخامس في علمه (عليه السلام) بما سأله عنه ملك الروم‏

1- عليّ بن إبراهيم بن هاشم، في تفسيره قال: حدّثني الحسين بن عبد اللّه السكيني، عن أبي سعيد البجلي، عن عبد الملك بن هارون، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: لمّا بلغ أمير المؤمنين أمر معاوية، و إنّه في مائة ألف، قال: من أيّ القوم؟ قالوا: من أهل الشام، قال: لا تقولوا من أهل الشام، و لكن قولوا: من أهل الشوم، من أهل مصر لعنوا على لسان داود (1)، فجعل اللّه منهم القردة و الخنازير.

ثمّ كتب (عليه السلام) إلى معاوية: لا تقتل الناس بيني و بينك، و لكن هلّم إلى المبارزة فإن أنا قتلتك فإلى النار أنت، و تستريح الناس منك و من ضلالتك، و إن أنت قتلتني فأنا في الجنة، و يغمد عنك السّيف الذي لا يسعني غمده حتى أردّ مكرك و خديعتك و بدعتك، و أنا الذي ذكر اللّه اسمه في التوراة، و الانجيل بموازرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنا أوّل من بايع رسول اللّه تحت الشجرة في قوله تعالى‏ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (2) فلمّا قرأ معاوية كتابه (عليه السلام)، و عنده جلساؤه، قالوا: قد و اللّه‏

____________

(1) في المصدر: من أبناء مضر.

(2) الفتح: 18.

28

أنصفك، قال معاوية: و اللّه ما أنصفني، و اللّه لأرمينّه بمائة ألف سيف من أهل الشام، من قبل أن يصل إليّ، و اللّه ما أنا من رجاله، و لقد سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: و اللّه يا عليّ لو بارزك أهل المشرق و المغرب لقتلتهم أجمعين.

فقال رجل من القوم: فما يحملك يا معاوية على قتال من تعلم و تخبر فيه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) بما تخبر؟ ما أنت و نحن في قتاله إلّا على الضلالة، فقال معاوية: إنّما هذا بلاغ من اللّه و رسالاته، و اللّه ما أستطيع أنا و أصحابي ردّ ذلك حتّى يكون ما هو كائن.

قال: و بلغ ذلك ملك الروم، و أخبر أنّ رجلين قد خرجا يطلبان الملك، فقال: من أين خرجا؟ فقيل له: رجل بالكوفة، و رجل بالشام، قال: و أمر الملك وزراءه، فقال: تخلّلوا هل تصيبون التّجار من المغرب من يصفهما لي؟

فاتي برجلين من تجّار الشام، و رجلين من تجّار مكة، فسألهم عن صفتهما فوصفاهما له.

ثمّ قال لخزّان بيوت خزائنه: أخرجوا إليّ الأصنام، فأخرجوها، فنظر إليها، فقال: الشّاميّ ضالّ، و الكوفيّ هاد.

ثم كتب الى معاوية: أن ابعث إليّ أعلم أهل بيتك، و كتب إلى أمير المؤمنين أن ابعث إليّ أعلم أهل بيتك، فأسمع منهما، ثمّ أنظر في الإنجيل كتابنا ثمّ أخبركما بمن هو أحقّ بهذا الأمر و خشي على ملكه، فبعث معاوية يزيد ابنه و بعث أمير المؤمنين (عليه السلام) الحسن ابنه.

فلما دخل يزيد على الملك أخذ بيده و قبّلها ثمّ قبّل رأسه.

ثم دخل عليه الحسن بن علي، فقال: الحمد للّه الذي لم يجعلني يهوديّا، و لا نصرانيّا و لا مجوسيّا، و لا عابدا للشمس، و لا للقمر، و لا للصنم، و لا للبقر و جعلني حنيفا مسلما، و لم يجعلني من المشركين، و تبارك اللّه ربّ العرش العظيم و الحمد للّه ربّ العالمين، ثم جلس لا يرفع بصره.

29

فلما نظر ملك الروم إلى الرّجلين أخرجهما ثمّ فرّق بينهما، ثمّ بعث إلى يزيد و أحضره، ثمّ أخرج من خزائنه ثلاثمائة و ثلاثة عشر صندوقا، فيها تماثيل الأنبياء (عليهم السلام) و قد زيّنت بزينة، كلّ نبيّ مرسل، فأخرج صنما، فعرضه على يزيد فلم يعرفه، ثمّ عرض عليه صنما صنما، فلا يعرف منها شيئا، و لا يجيب منها بشي‏ء.

ثمّ سأله عن أرزق الخلائق، و عن أرواح المؤمنين أين تجتمع؟ و عن أرواح الكفّار أين تكون إذا ماتوا؟ فلم يعرف من ذلك شيئا.

ثم دعا الملك الحسن بن عليّ (عليهما السلام) فقال: إنّما بدأت بيزيد بن معاوية لكي يعلم أنّك تعلم ما لا يعلم، و يعلم أبوك ما لا يعلم أبوه، فقد وصف لي أبوك و أبوه، و نظرت في الإنجيل فرأيت فيه محمّدا (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) رسول اللّه و الوزير عليا، و نظرت في الأوصياء فرايت فيها أباك وصيّ محمّد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم).

فقال له الحسن (عليه السلام): سلني عمّا بدا لك ممّا تجده في الإنجيل، و عمّا في التوراة، و عمّا في القرآن اخبرك به إن شاء اللّه.

فدعا الملك بالأصنام، فأوّل صنم عرض عليه في صفة القمر، فقال الحسن (عليه السلام): هذه صفة آدم أبي البشر.

ثمّ عرض عليه آخر في صفة الشمس، فقال الحسن (عليه السلام): هذه صفة حوّاء أمّ البشر.

ثمّ عرض عليه آخر في صفة حسنة، فقال: هذه صفة شيث بن آدم، و كان أوّل من بعث، و بلغ عمره في الدّنيا ألف سنة و أربعين عاما.

ثمّ عرض عليه صنم آخر، فقال: هذه صفة نوح صاحب السّفينة، و كان عمره ألف سنة و أربعمائة سنة، و بعث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما.

ثمّ عرض عليه صنم آخر، فقال: هذه صفة إبراهيم (عليه السلام)، عريض الصدر، طويل الجبهة.

