الرياض النضرة في مناقب العشرة - ج4

- محب الدين الطبري‏ المزيد...
137 /
245

الباب الخامس في مناقب أبي محمد طلحة بن عبد اللّه و فيه عشرة فصول‏

الفصل الأول في ذكر نسبه‏

و قد تقدم ذكر آبائه في باب العشرة: يجتمع نسبه مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مرة بن كعب، و ينسب إلى تيم بن مرة، فيقال: القرشي التيمي.

يجتمع مع أبي بكر في كعب بن سعد بن تيم: أمه الصعبة بنت عبد اللّه ابن عباد بن مالك بن ربيعة الحضرمي، أخت العلاء بن الحضرمي.

أسلمت. ذكره ابن الضحاك، في الآحاد و المثاني.

الفصل الثاني في اسمه و كنيته‏

و لم يزل اسمه في الجاهلية و الإسلام طلحة، و يكنى أبا محمد، و كان يلقب بطلحة الخير، لقبه‏ (1) به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد (2)، و قيل: في وقعة

____________

(1) لا ريب في إفادة كثرة ألقابه عظم فضله، و كل لقب يدل على فضيلة خاصة.

(2) يوم غزوة أحد، التي انتهت بقتل سبعين من المسلمين، و عزى اللّه تعالى المسلمين بقوله: [إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ‏

246

بدر، حين غاب عنها في حاجة المسلمين، و طلحة الفياض، لقبه به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم غزوة ذات العشيرة (1)، و طلحة الجود، لقبه به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم حنين‏ (2). حكاه ابن قتيبة و صاحب الصفوة و مشكل‏

____________

و ليعلم اللّه الذين آمنا و يتخذ منكم شهداء و اللّه لا يحب الظالمين و ليمحص اللّه الذين آمنوا و يمحق الكافرين‏] و كان طلحة في غزوة أحد يتلقى عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ضربات السيوف، و طعنات الرماح، و رميات السهام؛ حرصا على الخير للأمة: بحياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و سلامته، و قد شلت يده رضي اللّه عنه: بدفعه سهما بها عنه: (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سيأتي هنا مزيد بيان للمؤلف في هذا الأمر فلا عجب أن لقبه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في هذه الغزوة بطلحة الخير، و ما أعظم فوزه؛ رضي اللّه عنه بمثوبته.

و القول بأن تلقيبه بذلك كان في غزوة بدر- ضعيف: كما أشار المؤلف إلى ذلك بقوله:

و قيل في وقعة بدر.

و كانت غزوة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، و كانت غزوة أحد في شوال من السنة الثالثة من الهجرة.

و روى الترمذي، و الحاكم في مستدركه عن جابر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

[من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد اللّه‏].

(1) خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لهذه الغزوة في جمادي الأولى من السنة الثانية للهجرة؛ من أجل عير لقريش عظيمة؛ جمعوا فيها أموالهم، و لم يزل سائرا بمن معه من الصحابة، حتى بلغ العشيرة، فوجد العير قد مضت، فرجع إلى المدينة ينتظرها حينما ترجع.

(2) بعد فتح مكة الأعظم، و سقوط دولة الأوثان و الأصنام- دخل الناس في دين اللّه أفواجا، و دانت للإسلام جموع العرب.

و لكن قبيلتي هوازن و ثقيف- أدركتهما حمية الجاهلية، و اجتمع أشرافهم؛ يتشاورون، و قالوا: قد فرغ محمد من قتال قومه، ففرغ لنا، فلنغزه قبل أن يغزونا، فأجمعوا أمرهم على ذلك، و ولوا رياستهم مالك بن عوف النصري، فاجتمع له جموع كثيرة؛ فيهم بنو سعد بن بكر، الذين كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسترضعا فيهم، و كان في القوم دريد بن الصمة، المشهور بأصالة الرأي، و شدة البأس في القتال، و لكن لم يكن له في هذه الحرب إلا الرأي، ثم إن مالك بن عوف- أمر الناس أن يأخذوا معهم نساءهم، و ذراريهم، و أموالهم: ليكون خلف كل رجل أهله و ماله: يقاتل عنهم، فتمتلئ نفسه زيادة حماسة، و إقدام فقال دريد: و هل يرد المنهزم شي‏ء. إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه و رمحه، و إن كانت عليك- فضحت في أهلك و مالك، فلم يقبل مالك مشورته، و جعل النساء صفوفا وراء المقاتلة، و وراءهم‏

247

الصحيحين و الفضائلي و الطائي و غيره.

و عن طلحة بن عبيد اللّه قال: سماني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد طلحة

____________

الإبل ثم البقر ثم الغنم، لكيلا يفر أحد من المقاتلة.

و قد سار (صلّى اللّه عليه و سلّم) إليهم في اثني عشر ألف مقاتل: حين بلغه استعدادهم لحربه و قد أعجب المسلمون: بكثرتهم، فلم تغن عنهم شيئا، فإن مقدمة المسلمين- توجهت جهة العدو، فخرج لهم كمين كان مستترا في شعاب الوادي و مضايقه، و قابلهم بنبل كأنه الجراد المنتشر، فلووا أعنة خيلهم: متقهقرين، و لما وصلوا إلى من قبلهم تبعوهم في الهزيمة لما لحقهم من الدهشة.

و قد ثبت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على بغلته في ميدان القتال، و ثبت معه قليل من المهاجرين و الأنصار، و كان العباس آخذا بلجام البغلة، و أبو سفيان بن الحارث آخذا بالركاب، و كان عليه الصلاة و السلام ينادي أيها الناس، لا يلوي عليه أحد و ضاقت بالمنهزمين الأرض بما رحبت.

و أما رجال مكة الذين هم حديثو عهد بالإسلام، و الذين لم ينزعوا عنهم ربقة الشرك- فمنهم من فرح، و منهم من ساءه هذا الإدبار: قال أخ لصفوان بن أمية: الآن بطل السحر، فقال له صفوان: و هو على شركه: اسكت، فض اللّه فاك، و اللّه لأن يربني رجل من قريش- خير من أن يربني رجل من هوازن و قد بلغت هزيمة بعض الفارين مكة: كل هذا، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)- واقف مكانه: يقول:

أنا النبي لا كذب‏* * * أنا ابن عبد المطلب‏

ثم قال للعباس: و كان جهوري الصوت: ناد بالأنصار، يا عباس، فنادى: يا معشر الأنصار، يا أصحاب بيعة الرضوان، فأسمع من في الوادي، و صار الأنصار يقولون:

لبيك، لبيك، و يريد كل واحد منهم أن يلوى عنان بعيره، فيمنعه من ذلك كثرة الأعراب المنهزمين، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، و يأخذ سيفه، و ترسه، و ينزل عن بعيره، و يخلى سبيله، و يؤم الصوت، حتى اجتمع حول رسول اللّه جمع عظيم منهم، و أنزل اللّه سكينته على رسوله و على المؤمنين، و أنزل جنودا لم يروها، فكر المسلمون على عدوهم على قلب رجل واحد، فتفرق المشركون في كل وجه لا يلوون على شي‏ء من الأموال و النساء و الذراري، و تبعهم المسلمون: يقتلون، و يأسرون، فأخذوا النساء، و الذراري، و أسروا كثيرا من المحاربين، و هرب من هرب، و جرح في هذا اليوم خالد بن الوليد جراحات بالغة، و أسلم ناس كثيرون من مشركي مكة لما رأوه من عناية اللّه بالمسلمين و إن في الذي حصل في هذه الغزوة- لعبرة بالغة، فقد دخل جيش المسلمين أخلاط كثيرون؛ من أعراب، و مشركين، و حديثي عهد بإسلام، و هؤلاء: يستوي لديهم نصر الإسلام و خذلانه، و لذلك- بادروا

248

الخير، و في غزوة العشيرة طلحة الفياض، و يوم حنين طلحة الجود.

أخرجه ابن الضحاك.

____________

لأول صدمة إلى الهزيمة، و لو لا فضل اللّه لانتهى أمر المسلمين و عزهم. فلا ينبغي إذا- أن يكون في الجيش إلا من يقاتل خالصا مخلصا من قلبه. ليكون مدافعا حقا عن دينه، و لا يتجه إلى الفرار أبدا: فرارا من أليم العقاب الذي أعده اللّه للفارين؛ قال تعالى: [وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ].

و في غزوة حنين- يقول تعالى: في القرآن الكريم: [لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ عَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏] و حنين: اسم موضع بين مكة و بين الطائف و إليه صار (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين خرج من مكة لقتال هوازن و ثقيف [و لقد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جالسا يقسم غنائم هوازن بحنين، فوقف عليه رجل من الناس، فقال: إن لي عندك موعدا يا رسول اللّه، فقال: صدقت. فاحتكم ما شئت- أي لك الحكم في طلب ما تريد- فقال: أحتكم ثمانين ضائنة- أي نعجة، فالذكر ضائن- و راعيها- أي معها الخادم الذي يرعاها- فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): هي لك، و لقد احتكمت يسيرا، و لصاحبة موسى: (عليه السلام)- و هي العجوز من عجائز مصر- التي دلته على عظام يوسف: (عليه السلام)- أي جسده الشريف، و كان في صندوق من رخام في قعر النيل تتلاطم عليه الأمواج- أحزم منك- أي أكثر حزما منك- و أجزل حكما حين حكمها موسى (عليه السلام):- فإنه لما سأل عن يوسف (عليه السلام)- لم يجد عند أحد علما: لتقادم العصر، و مرور الأزمنة، و أجمع رأيهم على عجوز كانت من بقايا القبط، و قد أتت عليها سنون، فطلبها سيدنا موسى: (عليه السلام)، و سألها، فقالت: عندي علم من ذلك، فقال:

أخبرينا، و لك ما تريدين، فقالت: حكمي أن تردني شابة- كأحسن ما كنت عليه من الشباب- و أدخل معك الجنة، فأخبرته عن محله، فدعا اللّه تعالى بأن يردها شابة، فارتدت في الحال شابة، و رجع إليها حسنها، و جمالها، و دعا اللّه تعالى أن يجعلها معه في الجنة، فاستجيب له، و دلته على محله في قعر النيل، فأتى إليه، و أشار بعصاه، فانفرق البحر، و ظهر الصندوق، فحمله موسى (عليه السلام) إلى بيت المقدس، فدفنه عند آبائه الكرام، (عليهم السلام)، فكان الناس يصفون ما احتكم به، حتى جعل مثلا يقولونه: هو: أشح من صاحب الثمانين و الراعي: يعنون به ذلك الرجل، الدني‏ء الهمة قال العراقي- في تخريج هذا الحديث- رواه ابن حبان، و الحاكم في المستدرك؛ من حديث أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه: مع اختلاف.

249

و دعاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الصبيح المليح الفصيح. ذكره الطائي في الأربعين.

و عن موسى بن طلحة أن طلحة نحر جزورا، و حفر بئرا يوم ذي قرد فأطعمهم و سقاهم؛ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الفياض: و قال اشترى طلحة بئرا فتصدق بها، و نحر جزورا، فأطعمهم و سقاهم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يا طلحة، أنت الفياض). فسمى طلحة الفياض. أخرجه ابن الضحاك.

و أما طلحة الطلحات الذي قيل فيه:

رحم اللّه أعظما دفنوها* * * بسجستان طلحة الطلحات‏

فهو رجل من خزاعة، ذكره ابن قتيبة.

