الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - ج3

- عبد الرحمن السهيلي المزيد...
477 /
5

[مقدمة المحقق‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و به نستعين الحمد للّه و الصلاة و السلام على خاتم النبيين، و سيد ولد آدم أجمعين، محمد (صلوات اللّه و سلامه عليه)، و على آله الذين اهتدوا بهديه إلى يوم الدين.

«أما بعد» فباسم اللّه نقدم الجزء الثالث من «الروض الأنف» للسهيلى و السيرة النبوية لابن هشام، سائلين اللّه أن يعين على التمام، و أن يجعل عملنا هذا صالحة عنده. إنه سميع مجيب؟.

القاهرة- حلوان- مدينة الزهراء

عبد الرحمن الوكيل‏

6

[ابتداء ما افترض الله سبحانه و تعالى على النبيّ (صلى الله عليه و سلم) من الصلاة و أوقاتها]

ابتداء ما افترض الله سبحانه و تعالى على النبيّ (صلى الله عليه و سلم) من الصلاة و أوقاتها و افترضت الصلاة عليه، فصلّى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم و آله)، و السلام عليه و عليهم و رحمة اللّه و بركاته.

قال ابن إسحاق: و حدثني صالح بن كيسان عن عروة بن الزّبير، عن عائشة رضى اللّه عنها، قالت: افترضت الصلاة على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أوّل ما افترضت عليه ركعتين ركعتين، كلّ صلاة، ثم إن اللّه تعالى أتمها فى الحضر أربعا، و أقرها فى السفر على فرضها الأول ركعتين.

قال ابن إسحاق: و حدثني بعض أهل العلم: أن الصلاة حين افترضت على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، أتاه جبريل و هو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه فى ناحية الوادى، فانفجرت منه عين. فتوضأ جبريل (عليه السلام)، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ينظر إليه، ليريه كيف الطّهور للصلاة، ثم توضأ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كما رأى جبريل توضأ، ثم قام به جبريل، فصلى به، و صلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بصلاته، ثم انصرف جبريل (عليه السلام).

فجاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خديجة، فتوضأ لها ليريها كيف الطهور الصلاة، كما أراه جبريل فتوضأت كما توضأ لها رسول اللّه (عليه الصلاة و السلام)، ثم صلى بها رسول اللّه (عليه الصلاة و السلام)، كما صلى به جبريل، فصلّت بصلاته.

____________

..........

7

قال ابن إسحاق: و حدثني عتبة بن مسلم، مولى بنى تميم، عن نافع بن جبير بن مطعم- و كان نافع كثير الرواية- عن ابن عباس قال: لما افترضت الصلاة على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أتاه جبريل (عليه السلام)، فصلى به الظهر حين مالت الشمس، ثم صلى به العصر حين كان ظلّه مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر، ثم جاءه، فصلى به الظهر من غد حين كان ظله مثله، ثم صلى به العصر حين كان ظلّه مثليه، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل الأوّل، ثم صلى به الصبح مسفرا غير مشرق، ثم قال: يا محمد، الصلاة فيما بين صلاتك اليوم، و صلاتك بالأمس‏

[ذكر أن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه أول ذكر أسلم‏]

ذكر أن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه أول ذكر أسلم قال ابن إسحاق: ثم كان أوّل ذكر من الناس آمن برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و صلى معه، و صدّق بما جاءه من اللّه تعالى: علىّ بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم- (رضوان اللّه و سلامه عليه)- و هو يومئذ ابن عشر سنين.

و كان مما أنعم اللّه على علىّ بن أبى طالب رضى اللّه عنه، أنه كان فى حجر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبل الإسلام.

قال ابن إسحاق: و حدثني عبد اللّه بن أبى نجيح، عن مجاهد بن جبر بن أبى الحجّاج، قال: كان من نعمة اللّه على علىّ بن أبى طالب، و مما صنع اللّه له، و أراده به من الخير، أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، و كان أبو طالب ذا عيال‏

____________

..........

8

كثير، فقال رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- للعباس عمه، و كان من أيسر بنى هاشم: يا عبّاس، إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال، و قد أصاب النّاس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه، فلنخفّف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا، و تأخذ أنت رجلا، فنكلهما عنه، فقال العبّاس: نعم، فانطلقا، حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لى عقيلا، فاصنعا ما شئتما قال ابن هشام: و يقال: عقيلا و طالبا.

فأخذ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عليّا، فضمّه إليه، و أخذ العبّاس جعفرا فضمّه إليه، فلم يزل علىّ مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حتى بعثه اللّه تبارك و تعالى نبيا، فاتبعه علىّ رضى اللّه عنه، و آمن به و صدّقه، و لم يزل جعفر عند العبّاس، حتى أسلم و استغنى عنه.

أبو طالب يكتشف إيمان على:

قال ابن إسحاق: ذكر بعض أهل العلم أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، و خرج معه علىّ بن أبى طالب مستخفيا من أبيه أبى طالب، و من جميع أعمامه و سائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء اللّه أن يمكثا. ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما و هما يصليان، فقال لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا بن أخى! ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: أى عمّ هذا دين اللّه، و دين ملائكته، و دين رسله، و دين أبينا إبراهيم- أو كما قال (صلى الله عليه و سلم)- بعثنى اللّه به رسولا إلى العباد، و أنت أى عمّ، أحقّ من بذلت له النصيحة، و دعوته إلى الهدى،

____________

..........

9

و أحقّ من أجابنى إليه، و أعاننى عليه، أو كما قال. فقال أبو طالب: أى ابن أخى، إنى لا أستطيع أن أفارق دين آبائى، و ما كانوا عليه، و لكن و اللّه لا يخلص إليك بشي‏ء تكرهه ما بقيت.

و ذكروا أنه قال لعلىّ: أى بنىّ، ما هذا الدّين الذي أنت عليه؟ فقال:

يا أبت، آمنت باللّه و برسول اللّه، و صدّقته بما جاء به، و صلّيت معه للّه و اتبعته.

فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلّا إلى خير فالزمه.

[إسلام زيد بن حارثة ثانيا]

إسلام زيد بن حارثة ثانيا قال ابن إسحاق: ثم أسلم زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبد العزّى ابن امرئ القيس الكلبى، مولى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كان أوّل ذكر أسلم، و صلى بعد علىّ بن أبى طالب.

قال ابن هشام: زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزّى بن امرئ القيس بن النعمان بن عامر بن عبد ودّ بن عوف بن كنانة بن بكر ابن عوف بن عذرة بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة.

و كان حكيم بن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق، فيهم زيد بن حارثة و صيف.

فدخلت عليه عمته خديجة بنت خويلد، و هى يومئذ عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال لها: اختارى يا عمّة أىّ هؤلاء الغلمان شئت فهو لك، فاختارت زيدا فأخذته، فرآه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عندها، فاستوهبه منها، فوهبته له، فأعتقه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و تبنّاه، و ذلك قبل أن يوحى إليه.

____________

..........

10

و كان أبوه حارثة قد جزع عليه جزعا شديدا، و بكى عليه حين فقده، فقال:

بكيت على زيد و لم أدر ما فعل‏* * * أ حىّ، فيرجى أم أتى دونه الأجل‏

فو اللّه ما أدرى، و إنى لسائل‏* * * أغالك بعدى السّهل، أم غالك الجبل‏

و يا ليت شعرى هل لك الدهر أوبة* * * فحسبى من الدنيا رجوعك لى بجل‏

تذكّرنيه الشّمس عند طلوعها* * * و تعرض ذكراه إذا غربها أفل‏

و إن هبّت الأرواح هيّجن ذكره‏* * * فيا طول ما حزنى عليه و ما وجل‏

سأعمل نصّ العيس فى الأرض جاهدا* * * و لا أسأم التّطواف أو تسأم الإبل‏

حياتى أو تأتى علىّ منيتى‏* * * فكلّ امرئ فان، و إن غرّه الأمل‏

تم قدم عليه- و هو عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- فقال له رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم): إن شئت فأقم عندى، و إن شئت فانطلق مع أبيك، فقال: بل أقيم عندك. فلم يزل عند رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- حتى بعثه اللّه فصدّقه و أسلم، و صلّى معه، فلما أنزل اللّه عزّ و جلّ: «ادعوهم لآبائهم» الأحزاب: 5 قال: أنا زيد بن حارثة.

[إسلام أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه‏]

إسلام أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه قال ابن إسحاق: ثم أسلم أبو بكر بن أبى قحافة، و اسمه: عتيق، و اسم أبى قحافة: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب ابن لؤيّ بن غالب بن فهر.

قال ابن هشام: و اسم أبى بكر: عبد اللّه، و عتيق: لقب لحسن وجهه و عتقه‏

____________

..........

11

قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر رضى اللّه عنه: أظهر إسلامه، و دعا إلى اللّه و إلى رسوله.

و كان أبو بكر رجلا مؤلّفا لقومه، محبّبا سهلا، و كان أنسب قريش لقريش، و أعلم قريش بها، و بما كان فيها من خير و شرّ، و كان رجلا تاجرا، ذا خلق و معروف، و كان رجال قومه يأتونه، و يألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه و تجارته و حسن مجالسته، فجعل يدعو إلى اللّه، و إلى الإسلام من وثق به من قومه، ممّن يغشاه و يجلس إليه.

____________

فرض الصلاة و ذكر حديث عروة عن عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيد فى صلاة الحضر، و أقرّت صلاة السفر» (1)، و ذكر المزنىّ أن الصلاة قبل الإسراء (2) كانت صلاة قبل غروب الشمس، و صلاة قبل طلوعها، و يشهد لهذا القول قوله سبحانه: (وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ (3)) غافر: 55. و قال يحيى‏

____________

(1) البخاري و مسلم و مالك و أبو داود و النسائى.

(2) قال الحافظ فى الفتح: «كان (صلى الله عليه و سلم) قبل الإسراء يصلى قطعا، و كذلك أصحابه» أقول: و فى ختام سورة المزمل، و هى التي نزلت بعد القلم:

«و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة» آية: 20 و فى سورة القلم: «أ رأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى» و هى قطعا قبل الإسراء و فى المدثر بعدها عن المجرمين: (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) و آيات غيرها تؤكد أن الصلاة كانت مفروضة قبل الإسراء.

(3) لا تصلح دليلا لما يقول، إذ يمكن أن يفهم أن المقصود هو الأمر بالتسبيح طول اليوم.

12

..........

