السيرة الحلبية - ج3

- أبو الفرج الحلبي الشافعي‏ المزيد...
533 /
3

[تتمة باب ذكر مغازيه ص‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

غزوة بني لحيان‏

بناحية عسفان، و لحيان بكسر اللام و فتحها: قبيلة من هذيل.

لا يخفى أن بعد مضي ستة أشهر من غزوة بني قريظة غزا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بني لحيان يطلبهم بأصحاب الرجيع، أي و هم خبيب و أصحابه رضي اللّه عنهم الذين قتلوا ببئر معونة كما سيأتي ذكر ذلك في السرايا. أي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) وجد: أي حزن وجدا شديدا على أصحابه المقتولين بالرجيع، و أراد أن ينتقم من هذيل فأمر أصحابه بالتهيؤ، و أظهر أنه يريد الشام: أي ليدرك من القوم غرة: أي غفلة، و استعمل على المدينة ابن أم مكتوم رضي اللّه عنه، و خرج في مائتي رجل و معهم عشرون فرسا، و لما وصل (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المحل الذي قتل فيه أهل الرجيع ترحم عليهم و دعا لهم بالمغفرة، فسمعت به بنو لحيان، فهربوا إلى رءوس الجبال أي و أرسل السرايا في كل ناحية فلم يجدوا أحدا أي و أقام على ذلك يومين، فلما رأى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه فاته ما أراده من غرتهم. قال: لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة، فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان، و هذا يدل على أن أصحابه كانوا أكثر من مائتين، و هو يخالف ما تقدم أنه خرج في مائتي رجل. إلا أن يقال زادوا على المائتين بعد خروجه.

ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم كرا راجعين. و في لفظ آخر فبعث أبا بكر رضي اللّه عنه في عشرة فوارس القصة. أي و قد يقال: لا منافاة بين اللفظين.

ثم توجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة. قال جابر رضي اللّه عنه: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول حين وجه أي توجه إلى المدينة «آئبون تائبون إن شاء اللّه لربنا حامدون» أي و في رواية «لربنا عابدون، أعوذ باللّه من وعثاء السفر» أي مشقة السفر «و كآبة» أي حزن «المنقلب، و سوء المنظر في الأهل و المال» قال و زاد بعضهم «اللهم بلغنا بلاغا صالحا يبلغ إلى خير مغفرتك و رضوانك» قيل و لم يسمع هذا الدعاء

4

منه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل ذلك، و كانت غيبته عن المدينة أربع عشرة ليلة ا ه.

و ذكر بعضهم «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما رجع من بني لحيان وقف على الأبواء فنظر يمينا و شمالا، فرأى قبر أمه آمنة، فتوضأ ثم صلى ركعتين فبكى و بكى الناس لبكائه ثم قام فصلى ركعتين ثم انصرف إلى الناس و قال لهم (صلى اللّه عليه و سلم): ما الذي أبكاكم؟ قالوا: بكيت فبكينا يا رسول اللّه، قال: ما ظننتم؟ قالوا، ظننا أن العذاب نازل علينا، قال: لم يكن من ذلك شي‏ء، قالوا: ظننا أن أمتك كلفت من الأعمال ما لا تطيق، قال: لم يكن من ذلك شي‏ء و لكني مررت بقبر أمي فصليت ركعتين ثم استأذنت ربي عز و جل أن أستغفر لها فزجرت زجرا» أي منعت عن ذلك منعا شديدا «فأبكاني» و في لفظ «فعلى بكائي هذ» أي فعلى هذا بكائي.

و الذي في الوفاء «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) وقف على عسفان، فنظر يمينا و شمالا، فأبصر قبر أمه فورد الماء، فتوضأ ثم صلى ركعتين، قال بريدة: فلم يفجأنا إلا ببكائه، فبكينا لبكاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم انصرف فقال: ما الذي أبكاكم؟» الحديث.

«ثم دعا براحلته فركبها، فسار يسيرا فأنزل اللّه تعالى‏ ما كانَ لِلنَّبِيِ‏ [التّوبة:

الآية 113] (صلى اللّه عليه و سلم) وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى‏ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ‏ [التّوبة: الآية 113] إلى آخر الآيتين، فلما سري عنه الوحي قال:

أشهدكم أني بري‏ء من آمنة كما تبرأ إبراهيم من أبيه.

أي و هذا السياق يدل على أن هاتين الآيتين غير ما زجر به عن الاستغفار لها المتقدّم في قوله «فزجرت زجرا» فليتأمل.

و في مسلم عن أبي أيوب رضي اللّه عنه قال «زار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبر أمه فبكى و أبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي و استأذنته في أن أزورها» أي بعد ذلك «فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت».

و سيأتي عن عائشة رضي اللّه عنها «أن في حجة الوداع مرّ (صلى اللّه عليه و سلم) على عقبة الحجون فنزل و قال لها: وقفت على قبر أمي» و سيأتي أن ذلك يدل على أن قبر أمه بمكة لا بالأبواء، و تقدم الجمع بين كونه بالأبواء، و كونه بمكة، و سيأتي بالحديبية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) زار قبرها و في فتح مكة أيضا، و سيأتي الكلام على ذلك و أن ذلك كان قبل إحيائها له و إيمانها به (صلى اللّه عليه و سلم).

غزوة ذي قرد

بفتح القاف و الراء، و قيل بضمهما، أي و قيل بضم الأول و فتح الثاني: اسم ماء.

و القرد في الأصل: الصوف الردي‏ء، و يقال لها غزوة الغابة، و الغابة: الشجر الملتف.

5

لما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة من غزوة بني لحيان لم يقم بها إلا ليالي قلائل حتى أغار عيينة بن حصن في خيل من غطفان على لقاح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالغابة، أي و كانت اللقاح عشرين لقحة و هي ذات اللبن القريبة من الولادة: أي لها ثلاثة أشهر، ثم هي لبون، و فيها رجل من بني غفار هو ولد أبي ذر الغفاري و زوجة لأبي ذر، فقوله و امرأة له، أي لأبي ذرّ رضي اللّه عنه لا لولده كما يعلم مما يأتي، و كان راعيها يؤوب: أي يرجع بلبنها كل ليلة عند المغرب إلى المدينة، أي فإن المسافة بينها و بين المدينة يوم أو نحو يوم، فقتلوا الرجل و احتملوا المرأة مع اللقاح.

و عند ابن سعد: كان فيها أبو ذرّ و ولده أي و زوجة أبي ذر، فقتلوا ولده، أي و احتملوا المرأة. قال: «جاء أن أبا ذرّ الغفاري رضي اللّه عنه استأذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يكون في اللقاح، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لا تأمن عيينة بن حصن و ذويه أن يغيروا عليك، فألح عليه، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لكأني بك قد قتل ابنك و أخذت امرأتك و جئت تتوكأ على عصاك، فكان أبو ذرّ رضي اللّه عنه يقول: عجبا لي و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: لكأني بك و أنا ألح عليه، فكان و اللّه ما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فإني و اللّه لفي منزلنا و لقاح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد روّحت و حلبت عتمتها و نمنا، فلما كان الليل أحدق بنا عيينة بن حصن في أربعين فارسا فصاحوا بنا و هم قيام على رءوسنا، فأشرف لهم ابني فقتلوه و كان معه ثلاثة نفر فنجوا، و تنحيت عنهم، و شغلهم عني إطلاق عقل اللقاح، ثم صاحوا في أدبارها، فكان آخر العهد بها. و لما قدمت المدينة على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أخبرته تبسم» ا ه أي و روي بدل عيينة بن حصن قال بعضهم:

و لا منافاة، لأن كلا من عيينة بن حصن و عبد الرحمن بن عيينة كانا في القوم، و كان أوّل من علم بهم سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه فإنه غدا يريد الغابة متوشحا قوسه و معه غلام لطلحة بن عبيد اللّه معه فرس له: أي لطلحة يقوده، فلقى غلاما لعبد الرحمن بن عوف، فأخبره أن عيينة بن حصن قد أغار على لقاح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في أربعين فارسا من غطفان. قال سلمة: فقلت: يا رباح اقعد على هذا الفرس، فأخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن قد أغير على سرحه.

أي و هذا السياق يدل على أن رباحا غلامه (صلى اللّه عليه و سلم) كان مع سلمة أسقط الراوي ذكره و لم يقل و معه رباح غلامه (صلى اللّه عليه و سلم).

و يحتمل أن رباحا هذا هو غلام عبد الرحمن الذي أخبر سلمة خبر اللقاح. و لا منافاة بين كون رباح غلامه (صلى اللّه عليه و سلم) و غلام عبد الرحمن، لجواز أن يكون كان لعبد الرحمن ثم وهبه للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فهو غلام عبد الرحمن بحسب ما كان.

ثم رأيت ما يؤدي الأوّل و هو ما في بعض الروايات عن سلمة قال: خرجت أنا و رباح عبد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن يؤذن بالأولى يعني لصلاة الصبح نحو الغابة و أنا راكب‏

6

على فرس أبي طلحة الأنصاري، فلقيني عبد لعبد الرحمن بن عوف قال: أخذت لقاح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قلت: من أخذها؟ قال: غطفان و فزارة، و قد طوي في هذه الرواية ذكر غلام طلحة.

ثم رأيت الحافظ ابن حجر ذكر أنه لم يقف على اسم غلام عبد الرحمن بن عوف هذا: أي الذي أخبر سلمة بأمر اللقاح.

قال: و يحتمل أن يكون هو رباح غلام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و كان ملك أحدهما و كان يخدم الآخر، فنسب تارة إلى هذا و تارة إلى هذا، هذا كلامه، و لا يخفى بعده للتصريح بأن رباحا غير غلام عبد الرحمن، و أن رباحا كان مع سلمة، و أن غلام عبد الرحمن هو الذي أخبر سلمة خبر اللقاح. و لا منافاة بين كون الفرس لطلحة، و لا بين كونها لأبي طلحة، و لا بين كون عبد طلحة كان قائدا لها و بين كون سلمة راكبا لها لأنه يجوز أن يكون ركبها أثناء الطريق فليتأمل.

و في تسمية غلامه (صلى اللّه عليه و سلم) رباحا مع نهيه (صلى اللّه عليه و سلم) أن الشخص يسمي رقيقه بأحد أربعة أسماء أفلح و رباح و يسار و نافع. و زاد في رواية خامسا و هو نجيح فهلا غير (صلى اللّه عليه و سلم) اسمه إنه كانت وقعت التسمية من غيره (صلى اللّه عليه و سلم) و يقال لم يغير (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك الاسم إشارة إلى أن النهي للتنزيه.

ثم إن سلمة رجع إلى المدينة و علانية الوداع فنظر إلى بعض خيولهم، فصرخ بأعلى صوته وا صباحاه: أي قال ذلك ثلاث مرات. أي و قيل نادى: الفزع الفزع ثلاثا، و لا مانع أن يكون جمع بين ذلك. و في لفظ: و قمت على تلّ بناحية سلع، أي و في لفظ: على أكمة، و في لفظ آخر: فصعدت في سلع و لا مخالفة كما لا يخفى، فجعلت وجهي من قبل المدينة. ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه أسمع ما بين لابتيها، أي لسعة صوته، أو أن ذلك وقع خرقا للعادة، و يا صباحاه: كلمة تقال عند استنفار من كان غافلا عن عدوه، لأنهم يسمون يوم الغارة يوم الصباح.

ثم خرج يشتدّ في أثر القوم كالسبع، و قد كان يسبق الفرس جريا حتى لحق بهم، فجعل يردهم بالنبل و يقول: إذا رمى خذها و أنا ابن الأكوع، و اليوم يوم الرضع: أي يوم هلاك اللئام، فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا، و هكذا يفعل قال: كنت ألحق الرجل منهم فأرميه بسهم في رجله فيعقره؛ فإذا رجع إليّ فارس منهم أتيت شجرة فجلست في أصلها. ثم أرميه فأعقره فيولي عني، فإذا دخلت الخيل في بعض مضايق الجبل علوت الجبل و رميتهم بالحجارة، قال: و لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا و أكثر من ثلاثين بردة يستخفون بها، و لا يلقون شيئا من ذلك إلا جعلت عليه حجارة و جمعته على طريق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي و ما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق اللّه تعالى من بعير من ظهر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلا

7

خلفته وراء ظهري و خلوا بينهم و بينه.

و لما بلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صياح ابن الأكوع صرخ بالمدينة: الفزع، يا خيل اللّه اركبي. قيل و كان أول ما نودي بها و فيه كما في الأصل أنه نودي بها في بني قريظة كما تقدم.

و أوّل من انتهى إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الفرسان المقداد بن عمرو و يقال له ابن الأسود، و تقدم أنه قيل له ذلك، لأنه كان في حجر الأسود بن عبد يغوث و تبناه فنسب إليه. ثم عباد بن بشر و سعيد بن زيد، ثم تلاحقت به الفرسان، و أمر عليهم سعيد بن زيد. و قيل المقداد و جزم به الدمياطي (رحمه اللّه)، أي و يدل له قول حسان رضي اللّه عنه في وصف هذه الغزوة:

غداة فوارس المقداد

لكن في السيرة الشامية أن سعيد بن زيد رضي اللّه عنه غضب على حسان و حلف لا يكلّمه أبدا و قال انطلق إلى خيلي فجعلها للمقداد، و إن حسان رضي اللّه عنه اعتذر إلى سعد بأن الروي وافق في اسم المقداد و ذكر أبياتا يرضى بها سعيد بن زيد فلم يقبل منه سعيد ذلك، و هذا يدل للأول.

و عقد (صلى اللّه عليه و سلم) لذلك الأمير لواء في رمحه. ثم قال له: اخرج في طلب القوم حتى ألحقك بالناس، فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا بهم و كان شعارهم يومئذ «أمت أمت» و أول فارس لحق بهم محرز بن نضلة، و يقال له الأخرم الأسدي، و وقف لهم بين أيديهم، و قال لهم: يا معشر بني اللكيعة: أي اللئيمة قفوا حتى يلحق بكم من وراءكم من المهاجرين و الأنصار، فحمل عليه شخص من المشركين فقتله.

و عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه أنه قال: ثم إن القوم جلسوا يتغدون و جلست على رأس قرن جبل، فقال لهم رجل أتاهم: من هذا؟ قالوا لقينا من هذا البرح حتى انتزع كل شي‏ء في أيدينا. قال: فليقم إليّ منكم أربعة فتوجهوا إليّ فهددتهم، أي فقد جاء عنه رضي اللّه عنه أنه قال لهم: هل تعرفونني؟ قالوا لا و من أنت؟ قلت أنا سلمة بن الأكوع، و الذي كرّم وجه محمد (صلى اللّه عليه و سلم) لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته، و لا يطلبني فيدركني، قال بعضهم إنا نظن ذلك فرجعوا.

قال: فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يؤمهم الأخرم الأسدي. فلما رأيت الأخرم الأسدي أوّل الفرسان، نزلت من الجبل و أخذت بعنان فرسه، و قلت له: احذر القوم لا يقتطفوك حتى يلحق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه، فقال: يا سلمة إن كنت تؤمن باللّه و اليوم الآخر و تعلم أن الجنة حق و أن النار حق، فلا تحل بيني و بين الشهادة، فخليت عنه، فالتقى هو و عبد الرحمن بن عيينة فعقر

8

فرس عبد الرحمن و طعنه عبد الرحمن فقتله و تحول على فرسه، فلحق عبد الرحمن أبو قتادة رضي اللّه عنه، فعقر عبد الرحمن فرس أبي قتادة فقتله أبو قتادة و تحول أبو قتادة رضي اللّه عنه إلى الفرس.

أقول: و لعل عبد الرحمن هذا هو حبيب بفتح الحاء المهملة و كسر الموحدة ابن عيينة، فإني لم أقف على ذكر عبد الرحمن هذا فيمن قتل من المشركين في هذه الغزوة، و إن أبا قتادة رضي اللّه عنه قتل حبيبا و غشاه ببرده كما سيأتي، إلا أن يقال جاز أن يكون له اسمان عبد الرحمن و حبيب، ثم رأيت الحافظ ابن حجر أشار إلى ذلك. و قيل قاتل محرز مسعدة الفزاري، و به جزم الحافظ الدمياطي، و ذكر أن قاتل حبيب المقداد بن عمرو، فقال: و قتل أبو قتادة مسعدة، فأعطاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فرسه و سلاحه. و قتل المقداد بن عمرو حبيب بن عيينة بن حصن و اللّه أعلم، و لم يقتل من المسلمين إلا محرز بن نضلة الذي هو الأخرم الأسدي، و كان رأى قبل ذلك بيوم أن سماء الدنيا فرجت و ما بعدها حتى انتهى إلى السماء السابعة، ثم انتهى إلى سدرة المنتهى، فقيل له: هذا منزلك، فعرضها على أبي بكر رضي اللّه عنه و كان من أعلم الناس بالتعبير كما تقدم، فقال له: أبشر بالشهادة، و أقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في المسلمين. و قد استعمل على المدينة ابن أم مكتوم رضي اللّه عنه. أي و استعمل على حرس المدينة سعد بن عبادة رضي اللّه عنه في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة، فإذا حبيب بفتح الحاء المهملة و كسر الموحدة مسجى: أي مغطى ببرد أبي قتادة، فاسترجع المسلمون، أي قالوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ [البقرة: الآية 156] و قالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ليس بأبي قتادة، و لكنه قتيل لأبي قتادة وضع عليه برده ليعرف أنه صاحبه أي القاتل له.

قال و في رواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال «و الذي أكرمني بما أكرمني به إن أبا قتادة على آثار القوم يرتجز، فخرج عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حتى كشف البرد عن وجهه المسجى فإذا وجه حبيب، فقال: اللّه أكبر، صدق اللّه و رسوله، يا رسول اللّه غير أبي قتادة».

و في لفظ «فخرج أبو بكر و عمر رضي اللّه عنهما حتى كشفا البرد» الحديث.

و قيل الذي قتله أبو قتادة و غشاه ببرده هو مسعدة قاتل محرز رضي اللّه عنه لا حبيب على ما تقدم.