30

ثمّ عرض عليه صنم آخر، فقال: هذه صفة إسرائيل، و هو يعقوب.

ثمّ عرض عليه صنم آخر، فقال: هذه صفة إسماعيل.

ثمّ أخرج إليه صنم آخر، فقال: هذه صفة يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم.

ثمّ أخرج صنم آخر، فقال: هذه صفة موسى بن عمران، و كان عمره مأتين و أربعين سنة، و كان بينه و بين إبراهيم خمسمائة عام.

ثمّ أخرج إليه صنم آخر، فقال: هذه صفة داود، صاحب الحرب.

ثمّ أخرج إليه صنم آخر، فقال: هذه صفة شعيب، ثمّ زكريا، ثمّ يحيى ثمّ عيسى بن مريم روح اللّه و كلمته، و كان عمره في الدنيا ثلاثة و ثلاثين سنة ثمّ رفعه اللّه إلى السماء، و يهبط إلى الأرض بدمشق، و هو الذي يقتل الدجّال ثمّ عرض عليه صنم صنم، فيخبر باسم نبيّ نبيّ.

ثمّ عرض عليه الأوصياء و الوزراء، فكان يخبر باسم وصيّ وصيّ، و وزير وزير.

ثمّ عرض عليه أصنام بصفة الملوك، فقال الحسن (عليه السلام): هذه أصنام لم نجد صفتها في التوراة، و لا في الإنجيل، و لا في الزبور، و لا في القرآن فلعلّها من صفة الملوك، فقال الملك: أشهد عليكم يا أهل بيت رسول اللّه أنكم قد اعطيتم علم الأوّلين و الآخرين و علم التوراة، و الإنجيل، و الزبور، و صحف إبراهيم، و ألواح موسى (عليه السلام).

ثم عرض عليه صنما يلوح، فلمّا رآه الحسن (عليه السلام) بكى بكاء شديدا فقال له الملك ما يبكيك؟ فقال (عليه السلام) هذه صفة جدّي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، كثيف اللّحية عريض الصّدر، طويل العنق، عريض الجبهة، أقنى الأنف، أبلج‏ (1) الأسنان، حسن الوجه، قطط الشّعر، طيّب الرّيح،

____________

(1) ابلج الأسنان: من أبلج الصبح أي أضاء و أشرق، و في المصدر و البحار: أفلج الأسنان و معناه معلوم.

31

حسن الكلام، فصيح اللّسان، كان يأمر بالمعروف، و ينهى عن المنكر، بلغ عمره ثلاث و ستين سنة، و لم يخلّف بعده إلّا خاتما مكتوب عليه لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، و كان يتختّم به في يمينه، و خلّف سيفه ذا الفقار، و قضيبه، و جبّة صوف، و كساء صوف كان يتسرول به لم يقطعه و لم يخطه حتّى لحق باللّه.

فقال الملك: إنا نجد في الإنجيل أنّه يكون له ما يتصدّق به على سبطيه، فهل كان ذلك؟ فقال له الحسن (عليه السلام): قد كان ذلك، فقال الملك:

فبقي لكم ذلك؟ فقال: لا فقال الملك لهذه أوّل فتنة هذه الأمّة غلبا أباكما، و هما الأوّل و الثّاني، على ملك نبيّكم، و اختيار هذه الأمّة على ذرية نبيّهم، منكم القائم بالحقّ، الآمر بالمعروف، و الناهي عن المنكر.

قال: ثمّ سأل الملك الحسن بن عليّ (عليه السلام) عن سبعة أشياء خلقها اللّه لم تركض في رحم، فقال الحسن (عليه السلام) أوّل هذا آدم، ثمّ حوّاء، ثمّ كبش إبراهيم، ثمّ ناقة صالح، ثمّ إبليس اللعين، ثمّ الحيّة، ثمّ الغراب الذي ذكره اللّه في القرآن.

ثمّ سأله عن أرزاق الخلائق، فقال الحسن (عليه السلام): أرزاق الخلائق في السّماء الرابعة ينزل بقدر، و يبسط بقدر، ثمّ سأله عن أرواح المؤمنين أين تكون إذا ماتوا؟ قال: تجتمع عند صخرة بيت المقدّس في كلّ ليلة جمعة، و هو عرش اللّه الأدنى، منها يبسط اللّه الأرض، و إليها يطويها، و منها المحشر، و منها استوى ربّنا إلى السّماء، أي استولى على السّماء و الملائكة.

ثمّ سأله عن أرواح الكفّار أين تجتمع؟ قال: في وادي حضر موت، من وراء مدينة اليمن، ثمّ يبعث اللّه نارا من المشرق، و نارا من المغرب، و يتبعهما بريحين شديدين، فيحشر النّاس عند صخرة بيت المقدّس، فيحشر أهل الجنّة عن يمين الصخرة، و يزلف‏ (1) المتّقين، و تصير جهنّم عن يسار الصخرة، في تخوم‏

____________

(1) في المصدر: و يزلف الميعاد.

32

الأرضين السّابعة، و فيها الفلق و السّجين، فتفرّق الخلائق عند الصخرة فمن وجبت له الجنّة دخلها، و من وجبت له النّار دخلها، و ذلك قوله تعالى: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (1).

فلمّا أخبر الحسن (عليه السلام) بصفة ما عرض عليه من الأصنام، و تفسير ما سأله، التفت الملك إلى يزيد بن معاوية، فقال: أشعرت أنّ ذلك علم لا يعلمه إلّا نبيّ مرسل، أو وصيّ موازر، قد أكرمه اللّه بموازرة نبيّه أو عترة نبيّ مصطفى، و غيره المعادي فقد طبع اللّه على قلبه، و آثر دنياه على آخرته، و هواه على دينه، و هو من الظّالمين.

قال: فسكت يزيد و خمد، قال: فأحسن الملك جائزة الحسن (عليه السلام) و أكرمه، و قال له: ادع ربّك حتى يرزقني دين نبيّك، فإنّ حلاوة الملك قد حالت بيني و بين ذلك، فأظنّه شقاء (2) مرديا، و عذابا أليما.

