الرياض النضرة في مناقب العشرة - ج3

- محب الدين الطبري‏ المزيد...
241 /
5

[تتمة القسم الثانى‏]

الباب الثالث في مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه و فيه اثنا عشر فصلا

الأول في نسبه، الثاني في اسمه و كنيته، الثالث في صفته، الرابع في إسلامه، الخامس في هجرته، السادس في خصائصه، السابع في أفضليته، الثامن في شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالجنة، التاسع في فضائله، العاشر في خلافته، الحادي عشر في مقتله، الثاني عشر في ولده.

الفصل الأول في نسبه‏

و قد تقدم ذكر آبائه في ذكر الشجرة في إثبات العشرة، و ينسب إلى أمية بن عبد شمس فيقال الأموي، يجتمع مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عبد مناف، و هو أقربهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم. أمه أروى ابنة كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، أسلمت، رواه أبو بكر بن مخلد في الآحاد و المثاني عن ابن عباس. أمها: البيضاء- أم حكيم- بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شقيقه أبي طالب.

الفصل الثاني في اسمه و كنيته‏

و لم يزل اسمه في الجاهلية و الإسلام عثمان، و يكنى أبا عبد اللّه و أبا

6

عمرو، كنيتان مشهورتان، و أبو عمرو أشهر. قيل: إنه ولدت له رقية ولدا سماه عبد اللّه فاكتنى به فمات، ثم ولد له عمرو فاكتنى به إلى ان مات. و قيل: إنه كان يكنى أبا ليلى، و كان يقال له ذو النورين.

و عن علي رضي اللّه عنه و قد سئل عن عثمان قال فذاك امرؤ يدعى في الملأ ذا النورين، كان ختن‏ (1) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ابنته، ضمن له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيتا في الجنة، خرجه ابن السمان.

و عن المهلب بن أبي صفرة و قد قيل له: لم قيل لعثمان ذو النورين؟

قال لأنه لم يعلم أحد تزوج ابنتي نبي غيره.

و حكى الإمام أبو الحسين القزويني الحاكمي في تسميته بذلك ثلاثة أقوال: أحدها- هذا، و الثاني لأنه كان يختم القرآن في الوتر، فالقرآن نور و قيام الليل نور، و الثالث لأنه كان له سخاءان، أحدهما قبل الإسلام و الثاني بعده.

و ذكر الحافظ أبو بكر محمد بن عمر بن النجار- عن وكيع بن الجراح- أنه إنما سمي ذا النورين لأنه ذو كنيتين يكنى أبا عمرو و أبا عبد اللّه، قال و قال بعض العلماء: إنما سمي بذلك لأنه إذا دخل الجنة برقت له برقتين، فلذلك سمى ذا النورين. فتحصلنا في سبب تسميته «ذا النورين» على خمسة أقوال.

الفصل الثالث في صفته‏

كان رضي اللّه عنه رجلا ربعة، ليس بالقصير و لا بالطويل، حسن الوجه، بوجنتيه نكتات جدري، أقنى.

و قال البغوي: مشرف الأنف من أجمل الناس، رقيق البشرة، عظيم اللحية طويلها، أسمر اللون، كثير الشعر، له جمة أسفل من‏

____________

(1) صهره و نسيبه.

7

أذنيه، و لكثرة شعر رأسه و لحيته كان أعداؤه يسمونه نعثلا، ضخم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، و كان أصلع، و كان يصفر لحيته.

عن عبد الرحمن بن سعد قال: رأيت عثمان بن عفان على بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو بين الزوراء قد صفر لحيته، أخرجه ابن الضحاك.

و قيل كان يختضب بالسواد، و قيل: ما خضب به قط بل كان أبيض اللحية، حكاهما الخجندي.

و كان وتد أسنانه بالذهب، و كان محببا في قريش، و فيه يقول قائلهم أحبك الرحمن حب قريش عثمان، ذكر ذلك كله ابن قتيبة و أبو عمر و صاحب الصفوة، و كان يقال له اللين الرحيم، ذكره الخجندي.

و شرح نعثل: اسم رجل طويل اللحية، كان إذا نيل من عثمان سمي بذلك. و نعثل أيضا اسم الذكر من الضباع.

و عن الحسن- و قد سئل عن صفة عثمان- فقال: كان خفيف الجسم عظيم الأرنبة، شعر رأسه إلى أنصاف أذنيه. خرجه ابن الضحاك و روى انه كان من أجمل الناس.

و عن اسامة قال: بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بصحفة فيها لحم إلى عثمان فدخلت عليه و إذا هو جالس مع رقية- ما رأيت زوجا أحسن منهما- فجعلت مرة أنظر الى عثمان و مرة أنظر إلى رقية فلما رجعت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (دخلت عليهما؟) قلت نعم. قال: (هل رأيت زوجا أحسن منهما؟) قلت لا. و قد جعلت مرة أنظر إلى رقية و مرة أنظر الى عثمان- خرجه البغوي في معجمه و الحافظ الدمشقي.

الفصل الرابع في إسلامه‏

عن عمرو بن عثمان قال كان إسلام عثمان فيما حدثنا عن نفسه قال: كنت رجلا مستهترا بالنساء. و إني ذات ليلة بفناء الكعبة قاعد في‏

8

رهط من قريش إذ أتينا فقيل لنا إن محمدا قد أنكح عتبة بن أبي لهب رقية. و كانت رقية ذات جمال رائع قال عثمان: فدخلتني الحسرة لم لا أكون أنا سبقت إلى ذلك، فلم ألبث أن انصرفت إلى منزلي فأصبت خالة لي قاعدة و هي سعدى بنت كريز و كانت قد طرقت و تكهنت عند قومها فلما رأتني قالت:

أبشر و حييت ثلاثا تترى‏* * * أتاك خير و وقيت شرّا

أنكحت و اللّه حصانا زهرا* * * و أنت بكر و لقيت بكرا

وافيتها بنت عظيم قدرا* * * بنت امرئ قد أشاد ذكرا

قال عثمان فعجبت من قولها فقلت يا خالة ما تقولين؟ فقالت: يا عثمان لك الجمال و لك اللسان، هذا نبي معه البرهان أرسله بحقه الديان فاتبعه لا تغتالك الأوثان. قال قلت: يا خالة إنك لتذكرين شيئا ما وقع ذكره في بلدنا فأبينيه لي قالت: محمد بن عبد اللّه رسول من عند اللّه جاء بتنزيل اللّه يدعو إلى اللّه ثم قالت: مصباحه مصباح و دينه فلاح و أمره نجاح و قرنه نطاح دانت له البطاح: ما ينفع الصباح لو وقع الذباح و سلمت الصفاح و مدت الرماح. قال ثم انصرفت و وقع كلامها في قلبي فجعلت أفكر فيه و كان لي مجلس عند أبي بكر فأتيته فأصبته في مجلس ليس عنده أحد فجلست إليه فرآني مفكرا فسألني عن أمري و كان رجلا متأنيا فأخبرته بما سمعت من خالتي فقال: ويحك يا عثمان إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل ما هذه الأوثان التي يعبدها قومنا أ ليست من حجارة صمّ لا تسمع و لا تبصر؟ قلت بلى و اللّه إنها كذاك! فقال و اللّه لقد صدقتك خالتك، هذا رسول اللّه محمد بن عبد اللّه قد بعثه اللّه تعالى برسالته إلى خلقه. فهل لك أن تأتيه فتسمع منه؟ قلت بلى!! فو اللّه ما كان أسرع من أن مر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و معه علي بن أبي طالب يحمل ثوبا فلما رآه أقبل علي فقال: (يا عثمان أجب اللّه إلى جنته، فإني رسول اللّه إليك و إلى خلقه) قال: فو اللّه ما تمالكت حين سمعت قوله أن أسلمت‏

9

و شهدت أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و في إسلام عثمان تقول خالته- سعدى بنت كريز-.

هدى اللّه عثمانا بقولي إلى الهدى‏* * * و أرشده و اللّه يهدي إلى الحق‏

فتابع بالرأي السديد محمدا* * * و كان برأي لا يصدّ عن الصدق‏

و أنكحه المبعوث بالحقّ بنته‏* * * فكان كبدر مازج الشمس في الأفق‏

فدى لك يا ابن الهاشميين مهجتي‏* * * و أنت أمين اللّه أرسلت للخلق‏

ثم جاء الغد أبو بكر بعثمان بن مظعون و أبي عبيدة بن الجراح و عبد الرحمن بن عوف و أبي سلمة بن عبد الأسد و الأرقم بن أبي الأرقم فأسلموا، و كانوا مع من اجتمع مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثمانية و ثلاثين رجلا، خرجه الفضائلي، و خرج صاحب فضائله طائفة منه، و أسلمت أخت عثمان- آمنة بنت عفان- و أسلم إخوته لأمه: الوليد و خالد و عمارة- أسلموا يوم الفتح- و أم كلثوم: بنو عقبة ابن أبي معيط بن عمرو بن أمية، أمهم كلهم أروى المتقدم ذكرها في فصل نسبه، و ذكر ذلك الدارقطني في كتاب الأخوة، و ذكر أن أم كلثوم من المهاجرات الأول، يقال: إنها أول قرشية بايعت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنكحها زيد بن حارثة، ثم خلف عليها عبد الرحمن بن عوف ثم تزوجها الزبير بن العوام.

الفصل الخامس في هجرته‏

قال أبو عمر: هاجر عثمان إلى أرض الحبشة فارا بدينه مع زوجته رقية بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكان أول مهاجر إليها، ثم تابعه سائر المهاجرين إلى أرض الحبشة، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة.

عن أنس قال: أول من هاجر إلى أرض الحبشة عثمان، و خرج بابنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأبطأ على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خبرهما فجعل يتوكف الخبر، فقدمت امرأة من قريش من أرض الحبشة فسألها فقالت: رأيتها، فقال‏

10

على أي حال رأيتها؟ قالت رأيتها و قد حملها على حمار من هذه الدواب و هو يسوقها، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (صحبهما اللّه!! أن كان عثمان لأول من هاجر إلى اللّه عز و جل بعد لوط)، خرجه خيثمة بن سليمان في فضائل عثمان، و الملأ في سيرته، و الظاهر أن قدومه من الحبشة كان قبل هجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة أو بعدها، و قبل وقعة بدر، لأنه صح أنه كان في وقعة بدر متخلفا بالمدينة على زوجته رقية بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كانت مريضة، و ضرب له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسهمه و أجره منها، و سيأتي ذكر ذلك في خصائصه، و كانت وقعة بدر لسنة من الهجرة و ثمانية أشهر و سبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. و كان قدوم أكثر مهاجري الحبشة- جعفر و أصحابه- موافقا لفتح خيبر؟ فأسهم (صلّى اللّه عليه و سلّم) لهم منها، و ما أسهم لاحد غاب عن فتح خيبر من غنائمها إلا لجعفر و أصحاب سفينته، و كان فتح خيبر لست سنين من الهجرة و ثلاثة أشهر و أحد عشر يوما.

الفصل السادس في خصائصه‏

تقدم من ذلك اختصاصه بأنه أول من هاجر إلى أرض الحبشة في الذكر قبله.

ذكر اختصاصه بعظيم الشرف و شرف المنقبة بتزوج ابنتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (إن اللّه أوحى إليّ أن أزوج كريمتي عثمان بن عفان)، خرجه الطبراني. و خرجه خيثمة ابن سليمان عن عروة بن الزبير عن عائشة و زاد بعد قوله «كريمتي» يعني رقية و أم كلثوم.

و عن عائشة قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (أتاني جبريل فأمرني أن أزوج عثمان كريمتي)، و قالت عائشة: كن لما لا ترجو أرجى منك لما

11

ترجو، فإن موسى (عليه السلام) خرج يلتمس نارا فرجع بالنبوة، خرجه الحافظ أبو الحسين بن نعيم البصري.

و عن أبي هريرة قال: لقي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عثمان عند باب المسجد فقال:

(يا عثمان هذا جبريل أخبرني أن اللّه قد أمرني أن أزوجك أم كلثوم بمثل صداق رقية، و على مثل صحبتها)، خرجه ابن ماجه القزويني و الحافظ أبو بكر الاسماعيلي و أبو سعيد النقاش و أبو الحسن الخلعي، و أبو القاسم الدمشقي و الإمام أبو الخير القزويني الحاكمي.