ففي رواية أن أبا قتادة رضي اللّه عنه اشترى فرسا فلقيه مسعدة الفزاري فتفاوض معه، فقال له أبو قتادة: أما إني أسأل اللّه أن ألقاك و أنا عليها، قال: آمين، فلما أخذت اللقاح ركب تلك الفرس و سار، فلقي النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): امض يا أبا قتادة صحبك اللّه، قال: فسرت حتى هجمت على القوم، فرميت بسهم في‏

9

جبهتي، فنزعت قدحه و أنا أظن أني نزعت الحديدة، فطلع عليّ فارس و قال: لقد ألقانيك اللّه يا أبا قتادة، و كشف عن وجهه فإذا هو مسعدة الفزاري. فقال: أيما أحب إليك: مجالدة، أو مطاعنة، أو مصارعة؟ فقلت: ذاك إليك، فقال: صراع فنزل و علق بسيفه في شجرة و نزلت و علقت سيفي في شجرة و تواثبنا فرزقني اللّه الظفر عليه، فإذا أنا على صدره و إذا شي‏ء مس رأسي، فإذا سيف مسعدة قد وصلت إليه في المعالجة، فضربت بيدي إلى سيفه و جردت السيف، فلما رأى أن السيف وقع بيدي قال: يا أبا قتادة استحيني، قلت: لا و اللّه، قال: فمن للصبية؟ قلت: النار، ثم قتلته و أدرجته في بردي، ثم أخذت ثيابه فلبستها، ثم استويت على فرسه، فإن فرسي نفرت حيث تعالجنا، و ذهبت للقوم فعرقبوها، ثم ذهبت خلق القوم فحملت على ابن أخيه فدققت صلبه، فانكشف من معه عن اللقاح، فحبست اللقاح برمحي و جئت أحرسها، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أفلح وجهك يا أبا قتادة، أي فقلت: و وجهك يا رسول اللّه، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «أبو قتادة سيد الفرسان، بارك اللّه فيك يا أبا قتادة و في ولدك و ولد ولدك» و في لفظ «و في ولد ولدك» ا ه «أي و قال له (صلى اللّه عليه و سلم) ما هذا الذي بوجهك؟ قلت: سهم أصابني، فقال ادن مني فنزع السهم نزعا رفيقا، ثم بزق فيه و وضع راحته عليه، فو الذي أكرمه بالنبوة ما ضرب عليّ ساعة قط و لا قرح عليّ، و في رواية «و لا قاح» و في لفظ «قال لي: قتلت مسعدة؟ قلت نعم، ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم) يدعو لأبي قتادة: اللهم بارك في شعره و بشره» فمات أبو قتادة رضي اللّه عنه و هو ابن سبعين سنة و كأنه ابن خمس عشرة سنة «أي و أعطاه (صلى اللّه عليه و سلم) فرس مسعدة و سلاحه أي كما تقدم، و قال بارك اللّه لك فيه» و هذا السياق يدل على أن أبا قتادة رضي اللّه عنه انفرد عن الصحابة و تقدمهم، و تخلف مسعدة عن قومه مدة مصارعة أبي قتادة له و قتله، و لا مانع من ذلك، و قيل استنقذوا نصف اللقاح، أي عشرة و فيها جمل أبي جهل الذي غنمه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم بدر، و أفلت القوم بالعشرة الأخرى. أي و لا ينافيه ما تقدم من قول أبي قتادة: فانكشفوا عن اللقاح و جئت أحرسها، لأن المراد جملة من اللقاح، لكنه مخالف لما تقدم عن سلمة رضي اللّه عنه من قوله: ما زلت أرشقهم؟

يعني القوم حتى ما خلق اللّه من بعير من ظهر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلا خلفته وراء ظهري و خلوا بينهم و بينه فليتأمل، و سار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى نزل بالجبل من ذي قرد بناحية خيبر و تلاحق به الناس، أي و قال له سلمة بن الأكوع يا رسول اللّه إن القوم عطاش فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما بقي في أيديهم من السرح و أخذت بأعناق القوم.

أي و قد يقال لا يخالف هذا ما تقدم من قوله حتى ما خلق اللّه من بعير من ظهر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلا خلفته وراء ظهري و خلوا بينهم و بينه، لجواز أن يكون صدر

10

عنه ما تقدم لظنه أن ذلك هو جميع اللقاح التي أخذت، ثم تحقق أن الذي استنقذه هو و أبو قتادة جملة منها، و ما في البخاري من قوله «و استنقذوا اللقاح كلها» يجوز أن يكون قائل ذلك ظن أن الذي استنقذ من أيدي القوم هو جميع ما أخذوه من اللقاح، كما أن سلمة رضي اللّه عنه اعتقد أن جميع اللقاح التي أخذت هي التي جعلها خلف ظهره كما تقدم فكل من سلمة و أبي قتادة خلف نصف اللقاح التي هي العشرة التي خلصت من أيدي القوم.

و في رواية عن سلمة قال «قلت يا رسول اللّه ابعث معي فوارس لندرك القوم، فقال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد أن ضحك (صلى اللّه عليه و سلم): ملكت فأسجح» أي فارفق، و المعنى قدرت فاعف، و إنما كانوا عطاشا لأن سلمة رضي اللّه عنه ذكر أنه تبعهم إلى قبيل غروب الشمس، إلى أن عدلوا إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد، فنحاهم: أي طردهم عنه و منعهم الشرب منه، و تركوا فرسين و جاء بهما سلمة رضي اللّه عنه يسوقهما إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لعل هذا كان من سلمة رضي اللّه عنه بعد أن رجعت الصحابة عنهم و استمر يتبعهم، و قال له (صلى اللّه عليه و سلم) شخص: يا رسول اللّه القوم الآن يغبقون بأرض غطفان، أي يشربون اللبن بالعشي الذي هو الغبوق، فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها و خرجوا هرابا، و لما نزل (صلى اللّه عليه و سلم) بالمحل المذكور لم تزل الخيل تأتي و الرجال على أقدامهم و على الإبل حتى انتهوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و مكث يوما و ليلة، أي و عن سلمة رضي اللّه عنه: و أتاني عمي عامر بن الأكوع بسطيحة فيها ماء و سطيحة فيها لبن فتوضأت و شربت ثم أتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الماء الذي أجليتهم عنه، فإذا هو (صلى اللّه عليه و سلم) قد أخذ كلّ شي‏ء استنقذته منهم، و نحر لهم بلال رضي اللّه عنه ناقته.

و لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون (صلى اللّه عليه و سلم) ذهب إلى الماء بعد أن كان مكثه بالجبل المذكور، و صلى (صلى اللّه عليه و سلم) بالناس صلاة الخوف، أي الخوف أن العدو يجي‏ء إليهم، و لعل هذه هي صلاة بطن نخل، و هي على ما رواه الشيخان «أنه جعل القوم فرقتين، و صلاها مرتين كل مرة بفرقة و الأخرى تحرس» أي تكون في وجه العدو، أي في المحل الذي يظن مجيئهم منه، و ذلك كان لغير جهة القبلة، و إلا فالعدو لم يكن يمر أي منهم و هذه الصلاة لم ينزل بها القرآن.

أقول: لكن رأيت في الإمتاع «و صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يومئذ صلاة الخوف، فقام إلى القبلة، و صفّ طائفة خلفه و طائفة مواجهة العدو، و صلى بالطائفة التي خلفه ركعة و سجد سجدتين، ثم انصرفوا فقاموا مقام أصحابهم، و أقبل الآخرون، فصلى بهم ركعة و سجد سجدتين و سلم، فكان لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ركعتان و لكل رجل من الطائفتين ركعة» و لا يخفى أن هذه الكيفية هي صلاة عسفان، و اللّه أعلم.

11

و لما أصبح (صلى اللّه عليه و سلم) قال «خير فرساننا أبو قتادة، و خير رجالتنا سلمة رضي اللّه عنهما».

و عند خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) و تلاحق بعض الفرسان به؛ قال لأبي عياش «لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك للحق بالناس، قال أبو عياش: فقلت: يا رسول اللّه إني أفرس الناس، قال أبو عياش: فو اللّه ما جرى بي خمسين ذراعا حتى طرحني فعجبت لذلك، و قسم (صلى اللّه عليه و سلم) في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها و كانوا خمسمائة، و قيل سبعمائة. و بعث سعد بن عبادة رضي اللّه عنه بأحمال تمر و بعشر جزائر، فوافت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بذي قرد، أي و قال (صلى اللّه عليه و سلم): اللهم ارحم سعدا و آل سعد، نعم المرء سعد بن عبادة، فقالت الأنصار: هو سيدنا و ابن سيدنا، من بيت يطعمون في المحل، و يحملون الكل، و يحملون عن العشيرة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا في الدين» و أقبلت امرأة أبي ذر رضي اللّه عنهما على ناقة من إبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي من جملة اللقاح و هي القصوى، أفلتت من القوم فطلبوها فأعجزتهم، و في لفظ: و انفلتت المرأة من الوثاق ليلا فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى انتهت إلى العضباء، فلم ترغ فقعدت على عجزها ثم زجرتها و علموا بها فطلبوها فأعجزتهم، و نذرت إن نجاها اللّه عز و جل لتنحرنها، فلما أخبرت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) الخبر، قالت: يا رسول اللّه قد نذرت أن أنحرها إن نجاني اللّه عليها، أي و آكل من كبدها و سنامها، فتبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: بئسما جزيتها أن حملك: أي لأجل أن حملك اللّه عليها و نجاك بها ثم تنحرينها «لا نذر في معصية اللّه و لا فيما لا تملكين» و في لفظ «لا وفاء لنذر في معصية اللّه، و لا فيما لا يملك ابن آدم، إنما هي ناقة من إبلي، ارجعي إلى أهلك على بركة اللّه تعالى، و رجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة» أي و هذا السياق يدل على أن المرأة قدمت عليه (صلى اللّه عليه و سلم) بتلك الناقة قبل قدومه المدينة.

و في السيرة الهشامية «أنها قدمت عليه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة فأخبرته الخبر، ثم قالت: يا رسول اللّه إني نذرت للّه» الحديث، و هو يخاف ما يأتي من قوله: و رجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو على ناقته العضباء.

أي و لعل ما في الأوسط للطبراني بسند ضعيف عن النواس بن سمعان رضي اللّه عنه «أن ناقة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سرقت، فقال: لئن ردّها اللّه عليّ لأشكرن ربي، و قد وقعت في حيّ من أحياء العرب فيهم امرأة مسلمة، فرأت من القوم غفلة فقعدت عليها فصبحت المدينة» إلى آخره لا ينافي ما هنا لجواز تعدد الواقعة.

«و رجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو على ناقته العضباء مردفا سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه، و قد غاب عنها خمس ليال، و أعطى (صلى اللّه عليه و سلم) سلمة بن الأكوع سهم الراجل‏

12

و الفارس جميعا» أي مع كونه كان راجلا.

و هذا استدل به من يقول إن للإمام أن يفاضل في الغنيمة، و هو مذهب أبي حنيفة و إحدى الروايتين عن أحمد. و عند مالك و إمامنا الشافعي رضي اللّه عنهما لا يجوز، و لعله لعدم صحة ذلك عندهما، و تبعت في تقديم هذه الغزوة على غزوة الحديبية الأصل، و هو الموافق لقول بعضهم: أجمع أهل السير على أن غزوة الغابة قبل الحديبية، و لقول أبي العباس شيخ القرطبي صاحب التذكرة و التفسير: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، و الشمس الشامي ذكرها بعد الحديبية تبعا لما في صحيح البخاري أنها بعد الحديبية و قبل خيبر بثلاثة أيام، و في مسلم نحوه. ففيه عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه «فرجعنا: أي من غزوة ذي قرد إلى المدينة، فلم نلبث إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر».

و يؤيده قول الحافظ شمس الدين ابن إمام الجوزية: قد و هم جماعة من أصحاب المغازي و السير فذكروا غزوة الغابة قبل الحديبية؛ قال الحافظ ابن حجر: ما في البخاري أصح مما ذكره أهل السير.

قال: و يحتمل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللقاح، أي في الغابة وقعت مرتين، مرة قبل الحديبية، و مرة بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر، أي و يلزم أن يكون في كل كان خروجه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أن أوّل من علم بأخذ اللقاح سلمة بن الأكوع. و وقع له (صلى اللّه عليه و سلم) و لأصحابه ما تقدم، هذا حقيقة التكرار و إلا فهل الذي خرج فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و وقع فيها لسلمة و لغيره من الصحابة ما وقع كانت أولا أو ثانيا؟ فليتأمل، ثم رأيت عن الحاكم (رحمه اللّه تعالى) أنه ذكر في الإكليل أن الخروج إلى ذي قرد تكرر أي ثلاث مرات؛ ففي الأولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد، و في الثانية خرج إليها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سنة خمس، و الثالثة هي المختلف فيها، أي و معلوم أن هذه المختلف فيها خرج إليها (صلى اللّه عليه و سلم) فليتأمل، و اللّه تعالى أعلم.

غزوة الحديبية

بالتخفيف تصغير حدباء و على التشديد عامة الفقهاء و المحدثين؛ و أشار بعضهم إلى أنه لم يسمع من فصيح، و من ثم قال النحاس: سألت كل من لقيت ممن أثق بعلمه عن الحديبية، فلم يختلفوا في أنها بالتخفيف.

و في كلام بعضهم: أهل الحديث يشددون، و أهل العربية يخففون. و في كلام بعض آخر: أهل العراق يشددون؛ و أهل الحجاز يخففون، و هي بئر، و قيل شجرة سمي المكان باسمها، و قيل قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم.

13

قال: و سببها أنه (صلى اللّه عليه و سلم) رأى في النوم أنه دخل مكة هو و أصحابه آمنين محلقين رءوسهم و مقصرين، أي بعضهم محلق و بعضهم مقصر؛ و أنه دخل البيت و أخذ مفتاحه و عرّف مع المعرفين انتهى، أي و طاف هو و أصحابه؛ و اعتمر و أخبر بذلك أصحابه ففرحوا، ثم أخبر أصحابه أنه يريد الخروج للعمرة فتجهزوا للسفر، فخرج (صلى اللّه عليه و سلم) معتمرا ليأمن الناس: أي أهل مكة و من حولهم من حربه، و ليعلموا أنه (صلى اللّه عليه و سلم) إنما خرج زائر للبيت و معظما له.

و كان إحرامه (صلى اللّه عليه و سلم) بالعمرة من ذي الحليفة، أي بعد أن صلى بالمسجد الذي بها ركعتين و ركب من باب المسجد و انبعثت به راحلته مستقبل القبلة؛ أحرم و أحرم معه غالب أصحابه، و منهم من لم يحرم إلا بالجحفة، أي و كان خروجه في ذي القعدة، و قيل كان خروجه في رمضان و هو غريب، و لفظ تلبيته (صلى اللّه عليه و سلم) «لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك».

و استعمل (صلى اللّه عليه و سلم) على المدينة الشريفة نميلة بن عبد اللّه الليثي، أي و قيل ابن أم مكتوم، و قيل أبا رهم كلثوم بن الحصين. أي و قيل استخلف أبا رهم مع ابن أم مكتوم جميعا، فكان ابن أم مكتوم على الصلاة، و كان أبو رهم حافظا للمدينة، و كان خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد أن استنفر العرب و من حوله من أهل البوادي من الأعراب، ممن أسلم غفار و مزينة و جهينة و أسلم- القبيلة المعروفة- خشية من قريش أن يحاربوه و أن يصدّوه عن البيت كما صنعوا فتثاقل كثير منهم و قالوا أ نذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة و قتلوا أصحابه فنقاتلهم، و اعتلوا بالشغل بأهاليهم و أموالهم، و أنه ليس لهم من يقوم بذلك، فأنزل اللّه تعالى تكذيبهم في اعتذارهم بقوله‏ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ‏ [الفتح: الآية 11].

و خرج (صلى اللّه عليه و سلم) بعد أن اغتسل ببيته، و لبس ثوبين، و ركب راحلته القصوى من عند بابه، و خرج معه أم سلمة و أم عمارة و أم منيع و أم عامر الأشهلية رضي اللّه عنهن، و معه المهاجرون و الأنصار و من لحق بهم من العرب، و أبطأ عليه كثير منهم كما تقدم، و ساق معه الهدي سبعين بدنة، أي و قد جللها، أي في ذي الحليفة بعد أن صلى بها الظهر، ثم أشعر منها عدة و هي موجهات للقبلة في الشق الأيمن: أي من سنامها. ثم أمر (صلى اللّه عليه و سلم) ناجية بن جندب و كان اسمه ذكوان فغير رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اسمه و سماه ناجية لما أنه نجا من قريش. فأشعر ما بقي و قلدهن نعلا نعلا، و أشعر المسلمون بدنهم و قلدوها. و الإشعار جرح بصفحة سنامها. و التقليد أن تقلد في عنقها قطعة جلد أو نعل بالية ليعلم أنه هدي فيكف الناس عنه، و كان الناس سبعمائة رجل فكانت كل بدنة عن عشرة، و قيل كانوا أربع عشرة مائة، و قيل خمس عشرة و قيل ست عشرة، و قيل كانوا ألفا و ثلاثمائة، و قيل و أربعمائة، و قيل و خمسمائة

14

و خمسة و عشرين، أي و قيل ألف و سبعمائة أي و ليس معهم سلاح إلا السيوف في القرب، و قال له عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: أ تخشى يا رسول اللّه من أبي سفيان و أصحابه و لم تأخذ للحرب عدتها؟ فقال: لست أحب أن أحمل السلاح معتمرا و كان معهم مائتا فرس فأقبلوا نحوه (صلى اللّه عليه و سلم) أي في بعض المحالّ، و كان بين يديه (صلى اللّه عليه و سلم) ركوة يتوضأ منها، فقال: ما لكم؟ قالوا: يا رسول اللّه ليس عندنا ماء نشربه و لا ماء نتوضأ منه إلا ما في ركوتك، فوضع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه الشريفة أمثال العيون، أي و في لفظ: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه الشريفة. و في لفظ آخر: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه» و في لفظ آخر «فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه» و استدل به بعضهم على أن الماء خرج من نفس بشرته الشريفة (صلى اللّه عليه و سلم). قال أبو نعيم في الحلية: و هو أعجب من نبع الماء لموسى (صلى اللّه عليه و سلم) من الحجر، فإن نبعه من الحجر متعارف معهود، و أما من بين اللحم و الدم فلم يعهد.

قال بعضهم: و إنما لم يخرجه (صلى اللّه عليه و سلم) بغير ملابسة ماء في إناء تأدبا مع اللّه تعالى، لأنه المنفرد بابتداع المعدومات من غير أصل. قال جابر رضي اللّه عنه: فشربنا و توضأنا و لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.

فلما كانوا بعسفان جاء إليه (صلى اللّه عليه و سلم) بشر بن سفيان العتكي، أي و قد كان (صلى اللّه عليه و سلم) أرسله إلى مكة عينا له، فقال: يا رسول اللّه هذه قريش قد سمعت بخروجك و استنفروا من أطاعهم من الأحابيش؛ و أجلبت ثقيف معهم و معهم النساء و الصبيان. و في لفظ:

يخرجون و معهم العوذ المطافيل، أي النياق ذوات اللبن التي معها أولادها ليتزودوا بذلك، و لا يرجعون خوف الجوع.

قال السهيلي: أو العوذ جمع عائذ و هي الناقة التي معها ولدها و إنما قيل للناقة عائذ و إن كان الولد هو الذي يعوذ بها، لأنها عاطف عليه كما قالوا تجارة رابحة و إن كانت مربوحا فيها لأنها في معنى نامية و زاكية، هذا كلامه: أو العوذ المطافيل النساء معهن أطفالهن، أي أنهم خرجوا بنسائهم معهن أولادهن ليكون أدعى لعدم الفرار.

أي و يجوز أن يكونوا خرجوا بذلك جميعه و قد لبسوا جلود النمر: أي أظهروا العداوة و الحقد، و قد نزلوا بذي طوى يعاهدون اللّه أن لا يدخلها عليهم عنوة أبدا، و هذا خالد بن الوليد- أي رضي اللّه عنه لأنه أسلم بعد ذلك- في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم، أي و كانت مائتي فرس، أي و قد صفت إلى جهة القبلة، فأمر (صلى اللّه عليه و سلم) عباد بن بشر رضي اللّه عنه فتقدم في خيله، فقام بازاء خالد وصف أصحابه رضي اللّه عنهم، أي و حانت صلاة الظهر، فأذن بلال رضي اللّه عنه و أقام، فاستقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) القبلة وصف الناس خلفه فركع بهم و سجد ثم سلم، فقال المشركون:

لقد أمكنكم محمد و أصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟.