____________

ابن سلام مثله، و قال: كان الإسراء و فرض الصلوات الخمس قبل الهجرة بعام، فعلى هذا يحتمل قول عائشة: فزيد فى صلاة الحضر، أى: زيد فيها حين أكملت خمسا، فتكون الزيادة فى الركعات، و فى عدد الصلوات، و يكون قولها:

«فرضت الصلاة ركعتين» أى: قبل الإسراء، و قد قال بهذا طائفة من السّلف، منهم: ابن عباس، و يجوز أن يكون معنى قولها: فرضت الصلاة: أى ليلة الإسراء، حين فرضت الخمس فرضت ركعتين ركعتين، ثم زيد فى صلاة الحضر بعد ذلك، و هذا هو المروى عن بعض رواة هذا الحديث عن عائشة، و من رواه هكذا الحسن و الشّعبىّ أن الزيادة فى صلاة الحضر كانت بعد الهجرة بعام، أو نحوه، و قد ذكره أبو عمر، و قد ذكر البخاري من رواية معمر عن الزّهرىّ عن عروة عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم هاجر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى المدينة، ففرضت أربعا، هكذا لفظ حديثه و هاهنا سؤال يقال: هل هذه الزيادة فى الصلاة نسخ أم لا؟ فيقال: أما زيادة ركعتين أو ركعة إلى ما قبلها من الركوع حتى تكون صلاة واحدة، فنسخ لأن النسخ رفع الحكم، و قد ارتفع حكم الإجزاء من الركعتين، و صار من سلّم منهما عامدا أفسدهما، و إن أراد أن يتم صلاته بعد ما سلم، و تحدث عامدا لم يجزه إلا أن يستأنف الصلاة من أولها، فقد ارتفع حكم الإجزاء بالنّسخ، و أما الزيادة فى عدد الصلوات حين أكملت خمسا بعد ما كانت اثنتين، فيسمّى نسخا على مذهب أبى حنيفة، فإن الزيادة عنده على النص نسخ، و جمهور المتكلمين على أنه ليس بنسخ و لاحتجاج الفريقين موضع غير هذا (1).

____________

(1) ليس فى القرآن آية منسوخة بالمعنى الذي فسر به النسخ علماء الأصول. و الآيات التي-

13

..........

____________

الوضوء:

فصل: و ذكر نزول جبريل (عليه السلام) بأعلى مكة حين همز له بعقبه، فأنبع الماء، و علمه الوضوء، و هذا الحديث مقطوع فى السيرة، و مثله لا يكون أصلا فى الأحكام الشرعية، و لكنه قد روى مسندا إلى زيد بن حارثة- يرفعه- غير أن هذا الحديث المسند يدور على عبد اللّه بن لهيعة و قد ضعّف، و لم يخرج عنه مسلم و لا البخاري؛ لأنه يقال: إن كتبه احترقت، فكان يحدث من حفظه، و كان مالك بن أنس يحسن فيه القول، و يقال إنه الذي روى عنه حديث بيع العربان‏ (1) فى الموطأ مالك، عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب، فيقال: إن الثقة هاهنا ابن لهيعة، و يقال: إن ابن وهب حدث به عن ابن لهيعة، و حديث ابن لهيعة هذا، أخبرنا به أبو بكر الحافظ محمد ابن العربى قال: نا أبو المطهر سعد بن عبد اللّه بن أبى الرجاء، عن أبى نعيم الحافظ قال: نا أبو بكر أحمد بن يوسف العطار قال: نا الحارث بن أبى أسامة، قال:

نا الحسن بن موسى عن ابن لهيعة، عن عقيل بن خالد عن الزهرى، عن عروة عن أسامة بن زيد، قال: حدثني أبى زيد بن حارثة أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه‏

____________

- زعموا أنها منسوخة هى آيات يجب العمل بها. كل آية فى المصحف الذي بأيدينا يجب تدبرها و العمل بمقتضاها. و لنحذر من القول بنسخ آية فيه فنحكم ببطلان ما هو حق.

(1) بيع العربان هو أن يشترى السلعة، و يدفع إلى صاحبها شيئا، على أنه إن أمضى البيع حسب من الثمن، و إن لم يمض البيع كان لصاحب السلعة، و لم يرجعه المشترى، و هو بيع باطل عند الفقهاء لما فيه من الشرط و الغرر و أجازه أحمد، قال ابن الأثير، و حديث النّهى منقطع «مفردات ابن الأثير و اللسان».

14

..........

____________

و سلم- فى أول ما أوحى إليه أتاه جبريل (عليه السلام)، فعلمه الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء، فنضح بها فرجه، و حدثنا به أيضا أبو بكر محمد ابن طاهر، عن أبى على الغسانى عن أبى عمر النّمرىّ، عن أحمد بن قاسم، عن قاسم بن اصبغ، عن الحارث بن أبى أسامة بالإسناد المتقدم، فالوضوء على هذا الحديث مكّىّ بالفرض، مدنىّ بالتّلاوة، لأن آية الوضوء مدنية (1)، و إنما قالت عائشة: فأنزل اللّه تعالى آية التيمم، و لم تقل: آية الوضوء، و هى هى؛ لأن الوضوء قد كان مفروضا قبل، غير أنه لم يكن قرآنا يتلى، حتى نزلت آية المائدة.

إمامة جبريل:

و ذكر حديث عبد اللّه بن عباس فى إمامة جبريل للنبى- (صلى الله عليه و سلم)-

____________

(1) يقول ابن حجر فى الفتح عن حديث ابن لهيعة: و هو مرسل، و وصله أحمد من طريق ابن لهيعة، لكن قال: عن الزهرى عن عروة عن أسامة بن زيد عن أبيه، و أخرجه ابن ماجة من رواية راشد بن سعد عن عقيل عن الزهرى نحوه، لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند، و أخرجه الطبرانى فى الأوسط من طريق الليث عن عقيل موصولا، و لو ثبت لكان على شرط الصحيح. لكن المعروف رواية ابن لهيعة. هذا و قد روى حديث صلاة جبريل بالرسول أبو داود و الترمذى مع اختلاف يسير عما في السيرة، و قال الترمذى: حسن صحيح، و صححه الحاكم و الذهبي و النووى و غيرهم من «المشكاة». و عن ابن مسعود عن النبي «نزل جبريل فأمنى، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات.- زاد في رواية- ثم قال: بهذا أمرت «رواه الخمسة إلا الترمذى- التاج».

15

..........

____________

و تعليمه إيّاه أوقات الصلوات الخمس فى اليومين، و هذا الحديث لم يكن ينبغى له أن يذكره في هذا الموضع؛ لأنّ أهل الصحيح متفقون على أن هذه القصة، كانت في الغد من ليلة الإسراء، و ذلك بعد ما نبّئ بخمسة أعوام، و قد قيل إن الإسراء كان قبل الهجرة بعام و نصف، و قيل: بعام، فذكره ابن إسحاق فى بدء نزول الوحى، و أول أحوال الصلاة.

أول من آمن:

و ذكر أن أول ذكر آمن باللّه علىّ- رضى اللّه عنه-، و سيأتى قول من قال:

أول من أسلم أبو بكر، و لكن ذلك- و اللّه أعلم- من الرجال؛ لأن عليا كان حين أسلم صبيّا لم يدرك، و لا يختلف أن خديجة هي أول من آمن باللّه، و صدق رسوله، و كان علىّ أصغر من جعفر بعشر سنين‏ (1)، و جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين، و عقيل أصغر من طالب بعشر سنين، و كلهم أسلم إلا طالبا اختطفته الجن، فذهب و لم يعلم بإسلامه‏ (2)، و أمّ علىّ: فاطمة بنت أسد بن هاشم، و قد أسلمت، و هي إحدى الفواطم التي قال فيهن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- لعلىّ رضى اللّه عنه: اقسمه بين الفواطم الثلاث، يعنى ثوب حرير، قال القتبىّ.

يعنى: فاطمة بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و فاطمة بنت أسد، و لا أدرى من الثالثة، و رواه عبد الغنى بن سعيد: اقسمه بين الفواطم الأربع، و ذكر

____________

(1) هو كما قال فى نسب قريش ص 39.

(2) خرافة.

16

..........

____________

فاطمة بنت حمزة مع اللتين تقدمتا، و قال: لا أدرى من الرابعة، قاله فى كتاب الغوامض و المبهمات‏ (1).

إسلام زيد:

فصل: و ذكر حديث زيد بن حارثة، و قال فيه: حارثة بن شرحبيل، و قال: ابن هشام شراحيل، قال أصحاب النسب كما قال ابن هشام، و رفع نسبه إلى كلب بن وبرة، و وبرة هو: ابن ثعلب بن حلوان بن الحاف بن قضاعة (2)، و أم زيد:

____________

(1) استدل من حكموا بسبق على بحديث عند الطبرانى أن النبيّ «ص» صلى أول يوم الاثنين، و صلت خديجة آخره، و صلّى على يوم الثلاثاء. و بما جاء في المستدرك للحاكم: نبئ النبيّ يوم الاثنين، و أسلم على يوم الثلاثاء. و إلى هذا ذهب سلمان و خباب و جابر و أبو سعيد الخدرى، و بما جاء فى الطبرانى عن الحسن و غيره: كان أول من آمن على بن أبى طالب، و هو ابن خمس عشرة سنة، أو ست عشرة. بينما روى عن عروة أنه أسلم و هو ابن ثمان سنين و فيه ابن لهيعة، و فيه ضعف.

(2) فى جمهرة ابن حزم: حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.

و جاء فى مجمع الزوائد عن نسبه: بن رفيدة بن كليب بن وبرة بن الحارث بن قضاعة و فى جمهرة ابن حزم: زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن عامر بن النعمان ابن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة ابن كلب بن وبرة، و نسبه في الإصابة: زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد ود بن عوف ابن كنانة بن بكر بن عوف بن زيد اللات بن ثور بن كلب بن وبرة الكلبى و ما سأزيده بين قوسين فى نسب أمه من الإصابة.

هذا و قد اتفق على أنه أول من أسلم من الموالى. و قيل إن حكيم بن حزام اشتراه لعمته خديجة بأربعمائة درهم كما جاء فى الإصابة. أما كونه أول ذكر أسلم، فهو فى حديث مرسل عند الطبرانى كما فى السيرة. و فى مجمع الزوائد أن خديجة رضى اللّه عنها هى التي استوهبته.

17

..........

____________

سعدى بنت ثعلبة [بن عبد عامر] من بنى معن من طيّئ، و كانت قد خرجت بزيد لتزيره أهلها، فأصابته خيل من بنى القين بن جسر، فباعوه بسوق حباشة، و هو من أسواق العرب، و زيد يومئذ ابن ثمانية أعوام، ثم كان من حديثه ما ذكر ابن إسحاق، و لما بلغ زيدا قول أبيه: بكيت على زيد، و لم أدر ما فعل.

الأبيات. قال بحيث يسمعه الرّكبان:

أحن إلى أهلى، و إن كنت نائيا* * * بأنى قعيد البيت عند المشاعر

فكفّوا من الوجد الذي قد شجاكم‏* * * و لا تعملوا فى الأرض نص الأباعر

فإنى بحمد اللّه فى خير أسرة* * * كرام معدّ كابرا بعد كابر

فبلغ أباه‏ (1) قوله، فجاء هو و عمه كعب، حتى و قفا على رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- بمكة، و ذلك قبل الإسلام، فقالا له: يا ابن عبد المطلب، يا بن سيد قومه، أنتم جيران اللّه، و تفكون العانى، و تطعمون الجائع، و قد جئناكم فى ابننا عبدك‏ (2)، لتحسن إلينا فى فدائه، فقال: أو غير ذلك؟ فقالا: و ما هو؟

فقال: أدعوه و أخيره، فإن اختاركما فذاك، و إن اختارنى فو اللّه ما أنا بالذى‏

____________

(1) فى الإصابة أن بعض الحجاج رأوا زيدا فعرفهم و عرفوه، فطلب منهم أن يبلغوا أباه:

أحن إلى قومى و إن كنت نائيا* * * بأنى قطين البيت عند المشاعر

فانطلق الحجاج، و أعلموا أباه، و وصفوا له موضعه‏

(2) فى رواية: عندك.

