السيرة الحلبية - ج1

- أبو الفرج الحلبي الشافعي‏ المزيد...
590 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تقديم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على صاحب أزكى سيرة محمد بن عبد اللّه و على آله و أصحابه أجمعين.

أما بعد.

فهذا كتاب «إنسان العيون في سيرة الأمين و المأمون» المعروف ب «السيرة الحلبية» لمؤلفه الشيخ علي الحلبي؛ ذكر فيه أن أحسن ما ألّف فيه هو كتاب «عيون الأثر» للحافظ أبي الفتح ابن سيّد الناس؛ غير أنه أطال بذكر الإسناد. ثم ذكر سيرة الشمس الشامي فقال: «و أما سيرة الشمس الشامي فهو و إن أتى فيها بما يعدّ في صفائح وجوه الصحائف حسنات، لكنه أتى فيها بما هو في أسماع ذوي الأفهام كالمعادات؛ و لا يخفى أن السير تجمع الصحيح و السقيم و الضعيف و البلاغ و المرسل و المنقطع و المعضل دون الموضوع» (1) ا ه. فرأى أن يلخص هاتين السيرتين مع الضميمة إليهما بإشارة الشيخ أبي المواهب محمد البكري، ثم ذكر شيئا من أبيات القصيدة الهمزية للبوصيري و تائية السبكي من ديوانه المسمى ب «بشرى اللبيب بذكر الحبيب» (2).

و قبل تقديم الكتاب إلى القرّاء لا بدّ من ترجمة موجزة للمؤلف، فنقول:

هو علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي، أبو الفرج نور الدين ابن برهان الدين:

مؤرخ أديب. أصله من حلب، و ولد بمصر سنة 975 ه (1567 م) و توفي بها سنة 1044 ه (1635 م).

له- عدا «إنسان العيون» و هو الكتاب الذي بين أيدينا- تصانيف كثيرة، منها:

- زهر المزهر. اختصر به مزهر السيوطي.

- مطالع البدور؛ في قواعد العربية.

- غاية الإحسان فيمن لقيته من أبناء الزمان.

____________

(1) انظر مقدمة المؤلف في أول هذا الكتاب.

(2) انظر كشف الظنون (ص 180).

4

- أعلام الطراز المنقوش في محاسن الحبوش.

- حاشية على شرح المنهج؛ في فقه الشافعية.

- فرائد العقود العلوية في حلّ ألفاظ شرح الأزهرية؛ في النحو.

- النصيحة العلوية؛ في الطريقة الأحمدية.

- عقد المرجان فيما يتعلق بالجان.

- ملح الشيخ الأكبر.

- النفحة العلوية.

و غير ذلك‏ (1).

____________

(1) انظر الأعلام للزركلي (4/ 251، 252).

5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[المقدّمة]

حمدا لمن نضر وجوه أهل الحديث، و صلاة و سلاما على من نزل عليه أحسن الحديث، و على آله و أصحابه أهل التقدم في القديم و الحديث، صلاة و سلاما دائمين ما سارت الأئمة في جمع سير المصطفى السير الحثيث.

و بعد: فيقول أفقر المحتاجين، و أحوج المفتقرين، لعفو ذي الفضل و الطول المتين، علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي: إن سيرة المصطفى عليه أفضل الصلاة و السلام من أهم ما اهتم به العلماء الأعلام، و حفاظ ملة الإسلام، كيف لا و هو الموصل لعلم الحلال و الحرام، و الحامل على التخلق بالأخلاق العظام، و قد قال الزهري (رحمه اللّه): في علم المغازي «خير الدنيا و الآخرة» و هو أول من ألف في السير.

قال بعضهم: أول سيرة ألفت في الإسلام سيرة الزهري، و عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه أنه قال: كان أبي يعلمنا مغازي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و سراياه فيقول:

يا بنيّ هذه شرف آبائكم فلا تنسوا ذكرها، و أحسن ما ألف في ذلك و تداولته الأكياس، سيرة الحافظ أبي الفتح ابن سيد الناس، لما جمعت من تلك الدراري و الدرر، و من ثم سماها «عيون الأثر» غير أنه أطال بذكر الإسناد الذي كان للمحدثين به مزيد الاعتداد، و عليه لهم كثير الاعتماد، إذ هو من خصائص هذه الأمة، و مفتخر الأئمة، لكنه صار الآن لقصور الهمم لا تقبله الطباع، و لا تمتد إليه الأطماع. و أما سيرة الشمس الشامي، فهو و إن أتى فيها بما يعد في صفائح وجوه الصحائف حسنات، لكنه أتى فيها بما هو في أسماع ذوي الأفهام كالمعادات.

و لا يخفى أن السير تجمع الصحيح و السقيم، و الضعيف و البلاغ، و المرسل و المنقطع و المعضل دون الموضوع، و من ثم قال الزين العراقي (رحمه اللّه):

و ليعلم الطالب أن السيرا* * * تجمع ما صح و ما قد أنكرا

و قد قال الإمام أحمد بن حنبل و غيره من الأئمة: إذا روينا في الحلال و الحرام‏

6

شددنا و إذا روينا في الفضائل و نحوها تساهلنا. و في الأصل: و الذي ذهب إليه كثير من أهل العلم الترخص في الرقائق، و ما لا حكم فيه من أخبار المغازي و ما يجري مجرى ذلك، و أنه يقبل منها ما لا يقبل في الحلال و الحرام، لعدم تعلق الأحكام بها، فلما رأيت السيرتين المذكورتين على الوجه الذي لا يكاد ينظر إليه لما اشتملتا عليه، عنّ لي أن ألخص من تينك السيرتين أنموذجا لطيفا يروق للأحداق، و يحلو للأذواق، يقرأ مع ما أضمه إليه بين يدي المشايخ على غاية الانسجام، و نهاية الانتظام، و لا زلت في ذلك أقدم رجلا و أؤخر أخرى، لكوني لست من أهل هذا الشأن، و لا ممن يسابق في ميدانه على خيل الرهان، حتى أشار عليّ بذلك، و بسلوك تلك المسالك، من إشارته واجبة الاتباع، و مخالفة أمره لا تستطاع. ذو البديهة المطاوعة، و الفضائل البارعة، و الفواضل الكثيرة النافعة، من إذا سئل عن أي معضلة أشكلت على ذوي المعرفة و الوقوف، لا تراه يتوقف، و لا يخرج عن صوب الصواب و لا يتعسف، و لا أخبر في كثير من الأوقات عن شي‏ء من المغيبات و كاد أن يتخلف، و هو الأستاذ الأعظم و الملاذ الأكرم، مولانا الشيخ أبو عبد اللّه و أبو المواهب محمد فخر الإسلام البكري الصديقي كيف لا و هو محل نظر والده، من نشر ذكره ملأ المشارق و المغارب، و سرى سره في سائر المساري و المسارب، ولي اللّه، و القائم بخدمته في الأسرار و الإعلان، و العارف به الذي لم يتمار في أنه القطب الفرد الجامع اثنان مولانا: الأستاذ أبو عبد اللّه، و أبو بكر محمد البكري الصديقي.

و لا بدع فإنه نتيجة صدر العلماء العاملين، و أستاذ جميع الأستاذين، و المعدود من المجتهدين، صاحب التصانيف المفيدة في العلوم العديدة، مولانا الأستاذ «محمد أبو الحسن» تاج العارفين البكري الصديقي، أعاد اللّه تعالى عليّ و على أحبابي من بركاتهم، و جعلنا في الآخرة من جملة أتباعهم، فلما أشار عليّ ذلك الأستاذ بتلك الإشارة و رأيتها منه أعظم بشارة، شرعت معتمدا في ذلك على من يبلغ كل مؤمل أمله، و لم يخيب من قصده و أمله و قد يسر اللّه تعالى ذلك على أسلوب لطيف، و مسلك شريف، لا تمله الأسماع، و لا تنفر منه الطباع، و الزيادة التي أخذتها من سيرة الشمس الشامي على سيرة أبي الفتح ابن سيد الناس، الموسومة ب «عيون الأثر» إن كثرت ميزتها بقولي في أولها قال، و في آخرها انتهى: و إن قلت أتيت بلفظة أي و جعلت في آخر القولة دائرة هكذا بالحمرة و ربما أقول و في السيرة الشامية، و ربما عبرت عن الزيادة القليلة بقال، و عن الكثيرة بأي، و ما ليس بعده تلك الدائرة فهو من الأصل، أعني «عيون الأثر» غالبا، و قد يكون من زيادتي على الأصل و الشامي كما يعلم بالوقوف عليهما، و ربما ميزت تلك الزيادة بقولي في أولها أقول، و في آخرها و اللّه أعلم، و قد يكون من الزيادة ما أقول. و في السيرة الهشامية بتقديم الهاء على‏

7

الشين: و حيث أقول قال في الأصل أو ذكر في الأصل أو نحو ذلك فالمراد به عيون الأثر، ثم عنّ لي أن أذكر من أبيات «القصيدة الهمزية» المنسوبة لعالم الشعراء و أشعر العلماء و هو الشيخ شرف الدين البوصيري ناظم القصيدة المعروفة «بالبردة» ما تضمنته تلك الأبيات، و أشارت إليه من ذلك السياق، فإنه أحلى في الأذواق، و ربما أحل ذلك النظم بما يوضح معناه، و يظهر تركيب مبناه، و ربما أذكر أيضا من أبيات «تائية الإمام السبكي» ما يناسب المقام، و ربما أذكر أيضا بعض أبيات من كلام صاحب الأصل من قصائده النبوية المجموعة بديوانه المسمى، ب «بشرى اللبيب بذكرى الحبيب». و قد سميت مجموع ذلك: «إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون».

و أسأل من لا مسئول إلا إياه، أن يجعل ذلك وسيلة لرضاه آمين.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

باب: نسبه الشريف (صلى اللّه عليه و سلم)

هو محمد (صلى اللّه عليه و سلم) (ابن عبد اللّه) و معنى عبد اللّه: الخاضع الذليل له تعالى، و قد جاء «أحب أسمائكم» و في رواية: «أحب الأسماء إلى اللّه عبد اللّه و عبد الرحمن» و جاء «أحب الأسماء إلى اللّه ما تعبد به» و قد سمي (صلى اللّه عليه و سلم) بعبد اللّه في القرآن، قال اللّه تعالى: وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ‏ [الجنّ: الآية 19] و عبد اللّه هذا هو (ابن عبد المطلب) و يدعى شيبة الحمد لكثرة حمد الناس له: أي لأنه كان مفزع قريش في النوائب و ملجأهم في الأمور، فكان شريف قريش و سيدها كمالا و فعالا من غير مدافع. و قيل: قيل له شيبة الحمد، لأنه ولد و في رأسه شيبة: أي و في لفظ كان وسط رأسه أبيض، أو سمي بذلك تفاؤلا بأنه سيبلغ سن الشيب قيل اسمه عامر، و عاش مائة و أربعين سنة: أي و كان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية و كان مجاب الدعوة، و كان يقال له الفياض لجوده، و مطعم طير السماء لأنه كان يرفع من مائدته للطير و الوحوش في رءوس الجبال. قال:

و كان من حلماء قريش و حكمائها، و كان نديمه حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف والد أبي سفيان، و كان في جوار عبد المطلب يهودي فأغلظ ذلك اليهودي القول على حرب في سوق من أسواق تهامة، فأغرى عليه حرب من قتله، فلما علم عبد المطلب بذلك ترك منادمة حرب، و لم يفارقه حتى أخذ منه مائة ناقة دفعها لابن عم اليهودي حفظا لجواره، ثم نادم عبد اللّه بن جدعان انتهى ملخصا.

و قيل له عبد المطلب، لأن عمه المطلب لما جاء به صغيرا من المدينة أردفه خلفه: أي و كان بهيئة رثة: أي ثياب خلقة، فصار كل من يسأل عنه و يقول من هذا؟

يقول عبدي أي حياء أن يقول ابن أخي، فلما دخل مكة أحسن من حاله و أظهر أنه ابن أخيه و صار يقول لمن يقول له عبد المطلب: و يحكم إنما هو شيبة ابن أخي هاشم لكن غلب عليه الوصف المذكور فقيل له عبد المطلب: أي و قيل لأنه تربى في حجر عمه المطلب، و كان عادة العرب أن تقول لليتيم الذي يتربى في حجر أحد هو عبده و كان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم و البغي، و يحثهم على مكارم الأخلاق، و ينهاهم عن دنيئات الأمور.

و كان يقول: لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه و تصيبهم عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم من أهل الشام لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطلب في ذلك، ففكر و قال: و اللّه إن وراء هذه الدار دارا يجزى فيها المحسن بإحسانه، و يعاقب المسي‏ء بإساءته: أي فالمظلوم شأنه في الدنيا ذلك، حتى إذا خرج من الدنيا و لم تصبه‏

10

العقوبة فهي معدة له في الآخرة، و رفض في آخر عمره عبادة الأصنام، و وحد اللّه سبحانه و تعالى. و تؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها، و جاءت السنة بها: منها الوفاء بالنذر، و المنع من نكاح المحارم، و قطع يد السارق، و النهي عن قتل الموؤدة، و تحريم الخمر و الزنا، و أن لا يطوف بالبيت عريان كذا في كلام سبط ابن الجوزي (ابن هاشم) و هاشم: هو عمرو العلا أي لعلو مرتبته، و هو أخو عبد شمس و كانا توأمين، و كانت رجل هاشم أي أصبعها ملصقة بجبهة عبد شمس، و لم يكن نزعها إلا بسيلان دم، فكانوا يقولون سيكون بينهما دم، فكان بين ولديهما أي بين بني العباس و بين بني أمية سنة ثلاث و ثلاثين و مائة من الهجرة، و وقعت العداوة بين هاشم و بين ابن أخيه أمية بن عبد شمس، لأن هاشما لما ساد قومه بعد أبيه عبد مناف حسده أمية ابن أخيه، فتكلف أن يصنع كما يصنع هاشم فعجز، فعيرته قريش و قالوا له أ تتشبه بهاشم، ثم دعا هاشما للمنافرة فأبى هاشم ذلك لسنه و علو قدره، فلم تدعه قريش، فقال هاشم لأمية: أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة، و الجلاء عن مكة عشر سنين، فرضي أمية بذلك، و جعلا بينهما الكاهن الخزاعي و كان بعسفان، فخرج كل منهما في نفر، فنزلوا على الكاهن، فقال قبل أن يخبروه خبرهم «و القمر الباهر» و الكوكب الزاهر، و الغمام الماطر، و ما بالجو من طائر، و ما اهتدى بعلم مسافر، من منجد و غائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المفاخر فنصر هاشم على أمية، فعاد هاشم إلى مكة و نحر الإبل، و أطعم الناس، و خرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم و أمية، و توارث ذلك بنوهما، و كان يقال لهاشم و إخوته عبد شمس و المطلب و نوفل أقداح النضار: أي الذهب، و يقال لهم المجيرون لكرمهم و فخرهم و سيادتهم على سائر العرب.

قال بعضهم: و لا يعرف بنو أب تباينوا في محالّ موتهم مثلهم، فإن هاشما مات بغزة: أي كما سيأتي، و عبد شمس مات بمكة، و قبره بأجياد، و نوفلا مات بالعراق، و المطلب مات ببرعاء من أرض اليمن: أي و قيل له هاشم، لأنه أول من هشم الثريد بعد جده إبراهيم، فإن ابراهيم أول من فعل ذلك: أي ثرد الثريد و أطعمه المساكين و فيه أن أول من ثرد الثريد، و أطعمه بمكة بعد إبراهيم جد هاشم قصي.

ففي الإمتاع: و قصي أول من ثرد الثريد و أطعمه بمكة. و فيه أيضا هاشم عمرو العلا، أول من أطعم الثريد بمكة، و سيأتي أن أول من فعل ذلك عمرو بن لحي، فليتأمل.

و قد يقال: لا منافاة لأن الأولية في ذلك إضافية، فأولية قصي لكونه من قريش و أولية عمرو بن لحي لكونه من خزاعة، و أولية هاشم باعتبار شدة مجاعة حصلت لقريش و إلى ذلك يشير صاحب الأصل بقوله:

و أطعم في المحل عمرو العلا* * * فللمسنتين به خصب عام‏

11

و قال أيضا:

عمرو العلا ذو الندى من لا يسابقه‏* * * مر السحاب و لا ريح تجاريه‏

جفانه كالجوابي للوفود إذا* * * لبوا بمكة ناداهم مناديه‏

أو أمحلوا أخصبوا منها و قد ملئت‏* * * قوتا لحاضره منهم و باديه‏

و قد قيل فيه:

قل للذي طلب السماحة و الندى‏* * * هلا مررت بآل عبد مناف‏

الرائشون و ليس يوجد رائش‏* * * و القائلون هلمّ للأضياف‏

و عن بعض الصحابة قال: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه على باب بني شيبة فمر رجل و هو يقول:

يا أيها الرجل المحوّل رحله‏* * * أ لا نزلت بآل عبد الدار

هبلتك أمك، لو نزلت برحلهم‏* * * منعوك عن عدم و من إقتار

فالتفت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أبي بكر رضي اللّه عنه فقال: أ هكذا قال الشاعر؟

قال: لا و الذي بعثك بالحق، و لكنه قال:

يا أيها الرجل المحول رحله‏* * * أ لا نزلت بآل عبد مناف‏

هبلتك أمك لو نزلت برحلهم‏* * * منعوك من عدم و من اقراف‏

الخالطين غنيهم بفقيرهم‏* * * حتى يعود فقيرهم كالكافي‏

فتبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: هكذا سمعت الرواة ينشدونه، و كان هاشم بعد أبيه عبد مناف على السقاية و الرفادة، فكان يعمل الطعام للحجاج، يأكل منه من لم يكن له سعة و لا زاد، و يقال لذلك الرفادة.

و اتفق أنه أصاب الناس سنة جدب شديد فخرج هاشم إلى الشام، و قيل بلغه ذلك و هو بغزة من الشام، فاشترى دقيقا و كعكا و قدم به مكة في الموسم، فهشم الخبز و الكعك و نحر الجزر و جعله ثريدا، و أطعم الناس حتى أشبعهم، فسمي بذلك هاشما. و كان يقال له أبو البطحاء و سيد البطحاء.

قال بعضهم: لم تزل مائدته منصوبة لا ترفع في السراء و الضراء.

قال ابن الصلاح: روينا عن الإمام سهل الصعلوكي رضي اللّه عنه أنه قال في قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» أراد فضل ثريد عمرو العلا، الذي عظم نفعه و قدره، و عم خيره و بره، و بقي له و لعقبه ذكره. و قد أبعد سهل في تأويل الحديث.