و عنه قال: قال عثمان: لما ماتت امرأته بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكيت بكاء شديدا فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ما يبكيك؟) قلت: أبكي على انقطاع صهري منك، قال: (فهذا جبريل يأمرني بامر اللّه عز و جل أن أزوجك أختها).

و عن ابن عباس معناه- و زاد فيه- (و الذي نفسي بيده لو أن عندي مائة بنت تموت واحدة بعد واحدة زوجتك أخرى حتى لا يبقى من المائة شي‏ء، هذا جبريل أخبرني ان اللّه عز و جل يأمرني أن أزوجك أختها و أن أجعل صداقها مثل صداق أختها). خرجه الفضائلي.

و عن علي رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (لو كان عندي أربعون بنتا لزوجت عثمان واحدة بعد واحدة حتى لا يبقى منهن واحدة)، خرجه أبو حفصة عمر بن شاهين و ابن السمان، و لا تضاد بين هذا و بين حديث ابن عباس قبله، بل يحمل على تكرر القول منه (صلّى اللّه عليه و سلّم). و عن إسماعيل ابن علية قال: أتيت يونس بن خباب لأسمع منه فقال: من أين أنت؟ فقلت من أهل البصرة، فقال من أهل المدينة الذين يحبون عثمان بن عفان و قد قتل ابنتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلت.

قتل واحدة فلم زوجه الثانية؟ خرجه الحافظ السلفي.

12

ذكر اختصاصه بأنه من أشبه الصحابة خلقا بالنبي‏

عن أبي هريرة قال: دخلت على رقية بنت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و في يدها مشط فقالت: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من عندي آنفا رجلت رأسه فقال: (كيف تجدين أبا عبد اللّه؟ قلت خير الرجال، قال: أكرميه فإنه من أشبه أصحابي بي خلقا) خرجه الدولابي و البغوي، و خرج خيثمة بن سليمان منه قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عثمان (إنه أشبه أصحابي بي خلقا). و خرجه الملأ عن معاذ بن جبل بزيادة و لفظه: قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ان عثمان بن عفان أشبه الناس بي خلقا و خلقا و دينا و سمتا. و هو ذو النورين زوجته ابنتي، و هو معي في الجنة كهاتين و حرك السبابة و الوسطى).

ذكر اختصاصه بكثرة الحياء و بأنه أصدق الأمة حياء

عن أنس بن مالك عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: (أصدق أمتي حياء عثمان) خرجه في المصابيح الحسان.

و عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (عثمان أحيا أمتي و أكرمها) خرجه الملأ في سيرته.

و عن عائشة قالت: استأذن أبو بكر على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنا معه في مرط واحد فأذن له، فقضى حاجته و هو على تلك الحال في المرط، ثم استأذن عليه عمر فأذن له فقضى حاجته و هو على تلك الحال في المرط، ثم استأذن عثمان فأصلح ثيابه و جلس فقضى إليه حاجته ثم خرج. قالت عائشة: قلت يا رسول اللّه استأذن عليك أبو بكر فقضى إليك حاجته و أنت على حالك، ثم استأذن عليك عمر فقضى إليك حاجته و أنت على تلك الحال، ثم استأذن عليك عثمان فأصلحت ثيابك و احتفظت، فقال: (يا عائشة: إن عثمان رجل حي، و لو أذنت له على تلك الحال خشيت أن لا يقضي حاجته)، خرجه أحمد و أبو حاتم، و خرجه مسلم و لفظه: استأذن أبو بكر على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو مضطجع على فراشه لابس‏

13

مرط عائشة فأذن له، ثم ذكر الحديث و قال في عثمان. فجلس و قال:

(يا عائشة اجمعي عليك ثيابك) و قال: (لم يبلغ إلى حاجته مكان أن لا يقضي).

(شرح)- المرط- بالكسر كساء من صوف أو خز يؤتزر به و جمعه مروط، و لا تضاد بين الحديثين، بل يحمل الثاني على أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان لابسا مرط عائشة و هي معه فيه، و قوله، اجمعي عليك ثيابك، يؤيد هذا، فإنه لما جمع عليه ثيابه و خرج من المرط أمرها بمثل فعله (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و عن الحسن و ذكر عثمان و شدة حيائه فقال: إن كان ليكون في البيت و الباب عليه مغلق فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء يمنعه الحياء أن يقيم صلبه، خرجه أحمد و صاحب الصفوة.

ذكر اختصاصه باستحياء الملائكة منه‏

عن عائشة قالت كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه أو عن ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له و هو على تلك الحال فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له و هو على تلك الحال فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سوى ثيابه فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة يا رسول اللّه دخل أبو بكر فلم تهتش له و لم تبال به، ثم دخل عمر فلم تهتش له و لم تبال به، ثم دخل عثمان فجلست و سويت ثيابك؟ فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة).

خرجه أحمد و مسلم و حاتم؛ و عند مسلم أنه قال لعائشة: (أجمعي عليك ثيابك).

(شرح)- تهتش- من الهشاشة و هي الارتياح و الخفة للمعروف، تقول: هششت لفلان بالكسر أهش هشاشة إذا خفضت إليه و ارتحت له.

و عن حفصة قالت: دخل عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوضع ثوبه بين فخذيه‏

14

فجاء أبو بكر يستأذن فأذن له و هو على هيئته، ثم جاء عمر يستأذن فأذن له و هو على هيئته؛ ثم جاء عثمان يستأذن فتجلل ثوبه ثم أذن له، فتحدثوا ساعة ثم خرجوا، قلت: يا رسول اللّه دخل أبو بكر و عمر و علي و أناس من أصحابك و أنت على هيئتك لم تتحرك فلما دخل عثمان تجللت ثوبك؟ قال: (ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟) خرجه أحمد، و خرجه رزين مختصرا و قال البخاري قال محمد: و لا أقول ذلك في يوم واحد.

ذكر اختصاصه بالتوصية إليه ألا يخلع قميصا ألبسه اللّه إياه‏

عن النعمان بن بشير عن عائشة أنها قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعثمان ذات يوم: (يا عثمان: إن اللّه لعله يقمصك قميصا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه ثلاثا) قال قلت: يا أم المؤمنين أين كنت عن هذا الحديث؟ قالت: يا بني أنسيته كأني لم أسمعه قط. خرجه أبو حاتم و الترمذي، و قال: حسن غريب. و في رواية (يا عثمان: إن اللّه يقمصك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه و لا كرامة لهم) يقولها مرتين أو ثلاثا.

و في رواية قالت: أرسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى عثمان فأقبل عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكان آخر كلام كلمه أن ضرب منكبه و قال: (يا عثمان إن اللّه عسى أن يلبسك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني فذكره ثلاث مرات). خرجهما أحمد.

و في رواية أنها قالت إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (يا عثمان إن ولاك اللّه تعالى هذا الأمر يوما فأرادك المنافقون على أن تقلع قميصك الذي قمصك اللّه فلا تخلعه، يقول ذلك ثلاث مرات). قال النعمان بن بشير: فقلت لعائشة ثم ذكر معنى ما تقدم، خرجه أبو الخير القزويني الحاكمي. و في رواية عن عبد اللّه بن عمر (يا عثمان: إن كساك اللّه قميصا و أرادوك على‏

15

خلعه فلا تخلعه، فو الذي نفسي بيده لئن خلعته لا ترى الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) خرجه الصوفي من حديث يحيى بن معين.

ذكر اختصاصه بتمنيه محادثته في بعض الأحوال‏

عن عائشة قالت: كنت عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذات يوم و أنا و حفصة فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لو كان عندنا رجل يحدثنا؟) فقلت يا رسول اللّه أبعث إلى أبي بكر فيجي‏ء فيحدثنا قالت: فسكت (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ قالت: فدعا رجلا فأسر إليه شيئا دوننا فذهب فجاء عثمان و أقبل عليه بوجهه.

و عنها قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مرضه: (وددت أن عندي بعض أصحابي) قالت: فقلت يا رسول اللّه، ألا ندعو لك أبا بكر فسكت، قلنا عمر فسكت، قلنا: عليا فسكت، قلنا: عثمان قال: (نعم!!) قالت: فأرسلتنا الى عثمان. خرجهما الترمذي، و قال: حسن غريب، و أبو حاتم و اللفظ له.

و عنها قالت: كنت عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: (يا عائشة لو كان عندنا من يحدثنا؟ فقلت: ألا أبعث إلى عمر؛ فسكت، ثم دعا و صيفا بين يديه فسار فذهب فإذا عثمان يستأذن فأذن له؛ فدخل فناجاه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) طويلا). خرجه أحمد.

ذكر اختصاصه بقوله ادعوا إليّ أخي‏

عن عائشة قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ادعوا إليّ أخي! قلنا أبو بكر؟ قال: ادعوا إليّ أخي! قلنا عمر؟ قال: ادعوا إليّ أخي! قلنا:

عثمان؟ قال نعم). خرجه الملأ في سيرته.

ذكر اختصاصه بالمساورة له في مرضه و العهد إليه في أمر بينه و بينه‏

عن أبي عبد اللّه الجبيري قال: دخلت على عائشة و عندها حفصة بنت عمر فقالت لها: (أنشدك باللّه أن تصدقيني بكذب أو تكذبيني‏

16

بصدق: تعلمين أني كنت أنا و أنت عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأغمي عليه فقلت لك: أ ترينه قد قبض؟ فقلت لا أدري، ثم أفاق فقال: افتحوا له الباب، فقلت لك أبوك أو أبي؟ فقلت لا أدري؛ ففتحنا فإذا عثمان، فلما رآه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال ادنه فأكب عليه فساره بشي‏ء لا أدري أنا و أنت ما هو، ثم رفع رأسه فقال: أ فهمت ما قلت لك؟ قال نعم، قال ادنه، فأكب عليه أخرى مثلها فساره بشي‏ء ما ندري ما هو، ثم رفع رأسه فقال: أ فهمت ما قلت لك؟ قال نعم، قال ادنه فأكب عليه إكبابا شديدا فساره بشي‏ء ثم رفع رأسه فقال أ فهمت ما قلت لك؟ قال نعم! سمعته أذناي و وعاه قلبي، فقال له: اخرج. قالت حفصة: اللهم نعم!!) أخرجه احمد.

و عنها قالت: قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ادعوا إلي بعض أصحابي، قلت: أبا بكر قال: لا- قلت. عمر قال: لا- قلت ابن عمك قال:

لا- قلت: عثمان قال: نعم- فلما جاءه قال: تنح فجعل يساره و لون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار و حضر فيها قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل؟ قال: لا- إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عهد إلي عهدا و إني صابر نفسي عليه). خرجه أحمد.

و في رواية عنها فأرسلنا إلى عثمان فجعل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يكلمه و وجهه يتغير قال قيس: فحدثني أبو سهلة أن عثمان قال يوم الدار: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عهد إلي و إني صابر عليه، قال قيس: كانوا يرون أن ذلك اليوم- خرجهما الترمذي و أبو حاتم، و اللفظ له. قيس هذا: هو قيس بن أبي حازم يروي عن عائشة.

ذكر اختصاصه بتجهيز جيش العسرة

عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يحث على جيش العسرة فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول اللّه على مائة بعير

17

بأحلاسها و أقتابها في سبيل اللّه، ثم حضّ على الجيش فقام عثمان فقال: على مائة بعير بأحلاسها و أقتابها في سبيل اللّه، ثم حض على الجيش فقام عثمان فقال: يا رسول اللّه على ثلاثمائة بعير بأحلاسها في سبيل اللّه؛ فأنا رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ينزل عن المنبر و هو يقول: (ما على عثمان ما عمل بعد هذه ما على عثمان ما عمل بعد هذه). خرجه الترمذي، و خرجه أحمد، و قال في آخره: «قالت فرأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول بيده- هكذا و يحركها- و أخرج عبد الصمد يده كالمتعجب، ما على عثمان ما عمل بعدها.