18

..........

____________

أختار على من اختارنى‏ (1) أحدا، فقالا له: قد زدت على النّصف، فدعاه رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فلما جاء قال: من هذان؟ فقال: هذا أبى حارثة بن شراحيل، و هذا عمى: كعب بن شراحيل، فقال: قد خيرتك إن شئت ذهبت معهما، و إن شئت أقمت معى، فقال: بل أقيم معك‏ (2)، فقال له أبوه: يا زيد أ تختار العبودية [على الحرية و] على أبيك‏ (3) و أمك و بلدك و قومك؟! فقال: إنى قد رأيت من هذا الرجل شيئا، و ما أنا بالذى أفارقه أبدا فعند ذلك أخذ رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- بيده، و قام به إلى الملأ من قريش‏ (4)، فقال: اشهدوا أن هذا ابنى، وارثا و موروثا، فطابت نفس أبيه عند ذلك، و كان يدعى: زيد بن محمد، حتى أنزل اللّه تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ‏ (5) الأحزاب: 5.

و فى الشعر الذي ذكره ابن إسحاق لحارثة بعد قوله:

حياتى و إن تأتى‏ (6)علىّ منيّتى‏* * * فكل امرئ فان و إن غره الأمل‏

____________

(1) فى الإصابة: «فامنن علينا، و أحسن فى فدائه، فإنا سنرفع لك. قال:

و ما ذاك؟ قالوا: زيد بن حارثة: فقال: أو غير ذلك!. ادعوه، فخيروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، و إن اختارنى فو اللّه ما أنا بالذى أختار على من اختارنى فداء»

(2) فى الإصابة: «أنت منى بمكان الأب و العم».

(3) الزيادة من الإصابة

(4) و قد أخرجه إلى الحجر كما ورد فى الإصابة

(5) عن عبد اللّه بن عمر، قال: «إن زيد بن حارثة- رضى اللّه عنه- مولى رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ» الصحيحان و الترمذى و النسائى‏

(6) فى السيرة: أو تأتى‏

19

..........

____________

سأوصى به قيسا و عمرا كليهما* * * و أوصى يزيد ثم أوصى به جبل‏ (1)

يعنى: يزيد بن كعب [بن شراحيل‏] و هو ابن عم زيد و أخوه [لأمه‏] (2) و يعنى بجبل: جبلة بن حارثة أخا زيد، و كان أسنّ منه. سئل جبلة: من أكبر أنت أم زيد؟ فقال: زيد أكبر منى، و أنا ولدت قبله، يريد: أنه أفضل منه بسبقه للإسلام‏ (3).

إسلام أبى بكر:

فصل: و ذكر إسلام أبى بكر و نسبه، قال: و اسمه: عبد اللّه، و سمى عتيقا لعتاقه وجهه، و العتيق: الحسن‏ (4) كأنه أعتق من الذم و العيب- و قيل: سمى عتيقا؛ لأن أمه كانت لا يعيش لها ولد، فنذرت إن ولد لها ولد أن تسميه: عبد الكعبة، و تتصدق به عليها، فلما عاش و شبّ، سمى: عتيقا، كأنه أعتق من الموت‏ (5)، و كان يسمى أيضا: عبد الكعبة إلى أن أسلم، فسماه رسول اللّه-

____________

(1) فى الإصابة: ثم من بعدهم حبل‏

(2) الزيادة من الإصابة

(3) ورد فى البخاري عن ابن عمر: (قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

و أيم اللّه إن كان لخليقا للامارة- يعنى: زيد بن حارثة- و إن كان من أحب الناس إلى» هذا و قد قتل زيد فى غزوة مؤتة، و هو أمير سنة 8 هجرية

(4) العتق أيضا الكرم و النجابة و الشرف و الحرية.

(5) فى الإصابة: فلمّا ولدته استقبلت به البيت، فقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت، فيه لى، و قيل: لقب بهذا لأنه قديم فى الخير، أو لأنه لم يكن فى نسبه شي‏ء يعاب به أهله.

20

..........

____________

(صلى الله عليه و سلم)-: عبد اللّه‏ (1)، و قيل: سمى: عتيقا؛ لأن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- قال له حين أسلم: أنت عتيق من النار (2)، و قيل: كان لأبيه ثلاثة من الولد: معتق و معيتق و عتيق‏ (3)، و هو: أبو بكر (4)، و سئل ابن معين عن أم أبى بكر فقال: أم الخير عند اسمها، و هى: أمّ الخير بنت صخر بن عمرو (5) بنت عم أبي قحافة، و اسمها: سلمى، و تكنى: أم الخيرة، و هى من المبايعات، و أما أبوه عثمان أبو قحافة فأمّه: قيلة- بياء باثنتين منقوطة من أسفل- بنت أذاة بن رياح بن عبد اللّه بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب. و امرأة أبى بكر أم ابنه عبد اللّه و أسماء: قتلة بنت عبد العزّى بتاء منقوطة باثنتين من فوق، و قيل فيها: بنت عبد أسعد بن نصر بن حسل بن عامر

____________

(1) عند سعيد بن منصور عن عائشة: قالت: اسم أبى بكر الذي سماء عبد اللّه. و لكن غلب عليه اسم عتيق، و قال مصعب الزبيرى: قيل له عتيق لأنه، لم يكن فى نسبه شي‏ء يعاب به.

(2) فى الترمذى: قالت عائشة: «دخل أبو بكر على رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فقال: أنت عتيق اللّه من النار. قالت: فمن يومئذ سمى: عتيقا» و فى أبى يعلى بسنده إلى عائشة: «من سره أن ينظر إلى عتيق من النار، فلينظر إلى أبى بكر».

(3) فى جمهرة ابن حزم: «ولد أبى قحافة أبو بكر، و اسمه عبد اللّه، و عتيق و معتق لا عقب لهما» ص 127.

(4) ورد نسب أبى بكر فى جمهرة ابن حزم، و فى نسب قريش كما هو فى السيرة أما فى الاشتقاق لابن دريد، فليس فيه عمرو، و فى تهذيب الأسماء و اللغات النووى «عمير» بدلا من عمرو «انظر ص 275 نسب قريش».

(5) فى الإصابة، و فى نسب قريش؛ و فى تهذيب النووى، و فى جمهرة ابن حزم: عامر.

21

..........

____________

و هو قول الزبير (1) و ذكر أن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- عرض عليه الإسلام، فما عكم عند ذلك، أي: ما تردد، و كان من أسباب توفيق اللّه إياه- فيما ذكر- رؤيا رآها قبل ذلك، و ذلك أنه رأى القمر ينزل إلى مكة، ثم رآه قد تفرق على جميع منازل مكة و بيوتها، فدخل فى كل بيت منه شعبة، ثم كأنه جمع فى حجره، فقصّها على بعض الكتابيين، فعبرها له بأن النبيّ المنتظر الذي قد أظل زمانه تتبعه، و تكون أسعد الناس به، فلما دعاه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى الإسلام، لم يتوقف، و فى مدح حسّان الذي قاله فيه، و سمعه النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، و لم ينكره دليل على أنه أول من أسلم من الرجال، و فيه:

خير البرية أتقاها، و أفضلها* * * بعد النبيّ، و أوفاها بما حملا

و الثاني التالى المحمود مشهده‏* * * و أول الناس قدما صدّق الرّسلا (2)

____________

(1) نسبها فى نسب قريش لأبى عبد اللّه الزبيرى: قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسعد بن نصر بن مالك بن حسل ص 276 و فى جمهرة ابن حزم: نتيلة بنت عبد العزى بن عبد بن سعد بن جابر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ ص 127

(2) قبلهما:

إذا تذكرت شجوا من أخى ثقة* * * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

و قيل: إن ابن عباس كان يستشهد بهذه الأبيات على أولية إسلام أبى بكر، و فى الروض جاء الشطر الثانى من البيت الثانى هكذا: «و الثانى التالى صدق المرسلا» و قد روى هذا ابن عبد البر و الطبرانى فى الكبير. و قد توفى أبو بكر رضى اللّه عنه فى 4 من جمادى الأولى سنة 13 من الهجرة، و هو ابن ثلاث و ستين ولد بعد الفيل بسنتين و ستة أشهر. و أولاده: عبد اللّه و عبد الرحمن و محمد و عائشة و أسماء و أم كلثوم.

و أم عائشة و عبد الرحمن: أم رومان بنت عامر بن عمير بن ذهل بن دهمان بن الحارث بن تيم بن مالك بن كنانة، و فى جمهرة ابن حزم، و فى نسب قريش: بنت عبد شمس بن عتّاب بن أذينة بن سبيع بن عامر بن عويمر بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة. نسب قريش 276.

22

[الذين أسلموا بدعوة أبى بكر]

الذين أسلموا بدعوة أبى بكر فأسلم بدعائه- فيما بلغنى- عثمان بن عفّان بن أبى العاص بن أميّة ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ ابن غالب، و الزّبير بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ.

و عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ.

و سعد بن أبى وقّاص، و اسم أبى وقّاص: مالك بن أهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ.

و طلحة بن عبيد اللّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤيّ، فجاء بهم إلى رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- حين استجابوا له، فأسلموا و صلّوا، و كان رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- يقول فيما بلغنى: ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة، و نظر و تردّد، إلا ما كان من أبى بكر بن أبي قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له، و ما تردّد فيه.

قال ابن هشام: قوله: «بدعائه» عن غير ابن إسحاق.

قال ابن هشام: قوله: عكم: تلبّث. قال رؤبة بن العجّاج:

____________

..........

23

و الصاع وثّاب بها و ما عكم‏

قال ابن إسحاق: فكان هؤلاء النّفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام فصلّوا و صدّقوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بما جاءه من اللّه.

ثم أسلم أبو عبيدة، و اسمه: عامر بن عبد اللّه بن الجرّاح بن هلال بن أهيب بن ضبّة بن الحارث بن فهر. و أبو سلمة، و اسمه: عبد اللّه بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة بن كعب ابن لؤيّ.

و الأرقم بن أبي الأرقم. و اسم أبى الأرقم: عبد مناف بن أسد- و كان أسد يكنى: أبا جندب- بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة بن كعب ابن لؤيّ. و عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو ابن هصيص بن كعب بن لؤيّ. و أخواه: قدامة و عبد اللّه ابنا مظعون بن حبيب و عبيدة بن الحارث بن المطّلب بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ، و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزّى بن عبد اللّه بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدىّ بن كعب بن لؤيّ، و امرأته: فاطمة بنت الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى بن عبد اللّه بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدىّ ابن كعب بن لؤيّ، أخت عمر بن الخطّاب. و أسماء بنت أبى بكر. و عائشة بنت أبى بكر، و هى يومئذ صغيرة. و خبّاب بن الأرتّ، حليف بنى زهرة.

قال ابن هشام: خبّاب بن الأرتّ من بنى تميم، و يقال: هو من خزاعة.

____________

..........

24

قال ابن إسحاق: و عمير بن أبى وقّاص، أخو سعد بن أبى وقّاص.

و عبد اللّه بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل ابن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل حليف بنى زهرة، و مسعود بن القارى، و هو مسعود بن ربيعة بن عمرو بن سعد بن عبد العزّى بن حمالة بن غالب بن محلّم بن عائذة بن سبيع بن الهون بن خزيمة من القارة.

