الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - ج1

- عبد الرحمن السهيلي المزيد...
462 /
5

مقدمة المحقق‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه رب العالمين.

و الصلاة و السلام على خاتم النبيين.

أما بعد: فحينما عهد إلىّ بهذا الكتاب «كتاب الروض الأنف» لتحقيقه توجهت إلى اللّه بالضراعة أن يهدى فكرى إلى الحق الجليل، و الصدق النبيل، و الصواب الجميل، و أن يلهمنى البيان الذي يرف بوضاءة الحق، و إشراق الجمال، و أن يجعل من عملى فى الكتاب صالحة أبلغ بها من رضوانه رزقا كريما به تنعم الروح، و تهنأ النفس، و تجمل الحياة فى الأولى و الآخرة.

ليس تحقيق هذا الكتاب بالعمل الهين، فهو عن النبيّ العظيم الذي به ختمت النبوات، و الإنسان الذي أشرقت الإنسانية فيه بكمالها الأعظم، و الذي يعتبر تاريخه بعد الوحى هو تاريخ التطبيق الحق لما جاء به القرآن، كما قالت أم المؤمنين عائشة- رضى اللّه عنها- حين سئلت عن خلق النبيّ، فقالت:

«كان خلقه القرآن»

ثم هو من تأليف إمام أندلسى كبير ذهبت آراؤه- فى دين كثير من الناس- مذهب الحجة الناصعة التي لا يجوز أن تتلقى إلا بالإذعان، و مذهب البرهان الذي يشع منه فلق الصبح الوضي‏ء.

6

إمام بسط سلطانه القوى على الكثير من أئمة الدين فى عصره و بعد عصره- لما ذهب إليه فى كتابه «الروض الأنف»- الهيمنة على من قاموا بشرح السيرة، أو الحديث عنها بعده؛ لأنه احتشد لهذا الكتاب بكل ما كان عليه من علم و ذكاء و معرفة و ريفة، فأودعه كل هذا، فكان أشبه «بدائرة معارف» فى السيرة و التاريخ و الحديث و الفقه و النحو و اللغة.

و الكتاب شرح لسيرة «ابن هشام» و حسبنا أن نذكر هذا؛ فسيرة ابن هشام أجلّ من أن تعرّف، فلمؤلّفها- أو لمهذّبها- المكانة الممتازة التي تتألق على ذرا التاريخ بآياتها الباهرة.

و أنت فى هذا الكتاب تجد نفسك بين عاطفة تتوهج بالأشواق، و عقل يرصد أفق الحقيقة، عاطفة قد لا يندى ظمأها إلا تهويلات الخرافات، و تهويمات الأساطير، و عقل يستشرف الحق علوىّ السلطان، و قد جعله الإيمان ذا رغبة فى أن يكون هذا الحق فى وضوحه جمال صبح ناضر، و ألق نور زكى باهر.

ثم أنت أيضا قبل هذا تحت سلطان عقيدة هى المثل الأعلى للحق فى صفائه و جماله و جلاله. عقيدة لا يلمح أحد فى حقائقها الإلهية أثارة ما من خيال يفتنه بسحره و شعره، و إنما يرى نورا و حياة بهما يكون النور، و تكون الحياة لكل مسلم، لأن هذه العقيدة حق من حكيم حميد.

ثم أنت- أيضا- أمام نصوص انتقلت إلينا عبر قرون. و الأمانة تفرض علينا أن نبقيها كما هى، لنعرف الحقيقة غير مشوبة بشي‏ء. فهذا هو الواجب فى تحقيق التراث، فلا ينزع بنا الهوى إلى تحريف أو تبديل، فنعيد مأساة التراث حين استخفت به اللعنة اليهودية، فغيرت معالمه، و أحالته أمشاجا

7

من الحق و الباطل، و من الإيمان و الكفر، و من وحى الرحمن، و وسوسة الشيطان، ثم أظهرته فى عماية التاريخ تزعم أنه مطيّب بروح السماء. و إذا كان هذا هو المفروض علينا حيال أى تراث، فما بالنا و نحن مع تراث يقص سيرة النبوة الخاتمة، سيرة الإنسانية الكاملة، و هى تسلك السبيل الأقوم على نور الوحى و هدايته، سيرة محمد- (صلى الله عليه و سلم)- و هو يطبق القرآن أول تطبيق و أعظم تطبيق ليكون للبشرية المؤمنة شرعا و منهاجا، يطبقه فى اعتقاده و عبادته و خلقه، و سلوكه فى الحياة. كل هذا فى أصدق إيمان، و أشرف إرادة، و أقدس غاية و نية، فكانت سنته- (عليه الصلاة و السلام)- الآية على السلوك الذي به تهتدى و تشرف الحياة، و تضي‏ء بأعظم القيم.

و كانت سيرته السيرة التي تجذب إليها بالحب الصدوق، و الإعجاب الودود كل مشاعر النفس و نوازع الحس، و تفرض بالحب على الفكر الحر الذي لم تزغه حمية جاهلية، أو ضلالة صليبية أن يسجد خاشعا للّه الذي خلق هذا الإنسان، و اصطفاه خاتما للنبيين.

فإذا وجدنا نصوص التراث آيات حقّ أحببنا التراث و أكبرناه، و إذا لم نجده كذلك فما ذا نفعل؟ هذا بعض ما يعرض من قضايا أمام العقل و القلب، و لقد استهديت- للفصل فيها فصلا قويما- بهدى القرآن، فإننا نراه يقص علينا مفتريات عبدة الهوى و الإثم. ثم يكر عليها بالحجة التي تزهق الباطل؛ لهذا تركت النص كما هو فى شعور جعلنى أو من أننى لو نلت منه- حين يصدم ما أدين به- فإنى أنال من قدسية الحقيقة. هذا و الإنسان الذي يكتب عن الرسول- (صلى الله عليه و سلم)- يخشى على نفسه أن تجمح به عاطفة مشبوبة أو مجنونة تسحرها خلابة التصورات التي يفتن بها الهوى عبيده، أو يخشى عليها من شطط الفكر المغرور بنفسه، فإن استبدّت تلك العاطفة بزمامه استهواه‏

8

الشيطان و استغواه، و استزله إلى عبادة و هم أسطورى سحرىّ الأصباغ و الألوان يسميه له محمدا!! واصفا إيّاه له بما للّه وحده من صفات كما صنع الصوفيون الإشراقيون أمثال السهروردى المقتول، و الحلاج و ابن عربى و الجيلى و ابن سبعين و الصدر القونوى، و غيرهم ممن حكموا على محمد أنه هو اللّه ذاتا و صفة و ربوبية و ألوهية، أنه هو الحق و الخلق، و الرب و العبد، أنه هو الوجه الإنساني للحقيقة الإلهية، أو أنه المظهر البشرى لماهية الربوبية، أو أنه حقيقة الوجود المطلق فى إطلاقه و عمائه و تجلّياته و تعيّناته و سرمديته و ديموميته. و قد لا يستزله الشيطان إلى أعماق هذه الهاوية، و هو يكتب عن النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- فيحمله على أن يؤكد بألفاظه أنه يدين بالفصل بين الوجودات، فيدين بوجود حق، و يدين بوجود خلق. بوجود رب، و وجود عبد، و لكنه يضيف إلى هذا الذي تسميه عبدا أسماء و أفعالا تجعلك ترى ربا لا عبدا، و خالقا لا خلقا. إنه يزعم أن اللّه صرّف محمدا، أو غيره فى شئون خلقه، و وهب له تدبير شئون الملك و الملكوت، و الجبر و الجبروت!! هذا الإنسان الذي يكتب هذا أو يتصوره إما خادع بنفاق، و إما مخدوع بنفاق!! لقد فصل لغويا بين لفظين هما: رب و عبد، و بين اسمين هما: اللّه و محمد، و ظن أنه بهذا الفصل اللغوى قد نجا مع الإيمان من الكفر، و مع التوحيد من الشرك. غير أنك حين تبتلى ما يعتقده فى محمد، و ما يكتبه عن محمد عبدا و رسولا، تجده يسوى فى اعتقاده تسوية تامة بين محمد و بين اللّه. لقد خدعه الشيطان عن قتلته، فظن أنه أحياه، و رشف من يديه كأس السعادة و الخلود!! إن مصيره مع نفس تلك المصائر التي تردّى فيها كهنته من قبل كابن عربى و تلاميذه.

إنك حين تقرأ لابن عربى فصوص الحكم، و لعبد الكريم الجيلى كتابه الموسوم بالإنسان الكامل و لابن الفارض تائيته الكبرى التي تدنو من‏

9

سبعمائة بيت، ستجد نعيق الحقد، و نعيب الوثنية، مصوّرين نغمات محبة، و تسبيحات توحيد، و حفيف أجنحة الملائكة فى فجر المحاريب.

ستجد الزعم بأن فرعون هو اللّه حكمة و حكما، و قهرا و ملكا، و بأن الشيطان هو أصل من أصول الحقيقة المحمدية، و بأن أولئك الغوانى اللاتى سرن فى التاريخ غزل فتنة، و نسيب صبوات لم يكنّ سوى اللّه فى أجمل مظاهره!!

كان قيس هو اللّه فى مظهر ذكورة، و كانت ليلى هى اللّه فى مظهر أنوثة. كان كل شي‏ء هو حقيقة اللّه التي تتجلى فى صور شتى، شيخ عابد، و عربيد جاحد، و ملك كريم، و شيطان رجيم. فالحقيقة الإلهية تجمع فى كنهها بين النقيضين و بين الضدين، و بهذا تنعدم التفرقة بين الحقائق المتباينة، أو تلتقى المتناقضات كلها فى حقيقة سموها: الحقيقة الإلهية، أو الحقيقة المحمدية التي هى حقيقة الوجود، و حقيقة العدم، الوجود المطلق، و الوجود المتعين، الخير و الشر، الإيمان و الكفر، الحق و الباطل، الصدق و الكذب، و فى التعين البشرى هى: نوح و يغوث، و هى موسى و فرعون، و هى أبو بكر و أبو جهل!!

بين هذه الفهوم تناوحت صور الحقيقة المحمدية، أو صورة الوهم الذي افتروا له اسم محمد، و بهذا النباح تجاوبت الكلاب الشاردة، لعلها تطغى به على النغمة العلوية التي تمجد محمدا، و هو على قمة البشرية، يشع بأنوار النبوة الخاتمة.

إن هؤلاء و أولئك عبد شياطين تنزّت بهم أحقادهم، فإذا هى تدق بهم كل باب من أبوب جهنم.

و إن استبدّت بالكاتب عبادته لعقله فى قصوره و تقصيره تردّت به فى‏

10

هوة سحيقة، و هو يحسب أنه يرقى معارج السماء!.

إنه نزّاع إلى إخضاع كل شي‏ء فى وضح الشهود، أو فى سرائر الغيب لمقاييسه العقلية، أو- بتعبير أدق- لهواه يعبق بالفتنة الخلوب، فالخير هو ما يرى، أو ما يشعر أنه خير، و كذلك الشر، و كذلك الحق و الباطل، و إن يك كلّ ذلك فى مقياس الحقيقة مناقضا لرؤيته و وجدانه.

مثل هذا المترف بعبادة العقل، أو المسرف فى الجحود ينظر إلى محمد، و كأنما هو بشر بلا نبوة، أو آدمى هواه يقود نوازع حسّه، و يبطش بعواطف نفسه، و بهذه النظرة يرى فى محمد ما يرى الكفر فى الإيمان، و ما يرى الخبث فى الطيب، و ما يرى الحقد فى النعم المتلألئة الوسامة، الناضرة الجمال.

و يقول عنه عين ما تقول العداوة فى جهالتها و حماقتها و ضلالتها المركومة، و يسخر فى أعماقه التي تفح فيها أفاعية من قولنا: (صلى الله عليه و سلم).