12

و الذي أراه أن معناه تفضيل الثريد من الطعام على باقي الطعام، لأن سائر بمعنى باقي أي فالمراد أي ثريد لا خصوص ثريد عمرو العلا حتى يكون أفضل من ثريد غيره. و كان هاشم يحمل ابن السبيل، و يؤمن الخائف.

قال: و قد ذكر أنه كان إذا هل هلال ذي الحجة قام صبيحته و أسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها و يخطب و يقول في خطبته: يا معشر قريش إنكم سادة العرب، أحسنها وجوها، و أعظمها أحلاما أي عقولا، و أوسط العرب: أي أشرفها أنسابا، و أقرب العرب بالعرب أرحاما. يا معشر قريش إنكم جيران بيت اللّه تعالى، أكرمكم اللّه تعالى بولايته، و خصكم بجواره دون بني إسماعيل، و إنه يأتيكم زوار اللّه يعظمون بيته فهم أضيافه و أحق من أكرم أضياف اللّه أنتم فأكرموا ضيفه و زواره، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح فأكرموا ضيفه و زوار بيته، فو رب هذه البنية لو كان لي مال يحتمل ذلك لكفيتكموه، و أنا مخرج من طيب مالي و حلاله ما لم يقطع فيه رحم، و لم يؤخذ بظلم، و لم يدخل فيه حرام؟ فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل، و أسألكم بحرمة هذا البيت أن لا يخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوار بيت اللّه و تقويتهم إلا طيبا، لم يؤخذ ظلما، و لم يقطع فيه رحم، و لم يؤخذ غصبا، فكانوا يجتهدون في ذلك، و يخرجونه من أموالهم فيضعونه في دار الندوة انتهى.

و قيل في تسمية شيبة الحمد عبد المطلب غير ما تقدم. فقد قيل: إنما سمي شيبة الحمد عبد المطلب، لأن أباه هاشما قال للمطلب الذي هو أخو هاشم و هو بمكة حين حضرته الوفاة أدرك عبدك يعني شيبة الحمد بيثرب، فمن ثم سمي عبد المطلب كذا في المواهب و قدمه على ما تقدم.

و فيه أنه حكى غير واحد أن هاشما خرج تاجرا إلى الشام، فنزل على شخص من بني النجار بالمدينة و تزوج بنته على شرط أنها لا تلد ولدا إلا في أهلها: أي ثم مضى لوجهه قبل أن يدخل بها ثم انصرف راجعا فبنى بها في أهلها ثم ارتحل بها إلى مكة، فلما أثقلت بالحمل خرج بها فوضعها عند أهلها بالمدينة و مضى إلى الشام فمات بغزة، قيل و عمره حينئذ عشرون سنة، و قيل أربع، و قيل خمس و عشرون.

و ولدت شيبة الحمد فمكث بالمدينة سبع سنين و قيل ثمان، فمر رجل على غلمان يلعبون أي ينتضلون بالسهام و إذا غلام فيهم إذا أصاب قال أنا ابن سيد البطحاء، فقال له الرجل: ممن أنت يا غلام؟ فقال أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف، فلما قدم الرجل مكة وجد المطلب جالسا بالحجر فقص عليه ما رأى، فذهب إلى المدينة، فلما رآه عرف شبه أبيه فيه ففاضت عيناه و ضمه إليه خفية من أمه.

و في لفظ أنه عرفه بالشبه و قال لمن كان يلعب معه: أ هذا ابن هاشم؟ قالوا

13

نعم، فعرفهم أنه عمه، فقالوا له: إن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه، فإنها إن علمت بك لم تدعك و حالت بينك و بينه، فدعاه المطلب و قال يا ابن أخي أنا عمك و قد أردت الذهاب بك إلى قومك، و أناخ ناقته فجلس على عجز الناقة، فانطلق به و لم تعلم به أمه حتى كان الليل فقامت تدعوه، فأخبرت أن عمه قد ذهب به و كساه حلة يمانية، ثم قدم به مكة، فقالت قريش: هذا عبد المطلب: أي فإن هذا السياق يدل على أن عبد المطلب إنما ولد بعد موت أبيه هاشم بغزة، و كون عمه المطلب كساه حلة لا ينافي ما سبق أنه دخل به مكة و ثيابه رثة خلقة، لأنه يجوز أن تكون هذه الحلة ألبست له عند أخذه ثم نزعت عنه في السفر: أي أو أن هذه الحلة اشتراها بمكة كما يصرح به كلام بعضهم. و ما وقع هنا من تصرف الراوي على أنه يجوز أن يكون اشترى له حلتين واحدة ألبسها له بالمدينة و أخرى اشتراها بمكة و ألبسها له.

و في السيرة الهشامية أن أم عبد المطلب كانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشرطوا لها أن أمرها بيدها، إذا كرهت رجلا فارقته: أي و إنها لا تلد ولدا إلا في أهلها كما تقدم، و أن عمه المطلب لما جاءه لأخذه قالت له لست بمرسلته معك، فقال لها المطلب: إني غير منصرف حتى أخرج به معي، إن ابن أخي قد بلغ و هو غريب في غير قومه، و نحن أهل بيت شرف في قومنا، و قومه و عشيرته و بلده خير من الإقامة في غيرهم، فقال شيبة لعمه: إني لست بمفارقها إلا أن تأذن لي، فأذنت له و دفعته إليه، فأردفه خلفه على بعيره. و يحتاج إلى الجمع بين هذا و ما قبله، فقالت قريش عبد المطلب ابتاعه: أي ظنا منهم أنه اشتراه من المدينة فإن الشمس أثرت فيه و عليه ثياب أخلاق، فقال لهم: و يحكم إنما هو ابن أخي هاشم. و لا يخالف هذا ما سبق، من أنه صار يقول لمن يسأله عنه من هذا؟ فيقول عبدي، لأنه يجوز أن يكون بعض الناس قال من عند نفسه هذا عبد المطلب ظنا منه، و بعضهم سأله فأجابه بقوله هذا عبدي كما تقدم، و لما دخل مكة قال لهم و يحكم إلى آخره. و هاشم (بن عبد مناف) و عبد مناف اسمه المغيرة. أي و كان يقال له قمر البطحاء لحسنه و جماله، و هذا هو الجد الثالث لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو الجد الرابع لعثمان بن عفان، و الجد التاسع لإمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنهما.

و وجد كتاب في حجر: أنا المغيرة بن قصي، أوصي قريشا بتقوى اللّه جل و علا، و صلة الرحم، و مناف أصله مناة اسم صنم كان أعظم أصنامهم، و كانت أمه جعلته خادما لذلك الصنم. و قيل وهبته له لأنه كان أول ولد لقصي على ما قيل، لأن عبد مناف بن قصي أي و يسمى قصي زيدا.

و عن إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه أن اسمه يزيد، و يدعى مجمعا أيضا. و قيل‏

14

له قصي لأنه قصي: أي بعد عن عشيرته إلى أخواله بني كلب في ناديهم. و قيل بعد إلى قضاعة مع أمه لأنها كانت منهم.

أقول: لا منافاة، لجواز أن تكون أم قصي من بني كلب و أبوها من قضاعة، و أنها رحلت بعد موت عبد مناف إلى بني كلب، ثم لما تزوجت من قضاعة رحلت إليها، و لعل قضاعة كانت جهة الشام، فلا يخالف ما قيل.

و قيل له قصي لأنه بعد مع أمه إلى الشام، لأن أمه تزوجت بعد موت أبيه و هو فطيم بشخص يقال له ربيعة بن حزام. و قيل حزام بن ربيعة العذري، فرحل بها إلى الشام و كان قصي لا يعرف له أبا إلا زوج أمه المذكور، فلما كبر وقع بينه و بين آل زوج أمه شرا: أي فإنه ناضل رجلا منهم فنضله قصي أي غلبه، فغضب ذلك الرجل و عير قصيا بالغربة و قال له: أ لا تلحق بقومك و ببلادك فإنك لست منا.

و في لفظ: لما قيل له ذلك، قال ممن أنا؟ قيل له سل أمك فشكا ذلك إلى أمه، فقالت له: بلادك خير من بلادهم، و قومك خير من قومهم، أنت أكرم أبا منهم، أنت ابن كلاب بن مرة، و قومك بمكة عند البيت الحرام تفد إليه العرب، و قد قالت لي كاهنة رأتك صغيرا إنك تلي أمرا جليلا، فلما أراد الخروج إلى مكة قالت له أمه: لا تعجل حتى يدخل الشهر الحرام فتخرج مع حجاج قضاعة، فإني أخاف عليك، فشخص مع الحجاج، فقدم قصي مكة على قومه مع حجاج قضاعة، فعرفوا له فضله و شرفه، فأكرموه و قدموه عليهم، فساد فيهم ثم تزوج بنت حليل بالحاء المهملة المضمومة الخزاعي و كان أمر مكة و البيت إليه، و هو آخر من ولي أمر البيت و الحكم بمكة من خزاعة، فجاء منها بأولاده الآتي ذكرهم، فلما انتشر ولده و كثر ماله و علم شرفه مات حليل، فرأى قصي أنه أولى بأمر مكة من خزاعة، لأن قريشا أقرب إلى إسماعيل من خزاعة، فدعا قريشا و بني كنانة إلى إخراج خزاعة من مكة فأجابوه إلى ذلك و انضم له قضاعة، جاء بهم أخو قصي لأمه فأزاح قصي يد خزاعة و ولي أمر مكة.

و قيل إن حليلا جعل أمر البيت لقصي. و لا منافاة لجواز أن تكون خزاعة لم ترض بما فعله حليل من أن يكون أمر البيت لقصي فحاربهم و أخرجهم من مكة.

و قيل إن حليلا أوصى بذلك لأبي غبشان بضم الغين المعجمة بعد أن أوصى بذلك لابنته زوج قصي و قالت له لا قدرة لي على فتح البيت و إغلاقه، و أن قصيا أخذ ذلك منه بزق خمر، فقالت العرب: أخسر صفقة من أبي غبشان.

و قيل إن أبا غبشان أعطى ذلك لبنت حليل زوج قصي، و أعطاه قصي أثوابا و أبعرة، فكان أبو غبشان آخر من ملك أمر مكة و البيت من خزاعة.

15

و لا يخالف ذلك ما تقدم من أن حليلا آخر من ولي أمر البيت و الحكم بمكة، لجواز أن يكون المراد آخر من ولي ذلك، و استمر كذلك إلى أن مات. قال بعضهم:

و كان أبو غبشان خالا لقصي، و كان في عقله شي‏ء، فخدعه قصي فاشترى منه أمر مكة و البيت بأذواد من الإبل.

و الجمع بين هذه الروايات من أن قصيا أخذه من أبي غبشان بزق خمر، و بين أنه أخذ ذلك بأثواب و أبعرة، و بين أنه أخذ ذلك بأذواد من الإبل ممكن، لجواز أن يكون جمع بين الخمر و الأثواب و الإبل فوقع الاقتصار على بعضها من بعض الرواة تأمل. ثم جمع قصي قريشا بعد تفرقها في البلاد و جعلها اثنتي عشرة قبيلة كما سيأتي، و من ثم قيل له مجمع. و في كلام بعضهم: و لذلك سماه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مجمعا، و إلى ذلك يشير قول الشاعر:

قصي لعمري كان يدعى مجمعا* * * به جمع اللّه القبائل من فهر

و هذا البيت من قصيدة مدح بها عبد المطلب مدحه بها حذافة بن غانم، فإن ركبا من جذام فقدوا رجلا منهم غالته بيوت مكة، فلقوا حذافة فأخذوه فربطوه ثم انطلقوا به، فتلقاهم عبد المطلب مقبلا من الطائف معه ابنه أبو لهب يقوده و قد ذهب بصره، فلما نظر إليه حذافة هتف به، فقال عبد المطلب لأبي لهب: ويلك ما هذا؟

قال: هذا حذافة بن غانم مربوطا مع ركب، قال الحقهم و اسألهم ما شأنهم، فلحقهم فأخبروه الخبر، فرجع إلى عبد المطلب، فقال ما معك؟ قال: و اللّه ما معي شي‏ء، قال: الحقهم لا أم لك و أعطهم ما بيدك و أطلق الرجل، فلحقهم أبو لهب فقال: قد عرفتم تجارتي و مالي، و أنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهبا و عشرا من الإبل و فرسا، و هذا ردائي رهنا بذلك، فقبلوه منه و أطلقوا حذافة فأقبل به، فلما سمع عبد المطلب صوت أبي لهب قال: و أبي إنك لعاص؟ ارجع لا أم لك، قال: يا أبتاه هذا الرجل معي، فناداه يا حذافة أسمعني صوتك فقال: ها أنا ذا بأبي أنت يا ساقي الحجيج أردفني، فأردفه خلفه حتى دخل مكة، فقال حذافة هذه القصيدة و مطلعها:

بنو شيبة الحمد الذي كان وجهه‏* * * يضي‏ء ظلام الليل كالقمر البدر

و هي قصيدة جيدة.

فإن قيل: كيف قبل القوم من أبي لهب رهن ردائه على ما ذكره لهم في أن يخلوا عن الرجل مع أن رداءه لا يقع موقعا من ذلك؟

أجيب: بأن سنة العرب و طريقتهم أن الواحد منهم إذا رهن غيره و لو شيئا حقيرا على أمر جليل لا يقدر، بل يحرص على وفاء ما رهن عليه، و من ثم لما أجدبت أرض تميم بدعاء النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عليهم ذهب سيدهم حاجب بن زرارة والد عطارد

16

رضي اللّه تعالى عنه إلى كسرى ليأخذ منه أمانا لقومه لينزلوا ريف العراق لأجل المرعى، فقال له كسرى: أنتم قوم غدر، و أخاف على الرعايا منكم، فقال له حاجب: أنا ضامن أن لا تفعل قومي شيئا من ذلك، فقال له كسرى: و من لي بوفائك؟ قال: هذه قوسي رهينة، فحمقه كسرى و جلساؤه و ضحكوا منه، فقيل له:

العرب لو رهن أحدهم شيئا لا بد أن يفي به، فلما أخصبت أرض تميم بدعاء النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لهم لما وفد إليه جماعة منهم و أسلموا و مات حاجب، أمر عطارد رضي اللّه عنه قومه بالذهاب إلى بلادهم، و جاء عطارد رضي اللّه عنه إلى كسرى فطلب قوس أبيه، فقال: إنك لم تسلم إليّ شيئا فقال: أيها الملك، أنا وارث أبي و قد وفينا بالضمان، فإن لم تدفع إلي قوس أبي صار عارا علينا و سبة، فدفعها له و كساه حلة، فلما وفد عطارد على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أسلم دفعها للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فلم يقبلها و قال «إنما يلبس هذه الحلة من لا خلاق له» فكانت بنو تميم تعد ذلك القوس من مفاخرهم، و إلى هذا أشار بعض الشعراء و قد أحسن و أجاد و تلطف بقوله:

تزهو علينا بقوس حاجبها* * * تيه تميم بقوس حاجبها

و صار قصي رئيسا لقريش على الإطلاق حين أزاح يد خزاعة عن البيت، و أجلاهم عن مكة بعد أن لم يسلموا لقصي في ولاية أمر البيت، و لم يجيزوا ما فعل حليل و أبو غبشان على ما تقدم، و ذلك بعد أن اقتتلوا آخر أيام منى بعد أن حذرتهم قريش الظلم و البغي، و ذكرتهم ما صارت إليه جرهم حين ألحدوا في الحرم بالظلم، فأبت خزاعة، فاقتتلوا قتالا شديدا، و كثر القتل و الجراح في الفريقين إلا أنه في خزاعة أكثر، ثم تداعوا للصلح و اتفقوا على أن يحكموا بينهم رجلا من العرب، فحكموا يعمر بن عوف و كان رجلا شريفا، فقال لهم: موعدكم فناء الكعبة غدا، فلما اجتمعوا قام يعمر، فقال: ألا إني قد شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدميّ هاتين، فلا تباعة لأحد على أحد في دم. و قيل قضى بأن كل دم أصابته قريش من خزاعة موضوع، و أن ما أصابته خزاعة من قريش فيه الدية، و قضى لقصيّ بأنه أولى بولاية مكة، فتولاها. قيل: و كان يعشر من دخل مكة من غير أهلها، أي بتجارة، و كانت خزاعة قد أزالت يد جرهم عن ولاية البيت، فإن مضاض بن عمرو الجرهمي الأكبر ولي أمر البيت بعد ثابت بن إسماعيل عليه الصلاة و السلام، فإنه كان جدا لثابت و غيره من أولاد إسماعيل لأمهم، و استمرت جرهم ولاة البيت و الحكام بمكة لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخؤولتهم، و إعظاما لأن يكون بمكة بغي.

ثم إن جرهما بغوا بمكة، و ظلموا من يدخلها من غير أهلها، و أكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، حتى إن الرجل منهم كان إذا أراد أن يزني و لم يجد مكانا دخل البيت فزنى فيه، فأجمعت- أي عزمت- خزاعة لحربهم و إخراجهم من مكة،

17

ففعلوا ذلك بعد أن سلط اللّه تعالى على جرهم دواب تشبه النغف بالغين المعجمة و الفاء: و هو دود يكون في أنوف الإبل و الغنم، فهلك منهم ثمانون كهلا في ليلة واحدة سوى الشباب. و قيل سلط اللّه عليهم الرعاف فأفنى غالبهم: أي و جاز أن يكون ذلك الدم ناشئا عن ذلك الدود فلا مخالفة، و ذهب من بقي إلى اليمن مع عمرو بن الحرث الجرهمي آخر من ملك أمر مكة من جرهم، و حزنت جرهم على ما فارقوا من أمر مكة و ملكها حزنا شديدا و قال عمرو أبياتا منها:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر

و كنا ولاة البيت من بعد ثابت‏* * * نطوف بذاك البيت و الخير ظاهر

بلى نحن كنا أهلها فأبادنا* * * صروف الليالي و الدهور البواتر

و من غريب الاتفاق ما حكاه بعضهم قال: كنت أكتب بين يدي الوزير يحيى بن خالد البرمكي أيام الرشيد فأخذه النوم، فنام برهة ثم انتبه مذعورا فقال: الأمر كما كان، و اللّه ذهب ملكنا، و ذل عزنا، و انقضت أيام دولتنا. قلت: و ما ذاك أصلح اللّه الوزير؟ قال: سمعت منشدا أنشدني: كأن لم يكن بين الحجون البيت، و أجبته من غير روية: بلى نحن كنا أهلها البيت، فلما كان اليوم الثالث و أنا بين يديه على عادتي إذ جاءه إنسان و أكب عليه، و أخبره أن الرشيد قتل جعفرا الساعة قال: أو قد فعل؟

قال نعم، فما زاد أن رمى القلم من يده و قال: هكذا تقوم الساعة بغتة.