15

و في لفظ قال خالد بن الوليد رضي اللّه عنه: قد كانوا على غرة لو حملنا عليهم أصبنا منهم، و لكن تأتي الساعة صلاة أخرى هي أحب إليهم من أنفسهم و أبنائهم: أي التي هي صلاة العصر، و بهذا استدل على أنها الصلاة الوسطى، و استدل له أيضا بأنه كان في أول ما أنزل حافظوا على الصلوات و صلاة العصر ثم نسخ ذلك أي تلاوته بقوله تعالى‏ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏ [البقرة: الآية 238] فنزل جبريل (عليه السلام) بين الظهر و العصر لقوله تعالى‏ وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ‏ [النّساء: الآية 102] الآيات، و هذا يدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى بهم جميعا حتى عباد بن بشر و أصحابه جميعا الذين قاموا بازاء خالد رضي اللّه عنهم، و حانت صلاة العصر فصلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأصحابه صلاة الخوف: أي على ما ذكره اللّه تعالى، فلما جعل المسلمون يسجد بعضهم و بعضهم قائم ينظر إليهم، قال المشركون: لقد أخبروا بما أردناه بهم، و لعل الصلاة هي صلاة عسفان، لأن كراع الغميم بالقرب منه كما تقدّم، و هي على ما رواه مسلم «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صفهم صفين و أنه أحرم بهم و ركع و اعتدل بهم جميعا ثم لما سجد سجد معه الصف الأول سجدتيه و تخلف الصف الثاني في اعتداله للحراسة، فلما قام و قام معه من سجد سجد الصف الثاني و لحقه في القيام و تقدم الصف الثاني و تأخر الصف الأول ثم ركع و اعتدل بهم جميعا ثم سجد و سجد معه الصف الثاني الذي تقدم، و استمر الصف الأول الذي تأخر على الحراسة في اعتداله، فلما جلس للتشهد أتموا بقية صلاتهم و جلسوا معه للتشهد، فتشهد و سلم بهم جميعا» و على هذه الصلاة حمل أئمتنا ما جاء:

«فرضت الصلاة في الخوف ركعة» أي أنها ركعة مع الإمام و يضم إليها أخرى.

ثم رأيت في الدر المنثور التصريح بأن هذه الصلاة هي صلاة عسفان. عن ابن عياش الزرقي قال «كنا مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد رضي اللّه عنه و هم بيننا و بين القبلة، فصلى بنا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) الظهر، فقالوا: قد كانوا على حالة غرة» الحديث المتقدّم.

و اشترط أئمتنا في هذه الصلاة، و هي إذا كان العدو في جهة القبلة و لا ساتر أن يكون كل صف مقاوما للعدو و أن كل واحد لاثنين و إلا لم تصح الصلاة لما فيه من التغرير بالمسلمين و لعل صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) بالصفين كانت كذلك، و هذه الصلاة لم ينزل بها القرآن كصلاة بطن نخل، فعلم أن القرآن لم ينزل إلا بصلاة ذات الرقاع و بصلاة شدة الخوف، و لم أقف على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى صلاة شدة الخوف و هي أن يلتحم القتال أو لم يأمنوا هجوم العدو.

و لما سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأن قريشا تريد منعه عن البيت قال: أشيروا عليّ أيها الناس، أ تريدون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ فقال أبو بكر: يا رسول اللّه خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد و لا حربا، فتوجه له فمن صدنا عنه‏

16

قاتلناه، أي و في الإمتاع: فقال المقداد رضي اللّه عنه يا رسول اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى‏ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24) [المائدة: الآية 24] و لكن اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، و اللّه يا رسول اللّه لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ما بقي منا رجل، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

فامضوا على اسم اللّه فساروا؛ ثم قال: يا ويح قريش نهكتهم الحرب: أي أضعفتهم. و في لفظ: أكلتهم الحرب ما ذا عليهم لو خلوا بيني و بين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، و إن أظهرني اللّه عليهم دخلوا في الإسلام وافرين: أي كاملين، و إن لم يفعلوا قاتلوا و بهم قوة، فما تظن قريش؟ فو اللّه لا أزال أجاهد على الذين بعثني اللّه به حتى يظهره اللّه أو تنفر هذه السالفة: أي و هي صفحة العنق، فهو كناية عن القتل. ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): هل من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول اللّه، أي و يقال إنه ناجية بن جندب رضي اللّه عنه، فسلك بهم طريقا و عرا. فلما خرجوا منه و قد شق عليهم ذلك و أفضوا إلى أرض سهلة، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) للناس: قولوا نستغفر اللّه و نتوب إليه، فقالوا ذلك، فقال: و اللّه إنها: أي قول أستغفر اللّه للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها.

ثم إن خالدا رضي اللّه عنه لم يشعر بهم إلا و قد نزلوا بذلك المحل، فانطلق نذيرا لقريش.

و قد جاء في تفسير الحطة أنها المغفرة: أي طلب المغفرة: أي اللهم حط عنا ذنوبنا، و هذا هو المناسب لقوله (صلى اللّه عليه و سلم) «قولوا نستغفر اللّه» إلى آخره.

و جاء في تفسيرها أيضا أنها لا إله إلا اللّه، فلم يقولوا حطة؛ بل قالوا حنطة حبة حمراء فيها شعيرة سوداء استهزاء و جراءة على اللّه تعالى.

و في البخاري: فقيل لبني إسرائيل‏ وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ‏ [البقرة: الآية 58] فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم، أي أدبارهم و قالوا حطة في شعيرة، و قد جاء «أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل، من دخله غفر له الذنوب» أي المذكورة في قوله تعالى‏ وَ ادْخُلُوا الْبابَ‏ [البقرة: الآية 58] أي باب أريحاء بلد الجبارين‏ سُجَّداً: أي خاضعين متواضعين‏ وَ قُولُوا حِطَّةٌ [البقرة: الآية 58] أي حط عنا خطايانا.

قال بعضهم: فكما جعل اللّه لبني إسرائيل دخولهم الباب على الوجه المذكور سببا للغفران، فكذا حب أهل البيت سبب للغفران.

ثم أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الناس أن يسلكوا طريقا تخرجهم على مهبط الحديبية من أسفل مكة فسلكوا ذلك الطريق، فلما كانوا به: أي بالثنية التي يهبط عليهم منها

17

بركت ناقته (صلى اللّه عليه و سلم)، أي القصوى، فقال الناس: حل حل، فألحت: أي تمادت و استمرت على عدم القيام، فقالوا: خلأت القصوى: أي حرنت، يقال خلأت الناقة و ألحّ الجمل بالخاء المعجمة فيهما، و حرن الفرس، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «ما خلأت و ما هو لها بخلق» و في لفظ: «ما ذاك لها بعادة و لكن حبسها حابس الفيل عن مكة:

أي منعها اللّه عن دخول مكة: أي علم (صلى اللّه عليه و سلم) أن ذلك صدّ له من اللّه عن مكة أن يدخلها قهرا، «و الذي نفس محمد بيده لا تدعني قريش اليوم إلى حطة» أي خصلة «يسألون فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» أي و في رواية «فيها تعظيم حرمات اللّه تعالى إلا أعطيتهم إياها» أي من ترك القتال في الحرم، و الكفّ عن إراقة الدم «ثم زجرها (صلى اللّه عليه و سلم) فقامت، فولى راجعا عوده على بدئه، ثم قال للناس: انزلوا فقالوا: يا رسول اللّه ما بالوادي ماء ينزل عليه، فأخرج (صلى اللّه عليه و سلم) سهما من كنانته فأعطاه ناجية بن جندب رضي اللّه عنه سائق بدن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أو البراء بن عازب رضي اللّه عنه، أو خالد بن عبادة الغفاري فنزل في قليب فغرزه في جوفه، فجاش: أي علا و ارتفع بالرواء: أي الماء العذب حتى ضرب الناس عليه بعطن» و في لفظ «حتى صدروا عنها بعطن»: أي حتى رووا و رويت إبلهم حتى بركت حول الماء لأن عطن الإبل مباركها.

قال: و لما نزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأقصى الحديبية على ثمد: و هو حفرة فيها ماء من ثمادها قليل الماء يتربضه الناس تربضا أي يأخذونه قليلا قليلا، ثم لم يلبث الناس حتى نزحوه فاشتكى الناس إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قلة الماء. و في لفظ: العطش أي و كان الحر شديدا، فنزع (صلى اللّه عليه و سلم) سهما من كنانته و دفعه للبراء فقال: اغرز هذا السهم في بعض قليب الحديبية ففعل، و القليب جافّ، فجاش الماء، و قيل دفعه لناجية بن الأعجم.

فعنه رضي اللّه عنه، قال: «دعاني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين شكي إليه قلة الماء فأخرج سهما من كنانته و دفعه إليّ، و دعا بدلو من ماء البئر فجئت به، فتوضأ فمضمض ثم مج الماء في الدلو. ثم قال: انزل بالدلو في البئر و أثر ماءها بالسهم ففعلت، فو الذي بعثه بالحق ما كدت أخرج حتى يغمرني الماء، و فارت كما يفور القدر حتى طمت و استوت بشفيرها، يغترفون من جوانبها حتى نهلوا عن آخرهم، و على البئر نفر من المنافقين منهم عبد اللّه بن أبي ابن سلول، فقال له أوس بن خولي رضي اللّه عنه: ويحك يا أبا الحباب، ما آن لك تبصر ما أنت عليه؟ أبعد هذا شي‏ء؟

فقال: إني رأيت مثل هذا فقال له أوس رضي اللّه عنه: قبحك اللّه و قبح رأيك، ثم أقبل: أي عبد اللّه المذكور إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا أبا الحباب أني رأيت؟ أي كيف رأيت مثل ما رأيت اليوم؟ قال: ما رأيت مثله قط، قال: فلم‏

18

قلت ما قلت؟ فقال: يا رسول اللّه استغفر لي، و قال ابنه عبد اللّه: يا رسول اللّه استغفر له فاستغفر له. و في لفظ: كنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالحديبية أربع عشرة مائة و الحديبية بئر نتبرضها» من البرض: هو الماء الذي يقطر قليلا قليلا «فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض و دعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ماشيتنا و ركابنا. و في لفظ: فرفعت إليه الدلو فغمس يده فيها فقال ما شاء اللّه أن يقول: ثم صب الدلو فيها، فلقد لقيت آخرنا أخرج بثوب خشية الغرق ثم ساحت نهرا» فليتأمل الجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها.

و قد يقال: لا مانع من وقوع جميع ذلك، لكن يبعد أن يكون ذلك في قليب واحد، قال بعضهم: فلما ارتحلوا أخذ البراء رضي اللّه عنه السهم فجف الماء كأن لم يكن هناك شي‏ء.

و في كلام هذا البعض: أن أبا سفيان قال لسهيل بن عمرو رضي اللّه عنهما: قد بلغنا أنه ظهر بالحديبية قليب فيه ماء فقم بنا ننظر إلى ما فعل محمد، فأشرفنا على القليب و العين تنبع تحت السهم، فقال: ما رأينا كاليوم قط، و هذا من سحر محمد قليل.

و فيه أنا أبا سفيان رضي اللّه عنه لم يكن حاضرا في الحديبية، و حمل ذلك على أن ذلك كان من أبي سفيان بعد ارتحاله (صلى اللّه عليه و سلم) من الحديبية ينافيه ما قدمه هذا البعض أن عند ارتحالهم من الحديبية رفع السهم و جف القليب، فلما اطمأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أتاه بديل بن ورقاء و كان سيد قومه رضي اللّه عنه فإنه أسلم بعد ذلك يوم الفتح، فكان من كبار مسلمة الفتح في رجال من خزاعة و كانت خزاعة، مسلمها و مشركها لا يخفون عليه (صلى اللّه عليه و سلم) شيئا كان بمكة، بل يخبرونه به و هو بالمدينة، و كانت قريش ربما تفطن لذلك، فسألوه ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا؛ و إنما جاء زائرا للبيت و معظما لحرمته.

و في المواهب أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لبديل ما تقدم من قوله «و إن قريشا قد نهكتهم الحرب إلى آخره» و إن بديلا رضي اللّه عنه قال له سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا جئناكم من عند هذا الرجل و سمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشي‏ء. و قال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول: قال سمعته يقول كذا و كذا: فحدثهم بما قال، هذا كلامه.

و الرواية المشهورة أن بديلا و من معه من خزاعة لما رجعوا إلى قريش فقالوا:

يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد و إن محمدا لم يأت لقتال و إنما جاء زائرا

19

لهذا البيت، فاتهموهم و جبهوهم: أي قابلوهم بما يكرهون، و قالوا إن كان جاء و لا يريد قتالا فو اللّه لا يدخلها علينا عنوة: أي قهرا أبدا، و لا تتحدث بذلك عنا العرب.

أي و في لفظ أنهم قالوا: أ يريد محمد أن يدخلها علينا في جنوده معتمرا تسمع العرب أنه قد دخل علينا عنوة و بيننا و بينه من الحرب ما بيننا، و اللّه لا كان هذا أبدا و منا عين تطرف، ثم بعثوا إليه (صلى اللّه عليه و سلم) مكرز بن حفص أخا بني عامر فلما رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مقبلا، قال: هذا الرجل غادر، أي و في رواية فاجر، فلما انتهى إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و كلمه قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) نحوا مما قال لبديل فرجع إلى قريش و أخبرهم بما قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

ثم بعثوا إليه (صلى اللّه عليه و سلم) الحليس بن علقمة و كان سيد الأحابيش يومئذ، و تقدم عن الأصل أن الأحابيش هم بنو الهون بن خزيمة، و بنو الحارث بن عبد مناف بن كنانة، و بنو المصطلق بن خزيمة، أي و أنه قيل لهم ذلك، لأنهم تحالفوا تحت جبل بأسفل مكة يقال له حبشي هم و قريش على أنهم يد واحدة على من عاداهم ما سجا ليل، و وضح نهار، و ما سار حبشي، فسموا «أحابيش قريش».

فلما رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: إن هذا من قوم يتألهون، أي يتعبدون و يعظمون أمر الإله. و في لفظ: يعظمون البدن. و في لفظ: يعظمون الهدي، ابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي يسيل عليه بقلائده من عرض الوادي بضم المهملة أي ناحيته، و أما ضد الطول فبفتح المهملة؛ قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله بكسر الحاء المهملة، موضعه الذي ينحر فيه من الحرم: أي يرجع الحنين، و استقبله الناس يلبون قد شعثوا؛ صاح و قال: سبحان اللّه ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت أبى اللّه أن يحج لخم و جذام و نهد و حمير و يمنع ابن عبد المطلب، هلكت قريش و رب الكعبة، إنما القوم أتوا عمارا أي معتمرين، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أجل يا أخا بني كنانة.

و قيل إنه بمجرد أن رأى هذا الأمر رجع إلى قريش، و لم يصل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إعظاما لما رأى، فقال لهم في ذلك، أي قال إني رأيت ما لا يحل منعه، رأيت الهدي في قلائده، قد أكل أوباره، أي معكوفا عن محله، و الرجال قد شعثوا و قملوا، فقالوا له: اجلس، إنما أنت أعرابي و لا علم لك، أي فما رأيت من محمد مكيدة، فعند ذلك غضب الحليس و قال: يا معشر قريش، و اللّه ما على هذا حالفناكم، و لا على هذا عاقدناكم، أ يصدّ عن بيت اللّه من جاءه معظما، و الذي نفس الحليس بيده لتخلنّ بين محمد و ما جاء له أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد فقالوا له: مه: أي كف يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.

ثم بعثوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عروة بن مسعود الثقفي رضي اللّه عنه فإنه أسلم‏

20

بعد ذلك، و هذا هو الذي شبهه (صلى اللّه عليه و سلم) بعيسى ابن مريم (عليه السلام)، و لما قتله قومه قال (صلى اللّه عليه و سلم) «مثله في قومه كصاحب يس» كما سيأتي ذلك، فقال: يا معشر قريش إني رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف و سوء اللفظ، و قد عرفتم أنكم والد و أني ولد، فقالوا صدقت. و هذا يدل على أن ذهاب عروة بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه إنما كان بعد تكرر الرسل من قريش إليه (صلى اللّه عليه و سلم).

و به يعلم ما في المواهب أن عروة لما سمع قريشا توبخ بديلا و من معه من خزاعة، قال: أي قوم، أ لستم بالوالد إلى آخره. و في لفظ: أ لستم كالوالد، أي كل واحد منكم كالوالد لي و أنا كالولد له، و قيل أنتم حي قد ولدني، لأن أمه سبيعة بنت عبد شمس، قالوا بلى قال: أو لست بالولد؟ قالوا بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا:

ما أنت عندنا بمتهم، فخرج حتى أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد جمعت أوباش: أي أخلاط الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك، أي أصلك و عشيرتك لتفضها بهم، إنها قريش، قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمر يعاهدون اللّه أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، و أيم اللّه لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك؛ أي انهزموا غدا. و في لفظ و اللّه لا أرى وجوها أي عظماء، و إني أرى أسرابا من الناس، خليقا أي حقيقا أن يفروا و يدعوك، و أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه جالس خلف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال له: اعضض بظر اللات. و البظر. قطعة تبقى في فرج المرأة بعد الختان، و قيل التي تقطعها الخاتنة، أ نحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال (صلى اللّه عليه و سلم): هذا ابن أبي قحافة، فقال: أما و اللّه لو لا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، أي على هذه الكلمة التي خاطبتني بها و لكن هذه بها. و في رواية: و اللّه لو لا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك بها، و تلك اليد التي كانت لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه عند عروة، هي أن عروة استعان في حمل دية فأعانه الرجل بالواحد من الإبل و الرجل بالاثنين. و أعانه أبو بكر رضي اللّه عنه بعشرة إبل شواب، ثم جعل عروة يتناول لحية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يكلمه، أي و هذه عادة العرب أن الرجل يتناول لحية من يكلمه خصوصا عند الملاطفة، و في الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كأنه (صلى اللّه عليه و سلم) إنما لم يمنعه من ذلك استمالة و تأليفا له، و المغيرة بضم الميم و كسرها ابن شعبة واقف على رأس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الحديد و عليه المغفر، فجعل يقرع يد عروة إذا تناول لحية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي بنعل السيف: و هو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها، و يقول: اكفف يدك عن وجه، و في رواية: عن مس لحية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن لا تصل إليك فإنه لا ينبغي لمشرك ذلك؛ و إنما فعل ذلك المغيرة رضي اللّه عنه إجلالا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لم ينظر لما هو عادة العرب، فيقول للمغيرة: ويحك ما أفظك و ما أغلظك، أي و ما أشدّ قولك.

21

و في رواية: فلما أكثر عليه غضب عروة و قال: ويحك ما أفظك و ما أغلظك، ليت شعري من هذا الذي آذاني من بين أصحابك، و اللّه إني لا أحسب فيكم ألأم منه و لا شرّ منزلة، فتبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، أي لأن عروة كان عم والد المغيرة، فالمغيرة يقول له يا عم، لأن كل قريب من جهة الأب يقال له عم، و ليس في الصحيح لفظ ابن أخيك فقال: أي غدر: أي يا غادر، و هل غسلت غدرتك. و في لفظ سوأتك و في لفظ: أ لست أسعى في غدرتك إلا بالأمس، و في لفظ: يا غدر، و اللّه ما غسلت عنك غدرتك بعكاظ إلا بالأمس، و قد أورثتنا العداوة من ثقيف إلى آخر الدهر.

قيل أراد عروة بذلك أنه الذي ستر غدر المغيرة بالأمس، لأن المغيرة رضي اللّه عنه قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلا من بني مالك من ثقيف، وفد هو و إياهم مصر على المقوقس بهدايا قال و كنا سدنة اللات: أي خدامها، و استشرت عمي عروة في مرافقتهم فأشار عليّ بعدم ذلك، قال: فلم أطع رأيه، فأنزلنا المقوقس في كنيسة للضيافة ثم أدخلنا عليه، فقدموا الهدية له، فاستخبر كبير القوم عني، فقال ليس منا، بل من الأحلاف فكنت أهون القوم عليه، فأكرمهم و قصر في حقي، فلما خرجوا لم يعرض عليّ أحد منهم مواساة فكرهت أن يخبروا أهلنا بإكرامهم و ازدراء الملك بي، فأجمعت قتلهم، و نزلنا محلا فعصبت رأسي، فعرضوا عليّ الخمر فقلت رأسي تصدع، و لكن أسقيكم فسقيتهم و أكثرت لهم بغير مزج حتى همدوا، فوثبت عليهم فقتلتهم جميعا، و أخذت كل ما معهم، و قدمت على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في مسجده، فسلمت عليه و قلت: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): الحمد للّه الذي هداك للإسلام يا مغيرة، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: من مصر قدمت؟ قلت نعم، قال: فما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ لأنهم من بني مالك، فقلت: كان بيني و بينهم ما يكون بين العرب و قتلتهم، و جئت بأسلابهم ليخمسها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أو يرى فيها رأيه، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): أما إسلامك فقبلته و لا آخذ من أموالهم شيئا و لا أخمسه، فإنه غدر و الغدر لا خير فيه، فقلت: يا رسول اللّه إنما قتلتهم و أنا على دين قومي ثم أسلمت، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) «الإسلام يجبّ ما قبله».