و نحن المسلمين نعوذ باللّه من هؤلاء الذين أسرفوا فى التجريد و الجحود و الحقود، و من أولئك الذين أسرفوا فى العشق، و عاشوا أنضاءه، فرأوا الوجود كله أنوثة تلفح بالحرمان و الصدود، حين استبد بهم غرام جسدى لم يبرد لهم أواما، و لم يند منهم غليلا. و لم يقرّ بهم فى سكن.

فكان هذا التصور لمحمد، و كان هذا التصوير منهم للحقيقة.

إن الكتابة عن الرسول- (صلى الله عليه و سلم)- تفرض علينا أن نكون على بينة من الكتاب و السنة، و أن نجعل ما نقول حليفا للحق، و وليا للصدق، و كذلك يفرض على كلّ من يتصدى لتحقيق كتاب عن خاتم النبيين.

و من هنا تتجلى لنا خطورة الأمر و جلالته! فقد خلف لنا أسلافنا تراثا

11

مكتوبا عن النبيّ، لا يوجد مثيله فى أمة من الأمم كتبت تاريخ زعيم، أو قائد أو بطل، أو نبى هو منها فى مكانة الشمس من الكون، و فى الكثير مما خلف لنا الأسلاف من تراث مكتوب عن النبيّ لا نلمح فيه شعاعة حقّ إلا كما نلمح ومضة البرق فى الليلة الداجية زكمت آفاقها الظلمات، فلقد خيل إلى أصحاب هذا التراث أن الكذب آية حب، و أن محمدا لا يكون عظيما إلا بما افترت الصليبية ليسوع، فصوروا رسول اللّه فى صورة بشر تستكنّ فى أعماقه ربوبية قهارة خلاقة، تهيمن على مصائر الوجود، و أقدار كائناته، و تجمع بين أزل الوجود، و أبده فى معرفة لا يخفى عليها شي‏ء!! و افتروا قصصا، و أحاديث هى نفثات يهودية، و مفتريات و ثنية، و ضلالات صليبية، و رددت أفواه و ألسن فى عديد من قرون التاريخ هذه القصص و الأحاديث، و تلقفت الأجيال- خلفها عن سلفها- كلّ ذلك، و قد صنع التاريخ الكذوب لمن افتروا هذه الأكاذيب، أو لمن رددوها عن بلاهة عروشا تسجد تحتها أفكار أجيال و أجيال، و تهطع فى قنوت يأخذ منها كل العمر، فتسخّر لتمجيد تلك الأكاذيب كلّ فكر و لسان و قلم، فصار قرينا للمستحيل أن يفكر امرؤ فى نقد شي‏ء من تراث أولئك الأسلاف بشروح هؤلاء الأخلاف، و صارت هذه الترهات التي يمجها حتى الباطل لعوارها- تختال و كأنها درر حقائق تتلألأ بنور الوحى، بل صارت، و هى أحب ما يعشق الناس مما كتب عن الرسول- (صلى الله عليه و سلم)- و صارت مكانة أربابها كالزجر القاصف، و الردع العاصف لمن يهم بالهمس بكلمة حق ينقد بها تلك الضلالات. و المسلم الذي يحاول أن يجلو للناس سيرة النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- على نور من القرآن و هدى من الأحاديث الصحيحة. تجده و قد تفجرت فى وجهه حمم، و دوّت فى سمعه رعود، و ألوف الألسنة تبهتة بالسوء، و هى التي لم تطب لحظة بذكر الحق: إن الباطل الذي سخّر هذه الألسنة، و زكم بطون أربابها بسحته لا يحب أن يعرف الناس أنه باطل،

12

لأنه- بما هو عليه- فى عقول عبيدى الخرافة يعيش مسجودا له، معبودا تساق إليه حمر النّعم، و تحتشد الدنيا فى باحاته و ساحاته بكل ترفها و زينتها و فسوقها و شهواتها!!.

إنهم يريدون منه أن يقول ما قال الإشراقيون من الصوفية عن محمدهم الموهوم: إن محمدا هو الأول و الآخر، و الظاهر و الباطن. أن يقول عنه ما يقول نعقة «الموالد» و نبحة المناوى!! «لولاه ما كان ملك اللّه منتظما»!!.

أو ما قاله الوضاع الأفاك الذي افترى أن اللّه قال لمحمد: «لولاك ما خلقت الأفلاك».

أو ما قاله البوصيرى:

فإن من جودك الدنيا و ضرّتها* * * و من علومك علم اللوح و القلم‏

و إذا كانت الدنيا و الآخرة بعض كرم الرسول، فما ذا بقى للّه؟ و إذا كان علم اللوح و القلم بعض علم محمد، فما ذا بقى للّه؟.

يريدون منه أن يؤمن، و أن يحمل الناس على الإيمان بأن محمدا حى فى قبره لم يمت، و أن أعمالنا عليه تعرض، يريدون منه أن يعتقد بلا و هم ريبة فى أن قبر محمد خير و أفضل من عرش اللّه. و الذين يريدون حمله على هذا لا يعرفون عما جاء به محمد شيئا. مدى معرفتهم أنه خلق من نور، و أن المصحف لا يجوز أن يمس على غير طهارة!! أما عن نبوة محمد، أما ما ذا فى المصحف من هدى؟ أما هذا النور و الحق و الحياة فهم عنه عمون!!

13

بل إنهم فى كثير مما تعرفه الحياة عنهم لا يذكرون محمدا إلا حين يرون عرائس «المولد»، و ثمت ترى على الشفاه غمغمة و همهمة!!

و قد يخيّل إليك أن هذه صلوات و سجدات، و ما هى إلا نفثات من حمم شهوات!!. فما ذا نفعل، لنكتب الحق؟.

أنجبن عن الهتاف الروحى الجميل بالحقيقة خشية هؤلاء المنذرين بالوعيد الكنود، و الفتنة الحقود؟.

أ ندهن كما يدهنون مخافة أن يعر بد علينا الباطل ببهتانه و عدوانه، أو يقترف ضدّنا المكر السيئ؟!.

إن إيماننا باللّه، و برسوله- (صلى الله عليه و سلم)- لأكرم و أعز من أن نذلّه لدعاة إلافك، و كهنة الزور، أو أن نرغمه على الاستخذاء فى سبيل الوصول إلى غرض دون هو: النجاء من سلاطة جاهلية جاحدة، أو سفاهة و ثنية حاقدة، و إن الحق الذي يجعل من الحياة شيئا جميلا و عظيما، لأسمى من أن نأذن لهذا الركام الأسود من الأساطير أن يزحف على أفق ضياء الحق، لا لشيئ سوى أن نكون مع ردغة الأكثرية فى تلطّخ نتن!!

و اللّه يهدينا بقوله: (وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) يوسف: 103 (وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ). الأنعام: 116

ثم إنى أتساءل: هل تحتاج مكانة الرسول- (صلى الله عليه و سلم)- إلى أن ندعمها بالأكاذيب، حتى نؤيد أو نردد كل أكذوبة اختلقت؟

إن الذي يزعم هذا كالذى يزعم أن الحق فى حاجة إلى الباطل، و أن الصدق‏

14

محتاج- فى تأييد الناس له- إلى الكذب، و أن الإيمان يريد سندا من الكفر، و أن الخير فقير إلى الشر؛ ليهب له فى الحياة مكانته.

إن محمدا- (صلى الله عليه و سلم)- كالشمس لا تحتاج إلى دليل يثبت أنها بزغت سوى أن تراها و هى بازغة فحسب، و مكانته أجل من أن نقترف الكذب لنثبت به أنه صدوق. إن نوره يدل عليه، و يثبت بلا برهان- سوى تألقه و توهجه- أنه حقا يضئ، فلنقل عنه ما قاله ربه الذي خلقه فى أحسن تقويم لنقل: إنه ما كان بدعا من الرسول، و إنه كان بشرا يوحى إليه.

ألا و إن حق القرآن هو الحق الأول، فهو المهيمن على كل كتاب جاء به البشر، أو جاء به رسول اللّه من عند اللّه، فلنعتصم به، و نحن نكتب، أو ننقد ما كتب، ليهب اللّه لنا الفرقان المبين. و لنحذر أن نتهيب اسما يسحرنا تهيّبه عن الصواب، أو نذعن لسلطان ما يخادعنا، ليلوينا عن الحق.

و بهذه الروح أقبلت على تحقيق كتاب «الروض الأنف» (1) و فى فكرى، و على قلمى حفاظ قوى على النص، و إن وجدت فيه ما يخالف بعض ما أرى أنه مجانف للحق، و قد احتشدت لهذا الكتاب بكل ما أملك من جهد، لا أزعم أنه عظيم، و إنما أزعم أنه كل ما أملك. و قد لقيت فى سبيل تحقيقه ما لقيت من مشاق لا آمن بها، و إنما أضرع إلى اللّه أن يكون لها عند اللّه حسن المثوبة؛ فما يكون الثواب إلا على ما يرضيه سبحانه.

____________

(1) فى اللسان «روضة أنف: لم يرعها أحد، أو لم توطأ. و كأس أنف: لم يشرب بها قبل ذلك كأنه استؤنف شربها مثل- روضة أنف» و يريد السهيلى بهذه التسمية أن يؤكد أن كتابه هذا لم يؤلف أحد مثله من قبل.

15

الروض الأنف: و كتاب الروض الأنف- كما ذكر مؤلفه فى مقدمته- هو: «إيضاح ما وقع فى سيرة رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- التي سبق إلى تأليفها أبو محمد بن إسحاق المطلبى، و لخصها عبد الملك بن هشام المعافرى المصرى النسّابة النحوى مما بلغنى علمه، و يسر لى فهمه من لفظ غريب، أو إعراب غامض، أو كلام مستغلق، أو نسب عويص، أو موضع فاته التنبيه عليه، أو خبر ناقص يوجد السبيل إلى تتمته» إلى أن يقول: «تحصل فى هذا الكتاب من فوائد العلوم و الآداب و أسماء الرجال و الأنساب و من الفقه الباطن اللباب، و تعليل النحو، و صنعة الإعراب ما هو مستخرج من نيف على مائة و عشرين ديوانا سوى ما أنتجه صدرى».

و هو جهد بارع صادع بأن الرجل كان إماما فى فنون عصره. فهو المحدّث الفقيه النسابة اللغوى النحوى‏ (1) المفسر المؤرخ الآخذ من كل فنون عصره بنصيب وفير. و قد لاءم بين فنون معرفته، حتى جعل منها وحدة يصدر عنها فى كل ما يكتب، و مما يزيدنا إعجابا بالرجل أنه فقد بصره، و أن الكتب كانت فى زمانه مخطوطة، فمتى طالع كل هذا؟ و كيف طالعه؟ و تراثه يشهد له بأنه استوعب كل ما قرأ، و بدت سعة اطلاعه، و نفاذ بصيرته و قوة تفكيره فى أكثر ما كتب.

و مما يجعلنا أيضا شديدى الاحترام للرجل- رغم ما وجدت عنده من خرف- هذه الحقيقة التي تطالعك فى كتابه: إنها الأمانة الصادقة فى النقل، و فى نسبة كل شي‏ء

____________

(1) انتفع بمادته كثير ممن جاءوا بعده، و لا سيما ابن القيم فى كتابه بدائع الفوائد. و لكنه كان كما يقول ابن مضاء القرطبى «كان صاحبنا الفقيه أبو القاسم السهيلى- (رحمه اللّه)- يولع بعلل النحو الثوانى و يخترعها و يعتقد ذلك كمالا فى الصنعة و بصرا بها» ص 160 كتاب الرد على النحاة.