قال: فرجع يزيد إلى معاوية، و كتب إليه الملك كتابا: إنّ من آتاه اللّه العلم بعد نبيّكم، و حكم بالتوراة (3) و ما فيها، و الإنجيل و ما فيه، و الزّبور و ما فيه، و القرآن و ما فيه، فالحقّ و الخلافة له، و كتب إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إن الحقّ و الخلافة لك، و بيت النبوّة فيك، و في ولدك، فقاتل من قاتلك يعذّبه اللّه بيدك، ثم يخلده نار جهنّم، فإنّ من قاتلك نجده عندنا في الإنجيل أنّ عليه لعنة اللّه و ملائكته و النّاس أجمعين، و عليه لعنة أهل السّماوات و الأرضين‏ (4).

____________

(1) الشورى: 7.

(2) في المصدر: و أظنّه سمّا مرديا.

(3) في المصدر: و حكم التوراة.

(4) تفسير القمّي ج 2/ 268- و عنه البحار ج 10/ 132 ح 2 و البرهان ج 4/ 116 ح 1- و مشارق الأنوار: 86.

33

الباب السادس في علمه (عليه السلام) بغوامض العلم و جوابه السديد

1- ابن بابويه، قال: حدّثنا أبي، و محمّد بن الحسن رضي اللّه عنه، يعني ابن أحمد بن الوليد، قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، و عبد اللّه بن جعفر الحميري و محمد بن يحيى العطّار، و أحمد بن إدريس جميعا، قالوا: حدّثنا أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، قال: حدّثنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن محمّد ابن عليّ الثّاني (عليه السلام)(1) قال: أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم و معه الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، و سلمان الفارسي رضي اللّه عنه، و أمير المؤمنين‏ (2) متّكئ على يد سلمان رضي اللّه عنه، فدخل المسجد الحرام، فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئة و اللباس، فسلم على أمير المؤمنين (عليه السلام) فردّ (عليه السلام) فجلس، ثمّ قال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهنّ‏

____________

(1) في العيون: محمد بن علي الباقر (عليهما السلام)، و هو سهو، فإن داود بن القاسم أبا هاشم الجعفري من أصحاب الجواد و العسكريين (عليهم السلام)، كما تقدّم، و ما ولد إلّا بعد زمان الباقر (عليه السلام) بسنين كثيرة، و الصواب كما في الكافي و العلل و البحار: عن محمد بن علي الثاني و هو الإمام الجواد (عليه السلام).

(2) في المصدر، و الكافي: أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) و معه الحسن بن علي (عليهما السلام) و هو متكئ على يد سلمان.

34

علمت أنّ القوم ركبوا من أمرك ما أقضى عليهم‏ (1) أنّهم ليسوا بمأمونين في دنياهم و لا في آخرتهم، و إن تكن الأخرى علمت أنّك و هم شرع سواء (2).

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): سلني عمّا بدا لك، قال: أخبرني عن الرّجل إذا نام أين تذهب روحه؟ و عن الرّجل كيف يذكر و ينسى؟ و عن الرّجل كيف يشبه ولده الأعمام و الأخوال؟ فالتفت أمير المؤمنين الى أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام) فقال: يا أبا محمّد أجبه.

فقال: أمّا ما سألت عنه من أمر الإنسان‏ (3) إذا نام أين تذهب روحه؟

فإن روحه معلّقة بالريح‏ (4) و الريح معلّقة بالهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة، فإن أذن اللّه بردّ تلك الروح إلى صاحبها (5)، جذبت تلك الرّوح الرّيح و جذبت تلك الريح الهواء، فرجعت الرّوح، فأسكنت في بدن صاحبها، و إن لم يأذن اللّه عزّ و جلّ بردّ تلك الروح إلى صاحبها (6) جذبت الهواء الريح، و جذبت الريح الروح، فلم ترد على صاحبها إلّا إلى وقت ما يبعث.

و أمّا ما ذكرت من أمر الذّكر و النسيان فإنّ قلب الرّجل في حقّ‏ (7) و على الحقّ طبق، فإن صلّى الرجل‏ (8) عند ذلك على محمّد و آل محمّد انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحقّ و ذكر الرّجل ما كان نسي، و إن هو لم يصلّ على محمّد و آل محمّد، أو

____________

(1) في الكافي: ما قضى عليهم.

(2) الشرع (بكسر الشين المعجمة و سكون الراء المهملة، و بفتح الشين و الراء): المثل يقال: هما شرعان أي مثلان.

(3) في العلل: من أمر الرجل.

(4) في العيون و البحار: فإنّ روحه متعلّقة بالريح متعلّقة بالهواء.

(5) في العلل و العيون و البحار: على صاحبها.

(6) في العلل و العيون و البحار: على صاحبها.

(7) الحقّ (بضمّ الحاء المهملة): الوعاء.

(8) في العلل: فإن هو صلّى على النبيّ صلاة تامّة انكشف.

35

نقص من الصلاة عليهم، انطبق ذلك الطّبق على ذلك الحقّ، و أظلم القلب، و نسي الرّجل ما كان ذكره، و أمّا ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه و أخواله فإنّ الرجل إذا أتى أهله فجامعها بقلب ساكن، و عروق هادئة (1) و بدن غير مضطرب استكنت تلك النطفة في جوف الرحم، خرج الولد يشبه أباه و أمّه، و إن هو أتاها بقلب غير ساكن، و عروق غير هادئة و بدن مضطرب اضطربت النطفة فوقعت في حال اضطرابها على بعض العروق، فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه، و إن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه الولد أخواله.

فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و لم أزل أشهد بها و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، و لم أزل أشهد بها، و أشهد أنّك وصيّه، و القائم بحجته بعده، و أشار إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و لم أزل أشهد بها، و أشهد أنّ ابنك هو القائم بحجّتك بعدك، و أشار إلى الحسن (عليه السلام)، و أشهد أنّ الحسين بن عليّ، و هو ابنك، القائم بأمر الحسن بعده، بحجتك بعدك، و أشهد أنّ عليّ بن الحسين أنّه القائم بأمر الحسين بعده، و أشهد على محمّد بن عليّ أنه القائم بأمر عليّ بن الحسين، و أشهد على جعفر بن محمّد أنّه القائم بأمر محمّد بن عليّ، و أشهد على موسى بن جعفر أنّه القائم بأمر جعفر بن محمّد، و أشهد على عليّ بن موسى أنّه القائم بأمر موسى بن جعفر، و أشهد على محمّد بن عليّ أنّه القائم بأمر عليّ بن موسى، و أشهد على عليّ بن محمّد، أنّه القائم بأمر محمّد بن عليّ، و أشهد على الحسن بن عليّ أنّه القائم بأمر عليّ بن محمّد، و أشهد على رجل من ولد الحسن بن عليّ لا يسمّى و لا يكنّى حتى يظهر (2) أمره فيملأ الأرض عدلا كما ملئت‏

____________

(1) الهادئة: الساكنة.