قال: و بلغ ذلك ثقيفا، فتداعوا للقتال و اصطلحوا على أن يحمل عمي عروة ثلاث عشرة دية.

و في رواية لما وردوا على المقوقس أعطى كل واحد منهم جائزة و لم يعط المغيرة شيئا فحقد عليهم، فلما رجعوا نزلوا منزلا و شربوا خمرا، و لما سكروا و ناموا وثب عليهم المغيرة فقتلهم و أخذ أموالهم و جاء و أسلم، فاختصم بنو مالك مع رهط المغيرة، و شرعوا في المحاربة، فسعى عروة في إطفاء نار الحرب و صالح بني مالك‏

22

على ثلاث عشرة دية و دفعها عروة.

و لما أسلم المغيرة قال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم) «أما الإسلام فأقبل، و أما المال فلست منه في شي‏ء» و فيه أن هذا مال حربي قصد أخذه و التغلب عليهم، إلا أن يقال هؤلاء مؤمنون منه، لأنهم اطمأنوا إليه.

أي و يذكر أن المغيرة بن شعبة هذا رضي اللّه عنه كان من دهاة العرب، و أحصن في الإسلام ثمانين امرأة، و يقال ثلاثمائة امرأة، و قيل ألف امرأة.

قيل لإحدى نساء المغيرة إنه لدميم أعور، فقالت: هو و اللّه عسيلة يمانية في ظرف سوء.

و لما ولي رضي اللّه عنه الكوفة أرسل يخطب بنت النعمان بن المنذر، فقالت لرسوله: قل له ما قصدت إلا أن يقال تزوّج المغيرة الثقفي بنت النعمان بن المنذر، و إلا فأيّ حظ لشيخ أعور في عجوز عمياء، و هذه هي القائلة لسعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه لما وفدت عليه و هو والي الكوفة و أكرمها في دعائها له: ملكتك يد افتقرت بعد غنى، و لا ملكتك يد استغنت بعد فقر، و لا جعل اللّه لك إلى لئيم حاجة، و لا أزال عن كريم نعمة إلا جعلك السبب في عودها إليه، إنما يكرم الكريم الكريم. و المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه أوّل من حيا سيدنا عمر رضي اللّه عنه بأمير المؤمنين.

و عند مجي‏ء عروة أخبر (صلى اللّه عليه و سلم) عروة بما أخبر به من تقدّم من أنه لم يأت لحرب، فقام من عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد رأى ما يصنع به أصحابه. لا يتوضأ: أي يغسل يديه إلا ابتدروا وضوءه؛ أي كادوا يقتتلون عليه، و لا يبصق بصاقا إلا ابتدروه: أي يدلك به من وقع في يده وجهه و جلده، و لا يسقط من شعره شي‏ء إلا أخذوه أي و إذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، و لا يحدّون النظر إليه تعظيما له (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه، و قيصر في ملكه، و النجاشي في ملكه، و اللّه ما رأيت ملكا في قومه قط مثل محمد في أصحابه. و لقد رأيت قوما لا يسلمونه لشي‏ء أبدا فروا رأيكم فإنه عرض عليكم رشدا فاقبلوا ما عرض عليكم، فإني لكم ناصح، مع أني أخاف أن لا تنصروا عليه، فقالت له قريش: لا تتكلم بهذا يا أبا يعفور، و لكن نرده عامنا هذا و يرجع إلى قابل، فقال: ما أراكم إلا ستصيبكم قارعة، ثم انصرف هو و من معه إلى الطائف.

و عروة هذا هو ابن مسعود الثقفي، و هو عظيم القريتين الذي عنته قريش بقولها لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏ [الزّخرف: الآية 31] و قيل المعنيّ بذلك الوليد بن المغيرة.

23

و يقال إن عروة هذا كان جدا للحجاج لأمه. و يدل لذلك كما يدل للأوّل ما حكى عن الشعبي أنه سأل الحجاج و هو والي العراق حاجة فاعتل عليه فيها، فكتب إليه: و اللّه لا أعذرك و أنت والي العراقين و ابن عظيم القريتين.

و دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خراش بن أمية الخزاعي رضي اللّه عنه، فبعثه إلى قريش، و حمله (صلى اللّه عليه و سلم) على بعير له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي عقره عكرمة بن أبي جهل، و أسلم بعد ذلك رضي اللّه عنه، و أرادوا قتله فمنعه الأحابيش، فخلوا سبيله حتى أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أخبره بما لقي. ثم دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ليبعثه ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول اللّه إني أخاف قريشا على نفسي، و ما بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، و قد عرفت قريش عداوتي إياها و غلظتي عليها، و لكن أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، أي فإن بني عمه يمنعونه. فدعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، فبعثه إلى أبي سفيان و أشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، و أنه لم يأت إلا زائرا لهذا البيت و معظما لحرمته، أي و لعل ذكر أبي سفيان من غلط بعض الرواة، لما تقدّم أنه لم يكن حاضرا بالحديبية: أي صلحها، و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) عثمان أن يأتي رجالا مسلمين بمكة و نساء مسلمات و يدخل عليهم و يبشرهم بالفتح و يخبرهم أن اللّه و شيك: أي قريب أن يظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإيمان.

و ذكر بعضهم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) بعث عثمان رضي اللّه عنه بكتاب لقريش: أي قيل فيه إنه ما جاء لحرب أحد، و إنما جاء معتمرا بدليل ما يأتي في ردّهم عليه. و قيل فيه ما وقع بين النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و سهيل بن عمر، و ليقع الصلح بينهم على أن يرجع في هذه السنة الحديث، و أنهم لما احتبسوه أمسك (صلى اللّه عليه و سلم) سهيل بن عمرو عنده كذا في شرح الهمزية لابن حجر، و قدمه على الأوّل فليتأمل.

فخرج عثمان بن عفان رضي اللّه عنه إلى مكة، و دخل مكة من الصحابة عشرة أيضا بإذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي ليزوروا أهاليهم لم أقف على أسمائهم، و لم أقف على أنهم هل دخلوا مع عثمان أم لا فلقيه قبل أن يدخل مكة أبان بن سعيد بن العاص رضي اللّه عنه فإنه أسلم بعد ذلك قبل خيبر، فأجاره حتى يبلغ رسالة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و جعله بين يديه، فجاء إلى أبي سفيان و عظماء قريش فبلغهم عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما أرسله به، أي و هم يردّون عليه إن محمدا لا يدخلها علينا أبدا، فلما فرغ عثمان من تبليغ رسالة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قالوا له: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. و في رواية:

قال له أبان إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

24

قال: و قال المسلمون: قد خلص عثمان إلى البيت فطاف به دوننا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ما أظنه طاف بالبيت و نحن محصورون، و قال: و ما يمنعه يا رسول اللّه و قد خلص إليه، قال: ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف، لو مكث كذا و كذا سنة ما طاف به حتى أطوف، فلما رجع عثمان و قالوا له في ذلك:

أي قالوا له طفت بالبيت، قال بئسما ظننتم بي، دعتني قريش إلى أن أطوف بالبيت فأبيت، و الذي نفسي بيده لو مكثت بها معتمرا سنة و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مقيما بالحديبية ما طفت حتى يطوف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ا ه.

و كانت قريش قد احتبست عثمان عندها ثلاثة أيام، فبلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن عثمان رضي اللّه عنه قد قتل، أي و كذا قتل معه العشرة رجال الذين دخلوا مكة أيضا؛ فقال (صلى اللّه عليه و سلم) عند بلوغه ذلك: لا نبرح حتى نناجز القوم: أي نقاتلهم، و دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الناس إلى البيعة، أي بعد أن قال لهم: إن اللّه أمرني بالبيعة. فعن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه: بينما نحن جلوس قائلون إذ نادى منادي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي و هو عمر بن الخطاب: أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس فاخرجوا على اسم اللّه، فسرنا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو تحت شجرة فبايعناه، أي و بايعه الناس على عدم الفرار، و أنه إما الفتح و إما الشهادة، و هذا هو المراد بما جاء في بعض الروايات، فبايعناه على الموت و لم يتخلف منا أحد إلا الجدّ بن قيس، قال: لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته يستتر بها من الناس. و قد قيل إنه كان يرمي بالنفاق، و قد نزل في حقه في غزوة: أي غزوة تبوك من الآيات ما يدل على ذلك كما سيأتي، و هو ابن عمة البراء بن معرور رضي اللّه عنه، و كان سيد بني سلمة بكسر اللام في الجاهلية، و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم) لبني سلمة: «من سيدكم؟ قالوا الجدّ بن قيس: أي على بخل فيه قال: و أيّ داء أدوأ من البخل؛ ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): بل سيدكم عمرو بن الجموح. و قيل قالوا: يا رسول اللّه من سيدنا؟ قال: سيدكم بشر بن البراء بن معرور و هذا قال ابن عبد البر إن النفس إليه أميل.

و مما يدل للأوّل ما أنشده شاعر الأنصار رضي اللّه عنهم من قوله:

و قال رسول اللّه و الحق قوله‏* * * لمن قال منا من تسموه سيدا

فقالوا له جد بن قيس على التي‏* * * نبخله فيها و إن كان أسودا

فتى ما يخطي خطوة لدنيئة* * * و لا مد يوما ما إلى سوأة يدا

فسود عمرو بن الجموح لجوده‏* * * و حق لعمرو بالندى أن يسودا

إذا جاءه السؤال أنهب ماله‏* * * و قال خذوه إنه عائد غدا

و لو كنت يا جد بن قيس على التي‏* * * على مثلها عمرو لكنت المسوّدا

25

أي و بايع (صلى اللّه عليه و سلم) عن عثمان فوضع يده على يده: أي وضع يده اليمنى على يده اليسرى، و قال: اللهم إن هذه عن عثمان فإنه في حاجتك و حاجة رسولك. أي و في لفظ قال: اللهم إن عثمان ذهب في حاجة اللّه و حاجة رسوله فأنا أبايع عنه، فضرب بيمينه شماله، و ما ذاك إلا أنه (صلى اللّه عليه و سلم) علم بعدم صحة القول بأن عثمان قد قتل أو أن ذلك كان بعد مجي‏ء الخبر له (صلى اللّه عليه و سلم) بأن القول بقتل عثمان رضي اللّه عنه باطل.

و فيه أنه حيث علم (صلى اللّه عليه و سلم) أن عثمان لم يقتل لا معنى للبيعة، لأن سببها كما علمت بلوغه الخبر أن عثمان قد قتل.

إلا أن يقال: سببها ما ذكر، و قتل العشرة من الصحابة، و يدل لذلك ما يأتي قريبا أن عثمان رضي اللّه عنه بايع بعد مجيئه من مكة فليتأمل، أي و بهذا يرد ما تمسك به بعض الشيعة في تفضيل علي (كرم اللّه وجهه) على عثمان رضي اللّه عنه، لأن عليا كان من جملة من بايع تحت الشجرة، و قد خوطبوا بقوله (صلى اللّه عليه و سلم) «أنتم خير أهل الأرض» فإنه صريح في تفضيل أهل الشجرة على غيرهم.

و أيضا عليّ حضر بدرا دون عثمان، و قد جاء مرفوعا «لا يدخل النار من شهد بدرا و الحديبية».

و حاصل الرد أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بايع عن عثمان مع الاعتذار عنه بأنه في حاجة اللّه و حاجة رسوله (صلى اللّه عليه و سلم)، و خلف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عثمان رضي اللّه عنه عن بدر لتمريض بنته (صلى اللّه عليه و سلم)، و أسهم له كما تقدم، فهو في حكم من حضرها، على أنه سيأتي أنه رضي اللّه عنه بايع تحت تلك الشجرة بعد مجيئه من مكة، و استدل بقوله (صلى اللّه عليه و سلم) «أنتم خير أهل الأرض» على عدم حياة الخضر عليه الصلاة و السلام حينئذ، لأنه يلزم أن يكون غير النبي أفضل منه، و قد قامت الأدلة الواضحة على ثبوت نبوته كما قاله الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه تعالى)، و قد أشار إلى امتناع عثمان رضي اللّه تعالى عنه من الطواف و إلى عدم صحة القول بأن عثمان قتل و إلى مبايعته (صلى اللّه عليه و سلم) عنه صاحب الهمزية بقوله (رحمه اللّه):

و أبى أن يطوف بالبيت إذ لم‏* * * يدن منه إلى النبي فناء

فجزته عنها بيعة رضوا* * * ن يد من نبيه بيضاء

أدب عنده تضاعفت الأع* * * مال بالترك حبذا الأدباء

أي و امتنع رضي اللّه عنه أن يطوف بالبيت لأجل أنه لم يقرب إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من البيت جانب، فجزته عن تلك الفعلة، و هي ذهابه إليهم و امتناعه من الطواف يد من نبيه عليه الصلاة و السلام تلك اليد البالغة في الكرم، و ذلك في بيعة الرضوان، و ذلك أدب عظيم عند عثمان رضي اللّه تعالى عنه حصل منه أمر عظيم مستغرب هو

26

تضاعف ثواب الأعمال التي تركها بسبب تركها، و هي الطواف.

و ذكر أن قريشا بعثت إلى عبد اللّه بن أبي ابن سلول إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل، فقال له ابنه عبد اللّه رضي اللّه عنه: يا أبت أذكرك اللّه أن لا تفضحنا في كل موطن، تطوف و لم يطف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأبى حينئذ، و قال: لا أطوف حتى يطوف رسول اللّه.

و في لفظ قال: إن لي في رسول اللّه أسوة حسنة، فلما بلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) امتناعه رضي اللّه عنه أثنى عليه بذلك.

و كانت البيعة تحت شجرة هناك، أي من أشجار السمر. أي و لما جاء عثمان رضي اللّه تعالى عنه بايع تحت تلك الشجرة، و قيل لها بيعة الرضوان، أي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» رواه مسلم و كانوا ألفا و أربعمائة على الصحيح.

و جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال «يا أيها الناس إن اللّه قد غفر لأهل بدر و الحديبية» و تقدم أن الواو بمعنى أو في حديث «لا يدخل النار من شهد بدرا و الحديبية» بدليل رواية مسلم هذه.

و من ثم قال ابن عبد البر (رحمه اللّه): ليس في غزواته (صلى اللّه عليه و سلم) ما يعدل بدرا أو يقرب منها إلا غزوة الحديبية. و الراجح تقديم غزوة أحد على غزوة الحديبية، و أنها التي تلي بدرا في الفضيلة. و أول من بايعه (صلى اللّه عليه و سلم) سنان بن أبي سنان الأسدي، كذا في الأصل أنه الصواب بعد أن حكي أن أول من بايع أبو سنان، أي و هو ما ذهب إليه في الاستيعاب حيث قال: الأكثر الأشهر أن أبا سنان أول من بايع بيعة الرضوان، أي لا ابنه سنان، و أبو سنان هذا هو أخو عكاشة بن محصن رضي اللّه عنه، و كان أكبر من أخيه عكاشة بعشرين سنة. و ضعفه في الأصل بأن أبا سنان رضي اللّه عنه مات في حصار بني قريظة و دفن بمقبرتهم، أي كما تقدم.

و لما بايعه سنان قال للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): أبايعك على ما في نفسك، قال: و ما في نفسي؟ قال: أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك اللّه أو أقتل، و صار الناس يقولون له (صلى اللّه عليه و سلم): نبايعك على ما بايعك عليه سنان.

و قيل أول من بايع عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، و قيل سلمة بن الأكوع.

قال: و ذكر أن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه بايع ثلاث مرات: أول الناس، و وسط الناس، و آخر الناس بأمره له (صلى اللّه عليه و سلم) في الثانية و الثالثة بعد قول سلمة له: قد بايعت، فيقول له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): و أيضا، و ذلك ليكون له في ذلك فضيلة، أي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) أراد أن يؤكد بيعته لعلمه بشجاعته و عنايته بالإسلام و شهرته في الثبات، أي‏

27

بدليل ما وقع له رضي اللّه عنه في غزوة ذي قرد بناء على تقدمها على ما هنا أو تفرس فيه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك بناء على تأخرها و بايع عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما مرتين.

أي و قد قيل في سبب نزول قوله تعالى‏ لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ‏ [المائدة: الآية 2] الآية أن المسلمين لما صدوا عن البيت بالحديبية، مر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة، فقال المسلمون: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل اللّه تعالى الآية: أي لا تصدوا هؤلاء العمار أن صدكم أصحابهم.

قال: و كان محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه على حرس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فبعثت قريش أربعين، و قيل خمسين رجلا عليهم مكرز بن حفص، أي و هو الذي بعثته قريش له (صلى اللّه عليه و سلم) ليسأله فيما جاء، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) في حقه: هذا رجل غادر، و في لفظ: رجل فاجر، ليطوفوا بعسكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ليلا رجاء أن يصيبوا منهم أحدا أو يجدوا منهم غرة: أي غفلة، فأخذهم محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه إلا مكرزا فإنه أفلت، و صدق فيه قول النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إنه رجل فاجر أو غادر كما تقدم، و أتى بهم إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فحبسوا، و بلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم حتى رموا المسلمين بالنبل و الحجارة، و قتل من المسلمين ابن زنيم رضي اللّه عنه، رمي بسهم.

فأسر المسلمون منهم اثني عشر رجلا.

و عند ذلك بعثت قريش إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جمعا، منهم سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال لأصحابه: سهيل أمركم، فقال سهيل: يا محمد إن الذي كان من حبس أصحابك، أي عثمان و العشرة رجال و ما كان من قتال من قاتلك لم يكن من رأي ذوي رأينا، بل كنا كارهين له حين بلغنا و لم نعلم به و كان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أولا و ثانيا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي، فقالوا نفعل، فبعث سهيل و من معه إلى قريش بذلك، فبعثوا بمن كان عندهم و هو عثمان و العشرة رجال، فأرسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أصحابهم انتهى.

و لما علمت قريش بهذه البيعة خافوا، و أشار أهل الرأي بالصلح على أن يرجع و يعود من قابل، فيقيم ثلاثا معه سلاح الراكب السيوف في القرب و القوس، فبعثوا سهيل بن عمرو أي ثانيا و معه مكرز بن حفص و حويطب بن عبد العزى إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ليصالحوه على أن يرجع في عامه هذا، لئلا تتحدث العرب بأنه دخل عنوة أي و أنه يعود من قابل، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مقبلا قال: أراد القوم الصلح حيث بعثوا هذا الرجل، أي ثانيا فلما انتهى سهيل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جثا على ركبتيه بين يديه (صلى اللّه عليه و سلم) و المسلمون حوله جلوس و تكلم فأطال، ثم تراجعا، أي و من جملة ذلك أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال له تخلوا بيننا و بين البيت فنطوف به، فقال له سهيل: و اللّه لا تتحدث العرب بنا أنا أخذنا ضغطة بالضم: أي بالشدة

28

و الإكراه، و لكن ذلك من العام القابل، ثم التأم الأمر بينهما على الصلح على ترك القتال إلى آخر ما يأتي، و لم يبق إلا الكتاب بذلك.