و مما يؤثر عن يحيى هذا: ينبغي للإنسان أن يكتب أحسن ما يسمع، و يحفظ أحسن ما يكتب، و يحدث بأحسن ما يحفظ. و قال: من لم يبت على سرور الوعد لم يجد للصنيعة طعما.

و صارت خزاعة بعد جرهم ولاة البيت و الحكام بمكة كما تقدم، و كان كبير خزاعة عمرو بن لحي، و هو ابن بنت عمرو بن الحارث الجرهمي آخر ملوك جرهم المتقدم ذكره. و قد بلغ عمرو بن لحي في العرب من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله و لا بعده في الجاهلية.

و هو أول من أطعم الحج بمكة سدائف الإبل و لحمانها على الثريد.

و السدائف: جمع سديف، و هو شحم السنام، و ذهب شرفه في العرب كل مذهب حتى صار قوله دينا متبعا لا يخالف.

و في كلام بعضهم: صار عمرو للعرب ربا، لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة، لأنه كان يطعم الناس و يكسوهم في الموسم، و ربما نحر لهم في الموسم عشرة آلاف بدنة و كسا عشرة آلاف حلة.

و هو أول من غير دين إبراهيم: أي فقد قال بعضهم: تظافرت نصوص العلماء

18

على أن العرب من عهد إبراهيم استمرت على دينه: أي من رفض عبادة الأصنام إلى زمن عمرو بن لحي، فهو أول من غير دين إبراهيم، و شرع للعرب الضلالات، فعبد الأصنام و سيب السائبة و بحر البحيرة.

و قيل أول من بحر البحيرة رجل من بني مدلج كانت له ناقتان فجدع أذنيهما و حرم ألبانهما، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «رأيته في النار يخبطانه بأخفافهما، و يعضانه بأفواههما».

و عمرو أول من وصل الوصيلة، و حمى الحامي، و نصب الأصنام حول الكعبة و أتى بهبل من أرض الجزيرة و نصبه في بطن الكعبة فكانت العرب تستقسم عنده بالأزلام على ما سيأتي. و أول من أدخل الشرك في التلبية، فإنه كان يلبي بتلبية إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، و هي «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك» فعند ذلك تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه، فلما قال عمرو لبيك لا شريك لك، قال له ذلك الشيخ: إلا شريكا هو لك، فأنكر عمرو ذلك، فقال له ذلك الشيخ: تملكه و ما ملك، و هذا لا بأس به، فقال ذلك عمرو، فتبعته العرب على ذلك: أي فيوحدونه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم و يجعلون ملكها بيده، قال تعالى توبيخا لهم‏ وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (106) [يوسف: الآية 106] و هو أول من أحل أيضا أكل الميتة، فإن كل القبائل من ولد إسماعيل لم تزل تحرم أكل الميتة حتى جاء عمرو بن لحي فزعم أن اللّه تعالى لا يرضى تحريم أكل الميتة، قال:

كيف لا تأكلون ما قتل اللّه و تأكلون ما قتلتم؟.

و روى البخاري أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، و رأيت عمرا يجر قصبه في النار» و في رواية «أمعاءه» أي و هي المراد بالقصب بضم القاف. و في رواية «رأيته يؤذي أهل النار بريح قصبه» و يقال للأمعاء الأقتاب واحدها قتب بكسر القاف و سكون المثناة الفوقية آخره باء موحدة، و من ذلك قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار» و الاندلاق: الخروج بسرعة.

و قال (صلى اللّه عليه و سلم) لأكثم بن الجون الخزاعي و اسمه عبد العزى و أكثم بالثاء المثلثة: و هو في اللغة واسع البطن «يا أكثم رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه من رجل منك به و لا بك منه، فقال أكثم: فعسى أن يضرني شبهه يا رسول اللّه، قال لا، إنك مؤمن و هو كافر، إنه أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان» أي و دين إسماعيل هو دين إبراهيم عليهما الصلاة و السلام، فإن العرب من عهد إبراهيم عليه الصلاة و السلام استمرت على دينه لم يغيره أحد إلى عهد عمرو المذكور كما تقدم. و في كلام بعضهم أن أكثم هذا هو أبو معبد زوج أم معبد التي مرّ بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عند الهجرة، و أكثم هذا هو الذي قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «رأيت‏

19

الدجال، فإذا أشبه الناس به أكثم بن عبد العزى، فقام أكثم فقال: أ يضرني شبهي إياه؟ فقال: لا، أنت مؤمن و هو كافر» و رده ابن عبد البر حيث قال: الحديث الذي فيه ذكر الدجال لا يصح إنما يصح ما قاله في ذكر عمرو بن لحي.

و إنما كان عمرو بن لحي أول من نصب الأوثان، لأنه خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره فرأى بأرض البلقاء العماليق ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، و رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم، ما هذه؟ قالوا هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا و نستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أ فلا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب؟ فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه في بطن الكعبة على بئرها، و أمر الناس بعبادته و تعظيمه فكان الرجل إذا قدم من سفره بدأ به قبل أهله بعد طوافه بالبيت و حلق رأسه عنده، و كان عند هبل سبع قداح: قدح فيه مكتوب العقل اذا اختلفوا فيمن يحمله منهم ضربوا به فعلى من خرج حمله. و قدح مكتوب فيه نعم.

و قدح مكتوب فيه لا و ذلك للأمر الذي يريدونه، و قدح فيه منكم. و قدح فيه ملصق من غيركم إذا اختلفوا في ولد هل هو منهم أو لا. و قدح فيه بها. و قدح فيه ما بها إذا أرادوا أرضا يحفرونها للماء و كان هبل من العقيق على صورة إنسان.

و عاش عمرو بن لحي هذا ثلاثمائة سنة و أربعين سنة، و رأى من ولده و ولد ولده ألف مقاتل: أي و مكث هو و ولده من بعده في ولاية البيت خمسمائة سنة، و كان آخرهم حليل الذي تزوج قصيّ ابنته كما تقدم.

و قيل: و كان لعمرو تابع من الجن، فقال له: اذهب إلى جدة و ائت منها بالآلهة التي كانت تعبد في زمن نوح و إدريس عليهما الصلاة و السلام، و هي ودّ و سواع و يغوث و يعوق و نسر، فذهب و أتى بها إلى مكة و دعا إلى عبادتها، فانتشرت عبادة الأصنام في العرب، فكان ود لكلب، و سواع لهمدان، و قيل لهذيل، و يغوث لمذحج بالذال المعجمة على وزن مسجد أبو قبيلة من اليمن، و يعوق لمراد. و قيل لهمدان، و نسر لحمير أي و كانوا هؤلاء على صور عباد ماتوا، فحزن أهل عصرهم عليهم فصوّر لهم إبليس اللعين أمثالهم من صفر و نحاس ليستأنسوا بهم، فجعلوها في مؤخر المسجد، فلما هلك أهل ذلك العصر قال اللعين لأولادهم: هذه آلهة آبائكم تعبدونها، ثم إن الطوفان دفنها في ساحل جدة فأخرجها اللعين.

و في كلام بعضهم أن آدم كان له خمسة أولاد صلحاء، و هم ود و سواع و يغوث و يعوق و نسر، فمات ودّ فحزن الناس عليه حزنا شديدا، و اجتمعوا حول قبره لا يكادون يفارقونه، و ذلك بأرض بابل، فلما رأى إبليس ذلك من فعلهم جاء إليهم في صورة إنسان و قال لهم: هل لكم أن أصور لكم صورته إذا نظرتم إليها ذكرتموه؟

قالوا نعم، فصوّر لهم صورته، ثم صار كلما مات واحد منهم صور صورته و سموا

20

تلك الصور بأسمائهم، ثم لما تقادم الزمان و ماتت الآباء و الأبناء و أبناء الأبناء قال لمن حدث بعدهم إن الذين كانوا قبلكم يعبدون هذه الصور فعبدوها، فأرسل اللّه لهم نوحا، فنهاهم عن عبادتها فلم يجيبوه لذلك، و كان بين آدم و نوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق. فأول ما حدثت عبادة الأصنام في قوم نوح، فأرسله اللّه تعالى إليهم فنهاهم عن ذلك.

و يقال إن عمرو بن لحي هو الذي نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديد، و كانت الأزد يحجون إليه و يعظمونه، و كذلك الأوس و الخزرج و غسان.

و ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني في تفسيره لبعض الآيات القرآنية عند قوله تعالى‏ وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ [الرعد: الآية: 15] أن أصل وضع الأصنام إنما هو من قوة التنزيه من العلماء الأقدمين، فإنهم نزهوا اللّه تعالى عن كل شي‏ء و أمروا بذلك عامتهم، فلما رأوا أن بعض عامتهم صرح بالتعطيل وضعوا لهم الأصنام و كسوها الديباج و الحلي و الجواهر، و عظموها بالسجود و غيره ليتذكروا بها الحق الذي غاب عن عقولهم، و غاب عن أولئك العلماء أن ذلك لا يجوز إلا بإذن من اللّه تعالى، هذا كلامه.

و كان في زمان جرهم رجل فاجر يقال له إساف فجر بامرأة يقال لها نائلة في جوف الكعبة أي قبلها فيها كما في تاريخ الأزرقي.

و قيل زنى بها فمسخا حجرين، فأخرجا منها و نصبا على الصفا و المروة ليكونا عبرة، فلما كان زمن عمرو بن لحي أخذهما و نصبهما حول الكعبة أي على زمزم و جعلا في وجهها و صار من يطوف يتمسح بهما يبدأ بإساف و يختم بنائلة، و ذلك قبل أن يقدم عمرو بهبل و بتلك الأصنام، و كانت قريش تذبح ذبائحها عندهما.

و ذكر أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما كسر نائلة عند فتح مكة خرجت منها امرأة سوداء شمطاء تخمش وجهها و هي تنادي بالويل و الثبور، و كان عمرو يخبر قومه بأن الرب يشتي بالطائف عند اللات و يصيف عند العزى، فكانوا يعظمونهما و كانوا يهدون إلى العزى كما يهدون إلى الكعبة.

و قصي هو الذي أمر قريشا أن يبنوا بيوتهم داخل الحرم حول البيت و قال لهم إن فعلتم ذلك هابتكم العرب و لم تستحل قتالكم، فبنوا حول البيت من جهاته الأربع و جعلوا أبواب بيوتهم جهته لكل بطن منهم باب ينسب الآن إليه، كباب بني شيبة، و باب بني سهم، و باب بني مخزوم، و باب بني جمع، و تركوا قدر الطواف بالبيت، فبنى قصي دار الندوة و هي أول دار بنيت بمكة، و استمر الأمر على أنه ليس حول الكعبة إلا قدر المطاف، و ليس حوله جدار زمنه (صلى اللّه عليه و سلم) و زمن ولاية الصديق رضي اللّه‏

21

عنه فلما كان زمن ولاية عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه اشترى تلك الدور من أهلها و هدمها و بنى المسجد المحيط بها، ثم لما كان زمن ولاية عثمان رضي اللّه عنه اشترى دورا آخر و غالى في ثمنها و هدمها و زاد في سعة المسجد، ثم إن ابن الزبير رضي اللّه عنهما زاد في المسجد زيادة كثيرة، ثم إن عبد الملك بن مروان رفع جداره و سقفه بالساج و عمره عمارة حسنة و لم يزد فيه شيئا، ثم إن الوليد بن عبد الملك وسع المسجد و حمل إليه أعمدة الرخام، ثم زاد فيه المهدي والد الرشيد مرتين، و استقر بناؤه على ذلك إلى الآن.

و كانت قريش قبل ذلك: أي قبل بناء منازلهم في الحرم يحترمون الحرم و لا يبيتون فيه ليلا، و إذا أراد أحدهم قضاء حاجة الإنسان خرج إلى الحل.

و قد جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما كان بمكة إذا أراد حاجة الإنسان خرج إلى المغمس بكسر الميم أفصح من فتحها، و هو على ثلثي فرسخ من مكة، و هابت قريش قطع شجر الحرم التي في منازلهم التي بنوها، فقد كان بمكة شجر كثير من العضاه و السلم، و شكوا في ذلك إلى قصي فأمرهم بقطعها، فهابوا ذلك، فقالوا نكره أن ترى العرب أنا استخففنا بحرمنا، فقال قصي: إنما تقطعونه لمنازلكم و ما تريدون به فسادا، بهلة اللّه: أي لعنته على من أراد فسادا، فقطعها قصي بيده و بيد أعوانه.

و في كلام السهيلي عن الواقدي: الأصح أن قريشا حين أرادوا البنيان قالوا لقصي كيف نصنع في شجر الحرم، فحذرهم قطعها و خوفهم العقوبة في ذلك، فكان أحدهم يحدق بالبنيان حول الشجرة حتى تكون في منزله.

قال: و أول من ترخص في قطع شجر الحرم للبنيان عبد اللّه بن الزبير حين ابتنى دورا بقعيقعان، لكنه جعل فداء كل شجرة بقرة فليتأمل الجمع.

و أنزل قصي القبائل من قريش: أي فإنه جعلها اثنتي عشرة قبيلة كما تقدم في نواحي مكة بطاحها و ظواهرها، و من ثم قيل لمن سكن البطاح قريش البطاح، و لمن سكن الظواهر قريش الظواهر، و الأولى أشرف من الثانية، و من الأولى بنو هاشم، و إلى ذلك يشير صاحب الأصل في وصفه (صلى اللّه عليه و سلم) بقوله:

من بني هاشم بن عبد مناف‏* * * و بنو هاشم بحار الحباء

من قريش البطاح من عرف النا* * * س لهم فضلهم بغير امتراء

قال بعضهم: كان قصي أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا و لما حضر الحج قال لقريش: قد حضر الحج و قد سمعت العرب بما صنعتم و هم لكم معظمون، و لا أعلم مكرمة عند العرب أعظم من الطعام، فليخرج كل إنسان منكم من ماله خرجا ففعلوا، فجمع من ذلك شيئا كثيرا، فلما جاء أوائل الحج نحر على كل طريق من‏

22

طرق مكة جزورا و نحر بمكة و جعل الثريد و اللحم، و سقي الماء المحلى بالزبيب و سقي اللبن. و هو أول من أوقد النار بمزدلفة ليراها الناس من عرفة ليلة النفر.

و مما يؤثر عن قصي: من أكرم لئيما أشركه في لؤمه. و من استحسن قبيحا نزل إلى قبحه. و من لم تصلحه الكرامة أصلحه الهوان. و من طلب فوق قدره استحق الحرمان. و الحسود العدو الخفي.

و لما احتضر قال لأولاده: اجتنبوا الخمرة، فإنها تصلح الأبدان و تفسد الأذهان.

و حاز قصي شرف مكة كله، فكان بيده السقاية و الرفادة و الحجابة و الندوة و اللواء و القيادة.

و كان عبد الدار أكبر أولاد قصي و عبد مناف أشرفهم: أي لأنه شرف في زمان أبيه قصي، و ذهب شرفه كل مذهب، و كان يليه في الشرف أخوه المطلب، كان يقال لهما البدران، و كانت قريش تسمي عبد مناف الفياض لكثرة جوده، فأعطى قصي ولده عبد الدار جميع تلك الوظائف التي هي السقاية و الرفادة و الحجابة و الندوة و اللواء و القيادة: أي فإنه قال له: أما و اللّه يا بني لألحقنك بالقوم يعني أخويه عبد مناف و المطلب و إن كانوا قد شرفوا عليك، لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له: أي بسبب الحجابة للبيت، و لا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك: أي و هذا هو المراد باللواء، و لا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك، و هذا هو المراد بالسقاية، و لا يأكل أحد من أهل الموسم إلا من طعامك: أي و هذا هو المراد بالرفادة و لا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك يعني دار الندوة: أي و لا يكون أحد قائد القوم إلا أنت و ذلك بسبب القيادة.

فلما مات عبد الدار و أخوه عبد مناف أراد بنو عبد مناف و هم هاشم و عبد شمس و المطلب، و هؤلاء إخوة لأب و أم، أمهم عاتكة بنت مرة، و نوفل أخوهم لأبيهم، أمه واقدة بنت حرمل أن يأخذوا تلك الوظائف من بني عمهم عبد الدار، و أجمعوا على المحاربة: أي و أخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند باب الكعبة ثم غمس القوم أيديهم فيها، و تعاقدوا هم و حلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم، فسموا المطيبين: أي أخرجتها لهم أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و توأمة أبيه، و وضعتها في الحجر و قالت: من تطيب بهذا فهو منا، فتطيب منها مع بني عبد مناف بنو زهرة و بنو أسد بن عبد العزى و بنو تميم بن مرة و بنو الحارث بن فهر، فالمطيبون من قريش خمس قبائل. و تعاقد بنو عبد الدار و أحلافهم، و هم: بنو مخزوم و بنو سهم و بنو جمح و بنو عدي بن كعب، على أن لا يتخاذلوا و لا يسلم بعضهم بعضا،

23

فسموا الأحلاف لتحالفهم بعد أن أخرجوا جفنة مملوءة دما من دم جزور نحروها ثم قالوا: من أدخل يده في دمها فلعق منه فهو منا و صاروا يضعون أيديهم فيها و يلعقونها فسموا لعقة الدم.

و قيل الذين لعقوا الدم فسموا لعقة الدم بنو عدي خاصة، ثم اصطلحوا على أن تكون السقاية و الرفادة و القيادة لبني عبد مناف، و الحجابة و اللواء لبني عبد الدار، و دار الندوة بينهم بالاشتراك، و تحالفوا على ذلك هذا.

و الذي رأيته «في المشرق فيما يحاضر به من آداب المشرق»: و لما شرف عبد مناف بن قصي في حياة أبيه، و ذهب شرفه كل مذهب، و كان قصي يحب ابنه عبد الدار أراد أن يبقي له ذكرا فأعطاه الحجابة و دار الندوة و اللواء، و أعطى عبد مناف السقاية و الرفادة و القيادة، و جعل عبد الدار الحجابة لولده عثمان، و جعل دار الندوة لولده عبد مناف بن عبد الدار، ثم وليها عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ثم وليها ولده من بعده.