(شرح)- إنما لقب بطلحة الجود و طلحة الفياض لسعة عطائه و كرمه، و كان جوادا؛ و سيأتي من وصف جوده طرف في بابه إن شاء اللّه تعالى. و غزوة ذات العشيرة، و يقال العشيرة، و هو موضع ببطن ينبع.

الفصل الثالث في صفته‏

قال بعضهم: كان آدم، كثير الشعر، ليس بالسبط و لا بالجعد القطط. حسن الوجه، دقيق العرنين، إذا مشى أسرع، و كان لا يغير شعره هكذا ذكره أبو عمر، و قيل: و لم يحك البغوي غيره، كان أبيض إلى الحمرة، مربوعا إلى القصر أقرب منه إلى الطول، رحب الصدر، عريض المنكبين، إذا التفت التفت جميعا، ضخم القدمين لا أخمص لهما.

و القولان حكاهما ابن قتيبة.

(شرح)- آدم: أسمر، و الأدمة بالضم السمرة، و الأدمة أيضا الوسيلة إلى الشي‏ء؛ قاله الفراء- و السبط: بكسر الباء و إسكانها الشعر

250

المسترسل، و الجعد: ضده، و القطط: الشديد الجعودة- و عرنين الأنف: أوله، تحت مجتمع الحاجبين، و قد يطلق على الأنف. و عرنين كل شي‏ء أوله.

الفصل الرابع في إسلامه‏

عن إبراهيم بن طلحة بن عبيد اللّه قال: قال طلحة: حضرت بسوق بصرى فإذا راهب‏ (1) في صومعة يقول: سلوا أهل هذا الموسم:

أ فيهم أحد من الحرم‏ (2)؟ قال طلحة: نعم: أنا. قال: هل ظهر أحمد بعد؟ قال: قلت: و من أحمد؟ قال: ابن عبد اللّه بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، و هو آخر الأنبياء، و مخرجه من الحرم، و مهاجره إلى نخل‏ (3) و حرة و سباخ، فإياك أن تسبق إليه. قال طلحة:

فوقع في قلبي ما قال، فخرجت مسرعا حتى قدمت مكة فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد اللّه الأمين تنبأ، و قد تبعه ابن‏ (4) أبي قحافة. قال: فخرجت حتى دخلت على أبي بكر، فقلت:

اتبعت هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه، فإنه يدعو إلى الحق، و أخبره طلحة بما قال الراهب، فسر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذلك فلما أسلم أبو بكر و طلحة أخذهما نوفل بن خويلد، و شدهما في حبل واحد و لم يمنعهما بنو تيم؛ فلذلك سمي أبو بكر و طلحة «القرينين». أخرجه الفضائلي، و صاحب فضائل أبي بكر.

و أسلم أخو طلحة عثمان بن عبيد اللّه، أمه كريمة بنت موهب من‏

____________

(1) منقطع من النصارى للعبادة وفق تعاليم النصرانية في زعمه.

(2) حرم مكة.

(3) يعني يثرب (المدينة).

(4) أبو بكر رضي اللّه عنه.

251

كندة، و قيل بنت جندب من بني سواة بن عباس بن صعصعة، ولده عبد الرحمن بن عثمان، له صحبة و رواية عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لهما أخ ثالث قتل يوم بدر كافرا.

الفصل الخامس في ذكر هجرته‏ (1)

لم أظفر بشي‏ء يخصها. و لا شك في أنه رضى اللّه عنه هاجر و لم يزل مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ملازما له حتى توفي‏ (2) و هو عنه راض، و قضاياه في أحد و غيرها مما يشهد له بذلك.

الفصل السادس في خصائصه:

ذكر اختصاصه بالبروك يوم أحد للنبي حتى صعد على ظهره إلى صخرة

عن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه قال: كان على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد درعان، فذهب لينهض على صخرة فلم يستطع، فبرك طلحة بن عبيد اللّه تحته و صعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ظهره حتى صعد على الصخرة؛ قال الزبير: فسمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (أوجب‏ (3) طلحة) أخرجه أحمد و الترمذي و قال: حسن صحيح، و أبو حاتم و اللفظ للترمذي.

و عن طلحة رضي اللّه عنه قال: لما كان يوم أحد و حملت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ظهري حتى استقل و صار على الصخرة فاستتر من المشركين، فقال لي: هكذا- و أومأ بيده إلى وراء ظهره-: (هذا جبريل يخبرني أنه لا

____________

(1) أي من مكة إلى المدينة المنورة.

(2) أي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو عنه أي عن طلحة راض فإنه؛ رضي اللّه عنه- توفي شهيدا يوم وقعة الجمل سنة ست و ثلاثين من الهجرة في خلافة سيدنا علي رضي اللّه عنه.

(3) أي لنفسه الخير: ببروكه.

252

يراك يوم القيامة في هول إلا أنقذك منه). أخرجه الفضائلي.

ذكر اختصاصه برفع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد حتى استوى قائما

عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد، فكسر رباعيته‏ (1) اليمنى، و جرح شفته السفلى، و أن عبد اللّه بن شهاب الزهري شجه في جبهته، و أن ابن قمئة جرح و جنته، فدخل حلقتان من حلق الدرع في و جنته، و وقع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حفرة من الحفر التي عمل عامر ليقع المسلمون و هم لا يعلمون، فأخذ علي بيد رسول اللّه، و رفعه طلحة بن عبيد اللّه حتى استوى قائما. و مص مالك بن أبي سعيد الخدري الدم من وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم) (من مس دمه دمي‏ (2) لم تمسه النار) أخرجه ابن إسحاق.

ذكر اختصاصه بحمل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد و القتال دونه‏

عن عائشة بنت طلحة قالت: لما كان يوم أحد كسرت رباعية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و شج وجهه، و خلاه الغشي، فجعل طلحة يحمله و يرجع القهقرى و كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه، حتى أسنده إلى الشعب.

أخرجه الفضائلي.

ذكر اختصاصه بيوم أحد (3)

عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد، قال: ذلك كله يوم طلحة، قال أبو بكر: كنت أول من جاء يوم أحد، فقال لي رسول‏

____________

(1) السن بين المفلجتين و الناب: على وزن ثمانية.

(2) مما اختص به (صلّى اللّه عليه و سلّم) طهارة دمه.

(3) و ما أعظم هذه المنقبة لطلحة: رضي اللّه عنه.

253

اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لأبي عبيدة بن الجراح: عليكما (1)؛ يريد طلحة، و قد نزف، فأصلحنا من شأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفار، فإذا فيه بضع و سبعون أو أقل أو أكثر بين طعنة و ضربة و رمية، و إذا قد قطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه. أخرجه صاحب الصفوة، و أخرج أبو حاتم معناه و لفظه: قال: قال أبو بكر: لما صرف الناس يوم أحد عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كنت أول من جاء إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فجعلت أنظر إلى رجل بين يديه يقاتل عنه و يحميه، فجعلت أقول:

كن طلحة، فداك أبي و أمي، مرتين؛ ثم نظرت إلى رجل خلفي، كأنه طائر، فلم أنشب أن أدركني، فإذا أبو عبيدة بن الجراح، فدفعنا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و إذا طلحة بين يديه صريع؛ فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) دونكم أخاكم، فأهويت إلى ما رمي به في جبهته و وجنته لأنزعه؛ قال لي أبو عبيدة: نشدتك اللّه يا أبا بكر إلا تركتني. قال: فتركته، فأخذ أبو عبيدة السهم بفمه فجعل ينضنضه، و يكره أن يؤذى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم استله بفمه؛ ثم أهويت إلى السهم الذي في وجنته لأنزعه؛ فقال أبو عبيدة: نشدتك باللّه يا أبا بكر إلا تركتني. فأخذ السهم بفمه، و جعل ينضنضه، و يكره أن يؤذي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم استله؛ و كان طلحة أشد

____________

(1) أي رماه بما يصلح شأنه، و تلك العناية بطلحة منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دليل رحمته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و وفائه، و حسن صنيعه، و تقديره، و صدق اللّه العظيم إذ قال: لصلاح المجتمع، و حسن حال الفرد:

[لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه و اليوم الآخر و ذكر اللّه كثيرا]

و الدنيا اليوم في حاجة ملحة إلى الاقتداء به (صلّى اللّه عليه و سلّم) في هذين الخلقين العظيمين الرحمة و الوفاء، و هما من أظهر شعب الإيمان، و صفات المؤمنين قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) [مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى‏] رواه الإمام أحمد و مسلم عن النعمان بن بشير رضي اللّه عنهما و الوفاء من حسن العهد، و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) [إن حسن العهد من الإيمان‏] رواه الحاكم في مستدركه عن عائشة رضي اللّه عنها.

254

نهكة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أشد (1) منه، و كان قد (2) أصاب طلحة بضعة و ثلاثون من طعنة و ضربة و رمية.

(شرح) ينضنضه: أي يحركه؛ يقال بالصاد و الضاد معا. و نهكة:

من قولهم نهكته الحمى بالكسر تنهكه نهكا إذا أجهدته، و نهكته بالفتح نهكا، لغتان و المعنى أشد جراحة و جهدا و ألما.

و عن قيس بن أبي حازم قال رأيت يد طلحة بن عبيد اللّه شلاء؛ وقى بها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد. أخرجه البخاري و أبو حاتم، و اللفظ له:

و عن أبي عثمان قال: لم يبق مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غير طلحة و سعد. أخرجاه‏ (3)

ذكر اختصاصه بمسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جسده بيده الكريمة يوم أحد فقام صحيحا

عن أبي هريرة أن طلحة لما جرح يوم أحد مسح (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيده على جسده، و قال: اللهم اشفه و قوه؛ فقام صحيحا فرجع إلى العدو.

أخرجه الملاء.

ذكر اختصاصه بالمبادرة إلى تسوية رحل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين دعا إلى ذلك‏

عن عمر بن الخطاب: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليلة، و قد سقط رحله، يقول: (من يسوي رحلي و له الجنة؟) فبدر طلحة بن عبيد اللّه فسواه حتى ركب؛ فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يا طلحة هذا جبريل يقرئك‏

____________

(1) أقوى منه.

(2) بيان لسبب أن طلحة أشد نهكة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

(3) يعني البخاري و مسلم.

255

السلام، و يقول أنا معك في أهوال يوم القيامة حتى أنجيك منها).

أخرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي.

الفصل السابع في شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالجنة

تقدم في باب العشرة طرف من ذلك.

و عن علي بن أبي طالب قال: سمعت أذني من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يقول: (طلحة و الزبير جاراي في الجنة). أخرجه الترمذي، و قال:

غريب.

و عن الزبير قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد يقول: (أوجب طلحة الجنة). أخرجه البغوي في معجمه.

و عن طلحة قال: كان بيني و بين عبد الرحمن بن عوف مال، فقاسمته إياه فأراد شربا في أرضي، فمنعته، فأتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فشكاني إليه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (أ تشكو رجلا قد أوجب؟) فأتاني فبشرني، فقلت: يا أخي أبلغ من المال ما تشكوني فيه إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قال:

قد كان ذلك؛ قال: فإني أشهد اللّه و أشهد رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه لك. أخرجه الفضائلي.