و عند ذلك وثب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فأتى أبا بكر رضي اللّه عنه، فقال له يا أبا بكر أ ليس هو برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ قال بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال بلى؛ قال: فعلام نعطي الدنية بفتح الدال و كسر النون و تشديد الياء: النقيصة و الخصلة المذمومة في ديننا؛ فقال له أبو بكر رضي اللّه عنه: يا عمر الزم غرزة: أي ركابه، و في رواية أنه قال له: أيها الرجل إنه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ليس يعصي ربه و هو ناصره، استمسك بغرزه حتى تموت، فإني أشهد أنه رسول اللّه، قال عمر رضي اللّه عنه: و أنا أشهد أنه رسول اللّه. ثم أتى عمر رضي اللّه عنه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له مثل ما قال لأبي بكر، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): أنا عبد اللّه و رسوله، لن أخالف أمره و لم يضيعني.

و لقي عمر رضي اللّه عنه من ذلك الشروط الآتي ذكرها أمرا عظيما، و جعل يردّ على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الكلام حتى قال له أبو عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنه: أ لا تسمع يا بن الخطاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول ما يقول، نعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، فجعل يتعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، حتى قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا عمر إني رضيت و تأبى؟ فكان عمر رضي اللّه عنه يقول: ما زلت أصوم و أتصدق و أصلي و أعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به حين رجوت أن يكون هذا خيرا.

هذا، و الذي في الإمتاع عكس ما هنا: أي أنه قال ما ذكر لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أولا، ثم لأبي بكر ثانيا، ثم دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه):

أي بعد أن كان أمر أوس بن خولة أن يكتب، فقال له سهيل: لا يكتب إلا ابن عمك عليّ أو عثمان بن عفان، فأمر عليا (كرم اللّه وجهه)، فقال: اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا: أي الرحمن الرحيم، و لكن اكتب باسمك اللهم، فكتبها لأن قريشا كانت تقولها. و أول من كتبها أمية بن أبي الصلت، و منه تعلموها، و تعلمها هو من رجل من الجن في خبر ذكره المسعودي، أي و إنما كتبها بعد أن قال المسلمون: و اللّه لا يكتب إلا بسم اللّه الرحمن الرحيم، فضج المسلمون.

و عن الشعبي (رحمه اللّه): كان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم، فكتب النبي أول ما كتب باسمك اللهم، و تقدم أنه كتب ذلك في أربع كتب حتى نزلت‏ بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها [هود: الآية 41] فكتب بسم اللّه، ثم نزلت‏ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ‏ [الإسراء: الآية 110] فكتب بسم اللّه الرحمن ثم نزلت‏ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (30) [النّمل: الآية 30] أي فكتبها و هذا السياق يدل على تأخر نزول الفاتحة

29

عن هذه الآيات، لأن البسملة نزلت أولها، و تقدم الخلاف في وقت نزولها فليتأمل، ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم) «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه سهيل بن عمرو، فقال سهيل بن عمرو: لو شهدت أنك رسول اللّه لم أقاتلك و لم أصدك عن البيت، و لكن اكتب باسمك و اسم أبيك» أي و في لفظ «لو أعلم أنك رسول اللّه ما خالفتك، و اتبعتك، أ فترغب عن اسمك و اسم أبيك محمد بن عبد اللّه؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لعلي (كرم اللّه وجهه): امحه» و في لفظ «امح رسول اللّه، فقال علي (كرم اللّه وجهه): ما أنا بالذي أمحاه، و في لفظ: لا أمحوك، و في لفظ: و اللّه لا أمحوك أبدا، فقال: أرنيه، فأراه إياه، فمحاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيده الشريفة، و قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه سهيل بن عمرو، و قال: أنا و اللّه رسول اللّه و إن كذبتموني، و أنا محمد بن عبد اللّه» و في لفظ «فجعل عليّ يتلكأ و يأبى أن يكتب إلا محمد رسول اللّه، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): اكتب فإن لك مثلها تعطيها و أنت مضطهد»:

أي مقهور.

و هو إشارة منه (صلى اللّه عليه و سلم) لما سيقع بين عليّ و معاوية رضي اللّه تعالى عنهما فإنهما في حرب صفين وقعت بينهما المصالحة على ترك القتال إلى رأس الحول. و كان القتال في صفر دام مائة يوم و عشرة أيام، قتل فيه سبعون ألفا خمسة و عشرون ألفا من جيش علي (كرم اللّه وجهه) من جملة تسعين ألفا و خمسة و أربعون ألفا من جيش معاوية من جملة مائة و عشرين ألفا.

فلما كتب الكاتب في الصلح: هذا ما صالح عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) و معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنهما، قال عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما الذي هو أحد الحكمين: اكتب اسمه و اسم أبيه، و أرسل معاوية يقول لعمرو: لا تكتب أن عليا أمير المؤمنين، لو كنت أعلم أنه أمير المؤمنين ما قاتلته، فبئس الرجل أنا إن أقررت أنه أمير المؤمنين ثم أقاتله، و لكن اكتب عليّ بن أبي طالب و امح أمير المؤمنين، فقيل له: يا أمير المؤمنين لا تمح إمارة اسم أمير المؤمنين، فإنك إن محوتها لا تعود إليك، فلما سمع علي (كرم اللّه وجهه) ذلك، و أمره بمحوها، و قال امحها تذكر قول النبي (صلى اللّه عليه و سلم) له في الحديبية ما تقدم، و من ثم قال: اللّه أكبر مثلا بمثل، و اللّه إني لكاتب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم الحديبية إذ قالوا لست برسول اللّه و لا نشهد لك بذلك، اكتب اسمك و اسم أبيك محمد بن عبد اللّه، فقال عمرو بن العاص رضي اللّه عنه: سبحان اللّه أ تتشبه بالكفار؟ فقال له علي (كرم اللّه وجهه): يا بن النابغة: أي العاهرة، و متى كنت عدوا للمسلمين هل تشبه إلا أمك التي وقعت بك، فقال عمرو: لا يجمع بيني و بينك مجلس أبدا، فقال عليّ (كرم اللّه وجهه): إني لأرجو اللّه أن يطهر مجلسي منك و من أشباهك.

و ذكر أن أسيد بن حضير و سعد بن عبادة رضي اللّه عنهما أخذا بيد عليّ كرم‏

30

اللّه وجهه، و منعاه أن يكتب إلا محمد رسول اللّه و إلا فالسيف بيننا و بينهم، و ضجت المسلمون و ارتفعت الأصوات، و جعلوا يقولون: لم نعط هذه الدنية في ديننا؟ فجعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يخفضهم و يومى‏ء بيده إليهم أن اسكتوا، ثم قال: أرنيه الحديث، و كان الصلح على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، و قيل سنتين، و قيل أربع سنين، أي و صححه الحاكم- تأمن فيه الناس و يكفّ بعضهم عن بعض. أي و يقال لهذا العقد هدنة و مهادنة و موادعة و مسالمة. و قال زيادة على اشتراط الكف عن الحرب على أنه من أتى محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) من قريش ممن هو على دين محمد بغير إذن وليه رده إليه ذكرا كان أو أنثى.

قال السهيلي (رحمه اللّه): و في رد المسلم إلى مكة عمارة للبيت و زيادة خير له في الصلاة بالمسجد الحرام و الطواف بالبيت، فكان هذا من تعظيم حرمات اللّه، هذا كلامه. و من أتى قريشا ممن كان مع محمد: أي مرتدا ذكرا كان أو أنثى لم نردّه إليه.

و هذا الثاني يوافق قول أئمتنا معاشر الشافعية يجوز شرط أن لا يردوا من جاءهم مرتدا و الأول يخالف قولهم: لا يجوز شرط رد مسلمة تأتينا منهم، فإن شرط فسد الشرط و العقد، إلا أن يقال هذا ما وقع عليه الأمر أولا ثم نسخ كما سيأتي، و شرطوا أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد و عهده دخل فيه، و من أحب أن يدخل في عقد قريش و عهدهم دخل فيه و أن بيننا و بينكم عيبة مكفوفة: أي صدورا منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة؛ و قيل صدورا نقية من الغلّ و الخداع منطوية على الوفاء بالصلح؛ و أنه لا إسلال و لا إغلال: أي لا سرقة و لا خيانة، قال سهيل: و أنك ترجع عامك هذا فلا تدخل مكة؛ و أنه إذا كان عام قابل خرج منها قريش فتدخلها بأصحابك فأقمت بها ثلاثة؛ أي ثلاثة أيام معك سلاح الراكب، السيوف في القرب و القوس لا تدخلها بغيرها.

و يقال إنه (صلى اللّه عليه و سلم) هو الذي كتب الكتاب بيده الشريفة، و هو ما وقع في البخاري أي أطلق اللّه يده (صلى اللّه عليه و سلم) بالكتابة في تلك الساعة خاصة وعد معجزة له.

قال بعضهم: لم يعتبره أي القول بذلك أهل العلم، و معنى كتب أمر بالكتابة.

و في النور: و في كون هذا أي أنه كتب بيده في البخاري فيه نظر، و الذي في البخاري: و أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الكتاب ليكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد الحديث، أي فلفظة بيده ليست في البخاري، و مع إسقاطها التأويل ممكن. و تمسك بظاهر قوله: فكتب أبو الوليد الباجي المالكي (رحمه اللّه) على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كتب بيده، فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه، بأن هذا مخالف للقرآن، فناظرهم و استظهر عليهم بأن هذا لا ينافي القرآن و هو قوله تعالى‏ وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا

31

تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ‏ [العنكبوت: الآية 48] لأن هذا النفي مقيد بما قبل ورود القرآن، و بعد أن تحققت أمنيته (صلى اللّه عليه و سلم) و تقررت بذلك معجزته، لا مانع من أن يعرف الكتابة من غير معلم فتكون معجزة أخرى و لا يخرجه ذلك عن كونه أميا.

أي و يقال إن الذي كتب هذا الكتاب محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه، وعده الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه) من الأوهام.

و جمع بأن أصل هذا الكتاب كتبه علي (كرم اللّه وجهه)، و نسخ مثله محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه لسهيل بن عمرو، أي فإن سهيلا قال: يكون هذا الكتاب عندي، و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): بل عندي، فأخذه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم كتب لسهيل نسخة أخذها عنده. و عند كتابته اشترط أن يردّ إليهم من جاء مسلما، قال المسلمون: سبحان اللّه كيف نردّ للمشركين من جاء مسلما؟ و عسر عليهم شرط ذلك و قالوا: يا رسول اللّه أ تكتب هذا؟ قال نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده اللّه، و من جاءنا منهم فرددناه إليهم سيجعل اللّه له فرجا و مخرجا. و في لفظ قال عمر: يا رسول اللّه أ ترضى بهذا؟ فتبسم (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: من جاءنا منهم فرددناه إليهم سيجعل اللّه له فرجا و مخرجا، و من أعرض عنا و ذهب إليهم فلسنا منه في شي‏ء، و ليس منا بل هو أولى بهم.

فبينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هو و سهيل بن عمرو يكتبان الكتاب بالشروط المذكورة، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو إلى المسلمين يرسف في الحديد: أي يمشي في قيوده متوشحا سيفه، قد أفلت إلى أن جاء إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فجعل المسلمون يرحبون به و يهنئونه، فلما رأى سهيل ابنه أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه، و في لفظ: أخذ غصنا من شجرة به شوك و ضرب به وجه أبي جندل ضربا شديدا حتى رق عليه المسلمون و بكوا و أخذ بتلبيبته، و قال: يا محمد هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ، لقد لجت القضية بيني و بينك، أي وجبت و تمت قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت، فجعل ينثره بتلبيبته و يجره ليرده إلى قريش، و جعل أبو جندل رضي اللّه عنه يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنوني عن ديني؟ أ لا ترون ما لقيت، فإنه رضي اللّه عنه كان عذب عذابا شديدا على أن يرجع عن الإسلام فزاد الناس ذلك إلى ما بهم، أي فإنهم كانوا لا يشكون في دخولهم مكة و طوافهم بالبيت للرؤيا التي رآها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؛ فلما رأوا الصلح و ما تحمل عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في نفسه داخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، خصوصا من اشترط أن يردّ إلى المشركين من جاء مسلما منهم، أي و ردّ أبي جندل إليهم بعد ضربه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا أبا جندل اصبر و احتسب، فإن اللّه جاعل لك و لمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا، إنا قد عقدنا بيننا

32

و بين القوم صالحا و أعطيناهم على ذلك و أعطونا عهد اللّه أن لا نغدر بهم.

و بهذا استدل أئمتنا على أنه يجوز شرط ردّ من جاءنا منهم مسلما إليهم و لا نرده إليهم إلا إذا كان حرا ذكرا غير صبيّ و مجنون و طلبته عشيرته.

و في لفظ آخر أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال لسهيل: إنا لم نفضّ الكتاب بعد، فقال: بلى لقد لجت القضية بيني و بينك، أي تمّ العقد فرده. فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فأجره لي؛ فقال:

ما أنا مجير ذلك لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، فقال مكرز و حويطب:

قد أجرناه لك لا نعذبه.

أي و هذا و ما تقدم يخالف قول ابن حجر الهيتمي (رحمه اللّه) أن مجي‏ء أبي جندل كان قبل عقد الهدنة معهم رواه البخاري. و عند ذلك قال حويطب لمكرز: ما رأيت قوما قط أشدّ حبا لمن دخل معهم من أصحاب محمد، أما إني أقول لك: لا تأخذ من محمد نصفا أبدا بعد هذا اليوم حتى يدخلها عنوة، فقال مكرز: و أنا أرى ذلك.

و عند ذلك وثب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و مشى إلى جنب أبي جندل، أي و أبوه سهيل بجنبه يدفعه، و صار عمر رضي اللّه عنه يقول لأبي جندل: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون، و إنما دم أحدهم كدم كلب، أي و معك السيف، يعرض له بقتل أبيه، أي و في رواية إن دم الكافر عند اللّه كدم الكلب و يدني قائم السيف منه، أي و في لفظ: و جعل يقول: يا أبا جندل إن الرجل يقتل أباه في اللّه، و اللّه لو أدركنا آباءنا لقتلناهم في اللّه، فقال له أبو جندل: ما لك لا تقتله أنت، فقال عمر: نهانا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن قتله و قتل غيره، فقال أبو جندل رضي اللّه عنه ما أنت أحق بطاعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مني، فقال عمر رضي اللّه عنه: وددت أن يأخذ السيف فيضرب أباه فضنّ الرجل بأبيه.

و فيه كيف يظن عمر حينئذ جواز قتله لأبيه حتى يعرض له به، إلا أن يقال ظن ذلك لكونه يريد أن يفتنه عن دينه و يرجع إلى الكفر و إن كان (صلى اللّه عليه و سلم) قال له: يا أبا جندل اصبر و احتسب.

و رجع أبو جندل إلى مكة في جوار مكرز بن حفص أي و حويطب، فأدخلاه مكانا و كف عنه أبوه.

و أبو جندل اسمه العاص، و هو أخو عبد اللّه بن سهيل بن عمرو، و إسلام عبد اللّه سابق على إسلام أبي جندل، لأن عبد اللّه شهد بدرا، أي فإنه خرج مع المشركين لبدر، ثم انحاز من المشركين إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و شهد معه بدرا و المشاهد كلها و أبو جندل رضي اللّه عنه أول مشاهده الفتح.

33

و دخلت خزاعة في عقده (صلى اللّه عليه و سلم) و عهده، أي و في لفظ: و وثب من هناك من خزاعة. فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد و عقده، و نحن على من وراءنا من قومنا، و دخلت بنو بكر في عقد قريش و عهدهم.

و يذكر أن حويطبا قال لسهيل: بادأنا أخوالك يعني خزاعة بالعداوة، و كانوا يستترون منا فدخلوا في عهد محمد و عقده، فقال له سهيل: ما هم إلا كغيرهم، هؤلاء أقاربنا و لحمتنا قد دخلوا مع محمد، قوم اختاروا لأنفسهم أمرا فما نصنع بهم، قال حويطب: نصنع بهم أن ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر، قال سهيل إياك أن تسمع هذا منك بنو بكر فإنهم أهل شؤم فيسبوا خزاعة، فيغضب محمد لحلفائه فينقض العهد بيننا و بينه.

و من هذا التقرير يعلم أن بيعة الرضوان كانت قبل الصلح، و أنها السبب الباعث لقريش عليه.

و وقع في المواهب ما يقتضي أن البيعة كانت بعد الصلح، و أن الكتاب الذي ذهب به عثمان كان متضمنا للصلح الذي وقع بينه (صلى اللّه عليه و سلم) و بين سهيل بن عمرو، فحبست قريش عثمان، فحبس (صلى اللّه عليه و سلم) سهيلا، و لا يخفى عليك ما فيه.

و لما فرغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الصلح و أشهد عليه رجالا من المسلمين: أي أبا بكر و عمر و عثمان و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص و أبا عبيدة بن الجراح و محمد بن مسلمة، أي و رجالا من قريش حويطبا و مكرزا قام إلى هديه فنحره، و من جملته جمل لأبي جهل و كان نجيبا مهريا، و كان يضرب في لقاحه (صلى اللّه عليه و سلم) في رأسه برة، أي حلقة من فضة، و قيل من ذهب ليغيظ بذلك المشركين، غنمه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم بدر كما تقدم.

قال: و قد كان فر من الحديبية و دخل مكة و انتهى إلى دار أبي جهل، و خرج في أثره عمرو بن غنمة الأنصاري، فأبى سفهاء مكة أن يعطوه حتى أمرهم سهيل بن عمرو بدفعه، و دفعوا فيه عدة ثياب، فقال رسول اللّه: لو لا أنا سميناه في الهدي فعلنا انتهى.

و في لفظ قال لهم سهيل بن عمرو: إن تريدوه فاعرضوا على محمد مائة من الإبل، فإن قبلها فأمسكوا هذا الجمل و إلا فلا تتعرضوا له: أي فعرضوا عليه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك فأبى، و قال: لو لم يكن هذا الجمل للهدي لقبلت المائة، و فرق (صلى اللّه عليه و سلم) لحم الهدي على الفقراء الذين حضروا الحديبية.

و في رواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) بعث إلى مكة عشرين بدنة مع ناجية حتى نحرت بالمروة و قسموا لحمها على فقراء مكة، ثم جلس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فحلق رأسه و كان الحالق‏

34

لرأسه خراش بن أمية الخزاعي الذي بعثه إلى قريش فعقروا جمله و أرادوا قتله كما تقدم.

فلما رأى الناس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد نحر و حلق تواثبوا ينحرون و يحلقون، و قصر بعضهم كعثمان و أبي قتادة.

و في كلام بعضهم أي و هو السهيلي أنه لم يقصر غيرهما، و دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) للمحلقين ثلاثا و للمقصرين مرة واحدة فقال «اللهم ارحم المحلقين» و في لفظ «يرحم اللّه المحلقين» و في لفظ «اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: و المقصرين؟ فقال: يرحم اللّه المحلقين أو قال: اللهم ارحم المحلقين أو اللهم اغفر للمحلقين قالوا: و المقصرين فقال: يرحم اللّه المحلقين و المقصرين» و في رواية قال «و المقصرين في الرابعة، و قد قالوا له يا رسول اللّه لم ظاهرت؟ أي أظهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين؟ قال لأنهم لم يشكوا: أي لم يرجوا أن يطوفوا بالبيت، بخلاف المقصرين» أي لأن الظاهر من حالهم أنهم أخروا بقية شعورهم رجاء أن يحلقوها بعد طوافهم بالبيت.