و قال أبو عمر: جهز عثمان جيش العسرة بتسعمائة و خمسين بعيرا، و أتم الألف بخمسين فرسا.

و روي عن قتادة أنه قال: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير و سبعين فرسا.

و عن ابن شهاب الزهري: حمل عثمان بن عفان في غزوة تبوك على تسعمائة و أربعين بعيرا و ستين فرسا أتم بها الألف، خرجه القزويني الحاكمي.

و عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عفان بألف دينار في كمه- حين جهز جيش العسرة- فنثرها في حجره (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقلبها في حجره و يقول: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم).

خرجه الترمذي و قال: حسن غريب، و خرجه أحمد و قال يرددها مرارا.

و عن حذيفة قال: بعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى عثمان في جيش العسرة فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار فصبت بين يديه، فجعل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

(بيده و يقلبها ظهرا لبطن و يقول: غفر اللّه لك يا عثمان ما أسررت و ما أعلنت و ما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي ما عمل بعدها). خرجه الملأ في سيرته و الفضائلي.

18

و عن عبد الرحمن بن عوف قال: شهدت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قد جاءه عثمان بن عفان في جيش العسرة بسبعمائة أوقية من ذهب، خرجه الحافظ السلفي. و هذا الاختلاف في الروايات قد يوهم التضاد بينهن، و الجمع ممكن، بأن يكون عثمان دفع ثلاثمائة بعير بأحلاسها و أقتابها على ما تضمنه الحديث الأول، ثم جاء بألف دينار لأجل المؤن التي لا بد للمسافر منها، ثم لما اطلع على أن ذلك لا يكفي زاد في الإبل و أردف بالخيل تتميما للألف، ثم لما لم يكتف بذلك تمم الألف أبعرة و زاد عشرين فرسا على تلك الخمسين، و بعث بعشرة آلاف دينار للمئون، كما دل عليه حديث الرازي و الفضائلي من غير أن يكون بينهن تضاد و لا تهافت؛ و مما يؤيد ذلك ما روت أم عمرو بنت حسان بن يزيد بن أبي الغض- قال أحمد بن حنبل: و كانت عجوز صدق- قالت: سمعت أبي يقول: إن عثمان جهز لجيش العسرة مرتين. خرجه القزويني الحاكمي.

ذكر اختصاصه بتسبيل بئر رومة

عن بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال: لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، و كان لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، و كان يبيع منها القربة بمد، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (تبيعها بعين في الجنة؟) فقال يا رسول اللّه ليس لي و لا لعيالي عين غيرها، لا أستطيع ذلك. قال: فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمسة و ثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال، اجعل لي مثل الذي جعلت له عينا في الجنة قال نعم. قال: قد اشتريتها و جعلتها للمسلمين- خرجه الفضائلي، و فيه دلالة على أن صاحبها كان مسلما.

و قد ذكر أبو عمر أنها كانت ليهودي فساومه عثمان فأبى أن يبيعها كلها فاشترى منه نصفها باثني عشر الف درهم فجعله للمسلمين، و اتفق على أن يكون لليهودي يوم و لعثمان يوم. قال: فكان إذا كان يوم عثمان‏

19

استقى المسلمون ما يكفيهم يومين، فلما رأى اليهودي ذلك قال: أفسدت عليّ ركيتي فاشترى النصف بثمانية آلاف درهم.

ذكر اختصاصه بإجابة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى توسيع مسجده (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن الأحنف بن قيس قال: قدمنا المدينة فجاء عثمان فقيل هذا عثمان و عليه ملبة صفراء قد قنع بها رأسه قال: هاهنا علي؟ قالوا: نعم- قال: هاهنا طلحة؟ قالوا: نعم- قال: أنشدكم باللّه الذي لا إله إلا هو: أ تعلمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (من يبتاع مربد بني فلان غفر اللّه له فابتعته بعشرين ألفا أو خمسة و عشرين ألفا). فأتيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلت:

قد ابتعته فقال اجعله في مسجدنا و أجره لك؟ قالوا فقالوا: اللهم نعم، فقال: أنشدكم باللّه الذي لا إله إلا هو أ تعلمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

(من يبتاع رومة غفر اللّه له). فابتعتها بكذا و كذا ثم أتيته فقلت قد ابتعتها قال اجعلها سقاية للمسلمين و أجرها لك؟ فقالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم باللّه الذي لا إله إلا هو أ تعلمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نظر في وجه القوم فقال: (من يجهز هؤلاء غفر اللّه له). يعني جيش العسرة- فجهزتهم حتى لم يفقدوا عقالا و لا خطاما؟ قالوا: اللهم نعم، قال.

اللهم اشهد ثلاثا. خرجه الدارقطني و أبو حاتم، و خرجه أحمد و لفظه- قال: انطلقنا حجاجا فمررنا بالمدينة فبينما نحن بمنزلنا إذا جاءنا آت فقال: الناس من فزع في المسجد فانطلقت أنا و صاحبي فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد قال: فتخللتهم حتى قمت عليهم فإذا علي ابن أبي طالب و طلحة و الزبير و سعد بن أبي وقاص، فلم يكن ذلك بأسرع مما جاء عثمان قال: أ هاهنا علي؟ قالوا: نعم! قال: أ هاهنا الزبير؟

قالوا نعم! قال: أ هاهنا طلحة؟ قالوا: نعم! قال: أ هاهنا سعد، قالوا: نعم! قال: أنشدكم باللّه الذي لا إله إلا هو- ثم ذكر الحديث إلى آخره- ثم قال اللهم اشهد، ثم انصرف.

20

و عن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم باللّه و بالإسلام هل تعلمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قدم المدينة و ليس بها ماء مستعذب غير بئر رومة فقال: (من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة). فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟

فقالوا: اللهم نعم! قال: أنشدكم باللّه و بالإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة). فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين؟ قالوا: اللهم نعم! فقال:

أنشدكم باللّه و بالإسلام هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟

قالوا اللهم نعم! قال أنشدكم باللّه و بالإسلام هل تعلمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان على ثبير مكة و معه أبو بكر و عمر و أنا فتحرك الجبل حتى سقطت حجارته بالحضيض قال: فركضه برجله و قال: (اسكن ثبير فإن عليك نبيا و صديقا و شهيدين)؟ قالوا: اللهم نعم! قال: اللّه أكبر شهدوا، و رب الكعبة: إني شهيد ثلاثا. خرجه الترمذي و قال: حسن، و خرجه أحمد- بتغيير بعض ألفاظه و تقديم تأخير و قال: حرا مكان ثبير- و زاد:

أنشدكم باللّه من شهد بيعة الرضوان إذ بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المشركين أهل مكة فقال: (هذه يدي و هذه يد عثمان) فبايع لي، فانشد له رجال، و خرجه الدارقطني و زاد في بعض طرقه: أنشدكم باللّه! هل تعلمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) زوجني إحدى ابنتيه بعد الأخرى رضا بي و رضا عني؟ قالوا: اللهم نعم!

و عن قتادة قال: كانت بقعة إلى جنب المسجد فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم):

(من يشتريها و يوسعها في المسجد له مثلها في الجنة) فاشتراها عثمان فوسعها في المسجد خرجه خيثمة بن سليمان في فضائل عثمان.

21

ذكر اختصاصه بتشييد مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تقصيصه‏

عن ابن عمر أن المسجد كان على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مبنيا باللبن و سقفه بالجريد و عمده خشب النخل، فلم يزد أبو بكر شيئا، و زاد فيه عمر و بناه على بنائه على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) باللبن و الجريد و أعاد عمده خشبا، ثم عمر عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة و بنى جداره بالحجارة المنقوشة و القصة، و جعل عمده من حجارة منقوشة و سقفه بالساج، أخرجه البخاري.

ذكر اختصاصه بأنه نور أهل السماء و مصباح أهل الارض‏

عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (قوموا بنا نعد عثمان بن عفان، قلنا: عليل يا رسول اللّه؟ قال: نعم! فقام (صلّى اللّه عليه و سلّم) و اتبعناه حتى أتى منزل عثمان فاستأذن فأذن له فدخل و دخلنا، فوجد عثمان مكبوبا على وجهه فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما لك يا عثمان لا ترفع رأسك؟ فقال: يا رسول اللّه إني استحي- يعني من اللّه تعالى- قال: و لم ذاك؟ قال: أخاف أن يكون عليّ غضبان، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): أ لست حافر بئر رومة، و مجهز جيش العسرة؟ و الزائد في مسجدي؛ و باذل المال في رضا اللّه تعالى و رضاي، و من تستحي منه ملائكة السماء، هذا جبريل يخبرني عن اللّه عز و جل أنك نور أهل السماء و مصباح أهل الأرض و أهل الجنة).

خرجه بالملإ.

ذكر اختصاصه بإجابة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى توسيع مسجد الكعبة

عن المهلب بن عبد اللّه أنه دخل على سالم بن عبد اللّه بن عمر رجل و كان ممن يحمد عليا و يذم عثمان فقال الرجل: يا أبا الفضل ألا تخبرني هل شهد عثمان البيعتين كلتيهما بيعة الرضوان و بيعة الفتح؟

فقال سالم: لا، فكبر الرجل و قام و نفض رداءه و خرج منطلقا فلما أن‏

22

خرج قال له جلساؤه: و اللّه ما أراك تدري ما أمر الرجل، قال: أجل و ما أمره؟ قالوا فإنه ممن يحمد عليا و يذم عثمان، فقال: علي بالرجل فأرسل إليه فأتاه فقال: يا عبد اللّه الصالح إنك سألتني هل شهد عثمان البيعتين كلتيهما بيعة الرضوان و بيعة الفتح فقلت لا فكبرت و خرجت شامتا فلعلك ممن يحمد عليا و يذم عثمان؟ فقال أجل و اللّه إني لمنهم، قال فاستمع مني ثم اردد علي: فإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما بايع الناس تحت الشجرة كان بعث عثمان في سرية و كان في حاجة اللّه و حاجة رسوله و حاجة المؤمنين، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (إلا إن يميني يدي و شمالي يد عثمان و إني قد بايعت له). ثم كان من شأن عثمان في البيعة الثانية أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعث عثمان إلى علي فكان أمير اليمن فصنع به مثل ذلك، ثم كان من شأن عثمان أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لرجل من أهل مكة: (يا فلان: ألا تبيعني دارك أزيدها في مسجد الكعبة ببيت اضمنه لك في الجنة؟) فقال الرجل: يا رسول اللّه ما لي بيت غيره فإن أنا بعتك داري لا يأويني و ولدي بمكة شي‏ء، فقال: (لا. بل يعني دارك أزيدها في مسجد الكعبة ببيت أضمنه لك في الجنة). فقال الرجل:

و اللّه ما لي إلى ذلك حاجة فبلغ ذلك عثمان- و كان الرجل صديقا له في الجاهلية- فلم يزل به عثمان حتى اشترى منه داره بعشرة آلاف دينار ثم أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: يا رسول اللّه بلغني أنك أردت من فلان داره لتزيدها في مسجد الكعبة ببيت تضمنه له في الجنة و إنما هي داري فهل أنت آخذها ببيت تضمنه لي في الجنة؟ قال: (نعم)، فأخذها منه و ضمن له بيتا في الجنة و أشهد له على ذلك المؤمنين، ثم كان من جهازه جيش العسرة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غزا غزوة تبوك فلم يلق في غزاة من غزواته ما لقي فيها من المخمصة و الظمأ و قلة الظهر فبلغ ذلك عثمان فاشترى قوتا و طعاما و أدما و ما يصلح لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لأصحابه، فجهز إليه عيرا فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى سواد قد أقبل قال: (هذا قد جاءكم اللّه‏

23

بخير)، فانيخت الركاب و وضع ما عليها من الطعام و الأدم و ما يصلح لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه فرفع يديه إلى السماء و قال: (اللهم إني قد رضيت عن عثمان فارض عنه) ثلاث مرات ثم قال: (يا أيها الناس ادعوا لعثمان). فدعا له الناس جميعا مجتهدين و نبيهم (صلّى اللّه عليه و سلّم) معهم ثم كان من شأن عثمان أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) زوجه ابنته فماتت فجاء عثمان و عمر عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) جالس فقال يا عمر: إني خاطب فزوجني ابنتك فسمعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: (خطب إليك عثمان ابنتك زوجني ابنتك و أنا أزوجه ابنتي). فتزوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ابنة عمر و زوجه ابنته، فهذا ما كان من شأن عثمان. أخرجه ابو الخير القزويني الحاكمي.