الفصل الثامن في ذكر نبذ من فضائله‏

قال ابن قتيبة و أبو عمر و غيرهما: شهد طلحة أحدا و ما بعدها. و قال الزبير بن بكار و غيره: أبلى طلحة يوم أحد بلاء حسنا، و ثبت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ و وقاه بيده فشلت، و شهد الحديبية و المشاهد (1) كلها، و هو

____________

(1) مشاهد القتال في سبيل اللّه تعالى.

256

أحد العشرة المشهود لهم بالجنة و أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، و أحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى‏ (1) و أخبر أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) توفي و هو عنهم راض؛ و أحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر.

ذكر إثبات سهمه من غنيمة بدر و أجره و لم يحضر

عن ابن شهاب قال: لم يشهد طلحة بدرا، و قدم من الشام بعد مرجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من بدر، فكلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في سهمه‏ (2)، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) (لك سهمك). قال: و أجري يا رسول اللّه؟ قال و أجرك؛ فلذلك كان معدودا في البدريين. أخرجه ابن إسحاق و ابن الضحاك. و حكاه أبو عمر عن موسى بن عقبة قال الزبير بن بكار: كان طلحة بن عبيد اللّه بالشام في تجارة، حين كانت وقعة بدر، و كان من المهاجرين الأولين فضرب له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسهمه، فلما قدم قال:

و أجري يا رسول اللّه؟ قال: و أجرك. أخرجه أبو عمر.

و قال الواقدي: بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر- طلحة بن عبيد اللّه و سعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان‏ (3) الأخبار ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر.

____________

(1) لاختيار الخليفة بعده، و كان من الستة، الذين جعل عمر فيهم الشورى- عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، الذي اختير خليفة؛ كما هو مشهور، و كان ابن عمر مع أهل الشورى: في الرأي فقط، و لم يرض عمر رضي اللّه عنه له أن يكون خليفة: لتبعات الخلافة الثقيلة، فما أرحم عمر بابنه، و هكذا يكون الآباء الرحماء حقا.

(2) السهم: النصيب.

(3) و تجسسهما الأخبار: عون على كسب المعركة، فهو ضرب من الجهاد، فلا عجب أن عدا في البدريين.

257

ذكر شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالشهادة (1)

تقدم في باب ما دون العشرة حديث «تحرك حراء (2)» و قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

(اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق‏ (3) أو شهيد). و كان طلحة ممن كان معه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد اللّه). أخرجه الترمذي و قال: غريب.

ذكر شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له أنه ممن قضى نحبه‏

عن موسى بن معاوية قال: دخلت على معاوية فقال: ألا أبشرك؟

سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (طلحة ممن قضى نحبه). أخرجه الترمذي و قال: غريب.

و عن طلحة أن أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ و كان لا يجترءون على مسألته يوقرونه و يهابونه فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض ثم إني طلعت من باب المسجد و علي ثياب خضر، فلما رآني النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

(أين السائل عمن قضى نحبه؟) قال الأعرابي: أنا يا رسول اللّه.

قال: (هذا ممن قضى نحبه). أخرجه الترمذي، و قال: حسن غريب.

و عنه قال: لما رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أحد صعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قرأ هذه الآية رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ‏

____________

(1) الشهادة: الموت في سبيل اللّه تعالى.

(2) حراء: وزان كتاب: جبل بمكة: يذكر و يؤنث: قاله الجوهري.

(3) ملازم للصدق، و ذلك الوصف من أوصاف سيدنا أبي بكر رضي اللّه عنه.

258

مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ‏ (1) الآية، فقام إليه رجل فقال: أيها السائل هذا منهم. أخرجه في الصفوة.

و عن جابر رضي اللّه عنه قال: نظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى طلحة فقال (من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض و قد قضى نحبه فلينظر إلى وجه طلحة بن عبيد اللّه). أخرجه الملاء.

(شرح)- نحبه: نذره، كأنه ألزم نفسه أن يموت على وصف فوفى به، هذا أصله، لأن النحب النذر، تقول نحبت أنحب بالضم، و النحب الوقت و المدة، يقال فلان قضى نحبه أي مدته فمات، و المعنى أن طلحة التزم أن يصدق اللّه في الحرب لأعدائه فوفى له و لم يفسخ، و تناحب القوم، إذا تواعدوا للقتال أو غيره، و ناحبت الرجل فاخرته أيضا، و منه حديث طلحة أنه قال لابن عباس: هل لك أن أناحبك و نرفع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ أي أفاخرك و نرفع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من رأس الأمر، لا تذكره في فضائلك و قرابتك منه- ذكره الهروي.

ذكر شهادته (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمغفرة له و إثبات اسمه في ديوان المقربين‏

عن أنس رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لطلحة بن عبيد اللّه: (أبشر يا أبا محمد، إن اللّه قد غفر لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، و قد أثبت اسمك في ديوان المقربين). أخرجه الملاء.

ذكر أنه في حفظ اللّه عز و جل و في نظره‏

و عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لطلحة: (أنت في حفظ اللّه و نظره إلى أن تلحق به). أخرجه الملاء.

____________

(1) سورة الأحزاب الآية 23.

259

ذكر أنه سلف‏ (1) النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الدنيا و الآخرة

عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لطلحة بن عبيد اللّه: (أنت سلفي في الدنيا، و أنت سلفي في الآخرة). أخرجه الملاء في سيرته، و ذلك أن طلحة تزوج حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أمهما أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).

ذكر أنه حواري النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن زيد بن أبي أوفى أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لطلحة و الزبير: (أنتما حوارياي كحواريي عيسى بن مريم). أخرجه الحافظ الدمشقي و البغوي في معجمه.

(شرح)- الحواري: الناصر، و الحواريون أنصار عيسى (عليه السلام) و منه قول الأعور الكلابي:

و لكنه ألقى زمام قلوصه‏ (2)* * * ليحيي كريما أو يموت حواريا

قال يونس بن حبيب: الحواري: الخالصة، و قيل: إن أصحاب عيسى إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يغسلون الثياب و يخلصونها من الأوساخ، و يحورونها أي يبيضونها، و التحوير التبييض، و الحور البياض، و قال محمد بن السائب: الحواري: الخليل، و قال معمر عن قتادة:

الحواريون كلهم من قريش، أبو بكر و عمر و علي عثمان و حمزة و جعفر و أبو عبيدة بن الجراح و عثمان بن مظعون و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص و طلحة و الزبير. و عن قتادة أيضا أنه قال الحواريون الذين تصلح‏

____________

(1) السلف هو المعروف بالعديل الآن.

(2) ناقته.

260

لهم الخلافة. ذكره جميعه أبو بكر، و ذكر الهروي طائفة منهم، و كذلك الجوهري.

ذكر إثبات الرجاء بأنه ممن قال اللّه تعالى فيه‏ (وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ)

عن علي (عليه السلام) أنه قال: إني و اللّه لأرجو (1) أن أكون أنا و عثمان و طلحة و الزبير ممن قال اللّه تعالى فيهم‏ وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏ (2) أخرجه أبو عمر.

و عن أبي حبيبة عن مولى طلحة قال: دخلت على علي مع عمران ابن طلحة، بعد ما فرغ من أصحاب الجمل، فرحب به و أدناه، و قال: إني لأرجو أن يجعلني و أباك من الذين قال اللّه تعالى فيهم‏ وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ‏. الآية و قال: يا بن أخي كيف فلان؟ كيف فلان؟ و سأله عن أمهات أولاد ابنه، ثم قال، لم نقبض أرضكم هذه إلا مخافة أن ينهبها الناس. يا فلان، انطلق به إلى ابن قرطة مرة، فليعطه غلته، و ليدفع إليه أرضه، فقال رجلان جالسان ناحية أحدهما الحارث الأعور: اللّه أعدل من ذلك أن يقتلهم و يكونوا إخواننا في الجنة. فقال:

قوما، و أبعدهما و أسحقهما، فمن هو إذا لم أكن أنا و طلحة أخوين؟ يا ابن أخي إذا كان لك حاجة فأتنا. أخرجه الفضائلي الرازي.

(شرح)- أسحقهما: أبعدهما، و منه في مكان سحيق أي بعيد، و كرر لاختلاف اللفظ، و السحق: بالضم البعد، تقول سحقا له، و منه‏

____________

(1) و من أراد أن يكون ممن قال اللّه تعالى فيهم هذا القول الكريم: [وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏]- فليقتد بأولئك المذكورين: في سيرهم و سلوكهم و روى ابن ماجه: بإسناد صحيح: عن عبد اللّه بن عمرو: رضي اللّه عنهما: قال:

قيل: يا رسول اللّه. أي الناس أفضل قال «كل مخموم القلب، صدوق اللسان»:

قالوا: صدوق اللسان- نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: التقي النقي. لا إثم فيه، و لا بغي، و لا غل، و لا حسد].

(2) و من أراد أن يكون ممن قال اللّه تعالى فيهم هذا القول الكريم: [وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏]- فليقتد بأولئك المذكورين: في سيرهم و سلوكهم و روى ابن ماجه: بإسناد صحيح: عن عبد اللّه بن عمرو: رضي اللّه عنهما: قال:

قيل: يا رسول اللّه. أي الناس أفضل قال «كل مخموم القلب، صدوق اللسان»:

قالوا: صدوق اللسان- نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: التقي النقي. لا إثم فيه، و لا بغي، و لا غل، و لا حسد].

261

الحديث (فأقول سحقا سحقا) و السحق بضم الحاء لغة فيه، نحو عسر و عسر، و سحق الشي‏ء بعده، و أسحقه اللّه أبعده.

ذكر جوده‏ (1) و سماحة نفسه و كثرة عطائه و صلة رحمه‏

عن سعدى بنت عوف امرأة طلحة قالت: لقد تصدق طلحة يوما بمائة ألف.

و عنها قالت: دخل عليّ طلحة فرأيته مغموما، فقلت: ما شأنك؟ قال: المال الذي عندي قد كثر و أكربني، فقلت: و ما عليك؟

اقسمه، فقسمه حتى ما بقي منه درهم؛ قال طلحة بن يحيى: فقلت لخازن طلحة: كم كان المال؟ قال: أربعمائة ألف.

و عن الحسن قال: باع طلحة أرضا له بسبعمائة ألف، فبات أرقا من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففرقه.

(شرح)- الأرق: السهر، و أرقت بالكسر: سهرت، و كذلك ايترقت- على افتعلت- فأنا أرق؛ و أرقني كذا تأريقا أي أسهرني.

و عنه أن طلحة باع أرضا من عثمان بسبعمائة ألف؛ فحملها إليه، فلما جاء بها قال: إن رجلا تبيت هذه عنده في بيته- لا يدري ما يطرقه من أمر اللّه- لغرير باللّه فبات و رسله تختلف في سكك المدينة حتى أسحر و ما عنده منها درهم- أخرجهن صاحب الصفوة.

(شرح)- غرير: أي مغرور؛ فعيل بمعنى مفعول كقتيل و طريح، و أسحر: أي دخل في السحر.