و السقاية كانت حياضا من أدم توضع بفناء الكعبة، و ينقل إليها الماء العذب من الآبار على الإبل في المزاود و القرب قبل حفر زمزم، و ربما قذف فيها التمر و الزبيب في غالب الأحوال لسقي الحاج أيام الموسم حتى يتفرقوا، و هذه السقاية قام بها و بالرفادة بعد عبد مناف ولده هاشم، و بعده ولده عبد المطلب، و كان شريفا مطاعا جوادا، و كانت قريش تسميه الفياض لكثرة جوده، فلما كبر عبد المطلب فوّض إليه أمر السقاية و الرفادة، فلما مات المطلب وثب عليه عمه نوفل بن عبد مناف و غصبه أركاحا: أي أفنية و دورا، فسأل عبد المطلب رجالا من قومه النصرة على عمه نوفل فأبوا و قالوا: لا ندخل بينك و بين عمك فكتب إلى أخواله بني النجار بالمدينة بما فعله معه عمه نوفل، فلما وقف خاله أبو سعد بن عدي بن النجار على كتابه بكى، و سار من المدينة في ثمانين راكبا حتى قدم مكة فنزل الأبطح، فتلقاه عبد المطلب و قال له المنزل يا خال، فقال: لا و اللّه حتى ألقى نوفلا، فقال: تركته في الحجر جالسا في مشايخ قريش، فأقبل أبو سعد حتى وقف عليهم، فقام نوفل قائما و قال:

يا أبا سعد، أنعم صباحا فقال له أبو سعد: لا أنعم اللّه لك صباحا، و سل سيفه و قال: و رب هذه البنية لئن لم تردّ على ابن أختي أركاحه لأملأن منك هذا السيف، فقال: قد رددتها عليه، فأشهد عليه مشايخ قريش، ثم نزل على عبد المطلب، فأقام عنده ثلاثا ثم اعتمر و رجع إلى المدينة.

و لما جرى ذلك حالف نوفل و بنوه بني أخيه عبد شمس على بني هاشم، و حالفت بنو هاشم خزاعة على بني نوفل و بني عبد شمس: أي فإن خزاعة قالت:

نحن أولى بنصرة عبد المطلب، لأن عبد مناف جد عبد المطلب أمه حبى بنت حليل‏

24

سيد خزاعة كما تقدم، فقالوا لعبد المطلب: هلم فلنحالفك، فدخلوا دار الندوة و تحالفوا و تعاقدوا و كتبوا بينهم كتابا: باسمك اللهم، هذا ما تحالف عليه بنو هاشم و رجالات عمرو بن ربيعة من خزاعة على النصرة و المواساة ما بلّ بحر صوفة، و ما أشرقت الشمس على ثبير، و هبّ بفلاة بعير، و ما أقام الأخشبان، و اعتمر بمكة إنسان، و المراد من ذلك الأبد.

و عبد المطلب لما حفر زمزم صار ينقل الماء منها لتلك الأحواض و يقذف فيها التمر و الزبيب، ثم بعده قام بها ولده أبو طالب، ثم اتفق أن أبا طالب أملق: أي افتقر في بعض السنين، فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف درهم إلى الموسم الآخر، فصرفها أبو طالب في الحجيج عامه ذلك فيما يتعلق بالسقاية، فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبي طالب شي‏ء، فقال لأخيه العباس أسلفني أربعة عشر ألفا أيضا إلى العام المقبل لأعطيك جميع مالك، فقال له العباس: بشرط إن لم تعطني تترك السقاية لأكفلها؟ فقال نعم، فلما جاء العام الآخر لم يكن مع أبي طالب ما يعطيه لأخيه العباس فترك له السقاية، فصارت للعباس، ثم لولده عبد اللّه بن عباس، و استمر ذلك في بني العباس إلى زمن السفاح، ثم ترك بنو العباس ذلك.

و الرفادة: إطعام الحاج أيام الموسم حتى يتفرقوا، فإن قريشا كانت على زمن قصي تخرجه من أموالها في كل موسم فتدفعه إلى قصي، فيصنع به طعاما للحاج يأكل منه من لم يكن معه سعة و لا زاد كما تقدم حتى قام بها بعده ولده عبد مناف ثم بعد عبد مناف ولده هاشم ثم بعد هاشم ولده عبد المطلب، ثم ولده أبو طالب و قيل ولده العباس، ثم استمر ذلك إلى زمنه (صلى اللّه عليه و سلم) و زمن الخلفاء بعده ثم استمر ذلك في الخلفاء إلى أن انقرضت الخلافة من بغداد ثم من مصر.

و أما القيادة: و هي إمارة الركب، فقام بها بعد عبد مناف ولده عبد شمس ثم كانت بعد عبد شمس لابنه أمية ثم لابنه حرب، ثم لابنه أبي سفيان، فكان يقود الناس في غزواتهم، قاد الناس يوم أحد و يوم الأحزاب، و من ثم لما قال الوليد بن عبد الملك لخالد بن يزيد بن معاوية: لست في العير و لا في النفير، قال له:

ويحك، العير و النفير عيبتي: أي وعائي، لأن العيبة ما يجعل فيه الثياب، جدي أبو سفيان صاحب العير، و جدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير.

و دار الندوة كانت قريش تجتمع فيها للمشاورة في أمورها، و لا يدخلها إلا من بلغ الأربعين، و كانت الجارية إذا حاضت تدخل دار الندوة ثم يشق عليها بعض ولد عبد الدار درعها ثم يدرعها إياه و انقلب بها فتحجب، و هذه كانت سنة قصي، فكان لا ينكح رجل امرأة من قريش إلا في دار قصي التي هي دار الندوة، و لا يعقد لواء حرب إلا فيها، و لا تدرع جارية من قريش إلا في تلك الدار فيشق عنها درعها

25

و يدرعها بيده، فكانت قريش بعد موت قصي يتبعون ما كان عليه في حياته كالدين المتبع، و لا زالت هذه الدار في يد بني عبد الدار إلى أن صارت إلى حكيم بن حزام فباعها في الإسلام بمائة ألف درهم، فلامه عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما و قال أ تبيع مكرمة آبائك و شرفهم؟ فقال حكيم رضي اللّه عنه: ذهبت المكارم إلا التقوى، و اللّه لقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر، و قد بعتها بمائة ألف، و أشهدكم أن ثمنها في سبيل اللّه تعالى فأينا المغبون؟

قيل و قصي: هو جماع قريش، فلا يقال لأحد من أولاد من فوقه قرشي، و نسب هذا القول لبعض الرافضة، و هو قول باطل، لأنه توصل به إلى أن لا يكون سيدنا أبو بكر و سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنهما من قريش فلا حق لهما في الإمامة العظمى التي هي الخلافة، لقوله (صلى اللّه عليه و سلم) «الأئمة من قريش» و لقوله (صلى اللّه عليه و سلم) لقريش: «أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه» لأنهما لم يلتقيا مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلا فيما بعد قصي، لأن أبا بكر رضي اللّه عنه يجتمع معه في مرة كما سيأتي، لأن تيم بن مرة بينه و بين أبي بكر رضي اللّه عنه خمسة آباء، و عمر رضي اللّه عنه يجتمع معه في كعب كما سيأتي، و بين عمر رضي اللّه عنه و كعب سبعة آباء و قصي (بن كلاب) أي و اسمه حكيم، و قيل عروة، و لقب بكلاب لأنه كان يحب الصيد و أكثر صيده كان بالكلاب، و هو الجد الثالث لآمنة أمه (صلى اللّه عليه و سلم)، ففي كلاب يجتمع نسب أبيه و أمه (ابن مرة) و هو الجد السادس لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، و الإمام مالك رضي اللّه تعالى عنه يجتمع معه (صلى اللّه عليه و سلم) في هذا الجد الذي هو مرة أيضا (ابن كعب) أي و هو الجد الثامن لعمر رضي اللّه تعالى عنه، و كان كعب يجمع قومه يوم العروبة: أي يوم الرحمة الذي هو يوم الجمعة، و يقال إنه أول من سماء يوم الجمعة لاجتماع قريش فيه إليه، لكن في الحديث كان أهل الجاهلية يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، و اسمه عند اللّه تعالى يوم الجمعة. قال ابن دحية: و لم تسم العروبة الجمعة إلا منذ جاء الإسلام، و سيأتي في ذلك كلام فكانت قريش تجتمع إلى كعب ثم يعظهم و يذكرهم بمبعث النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و يعلمهم بأنه من ولده، و يأمرهم باتباعه، و يقول: سيأتي لحرمكم نبأ عظيم، و سيخرج منه نبي كريم، و ينشد أبياتا آخرها:

على غفلة يأتي النبي محمد* * * فيخبر أخبارا صدوق خبيرها

و ينشد أيضا:

يا ليتني شاهد فحواء دعوته‏* * * حين العشيرة تبغي الحق خذلان‏

و كان بينه و بين مبعثه (صلى اللّه عليه و سلم) خمسمائة سنة و ستون سنة. و في الامتناع: و عشرون سنة، لأن الحق أن الخمسمائة و الستين إنما هي بين موت كعب و الفيل الذي هو

26

مولده (صلى اللّه عليه و سلم) كما ذكره أبو نعيم في الدلائل النبوية.

و قيل إن كعبا أول من قال «أما بعد» فكان يقول: أما بعد فاسمعوا و افهموا، و تعلموا و اعلموا، ليل داج. و في رواية: ليل ساج، و نهار صاح، و الأرض مهاد، و السماء بناء، و الجبال أوتاد، و النجوم أعلام، و الأولون كالآخرين، فصلوا أرحامكم و احفظوا أصهاركم، و ثمروا أموالكم، الدار أمامكم، و الظن غير ما تقولون: أي و قيل له كعب لعلوه و ارتفاعه، لأن كل شي‏ء علا و ارتفع فهو كعب، و من ثم قيل للكعبة كعبة و لعلوه و ارتفاع شأنه أرّخوا بموته حتى كان عام الفيل أرخوا به ثم أرخوا بعد عام الفيل بموت عبد المطلب (و كعب بن لؤي) أي بالهمزة أكثر من عدمها. أي و في سبب تصغيره خلاف (ابن غالب بن فهر) سماه أبوه فهرا، و قيل هو لقب و اسمه قريش، و المناسب أن يكون لقبا لقولهم: إنما سمي قريشا لأنه كان يفرش: أي يفتش على خلة حاجة المحتاج فيسدها بماله، و كان بنوه يقرشون أهل الموسم عن حوائجهم فيرفدونهم، فسموا بذلك قريشا. قال بعضهم: و هو جماع قريش عند الأكثر، قال الزبير بن بكار: أجمع النسابون من قريش و غيرهم على أن قريشا إنما تفرقت عن فهر، و فهر هذا هو الجد السادس لأبي عبيدة بن الجراح. و لما جاء حسان بن عبد كلال من اليمن في حمير و غيرهم لأخذ أحجار الكعبة إلى اليمن ليا بني بها بيتا، و يجعل حج الناس إليه و نزل بنخلة، خرج فهر إلى مقاتلته بعد أن جمع قبائل العرب، فقاتله و أسره، و انهزمت حمير و من انضم إليهم و استمر حسان في الأسر ثلاث سنين ثم افتدى نفسه بمال كثير، و خرج فمات بين مكة و اليمن، فهابت العرب فهرا و عظموه و علا أمره.

و مما يؤثر عن فهر قوله لولده غالب: قليل ما في يديك أغنى لك من كثير ما أخلق وجهك و إن صار إليك (و فهر هو ابن مالك) قيل له ذلك لأنه ملك العرب (ابن النضر) أي و لقب به لنضارته و حسنه و جماله، و اسمه قيس، و هو جماع قريش عند الفقهاء، فلا يقال لأحد من أولاد من فوقه قرشي و يقال لكل من أولاده الذين منهم مالك و أولاده قرشي، فقد سئل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «من قريش؟ فقال من ولد النضر» أي و على أن جماع قريش فهر كما تقدم، فمالك و أولاده و النضر جده و أولاده ليسوا من قريش (و النضر بن كنانة) قيل له كنانة، لأنه لم يزل في كنّ من قومه. و قيل لستره على قومه و حفظه لأسرارهم، و كان شيخا حسنا عظيم القدر تحج إليه العرب لعلمه و فضله. و كان يقول: قد آن خروج نبي من مكة يدعى أحمد يدعو إلى اللّه و إلى البر و الإحسان و مكارم الأخلاق، فاتبعوه تزدادوا شرفا و عزا إلى عزكم، و لا تعتدوا أي تكذبوا ما جاء به فهو الحق.

قال ابن دحية (رحمه اللّه تعالى): كان كنانة يأنف أن يأكل وحده، فإذا لم يجد

27

أحدا أكل لقمة و رمى لقمة إلى صخرة ينصبها بين يديه أنفة من أن يأكل وحده.

و مما يؤثر عنه: رب صورة تخالف المخبرة، قد غرت بجمالها، و اختبر قبح فعالها فاحذر الصور و اطلب الخبر (و كنانة بن خزيمة بن مدركة) و مدركة اسمه عمرو، و قيل له مدركة لأنه أدرك كل عز و فخر كان في آبائه، و كان فيه نور رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي و لعل المراد ظهوره فيه (و مدركة بن إلياس) بهمزة قطع مكسورة، و قيل مفتوحة أيضا، و قيل همزة وصل. و نسب للجمهور، قيل سمي بذلك، لأن أباه مضر كان قد كبر سنه و لم يولد له ولد فولد له هذا الولد فسماه إلياس، و عظم أمره عند العرب حتى كانت تدعوه بكبير قومه و سيد عشيرته، و كانت لا تقضي أمرا دونه.

و هو أول من أهدى البدن إلى البيت، و أول من ظفر بمقام إبراهيم لما غرق البيت في زمن نوح (عليه السلام) فوضعه في زاوية البيت كذا في حياة الحيوان فليتأمل، و جاء في حديث «لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا» و قيل إنه جماع قريش:

أي فلا يقال لأولاد من فوقه قرشي. و كان إلياس يسمع من صلبه تلبية النبي (صلى اللّه عليه و سلم) المعروفة في الحج. قيل و كان في العرب مثل لقمان الحكيم في قومه. و هو أول من مات بعلة السل، و لما مات حزنت عليه زوجته خندف حزنا شديدا، لم يظلها سقف بعد موته حتى ماتت. و من ثم قيل: أحزن من خندف (و إلياس بن مضر) قيل هو جماع قريش فلا يقال لأولاد من فوق مضر قرشي. ففي جماع قريش خمسة أقوال:

قيل قصي، و قيل فهر، و قيل النضر، و قيل إلياس، و قيل مضر، و يقال له مضر الحمراء، قيل لأنه لما اقتسم هو و أخوه ربيعة مال والدهما أعني نزارا أخذ مضر الذهب فقيل له مضر الحمراء، و أخذ ربيعة الخيل و من ثم قيل له ربيعة الفرس.

و جاء في حديث «لا تسبوا ربيعة و لا مضر فإنهما كانا مؤمنين» أي و في رواية «لا تسبوا مضر فإنه كان على ملة إبراهيم» و في حديث، غريب «لا تسبوا مضر فإنه كان على دين إسماعيل». و مما حفظ عنه: من يزرع شرا يحصد ندامة.

أقول: سيأتي في بنيان قريش الكعبة أنهم وجدوا فيها كتبا بالسريانية من جملتها كتاب فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة، و من يزرع شرا يحصد ندامة، إلى آخر ما يأتي. و عن أبي عبيدة البكري أن قبر مضر بالروحاء يزار، و الروحاء على ليلتين من المدينة و اللّه أعلم.

و كان مضر من أحسن الناس صوتا، و هو أول من حدا للإبل، فإنه وقع فانكسرت يده فصار يقول يا يداه يا يداه فجاءت إليه الإبل من المرعى، فلما صح و ركب حدا. و قيل أول من سن الحداء للإبل عبد له ضرب مضر يده ضربا وجيعا فصار يقول يا يداه يا يداه فجاءت إليه الإبل من مرعاها: أي لأن الحداء مما ينشط الإبل لا سيما إن كان بصوت حسن، فإنها عند سماعه تمد أعناقها و تصغي إلى‏

28

الحادي و تسرع في سيرها و تستخف الأحمال الثقيلة، فربما قطعت المسافة البعيدة في زمن قصير، و ربما أخذت ثلاثة أيام في يوم واحد، و في ذلك حكاية مشهورة، و لأجل ما ذكر ذكر أئمتنا أنه مستحب.

و في الأذكار للإمام النووي رضي اللّه تعالى عنه: باب استحباب الحداء، للسرعة في السير، و تنشيط النفوس و ترويحها، و تسهيل السير عليها فيه أحاديث كثيرة مشهورة (و مضر بن نزار) بكسر النون كان يرى نور النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بين عينيه. و هو أول من كتب الكتاب العربي على الصحيح، و الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه يجتمع معه (صلى اللّه عليه و سلم) في هذا الجد الذي هو نزار بن (معد بن عدنان) هذا هو النسب المجمع عليه في نسبه (صلى اللّه عليه و سلم) عند العلماء بالأنساب، و من ثم لما قال فقهاؤنا: شرط الإمام الأعظم أن يكون قرشيا، فإن لم يوجد قرشي جامعا للشروط التي ذكروها فكناني.

قال بعضهم: و قياس ذلك أن يقال: فإن لم يوجد كناني فخزيمي فإن لم يوجد حزيمي فمدركي، فإن لم يوجد مدركي فإلياسي، فإن لم يوجد إلياسي فمضري. فإن لم يوجد مضري فنزاري، فإن لم يوجد نزاري فمعدي، فإن لم يوجد معدي فعدناني، فإن لم يوجد عدناني فمن ولد إسماعيل، لأن من فوق عدنان لا يصح فيه شي‏ء، و لا يمكن حفظ النسب فيه منه إلى إسماعيل.

و قيل له معد لأنه كان صاحب حروب و غارات على بني إسرائيل، و لم يحارب أحدا إلا رجع بالنصر و الظفر. قال بعضهم: و لا يخرج عربي في الأنساب عن عدنان و قحطان.

و قيل و ولد عدنان يقال لهم قيس، و ولد قحطان يقال لهم يمن. و لما سلط اللّه بختنصر على العرب أمر اللّه تعالى أرمياء أن يحمل معه معدّ بن عدنان على البراق كيلا تصيبه النقمة، و قال: فإني سأخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل، ففعل أرمياء ذلك، و احتمله معه إلى أرض الشام، فنشأ مع بني إسرائيل، ثم عاد بعد أن هدأت الفتن: أي بموت بختنصر. و كان عدنان في زمن عيسى (عليه السلام)، و قيل في زمن موسى (عليه السلام). قال الحافظ ابن حجر، و هو أولى: أي و مما يضعف الأول ما في الطبراني عن أبي أمامة الباهلي رضي اللّه تعالى عنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «لما بلغ ولد معد بن عدنان أربعين رجلا وقعوا في عسكر موسى عليه الصلاة و السلام فانتهبوه فدعا عليهم موسى عليه الصلاة و السلام، فأوحى اللّه تعالى إليه: لا تدع عليهم فإن منهم النبي الأمي البشير النذير» الحديث، إذ يبعد بقاء معد إلى زمن عيسى عليه الصلاة و السلام، و معلوم أنه لا خلاف في أن عدنان من ولد إسماعيل نبي اللّه تعالى: أي أرسله اللّه تعالى إلى جرهم و إلى العماليق و إلى قبائل اليمن في زمن أبيه إبراهيم، و كذا بعث أخوه إسحاق إلى أهل الشام، و بعث‏

29

ولده يعقوب إلى الكنعانيين في حياة إبراهيم، فكانوا أنبياء على عهد إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

و ذكر بعضهم أن من العماليق فرعون موسى عليه الصلاة و السلام، و منهم الريان بن الوليد فرعون يوسف عليه الصلاة و السلام.