(2) في هذا الحديث دلالة على استمرار تحريم التسمية الى وقت ظهوره (عليه السلام) و به قال جمع من علمائنا المحدثين، و ذهب جماعة كصاحب كشف الغمة و نصير الدين الطوسي و الشيخ بهاء الدين‏

36

جورا، و السلام عليكم يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، ثمّ قام و مضى.

فقال أمير المؤمنين: يا أبا محمد اتّبعه و انظر أين يقصد؟ فخرج الحسن (عليه السلام) في أثره، قال: فما كان إلّا أن وضع رجله خارج المسجد، فما دريت أين أخذ من أرض اللّه، فرجعت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأعلمته، فقال: يا أبا محمّد أتعرفه؟ فقلت: اللّه و رسوله و أمير المؤمنين أعلم، فقال (عليه السلام):

هو الخضر (عليه السلام)(1).

2- و عنه، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، قال: أخبرني بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: اتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل وجد في خربة، و بيده سكين ملطّخ بالدّم، و إذا رجل مذبوح يتشحّط في دمه، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ما تقول؟ قال يا أمير المؤمنين أنا قتلته، قال اذهبوا به فاقتلوه به.

فلمّا ذهبوا به ليقتلوه به، أقبل رجل مسرع‏ (2)، فقال: لا تعجلوا و ردّوه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فردّوه، فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما هذا صاحبه أنا قتلته.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) للأوّل: ما حملك على إقرارك على نفسك فقال: يا أمير المؤمنين و ما كنت أستطيع أن أقول، و قد شهد عليّ أمثال هؤلاء الرّجال، و أخذوني و بيدي سكّين ملطّخ بالدم، و الرّجل يتشحّط في دمه، و أنا قائم عليه، و خفت الضّرب و أقررت، و أنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة

____________

إلى جوازها في هذه الأعصار لعدم التقيّة، و حملوا الأخبار الناهية على التقيّة.

(1) علل الشرائع: 96 ح 6- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 1/ 65 ح 35 كمال الدين: 313 ح 1 و عنهما البحار ج 36/ 414 ح 1 و عن غيبة الطوسي: 154 ح 114 بإسناده عن الكليني في الكافي ج 1/ 525 ح 1 و المحاسن ج 2/ 332 ح 99 مختصرا نحوه، و غيبة النعماني: 58 ح 2 و تفسير القمي ج 2/ 249 باختلاف، و الاحتجاج: 266.

(2) في المصدر: مسرعا.

37

شاة، و أخذني البول، فدخلت الخربة، فرأيت الرّجل يتشحّط في دمه، فقمت متعجّبا فدخل عليّ هؤلاء فأخذوني.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن (عليه السلام)(1) و قولوا له: ما الحكم فيهما؟ قال: فذهبوا الى الحسن (عليه السلام) و قصّوا عليه قصّتهما، فقال الحسن (عليه السلام) قولوا لأمير المؤمنين إنّ هذا إن كان ذبح ذاك فقد أحيا هذا، و قد قال اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً (2) يخلّى عنهما، و يخرج دية المذبوح من بيت المال‏ (3).

3- الشيخ في «التهذيب» قال: روي أنّ رجلا سأل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له: يا أمير المؤمنين إنّي خرجت محرما فوطئت ناقتي بيض نعام‏ (4)، فكسرته، فهل عليّ كفارة؟ فقال له: امض فاسأل ابني الحسن عنها، و كان يحبّ يسمع كلامه‏ (5)، فتقدم إليه الرّجل فسأله، فقال له الحسن (عليه السلام): يجب عليك أن ترسل فحولة الإبل في إناثها بعدد ما انكسر من البيض، فما نتج فهو هدي لبيت اللّه، فقال له أمير المؤمنين: يا بنيّ كيف قلت ذلك؟ و أنت تعلم أنّ الإبل ربما ازلقت‏ (6)، أو كان فيها ما يزلق، فقال: يا أمير المؤمنين و البيض ربّما أمرق‏ (7) أو كان فيها ما يمرق، فتبسّم أمير المؤمنين عليه‏

____________

(1) في المصدر: و قصّوا عليه قصّتهما و قولوا له: ما الحكم فيهما.

(2) المائدة: 32.

(3) فروع الكافي ج 7/ 289 و 290 ح 2 و عنه البحار ج 40/ 315 و 316 ح 91.

(4) نعام (بفتح النون) جمع نعامة و هو طائر مركّب من خلقة الطير و خلقة الجمل يقال له بالفارسية: «شتر مرغ» أخذ من الجمل العنق و الوظيف و المنسم، و من الطير الجناح و المنقار و الريش، و هي تذكّر و تؤنّث يقال لذكرها: الظليم.

(5) في المصدر و الوسائل: و كان بحيث يسمع كلامه.

(6) أزلقت الإبل: ألقت ولدها قبل تمامه.

(7) مرقت البيضة: فسدت فصارت ماء.

38

السلام و قال: صدقت يا بنيّ، ثمّ تلا هذه الآية ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (1) (2).

4- ابن بابويه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، و عليّ بن أحمد بن موسى الدقّاق، و محمّد بن أحمد السناني‏ (3) قالوا: حدّثنا أبو العباس أحمد بن يحيى ابن زكريا القطّان، قال: حدّثنا محمّد بن العبّاس‏ (4)، قال: حدّثني محمّد بن أبي السري‏ (5)، قال: حدّثنا أحمد بن عبد اللّه بن يونس، عن سعد بن طريف الكناني، عن الأصبغ بن نباتة، قال: لمّا جلس عليّ (عليه السلام) في الخلافة و بايعه النّاس خرج إلى المسجد متعمّما بعمامة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لا بسا بردة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، متنعّلا نعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، متقلّدا سيف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فصعد المنبر فجلس عليه متمكّنا، ثمّ شبّك بين اصابعه، فوضعها أسفل بطنه، ثم قال يا معاشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني هذا سفط العلم‏ (6)، هذا لعاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، هذا ما زقّني رسول اللّه زقّا زقّا، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين و الآخرين.