____________

(1) و بالنظر إلى ما تضمنه هذا الباب- قلت في ختام مدحة له: رضي اللّه عنه و أرضاه:

عليك رضا الرحمن يا طلحة النّدي‏* * * و لا زلت بين الأكرمين إماما

262

و عن جابر رضي اللّه عنه قال: صحبت طلحة، فما رأيت رجلا أعطى لجزيل مال عن غير مسألة منه.

و عن علي بن زيد قال: جاء أعرابي إلى طلحة يسأله؛ و يتقرب إليه برحم فقال: إن هذه لرحم ما سألني بها أحد قبلك، إن لي أرضا أعطاني بها عثمان ثلاثمائة ألف؛ فإن شئت فاغد فاقبضها، و إن شئت بعتها من عثمان، و دفعت إليك الثمن، فقال الأعرابي: الثمن. فباعها من عثمان. و دفع إليه الثمن.

و عن بعض ولد طلحة قال: لبس طلحة رداء نفيسا، فبينا هو يسير إذا رجل قد استله، فقام الناس فأخذوه منه، فقال طلحة: ردوه عليه، فلما رآه الرجل خجل و رمى به إلى طلحة، فقال طلحة: خذه بارك اللّه لك فيه؛ إني لأستحي من اللّه أن يؤمل فيّ أحد أملا فأخيب أمله.

و عن محمد بن إبراهيم قال: كان طلحة يغل بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة ألف، و يغل بالشراة عشرة آلاف دينار أو أكثر أو أقل، و كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفى مئونة عياله، و يزوج أياماهم و يخدم عائلهم، و يقضي دين غارمهم و كان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كل سنة عشرة آلاف، و لقد قضى عن صبيحة ثلاثين ألف درهم.

أخرج الأربعة الفضائلي.

(شرح)- العائل: الفقير و منه «و إن خفتم عيلة» أي فقرأ- و الأيامى: جمع أيم و هي التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، و يقال للذي لا زوجة له أيم أيضا: قال أبو عبيد: يقال رجل أيم و امرأة أيم؛ و لا يقال أيمة، و الغارم: المديون‏ (1).

و عن الزبير بن بكار أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: كان غلة طلحة

____________

(1) يقال في المقترض: مديون، و مدين.

263

ابن عبيد اللّه كل يوم ألفا وافيا، قال: و الوافي وزنه وزن الدينار و قال و على ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغلية.

و سمع علي (عليه السلام) رجلا ينشد:

فتى كان يدنيه الغنى من صديقه‏* * * إذا ما هو استغنى و يبعده الفقر

قال: ذلك أبو محمد طلحة.

ذكر أنه كان من خطباء الصحابة

عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أن عمر شاور الناس في الزحف إلى قتال ملوك فارس التي اجتمعت بنهاوند، فقام طلحة بن عبيد اللّه و كان من خطباء الصحابة، فتشهد ثم قال: أما بعد يا أمير المؤمنين، فقد أحكمتك الأمور، و عجنتك البلايا، و أحنكتك التجارب، فأنت و شأنك، و أنت و رأيك، إليك هذا الأمر، فمرنا نطع، و ادعنا نجب، و احملنا نركب، و قدنا ننقد، فإنك ولي هذه الأمور، و قد بلوت و اختبرت فلم ينكشف لك عن شي‏ء من عواقب قضاء اللّه عز و جل إلا عن خيار.

ثم جلس. أخرجه في فضائل عمر.

ذكر ثناء ابن عباس عليه و على الزبير

عن ابن عباس- و قد سئل عن طلحة و الزبير- فقال: رحمة اللّه عليهما، كانا و اللّه مسلمين مؤمنين بارين، تقيين خيرين فاضلين طاهرين زلالتين و اللّه غافر لهما: للصحبة القديمة و العشرة الكريمة و الأفعال الجميلة، فأعقب اللّه من يبغضهما بسوء الغفلة إلى يوم الحشر. أخرجه الأصبهاني.

و قد تقدم في مناقب علي (عليه السلام) عن سعد بن أبي وقاص و عن سعيد بن المسيب ما يدل على الحث على محبتهما و الزجر عن بغضهما.

264

الفصل التاسع في مقتله و ما يتعلق بذلك ذكر كيفية قتله و سببه و من قتله‏

كان رضي اللّه عنه حربا لعلي رضى اللّه عنه: و زعم بعضهم أن عليا دعاه فذكره أشياء من سوابقه و فضله، فخرج طلحة عن قتله و اعتزل في بعض الصفوف، فجاءه سهم عزب، فقطع من رجله عرق النسا، فلم يزل دمه ينزف منه حتى مات. و يقال أن السهم أصاب ثغرة نحره، فقال: بسم اللّه، وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (1).

(شرح)- سهم عزب: بفتح الزاي هو الذي لا يعرف راميه، قاله الأزهري، و عن أبي زيد: يقال: أصابه سهم عزب، بإسكانها إذا أتاه من حيث لا يدري، و بفتحها إذا رمى غيره فأصابه- و النسا: بالفتح و القصر عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ثم يمر بالعروق حتى يبلغ الحافر، فإذا سمنت الدابة انفلت فخذاها بلحمتين عظيمتين و يجري النسا بينهما و يستبين، و إذا هزلت الدابة اضطرب الفخذان و خفي النسا- و ثغرة النحر بالضم النقرة التي بين الترقوتين.

قال الأحنف بن قيس: لما التقوا كان أول قتيل طلحة، و المشهور أن مروان بن الحكم هو الذي قتله، رماه بسهم؛ و قال: لا أطلب بثأري بعد اليوم؛ و ذلك أن طلحة زعموا أنه كان ممن حاصر عثمان و اشتد عليه.

و عن يحيى بن سعيد قال: قال طلحة يوم الجمل:

ندمت ندامة الكسعيّ لما* * * شريت رضى بني حزم برغمي‏

____________

(1) سورة الأحزاب الآية 38.

265

اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى؛ فرماه مروان بن الحكم بسهم في ركبته، فجعل الدم يسيل، فإذا أمسكوا فم الجرح انتفخت ركبته، فقال: دعوه فإنما هو سهم أرسله اللّه تعالى. قال: فمات، فدفناه على شاطئ الكلأ فرأى بعض أهله أنه أتاه في المنام فقال: ألا تريحونني من هذا الماء فإني قد غرقت؟ ثلاث مرات يقولها، قال: فنبشوه، فإذا هو أخضر كأنه السلق فنزحوا عنه الماء، ثم استخرجوه فإذا ما يلي الأرض من لحيته و وجهه قد أكله الأرض، فاشتروا له دارا من دور بني بكرة بعشرة آلاف، فدفنوه فيها. أخرجه أبو عمر؛ و أخرج بعضه ابن قتيبة و صاحب الصفوة.

و ذكر أبو عمر من طريق آخر أن مروان بن الحكم رماه بسهم في فخذه، فشكه بسرجه، فانتزع السهم، و كان إذا أمسك الجرح انتفخ الفخذ و إذا أرسلوه سال. فقال طلحة: دعوه فإنه سهم من سهام اللّه أرسله، فمات و دفن، فرآه مولى له ثلاث ليال في المنام كأنه يشكو إليه البرد، فنبش عنه فوجد ما يلي الأرض من جسده مخضرا و قد تحاص شعره، فاشتروا له دارا. و ذكر ما تقدم.

و عن المثنى بن سعد قال: لما قدمت عائشة بنت طلحة أتاها رجل، فقال؛ أنت عائشة بنت طلحة؟ قالت: نعم قال: إني رأيت طلحة في المنام فقال: قل لعائشة حتى تحولني من هذا المكان فإن البرد قد آذاني فركبت في مواليها و حشمها فضربوا عليه بيتا، و استثاروه فلم يتغير منه إلا شعرات في أحد شقى لحيته- أو قال رأسه- حتى حول إلى هذا الموضع.

و كان بينهما بضع و ثلاثون سنة. أخرجه ابن قتيبة و الفضائلي.

(شرح)- قوله: ندمت ندامة الكسعي: البيت، هكذا رواه أبو عمرو المشهور.

266

ندمت ندامة الكسعيّ‏ (1)لما* * * رأت عيناه ما صنعت يداه‏

و هو رجل كان ربى نبعة، و هو شجر ينبت في الصخر، و اتخذ منها قوسا فرمى به الوحش ليلا فأصاب و ظن أنه أخطأ، فكسر القوس، فلما أصبح رأى ما أصمى من الصيد، فندم، فقال الشاعر: ندمت ندامة الكسعي- البيت- و قوله: برغمي: في الرغم ثلاث لغات ضم الراء و فتحها و كسرها، تقول رغم أنفي للّه بكسر الغين و فتحها رغما و رغما، إذا انقدت على كره من نفسك، و فعلت ذلك على الرغم من أنفه و رغم فلان بالفتح إذا لم يقدر على الانتصاف و أصله من الرغام بالفتح و هو التراب، يقال: أرغم اللّه أنفه: أي ألصقه بالرغام، فكأن الفاعل للشي‏ء على كره ملصقا أنفه بالرغام لما اتصف به من إذلال نفسه- و الشاطئ: الجانب، و كذلك الشطء- و تحاص شعره: أي سقط و رجل أحص بين الحصص: قليل الشعر.

ذكر تاريخ مقتله‏

قتل رضى اللّه عنه يوم الجمل، و كان يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست و ثلاثين.

ذكر سنه يوم قتل‏

و كان له يوم قتل ستون سنة، و قيل: اثنتان و ستون، و قيل: أربع‏

____________

(1) رجل يضرب به المثل عند الندم، و اسمه كما ذكر صاحب القاموس غامد بن الحارث الكسعي، الذي اتخذ قوسا و خمسة أسهم، و كمن في فترة- في ناحية-، فمر قطيع، فرمي عيرا أي حمارا، و غلب على الوحشي- فأمخطه- أي أنفذه- السهم، و صدم الجبل، فأورى نارا، فظن أنه قد أخطأ، فرمي ثانيا، و ثالثا: إلى آخرها- و هو يظن خطأه- فعمد إلى قوسه، فكسرها، ثم بات، فلما أصبح- نظر، فإذا الحمر مطرحة مصرعة و أسهمه بالدم مضرجة، فندم، فقطع إبهامه، و أنشد:

ندمت ندامة لو أن نفسي‏* * * تطاوعني إذا لقطعت خمسي‏

تبين لي سفاه الرأي مني‏* * * لعمر أبيك حين كسرت قوسي‏

.

267

و ستون، و قيل غير ذلك. أخرجه ابن قتيبة و أبو عمر و غيرهما.

ذكر ما روى عن علي (عليه السلام) من القول عند موت طلحة

عن طلحة بن معروف أن عليا انتهى إلى طلحة و قد مات، فنزل عن دابته، و أجلسه، و جعل يمسح الغبار عن وجهه و لحيته و هو يترحم عليه و يقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. أخرجه الفضائلي.

الفصل العاشر في ذكر ولده‏

و كان له أربعة عشر ولدا، عشر بنين و أربع بنات.

ذكر البنين‏

(محمد) و هو السجاد، سمي بذلك لكثرة عبادته ولد في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فسموه محمدا و كنوه أبا القاسم، فقيل: إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) سماه محمدا و كناه أبا سليمان، و قال: (لا أجمع له بين اسمي و كنيتي).