و كان إسماعيل بكر أبيه جاء له و قد بلغ أبوه من العمر سبعين سنة، و قيل ستا و ثمانين سنة. ولد بين الرملة و إيليا، و كان بيد عدنان و إسماعيل أربعون أبا. و قيل سبعة و ثلاثون.

و في النهر لأبي حيان (رحمه اللّه) أن إبراهيم هو الجد الحادي و الثلاثون لنبينا (صلى اللّه عليه و سلم)، هذا كلامه.

و لا يخفى أن إسماعيل أول من تسمى بهذا الاسم من بني آدم، و معناه بالعبرانية مطيع اللّه. و أول من تكلم بالعربية أي البينة الفصيحة، و إلا فقد تعلم أصل العربية من جرهم، ثم ألهمه اللّه العربية الفصيحة البينة فنطق بها. و في الحديث «أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل و هو ابن أربع عشرة سنة».

و في كلام بعضهم: «لما خرج إبراهيم بهاجر و ولدها إسماعيل إلى مكة على البراق و احتمل معه قربة ماء و مزودا فيه تمر، فلما أنزلهما بها و ولى راجعا تبعته هاجر و هي تقول: اللّه أمرك أن تدعني و هذا الصبي في هذا المحل الموحش الذي ليس به أنيس؟ قال نعم، فقالت: إذن لا يضيعنا، و لا زالت تأكل من التمر و تشرب من الماء إلى أن نفد الماء» الحديث. و كان إنزاله لهما بموضع الحجر، و ذلك لمضي مائة سنة من عمر إبراهيم.

و كون إسماعيل أول من تكلم بالعربية البينة لا ينافي ما قيل: أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان، و قحطان أول من قيل له: أبيت اللعن. و أول من قيل له:

أنعم صباحا. و يعرب هذا قيل له أيمن، لأن هودا نبي اللّه عليه الصلاة و السلام قال له أنت أيمن ولدي، و سمي اليمن يمنا بنزوله فيه. و هو أول من قال القريض و الرجز، و قيل سمي اليمن يمنا لأنه على يمين الكعبة. و قيل إن أول من كتب الكتاب العربي إسماعيل و الصحيح أن أول من كتب ذلك نزار بن معد كما تقدم، و كذا كون إسماعيل أول من تكلم بالعربية البينة لا ينافي ما قيل: أول من تكلم بالعربية آدم في الجنة فلما أهبط إلى الأرض تكلم بالسريانية. قيل و سميت سريانية، لأن اللّه تعالى علمها آدم سرا من الملائكة و أنطفه بها.

و قيل إن أول من كتب الكتاب العربي و الفارسي و السرياني و العبراني و غيرها من بقية الاثنى عشر كتابا، و هي الحميري، و اليوناني، و الرومي، و القبطي و البربري،

30

و الأندلسي، و الهندي، و الصيني آدم عليه الصلاة و السلام، كتبها في طين و طبخه، فلما أصاب الأرض الغرق وجد كل قوم كتابا فكتبوه، فأصاب إسماعيل الكتاب العربي: أي و أما ما جاء: أول من خط بالقلم إدريس فالمراد به خط الرمل.

و في كلام بعضهم: أول من تكلم بالعربية المحضة، و هي عربية قريش التي نزل بها القرآن إسماعيل. و أما عربية قحطان و حمير فكانت قبل إسماعيل، و يقال لمن يتكلم بلغة هؤلاء العرب العاربة، و يقال لمن يتكلم بلغة إسماعيل العرب المستعربة و هي لغة الحجاز و ما والاها.

و جاء «من أحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق».

و قد ذكر بعضهم أن أهل الكهف كلهم أعجام، و لا يتكلمون إلا بالعربية، و أنهم يكنون وزراء المهدي. و اشتهر على ألسنة الناس أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «أنا أفصح من نطق بالضاد» قال جمع: لا أصل له، و معناه صحيح لأن المعنى أنا أفصح العرب لكونهم هم الذين ينطقون بالضاد و لا توجد في غير لغتهم.

و إسماعيل عليه الصلاة و السلام أول من ركب الخيل و كانت وحوشا: أي و من ثم قيل لها العراب، أو لما سيأتي. و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم) «اركبوا الخيل فإنها ميراث أبيكم إسماعيل عليه الصلاة و السلام».

و في رواية «أوحى اللّه تعالى إلى إسماعيل: أن اخرج إلى أجياد» الموضع المعروف، سمي بذلك لأنه قتل فيه مائة رجل من العمالقة من جياد الرجال «فادع يأتك الكنز، فخرج إلى أجياد فألهمه اللّه تعالى دعاء فدعا به فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته و أمكنته من نواصيها، و ذللها اللّه تعالى له، فاركبوها و اعلفوها فإنها ميامين، و هي ميراث أبيكم إسماعيل».

و ذكر الحافظ السيوطي (رحمه اللّه) أن له كتابا في الخيل سماه «جر الذيل في علم الخيل» و في العرائس «أن اللّه تعالى لما أراد أن يخلق الخيل قال لريح الجنوب:

إني خالق منك خلقا، فاجعله عزا لأوليائي، و مذلة على أعدائي، و جمالا لأهل طاعتي، فقالت: افعل ما تشاء، فقبض قبضة فخلق فرسا فقال لها: خلقتك عربيا، و جعلت الخير معقودا بناصيتك، و الغنائم مجموعة على ظهرك، و عطفت عليك صاحبك، و جعلتك تطيري بلا جناح، فأنت للطلب و أنت للهرب».

و عن وهب أنه قيل لسليمان (صلوات اللّه و سلامه عليه): إن خيلا بلقا لها أجنحة تطير بها و ترد ماء كذا، فقال للشياطين عليّ بها فصبوا في العين التي تردها خمرا، فشربت فسكرت فربطوها و ساسوها حتى تأنست.

و قيل و يجوز أن يكون المراد من تلك الخيل الفرس الذي قال فيه صلى اللّه‏

31

عليه و سلم «أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل عليه الصلاة و السلام».

و جاء «إن اللّه تعالى لما عرض على آدم عليه الصلاة و السلام كل شي‏ء مما خلق قال له اختر من خلقي ما شئت، فاختار الفرس، فقيل له: اخترت عزك و عز ولدك، خالدا ما خلدوا و باقيا ما بقوا أبد الآبدين و دهر الداهرين» و هذا صريح في أن الخيل خلقت قبل آدم.

و قد سئل الإمام السبكي: هل خلقت الخيل قبل آدم أو بعده؟ و هل خلقت الذكور قبل الإناث أو الإناث قبل الذكور؟ فأجاب بأنا نختار أن خلق الخيل قبل آدم عليه الصلاة و السلام، لأن الدواب خلقت يوم الخميس، و آدم خلق يوم الجمعة بعد العصر و أن الذكور خلقت قبل الإناث لأمرين: أحدهما أن الذكر أشرف من الأنثى.

و الثاني حرارة الذكر أقوى من الأنثى، و لذلك كان خلق آدم قبل خلق حواء فليتأمل.

و قد ذكر الإمام السهيلي أن في الفرس عشرين عضوا كل عضو منها يسمى باسم طائر، ذكرها و بينها الأصمعي. فمنها النسر، و النعامة، و القطاط، و الذباب، و العصفور و الغراب، و الصرد، و الصقر. قالوا: و في الحيوان أعضاء باردة يابسة كالعظام نظير السوداء، و أعضاء باردة رطبة كالدماغ نظير البلغم. و أعضاء حارة يابسة كالقلب نظير الصفراء. و أعضاء حارة رطبة كالكبد نظير الدم.

و عن أنس رضي اللّه عنه «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لم يكن شي‏ء أحب إليه بعد النساء من الخيل» و جاء «ما من ليلة إلا و الفرس يدعو فيها و يقول: رب إنك سخرتني لابن آدم، و جعلت رزقي في يده اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله و ولده» و قيل لبعض الحكماء: أي المال أشرف؟ قال فرس يتبعها فرس، و في بطنها فرس. و من ثم قيل:

ظهر الخيل حرز، و بطنها كنز.

و في الحديث «لما أراد ذو القرنين أن يسلك في الظلمة إلى عين الحياة سأل أي الدواب في الليل أبصر؟ فقالوا الخيل، فقال: أي الخيل أبصر؟ فقالوا الإناث، قال: فأي الإناث أبصر؟ قالوا البكارة، فجمع من عسكره ستة آلاف فرس كذلك».

و أعطى اللّه إسماعيل القوس العربية، و كان لا يرمي شيئا إلا أصابه. و في الحديث ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا» أي قال ذلك لجماعة مر عليهم و هم ينتضلون، فقال «حسن هذا اللهو مرتين أو ثلاثا» زاد في بعض الروايات «ارموا و أنا مع بني فلان فأمسك الفريق الآخر، فقال لهم، ما بالكم لا ترمون؟ فقالوا يا رسول اللّه كيف نرمي و أنت معهم؟ إذا ينضلونا قال: ارموا و أنا معكم كلكم» أخرجه البخاري في صحيحه. زاد البيهقي في دلائل النبوة «فرموا عامة يومهم ذلك، ثم‏

32

تفرقوا على السواء ما نضل بعضهم بعضا». و قد جاء «أحب اللهو إليّ إجراء الخيل و الرمي، ارموا و اركبوا، و أن ترموا أحب إلي من أن تركبوا» و قد جاء «أحب اللهو إلى اللّه تعالى إجراء الخيل و الرمي» و جاء «كلّ شي‏ء يلهو به الرجل باطل، إلا رمي الرجل بقوسه، أو تأديبه فرسه، أو ملاعبته امرأته فإنه من الحق» و جاء «علموا أولادكم السباحة و الرمي» و في رواية «الرماية» و في رواية «علموا بنيكم الرمي، فإنه نكاية العدو» و قد جاء «تعلموا الرمي؟ فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة» و روي مرفوعا «حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة و السباحة و الرمي» و جاء «من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا» و في رواية «فهو نعمة جحدها».

قال الحافظ السيوطي رضي اللّه عنه و الأحاديث المتعلقة بالرمي كثيرة. قال:

و قد ألفت كتابا في الرمي سميته «غرس الأنشاب في الرمي بالنشاب» و في العرائس:

كان إسماعيل مولعا بالصيد، مخصوصا بالقنص و الفروسية و الرمي و الصراع، و الرمي سنة إذا نوى به التأهب للجهاد، لقوله تعالى‏ وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: الآية 60] و قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «القوة الرمي» على حد قوله «الحج عرفة» و إلا فقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في الآية وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: الآية 60] قال:

الرمي و السيوف و السلاح. و سئل الحافظ السيوطي رضي اللّه عنه هل ما ذكره الطبري و المسعودي في تاريخيهما أن أول من رمى بالقوس العربية آدم عليه الصلاة و السلام، و ذلك لما أمره اللّه تعالى بالزراعة حين أهبط من الجنة و زرع، أرسل اللّه تعالى له طائرين يخرجان ما بذره و يأكلانه، فشكا اللّه تعالى ذلك، فهبط عليه جبريل و بيده قوس و وتر و سهمان، فقال آدم: ما هذا يا جبريل؟ فأعطاه القوس و قال: هذه قوة اللّه تعالى، و أعطاه الوتر و قال: هذه شدة اللّه تعالى، و أعطاه السهمين و قال: هذه نكاية اللّه تعالى، و علمه الرمي بهما فرمى الطائرين فقتلهما، و جعلهما، يعني السهمين، عدة في غربته، و أنسا عند وحشته ثم صار القوس العربية إلى إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، ثم إلى ولده إسماعيل، و هو يدل على أن قوس إبراهيم هي القوس التي هبطت على آدم عليه الصلاة و السلام من الجنة، و أنه ادخرها لإبراهيم، و هو خلاف قول بعضهم إنها غيرها أهبطت إلى إبراهيم عليه الصلاة و السلام من الجنة. فأجاب الحافظ السيوطي رضي اللّه عنه بقوله:

راجعت تاريخ الطبري في تاريخ آدم و إبراهيم عليهما الصلاة و السلام فلم أجده فيه، و لا تبعد صحته فإن اللّه تعالى علم آدم علم كل شي‏ء.

و ذكر أن ابن أبي الدنيا ذكر في كتاب الرمي من طريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال «أول من عمل القسي إبراهيم، عمل لإسماعيل و لإسحاق قوسين فكانا يرميان بها» و تقدم أن إسحاق جاء لإبراهيم بعد إسماعيل بثلاث عشرة، و قيل بأربع عشرة سنة: أي حملت به أمه سارة في الليلة التي خسف اللّه تعالى بقوم لوط فيها. و لها من العمر تسعون سنة.

33

و في جامع ابن شداد يرفعه «كان اللواط في قوم لوط في النساء قبل الرجال بأربعين سنة، ثم استغنى النساء بالنساء و الرجال بالرجال، فخسف اللّه تعالى بهم» قيل و لا يعمل عمل قوم لوط من الحيوان إلا الحمار و الخنزير. و كان أول من اتخذ القسي الفارسية نمروذ فليتأمل الجمع.

و قد يقال: لا منافاة، لجواز أن يكون إبراهيم عليه الصلاة و السلام أول من عمل القسي بعد ذهاب تلك القوس، فالأولية إضافية. و معلوم أن إسماعيل بن إبراهيم خليل اللّه تعالى عليهما الصلاة و السلام: أي و لم يبعث بشريعة مستقلة من العرب بعد إسماعيل إلا محمد (صلى اللّه عليه و سلم). و أما خالد بن سنان و إن كان من ولد إسماعيل على ما قيل، فقال بعضهم: لم يكن في بني إسماعيل نبي غيره قبل محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، إلا أنه لم يبعث بشريعة مستقلة، بل بتقرير شريعة عيسى عليه الصلاة و السلام: أي و كان بينه و بين عيسى ثلاثمائة سنة، و خالد هذا هو الذي أطفأ النار التي خرجت بالبادية بين مكة و المدينة، كادت العزب أن تعبدها كالمجوس، كان يرى ضوؤها من مسافة ثمان ليال، و ربما كان يخرج منها العنق فيذهب في الأرض فلا يجد شيئا إلا أكله، فأمر اللّه تعالى خالد بن سنان بإطفائها، و كانت تخرج من بئر ثم تنتشر، فلما خرجت و انتشرت أخذ خالد بن سنان يضربها و يقول: بدا بدا بدا كل هدى و هي تتأخر حتى نزلت إلى البئر، فنزل إلى البئر خلفها فوجد كلابا تحتها فضربها و ضرب النار حتى أطفأها، و يذكر أنه كان هو السبب في خروجها فإنه لما دعا قومه و كذبوه و قالوا له إنما تخوفنا بالنار، فإن تسل علينا هذه الحرة نارا اتبعناك، فتوضأ ثم قال: اللهم إن قومي كذبوني و لم يؤمنوا بي إلا أن تسيل عليهم هذه الحرة نارا فأرسلها عليهم نارا، فخرجت، فقالوا: يا خالد أرددها فإنا مؤمنون بك، فردها.

قيل و كان خالد بن سنان إذا استسقى يدخل رأسه في جيبه فيجي‏ء المطر و لا يقلع إلا إن رفع رأسه. قيل «و قدمت ابنته و هي عجوز على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فتلقاها بخير و أكرمها، و بسط لها رداءه و قال لها: مرحبا بابنة أخي، مرحبا بابنة نبي ضيعه قومه فأسلمت» و هذا الحديث مرسل رجاله ثقات. و في البخاري «أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا و الآخرة، و ليس بيني و بينه نبي» قال بعضهم: و به يرد على من قال كان بينهما خالد بن سنان. و قد يقال مراده (صلى اللّه عليه و سلم) بالنبي الرسول الذي يأتي بشريعة مستقلة.

و حينئذ لا يشكل هذا لما علمت أنه لم يأت بشريعة مستقلة، و لا ما جاء في رواية أخرى «ليس بيني و بينه نبيّ و لا رسول» و لا ما في كلام البيضاوي تبعا للكشاف من أن بين عيسى و محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أربعة أنبياء: ثلاثة من بني إسرائيل، و واحد من العرب و هو خالد بن سنان، و بعده حنظلة بن صفوان عليهما الصلاة و السلام، أرسله اللّه تعالى لأصحاب الرس بعد خالد بمائة سنة لأنه يجوز أن يكون كل من هؤلاء الثلاثة

34

لم يبعث بشريعة مستقلة، بل كان مقررا لشريعة عيسى عليه الصلاة و السلام أيضا كخالد بن سنان.

و الرس: البئر الغير المطوية: أي الغير المبنية، كذا في الكشاف، و الذي في القاموس كالصحاح المطوية بإسقاط غير، فإنهم قتلوا حنظلة و دسوه فيها: أي و حين دسوه فيها، غار ماؤها، و عطشوا بعد ريهم، و يبست أشجارهم، و انقطعت ثمارهم بعد أن كان ماؤها يرويهم و يكفي أرضهم جميعا، و تبدلوا بعد الأنس الوحشة، و بعد الاجتماع الفرقة لأنهم كانوا ممن يعبد الأصنام: أي و كان ابتلاهم اللّه تعالى بطير عظيم ذي عنق طويل كان فيه من كل لون، فكان ينقضّ على صبيانهم يخطفهم إذا أعوزه الصيد، و كان إذا خطف أحدا منهم أغرب به: أي ذهب به إلى جهة المغرب، فقيل له لطول عنقه و لذهابه إلى جهة المغرب عنقاء مغرب، فشكوا ذلك إلى حنظلة عليه الصلاة و السلام، فدعا على تلك العنقاء، فأرسل اللّه تعالى عليها صاعقة فأهلكتها و لم تعقب، و كان جزاؤه منهم أن قتلوه و فعلوا به ما تقدم.