____________

(1) آل عمران: 33.

(2) التهذيب ج 5/ 354 ح 144 باب الكفّارات، و عنه الوسائل ج 9/ 215 ح 4 و عن المقنعة:

68.

(3) الظاهر أنّه أبو عيسى محمد بن احمد بن محمد بن سنان الزاهري نزيل الري المترجم في رجال الشيخ في باب من لم يرو عنهم، يروي عن أبيه عن جدّه محمد بن سنان المعروف، و قد روى عنه ابن طاوس بطريقه إليه عدّة أحاديث في جمال الاسبوع: 106 و 229 و 238 و 266.

(4) محمد بن العبّاس بن بسّام ابو عبد الرحمن الرازي المقرئ كان من كبار أصحاب أحمد بن يزيد بن أزداد الصفّار الحلواني المتوفى سنة (250 ه)- غاية النهاية ج 2/ 157-.

(5) هو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم العسقلاني المعروف بابن أبي السرى توفّي سنة (238 ه)- تقريب ابن حجر: 468-.

(6) السفط (بفتح السين المهملة و الفاء): وعاء كالقفّة.

39

أما و اللّه لو ثنيت لي و سادة فجلست عليها، لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتّى تنطق التوراة فتقول: صدق عليّ و ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ و أفتيت أهل الإنجيل بانجيلهم، حتّى ينطق الإنجيل فيقول: صدق عليّ و ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ.

و أفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول: صدق عليّ و ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ، و أنتم تتلون القرآن ليلا و نهارا، فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه؟ و لو لا آية فى كتاب اللّه عزّ و جلّ لأخبرتكم بما كان و بما هو كائن إلى يوم القيامة و هي هذه الآية يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏ (1).

ثم قال (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني، فو اللّه الذي فلق الحبّة و برأ النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل انزلت أم في نهار انزلت، مكّيها و مدنيّها، سفريّها و حضريّها، ناسخها و منسوخها، محكمها و متشابهها، و تأويلها و تنزيلها، لأخبرتكم، فقام إليه رجل يقال له: ذعلب‏ (2).

و ساق حديثه معه، و هو مشهور.

ثم قال للحسن (عليه السلام): يا حسن قم فاصعد المنبر فتكلم بكلام لا يجهلك قريش بعدي، فيقولون: إنّ الحسن لا يحسن شيئا، قال الحسن: يا أبة كيف أصعد و أتكلّم و أنت في الناس تسمع و ترى؟ قال له: بأبي و أمّي أواري نفسي عنك، و أسمع و أرى و لا تراني.

فصعد الحسن (عليه السلام) المنبر، فحمد اللّه بمحامد بليغة شريفة،

____________

(1) الرعد: 39.

ظاهر كلامه (عليه السلام) أن علمه دون البداء، و لكن البراهين تدلّ على شموله له أيضا، فلا بدّ من صرفه عن ظاهره.

(2) ذعلب (بكسر الذال المعجمة و سكون العين المهملة و فتح اللام) عدّه المامقاني من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: الظاهر حسن حاله.

40

و صلّى على النبيّ و آله صلاة موجزة، ثمّ قال: أيّها النّاس سمعت جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: أنا مدينة العلم و عليّ بابها، و هل تدخل المدينة إلّا من بابها؟ ثمّ نزل فوثب إليه عليّ (عليه السلام) فتحمّله و ضمّه إلى صدره‏

ثمّ قال للحسين (عليه السلام): يا بنيّ قم فاصعد، و تكلّم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي، فيقولون: إنّ الحسين بن عليّ لا يبصر شيئا، و ليكن كلامك تبعا لكلام أخيك، فصعد الحسين (عليه السلام) فحمد اللّه، و أثنى عليه، و صلّى على نبيّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) صلاة واحدة موجزة.

ثمّ قال: معاشر النّاس سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول إنّ عليّا مدينة هدى فمن دخلها نجا، و من تخلّف عنها هلك، فوثب إليه عليّ (عليه السلام) فضمّه إلى صدره فقبّله، ثمّ قال: معاشر الناس اشهدوا أنّهما فرخا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، و وديعته التي استودعنيها و أنا استودعكموهما معاشر النّاس و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) سائلكم عنهما (1).

5- و من طريق المخالفين ما رواه عليّ بن محمّد المالكي في «الفصول المهمّة» و كمال الدين بن طلحة الشافعي في «مطالب السئول» قالا: كان الحسن (عليه السلام) يجلس في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، فيجتمع الناس حوله، فيتكلّم بما يشفي غليل السائلين، و يقطع حجج القائلين‏ (2).

6- قالا: و قد روى الإمام أبو الحسن عليّ بن أحمد الواحدي في تفسيره المسمّى «بالوسيط» ما يرفعه بسنده أنّ رجلا قال: دخلت مسجد المدينة، و اذا أنا برجل يحدّث عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و النّاس مجتمعون حوله‏

____________

(1) أمالي الصدوق: 280 ح 1، التوحيد: 304 ح 1 و عنهما البحار: 10/ 117 ح 1 و عن الاختصاص: 235.

و روى المفيد في الإرشاد: 23 صدره، و الطبرسي في الاحتجاج: 1/ 258.

(2) الفصول المهمّة: 155، و مطالب السئول ج 2/ 6 و عنه كشف الغمة ج 1/ 543.

41

فقلت له: أخبرني عن «شاهد و مشهود» (1) فقال: نعم أما الشّاهد فيوم الجمعة، و أمّا المشهود فيوم عرفة.

فجزته إلى آخر يحدّث، فقلت: أخبرني عن «شاهد و مشهود» فقال:

نعم أمّا الشاهد فيوم الجمعة، و أمّا المشهود فيوم النحر.

فجزتهما إلى غلام كأنّ وجهه الدينار، و هو يحدّث عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فقلت: أخبرني عن «شاهد و مشهود» فقال: نعم أمّا الشاهد فمحمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أمّا المشهود فيوم القيامة، أ ما سمعته عزّ و جلّ يقول: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (2) و قال اللّه تعالى: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (3).