ذكر اختصاصه بإقامة يد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الكريمة مقام يد عثمان لما بايع الصحابة و عثمان غائب‏

قد تقدم في الذكرين قبله طرف منه.

و عن أنس قال: لما أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أهل مكة فبايع الناس فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

(إن عثمان في حاجة اللّه و حاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعثمان خيرا له من أيديهم لانفسهم).

خرجه الترمذي و قال حسن صحيح غريب.

و عن عثمان قال: كانت بيعة الرضوان فيّ و ضرب لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بشماله على يمينه، و شمال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خير من يميني، قال القوم في حديثهم بينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذ قيل هذا عثمان قد جاء فقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) البيعة. خرجه خيثمة بن سليمان في فضائل عثمان.

ذكر اختصاصه بتبليغ رسالة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى من بمكة أسيرا من المسلمين‏

عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: اشتد البلاء على من‏

24

كان في أيدي المشركين من المسلمين قال فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمر فقال: (يا عمر هل أنت مبلغ عني إخوانك من أسرى المسلمين؟) قال. بأبي أنت و اللّه ما لي بمكة عشيرة غيري أكثر عشيرة مني، قال فدعا عثمان فأرسل إليهم فخرج عثمان على راحلة حتى جاء عسكر المشركين فعبثوا به و أساءوا له القول ثم أجاره ابان بن سعيد بن العاص ابن عمه و حمله على السرج و ردف خلفه فلما قدم قال: يا ابن عم طف، قال: يا ابن عم إن لنا صاحبا لا نبتدع أمرا هو الذي يكون يعمله فتتبع أثره، قال: يا ابن عمر ما لي أراك متحشفا أسبل، قال و كان إزاره إلى أنصاف ساقيه، قال له عثمان: هكذا إزرة صاحبنا فلم يدع أحدا بمكة من أسرى المسلمين إلا أبلغهم ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخرجه أبو عمرو الغفاري.

ذكر شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعثمان بموافقته في ترك الطواف لما أرسله في تلك الرسالة

عن أياس بن سلمة عن أبيه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بايع لعثمان إحدى يديه على الأخرى فقال الناس: هنيئا لأبي عبد اللّه الطواف بالبيت آمنا، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لو مكث كذا ما طاف حتى أطوف). خرجه ابن الضحاك في الآحاد و المثاني.

ذكر اختصاصه بسهم رجل ممن شهد بدرا و أجره و لم يحضره‏

عن عثمان بن وهب قال: جاء رجل من أهل مصر و حج البيت فرأى قوما فقال من هؤلاء القوم؟ فقالوا هؤلاء قريش، قال فمن الشيخ منهم؟ قالوا عبد اللّه بن عمر، قال: يا بن عمر إني سائلك فحدثني:

هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم، قال هل تعلم أنه تغيب عن بدر؟ قال: نعم، قال هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم‏

25

يشهدها؟ قال: نعم. قال اللّه أكبر، قال ابن عمر تعال أبين لك؛ أما فراره يوم أحد فاشهد أن اللّه تعالى عفى عنه و غفر له، و أما تغيبه عن بدر، فإنه كان تحته ابنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كانت مريضة فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا و سهمه، و أما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد ببطن مكة أعز من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عثمان و كانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال:

(هذه لعثمان). ثم قال ابن عمر: اذهب بها الآن معك- خرجه البخاري و الترمذي و اللفظ مختلف و المعنى واحد.

و في رواية أن الرجل الذي سأل ابن عمر لما قام قيل لابن عمر: هذا يقول إنك وقعت في عثمان، قال: أ و قد فعلت ذلك؟ قالوا إنه يقول ذلك، فقال ردوه فردوه فقال: أعقلت ما قلت لك؟ قال: نعم، سألتك أشهد عثمان بيعة الرضوان فقلت لا، و سألتك أشهد بدرا فقلت لا، و سألتك أ كان ممن استنزله الشيطان فقلت نعم. فقال ابن عمر:

تعال أخبرك أما بيعة الرضوان ثم ذكر معنى ما تقدم و قال في آخره و أما الذين تولوا يوم التقى الجمعان إنما استنزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا و لقد عفا اللّه عنهم فاجهد عليه جهدك- خرجه أبو الخير القزويني الحاكمي المشهور في تخلف عثمان عن بدر أنه كان بما تضمنه هذا الحديث من تمريض زوجته ابنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أراد الخروج معهم فأذن له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالتخلف عليها. ذكره ابن إسحاق و غيره من أهل العلم بالسير.

و قال بعضهم كان مريضا بالجدري فأراد الخروج فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ارجع و ضرب له بسهمه و أجره خرجه القلعي و الأول اصح.

ذكر اختصاصه بكتابة الوحي حال الوحي‏

عن فاطمة بنت عبد الرحمن عن أمها أنها سألت عائشة و أرسلها عمها

26

فقال إن أحد بنيك يقرئك السلام و يسألك عن عثمان بن عفان فإن الناس قد شتموه فقالت لعن اللّه من لعنه فو اللّه لقد كان قاعدا عند نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لمسند ظهره إليّ و إن جبريل ليوحي إليه القرآن و إنه ليقول له: (اكتب يا عثيم‏ (1) فما كان اللّه لينزل تلك المنزلة إلا كريما على اللّه و رسوله). خرجه أحمد و خرجه الحاكمي و قال قالت لعن اللّه من لعنه لا أحسبها قالت إلا ثلاث مرات: لقد رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو مسند فخذه إلى عثمان و إني لأمسح العرق عن جبين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إن الوحي لينزل عليه و إنه ليقول: (اكتب يا عثيم فو اللّه ما كان اللّه لينزل عبدا من نبيه تلك المنزلة إلا كان عليه كريما).

ذكر اختصاصه بكتابة سر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن جعفر بن محمد عن أبيه قال كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا جلس جلس أبو بكر عن يمينه و عمر عن يساره و عثمان بين يديه و كان كاتب سر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خرجه الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في كتاب فضائل العباس.

ذكر اختصاصه بمرافقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الجنة

عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: شهدت عثمان يوم حوصر و لو ألقي حجرا لم يقع إلا على رأس رجل فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل على الناس و قال لطلحة أنشدك اللّه أتذكر يوم كنت أنا و أنت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في موضع كذا و كذا ليس معه أحد من أصحابه غيري و غيرك، قال نعم، فقال لك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يا طلحة إنه ليس من نبي إلا و معه من أصحابه رفيق في الجنة و إن عثمان- يعنيني- رفيقي في الجنة). قال طلحة: اللهم نعم ثم انصرف- خرجه احمد، و خرجه‏

____________

(1) تصغير عثمان، مرخما.

27

الترمذي مختصرا عن طلحة بن عبيد اللّه و لفظه: قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لكل نبي رفيق و رفيقي عثمان) و لم يقل في الجنة و خرجه الحافظ أبو القاسم في الموافقات كذلك و سياق هذا اللفظ يشعر بالتخصص بالمرافقة.

و قد سبق نحو من هذا السياق في حق أبي بكر و لعل أحدهما رفيق في وقت أو في جنة و الآخر رفيق في آخر أو في أخرى من غير أن يكون بين الخبرين تضاد أو تهافت.

ذكر اختصاصه بكونه أوصلهم للرحم‏

عن مطرف قال لقيت عليا فقال لي يا أبا عبد اللّه ما بطأ بك عنا أحب عثمان؟ أما إن قلت ذاك لقد كان أوصلنا للرحم و أتقانا للرب.

خرجه في الصفوة.

ذكر اختصاصه بدعاء من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يدع به لأحد قبله و لا بعده‏

عن الحسن بن علي قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المنام متعلقا بالعرش ثم رأيت أبا بكر آخذا بحقوي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم رأيت عمر آخذا بحقوي أبي بكر ثم رأيت عثمان آخذا بحقوي عمر ثم رأيت الدم منصبا من السماء إلى الأرض. فحدث الحسن بهذا الحديث و عنده ناس من الشيعة فقالوا: ما رأيت عليا؟ قال: ما كان أحد أحب إلي أن أراه آخذا بحقوي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من علي رضي اللّه عنه و لكن إنما هي رؤيا فقال أبو مسعود عقبة بن عمرو إنكم لتجدون على الحسن في رؤيا رآها لقد كنت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و نحن في غزاة قد اصاب المسلمين جهد حتى عرفت الكآبة في وجوه المسلمين و الفرح في وجوه المنافقين فلما رأى ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (و اللّه لا تغيب الشمس حتى يأتيكم اللّه برزق). فعلم عثمان‏

28

ان اللّه و رسوله يصدقان فوجه راحلته فإذا هو بأربع عشرة راحلة فاشتراها و ما عليها من الطعام فوجه منها سبعا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و وجه سبعا إلى أهله فلما رأى المسلمون العير قد جاءت عرف الفرح في وجوههم و الكآبة في وجوه المنافقين فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ما هذا؟) فقالوا أرسل به عثمان هدية لك، قال فرأيته رافعا يديه يدعو لعثمان ما سمعته يدعو لأحد قبله و لا بعده اللهم: أعط لعثمان و افعل لعثمان رافعا يديه حتى رأيت بياض ابطيه. خرجه القزويني الحاكمي.

ذكر اختصاصه بدعاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بعض الأحوال الليل كله‏

عن أبي سعيد الخدري قال رمقت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أول الليل إلى أن طلع الفجر يدعو لعثمان بن عفان يقول: اللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه. خرجه الحافظ ابو الحسن الخلعي و صاحب الصفوة و يشبه أن يكون سبب ذلك تجهيزه جيش العسرة أو تسبيل بئر رومة.

و قد ذكر الواحدي ما يشعر بذلك فإنه حكى في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا ... الآية) نزلت في عثمان و عبد الرحمن بن عوف، فأما عثمان فجهز جيش العسرة و سبل‏ (1) بئر رومة.

قال ابو سعيد فرأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رافعا يديه يدعو لعثمان يقول:

(يا رب رضيت عن عثمان فارض عنه). فما زال رافعا يديه حتى طلع الفجر.

و مما ورد عن دعائه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعثمان عن عائشة قالت: مكث آل محمد أربعة أيام ما طعموا شيئا حتى تضاعوا (2) صبياننا فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

____________

(1) جعلها في سبيل اللّه تعالى: ينتفع بها جميع المسلمين: ابتغاء وجه اللّه تعالى.

(2) بلغة من يسند الفعل إلى واو الجماعة مع وجود الفاعل كأكلوني البراغيث.

29

فقال: (يا عائشة هل أصبتم بعدي شيئا؟) فقلت من أين إن لم يأتنا اللّه عز و جل به على يديك فتوضأ و خرج منسحبا يصلي هاهنا مرة و هنا مرة يدعو، قالت فأتى عثمان من آخر النهار فاستأذن فهممت أن أحجبه ثم قلت هو رجل من مكاثير الصحابة لعل اللّه عز و جل إنما ساقه إلينا ليجري على يديه خيرا، فأذنت له فقال يا أمتاه أين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلت يا بني ما طعم آل محمد من أربعة أيام شيئا. دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) متغيرا ضامر البطن فأخبرته بما قال لها و بما ردت قالت فبكى عثمان بن عفان و قال مقتا للدنيا ثم قال: يا أم المؤمنين ما كنت بحقيقة أن ينزل بك، يعني هذا ثم لا تذكرينه لي و لعبد الرحمن بن عوف و لثابت بن قيس في نظائرنا من مكاثير الناس ثم خرج فبعث إلينا بأحمال من الدقيق و أحمال من الحنطة، و أحمال من التمر و بمسلوخ و بثلاثمائة درهم في صرة ثم قال هذا يبطئ عليكم، ثم بعث بخبز و شواء كثير، فقال كلوا أنتم و اصنعوا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى يجي‏ء ثم أقسم على أن لا يكون مثل هذا إلا أعلمته، قالت و دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: (يا عائشة هل أصبتم بعدي شيئا؟) قلت يا رسول اللّه قد علمت أنك إنما خرجت تدعو اللّه عز و جل و قد علمت أن اللّه عز و جل لن يردك عن سؤالك. قال: (فما أصبتم)؟ قلت: كذا و كذا حمل بعير دقيقا و كذا و كذا حمل بعير حنطة و كذا و كذا حمل بعير تمرا و ثلاثمائة درهم في صرة و مسلوخا و خبزا و شواء كثيرا.