و أرسل اللّه سبحانه و تعالى ريحا عاصفة احتملت شعورهم فألقتها في الحرم، و فيه أنه تقدم أن الحديبية أكثرها في الحرم، فاستبشروا بقبول عمرتهم.

و في رواية «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد فراغه من الكتاب أمرهم بالنحر و الحلق قال ذلك ثلاث مرات، فلم يقم منهم أحد، فدخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على أم سلمة رضي اللّه عنها، أي و هو شديد الغضب فاضطجع. فقالت ما لك يا رسول اللّه مرارا و هو لا يجيبها، ثم ذكر لها ما لقي من الناس و قال لها: هلك المسلمون؛ أمرتهم أن ينحروا و يحلقوا فلم يفعلوا، و في لفظ قال: عجبا يا أم سلمة، أ لا ترين إلى الناس؟ آمرهم بالأمر فلا يفعلونه، قلت لهم: انحروا و احلقوا و حلوا مرارا فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك و هم يسمعون كلامي و ينظرون وجهي، فقالت: يا رسول اللّه لا تلمهم، فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح و رجوعهم بغير فتح، ثم أشارت عليه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يخرج و لا يكلم أحدا منهم و ينحر بدنه و يحلق رأسه، ففعل كذلك: أي أخذ الحربة و قصد هديه و أهوى بالحربة إلى البدن رافعا صوته:

بسم اللّه و اللّه أكبر، ثم دخل (صلى اللّه عليه و سلم) قبة له من أدم أحمر و دعا بخراش فحلق رأسه و رمى شعره على شجرة فأخذه الناس و تحاصوه، و أخذت أم عمارة رضي اللّه عنها طاقات منه، فكانت تغسلها للمريض و تسقيه فيبرأ. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا و حلقوا ثم انصرف (صلى اللّه عليه و سلم) قافلا إلى المدينة أي بعد أن أقام بالحديبية تسعة عشر يوما؛ و قيل عشرين يوما.

فلما كان (صلى اللّه عليه و سلم) بين مكة و المدينة أي بكراع الغميم أنزلت عليه سورة الفتح أي و قال لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: أنزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت‏

35

عليه الشمس، و حصل للناس مجاعة، فقالوا: يا رسول اللّه جهدنا: أي أصابنا الجهد و هو المشقة من الجوع و في الناس ظهر: أي إبل فانحره لنأكل من لحمه، و لندهن من شحمه، و لنحتذ من جلوده، فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: لا تفعل يا رسول اللّه، فإن الناس إن يكن فيهم بقية ظهر أمثل، كيف بنا إذا لاقينا العدو غدا جياعا رجالا، أي ثم قال: و لكن إن رأيت أن تدعو الناس إلى أن يجمعوا بقايا أزوادهم ثم تدعو فيها بالبركة، فإن اللّه سيبلغها بدعوتك، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

ابسطوا أنطاعكم و عباءكم ففعلوا، ثم قال: من كان عنده بقية من زاد أو طعام فلينثره، و دعا لهم، ثم قال: قربوا أوعيتكم، فأخذوا ما شاء اللّه، أي وحشوا أوعيتهم و أكلوا حتى شبعوا و بقي مثله حتى شبعوا و بقي مثله.

و في مسلم «خرجنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في غزوة فأخذنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمرنا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فجمعنا من أزوادنا فبسطنا له نطعا، فاجتمع زاد القوم على النطع، فكان كربضة العنز» أي كقدر العنز و هي رابضة أي باركة «و كنا أربع عشرة مائة» و قال الراوي «فأكلنا حتى شبعنا ثم حشونا جربنا، فضحك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى بدت نواجذه، و قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أني رسول اللّه، و اللّه لا يلقى اللّه عبد مؤمن بهما إلا حجب من النار، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) لرجل من أصحابه:

هل من وضوء» بفتح الواو: و هو ما يتوضأ به «فجاء رجل باداوة» و هي الركوة «فيها نطفة من ماء» أي قليل من ماء، و قيل للماء نطفة لأنه ينطف أي يصب «فأفرغها في قدح، أي و وضع راحته الشريفة في ذلك الماء» قال الراوي «فتوضأنا كلنا، أي الأربع عشرة مائة ندغفقه دغفقة» أي نصبه صبا شديدا «ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): فرغ الوضوء» و إلى تكثير الطعام و الماء أشار صاحب الهمزية (رحمه اللّه تعالى) بقوله في وصف راحته الشريفة:

أحييت المرملين من موت جهد* * * أعوز القوم فيه زاد و ماء

أي حفظت على المحتاجين للزاد و الماء حياتهم، فسلموا من موت قحط شديد، أعوز القوم في ذلك القحط زاد و ماء. و قال الإمام السبكي في تائيته في تكثير الماء:

و عندي يمين لا يمين يئنّ في‏* * * يمينك و كفا حيثما السحب ضنت‏

و لما أنزلت عليه (صلى اللّه عليه و سلم) سورة الفتح، قال له جبريل (عليه السلام) يهنئك يا رسول اللّه، و هنأه المسلمون و تكلم بعض الصحابة و قال: ما هذا بفتح، لقد صدونا عن البيت و صدّ هدينا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما بلغه ذلك: بئس الكلام بل هو أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالبراح عن بلادهم، و سألوكم القضية

36

و يربحوا إليكم في الأمان، و قد رأوا منكم ما كرهوا، و أظفركم اللّه عليهم، و ردكم اللّه تعالى سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتوح، أنسيتم يوم أحد إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى‏ أَحَدٍ [آل عمران: الآية 153] و أنا أدعوكم في أخراكم و نسيتم يوم الأحزاب‏ إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) [الأحزاب: الآية 10] فقال المسلمون: صدق اللّه و رسوله، فهو أعظم الفتوح، و اللّه يا نبي اللّه ما فكرنا فيما فكرت فيه، و لأنت أعلم باللّه و بأمره منا، و قال له بعض الصحابة: أي و هو عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه أ لم تقل إنك تدخل مكة آمنا؟ قال: بلى، أ فقلت لكم من عامي هذا؟ قالوا لا، قال: فهو كما قال جبريل (عليه السلام)، فإنكم تأتونه و تطوفون به.

أقول: فيه أنه تقدم أن ذلك كان عن رؤيا لا عن وحي، إلا أن يقال: يجوز أن يكون جاءه (صلى اللّه عليه و سلم) الوحي بمثل ما رأى ثم أخبرهم بذلك و اللّه أعلم.

و في لفظ: لما رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو بالحديبية أنه يدخل مكة هو و أصحابه آمنين محلقين رءوسهم و مقصرين و أخبرهم بذلك؛ فلما صدوا قالوا له: أين رؤياك يا رسول اللّه؟ فأنزل اللّه تعالى‏ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ‏ [الفتح: الآية 27] الآية.

أقول: و لا يخالف هذا ما تقدّم أن الرؤيا المذكورة كانت بالمدينة، و أنها السبب الحامل على الإحرام بالعمرة، لجواز تكرر الرؤيا، و أن الأولى اقترن بها الوحي.

و ذكر بعضهم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما دخل مكة عام القضية و حلق رأسه، قال: هذا الذي و عدتكم، فلما كان يوم الفتح و أخذ المفتاح قال: ادعو لي عمر بن الخطاب فقال:

هذا الذي قلت لكم.

و لما كان في حجة الوداع و وقف (صلى اللّه عليه و سلم) بعرفة فقال لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: هذا الذي قلت لكم، و فيه أنه لم يتقدم في الرؤيا أنه (صلى اللّه عليه و سلم) يأخذ المفتاح، و لا أن يقف بعرفة. إلا أن يقال: يجوز أن يكون (صلى اللّه عليه و سلم) أخبر بذلك بعد الرؤيا، و أن المراد من ذلك مجرد دخول مكة؛ و اللّه أعلم.

و أصابهم مطر في الحديبية لم يبلّ أسفل نعالهم، أي ليلا، فنادى منادي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أن صلوا في رحالكم.

أي و وقع مثل ذلك في حنين أنه أصابهم مثله، فأمر (صلى اللّه عليه و سلم) مناديه، أن ينادي: ألا صلوا في رحالكم.

و قال (صلى اللّه عليه و سلم) صبيحة ليلة الحديبية لما صلى بهم «أ تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: اللّه‏

37

و رسوله أعلم، قال: قال اللّه عز و جل: أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر، فأما من قال مطرنا برحمة اللّه و فضله فهو مؤمن باللّه و كافر بالكواكب، و من قال مطرنا بنجم كذا؛ و في رواية: بنوء كذا و كذا فهو مؤمن بالكواكب كافر بي» و هذا عند أئمتنا مكروه لا حرام، أي لأن المراد بالإيمان شكر نعمة اللّه حيث نسبها إلى اللّه، و الكفر كفران النعمة حيث نسبها لغيره، فإن اعتقد أن النجم هو الفاعل كان الكفر فيه على حقيقته و هو ضد الإيمان، و الأوّل إنما نهي عنه لأنه كان من أمر الجاهلية، و إلا فهذا التركيب لا يقتضي أن يكون نوء كذا فاعلا، و من ثم لو قال مطرنا في نوء كذا: أي في وقت نوء كذا لم يكره. و كان ابن أبي ابن سلول قال: هذا نوء الخريف، مطرنا بالشعرى، أي و سمي الخريف خريفا، لأنه تخترف فيها الثمار: أي تقطع. و النوء:

سقوط نجم ينزل في الغرب مع الفجر و طلوع رقيبه من المشرق من أنجم المنازل، و ذلك يحصل في كل ثلاثة عشر يوما إلا الجبهة النجم المعروف، فإن لها أربعة عشر يوما، قال بعضهم: و الأنواء ثمانية و عشرون نوءا: أي نجما، كان العرب يعتقدون أن من ذلك يحدث المطر أو الريح.

و في الحديث «لو حبس اللّه القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله أصبح طائفة منهم به كافرين، يقولون مطرنا بنوء المجرّة» بكسر الميم: نجم يقال هو الدبران.

و عن أبي هريرة رضي اللّه عنه «إن اللّه ليصبح القوم بالنعمة و يمسيهم بها، فتصبح طائفة منهم بها كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا».

و نقل عن عمر رضي اللّه عنه «أنه قال: مطرنا بنوء كذا» و لعله لم يبلغه النهي عن ذلك حيث قال.

قال العارف باللّه ابن عطاء اللّه: لعل هذا يكون ناهيا لك أيها المؤمن عن التعرّض إلى علم الكواكب و اقتراناتها، و مانعا لك أن تدّعي وجود تأثيراتها. و اعلم أن اللّه فيك قضاء لا بد أن ينفذه و حكما لا بدّ أن يظهره، فما فائدة التجسس على غيب علام الغيوب، و قد نهانا سبحانه أن نتجسس على غيبه.

و صارت تلك الشجرة التي وقعت عندها البيعة يقال لها شجرة الرضوان، و بلغ عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه: أي في خلافته أن ناسا يصلون عندها، فتوعدهم و أمر بها فقطعت: أي خوف ظهور البدعة.

و لما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة هاجرت إليه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في تلك المدّة، و كانت أسلمت بمكة و بايعت قبل أن يهاجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هي أوّل من هاجر من النساء بعد هجرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة، و إنها خرجت من مكة وحدها و صاحبت رجلا من خزاعة حتى قدمت المدينة.

38

و في الاستيعاب: يقولون إنها مشت على قدميها من مكة إلى المدينة و لا يعرف لها اسم إلا هذه الكنية، و هي أخت عثمان بن عفان رضي اللّه عنه لأمه.

و لما قدمت المدينة دخلت أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها و أعلمتها أنها جاءت مهاجرة و تخوّفت أن يردها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما دخل (صلى اللّه عليه و سلم) على أم سلمة أعلمته بها، فرحب بأم كلثوم رضي اللّه تعالى عنها، فخرج أخواها عمارة و الوليد في ردها بالعهد، فقالا: يا محمد أوف لنا بما عاهدتنا عليه. فلم يفعل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك، أي بعد أن قالت له: يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنا امرأة و حال النساء إلى الضعف، فتردني إلى الكفار يفتنوني عن ديني و لا صبر لي، فنزل القرآن بنقض ذلك العهد بالنسبة للنساء لمن جاء منهم مؤمنا لكن بشرط امتحانهن بقوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ‏ [الممتحنة: الآية 10] أي في مدة هذا العهد و الصلح‏ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَ‏ [الممتحنة: الآية 10] قال السهيلي (رحمه اللّه): و كان الامتحان أن تستحلف المرأة المهاجرة أنها ما هاجرت ناشزة، و لا هاجرت إلا للّه و لرسوله، و في لفظ: كانت المرأة إذا جاءت للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) حلفها عمر رضي اللّه عنه باللّه ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، و باللّه ما خرجت من بغض زوج، و باللّه ما خرجت لالتماس دنيا و لا لرجل من المسلمين، و باللّه ما خرجت إلا حبا للّه و رسوله، فإذا حلفت لم ترد ورد صداقها إلى بعلها.

أي و لما قدم الوليد و عمارة مكة أخبرا قريشا بذلك، فرضوا أن تحبس النساء، و لم يكن لأم كلثوم رضي اللّه عنها زوج بمكة، فلما قدمت المدينة زوّجها زيد بن حارثة.

و في رواية: لما كان (صلى اللّه عليه و سلم) بالحديبية جاءته جماعة من النساء المؤمنات مهاجرات من مكة، من جملتهنّ سبيعة بنت الحارث، فأقبل زوجها و هو مسافر المخزومي طالبا لها، و أراد، مشركو مكة أن يردّوهن إلى مكة، فنزل جبريل (عليه السلام) بهذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَ‏ [الممتحنة: الآية 10] فاستحلف (صلى اللّه عليه و سلم) و سبيعة فحلفت، فأعطى (صلى اللّه عليه و سلم) زوجها مسافرا ما أنفق عليها، فتزوّجها عمر رضي اللّه عنه. و هذا السياق يدل على أن الآية الكريمة نزلت بالحديبية، و ما قبله يدل على أنها نزلت بالمدينة. و قد يقال: لا مانع من تكرر نزول الآية.

و أما في غير مدة هذا العهد، أي بعد نسخة بفتح مكة فلم تستحلف امرأة جاءت إلى المدينة و لا يرد صداقها إلى بعلها، و من ثم ذهب أئمتنا إلى أنه إذا شرط رد المسلمة إليهم فسدت الهدنة كما تقدم، و لا يجب دفع المهر للزوج لو جاءت مسلمة، و قوله تعالى‏ وَ آتُوهُمْ‏ [النّور: الآية 33] أي الأزواج‏ ما أَنْفَقُوا [البقرة: الآية 262] أي من المهور محمول على الندب، و الصارف له عن الوجوب كون الأصل براءة الذمة، لأن البضع ليس بمال للكافر.

39

و فيه أن طلب رد المهور للأزواج كان واجبا في مدة العهد خاصة كما علمت، و أنزل اللّه تعالى‏ وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [الممتحنة: الآية 10] أي نهى المؤمنين عن البقاء على نكاح المشركات فطلق الصحابة رضي اللّه عنهم كل امرأة كافرة في نكاحهم، حتى إن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان له امرأتان فطلقهما يومئذ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان و الأخرى صفوان بن أمية، فكان (صلى اللّه عليه و سلم) في مدة العهد يرد الرجال و لا يرد النساء، أي بعد امتحانهنّ. فقد جاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هو بالمدينة أبو بصير رضي اللّه عنه، و كان ممن حبس بمكة، و كتب في رده أزهر بن عوف رضي اللّه عنه فإنه أسلم بعد ذلك و هو من الطلقاء، و هو عم عبد الرحمن بن عوف و الأخنس بن شريق رضي اللّه عنه فإنه أسلم بعد ذلك كتابا، و بعث به رجلا من بني عامر يقال له خنيس و معه مولى يهديه الطريق، فقدما على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالكتاب، فقرأه أبيّ رضي اللّه عنه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فإذا فيه: قد عرفت ما شارطناك عليه من رد من قدم عليك من أصحابنا، فابعث إلينا بصاحبنا، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما علمت و لا يصلح لنا في ديننا الغدر، و إن اللّه جاعل لك و لمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا، فانطلق إلى قومك، قال: يا رسول اللّه أ تردني إلى المشركين يفتنونني عن ديني، قال (صلى اللّه عليه و سلم): يا أبا بصير انطلق فإن اللّه سيجعل لك و لمن حولك من المستضعفين فرجا و مخرجا، فانطلق معهما، أي و صار المسلمون رضي اللّه عنهم يقولون له: الرجل يكون خيرا من ألف رجل يغرونه بالذين معه حتى إذا كانوا بذي الحليفة جلس رضي اللّه عنه إلى جدار و معه صاحباه، فقال أبو بصير رضي اللّه عنه لأحد صاحبيه و معه سيفه: أ صارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم انظر إليه إن شئت، فاستله أبو بصير رضي اللّه عنه، ثم علاه به حتى قتله.

و في لفظ: إن الرجل هو الذي سل سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفي هذا في الأوس و الخزرج يوما إلى الليل؛ فقال له أبو بصير: أو صارم سيفك هذا؟ قال: نعم فقال: ناولنيه أنظر إليه فناوله؛ فلما قبض عليه ضربه به حتى برد؛ و قيل تناوله بفيه و صاحبه نائم فقطع إساره أي كتافه؛ ثم ضربه به حتى برد؛ فطلب المولى فخرج المولى سريعا حتى أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو جالس في المسجد، فلما رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و الحصى يطنّ تحت قدميه. و في لفظ: و الحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه، أي و أبو بصير في أثره حتى أزعجه؛ قال (صلى اللّه عليه و سلم): إن هذا الرجل قد رأى فزعا؛ و في لفظ قد رأى هذا ذعرا؛ فلما انتهى إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو جالس في المسجد، قال له: ويحك ما لك؟ قال قتل صاحبكم صاحبي و أفلت منه و لم أكد و إني لمقتول و استغاث برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأمنه؛ فإذا أبو بصير رضي اللّه عنه أناخ بعير العامري بباب المسجد؛ و دخل متوشحا السيف، و وثب على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه وفت ذمتك و أدى اللّه عنك، أسلمتني بيد القوم و قد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو

40

يفتن بي، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): اذهب حيث شئت، فقال: يا رسول اللّه هذا سلب العامري: أي الذي قتلته رحله و سيفه فخمسه، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): إذا خمسته رأوني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، و لكن شأنك بسلب صاحبك، و من ثم قال فقهاؤنا:

يجوز رد المسلم إلى الطالب له من غير عشيرته إذا قدر على قهر الطالب و الهرب منه.

و عند ذلك ذهب أبو بصير رضي اللّه عنه إلى محل من طريق الشام تمر به عيرات قريش؛ و اجتمع إليه جمع من المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة؛ أي إنهم لما بلغهم خبره رضي اللّه عنه؛ أي و أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال في حقه: ويل أمه مسعر حرب؛ أي لو كان معه رجال صاروا يتسللون إليه و انفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو رضي اللّه عنهما الذي رده يوم الحديبية و خرج من مكة في سبعين فارسا أسلموا فلحقوا بأبي بصير و كرهوا أن يقدموا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في تلك المدة التي هي زمن الهدنة أي خوف أن يردهم إلى أهليهم، و انضم إليهم ناس من غفار و أسلم و جهينة و طوائف من العرب ممن أسلم حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل، فقطعوا مادة قريش لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، و لا تمر بهم عير إلا أخذوها، حتى كتبت قريش له (صلى اللّه عليه و سلم) تسأله بالأرحام إلا آواهم و لا حاجة لهم بهم.