فسألت عن الرجل الأوّل فقالوا: ابن عبّاس، و سألت عن الثّاني فقالوا:

ابن عمر، و سألت عن الثّالث فقالوا: الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و كان قول الحسن أحسن‏ (4).

7- و رويا أيضا في كتابيهما: أنّ الحسن (عليه السلام) اغتسل يوما، و خرج من داره في حلية فاخرة، و بردة طاهرة (5) و محاسن سافرة، و قسمات ظاهرة (6)، و نفحات ناشرة (7) و وجهه يشرق حسنا، و شكله قد كمل صورة و معنى،

____________

(1) البروج: 3.

(2) الأحزاب: 45.

(3) هود: 103.

(4) مطالب السئول ج 2/ 7- الفصول المهمّة: 155 و أخرجه في البحار ج 43/ 345 ح 19 عن كشف الغمة ج 1/ 543 نقلا عن ابن طلحة.

(5) في مطالب السئول و البحار: و بزّة طاهرة (بكسر الباء الموحدة و الزاي المشدّدة المفتوحة): الثياب.

(6) القسمات (جمع القسمة بفتح القاف و كسر السين المهملة او فتحها): الحسن و في مطالب السئول قسمات ناضرة.

(7) في الفصول المهمة: بنفحات طيّبات عاطرة.

42

و الإقبال‏ (1) يلوح من اعطافه‏ (2)، و نضرة النعيم تعرف في أطرافه، و قاضي القدر قد حكم أنّ السعادة من أوصافه.

ثمّ ركب بغلة فارهة (3) غير قطوف‏ (4)، و سار مكتنفا من حاشيته و غاشيته بصفوف‏ (5)، فلو شاهده عبد مناف لأرغم بمفاخرته به معاطس انوف، و عدّه‏ (6) و أباه و جدّه في أحراز خصل الفخار يوم التفاخر بألوف.

فعرض له في طريقه من محاويج اليهود همّ‏ (7) في هدم‏ (8) قد أنهكته العلّة، و ارتكبته الذّلة، و أهلكته القلّة، و جلده يستر عظامه، و ضعفه يقيّد أقدامه، و ضرّه قد ملك زمامه، و سوء حاله قد حبّب إليه حمامه‏ (9)، و شمس الظهيرة (10) قد شوت شواه‏ (11)، و هو حامل جرّة (12) على قفاه‏ (13).

____________

(1) في الفصول المهمة: و السعد يلوح على أعطافه.

(2) الأعطاف: الجوانب.

(3) الفارهة: السريع السير.

(4) القطوف: (بفتح القاف) الدابة التي تسي‏ء السير و تبطئ.

و في الفصول المهمة: غير عسوف، و العسوف (بفتح العين المهملة) الظالم المنحرف عن الطريق.

(5) الغاشية: الخدم، و الزوّار و الأصدقاء.

(6) في مطالب السئول: و عدّه وحده (بالحاء المهملة) لإحراز خصل الفخار يوم التفاخر بالوف.

(7) الهمّ (بكسر الهاء و تشديد الميم): الشّيخ الفاني كأنّه قد ذاب من الكبر.

(8) الهدم (بكسر الهاء و سكون الدال المهملة) الثوب البالي أو المرقّع.

(9) الحمام (بكسر الحاء المهملة): الموت.

(10) الظهيرة (بفتح الظاء المعجمة): حدّ انتصاف النهار.

(11) الشوى (بفتح الشين المعجمة: كعصا): اليدان و الرجلان.

(12) الجرّة (بفتح الجيم و الراء المشدّدة): إناء من خزف له بطن كبير و عروتان و فم واسع.

(13) في مطالب السئول و البحار: و شمس الظهيرة تشوي شواه، و أخمصه تصافح ثرى ممشاه، و عذاب عرّ عرّته قد عراه، و طول طواه قد أضعف بطنه و طواه، و هو حامل جرّة مملوءة ماء على مطاه، و حاله تعطف عليه القلوب القاسية عند مرآه .. الخ.

43

فاستوقف الحسن (عليه السلام)، و قال: يا ابن رسول اللّه أنصفني‏ (1)، فقال (عليه السلام) له: في أيّ شي‏ء؟ فقال: يقول جدك «الدنيا سجن المؤمن، و جنّة الكافر» و أنت مؤمن و أنا كافر، فما أرى الدّنيا إلّا جنّة لك تتنعم فيها و تستلذّ بها، و ما أراها إلّا سجنا لي قد أهلكني ضرّها (2)، و أتلفني فقرها.

فلمّا سمع الحسن (عليه السلام) كلامه أشرق عليه نور التأييد، و استخرج الجواب الحقّ بفهمه من خزانة علمه، و أوضح لليهودي خطأ ظنّه و خطل زعمه و قال: يا شيخ لو نظرت إلى ما أعدّ اللّه لي و للمؤمنين في الدّار الآخرة ممّا لا عين رأت، و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر، لعلمت أنّ هذه الحالة بالنسبة إلى تلك سجن‏ (3)، و لو نظرت إلى ما أعدّ اللّه لك و لكلّ كافر في الدّار الآخرة من العذاب الأليم و النكال المقيم لرايت أنّك الآن في جنّة واسعة و نعمة سابغة.

فانظر إلى هذا الجواب الصادع بالصّواب‏ (4) (5).

____________

(1) في الفصول المهمّة: فقال: يا ابن رسول اللّه سؤال، فقال له: ما هو؟.

(2) في الفصول المهمّة: قد أهلكني حرّها و أجهدني فقرها.

(3) في مطالب السئول: فقال (عليه السلام): لو نظرت إلى ما أعدّ اللّه للمؤمنين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع من نعيم الجنان و الخيرات الحسان في الدنيا و الآخرة مما لا عين رأت و لا أذن سمعت لعلمت أنّني قبل انتقالي إليه من هذه الدنيا في سجن ضنك.

(4) في مطالب السئول: و لو نظرت الى ما أعدّ اللّه لك و لكلّ كافر في الدار الآخرة من سعير نار الجحيم و نكال العذاب المقيم لرأيت أنّك قبل مصيرك إليه الآن في جنّة واسعة و نعمة جامعة.