16

إلى قائله، فلم يأت بزيادة مفتراة، أو يقترف فى نقله نقصا قد يغير من مفهوم القول، و قد راجعت أعظم ما نقل، و قايسته على مصادره، فلم أجد إلا طهر الأمانة، و نبل الصدق فى كل نقوله، غير أنه كان لا يميل إلى نقد ما ينقل إلا حين كان يجد النص معارضا لما يدين به، لهذا نراه ينقل ما يتفق مع الحق، و ما لا يتفق فى بعض أحيانه.

ينقل ما يلمع بنور الحقيقة، و ينقل ما يمكن فيه خبث الباطل من رأى فطير أو حديث سنده أو هى من بيت العنكبوت، و معناه كيد دنئ من طاغوت.

عملى فى الكتاب:

طبع هذا الكتاب من أكثر من نصف قرن، و قد بذل المشرف على طبعه كثيرا مما كان يبذل. غير أنه أغفل كثيرا من الأخطاء المطبعية و غيرها، و لم يكتب رقم آية، و لم يخرج حديثا، و لم يضبط كلمة، و لم يعلق بشي‏ء سوى بضع كلمات، فقمت بما يأتى:

أولها: ضبط مئات الأعلام التي وردت فيه، و قد رجعت فى هذا إلى أهم، كتب الأنساب، و إلى اللسان و القاموس كما ضبطت ألوف الكلمات، و قد لقيت فى هذا عنتا كبيرا و مشقة مضنية.

ثانيها: مراجعة نقوله التاريخية و اللغوية فى المصادر التي أشار إليها كتاريخ الطبرى و مروج الذهب للمسعودى، و أشرت إلى مكانها من الكتب. أما اللغويات فراجعتها فى اللسان و القاموس و معجم ابن فارس و الاشتقاق لابن دريد و مفردات الراغب و النهاية لابن الأثير و غيرها.

ثالثها: راجعت ما نقله عنه المؤرخون و أصحاب السير للمقارنة بين ما هو فى كتابه، و بين ما نقلوه هم عنه، مثل ابن كثير فى البداية، و ابن خلدون‏

17

فى تاريخه، و القسطلانى فى المواهب، و الحلبي فى سيرته، و الحافظ ابن حجر فى الفتح.

رابعها: راجعت و صوّبت الأنساب التي ذكرها فى أهم كتب النسب، و قد أشرت إليها فى تعليقاتى.

خامسها: راجعت الترجمات التي ذكرها للصحابة فى الإصابة لابن حجر و غيرها.

سادسها: أشرت إلى مراجع عشرات الأحاديث التي ذكرها، و إلى ما قيل عنها فى كتب الأحاديث.

سابعها: ترقيم الآيات القرآنية، و إتمام ما ذكره منها مبتورا.

ثامنها: التعليق على بعض ما ذكره من مسائل النحو العويصة، و مراجعة هذه المسائل فى مصادرها الأصلية، و المقارنة بينها و بين ما نقله الإمام ابن القيم فى كتابه «بدائع الفوائد» من هذه المسائل. و الرجل- أعنى السهيلى- كان شديد الولع بمسائل النحو.

تاسعها: قمت بالتعليق على ما ذكره، أو رآه فى أمر الدين مما رأيته مجافيا للحق، فكانت هذه التعليقات التي أضرع إلى اللّه أن تكون حقا و صوابا.

و لقد كان الرجل أشعرى العقيدة- و الأشعرية كانت دين الدولة فى أيامه- فأشرت فى تعليقاتى إلى ما يجانب الحق القرآنى مما ذهب إليه، و ذكرت ما آمن به سلفنا الصالح، و ما قالوه عن صفات اللّه سبحانه.

عاشرها: راجعت ما ذكره من شواهد شعرية و أمثال و غيرها فى مصادره الأصلية أو فى اللسان، و ضبطت كل هذا ضبطا دقيقا.

18

حادى عشرها: قمت باستعمال علامات الترقيم، و هناك غير ذلك مما قمت به، و أسأل اللّه أن يكون لوجهه- جل شأنه- و أن يجزينا عنه. كان من الممكن أن يكون الجهد المبذول أقل مما كان، غير أنه كتاب عن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- عن القرآن الكريم، و نبيه العظيم، و قد توعدنا بالنار نتبوّأ منها مقعدنا إن تعمدنا عليه كذبا.

و أعتقد أن الكتاب- و ما ذكرته معه- أصبح شيئا يمكن الاعتداد به فيما يقال ممن خاتم النبيين- (صلى الله عليه و سلم)- غير أنى لا أزعم أنى بلغت كل ما كان بجب أن يبلع، و إنما أزعم أننى بذلت كل ما كنت أملك من جهد أسأل اللّه أن يكون جهدا يكافئ هذه المهمة الجليلة.

و أرجو ممن يعثر على أخطاء أن يذكر أننا بشر، و السهو و النسيان و الخطأ من خصائص البشرية، و كما نحب أن يعفو اللّه عن أخطائنا و يغفرها لنا، فإننا نحب أن يعفو عنا القراء، حين يعثرون على خطأ أحب أن يثقوا فى أنى لم أتعمده.

السيرة:

و قد رأيت- كما رأى الناشر- أن يكون مع الكتاب نفس سيرة ابن هشام التي ألف السّهيلىّ كتابه الروض شرحا لها، ليكون النفع قيما.

و السيرة من عمل ابن إسحاق و روايته عن شيوخه و غيرهم، و لكن ابن هشام عكف على هذه السيرة بالتهذيب حتى، صارت إلى ما هى عليه الآن. و قد لخص عمله فيها بقوله:

«و أنا- إن شاء اللّه- مبتدئ هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم،

19

و من ولد رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- من ولده، و أولادهم لأصلابهم الأول فالأول، من إسماعيل إلى رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و ما يعرض من حديثهم، و تارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل على هذه الجهة للاختصار، إلى حديث سيرة رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و تارك بعض ما ذكره ابن إسحاق فى هذا الكتاب مما ليس لرسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- فيه ذكر، و لا نزل فيه من القرآن شي‏ء، و ليس سببا لشيئ من هذا الكتاب، و لا تفسيرا له، و لا شاهدا عليه لما ذكرت من الاختصار، و أشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها، و أشياء بعضها يشنع الحديث به، و بعض يسوء بعض الناس ذكره، و بعض لم يقر لنا البكّائىّ‏ (1) بروايته، و مستقص- إن شاء اللّه تعالى- ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له، و العلم به»

و لهذا الجهد الذي بذله ابن هشام اشتهرت السيرة بالانتساب إليه، حتى كاد ينسى صاحبها الأول، و هو: محمد بن إسحاق، و اللّه أسأل أن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، و أن يعين كل امرئ على القيام بما فرض اللّه عليه، و أن يجمعنا نحن أبناء هذه الأمة على كلمة سواء، و لها ما كان من مجد و سؤدد، و دولة تجيش‏

____________

(1) هو زياد بن عبد اللّه بن الطفيل العامرى أبو محمد البكائى الكوفى، و البكائى نسبة إلى البكاء بن عمرو بن ربيعة بن صعصعة بن معاوية تركه ابن المدينى، و ضعفه النسائى و ابن سعد، و قال أبو زرعة: صدوق، و قال أبو حاتم: يكتب حديثه، و لا يحتج به، و لكنه من أثبت الناس فى سيرة ابن إسحاق، و قال أحمد:

ليس به بأس مات سنة 183 ه

20

فيها من «كشغر على حدود الصين إلى جبال البرانس على مشارف فرنسا» تكبيرات النصر، و تسبيحات الشكر، و صلوات الحمد للّه رب العالمين‏ (1)

القاهرة- مدينة الزهراء

حلوان‏

عبد الرحمن الوكيل‏

الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المحمدية

____________

(1) سننشر سيرة ابن هشام فى أعلى الصفحة، و تحتها «الروض الأنف» ثم تعليقاتى‏

21

ترجمة ابن إسحاق‏

محمد ابن إسحاق بن يسار المطّلبى مولى قيس بن مخرمة أبو عبد اللّه المدنى أحد الأئمة الأعلام، و لا سيما فى المغازى و السير رأى أنس بن مالك. و جدّه يسار كان من سبى عين التمر التي افتتحها المسلمون فى السنة الثانية عشرة من الهجرة.

و قد ولد ابن إسحاق فى المدينة، و الراجح أنه ولد سنة خمس و ثمانين من الهجرة، و توفى- كما يقول صفى الدين الخزرجى- سنة إحدى و خمسين و مائة.

و قيل: (150 أو 153) و هو الذي ألف السيرة المشهورة النسبة إلى ابن هشام و قد ألفها بأمر أبى جعفر المنصور؛ ليعلمها لابنه المهدى، و فى هذا يقول ابن عدى:

«و لو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شي‏ء للاشتغال بمغازى رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و مبعثه و مبتدأ الخلق، لكانت هذه فضيلة سبق بها ابن إسحاق، و قد فتشت أحاديثه الكثيرة، فلم أجدها تهيئ أن يقطع عليه بالضعف، و ربما أخطأ و اتهم فى الشي‏ء بعد الشي‏ء كما يخطئ غيره.

و لم يتخلف فى الرواية عنه الثقات و الأئمة، أخرج له مسلم فى المبايعات و استشهد به البخاري فى مواضع، و روى له أبو داود و الترمذى و النسائى و ابن ماجة»، و قد روى هو عن أبيه و عن الزهرى و خلق غيرهم، و ممن روى عنه شيخه يحيى الأنصاري، و عبد اللّه بن عون و شعبة و سفيان الثورى و سفيان بن عيينة.

الرأى فى ابن إسحاق: أثار ابن إسحاق خلافا كبيرا حوله بين رجال‏

22

الجرح و التعديل، و قد اختلف فيه هؤلاء بين قادح و مادح، أو بين مجرح و معدل، فبينا يقول ابن شهاب: «لا يزال بالمدينة علم جم ما كان فيها ابن إسحاق» إذا بغيره يقول: إنه كان يرى التشيع و القدر و كان يلعب بالديوك.

المجرّحون: ممن جرّحه مالك، و قال فيه: «ابن إسحاق كذاب و دجال من الدجاجلة»، و روى عن أحمد بن حنبل أنه قال: «ابن إسحاق ليس بحجة» و حكم عليه ابن معين فى رواية عنه بأنه سقيم، و ليس بحجة، و ممن جرحه: هشام بن عروة، و يعقوب بن شيبة، و سليمان التيمى و الدارقطنى، و قد اتهم بأنه كان يسمع بعض اليهود و النصارى، و يسميهم أهل العلم الأول و قد اتهم ابن إسحاق بأنه كان يضع فى السيرة شعرا مصنوعا.

المتوسطون فى الرأى فيه: و كما نسب إلى أحمد اتهامه لابن إسحاق فإنه نسب إليه قوله عنه: «حسن الحديث. أو: هو صالح الحديث، ماله ذنب عندى إلا ما روى فى السيرة من الأخبار المنكرة» و قد نسب إلى محمد بن عبد اللّه بن نمير قوله عنه: كان ابن إسحاق يرمى بالقدر، و كان أبعد الناس منه. و قوله:

«إذا حدث عن المعروفين، فهو حسن الحديث صدوق، و إنما أتى من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة»

المعدّلون له: ينسب إلى ابن معين أيضا قوله: «ابن إسحاق ثبت فى الحديث» و نسب إلى ابن عينة قوله: «ما رأيت أحدا يتهم ابن إسحاق» و قال أبو زرعة: «قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ منه» و قد استشهد به مسلم، و صحح له الترمذى، و روى له أبو داود و النسائى و ابن ماجة.