و في رواية أن قريشا أرسلت أبا سفيان بن حرب رضي اللّه عنه في ذلك و أن قريشا قالوا إنا أسقطنا هذا الشرط من الشروط، من جاء منهم إليك فأمسكه في غير حرج، أي و في لفظ: من أتاه فهو آمن، فإنا أسقطنا هذا الشرط، فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره، فكتب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أبي جندل و إلى أبي بصير رضي اللّه عنهما أن يقدما عليه و أن من معهما من المسلمين يلحقوا ببلادهم و أهليهم، و لا يتعرضوا لأحد مرّ بهم من قريش و لا لعيراتهم، فقدم كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عليهما و أبو بصير رضي اللّه عنه يموت، فمات و كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل رضي اللّه عنه مكانه، و جعل عند قبره مسجدا.

و قدم أبو جندل رضي اللّه عنه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع ناس من أصحابه، و رجع باقيهم إلى أهليهم. و أمنت قريش على عيراتهم و علمت أصحابه (صلى اللّه عليه و سلم) و رضي عنهم الذين عسر عليهم رد أبي جندل إلى قريش مع أبيه سهيل بن عمرو أن طاعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خير مما أحبوه و أن رأيه (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل من رأيهم، و علموا بعد ذلك أن مصالحته (صلى اللّه عليه و سلم) كانت أولى، لأنها كانت سببا لكثرة المسلمين، فإن الكفار لما أمنوا القتال اختلطوا بالمسلمين فأثر فيهم الإسلام، فأسلم كثير منهم.

و قد ذكر بعض المفسرين أن الذين أسلموا في سنتي الفتح بناء على أن المدة كانت سنتين أو المعنى سنتين من الصلح: أي من مدته يعدلون الذين أسلموا قبلهما.

41

قال: و عن بعضهم: أي و هو أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه كان يقول: ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية، و لكن الناس قصر رأيهم عما كان بين محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و ربه، و العباد يعجلون و اللّه لا يعجل لعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. لقد رأيت سهيل بن عمرو رضي اللّه عنه بعد إسلامه في حجة الوداع قائما عند المنحر يقرب لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بدنة و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ينحرها بيده، و دعا الحلاق لحلق رأسه فانظر إلى سهيل كلما يلفظ من شعره (صلى اللّه عليه و سلم) يضعه على عينيه، و أذكر امتناعه أن يقرّ يوم الحديبية بأن يكتب‏ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ أي و أن محمدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فحمدت اللّه و شكرته الذي هداه للإسلام.

و عن كعب بن عجرة رضي اللّه عنه قال «كنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالحديبية و نحن محرمون قد حصرنا المشركون، و كان لي وفرة فجعلت الهوام: أي القمّل تتساقط على وجهي، فمرّ بي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» و في رواية «ملت إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و القمّل يتناثر على وجهي» و في رواية «أتيت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: ادنه، فدنوت يقول ذلك مرتين أو ثلاثا» و في رواية «أتى عليّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) زمن الحديبية و أنا أوقد تحت برمة» و في لفظ «قدر لي، فقال: يؤذيك تؤذيك هوامّ رأسك؟ قال أجل، قال: احلق و اهد هديا، فقال: ما أجد هديا، فقال صم ثلاثة أيام» و في لفظ «فقال: أ يؤذيك هوامّ رأسك» و في لفظ «لعلك آذاك هوامّ رأسك، قلت: نعم يا رسول اللّه، قال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، فأمرني أن أحلق» أي و في رواية «أصابتني هوامّ في رأسي و أنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عام الحديبية، حتى تخوّفت على بصري، و أنزل اللّه تعالى هذه الآية فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ‏ [البقرة: الآية 196] أي فحلق‏ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ‏ [البقرة: الآية 196] فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق» أي زاد في رواية «من زبيب بين ستة مساكين» و الفرق بفتح الفاء و الراء:

ثلاثة آصع، أي زاد في رواية «من تمر، لكل مسكين نصف صاع، أو انسك» أي اذبح «ما تيسر لك» انتهى. زاد في رواية: «أيّ ذلك فعلت أجزأ عنك فحلقت، ثم نسكت».

أي و في رواية الشيخين «انسك شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم فرقا من الطعام على ستة مساكين».

قال ابن عبد البر عامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير، و هو نص القرآن، و عليه عمل العلماء في كل الأمصار و فتواهم، و ما ورد من الترتيب في بعض الأحاديث لو صح كان معناه الاختيار أولا فأولا.

قال الزمخشري في «سفر السعادة»: أمر (صلى اللّه عليه و سلم) في علاج القمّل بحلق الرأس لتنفتح المسام، و تتصاعد الأبخرة، و تضعف المادة الفاسدة التي يتولد القمل منها.

و ذكر في الهدى أن أصول الطب ثلاثة: الحمية، و حفظ الصحة، و الاستفراغ،

42

فإلى الأول شرع التيمم خوفا من استعمال الماء. و إلى الثاني شرع الفطر في رمضان في السفر لئلا تتوالى مشقة السفر و مشقة الصوم. و إلى الثالث بحلق رأس المحرم إذا كان به أذى من قمل ليستفرغ المادة الفاسدة و الأبخرة الرديئة.

و عند أئمتنا لا بد أن يكون ما يذبحه مجزئا في الأضحية و بعد الحديبية قبل خيبر، و قيل بعد خيبر نزلت آية الظهار قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [المجادلة: الآية 1].

و سبب ذلك: أن أوس بن الصامت لا عبادة بن الصامت كما قيل أي و كان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، و في لفظ: كان به لمم: أي نوع من الجنون. و كان فاقد البصر، قال لزوجته خولة بنت ثعلبة، و في لفظ: بنت خويلد، و كانت بنت عمه و قد راجعته في شي‏ء فغضب، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي، و كان ذلك في زمن الجاهلية طلاقا: أي كالطلاق في تحريم النساء ثم راودها عن نفسها، فقالت كلا لا تصل إليّ و قد قلت ما قلت حتى أسأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و في لفظ: أنه لما قال لها أنت عليّ كظهر أمي أسقط في يده، و قال ما أراك إلا قد حرمت عليّ، انطلقي إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فاسأليه، فدخلت عليه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يمشط رأسه الشريف، أي عنده ماشطة، أي و هي عائشة رضي اللّه عنها تمشط رأسه.

و في لفظ كان الظهار أشد الطلاق و أحرم الحرام إذا ظاهر الرجل من امرأته لم ترجع إليه أبدا، فأخبرته، فقال لها (صلى اللّه عليه و سلم): ما أمرنا بشي‏ء من أمرك ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: يا رسول اللّه و الذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق و إنه أبو ولدي، و أحب الناس إليّ، فقال: حرمت عليه، فقالت أشكو إلى اللّه فاقتي و تركي إلى غير أحد و قد كبر سني و دق عظمي.

و في لفظ أنها قالت: اللهم إني أشكو إليك شدّة وحدتي و ما شق عليّ من فراقه و ما نزل بي و بصبيتي، قالت عائشة رضي اللّه عنها: فلقد بكيت و بكى من كان في البيت رحمة لها ورقة عليها. و في لفظ قالت: يا رسول اللّه إن زوجي أوس بن الصامت تزوّجني و أنا ذات مال و أهل، فلما أكل مالي و ذهب شبابي و نفضت بطني و تفرق أهلي ظاهر مني، فقال لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ما أراك إلا قد حرمت عليه فبكت و صاحت و قالت: أشكو إلى اللّه فقري و وحدتي و صبية صغارا أن ضممتهم إليه ضاعوا، و إن ضممتهم إليّ جاعوا، و صارت ترفع رأسها إلى السماء، فبينما هو (صلى اللّه عليه و سلم) قد فرغ من شق رأسه و أخذ في الشق الآخر أنزل اللّه عليه الآية فسرّي عنه و هو يتبسم، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) لها مريه فليحرر رقبة، فقالت: و اللّه ما له خادم غيري، قال مريه فليصم شهرين متتابعين، فقالت: و اللّه إنه لشيخ كبير إنه إن لم يأكل في اليوم مرتين يندر بصره: أي لو كان مبصرا، فلا ينافي ما تقدم أنه كان فاقد البصر، قال: فليطعم‏

43

ستين مسكينا، فقالت: و اللّه ما لنا اليوم وقية، فقال: مريه فلينطلق إلى فلان يعني شخصا من الأنصار أخبرني أن عنده شطر وسق من تمر يريد أن يتصدق به فليأخذه منه.

و في رواية: مريه فليأت أم المنذر بنت قيس فليأخذ منها شطر وسق من تمر فليتصدق به على ستين مسكينا و ليراجعك، ثم أتته فقصت عليه القصة فانطلق ففعل.

أي و في لفظ قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): فأنا سأعينه بفرق من تمر فبكت، و قالت:

و أنا يا رسول اللّه سأعينه بفرق آخر، قال: قد أصبت و أحسنت، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا.

و في رواية: لما قال لها (صلى اللّه عليه و سلم): ما أعلم إلا قد حرمت عليه، قالت لها عائشة رضي اللّه عنها: وراءك، فتنحت، فلما نزل عليه (صلى اللّه عليه و سلم) الوحي و سري عنه قال: يا عائشة أين المرأة؟ قالت: ها هي هذه، قال: ادعيها فدعتها، فقال لها النبي (صلى اللّه عليه و سلم):

اذهبي فجيئي بزوجك، فذهبت فجاءت به، و أدخلته على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فإذا هو ضرير البصر، فقير، سيئ الخلق فقال له (صلى اللّه عليه و سلم) أ تجد رقبة، قال لا. و في لفظ قال: ما لي بهذا من قدرة، قال: أ تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: و الذي بعثك بالحق إني إذا لم آكل المرة و المرتين و الثلاث يغشى عليّ. و في لفظ إني إذا لم آكل في اليوم مرتين كلّ بصري: أي لو كان موجودا، قال: أ فتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟

قال لا، إلا أن تعينني بها، فأعانه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فكفر عنه. و في رواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أعطاه مكتلا يأخذ خمسة عشر صاعا، فقال: أطعمه ستين مسكينا، قال بعضهم: و كانوا يرون أن عند أوس رضي اللّه عنه مثلها حتى يكون لكل مسكين نصف صاع. و فيه أنه خلاف الروايات من أنه لا يملك شيئا. فقال: على أفقر مني، فو الذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه مني، فضحك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: اذهب به إلى أهلك، و هذا أوّل ظهار وقع في الإسلام.

و مر عمر رضي اللّه تعالى عنه بخولة هذه أيام خلافته، فقالت له: قف يا عمر، فوقف لها و دنا منها و أصغى إليها، و أطالت الوقوف، و أغلظت له القول: أي قالت له هيهات يا عمر، عهدتك و أنت تسمي عميرا و أنت في سوق عكاظ ترعى القيان بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق اللّه في الرعية، و اعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، و من خاف الموت خشي الفوت، فقال لها الجارود: قد أكثرت أيتها المرأة على أمير المؤمنين، فقال عمر رضي اللّه عنه: دعها. و في رواية فقال له قائل: حبست الناس لأجل هذه العجوز، قال: ويحك، و تدري من هذه؟ قال لا، قال: هذه امرأة قد سمع اللّه شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، و اللّه لو لم تنصرف‏

44

عني إلى الليل ما انصرفت حتى تنقضي حاجتها.

قيل و في هذه السنة التي هي سنة ست حرمت الخمر، و به جزم الحافظ الدمياطي، و قيل حرمت سنة أربع، أي و يدل له ما تقدم من اراقة الخمر و كسر جررها في بني قريظة، و قيل في السنة الثالثة، و قيل إنما حرمت في عام الفتح قبل الفتح.

قال بعضهم: حرمت ثلاث مرات: أي نزل تحريمها ثلاث مرات كان المسلمون يشربونها حلالا، أي لغيره (صلى اللّه عليه و سلم)، أما هو فحرمت عليه قبل البعثة بعشرين سنة، فلم تبح له قط.

و قد جاء «أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأصنام شرب الخمر» و تقدم أن جماعة حرموها على أنفسهم و امتنعوا من شربها، و لا زالت حلالا للناس حتى نزل قوله تعالى‏ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ‏ [البقرة:

الآية 219] فعند ذلك اجتنبها قوم لوجود الإثم و تعاطاها آخرون لوجود النفع، أي و كانوا ربما شربوها و صلوا، فلما نزل قوله تعالى‏ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ [النّساء: الآية 43] امتنع من كان يشربها لأجل النفع من شربها في أوقات الصلاة، و رجع قوم منهم عن شربها حتى في غير أوقات الصلاة، و قالوا: لا خير في شي‏ء يحول بيننا و بين الصلاة.

و سبب نزول هذه الآية ما جاء عن علي (كرم اللّه وجهه)، قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما: أي و شرابا من الخمر، فأكلنا و شربنا، فأخذت الخمر منا و حضرت الصلاة: أي الجهرية، و قدموني فقرأت‏ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (2) [الكافرون: الآية 1، 2] و نحن نعبد ما تعبدون، إلى أن قلت:

و ليس لي دين و ليس لكم دين. ثم نزلت الآية الأخرى الدالة على تحريمها مطلقا و هي‏ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ [المائدة: الآية 90] إلى قوله‏ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ‏ [المائدة: الآية 91] أي و لعل هذه الآية الأخيرة هي التي عناها أنس رضي اللّه عنه بقوله كما في البخاري: كنت ساقي القوم الخمر بمنزل أبي طلحة، أي و هو زوج أمه رضي اللّه عنهم، و نزل تحريم الخمر، فمرّ مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة اخرج فانظر ما هذا الصوت؟ قال:

فخرجت، فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فقال لي: اذهب فأهرقها، فقال بعض القوم: قتل قوم: أي في أحد و هي في بطونهم. و في رواية قالوا: يا رسول اللّه كيف بمن مات من أصحابنا، و كان شربها، فأنزل اللّه تعالى‏ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا [المائدة: الآية 93] أي لأن ذلك كان قبل تحريمها مطلقا.

و قد جي‏ء لعمر رضي اللّه عنه بشخص من المهاجرين الأوّلين قد سكر، فأراد عمر جلده فاستدل على عمر بهذه الآية، فقال عمر لمن حضره أ لا تردون عليه، فقال‏

45

ابن عباس رضي اللّه عنهما: هذه الآية نزلت عذرا للماضين و حجة على الباقين، ثم استشار عمر رضي اللّه عنه عليا (كرم اللّه وجهه)، فأشار عليه أن يجلده ثمانين جلدة:

و لعل هذا الشخص هو قدامة بن مظعون، و تقدمت قصته في بدر و تقدّم في ذلك أن الذي ردّ عليه بذلك عمر لا ابن عباس رضي اللّه عنهم و كذا و قد لأبي جندل رضي اللّه عنه مثل ذلك، و أنه أشفق: أي خاف من ذلك، فلما بلغ عمر رضي اللّه عنه كتب إليه: إن الذي زين إليك الخطيئة هو الذي حظر: أي منع عليك التوبة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ‏ [غافر: الآيات 1- 3] الآية.

غزوة خيبر

على وزن جعفر، سميت باسم رجل من العماليق نزلها يقال لها خيبر و هو أخو يثرب: أي الذي سميت باسمه المدينة كما تقدم. و في كلام بعضهم: الخيبر بلسان اليهود الحصن و من ثم قيل لها خيابر لاشتمالها على الحصون، و هي مدينة كبيرة ذات حصون و مزارع و نخل كثيرة، بينها و بين المدينة الشريفة ثمانية برد كما في سيرة الحافظ الدمياطي، و معلوم أن البريد أربعة فراسخ، و كل فرسخ ثلاثة أميال.

و لما رجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الحديبية أقام شهرا و بعض شهر: أي ذا الحجة ختام سنة ست. و أقام من المحرم افتتاح سنة سبع أياما؛ قيل عشرين يوما أو قريبا من ذلك، ثم خرج إلى خيبر، أي و هذا ما ذهب إليه الجمهور.

و نقل عن الإمام مالك رضي اللّه عنه أن خيبر كانت سنة ست؛ و إليه ذهب الإمام ابن حزم. و في التعليقة للشيخ أبي حامد أنها كانت سنة خمس. قال الحافظ ابن حجر: و هو و هم، و لعله انتقل من الخندق إلى خيبر.

قال: و قد استنفر (صلى اللّه عليه و سلم) من حوله ممن شهد الحديبية يغزون معه، و جاءه المخلفون عنه في غزوة الحديبية ليخرجوا معه رجاء الغنيمة، فقال: لا تخرجوا معي إلا راغبين في الجهاد، فأما الغنيمة فلا: أي لا تعطوا منها شيئا، ثم أمر مناديا ينادي بذلك فنادى به. قال أنس رضي اللّه عنه: و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأبي طلحة و هو زوج أم أنس كما تقدّم حين أراد الخروج إلى خيبر التمسوا غلاما من غلمانكم يخدمني، فخرج أبو طلحة مردفي و أنا غلام قد راهقت، فكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذا نزل خدمته فسمعته كثيرا ما يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهمّ و الحزن و العجز و الكسل و البخل و الجبن و ضلع الدين و غلبة الرجال ا ه.

أقول: و هذا السياق يدل على أن أوّل خدمة أنس رضي اللّه عنه له (صلى اللّه عليه و سلم) حينئذ،

46

و هو يخالف ما سبق أن عند قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة جاءت به أمه و قالت: هذا ابني، و هو غلام كيس، و كان عمره عشر سنين، و قيل تسع سنين، و قيل ثمان سنين.

ففي مسلم عن أنس قال «جاءت بي أمي أم أنس إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد أزرتني بنصف خمارها و ردتني بنصفه، فقالت: يا رسول اللّه هذا أنيس ابني أتيتك به ليخدمك فادع اللّه له فقال: اللهم أكثر ماله و ولده».

و قد يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون (صلى اللّه عليه و سلم) إنما قال لأبي طلحة ما ذكر رجاء أن يأتي له بمن هو أقوى من أنس على السفر شفقة على أنس، و من ثم لم يخرجه (صلى اللّه عليه و سلم) معه.

و فيه أنه خرج معه في بدر، فقد جاء «أنه قيل لأنس رضي اللّه عنه: أشهدت بدرا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: لا أم لك، و أين غبت عن بدر؟».

و قد يقال: جاز أن يكون عرض لأنس رضي اللّه عنه حين خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى خيبر ما يقتضي الشفقة عليه في عدم إخراجه معه و اللّه أعلم.

و استخلف (صلى اللّه عليه و سلم) على المدينة نميلة، و قيل سباع بن عرفطة، أي و صحح و كان اللّه وعده و هو بالحديبية: أي عند منصرفه منها في سورة الفتح بمغانم بقوله تعالى‏ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها [الفتح: الآية 20] أي مغانم خيبر، و خرج معه (صلى اللّه عليه و سلم) من نسائه أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) في سيرة لعامر بن الأكوع عم سلمة بن الأكوع رضي اللّه تعالى عنهما: انزل فحدثنا من هناتك، و في رواية: من هنيهاتك، و في لفظ: من هنياتك بقلب الهاء الثانية ياء، أي من أراجيزك و أشعارك. و في لفظ: انزل فحرك بنا الركاب، فقال: يا رسول اللّه قد تولى قولي: أي الشعر، فقال له عمر رضي اللّه عنه: اسمع و أطع، فنزل يرتجز بقوله رضي اللّه تعالى عنه:

و اللّه لو لا اللّه ما اهتدينا* * * و لا تصدقنا و لا صلينا

الأبيات.

و في مسلم «اللهم لو لا أنت ما اهتدينا» قيل و صوابه في الوزن لا هم، أو يا اللّه، أو و اللّه لكن في تلك الأبيات فاغفر فداء لك ما اقتفينا: أي فاغفر ما اكتسبنا، و أصل الاقتفاء الاتباع.