فانظر الى هذا الجواب الصادع: بالصواب كيف تفجّرت بمستعذبه عيون علمه، و أينعت بمستغربه فنون فهمه، فيا له جوابا ما أمتنه، و صوابا ما أبينه، و خطابا ما أحسنه!، صدر عن علم مقتبس من مشكاة نور النبوّة، و تأييد موروث من آثار معالم الرسالة.

(5) الفصول المهمة: 155- مطالب السئول 65 ط القديم- و أخرجه في البحار ج 43/ 346- 19 عن كشف الغمّة ج 1/ 543 نقلا عن ابن طلحة.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الباب السابع في معرفته (عليه السلام) بلغات المدينتين‏

1- محمّد بن يعقوب، عن أحمد بن محمّد (1)، و محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير، عن رجاله، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إنّ الحسن بن عليّ قال: إنّ للّه مدينتين:

إحداهما بالمشرق، و الأخرى بالمغرب، عليهما سوران من حديد، و على كلّ واحد منهما ألف ألف مصراع، و فيها ألف ألف لغة (2) تتكلّم كلّ لغة بخلاف لغة صاحبها، و أنا أعرف جميع اللغات، و ما فيهما و ما بينهما، و ما عليهما حجة غيري و غير الحسين أخي‏ (3).

2- و رواه محمّد بن الحسن الصفّار في «بصائر الدرجات» عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، يرفع الحديث إلى الحسن بن عليّ (صلوات اللّه عليه و على آبائه) ، أنّه قال: إنّ للّه مدينتين: إحداهما بالمشرق، و الأخرى بالمغرب عليهما سور من حديد و ذكر الحديث‏ (4).

____________

(1) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن طلحة بن عاصم الكوفي البغدادي.

(2) في المصدر: و فيها سبعون ألف ألف لغة- و في البحار: ألف ألف مصراع من ذهب، و فيها سبعون ألف ألف لغة.

(3) الكافي ج 1/ 462 ح 5.

(4) بصائر الدرجات: 339 و 493 ح 11 و عنه البحار ج 27/ 41 ح 2 و ج 57/ 326 ح 6-

46

3- و رواه سعد بن عبد اللّه في «بصائر الدرجات» عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن رجاله، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، رفعه إلى الحسن بن عليّ (عليهما السلام) قال: إنّ للّه عزّ و جلّ مدينتين إحداهما بالمشرق، و الأخرى بالمغرب عليهما سوران من حديد و ذكر الحديث.

و رواه الشيخ المفيد في كتاب «الاختصاص» عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه، الحديث‏ (1).

4- سعد بن عبد اللّه في «بصائر الدرجات» قال: حدّثنا سلمة بن الخطّاب‏ (2)، عن سليمان بن سماعة (3)، و عبد اللّه بن محمّد (4)، عن عبد اللّه بن القاسم‏ (5)، عن سماعة بن مهران، عمّن حدّثه عن الحسن بن حيّ‏ (6)، و أبي الجارود، و ذكراه عن أبي سعيد عقيصاء الهمداني‏ (7)، قال: قال الحسن بن عليّ (عليه السلام): إنّ للّه مدينة بالمشرق، و مدينة بالمغرب، على كلّ واحدة سور من حديد، في كلّ سور سبعون ألف مصراع ذهب، يدخل في كلّ مصراع سبعون ألف لغة آدمي، ليس منها لغة إلّا و هي مخالفة للأخرى، و ما منها لغة إلّا و قد علمناها

____________

و في البحار أيضا ج 43/ 337 ح 7 عنه و عن المناقب لابن شهر اشوب ج 4/ 9.

(1) مختصر البصائر: 12 و الاختصاص: 291 و عنه البحار ج 26/ 192 ح 7.

(2) سلمة بن الخطّاب: أبو الفضل البراوستاني (نسبة الى براوستان بفتح الباء الموحدة و الواو قرية قريبة من قم) ترجمه النجاشي في رجاله ج 1/ 422.

(3) سليمان بن سماعة: الضبي الكوزي الكوفي ترجمه النجاشي في رجاله ج 1/ 415.

(4) هو عبد اللّه بن محمد الشعيري اليماني من أصحاب الكاظم (عليه السلام).

جامع الرواة ج 1/ 505-.

(5) عبد اللّه بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل له ترجمة في جامع الرواة ج 1/ 500.

(6) الظاهر أنّه الحسن بن صالح بن حيني (بالتصغير) المتوفى سنة (199).

(7) أبو سعيد عقيصا التيمي الهمداني عدّ من اصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، و لا يخفى أنّ رواية ابن حيى عن أبي سعيد لا تخلو من إرسال لبعد زمانهما فانّ ابن حيى ولد سنة مائة و مات سنة (199) و هكذا رواية أبي الجارود عنه.

47

و ما فيهما و ما بينهما ابن نبيّ غيري، و غير أخي، و أنا الحجّة عليهم‏ (1).

____________

(1) مختصر البصائر: 11 و عنه البحار ج 27/ 44 ح 4 و عن بصائر الدرجات: 494 ح 12 و اخرجه أيضا في البحار ج 57/ 329 ح 14 عن بصائر الدرجات: 492 ح 4 مثله.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

الباب الثامن في جواباته مع أبيه (عليهما السلام) من طريق المخالفين‏

ذكر المالكي في «الفصول المهمة» و ابن طلحة في «مطالب السئول» عن أبي نعيم في «حليته» بسنده فيها أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سأل ابنه الحسن (عليه السلام) عن أشياء من أمر المروة:

فقال: يا بنيّ ما السّداد؟ فقال: يا أبة السداد دفع المنكر بالمعروف.

قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة و حمل الجريرة.

قال: فما المروءة؟ قال: العفاف، و إصلاح المال.

قال: فما الرغبة (1)؟ قال: النظر في اليسير، و منع الحقير.

قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء نفسه، و بذله عرسه.

و في «الفصول المهمة» قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء ماله، و بذل عرضه.

قال: فما السماح؟ قال: البذل في العسر و اليسر.

قال: و ما الشحّ؟ قال: أن ترى ما في يديك شرفا، و ما أنفقته تلفا.

قال: فما الإخاء؟ قال: المواساة في الشدّة و الرخاء.

____________

(1) في الحلية: فما الرأفة؟

50

قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة على الصّديق، و النكول عن العدوّ.

قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى، و الزهادة في الدنيا، هي الغنيمة الباردة.