أخرجه الدارقطني قتل مع أبيه يوم الجمل، و له عقب؛ و كان علي ينهى عنه و يقول: إياكم و صاحب البرنس، فقتله رجل و أنشأ يقول:

و أشعث قوام بآيات ربّه‏* * * قليل الأذى فيما ترى العين مسلم‏

أمكنه بالرمح حضنى مقبلا* * * فخرّ صريعا لليدين و للفم‏

على غير شي‏ء غير أن ليس تابعا* * * عليا و من لا يتبع الحقّ يظلم‏

يناشدني حم و الرمح شاجر* * * فهلّا تلاحم قبل التقدّم‏

(شرح)- الحضن: ما دون الابط إلى الكشح، و حضنا الشي‏ء:

جانباه و نواحي كل شي‏ء أحضانه- شاجر: أي ملابس له، و تشاجر القوم: تطاعنوا، و تشاجروا: تنازعوا، و شجر الأمر بينهم: اختلف.

268

و روي أن عليا مر به قتيلا فقال: هذا السجاد، قتله‏ (1) بره بأبيه.

ذكره الدارقطني و هو و عمران بن طلحة: أمهما حمنة بنت جحش أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): لا عقب له، و أختهما لأمهما زينب بنت مصعب بن عمير العبدري. قاله الدارقطني، و ذكر أن عمران هذا هو الذي قدم على علي بعد الجمل، و سأله أن يرد عليه أموال أبيه، فقربه و ترحم على أبيه، و قال: لم نقبض أموالكم إلا لتحفظ عليكم. ثم أمر بتسليمها و تسليم جميع ما استغل منها إليه و (عيسى بن طلحة) و كان ناسكا له عقب، و يحيى، و كان من خيار ولده، و له عقب، أمهما سعدى بنت عوف المرية، أخوهما لأمهما المغيرة بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد اللّه بن المغيرة؛ و إسماعيل، و إسحاق: و له عقب و يعقوب و كان جوادا ممدحا. قاله الدارقطني- قتل يوم الحرة، و له عقب، أمهم أم أبان بنت عتبة بن ربيعة و هم بنو خالة معاوية بن أبي سفيان قاله الدارقطني، و موسى: من خيارهم أيضا، و له نبل و قدر، و وجهه عبد الملك بن مروان إلى شبيب فقتله شبيب بالكوفة. و له عقب: أمه خولة بنت القعقاع بن معبد بن زرارة. أخوه لأمه محمد بن أبي جهم بن حذيفة العدوي قاله الدارقطني؛ و زكريا، و يوسف أمهما: أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، و إخوتهما لأمهما عمار. و ابراهيم. و موسى: بنو عبد الرحمن ابن عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي؛ و صالح، أمه الفرعة التغلبية.

ذكر الإناث‏

(عائشة) شقيقة زكريا و يوسف. و تزوجها مصعب بن الزبير بن العوام بعد أن كانت حلفت‏ (2) إن تزوجته فهو عليّ كظهر أمي، فأمرت‏

____________

(1) و يا له من مثل أعلى تحيا به في النفس عاطفة البر بالأب و بر الأم أعظم.

(2) ذكر الإمام ابن العربي في أحكام القرآن أن التحليل و التحريم في النكاح بيد الرجل و أن هذا إجماع. فالظهار بيد الرجل، و ليس للمرأة ظهار كما أنها ليس لها طلاق: فإنه لمن أخذ بالساق.

269

بكفارة الظهار، فكفرت ثم تزوجته، و «أم اسحاق تزوجها الحسن بن علي و (الصعبة) أمها أم ولد و ذكر الدارقطني أن أم أم اسحاق أم الحارث الجرباء بنت قسامة بن حنظلة الطائية، و (مريم) أمها أم ولد. و ذكر ذلك كهل بن قتيبة و صاحب الصفوة، و ذكره الدارقطني، غير أنه ذكر في أولاده (صالحا) و (عثمان) و لم يثبت ذلك.

270

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

271

الباب السادس في مناقب الزبير بن العوام و فيه عشرة فصول على نحو من فصول طلحة

الفصل الأول في نسبه‏

و قد تقدم ذكر آبائه في باب العشرة في ذكر الشجرة، يجتمع نسبه و نسب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في قصي بن كلاب، و ينسب إلى أسد بن عبد العزي بن قصي. فيقال: القرشي الأسدي أمه صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): أسلمت و هاجرت، و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ابن خاله.

و عن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه أنه قال له: يا بني، كانت عندي أمك‏ (1) و عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خالتك عائشة، و بيني و بينه من الرحم و القرابة ما قد علمت، و عمة أبي أم حبيبة بنت أسد جدته و أمي عمته، و أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف، و جدتي هالة بنت وهب بن عبد مناف، و زوجته خديجة بنت خويلد عمتي. أخرجه البغوي في معجمه.

____________

(1) أسماء بنت أبي بكر.

272

الفصل الثاني في اسمه‏

و لم يزل اسمه في الجاهلية و الإسلام الزبير، و يكنى أبا عبد اللّه.

الفصل الثالث في صفته‏

قال الواقدي: كان الزبير ليس بالطويل و لا بالقصير، إلى الخفة ما هو خفيف اللحية، أسمر اللون، أشعر، و كان لا يغير (1) شيبه.

و عن هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير كان طويلا، تخط رجلاه في الأرض إذا ركب الدابة، أزرق أشعر، و ربما أخذت و أنا غلام شعر كنفيه حين أقوم. ذكره ابن قتيبة و البغوي في معجمه و صاحب الصفوة.

الفصل الرابع في إسلامه و سنه يوم أسلم‏

عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن أنه بلغه أن عليا و الزبير أسلما و هما ابنا ثمان سنين.

و عن عروة قال: أسلم الزبير و هو ابن ست عشرة سنة. أخرجه أبو عمرو البغوي.

قال أبو عمر: و قول عروة أصح من قول أبي الأسود.

و قد روي من طريق آخر عن عروة أن الزبير أسلم و هو ابن اثنتي عشرة سنة، أخرجه أبو عمر.

و عن أبي الأسود قال: أسلم الزبير بعد أبي بكر رابعا أو خامسا،

____________

(1) ارتياحا منه لنور الشيب.

273

و عنه لما أسلم الزبير كان عمه يعلقه في حصير و يدخن عليه بالنار، و يقول له ارجع إلى الكفر، فيقول الزبير لا أكفر ابدا: أخرجهما في الصفوة.

و أسلم أخواه‏ (1) شقيقاه السائب و أم حبيب ابنا العوام و أمهما صفية، و أسلم أخواه لأبيه عبد الرحمن و زينب ابنا العوام: أمهما أم الخير أميمة بنت مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار بن قصي و لهم إخوة عدد لهم يوقف على إسلامهم و هم مالك و الحرث و صفوان و عبيد اللّه و بعكل و ملك و أصرم و أسد اللّه و بجير و الأسود و مرة و بلال، منهم من قتل كافرا ذكر ذلك الدارقطني و ذكر أن السائب جاهد مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و استعمله أبو بكر و قتل يوم اليمامة شهيدا و لا عقب له و لا رواية، و أن عبد الرحمن بن العوام كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عبد الرحمن؛ و حسن إسلامه، و استشهد يوم اليرموك و لم يسند شيئا، و أم حبيب تزوجها خالد بن حزام أخو حكيم بن حزام فولدت له أم حسين بنت خالد و زينب بنت العوام تزوجها حكيم بن حزام، فولدت له عبد اللّه و خالدا و يحيى و أم شيبة و فاختة بنت حكيم بن حزام، و لا رواية لها و لا لأختها.

الفصل الخامس في هجرته‏

عن أبي الأسود قال: أسلم الزبير و هو ابن ثمان سنين و هاجر و هو ابن ثمان عشرة سنة. ذكره صاحب الصفوة و ذكر الدارقطني أنه هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، و أنه من المهاجرين الأولين.

____________

(1) أخوه و أخته: ففي التثنية تغليب الذكر على الأنثى.

274

الفصل السادس في خصائصه ذكر اختصاصه بأن أول من سل سيفا في سبيل اللّه عز و جل و دعا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لسيفه‏

عن سعيد بن المسيب قال: كان الزبير أول من سل سيفا في سبيل اللّه عز و جل فدعا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بخير.

و عن هشام بن عروة عن أبيه أن أول رجل سل سيفه في سبيل اللّه عز و جل الزبير، و ذلك أنه نفحت نفحة من الشيطان و أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأقبل الزبير يشق الناس بسيفه و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأعلى مكة فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ما لك يا زبير؟) فقال: أخبرت بأنك أخذت. قال: فصلى عليه و دعا لسيفه. أخرجه أبو عمر، و أخرج الفضائلي معناه عن سعيد بن المسيب، و لفظه: بينا الزبير بمكة إذ سمع نغمة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أخذ فخرج عريانا ما عليه شي‏ء، بيده السيف مصلتا، فتلقاه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: (ما لك يا زبير؟) قال: سمعت أنك قد قتلت قال: (فما كنت صانعا؟) قال: أردت و اللّه أن أستعرض أهل مكة. فدعا له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم). و أخرجه صاحب الصفوة كذلك و أخرجه الملاء و زاد بعد قوله (أستعرض أهل مكة) و أجري دماءهم كالنهر لا أترك أحدا منهم إلا قتلته حتى أقتلهم عن آخرهم. قال: فضحك النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و خلع رداءه و ألبسه، فنزل جبريل و قال: (إن اللّه يقرئك السلام، و يقول لك اقرأ مني على الزبير السلام، و بشره أن اللّه أعطاه ثواب كل من سل سيفا في سبيل اللّه منذ بعثت إلى أن تقوم الساعة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا لأنه أول من سل سيفا في سبيل اللّه عز و جل).

275

(شرح)- نفحت نفحة: يجوز أن يكون من نفحت الريح إذا هبت أو من نفح العرق ينفح إذا نزل منه الدم، أو من نفحت الناقة: ضربت برجلها، و نفحة بالسيف تناوله من بعيد كل هذا يناسبه نفحة الشيطان؛ و يقال؛ نفح الطيب ينفح إذا فاح، و له نفحة طيبة، و لا يزال لفلان نفحات من المعروف و نفحه من العذاب: قطعة منه، و نغمة؛ كلام خفي، يقال منه: نغم ينغم و ينغم نغما، و فلان حسن النغمة إذا كان حسن الصوت- مصلتا: مجردا و أصلت سيفه إذا جرده من غمده فهو مصلت بفتح اللام- أستعرض أهل مكة: أي أقتل من جانب، و لا أسأل عن واحد من العرض الجانب يقال للخارجي أنه يستعرض الناس أي يقتلهم و لا يسأل عن مسلم و لا كافر.

ذكر اختصاصه بأنه حواري النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن جابر رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (إن لكل نبي حواريا، و حواري الزبير). أخرجه البخاري و الترمذي و مسلم بزيادة و لفظه: ندب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لكل نبي حواري و حواري الزبير) و أخرجه الترمذي عن علي بن أبي طالب و قال: حسن صحيح. و أخرجه أحمد عن عبد اللّه بن الزبير بزيادة و لفظه: (لكل نبي حواري و الزبير حواري و ابن عمتي). و أخرجه أبو معاوية و لفظه الزبير ابن عمتي و حواري من أمتي.

و سمع ابن عمر رجلا يقول: أنا ابن الحواري، فقال إن كنت ابن الزبير و إلا فلا. أخرجه أبو عمر.