و ذكر بعضهم أن حنظلة هذا كان من العرب من ولد إسماعيل أيضا عليه الصلاة و السلام: ثم رأيت ابن كثير ذكر أن حنظلة هذا كان قبل موسى عليه الصلاة و السلام، و أنه لما ذكر أن في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه فتحت تستر المدينة المعروفة وجدوا تابوتا، و في لفظ: سريرا عليه دانيال عليه الصلاة و السلام، و وجدوا طول أنفه شبرا، و قيل ذراعا، و وجدوا عند رأسه مصحفا فيه ما يحدث إلى يوم القيامة، و أن من وفاته إلى ذلك اليوم ثلاثمائة سنة، و قال: إن كان تاريخ وفاته القدر المذكور فليس بنبي بل هو رجل صالح، لأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة و السلام ليس بينه و بين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) نبي بنص الحديث في البخاري.

أقول: قد علمت الجواب عن ذلك، بأن المراد بالنبي الرسول. و فيه أن هذا يبعده عطف الرسول على النبي المتقدم في بعض الروايات، إلا أن يجعل من عطف التفسير و اللّه أعلم.

و الفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة، و قيل ستمائة، و قيل بزيادة عشرين سنة. قالت عائشة رضي اللّه عنها: ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان و لا قحطان إلا تخرصا أي كذبا لأن الخراص الكذاب كذا قيل.

أقول: لعل المراد بالكذب الغير المقطوع بصحته، لأن الخرص حقيقته الحزر و التخمين، و كل من تكلم كلاما بناه على ذلك قيل له خراص، ثم قيل للكذاب خراص توسعا، و حينئذ كان القياس أن يقال إلا خرصا: أي حزرا و تخمينا. و على هذا كأن الصدّيقة رضي اللّه تعالى عنها أرادت المبالغة للتنفير عن الخوض في ذلك.

و اللّه أعلم.

35

و عن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) انتسب حتى بلغ النضر بن كنانة ثم قال: فمن قال غير ذلك» أي مما زاد على ذلك «فقد كذب».

أقول: إطلاق الكذب على من زاد على كنانة إلى عدنان يخالف ما سبق من أن المجمع عليه إلى عدنان إلا أن يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون عمرو بن العاص لم يسمع ما زاد على النضر بن كنانة إلى عدنان مع ذكره (صلى اللّه عليه و سلم) له الذي سمعه غيره. و في إطلاقه الكذب على ذلك التأويل السابق. و أخرج الجلال السيوطي في الجامع الصغير عن البيهقي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) انتسب فقال «أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، إلى أن قال: ابن مضر بن نزار» و هذا هو الترتيب المألوف، و هو الابتداء بالأب ثم بالجد ثم بأبي الجد و هكذا. و قد جاء في القرآن على خلافه في قوله تعالى حكاية عن سيدنا يوسف عليه الصلاة و السلام‏ وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ‏ [يوسف: الآية 38] قال بعضهم: و الحكمة في ذلك أنه لم يرد مجرد ذكر الآباء، و إنما ذكرهم ليذكر ملتهم التي اتبعها، فبدأ بصاحب الملة ثم بمن أخذها عنه أولا فأولا على الترتيب، و اللّه أعلم.

و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان بن أدد، ثم يمسك و يقول: كذب النسابون مرتين أو ثلاثا».

قال البيهقي: و الأصح أن ذلك: أي قوله «كذب النسابون» من قول ابن مسعود رضي اللّه عنه: أي لا من قوله (صلى اللّه عليه و سلم).

أقول: و الدليل على ذلك ما جاء: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ‏ [إبراهيم: الآية 9] قال: كذب النسابون، يعني الذين يدعون علم الأنساب، و نفى اللّه تعالى علمها عن العباد. و لا مانع أن يكون هذا القول صدر منه (صلى اللّه عليه و سلم) أولا ثم تابعه ابن مسعود عليه.

و قد يقال: هذه الرواية تقتضي إما الزيادة على المجمع عليه، و إما النقص عنه:

أي زيادة أدد أو نقص عدنان، فهي مخالفة لما قبلها.

و في كلام بعضهم أن بين عدنان و أدد أد، فيقال عدنان بن أد بن أدد قيل له أدد لأنه كان مديد الصوت، و كان طويل العز و الشرف.

قيل و هو أول من تعلم الكتابة: أي العربية من ولد إسماعيل، و تقدم أن الصحيح أن أول من كتب نزار.

و انظر هل يشكل على ذلك ما رواه الهيثم بن عدي أن الناقل لهذه الكتابة يعني العربية من الحيرة إلى الحجاز حرب بن أمية بن عبد شمس. و قد يقال: الأولية

36

إضافية: أي من قريش و عدنان، سمي بذلك، قيل لأن أعين الإنس و الجن كانت إليه ناظرة.

قال بعضهم: اختلف الناس فيما بين عدنان و إسماعيل من الآباء، فقيل سبعة، و قيل تسعة، و قيل خمسة عشر، و قيل أربعون، و اللّه أعلم، قال اللّه عز و جل‏ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [الفرقان: الآية 38] أي لا يكاد يحاط بها، فقد جاء «كان ما بين آدم و نوح (عليهما السلام) عشرة قرون، و بين نوح و إبراهيم (عليهما السلام) عشرة قرون».

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن مدة الدنيا: أي من آدم (عليه السلام) سبعة آلاف سنة: أي و قد مضى منها قبل وجود النبي (صلى اللّه عليه و سلم) خمسة آلاف و سبعمائة و أربعون سنة. و عن أبي خيثمة و ثمانمائة سنة.

قلت: و في كلام بعضهم من خلق آدم إلى بعثة نبينا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) خمسة آلاف سنة و ثمانمائة سنة و ثلاثون سنة.

و قد جاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من طرق صحاح أنه قال «الدنيا سبعة أيام كل يوم ألف سنة، و بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في آخر يوم منها».

و في كلام الحافظ السيوطي: دلت الأحاديث و الآثار على أن مدة هذه الأمة تزيد على الألف سنة، و لا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة أصلا، و إنما تزيد بنحو أربعمائة سنة تقريبا و ما اشتهر على ألسنة الناس أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لا يمكث في قبره أكثر من ألف سنة باطل لا أصل له، هذا كلامه. و قوله لا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة، هل يخالفه ما أخرجه أبو داود «لن يعجز اللّه أن يؤخر هذه الأمة نصف يوم يعني خمسمائة سنة».

و في كلام بعضهم قد أكثر المنجمون في تقدير مدة الدنيا. فقال بعضهم عمرها سبعة آلاف سنة بعدد النجوم السيارة أي و هي سبعة. و بعضهم اثنا عشر ألف سنة بعدد البروج. و بعضهم بثلاثمائة ألف و ستون ألفا بعدد درجات الفلك، و كلها تحكمات عقلية لا دليل عليها.

و في كلام الشيخ محيي الدين بن العربي: أكمل اللّه خلق الموجودات من الجمادات و النباتات و الحيوان بعد انتهاء خلق العالم الطبيعي بإحدى و سبعين ألف سنة، ثم خلق اللّه الدنيا بعد أن انقضى من مدة خلق العالم الطبيعي أربع و خمسون ألف سنة. ثم خلق اللّه تعالى الآخرة يعني الجنة و النار بعد الدنيا بتسعة آلاف سنة، و لم يجعل اللّه تعالى للجنة و النار أمدا ينتهي إليه بقاؤهما فلهما الدوام. قال: و خلق اللّه تعالى طينة آدم بعد أن مضى من عمر الدنيا سبع عشرة ألف سنة، و من عمر الآخرة التي لا نهاية لها في الدوام ثمانية آلاف سنة و خلق اللّه تعالى الجان في‏

37

الأرض قبل آدم بستين ألف سنة: أي و لعل هذا هو المعنى بقول بعضهم: خلق اللّه قبل آدم خلقا في صورة البهائم، ثم أماتهم قبل، و هم الجن و البن و الطم و الرم و الحس و البس فأفسدوا في الأرض و سفكوا الدماء كما سيأتي.

قال الشيخ محيي الدين: و قد طفت بالكعبة مع قوم لا أعرفهم، فقال لي واحد منهم: أ ما تعرفني؟ فقلت لا، قال: أنا من أجدادك الأول، فقلت له: كم لك منذ مت؟ قال لي بضع و أربعون ألف سنة فقلت: ليس لآدم هذا القدر من السنين، فقال لي: عن أي آدم تقول عن هذا الأقرب إليك، أم عن غيره؟ فتذكرت حديثا روي عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) «إن اللّه خلق مائة ألف آدم» فقلت: قد يكون ذلك الجد الذي نسبتي إليه من أولئك، و التاريخ في ذلك مجهول مع حدوث العالم بلا شك هذا كلامه.

و في كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراني: و كان وهب بن منبه رضي اللّه تعالى عنه يقول: سأل بنو إسرائيل المسيح عليه الصلاة و السلام أن يحيي لهم سام بن نوح عليهما الصلاة و السلام، فقال: أروني قبره، فوقف على قبره و قال: يا سام قم بإذن اللّه تعالى، فقام و إذا رأسه و لحيته بيضاء، فقال إنك مت و شعرك أسود، فقال: لما سمعت النداء ظننت أنها القيامة فشاب رأسي و لحيتي الآن، فقال له عيسى (عليه السلام): كم لك من السنين ميت؟ قال خمسة آلاف سنة، إلى الآن لم تذهب عني حرارة طلوع روحي.

و سبب الاختلاف فيما بين عدنان و آدم أن قدماء العرب لم يكونوا أصحاب كتب يرجعون إليها، و إنما كانوا يرجعون إلى حفظ بعضهم من بعض، و لعله لا يخالفه ما تقدم من أن أول من كتب معد أو نزار.

و في كلام سبط ابن الجوزي أن سبب الاختلاف المذكور اختلاف اليهود، فإنهم اختلفوا اختلافا متفاوتا فيما بين آدم و نوح و فيما بين الأنبياء من السنين. قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: لو شاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يعلمه لعلمه: أي لو أراد أن يعلم ذلك للناس لعلمه لهم، و هذا أولى من يعلمه بفتح الياء و سكون العين.

و ذكر ابن الجوزي أن بين آدم و نوح شيثا و إدريس، و بين نوح و إبراهيم هود و صالح، و بين إبراهيم و موسى بن عمران إسماعيل و إسحاق و لوط و هو ابن أخت إبراهيم و كان كاتبا لإبراهيم، و شعيب و كان يقال له خطيب الأنبياء و يعقوب و يوسف، ولد يوسف ليعقوب، و له من العمر إحدى و تسعون سنة، و كان فراقه له و ليوسف من العمر ثماني عشرة سنة و بقيا مفترقين إحدى و عشرين سنة، و بقيا مجتمعين بعد ذلك سبع عشرة سنة هذا.

و في الإتقان: ألقي يوسف في الجب و هو ابن ثنتي عشرة سنة، و لقي أباه بعد

38

الثمانين، و عاش مائة و عشرين سنة، و كان كاتبا للعزيز.

قيل و سبب الفرقة بين سيدنا يعقوب و سيدنا يوسف (عليهما السلام) أن سيدنا يعقوب ذبح جديا بين يدي أمه فلم يرض اللّه تعالى له ذلك، فأراه دما بدم، و فرقة بفرقة، و حرقة بحرقة، و موسى بن عمران بن منشاء. و بين موسى بن عمران و هو أول أنبياء بني إسرائيل و داود يوشع، و كان يوشع كهارون يكتب لموسى. و يذكر أن مما أوصى به داود ولده سليمان (عليهما السلام) لما استخلفه: يا بني إياك و الهزل فإن نفعه قليل، و يهيج العداوة بين الإخوان، أي و من ثم قيل: لا تمازح الصبيان فتهون عليهم، و لا تمازح الشريف فيحقد عليك و لا تمازح الدني‏ء فيجترئ عليك، و لكل شي‏ء بذر، و بذر العداوة المزاح.

و قد قيل المزاح يذهب بالمهابة و يورث الضغينة. و قيل آكد أسباب القطيعة المزاح.

و قد قيل: من كثر مزاحه لم يخل من استخفاف به أو حقد عليه، و اقطع طمعك من الناس فإن ذلك هو الغنى. و إياك و ما تعتذر فيه من القول أو الفعل، و عود لسانك الصدق، و الزم الإحسان و لا تجالس السفهاء، و إذا غضبت فالصق نفسك بالأرض: أي و قد جاء في الحديث «إذا جهل على أحدكم جاهل، فإن كان قائما جلس، و إن كان جالسا فليضطجع».

و ممن مات من الأنبياء فجأة داود و ولده سليمان و إبراهيم الخليل عليهم أفضل الصلاة و السلام، ثم بعد يوشع كالب بن يوفنا، و هو خليفة يوشع، ثم حزقيل و هو خليفة كالب، و يقال له ابن العجوز لأن أمه سألت اللّه تعالى أن يرزقها ولدا بعد ما كبرت و عقمت فجاءت به، و هو ذو الكفل لأنه تكفل بسبعين نبيا و أنجاهم من القتل.

و إلياس ثم طالوت الملك: أي فإن شمويل (عليه السلام) لما حضرته الوفاة سأله بنو إسرائيل أن يقيم فيهم ملكا فأقام فيهم طالوت ملكا، و لم يكن من أعيانهم بل كان راعيا، و قيل سقاء، و قيل غير ذلك. و بين داود و عيسى (عليهما السلام) و هو آخر أنبياء بني إسرائيل: أيوب ثم يونس ثم شعياء ثم أحصياء ثم زكريا و يحيى (عليهم السلام).

و في النهر لأبي حيان في تفسير قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ‏ [البقرة: الآية 87] كان بينه و بين عيسى من الرسل يوشع و شمويل و شمعون و داود و سليمان و شعياء و أرمياء و عزير: أي و هو من أولاد هارون بن عمران، و حزقيل و إلياس و يونس و زكريا و يحيى. و كان بين موسى و عيسى ألف نبي، هذا كلامه، و كان يحيى يكتب لعيسى، و تقدم الكلام على من بين عيسى و محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

و مما يدل على شرف هذا النسب و ارتفاع شأنه و فخامته و علو مكانه ما جاء عن‏

39

سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه قال «قيل يا رسول اللّه قتل فلان لرجل من ثقيف، فقال أبعده اللّه، إنه كان يبغض قريشا».

و في الجامع الصغير «قريش صلاح الناس، و لا يصلح الناس إلا بهم، كما أن الطعام لا يصلح إلا بالملح، قريش خالصة اللّه تعالى، فمن نصب لها حربا سلب، و من أرادها بسوء خزي في الدنيا و الآخرة».

قال: و عن سعد بن أبي وقاص أيضا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من يرد هوان قريش أهانه اللّه تعالى» ا ه. أي و أشد الإهانة ما كان في الآخرة، و حينئذ إما أن يراد بالإرادة العزم و التصميم، أو المراد المبالغة، أو يكون ذلك من خصائص قريش، فلا ينافي أن حكم اللّه المطرد في عدله أن لا يعاقب على مجرد الإرادات، إنما يعاقب و يجازي على الأفعال و الأقوال الواقعة، أو ما هو منزل منزلة الواقعة كالتصميم، فإن من خصائص هذه الأمة عدم مؤاخذتها بما تحدث به نفسها.

و عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي اللّه تعالى عنها «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فضل قريشا» أي ذكر تفضيلهم «بسبع خصال لم يعطها أحد قبلهم، و لا يعطاها أحد بعدهم: النبوة فيهم، و الخلافة فيهم، و الحجابة فيهم، و السقاية فيهم، و نصروا على الفيل» أي على أصحابه «و عبدوا اللّه سبع سنين» و في لفظ عشر سنين «لم يعبده أحد غيرهم، و نزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم لإيلاف قريش» و تسمية لإيلاف قريش سورة يرد ما قيل إن سورة الفيل و لإيلاف قريش سورة واحدة، و لينظر ما معنى عبادتهم اللّه تعالى دون غيرهم في تلك المدة.

و عن أنس رضي اللّه تعالى عنه «حب قريش إيمان و بغضهم كفر».

و عن أبي هريرة رضي اللّه عنه «الناس تبع لقريش، مسلمهم تبع لمسلمهم، و كافرهم تبع لكافرهم» و قال (صلى اللّه عليه و سلم) «العلم في قريش» أي و قال «الأئمة من قريش» و قد جمع الحافظ ابن حجر طرق هذا الحديث في كتاب سماه «لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش».

و في الحديث «عالم قريش يملأ طباق الأرض علما» و في رواية «لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما» و في رواية «اللهم اهد قريشا فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما» قال جماعة من الأئمة منهم الإمام أحمد: هذا العالم هو الشافعي رضي اللّه تعالى عنه، لأنه لم ينتشر في طباق الأرض من علم عالم قرشي من الصحابة و غيرهم ما انتشر من علم الشافعي.

و في كلام بعضهم: ليس في الأئمة المتبوعين في الفروع قرشي غيره. و فيه أن الإمام مالك بن أنس من قريش. و يجاب بأنه إنما يكون قرشيا على القول الباطل من‏

40

أن جماع قريش قصي.

و قد ذكر السبكي أنهم ذكروا أن من خواص الشافعي رضي اللّه تعالى عنه من بين الأئمة أن من تعرض إليه أو إلى مذهبه بسوء أو نقص هلك قريبا، و أخذوا ذلك من قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «من أهان قريشا أهانه اللّه تعالى» هذا كلامه. قال الحافظ العراقي: إسناد هذا الحديث يعني «لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما» لا يخلو عن ضعف، و به يرد ما زعمه الصغاني من أنه موضوع، و حاشا الإمام أحمد أن يحتج بحديث موضوع أو يستأنس به على فضل الشافعي.

و قال ابن حجر الهيتمي: هو حديث معمول به في مثل ذلك أي في المناقب، و زعم وضعه حسد أو غلط فاحش: أي و عن الربيع قال: رأيت في المنام كأن آدم مات، فسألت عن ذلك؟ فقيل لي هذا موت أعلم أهل الأرض، لأن اللّه علم آدم الأسماء كلها، فما كان إلا يسير حتى مات الشافعي رضي اللّه تعالى عنه و رضي عنا به.

و مما يؤثر عن إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه: من أطراك في وجهك بما ليس فيك فقد شتمك، و من نقل إليك نقل عنك، و من نمّ عندك نم عليك، و من إذا أرضيته قال فيك ما ليس فيك إذا أسخطته قال فيك ما ليس فيك. و قال (صلى اللّه عليه و سلم) «قدموا قريشا و لا تقدموا» أي لا تتقدموها. و في رواية «و لا تعالموها: أي لا تغالبوها بالعلم و لا تكاثروها فيه». و في رواية «و لا تعلموها» أي لا تجعلوها في المقام الأدنى الذي هو مقام المتعلم بالنسبة للمعلم. و قال (صلى اللّه عليه و سلم) «أحبوا قريشا، فإنه من أحبهم أحبه اللّه تعالى» و قال (صلى اللّه عليه و سلم) «لو لا أن تبطر قريش لأخبرتها بالذي لها عند اللّه عز و جل».