قال ابن هشام: و القارة: لقب، و لهم يقال:

قد أنصف القارة من راماها

و كانوا قوما رماة.

قال ابن إسحاق: و سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر. و عيّاش ابن أبى ربيعة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة ابن كعب بن لؤيّ. و امرأته أسماء بنت سلّامة بن مخرّبة التميمية.

و خنيس بن حذافة بن قيس بن عدىّ بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤيّ. و عامر بن ربيعة بن عنز بن وائل، حليف آل الخطّاب ابن نفيل بن عبد العزّى.

قال ابن هشام: عنز بن وائل أخو بكر بن وائل، من ربيعة بن نزار.

قال ابن إسحاق: و عبد اللّه بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن‏

____________

..........

25

مرّة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. و أخوه: أبو أحمد بن جحش، حليفا بنى أميّة بن عبد شمس. و جعفر بن أبى طالب، و امرأته:

أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة، من خثعم، و حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ، و امرأته فاطمة بنت المجلّل بن عبد اللّه أبى قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر- و أخوه خطّاب بن الحارث، و امرأته فكيهة بنت يسار. و معمر بن الحارث ابن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ. و السائب بن عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب. و المطّلب ابن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ، و امرأته: رملة بنت أبى عوف بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ. و النّحّام، و اسمه:

نعيم بن عبد اللّه بن أسيد، أخو بنى عدىّ بن كعب بن لؤيّ.

قال ابن هشام: هو نعيم بن عبد اللّه بن أسيد بن عبد اللّه بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدىّ بن كعب بن لؤيّ، و إنما سمّى النّحّام، لأن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- قال: لقد سمعت نحمه فى الجنة.

قال ابن هشام: نحمه: صوته و حسّه.

قال ابن إسحاق: و عامر بن فهيرة، مولى أبى بكر الصّدّيق رضى اللّه عنه‏

____________

..........

26

قال ابن هشام: عامر بن فهيرة مولّد من مولّدى الأسد، أسود اشتراه أبو بكر رضى اللّه عنه منهم.

قال ابن إسحاق: و خالد بن سعيد بن العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ، و امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو، من خزاعة.

قال ابن هشام: و يقال: همينة بنت خلف.

قال ابن إسحاق: و حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر. و أبو حذيفة، و اسمه:

مهشم- فيما قال ابن هشام- بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ. و واقد بن عبد اللّه بن عبد مناف ابن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، حليف بنى عدىّ بن كعب.

قال ابن هشام: جاءت به باهلة، فباعوه من الخطاب بن نفيل، فتبنّاه، فلمّا أنزل اللّه تعالى: «ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ» الأحزاب: 5 قال: أنا واقد بن عبد اللّه، فيما قال أبو عمرو المدنى.

قال ابن إسحاق: و خالد و عامر و عاقل و إياس بنو البكير ابن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة من بنى سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة حلفاء بنى‏

____________

..........

27

عدىّ بن كعب. و عمّار بن ياسر، حليف بنى مخزوم بن يقظة.

قال ابن هشام: عمّار بن ياسر عنسىّ من مذحج.

قال ابن إسحاق: و صهيب بن سنان، أحد النّمر بن قاسط، حليف بنى تيم بن مرّة.

قال ابن هشام: النّمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد ابن ربيعة بن نزار، و يقال: أفصى بن دعمىّ بن جديلة بن أسد، و يقال:

صهيب: مولى عبد اللّه بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم.

و يقال: إنه رومىّ. فقال بعض من ذكر أنه من النّمر بن قاسط: إنما كان أسيرا فى أرض الروم، فاشترى منهم، و جاء فى الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه و سلم): صهيب سابق الروم.

____________

إسلام أبى عبيدة و سعيد بن زيد:

و ذكر إسلام أبى عبيدة بن الجرّاح و اسمه، و قد اختلف فيه، فقيل:

عبد اللّه بن عامر، و قيل: عامر بن عبد اللّه. و أمه: أميمة بنت غنم بن جابر ابن عبد العزّى بن عامرة بن وديعة بن الحارث بن فهر، قاله الزبير (1).

و ذكر إسلام سعيد بن زيد، و قد ذكرناه فيما مضى، و ذكرنا أمّه فاطمة بنت بعجة (2) بن خلف الخزاعية، و ما وقع فى نسبه من التقديم و التأخير، و من‏

____________

(1) فى ص 445 من نسب قريش لأبى عبد اللّه الزبيرى، و فى التهذيب النووى أميمة بنت جابر.

(2) فى الإصابة: بعجة بن مليح.

28

..........

____________

الفتح فى رزاح بن عدى و الكسر، و أن رزاح بن ربيعة هو الذي لم يختلف فى كسر الراء منه، و يكنى سعيد: أبا الأعور، توفى بأرضه بالعقيق، و دفن بالمدينة فى أيام معاوية سنة خمسين، و هو ابن بضع و سبعين سنة، روى عنه ابن عمر، و عمرو بن حريث، و أبو الطّفيل عامر بن واثلة و جماعة من التابعين‏ (1)، و لم يرو عن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- إلا حديثين‏ (2). أحدهما: «من غصب شبرا من أرض طوّقه يوم القيامة من سبع أرضين‏ (3)» و هو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- بالجنة، و أحد الذين رجف بهم الجبل، فقال له النبيّ (صلى الله عليه و سلم):

«اثبت حراء؛ فإنما عليك نبىّ أو صديق أو شهيد (4)» و يروى: اثبت أحد (5)،

____________

(1) من كبارهم: أبو عثمان النهدى، و ابن المسيب، و قيس بن أبى حازم و غيرهم‏

(2) فى ذخائر المواريث ذكر له عشرة أحاديث.

(3) رواه البخاري فى المظالم و بدء الخلق، و مسلم فى البيوع‏

(4) بعد هذا ورد: «قيل: و من هم؟ قال: رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أبو بكر و عمر و عثمان و على و طلحة و الزبير و سعد و عبد الرحمن بن عوف. قيل:

و من العاشر؟ قال- أى سعيد بن زيد راوي الحديث- أنا» رواه الترمذى و أبو داود.

(5) روى قصة أحد البخاري و أحمد و الترمذى و النسائى و أبو حاتم و أبو داود. و الذين كانوا معه: أبو بكر، و عمر و عثمان و فيه: «فإنما عليك نبى و صديق و شهيدان» و حديث ثبير- و هو جبل بالمزدلفة على يسار الذاهب إلى منى- عن ثمامة بن شراحيل اليمانى. و الذين كانوا مع الرسول (صلى الله عليه و سلم) هم: أبو بكر و عمر و عثمان. و فيه: فإنما عليك نبى و صديق و شهيدان. و قد أخرجه النسائى و الترمذى و الدّارقطني. و فى حديث حراء المروى عن أبى هريرة أمه كان معه أبو بكر-

29

..........

____________

و أن القصة كانت فى جبل أحد، و يروى أنها كانت فى جبل ثبير ذكره الترمذى، و أنهم كانوا أربعة مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هم الخلفاء الأربعة، و لعل هذا أن يكون مرارا، فتصح الأحاديث كلها، و اللّه أعلم.

إسلام سعد و ابن عوف و النحام:

و ذكر فيمن أسلم بعد أبى بكر سعد بن أبى وقّاص، و اسم أبى وقاص: مالك بن أهيب، و أهيب: هو عم آمنة بنت وهب أم النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- و الوقاص فى اللغة، هو واحد الوقاقيص و هى شباك يصطاد بها الطير، و هو أيضا فعّال من وقص إذا انكسر عنقه، و أمّ سعد: حمنة (1) بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، يكنى: أبا إسحاق، و هو أحد العشرة، دعا له النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- أن يسدّد اللّه سهمه، و أن يجيب دعوته، فكان دعاؤه أسرع الدعاء إجابة (2). و فى الحديث أن‏

____________

- و عمر و عثمان و طلحة و الزبير، و فى رواية: و سعد بن أبى وقاص، و لم يذكر عليا فى هذه الرواية، و فيه: فما عليك إلا نبى أو صديق أو شهيد. و قد خرجهما مسلم، و الترمذى، و ذكر عليا، و لم يذكر سعدا. و لكن الثابت أن سعدا مات بقصره بالعقيق قرب المدينة. و لم يستشهد.

(1) فى الإصابة: حمزة، و لعله خطأ مطبعى، و كانت غير واضحة فى الروض فأثبتها من نسب قريش ص 263.

(2) فى البخاري و مسلم و الترمذى أن الرسول «ص» كان يقول له يوم أحد «ارم، فداك أبى و أمى». و زاد الترمذى أيها الغلام الحزور «الشديد القوى» و روى البخاري عن سعد: «لقد مكثت ثلاثة أيام، و إنى لثلث الإسلام» يعنى ثالث رجل أسلم، و روى الترمذى: اللهم استجب لسعد إذا دعاك. مات سعد-

30

..........

____________

رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: احذروا دعوة سعد. مات فى خلافة معاوية.

و ذكر عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث ابن زهرة (1)، و هو أيضا أحد العشرة يكنى: أبا محمد، أمّه: الشّفاء بنت عوف ابن عبد بن الحارث‏ (2) و هى بنت عم عوف والد عبد الرحمن بن عوف، فأبوها: عوف عم عوف و أخو عبد عوف.

____________

- رضى اللّه عنه بالعقيق، و حمل إلى المدينة، و قال الواقدى: أثبت ما قيل فى وقت وفاته أنها سنة خمس و خمسين، و هو الذي بنى الكوفة، و فتح مدائن كسرى و اعتزل الفتنة. و عن عائشة قالت: سهر رسول اللّه «ص» مقدمه المدينة ليلة، فقال: ليت رجلا صالحا من أصحابى يحرسنى الليلة، قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: من هذا؟ قال: سعد بن أبى وقاص، فقال له رسول اللّه:

ما جاء بك؟ فقال: وقع فى نفسى خوف فجئت أحرسك، فدعا له رسول اللّه «ص» ثم نام. رواه البخاري و مسلم و الترمذى و النسائى.

(1) نسبه هكذا فى نسب قريش، و قد سقط من نسبه فى الإصابة: ابن بين عبد، و بين الحارث، أما فى جمهرة ابن حزم، فنسبه: عبد الرحمن بن عوف بن عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب.

(2) فى الإصابة جاء نسبها: أبوها: عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث ابن زهرة. و هو خطأ لأنها بهذا تكون أخت عبد الرحمن. و فى نسب قريش:

الشفاء بنت عوف بن الحارث بن زهرة. فأسقط «عبد بن الحارث» من نسبها.

و فى مكان آخر: «الشفاء بنت عوف بن عبد» ص 265، 263 و فى الإصابة:

و اسم أمه: صفية، و يقال: الصفا، حكاه ابن منده ذكر البخاري فى تاريخه من طريق الزهرى: قال: أوصى عبد الرحمن بن عوف لكل من شهد بدرا بأربعمائة دينار، فكانه مائة رجل، مات سنة 31 أو 32 ه و عاش 72 عاما. دفن بالبقيع و صلى عليه عثمان. أو الزبير.

31

..........