و في خطاب الباري عز و جل بفداء لك ما لا ينبغي لأنه لا يقال للباري عز و جل فديتك لأن ذلك إنما يستعمل في مكروه متوقع حلوله بالمفدي بالفتح، فيجعل المفدي بالكسر نفسه فداء له من ذلك، فيبذل نفسه عن نفسه.

و أجيب عن ذلك بأن الشاعر لم يرد ذلك، بل أراد أن يبذل نفسه في رضاه سبحانه و تعالى.

47

و عند إنشاده الأبيات المذكورة قال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يرحمك ربك، فقال له عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: و اللّه وجبت، أي الشهادة يا رسول اللّه، لو لا: أي هلا أمتعتنا به؟ أي أبقيته لنا لنتمتع به، و منه أمتعني اللّه ببقائك: أي هلا أخرت الدعاء له بذلك إلى وقت آخر، لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) ما قال ذلك لأحد في مثل هذا الموطن إلا و استشهد.

و في لفظ أن القائل له أسمعنا رجل من القوم. قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه صريحا، و أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما سمعه قال: من هذا السائق؟ قالوا:

عامر، قال (صلى اللّه عليه و سلم): ي(رحمه اللّه)، فقتل في هذه الغزاة رجع إليه سيفه فقتله، فإنه أراد أن يضرب به ساق يهودي فجاءت ذبابته في ركبته فمات من ذلك رضي اللّه عنه فقال الناس: قتله سلاحه، و في رواية: قتل نفسه أي فليس بشهيد، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

إنه لشهيد و صلى عليه (صلى اللّه عليه و سلم) و المسلمون. و في رواية قال سلمة بن الأكوع: يا رسول اللّه فداك أبي و أمي زعموا أن أخي عامرا حبط عمله. و في لفظ: يزعم أسيد بن حضير و جماعة من أصحابك أن عامرا حبط عمله إذ قتل بسيفه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كذب من قال: أي أخطأ في قوله، و إن له أجرين و جمع بين إصبعيه، و في رواية إنه لشهيد. و في لفظ إنه لجاهد مجاهد. و في لفظ مات جاهدا مجاهدا و الجاهد الجادّ في أمره، فلما قام بوصفين كان له أجران، و قيل هو من باب: جاد مجد، و شعر شاعر، فهو تأكيد، و كون عامر أخا سلمة هو خلاف ما تقدم أنه عمه و هو الصحيح المشهور.

قال في النور: و يمكن الجمع بأن يكون عمه من النسب و أخاه من الرضاعة، أي و حينئذ يكون هذا محمل قول ابن الجوزي (رحمه اللّه): من الإخوة الذين حدثوا عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عامر و سلمة ابنا الأكوع.

و في فتح الباري عن بعض الصحابة: فلما وصلنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول:

قد علمت خيبر أني مرحب‏* * * شاكي السلاح بطل مجرب‏

إذ الحروب أقبلت تلتهب

فبرز له عامر رضي اللّه عنه يقول:

قد علمت خيبر أني عمار* * * شاكي السلاح بطل مغامر

فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر رضي اللّه عنه، فذهب عامر يسفل لمرحب، أي يضربه من أسفل فعاد سيفه على نفسه: أي أصاب عين ركبة عامر فمات من ذلك، الحديث.

و كون عامر ارتجز لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي حدا به لا ينافي ما جاء أن البراء بن‏

48

مالك كان حسن الصوت و كان يرتجز لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في أسفاره، لأن المراد في غالب أو في بعض أسفاره كما صرح به بعض الروايات.

و جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال له: أي للبراء: إياك و القوارير، و هو يدل على أنه كان يرتجز لنسائه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو يخالف أن البراء كان حادي الرجال و أنجشة حادي النساء، إلا أن يقال: جاز أن يكون البراء حدا للنساء في بعض الأسفار أو في بعض الأحيان، و أنجشة كان في الغالب.

قال بعضهم: كان أنجشة رضي اللّه تعالى عنه عبدا أسود، و كان حسن الصوت بالحداء إذا حدا أعنقت الإبل، أي سارت العنق و أسرعت، فلما حدا بأمهات المؤمنين قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا أنجشة رويدك، رفقا بالقوارير.

و لما أشرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على خيبر و كان وقت الصبح قال لأصحابه رضي اللّه عنهم قفوا، ثم قال، أي و في لفظ قال لهم: قولوا «اللهم رب السموات و ما أظللن، و رب الأرضين و ما أقللن، و رب الشياطين و ما أضللن، و رب الرياح و ما أذرين فإنا نسألك من خير هذه القرية و خير أهلها و خير ما فيها، و نعوذ بك من شرها و شر أهلها و شر ما فيها، اقدموا بسم اللّه» أي و في لفظ «ادخلوا على بركة اللّه تعالى» و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يقولها لكل قرية دخلها.

أي و جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما توجه إلى خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «اربعوا على أنفسكم» أي ارفقوا بأنفسكم، لا تبالغوا في رفع أصواتكم «فإنكم لا تدعون أصم و لا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا و هو معكم» قال عبد اللّه بن قيس رضي اللّه عنه: «و كنت خلف دابته (صلى اللّه عليه و سلم) فسمعني أقول: لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، فقال يا عبد اللّه بن قيس، قلت لبيك يا رسول اللّه، قال: أ لا أدلك على كلمة من كنز الجنة؟ قلت بلى يا رسول اللّه فداك أبي و أمي، قال لا حول و لا قوة إلا باللّه».

و يحتاج إلى الجمع بين هذا و بين أمره (صلى اللّه عليه و سلم) بأن أصحابه يرفعون أصواتهم بالتلبية. و قد يقال: المنهي عنه هنا الرفع الخارج عن العادة الذي ربما آذى بدليل قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «اربعوا عن أنفسكم» أي ارفقوا بها كما تقدم، فلا منافاة.

و لما أبصر (صلى اللّه عليه و سلم) عمالها و قد خرجوا بمساحيهم و مكاتلهم قالوا: محمد و الخميس: أي الجيش العظيم معه، قيل له الخميس لأنه خمسة أقسام المقدمة و الساقة و الميمنة و الميسرة و هما الجناحين و القلب، و أدبروا هرابا.

قال: و ذكر أنه كان بها عشرة آلاف مقاتل، و أنهم كانوا لا يظنون أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يغزوهم حين بلغهم أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يغزوهم و هم يخرجون‏

49

و يصطفون صفوفا ثم يقولون محمد يغزونا هيهات هيهات.

و ذكر أن عبد اللّه بن أبي ابن سلول أرسل إليهم يخبرهم بأن محمدا سائر إليكم، فخذوا حذركم، و أدخلوا أموالكم حصونكم، و اخرجوا إلى قتاله و لا تخافوا منه، إن عددكم كثير و قوم محمد شرذمة قليلون عزل لا سلاح معهم إلا قليل.

فلما كانت الليلة التي نزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صبيحتها بساحتهم لم يتحركوا تلك الليلة و لم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس، فأصبحوا: أي قاموا من نومهم و أفئدتهم تخفق، و فتحوا حصونهم و غدوا إلى أعمالهم معهم الفؤوس و يقال لها الكرازين و المساحي و معهم المكاتل، أي و هي القفف الكثيرة، فلما رأوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لوا هاربين إلى حصونهم ا ه. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اللّه أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، أي و بذلك استدل على جواز الاقتباس من القرآن، و إنما قال (صلى اللّه عليه و سلم) خربت خيبر، لأنه لما رأى آلة الهدم التي هي الفؤوس و المساحي تفاءل (صلى اللّه عليه و سلم) بأن حصونهم ستخرب، أو أخذ ذلك من اسمها، أو أن ذلك دعاء بلفظ الخبر، قال الإمام النووي (رحمه اللّه): و الأصح أنه أعلمه اللّه بذلك و يوافقه ما في فتح الباري.

و يحتمل أن يكون قال ذلك بطريق الوحي و يؤيده قوله «إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» أي لأنه نزل بساحتهم، و هي في الأصل الفضاء بين الأبينة.

و ابتدأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من حصونهم بحصون النطاة قبل حصون الشق و قيل بحصون الكثيبة، أي لأنهم أدخلوا أموالهم و عيالهم في حصون الكثيبة، و جمعوا المقاتلة في حصون النطاة، و كان نزل قريبا من حصون النطاة، فجاءه (صلى اللّه عليه و سلم) الحباب بن المنذر رضي اللّه تعالى عنه فقال: يا رسول اللّه إنك نزلت منزلك هذا، فإن كان عن أمر أمرت به فلا نتكلم، و إن كان الرأي تكلمنا؛ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هو الرأي، فقال: يا رسول اللّه إن أهل النطاة لي بهم معرفة، ليس قوم أبعد مدى سهم منهم و لا أعدل رمية منهم، و هم مرتفعون علينا، و هو أسرع لانحطاط نبلهم، و لا نأمن من بياتهم يدخلون في حمرة النخل. أي النخل المجتمع بعضه على بعض، تحول يا رسول اللّه، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): أشرت بالرأي إذا أمسينا إن شاء اللّه تحولنا. و دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه فقال: انظر لنا منزلا بعيدا، فطاف محمد رضي اللّه عنه، و قال: يا رسول اللّه وجدت لك منزلا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): على بركة اللّه و تحول لما أمسى، و أمر الناس بالتحول.

أي و في لفظ: إن راحلته (صلى اللّه عليه و سلم) قامت تجرّ بزمامها فأدركت لتردّ، فقال دعوها فإنها مأمورة، فلما انتهت إلى موضع من الصخرة بركت عندها، فتحول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الصخرة و تحول الناس إليها و اتخذوا ذلك الموضع معسكرا. و في الأصل أنه نزل‏

50

بذلك ليحول بين أهل خيبر و بين غطفان لأنهم كانوا مظاهرين لهم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و قد يقال: لا مخالفة بين هذه الروايات الثلاث فليتأمل. و ابتنى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هناك مسجدا صلى به طول مقامه بخيبر، أي و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) بقطع نخيل أهل حصون النطاة فوقع المسلمون في قطعها حتى قطعوا أربعمائة نخلة ثم نهاهم عن القطع، فما قطع من نخيل خيبر غيرها. قال: قيل و قاتل (صلى اللّه عليه و سلم) يومه ذلك أشد القتال و عليه درعان و بيضة و مغفر و هو على فرس يقال له الظرب، و في يده قناة و ترس.

و ما قيل إنه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم خيبر كان على حمار مخطوم برسن من ليف و تحته إكاف من ليف. أي ففي مسلم عن ابن عمر رضي اللّه عنه. رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على حمار و هو متوجه إلى خيبر، جاز أن يكون ركب ذلك الحمار في الطريق و حال القتال ركب ذلك الفرس انتهى.

أقول: يرشد إلى هذا الجمع قوله متوجه إلى خيبر، و ظاهر هذا الكلام أنه (صلى اللّه عليه و سلم) باشر القتال بنفسه، و تقدم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يباشر القتال بنفسه إلا في أحد.

و يبعد أن يكون باشر القتال بنفسه و لم يقتل أحدا، إذ لو قتل أحدا لذكر لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله. و قد يكون المراد بقولهم و قاتل (صلى اللّه عليه و سلم) بنفسه: أي قاتل جيشه، و يدل لذلك ما في الإمتاع: و ألح على حصن ناعم، أي و هو من حصون النطاة بالرمي، و يهود تقاتل و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على فرس يقال له الظرب و عليه درعان و مغفر و بيضة و في يده قناة و ترس.

و قد دفع (صلى اللّه عليه و سلم) لواءه لرجل من المهاجرين فرجع و لم يصنع شيئا، فدفعه إلى آخر من المهاجرين فرجع و لم يصنع شيئا، و خرجت كتائب اليهود يقدمهم ياسر، فكشف الأنصار حتى انتهى إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في موقفه، فاشتد ذلك على رسول اللّه و أمسى مهموما و اللّه أعلم.

و في ذلك اليوم قتل محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة رضي اللّه عنهما برحى ألقيت عليه من ذلك الحصن، ألقاها عليه مرحب، و قيل كنانة بن الربيع. و قد يجمع بأنهما اجتمعا على ذلك، و سيأتي ما يدل على أن قاتله غيرهما.

و قد يقال: لا مانع من أن يكونوا: أي الثلاثة تجمعوا على قتله، أي فإن محمود بن مسلمة رضي اللّه عنه كان قد حارب حتى أعياه الحرب و ثقل السلاح و كان الحر شديدا، فانحاز إلى ظل ذلك الحصن فألقى عليه حجر الرحى فهشم البيضة على رأسه و نزلت جلدة جبينه على وجهه أي و ندرت عينه، فأدركه المسلمون، فأتوا به النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فسوى الجلدة إلى مكانها و عصبه بخرقة فمات رضي اللّه عنه من شدة الجراحة، و جاء أخوه محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: إن‏

51

اليهود قتلوا أخي محمود بن مسلمة فقال (صلى اللّه عليه و سلم) «لا تتمنوا لقاء العدو، و اسألوا اللّه العافية، فإنكم لا تدرون ما تبتلون به منهم، فإذا لقيتموه فقولوا: اللهم أنت ربنا و ربهم و نواصينا و نواصيهم بيدك، و إنما تقتلهم أنت، ثم الزموا الأرض جلوسا، فإذا غشوكم فانهضوا و كبروا».

أي و في سياق بعضهم ما يدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) مكث سبعة أيام يقاتل أهل حصون النطاة يذهب كل يوم بمحمد بن مسلمة رضي اللّه عنه للقتال و يخلف على محل العسكر عثمان بن عفان، فإذا أمسى رجع (صلى اللّه عليه و سلم) إلى ذلك المحل، و من جرح من المسلمين يحمل إلى ذلك المحل ليداوي جرحه، و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يناوب بين أصحابه في حراسة الليل، فلما كانت الليلة السادسة من السبع استعمل (صلى اللّه عليه و سلم) عمر رضي اللّه عنه فطاف عمر رضي اللّه عنه بأصحابه حول العسكر و فرقهم، فأتي برجل من يهود خيبر في جوف الليل، فأمر به عمر رضي اللّه عنه أن يضرب عنقه فقال: اذهب بي إلى نبيكم حتى أكلمه، فأمسك عنه و انتهى به إلى باب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فوجده يصلي فسمع (صلى اللّه عليه و سلم) كلام عمر فسلم و أدخله عليه، فدخل باليهودي فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لليهودي: ما وراءك؟ فقال: تؤمنني يا أبا القاسم؟ فقال: نعم، قال خرجت من حصن النطاة من عند قوم يتسللون من الحصن في هذه الليلة قال: فأين يذهبون؟

قال: إلى الشق يجعلون فيه ذراريهم و يتهيؤون للقتال، و لعل المراد ما أبقوه من ذراريهم، فلا ينافي ما تقدم من أنهم أدخلوا أموالهم و عيالهم في حصون الكثيبة، أو أن ذلك المخبر أخبر بحسب ما فهم أنهم يجعلون ذراريهم في الشق و الحال أنهم إنما يذهبون ليجعلوا ذراريهم في حصون الكثيبة فليتأمل.

و في هذا الحصن الذي هو الحصن الصعب من حصون النطاة في بيت فيه تحت الأرض منجنيق و دبابات و دروع و سيوف، فإذا دخلت الحصن غدا و أنت تدخله، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن شاء اللّه، قال اليهودي إن شاء اللّه أوقفتك عليه فإنه لا يعرفه غيري. و أخرى، قيل: ما هي؟ قال يستخرج المنجنيق، و ينصب على الشق، و يدخل الرجال تحت الدبابات، فيحفروا الحصن، فتفتحه من يومك، و كذلك تفعل بحصون الكثيبة، ثم قال: يا أبا القاسم احقن دمي، قال: أنت آمن، قال: و لي زوجة فهبها لي، قال هي لك، ثم دعاه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الإسلام فقال أنظرني أياما، ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم) لمحمد بن مسلمة رضي اللّه عنه «لأعطين الراية» إلى رجل يحب اللّه و رسوله و يحبانه» و في لفظ قال (صلى اللّه عليه و سلم) «لأدفعن الراية إلى رجل يحب اللّه و رسوله لا يولي الدبر؛ يفتح اللّه عز و جل على يده فيمكنه اللّه من قاتل أخيك» و عند ذلك لم يكن من الصحابة رضي اللّه عنهم أحد له منزلة عند النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلا يرجو أن يعطاها.

و عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال: ما أحببت الإمارة إلا ذلك‏

52

اليوم، و لعل ذلك لا ينافي ما جاء «أن وفد ثقيف لما جاءوه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لهم لتسلمن أو لأبعثن إليكم رجلا مني، و في رواية: مثل نفسي فليضربن أعناقكم و ليسبين ذراريكم، و ليأخذن أموالكم، قال عمر رضي اللّه عنه فو اللّه ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ، و جعلت أنصب صدري له (صلى اللّه عليه و سلم) رجاء أن يقول هو هذا، فالتفت (صلى اللّه عليه و سلم) إلى علي (كرم اللّه وجهه) فأخذه بيده و قال: هو هذا، هو هذا».

و قد يقال: لا يلزم من محبة الشي‏ء تمنيه بخلاف العكس. ففي هذه الغزاة أحب الإمارة و ما تمناها، و في وفد ثقيف المتأخر عن هذه الغزاة تمناها لأن الوصف في ذلك أبلغ من الوصف هنا فليتأمل.

و يروى «أن عليا (كرم اللّه وجهه) لما بلغه مقالته (صلى اللّه عليه و سلم): أي في خيبر، قال: اللهم لا معطي لما منعت، و لا مانع لما أعطيت، فبعث (صلى اللّه عليه و سلم) إلى علي (كرم اللّه وجهه) و كان أرمد شديد الرمد»: أي و كان قد تخلف في المدينة ثم لحق بالقوم «أي فقيل له: إنه يشتكي عينيه، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) من يأتيني به؟ فذهب إليه سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه و أخذ بيده يقوده حتى أتي به النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قد عصب عينيه فعقد له (صلى اللّه عليه و سلم) اللواء: أي لواءه الأبيض.

فعن ابن إسحاق و ابن سعد: لم تكن الرايات إلا يوم خيبر، أي فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) فرق الرايات يومئذ بين أبي بكر و عمر و الحباب بن المنذر و سعد بن عبادة رضي اللّه عنهم، و إنما كانت الألوية، و كانت راية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سوداء من برد لعائشة رضي اللّه عنها تدعى العقاب.

و في كلام المقريزي: لما ذكر رتب الرئاسة في الجاهلية ذكر أن العقاب كان في الجاهلية راية تكون لرئيس الحرب و جاء الإسلام و هي عند أبي سفيان، و جاء الإسلام و السدانة و اللواء عند عثمان بن أبي طلحة من بني عبد الدار.

و في سيرة الحافظ الدمياطي (رحمه اللّه): و كانت له (صلى اللّه عليه و سلم) راية سوداء مربعة من نمرة مخملة يقال لها العقاب، و كان له راية صفراء، و لواؤه أبيض دفعه إلى علي (كرم اللّه وجهه) و فيه أن ذلك اللواء يقال له العقاب.

و في سيرة الدمياطي (رحمه اللّه)، و كانت ألويته (صلى اللّه عليه و سلم) بيضاء و ربما جعل فيها الأسود و لعل السواد كان كتابة في ذلك العلم، و لعل هذا اللواء الذي فيه الأسود هو المعني بما جاء في بعض الروايات «كان له (صلى اللّه عليه و سلم) لواء أبيض مكتوب فيه: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه» أي بالسواد، و لعله محمل قول بعضهم: كان له (صلى اللّه عليه و سلم) لواء أغبر، و ربما كان من خز بعض نسائه «فقال علي (كرم اللّه وجهه): يا رسول اللّه إني أرمد كما ترى، لا أبصر موضع قدمي، فتفل (صلى اللّه عليه و سلم)، و في لفظ: بصق في عينيه، أي بعد أن‏