و أرى- قياسا على السيرة- أن أصدق قول قيل فيه هو قول ابن‏

23

عبد اللّه بن نمير؛ فقد روى فى السيرة عن المجهولين ما لا يحترمه الصدق، و روى أيضا ما ينفح بطيب الحق، و قد بقى فيها ما لا يصح، رغم قيام ابن هشام بتهذيبها، و هو الذي يقول عن ابن إسحاق فى مقدمة كتابه من أنه سيترك مما ذكر ابن إسحاق «أشعارا ذكرها، لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها و أشياء بعضها يشنع الحديث به، و بعض يسوء بعض الناس ذكره و بعض لم يقر لنا البكاّئىّ بروايته، و مستقص- إن شاء اللّه تعالى-، سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له و العلم به».

24

ترجمة ابن هشام‏

جاء عنه فى وفيات الأعيان: «قال أبو القاسم السهيلى عنه فى كتاب الروض الأنف شرح سيرة رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)-: إنه مشهور بحمل العلم، متقدم فى علم النسب و النحو، و هو من مصر، و أصله من البصرة، و له كتاب فى أنساب حمير و ملوكها، و كتاب فى شرح ما وقع فى أشعار السير من الغريب فيما ذكر لى.

و توفى بمصر سنة ثلاث عشرة و مائتين (رحمه اللّه تعالى)». قلت- أى ابن خلكان- و هذا ابن هشام هو الذي جمع سيرة رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- من المغازى و السير لابن إسحاق و هذبها و لخصها و شرحها السهيلى المذكور، و هى الموجودة بأيدى الناس المعروفة بسيرة ابن هشام، و قال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس صاحب تاريخ مصر المقدم ذكره فى تاريخه الذي جعله للغرباء القادمين على مصر: إن عبد الملك المذكور توفى لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ثمانى عشرة و مائتين بمصر و اللّه أعلم بالصواب. و قال: إنه ذهلىّ و الحميرى‏ (1) قد تقدم الكلام عنه و المعافرىّ هذه النسبة إلى المعافر بن‏ (2) يعفر قبيل كبير ينسب إليه بشر كثير»

____________

(1) نسبة إلى حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، و فى حمير بطون و أفخاذ كثيرة (ص 120 الإنباه لابن عبد البر)

(2) هو معافر بن يعفر بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن الهميسع بن عمرو ابن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، و فى معافر بطون كثيره (الإنباه لابن عبد البر ص 118)

25

ترجمة الإمام السهيلى‏

وردت ترجمته فى عدة كتب: «الضبى فى البغية، و ابن خلكان فى وفيات الأعيان، و ابن دحية فى المطرب الورقة 74، و السيوطى فى البغية، و المقرى فى نفح الطيب، و ابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة، و ابن عماد الحنبليّ فى شذرات الذهب، و كتاب المطرب فى حلى المغرب، و نكت الهميان للصفدى، و الديباج المذهب لابن فرحون»، و أنقل هنا ترجمته عن الديباج بلفظه معقبا عليها بما له فائدة من المصادر الأخرى‏

«عبد الرحمن السهيلى أبو القاسم، و أبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب، أبى محمد ابن عبد اللّه بن الخطيب، أبى عمر أحمد بن أبى الحسن أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح السهيلى، الإمام المشهور، صاحب كتاب «الروض الأنف» فى شرح سيرة سيدنا رسول الله- (صلى الله عليه و سلم)- و له كتاب «التعريف و الإعلام فيما أبهم فى القرآن من الأسماء الأعلام». و له كتاب «نتائج الفكر» و كتاب «شرح آية الوصية فى الفرائض» كتاب بديع «و مسئلة رؤية النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- فى المنام‏ (1)»، «و مسئلة السر فى عور الدجال» إلى غير ذلك من تآليفه المفيدة (2) و أوضاعه الغريبة، و كان له حظ وافر من العلم و الأدب أخذ الناس عنه، و انتفعوا به‏ (3) و من شعره- قال ابن دحية: أنشدنى، و قال:

ما سأل الله بها حاجة إلا أعطاه إياها، و كذلك من استعمل إنشادها و هى:

____________

(1) فى الوفيات. أن الكتاب فى رؤية اللّه و فى رؤية النبيّ‏

(2) زاد الصفدى فى نكت الهميان كتاب. شرح الجمل و قال. لم يتم‏

(3) فى نكت الهميان «ناظر على بن الحسين بن الطراوة فى كتاب سيبويه، و سمع منه كثيرا من اللغة و الآداب، و كان عالما بالعربية و اللغة و القراءات بارعا فى ذلك، تصدر للافتاء و التدريس و الحديث، و بعد صيته، و جل قدره جمع بين الرواية و الدراية».

26

يا من يرى ما فى الضمير و يسمع‏* * * أنت المعدّ لكل ما يتوقّع‏

يا من يرجّى للشدائد كلّها* * * يا من إليه المشتكى و المفزع‏

يا من خزائن ملكه فى قول: كن‏* * * امنن فإنّ الخير عندك أجمع‏

مالى سوى فقرى إليك وسيلة* * * فبالافتقار إليك فقرى أدفع‏

مالى سوى قرعى لبابك حيلة* * * فلئن رددت، فأى باب أقرع؟!

و من الذي أدعو، و أهتف باسمه‏* * * إن كان فضلك عن فقيرك يمنع؟!

حاشا لمجدك أن تقنط عاصيا* * * و الفضل أجزل و المواهب أوسع‏

ثم الصلاة على النبيّ و آله‏* * * خير الأنام، و من به يستشفع‏ (1)

و له أشعار كثيرة، و كان ببلده يتسوغ بالعفاف، و يتبلغ بالكفاف، حتى نمى خبره إلى صاحب مراكش، فطلبه إليها، و أحسن إليه و أقبل بوجهه كل الإقبال عليه، و أقام بها نحو ثلاثة أعوام‏ (2)، و ذكره الذهبى: فقال: أبو زيد، و أبو القاسم و أبو الحسن: عبد الرحمن، العلامة الأندلسى المالقى النحوى الحافظ العلم، صاحب التصانيف، أخذ القراءات عن سليمان بن يحيى و جماعة، و روى عن ابن العربى القاضى أبى بكر و غيره من الكبار، و برع فى العربية و اللغة و الأخبار و الأثر، و تصدر للافادة، و ذكر الآثار، و حكى عنه أنه قال: أخبرنا أبو بكر بن العربى فى‏

____________

(1) فى مصادر أخرى مغايرة طفيفة لما هنا مثل: يا من خزائن رزقه، فبالافتقار إليك ربى أضرع، إن كان فضلك عن فقير يمنع. و لا يستشفع برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فإن الشفاعة للّه جميعا.

(2) و ولاه بها قضاء الجماعة، و صاحب مراكش هو: أبو يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن الذي تولى إمرة الموحدين فى المغرب سنه 558. و أظن أنه استدعى السهيلى سنه 578 ه.

27

مشيخته عن أبى المعالى، أنه سأله فى مجلسه رجل من العوام فقال: أيها الفقيه الإمام: أريد أن تذكر لى دليلا شرعيا على أن اللّه تعالى لا يوصف بالجهة، و لا يحدد بها. فقال: نعم قول رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)-: «لا تفضلونى على يونس بن متّى» فقال الرجل: إنى لا أعرف وجه الدليل من هذا الدليل، و قال كل من حضر المجلس مثل قول الرجل، فقال أبو المعالى: أضافنى الليلة ضيف له علىّ ألف دينار، و قد شغلت بالى، فلو قضيت عنى قلتها، فقام رجلان من التجار، فقالا: هى فى ذمتنا، فقال أبو المعالى: لو كان رجلا واحدا يضمنها كان أحب إلىّ فقال أحد الرجلين أو غيرهما: هى فى ذمتى، فقال أبو المعالى: نعم إن اللّه تعالى أسرى بعبده إلى فوق سبع سماوات، حتى سمع صرير الأقلام، و التقم يونس الحوت، فهوى به إلى جهة التحت من الظلمات ما شاء اللّه، فلم يكن سيدنا محمد- (صلى الله عليه و سلم)- فى علو مكانه بأقرب إلى اللّه تعالى من يونس فى بعد مكانه‏ (1)، فاللّه تعالى لا يتقرب إليه بالأجرام و الأجسام، و إنما يتقرب إليه بصالح الأعمال، و من شعره:

إذا قلت يوما: سلام عليكم‏* * * ففيها شفاء، و فيها السقام‏

شفاء إذا قلتها مقبلا* * * و إن أنت أدبرت فيها الحمام‏

قال صاحب الوفيات: «و السّهيلىّ يضم السين المهملة و فتح الهاء و سكون‏

____________

(1) هذا دليل مصنوع، و مدفوع، فاللّه يقول‏ «أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ» و قد سأل الرسول- (صلى الله عليه و سلم): أين اللّه يا جارية؟

فقالت: فى السماء. فقال لصاحبها: أعتقها فإنها مؤمنة. إنه معنا حيث كنا و هو مستو على العرش.

28

الياء المثناة من تحت، و بعدها لام، ثم ياء هذه النسبة إلى سهيل، و هى قرية بالقرب من مالقة سميت باسم الكوكب‏ (1) لأنه لا يرى فى جميع الأندلس إلا من جبل مطلّ عليها، و مالقة بفتح اللام و القاف، و هى مدينة بالأندلس. و قال السمعانى بكسر اللام و هو غلط، و توفى بمراكش سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة و كان- (رحمه اللّه)- مكفوفا، و عاش اثنتين و سبعين سنة». هذا ما فى الديباج المذهب لابن فرحون، و يقول الصفدى فى كتابه نكت الهميان: «و من شعره يرثى بلده، و كان الفرنج قد ضربته، و قتلت رجاله و نساءه [و قتلوا أهله و أقاربه و كان غائبا عنهم، فاستأجر من أركبه دابة، و أتى به إليه، فوقف إزاءه و قال: (2)

يا دار أين البيض و الآرام!* * * أم أين جيران علىّ كرام‏

راب المحبّ من المنازل أنه‏* * * حيّا، فلم يرجع إليه سلام!

أخرسن أم بعد المدى، فنسينه‏* * * أم غال من كان المجيب حمام!

دمعى شهيدى أننى لم أنسهم‏* * * إن السلوّ على المحبّ حرام‏

لما أجابنى الصدى عنهم، و لم‏* * * يلج المسامع للحبيب كلام‏

طارحت و رق حمامها مترنّما* * * بمقال صبّ، و الدموع سجام‏

يا دار ما صنعت بك الأيام‏* * * ضامتك، و الأيام ليس تضام‏

____________

(1) و هو سهيل. و هو كوكب يمان لا يرى بخراسان، و يرى بالعراق، و قال ابن كناسة: سهيل يرى بالحجاز، و فى جميع أرض العرب، و لا يرى بإرمينية «عن اللسان».

و عند الصفدى: «و أصله من قرية بوادى سهيل من كورة مالقة، و هى- كما وصفها ياقوت فى معجمه- سورها على شاطئ البحر بين الجزيرة الخضراء و المرية.

(2) ما بين قوسين من المغرب فى حلى المغرب.

29

و يقول ابن خلكان عنه: «و مولده سنة ثمان و خمسمائة بمدينة مالقة، و توفى بحضرة مراكش يوم الخميس، و دفن وقت الظهر، و هو السادس و العشرون من شعبان سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة»، و قال عنه إنه خثعمى نسبة إلى خثعم بن أنمار، و هى قبيلة كبيرة. و ذكر صاحب النجوم الزاهرة أيضا أنه مات فى شعبان.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدمة الروض الأنف‏

حمدا للّه المقدّم على كل أمر ذى بال، و ذكره- سبحانه- حرىّ ألّا يفارق الخلد و البال، كما بدأنا- جلّ و علا- بجميل عوارفه قبل الضراعة إليه و الابتهال، فله الحمد- تعالى- حمدا لا يزال دائم الاقتبال.