(شرح) الحواري: تقدم شرحه في فضائل طلحة- و ندب: أي دعا، فانتدب: أي أجاب.

276

ذكر اختصاصه بنزول الملائكة يوم بدر عليها عمائم على لون عمامة الزبير

عن هشام بن عروة عن عبادة بن حمزة بن الزبير قال: كانت على الزبير عمامة صفراء، معتجرا بها يوم بدر، و نزلت الملائكة عليها عمائم صفراء، يوم بدر. أخرجه أبو عمر.

و روي انه كان يوم بدر على الميمنة، و عليه ريطة صفراء، فنزلت الملائكة على سيماه، أخرجه أبو الفرج في مشكل الصحيحين.

(شرح)- الاعتجار: لف العمامة على الرأس، و المعجر، ما تشده المرأة على رأسها، يقال: اعتجرت المرأة بالمعجر، و المعجرة بالكسر:

نوع من العمة، يقال: فلان حسن العجرة. و الريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة و لم تكن لفقين- و السيما: العلامة. و يجوز أن يكون- و اللّه أعلم- إنما نزلت على سيماه لأنه أول حربها فنزلت على سيما أول محارب للّه عز و جل و في سبيله، و قد تقدم ذلك في هذا الفصل.

ذكر اختصاصه بالقتال بعنزة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم بدر

عن الزبير رضي اللّه عنه قال: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص و هو مدجج لا يرى منه إلا عيناه، و كان يكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة، فطعنته في عينه فمات، قال هشام بن عروة: فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطيت، و كان الجهد أن نزعتها و قد انثنى طرفها، قال عروة:

فسأله إياها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأعطاه إياها، فلما قبض (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخذها، فطلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أخذها، ثم سألها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم سألها عثمان، فأعطاه إياها، فلما قتل وقعت‏

277

إلى آل علي فطلبها عبد اللّه بن الزبير فكانت عنده حتى قتل. أخرجه البخاري.

(شرح)- قوله: مدجج: يروى بكسر الجيم و فتحها أي عليه سلاح تام فسمي به لأنه يدج أي يمشي رويدا لثقله بالسلاح، و قيل لأنه يتغطى به من دججت السماء إذا تغيمت. و قوله: تمطيت. أي تمددت، و مددت مطاي: و المطا، الظهر.

ذكر اختصاصه بجمع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له أبويه يفديه بهما يوم الأحزاب‏

عن عبد اللّه بن الزبير قال: كنت عند الأحزاب أنا و عمر بن أبي سلمة مع النساء في أطم حسان، فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا، فلما رجعت قلت يا أبة، رأيتك تختلف، فقال: رأيتني يا بني؟ قلت نعم، قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟) فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبويه فقال فداك أبي و أمي. أخرجاه و أخرجه الترمذي و قال:

حديث حسن.

و هذا القول لم ينقل أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قاله يوم الأحزاب لغيره.

و أخرج أحمد عنه قال: جمع لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبويه يوم أحد ..

و المشهور في ذلك يوم أحد أنه كان لسعد، و سيأتي في خصائصه، و يحتمل أن يكون جمعهما لهما، و اشتهر في سعد لكثرة ترديد القول له بذلك.

و قد روي عنه أنه قال: جمع لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبويه مرتين، في أحد و في قريظة.

(شرح)- أطم حسان: أي حصنه، تضم و تسكن؛ و الجمع آطام، و الأجم مثله.

278

ذكر اختصاصه بالقتال مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو ابن اثنتي عشرة سنة

عن عمر بن مصعب بن الزبير قال: قاتل الزبير مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو ابن اثنتي عشرة سنة، و كان يحمل على القوم و يقول له: هاهنا بأبي أنت و أمي، هاهنا بأبي أنت و أمي، أخرجه البغوي في معجمه، و صاحب الصفوة و لم يقل بأبي و أمي.

ذكر اختصاصه بمرافقة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى وفد الجن‏

عن الزبير بن العوام قال: صلّى بنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الصبح في مسجد المدينة، فلما انصرف قال: (أيكم يتبعني إلى وافد الجن الليلة؟) فأسكت القوم فلم يتكلم منهم أحد، قال ذلك ثلاثا، فلم يتكلم منهم أحد، فمر بي يمشي، و أخذ بيدي فجعلت أمشي معه و ما أجد من مس، حتى خنس عنا نخل المدينة كله و أفضينا إلى أرض بوار فإذ رجال طوال كأنهم رماح مستثفري ثيابهم بين أرجلهم فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاي من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) برجله في الأرض خطا و قال لي: (اقعد في وسطها). فلما جلست فيها ذهب كل شي‏ء كنت أجده، و مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و تلا عليهم القرآن حتى طلع الفجر، ثم أقبل حتى مر بي، فقال: (الحق) فجعلت أمشي معه، فمضينا غير بعيد فقال لي: (التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد؟) فقلت: يا رسول اللّه أرى سوادا كثيرا، قال فخفض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيده الأرض، و أخذ بروثة ثم رمى بها إليهم، و قال: (رشد أولئك من وفد قوم). أخرجه ابن الضحاك في الآحاد و المثاني.

279

ذكر اختصاصه بكسوة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في طريق الهجرة

عن عروة بن الزبير أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما هاجر لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبا بكر ثيابا بيضاء. أخرجه الحميدي في جامعه من الصحيحين.

ذكر اختصاصه بنزول قرآن بسببه‏

عن عبد اللّه بن الزبير أن رجلا خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال للأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه فاحتكموا عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال النبي: (صلّى اللّه عليه و سلّم) للزبير: (اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك) فغضب الانصاري فقال: يا رسول اللّه أن كان ابن عمتك؟

فتلون وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم قال: (يا زبير أسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر). فقال الزبير: و اللّه إني لأحسب هذه نزلت في ذلك‏ فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ‏ (1) الآية: أخرجاه.

و عند البخاري فاستوعى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) للزبير حينئذ حقه.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ‏ (2): الآية و ذلك أن خبيبا أخرجه المشركون ليقتلوه فقال: دعوني حتى أصلي ركعتين، فتركوه حتى صلّى ركعتين، ثم قال: لو لا أن يقولوا جزع لزدت، و أنشأ يقول:

و لست أبالي حين أقتل مسلما* * * على أيّ جنب كان في اللّه مصرعي‏

فصلبوه حيا، فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس حوالي أحد يبلغ رسولك مقامي، فأبلغه سلامي، ثم رموه بسهم و طعنوه برمح، فبلغ‏

____________

(1) سورة النساء الآية 65.

(2) سورة البقرة الآية 207.

280

النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خبره فقال: (أيكم يحتمل خبيبا من خشبته و له الجنة؟) فقال الزبير: أنا و صاحبي المقداد. فخرجا يسيران الليل و النهار حتى وافيا المكان، فإذا حول الخشبة أربعون رجلا نياما، و إذا هو رطب لم يتغير منه شي‏ء بعد أربعين يوما، فحمله الزبير على فرسه و سار فلحقه سبعون منهم، فقذف خبيبا فابتلعته الأرض، و قال ما جرأكم علينا يا معشر قريش؟ ثم رفع العمامة عن رأسه، و قال: أنا الزبير من العوام، و أمي صفية بنت عبد المطلب، و صاحبي المقداد الاسود، أسدان رابضان، إن شئتم ناضلتم و إن شئتم نازلتم، و إن شئتم انصرفتم فانصرفوا، فقدموا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عنده جبريل فقال يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك، و نزل قوله تعالى‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ‏ هذا أحد خمسة أقوال في سبب نزولها، و هو قول ابن عباس و الضحاك. الثاني: نزلت في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و روي عن علي و عمر. الثالث: في صهيب الرومي الرابع: في المهاجرين و الأنصار، قاله قتادة. الخامس: في المهاجرين خاصة قاله الحسن.

و قوله تعالى‏ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ‏ نزلت في سبعين منهم أبو بكر و الزبير. و قد سبق ذكر ذلك. أخرجه أبو الفرج في أسباب النزول.

الفصل السابع في شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالجنة

و قد تقدم ذلك في باب العشرة من حديث عبد الرحمن بن عوف و سعيد بن زيد و تقدم في فصل الشهادة بطلحة بالجنة قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): (طلحة و الزبير جاران في الجنة).

الفصل الثامن في ذكر نبذ من فضائله‏

قال أبو عمر و غيره: شهد الزبير بدرا و الحديبية و المشاهد كلها، لم‏

281

يتخلف عن غزوة غزاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و أحد الستة أهل الشورى الذين قال عمر فيهم: توفى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو عنهم راض، و هاجر الهجرتين‏ (1)، و فيه يقول حسان بن ثابت:

أقام على عهد النبيّ و هديه‏* * * حواريه و القول بالفعل يعدل‏

أقام على منهاجه و طريقه‏* * * يوالي وليّ الحق و الحق أعدل‏

هو الفارس المشهور و البطل الذي‏* * * يصول إذا ما كان يوم محجل‏

له من رسول اللّه قربى قريبة* * * و من نصرة الإسلام مجد مؤثل‏

فكم كربة ذبّ الزبير بسيفه‏* * * عن المصطفى و اللّه يعطي و يجزل‏

إذا كشفت عن ساقها الحرب هشّها* * * بأبيض سبّاق إلى الموت يرقل‏

فما مثله فيهم و لا كان قبله‏* * * و ليس يكون الدهر ما دام يذبل‏

ثناؤك خير من فعال معاشر* * * و فعلك يا بن الهاشمية أفضل‏

(شرح)- الهدي: بفتح الهاء و إسكان الدال السيرة، يقول ما أحسن هديه؛ أي سيرته- و الحواري: تقدم تفسيره- مؤثل: أي مؤصل و التأثيل و التأصيل بمعنى، يقال، مجد أثيل أي أصيل- و كشفت الحرب عن ساقها: أي اشتدت و منه يكشف عن ساق أي عن شدة، و كذلك قامت على ساق. هشها: لعله من الهش: الجمع و الكسب، و الهياشة؛ مثل الحياشة، و هو ما جمع من المال و اللباس فكأنه يجمع الناس و يكشفهم بسيفه- و الأبيض: السيف و الجمع البيض و الإرقال: ضرب من السير، نحو الخبب- و يذبل: اسم جبل.

ذكر شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالشهادة

تقدم حديث هذا الذكر بطرقه في باب ما دون العشرة و هو حديث‏

____________

(1) الهجرة الى الحبشة، و الهجرة الى المدينة المنورة.

282

تحرك حراء و قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): (اثبت فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد).

خرجه مسلم.

و خرج صاحب الكوكب عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: (من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى الزبير) و علم عليه بعلامة ابن أبي شيبة.

ذكر شهادة عمر أنه ركن من أركان الإسلام‏

عن سطيع بن الأسود قال سمعت عمر بن الخطاب يقول: الزبير ركن من أركان الإسلام. أخرجه ابن السري.

و رفعه ابن عمر إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لفظه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ (الزبير بن العوام ركن من أركان المسلمين). أخرجه الملاء في سيرته.