فقال: (ممن؟) فقلت من عثمان بن عفان، قالت و بكى و ذكر الدنيا بمقت و أقسم على أن لا يكون مثل هذا إلا كلمته، قالت فلم يجلس النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى خرج إلى المسجد و رفع يديه و قال: (اللهم قد رضيت عن عثمان فارض عنه) ثلاث مرات- خرجه الحافظ ابو القاسم الدمشقي في الأربعين.

و عن ليث بن أبي سالم قال أول منت خبص الخبيص في الإسلام عثمان بن عفان قدمت عليه عير تحمل الدقيق و العسل فخلط بينهما و بعث‏

30

به إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى منزل أم سلمة فلما جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قدمت بين يديه فأكل فاستطابه فقال من بعث بهذا؟ فقالت عثمان يا رسول اللّه بعث به قال: (اللهم إن عثمان ترضاك فارض عنه).

و عن يوسف بن سهل بن يوسف الانصاري عن أبيه عن جده قال خطب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال في خطبته: (اللهم ارض عن عثمان بن عفان) خرجهما خيثمة في فضائله.

و عن عبد اللّه بن سلام قال قدمت عير من طعام فيها جمل لعثمان بن عفان عليه دقيق حواري و سمن و عسل فأتى بها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدعا فيها بالبركة، ثم دعا ببرمة فنصبت على النار و جعل فيها من العسل و الدقيق و السمن ثم عصد حتى نضج أو كاد ينضج ثم أنزل فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

(كلوا هذا شي‏ء تسميه فارس الخبيص)، خرجه تمام في فوائده و الطبراني في معجمه.

و عن جابر بن عطية قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (غفر اللّه لك يا عثمان ما قدمت و ما أخرت و ما أسررت و ما أعلنت و ما أخفيت و ما أبديت و ما هو كائن إلى يوم القيامة). خرجه البغوي في معجمه و خرجه ابن عرفة العبدي و قال: و ما كان و ما هو كائن.

ذكر اختصاصه بترك الصلاة على مبغضه‏

عن جابر قال أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بجنازة رجل ليصلي عليها فلم يصل عليه فقيل يا رسول اللّه ما رأيناك تركت الصلاة على احد قبل هذا قال:

(إنه كان يبغض عثمان فأبغضه اللّه عز و جل) خرجه الترمذي و الخلعي.

ذكر اختصاصه بصلاة الملائكة عليه يوم يموت‏

عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (يوم يموت عثمان تصلي عليه ملائكة السماء) قلت يا رسول اللّه عثمان خاصة أم‏

31

الناس عامة قال: (عثمان خاصة). خرجه الحافظ الدمشقي و قد تقدم في حديث طويل في ذكر وفاة عمر.

ذكر اختصاصه باعتناق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) له في بعض الأحوال و قوله له أنت وليي في الدنيا و الآخرة

عن جابر بن عبد اللّه قال بينما نحن مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في نفر من المهاجرين منهم أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لينهض كل رجل منكم إلى كفئه) (1) و نهض النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى عثمان فاعتنقه و قال: (أنت وليي في الدنيا و الآخرة). خرجه الخجندي في الأربعين و الملأ في سيرته و خرج منه الحافظ ابن عبيد عن جابر قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنت وليي في الدنيا و الآخرة.

ذكر اختصاصه بأنه لا يحاسب أو يحاسب سرا

عن علي بن أبي طالب أنه قال يا رسول اللّه من أول من يحاسب يوم القيامة؟ قال: (ابو بكر) قال ثم من؟ قال: (ثم عمر)، قال ثم من؟ قال: (ثم أنت يا علي)، قلت يا رسول اللّه أين عثمان قال:

(إني سألت عثمان حاجة سرا فقضاها سرا فسألت اللّه أن لا يحاسب عثمان). خرجه الحافظ بن بشران و خرج معناه ابن السمان في الموافقة بزيادة و لفظه قال: قلت يا رسول اللّه من أول من يدعى للحساب؟

قال: (أنا أقف بين يدي ربي يوم القيامة ما شاء اللّه ثم أخرج و قد غفر اللّه لي) قلت ثم من يا رسول اللّه؟ قال: (ثم ابو بكر يقف مثل ما وقفت مرتين أو كما وقفت ثم يخرج و قد غفر اللّه له) قلت ثم من يا رسول اللّه؟ قال: (ثم عمر يقف ما وقف أبو بكر مرتين ثم يخرج و قد غفر اللّه‏

____________

(1) نظيره.

32

له) قلت ثم من يا رسول اللّه؟ قال: (ثم أنت يا علي) قلت يا رسول اللّه فأين عثمان؟ قال: (عثمان رجل ذو حياء سألت ربي أن لا يقف للحساب فشفعني فيه).

و عن أبي إمامة قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أول من يحاسب قال: (أنت يا أبا بكر)، قال: ثم من؟ قال: (ثم عمر)، قال ثم من؟ قال: (ثم علي) قال: فعثمان؟ قال: (سألت ربي أن يهب لي حسابه فلا يحاسبه فوهب لي)، خرجه الخجندي و قال قال الحافظ ابو بكر: و في رواية اخرى (قضى لي حاجة سرا فسألت اللّه أن يحاسبه سرا). و لا تضاد بين الروايتين بل تحمل الأولى على أنه سأله أن لا يحاسبه جهرا بين الناس فوهب له ذلك و جمعا بين هذا و بين ما تقدم في حق أبي بكر أنه لا يحاسب و يكون معنى قوله أول من يحاسب في هذا الحديث أي أول من يبعث للحساب بدليل أنه أول من تنشق عنه الأرض كما تقدم ثم لا يحاسب و اللّه أعلم.

ذكر اختصاصه بأنه أول من خط المفصل‏ (1)

عن أبي سعيد مولى أبي اسيد الأنصاري أن عثمان لما دخل عليه أهوى إليه رجل بالسيف فاتقاه بيده فقطعها فلا أدري أبانها أو لم يبنها قال عثمان أما و اللّه إنها لأول كف خطت المفصل، خرجه أبو حاتم.

ذكر اختصاصه بصبره نفسه على القتل و جمعه القرآن‏

عن عبد الرحمن بن مهدي قال كان لعثمان شيئان ليس لأبي بكر و عمر صبره نفسه حتى قتل مظلوما و جمعه الناس على المصحف.

و عن أنس أن حذيفة قدم على عثمان و كان يغازي أهل الشام في فتح ارمينية و أذربيجان مع أهل العراق فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة

____________

(1) القرآن الكريم: [كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير].

33

فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود و النصارى فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت و عبد اللّه بن الزبير و سعيد بن العاص و عبد اللّه بن الحارث ابن هشام فنسخوها في المصاحف و قال عثمان للرهط القرشيين إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في شي‏ء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف الى حفصة و أرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا و أمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، خرجه البخاري.

ذكر اختصاصه بخلال عشر اختبأها عند اللّه عز و جل‏

عن أبي بشور الفهمي قال سمعت عثمان بن عفان يقول: لقد اختبأت ربي عشرا إني لرابع أربعة في الإسلام و جهزت جيش العسرة و جمعت القرآن على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ائتمنني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ابنته ثم توفيت فزوجني الأخرى، و ما تغنيت مما تمنيت، و ما وضعت يدي اليمنى على فرجي منذ بايعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ما مرت بي جمعة إلا و أنا أعتق فيها رقبة أن لا تكون عندي فأعتقها بعد ذلك، و لا زنيت في جاهلية و لا في إسلام، و لا سرقت. خرجه الحاكمي. و قوله تمنيت أي كذبت، و قد تقدم و تغنيت من الغناء و اللّه أعلم.

ذكر اختصاصه بآي من القرآن نزلت فيه‏

و قد تقدم من ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا ... الآية (1) و اختصاصه بدعاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

____________

(1) سورة البقرة الآية 261.

34

و في عبادة الليل كله: عن ابن عمر في قوله تعالى‏ أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ‏ (1) قال نزلت في عثمان، خرجه الواحدي و الحاكمي و الفضائلي.

و عن محمد بن حاطب قال سمعت عليا رضي اللّه عنه يقول يعني‏ (2) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏ (3) عثمان، خرجه الحاكمي.

و عن ابن عباس في قوله تعالى‏ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (4) قال عثمان، خرجه النجار.

الفصل السابع في أفضليته بعد عمر رضي اللّه عنهما

و أحاديث هذا الفصل تقدمت في باب الأربعة و باب الثلاثة من حديث ابن عمر و غيره مستوفيا فلتنظر ثمة.

و عن النزال قال: قال عبد اللّه بن مسعود حين استخلف عثمان استخلفنا خير من بقي و لم نأله. خرجه خيثمة بن سليمان و القلعي و صاحب الصفوة.

و عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال لعلي بعد أن شاور الصحابة إني قد رأيت القوم لا يعدلون بعثمان أحدا فلا تجعلن عليك حجة، خرجه القلعي.

و عن علي بن الموفق قال: قمت في ليلة باردة فتوضأت بماء بارد و توجهت إلى القبلة فصليت و قرأت ألف مرة قل هو اللّه أحد فلما فرغت غلبتني عيناي فنمت فرأيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في النوم فقلت يا رسول اللّه، القرآن‏

____________

(1) سورة الزمر الآية 9.

(2) يقصد بالذين سبقت لهم من اللّه الحسنى: عثمان.

(3) سورة الأنبياء الآية 101.

(4) سورة النحل الآية 76.

35

الكريم كلام اللّه غير مخلوق فسكت فقلت يا رسول اللّه القدر خيره و شره حلوه و مرة فسكت، فقلت يا رسول اللّه الإيمان قول و عمل يزيد بالطاعة، و ينقص بالمعصية فسكت، فقلت يا رسول اللّه خير الناس بعدك أبو بكر، فسكت، ثم قلت عمر بعد أبي بكر فسكت، ثم أردت أن أقول عثمان فاستحييت منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلت علي بعد عمر فقال لي ثم عثمان ثم علي و جعل يرددها ثم عثمان ثم علي قال: ثم أخذ بعضدي و قال لي يا علي بن الموفق هذه سنتي فاستيقظت، خرجه الحافظ السلفي.

الفصل الثامن في شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالجنة

تقدمت أحاديث هذا الفصل في باب العشرة و ما دونها و الأربعة، و في باب الثلاثة من حديث أبي موسى و حديث أنس و حديث عائشة و حديث زيد بن أرقم، و حديث عبد الرحمن بن عوف و سعيد بن زيد، و تقدم في فصل الخصائص حديث زيد بن أسلم و طلحة بن عبد اللّه في اختصاصه بمرافقة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الجنة.

و عن عبد اللّه بن حوالة قال: قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يهجمون على رجل يبايع الناس، مدثر ببرد، من أهل الجنة، فإذا هو عثمان).

و عن علي رضي اللّه عنه و قد سئل عن عثمان فقال ذاك ختن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ابنتيه ضمن له بيتا في الجنة خرجه ابن السمان في الموافقة.

و عن جابر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما صعد المنبر فنزل حتى قال: (عثمان في الجنة). خرجه الحاكمي.

و عن عبد اللّه بن ظالم أن رجلا جاء إلى سعيد بن زير فقال له إني أبغضت عثمان بغضا لم أبغضه شيئا قط، قال بئس ما قلت أبغضت رجلا من أهل الجنة، خرجه أحمد في المناقب.