ضافى السّربال‏ (1)، جديدا على مرّ الجديدين‏ (2) غير بال. على أن حمده- سبحانه- و شكره على نعمه، و جميل بلائه منّة من مننه. و آلاء من آلائه. فسبحان من لا غاية لجوده و نعمائه! و لا حدّ لجلاله، و لا حصر لأسمائه و الحمد للّه الذي ألحقنا بعصابة الموحدين، و وفقنا للاعتصام بعروة هذا الأمر المتين، و خلقنا فى إبّان الإمامة الموعود ببركتها على لسان الصادق الأمين، إمامة سيدنا الخليفة أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين‏ (3)،

____________

(1) القميص و الدرع، أو كل ما يلبس‏

(2) الليل و النهار

(3) يعنى دولة الموحدين التي بدأ أمرها بمحمد بن تومرت، و التي حكمت المغرب العربى و الأندلس، و يعنى بالخليفة: أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الذي تولى إمرة الموحدين سنة 558 ه بالمغرب، و فى عهده تم للموحدين إخضاع الأندلس، و عنه يقول ابن خلكان: «كان يوسف فقيها حافظا متقنا نشأ فى ظهور الخيل بين أبطال الفرسان» و عنه أيضا يقول المراكشى فى المعجب:

«لم يكن فى بنى عبد المؤمن فيمن تقدم منهم، و تأخر ملك بالحقيقة غير أبى يعقوب» هذا و قد توفى أبو يعقوب سنة 580 ه. و قد بدأ السهيلى فى إملاء كتابه هذا فى المحرم سنة 569 ه و انتهى منه فى جمادى الأولى من نفس العام.

32

الساطعة أنوارها فى جميع الآفاق. المطفئة بصوب سحائبها، وجوب‏ (1) كتائبها جمرات الكفر و النفاق:

فى دولة لحظ الزمان شعاعها* * * فارتدّ منتكصا بعينى أرمد

من كان مولده تقدّم قبلها* * * أو بعدها، فكأنه لم يولد

فله الحمد- تعالى- على ذلك كلّه، حمدا لا يزال يتجدد و يتوالى، و هو المسئول- سبحانه- أن يخص بأشرف صلواته، و أكثف بركاته، المجتبى من خليقته، و المهدى بطريقته، المؤدّى إلى اللّقم الأفيح‏ (2) و الهادى إلى معالم دين اللّه من أفلح، نبيّه محمدا- (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- كما قد أقام به الملة العوجاء، و أوضح بهديه الطريقة البلجاء (3)، و فتح به آذانا صمّا، و عيونا عميا، و قلوبا غلفا (4). فصلى اللّه عليه، و على آله صلاة تحلّه أعلى منازل الزّلفى.

الغاية من تأليف الكتاب‏

(و بعد) فإنى قد انتحيت فى هذا الإملاء بعد استخارة ذى الطّول‏ (5)، و الاستعانة بمن له القدرة و الحول‏ (6). إلى إيضاح ما وقع فى سيرة رسول اللّه‏

____________

(1) الصوب: المطر بقدر ما ينفع، و لا يؤذى، و الجوب: القميص تلبسه المرأة، و الترس و الكانون و الدلو الضخمة. و الأخيرة هى المناسبة

(2) اللقم: الطريق الواضح‏

(3) الواضحة.

(4) جمع أغلف. يقال: غلف قلبه- بكسر اللام- لم يع قلبه الرشد

(5) الغنى و الفضل و اليسر

(6) من معانيها الحركة و التحول، و الحيلة و القوة، و هذه هى المقصودة.

33

- (صلى الله عليه و سلم)- التي سبق إلى تأليفها أبو بكر محمد بن إسحاق المطّلبى، و لخصها عبد الملك بن هشام المعافرى‏ (1) المصرى النسّابة (2) النحوى ممّا بلغنى علمه، و يسّر لى فهمه: من لفظ غريب، أو إعراب غامض، أو كلام مستغلق‏ (3)، أو نسب عويص، أو موضع فقه ينبغى التنبيه عليه، أو خبر ناقص يوجد السبيل إلى تتمته، مع الاعتراف بكلول الحدّ، عن مبلغ ذلك الحدّ (4)، فليس الغرض المعتمد أن استولى على ذلك الأمد (5)، و لكن لا ينبغى أن يدعّ الجحش من بذّه الأعيار (6)، و من سافرت فى العلم همته، فلا يلق عصا التّسيار، و قد قال الأول:

افعل الخير ما استطعت، و إن كا* * * ن قليلا فلن تحيط بكلّه‏

و متى تبلغ الكثير من الفضل‏* * * إذا كنت تاركا لأقلّه؟!

نسأل اللّه التوفيق لما يرضيه، و شكرا يستجلب المزيد من فضله و يقتضيه.

____________

(1) نسبة إلى معافر بن يعفر، و هم قبيل كبير نزح بعضهم إلى مصر، و من الرواة من يجعله حميريا، و منهم من يرد نسبه إلى ذهل، و آخرون يردونه إلى سدوس.

(2) العليم بالأنساب، و التاء للمبالغة.

(3) استغلقت المسألة: عسر فهمها.

(4) كلّ كلولة و كلالة: ضعف. و كلّ حد السيف: لم يقطع. و حدّ الرجل: بأسه. و نفاذه فى نجدته، وحد الشي‏ء: نهايته.

(5) الغاية و النهاية.

(6) الجحش: ولد الحمار. و بذّه: غلبه وفاقه و سبقه، و الأعيار: جمع عير: الحمار الوحشى و الأهلى. و يدع: يدفع.

34

لما ذا أتقن التأليف:

قال المؤلف أبو القاسم: قلت هذا؛ لأنى كنت حين شرعت فى إملاء هذا الكتاب خيّل إلىّ أن المرام عسير، فجعلت أخطو خطو الحسير (1)، و أنهض نهض البرق الكسير (2)، و قلت: كيف أرد مشرعا لم يسبقنى إليه فارط (3)، و أسلك سبيلا لم توطأ قبلى بخفّ و لا حافر، فبينا أنا أتردد تردد الحائر، إذ سنح لى هنا لك خاطر: أنّ هذا الكتاب سيرد الحضرة العليّة المقدّسة الإماميّة (4)، و أنّ الإمامة ستلحظه بعين القبول، و أنه سيكتتب للخزانة المباركة- عمّرها اللّه- بحفظه و كلاءته، و أمدّ أمير المؤمنين بتأييده و رعايته، فينتظم الكتاب بسلك أعلاقها (5)، و يتّسق مع تلك الأنوار فى مطالع إشراقها، فعند ذلك امتطيت صهوة الجدّ، و هززت نبعة العزم‏ (6). و مريت أخلاف الحفظ (7)،

____________

(1) حسر بصره حسارة: كل و انقطع من طول مدى، و ما أشبه ذلك،

(2) البرق: الحمل و جمعه: أبراق، و برقان «بضم الباء أو كسرها» و هو معرب: بره.

(3) المشرع: مورد الماء، و الفارط: من يسبق القوم إلى الماء، ليهيئه و يعده.

(4) كناية عن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، و قد سبق الكلام عنه.

(5) جمع علق: و هو النفيس من الشي‏ء

(6) أصل النّبعة؛ شجرة تتخذ منها القسى. و من أغصانها السهام و هى تنبت فى قلة الجبل.

(7) مرى الشي‏ء: استخرجه، و مريت الفرس بفتح الميم و الراء: حملته على إبراز مقدرته على الجرى، و مرى الناقه: مسّ ضرعها، و الأخلاف: جمع:

خلف بكسر الخاء: حلمة الضّرع، و ضرع الناقة.

35

و اجتهرت ينابيع الفكر (1)، و عصرت بلالة الطبع‏ (2)، فألفيت- بحمد اللّه- الباب فتحا (3) و سلكت سبل ربّى ذللا (4)، فتبجّست‏ (5) لى- بمنّ اللّه تعالى- من المعانى الغريبة عيونها، و انثالت علىّ من الفوائد اللطيفة أبكارها و عونها (6)، و طفقت عقائل الكلم يزدلفن‏ (7) إلىّ بأيّتهنّ أبدأ، فأعرضت عن بعضها إيثارا للإيجاز، و دفعت فى صدور أكثرها خشية الإطالة و الإملال، لكن تحصّل فى هذا الكتاب من فوائد العلوم و الآداب، و أسماء الرجال و الأنساب، و من الفقه الباطن اللّباب، و تعليل النحو، و صنعة الإعراب، ما هو مستخرج من نيّف على مائة و عشرين ديوانا (8)، سوى ما أنتجه صدرى، و نفحه فكرى.

و نتجه نظرى، و لقنته‏ (9) عن مشيختى، من نكت علميّة لم أسبق إليها، و لم أزحم عليها، كل ذلك بيمن اللّه، و بركة هذا الأمر المحيى لخواطر الطالبين و الموقظ لهمم المسترشدين، و المحرّك للقلوب الغافلة إلى الاطّلاع على معالم الدين، مع أنى قلّلت الفضول‏ (10)، و شذّبت أطراف الفصول، و لم أتتبع شجون الأحاديث، و للحديث شجون‏ (11)، و لا جمحت بى خيل الكلام إلى غاية لم‏

____________

(1) اجتهر البئر: نقاها من الحمأة و نزحها.

(2) البلالة: النّدوة

(3) مفتوح واسع لا يكاد يغلق.

(4) جمع ذلول: الطريق الممهّد.

(5) تفجرت.

(6) انثال عليه القول: تتابع. العون:

جمع عوان، و هى المتوسطة فى العمر بين الكبر و الصغر من النساء و البهائم.

(7) العقائل جمع عقيلة السيدة المخدرة، و الزوجة الكريمة، و سيد القوم.

و يعنى: الكلمات العظيمة. ازدلف: زلف: دنا و تقدم.

(8) نيّف من 1 إلى 3 أو هو كل ما زاد على العقد إلى أن يبلغ العقد الثانى.

(9) لقنته: فهمته.

(10) ما لا فائدة فيه.

(11) فنون و أغراض.

36

أردها، و قد عنّت لى منه فنون، فجاء الكتاب من أصغر الدواوين حجما.

و لكنه كنيف ملئ علما (1)، و لو ألّفه غيرى لقلت فيه أكثر من قولى هذا.

و كان بدء إملائى‏ (2) هذا الكتاب فى شهر المحرم من سنة تسع و ستين و خمسمائة، و كان الفراغ منه فى جمادى الأولى من ذلك العام.

سنده:

فالكتاب الذي تصدّينا له من السّير هو ما حدّثنا به الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن العربىّ سماعا عليه قال: ثنا أبو الحسن القرافىّ الشافعى، قال: ثنا أبو محمد بن النحاس، قال: ثنا أبو محمد عبد اللّه بن جعفر بن الورد، عن أبى سعيد: عبد الرحيم بن عبد اللّه، بن عبد الرحيم بن أبى زرعة الزّهرى‏ (3) البرقي، عن أبى محمد عبد الملك بن هشام، و حدثنا به أيضا- سماعا عليه- أبو مروان عبد الملك بن سعيد بن بونه القرشى العبدرى عن أبى بحر سفيان بن العاص الأسدي عن أبى الوليد، هشام بن أحمد الكنانى.

و حدثني به أيضا أبو مروان، عن أبى بكر بن بر آل، عن أبى عمر أحمد بن محمد المقرّى الطّلمنكى، عن أبى جعفر أحمد بن عون اللّه بن حدير، عن أبى محمد بن الورد عن البرقي عن ابن هشام.