قال: فما الحلم؟ قال: كظم الغيظ، و ملك النفس.

قال: فما الغنى؟ قال: رضاء النفس بما قسم اللّه تعالى لها و إن قلّ، و إنّما الغنى غنى النفس.

قال: فما الفقر؟ قال: شره النّفس في كلّ شي‏ء.

قال: فما المنعة؟ قال: شدّة البأس، و منازعة أعزّاء النّاس.

قال: فما الذلّ؟ قال: الفزع عند المصدوقة.

قال: فما العيّ‏ (1)؟ قال: عبث باللّحية، و كثرة البزق عند المخاطبة.

قال: فما الجرأة؟ قال: مواقفة الأقران.

قال: فما الكلفة؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك.

قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في الغرم، و تعفو عن الجرم.

قال: فما العقل؟ قال: حفظ القلب كلّما استوعيته.

قال: فما الخرق؟ قال: معاداتك إمامك، و رفعك عليه كلامك.

قال: فما الثناء؟ قال: إتيان الجميل، و ترك القبيح.

قال: فما الحزم؟ قال: طول الأناة، و الرفق بالولاة.

قال: فما السفه؟ قال: اتّباع الدّناة، و مصاحبة الغواة.

قال: فما الغفلة؟ قال: تركك المسجد، و طاعتك المفسد.

قال: فما الحرمان؟ قال: تركك حظّك، و قد عرض عليك.

قال: فمن السيّد (2)؟ قال: الأحمق في ماله، و المتهاون في عرضه، يشتم‏

____________

(1) العيّ: العجز في الكلام.

(2) في البحار عن تخف العقول: قيل: و ما السفاه؟ قال: الأحمق في ماله المتهاون بعرضه.

51

فلا يجيب، و المهتم بأمر عشيرته‏ (1).

قال ابن طلحة عقيب الحديث في «مطالب السئول»: فهذه الأجوبة الصادرة منه، على البديهة من غير رويّة شاهدة له (عليه السلام) لبصيرة باصرة، و بديهة حاضرة، و مادّة فضل وافرة، و فكرة على استخراج الغوامض قادرة (2).

____________

(1) الفصول المهمة: 159- حلية الاولياء ج 2/ 35 و عنه كشف الغمة ج 1/ 568 و أخرج نحوه في البحار ج 78/ 102 ح 2 عن تحف العقول: 225.

(2) مطالب السئول ج 2/ 14.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

الباب التاسع في عبادته (عليه السلام) من طريق الخاصة و العامة

1- ابن بابويه «في أماليه» قال: حدّثنا عليّ بن أحمد، (رحمه اللّه)، قال حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، قال: حدّثنا موسى بن عمران النخعي عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، قال: قال الصادق (عليه السلام): حدّثني أبي، عن أبيه (عليه السلام)، أنّ الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان أعبد الناس في زمانه، و أزهدهم و أفضلهم، و كان إذا حجّ حجّ ماشيا، و ربما مشى حافيا، و كان إذا ذكر الموت بكى، و إذا ذكر القبر بكى، و إذا ذكر البعث في النشور بكى، و إذا ذكر الممرّ على الصراط بكى، و إذا ذكر العرض على اللّه تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، و كان إذا قام إلى صلاته‏ (1) ترتعد فرائصه بين يدي ربّه عزّ و جلّ.

و كان إذا ذكر الجنّة و النار اضطرب اضطراب السليم، و سأل اللّه الجنّة، و تعوّذ به من النّار.

و كان (عليه السلام) لا يقرأ آية من كتاب اللّه عزّ و جلّ‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلّا قال: لبّيك اللهمّ لبّيك، و لم ير في شي‏ء من أحواله إلّا ذاكرا للّه تعالى‏

____________

(1) في البحار: إذا قام في صلاته.

54

سبحانه، و كان أصدق الناس لهجة، و أفصحهم منطقا.

و لقد قيل لمعاوية ذات يوم: لو أمرت الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فيصعد المنبر، فيخطب، ليبين‏ (1) للناس نقصه، فدعاه، فقال له:

اصعد المنبر و تكلّم بكلمات تعظنا بها.

فقام (عليه السلام) فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا الحسن بن عليّ بن أبي طالب، و ابن سيدة النساء فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم).

أنا ابن خير خلق اللّه، أنا ابن رسول اللّه، أنا ابن صاحب الفضائل، أنا ابن المعجزات و الدّلائل.

أنا ابن أمير المؤمنين، أنا المدفوع عن حقّي، أنا و أخي الحسين سيّدا شباب أهل الجنة.

أنا ابن الرّكن و المقام، أنا ابن مكة و منى، أنا ابن المشعر و عرفات.

فقال له معاوية: يا أبا محمّد خذ في نعت الرطب، ودع هذا، فقال (عليه السلام): الرّيح تنفخه، و الحرور ينضجه، و البرد يطيّبه.

ثم عاد في كلامه: أنا إمام خلق اللّه، و ابن محمّد رسول اللّه، فخشي معاوية أن يتكلّم بعد ذلك بما يفتتن به النّاس، فقال: يا أبا محمّد انزل، فقد كفى ما قد جرى فنزل‏ (2).

2- محمّد بن يعقوب، عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد (3)، عن محمّد بن عليّ بن النعمان‏ (4)، عن صندل‏ (5)، عن أبي‏

____________

(1) في البحار: ليتبيّن.

(2) الأمالي للصدوق: 150 ح 8- و عنه بحار الأنوار ج 43/ 331 ح 1- و أخرج صدره في الوسائل ج 8/ 56 ح 10 عن عدّة الداعي: 139.

(3) هو أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن مروان الأنباري من اصحاب الباقر و الصادق و الكاظم (عليهم السلام)- جامع الرواة ج 1/ 68-.

(4) محمد بن علي بن نعمان ابو جعفر البجلي الكوفي الملقب بمؤمن الطاق، روى عن السجّاد، و الباقر و الصادق (عليهم السلام)، وثقه الشيخ و اثنى عليه النجاشي (رجال النجاشي ج 2/ 203).

(5) صندل: من اصحاب الكاظم (عليه السلام) و ممن روى عنه ابن ابي عمير و هو يدل على وثاقته، المستدرك للنوري ج 3/ 812.