36

ذكر وصف حورية لعثمان في الجنة

عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لما أسري بي دخلت جنة عدن فوضع في يدي تفاحة فانتقلت عن حوراء عيناء مرضية كأن مقادم عينيها أجنحة النسور فقلت لمن أنت؟ فقالت للخليفة من بعدك عثمان بن عفان). خرجه خيثمة بن سليمان، و خرجه الحاكمي، (و قالت للخليفة المقتول من بعدك). و خرجه الملاء عن أنس و لفظه.

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (دخلت الجنة فناولني جبريل تفاحة ثم ذكر معنى ما بقي، و قال: قالت للخليفة المظلوم المقتول ظلما عثمان بن عفان). و لم يقل بعدك.

ذكر فعله أشياء موجبة للجنة طمعا فيها

تقدم من ذلك ما ورد في بئر رومة و في توسيع المسجدين.

و عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين أن عثمان ابتاع حائطا من رجل فساومه حتى قام على عثمان ثم قال: أعطي عشرة آلاف، فالتفت عثمان إلى عبد الرحمن بن عوف فقال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

(إن اللّه عز و جل أدخل الجنة رجلا كان سمحا بائعا و مبتاعا و قابضا و مقبضا)، ثم قال زدتك العشرة آلاف لأستوجب هذه الكلمة التي سمعتها من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أخرجه أبو الخير الحاكمي.

الفصل التاسع في ذكر نبذ من فضائله‏

كان عثمان رضي اللّه عنه من السابقين الأولين، و صلّى إلى القبلتين، و هاجر الهجرتين، و تزوج ابنتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و عد من البدريين، و من أهل بيعة الرضوان، و لم يشهدهما كما تقدم بيانه، و هو أحد من توفي عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو عنه راض. و قد تقدم ذكر شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالشهادة في باب ما دون العشرة في أحاديث حراء، و في باب الثلاثة في أحاديث أحد و ثبير.

37

ذكر شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأنه على الحق‏

عن كعب بن عجرة قال: ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتنة فقربها و عظمها قال ثم مر رجل مقنع في ملحفة فقال: (هذا يومئذ على الحق) فانطلقت فأخذت بضبعيه فقلت: هذا يا رسول اللّه، قال: (هذا) فإذا هو عثمان بن عفان خرجه أحمد، و خرج الترمذي معناه عن مرة بن كعب البهزي و قال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه ثم ذكر ما بعده و قال:

حسن صحيح.

ذكر أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) باتباعه عند ثوران الفتنة

عن مرة بن كعب البهزي قال: بينما نحن مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في طريق من طرق المدينة قال: (كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر) قالوا: فنصنع ما ذا يا رسول اللّه؟ قال:

(عليكم بهذا و أصحابه، أو اتبعوا هذا و أصحابه) قال: فأسرعت حتى عطفت الرجل فقلت هذا يا نبي اللّه؟ قال هذا، فإذا هو عثمان بن عفان، أخرجه أبو حاتم و أحمد، و قال فيه: فأسرعت حتى عييت فلحقت بالرجل فقلت هذا يا نبي اللّه، ثم ذكر ما بقي.

(شرح)- صياصي- قرون البقر، و ربما ركبت في الرماح مكان الأسنة، و الصياصي الحصون.

ذكر وصفه بالأمين و الحث على الكون معه‏

عن أبي حبيبة قال سمعت أبا هريرة، و عثمان محصور، استأذن في الكلام فقال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (إنها تكون فتنة و اختلاف أو اختلاف و فتنة)، قلنا يا رسول اللّه فما تأمرنا؟ قال: «عليكم بالأمين و أصحابه و أشار إلى عثمان بن عفان)، خرجه القزويني الحاكمي.

38

و عن كعب قال: و الذي نفسي بيده إن في كتاب اللّه المنزل على محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم): أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان الأمين، فاللّه اللّه يا معاوية في أمر هذه الأمة. ثم نادى الثانية: إن في كتاب اللّه المنزل ثم أعاد الثالثة، خرجه الأنصاري.

ذكر أن له شأنا في أهل السماء

عن زيد بن أبي أوفى حديث مؤاخاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين أصحابه: و فيه: ثم دعا عثمان و قال: ادن يا أبا عمرو ادن يا أبا عمرو فلم يزل يدنو منه حتى ألصق ركبته بركبته، فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى السماء و قال: (سبحان اللّه ثلاث مرات ثم نظر إلى عثمان و كانت أزراره محلولة فزرها (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيده ثم قال: اجمع عطفي ردائك على نحرك، ثم قال: إن لك لشأنا في أهل السماء أبا عمرو، ترد على حوضي و أوداجك تشخب دما فأقول: من فعل بك هذا؟ فتقول فلان و فلان، و ذلك كلام جبريل). خرج هذا القدر أبو الخير الحاكمي، و خرج حديث المؤاخاة بكماله أبو القاسم الدمشقي، و قد تقدم في باب العشرة.

ذكر استجابته للّه و لرسوله في فضائل أخر

عن عبد اللّه بن عدي بن الخيار بن المسور بن مخرمة عن عبد الرحمن ابن الأسود بن عبد يغوث قال: ما منعك أن تكلم عثمان في أخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لعثمان حين خرج إلى الصلاة، قلت: إن لي إليك حاجة و هي نصيحة لك قال: يا أيها المرء منك؟ قال معمر:

أعوذ باللّه منك، فانصرفت فرجعت، فجاء رسول عثمان فأتيته فقال:

ما نصيحتك؟ فقلت: إن اللّه قد بعث محمدا بالحق و أنزل عليه الكتاب و كنت ممن استجاب للّه و رسوله: فهاجرت الهجرتين، و صحبت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و رأيت هديه و قد أكثر الناس في شأن الوليد قال: أدركت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قلت: لا و لكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى‏

39

العذراء في خدرها.

قال: أما بعد فإن اللّه بعث محمدا بالحق فكنت ممن استجاب للّه و رسوله و آمنت بما بعث به، و هاجرت الهجرتين كما قلت، و صحبت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بايعته فو اللّه ما عصيته و لا غششته حتى توفاه اللّه تعالى، ثم أبا بكر (1) مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت أ فليس لي من الحق مثل الذي لهم. قلت: بلى! قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فنأخذ فيه بالحق إن شاء اللّه تعالى. ثم دعا عليا فأمره أن يجلده فجلده ثمانين؟ خرجه البخاري.

و عن حصين بن المنذر قال: لما جي‏ء بالوليد بن عقبة إلى عثمان- و قد شرب الخمر- قال عثمان لعلي: دونك ابن عمك فأقم عليه الحد قال: فجلده أربعين.

و في رواية فقال علي: يا حسين قم فاجلده فقال: ما أنت هذا!؟

ولي هذا غيرك، قال: لا!! و لكنك ضعفت و وهنت و عجزت، و قال:

قم يا عبد اللّه بن جعفر فأجلده، و عد علي حتى بلغ أربعين خرجه مسلم.

ذكر تبشيره (صلّى اللّه عليه و سلّم) عثمان بثبوت الإيمان‏

عن أنس بن مالك قال: عطس عثمان بن عفان عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عطسات متواليات فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يا عثمان ألا أبشرك)؟ قال: بلى!! بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، قال: «فهذا جبريل يخبرني عن اللّه عز و جل: أن من عطس ثلاث عطسات متواليات كان الإيمان ثابتا في قلبه)، خرجه أبو الخير الحاكمي و قال: إنما أراد به من عطس ثلاثا و هو على مثل مقام عثمان في الحياء و الإيقان، قلت: و هذا تحكم لا مستند

____________

(1) ثم عاملت أبا بكر مثله.

40

له، بل إن صح الحديث فظاهره العموم، و تكون هذه خصيصا للمؤمنين.

ذكر شهادته (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأن له الشفاعة يوم القيامة

عن ابن عباس عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (ليشفع عثمان يوم القيامة في سبعين الفا عند الميزان من أمتي ممن استوجبوا النار).

و عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يدخل بشفاعة رجل من أمتي الجنة مثل أحد الحيين ربيعة و مضر)، قيل: و كانوا يرون أن ذلك الرجل عثمان بن عفان، خرجهما الملاء في سيرته.

و عن الحسن قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يشفع عثمان يوم القيامة في مثل ربيعة و مضر)، خرجه الحاكمي القزويني.

ذكر تشبيهه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عثمان بإبراهيم (عليه السلام)

عن مسلم بن يسار قال: نظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى عثمان فقال:

(شبيه بإبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و إن الملائكة لتستحي منه). خرجه المخلص الذهبي و البغوي في الفضائل.

و قد تقدم في مناقب الأعداد أنه شبيه بهارون، فيحتمل أن يكون شبيها بإبراهيم في استحياء الملائكة منه أو في بعض صفاته و هارون في بعض.

ذكر فراسته‏

روي أن رجلا دخل على عثمان و قد نظر امرأة أجنبية فلما نظر إليه‏

41

قال: هاء (1)!! أ يدخل عليّ أحدكم و في عينيه أثر الزنا؟ فقال له الرجل: أوحي بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قال: لا!! و لكن قول حق و فراسة صدق. خرجه الملاء في سيرته.

ذكر كراماته‏

عن نافع أن جهجاه الغفاري تناول عصا عثمان و كسرها على ركبته فأخذته الأكلة في رجله.

و عن أبي قلابة قال: كنت في رفقة بالشام إذ سمعت صوت رجل يقول يا ويلاه النار!! قال: فقمت إليه و إذا رجل مقطوع اليدين و الرجلين من الحقوين‏ (2) أعمى العينين منكبا لوجهه فسألته عن حاله فقال: إني قد كنت ممن دخل على عثمان الدار فلما دنوت منه صرخت زوجته فلطمتها، فقال: ما لك قطع اللّه يديك و رجليك و أعمى عينيك و أدخلك النار، فأخذتني رعدة عظيمة و خرجت هاربا فأصابني ما ترى و لم يبق من دعائه إلا النار قال: فقلت له بعدا لك و سحقا، خرجهما الملاء في سيرته.

و عن مالك أنه قال: كان عثمان مر بحش كوكب فقال: إنه سيدفن هاهنا رجل صالح، فكان أول من دفن فيه. خرجه القلعي.

ذكر متابعته للسنة

عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أفضت مع ابن مسعود من عرفة، فلما جاء المزدلفة صلى المغرب و العشاء كل واحد منهما بأذان و إقامة و جعل بينهما العشاء ثم نام، فلما قال قائل: طلع الفجر صلى الفجر، ثم قال:

إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

____________

(1) لفظة تذكر عند التعجب من شي‏ء.

(2) من الجنبين.

42

(إن هاتين الصلاتين أخرتا عن وقتهما) في هذا المكان- المغرب، فإن الناس لا يأتون هاهنا حتى يعتموا، و أما الفجر فهذا الحين، ثم وقف فلما أسفر قال: إن أصاب أمير المؤمنين السنة دفع، قال فما فرغ عبد اللّه حتى دفع عثمان.

و عن أبي شريح الخزاعي قال: كسفت الشمس في عهد عثمان بن عفان و بالمدينة عبد اللّه بن مسعود قال: فخرج عثمان فصلى بالناس تلك الصلاة: ركعتين و سجدتين في كل ركعة قال: ثم انصرف و دخل داره و جلس عبد اللّه إلى حجرة عائشة و جلسنا إليه فقال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يأمر بالصلاة عند كسوف الشمس و القمر فإذا رأيتموه قد أصابهما فافزعوا إلى الصلاة فإنها إن كانت الذي تحذرون كانت و أنتم على غير غفلة، و إن لم تكن كنتم قد أصبتم خيرا اكتسبتموه، خرجهما أحمد.

ذكر تعبده‏

عن محمد بن سيرين قال: كان عثمان يحيى الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن و عنه قال: قالت امرأة عثمان- حين أطافوا به يريدون قتله- إن يقتلوه أو يتركوه فإنه كان يحيى الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن.

خرجهما أبو عمر.

و عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: قلت لأغلبن الليلة على المقام، قال: فلما صلينا العتمة تخلصت إلى المقام حتى قمت فيه قال:

فبينا أنا قائم إذا رجل وضع يده بين كتفي فإذا هو عثمان بن عفان: فبدأ بأم القرآن يقرأ حتى ختم القرآن فركع و سجد ثم أخذ نعليه فلا أدري صلى قبل ذلك شيئا أم لا: خرجه الحاكمي و الملاء.

و عن مولاة لعثمان قالت: كان عثمان يصوم الدهر، خرجه أبو عمر و صاحب الصفوة.

43

و عن الزبير بن عبد اللّه عن جدته قالت: كان عثمان يصوم الدهر و يقوم الليل إلا هجعة من أوله خرجه في الصفوة.

و عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: قلت لأغلبن الليلة على الحجر يعني المقام فقمت فلما قمت إذا برجل متقنع زحمني فنظرت فإذا عثمان بن عفان فتأخرت فإذا هو يسجد سجود القرآن حتى إذا قلت:

هذه هوادي الفجر أو تر بركعة لم يصل غيرها ثم انطلق. خرجه الشافعي في مسنده.

ذكر كثرة إعتاقه‏

عن أبي نشور الفهمي قال: قدمت على عثمان، فبينما أنا عنده فخرجت فإذا وفد أهل مصر قد رجعوا فدخلت عليه فأعلمته، قال:

كيف رأيتهم؟ قلت: رأيت في وجوههم الشر، و عليهم ابن عدس البلوي، فصعد ابن عدس منبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فصلى بهم الجمعة و تنقص عثمان في خطبته، فدخلت عليه فأخبرته بما قام فيهم فقال: كذب و اللّه ابن عدس، لو لا ما ذكر ما ذكرت ذلك، إني و اللّه لرابع أربعة في الإسلام و أنكحني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ابنته، ثم توفيت فأنكحني ابنته الأخرى؛ ما زنيت و لا سرقت في الجاهلية و لا في الإسلام، و لا تغنيت و لا تمنيت منذ أسلمت، و لا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لقد جمعت القرآن على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لا أتت جمعة إلا و لنا عتق رقبة منذ أسلمت إلا أن لا أجد تلك الجمعة فأجمعها في الجمعة الثانية. أخرجه الرازي و الفضائلي.

ذكر صدقاته‏

تقدم في الخصائص طرف جيد منها، عن ابن عباس قال: قحط الناس في زمان أبي بكر، فقال أبو بكر: لا تمسون حتى يفرج اللّه عنكم.

فلما كان من الغد جاء البشير إليه قال: قدمت لعثمان ألف راحلة برا

44

و طعاما، قال: فغدا التجار على عثمان فقرعوا عليه الباب فخرج إليهم و عليه ملاءة قد خالف بين طرفيها على عاتقه فقال لهم: ما تريدون؟

قالوا: قد بلغنا أنه قد قدم لك ألف راحلة برا و طعاما، بعنا حتى نوسع به على فقراء المدينة، فقال لهم عثمان: ادخلوا. فدخلوا فإذا ألف وقر (1) قد صب في دار عثمان، فقال لهم: كم تربحوني على شرائي من الشام؟ قالوا العشرة اثني عشر، قال: قد زادوني، قالوا: العشرة أربعة عشر، قال: قد زادوني. قالوا: العشرة خمسة عشر، قال: قد زادوني، قالوا: من زادك و نحن تجار المدينة؟ قال: زادني‏ (2) بكل درهم عشرة، عندكم زيادة؟ قالوا: لا!! قال: فأشهدكم معشر التجار أنها صدقة على فقراء المدينة قال عبد اللّه‏ (3): فبت ليلتي فإذا أنا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في منامي و هو على برذون أشهب يستعجل و عليه حلة من نور و بيده قضيب من نور و عليه‏ (4) نعلان شراكهما من نور، فقلت له: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه لقد طال شوقي إليك، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (إني مبادر لأن عثمان تصدق بألف راحلة، و إن اللّه تعالى قد قبلها منه و زوجه بها عروسا في الجنة، و أنا ذاهب إلى عرس عثمان). خرجه الملاء في سيرته.

ذكر زهده‏

عن شرحبيل بن مسلم قال: كان عثمان يطعم الناس طعام الإمارة و يأكل الخل و الزيت. خرجه صاحب الصفوة و الملاء و الفضائلي.

و عن عبد اللّه بن شداد قال: رأيت عثمان يوم الجمعة يخطب و هو يومئذ أمير المؤمنين و عليه ثوب قيمته أربعة دراهم أو خمسة دراهم. خرجه الملاء.

____________

(1) حمل.

(2) أي اللّه تبارك و تعالى: يعني قوله تعالى: [مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها].

(3) هو ابن عباس راوي هذا الخبر.

(4) و في قدميه.

45

و عن الحسن- و قد سأله رجل-: ما كان رداء عثمان؟ قال:

قطري، قال: كم ثمنه؟ قال: ثمانية دراهم، قال: ما كان قميصه؟

قال: سنبلاني، قال: كم ثمنه؟ قال: ثمانية دراهم، قال: و نعلاه معقبتان مخصرتان لهما قبالان. خرجه البغوي في معجمه، و خرجه ابن الضحاك مختصرا بزيادة، و لفظه: أنه سئل عن رداء عثمان فقال:

قطري، قيل: فما كان قميصه؟ قال: سنبلاني، قيل: فما كان إزاره؟

قال: سراويل، و نعلاه لهما قبالان مخصرتان معقبتان.

القطر- ضرب من البرود، يقال لها: القطرية. و سنبلاني- قال الهروي: يجوز أن يكون منسوبا إلى موضع من المواضع، و يقال إذا نسب ثوب سنبلاني، و سنبل ثوبه إذا أسبله و جره من خلفه إلا أنه غير مراد هنا، لأنه ذكره في معرض المدح له. و مخصرتان- أي حف خصريهما حتى صارا مستدقين، و خصرة كل شي‏ء وسطه.

ذكر خوفه‏

عن أبي الفرات قال: كان لعثمان عبد فقال له: إني كنت عركت أذنك فاقتص مني. فأخذ بأذنه، ثم قال عثمان: اشدد، يا حبذا قصاص في الدنيا لا قصاص في الآخرة. خرجه ابن السمان في الموافقة.

و روي عنه أنه قال. لو أني بين الجنة و النار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير. خرجه الملاء.

عن حماد بن زيد قال: رحم اللّه أمير المؤمنين عثمان، و حوصر نيفا و أربعين ليلة لم تبد منه كلمة يكون لمبتدع فيها حجة. خرجه الفضائلي.

(شرح): النيف- يخفف و يشدد و أصله من الواو، و يقال عشرة و نيف و مائة و نيف و كل ما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني.

46

ذكر تواضعه‏

عن الحسن قال: رأيت عثمان نائما في المسجد و رداؤه تحت رأسه فيجي‏ء الرجل فيجلس إليه، ثم يجي‏ء الرجل فيجلس إليه فيجلس كأنه أحدهم. خرجه في الصفوة، و خرج خيثمة معناه و لفظه: قال رأيت عثمان نائما في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد و هو أمير المؤمنين.

و خرجه الملاء و لفظه: رأيت عثمان يقيل في المسجد و يقوم و أثر الحصا في جنبه فيقول الناس: هذا أمير المؤمنين.

و عن علقمة بن وقاص أن عمرو بن العاص قام إلى عثمان و هو يخطب الناس فقال: يا عثمان إنك قد ركبت بالناس النهابير و ركبوها منك، فتب إلى اللّه عز و جل و ليتوبوا، قال: فالتفت إليه عثمان و قال:

و أنت هناك يا ابن النابغة، ثم رفع يديه و استقبل القبلة و قال: أتوب إلى اللّه تعالى! اللهم إني أول تائب إليك. خرجه القلعي.

- النهابير- الرمال المشرفة و أراد: إنك ركبت شدائد و أمورا صعبة كما يصعب السير في الرمال.

ذكر شفقته على رعيته‏

عن سليمان بن موسى: أن عثمان بن عفان دعي إلى قوم كانوا على أمر قبيح فخرج إليهم فوجدهم قد تفرقوا و رأى أمرا قبيحا، فحمد اللّه إذ لم يصادفهم و أعتق رقبة. خرجه في الصفوة.

ذكر حسن صحبته لأهله و خدمه‏

عن جدة الزبير بن عبد اللّه مولاة لعثمان قالت: كان عثمان لا يوقظ أحدا من أهله من الليل إلا أن يجده يقظان فيدعوه فيناوله وضوءه. خرجه أبو عمرو صاحب الصفوة.

47

ذكر كثرة الخير في زمن ولايته‏

عن محمد بن سيرين قال: كثر المال في زمن عثمان فبيعت جارية بوزنها و فرس بمائة ألف درهم، و نخلة بألف درهم. و عن الحسن قال:

كانت الأرزاق في زمن عثمان دارة و الخير كثير.

ذكر ما جاء في الحث على حبه و التحذير من بغضه‏

عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (إذا كان يوم القيامة يؤتى بعثمان و أوداجه تشخب دما، اللون لون دم و الرائحة رائحة المسك، يكسى حلتين من نور، و ينصب له منبر على الصراط فيجوز المؤمنون بنور وجهه، و ليس لمبغضه منه نصيب). خرجه الملاء في سيرته.

و عن علي بن زيد بن جدعان قال: قال لي سعيد بن المسيب انظر إلى وجه هذا الرجل، فنظرت فإذا هو مسود الوجه، فقلت: حسبي، قال: إن هذا كان يسب عليا و عثمان فكنت أنهاه فلا ينتهي. فقلت:

اللهم إن هذا يسب رجلين قد سبق لهما ما تعلم، اللهم إن كان يسخطك ما يقول فيهما فأرني فيه آية. فاسود وجهه كما ترى. خرجه أبو عمر، و خرجه خيثمة و لفظه: كنت جالسا عند سعيد بن المسيب فقال لي: قل لقائدك يذهب ينظر إلى هذا الرجل حتى أحدثك، قال: فذهب: قال فرأيت رجلا أسود الوجه أبيض الجسد، فقال سعيد: هذا كان يسب عليا و عثمان و طلحة و الزبير فقلت: إن كان كاذبا سود اللّه وجهه، فخرجت بوجهه قرحة فاسود وجهه. و خرج عن أنس أنه ذكر عنده أنه لا يجتمع حب علي و عثمان في قلب عبد أبدا، فقال: كذبوا، و اللّه إنا نحب عليا و عثمان.

و في رواية كذبوا و اللّه الذي لا إله إلا هو، لقد اجتمع حبهما في قلوبنا، و نحن كذلك و الحمد للّه.

48

ذكر ثناء علي رضي اللّه عنه على عثمان‏

تقدم في الخصائص قول علي: كان عثمان أوصلنا للرحم و أتقانا للرب.

و عن أم عمرو بنت حسان بن يزيد بن أبي الغض- قال أحمد بن حنبل و كانت عجوز صدق- قالت حدثني أبي قال: دخلت المسجد الأكبر- مسجد الكوفة- و علي قائم على المنبر يخطب الناس و هو ينادي بأعلى صوته ثلاث مرات: يا أيها الناس!! يا أيها الناس!! إنكم تكثرون في عثمان و إن مثلي و مثله كما قال اللّه تعالى: وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏ (1). أيها الناس، هذه لنا خاصة. و عنه- و قد قيل له إنهم يقولون إن عليا قتل عثمان- فقال: قتله الذي قتله، لعن اللّه قتلة عثمان.

قال علي: أنا و طلحة و عثمان و الزبير كما قال اللّه تعالى‏ «وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ». خرجهما ابن السمان.

و عن محمد بن حاطب قال: دخلت على عليّ و هو بالكوفة فقلت: يا أمير المؤمنين إني أريد الحجاز و إن الناس سائلي عنك، فما تقول في؟- و كان متكئا- فجلس و قال تسائلني يا ابن حاطب عما أقول في عثمان؟

و اللّه إني لأرجو أن أكون أنا و أخي عثمان ممن قال اللّه تعالى‏ وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏. خرجه ابن السمان.

و عنه عن علي قال: عثمان من الذين آمنوا، ثم قرأ «ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا». خرجه ابن حرب الطائي.