____________

(1) تصغير كنف، و هو وعاء الراعى الذي يجعل فيه آلته. و هو يشير إلى ما قاله عمر بن الخطاب عن ابن مسعود: كنيف ملئ علما.

(2) قال هذا لأنه كان كفيف البصر. كفّ فى السابعة عشرة.

(3) فى السند اضطراب.

37

و حدثني به أيضا- سماعا و إجازة- أبو بكر محمد بن طاهر الإشبيلىّ عن أبى على الغسانى، عن أبى عمر النّمرىّ و غيره عن أشياخه عن الطّلمنكىّ بالإسناد المتقدم.

ترجمة ابن إسحاق:

(فصل) و نبدأ بالتعريف بمؤلف الكتاب، و هو: أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار المطّلبىّ بالولاء؛ لأن ولاءه لقيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، و كان جده يسار من سبى عين التمر (1)، سباه خالد بن الوليد.

و محمد بن إسحاق‏ (2) هذا- (رحمه اللّه)- ثبت فى الحديث عند أكثر العلماء، و أما فى المغازى و السّير، فلا تجهل إمامته فيها. قال ابن شهاب الزّهرىّ‏ (3): من أراد المغازى، فعليه بابن إسحاق. ذكره البخاري فى التاريخ، و ذكر عن سفيان بن‏

____________

(1) عين التّمر فتحها المسلمون سنة 12 ه.

(2) قال عنه ابن شهاب: لا يزال بالمدينة علم جمّ ما كان فيها ابن إسحاق، و قال أحمد: حسن الحديث، و قال البخاري: رأيت على بن عبد اللّه يحتج به و قال ابن نمير: كان يرمى بالقدر. إذا حدث عن المعروفين، فهو حسن الحديث صدوق، و قال يعقوب بن شبه: لم أر لابن إسحاق إلا حديثين منكرين، و وثقه العجلى و ابن سعد: تهذيب الكمال.

(3) هو محمد بن مسلم بن عبيد اللّه كان إماما حجة فى الفقه و الحديث بصيرا بالقرآن. مات سنة 125 و قال أبو بكر بن أبى شيبة: أصح الأسانيد: الزهرى عن على بن الحسين، عن أبيه عن جده على. و قال البخاري: أصحها الزهرى عن سالم عن أبيه.

38

عينيه‏ (1) أنه قال: ما أدركت أحدا يتهم ابن إسحاق فى حديثه، و ذكر أيضا عن شعبة بن الحجاج أنه قال: ابن إسحاق أمير المؤمنين يعنى: فى الحديث، و ذكر أبو يحيى الساجى- (رحمه اللّه)- بإسناد له عن الزّهرىّ أنه قال: خرج إلى قريته باذام، فخرج إليه طلاب الحديث، فقال لهم: أين أنتم من الغلام الأحول:

أو: قد خلّفت فيكم الغلام الأحول يعنى: ابن إسحاق، و ذكر الساجى أيضا قال: كان أصحاب الزهرى يلجئون إلى محمد بن إسحاق فيما شكّوا فيه من حديث الزهرى، ثقة منهم بحفظه، هذا معنى كلام الساجى نقلته من حفظى، لا من كتاب.

و ذكر عن يحيى بن معين، و أحمد بن حنبل، و يحيى بن سعيد القطان أنهم وثّقوا ابن إسحاق، و احتجوا بحديثه، و ذكر على بن عمر الدّارقطني فى السنن حديث القلّتين من جميع طرقه‏ (2)، و ما فيه من الاضطراب، ثم قال فى حديث جرى: و هذا يدل على حفظ محمد بن إسحاق، و شدة إتقانه.

قال المؤلف: و إنما لم يخرج البخاري عنه، و قد وثّقه، و كذلك وثّقه مسلم‏

____________

(1) كان إماما فى علوم القرآن و السنة و حديث الحجازيين، ثقة حجة، و لكنه تغير فى آخر عمره، انتقل من الكوفة إلى مكة و مات بها سنة 198 ه و دفن بالحجون.

(2) يشير إلى الحديث: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» رواه الخمسة و الشافعى و ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم و الدّارقطني و البيهقي، و فى الحديث اضطراب فى الإسناد و فى المتن. قال ابن عبد البر فى التمهيد عن مذهب الشافعى فى الحديث: إنه ضعيف من جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر، لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، و لأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما فى أثر ثابت و لا إجماع.

39

ابن الحجاج، و لم يخرج عنه أيضا إلا حديثا واحدا فى الرّجم، عن سعيد المقبرى عن أبيه، من أجل طعن مالك فيه، و إنما طعن فيه مالك- فيما ذكر أبو عمر (رحمه اللّه)، عن عبد اللّه بن إدريس الأودى- لأنه بلغه أن ابن إسحاق قال: هاتوا حديث مالك، فأنا طبيب بعلله، فقال مالك: و ما ابن إسحاق؟! إنما هو دجّال من الدجاجلة، نحن أخرجناه من المدينة، يشير- و اللّه أعلم- إلى أن الدّجال لا يدخل المدينة (1). قال ابن إدريس: و ما عرفت أن دجّال! يجمع على دجاجلة، حتى سمعتها من مالك، و ذكر أن ابن إسحاق مات ببغداد سنة إحدى و خمسين و مائة، و قد أدرك من لم يدركه مالك، روى حديثا كثيرا عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيمىّ‏ (2)، و مالك إنما يروى عن رجل عنه، و ذكر الخطيب أحمد بن على بن ثابت فى تاريخه- فيما ذكر لى عنه- أنه- يعنى ابن إسحاق- رأى أنس بن مالك، و عليه عمامة سوداء، و الصبيان خلفه يشتدّون‏ (3)، و يقولون: هذا صاحب رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- لا يموت حتى يلقى الدجال، و ذكر الخطيب أيضا أنه روى عن سعيد بن المسيّب، و القاسم بن محمد، و أبى سلمة بن عبد الرحمن.

____________

(1) يشير إلى حديث ورد فى مسلم، و قد جاء فيه على لسان الدجال أن طيبة- أى المدينة- و مكة محرمتان عليه.

(2) أبو عبد اللّه المدنى أحد العلماء المشاهير. يروى عن أنس عن جابر عن عائشة فى الترمذى و النسائى فى سننه. قال ابن سعد: كان ففيها محدثا، و قال أحمد: يروى أحاديث منكرة، و وثقه ابن معين و أبو حاتم و النسائى و ابن خراش توفى سنة 120 ه.

(3) يسرعون.

40

و ذكر أن يحيى بن سعيد الأنصاري شيخ مالك روى عن ابن إسحاق قال: و روى عنه سفيان الثورى، و الحمادان: حماد بن سلمه بن دينار، و حماد ابن زيد بن درهم، و شعبة. و ذكر عن الشافعى- رضى اللّه عنه- أنه قال:

من أراد أن يتبحّر فى المغازى، فهو عيال على محمد بن إسحاق، فهذا ما بلغنا عن محمد بن إسحاق- (رحمه اللّه).

رواة الكتاب عن ابن إسحاق:

و أما الرواة الذين رووا هذا الكتاب عنه فكثير. منهم: يونس بن بكير الشّيبانى، و محمد بن فليح، و البكّائى، و ابراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، و عبد اللّه بن إدريس، و سلمة بن الفضل الأسدي، و غيرهم. و نذكر البكّائى‏ (1) لأنه شيخ ابن هشام، و هو: أبو محمد زياد بن عبد اللّه بن طفيل بن عامر القيسى العامرى، من بنى عامر بن صعصعة، ثم من بنى البكاء، و اسم البكّاء: ربيعة، و سمى البكّاء لخبر يسمج ذكره، كذلك ذكر بعض النسابين. و البكّائىّ هذا ثقة، خرج عنه البخاري فى كتاب الجهاد، و خرج عنه مسلم فى مواضع من كتابه، و حسبك بهذا تزكية.

و قد روى زياد عن حميد الطويل، و ذكر البخاري فى التاريخ عن وكيع قال: زياد أشرف من أن يكذب فى الحديث، و وهم التّرمذىّ‏

____________

(1) تركه ابن المدينى، و ضعفه النسائى و ابن سعد. و قال: و لكنه أثبت الناس فى سيرة ابن إسحاق، و قال أحمد: ليس به بأس. قال ابن عدى: ما أرى بروايته بأسا، و قال أبو زرعة: صدوق. و قال أبو حاتم: يكتب حديثه و لا يحتج به. مات سنة 183 ه كما ذكر ابن سعد.

41

فقال فى كتابه عن البخاري: قال: قال وكيع: زياد بن عبد اللّه- على شرفه- يكذب فى الحديث، و هذا وهم، و لم يقل وكيع فيه إلا ما ذكره البخاري فى تاريخه، و لو رماه وكيع بالكذب ما خرج البخاري عنه حديثا، و لا مسلم، كما لم يخرجا عن الحارث الأعور (1) لما رماه الشّعبىّ بالكذب، و لا عن أبان بن أبى عيّاش‏ (2) لما رماه شعبة بالكذب، و هو كوفى توفى سنة ثلاث و ثمانين و مائة.

____________

(1) هو الحارث بن عبد اللّه الهمدانيّ الحوتى أبو زهير الكوفى الأعور أحد كبار الشيعة. قال الشعبى و ابن المدينى: كذاب، و قال ابن معين فى رواية و النسائى: ليس به بأس، و قال أبو حاتم و النسائى فى رواية: ليس بالقوى.

و قال ابن معين فى رواية: ضعيف توفى سنة 165 ه.

(2) هو فيروز أو دينار العبدى ولاء أبو إسماعيل البصرى. قال أحمد و ابن معين: متروك. مات سنة 140 ه.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و به نستعين‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و صلواته على سيدنا محمد و آله أجمعين‏

[ «ذكر سرد النسب الزكى»]

«ذكر سرد النسب الزكى» «من محمد- (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- إلى آدم (عليه السلام)»

قال أبو محمد عبد الملك بن هشام:

هذا كتاب سيرة رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- محمد بن عبد اللّه ابن عبد المطلب، و اسم عبد المطلب: شيبة بن هاشم، و اسم هاشم: عمرو بن‏

____________

ترجمة ابن هشام:

و أما عبد الملك بن هشام، فمشهور بحمل العلم، متقدّم فى علم النسب و النحو، و هو حميرىّ معافرىّ من مصر، و أصله من البصرة، و توفى بمصر سنة ثلاث عشرة و مائتين، و له كتاب فى أنساب حمير و ملوكها، و كتاب فى شرح ما وقع فى أشعار السّير من الغريب- فيما ذكر لى- و الحمد للّه كثيرا، و صلواته على نبيه محمد و سلامه.

44

..........

____________

تفسير نسب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد ذكرنا فى كتاب التعريف و الإعلام بما أبهم فى القرآن من الأسماء الأعلام‏ (1) معانى بديعة، و حكمة من اللّه بالغة فى تخصيص نبيه محمد- (صلى الله عليه و سلم)- بهذين الاسمين: محمد و أحمد، فلتنظر هناك، و لعلنا أن نعود إليه فى باب مولده من هذا الكتاب- إن شاء اللّه تعالى.

عبد المطلب:

و أما جده عبد المطلب، فاسمه عامر فى قول ابن قتيبة (2)، و شيبة فى قول ابن إسحاق‏ (3) و غيره، و هو الصحيح. و قيل: سمّى شيبة لأنه ولد، و فى رأسه شيبة (4)، و أما غيره من العرب ممّن اسمه شيبة، فإنما قصد فى تسميتهم‏

____________

(1) فى نكت الهميان للصفدى: و الأعلام.

(2) ذكر رأيه هذا فى كتابه المعارف، و تابعه عليه صاحب القاموس المجد الشيرازى.