ذكر شهادة عثمان بانه خيرهم و أحبهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن مروان بن الحكم قال: أصاب عثمان رعاف شديد حتى حبسه عن الحج و أوصى فدخل رجل من قريش فقال: استخلف، فقال: نعم قال: و من قال؟ فسكت، فدخل عليه رجل- أحسبه الحارث- فقال:

استخلف، فقال عثمان: و قالوا؟ قال نعم قال: فمن هو؟ قال:

فسكت، قال: فلعلهم قالوا الزبير؟ قال: نعم قال: أما و الذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت و إن كان لأحبهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و في رواية أنه قال: و اللّه إنكم لتعلمون أنه خيركم أخرجه البخاري و البغوي و قال: أما و الذي نفسي بيده. إلى آخره، و زاد ثلاث مرات.

283

ذكر ما جاء عن سعد بن مالك و سعيد بن المسيب في الحث على محبته و الزجر عن بغضه تقدم حديثهما في نظيره من فصل فضائل عثمان ذكر ثناء ابن عباس عليه‏

تقدم في فضائل طلحة، لأن الثناء كان عليهما جميعا، و اللّه أعلم.

ذكر إبلائه يوم اليرموك‏

عن عروة أن أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فحمل عليهم فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر، قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب و أنا صغير قال عروة: و كان معه عبد اللّه، و هو ابن خمس سنين فحمله على فرس و وكل به. أخرجه البخاري.

و اليرموك: موضع بناحية الشام.

ذكر أنه من الذين استجابوا للّه و الرسول‏

عن عروة عن عائشة رضي اللّه عنها قالت لي: أبوك- و اللّه- من الذين استجابوا للّه و الرسول من بعد ما أصابهم القرح. أخرجه مسلم، و زاد في رواية: تعني أبا بكر و الزبير.

و عنها قالت: يا بن أختي، كان أبوك تعني أبا بكر و الزبير- من الذين استجابوا للّه و الرسول من بعد ما أصابهم القرح.

قالت: لما انصرف المشركون من أحد، و أصاب أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما أصابهم فخاف (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يرجعوا، فقال: من ينتدب لهؤلاء في آثارهم حتى يعلموا أن بنا قوة، فانتدب أبو بكر و الزبير في سبعين فخرجوا في آثار القوم، فسمعوا بهم، فانصرفوا. قالت: فانقلبوا بنعمة من اللّه و فضل لم يقاتلوا عدوا أخرجه البخاري.

284

ذكر ما كان في جسده من الجراح‏

عن عروة قال: أوصى الزبير إلى ابنه عبد اللّه صبيحة الجمل، فقال: يا بني ما من عضو إلا و قد جرح مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى انتهى ذلك إلى فرجه. أخرجه الترمذي و قال: حسن غريب.

و عن علي بن زيد قال: أخبرني من رأى الزبير و إن في صدره لأمثال العيون من الطعن و الرمي. أخرجه صاحب الصفوة و الفضائلي.

و عن بعض التابعين قال: صحبت الزبير في بعض أسفاره، فأصابته جنابة، و كنا بأرض قفر، فقال لي: استرني حتى أغتسل، قال:

فسترته، فحانت مني التفاتة فرأيته مجدعا بالسيوف: فقلت له: و اللّه لقد رأيت بك آثارا ما رأيتها بأحد قط، قال: أوقد رأيتها؟ قلت: نعم.

قال أما و اللّه ما فيها جراحة إلا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و في سبيل اللّه. أخرجه الملاء في سيرته.

ذكر ذبه عن وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو نائم و ما ترتب على ذلك‏

عن عمر بن الخطاب قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قد نام، فجلس الزبير يذب عن وجهه حتى استيقظ، فقال له: (يا أبا عبد اللّه لم تزل؟) قال: لم أزل، أنت بأبي و أمي قال: (هذا جبريل يقرئك السلام و يقول: أنا معك يوم القيامة، حتى أذب عن وجهك شرر جهنم). أخرجه الحافظ الدمشقي في الأربعين الطوال.

ذكر قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لابن الزبير: يا بن أخي فأثبت له وصف الأخوة

عن سليمان قال: دخلت على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و عنده عبد اللّه بن الزبير و معه طشت يشرب ما فيه- فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ما شأنك يا بن‏

285

أخي؟) ثم ذكر باقي الحديث. و سيأتي في مناقبه من حديث ابن الغطريف.

ذكر ورعه‏

عن عبد اللّه بن الزبير قال: قلت للزبير: ما يمنعك أن تحدث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما يحدث عنه أصحابه؟ قال: أما و اللّه لم أفارقه منذ أسلمت، و لكني سمعته يقول: (من كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النار). أخرجه البخاري.

و في رواية: و اللّه لقد كان لي منه منزلة و وجهة، و لكني سمعته يقول. و ذكر الحديث.

و في رواية: لقد نلت من صحابته أفضل ما نال أحد، و لكني سمعته يقول: (من قال عليّ ما لم أقل تبوأ مقعده من النار) فلا أحب أن أحدث عنه أخرجهما البغوي في معجمه.

(شرح)- الوجهة- الجاه و العز- فليتبوأ مقعده من النار: أي لينزل منزلته منها قال: بوأه اللّه منزلا أي أسكنه اياه- و المباءة: المنزل.

ذكر صلته و صدقته‏

و عن أم درة قالت: بعث الزبير إلى عائشة بغرارتين تبلغ ثمانين و مائة ألف درهم.

و عن كعب قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فما كان يدخل منها بيته درهم واحد؛ كان يتصدق بذلك كله. أخرجه أبو عمر و أخرجه الفضائلي و قال فكان يتصدق بقسمه كل ليلة، و يقوم إلى منزله ليس معه منه شي‏ء.

و أخرجه الطائي عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: كان للزبير.

286

و ذكره. و عن جويرة قالت: باع الزبير دارا له بستمائة ألف، قال: فقيل له: و يا أبا عبد اللّه غبنت قال: كلا، و اللّه لتعلمن أني لم أغبن؛ هي في سبيل اللّه. أخرجه في الصفوة.

ذكر أنه كان من أكرم الناس على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن ابن اسحاق السبيعي قال: سألت مجلسا في أكثر من عشرين.

رجلا من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): من كان أكرم الناس على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قالوا: الزبير و علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما. أخرجه الفضائلي.

ذكر سماحته في بيعه‏

قال أبو عمر: كان الزبير تاجرا مجدودا في التجارة، فقيل: بما أدركت في التجارة؟ قال: لأني لم أشتر معيبا، و لم أرد ربحا و اللّه يبارك لمن يشاء.

(شرح)- مجدودا: أي محظوظا، و الجد: الحظ، و الجديد:

الحظيظ، فعيل بمعنى مفعول.

ذكر شهادة الحسن بن علي بكفاءة نسبه لنسبهم‏

عن هشام بن عروة عن أبيه أن حسن بن علي أوصى في وصيته أن تزوجوا الى آل الزبير و زوجوهم، فإنهم أكفاؤكم من قريش. أخرجه أبو معاوية.

و فيه دليل على اعتبار الكفاءة في النسب، و أن قريشا ليسوا أكفاء لبني هاشم، و إلا لما كان في التخصيص فائدة.

ذكر اثبات رخصة عامة المسلمين بسببه‏

عن أنس رضي اللّه عنه أن الزبير و عبد الرحمن بن عوف شكيا إلى‏

287

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) القمل في غزاة لهما؛ فرخص لهما في قميص الحرير، فرأيت على كل واحد منهما قميص حرير.

و عنه رخص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعبد الرحمن بن عوف و الزبير في قميص الحرير في السفر لحكة كانت بهما. أخرجهما مسلم و يشبه أن تكون الرخصة للحكة و القمل جمعا بين الحديثين.

ذكر من أوصى إلى الزبير من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن عروة بن الزبير أن ابن مسعود و عثمان و المقداد بن الأسود و عبد الرحمن بن عوف و مطيع بن الأسود أوصوا إلى الزبير بن العوام أخرجه ابن الضحاك.

الفصل التاسع في مقتله و ما يتعلق به‏

ذكر كيفية قتله و من قتله و أين قتل‏

قال أبو عمر: شهد الزبير يوم الجمل، فقاتل فيه ساعة، فناداه علي و انفرد به فذكره أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال له و قد وجدهما يضحكان بعضهما إلى بعض: (أما إنك ستقاتل عليا و أنت له ظالم). فذكر الزبير ذلك و انصرف عن القتال راجعا الى المدينة قادما، مفارقا للجماعة التي خرج فيها، فاتبعه ابن جرموز عبد اللّه- و يقال عمير و يقال عمر و يقال عميرة السعدي- فقتله بموضوع يعرف بوادي السباع، و جاء برأسه الى علي، فقال علي رضى اللّه عنه: بشر قاتل ابن صفية بالنار.

و عن أبي الأسود الدؤلي قال: لما دنا علي و أصحابه من طلحة و الزبير، و دنت الصفوف بعضها من بعض، خرج علي على بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنادى: ادعوا الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال علي: يا

288

زبير نشدتك باللّه أتذكر يوم مر بك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مكان كذا و كذا و قال: (يا زبير أ تحب عليا؟) قلت: ألا أحب ابن خالي و على ديني؛ فقال: يا علي، أ تحبه؟ قلت يا رسول اللّه ألا أحب ابن عمتى و على ديني؟ فقال: (يا زبير لتقاتلنه و إنك له ظالم): قال: بلى، و اللّه لقد أنسيته منذ سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم ذكرته الآن، و اللّه لا أقاتلك.

فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد اللّه و قال: ما لك؟ قال: قد ذكرني علي حديثا سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

(لتقاتلنه و أنت له ظالم). و لا أقاتله، ثم رجع منصرفا إلى المدينة، فرأى عبد اللّه بن جرموز، فقال: أي ها تورش بين الناس ثم تتركهم؟ و اللّه لا نتركه، فلما لحق بالزبير. و رأى أنه يريده، أقبل عليه الزبير فقال له ابن جرموز: اذكر اللّه، فكف عنه الزبير حتى فعل ذلك مرارا، فقال الزبير: قاتله اللّه، يذكر باللّه و ينساه، ثم غافصه ابن جرموز فقتله، أخرجه الفضائلي و غيره.

(شرح)- أي ها: بمعنى كيف- و التوريش: التحريش، تقول ورشت بين القوم و أرشت- و غافصه- أي أخذه على غرة.

قال أبو عمر: و يروى أن الزبير لما انصرف لقيه النغر- رجل من بني مجاشع- فقال: أين تذهب يا حواري رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ إليّ فأنت في ذمتي لا يوصل إليك، فأقبل معه، فلحقه عميرة بن جرموز و فضالة بن حابس و نفيع في غزاة من غزاة بني تميم، فلقوه مع الثغر، فأتاه عمير بن جرموز من خلفه، و هو على فرس له ضعيفة، فطعنه طعنة خفيفة و حمل عليه الزبير و هو على فرس يقال له ذو الخمار، حتى ظن أنه قاتله نادى صاحبيه: يا نفيع، يا فضالة. فحملوا عليه حتى قتلوه قال أبو عمر:

و هذا أصح مما تقدم.

289

و عن عبد العزيز السلمي قال: لما انصرف الزبير يوم الجمل سمعته يقول:

و لقد علمت لو أن علمي نافعي‏* * * أن الحياة من الممات قريب‏

فلم ينشب أن قتله ابن جرموز أخرجه الملاء في سيرته.