____________

و ذكر نعيم بن عبد اللّه النّحّام‏ (1)، و قول النبيّ- (صلى الله عليه و سلم):

سمعت نحمه فى الجنة، و لم يفسر النّحم ما هو، و هى سعلة مستطيلة، و يقال للبخيل: نحّام؛ لأنه يسعل إذا سئل يتشاغل بذلك، و أنشد الزبير:

مالك لا تنحم يا رواحه‏* * * إن النّحيم للسّقاة راحه‏

قال: و يقال للنّحمة: نحطة، و قال غيره: النّحطة فى الصدر، و النّحمة فى الحلق، و النّحام أيضا طائر أحمر فى عظم الإوزّ (2).

عبد اللّه بن مسعود و مسعود القارى:

و ذكر عبد اللّه بن مسعود (3) بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل‏

____________

(1) نسبه فى نسب قريش. نعيم بن عبد اللّه بن أسيد بن عبد بن عوف.

ابن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب، أما فى الإصابة فكما فى السيرة، أى: بإسقاط ابن بين عبد و عوف. و قد استشهد نعيم بأجنادين فى خلافة عمر سنة خمس عشرة.

و قيل: يوم مؤته فى حياة النبيّ «ص».

(2) فى القاموس: نحط ينحط نيحطا، زفر زفيرا، النحاط كغراب: تردد البكاء فى الصدر من غير أن يظهر كالنحط. و قال عن النحيم إنه كالزحير أو فوقه.

و قال عن النحام بمعنى طائر إنها على وزن غراب، و خطأ الجوهرى فى فتحها و شدها، و فى الاستيعاب لابن عبد البر، و عند ابن الكلبى: أسيد بن عبد عوف انظر الخشنى ص 80، و فى كتاب حذف نسب قريش ص 82 لمؤرج بن عمرو السدوسى «أسيد بن عبد عوف».

(3) فى الإصابة: عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب بن سمع بن فار ابن مخزوم بن صاهلة بن الحارث بن تيم بن سعد بن هذيل الهذلى أبو عبد الرحمن.

فى جمهرة ابن حزم: شمخ و تميم.

32

..........

____________

ابن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل حليف بنى زهرة، و قال فى نسبه: كاهل، و قيده الوقشى بفتح الهاء من كاهل، كأنه سمّى بالفعل من كاهل يكاهل، كما قال- (عليه السلام) لرجل استأذنه فى الجهاد- و اسمه: جاهمة- فقال: هل فى أهلك من كاهل أى: من قوىّ على التصرف‏ (1)، و الكتهال: القوة.

و قال أبو عبيد: كاهل أى: أسن، و قال ابن الأعرابى: إنما لفظ الحديث هل فى أهلك من كاهن، و غيّره الراوى له، فقال: من كاهل، قال: و كاهن الرجال، هو الذي يخلف الرجل فى أهله يقوم بأمرهم بعد، يقال منه: كهن يكهن كهانة.

و ذكر فى نسبه أيضا شمخا و هو من شمخ بأنفه إذا رفعه عزة. و أم عبد اللّه هى: أم عبد بنت سود بن قديم بن صاهلة هذلية (2).

و ذكر مسعودا القارى، و هو: مسعود بن ربيعة و رفع نسبه إلى الهوز ابن خزيمة، و هم القارة و فيهم جرى المثل المثل: قد أنصف القارة من راماها.

قال الراجز:

قد علمت سلمى، و من والاها* * * أنا نرد الخيل عن هواها

____________

(1) فى النهاية و القاموس: و يروى من كاهل- بفتح ميم من- و هاء كاهل باعتبارها فعلا ماضيا أى تزوج. أو أسن‏

و فى الاشتقاق: من كاهل أى كهل يقوم بأمرهم ذو سن محتنك‏

(2) فى الإصابة: أمه: أم عبيد بنت عبد ود بن سود أو سواءة بن مريم و فى جمهرة ابن حزم: و أم عبد اللّه بن مسعود: أم عبد من المهاجرات الأول من بنى قديم بن صاهلة بن كاهل.

33

..........

____________

نردها دامية كلاها* * * قد أنصف القارة من راماها

إنّا إذا ما فئة ناقاها* * * نردّ أولاها على أخراها

و سمى بنو الهون بن خزيمة قارة لقول الشاعر منهم فى بعض الحروب:

دعونا قارة لا تذعرونا* * * فنجفل مثل إجفال الظّليم‏ (1)

هكذا أنشده أبو عبيد فى كتاب الأنساب، و أنشده قاسم فى الدلائل:

دعونا قارة لا تذعرونا* * * فتنبتك القرابة و الذّمام‏

و كانوا رماة الحدق‏ (2)، فمن راماهم فقد أنصفهم، و القارة: أرض كثيرة الحجارة، و جمعها (3) قور، فكأن معنى المثل عندهم: أن القارة لا تنفد حجارتها إذا رمى بها، فمن راماها فقد أنصف.

و هم فى نسب أبى حذيفة:

و ذكر أبا حذيفة بن عتبة. قال ابن هشام: و اسمه: مهشم، و هو وهم عند أهل النسب، فإن مهشما إنما هو أبو حذيفة بن المغيرة أخو هاشم، و هشام ابنى المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، و أما أبو حذيفة بن عتبة فاسمه:

____________

(1) فى الاشتقاق و اللسان: لا تنفرونا. و فى مجمع الأمثال: القارة قبيلة، و هم عضل و الديش ابنا الهون بن خزيمة، و إنما سموا قارة، لاجتماعهم و التفافهم لما أراد الشداخ أن يفرقهم فى بنى كنانة، و هم اليوم فى اليمن. و قيل غير ذلك.

(2) يقال: هو من رماة الحدق: حاذق ماهر فى النضال.

(3) فى الاشتقاق: القارة: أكمة سوداء فيها حجارة، و فى القاموس جاء أيضا أنها الجبل الصغير المنقطع عن الجبال، أو الصخرة العظيمة أو الصخرة السوداء و جمعها قارات و قار و قور، و قيران. هذا و قد ورد فى نسب مسعود فى الإصابة بعد غالب هو ابن عائدة بن نثيع بن مليح، و عند الكلبى: مسعود بن عامر ابن ربيعة بن عمير بن سعد بن مخلد بن غالب.

34

..........

____________

قيس فيما ذكروا (1).

عميس:

و ذكر أسماء بنت عميس امرأة جعفر بن أبى طالب، و عميس أبوها هو: ابن معد (2) بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن زيد بن مالك بن نسر بن وهب بن شهران بن عقرس بن حلف بن أفتل، و هو: جماعة خثعم بن أنمار على الاختلاف فى أنمار هذا، و قد تقدم.

و أمها: هند بنت عوف بن زهير بن الحارث‏ (3) من كنانة، و هى أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- أمهما واحدة، و أخت لبابة أم الفضل امرأة العباس‏ (4)، و كن تسع أخوات‏ (5)، فيهن، قال رسول اللّه‏

____________

(1) فى الإصابة أيضا مع هذا: و قيل: هاشم. استشهد يوم اليمامة، و هو ابن ست و خمسين سنة، و فى الخشنى ص 80 مثل تصويب السهيلى‏

(2) هو بإسكان العين أو فتحها. و نسبه فى نسب قريش: عميس بن معبد بن تيم ابن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن نسر بن وهب اللّه بن شهران بن عفرس بن حلف بن أفتل، و فى جمهرة ابن حزم، و عميس بن معد بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن سعد، ابن مالك بن بشر بن وهب بن شهران بن عفرس بن حلف بن خثعم «ص «80 نسب قريش: 368 جمهرة». و الإصابة تنفق مع الروض حتى ربيعة. ثم تقول عن ربيعة: ابن غانم بن معاوية بن زيد الخثعمية. و قيل: «عميس هو ابن النعمان ابن كعب، و الباقى سواء».

(3) قيل خولة بنت عوف بن زهير.

(4) فى الاشتقاق: أنها أم بنى العباس بن عبد المطلب إلا تماما و كثيرا.

(5) قيل: عشر لأم، و ست لأم و أب.

35

..........

____________

- (صلى الله عليه و سلم): الأخوات مؤمنات، و كانت قبل جعفر عند حمزة ابن عبد المطلب، فولدت له أمة اللّه، ثم كانت عند شداد بن الهاد، فولدت له عبد اللّه و عبد الرحمن، و قد قيل: بل التي كانت عند حمزة، ثم عند شداد هى أختها: سلمى، لا أسماء، و تزوجها بعد حمزة أبو بكر الصديق، فولدت له محمد ابن أبى بكر، و تزوجها بعده علىّ بن أبى طالب، فولدت له يحيى. قال الكلبى:

ولدت له مع يحيى عون بن على‏ (1)، و لم يختلف أنها ولدت لجعفر ابنا اسمه:

عون‏ (2)، و ولدت له أيضا عبد اللّه بن جعفر، و كان جواد العرب فى الإسلام، و بنات عميس: أسماء و سلامة و سلمى، و هن أخوات ميمونة و سائر أخواتها لأم.

تصويب فى نسب بنى عدى:

و ذكر ابن إسحاق فى السابقين إلى الإسلام من بنى سهم: عبد اللّه بن قيس ابن الحارث بن عدى بن سعيد بن سهم‏ (3)، و حيثما تكرر نسب بنى عدى بن سعد

____________

(1) فى الإصابة أن الذي روى هذا هو ابن سعد عن الواقدى. أما ابن الكلبى فقال إنها ولدت له عونا، و قال أبو عمر: تفرد بذلك ابن الكلبى.

(2) ولدته له فى الحبشة فى هجرتها. و فى الإصابة أنها تزوجت أبا بكر بعد قتل زوجها جعفر، و روى عمر بن شبة فى كتاب مكة أن الرسول زوجها أبا بكر يوم حنين.

(3) المذكور فى السيرة فى هذا الموضع: خنيس، أما عبد اللّه فأخوه، و كان خنيس زوج حفصة رضى اللّه عنه- و قد مات بجراحه يوم أحد، و قد تزوج النبيّ (صلى الله عليه و سلم) حفصة بعده. و نسب خنيس فى نسب قريش هو: خنيس بن حذافة ابن قيس بن عدى بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب. و هو مطابق لما فى السيرة-

36

..........

____________

ابن سهم يقول فيه ابن إسحاق: سعيد (1)، و الناس على خلافه، و إنما هو سعد، و سيأتى فى شعر عبد اللّه بن قيس شاهد على ذلك، و إنما سعيد بن سهم أخو سعد، و هو جد آل عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم و فى سهم: سعيد آخر، و هو ابن سعد المذكور، و هو جد المطلب بن أبى وداعة، و اسم أبى وداعة: عوف بن صبيرة (2)، ابن سعيد بن سعد، و قد قيل فى صبيرة: ضبيرة بالضاد المعجمة، و هو الذي كان شابا جميلا يلبس حلة، و يقول للناس: هل ترون بى بأسا إعجابا بنفسه، فأصابته المنية بغتة، فقال الشاعر فيه:

من يأمن الحدثان بعد صب* * * يرة القرشى ماتا

سبقت منيته المشي* * * ب و كان منيته افتلاتا (3)

عنز:

و ذكر عامر بن ربيعة، و قال: هو من عنز بن وائل. عنز بسكون النون، و يذكر عن على بن المدينىّ أنه قال، فيه عنز بفتح النون، و السكون أعرف ذكر أهل النسب أن وائلا [بن قاسط] كان إذا ولد له ولد، خرج من خبائه،

____________

- و لهذا يكون السهيلى مخطئا فى نقله عن السيرة إذ ذكر عبد اللّه بن قيس بن الحارث بن عدى دون خنيس. و ليس لعدى ولد اسمه الحارث، فالحارث ابن قيس، و والد قيس هو عدى.