(3) و كذلك ذكر ابن دريد فى الاشتقاق، و الطبرى فى تاريخه. و ذكر ابن دريد: أنه مشتق من قولهم: شاب شيبة حسنة، و شيبا حسنا. ثم قال: و أحسب أن اشتقاق الشيب من اختلاط البياض بالسواد من قولهم: شبت الشي‏ء بالشي‏ء أشوبه شوبا إذا خلطته.

(4) و هو رأى القسطلانى فى المواهب اللدنية، و قد جزم به فى شرحه للبخارى. و يذكر شارح المواهب أن أباه أوصى أمه بذلك. ثم ذكر تعليلا لإضافة شيبة إلى الحمد: إنه رجاء أن يكبر و يشيخ، و يكثر حمد الناس له. و يقول الطبرى عن سبب تسميته بشيبة: كان فى رأسه شيبة. و يقول ابن دريد أن المطلب أصله مطتلب على وزن مفتعل بكسر العين، و أن اشتقاقه من الطلب، و يقول القسطلانى فى المواهب: و إنما قيل له عبد المطلب؛ لأن أباه هاشما قال لأخيه-

45

..........

____________

بهذا الاسم التفاؤل لهم، ببلوغ سن الحنكة (1) و الرأى، كما سمّوا بهرم و كبير، و عاش عبد المطلب مائة و أربعين سنة (2) و كان لدة (3) عبيد بن الأبرص الشاعر، غير أن عبيدا مات قبله بعشرين سنة، قتله المنذر أبو النّعمان بن المنذر، و يقال: إن عبد المطلب أول من خضب بالسّواد من العرب، و اللّه أعلم.

و قد ذكر ابن إسحاق سبب تلقيبه بعبد المطلب. و المطلب مفتعل مز الطّلب.

هاشم:

و أما هاشم فعمر- كما ذكر- و هو اسم منقول من أحد أربعة أشياء. من‏

____________

المطلب- و هو بمكة حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك، و يذكر الزرقانى فى شرحه للمواهب: إنه قال ذلك استعطافا، أو على عادة العرب فى قولهم لليتيم المربى فى حجر شخص: عبده، فسماه عبدا باعتبار الأول، لأنه رأى نفسه محتضرا، و أنه لا يقوم على ابنه غيره، و ذكر القسطلانى و شارح المواهب رأيا آخر فى سبب تسميته بهذا و هو: أن عمه المطلب جاء به إلى مكة رديفه، و هو بهيئة رثة، فكان يسأل عنه، فيقول: هو عبدى. حياء من أن يقول: ابن أخى. فلما أدخله مكة و أحسن من حاله. أظهر أنه ابن أخيه. و ذكر الزرقانى فى شرحه للمواهب:

إنه سمى بهذا، لأن أباه لما مات بغزة، و كان خرج إليها تاجرا و ترك أمه بالمدينة، فأقامت عند أهلها من الخزرج، فكبر عبد المطلب، فجاء عمه المطلب، فأخذه، و دخل به مكة، فرآه الناس مردفه، فقالوا: هذا عبد المطلب، فغلبت عليه، و إلى الرأى الثانى ذهب الطبرى فى قصة طويلة.

(1) التجربة و البصر بالأمور.

(2) كذلك ذكر عالم النسب الزبير بن بكار، و حكاه ابن سيد الناس عن أبى الربيع عنه، و حكاه مغلطاى، و تبعه القسطلانى فى شرحه للبخارى. و قيل إنه عاش 120 سنة.

(3) اللّدة «بكسر اللام و فتح الدال» من ولد معك فى وقت واحد.

46

..........

____________

العمر الذي هو العمر، أو العمر الذي هو من عمور الأسنان، و قاله القتبىّ:

أو العمر الذي هو طرف الكمّ، يقال: سجد على عمريه أى: على كمّيه، أو العمر الذي هو القرط، كما قال التّنوخىّ:

و عمرو هند كأن اللّه صوّره‏* * * عمرو (1)بن هند يسوم الناس تعنيتا

و زاد أبو حنيفة وجها خامسا، فقال فى العمر الذي هو اسم لنخل السكر، و يقال فيه عمر أيضا، قال: يجوز أن يكون أحد الوجوه التي بها سمى الرجل:

عمرا و قال: كان ابن أبى ليلى يستاك بعسيب‏ (2) العمر.

عبد مناف:

و عبد مناف اسمه: المغيرة- كما ذكر- و هو منقول من الوصف، و الهاء فيه للمبالغة، أى: إنه مغير على الأعداء أو مغير من أغار الحبل، إذا أحكمه، و دخلته الهاء، كما دخلت فى علّامة و نسّابة؛ لأنهم قصدوا قصد الغاية، و أجروه مجرى الطّامّة و الدّاهية، و كانت الهاء أولى بهذا المعنى لأن مخرجها غاية الصوت، و منتهاه، و من ثمّ لم يكسّر ما كانت فيه هذه الهاء، فيقال فى‏

____________

(1) يقول إن قرط هند مثل عمرو بن هند أحد الملوك فى الجاهلية.

(2) العسيب: جريدة النخل المستقيمة يكشط خوصها. و ما لم ينبت عليه الخوص. و قد ذكر ابن دريد فى الاشتقاق كثيرا مما قيل هنا. كما ذكر أن هاشما سمى بهذا لهشمه الخبز للثريد. و قال الطبرى: «و إنما قيل له هاشم، لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة و أطعمه»، و فيه قال الشاعر:

عمرو الذي هشم الثريد لقومه‏* * * و رجال مكة مسنتون عجاف‏

و إليه ذهب القسطلانى فى المواهب و غيره.

47

..........

____________

علّامة: علاليم، و فى نسّابة: نساسيب؛ كى لا يذهب اللفظ الدال على المبالغة، كما لم يكسّر الاسم المصغّر؛ كى لا تذهب بنية التصغير و علامته.

و يجوز أن تكون الهاء فى مغيرة للتأنيث، و يكون منقولا من وصف كتيبة، أو خيل مغيرة، كما سموا بعسكر. و عبد مناف هذا كان يلقّب قمر البطحاء- فيما ذكر الطبرى‏ (1)- و كانت أمّه حبّى قد أخدمته مناة (2)، و كان صنما عظيما لهم، و كان سمّى به عبد مناة، ثم نظر قصىّ فرآه يوافق عبد مناة بن كنانة، فحوّله: عبد مناف. ذكره البرقي و الزبير أيضا، و فى المعيطى عن أبى نعيم قال: قت لمالك: ما كان اسم عبد المطلب؟ قال: شيبه. قلت:

فهاشم؟ قال: عمرو، قلت: فعبد مناف؟ قال: لا أدرى‏ (3).

قصى:

و قصىّ اسمه: زيد، و هو تصغير قصىّ أى: بعيد لأنه بعد عن عشيرته فى بلاد قضاعة حين احتملته أمه فاطمة مع رابّه‏ (4) ربيعة بن حرام، على‏

____________

(1) انظر ص 181 ج 2 المطبعة الحسينية تاريخ الطبرى.

(2) جعلته خادما له.

(3) و يقول ابن دريد فى الاشتقاق: «و مناف: صنم. و اشتقاقه من ناف ينوف، و أناف ينيف إذا ارتفع و علا. و النوف: السنام، و به سمى الرجل:

نوفا ... و اسم عبد مناف: المغيرة، و المغيرة: الخيل تغير على القوم، و فى التنزيل:

(فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً) العاديات: 3. و المغيرة: مفعلة من الغارة .. يقال:

أغار الرجل على القوم يغير إغارة، و الاسم الغارة، و موضع الغارة: مغار.

و يقال: أغرت الحبل أغيره إغارة إذا شددت فتله.

و يقال: غرت أهلى أغيرهم غيرة إذا مرتهم من الميرة «الميرة: الطعام يجمع للسفر» انظر ص 16 و ما بعدها: الاشتقاق لابن دريد مطبعة السنة المحمدية.

(4) الرابّ: زوج الأم يربى ابنها من غيره.

48

عبد مناف، و اسم عبد مناف: المغيرة بن قصىّ، بن كلاب، بن مرّة

____________

ما سيأتى بيانه فى الكتاب- إن شاء اللّه تعالى- و صغّر على فعيل و هو تصغير فعيل‏ (1)، لأنهم كرهوا اجتماع ثلاث ياءات، فحذفوا إحداهن و هى الياء الزائدة الثانية التي تكون فى فعيل نحو قضيب، فبقى على وزن فعيل، و يجوز أن يكون المحذوف لام الفعل، فيكون وزنه فعيّا، و تكون ياء التصغير هى الباقية مع الزائدة، فقد جاء ما هو أبلغ فى الحذف من هذا، و هى قراءة قنبل: يا بنى ببقاء ياء التصغير وحدها، و أما قراءة حفص يا بنىّ فإنما هى ياء التصغير مع ياء المتكلم، و لام الفعل محذوفة، فكان وزنه فعىّ و من كسر الياء: قال يا بنىّ فوزنه: يا فعيل، و ياء المتكلم هى المحذوفة فى هذه القراءة (2).

____________

(1) قال ابن دريد: «و قصى تصغير قاص، و إنما سمى قصيا، لأنه قصا عن قومه، فكان فى بنى عذرة مع أخيه لأمه: يقال قصا الرجل يقصو قصوا ..

و اسم قصى: زيد .. و زيد مصدر من زاد الشي‏ء يزيد زيدا».

و يذكر الطبرى أن كلابا والد قصى هلك بعد أن أنجب زهرة و زيدا- أى قصيا-، فتزوجت بربيعة بن حرام- و زهرة رجل- و زيد فطيم، فاحتملها إلى بلاده من أرض بنى عذرة من أشراف الشام، فاحتملت معها زيدا لصغره، و تخلف زهرة فى قوم .. و شب زيد فى حجر ربيعة، فنسمى زيد. قصيا لبعد داره عن دار قومه «الطبرى ص 81 ج 2.

(2) و يقول العكبرى فى إعراب يا بنى- ابن نوح- من سورة هود «يا بنى يقرأ بكسر الياء، و أصله. بنيى بياء التصغير و ياء هى لام الكلمة، و أصلها واو عند قوم، و ياء عند آخرين، و الياء الثالثة: ياء المتكلم، و لكنها حذفت لدلالة الكسرة عليها فرارا من توالى الياءات، و لأن النداء موضع تخفيف، و قيل حذفت من اللفظ لالتقائها مع الراء فى اركب، و يقرأ بالفتح- أى فتح الياء- و فيه-

49

..........

____________

كلاب:

و أما كلاب فهو منقول: إما من المصدر الذي هو معنى المكالبة نحو:

كالبت العدوّ مكالبة و كلابا، و إما من الكلاب جمع كلب، لأنهم يريدون الكثرة، كما سمّوا بسباع و أنمار (1). و قيل لأبى الرّقيش [الكلابى‏] (2)

____________

و جهان أحدهما: أنه أبدل الكسرة فتحة، فانقلبت ياء الإضافة ألفا، ثم حذفت الألف، كما حذفت الياء مع الكسرة لأنها أصلها، و الثانى أن الألف حذفت من اللفظ لالتقاء الساكنين.

و يقول البيضاوى فى تفسير قوله سبحانه: (يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا): «الجمهور كسروا الياء، لتدل على ياء الإضافة المحذوفة فى جميع القرآن غير ابن كثير؛ فإنه وقف عليها فى لقمان فى الموضع الأول باتفاق الرواة، و فى الثالث فى رواية قنبل و عاصم فإنه فتح هاهنا اقتصارا على الفتح من الألف المبدلة من ياء الإضافة» و أقول:

إذا أضيف المختوم بياء مشددة إلى ياء المتكلم تجمعت فيه ثلاث ياءات متوالية.