و في السنن المأثورة عن إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه رواية المزني عنه.

قال الطحاوي: حدثنا المزني قال: حدثنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه «أن قتادة بن النعمان وقع بقريش و كأنه نال منهم، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): مهلا يا قتادة لا تشتم قريشا فإنك لعلك ترى منهم رجالا إذا رأيتهم عجبت بهم، لو لا أن تطغى قريش لأخبرتها بالذي لها عند اللّه تعالى» أي لو لا أنها إذا علمت ما لها عند اللّه من الخير المدخر لها تركت العمل، بل ربما ارتكبت ما لا يحل اتكالا على ذلك لأعلمتها به، لكن في رواية «لأخبرتها بما لمحسنها عند اللّه من الثواب». و هذا دليل على علو منزلتها و ارتفاع قدرها عند اللّه تعالى. و قال (صلى اللّه عليه و سلم) يوما «يا أيها الناس إن قريشا أهل أمانة، من بغاها العواثر» أي من طلب لها المكايد «أكبه اللّه تعالى لمنخريه» أي أكبه اللّه على وجهه «قال ذلك ثلاث مرات» و عن سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه أنه كان بالمسجد فمر عليه سعيد بن العاص فسلم عليه، فقال له: و اللّه يا ابن أخي ما قتلت أباك يوم بدر، و ما لي أن أكون أعتذر من قتل مشرك، فقال له سعيد بن العاص: لو

41

قتلته كنت على الحق و كان على الباطل، فعجب عمر من قوله و قال: قريش أفضل الناس أحلاما، و أعظم الناس أمانة، و من يرد بقريش سوءا يكبه اللّه لفيه. هذا كلامه.

و الذي قتل العاص والد سعيد علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، و قيل سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه، فعن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه قال: قتلت يوم بدر العاص و أخذت سيفه ذا الكثيفة و قال (صلى اللّه عليه و سلم) «شرار قريش خير شرار الناس» و في رواية «خيار قريش خيار الناس، و شرار قريش شرار الناس» أي و لعله سقط من هذه الرواية قبل شرار الثانية لفظ خيار لتوافق الرواية قبلها المقتضي لذلك المقام. و يحتمل إبقاء ذلك على ظاهره لأنه ممن يقتدى به. فكانوا أشر الأشرار، و يكون هذا هو المراد بوصفهم بأنهم خيار شرار الناس.

ثم رأيت في كتاب السنن المأثورة عن إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه ما رواه المزني عنه «خيار قريش خيار الناس، و شرار قريش خيار شرار الناس» و في الحديث «ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، و فاجرهم تبع لفاجرهم» و من ثم قال الطحاوي: قريش أهل أمانة، هكذا قرأه علينا المزني أهل أمانة أي بالنون، و إنما هو أهل إمامة أي بالميم. و في كلام فقهائنا «قريش قطب العرب و فيهم الفتوة».

و مما يدل على شرف هذا النسب أيضا ما جاء عن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه «إن اللّه اختار العرب على الناس، و اختارني على من أنا منه من أولئك العرب» و ما جاء عن وائلة بن الأسقع رضي اللّه تعالى عنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «إن اللّه اصطفى قريشا من كنانة، و اصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفاني من بني هاشم».

أقول: و جاء بلفظ آخر عن وائلة بن الأسقع و هو «إن اللّه اصطفى من ولد آدم إبراهيم (عليهما السلام). و اتخذه خليلا، و اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزارا، ثم اصطفى من ولد نزار مضر، ثم اصطفى من ولد مضر كنانة، ثم اصطفى من كنانة قريشا، ثم اصطفى من قريش بني هاشم، ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب ثم اصطفاني من بني عبد المطلب» و اللّه أعلم. قال و في رواية «إن اللّه اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، و اصطفى من ولد إسماعيل كنانة، و اصطفى من بني كنانة قريشا، و اصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفاني من بني هاشم».

و ما جاء عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «أتاني جبريل فقال لي: يا محمد إن اللّه بعثني فطفت شرق الأرض و مغربها و سهلها و جبلها، فلم أجد حيا خيرا من مضر، ثم أمرني فطفت في مضر فلم أجد حيا خيرا من كنانة، ثم أمرني فطفت في كنانة فلم أجد حيا خيرا من قريش، ثم أمرني فطفت في قريش فلم‏

42

أجد حيا خيرا من بني هاشم. ثم أمرني أن أختار في أنفسهم» أي أختار نفسا من أنفسهم «فلم أجد نفسا خيرا من نفسك» انتهى.

و في الوفاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما في قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏ [التوبة: الآية 128] قال: ليس من العرب قبيلة إلا ولدت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مضرها و ربيعتها و يمانيها. و عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «إن اللّه خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، و اختار من بني آدم العرب، و اختار من العرب مضر، و اختار من مضر قريشا، و اختار من قريش بني هاشم، و اختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار إلى خيار» انتهى. و قوله و اختار من مضر قريشا يدل على أن مضر ليس جماع قريش و إلا كانت أولاده كلها قريشا.

و عن أبي هريرة يرفعه بسند حسنه الحافظ العراقي «إن اللّه حين خلق الخلق بعث جبريل فقسم الناس قسمين: قسم العرب قسما، و قسم العجم قسما، و كانت خيرة اللّه في العرب. ثم قسم العرب إلى قسمين، فقسم اليمن قسما و قسم مضر قسما و كانت خيرة اللّه في مضر، و قسم مضر قسمين فكانت قريش قسما و كانت خيرة اللّه في قريش، ثم أخرجني من خيار من أنا فيه».

قال بعضهم: و ما جاء في فضل قريش فهو ثابت لبني هاشم و المطلب، لأنهم أخص و ما ثبت للأعم يثبت للأخص و لا عكس.

و في الشفاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «إن اللّه سبحانه و تعالى قسم الخلق قسمين فجعلني من خيرهم قسما فذلك قوله تعالى:

أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) [الواقعة: الآية 27] وَ أَصْحابُ الشِّمالِ‏ [الواقعة: الآية 41] فأنا من أصحاب اليمين، و أنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا، فذلك قوله تعالى‏ فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ [الواقعة: الآية 8]- وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ [الواقعة: الآية 9]- وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) [الواقعة: الآية 10] فأنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خيرها قبيلة، و ذلك قوله تعالى: وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ‏ [الحجرات: الآية 13] الآية فأنا أبر ولد آدم و أكرمهم على اللّه تعالى و لا فخر، و جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا و لا فخر، فذلك قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ‏ [الأحزاب: الآية 33] هذا كلام الشفاء، فليتأمل.

و إلى شرف هذا النسب يشير صاحب الهمزية (رحمه اللّه تعالى) بقوله:

و بدا للوجود منك كريم‏* * * من كريم آباؤه كرماء

نسب تحسب العلا بحلاه‏* * * قلدتها نجومها الجوزاء

حبذا عقد سودد و فخار* * * أنت فيه اليتيمة العصماء

43

أي ظهر لهذا العالم منك كريم: أي جامع لكل صفة كمال، و هذا على حد قولهم: لي من فلان صديق حميم، و ذلك الكريم الذي ظهر وجد من أب كريم سالم من نقص الجاهلية آباؤه الشامل للأمهات جميعهم كرماء: أي سالمون من نقائص الجاهلية: أي ما يعد في الإسلام نقصا من أوصاف الجاهلية، و هذا نسب لا أجل منه، و لجلالته إذا تأملته تظن بسبب ما تحلى به من الكمالات: أي معاليها جعلت الجوزاء نجومها التي يقال لها نطاق الجوزاء قلادة لتلك المعالي، و هذه القلادة نعم هي قلادة سيادة و تمدح موصوفة بأنك في تلك القلادة الدرة اليتيمة التي لا مشابه لها المحفوظة عن الأعين لجلالتها.

لا يقال: شمول الآباء للأمهات لا يناسب قوله نسب، لأن النسب الشرعي في الآباء خاصة. لأنا نقول: المراد بالنسب ما يعم اللغوي أو قد يقال سلامة آبائه من النقائص إنما هو من حيث أبيه: أي كونه متفرعا عنه، و ذلك يستلزم أن تكون أمهاته كذلك، و سيأتي «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» و سيأتي الكلام على ذلك مستوفى.

و قد قال الماوردي في كتاب «أعلام النبوة»: و إذا اختبرت حال نسبه (صلى اللّه عليه و سلم) و عرفت طهارة مولده (صلى اللّه عليه و سلم) علمت أنه سلالة آباء كرام ليس فيهم مسترذل، بل كلهم سادة قادة، و شرف النسب و طهارة المولد من شروط النبوة، هذا كلامه و من كلام عمه أبي طالب:

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر* * * فعبد مناف سرها و صميمها

و إن حصلت أنساب عبد منافها* * * ففي هاشم أشرافها و قديمها

و إن فخرت يوما فإن محمدا* * * هو المصطفى من سرها و كريمها

بالرفع عطفا على المصطفى، و سر القوم: وسطهم، فأشرف القوم قومه، و أشرف القبائل قبيلته، و أشرف الأفخاذ فخذه.

و عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من أحب العرب فبحبي أحبهم، و من أبغض العرب فببغضي أبغضهم».

و عن سلمان الفارسي رضي اللّه تعالى عنه قال قال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك، قلت يا رسول اللّه كيف أبغضك و بك هداني اللّه تعالى؟ قال: تبغض العرب فتبغضني».

و عن علي رضي اللّه تعالى عنه قال: قال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لا يبغض العرب إلا منافق».

و في الترمذي عن عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)

44

قال: «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي و لم تنله مودتي» قال الترمذي: هذا حديث غريب، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) «ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم، و من أبغض العرب فببغضي أبغضهم» و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، و القرآن عربي، و كلام أهل الجنة عربي» و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «إن لواء الحمد يوم القيامة بيدي و إن أقرب الخلق من لوائي يومئذ العرب» و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «إذا ذلت العرب ذل الإسلام» و في كلام فقهائنا: العرب أولى الأمم، لأنهم المخاطبون أولا و الدين عربي.

و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «خير العرب مضر، و خير مضر عبد مناف، و خير بني عبد مناف بنو هاشم، و خير بني هاشم بنو عبد المطلب، و اللّه ما افترق فرقتان منذ خلق اللّه تعالى آدم إلا كنت في خيرهما».

أقول: و في لفظ آخر عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن اللّه حين خلقني جعلني من خير خلقه، ثم حين خلق القبائل جعلني من خيرهم قبيلة، و حين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم، ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم بيتا و أنا خيرهم نسبا» و في لفظ آخر عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «إن اللّه قسم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهم قسما، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا، ثم جعل الثلث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا» و تقدم عن الشفاء مثل ذلك مع زيادة الاستدلال بالآيات، و تقدم الأمر بالتأمل في ذلك، و اللّه أعلم. و فيه أنه ورد النهي في الأحاديث الكثيرة عن الانتساب إلى الآباء في الجاهلية على سبيل الافتخار، من ذلك «لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية، فو الذي نفسي بيده ما يدحرج الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية» أي و الذي يدحرجه الجعل هو النتن. و جاء في الحديث «ليدعن الناس فخرهم في الجاهلية. أو ليكونن أبغض إلى اللّه تعالى من الخنافس» و جاء «آفة الحسب الفخر» أي عاهة الشرف بالآباء التعاظم بذلك.

و أجاب الإمام الحليمي بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يرد بذلك الفخر، إنما أراد تعريف منازل أولئك و مراتبهم: أي و من ثم جاء في بعض الروايات قوله و لا فخر: أي فهو من التعريف بما يجب اعتقاده و إن لزم منه الفخر، و هو إشارة إلى نعمة اللّه تعالى عليه، فهو من التحدث بالنعمة و إن لزم من ذلك الفخر أيضا. و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما «في قوله تعالى: وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) [الشعراء: الآية 219] قال: من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبيا» أي وجدت الأنبياء في آبائه فسيأتي «أنه قذف بي في صلب آدم، ثم في صلب نوح، ثم في صلب إبراهيم عليهما الصلاة و السلام» بدليل ما يأتي فيه.

و في لفظ آخر عنه «ما زال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يتقلب في أصلاب الأنبياء» أي المذكورين أو غيرهم‏

45

«حتى ولدته أمه» أي و هذا كما لا يخفى لا ينافي وقوع من ليس نبيا في آبائه، فالمراد وقوع الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم) في نسبه عليه الصلاة و السلام كما علمت، ضرورة أن آباءه كلهم ليسوا أنبياء، لكن قال غيره: لا زال نوره (صلى اللّه عليه و سلم) ينقل من ساجد إلى ساجد. قال أبو حيان: و استدل بذلك، أي بما ذكر من الآية المذكورة: أي المفسرة بما ذكر الرافضة على أن آباء النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كانوا مؤمنين: أي لأن الساجد لا يكون إلا مؤمنا، فقد عبر عن الإيمان بالسجود، و سيأتي مزيد الكلام في ذلك، و هو استدلال ظاهري، و إلا فالآية قيل معناها و تصفحك أحوال المتهجدين من أصحابك لأنه لما نسخ فرض قيام الليل عليه و عليهم بناء على أنه كان واجبا عليه و على أمته و هو الأصح.

و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه كان واجبا على الأنبياء عليهم الصلاة و السلام قبله (صلى اللّه عليه و سلم) «طاف (صلى اللّه عليه و سلم) تلك الليلة على بيوت أصحابه لينظر حالهم» أي هل تركوا قيام الليل لكونه نسخ وجوبه بالصلوات الخمس ليلة المعراج حرصا على كثرة طاعتهم فوجدها كبيوت الزنابير: أي لأن اللّه عز و جل افترض عليه (صلى اللّه عليه و سلم): أي و على أمته قيام الليل أو نصفه أو أقل أو أكثر في أول سورة المزمل، ثم نسخ ذلك في آخر السورة بما تيسر: أي و كان نزول ذلك بعد سنة، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس ليلة المعراج كما سيأتي. و جعل بعضهم ذلك من نسخ الناسخ فيصير منسوخات، لما علمت أن آخر هذه السورة ناسخ لأولها و منسوخ بفرض الصلوات الخمس.

و اعترض بأن الأخبار دالة على أن قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ‏ [المزمّل: الآية 20] إنما نزل بالمدينة يدل على ذلك قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى‏ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ [المزمّل: الآية 20] لأن القتال في سبيل اللّه إنما كان بالمدينة، فقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ [المزمّل: الآية 20] اختيار لا إيجاب.

و قيل معنى‏ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) [الشّعراء: الآية 219] و تقلبك في أركان الصلاة قائما و قاعدا و راكعا و ساجدا في الساجدين: أي في المصلين، ففي الساجدين ليس متعلقا بتقلبك بل بساجدا المحذوف.

لا يقال: يعارض جعل الساجدين عبارة عن المؤمنين أن من جملة آبائه (صلى اللّه عليه و سلم) آزر والد إبراهيم الخليل صلى اللّه على نبينا و عليه و سلم و كان كافرا.

لأنا نقول: أجمع أهل الكتاب على أن آزر كان عمه، و العرب تسمي العم أبا كما تسمي الخالة أما فقد حكى اللّه عن يعقوب (عليه السلام) أنه قال: «آبائي إبراهيم و إسماعيل» و معلوم أن إسماعيل إنما هو عمه. أي و يدل لذلك أن أبا إبراهيم كان اسمه تارخ بالمثناة فوق و المعجمة كما عليه جمهور أهل النسب، و قيل بالمهملة و عليه اقتصر الحافظ في الفتح لا آزر، لكن ادعى بعضهم أنه لقب له، لأن آزر اسم‏

46

صنم كان يعبده فصار له اسمان: آزر و تارخ كيعقوب و إسرائيل.

قال بعضهم: و قد تساهل من أخذ بظاهر الآية كالقاضي البيضاوي و غيره فقال:

إن أبا إبراهيم مات على الكفر و ما قيل إنه عمه فعدول عن الظاهر من غير دليل.

و يوافقه ما في النهر نقلا عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن آزر كان اسم ابيه، و يرد ذلك قول الحافظ السيوطي (رحمه اللّه): يستنبط من قول إبراهيم عليه الصلاة و السلام‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (41) [إبراهيم:

الآية 41] و كان ذلك بعد موت عمه بمدة طويلة، أن المذكور في القرآن بالكفر و التبري من الاستغفار له: أي في قوله تعالى: وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ‏ [التوبة: الآية 114] هو عمه لا أبوه الحقيقي. قال: فللّه الحمد على ما ألهم: أي و لا يخفى أن هذا لا يتم إلا إذا كان أبوه الحقيقي حيا وقت التبري منه، و أن التبري سببه الموت: أي موت عمه على الكفر لا الوحي بأنه يموت كافرا فليتأمل، و حينئذ يكون أبوه الحقيقي هو المعني بقول أبي هريرة: أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم. أن قال لما رأى ولده و قد ألقي في النار أي على تلك الحالة أي في روضة خضراء و حوله النار: لم تحرق منه إلا كتافه نعم الرب ربك يا إبراهيم، و كان سنه حين ألقي في النار ست عشرة سنة كما في الكشاف. و في كلام غيره كان سنه ثلاثين سنة بعد ما سجن ثلاث عشرة سنة.

و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: «إن قريشا كانت نورا بين يدي اللّه تعالى قبل أن يخلق آدم عليه الصلاة و السلام بألفي عام يسبح ذلك النور و تسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق اللّه تعالى آدم عليه الصلاة و السلام ألقى ذلك النور في صلبه، قال (صلى اللّه عليه و سلم): فأهبطني اللّه تعالى إلى الأرض في صلب آدم، و جعلني في صلب نوح، و قذفني في صلب إبراهيم عليهم الصلاة و السلام، ثم لم يزل ينقلني من الأصلاب الكريمة و الأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط».

أقول: قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «فأهبطني» ينبغي أن لا يكون معطوفا على ما قبله من قوله: «إن قريشا كانت نورا بين يدي اللّه تعالى الخ» فيكون نوره (صلى اللّه عليه و سلم) من جملة نور قريش، و إنه (صلى اللّه عليه و سلم) انفرد عن نور قريش و أودع في صلب نوح عليه الصلاة و السلام الخ، بل على ما يأتي من قوله: «كنت نورا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام» اللازم لذلك أن يكون نوره سابقا على نور قريش، و يكون نور قريش من نوره (صلى اللّه عليه و سلم).

و حكمة اقتصاره (صلى اللّه عليه و سلم) على من ذكر من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام لا تخفى.