(1) و قوله هنا حق، و قد صوبتها فى السيرة عن صاحب الروض، و عن نسب قريش لأبى عبد اللّه المصعب الزبيرى ص 400 و ما بعدها، و عن جمهرة ابن حزم ص 154، و عن الإصابة فى ترجمة خنيس.

(2) هو كذلك فى النسب أما فى جمهرة ابن حزم فهبيرة و هو خطأ

(3) منية: موت، افتلات: فجأة

37

..........

____________

فما وقعت عينه عليه سماه به، فلما ولد له بكر وقعت عينه على بكر من الإبل، فسماه به، فلما ولد له تغلب رأى نفسين يتغالبان، فسماه تغلب، فلما ولد له عنز، رأى عنزا- و هى الأنثى من المعز- فسماه عنزا، فلما ولد له الشّخيص خرج فرأى شخصا على بعد صغيرا، فسماه: الشّخيص، بهؤلاء الأربع‏ (1)، هم قبائل وائل، و هم معظم ربيعة، و هو عامر بن ربيعة العنزىّ العدوى حليف لهم، و يقال: هو عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر بن سعد بن عبد اللّه بن الحارث بن رفيدة بن عنز بن وائل بن قاسط، و قيل: عامر بن ربيعة بن مالك بن عامر بن ربيعة بن حجير بن سلامان بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان‏ (2)

إسلام عامر بن فهيرة:

و ذكر عامر بن فهيرة مولى أبى بكر، و فهيرة: أمّه، هى تصغير فهر، لأن الفهر مؤنثة، و كان عبدا أسود للطّفيل بن الحارث بن سخبرة (3) اشتراه‏

____________

(1) القصة فى الاشتقاق لابن دريد ص 6 و فيها: «فإذا هو بشخيص قد ارتفع له، و لم تتبينه نظراته» و عن تغلب: «فغلبه أن يرى شيئا فسماه تغلب»

(2) فى جمهرة ابن حزم ص 285 عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك ابن ربيعة بن عامر بن ربيعة بن حجير بن سلامان بن مالك بن ربيعة ابن رفيدة بن عنز بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة ابن أسد بن ربيعة بن نزار. و فى الإصابة كالنسب الأول فى الروض مات سنة 32 ه و قال أبو عبيدة سنة 37 ه،

(3) فى الإصابة الطفيل بن عبد اللّه بن سخبرة.

38

..........

____________

أبو بكر فأعتقه، و أسلم قبل دخول النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- دار الأرقم، و سيأتى فى الكتاب نبذ من أخباره، منها: أنه قتله عامر بن الطفيل‏ (1) يوم بئر معونة، فلما طعنه خرج من الطعنة نور، و كان عامر يقول: من رجل لما طعنته رفع، حتى حالت السماء دونه، هذه رواية البكّائىّ عن ابن إسحاق، و فى رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن عامرا سأل رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- حين قدم عليه، و قال: يا محمد من رجل من أصحابك لما طعنته رفع إلى السماء؟ فقال: هو عامر بن فهيرة، و روى هشام بن عروة عن أبيه:

أن عامرا التمس فى القتلى يومئذ فلم يوجد، فكانوا يرون أن الملائكة رفعته، أو دفنته‏ (2) ذكره ابن المبارك.

____________

(1) عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر الكلابى العامرى مات كافرا بإجماع أهل النقل. و فى الصحيح أنه قدم على النبيّ «ص» فقال له: لك أهل السهل، و لى أهل المدر، أو أكون خليفتك أو أغزوك بألف أشقر، و ألف شقراء، فقال «ص»: اللهم اكفنى عامرا فطعن فى بيت امرأة- فقال: ائتونى بفرسى، فمات على ظهر فرسه، و ليس هو عامر بن الطفيل الأسلمى الصحابى.

(2) قتل عامر و سنه أربعون سنة، و فى البخاري أنه كان غلاما لعبد اللّه بن الطفيل بن سخيرة أخى عائشة لأمها، و هو الذي كان يرعى بمنحة من غنم لأبى بكر- كما جاء فى البخاري- فيريحها على الرسول «ص» و أبى بكر، و هما فى غار ثور، فيبيتان- كما جاء فى الحديث- فى رسل- و هو لبن منحتهما- غنم- و رضيفهما «الرسل اللبن، و الرضيف اللبن الذي وضعت فيه الحجارة المحماة ليذهب وخمه أو اللبن المغلى» حتى ينعق عامر بهذه الغنم بغلس، و كان يفعل هذا كل ليلة من الليالى الثلاث دون أن يشعر به أحد. و قد روى البخاري أنه لما قتل الذين ببئر معونة، و أسر عمرو بن أمية الضمرى قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ و أشار-

39

..........

____________

اصدع بما تؤمر و ما المصدرية و الذي:

فصل: و ذكر قول اللّه سبحانه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ (1) الحجر: 94.

و المعنى: اصدع بالذى تؤمر به، و لكنه لمّا عدّى الفعل إلى الهاء حسن حذفها، و كان الحذف هاهنا أحسن من ذكرها؛ لأن ما فيها من الإبهام أكثر مما تقتضيه الذي، و قولهم: ما مع الفعل بتأويل المصدر، راجع إلى معنى الذي إذا

____________

- إلى قتيل، فقال له عمرو: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء، حتى إنى لأنظر إلى السماء بينه و بين الأرض، ثم وضع. و نلحظ أن قائل هذا هو عامر بن الطفيل الكافر.

(1) فى البخاري عن ابن عباس. قال: لما نزلت (و أنذر عشيرتك) جعل النبيّ يدعوهم قبائل قبائل. و عن أبى هريرة أن النبيّ قال: يا بنى عبد مناف.

اشتروا أنفسكم من اللّه. يا بنى عبد المطلب اشتروا أنفسكم من اللّه. يا أم الزبير ابن العوام عمة رسول اللّه، يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من اللّه. لا أملك لكما من اللّه شيئا، سلانى من مالى ما شئتما. و عن ابن عباس أيضا: «لما نزلت و أنذر عشيرتك، جعل النبيّ ينادى: يا بنى فهر يا بنى عدى ببطون قريش» و هذه القصة إن كانت وقعت فى صدر الإسلام بمكة، فإن ابن عباس لم يدركها. لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، و لا أبو هريرة لأنه إنما أسلم بالمدينة، و فى نداء فاطمة يومئذ أيضا ما يقتضى تأخر القصة؛ لأنها كانت حينئذ صغيرة أو مراهقة، و إن كان أبو هريرة حضرها، فلا يناسب الترجمة (يعنى ترجمة البخاري لهذا الباب بقوله: باب من انتسب إلى آبائه فى الإسلام و الجاهلية» لأنه إنما أسلم بعد الهجرة، بمدة، و الذي يظهر أن ذلك وقع مرتين مرة فى صدر الإسلام- و رواية ابن عباس و أبى هريرة لها من مراسيل الصحابة- و مرة بعد ذلك حيث يمكن أن تدعى فيها فاطمة (عليها السلام)، أو يحضر ذلك أبو هريرة أو ابن عباس «الحافظ فى الفتح ج 6 ص 433 طبعة 1 عبد الرحمن محمد. هذا و حديث ابن إسحاق بعد يؤكد فرضية الصلاة قبل الإسراء.

40

..........

____________

تأملته، و ذلك أن الذي تصلح فى كل موضع تصلح فيه ما التي يسمونها المصدرية نحو قول الشاعر:

عسى الأيام أن يرجع* * * ن يوما كالذى كانوا (1)

أى: كما كانوا، فقول اللّه عز و جل إذا: «فاصدع بما تؤمر» إمّا أن يكون معناه: بالذى تؤمر به من التبليغ و نحوه، و إما أن يكون معناه: اصدع بالأمر الذي تؤمره، كما تقول: عجبت من الضرب الذي تضربه، فتكون ما هاهنا عبارة عن الأمر الذي هو أمر اللّه تعالى، و لا يكون للباء فيه دخول، و لا تقدير، و على الوجه الأول تكون ما مع صلتها عبارة عما هو فعل للنبى (صلى الله عليه و سلم)- و الأظهر أنها مع صلتها عبارة عن الأمر الذي هو قول اللّه و وحيه، بدليل حذف الهاء الراجعة إلى: ما، و إن كانت بمعنى الذي فى الوجهين جميعا، إلا أنك إذا أردت معنى الأمر لم تحذف إلا الهاء وحدها، و إذا أردت معنى المأمور به، حذفت باء و هاء، فحذف واحد أيسر من حذفين‏

____________

(1) البيت للفند- بكسر الفاء- الزمانى بكسر الزاى و تشديد الميم، و هو شهل ابن شيبان بن ربيعة بن زمان بن مالك بن صعب بن على بن بكر بن وائل جاهلى قديم. و فى الحيوان للجاحظ: الرمانى و هو خطأ، و القصيدة فى الحيوان ج 6 ص 140 ط 1: ساسى، و الأمالى للقالى، و هى فيه تسعة أبيات. و فى الحيوان:

عسى الأيام ترجعهم‏* * * جميعا كالذى كانوا

و فى الأمالى «يرجعن قوما» و يقول البكرى فى السمط عن شهل صاحب الشعر، و ليس فى العرب شهل بشين معجمة غيره» انظر ص 360 ج 1 ط 1:

الأمالى للقالى، و ص 578 سمط اللالى البكرى‏

41

..........

____________

مع أن صدعه و بيانه إذا علقته بأمر اللّه و وحيه، كان حقيقة، و إذا علقته بالفعل الذي أمر به كان مجازا، و إذا صرّحت بلفظ الذي، لم يكن حذفها بذلك الحسن، و تأمله فى القرآن تجده كذلك نحو قوله تعالى: وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ، وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏ البقرة: 33 وَ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ‏ التغابن: 4. و لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ‏ ص: 75.

و لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ‏ الكافرون. و لم يقل: خلقته، و حذف الهاء فى ذلك كله، و قال فى الذي: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ‏ البقرة: 121 و الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الحج: 25 و ما أشبه ذلك، و إنما كان الحذف مع ما أحسن لما قدّمناه من إبهامها، فالذى فيها من الإبهام قرّبها من ما التي هى شرط لفظا و معنى، أ لا ترى أن ما إذا كانت شرطا تقول فيها: ما تصنع أصنع مثله، و لا تقول: ما تصنعه؛ لأن الفعل قد عمل فيها، فلما ضارعتها هذه التي هى موصولة، و هى بمعنى الذي أجريت فى حذف الهاء مجراها فى أكثر الكلام، و هذه تفرقة فى عود الضمير على ما، و على «الذي» يشهد لها التنزيل، و القياس الذي ذكرناه من الإبهام، و مع هذا لم نر أحدا نبّه على هذه التفرقة، و لا أشار إليها، و قارئ القرآن محتاج إلى هذه، التفرقة. و قد يحسن حذف الضمير العائد على الذي؛ لأنه أوجز، و لكنه ليس كحسنه مع من و ما، ففى التنزيل: وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا التغابن: 8 فإن كان الفعل متعديا إلى اثنين كان إبراز الضمير أحسن من حذفه، لئلا يتوهم أن الفعل واقع على المفعول الواحد، و أنه مقتصر عليه، كقوله تعالى: [وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي‏] جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الحج: 25 و الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ‏ البقرة: 21 و شرح ابن هشام معنى قوله: اصدع شرحا صحيحا، و تتمته أنه صدع على جهة البيان، و تشبيه لظلمة الشك و الجهل بظلمة الليل. و القرآن نور، فصدع به تلك الظّلمة، و منه سمى الفجر: صديعا، لأنه يصدع ظلمة الليل، و قال الشّمّاخ:

42

[مباداة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قومه‏]

مباداة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قومه قال ابن إسحاق: ثم دخل الناس فى الإسلام أرسالا من الرجال و النساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، و تحدّث به. ثم إن اللّه- عزّ و جلّ- أمر رسوله- (صلى الله عليه و سلم)- أن يصدع بما جاءه منه، و أن يبادى الناس بأمره، و أن يدعو إليه، و كان بين ما أخفى رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- أمره، و استتر به إلى أن أمره اللّه تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين- فيما بلغنى- من مبعثه، ثم قال اللّه تعالى له: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏ الحجر: 94. و قال تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏، وَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ‏ الشعراء: 215: 217

____________

ترى السّرحان مفترشا يديه‏* * * كأن بياض لبّته صديع‏ (1)

على هذا تأوله أكثر أهل المعانى، و قال قاسم بن ثابت: الصديع فى هذا البيت: ثوب أسود تلبسه النّوّاحة تحته ثوب أبيض، و تصدع الأسود عند صدرها فيبدو الأبيض، و أنشد:

كأنهن‏ (2)إذ وردن ليعا* * * نوّاحة مجتابة صديعا

____________

(1) نسبه فى اللسان فى مادة صدع إلى عمرو بن معدى كرب، و الشماخ شاعر ذبيانى مخضرم و هو ابن ضرار بن سنان، و قيل اسمه: معقل و الشماخ لقب له، و قيل اسمه: الهيثم، و الأول أكثر. ص 85 سمط اللالى.

(2) فى معجم البكرى: كأنها

43

قال ابن هشام: فاصدع: افرق بين الحقّ و الباطل. قال أبو ذؤيب الهذلىّ، و اسمه: خويلد بن خالد، يصف أتن وحش و فحلها:

و كأنهنّ ربابة، و كأنّه‏* * * يسر يفيض على القداح و يصدع‏

أى: يفرّق على القداح و يبين أنصباءها. و هذا البيت فى قصيدة له. و قال رؤبة بن العجّاج:

أنت الحليم، و الأمير المنتقم‏* * * تصدع بالحقّ، و تنفى من ظلم‏

و هذان البيتان فى أرجوزة له.

[صلاة الرسول و أصحابه فى الشعاب‏]

صلاة الرسول و أصحابه فى الشعاب قال ابن إسحاق: و كان أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذا صلّوا، ذهبوا فى الشّعاب، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبى وقّاص فى نفر من أصحاب رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فى شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين- و هم يصلّون- فناكروهم، و عابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبى وقّاص يومئذ رجلا من المشركين بلحى بعير، فشجّه، فكان أوّل دم هريق فى الإسلام.

[عداوة الشرك للرسول و مساومته لعمه‏]

عداوة الشرك للرسول و مساومته لعمه قال ابن إسحاق: فلما بادى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قومه بالإسلام و صدع به كما أمره اللّه، لم يبعد منه قومه، و لم يردّوا عليه- فيما بلغنى-

____________

..........

44

حتى ذكر آلهتهم و عابها، فلمّا فعل ذلك أعظموه و ناكروه، و أجمعوا خلافه و عداوته، إلا من عصم اللّه تعالى منهم بالإسلام، و هم قليل مستخفون، و حدب على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عمّه أبو طالب، و منعه و قام دونه، و مضى رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- على أمر اللّه، مظهرا لأمره، لا يردّه عنه شي‏ء. فلما رأت قريش، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لا يعتبهم من شي‏ء، أنكروه عليه، من فراقهم و عيب آلهتهم، و رأوا أن عمّه أبا طالب قد حدب عليه، و قام دونه، فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، عتبة و شيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة ابن كعب بن لؤيّ بن غالب. و أبو سفيان بن حرب بن أميّة بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر.

قال ابن هشام: و اسم أبى سفيان: صخر.

قال ابن إسحاق: و أبو البخترىّ، و اسمه: العاص بن هشام بن الحارث ابن أسد ابن عبد العزّى بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ.

قال ابن هشام: أبو البخترىّ: العاص بن هاشم.

قال ابن إسحاق: و الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ ابن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ. و أبو جهل- و اسمه عمرو، و كان يكنى أبا الحكم- ابن هشام بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة ابن كعب بن لؤيّ. و الوليد بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة

____________

..........

45

ابن مرّة بن كعب بن لؤيّ. و نبيه و منبّه ابنا الحجّاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ. و العاص بن وائل.

قال ابن هشام: العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن حصيص بن كعب بن لؤيّ.

قال ابن إسحاق: أو من مشى منهم. فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، و عاب ديننا، و سفّه أحلامنا، و ضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، و إما أن تخلّى بيننا و بينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، و ردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه.

و مضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على ما هو عليه، يظهر دين اللّه، و يدعو إليه، ثم شرى الأمر بينه، و بينهم حتى تباعد الرجال، و تضاغنوا، و أكثرت قريش ذكر رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- بينها، فتذامروا فيه، و حضّ بعضهم بعضا عليه، ثم إنهم مشوا إلى أبى طالب مرّة أخرى، فقالوا له:

يا أبا طالب، إن لك سنا و شرفا و منزلة فينا، و إنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا، و إنا و اللّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، و تسفيه أحلامنا، و عيب آلهتنا، حتى تكفّه عنا، أو ننازله و إيّاك فى ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين، أو كما قالوا له. ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبى طالب فراق قومه و عداوتهم، و لم يطب نفسا بإسلام رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- لهم و لا خذ لانه.

____________

..........

46

[مناصرة أبى طالب للرسول (صلى الله عليه و سلم)‏]

مناصرة أبى طالب للرسول (صلى الله عليه و سلم) قال ابن إسحاق: و حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدّث: أنّ قريشا حين قالوا لأبى طالب هذه المقالة، بعث إلى رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فقال له: يا ابن أخى، إنّ قومك قد جاءوني، فقالوا لى كذا و كذا، للذى كانوا قالوا له، فأبق علىّ، و على نفسك، و لا تحمّلنى من الأمر ما لا أطيق: فظنّ رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- أنه قد بدا لعمه فيه أنه خاذله و مسلمه، و أنه قد ضعف عن نصرته و القيام معه. قال: رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم): يا عمّ، و اللّه لو وضعوا الشمس فى يمينى، و القمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه، أو أهلك فيه، ما تركته.

قال: ثم استعبر رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا بن أخى، قال: فأقبل عليه رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فقال: اذهب يا بن أخى، فقل ما أحببت، فو اللّه لا أسلمك لشى‏ء أبدا.

قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و إسلامه و إجماعه لفراقهم في ذلك و عداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له- فيما بلغنى-: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتى فى قريش و أجمله، فخذه فلك عقله و نصره، و اتخذه ولدا فهو لك، و أسلم إلينا ابن أخيك هذا، الذي قد خالف دينك و دين‏

____________

..........

47

آبائك، و فرّق جماعة قومك، و سفّه أحلامهم، فنقتله فإنما هو رجل برجل، فقال: و اللّه لبئس ما تسوموننى! أ تعطوننى ابنكم أغذوه لكم، و أعطيكم ابنى تقتلونه! هذا و اللّه ما لا يكون أبدا. قال: فقال المطعم بن عدىّ بن نوفل بن عبد مناف بن قصىّ: و اللّه يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، و جهدوا على التخلّص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا، فقال أبو طالب للمطعم: و اللّه ما أنصفونى، و لكنّك قد أجمعت خذلانى و مظاهرة القوم علىّ، فاصنع ما بدا لك، أو كما قال. قال: فحقب الأمر، و حميت الحرب، و تنابذ القوم، و بادى بعضهم بعضا.

فقال أبو طالب عند ذلك- يعرّض بالمطعم بن عدىّ- و يعمّ من خذله من بنى عبد مناف، و من عاداه من قبائل قريش، و يذكر ما سألوه، و ما تباعد من أمرهم:

ألا قل لعمرو و الوليد و مطعم‏* * * ألا ليت حظّى من حياطتكم بكر

من الخور حبحاب كثير رغاؤه‏* * * يرشّ على الساقين من بوله قطر

تخلّف خلف الورد ليس بلا حق‏* * * إذا ما علا الفيفاء قيل له: وبر

أرى أخوينا من أبينا و أمّنا* * * إذا سئلا قالا: إلى غيرنا الأمر

بلى لهما أمر، و لكن تجرجما* * * كما جرجمت من رأس ذى علق صخر

أخصّ خصوصا عبد شمس و نوفلا* * * هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر

هما أغمزا للقوم فى أخويهما* * * فقد أصبحا منهم أكفّهما صفر

____________

..........

48

هما أشركا فى المجد من لا أبا له‏* * * من النّاس إلا أن يرسّ له ذكر

و تيم و مخزوم و زهرة منهم‏* * * و كانوا لنا مولى إذا بغى النّصر

فو اللّه لا تنفكّ منّا عداوة* * * و لا منهم ما كان من نسلنا شفر

فقد سنهت أحلامهم و عقولهم‏* * * و كانوا كجفر بئس ما صنعت جفر

قال ابن هشام: تركنا منها بيتين أقذع فيهما.

قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من فى القبائل منهم من أصحاب رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- الذين أسلموا معه، فوثبت كلّ قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذّبونهم، و يفتنونهم عن دينهم، و منع اللّه رسوله- (صلى الله عليه و سلم)- منهم بعمّه أبى طالب، و قد قام أبو طالب، حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون فى بنى هاشم و بنى المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه، من منع رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و القيام دونه، فاجتمعوا إليه، و قاموا معه، و أجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبى لهب، عدوّ اللّه الملعون.

فلما رأى أبو طالب من قومه ما سرّه فى جهدهم معه، و حدبهم عليه، جعل يمدحهم و يذكر قديمهم، و يذكر فضل رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فيها و مكانه منهم، ليشدّ لهم رأيهم، و ليحدبوا معه على أمره، فقال:

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر* * * فعبد مناف سرّها و صميمها

فإن حصّلت أشراف عبد منافها* * * ففى هاشم أشرافها و قديمها

____________

..........