و هذا ممنوع فى الغالب. و لهذا يكون لمثل هذا الاسم ثلاث أحوال: حذف ياء المتكلم مع بقاء ما قبلها مكسورا فى كل حال؛ لتكون الكسرة دليلا على الياء المحذوفة. و الحال الثانية: قلب ياء المتكلم ألفا، ثم تحذف الألف مع فتح ما قبلها ليكون الفتح دليلا عليها. و الحال الأخيرة: حذف إحدى الياءين الأوليين و إدغام الثانية فى ياء المتكلم، فتنشأ ياء مشددة مكونة من ياءين، أولاهما: ساكنة، و الأخرى و هى ياء المتكلم مفتوحة، و صورة هذه كتلك السابقة. و يفضل النحاة الاقتصار على الحال الأولى. و إسكان الياء من بنى قراءة شاذة «شواذ القرآن لابن خالويه، ص 60.

(1) فى القاموس: المكالبة: المشارة و المضايقة. يقول ابن دريد: «و أهل الحجاز يسمون الجري‏ء الذي يخاصم الناس: مكالبا».

(2) الزيادة من القلائد للقلقشندى و هو الدقيش. فى اللسان: الدقشة «بفتح-

50

..........

____________

الأعرابى: لم تسمّون أبناءكم بشرّ الأسماء نحو: كلب و ذئب، و عبيدكم بأحسن الأسماء نحو: مرزوق و رباح؟ فقال: إنما نسمى أبناءنا لأعدائنا، و عبيدنا لأنفسنا، يريد أن الأبناء عدة الأعداء (1)، و سهام فى نحورهم، فاختاروا لهم هذه الأسماء.

مرة:

و مرّة منقول من وصف الحنظلة و العلقمة، و كثيرا ما يسمون بحنظلة و علقمة، و يجوز أن تكون الهاء للمبالغة، فيكون منقولا من وصف الرجل بالمرارة، و يقوّى هذا قولهم: تميم بن مرّ، و أحسبه من المسمّين بالنبات، لأن أبا حنيفة ذكر أن المرّة بقلة تقلع، فتؤكل بالخل و الزيت يشبه ورقها ورق الهندباء (2).

____________

الدال و سكون القاف و فتح الشين: دويبة رقشاء، و قيل: رقطاء أصغر من العظاءة.

و أبو الدقيش كنية. قال الأزهرى: أبو الدقيش كنية. و اسمه: الدّقش. قال يونس: سألت أبا الدقيش: ما الدقش؟ فقال: لا أدرى. قلت: ما الدقيش؟

فقال: و لا هذا. قلت: فاكتنيت بما لا تعرف ما هو؟!، قال: إنما الكنى و الأسماء علامات» و فى القاموس: الدّقشة بالفتح: دويبة رقطاء «أى سوداء يشوبها نقط بياض» أصغر من القطاة، أو طائر أرقش. «أى فيه نقط بياض و سواد». و الدّقش كالنقش و فى حياة الحيوان للدميرى: «الدّقيش بضم الدال و فتح القاف. طائر صغير أصغر من الصّرد. و تسميه العامة الدقناش» أقول: و الصرد طائر أكبر من العصفور ضخم الرأس و المنقار يصيد صغار الحشرات، و لم أجد الرقيش.

(1) فى القلائد للقلقشندى «معدة للأعداء»: ص 22

(2) فى القاموس: و المرة بالضم شجرة أو بقلة. و الهندباء أو الهندبا-

51

بن كعب بن لؤيّ بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة

____________

كعب:

و أما كعب فمنقول إما من الكعب الذي هو قطعة من السمن‏ (1)، أو من كعب القدم و هو عندى أشبة، لقولهم: ثبت ثبوت الكعب، و جاء فى خبر ابن الزّبير أنه كان يصلى عند الكعبة يوم قتل، و حجارة المنجنيق‏ (2) تمر بأذنيه، و هو لا يلتفت كأنه كعب راتب‏ (3).

و كعب ابن لؤيّ هذا أول من جمع يوم العروبة و لم تسمّ العروبة (4).

____________

بكسر الهاء و فتح الدال أو كسرها: بقل زراعى معروف حولىّ من الفصيلة المركبة، يطبخ ورقه أو تخلط به «السّلطة» و هو عند باعة الخضروات.

(1) فى القاموس «كتلة من السمن، و قدر صبّة من اللبن و فى الاشتقاق لابن دريد: بقية السمن فى النحى.

(2) آلة قديمة من آلات الحصار كانت ترمى بها حجارة ثقيلة على الأسوار؛ فتهدمها و هى مؤنثة معرّبة.

(3) أى ثابت.

(4) كان يوم الجمعة يسمى فى الجاهلية يوم العروبة، و قد ذكر فى تسميته بيوم الجمعة عدة أقوال، منها:

ما ذكر هنا، و منها ما أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين بسند صحيح إليه فى قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة، فصلى بهم، و ذكرهم، فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه، و قيل: سمى بهذا لاجتماع الناس للصلاة فيه، و بهذا جزم ابن حزم، و قال: إنه اسم إسلامى لم يكن فى الجاهلية، ورد الحافظ بأن أهل اللغة قالوا: إن العروبة اسم قديم كان للجاهلية، و قالوا فى الجمعة: هو يوم العروبة، فالظاهر أنهم غيروا الأسماء لسبعة الأيام- و كانت تسمى: (أول، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شيار) و ذكر الجوهرى أن العرب كانت تسمى يوم الاثنين أهون، و هذا يشعر بأنهم أحدثوا لها أسماء و هى هذه المتعارفة كالسبت و الأحد و دبار بضم الدال و كسرها.

52

..........

____________

الجمعة إلّا منذ جاء الإسلام فى قول بعضهم، و قيل هو أول من سمّاها الجمعة، فكانت قريش تجتمع إليه فى هذا اليوم، فيخطبهم‏ (1) و يذكّرهم بمبعث النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)(2)- و يعلمهم أنه من ولده، و يأمرهم باتباعه و الإيمان به، و ينشد فى هذا أبياتا منها قوله:

يا ليتني شاهد فحواء دعوته‏* * * إذا قريش تبغّى الحقّ خذلانا (3)

____________

(1) و ذكر مثل هذا الزبير فى كتاب النسب، و به جزم الفراء، و غيره.

و قيل إن قصيا هو الذي كان يجمعهم، ذكره ثعلب فى أماليه.

(2) التعبير الدقيق الذي ذكره الزبير فى كتاب النسب «و يأمرهم بتعظيم الحرم، و يخبرهم بأنه سيبعث نبى» و هذا يمكن تصديقه. ففى كتب أهل الكتاب بشارات بنبى يبعث اسمه أحمد. أما من أبوه و من أيّة قبيلة يكون؟ فهذا ما لم يكن معروفا لأحد بدليل أن محمدا نفسه لم يكن يعرف شيئا عن هذا قبل بعثه فاللّه يقول له- (وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى‏ إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ) القصص: 86. و يقول ابن كثير فى تفسيرها (أى ما كنت تظن قبل إنزال الوحى إليك أن الوحى ينزل عليك (إلا رحمة من ربك) أى إنما أنزل الوحى عليك من اللّه من رحمته بك و بالعباد بسببك) فكيف ننسب إلى كعب بن لؤيّ أنه كان يعلم ما لم يكن يعلمه الرسول- (صلى الله عليه و سلم)- عن نفسه؟! الحق أن مكانة الرسول- (صلى الله عليه و سلم)- فوق هذا، و لا تحتاج إلى أساطير كهذه لدعمها، فهو بالوحى فوق كل إنسان فى الوجود و إن كان مثلهم فى بشريته. و قد ذكر الزرقانى فى شرحه على المواهب أن ما أورده القسطلانى عن كعب- و هو نفس ما ذكره السهيلى- «قد رواه أبو نعيم فى الدلائل عن كعب الأحبار مطولا. و فى آخره: و كان بين موت كعب و مبعث النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- 560 سنة»

(3) الفحوى: معنى الكلام و لحنه و فيها لغات و يروى نجواء بدل فحواء، و (حين العشيرة تبغى) بدلا من (إذا-

53

..........

____________

و قد ذكر الماوردى هذا الخبر عن كعب فى كتاب الأحكام له.

لؤيّ:

و أما لؤيّ، فقال ابن الأنبارىّ هو تصغير اللّأى، و هو الثور الوحشى و أنشد:

يعتاد أدحية بقين بقفرة* * * ميثاء يسكنها اللّأى و الفرقد (1)

قال أبو حنيفة: اللّأى هى البقرة. قال: و سمعت أعرابيا يقول: بكم لاءك هذه، و أنشد فى وصف فلاة:

كظهر اللّأى لو يبتغى ريّة بها* * * نهارا لأعيت فى بطون الشّواجن‏ (2)

____________

- قريس تبغّى) و المعنى- كما ذكر الزرقانى- (يتمنى إدراك زمن دعوته- (صلى الله عليه و سلم)- للناس، و قريش يعارضونه، و يطلبون خذلان دينه؛ لينصره و يظهر دينه»

(1) يعتاد: ينتاب. الأدحية- و فيها لغات-: أمكنة بيض النعام. ميثاء: لينة سهلة. الفرقد: ولد البقر

(2) البيت للطرماح و هو فى اللسان: تبتغى على البناء للمجهول، و عيت بدلا من أعيت. و قد فسره بقوله:

هذه الصحراء كظهر بقرة وحشية ليس فيها أكمة و لا وهدة. و فى مكان آخر من اللسان فى مادة لأى:

كظهر اللأى لو يبتغى رية بها* * * لعنت و شقّت فى بطون الشواجن‏

يبتغى بالبناء للمجهول، و فتح زاء ريّة. و رواه فى مادة ورى. و شجن بروايات مختلفة.

54

..........

____________

الشواجن: شعب الجبال، و الرّية: مقلوب من ورى الزّند (1)، و أصله:

و رية، و هو الحراق الذي يشعل به الشررة من الزّند، و هو عندى تصغير لأى، و اللأى: البطء، كأنهم يريدون معنى الأناة، و ترك العجلة، و ذلك أنى ألفيته فى أشعار بدر مكبّرا على هذا اللفظ فى شعر أبى أسامة، حيث يقول:

فدونكم بنى لأى أخاكم‏* * * و دونك مالكا يا أمّ عمرو (2)

مع ما جاء فى بيت الحطيئة فى غيره:

أتت آل شمّاس بن لأى، و إنما* * * أتاهم بها الأحلام و الحسب العدّ (3)

و قوله أيضا:

فماتت أمّ جارة آل لأى‏* * * و لكن يضمنون لها قراها

____________

(1) ورى الزّند: خرجت ناره، و ورى الزّند كذلك و أورى الزّند خرجت ناره و أخرجها.

(2) ستأتى القصيدة كاملة فى الشعر الذي قيل فى قتلى بدر من المشركين.

و الشاهد فيه قوله: بنى لأى يريد: بنى لؤيّ.

(3) البيت فى اللسان و القصيدة فى الأغانى، و الحطيئة هو أبو مليكة جرول الشاعر المشهور. كان من أكبر الهجائين و المداحين فى عصره، و صم بدناءة الخلق و رقة الدين، إلا أن شعره طار بذكره. جاء عنه فى مهذب الأغانى: «و هو من فحول الشعراء و متقدميهم، و من فصحائهم، متصرف فى جميع فنون الشعر من المدح و الهجاء و الفخر و النسيب، مجيد فى ذلك أجمع» و هو مخضرم أدرك الجاهلية و الإسلام، فأسلم ثم ارتد» و البيت من عيون قصائده فى المدح. و الأحلام: جمع حلم: العقل و الأناة و ضبط النفس. و الحسب: ما يعدّه الإنسان من مناقبه أو شرف آبائه، و العدّ: القديم‏