و هي أنهم آباء الأنبياء عليهم الصلاة و السلام فمن ذرية نوح هود و صالح عليهما

47

الصلاة و السلام، و من ذرية إبراهيم إسماعيل و إسحاق و يعقوب و يوسف و شعيب و موسى و هارون بناء على أنه شقيق موسى أو لأبيه و إلا فسيأتي أن نوره انتقل إلى شيث، و تقدم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) من ذرية إسماعيل.

و عن علي بن الحسين رضي اللّه تعالى عنهما عن أبيه عن جده أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «كنت نورا بين يدي ربي قبل خلق آدم عليه الصلاة و السلام بأربعة عشر ألف عام» و رأيت في كتاب التشريفات في الخصائص و المعجزات لم أقف على اسم مؤلفه، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سأل جبريل عليه الصلاة و السلام فقال يا جبريل كم عمرت من السنين؟ فقال يا رسول اللّه لست أعلم، غير أن في الحجاب الرابع نجما يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة، رأيته اثنين و سبعين ألف مرة فقال: «يا جبريل و عزة ربي جل جلاله أنا ذلك الكوكب» رواه البخاري، هذا كلامه، فلما خلق اللّه آدم عليه الصلاة و السلام جعل ذلك النور في ظهره: أي فهو حالة كونه نورا سابق على قريش حالة كونها نورا، بل سيأتي ما يدل على أن نوره (صلى اللّه عليه و سلم) سابق على سائر المخلوقات، بل و تلك المخلوقات خلقت من ذلك النور آدم و ذريته و حينئذ يحتاج إلى بيان وجه كون آدم خلق من نوره (صلى اللّه عليه و سلم)، و جعل نوره (صلى اللّه عليه و سلم) في ظهر آدم عليه الصلاة و السلام، فقد تقدم في الخبر «لما خلق اللّه تعالى آدم جعل ذلك النور في ظهره» أي فكان يلمع في جبينه فيغلب على سائر نوره الخ ما يأتي، ثم انتقل إلى ولده شيث الذي هو وصيه، و كان من جملة ما أوصاه به أنه يوصي من انتقل إليه ذلك النور من ولده أنه لا يضع ذلك النور الذي انتقل إليه إلا في المطهرة من النساء، و لم تزل هذه الوصية معمولا بها في القرون الماضية إلى أن وصل ذلك النور إلى عبد المطلب: أي و هذا السياق يدل على أن ذلك النور كان ظاهرا فيمن ينتقل إليه من آبائه، و هو قد يخالف ما تقدم من تخصيص بعض آبائه بذلك، و لم تلد حواء ولدا مفردا إلا شيث كرامة لهذا النور، قيل مكث في بطنها حتى نبتت أسنانه و كان ينظر إلى وجهه من صفاء بطنها و هو الثالث من ولد آدم عليه الصلاة و السلام، و كانت تلد ذكرا و أنثى معا: أي فقد قيل إنها ولدت لآدم أربعين ولدا في عشرين بطنا، و قيل ولدت مائة و عشرين ولدا، و قيل مائة و ثمانين ولدا، و قيل خمسمائة. و يقال إن آدم عليه الصلاة و السلام لما مات بكى عليه من ولده و ولد ولده أربعون ألفا، و لم يحفظ من نسل آدم إلا ما كان من صلب شيث دون إخوته: أي فإنهم لم يعقبوا أصلا فهو أبو البشر.

و عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما قال: «قلت يا رسول اللّه بأبي أنت و أمي أخبرني عن أول شي‏ء خلقه اللّه تعالى قبل الأشياء؟ قال: يا جابر إن اللّه تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره» الحديث، و فيه أنه أصل لكل موجود،

48

و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

و اختلف الناس في عد طبقات أنساب العرب و ترتيبها، و الذي في الأصل عن الزبير بن بكار أنها ست طبقات، و أن أولها شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة بكسر العين المهملة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة قال: و قد نظمها الزين العراقي في قوله:

للعرب العربا طباق عدة* * * فصلها الزبير و هي ستة

أعم ذاك الشعب فالقبيلة* * * عمارة بطن فخذ فصيلة

أي فالشعب أصل القبائل، و القبيلة أصل العمارة، و العمارة أصل البطون، و البطن أصل الفخذ، و الفخذ أصل الفصيلة، فيقال: مضر شعب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي و قيل شعبه خزيمة، و كنانة قبيلته (صلى اللّه عليه و سلم)، و قريش عمارته (صلى اللّه عليه و سلم)، و قصي بطنه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هاشم فخذه (صلى اللّه عليه و سلم)، و بنو العباس فصيلته (صلى اللّه عليه و سلم). و قيل بعد الفصيلة العشيرة، و ليس بعد العشيرة شي‏ء. و قيل بعدها الفصيلة قال: ثم الرهط. و زاد بعضهم الذرية و العترة و الأسرة، و لم يرتب بينها. و قد ذكرها محمد بن سعد اثني عشر فقال: الجذم، ثم الجمهور، ثم الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرهط، ثم الأسرة، ثم الذرية، و سكت عن العترة.

و في كلام بعضهم: الأسباط بطون بني إسرائيل، و الشعب في لسان العرب:

الشجرة الملتفة الكثيرة الأغصان و الأوراق، و القبائل بطون العرب و الشعوب بطون العجم، فليتأمل.

باب: تزويج عبد اللّه أبي النبي (صلى اللّه عليه و سلم) آمنة أمه (صلى اللّه عليه و سلم) و حفر زمزم و ما يتعلق بذلك‏

قيل خرج عبد المطلب و معه ولده عبد اللّه، و كان أحسن رجل في قريش خلقا، و خلقا، و كان نور النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بينا في وجهه. و في رواية أنه كان أحسن رجل رئاء بكسر الراء و بضمها ثم همزة مفتوحة: منظرا في قريش. و في رواية أنه كان أكمل بني أبيه، و أحسنهم و أعفهم، و أحبهم إلى قريش، و قد هدى اللّه تعالى والده فسماه بأحب الأسماء إلى اللّه تعالى. ففي الحديث «أحب الأسماء إلى اللّه تعالى عبد اللّه و عبد الرحمن» و هو الذبيح.

و ذلك لأن أباه عبد المطلب حين أمر في النوم بحفر زمزم بئر إسماعيل (عليه السلام): أي لأن اللّه تعالى أخرج زمزم لإسماعيل بواسطة جبريل كما يأتي إن شاء اللّه تعالى في بناء الكعبة، أخرج زمزم مرتين: مرة لآدم، و مرة لإسماعيل عليهما الصلاة

49

السلام، و كانت جرهم قد دفنتها: أي فإن جرهما لما استخفت بأمر البيت الحرام، و ارتكبوا الأمور العظام، قام فيهم رئيسهم مضاض بكسر الميم و حكى ضمها، ابن عمرو خطيبا: و وعظهم فلم يرعووا فلما رأى ذلك منهم عمد إلى غزالتين من ذهب كانتا في الكعبة و ما وجد فيها من الأموال: أي السيوف و الدروع على ما سيأتي التي كانت تهدى إلى الكعبة و دفنها في بئر زمزم.

و في مرآة الزمان أن هاتين الغزالتين أهداهما للكعبة و كذا السيوف ساسان أول ملوك الفرس الثانية. ورد بأن الفرس لم يحكموا على البيت و لا حجوه هذا كلامه.

و فيه أن هذا لا ينافي ذلك، فليتأمل. و كانت بئر زمزم نضب ماؤها: أي ذهب فحفرها مضاض بالليل و أعمق الحفر و دفن فيها ذلك: أي و دفن الحجر الأسود أيضا كما قيل، و طم البئر، و اعتزل قومه فسلط اللّه تعالى عليهم خزاعة، فأخرجتهم من الحرم، و تفرقوا و هلكوا كما تقدم، ثم لا زالت زمزم مطمومة لا يعرف محلها مدة خزاعة و مدة قصي، و من بعده إلى زمن عبد المطلب. و رؤياه التي أمر فيها بحفرها.

قيل و تلك المدة خمسمائة سنة: أي و كان قصي احتفر بئرا في الدار التي سكنتها أم هانئ أخت علي رضي اللّه تعالى عنهما، و هي أول سقاية احتفرت بمكة.

فعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال احفر طيبة، فقلت: و ما طيبة؟ فذهب و تركني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال احفر برة، فقلت: و ما برة فذهب و تركني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني و قال احفر المضنونة، فقلت: و ما المضنونة؟ فذهب و تركني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال احفر زمزم، فقلت: و ما زمزم؟ قال: لا تنزف، و لا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، و هي بين الفرث و الدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل. و قوله لا تنزف: أي لا يفرغ ماؤها، و لا يلحق قعرها.

و فيه أنه ذكر أنه وقع فيها عبد حبشي فمات بها و انتفخ فنزحت من أجله، و وجدوا قعرها فوجدوا ماؤها يفور من ثلاثة أعين، أقواها و أكثرها التي من ناحية الحجر الأسود.

و قوله و لا تذم بالذال المعجمة: أي لا توجد قليلة الماء، من قولهم: بئر ذمة أي قليلة الماء قيل و ليس المراد أنه لا يذمها أحد، لأن خالد بن عبد اللّه القسري أمير العراق من جهة الوليد بن عبد الملك ذمها و سماها أم جعلان، و احتفر بئرا خارج مكة باسم الوليد بن عبد الملك، و جعل يفضلها على زمزم و يحمل الناس على التبرك بها.

و فيه أن هذا جرأة منه على اللّه تعالى و قلة حياء منه، و هو الذي كان يعلن‏

50

و يفصح بلعن علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) على المنبر، فلا عبرة بذمه.

و قيل لزمزم طيبة لأنها للطيبين و الطيبات من ولد إبراهيم، و قيل لها برة لأنها فاضت للأبرار، و قيل لها المضنونة لأنها ضن بها على غير المؤمنين، فلا يتضلع منها منافق، و قد جاء في رواية «يقول اللّه تعالى ضننت بها على الناس إلا عليك» و لعل المراد إلا على أتباعك، فيكون بمعنى ما قبله. و في رواية أنه قيل لعبد المطلب احفر زمزم، و لم يذكر له علامتها فجاء إلى قومه و قال لهم: إني قد أمرت أن أحفر زمزم، قالوا: فهل بين لك أين هي؟ قال لا، قالوا فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت، فإن يكن حقا من اللّه تعالى بين لك، و إن يكن من الشيطان فلن يعود إليك، فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه فأتاه فقال احفر زمزم إنك إن حفرتها لن تندم، و هي ميراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا و لا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، فقال عبد المطلب: أين هي؟ فقال: هي بين الفرث و الدم، عند قرية النمل حيث ينقر الغراب الأعصم غدا: أي و الأعصم، قيل أحمر المنقار و الرجلين، و قيل أبيض البطن، و على هذا اقتصر الإمام الغزالي حيث قال في قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «مثل المرأة الصالحة في النساء مثل الغراب الأعصم بين مائة غراب» يعني الأبيض البطن، هذا كلامه. و قيل الأعصم أبيض الجناحين، و قيل أبيض إحدى الرجلين، فلما كان الغد ذهب عبد المطلب و ولده الحارث ليس له ولد غيره، فوجد قرية النمل، و وجد الغراب ينقر عندها بين الفرث و الدم: أي في محلهما و ذلك بين إساف و نائلة:

الصنمين اللذين تقدم ذكرهما، و تقدم أن قريشا كانت تذبح عندهما ذبائحها: أي التي كانت تتقرب بها، و هذا يبعد ما جاء في رواية أنه لما قام بحفرها رأى ما رسم له من قرية النمل و نقرة الغراب، و لم ير الفرث و الدم فبينما هو كذلك ندت بقرة من ذابحها فلم يدركها حتى دخلت المسجد فنحرها في الموضع الذي رسم له.

و قد يقال لا يبعد لأنه يجوز أن يكون فهم أن يكون الفرث و الدم موجودين بالفعل فلا يلزم من كون المحل المذكور محلهما وجودهما فيه في ذلك الوقت، فلم يكتف بنقرة الغراب في محلهما، فأرسل اللّه له تلك البقرة ليرى الأمر عيانا.

و ذكر السهيلي (رحمه اللّه) لذكر هذه العلامات الثلاث حكمة لا بأس بها، و لعل إسافا و نائلة نقلا بعد ذلك إلى الصفا و المروة بعد أن نقلهما عمرو بن لحي من جوف الكعبة إلى المحل المذكور، فلا يخالف ما ذكره القاضي البيضاوي و غيره أن إسافا كان على الصفا و نائلة على المروة، و كان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما: أي و من ثم لما جاء الاسلام و كسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف أي السعي بينهما، و قالوا يا رسول اللّه هذا كان شعارنا في الجاهلية لأجل التمسح بالصنمين، فأنزل اللّه تعالى- إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ‏ [البقرة: الآية 158]- الآية: و يقال إن‏

51

بقرة نحرت بالحزورة بوزن قسورة فانفلتت و دخلت المسجد في موضع زمزم فوقعت مكانها، فاحتمل لحمها، فأقبل غراب أعصم فوقع في الفرث فليتأمل الجمع.

و قد يقال: لا منافاة، لأن قوله في الرواية الأولى: فندت بقرة من ذابحها: أي ممن شرع في ذبحها و لم يتمه حتى دخلت المسجد فنحرها: أي تمم ذبحها، فقد نحرت بالحزورة و بالمسجد أو يراد بنحرها في الحزورة ذبحها، و بنحرها في المسجد سلخها و تقطيع لحمها فقد رأينا الحيوان بعد ذبحه يذهب إلى موضع آخر ثم يقع به، و عند ذلك جاء عبد المطلب بالمعول و قام ليحفر، فقامت إليه قريش، فقالوا له: و اللّه لا نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما فقال عبد المطلب لولده الحارث ذد عني: أي امنع عني حتى أحفر، فو اللّه لأمضين لما أمرت به، فلما رأوه غير نازع خلوا بينه و بين الحفر و كفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطي: أي البناء، فكبر و قال هذا طي إسماعيل (عليه السلام): أي بناؤه، فعرفت قريش أنه أصاب حاجته، فقاموا إليه و قالوا و اللّه يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل، و إن لنا فيها حقا فأشركنا معك، فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم، فقالوا نخاصمك فيها، فقال: اجعلوا بيني و بينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم و كانت بأعالي الشام: أي و لعلها التي لما حضرتها الوفاة طلبت شقا و سطيحا و تفلت في فمهما، و ذكرت أن سطيحا يخلفها في كهانتها ثم ماتت في يومها ذلك، و سطيح ستأتي ترجمته. و أما شق فقيل له ذلك، لأنه كان شق إنسان يدا واحدة، و رجلا واحدة، و عينا واحدة، فركب عبد المطلب و معه نفر من بني عبد مناف، و ركب من كل قبيلة من قريش نفر، و كان إذ ذاك ما بين الحجاز و الشام مفازات لا ماء بها، فلما كان عبد المطلب ببعض تلك المفاوز فني ماؤه و ماء أصحابه، فظمؤوا ظمأ شديدا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستقوا ممن معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم و قالوا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فقال عبد المطلب لأصحابه ما ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فقال: إني أرى أن يحفر كل أحد منكم حفيرة يكون فيها إلى أن يموت فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخرهم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد: أي يترك بلا مواراة أيسر من ضيعة ركب جميعا، فقالوا: نعم ما أمرت به فحفر كل حفيرة لنفسه ثم قعدوا ينتظرون الموت، ثم قال عبد المطلب لأصحابه: و اللّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا إلى الموت لعجز، فلنضرب في الأرض فعسى اللّه أن يرزقنا، فانطلقوا، كل ذلك و قومهم ينظرون إليهم ما هم فاعلون فتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب و كبر أصحابه ثم نزل فشرب و شرب أصحابه و ملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل فقال: هلموا إلى الماء فقد

52

سقانا اللّه فاشربوا و استقوا، فجاؤوا فشربوا و استقوا، ثم قالوا لعبد المطلب قد و اللّه قضى لك علينا يا عبد المطلب، و اللّه لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا، فرجع و رجعوا معه و لم يصلوا إلى الكاهنة، فلما جاء و أخذ في الحفر وجد فيها الغزالتين من الذهب اللتين دفنتهما جرهم، و وجد فيها أسيافا و أدراعا، فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك، فقال: لا، و لكن هلموا إلى أمر نصف بيني و بينكم.

و النصف: بكسر النون و سكون الصاد المهملة و بفتحها النصفة بفتحات نضرب عليها بالقداح قالوا: و كيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، و لكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شي‏ء كان له، و من تخلف قدحاه فلا شي‏ء له، قالوا أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة و قدحين أسودين لعبد المطلب و قدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوها لصاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل: أي و جعلوا الغزالتين قسما و الأسياف و الأدراع قسما آخر، و قام عبد المطلب يدعو ربه بشعر مذكور في الأمتاع، فضرب صاحب القداح، فخرج الأصفران على الغزالتين، و خرج الأسودان على الأسياف و الأدراع، و تخلف قدحا قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، و ضرب في الباب الغزالتين، فكان أول ذهب حليت به الكعبة ذلك. و من ثم جاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: و اللّه إن أول من جعل باب الكعبة ذهبا لعبد المطلب.

و في شفاء الغرام أن عبد المطلب علق الغزالتين في الكعبة، فكان أول من علق المعاليق بالكعبة، و سيأتي الجمع بين كونهما علقا بالكعبة و بين جعلهما حليا لباب الكعبة و قد كان بالكعبة بعد ذلك معاليق، فإن عمر رضي اللّه تعالى عنه لما فتحت مدائن كسرى كان مما بعث إليه منها هلالان فعلقا بالكعبة، و علق بها عبد الملك بن مروان شمستين و قدحين من قوارير، و علق بها الوليد بن يزيد سريرا و علق بها السفاح صحفة خضراء، و علق بها المنصور القارورة الفرعونية، و بعث المأمون ياقوتة كانت تعلق كل سنة في وجه الكعبة في زمن الموسم في سلسلة من ذهب.

و لما أسلم بعض الملوك في زمنه أرسل إليها بصنمه الذي كان يعبده، و كان من ذهب متوجا و مكللا بالجواهر و الياقوت الأحمر و الأخضر و الزبرجد، فجعل في خزانة الكعبة.

ثم إن الغزالتين سرقتا و أبيعتا من قوم تجار قدموا مكة بخمر و غيرها، فاشتروا بثمنها خمرا.

و قد ذكر أن أبا لهب مع جماعة نفدت خمرهم في بعض الأيام، و أقبلت قافلة من الشام معها خمر، فسرقوا غزالة و اشتروا بها خمرا، و طلبتها قريش، و كان أشدهم‏