49

و إن فخرت يوما، فإنّ محمّدا* * * هو المصطفى من سرها و كريمها

تداعت قريش غثّها و سمينها* * * علينا فلم تظفر و طاشت حلومها

و كنّا قديما لا نقرّ ظلامة* * * إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها

و نحمى حماها كلّ يوم كريهة* * * و نضرب عن أجحارها من يرومها

بنا انتعش العود الذّواء، و إنما* * * بأكنافنا تندى و تنمى أرومها

____________

مبادأة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قومه أصل الصلاة لغة:

ذكر فى الحديث: أن أبا طالب حدب على رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و قام دونه: أصل الحدب: انحناء فى الظهر، ثم استعير فيمن عطف على غيره، ورق له كما قال النابغة:

حدبت علىّ بطون ضبّة كلها* * * إن ظالما فيهم، و إن مظلوما

و مثل ذلك الصلاة، أصلها: انحناء و انعطاف من الصّلوين و هما: عرقان فى الظهر إلى الفخذين، ثم قالوا: صلّى عليه، أى: انحنى عليه، ثم سموا الرحمة حنوّا و صلاة، إذا أرادوا المبالغة فيها، فقولك: صلى اللّه على محمد، هو أرق و أبلغ من قولك: رحم اللّه محمدا في الحنو و العطف‏ (1). و الصلاة أصلها

____________

(1) ذكر القاموس للصلا هذه التعريفات: وسط الظهر منا، و من كل ذى أربع، أو ما انحدر من الوركين، أو الفرجة بين الجاعرة «الدبر» و الذنب، أو ما عن يمين الذنب و شماله، و هما صلوان. و يقول المبرد: أصل الصلاة: الرحمة. و المشهور عند كثير من المتأخرين أن صلاة اللّه على الرسول و علينا هى رحمته، و هو رأى ضعيف، لأن اللّه يقول عن عباده الصابرين: (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ، وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة:

157 فعطف الرحمة على الصلوات يقتضى المغايرة بينهما. كما أن صلاة اللّه سبحانه خاصة-

50

..........

____________

فى المحسوسات عبّر بها عن هذا المعنى مبالغة و تأكيدا كما قال الشاعر:

فما زلت فى لينى [له‏] و تعطّفى‏* * * عليه، كما تحنو على الولد الأمّ‏

و منه قيل: صلّيت على الميت أى: دعوت له دعاء من يحنو عليه و يتعطف عليه، و لذلك لا تكون الصلاة بمعنى الدعاء على الإطلاق: لا تقول: صلّيت على العدو، أي: دعوت عليه. إنما يقال: صلّيت عليه فى معنى الحنوّ و الرحمة و العطف؛ لأنها فى الأصل انعطاف، و من أجل ذلك عدّيت فى اللفظ بعلى، فتقول: صليت عليه، أى: حنوت عليه، و لا تقول فى الدعاء إلا: دعوت له، فتعدّى الفعل باللام، إلّا أن تريد الشرّ و الدعاء على العدو، فهذا فرق ما بين الصلاة و الدعاء، و أهل اللغة لم يفرقوا، و لكن قالوا: الصلاة بمعنى الدعاء إطلاقا، و لم يفرقوا بين حال و حال، و لا ذكروا التعدى باللام، و لا بعلى، و لا بد من تقييد العبارة، لما ذكرناه، و قد يكون الحدب أيضا مستعملا فى معنى المخالفة إذا قرن بالقعس كقول الشاعر:

____________

- بالأنبياء و الرسل و المؤمنين، أما رحمته فقد وسعت كل شى. و لو أننا تتبعنا آيات القرآن لوجدنا أن المواضع التي تذكر فيها الرحمة لا يحسن فيها وضع الصلاة مكانها، و لهذا يقول ابن القيم عن معنى صلاتنا نحن على الرسول «ص» إنها «الطلب من اللّه ما أخبر به عن صلاته. و صلاة ملائكته. و هى ثناء عليه و إظهار لفضله و شرفه و إرادة تكريمه و تقريبه فهى تتضمن الخبر و الطلب. و إرادة من اللّه أن يعلى ذكره و يزيده تعظيما و تشريفا» ص 99 جلاء الأفهام، و قد ذكر البخاري فى صحيحه أن صلاة اللّه على نبيه هى ثناؤه عليه عند الملائكة

51

..........

____________

و إن حدبوا، فاقعس، و إن هم تقاعسوا* * * لينتزعوا ما خلف ظهرك فاحدب‏ (1)

و كقول الآخر:

و لن يهنه‏ (2)قوما أنت خائفهم‏* * * كمثل وقمك جهّالا بجهّال‏

فاقعس إذا حدبوا، و احدب إذا قعسوا* * * و وازن الشرّ مثقالا بمثقال‏

أنشده الجاحظ فى كتاب الحيوان له.

أبو البخترى:

فصل: و ذكر مجي‏ء النفر من قريش إلى أبى طالب فى أمر النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، و ذكر أنسابهم، و ذكر فيهم أبا البخترىّ بن هشام، قال: و اسمه:

العاصى بن هشام، و قال ابن هشام: هو العاصى بن هاشم، و الذي قاله ابن إسحاق هو قول ابن الكلبى، و الذي قاله ابن هشام هو قول الزبير بن أبى بكر و قول مصعب‏ (3) و هكذا وجدت فى حاشية كتاب الشيخ أبى بحر: سفيان ابن العاصى.

____________

(1) القعس بفتح القاف و العين، ضد الحدب: دخول الظهر و خروج الصدر، و الماضى: قعس كفرح- و البيت من قصيدة منسوبة إلى أبى الأسود الدؤلى، و هو فى الحيوان هكذا: فإن حدبوا فاقعس .. ليستمسكوا مما وراءك فاحدب ص 174 ج 5 الحيوان للجاحظ ط ساسى‏

(2) نهنه فلانا عن الشي‏ء: زجره و كفه عنه، و وقم الرجل يقمه وقما، أكرهه و أذله و قهره و قسره، و وقمه عنه: رده أقبح الرد.

(3) هو كما قال فى كتاب المصعب نسب قريش ص 209 و كذلك فى جمهرة ابن حزم ص 108

52

..........

____________

لو وضعوا الشمس فى يمينى:

فصل: و ذكر قول النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- و اللّه لو وضعوا الشمس فى يمينى، و القمر فى شمالى على أن أدع هذا الذي جئت به ما تركته، أو كما قال‏ (1). خصّ الشمس باليمين؛ لأنها الآية المبصرة، و خص القمر بالشمال لأنها الآية الممحوّة، و قد قال عمر- (رحمه اللّه)- لرجل، قال له: إنى رأيت فى المنام كأن الشمس و القمر يقتتلان، و مع كل واحد منهما نجوم، فقال عمر: مع أيهما كنت؟ فقال: مع القمر، قال: كنت مع الآية الممحوّة، اذهب، فلا تعمل لى عملا، و كان عاملا له، فعزله، فقتل الرجل فى صفّين مع معاوية، و اسمه:

حابس بن سعد، و خص رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- النّيّرين حين ضرب المثل بهما؛ لأن نورهما محسوس، و النور الذي جاء به من عند اللّه- و هو الذي أرادوه على تركه- هو لا محالة أشرف من النور المخلوق، قال اللّه سبحانه:يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ‏ التوبة: 33. فاقتضت بلاغة النبوة- لما أرادوه على ترك النور الأعلى- أن يقابله بالنور الأدنى، و أن يخص أعلى النيّرين، و هى الآية المبصرة بأشرف اليدين، و هى اليمنى بلاغة لا مثلها، و حكمة لا يجهل اللبيب فضلها.

البداء:

و قول ابن إسحاق: ظن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- أن قد بدا لعمه بداء، أي: ظهر له رأى، فسمى الرأى بداء، لأنه شي‏ء يبدو بعد ما خفى، و المصدر

____________

(1) لم يروه أحد من أصحاب الصحاح.

53

..........

____________

البدء (1) و البدوّ، و الاسم: البداء، و لا يقال فى المصدر: بدا له بدوّ، كما لا يقال:

ظهر له ظهور بالرفع؛ لأن الذي يظهر، و يبدو هاهنا هو الاسم: نحو البداء و أنشد أبو على:

لعلك و الموعود حقّ وفاؤه‏* * * بدا لك فى تلك القلوص بداء (2)

و من أجل أن البدو هو الظهور، كان البداء (3) فى وصف البارى- سبحانه- محالا؛ لأنه لا يبدو له شي‏ء كان غائبا عنه، و النّسخ للحكم ليس ببداء كما توهمت الجهلة من الرافضة و اليهود، إنما هو تبديل حكم بحكم بقدر قدّره، و علم علمه، و قد يجوز أن يقال: بدا له أن يفعل كذا، و يكون معناه:

أراد. و هذا من المجاز الذي لا سبيل إلى إطلاقه إلا بإذن من صاحب الشرع، و قد صح فى ذلك ما خرجه البخاري فى حديث الثلاثة: الأعمى و الأقرع‏

____________

(1) ليس لما قيل من قبل عن وضع الشمس و القمر سند صحيح، فكيف يقيم عليه كل هذا؟!

(2) القلوص من الإبل: الشابة، و البيت من أبيات ذكرها أبو على القالى فى أماليه ص 71 ج 2 ط 2 غير منسوبة إلى أحد، و هى قول رجل وعد رجلا قلوصا فأخلفه.

و نقل البكرى فى السمط ص 705 عن أبى عمرو الشيبانى أنها لرجل من مزينة، و ذكر الأستاذ الميمنى فى تحقيقه للسمط أنها لمحمد بن بشير الخارجي كما ورد فى الأغانى‏

(3) الشيعة هم القائلون بالبداء، و له معان- كما يقول الشهرستانى- (البداء فى العلم، و هو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد و حكم، و البداء فى الأمر و هو أن يأمر بشي‏ء ثم يأمر بعده بخلاف ذلك) و هذا محال على اللّه سبحانه أن يرى شيئا، ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما رأى، فاللّه بكل شي‏ء عليم.

54

..........

____________

و الأبرص، و أنه (عليه السلام) قال: بدا للّه أن يبتليهم، فبدا هنا بمعنى: أراد، و ذكرنا الرّافضة، لأن ابن أعين، و من اتبعه منهم، يجيزون البداء على اللّه تعالى، و يجعلونه و النسخ شيئا واحدا، و اليهود لا تجيز النسخ يحسبونه بداء، و منهم من أجاز البداء كالرافضة، و يروى أن عليا- (رحمه اللّه)- صلّى يوما، ثم ضحك فسئل عن ضحكه فقال: تذكرت أبا طالب حين فرضت الصلاة، و رآنى أصلى مع رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم) بنخلة (1) فقال: ما هذا الفعل الذي أرى، فلما أخبرناه، قال: هذا حسن، و لكن لا أفعله أبدا، لا أحب أن تعلونى استى فتذكرت الآن قوله، فضحكت.

عرضه قريش على أبى طالب:

فصل: و ذكر قول الملأ من قريش لأبى طالب: هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى فى قريش، و أجمله، فخذه مكان ابن أخيك. أنهد. أى: أقوى و أجلد، و يقال: فرس نهد للذى يتقدم الخيل، و أصل هذه الكلمة: التقدم، و منه يقال: نهد ثدى الجارية، أى: برز قدما. و عمارة بن الوليد هذا المذكور هو:

الذي أرسلته قريش مع عمرو بن العاص إلى أرض الحبشة فسحر هناك، و جن، و سنزيد فى خبره شيئا بعد هذا إن شاء اللّه.

____________

(1) نخلة: أماكن متعددة منها: نخلة محمود، و هو موضع بالحجاز قريب من مكه فيه نخيل و كروم، و نخلة الشامية، و هى ذات عرق و أعلى نخلة ذات عرق، و هى لبنى سعد الذين أرضعوا النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، و نخلة اليمانية واد يصب فيه يدعان به مسجد النبيّ.