ذكر تاريخ مقتله و سنه يوم قتل‏

قيل: كان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ستة و ثلاثين، و في ذلك اليوم كانت وقعة الجمل، و سنه يومئذ سبع و ستون سنة، و قيل ست و ستون. ذكره أبو عمر، و قيل أربع و ستون، و قيل ستون، و قيل: إحدى و ستون. ذكره البغوي في معجمه. و قيل: خمس و سبعون، و قيل: بضع و خمسون. ذكره صاحب الصفوة و الرازي.

ذكر ما قاله علي (عليه السلام) لقاتل الزبير

تقدم في كيفية قتله طرف منه.

قال أبو عمر: روى أنه لما جاء قاتل الزبير عليا برأس الزبير، فلم يأذن له و قال للآذن: بشره بالنار.

و عن زر قال: استأذن ابن جرموز على علي و أنا عنده، فقال: بشر قاتل ابن صفية بالنار. أخرجه صاحب الصفوة.

ذكر وصيته‏

عن عبد اللّه بن الزبير قال: جعل الزبير يوم الجمل يوصيني بدينه و يقول إن عجزت عن شي‏ء منه فاستعن عليه بمولاي. قال: فو اللّه ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبة من مولاك؟ قال: اللّه تعالى، فو اللّه ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير، اقض عنه، فيقضيه:

و إنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال يستودعه إياه فيقول‏

290

الزبير: لا و لكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة قال عبد اللّه:

فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف و مائة ألف؛ فقتل و لم يدع دينارا و لا درهما إلا أرضين بعتهما و قضيت دينه، فقال بنو الزبير:

ميراثنا؛ قلت: و اللّه لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه. فجعل كل سنة ينادي؛ فلما انقضت أربع سنين قسم بينهم، و كان للزبير أربع نسوة، فأصاب كل امرأة ألف ألف و مائتا ألف، فجمع مال الزبير خمسون ألف ألف و مائتا ألف.

و عن عبد اللّه أنه لقيه حكيم بن حزام فقال: يا بن أخي، كم على أخي؟ فكتمه، و قلت: مائة ألف. فقال حكيم: و اللّه ما أرى أموالكم تسع هذا، قال: فقال عبد اللّه: أ رأيت إن كانت ألفي ألف و مائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شي‏ء منه فاستعينوا بي، و كان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين و مائة ألف، فباعها عبد اللّه بألف ألف و ستمائة ألف، ثم قال: من كان له على الزبير شي‏ء فليوافنا على الغابة. قال: فأتاه عبد اللّه بن جعفر و كان له على الزبير أربعمائة ألف؛ قال لعبد اللّه: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد اللّه: لا قال: إن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم؛ قال عبد اللّه: لا، قال:

فاقطعوا لي قطة، قال عبد اللّه: من هاهنا إلى هاهنا، قال: فباع عبد اللّه منها فقضى دينه و أوفاه، و بقي منها أربعة أسهم و نصف قال: فقدم على معاوية، و عنده عمر بن عثمان و المنذر بن الزبير و ابن ربيعة، قال: فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم بمائة ألف، قال كم بقي منها؟ قال أربعة أسهم و نصف، قال المنذر بن الزبير أخذت منها سهما بمائة ألف، و قال عمر بن عثمان: أخذت منها سهما بمائة ألف؛ و قال ابن ربيعة: أخذت منها سهما بمائة ألف فقال معاوية: كم بقي قال: سهم و نصف، قال: قد أخذته بخمسين و مائة ألف، قال: فلما فرغ ابن‏

291

الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير: اقسم بيننا، قال: لا و اللّه، ثم ذكر معنى ما تقدم. أخرجهما البخاري. و ذكر القلعي أن تركته بعد قضاء دينه سبعة و خمسون ألف ألف و ستمائة ألف.

و عن عروة بن الزبير أن الزبير أوصى بثلث ماله و لم يدع دينارا و لا درهما أخرجه البغوي في معجمه.

الفصل العاشر في ذكر ولده‏

و كان له عشرون ولدا، أحد عشر ذكرا و تسع إناث.

ذكر الذكور

عبد اللّه، و كان يكنى أبا بكر، و يكنى أيضا أبا خبيب بابنه خبيب.

عن عائشة رضى اللّه عنها قالت: أول مولود ولد في الإسلام عبد اللّه ابن الزبير، أتوا به النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخذ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) تمرة، فلاكها ثم أدخلها في فيه فأول ما دخل بطنه ريق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و عن فاطمة بنت المنذر و هشام بن عروة بن الزبير قالا: خرجت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت و هي حبلى بعبد اللّه بن الزبير فقدمت قباء فنفست عبد اللّه بقباء، ثم خرجت حتى أتت به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليحنكه فأخذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منها فوضعه في حجره، قالا: قالت عائشة: فمكثنا ساعة نلتمسها- يعني تمرة- قبل أن نجدها، فمضغها (1) ثم بصقها في فيه؛ فإن أول شي‏ء دخل بطنه ريق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قالت أسماء: ثم مسحه و صلّى‏ (2) عليه، و سماه عبد اللّه، ثم جاء و هو ابن سبع سنين أو ثمان ليبايع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أمره بذلك الزبير. فتبسم‏

____________

(1) و هذا هو التحنيك.

(2) المراد: دعا له بالبركة.

292

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين رآه مقبلا، ثم بايعه أخرجهما البخاري.

و قال أبو عمر: كناه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكنية جده أبي أمه، و سماه باسمه و دعا له، و بارك عليه، و شهد (1) الجمل مع أبيه و خالته، و كان فصيحا ذا أنفة، أطلس، لا لحية له، و لا شعر في وجهه، و كان كثير الصوم و الصلاة؛ شديد البأس، كريم الجدات و الأمهات و الخالات و بويع له بالخلافة سنة أربع و ستين، و قتل سنة خمس و ستين بعد موت معاوية بن يزيد، و اجتمع على طاعته أهل الحجاز و اليمن و العراق و خراسان، و حج بالناس ثماني حجج؛ و ذكر صاحب الصفوة في صفته أنه كان إذا صلّى كأنه عود من الخشوع. قال مجاهد: و كان إذا سجد يطول حتى تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذما. قاله يحيى بن ثابت.

(شرح)- الجذم: أصل الشي‏ء، و الجذمة القطعة: من الجبل و نحوه.

و قال ابن المنكدر. لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة تصفقه الريح.

و عن عمر بن قيس عن أمه قالت: دخلت على ابن الزبير بيته و هو يصلي فسقطت حية من السقف على ابنه، ثم تطوقت على بطنه و هو نائم فصاح أهل البيت، و لم يزالوا بها حتى قتلوها، و ابن الزبير يصلي ما التفت و لا عجل، ثم فرغ بعد ما قتلت الحية، فقال: ما بالكم؟ فقالت زوجته:

رحمك اللّه: أ رأيت إن كنا هنّا عليك يهون عليك ابنك؟

و عن محمد بن حميد قال: كان عبد اللّه بن الزبير يحيى الدهر أجمع‏

____________

(1) وقعة الجمل المشهورة في التاريخ بين طلحة و الزبير و من كان معهما، و بين علي (كرّم اللّه وجهه).

293

ليلة قائما حتى يصبح، و ليلة راكعا حتى يصبح، و ليلة ساجدا حتى يصبح.

و عن مسلم بن يناق المكي قال: ركع ابن الزبير يوما ركعة فقرأت البقرة و آل عمران و النساء و المائدة و ما رفع رأسه.

و عن محمد بن الضحاك و عبد الملك بن عبد العزيز: كان ابن الزبير يصوم يوم الجمعة، فلا يفطر إلا ليلة الجمعة الأخرى، و يصوم بالمدينة، فلا يفطر إلا بمكة، و يصوم بمكة فلا يفطر إلا في المدينة و أول ما يفطر عليه لبن لقحه بسمن بقر.

و عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كان ابن الزبير صواما بالنهار قواما بالليل و كان يسمى خادم المسجد.

و عن ابن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام.

و عن وهب بن كيسان قال: ما رأيت ابن الزبير يعطي كلمة قط- لرغبة و لا لرهبة- سلطانا و لا غيره. أخرجه أبو معاوية الضرير.

و عن سلمان الفارسي رضي اللّه عنه قال: دخلت على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و إذا عبد اللّه بن الزبير معه طشت يشرب ما فيه فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ما شأنك يا ابن أخي؟) قال: إني أحببت أن يكون من دم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في جوفي، فقال: (ويل لك من الناس، و ويل للناس منك، لا تمسك النار؛ إلا قسم اليمين). أخرجه ابن الغطريف.

و عن عروة قال: عبد اللّه بن الزبير أحب البشر إلى عائشة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بعد أبي بكر و كان أبر الناس بها. أخرجه البخاري.

و عنه و وهب بن كيسان قال: أهل الشام يعيرون الزبير، يقولون:

يا بن ذات النطاقين، فقالت أسماء: يا بني، يعيرونك بالنطاقين!! هل تدري ما النطاقان؟ إنما كان نطاقي شققته نصفين فأكيت قربة رسول اللّه‏

294

(صلّى اللّه عليه و سلّم) بأحدهما و جعلت في سفرته آخر. قال و كان أهل الشام إذا عيروه بالنطاقين يقول: أيها و الإله؛ تلك شكاة ظاهر عنك عارها. أخرجه البخاري.

قال الدارقطني: روى عبد اللّه عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و عن أبي بكر و عمر و عثمان و علي و عن أبيه الزبير، و روى عنه أخوه عروة و بنوه، و الجم الغفير.

ذكر مقتله‏

قتل في أيام عبد الملك بن مروان، سنة ثلاث و سبعين، و عمره ثلاث و سبعون سنة صلب بعد قتله بمكة و بدأ الحجاج في حصاره من أول ذي الحجة، و حج الحجاج بالناس ذلك العام، و وقف بعرفة و عليه درع، و لم يطوفوا بالبيت في تلك الحجة، و حاصروه ستة أشهر و سبعة عشر يوما.

و عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما كان قبل قتل ابن الزبير بعشرة أيام دخل على أمه أسماء و هي شاكية: فقال لها: كيف تجدينك يا أماه؟

قالت ما أجدني إلا شاكية؛ فقال لها، إن هم الموت راحة؛ فقالت لعلك تمنيته لي! ما أحب أن أموت حتى تأتي على أحد طرفيك إما قتلت فأحتسبك و إما ظفرت بعدوك فقرت عيني، و قال عروة: فالتفت إلى عبد اللّه و ضحك قال فلما كان في اليوم الذي قتل فيه، دخل عليها في المسجد، فقالت: يا بني لا تقبل منهم خطة تخاف منها على نفسك الذل مخافة لقتل؛ فو اللّه لضربة سيف في عز خير من ضربة سوط في مذلة، فأتاه رجل من قريش فقال، ألا نفتح لك الكعبة فتدخلها، فقال عبد اللّه: من كل شي‏ء تحفظ أخاك إلا من حتفه، و اللّه لو وجدوكم تحت أستار الكعبة لقتلوكم، و هل حرمة المسجد إلا كحرمة البيت؟ قال ثم شد عليه أصحاب الحجاج؛ فقال: أين أهل مصر؟ فقالوا: هم هؤلاء