و عن ثابت بن عبد قال جاء رجل من آل حاطب إلى علي بن أبي‏

____________

(1) سورة الحجر الآية 47.

49

طالب فقال: يا أمير المؤمنين إني راجع الى المدينة، و إنهم سائلي عن عثمان، فما ذا أقول لهم؟ قال: أخبرهم أن عثمان من الذين آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و آمنوا ثم اتقوا و أحسنوا و اللّه يحب المحسنين.

و عن محمد بن الحنفية قال: قال علي: لو سيرني عثمان إلى كذا لسمعت و أطعت.

و عن عروة بن الزبير قال: لما زاد عثمان في المسجد قال علي: ما أحسن ما صنع! سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (من بني مسجدا بنى اللّه له بيتا في الجنة).

و عن أبي سعيد قال: رأيت غلاما ما أدرى غلام هو أم جارية ما رأيت أحسن منه جالسا إلى جنب علي بن أبي طالب، فقلت له: عافاك اللّه!! من هذا الفتى إلى جانبك؟ قال: هذا عثمان بن علي، سميته بعثمان بن عفان، و قد سميت بعمر و بالعباس عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و سميت بخير البرية محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أما حسن و حسين و محسن فإنما سماهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عتق عنهم أو حلق رءوسهم و تصدق بزنتها ذهبا، و أمر بهم فسموا. خرجه ابن السمان في الموافقة.

و عن سعيد بن المسيب أنه جرى بين عثمان و علي نزغ من الشيطان فما ترك أحدهما من الآخر شيئا ثم لم يقوما حتى استغفر أحدهما للآخر.

خرجه ابن السمان.

و عن محمد بن الحنفية قال: جاء إلى علي ناس من الناس فشكوا سعاة عثمان. قال فقال لي أبي: اذهب بهذا الكتاب إلى عثمان فقل له:

إن الناس قد شكوا من سعاتك، و هذا أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الصدقة فلتأخذ به. قال: فأتيت عثمان فذكرت له ذلك، فلو كان ذاكرا عثمان بشي‏ء لذكره- يعني بسوء- خرجه أحمد في المناقب.

50

ذكر رؤية الحسن حق عثمان‏

عن أرطاة بن المنذر قال: لقي علي بن أبي طالب الحسن بن علي و هو خارج من عند عثمان قال: يا بني أما لي عليك حق الوالد؟ فقال الحسن: حق الخليفة أعظم من حق الوالد. خرجه ابن الضحاك.

ذكر ما كان بين أولاد علي و عثمان من الصلة.

بالمصاهرة كما كان بينه و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

عن أبهز بن ميرز قال: حججت مرة فإذا غلامان صبيحان أبيضان مقرطان يطوفان بالكعبة و قد أطاف الناس بهما، فقلت: من هذان؟

قالوا: هذان ابنا علي و عثمان، فقلت: ألا ترى هؤلاء تزوج بعضهم بعضا و حجا معا و من حوالينا يقول يشهد بعضهم على بعض بالكفر.

قال وكيع هما ابن لعبد اللّه بن الحسين و الآخر محمد بن عمرو بن عثمان، أمه فاطمة بنت الحسين. خرجه ابن السمان.

ذكر ثناء ابن عمر على عثمان‏

عن ابن عمر أنه سئل عن علي و عثمان فقال للسائل: قبحك اللّه! تسائلني عن رجلين كلاهما خير مني!؟ تريد أن أخفض من أحدهما و أرفع من الآخر! خرجه أبو عمر.

و عن سعيد بن عبد قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان فذكر محاسن عمله ثم قال: لعل ذاك يسوؤك!! قال: نعم. قال:

فأرغم اللّه أنفك، ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله ثم قال: ذاك بيته أوسط بيوت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم قال: لعل ذلك يسوؤك! قال: نعم.

قال: فأرغم اللّه أنفك! انطلق فاجهد على جهدك. خرجه البخاري.

ذكر ثناء البراء على عثمان‏

عن البراء بن عازب قال: لا تسبوا عثمان فإنه أخي و خليلي، لا

51

تسبوا عليا فإنه أخي و خليلي. و الذي نفسي محمد بيده لموقف أحدهم ساعة مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خير من الدنيا و ما فيها. خرجه ابن البختري هكذا موقوفا على البراء، و لعله مرفوع. و أسقط الناسخ ذكر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).

ذكر ثناء خارجة بن زيد عليه بعد موته‏

عن النعمان بن بشير قال أبي رجل يقال له خارجة بن زيد قد سجى عليه بثوب فوقف عليه فإذا هو يقول: عبد اللّه عثمان أمير المؤمنين العفيف المتعفف الذي يعفو عن ذنوب كثيرة خلت ليلتان و بقيت أربع.

خرجه ابن الضحاك و ابن أبي الدنيا.

الفصل العاشر في خلافته و ما يتعلق بها ذكر ما تضمن الدلالة على خلافته بعد عمر

و قد تقدمت أحاديث هذا الذكر في نظيره من باب الأربعة و الثلاثة من تصريح و تلويح، و تقدم الكلام على ما تضمنته الأحاديث من مشكل، و بيان وجه الدلالة على المطلوب، و تقدم في فصل الشهادة له بالجنة في ذكر وصفنا الحورية طرف منه أيضا.

و عن الأسود بن هلال عن رجل من قومه قال: كنا نقول في خلافة عمر بن الخطاب: لا يموت عثمان حتى يستخلف‏ (1). قلنا: من أين تعلم ذلك؟ قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (رأيت الليلة في المنام كأن ثلاثة من أصحابي ودقوا). الحديث: و تقدم أيضا في باب الثلاثة، و فيه بحث دقيق فلينظر ثمة.

و روي أن أبا بكر لما أملى على عثمان وصيته عند موته، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أغمي عليه، فكتب عثمان عمر، فلما أفاق قال: من‏

____________

(1) حتى يصير خليفة.

52

كتبت؟ قال: عمر قال: لو كتبت نفسك لكنت لها أهلا. خرجه في الصفوة.

و عن يزيد بن أسلم عن أبيه قال: كتب عثمان بن عفان عهد الخليفة من بعد أبي بكر فأمره أن لا يسمي أحدا، و ترك اسم رجل، فأغمي على أبي بكر إغماءة. فأخذ عثمان العهد و كتب فيه اسم عمر. قال: فأفاق أبو بكر فقال: أرنا العهد فإذا اسم عمر. قال: من كتب هذا؟ قال عثمان أنا! قال: رحمك اللّه و جزاك خيرا، فو اللّه لو كتبت نفسك لكنت لذلك أهلا. أخرجه ابن عرفة العبدي.

و عن حذيفة قال: قيل لعمر- و هو بالموقف-: من الخليفة بعدك؟

قال: عثمان بن عفان. خرجه خيثمة بن سليمان، و هذا خبر عن كشف و اطلاع لا عن عهد.

و عن حارثة بن مضرب قال: حججت مع عمر فكان الحادي يحدو:

إن الأمير بعده عثمان. و حججت مع عثمان فكان الحادي يحدو: إن الأمير بعده علي. خرجه البغوي في معجمه، و خرجه خيثمة و قال:

حججت مع عمر حجتين فسمعت الحادي إلى آخره.

ذكر بيعته‏

بويع بالخلافة يوم السبت عاشر المحرم سنة أربع و عشرين بعد دفن عمر بثلاثة أيام باجتماع الناس عليه. ذكره ابن قتيبة و أبو عمر و غيره، و اتخذ رضي اللّه عنه حاجبا هو حمران مولاه و كاتبا هو مروان بن الحكم.

ذكره الخجندي و غيره و خاتما (1) نقشه آمنت باللّه مخلصا، و قيل آمنت بالذي خلق فسوى، و قيل لتصبرن او لتذمن. ذكره الخجندي أيضا و كان في يده خاتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يطبع به إلى أن وقع منه في بئر أريس. و قد

____________

(1) اي و اتخذ خاتما.

53

تقدم ذكره في فصل خلافة أبي بكر ثم عمر. قال ابن قتيبة: و افتتح أيام خلافته الإسكندرية، ثم سابور، ثم افريقية، ثم قبرص، ثم سواحل الروم و اصطخر الأخيرة و فارس الأولى، ثم خوز و فارس الأخيرة، ثم طبرستان و دارابجرد و كرمان و سجستان، ثم الأساورة في البحر، ثم إفريقية من حصون قبرص، ثم ساحل الأردن، ثم مرو. ثم حضر عثمان في ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين.

ذكر حديث الشورى‏

عن عمرو بن ميمون أنهم قالوا لعمر بن الخطاب لما طعنه أبو لؤلؤة:

أوص يا أمير المؤمنين. استخلف. قال: ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو عنهم راض. فسمى عليا و طلحة و عثمان و الزبير و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنهم، قال: و يشهد عبد اللّه بن عمر و ليس له من الأمر شي‏ء- كهيئة التعزية له- فإن أصاب الأمر سعد فهو ذاك، و إلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله‏ (1) من عجز و لا خيانة. فلما توفي و فرغ من دفنه و رجعوا اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن. اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، و قال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، و قال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان. فخلا هؤلاء الثلاثة علي و عثمان و عبد الرحمن فقال عبد الرحمن للآخرين: أيكما يتبرأ من هذا الأمر و نجعله إليه و اللّه عليه و الإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه و ليحرصن على إصلاح الأمة؟ قال فأسكت الشيخان علي و عثمان، فقال عبد الرحمن: أ فتجعلونه إليّ؟ و اللّه على أن لا آلو عن أفضلكم،

____________

(1): اي عن ولاية الكوفة: حين شكاه أهلها إلى سيدنا عمر: رضي اللّه عنه، و ما كان الشاكون محقين في شكواهم، و من أهل الكوفة- رجل يقال له: أبو سعدة من بني عبس قام في مسجدهم، و قال: إن سعدا- كان لا يسير بالسرية، و لا يقسم بالسوية، و لا يعدل في القضية، فدعا عليه سعد، فاستجيب له، و خبر هذا- مرويّ في الصحيحين.

54

قال: نعم! فأخذ بيد علي فقال: إن لك القدم و الإسلام و القرابة ما قد علمت، اللّه عليك، لئن امرتك لتعدلن و لئن أمرت إليك لتسمعن و لتطيعن، ثم خلا بعثمان فقال له مثل ذلك. فلما أخذ الميثاق قال لعثمان: ارفع يدك فبايعه، ثم بايعه علي. ثم ولج أهل الدار فبايعوه.

خرجه البخاري و أبو حاتم.

و في رواية ذكرها ابن الجوزي في كتاب منهاج أهل الإصابة في محبة الصحابة أن عبد الرحمن لما قال لعلي و عثمان أ فتجعلونه إليّ؟ قالا نعم قال لعلي: أبايعك على سيرة أبي بكر و عمر؟ فقال علي: و اجتهاد رأي.

فخاف أن يترخص من المباح ما لا يحتمله من ألف ذلك التشدد من سيرة الشيخين. فقال لعثمان: أبايعك على سيرة أبي بكر و عمر؟ فقال نعم فبايعه، فسار سيرة أبي بكر و عمر مدة ثم ترخص في مباحات فلم يحتملوها حتى أنكروا عليه.

و عن المسور بن مخرمة أن الرهط الذين ولّاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا فقال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم في هذا الأمر و لكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن. فلما ولوه أمرهم انثال الناس على عبد الرحمن و مالوا إليه حتى ما أرى أحدا من الناس يتبع أحدا من أولئك، و مال الناس إلى عبد الرحمن يشاورونه و يناجونه تلك الليالي إذ كان الليلة التي أصبحنا فيها فبايعنا عثمان.

قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت. فقال: ألا أراك نائما فو اللّه ما اكتحلت هذه الثلاث بكثير نوم، فادع إلى الزبير و سعدا، فدعوتهما له فشاورهما ثم دعاني فقال: ادع لي عليا فدعوته فناجاه حتى ابهار الليل، ثم قال ادع لي عثمان فدعاه فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن للصبح، فلما صلّى الناس الصبح اجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل عبد الرحمن إلى من كان خارجا من‏